Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
وَإِبْرَاهِيمَ، فَإِذَا انْقَضَتِ الْحَرْبُ سَيَّرَ طَائِفَةً مِنْهُمْ إِلَى الْبَصْرَةِ، (يُقَاتِلُ بِهِمْ إِسْحَاقَ) ، فَأَقَامُوا كَذَلِكَ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا إِلَى أَنْ صُرِفَ مُوسَى بْنُ بُغَا عَنْ حَرْبِ الزَّنْجِ، وَوَلِيَهَا مَسْرُورٌ الْبَلْخِيُّ، فَانْتَهَى الْخَبَرُ بِذَلِكَ إِلَى الْخَبِيثِ.
ذِكْرُ مُلْكِ يَعْقُوبَ نَيْسَابُورَ
وَفِيهَا، فِي شَوَّالٍ، دَخَلَ يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ نَيْسَابُورَ، وَكَانَ سَبَبُ مَسِيرِهِ إِلَيْهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ السِّجْزِيَّ كَانَ يُنَازِعُ يَعْقُوبَ بِسِجِسْتَانَ، فَلَمَّا قَوِيَ عَلَيْهِ يَعْقُوبُ هَرَبَ مِنْهُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، فَأَرْسَلَ يَعْقُوبُ يَطْلُبُ مِنِ ابْنِ طَاهِرٍ أَنْ يُسَلِّمَهُ إِلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَسَارَ نَحْوَهُ إِلَى نَيْسَابُورَ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهَا، وَأَرَادَ دُخُولَهَا، وَجَّهَ مُحَمَّدَ بْنَ طَاهِرٍ يَسْتَأْذِنُهُ فِي تَلَقِّيهِ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَبَعَثَ بِعُمُومَتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَتَلَقَّوْهُ.
ثُمَّ دَخَلَ نَيْسَابُورَ فِي شَوَّالٍ، فَرَكِبَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ، فَدَخَلَ إِلَيْهِ فِي مَضْرِبِهِ، فَسَاءَلَهُ، ثُمَّ وَبَّخَهُ عَلَى تَفْرِيطِهِ فِي عَمَلِهِ، وَقَبَضَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى نَيْسَابُورَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَذْكُرُ تَفْرِيطَ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ فِي عَمَلِهِ، وَأَنَّ أَهْلَ خُرَاسَانَ سَأَلُوهُ الْمَسِيرَ إِلَيْهِمْ، وَيَذْكُرُ غَلَبَةَ الْعَلَوِيِّينَ عَلَى طَبَرِسْتَانَ، وَبَالَغَ فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى مَا أُسْنِدَ إِلَيْهِ، وَأَلَّا يَسْلُكَ مَعَهُ مَسْلَكَ الْمُخَالِفِينَ.
وَقِيلَ كَانَ سَبَبُ مُلْكِ يَعْقُوبَ نَيْسَابُورَ مَا ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ [وَمِائَتَيْنِ] مِنْ ضَعْفِ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ أَمِيرِ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا تَحَقَّقَ يَعْقُوبُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الدَّفْعِ سَارَ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ قَدْ عَزَمَ عَلَى قَصْدِ طَبَرِسْتَانَ لِيُمْضِيَ مَا أَمَرَهُ الْخَلِيفَةُ فِي الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ الْمُتَغَلِّبِ عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ لَا يَعْرِضُ لِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ، وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ أَسْبَابِهِ.
وَكَانَ بَعْضُ خَاصَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، وَبَعْضُ أَهْلِهِ لَمَّا رَأَوْا إِدْبَارَ أَمْرِهِ مَالُوا إِلَى يَعْقُوبَ، فَكَاتَبُوهُ، وَاسْتَدْعَوْهُ، وَهَوَّنُوا عَلَى مُحَمَّدٍ أَمْرَ يَعْقُوبَ (مِنْ نَيْسَابُورَ) ، فَأَعْلَمُوهُ أَنَّهُ لَا خَوْفَ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَثَبَّطُوهُ عَنِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، فَرَكَنَ مُحَمَّدٌ إِلَى قَوْلِهِمْ، حَتَّى قَرُبَ
стр. 3257
يَعْقُوبُ مِنْ نَيْسَابُورَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ يُطَيِّبُ قَلْبَهُ، وَأَمَرَهُ بِمَنْعِهِ عَنْ الِانْتِزَاحِ عَنْ نَيْسَابُورَ إِنْ أَرَادَ ذَلِكَ.
ثُمَّ وَصَلَ يَعْقُوبُ إِلَى نَيْسَابُورَ رَابِعَ شَوَّالٍ وَأَرْسَلَ أَخَاهُ عَمْرَو بْنَ اللَّيْثِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، فَأَحْضَرَهُ عِنْدَهُ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَقَيَّدَهُ، وَعَنَّفَهُ عَنْ إِهْمَالِهِ عَمَلَهُ، وَعَجْزِهِ عَنْ حِفْظِهِ، ثُمَّ قَبَضَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَكَانُوا نَحْوًا مِنْ مِائَةٍ وَسِتِّينَ رَجُلًا، وَحَمَلَهُمْ إِلَى سِجِسْتَانَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى خُرَاسَانَ، وَرَتَّبَ فِي الْأَعْمَالِ نُوَّابَهُ.
وَكَانَتْ وِلَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَشَهْرَيْنِ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ.
ذِكْرُ ظُهُورِ ابْنِ الصُّوفِيِّ بِمِصْرَ ثَانِيًا
وَفِيهَا عَادَ ابْنُ الصُّوفِيِّ الْعَلَوِيُّ فَظَهَرَ بِمِصْرَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ [وَمِائَتَيْنِ] ظُهُورَهُ وَهَرَبَهُ إِلَى الْوَاحَاتِ، فَأَحَمَّ نَفْسَهُ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى نَفْسِهِ، فَتَبِعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَسَارَ بِهِمْ إِلَى الْأَشْمُونِينَ، فَوُجِّهَ إِلَيْهِ جَيْشٌ عَلَيْهِمْ قَائِدٌ يُعْرَفُ بِابْنِ أَبِي الْغَيْثِ، فَوَجَدَهُ قَدْ أَصْعَدَ إِلَى لِقَاءِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُمَرِيِّ، وَسَنَذْكُرُ بَعْدُ هَذَا.
فَلَمَّا وَصَلَ الْعَلَوِيُّ إِلَى الْعُمَرِيِّ الْتَقَيَا، فَكَانَ بَيْنَهُمَا قِتَالٌ شَدِيدٌ، أَجْلَتِ الْوَقْعَةُ عَنِ انْهِزَامِ الْعَلَوِيِّ، فَوَلَّى مُنْهَزِمًا إِلَى أَسْوَانَ، فَعَاثَ فِيهَا، وَقَطَعَ كَثِيرًا مِنْ نَخْلِهَا.
فَسَيَّرَ إِلَيْهِ ابْنُ طُولُونَ جَيْشًا، وَأَمَرَ بِطَلَبِهِ أَيْنَ كَانَ، فَسَارَ الْجَيْشُ فِي طَلَبِهِ فَوَلَّى هَارِبًا إِلَى عَيْذَابَ، وَعَبَرَ الْبَحْرَ إِلَى مَكَّةَ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مَكَّةَ بَلَغَ خَبَرُهُ إِلَى وَالِيهَا، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَحَبَسَهُ، ثُمَّ سَيَّرَهُ إِلَى ابْنِ طُولُونَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مِصْرَ أُمِرَ بِهِ فَطِيفَ بِهِ فِي الْبَلَدِ، ثُمَّ سَجَنَهُ مُدَّةً وَأَطْلَقَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ.
ذِكْرُ حَالِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُمَرِيِّ
قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُمَرِيِّ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
وَكَانَ سَبَبُ ظُهُورِهِ بِمِصْرَ أَنَّ الْبِجَاةَ أَقْبَلَتْ يَوْمَ الْعِيدِ، فَنَهَبُوا وَقَتَلُوا وَعَادُوا غَانِمِينَ، وَفَعَلُوا ذَلِكَ مَرَّاتٍ، فَخَرَجَ هَذَا الْعُمَرِيُّ غَضَبًا لِلَّهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَكَمَنَ لَهُمْ فِي طَرِيقِهِمْ،
стр. 3258
فَلَمَّا عَادُوا خَرَجَ عَلَيْهِمْ، وَقَتَلَ مُقَدَّمَهُمْ وَمَنْ مَعَهُ، وَدَخَلَ بِلَادَهُمْ فَنَهَبَهَا، وَقَتَلَ فِيهِمْ فَأَكْثَرَ، وَنَهَبُوا وَسَبَوْا مَا لَا يُحْصَى، وَتَابَعَ عَلَيْهِمُ الْغَارَاتِ حَتَّى أَدَّوْا إِلَيْهِ الْجِزْيَةَ، وَلَمْ يَفْعَلُوهَا قَبْلَ ذَلِكَ.
وَاشْتَدَّتْ شَوْكَةُ الْعُمَرِيِّ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُهُ ابْنَ طُولُونَ سَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا كَثِيفًا، فَلَمَّا الْتَقَوْا تَقَدَّمَ الْعُمَرِيُّ، وَقَالَ لِمُقَدَّمِ الْجَيْشِ: إِنَّ ابْنَ طُولُونَ لَا يَعْرِفُ خَبَرِي، لَا شَكَّ، عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ لِلْفَسَادِ، وَلَمْ يَتَأَذَّ بِي مُسْلِمٌ وَلَا ذِمِّيٌّ، وَإِنَّمَا خَرَجْتُ طَلَبًا لِلْجِهَادِ، فَاكْتُبْ إِلَى الْأَمِيرِ أَحْمَدَ عَرِّفْهُ كَيْفَ حَالِي، فَإِنْ أَمَرَكَ بِالِانْصِرَافِ فَانْصَرِفْ، وَإِلَّا إِنْ أَمَرَكَ بِغَيْرِ ذَلِكَ كُنْتَ مَعْذُورًا. فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، وَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ جَيْشُ ابْنِ طُولُونَ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ أَخْبَرُوهُ بِحَالِ الْعُمَرِيِّ فَقَالَ: كُنْتُمْ أَنْهَيْتُمْ حَالَهُ إِلَيَّ، فَإِنَّهُ نُصِرَ عَلَيْكُمْ بِبَغْيِكُمْ، وَتَرَكَهُ.
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ مُدَّةٍ وَثَبَ عَلَى الْعُمَرِيِّ غُلَامَانِ لَهُ فَقَتَلَاهُ، وَحَمَلَا رَأْسَهُ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ، فَلَمَّا حَضَرَا عِنْدَهُ سَأَلَهُمَا عَنْ سَبَبِ قَتْلِهِ، فَقَالَا: أَرَدْنَا التَّقَرُّبَ إِلَيْكَ بِذَلِكَ، فَقَتَلَهُمَا، وَأَمَرَ بِرَأْسِ الْعُمَرِيِّ فَغُسِّلَ، وَكُفِّنَ، وَدُفِنَ.
ذِكْرُ مَا كَانَ هَذِهِ السَّنَةَ بِالْأَنْدَلُسِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، إِلَى طُلَيْطِلَةَ فَنَازَلَهَا وَحَصَرَهَا، وَكَانَ أَهْلُهَا قَدْ خَالَفُوا عَلَيْهِ، وَطَلَبُوا الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ، وَأَخَذَ رَهَائِنَهُمْ.
وَفِيهَا خَرَجَ أَهْلُ طُلَيْطُلَةَ إِلَى حِصْنِ سَكْيَانَ، وَكَانَ فِيهِ سَبْعُمِائَةَ رَجُلٍ مِنَ الْبَرْبَرِ، وَكَانَ أَهْلُ طُلَيْطُلَةَ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، فَلَمَّا الْتَحَمَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمُ انْهَزَمَ أَحَدُ مُقَدَّمِي أَهْلِهَا، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبٍ، فَتَبِعَهُ أَهْلُ طُلَيْطُلَةَ فِي الْهَزِيمَةِ، وَإِنَّمَا انْهَزَمَ لِعَدَاوَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُقَدَّمٍ آخَرَ اسْمُهُ طُرَيْشَةُ مِنْ أَهْلِ طُلَيْطُلَةَ، فَأَرَادَ أَنْ يُوهِنَهُ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا انْهَزَمُوا قَتَلُوا الْبِرْقِيلَ (؟) .
وَفِيهَا عَادَ عَمْرُو بْنُ عَمْرُوسَ إِلَى طَاعَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ مُخَالِفًا عَلَيْهِ عِدَّةَ سِنِينَ، فَوَلَّاهُ مَدِينَةَ أَمَشْقَةَ، وَحَصَرَ مُحَمَّدٌ حُصُونَ بَنِي مُوسَى، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى بَنْبَلُونَةَ فَوَطِئَ أَرْضَهَا وَعَادَ.
стр. 3259
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
(وَفِيهَا سَارَتْ سَرِيَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَى مَدِينَةٍ سَرَقُوسَةَ، فَصَالَحَهَا أَهْلُهَا عَلَى أَنْ أَطْلَقُوا الْأَسْرَى الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ أَسِيرًا، فَلَمَّا أَطْلَقُوهُمْ عَادَتْ عَنْهُمْ) .
وَفِيهَا قُتِلَ كِيجُورُ، وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْكُوفَةِ، فَسَارَ عَنْهَا إِلَى سَامَرَّا بِغَيْرِ إِذَنٍ، فَأُمِرَ بِالرُّجُوعِ فَأَبَى، فَحُمِلَ إِلَيْهِ مَالٌ لِيُفَرِّقَهُ فِي أَصْحَابِهِ فَلَمْ يَقْنَعْ بِهِ، وَسَارَ حَتَّى أَتَى عُكْبَرَا، فُوُجِّهَ إِلَيْهِ مِنْ سَامَرَّا عِدَّةٌ مِنَ الْقُوَّادِ فَقَتَلُوهُ، وَحَمَلُوا رَأْسَهُ إِلَى سَامَرَّا.
وَفِيهَا غَلَبَ شَرْكَبُ الْحِمَارُ عَلَى مَرْوَ، وَنَاحِيَتِهَا وَنَهَبَهَا.
وَفِيهَا انْصَرَفَ يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ عَنْ بَلْخَ، فَأَقَامَ بِقَهِسْتَانَ، وَوَلَّى عُمَّالَهُ هَرَاةَ، وَبُوشَنْجَ، وَبَاذَغِيسَ، وَانْصَرَفَ إِلَى سِجِسْتَانَ.
وَفِيهَا فَارَقَ عَبْدُ اللَّهِ السِّجْزِيُّ يَعْقُوبَ، وَحَاصَرَ نَيْسَابُورَ وَبِهَا مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ (قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهَا يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ، فَوَجَّهَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ) إِلَيْهِ الرُّسُلَ وَالْفُقَهَاءَ، فَاخْتَلَفُوا بَيْنَهُمَا، ثُمَّ وَلَّاهُ الطَّبَسَيْنِ، وَقُهِسْتَانَ.
وَفِيهَا غَلَبَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ عَلَى قُومِسَ وَدَخَلَهَا أَصْحَابُهُ.
стр. 3260
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ بَيَانٍ، وَوَهْسُوذَانَ بْنِ جُسْتَانَ الدَّيْلَمَيِّ، وَانْهَزَمَ وَهْسُوذَانُ.
وَفِيهَا نَزَلَتِ الرُّومُ عَلَى سُمَيْسَاطَ، ثُمَّ نَزَلُوا عَلَى مَلْطِيَّةَ، (وَقَاتَلَهُمْ أَهْلُهَا) ، فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ، وَقُتِلَ بِطْرِيقُ الْبَطَارِقَةِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ الْمَعْرُوفُ بِبَرِّيَّةَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُوسَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ حَيُّوَيْهِ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرُوسَ بْنِ يُونُسَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ دِينَارٍ الْكُوفِيُّ التَّغْلِبِيُّ، وَكَانَ شِيعِيًّا ضَعِيفَ الْحَدِيثِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ الطَّائِيُّ الْمَوْصِلِيُّ، وَكَانَ مُحَدِّثًا، (وَمِمَّنْ رَوَى عَنْهُ أَبُوهُ عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ) .
стр. 3261
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٦٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ دُخُولِ يَعْقُوبَ طَبَرِسْتَانَ
وَفِيهَا وَاقَعَ يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ الْحَسَنَ بْنَ زَيْدٍ الْعَلَوِيَّ، فَهَزَمَهُ، وَدَخَلَ طَبَرِسْتَانَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ السِّجْزِيَّ [كَانَ] يُنَازِعُ يَعْقُوبَ الرِّئَاسَةَ بِسِجِسْتَانَ، فَقَهَرَهُ يَعْقُوبُ، فَهَرَبَ مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى نَيْسَابُورَ، فَلَمَّا سَارَ يَعْقُوبُ إِلَى نَيْسَابُورَ، كَمَا ذَكَرْنَا، هَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ بِطَبَرِسْتَانَ، فَسَارَ يَعْقُوبُ فِي أَثَرِهِ، فَلَقِيَهُ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ بِقَرْيَةِ سَارِيَةَ.
وَكَانَ يَعْقُوبُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى الْحَسَنِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ وَيَرْجِعَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ لِذَلِكَ، لَا لِحَرْبِهِ، فَلَمْ يُسْلِمْهُ الْحَسَنُ، فَحَارَبَهُ يَعْقُوبُ، فَانْهَزَمَ الْحَسَنُ، وَمَضَى نَحْوَ السِّرِّ وَأَرْضِ الدَّيْلَمِ، وَدَخَلَ يَعْقُوبُ سَارِيَةَ، وَآمُلَ، وَجَبَى أَهْلَهَا خَرَاجَ سَنَةٍ، ثُمَّ سَارَ فِي طَلَبِ الْحَسَنِ، فَسَارَ إِلَى بَعْضِ جِبَالِ طَبَرِسْتَانَ، وَتَتَابَعَتْ عَلَيْهِ الْأَمْطَارُ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَلَمْ يَتَخَلَّصْ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَهَلَكَ عَامَّةُ مَا مَعَهُ مِنَ الظَّهْرِ.
ثُمَّ أَرَادَ الدُّخُولَ خَلْفَ الْحَسَنِ، فَوَقَفَ عَلَى الطَّرِيقِ الَّذِي يُرِيدُ [أَنْ] يَسْلُكَهُ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْوُقُوفِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ وَحْدَهُ، وَتَأَمَّلَ الطَّرِيقَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِمْ فَأَمَرَهُمْ بِالِانْصِرَافِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ غَيْرُ هَذَا، وَإِلَّا لَا طَرِيقَ إِلَيْهِ.
وَكَانَ نِسَاءُ أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ قُلْنَ لِلرِّجَالِ: دَعُوهُ يَدْخُلْ، فَإِنَّهُ إِنْ دَخَلَ كَفَيْنَاكُمْ أَمْرَهُ، وَعَلَيْنَا أَسْرُهُ لَكُمْ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ طَبَرِسْتَانَ عَرَضَ رِجَالَهُ، فَفَقَدَ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ أَلْفًا، وَذَهَبَ أَكْثَرُ مَا كَانَ مَعَهُ مِنَ الْخَيْلِ، وَالْإِبِلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْأَثْقَالِ، وَكَتَبَ إِلَى الْخَلِيفَةِ بِمَا فَعَلَهُ مَعَ
стр. 3262
الْحَسَنِ مِنَ الْهَزِيمَةِ، وَسَارَ إِلَى الرَّيِّ فِي طَلَبِ عَبْدِ اللَّهِ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ سَارَ إِلَيْهَا بَعْدَ هَزِيمَةِ الْحَسَنِ، فَلَمَّا قَارَبَهَا يَعْقُوبُ كَتَبَ إِلَى الصَّلَانِيِّ، وَإِلَيْهَا يُخَيِّرُهُ بَيْنَ تَسْلِيمِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَيْهِ وَيَنْصَرِفُ عَنْهُ، وَبَيْنَ الْمُحَارِبَةِ، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ فَرَحَلَ عَنْهُ، وَقَتَلَ عَبْدَ اللَّهِ.
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِالْمَوْصِلِ وَإِخْرَاجِ عَامِلِهِمْ
كَانَ الْخَلِيفَةُ الْمُعْتَمِدُ عَلَى اللَّهِ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَوْصِلِ أَسَاتِكِينَ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ قُوَّادِ الْأَتْرَاكِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ ابْنَهُ أَذْكُوتَكِينَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ; فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّيْرُوزِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ نِيسَانَ، غَيَّرَهُ الْمُعْتَضِدُ بِاللَّهِ، وَدَعَا أَذْكُوتَكِينَ وَوُجُوهَ أَهْلِ الْمَوْصِلِ إِلَى قُبَّةٍ فِي الْمَيْدَانِ، وَأَحْضَرَ أَنْوَاعَ الْمَلَاهِي، وَأَكْثَرَ الْخَمْرَ، وَشَرِبَ ظَاهِرًا، وَتَجَاهَرَ أَصْحَابُهُ بِالْفُسُوقِ، وَفِعْلِ الْمُنْكَرَاتِ، وَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِي النَّاسِ.
وَكَانَ تِلْكَ السَّنَةَ بَرْدٌ شَدِيدٌ أَهْلَكَ الْأَشْجَارَ، وَالثِّمَارَ، وَالْحِنْطَةَ، وَالشَّعِيرَ، وَطَالَبَ النَّاسَ بِالْخَرَاجِ عَلَى الْغَلَّاتِ الَّتِي هَلَكَتْ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ لَا يَسْمَعُ بِفَرَسٍ جَيِّدٍ عِنْدَ أَحَدٍ إِلَّا أَخَذَهُ، وَأَهْلُ الْمَوْصِلِ صَابِرُونَ، إِلَى أَنْ وَثَبَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى امْرَأَةٍ فَأَخَذَهَا فِي الطَّرِيقِ، فَامْتَنَعَتْ، وَاسْتَغَاثَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ اسْمُهُ إِدْرِيسُ الْحِمْيَرِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَالصَّلَاحِ، فَخَلَّصَهَا مِنْ يَدِهِ، فَعَادَ الْجُنْدِيُّ إِلَى أَذْكُوتَكِينَ فَشَكَا مِنَ الرَّجُلِ، فَأَحْضَرَهُ وَضَرَبَهُ ضَرْبًا شَدِيدًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكْشِفَ الْأَمَرَ، فَاجْتَمَعَ وُجُوهُ أَهْلِ الْمَوْصِلِ إِلَى الْجَامِعِ وَقَالُوا: قَدْ صَبَرْنَا عَلَى أَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَشَتْمِ الْأَعْرَاضِ، وَإِبْطَالِ السُّنَنِ وَالْعَسْفِ، وَقَدْ أَفْضَى الْأَمَرُ إِلَى أَخْذِ الْحَرِيمِ، فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى إِخْرَاجِهِ، وَالشَّكْوَى مِنْهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ.
وَبَلَغَهُ الْخَبَرُ، فَرَكِبَ إِلَيْهِمْ فِي جُنْدِهِ، وَأَخَذَ مَعَهُ النَّفَّاطِينَ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ وَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، حَتَّى أَخْرَجُوهُ عَنِ الْمَوْصِلِ، وَنَهَبُوا دَارَهُ، وَأَصَابَهُ حَجَرٌ فَأَثْخَنَهُ، وَمَضَى يَوْمَهُ إِلَى بَلَدِهِ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى سَامَرَّا.
стр. 3263
وَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَى يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، وَقَلَّدُوهُ أَمْرَهُمْ، فَفَعَلَ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى أَنِ انْقَضَتْ سَنَةُ سِتِّينَ، فَلَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ [وَمِائَتَيْنِ] كَتَبَ أَسْتَاتَكِينُ إِلَى الْهَيْثَمِ بْنِ الْمُعَمِّرِ التَّغْلِبِيِّ، ثُمَّ الْعَدَوِيِّ، فِي أَنْ يَتَقَلَّدَ الْمَوْصِلَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْخِلَعَ وَاللِّوَاءَ، وَكَانَ بِدِيَارِ رَبِيعَةَ، فَجَمَعَ جُمُوعًا كَثِيرَةً، وَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَنَزَلَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَلَدِ دِجْلَةُ، فَقَاتَلُوهُ، فَعَبَرَ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ وَزَحَفَ إِلَى بَابِ الْبَلَدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ فِي أَهْلِ الْمَوْصِلِ، فَقَاتَلُوهُ فَقَتَلَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى كَثِيرَةً، وَكَثُرَتِ الْجِرَاحَاتُ وَعَادَ الْهَيْثَمُ عَنْهُمْ.
فَاسْتَعْمَلَ أَسَاتِكِينُ عَلَى الْمَوْصِلِ إِسْحَاقَ بْنَ أَيُّوبَ التَّغْلِبِيَّ فِي جَمْعٍ يَبْلُغُونَ عِشْرِينَ أَلْفًا، مِنْهُمْ حَمْدَانُ بْنُ حَمْدُونَ التَّغْلِبِيُّ، وَغَيْرُهُ، فَنَزَلَ عِنْدَ الدَّيْرِ الْأَعْلَى، فَقَاتَلَهُ أَهْلُ الْمَوْصِلِ وَمَنَعُوهُ، فَبَقُوا كَذَلِكَ مُدَّةً، فَمَرِضَ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَمِيرُ، فَطَمِعَ إِسْحَاقُ فِي الْبَلَدِ، وَوَصَلَ إِلَى سُوقِ الْأَرْبِعَاءِ، وَأَحْرَقَ سُوقَ الْحَشِيشِ، فَخَرَجَ بَعْضُ الْعُدُولِ، اسْمُهُ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَعَلَّقَ فِي عُنُقِهِ مُصْحَفًا، وَاسْتَغَاثَ بِالْمُسْلِمِينَ فَأَجَابُوهُ، وَعَادُوا إِلَى الْحَرْبِ، وَحَمَلُوا عَلَى إِسْحَاقَ وَأَصْحَابِهِ، وَأَخْرَجُوهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ.
وَبَلَغَ يَحْيَى بْنَ سُلَيْمَانَ الْخَبَرُ فَأَمَرَ فَحُمِلَ فِي مِحَفَّةٍ، وَجُعِلَ أَمَامَ الصَّفِّ، فَلَمَّا رَآهُ أَهْلُ الْمَوْصِلِ قَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، وَاشْتَدَّ قِتَالُهُمْ، وَلَمْ يَزَلِ الْأَمَرُ كَذَلِكَ، وَإِسْحَاقُ يُرَاسِلُ أَهْلَ الْمَوْصِلِ، (وَيَعِدُهُمُ الْأَمَانَ) ، وَحُسْنَ السِّيرَةِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَلَدَ، وَيُقِيمَ بِالرَّبَضِ الْأَعْلَى، فَدَخَلَ وَأَقَامَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ.
ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَبَيْنَ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ شَرٌّ، فَرَجَعُوا إِلَى الْحَرْبِ، وَأَخْرَجُوهُ عَنْهَا، وَاسْتَقَرَّ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ بِالْمَوْصِلِ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ أَهْلِ طُلَيْطُلَةَ وَهَوَّارَةَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ مُوسَى بْنُ ذِي النُّونِ الْهَوَّارِيُّ بِشَنْتِ بَرِيَّةَ، وَأَغَارَ عَلَى أَهْلِ طُلَيْطُلَةَ، وَدَخَلَ حِصْنَ وَلِيدٍ مِنْ شَنْتَ بَرِيَّةَ، فَخَرَجَ أَهْلُ طُلَيْطُلَةَ إِلَيْهِ فِي نَحْوِ عِشْرِينَ
стр. 3264
أَلْفًا، فَلَمَّا الْتَقَوْا بِمُوسَى وَاقْتَتَلُوا انْهَزَمَ مُحَمَّدُ بْنُ طُرَيْشَةَ فِي أَصْحَابِهِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ طُلَيْطُلَةَ، فَتَبِعَهُ أَهْلُ طُلَيْطُلَةَ فِي الْهَزِيمَةِ، وَانْهَزَمَ مَعَهُمْ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَعَمِلَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ مُكَافَأَةً لِمُطَرِّفٍ حِينَ انْهَزَمَ بِالنَّاسِ فِي الْعَامِ الْمَاضِي، فَقُتِلَ مِنْ أَهْلِ طُلَيْطُلَةَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقَوِيَ مُوسَى بْنُ ذِي النُّونِ، وَهَابَهُ مَنْ حَاذَرَهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ مُسَاوِرٍ الشَّارِيِّ مُحَمَّدَ بْنَ هَارُونَ بْنِ الْمُعَمِّرِ، رَآهُ وَهُوَ يُرِيدُ سَامَرَّا، فَقَتَلَهُ، وَحَمَلَ رَأْسَهُ إِلَى مُسَاوِرٍ، فَطَلَبَتْ رَبِيعَةُ بِثَأْرِهِ، فَنُدِبَ مَسْرُورٌ الْبَلْخِيُّ، وَغَيْرُهُ إِلَى أَخْذِ الطُّرُقِ عَلَى مُسَاوِرٍ.
وَفِيهَا اشْتَدَّ الْغَلَاءُ فِي عَامَّةِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَانْجَلَى مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَثِيرٌ، وَرَحَلَ عَنْهَا عَامِلُهَا، وَهُوَ بَرِيَّةُ، وَبَلَغَ الْكُرُّ [مِنَ] الْحِنْطَةِ بِبَغْدَاذَ عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ، وَدَامَ ذَلِكَ شُهُورًا.
وَفِيهَا قَتَلَتِ الْأَعْرَابُ مَنْجُورًا وَالِيَ حِمْصَ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا بَكْتُمُرُ.
وَفِيهَا قُتِلَ الْعَلَاءُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَزْدِيُّ عَامِلُ أَذْرَبِيجَانَ، وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ فُلِجَ، فَاسْتَعْمَلَ الْخَلِيفَةُ مَكَانَهُ أَبَا الرُّدَيْنِيِّ عُمَرَ بْنَ عَلِيٍّ، فَلَمَّا قَارَبَهَا خَرَجَ إِلَيْهِ الْعَلَاءُ، فَتَحَارَبَا، فَقُتِلَ الْعَلَاءُ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَأَخَذَ أَبُو الرُّدَيْنِيِّ مَا خَلَّفَهُ الْعَلَاءُ، وَكَانَ مَبْلَغُهُ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَسَبْعُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَعْرُوفُ بِبَرِيَّةَ، وَهُوَ أَمِيرُ مَكَّةَ.
وَفِيهَا ظَهَرَ بِمِصْرَ إِنْسَانٌ يُكَنَّى أَبَا رَوْحٍ، وَاسْمُهُ سَكَنٌ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الصُّوفِيِّ، وَاجْتَمَعَ لَهُ جَمَاعَةٌ، فَقَطَعَ الطَّرِيقَ، وَأَخَافَ السَّبِيلَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ ابْنُ طُولُونَ
стр. 3265
جَيْشًا، فَوَقَفَ أَبُو رُوحٍ فِي أَرْضٍ كَثِيرَةِ الشُّقُوقِ، وَقَدْ كَانَ بِهَا قَمْحٌ فَحُصِدَ، وَبَقِيَ مِنْ تِبْنِهِ عَلَى الْأَرْضِ مَا يَسْتُرُ الشُّقُوقَ، وَقَدْ أَلِفُوا الْمَشْيَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْأَرْضِ.
فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْجَيْشُ لَقُوهُمْ، ثُمَّ انْهَزَمَ أَصْحَابُ أَبِي رَوْحٍ، فَتَبِعَهُمْ عَسْكَرُ ابْنِ طُولُونَ، فَوَقَعَتْ حَوَافِرُ خُيُولِهِمْ فِي تِلْكَ الشُّقُوقِ، فَسَقَطَ كَثِيرٌ مِنْ فُرْسَانِهَا عَنْهَا، وَتَرَاجَعَ أَصْحَابُ أَبِي رَوْحٍ عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوهُمْ شَرَّ قِتْلَةٍ وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ أَسْوَأَ هَزِيمَةٍ.
فَسَيَّرَ أَحْمَدُ جَيْشًا إِلَى طَرِيقِهِمْ إِلَى الْوَاحَاتِ، وَجَيْشًا فِي طَلَبِهِ، فَلَقِيَهُ الْجَيْشُ الَّذِي فِي طَلَبِهِ وَقَدْ تَحَصَّنَ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ، فَحَذَرَهَا عَسْكَرُ أَحْمَدَ، فَحِينَ بَطَلَتْ حِيَلُهُمُ انْهَزَمَ، وَتَبِعَهُمُ الْعَسْكَرُ، فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى طَرِيقِ الْوَاحَاتِ رَأَى أَبُو رَوْحٍ الطَّرِيقَ قَدْ مُلِكَتْ عَلَيْهِ، فَرَاسَلَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَبُذِلَ لَهُ، وَبَطَلَتِ الْحَرْبُ، وَكُفِيَ الْمُسْلِمُونَ شَرَّهُ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيُّ الْحِمَّانِيُّ، وَكَانَ يَسْكُنُ الْحِمَّانَ، فَنُسِبَ إِلَيْهَا.
وَفِيهَا قُتِلَ عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ صَاحِبُ الْكُوفَةِ، قَتَلَهُ صَاحِبُ الزَّنْجِ.
(وَفِيهَا كَانَ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَبِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَالْأَنْدَلُسِ غَلَاءٌ شَدِيدٌ، وَعَمَّ غَيْرَهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَتَبِعَهُ وَبَاءٌ وَطَاعُونٌ عَظِيمٌ هَلَكَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدُوسَ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ صَاحِبُ الْمَجْمُوعَةِ فِي الْفِقْهِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ) .
стр. 3266
وَفِيهَا مَاتَ مَالِكُ بْنُ طَوْقٍ التَّغْلِبِيُّ بِالرَّحْبَةِ، وَهُوَ بَنَاهَا، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵇، أَبُو مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيُّ الْعَسْكَرِيُّ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الِاثْنَى عَشَرَ، عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ، وَهُوَ وَالِدُ مُحَمَّدٍ الَّذِي يَعْتَقِدُونَهُ الْمُنْتَظَرَ بِسِرْدَابِ سَامَرَّا ; (وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ) .
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ البَغْدَاذِيِّينَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ حُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَكِيمُ الطَّبِيبُ، وَهُوَ الَّذِي نَقَلَ كُتُبَ الْحُكَمَاءِ الْيُونَانِيِّينَ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ عَالِمًا بِهَا.
стр. 3267
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٦١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ وَاصِلٍ وَابْنِ مُفْلِحٍ
وَفِيهَا تَحَارَبَ ابْنُ وَاصِلٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُفْلِحٍ وَطَاشْتِمُرُ. .
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ وَاصِلَ كَانَ قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ سِيمَا، وَتَغَلَّبَ عَلَى فَارِسَ، فَأَضَافَ إِلَى الْمُعْتَمِدِ فَارِسَ إِلَى مُوسَى بْنِ بُغَا، وَالْأَهْوَازَ، وَالْبَصْرَةَ، وَالْبَحْرَيْنَ، وَالْيَمَامَةَ، مَعَ مَا كَانَ إِلَيْهِ ; فَوَجَّهَ مُوسَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُفْلِحٍ، وَهُوَ شَابُّ عُمْرُهُ إِحْدَى وَعِشْرُونَ سَنَةً، إِلَى الْأَهْوَازِ، وَوَلَّاهُ إِيَّاهَا مَعَ فَارِسَ، وَأَضَافَ إِلَيْهِ طَاشْتِمُرُ ; فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ ابْنُ وَاصِلٍ، وَأَنَّ ابْنَ مُفْلِحٍ قَدْ سَارَ نَحْوَهُ مِنَ الْأَهْوَازِ، زَحَفَ إِلَيْهِ مِنْ فَارِسَ، فَالْتَقَيَا بِرَامَهُرْمُزَ. وَانْضَمَّ أَبُو دَاوُدَ الصُّعْلُوكُ إِلَى ابْنِ وَاصِلٍ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأُخِذَ أَسِيرًا، وَقُتِلَ طَاشْتِمُرُ، وَاصْطُلِمَ عَسْكَرُهُمَا، وَغُنِمَ (مَا فِيهِ مِنَ) الْأَمْوَالِ وَالْعُدَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى ابْنِ وَاصِلٍ فِي إِطْلَاقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَتَلَهُ وَأَظْهَرَ أَنَّهُ مَاتَ، وَسَارَ ابْنُ وَاصِلٍ مِنْ رَامَهُرْمُزَ، مِنْ بَعْدِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ، مُظْهِرًا أَنَّهُ يُرِيدُ وَاسِطَ لِحَرْبِ مُوسَى بْنِ بُغَا، فَانْتَهَى إِلَى الْأَهْوَازِ وَفِيهَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سِيمَا فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَلَمَّا رَأَى مُوسَى شِدَّةَ الْأَمَرَ بِهَذِهِ النَّاحِيَةِ، وَكَثْرَةِ الْمُتَغَلِّبِينَ عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ يَعْجِزُ عَنْهُمْ، سَأَلَ أَنْ يُعْفَى، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ.
ذِكْرُ وِلَايَةِ أَبِي السَّاجِ الْأَهْوَازَ
وَفِيهَا وَلِيَ أَبُو السَّاجِ الْأَهْوَازَ، بَعْدَ مَسِيرَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهَا إِلَى فَارِسَ، وَأَمَرَ بِمُحَارَبَةِ
стр. 3268
الزَّنْجِ، فَسَيَّرَ صِهْرَهُ (عَبْدَ الرَّحْمَنِ) لِمُحَارَبَةِ الزَّنْجِ، فَلَقِيَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ بِنَاحِيَةِ دَوْلَابَ، فَقُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَانْحَازَ أَبُو السَّاجِ إِلَى نَاحِيَةِ عَسْكَرِ مُكْرَمٍ، وَدَخَلَ الزَّنْجُ الْأَهْوَازَ، فَقَتَلُوا أَهْلَهَا، وَسَبَوْا وَأَحْرَقُوا.
ثُمَّ انْصَرَفَ أَبُو السَّاجِ عَمَّا كَانَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَهْوَازِ، وَحَرْبِ الزَّنْجِ، وَوَلَّاهَا إِبْرَاهِيمَ بْنَ سِيمَا، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى انْصَرَفَ عَنْهَا مَعَ مُوسَى بْنِ بُغَا.
وَفِيهَا وَلِيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَوْسٍ الْبَلْخِيُّ طَرِيقَ خُرَاسَانَ.
ذِكْرُ عَوْدِ الصَّفَّارِ إِلَى فَارِسَ وَالْحَرْبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ وَاصِلٍ
لَمَّا كَانَ مِنَ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُفْلِحٍ وَبَيْنَ ابْنِ وَاصِلٍ مَا ذَكَرْنَاهُ، اتَّصَلَ خَبَرُهُمَا إِلَى يَعْقُوبَ الصَّفَّارِ وَهُوَ بِسِجِسْتَانَ، فَتَجَدَّدَ طَمَعُهُ فِي مُلْكِ بِلَادِ فَارِسَ، وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ وَالْخَزَائِنِ وَالسِّلَاحِ الَّتِي غَنِمَهَا ابْنُ وَاصِلٍ مِنَ ابْنِ مُفْلِحٍ، فَسَارَ مُجِدًّا.
وَبَلَغَ ابْنُ وَاصِلٍ خَبَرُ قُرْبِهِ مِنْهُ وَأَنَّهُ نَزَلَ الْبَيْضَاءَ مِنْ أَرْضِ فَارِسَ، وَهُوَ بِالْأَهْوَازِ، فَعَادَ عَنْهَا لَا يَلْوِي عَلَى شَيْءٍ، وَأَرْسَلَ خَالَهُ أَبَا بِلَالٍ مِرْدَاسًا إِلَى الصَّفَّارِ، فَوَصَلَ إِلَيْهِ، وَضَمِنَ لَهُ طَاعَةَ ابْنِ وَاصِلٍ، فَأَرْسَلَ يَعْقُوبُ الصَّفَّارُ إِلَى ابْنِ وَاصِلٍ كُتُبًا وَرُسُلًا فِي الْمَعْنَى، فَحَبَسَهُمُ ابْنُ وَاصِلٍ، وَسَارَ يَطْلُبُ الصَّفَّارَ وَالرُّسُلُ مَعَهُ يُرِيدُ أَنْ يُخْفِيَ خَبَرَهُ، وَأَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفَّارِ بَغْتَةً لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَيَنَالُ مِنْهُ غَرَضَهُ، وَيُوقِعُ بِهِ.
فَسَارَ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، فِي أَرْضٍ صَعْبَةِ الْمَسْلَكِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ خَبَرَهُ قَدْ خَفِيَ عَنِ الصَّفَّارِ، فَلَمَّا كَانَ الظُّهْرُ تَعِبَتْ دَوَابُّهُمْ، فَنَزَلُوا لِيَسْتَرِيحُوا، فَمَاتَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ وَاصِلٍ مِنَ الرَّجَّالَةِ كَثِيرٌ جُوعًا وَعَطَشًا، وَبَلَغَ خَبَرُهُمُ الصَّفَّارَ، فَجَمَعَ أَصْحَابَهُ وَأَعْلَمَهُمُ الْخَبَرَ وَسَارَ، وَقَالَ لِأَبِي بِلَالٍ: إِنَّ ابْنَ وَاصِلٍ قَدْ غَدَرَ بِنَا، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ! وَمَضَى الصَّفَّارُ إِلَى ابْنِ وَاصِلٍ، فَلَمَّا قَارَبَهُمْ وَعَلِمُوا بِهِ انْخَذَلُوا وَضَعُفَتْ نُفُوسُهُمْ عَنْ مُقَاوَمَتِهِ وَمُقَاتَلَتِهِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمُوا خُطْوَةً، فَلَمَّا صَارَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ رَمْيَةُ سَهْمٍ انْهَزَمَ أَصْحَابُ ابْنِ وَاصِلٍ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَتَبِعَهُمْ عَسْكَرُ الصَّفَّارِ، وَأَخَذُوا مِنْهُمْ جَمِيعَ مَا غَنِمُوا مِنَ ابْنِ مُفْلِحٍ، وَاسْتَوْلَى عَلَى بِلَادِ فَارِسَ، وَرَتَّبَ بِهَا أَصْحَابَهُ وَأَصْلَحَ أَحْوَالَهَا.
(وَمَضَى ابْنُ وَاصِلٍ مُنْهَزِمًا، فَأَخَذَ أَمْوَالَهُ مِنْ قَلْعَتِهِ، وَكَانَتْ أَرْبَعِينَ أَلْفَ أَلْفِ
стр. 3269
دِرْهَمٍ، وَأَوْقَعَ يَعْقُوبُ بِأَهْلِ زَمَّ لِأَنَّهُمْ أَعَانُوا ابْنَ وَاصِلٍ) ، وَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْأَهْوَازِ وَغَيْرِهَا.
ذِكْرُ تَجْهِيزَ أَبِي أَحْمَدَ لِلْمَسِيرِ إِلَى الْبَصْرَةِ
وَفِيهَا، فِي شَوَّالٍ جَلَسَ الْمُعْتَمِدُ فِي دَارِ الْعَامَّةِ، فَوَلَّى ابْنَهُ جَعْفَرًا الْعَهْدَ، وَلَقَّبَهُ الْمُفَوِّضَ إِلَى اللَّهِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ مُوسَى بْنَ بُغَا، فَوَلَّاهُ إِفْرِيقِيَّةَ، وَمِصْرَ، وَالشَّامَ، وَالْجَزِيرَةَ، وَالْمَوْصِلَ، (وَأَرْمِينِيَّةَ) ، وَطَرِيقَ خُرَاسَانَ وَمِهْرَجَانِقَذَقَ، وَوَلَّى أَخَاهُ أَبَا أَحْمَدَ الْعَهْدَ بَعْدَ جَعْفَرٍ، وَلَقَّبَهُ النَّاصِرَ لِدِينِ اللَّهِ الْمُوَفَّقَ، وَوَلَّاهُ الْمَشْرِقَ، وَبَغْدَاذَ، وَالسَّوَادَ وَالْكُوفَةَ، وَطَرِيقَ مَكَّةَ، وَالْمَدِينَةَ، وَالْيَمَنَ، وَكُسْكَرَ، وَكُوَرَ دِجْلَةَ، الْأَهْوَازَ، وَفَارِسَ، وَأَصْبَهَانَ، وَقُمَّ، وَكَرَجَ، وَدِينَوَرَ، وَالرَّيَّ، وَزَنْجَانَ وَالسِّنْدَ، وَعَقَدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِوَاءَيْنِ: أَسْوَدَ وَأَبْيَضَ، وَشَرَطَ إِنْ حَدَثَ بِهِ الْمَوْتُ، وَجَعْفَرٌ لَمْ يَبْلُغْ، أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلْمُوَفَّقِ، ثُمَّ لِجَعْفَرٍ بَعْدَهُ، وَأُخِذَتِ الْبَيْعَةُ بِذَلِكَ.
فَعَقَدَ جَعْفَرٌ لِمُوسَى عَلَى الْمَغْرِبِ، وَأُمِرَ الْمُوَفَّقَ أَنْ يَسِيرَ إِلَى حَرْبِ الزَّنْجِ ; فَوَلَّى الْمُوَفَّقُ الْأَهْوَازَ وَالْبَصْرَةَ، وَكُوَرَ دِجْلَةَ مَسْرُورًا الْبَلْخِيَّ، وَسَيَّرَهُ فِي مُقَدِّمَتِهِ فِي ذِي الْحِجَّةِ.
وَعَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ بَعْدَهُ، فَحَدَثَ مِنْ أَمْرِ يَعْقُوبَ الصَّفَّارِ مَا مَنَعَهُ عَنِ الْمَسِيرِ، وَسَنَذْكُرُ أَوَّلَ سَنَةِ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ.
وَفِيهَا فَارَقَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدَوَيهِ يَعْقُوبَ بْنَ اللَّيْثِ، وَسَارَ إِلَى أَبِي السَّاجِ، وَأَقَامَ مَعَهُ بِالْأَهْوَازِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ الْمُعْتَمِدُ وَسَأَلَ أَنْ يُوَجِّهَ الْحُسَيْنَ بْنَ طَاهِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ إِلَى خُرَاسَانَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا الْفَضْلُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ (الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ) عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.
стр. 3270
وَمَاتَ الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ بِمَكَّةَ بَعْدَمَا حَجَّ.
ذِكْرُ وِلَايَةِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ السَّامَانِيِّ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَامَانَ خِدَاهَ بْنَ جُثْمَانَ بْنَ طِمْغَاثَ بْنِ نُوشَرْدَ بْنِ بَهْرَامَ جُوبِينَ بْنِ بَهْرَامَ خَشَنْشَ، وَكَانَ بَهْرَامُ خَشَنْشُ مِنَ الرَّيِّ، فَجَعَلَهُ كِسْرَى هُرْمُزُ بْنُ أَنُوشِرْوَانَ مَرْزُبَانَ أَذْرَبِيجَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَهْرَامَ جُوبِينَ عِنْدَ ذِكْرِ كِسْرَى هُرْمُزَ.
وَلَمَّا وَلِيَ الْمَأْمُونُ خُرَاسَانَ، وَاصْطَلَحَ أَوْلَادُهُ وَهُمْ: نُوحٌ، وَأَحْمَدُ، وَيَحْيَى، وَإِلْيَاسُ، بَنُو أَسَدِ بْنِ سَامَانَ، قَرَّبَهُمْ وَرَفَعَ مِنْهُمْ وَاسْتَعْمَلَهُمْ وَرَعَى حَقَّ سَلَفِهِمْ، فَلَمَّا رَجَعَ الْمَأْمُونُ إِلَى الْعِرَاقِ اسْتَخْلَفَ عَلَى خُرَاسَانَ غَسَّانَ بْنَ عَبَّادٍ، فَوَلَّى غَسَّانُ نُوحَ بْنَ أَسَدٍ، فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ سَمَرْقَنْدَ، وَأَحْمَدَ بْنَ أَسَدٍ فَرْغَانَةَ، وَيَحْيَى بْنَ أَسَدٍ الشَّاشَ وَأَشْرُوسَنَةَ، وَإِلْيَاسَ بْنَ أَسَدٍ هَرَاةَ.
فَلَمَّا وَلِيَ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ خُرَاسَانَ وَلَّاهُمْ هَذِهِ الْأَعْمَالَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ نُوحُ بْنُ أَسَدٍ، وَأَقَرَّ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخَوَيْهِ عَلَى عَمَلِهِ: يَحْيَى، وَأَحْمَدَ، وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ أَسَدٍ عَفِيفَ الطُّعْمَةِ، مَرْضِيَّ السِّيرَةِ، لَا يَأْخُذُ رِشْوَةً، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَفِيهِ قِيلَ، أَوْ فِي ابْنِهِ نَصْرٍ:
ثَوَى ثَلَاثِينَ حَوْلًا فِي وِلَايَتِهِ ... فَجَاعَ يَوْمَ ثَوَى فِي قَبْرِهِ حَشَمُهُ
وَكَانَ إِلْيَاسُ يَلِي هَرَاةَ، (وَلَهُ بِهَا عَقِبٌ وَآثَارٌ كَثِيرَةٌ، فَاسْتَقْدَمَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ) ، وَكَانَ رَسْمُهُ فِيمَنْ يَسْتَقْدِمُهُ أَنْ يَعُدَّ أَيَّامَهُ، فَأَبْطَأَ إِلْيَاسُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِالْمُقَامِ حَيْثُ يَلْقَاهُ
стр. 3271
كِتَابُهُ، فَبَلَغَهُ الْكِتَابُ وَقَدْ سَارَ عَنْ بُوشَنْجَ، فَأَقَامَ بِهَا سَنَةً تَأْدِيبًا لَهُ، ثُمَّ أَذِنَ فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ.
فَلَمَّا مَاتَ إِلْيَاسُ بِهَرَاةَ أَقَرَّ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُهُ أَبَا إِسْحَاقَ مُحَمَّدَ بْنَ إِلْيَاسَ عَلَى عَمَلِهِ، فَأَقَامَ بِهَرَاةَ ; وَكَانَ لِأَحْمَدَ بْنِ أَسَدٍ سَبْعَةُ بَنِينَ، وَهُمْ: نَصْرٌ، وَأَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ، وَأَبُو زَكَرِيَّاءَ يَحْيَى، وَأَبُو الْأَشْعَثِ أَسَدٌ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو غَانِمٍ حُمَيْدٌ، لَمَّا تُوَفِّي أَحْمَدُ بْنُ أَسَدٍ اسْتَخْلَفَ ابْنَهُ نَصْرًا عَلَى أَعْمَالِهِ بِسَمَرْقَنْدَ وَمَا وَرَاءَهَا، فَبَقِيَ عَامِلًا عَلَيْهَا إِلَى آخِرِ أَيَّامِ الطَّاهِرِيَّةِ، وَبَعْدَ زَوَالِ أَمْرِهِمْ إِلَى أَنْ مَضَى لِسَبِيلِهِ.
وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ يَخْدُمُ أَخَاهُ نَصْرًا، فَوَلَّاهُ نَصْرٌ بُخَارَى سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ.
وَمَعْنَى قَوْلِ أَبِي جَعْفَرٍ: وَفِي سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّينَ [وَمِائَتَيْنِ] وَلِيَ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، أَنَّهُ تَوَلَّاهُ مِنْ جَانِبِ الْخَلِيفَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَتَوَلَّاهُ، مِنْ قَبْلُ، مِنْ عُمَّالِ خُرَاسَانَ، وَإِلَّا فَالْقَوْمُ تَوَلَّوْا قَبْلَ هَذَا التَّارِيخِ.
وَكَانَ سَبَبُ اسْتِعْمَالِهِ إِسْمَاعِيلَ أَنَّهُ لَمَّا اسْتَوْلَى يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ عَلَى خُرَاسَانَ أَنْفَذَ نَصْرُ جَيْشًا إِلَى شَطِّ جَيْحُونَ لِيَأْمَنَ عُبُورَ يَعْقُوبَ، فَقَتَلُوا مُقَدَّمَهُمْ، وَرَجَعُوا إِلَى بُخَارَى، فَخَافَهُمْ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ نَائِبُ نَصْرٍ عَلَى نَفْسِهِ، فَتَغَيَّبَ عَنْهُمْ، فَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَبَا هَاشِمٍ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُبَشِّرِ بْنِ رَافِعِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، ثُمَّ عَزَلُوهُ، وَوَلَّوْا أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ لَيْثٍ وَالِدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُنَيْدٍ، ثُمَّ صَرَفُوهُ، وَوَلَّوُا الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ مِنْ وَلَدِ عَبْدَةَ بْنِ حَدِيدٍ ; ثُمَّ صَرَفُوهُ، وَبَقِيَتْ بُخَارَى بِغَيْرِ أَمِيرٍ، فَكَتَبَ رَئِيسُهَا وَفَقِيهُهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَفْصٍ إِلَى نَصْرٍ يَسْأَلُهُ تَوْجِيهَ مَنْ يَضْبُطُ بُخَارَى، فَوَجَّهَ أَخَاهُ إِسْمَاعِيلَ، ثُمَّ إِنَّ إِسْمَاعِيلَ كَاتَبَ رَافِعَ بْنَ هَرْثَمَةَ حِينَ وَلِيَ خُرَاسَانَ، فَتَعَاقَدَا عَلَى التَّعَاوُنِ، وَالتَّعَاضُدِ، فَطَلَبَ مِنْهُ إِسْمَاعِيلُ أَعْمَالَ خُوَارِزْمَ فَوَلَّاهُ إِيَّاهَا.
وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ يُؤَامِرُهُ فِي الْمُكَاتَبَةِ، ثُمَّ سَعَتِ السُّعَاةُ بَيْنَ نَصْرٍ، وَإِسْمَاعِيلَ
стр. 3272
فَأَفْسَدُوا مَا بَيْنَهُمَا، فَقَصَدَهُ نَصْرٌ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَأَرْسَلَ إِسْمَاعِيلُ حَمَّوَيْهِ بْنَ عَلِيٍّ إِلَى رَافِعِ بْنِ هَرْثَمَةَ يَسْتَنْجِدُهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، فَوَافَى بُخَارَى، قَالَ حَمَّوَيْهِ: فَفَكَّرْتُ فِي نَفْسِي، وَقُلْتُ: إِنْ ظَفِرَ إِسْمَاعِيلُ بِأَخِيهِ فَمَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَقْبِضَ رَافِعٌ عَلَى إِسْمَاعِيلَ، وَيَتَغَلَّبَ عَلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ؟
وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَوَفَّى لِإِسْمَاعِيلَ، فَلَا يَزَالُ إِسْمَاعِيلُ مُعْتَرِفًا بِأَنَّهُ فَقِيدُ رَافِعٍ وَجَرِيحُهُ، وَيَحْتَاجُ [أَنْ] يَتَصَرَّفَ عَلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، فَاجْتَمَعْتُ بِرَافِعٍ خَلْوَةً، وَقُلْتُ لَهُ: نَصِيحَتُكَ وَاجِبَةٌ عَلَيَّ، وَقَدْ ظَهَرَ لِي مِنْ نَصْرٍ، وَإِسْمَاعِيلَ مَا كَانَ خَفِيًّا عَنِّي، وَلَسْتُ آمَنُهُمَا عَلَيْكَ، وَالرَّأْيُ أَنْ لَا تُشَاهِدَ الْحَرْبَ، وَتَحْمِلَهُمَا (عَلَى الصُّلْحِ ; فَقَبِلَ ذَلِكَ، فَتَصَالَحَا، وَانْصَرَفَ عَنْهُمَا.
قَالَ حَمَّوَيْهِ: ثُمَّ إِنَّنِي أَعْلَمْتُ إِسْمَاعِيلَ) ، بَعْدَ ذَلِكَ الْحَالِ كَيْفَ كَانَ، فَعَذَرَ رَافِعًا فِي إِلْزَامِهِ بِالصُّلْحِ، وَاسْتَصْوَبَ فِعْلَ حَمَّوَيْهِ، بَقِيَ نَصْرٌ وَإِسْمَاعِيلُ مُدَّةً، ثُمَّ عَادَتِ السُّعَاةُ، فَفَسَدَ مَا بَيْنَهُمَا، حَتَّى تَحَارَبَا سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَظَهَرَ إِسْمَاعِيلُ بِأَخِيهِ نَصْرٍ، فَلَمَّا حَمَلَ إِلَيْهِ تَرَجَّلَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ، وَقَبَّلَ يَدَيْهِ، وَرَدَّهُ مِنْ مَوْضِعِهِ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، وَتَصَرَّفَ عَلَى النِّيَابَةِ عَنْهُ بِبُخَارَى.
وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ خَيِّرًا، يُحِبُّ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَيُكْرِمُهُمْ، وَبِبَرَكَتِهِمْ دَامَ مُلْكُهُ وَمُلْكُ أَوْلَادِهِ وَطَالَتْ أَيَّامُهُمْ.
حَكَى أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَلْعَمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَمِيرَ أَبَا إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَحْمَدَ يَقُولُ: كُنْتُ بِسَمَرْقَنْدَ، فَجَلَسْتُ يَوْمًا لِلْمَظَالِمِ، وَجَلَسَ أَخِي إِسْحَاقُ إِلَى جَانِبِي، فَدَخَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، فَقُمْتُ لَهُ إِجْلَالًا لِعِلْمِهِ وَدِينِهِ، فَلَمَّا خَرَجَ عَاتَبَنِي أَخِي إِسْحَاقُ، وَقَالَ: أَنْتَ أَمِيرُ خُرَاسَانَ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ رَجُلٌ مَنْ رَعِيَّتِكَ فَتَقُومُ لَهُ، فَتَذْهَبُ السِّيَاسَةُ بِهَذَا.
قَالَ: فَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فِي الْمَنَامِ وَكَأَنِّي
стр. 3273
وَاقِفٌ وَأَخِي إِسْحَاقُ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخَذَ بِعَضُدِي فَقَالَ لِي: يَا إِسْمَاعِيلُ، ثَبَّتَّ مُلْكَكَ وَمُلْكَ بَيْتِكَ لِإِجْلَالِكَ لِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ.
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى إِسْحَاقَ، وَقَالَ: ذَهَبَ مُلْكُ إِسْحَاقَ وَمُلْكُ بَيْتِهِ بِاسْتِخْفَافِهِ بِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ.
وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ هَذَا مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ الْعَامِلِينَ بِعِلْمِهِ، الْمُصَنِّفِينَ فِيهِ، وَسَافَرَ إِلَى الْبِلَادِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَأَخَذَ الْعِلْمَ بِمِصْرَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَالرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، وَصَحِبَ الْحَارِثَ الْمُحَاسِبِيَّ، وَأَخَذَ عَنْهُ عِلْمَ الْمُعَامَلَةِ، وَبَرَزَ فِيهِ أَيْضًا.
ذِكْرُ عِصْيَانِ أَهْلِ بُرْقَةَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَصَى أَهْلُ بُرْقَةَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ، وَأَخْرَجُوا أَمِيرَهُمْ مُحَمَّدَ بْنَ الْفَرَجِ الْفَرْغَانِيَّ، فَبَعَثَ ابْنُ طُولُونَ جَيْشًا عَلَيْهِمْ غُلَامُهُ لُؤْلُؤٌ، وَأَمَرَهُ بِالرِّفْقِ بِهِمْ، وَاسْتِعْمَالِ اللِّينَ، فَإِنِ انْقَادُوا وَإِلَّا السَّيْفُ.
فَسَارَ الْعَسْكَرُ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى بُرْقَةَ، وَحَصَرُوا أَهْلَهَا، وَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ مِنَ اللِّينِ، فَطَمِعَ أَهْلُ بُرْقَةَ، وَخَرَجُوا يَوْمًا عَلَى بَعْضِ الْعَسْكَرِ، وَهُمْ نَازِلُونَ عَلَى بَابِ الْبَلَدِ، فَأَوْقَعُوا بِهِمْ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ.
فَأَرْسَلَ لُؤْلُؤٌ إِلَى صَاحِبِهِ أَحْمَدَ يُعَرِّفُهُ الْخَبَرُ، فَأَمَرَ بِالْجِدِّ فِي قِتَالِهِمْ، فَنَصَبَ عَلَيْهِمُ الْمَجَانِيقَ، وَجَدَّ فِي قَتْلِهِمْ، وَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ، فَفَتَحُوا لَهُ الْبَابَ، فَدَخَلَ الْبَلَدَ، وَقَبَضَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ، وَضَرَبَهُمْ بِالسِّيَاطِ وَقَطَعَ أَيْدِيَ بَعْضِهِمْ، وَأَخَذَ مَعَهُ جَمَاعَةً مِنْهُمْ وَعَادَ إِلَى مِصْرَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى بُرْقَةَ عَامِلًا.
وَلَمَّا وَصَلَ لُؤْلُؤٌ إِلَى مِصْرَ خَلَعَ عَلَيْهِ أَحْمَدُ خِلْعَةً فِيهَا طَوْقَانِ، فَوَضَعَهَا فِي رَقَبَتِهِ، وَطِيفَ بِالْأَسْرَى فِي الْبَلَدِ.
стр. 3274
ذِكْرُ وِلَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ إِفْرِيقِيَّةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ (تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْأَغْلَبِ، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ، سَادِسَ جُمَادَى الْأُولَى، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ عَشْرَ سِنِينَ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ عَقَدَ لِابْنِهِ أَبِي عِقَالٍ الْعَهْدَ، وَاسْتَخْلَفَ أَخَاهُ إِبْرَاهِيمَ لِئَلَّا يُنَازِعَهُ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ آلَ الْأَغْلَبِ وَمَشَايِخَ الْقَيْرَوَانِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَلَّى الْأَمَرَ إِلَى أَنْ يَكْبَرَ وَلَدُهُ، فَلَمَّا مَاتَ أَتَى أَهْلُ الْقَيْرَوَانِ إِبْرَاهِيمَ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَهُمْ، لِحُسْنِ سِيرَتِهِ، وَعَدْلِهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ أَجَابَ، انْتَقَلَ إِلَى قَصْرِ الْإِمَارَةِ، وَبَاشَرَ الْأُمُورَ، وَقَامَ بِهَا قِيَامًا مَرْضِيًّا) .
وَكَانَ عَادِلًا، حَازِمًا فِي (أُمُورِهِ، أَمَّنَ) الْبِلَادَ، وَقَتَلَ أَهْلَ الْبَغْيِ وَالْفَسَادِ، وَكَانَ يَجْلِسُ لِلْعَدْلِ فِي جَامِعِ الْقَيْرَوَانِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَالِاثْنَيْنِ، يَسْمَعُ شَكْوَى الْخُصُومِ، وَيَصْبِرُ عَلَيْهِمْ، وَيُنْصِفُ بَيْنَهُمْ.
وَكَانَ الْقَوَافِلُ وَالتُّجَّارُ يَسِيرُونَ فِي الطَّرِيقِ آمِنِينَ.
وَبَنَى الْحُصُونَ وَالْمَحَارِسَ عَلَى سَوَاحِلِ الْبَحْرِ، حَتَّى كَانَ يُوقِدُ النَّارَ مِنْ سَبْتَةَ فَيَصِلُ الْخَبَرُ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَبَنَى عَلَى سُوسَةَ سُورًا، وَعَزَمَ عَلَى الْحَجِّ، فَرَدَّ الْمَظَالِمَ، وَأَظْهَرَ الزُّهْدَ وَالنُّسُكَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ إِنْ جَعَلَ طَرِيقَهُ إِلَى مَكَّةَ عَلَى مِصْرَ مَنَعَهُ صَاحِبُهَا ابْنُ طُولُونَ، فَتَجْرِي بَيْنَهُمَا حَرْبٌ، فَيُقْتَلُ الْمُسْلِمُونَ، فَجَعَلَ طَرِيقَةً عَلَى جَزِيرَةِ صِقِلِّيَّةَ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ، وَيَفْتَحَ مَا بَقِيَ مِنْ حُصُونِهَا، فَأَخْرَجَ جَمِيعَ مَا ادَّخَرَهُ مِنَ الْمَالِ وَالسِّلَاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَسَارَ إِلَى سُوسَةَ فَدَخَلَهَا وَعَلَيْهِ فَرْوٌ مُرَقَّعٌ فِي زِيِّ الزُّهَّادِ، أَوَّلَ سَنَةِ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَسَارَ مِنْهَا، فِي الْأُسْطُولِ، إِلَى صِقِلِّيَةَ.
стр. 3275
وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ يَرْطِينْوَا فَمَلَكَهَا سَلْخَ رَجَبٍ، وَأَظْهَرَ الْعَدْلَ، وَأَحْسَنَ إِلَى الرَّعِيَّةِ، وَسَارَ إِلَى طَبَرْمِينَ، فَاسْتَعَدَّ أَهْلُهَا لِقِتَالِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ خَرَجُوا إِلَيْهِ وَالْتَقَوْا، فَقَرَأَ الْقَارِئُ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] فَقَالَ الْأَمِيرُ اقْرَأْ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] ، فَقَرَأَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَخْتَصِمُ أَنَا وَالْكُفَّارُ إِلَيْكَ فِي هَذَا الْيَوْمِ! وَحَمَلَ، وَمَعَهُ أَهْلُ الْبَصَائِرِ، فَهُزِمَ الْكُفَّارُ، وَقَتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ كَيْفَ شَاءُوا، وَدَخَلُوا مَعَهُمُ الْمَدِينَةَ عَنْوَةً، فَرَكِبَ بَعْضُ مَنْ بِهَا مِنَ الرُّومِ مَرَاكِبَ فَهَرَبُوا فِيهَا.
وَالْتَجَأَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْحِصْنِ وَأَحَاطَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ وَقَاتَلُوهُمْ، فَاسْتَنْزَلُوهُمْ قَهْرًا، وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ، وَسَبَوْا ذَرَارِيَهُمْ، وَذَلِكَ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ، وَأَمَرَ بِقَتْلِ الْمُقَاتِلَةِ، وَبَيْعِ السَّبْيِ وَالْغَنِيمَةِ.
وَلَمَّا اتَّصَلَ الْخَبَرُ بِفَتْحِ طَبَرْمِينَ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ عَظُمَ عَلَيْهِ، وَبَقِيَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لَا يَلْبَسُ التَّاجَ، وَقَالَ: لَا يَلْبَسُ التَّاجَ مَحْزُونٌ.
وَتَحَرَّكَتِ الرُّومُ، وَعَزَمُوا عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى صِقِلِّيَّةَ لِمَنْعِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَبَلَغَهُمْ أَنَّهُ سَائِرٌ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَتَرَكَ الْمَلِكُ بِهَا عَسْكَرًا عَظِيمًا، وَسِيَّرَ جَيْشًا إِلَى صِقِلِّيَّةَ.
(وَأَمَّا الْأَمِيرُ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّهُ لَمَّا مَلَكَ طَبَرْمِينَ بَثَّ السَّرَايَا فِي مُدُنِ صِقِلِّيَّةَ) الَّتِي بِيَدِ الرُّومِ، وَبَعَثَ سَرِيَّةً إِلَى مَيْقَشَ، وَسِرِيَّةً إِلَى دَمَنْشَ، فَوَجَدُوا أَهْلَهَا قَدْ أُجْلُوا عَنْهَا، فَغَنِمُوا مَا وَجَدُوا بِهَا.
وَبَعَثَ طَائِفَةً إِلَى رَمْطَةَ، وَطَائِفَةً إِلَى الْيَاجِ، فَأَذْعَنَ الْقَوْمُ جَمِيعًا إِلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ غَيْرَ تَسْلِيمِ الْحُصُونِ، فَفَعَلُوا، فَهَدَمَهَا، وَسَارَ إِلَى كَسَنْتَةَ، فَجَاءَتْهُ الرُّسُلُ مِنْهَا يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ فَلَمْ يُجِبْهُمْ.
стр. 3276
وَكَانَ قَدِ ابْتَدَأَ بِهِ الْمَرَضُ، وَهُوَ عِلَّةُ الذَّرْبِ، فَنَزَلَتِ الْعَسَاكِرُ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمْ يَجِدُّوا فِي قِتَالِهَا لِغَيْبِهِ الْأَمِيرِ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ نَزَلَ مُنْفَرِدًا لِشِدَّةِ مَرَضِهِ، وَامْتَنَعَ مِنْهُ النَّوْمُ وَحَدَثَ بِهِ الْفَوَاقُ، وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ السَّبْتِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الرَّأْيِ مِنَ الْعَسْكَرِ أَنْ يُوَلُّوا أَمْرَهُمْ أَبَا مُضَرَ بْنِ أَبِي الْعَبَّاسِ عَبْدِ اللَّهِ لِيَحْفَظَ الْعَسَاكِرَ، وَالْأَمْوَالَ، وَالْخَزَائِنَ، إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى ابْنِهِ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَجَعَلُوا الْأَمِيرَ إِبْرَاهِيمَ فِي تَابُوتٍ، وَحَمَلُوهُ إِلَى أَفْرِيقِيَّةَ وَدَفَنُوهُ بِالْقَيْرَوَانِ، ﵀.
وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَكَانَ عَاقِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، مُحِبًّا لِلْخَيْرِ وَالْإِحْسَانِ، تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا يَمْلِكُ، وَوَقَفَ أَمْلَاكَهُ جَمِيعَهَا ; وَكَانَ لَهُ فِطْنَةٌ عَظِيمَةٌ بِإِظْهَارِ خَفَايَا الْعُمُلَاتِ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ تَاجِرًا مِنْ أَهْلِ الْقَيْرَوَانِ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ صَالِحَةٌ عَفِيفَةٌ، فَاتَّصَلَ خَبَرُهَا بِوَزِيرِ الْأَمِيرِ إِبْرَاهِيمَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَلَمْ تُجِبْهُ، فَاشْتَدَّ غَرَامُهُ بِهَا، وَشَكَا حَالَهُ إِلَى عَجُوزٍ كَانَتْ تَغْشَاهُ، وَكَانَتْ أَيْضًا لَهَا مِنَ الْأَمِيرِ (مَنْزِلَةٌ، وَمِنْ وَالِدَتِهِ) مَنْزِلَةٌ كَبِيرَةٌ وَهِيَ مَوْصُوفَةٌ عِنْدَهُمْ بِالصَّلَاحِ، يَتَبَرَّكُونَ بِهَا، وَيَسْأَلُونَهَا الدُّعَاءَ، فَقَالَتْ لِلْوَزِيرِ:
أَنَا أَتَلَطَّفُ بِهَا، وَأَجْمَعُ بَيْنَكُمَا.
وَرَاحَتْ إِلَى بَيْتِ الْمَرْأَةِ، فَقَرَعَتِ الْبَابَ وَقَالَتْ: قَدْ أَصَابَ ثَوْبِي نَجَاسَةٌ أُرِيدُ تَطْهِيرَهَا ; فَخَرَجَتِ الْمَرْأَةُ وَلَقِيَتْهَا (فَرَحَّبَتْ بِهَا) وَأَدْخَلَتْهَا، وَطَهَّرَتْ ثَوْبَهَا، وَقَامَتِ الْعَجُوزُ تُصَلِّي، فَعَرَضَتِ الْمَرْأَةُ عَلَيْهَا الطَّعَامَ، فَقَالَتْ:
إِنِّي صَائِمَةٌ، وَلَا بُدَّ مِنَ التَّرَدُّدِ إِلَيْكِ ; ثُمَّ صَارَتْ تَغْشَاهَا، ثُمَّ قَالَتْ لَهَا: عِنْدِي يَتِيمَةٌ أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَهَا إِلَى زَوْجِهَا، فَإِنْ خَفَّ عَلَيْكِ إِعَارَةُ حُلِيِّكِ أُجَمِّلُهَا بِهِ فَعَلْتُ.
وَأَحْضَرَتْ جَمِيعَ حُلِيِّهَا وَسَلَّمَتْهُ إِلَيْهَا، فَأَخَذَتْهُ الْعَجُوزُ وَانْصَرَفَتْ، وَغَابَتْ أَيَّامًا، وَجَاءَتْ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهَا: أَيْنَ الْحُلِيُّ؟ فَقَالَتْ: هُوَ عِنْدَ الْوَزِيرِ، عَبَرْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ مَعِي فَأَخَذَهُ مِنِّي، وَقَالَ لَا يُسَلِّمُهُ إِلَّا إِلَيْكِ. فَتَنَازَعَتَا، وَخَرَجَتِ الْعَجُوزُ، وَجَاءَ التَّاجِرُ زَوْجُ الْمَرْأَةِ، فَأَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ، فَحَضَرَ دَارَ الْأَمِيرِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَخْبَرَهُ بِالْخَبَرِ، فَدَخَلَ الْأَمِيرُ إِلَى وَالِدَتِهِ، وَسَأَلَهَا عَنِ الْعَجُوزِ، فَقَالَتْ: هِيَ تَدْعُو لَكَ ; فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهَا لِيَتَبَرَّكَ بِهَا، فَأَحْضَرَتْهَا
стр. 3277
وَالِدَتُهُ، فَلَمَّا رَآهَا أَكْرَمَهَا وَأَقْبَلَ عَلَيْهَا، وَانْبَسَطَ مَعَهَا.
ثُمَّ إِنَّهُ أَخَذَ خَاتَمًا مِنْ إِصْبُعِهَا، وَجَعَلَ يُقَلِّبُهُ وَيَعْبَثُ بِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَحْضَرَ خَصِيًّا لَهُ وَقَالَ لَهُ: انْطَلِقْ إِلَى بَيْتِ الْعَجُوزِ، وَقُلْ لِابْنَتِهَا تُسَلِّمُ الْحُقَّ الَّذِي فِيهِ الْحُلِيُّ، وَصِفَتُهُ كَذَا، وَهُوَ كَذَا كَذَا، وَهَذَا الْخَاتَمُ عَلَامَةٌ مِنْهَا.
فَمَضَى الْخَادِمُ، وَأَحْضَرَ الْحُقَّ، فَقَالَ لِلْعَجُوزِ: مَا هَذَا؟ فَلَمَّا رَأَتِ الْحُقَّ سُقِطَ فِي يَدِهَا، وَقَتَلَهَا، وَدَفَنَهَا فِي الدَّارِ، وَأَعْطَى الْحُقَّ لِصَاحِبِهِ، وَأَضَافَ إِلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ، وَقَالَ لَهُ: أَمَّا الْوَزِيرُ فَإِنِ انْتَقَمْتُ مِنْهُ الْآنَ يَنْكَشِفُ الْأَمْرُ، وَلَكِنْ سَأَجْعَلُ لَهُ ذَنْبًا آخُذُهُ بِهِ، فَتَرَكَهُ مُدَّةً يَسِيرَةً، وَجَعَلَ لَهُ جُرْمًا أَخَذَهُ بِهِ فَقَتَلَهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ الْمُعْتَمِدُ عَلَى اللَّهِ الْخَلِيفَةُ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ مُحَمَّدَ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَرَا الطَّائِيَّ الْمَوْصِلِيَّ، فَسَارَ إِلَيْهَا، وَجَمَعَ مَعَهُ جُمُوعًا كَثِيرَةً مِنْ خَوَارِجٍ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ الْعَلَاءُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَزْدِيُّ، وَهُوَ مَفْلُوجٌ، فَخَرَجَ فِي مِحَفَّةٍ لِيَمْنَعَ مُحَمَّدَ بْنَ عُمَرَ، فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْعَلَاءِ، وَأُخِذَ أَسِيرًا، وَاسْتَوْلَى مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ عَلَى قَلْعَةِ الْعَلَاءِ، وَأَخَذَ مِنْهَا ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَمَاتَ الْعَلَاءُ فِي يَدِهِ.
وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الْمُعْتَمِدُ عَلَى اللَّهِ عَلَى الْمَوْصِلِ الْخَضِرَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ التَّغْلِبِيَّ الْمَوْصِلِيَّ.
وَفِيهَا رَجَعَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ إِلَى طَبَرِسْتَانَ، وَأَحْرَقَ شَالُوسَ لِمُمَالَأَةِ أَهْلِهَا لِيَعْقُوبَ، وَأَقْطَعَ ضِيَاعَهُمْ لِلدَّيَالِمَةِ.
وَفِيهَا أَمَرَ الْمُعْتَمِدُ بِجَمْعِ حَاجِّ خُرَاسَانَ، وَالرَّيِّ وَطَبَرِسْتَانَ، وَجُرْجَانَ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يُوَلِّ يَعْقُوبَ خُرَاسَانَ، وَلَمْ يَكُنْ دُخُولُهُ خُرَاسَانَ وَأَسْرُهُ مُحَمَّدَ بْنَ طَاهِرٍ بِأَمْرِهِ.
وَفِيهَا قَتَلَ مُسَاوِرٌ الشَّارِيُّ يَحْيَى بْنَ جَعْفَرٍ الَّذِي كَانَ يَلِي خُرَاسَانَ، فَسَارَ مَسْرُورٌ
стр. 3278
الْبَلْخِيُّ فِي طَلَبِهِ، وَتَبِعَهُ أَبُو أَحْمَدَ، وَهُوَ الْمُوَفَّقُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ، فَسَارَ مَسَاوِرٌ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمَا فَلَمْ يُدْرِكَاهُ.
(وَفِيهَا هَرَبُ ابْنِ مَرْوَانَ الْجُلَيْقِيُّ مِنْ قُرْطُبَةَ، فَقَصَدَ قَلْعَةَ الْحَنَشِ، فَمَلَكَهَا، وَامْتَنَعَ بِهَا، فَسَارَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، فَحَصَرَهُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَضَاقَ بِهِ الْأَمْرُ، حَتَّى أَكَلَ دَوَابَّهُ، فَطَلَبَ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُ مُحَمَّدٌ، فَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ بَطْلِيُوسَ.
وَفِيهَا عَصَى أَهْلُ تَاكَرْنَا مَعَ أَسَدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ رَافِعٍ، فَغَزَاهُمْ جَيْشُ مُحَمَّدٍ صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ، وَقَاتَلَهُمْ، فَعَادُوا إِلَى الطَّاعَةِ) .
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو هَاشِمٍ دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجَعْفَرِيُّ.
وَالْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ قَاضِي الْقُضَاةِ، وَكَانَ مَوْتُهُ فِي رَمَضَانَ.
وَأَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ النَّيْسَابُورِيُّ، صَاحِبُ " الصَّحِيحِ ".
وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ حَيَّانَ الْمَوْصِلِيُّ، وَكَانَ كَثِيرَ الْحَدِيثِ.
وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَسَنِ الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ، وَكَانَ مِنَ الْمَوْصِلِ أَيْضًا.
стр. 3279
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٦٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْمُوَفَّقِ وَالصَّفَّارِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي مَحَرَّمٍ، سَارَ الصَّفَّارُ مِنْ فَارِسَ إِلَى الْأَهْوَازِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمُعْتَمِدَ إِقْبَالُهُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ وَبُفْرَاجُ، أَطْلَقَ مَنْ كَانَ فِي حَبْسِهِ مِنْ أَصْحَابِ يَعْقُوبَ، فَإِنَّهُ كَانَ حَبَسَهُمْ لَمَّا أَخَذَ يَعْقُوبُ مُحَمَّدَ بْنَ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ.
وَعَادَ إِسْمَاعِيلُ بِرِسَالَةٍ مِنْ عِنْدِ يَعْقُوبَ، (فَجَلَسَ أَبُو أَحْمَدَ بِبَغْدَاذَ، وَكَانَ قَدْ أَخَّرَ مَسِيرَهُ إِلَى الزَّنْجِ لِمَا بَلَغَهُ مِنْ خَبَرِ يَعْقُوبَ) ، وَأَحْضَرَ التُّجَّارَ، وَأَخْبَرَهُمْ بِتَوْلِيَةِ يَعْقُوبَ خُرَاسَانَ، وَجُرْجَانَ، وَطَبَرِسْتَانَ، وَالرَّيَّ، وَفَارِسَ، وَالشُّرْطَةَ بِبَغْدَاذَ، كَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ دِرْهَمٍ صَاحِبِ يَعْقُوبَ، كَانَ يَعْقُوبُ قَدْ أَرْسَلَهُ يَطْلُبُ لِنَفْسِهِ مَا ذَكَرْنَا، وَأَعَادَهُ أَبُو أَحْمَدَ إِلَى يَعْقُوبَ، وَمَعَهُ عُمَرُ بْنُ سِيمَا، بِمَا أُضِيفَ إِلَيْهِ مِنَ الْوِلَايَاتِ.
فَعَادَ الرُّسُلُ مِنْ عِنْدِ يَعْقُوبَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَا يُرْضِيهِ مَا كَتَبَ بِهِ دُونَ أَنْ يَسِيرَ إِلَى بَابِ الْمُعْتَمِدِ! وَارْتَحَلَ يَعْقُوبُ مِنْ عَسْكَرِ مُكْرَمٍ، وَسَارَ إِلَيْهِ أَبُو السَّاجِ، وَصَارَ مَعَهُ، فَأَكْرَمَهُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَوَصَلَهُ.
فَلَمَّا سَمِعَ الْمُعْتَمِدُ رِسَالَةَ يَعْقُوبَ خَرَجَ مِنْ سَامَرَّا فِي عَسَاكِرِهِ، وَسَارَ إِلَى بَغْدَاذَ، ثُمَّ الزَّعْفَرَانِيَّةِ، فَنَزَلَهَا، وَقَدَّمَ أَخَاهُ الْمُوَفَّقَ، وَسَارَ يَعْقُوبُ مِنْ عَسْكَرِ مُكْرَمٍ إِلَى وَاسِطَ، فَدَخَلَهَا لَسْتٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَارْتَحَلَ الْمُعْتَمِدُ مِنَ الزَّعْفَرَانِيَّةِ إِلَى سَيْبِ بَنِي كَوْمَا، فَوَافَاهُ هُنَاكَ مَسْرُورٌ الْبَلْخِيُّ عَائِدًا مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ، وَسَارَ يَعْقُوبُ مِنْ وَاسِطَ إِلَى دَيْرِ الْعَاقُولِ ; وَسَيَّرَ الْمُعْتَمِدُ أَخَاهُ الْمُوَفَّقَ فِي الْعَسَاكِرِ لِمُحَارَبَةِ يَعْقُوبَ، فَجَعَلَ الْمُوَفَّقُ عَلَى مَيْمَنَتِهِ مُوسَى بْنَ بُغَا، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ مَسْرُورًا الْبَلْخِيَّ، وَقَامَ هُوَ فِي الْقَلْبِ.
стр. 3280
وَالْتَقَيَا، فَحَمَلَتْ مَيْسَرَةُ يَعْقُوبَ عَلَى مَيْمَنَةِ الْمُوَفَّقِ فَهَزَمَتْهَا، وَقَتَلَتْ مِنْهَا جَمَاعَةً مِنْ قُوَّادِهِمْ، مِنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سِيمَا وَغَيْرُهُ، ثُمَّ تَرَاجَعَ الْمُنْهَزِمُونَ، وَكَشَفَ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوَفَّقُ رَأْسَهُ، وَقَالَ: أَنَا الْغُلَامُ الْهَاشِمِيُّ! وَحَمَلَ، وَحَمَلَ مَعَهُ سَائِرُ عَسْكَرِهِ عَلَى عَسْكَرِ يَعْقُوبَ، فَثَبَتُوا، وَتَحَارَبُوا حَرْبًا شَدِيدَةً، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ يَعْقُوبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْحَسَنُ الدِّرْهَمِيُّ، وَأَصَابَتْ يَعْقُوبَ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ فِي حَلْقِهِ وَيَدَيْهِ، وَلَمْ تَزَلِ الْحَرْبُ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ.
ثُمَّ وَافَى أَبَا أَحْمَدَ الْمُوَفَّقَ الدَّيْرَانِيُّ، (وَمُحَمَّدَ) بْنَ أَوْسٍ، فَاجْتَمَعَ جَمِيعُ مَنْ بَقِيَ فِي عَسْكَرِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ أَصْحَابِ يَعْقُوبَ كَرَاهَةٌ لِلْقِتَالِ مَعَهُ، إِذْ رَأَوُا الْخَلِيفَةَ يُقَاتِلُهُ، فَحَمَلُوا عَلَى يَعْقُوبَ وَمَنْ قَدْ ثَبَتَ لِلْقِتَالِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ يَعْقُوبَ، وَثَبَتَ يَعْقُوبُ فِي خَاصَّةِ أَصْحَابِهِ، حَتَّى مَضَوْا، وَفَارَقُوا مَوْضِعَ الْحَرْبِ، (وَتَبِعَهُمْ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ) ، فَغَنِمُوا مَا فِي عَسْكَرِهِمْ، وَكَانَ فِيهِ مِنَ الدَّوَابِّ، وَالْبِغَالِ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ، وَمِنَ الْأَمْوَالِ مَا يُكَلُّ عَنْ حَمْلِهِ، وَمِنْ جُرُبِ الْمِسْكِ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَتَخَلَّصَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ، وَكَانَ مُثْقَلًا بِالْحَدِيدِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ الْمُوَفَّقُ، وَوَلَّاهُ الشُّرْطَةَ بِبَغْدَاذَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَسَارَ يَعْقُوبُ مِنَ الْهَزِيمَةِ إِلَى خُوزِسْتَانَ، فَنَزَلَ جَنْدِيْسَابُورَ، وَرَاسَلَهُ الْعَلَوِيُّ الْبَصْرِيُّ يَحُثُّهُ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى بَغْدَاذَ، وَيَعِدُهُ الْمُسَاعَدَةَ، فَقَالَ لِكَاتِبِهِ: اكْتُبْ إِلَيْهِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ - لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ١ - ٢] السُّورَةَ، وَسَيَّرَ الْكِتَابَ إِلَيْهِ.
وَكَانَتِ الْوَاقِعَةُ لِإِحْدَى عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَجَبٍ ; وَكَتَبَ الْمُعْتَمِدِ إِلَى ابْنِ وَاصِلٍ بِتَوْلِيَتِهِ فَارِسَ، وَكَانَ قَدْ سَارَ إِلَيْهَا وَجَمَعَ جَمَاعَةً فَغَلَبَ عَلَيْهَا، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ يَعْقُوبُ عَسْكَرًا عَظِيمًا عَلَيْهِمُ ابْنُ عَزِيزِ بْنِ السَّرِيِّ إِلَى فَارِسَ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَرَجَعَ الْمُعْتَمِدُ إِلَى سَامَرَّا.
وَأَمَّا أَبُو أَحْمَدَ الْمُوَفَّقُ فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى وَاسِطَ لِيَتْبَعَ الصَّفَّارَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّجَهُّزِ لِذَلِكَ، فَأَصَابَهُ مَرَضٌ، فَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ وَمَعَهُ مَسْرُورٌ، وَقَبَضَ مَا لِأَبِي السَّاجِ مِنَ الضِيَاعِ،
стр. 3281
وَالْمَنَازِلِ، وَأَقْطَعَهَا مَسْرُورًا الْبَلْخِيَّ، وَقَدِمَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ بَغْدَاذَ.
ذِكْرُ أَخْبَارِ الزَّنْجِ
وَفِيهَا نَفَّذَ قَائِدُ الزَّنْجِ جُيُوشَهُ إِلَى نَاحِيَةِ الْبَطِيحَةِ وَدِسْتَ مَيْسَانَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ النَّوَاحِيَ، لَمَّا خَلَتْ مِنَ الْعَسَاكِرِ السُّلْطَانِيَّةِ بِسَبَبِ عَوْدِ مَسْرُورٍ لِحَرْبِ يَعْقُوبَ، بَثَّ صَاحِبُ الزَّنْجِ سَرَايَاهُ فِيهَا، تَنْهَبُ، وَتُخَرِّبُ.
وَأَتَتْهُ الْأَخْبَارُ بِخُلُوِّ الْبَطِيحَةِ مِنْ جُنْدِ السُّلْطَانِ، فَأَمَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ جَامِعٍ، وَجَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْحَوَانِيتِ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى بِالْمَسِيرِ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ.
وَقَدِمَ ابْنُ التُّرْكِيِّ فِي ثَلَاثِينَ شَذَاةٍ يُرِيدُ عَسْكَرَ الزَّنْجِ، فَنَهَبَ، وَأَحْرَقَ، فَكَتَبَ الْخَبِيثُ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى يَأْمُرُهُ بِمَنْعِهِ مِنَ الْعُبُورِ، فَأَخَذَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ، فَقَاتَلَهُمْ شَهْرًا حَتَّى تَخَلَّصَ، وَانْحَازَ سُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ مِنْ مَذْكُورِي الْبِلَالِيَّةِ، وَأَنْجَادِهِمْ، جَمْعٌ كَثِيرٌ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ سُمَيْرِيَّةٍ، وَكَانَ مَسْرُورٌ قَدْ وَجَّهَ قَبْلَ مَسِيرِهِ عَنْ وَاسِطَ إِلَى الْمُعْتَمِدِ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى سُلَيْمَانَ فِي شَذَوَاتٍ، فَظَفِرَ بِهِمْ سُلَيْمَانُ وَهَزَمَهُمْ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ سَبْعَ شَذَوَاتٍ وَقَتَلَ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ.
وَأَشَارَ الْبَاهِلِيُّونَ عَلَى سُلَيْمَانَ أَنْ يَتَحَصَّنَ فِي عَقْرَ، مَا وَرَاءَ طَهْثَا، وَالْأَدْغَالِ الَّتِي فِيهَا، كَرِهُوا خُرُوجَهُ عَنْهُمْ لِمُوَافَقَتِهِ فِي فِعْلِهِ، وَخَافُوا السُّلْطَانَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَ بِقَرْيَةِ مَرْوَانَ، بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ نَهْرِ طَهْثَا، وَجَمَعَ إِلَيْهِ رُؤَسَاءَ الْبَاهِلِيِّينَ، وَكَتَبَ إِلَى الْخَبِيثِ يُعْلِمُهُ بِمَا صَنَعَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يُصَوِّبُ رَأْيَهُ، وَيَأْمُرُ بِإِنْفَاذِ مَا عِنْدَهُ مِنْ مِيرَةٍ وَنَعَمٍ، فَأَنْفَذَ ذَلِكَ إِلَيْهِ.
وَوَرَدَ عَلَى سُلَيْمَانَ أَنَّ أَغْرَتْمِشَ، وَحَشِيشًا قَدْ أَقْبَلَا فِي الْخَيْلِ وَالرِّجَالِ،
стр. 3282
وَالسُّمَيْرِيَّاتِ، وَالشَّذَا يُرِيدُونَ حَرْبَهُ، فَجَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا ; فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَيْهِ وَرَآهُمْ أَخَذَ جَمْعًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَسَارَ رَاجِلًا، وَاسْتَدْبَرَ أَغْرَتْمِشَ، وَجَدَّ أَغْرَتْمِشَ فِي الْمَسِيرِ إِلَى عَسْكَرِ سُلَيْمَانَ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ قَدْ أَمَرَ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ مِنْ جَيْشِهِ أَنْ لَا يَظْهَرَ مِنْهُمْ أَحَدٌ لِأَصْحَابِ أَغْرَتْمِشَ، وَأَنْ يُخْفُوا أَنْفُسَهُمْ مَا قَدَرُوا إِلَى أَنْ يَسْمَعُوا أَصْوَاتَ طُبُولِهِمْ، فَإِذَا سَمِعُوهَا خَرَجُوا عَلَيْهِ.
وَأَقْبَلَ أَغْرَتْمِشُ إِلَيْهِمْ، فَجَزِعَ أَصْحَابُ سُلَيْمَانَ جَزَعًا عَظِيمًا، فَتَفَرَّقُوا، وَنَهَضَتْ شِرْذِمَةٌ مِنْهُمْ، فَوَاقَعُوهُمْ، وَشَغَلُوهُمْ عَنْ دُخُولِ الْعَسْكَرِ، وَعَادَ سُلَيْمَانُ مِنْ خَلْفِهِمْ، وَضَرَبَ طُبُولَهُ، وَأَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ فِي الْمَاءِ لِلْعُبُورِ إِلَيْهِمْ، فَانْهَزَمَ أَغْرَتْمِشَ وَظَهَرَ مَنْ كَانَ مِنَ السُّودَانِ بِطَهْثَا، وَوَضَعُوا السُّيُوفَ فِيهِمْ، وَقُتِلَ حَشِيشٌ، وَانْهَزَمَ أَغْرَتْمِشَ، وَتَبِعَهُ الزُّنُوجُ إِلَى عَسْكَرِهِ، فَنَالُوا حَاجَاتِهِمْ مِنْهُ، وَأَخَذُوا مِنْهُمْ شَذَوَاتٍ فِيهَا مَالٌ، وَغَيْرُهُ، فَعَادَ أَغْرَتْمِشَ فَانْتَزَعَهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَعَادَ سُلَيْمَانُ وَقَدْ ظَفِرَ وَغَنِمَ، وَكَتَبَ إِلَى صَاحِبِ (الزَّنْجِ بِالْخَبَرِ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِ رَأْسَ حَشِيشٍ، فَسَيَّرَهُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ، وَهُوَ بِنَوَاحِي) الْأَهْوَازِ، وَسَيَّرَ سُلَيْمَانُ سَرِيَّةً، فَظَفِرُوا بِإِحْدَى عَشْرَةَ شَذَاةً، وَقَتَلُوا أَصْحَابَهَا.
ذِكْرُ وَقْعَةٍ لِلزَّنْجِ عَظِيمَةٍ انْهَزَمُوا فِيهَا
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ لِلزُّنُوجِ مَعَ أَحْمَدَ بْنِ لَيْثَوَيْهِ ; وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ مَسْرُورًا الْبَلْخِيَّ وَجَّهَ أَحْمَدَ بْنَ لَيْثَوَيْهِ إِلَى كُوَرِ الْأَهْوَازِ، فَنَزَلَ السُّوسَ، وَكَانَ يَعْقُوبُ الصَّفَّارُ قَدْ قَلَّدَ مُحَمَّدَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ هَزَارْمَرْدَ الْكُرْدِيَّ كُوَرَ الْأَهْوَازِ، فَكَاتَبَ مُحَمَّدًا قَائِدَ الزَّنْجِ يُطْمِعُهُ فِي الْمَيْلِ إِلَيْهِ، وَأَوْهَمَهُ أَنَّهُ يَتَوَلَّى لَهُ كُوَرَ الْأَهْوَازِ.
وَكَانَ مُحَمَّدٌ يُكَاتِبُهُ قَدِيمًا، وَعَزَمَ عَلَى مُدَارَاةِ الصَّفَّارِ، وَقَائِدِ الزَّنْجِ، حَتَّى يَسْتَقِيمَ الْأَمْرُ فِيهَا، فَكَاتَبَهُ صَاحِبُ الزَّنْجِ يُجِيبُهُ إِلَى مَا طَلَبَ عَلَى أَنْ يَكُونَ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ الْمُتَوَلِّيَ لِلْبِلَادِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يَخْلُفُهُ عَلَيْهَا، فَقَبِلَ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ جَيْشًا كَثِيرًا، وَأَمَدَّهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَسَارُوا نَحْوَ السُّوسِ، فَمَنَعَهُمْ أَحْمَدُ بْنُ لَيْثَوَيْهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ جُنْدِ الْخَلِيفَةِ عَنْهَا، وَقَاتَلَهُمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَسَرَ جَمَاعَةً.
وَسَارَ أَحْمَدُ حَتَّى نَزَلَ سَابُورَ، وَسَارَ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ مِنَ الْأَهْوَازِ مُمِدًّا مُحَمَّدَ بْنَ
стр. 3283
عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ لَيْثَوَيْهِ، فَلَقِيَهُ مُحَمَّدٌ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ مِنَ الْأَكْرَادِ، وَالصَّعَالِيكِ، وَدَخَلَ مُحَمَّدٌ تَسْتُرَ، فَانْتَهَى إِلَى أَحْمَدَ بْنِ لَيْثَوَيْهِ الْخَبَرُ بِتَضَافُرِهِمَا عَلَى قِتَالِهِ، فَخَرَجَ عَنْ جَنْدِيْسَابُورَ إِلَى السُّوسِ.
وَكَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ وَعَدَ عَلِيَّ بْنَ أَبَانٍ أَنْ يَخْطُبَ لِصَاحِبِهِ قَائِدِ الزَّنْجِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى مِنْبَرِ تَسْتُرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ خَطَبَ لِلْمُعْتَمِدِ، وَلِلصَّفَّارِ، فَلَمَّا عَلِمَ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ ذَلِكَ انْصَرَفَ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَهَدَمَ قَنْطَرَةً كَانَتْ هُنَاكَ لِئَلَّا تَلْحَقَهُ الْخَيْلُ، فَانْتَهَى أَصْحَابُ عَلِيٍّ إِلَى عَسْكَرِ مُكْرَمٍ فَنَهَبُوهَا، وَكَانَتْ دَاخِلَةً فِي سِلْمِ الْخَبِيثِ، فَغَدَرُوا بِهَا وَسَارُوا إِلَى الْأَهْوَازِ.
فَلَمَّا عَلِمَ أَحْمَدُ ذَلِكَ أَقْبَلَ إِلَى تَسْتُرَ، فَوَاقَعَ مُحَمَّدَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ، فَانْهَزَمَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَدَخَلَ أَحْمَدُ تَسْتُرَ.
وَأَتَتِ الْأَخْبَارُ عَلِيَّ بْنَ أَبَانٍ بِأَنَّ أَحْمَدَ عَلَى قَصْدِكَ، فَسَارَ إِلَى لِقَائِهِ وَمُحَارَبَتِهِ، فَالْتَقَيَا، وَاقْتَتَلَ الْعَسْكَرَانِ، فَاسْتَأْمَنَ إِلَى أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ، فَانْهَزَمَ بَاقِي أَصْحَابِ عَلِيٍّ، وَثَبَتَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ يَسِيرَةٌ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَتَرَجَّلَ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ، وَبَاشَرَ الْقِتَالَ رَاجِلًا، فَعَرَفَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ فَأَنْذَرَ النَّاسُ بِهِ، فَلَمَّا عَرَفُوهُ انْصَرَفَ هَارِبًا، وَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَسْرُقَانِ، فَأَتَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِسُمَيْرِيَّةٍ، فَرَكِبَ فِيهَا وَنَجَا مَجْرُوحًا، وَقُتِلَ مِنْ أَبْطَالِ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ.
ذِكْرُ أَخْبَارِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُجُسْتَانِيِّ
كَانَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُجُسْتَانِيُّ مِنْ خُجُسْتَانَ، وَهِيَ مِنْ جِبَالِ هَرَاةَ، مِنْ أَعْمَالِ بَاذَغِيسَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، فَلَمَّا اسْتَوْلَى يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ عَلَى نَيْسَابُورَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، ضَمَّ أَحْمَدَ إِلَيْهِ، وَإِلَى أَخِيهِ عَلِيِّ بْنِ اللَّيْثِ، وَكَانَ بَنُو شَرْكُبٍ ثَلَاثَةَ إِخْوَةٍ: إِبْرَاهِيمُ، وَأَبُو حَفْصٍ يَعْمَرُ، وَأَبُو طَلْحَةَ مَنْصُورٌ، بَنُو مُسْلِمٍ، وَكَانَ أَسَنُّهُمْ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ قَدْ أَبْلَى بَيْنَ يَدَيْ يَعْقُوبَ عِنْدَ مُوَاقَعَةِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ بِجُرْجَانَ، فَقَدَّمَهُ،
стр. 3284
فَدَخَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا نَيْسَابُورَ، وَهُوَ يَوْمٌ فِي بَرْدٍ شَدِيدٍ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ يَعْقُوبُ وَبَرَ سُمُّورٍ كَانَ عَلَى كَتِفِهِ، فَحَسَدَهُ عَلَيْهِ الْخُجُسْتَانِيُّ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ يَعْقُوبَ يُرِيدُ الْغَدْرَ بِكَ ; لِأَنَّهُ لَا يَخْلَعُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَاصَّتِهِ خِلْعَةً إِلَّا غَدَرَ بِهِ.
فَغَمَّ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ، وَقَالَ: كَيْفَ الْحِيلَةُ فِي الْخَلَاصِ؟ قَالَ: الْحِيلَةُ أَنْ نَهْرُبَ جَمِيعًا إِلَى أَخِيكَ يَعْمُرَ، فَإِنِّي خَائِفٌ عَلَيْهِ أَيْضًا. وَكَانَ يَعْمُرُ قَدْ حَاصَرَ أَبَا دَاوُدَ النَّاهِجُوزِيَّ بِبَلْخَ، وَمَعَهُ نَحْوٌ مِنْ خَمْسَةِ آلَافِ رَجُلٍ، فَاتَّفَقَا عَلَى الْخُرُوجِ لَيْلَتَهُمْ، فَسَبَقَهُ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْمَوْعِدِ، فَانْتَظَرَهُ سَاعَةً فَلَمْ يَرَهُ، فَسَارَ نَحْوَ سَرَخْسَ، وَذَهَبَ الْخُجُسْتَانِيُّ إِلَى يَعْقُوبَ فَأَعْلَمُهُ، فَأَرْسَلَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلَحِقُوهُ بِسَرَخْسَ فَقَتَلُوهُ، وَمَالَ يَعْقُوبُ إِلَى الْخُجُسْتَانِيِّ.
فَلَمَّا أَرَادَ يَعْقُوبُ الْعَوْدَ إِلَى سِجِسْتَانَ اسْتَخْلَفَ عَلَى نَيْسَابُورَ عَزِيزَ بْنَ السَّرِيِّ، وَوَلَّى أَخَاهُ عَمْرَو بْنَ اللَّيْثِ هَرَاةَ، فَاسْتَخْلَفَ عَمْرٌو عَلَيْهَا طَاهِرَ بْنَ حَفْصٍ الْبَاذَغِيسِيَّ.
وَسَارَ يَعْقُوبُ إِلَى سِجِسْتَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَحَبَّ الْخُجُسْتَانِيُّ التَّخَلُّفَ لِمَا كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ، فَقَالَ لِعَلِيِّ بْنِ اللَّيْثِ: إِنَّ أَخَوَيْكَ قَدِ اقْتَسَمَا خُرَاسَانَ، وَلَيْسَ لَكَ بِهَا مَنْ يَقُومُ بِشُغْلِكَ، فَيَجِبُ أَنْ تَرُدَّنِي إِلَيْهَا لِأَقُومَ بِأُمُورِكَ ; فَاسْتَأْذَنَ أَخَاهُ يَعْقُوبَ فِي ذَلِكَ، فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا حَضَرَ أَحْمَدُ يُوَدِّعُ يَعْقُوبَ أَحْسَنَ لَهُ الْقَوْلَ، وَرَدَّهُ وَخَلَعَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا وَلَّى عَنْهُ قَالَ يَعْقُوبُ: أَشْهَدُ أَنَّ قَفَاهُ قَفَا مُسْتَعْصٍ، وَأَنَّ هَذَا آخِرُ عَهْدِنَا بِطَاعَتِهِ. فَلَمَّا فَارَقَهُمْ جَمَعَ نَحْوًا مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ فَوَرَدَ بِهِمْ بَشْتَ نَيْسَابُورَ، فَحَارَبَ عَامِلَهَا، وَأَخْرَجَهُ عَنْهَا، وَجَبَاهَا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى قُومِسَ، فَقَتَلَ بِبِسْطَامَ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا وَذَلِكَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ.
وَسَارَ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَبِهَا عَزِيزُ بْنُ السَّرِيِّ، فَهَرَبَ عَزِيزٌ، وَأَخَذَ أَحْمَدُ أَثْقَالَهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَى نَيْسَابُورَ يَدْعُو إِلَى الطَّاهِرِيَّةِ، وَذَلِكَ أَوَّلَ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَتَبَ إِلَى رَافِعِ بْنِ هَرْثَمَةَ يَسْتَقْدِمُهُ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَجَعَلَهُ صَاحِبَ جَيْشِهِ، وَكَتَبَ إِلَى يَعْمُرَ بْنِ شَرْكُبَ، وَهُوَ يُحَاصِرُ بَلْخَ، يَسْتَقْدِمُهُ لِيَتَّفِقَا عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ، فَلَمْ يَثِقْ إِلَيْهِ يَعْمُرُ لِفِعْلِهِ
стр. 3285
بِأَخِيهِ، وَسَارَ يَعْمُرُ إِلَى هَرَاةَ، فَحَارَبَ طَاهِرَ بْنَ حَفْصٍ فَقَتَلَهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَى أَعْمَالِ طَاهِرٍ، فَسَارَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمَا مُنَاوَشَاتٌ.
وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ بْنُ شَرْكُبٍ غُلَامًا مِنْ أَحْسَنِ الْغِلْمَانِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بِلَالٍ يَمِيلُ إِلَيْهِ، وَهُوَ أَحَدُ قُوَّادِ يَعْمُرَ، فَرَاسَلَ الْخُجُسْتَانِيَّ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ يَعْمَلُ ضِيَافَةً لِيَعْمُرَ وَقُوَّادِهِ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ يَوْمًا ذَكَرَهُ. وَيَأْمُرُهُ بِالنُّهُوضِ إِلَيْهِمْ فِيهِ، فَإِنَّهُ يُسَاعِدُهُ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ أَبَا طَلْحَةَ، فَأَجَابَهُ أَحْمَدُ إِلَى ذَلِكَ، فَصَنَعَ ابْنُ بِلَالٍ طَعَامًا، وَدَعَا يَعْمُرَ، وَأَصْحَابَهُ، وَكَبَسَهُمْ أَحْمَدُ، وَقَبَضَ عَلَى يَعْمُرَ، وَسَيَّرَهُ إِلَى نَائِبِهِ بِنَيْسَابُورَ فَقَتَلَهُ، وَاجْتَمَعَ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَخِيهِ فَقَتَلُوا ابْنَ بِلَالٍ، وَسَارُوا إِلَى نَيْسَابُورَ وَكَانَ بِهَا الْحُسَيْنُ بْنُ طَاهِرٍ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ قَدْ وَرَدَهَا مِنْ أَصْبَهَانَ، طَمَعًا أَنْ يَخْطُبَ لَهُمْ أَحْمَدُ كَمَا كَانَ يُظْهِرُهُ مِنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَخَطَبَ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ بِهَا، وَأَقَامَ مَعَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْخُجُسْتَانِيُّ مِنْ هَرَاةَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ عِنَانٍ، فَأَقَامَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ مِنْ نَيْسَابُورَ، وَوَجَّهَ أَخَاهُ الْعَبَّاسَ إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَبُو طَلْحَةَ، فَقَاتَلَهُ، فَقُتِلَ الْعَبَّاسُ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ.
فَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُهُمْ إِلَى أَحْمَدَ عَادَ إِلَى هَرَاةَ، وَلَمْ يَعْلَمْ لِأَخِيهِ خَبَرًا، فَبَذَلَ الْأَمْوَالَ لِمَنْ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِ، فَلَمْ يُقْدِمْ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ، وَأَجَابَهُ رَافِعُ بْنُ هَرْثَمَةَ إِلَيْهِ، فَاسْتَأْمَنَ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ فَأَمَّنَهُ وَقَرَّبَهُ، وَوَثِقَ إِلَيْهِ، وَتَحَقَّقَ رَافِعٌ خَبَرَ الْعَبَّاسِ، فَأَنْهَاهُ إِلَى أَخِيهِ أَحْمَدَ، وَأَنْفَذَهُ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى بَيْهَقَ، وَبَسْتَ لِيَجْبِيَ أَمْوَالَهَا لِنَفْسِهِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ قَائِدَيْنِ، فَجَبَى رَافِعٌ الْأَمْوَالَ، وَقَبَضَ عَلَى الْقَائِدَيْنِ، وَسَارَ إِلَى الْخُجُسْتَانِيِّ، إِلَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى خَوَافَ، فَنَزَلَهَا وَبِهَا حَلِيُّ بْنُ يَحْيَى الْخَارِجِيُّ، فَنَزَلَ نَاحِيَةً عَنْهُ.
فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ، فَرَكِبَ مُجِدًّا، فَوَصَلَ إِلَيْهِمْ لَيْلًا، فَأَوْقَعَ بِحَلِيٍّ، وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ يَظُنُّهُ رَافِعًا، وَهَرَبَ رَافِعٌ سَالِمًا، وَعَلِمَ أَبُو طَلْحَةَ بِحَالِ حَلِيٍّ بَعْدَ حَرْبٍ شَدِيدَةٍ، فَكَفَّ عَنْهُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَإِلَى أَصْحَابِهِ.
стр. 3286
ثُمَّ وَجَّهَ أَبُو طَلْحَةَ جَيْشًا إِلَى جُرْجَانَ، وَبِهَا ثَابِتُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ، وَمَعَهُ الدَّيْلَمُ، وَكَانَ عَلَى جَيْشِ أَبِي طَلْحَةَ إِسْحَاقُ الشَّارِيُّ، فَحَارَبُوا الدَّيْلَمَ بِجُرْجَانَ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَأَجْلَوْهُمْ عَنْهَا، وَذَلِكَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ.
ثُمَّ عَصَى إِسْحَاقُ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ، فَسَارَ إِلَيْهِ أَبُو طَلْحَةَ، وَاشْتَغَلَ فِي طَرِيقِهِ بِاللَّهْوِ وَالصَّيْدِ، فَكَبَسَهُ إِسْحَاقُ وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ، وَانْهَزَمَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى نَيْسَابُورَ، فَاسْتَضْعَفَهُ أَهْلُهَا، فَأَخْرَجُوهُ مِنْهَا، فَنَزَلَ عَلَى فَرْسَخٍ عَنْهَا، وَجَمَعَ جَمْعًا وَحَارَبَهُمْ، ثُمَّ افْتَعَلَ كِتَابًا عَنْ أَهْلِ نَيْسَابُورَ إِلَى إِسْحَاقَ، يَسْتَقْدِمُونَهُ إِلَيْهِمْ، وَيَعِدُونَهُ الْمُسَاعَدَةَ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ، فَاغْتَرَّ إِسْحَاقُ بِذَلِكَ، وَكَتَبَ أَبُو طَلْحَةَ عَنْ إِسْحَاقَ كِتَابًا إِلَى أَهْلِ نَيْسَابُورَ يَعِدُهُمْ أَنَّهُ يُسَاعِدُهُمْ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ، وَيَأْمُرُهُمْ بِحِفْظِ الدُّرُوبِ، وَتَرْكِ مُقَارَبَةِ الْبَلَدِ إِلَى أَنْ يُوَافِيَهُمْ، فَاغْتَرُّوا بِذَلِكَ، وَظَنُّوهُ كِتَابَهُ، فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ.
وَسَارَ إِسْحَاقُ مُجِدًّا، فَلَمَّا قَارَبَ نَيْسَابُورَ لَقِيَهُ أَبُو طَلْحَةَ، فَغَافَصَهُ، فَطَعَنَهُ أَبُو طَلْحَةَ، فَأَلْقَاهُ عَنْ فَرَسِهِ فِي بِئْرٍ هُنَاكَ، فَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ خَبَرٌ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَدَخَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ أَبُو طَلْحَةَ، فَكَاتَبُوا الْخُجُسْتَانِيَّ، وَاسْتَقْدَمُوهُ مِنْ هَرَاةَ، فَأَتَاهُمْ فِي يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ، وَوَرَدَ عَلَيْهِمْ لَيْلًا، فَفَتَحُوا لَهُ الْأَبْوَابَ، وَدَخَلَهَا وَسَارَ عَنْهَا أَبُو طَلْحَةَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ، فَأَمَدَّهُ بِجُنُودٍ، فَعَادَ إِلَى نَيْسَابُورَ، فَلَمْ يَظْفَرْ بِشَيْءٍ، فَسَارَ إِلَى بَلْخَ، وَحَصَرَ أَبَا دَاوُدَ النَّاهِجَوْزِيَّ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَذَلِكَ سَنَةَ خَمْسٍ، (وَقِيلَ سِتٍّ) وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ.
وَسَارَ الْخُجُسْتَانِيُّ إِلَى مُحَارَبَةِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ لِمُسَاعَدَتِهِ أَبَا طَلْحَةَ، فَاسْتَعَانَ الْحَسَنُ بِأَهْلِ جُرْجَانَ، فَأَعَانُوهُ، فَحَارَبَهُمُ الْخُجُسْتَانِيُّ فَهَزَمَهُمْ، وَأَغَارَ عَلَيْهِمْ، وَجَبَاهُمْ أَرْبَعَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ [وَمِائَتَيْنِ] .
وَاتَّفَقَ أَنَّ يَعْقُوبَ بْنَ اللَّيْثِ تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ [وَمِائَتَيْنِ] أَيْضًا، وَوَلِيَ مَكَانَهُ أَخُوهُ عَمْرٌو، فَعَادَ إِلَى سِجِسْتَانَ وَقَصَدَ هَرَاةَ، فَعَادَ الْخُجُسْتَانِيُّ مِنْ جُرْجَانَ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَوَافَاهُ عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ، فَاقْتَتَلَا، وَانْهَزَمَ عَمْرٌو وَرَجَعَ إِلَى هَرَاةَ، وَأَقَامَ أَحْمَدُ بِنَيْسَابُورَ.
وَكَانَ كَيْكَانُ، وَهُوَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ
стр. 3287
وَالْفُقَهَاءِ بِنَيْسَابُورَ يَمِيلُونَ إِلَى عَمْرٍو لِتَوْلِيَةِ السُّلْطَانِ إِيَّاهُ، فَرَأَى الْخُجُسْتَانِيُّ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَهُمْ لِيَشْتَغِلَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَأَحْضَرَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً مِنَ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِمَذَاهِبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَقَرَّبَهُمْ، وَأَكْرَمَهُمْ، وَأَظْهَرُوا الْخِلَافَ عَلَى كَيْكَانَ، وَنَابَذُوهُ.
وَكَانَ كَيْكَانُ يَقُولُ بِمَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَكُفِيَ شَرُّهُمْ، وَسَارَ إِلَى هَرَاةَ فَحَصَرَ بِهَا عَمْرَو بْنَ اللَّيْثِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ [وَمِائَتَيْنِ] ، فَلَمْ يَظْفَرْ بِشَيْءٍ، فَسَارَ نَحْوَ سِجِسْتَانَ فَحَصَرَ فِي طَرِيقِهِ رَمْلَ سِيَّ فَلَمْ يَظْفَرْ بِشَيْءٍ مِنْهَا، فَاحْتَالَ حَتَّى اسْتَمَالَ رَجُلًا قَطَّانًا كَانَتْ دَارُهُ إِلَى جَانِبِ السُّورِ، وَوَعَدَهُ أَنْ يَنْقُبَ مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَى دَارِهِ، وَيُخْرِجَ أَصْحَابَهُ إِلَى الْبَلَدِ، فَاسْتَأْمَنَ رَجُلَانِ مِنَ الْبَلَدِ مِنْ أَصْحَابِ الْخُجُسْتَانِيِّ، وَذَكَرَا الْخَبَرَ لِصَاحِبِهِ، فَأُخِذَ الْقَطَّانُ وَأُخْرِبَتْ دَارُهُ، وَبَطَلَ مَا كَانَ الْخُجُسْتَانِيُّ عَزَمَ عَلَيْهِ.
وَكَانَ خَلِيفَةُ الْخُجُسْتَانِيُّ بِنَيْسَابُورَ قَدْ أَسَاءَ السِّيرَةَ، وَقَوَّى الْعَيَّارِينَ وَأَهْلَ الْفَسَادِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَى كَيْكَانَ، فَثَارَ عَلَى نَائِبِهِ، وَأَعَانَهُمْ عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ بِجُنْدِهِ، فَقَبَضُوا عَلَى خَلِيفَةِ الْخُجُسْتَانِيِّ، وَأَقَامَ أَصْحَابُ عَمْرٍو بِنَيْسَابُورَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى أَحْمَدَ، فَوَافَى نَيْسَابُورَ، فَخَرَجَ عَنْهَا كَيْكَانُ (وَغَيْرُهُ، فَرَدَّهُمْ أَصْحَابُ أَحْمَدَ الْخُجُسْتَانِيُّ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَغَيَّبَ كَيْكَانَ) ، فَلَمْ يَظْهَرْ إِلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ مَيِّتًا، وَقَدْ بَنَى عَلَيْهِ حَائِطًا فَمَاتَ فِيهِ.
وَأَقَامَ أَحْمَدُ بِنَيْسَابُورَ تَمَامَ سَنَةِ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ. ثُمَّ إِنَّ عَمْرًا كَاتَبَ أَبَا طَلْحَةَ، وَهُوَ يُحَاصِرُ بَلْخَ، يَسْتَقْدِمُهُ إِلَى هَرَاةَ، فَأَتَاهُ، فَأَكْرَمَهُ، وَأَعْطَاهُ مَالًا عَظِيمًا، وَوَعَدَهُ وَتَرَكَهُ بِخُرَاسَانَ، وَعَادَ إِلَى سِجِسْتَانَ ; فَسَارَ أَحْمَدُ إِلَى سَرَخْسَ، وَبِهَا عَامِلُ عَمْرٍو، فَأَتَاهُ أَبُو طَلْحَةَ، فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ أَبُو طَلْحَةَ، وَمَرَّ عَلَى وَجْهِهِ،
стр. 3288
وَسَارَ أَحْمَدُ خَلْفَهُ، فَلَحِقَهُ بُخُلْمُ فَحَارَبَهُ، فَهَزَمَهُ أَيْضًا، وَسَارَ نَحْوَ سِجِسْتَانَ، وَأَقَامَ أَحْمَدُ بِطَخَارِسْتَانَ.
(وَكَانَ نَاسِرَارُ) عَبَّاسٌ الْقَطَّانُ قَدْ أَتَى طَلْحَةَ، فَسَارَ نَحْوَ نَيْسَابُورَ، فَأَعَانَهُ أَهْلُهَا، فَأَخَذُوا وَالِدَةَ الْخُجُسْتَانِيِّ، وَمَا كَانَ مَعَهَا ; (وَأَقَامَ بِنَيْسَابُورَ، وَلَحِقَ بِهِ أَبُو طَلْحَةَ، فَمَنَعَهُ أَهْلُ نَيْسَابُورَ مِنْ دُخُولِهَا) .
وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِالْخُجُسْتَانِيِّ، وَهُوَ بِطَايِكَانَ مِنْ طَخَارِسْتَانَ، فَسَارَ مُجِدًّا نَحْوَ نَيْسَابُورَ.
وَلَمَّا أَيِسَ الطَّاهِرِيَّةُ مِنَ الْخُجُسْتَانِيِّ، وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ بِخُوَارِزْمَ وَالِيًا عَلَيْهَا، أَنْفَذَ أَبَا الْعَبَّاسِ النَّوْفَلِيَّ فِي خَمْسَةِ آلَافِ رَجُلٍ لِيُخْرِجَ أَحْمَدَ مِنْ نَيْسَابُورَ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ أَحْمَدَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَنْهَاهُ عَنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ، فَأَخَذَ النَّوْفَلِيُّ الرُّسُلَ، فَأَمَرَ بِضَرْبِهِمْ، وَحَلْقِ لِحَاهُمْ، وَأَرَادَ قَتْلَهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَطْلُبُونَ الْجَلَّادِينَ، وَالْحَجَّامِينَ لِيَحْلِقُوا لِحَاهُمْ، أَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِقُرْبِ جَيْشِ أَحْمَدَ مِنْهُمْ، فَاشْتَغَلُوا، وَتَرَكُوا الرُّسُلَ، فَهَرَبُوا إِلَى أَحْمَدَ، وَأَعْلَمُوهُ الْخَبَرَ، فَعَبَّأَ أَصْحَابَهُ، وَحَمَلُوا عَلَى النَّوْفَلِيِّ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَأَكْثَرُوا فِيهِمُ الْقَتْلَ، وَقَبَضُوا عَلَى النَّوْفَلِيِّ، وَأَحْضَرُوهُ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الرُّسُلَ لَتَخْتَلِفُ إِلَى بِلَادِ الْكُفَّارِ، فَلَا تَتَعَرَّضُ لَهُمْ، أَفَلَا اسْتَحْيَيْتَ أَنْ تَأْمُرَ فِي رُسُلِي بِمَا أَمَرْتَ؟ فَقَالَ النَّوْفَلِيُّ: أَخْطَأْتُ ; فَقَالَ: لَكِنِّي سَأُصِيبُ فِي أَمْرِكَ! ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ.
وَبَلَغَهُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بِمَرْوَ قَدْ جَبَى أَهْلَهَا فِي سَنَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ خَرَاجًا، فَسَارَ إِلَيْهِ فِي أَبْيُورْدَ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَأَخَذَهُ مِنْ عَلَى فِرَاشِهِ، وَأَقَامَ بِمَرْوَ، فَجَبَى خَرَاجَهَا، ثُمَّ وَلَّاهَا مُوسَى الْبَلْخِيَّ، ثُمَّ وَافَاهَا الْحُسَيْنُ بْنُ طَاهِرٍ، فَأَحْسَنَ فِيهِمُ السِّيرَةَ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ نَحْوُ عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
ذِكْرُ قَتْلِ الْخُجُسْتَانِيِّ
لَمَّا كَانَ الْخُجُسْتَانِيُّ بِطَخَارِسْتَانَ وَافَاهُ خَبَرُ أَخْذِ وَالِدَتِهِ مِنْ نَيْسَابُورَ، وَسَارَ مُجِدًّا،
стр. 3289
فَلَمَّا قَارَبَ هَرَاةَ أَتَاهُ غُلَامٌ لِأَبِي طَلْحَةَ، يُعْرَفُ بِيَنَالَ دَهْ هَزَارَ، مُسْتَأْمِنًا، فَأَتَاهُ خَبَرُهُ قَبْلَ وُصُولِهِ، وَكَانَ لِلْخُجُسْتَانِيِّ غُلَامٌ اسْمُهُ رَامْجُورُ عَلَى خَزَائِنِهِ، فَقَالَ لَهُ كَالْمُمَازِحِ لَهُ: إِنَّهُ سَيِّدُكَ يَنَالُ دَهْ هَزَارَ قَدِ اسْتَأْمَنَ إِلَيَّ، كَمَا عَلِمْتَ، فَانْظُرْ كَيْفَ يَكُونُ بِرُّكَ بِهِ، فَحَقَدَهَا عَلَيْهِ رَامْجُورُ، وَخَافَ أَنْ يُقَدِّمَ ذَلِكَ الْغُلَامَ عَلَيْهِ، وَيَطْلُبَ الْفُرْصَةَ لِيَقْتُلَهُ.
وَكَانَ لِأَحْمَدَ غُلَامٌ [يُدْعَى] قَتْلَغُ، وَهُوَ عَلَى شَرَابِهِ، فَسَقَاهُ يَوْمًا، فَرَأَى فِي الْكُوزِ شَيْئًا، فَأَمَرَ بِهِ فَقُلِعَتْ إِحْدَى عَيْنَيْهِ، فَتَوَاطَأَ قَتْلَغُ وَرَامْجُورُ عَلَى قَتْلِهِ، فَشَرِبَ يَوْمًا بِنَيْسَابُورَ عِنْدَ وُصُولِهِ مِنْ طَايْكَانَ، فَسَكِرَ وَنَامَ، فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، فَقَتَلَهُ رَامْجُورُ، وَقَتْلَغُ، وَكَانَ قَتْلُهُ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَخَذَ رَامْجُورُ خَاتَمَهُ فَأَرْسَلَهُ إِلَى الْإِصْطَبْلِ يَأْمُرُهُمْ بِإِسْرَاجِ عِدَّةِ دَوَابَّ، فَفَعَلُوا، فَسَيَّرَ عَلَيْهَا جَمَاعَةً إِلَى أَبِي طَلْحَةَ وَهُوَ بِجُرْجَانَ يُعْلِمُهُ الْحَالَ، وَيَأْمُرُهُ بِالْقُدُومِ، ثُمَّ أَغْلَقَ رَامْجُورُ الْبَابَ عَلَى أَحْمَدَ، وَاخْتَفَى.
وَبَكَّرَ الْقُوَّادُ إِلَى بَابِ أَحْمَدَ، فَوَجَدُوا بَابَ حُجْرَتِهِ مُغْلَقًا، فَانْتَظَرُوهُ سَاعَةً طَوِيلَةً، فَرَابَهُمُ الْأَمْرُ، فَفَتَحُوا الْبَابَ فَرَأَوْهُ مَقْتُولًا، فَبَحَثُوا عَنِ الْحَالِ، وَأَخْبَرَهُمْ صَاحِبُ الْإِصْطَبْلِ خَبَرَ رَامْجُورَ فِي إِنْفَاذِ الْخَاتَمِ، فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، ثُمَّ وَجَدُوهُ بَعْدَ مُدَّةٍ.
وَكَانَ سَبَبُ اطِّلَاعِهِمْ عَلَيْهِ أَنَّ صَبِيًّا مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ الَّتِي هُوَ بِهَا طَلَبَ نَارًا، فَقِيلَ لَهُ: مَا تَعْمَلُونَ بِالنَّارِ فِي الْيَوْمِ الْحَارِّ؟ فَقِيلَ: نَتَّخِذُ طَعَامًا لِلْقَائِدِ، قِيلَ: وَمَنِ الْقَائِدُ؟ قَالَ: رَامْجُورُ، فَأَنْهَوُا خَبَرَهُ إِلَى بَعْضِ الْقُوَّادِ، فَأَخَذُوهُ، وَقَتَلُوهُ.
وَاجْتَمَعَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ بَعْدَ قَتْلِهِ عَلَى رَافِعِ بْنِ هَرْثَمَةَ.
وَسَنَذْكُرُ أَخْبَارَ رَافِعٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ.
وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، لَمَّا عَادَ مِنْ طَايِكَانَ بَعْدَ قَتْلِ وَالِدَتِهِ، نَصَبَ رُمْحًا طَوِيلًا فِي صَحْنِ دَارِهِ وَقَالَ: يَحْتَاجُ أَهْلُ نَيْسَابُورَ أَنْ يَضَعُوا الدُّرَّ حَتَّى يَغْمُرُوا هَذَا الرُّمْحَ، فَخَافُوا مِنْهُ، وَاسْتَخْفَى جَمْعٌ مِنَ الرُّؤَسَاءِ وَالتُّجَّارِ، وَفَزِعَ النَّاسُ إِلَى الدُّعَاءِ، وَسَأَلُوا أَبَا عُثْمَانَ، وَغَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَفْصٍ الزَّاهِدِ أَنْ يَتَضَرَّعُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِيُفَرِّجَ عَنْهُمْ، وَفَعَلُوا، فَتَدَارَكَهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، فَقُتِلَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
стр. 3290
وَكَانَ أَحْمَدُ كَرِيمًا، جَوَادًا، شُجَاعًا، حَسَنَ الْعِشْرَةِ، كَثِيرَ الْبِرِّ لِإِخْوَانِهِ الَّذِينَ صَحِبُوهُ قَبْلَ إِمَارَتِهِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ لَهُمْ عَمَّا كَانَ يَفْعَلُهُ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالْآدَابِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
(وَفِيهَا وَلِيَ الْقَضَاءَ عَلِيُّ بْنُ) مُحَمَّدِ [بْنِ] أَبِي الشَّوَارِبِ.
وَفِيهَا سَارَ الْحُسَيْنُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ إِلَى الْجَبَلِ فِي صَفَرٍ.
وَفِيهَا مَاتَ الصَّلَانِيُّ وَالِي الرَّيِّ، وَوَلِيَهَا كَيْغَلَغُ.
وَفِيهَا نُهِبَ ابْنُ زَيْدَوَيْهِ الطَّبِيبُ.
وَمَاتَ صَالِحُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ الْمَنْصُورِ.
وَوَلِيَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَضَاءَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ بَغْدَاذَ، فَصَارَ لَهُ قَضَاءُ الْجَانِبَيْنِ.
وَفِيهَا تَنَافَرَ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوَفَّقُ، وَأَحْمَدُ بْنُ طُولُونَ أَمِيرُ دِيَارِ مِصْرَ، وَصَارَ بِهِ بَيْنَهُمَا وَحْشَةٌ مُسْتَحْكِمَةٌ، وَتَطَلَّبَ الْمُوَفَّقُ مَنْ يَتَوَلَّى الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ، فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا ; لِأَنَّ ابْنَ طُولُونَ كَانَتْ خَدَمُهُ وَهَدَايَاهُ مُتَّصِلَةٌ إِلَى الْقُوَّادِ بِالْعِرَاقِ، وَأَرْبَابِ الْمَنَاصِبِ، فَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَتَوَلَّاهَا، فَكَتَبَ إِلَى ابْنِ طُولُونَ يُهَدِّدُهُ بِالْعَزْلِ، فَأَجَابَهُ جَوَابًا (فِيهِ بَعْضُ الْغِلْظَةِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ الْمُوَفَّقُ مُوسَى بْنَ بُغَا فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، فَسَارَ إِلَى الرَّقَّةِ) .
وَبَلَغَ الْخَبَرُ ابْنَ طُولُونَ، فَحَصَّنَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ، وَأَقَامَ ابْنُ بُغَا عَشَرَةَ أَشْهُرٍ بِالرَّقَّةِ،
стр. 3291
وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْمَسِيرُ لِقِلَّةِ الْأَمْوَالِ مَعَهُ، وَطَالَبَهُ الْأَجْنَادُ بِالْعَطَاءِ، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُعْطِيهِمْ، فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، وَثَارُوا بِوَزِيرِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَاسْتَتَرَ، وَاضْطُرَّ ابْنُ بُغَا إِلَى الْعَوْدِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَكَفَى اللَّهُ أَحْمَدَ بْنَ طُولُونَ شَرَّهُ فَتَصَدَّقَ بِأَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ.
وَفِيهَا قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَتَّابٍ، وَكَانَ سَائِرًا إِلَى السِّيبِينِ، وَهِيَ فِي وِلَايَتِهِ، فَقَتَلَهُ الْأَعْرَابُ.
وَفِيهَا قُتِلَ الْقَطَّانُ صَاحِبُ مُفْلِحٍ، وَكَانَ عَامِلًا بِالْمَوْصِلِ، فَانْصَرَفَ عَنْهَا، فَقُتِلَ بِالرَّقَّةِ.
وَفِيهَا عُقِدَ لِكَفْتِمُرَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ دَاوُدَ عَلَى طَرِيقِ مَكَّةَ.
وَفِيهَا وَقَعَ بَيْنَ الْخَيَّاطِينَ، وَالْجَزَّارِينَ بِمَكَّةَ قِتَالٌ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، حَتَّى خَافَ النَّاسُ أَنْ يَبْطُلَ الْحَجُّ، ثُمَّ تَحَاجَزُوا إِلَى أَنْ يَحُجَّ النَّاسُ، وَقَدْ قُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْفَضْلُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
(وَفِيهَا سَيَّرَ مُحَمَّدٌ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ ابْنَهُ الْمُنْذِرَ فِي جَيْشٍ إِلَى الْجُلَيْقِيِّ، وَكَانَ بِمَدِينَةِ بَطْلَيُوسَ، فَلَمَّا سَمِعَ خَبَرَهُمْ فَارَقَهَا، وَدَخَلَ حِصْنَ كَرْكَرَ، فَحُوصِرَ فِيهِ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي أَصْحَابِهِ فِي شَوَّالٍ) .
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ النُّمَيْرِيُّ الْإِخْبَارِيُّ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ.
стр. 3292
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٦٣ -
٢٦٣ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ وَقْعَةِ الزَّنْجِ
لَمَّا انْهَزَمَ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ جَرِيحًا، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَعَادَ إِلَى الْأَهْوَازَ لَمْ يَقُمْ بِهَا، وَمَضَى إِلَى عَسْكَرِ صَاحِبِهِ يُدَاوِي جِرَاحَهُ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى عَسْكَرِهِ بِالْأَهْوَازِ، فَلَمَّا بَرَأَ جُرْحُهُ عَادَ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَوَجَّهَ أَخَاهُ الْخَلِيلَ بْنَ أَبَانٍ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ لَيْثَوَيْهِ، وَكَانَ أَحْمَدُ بِعَسْكَرِ مُكْرَمٍ، فَكَمَنَ لَهُمْ أَحْمَدُ، وَخَرَجَ إِلَى قِتَالِهِمْ، فَالْتَقَى الْجَمْعَانِ، وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، وَخَرَجَ الْكَمِينُ عَلَى الزَّنْجِ فَانْهَزَمُوا، وَتَفَرَّقُوا، وَقُتِلُوا، وَوَصَلَ الْمُنْهَزِمُونَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ، فَوَجَّهَ مَسْلَحَةً إِلَى الْمَسْرُقَانِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ أَحْمَدُ ثَلَاثِينَ فَارِسًا مِنْ أَصْحَابِهِ، مِنْ أَعْيَانِهِمْ، فَقَتَلَهُمُ الزَّنْجُ جَمِيعَهُمْ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ يَعْقُوبَ عَلَى الْأَهْوَازِ وَغَيْرِهَا
وَفِيهَا أَقْبَلَ يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ مِنْ فَارِسَ، فَلَمَّا بَلَغَ النُّوبِنْدِجَانَ انْصَرَفَ أَحْمَدُ بْنُ اللَّيْثِ عَنْ تَسْتُرَ، فَلَمَّا بَلَغَ يَعْقُوبُ جَنْدَيْسَابُورَ وَنَزَلَهَا، ارْتَحَلَ عَنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ كُلُّ مَنْ بِهَا مِنْ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ، وَوَجَّهَ إِلَى الْأَهْوَازِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ [لَهُ] الْخَضِرُ بْنُ الْعَنْبَرِ، فَلَمَّا قَارَبَهَا خَرَجَ عَنْهَا عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الزَّنْجِ، فَنَزَلَ نَهْرَ السِّدْرَةِ، وَدَخَلَ الْخَضِرُ الْأَهْوَازَ، وَجَعَلَ أَصْحَابُهُ، وَأَصْحَابُ عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ يُغِيرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَيُصِيبُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، إِلَى أَنِ اسْتَعَدَّ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ وَسَارَ إِلَى الْأَهْوَازِ، فَأَوْقَعَ بِالْخَضِرِ وَمَنْ مَعَهُ وَقْعَةً قُتِلَ فِيهَا مِنْ أَصْحَابِ الْخَضِرِ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَصَابَ الْغَنَائِمَ الْكَثِيرَةَ، وَهَرَبَ الْخَضِرُ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى عَسْكَرِ مُكْرَمٍ.
وَأَقَامَ عَلِيٌّ بِالْأَهْوَازِ لِيَسْتَخْرِجَ مَا كَانَ فِيهَا، وَرَجَعَ إِلَى نَهْرِ السِّدْرَةِ، وَسَيَّرَ طَائِفَةً إِلَى
стр. 3293
دَوْرَقَ، وَأَوْقَعُوا بِمَنْ كَانَ هُنَاكَ مِنْ أَصْحَابِ يَعْقُوبَ، وَأَنْفَذَ يَعْقُوبُ إِلَى الْخَضِرِ مَدَدًا، وَأَمَرَهُ بِالْكَفِّ عَنْ قِتَالِ الزَّنْجِ، وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْمُقَامِ بِالْأَهْوَازِ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ عَلِيٌّ إِلَى ذَلِكَ دُونَ نَقْلِ طَعَامٍ كَانَ هُنَاكَ، فَأَجَابَهُ يَعْقُوبُ إِلَيْهِ، فَنَقَلَهُ، وَتَرَكَ الْعَلَفَ الَّذِي كَانَ بِالْأَهْوَازِ وَكَفَّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ.
ذِكْرُ مَلِكِ الرُّومِ لُؤْلُؤَةَ
وَفِيهَا سَلَّمَتِ الصَّقَالِبَةُ لُؤْلُؤَةَ إِلَى الرُّومِ ; وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ طُولُونَ قَدْ أَدْمَنَ الْغَزْوَ بِطَرَسُوسَ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ مِصْرَ، فَلَمَّا وَلِيَ مِصْرَ كَانَ يُؤْثِرُ أَنْ يَلِيَ طَرَسُوسَ لِيَغْزُوَ مِنْهَا أَمِيرًا، فَكَتَبَ إِلَى أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ يَطْلُبُ وِلَايَتَهَا، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُحَمَّدَ بْنَ هَارُونَ التَّغْلِبِيَّ، فَرَكِبَ فِي سَفِينَةٍ فِي دِجْلَةَ فَأَلْقَتْهَا الرِّيحُ إِلَى الشَّاطِئِ، فَأَخَذَهُ أَصْحَابُ مُسَاوِرٍ الشَّارِيِّ فَقَتَلُوهُ، وَاسْتَعْمَلَ عِوَضَهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْأَرْمَنِيَّ، وَأُضِيفَ إِلَيْهِ أَنْطَاكِيَةَ، فَوَثَبَ بِهِ أَهْلُ طَرَسُوسَ فَقَتَلُوهُ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا (أَرْخُوزَ بْنَ يُولَغَ) بْنِ طَرْخَانَ التُّرْكِيَّ، فَسَارَ بِهَا، وَكَانَ غِرًّا جَاهِلًا، فَأَسَاءَ السِّيرَةَ، وَأَخَّرَ عَنْ أَهْلِ لُؤْلُؤَةَ أَرْزَاقَهُمْ وَمِيرَتَهُمْ، فَضَجُّوا مِنْ ذَلِكَ، وَكَتَبُوا إِلَى أَهْلِ طَرَسُوسَ يَشْكُونَ مِنْهُ وَيَقُولُونَ: إِنْ لَمْ تُرْسِلُوا إِلَيْنَا أَرْزَاقَنَا وَمِيرَتَنَا وَإِلَّا سَلَّمْنَا الْقَلْعَةَ إِلَى الرُّومِ.
فَأَعْظَمَ ذَلِكَ أَهْلُ طَرَسُوسَ وَجَمَعُوا مِنْ بَيْنِهِمْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ لِيَحْمِلُوهَا إِلَيْهِمْ، فَأَخَذَهَا أَرْخُوزُ لِيَحْمِلَهَا إِلَى أَهْلِ لُؤْلُؤَةَ، فَأَخَذَهَا لِنَفْسِهِ.
فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِمُ الْمَالُ سَلَّمُوا الْقَلْعَةَ إِلَى الرُّومِ، فَقَامَتْ عَلَى أَهْلِ طَرَسُوسَ الْقِيَامَةُ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ شَجًّا فِي حَلْقِ الْعَدُوِّ، وَلَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ لِلرُّومِ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ إِلَّا رَأَوْهُ، وَأَنْذَرُوا بِهِ ; وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِالْمُعْتَمِدِ، فَقَلَّدَهَا أَحْمَدَ بْنَ طُولُونَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مَنْ يَقُومُ بِغَزْوِ الرُّومِ وَيَحْفَظُ ذَلِكَ الثَّغْرَ.
стр. 3294
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ مُسَاوِرٌ الشَّارِيُّ، وَكَانَ قَدْ رَحَلَ مِنَ الْبَوَازِيجِ يُرِيدُ لِقَاءَ عَسْكَرٍ قَدْ سَارَ إِلَيْهِ مِنْ عِنْدِ الْخَلِيفَةِ، فَكَتَبَ أَصْحَابُهُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ خَرْزَادَ، وَهُوَ بِشَهْرَزَوْرَ لِيُوَلُّوهُ أَمْرَهُمْ فَامْتَنَعَ، وَكَانَ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ، فَبَايَعُوا أَيُّوبَ بْنَ حَيَّانَ الْوَارِقِيَّ الْبَجَلِيَّ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدَ بْنَ خَرْزَادَ لِيَذْكُرَ لَهُمْ أَنَّهُ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ، فَلَمْ يَسَعْهُ إِهْمَالُ الْأَمْرِ ; لِأَنَّ مُسَاوِرًا عَهِدَ إِلَيْهِ، فَقَالُوا لَهُ: قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ وَلَا نَغْدِرُ بِهِ ; فَسَارَ إِلَيْهِمْ فِيمَنْ بَايَعَهُ، فَقَاتَلَهُمْ، فَقُتِلَ أَيُّوبُ بْنُ حَيَّانَ، فَبَايَعُوا بَعْدَهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى الْوَارِقِيَّ الْمَعْرُوفَ بِالْغُلَامِ، فَقُتِلَ أَيْضًا، فَبَايَعَ أَصْحَابُهُ هَارُونَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ، فَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، وَعَادَ عَنْهُ ابْنُ خَرْزَادَ، وَاسْتَوْلَى هَارُونُ عَلَى أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ، وَجَبَى خَرَاجَهُ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ مُوسَى وَالْأَعْرَابِ، فَوَّجَّهَ الْمُوَفَّقُ ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْمُعْتَضِدَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ قُوَّادِهِ فِي طَلَبِ الْأَعْرَابِ.
وَفِيهَا وَثَبَ الدَّيْرَانِيُّ بِابْنِ أَوْسٍ، فَكَبَسَهُ لَيْلًا، فَتَفَرَّقَ عَسْكَرُهُ، وَنَهَبَهُ، وَمَضَى ابْنُ أَوْسٍ إِلَى وَاسِطَ.
وَفِيهَا ظَفِرَ أَصْحَابُ يَعْقُوبَ بْنِ اللَّيْثِ بِمُحَمَّدِ بْنِ وَاصِلٍ، فَأَسَرُوهُ.
وَفِيهَا مَاتَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ، وَزِيرُ الْمُعْتَمِدِ سَقَطَ بِالْمَيْدَانِ مِنْ صَدْمَةِ خَادِمٍ لَهُ، فَسَالَ دِمَاغُهُ مِنْ مِنْخَرَيْهِ، وَأُذُنِهِ، فَمَاتَ لِوَقْتِهِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمُوَفَّقُ، وَمَشَى فِي جِنَازَتِهِ، وَاسْتَوْزَرَ مِنَ الْغَدِ الْحَسَنَ بْنَ مَخْلَدٍ، فَقَدِمَ مُوسَى بْنُ بُغَا سَامَرَّا، فَاخْتَفَى الْحَسَنُ، وَاسْتَوْزَرَ مَكَانَهُ سُلَيْمَانَ بْنَ وَهْبٍ، وَدُفِعَتْ دَارُ عُبَيْدِ اللَّهِ إِلَى كَيْغَلَغَ.
وَفِيهَا أُخْرِجَ (أَخُو) شَرْكُبَ الْحُسَيْنُ بْنُ طَاهِرٍ عَنْ نَيْسَابُورَ، وَغَلَبَ عَلَيْهَا، وَأَخَذَ
стр. 3295
أَهْلُهُ بِإِعْطَائِهِ ثُلُثَ أَمْوَالِهِمْ، وَسَارَ الْحُسَيْنُ إِلَى مَرْوَ وَبِهَا ابْنُ خُوَارِزْمَ شَاهَ يَدْعُو لِمُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ.
(وَفِيهَا سَيَّرَ مُحَمَّدٌ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ ابْنَهُ الْمُنْذِرَ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ، وَجَعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى مَارِدَةَ، فَلَمَّا جَازَ مَارِدَةَ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ تَبِعَهُ تِسْعُمِائَةِ فَارِسٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدِ اسْتَظْهَرَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا كَثِيرًا صَبَرُوا فِيهِ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَدَدٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ اسْتَظْهَرَ ابْنُ الْجُلَيْقِيُّ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى السَّبْعِمِائَةِ، فَوَضَعُوا السَّيْفَ فِيهِمْ فَقَتَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِالشَّهَادَةِ.
وَفِيهَا ابْتَدَأَ إِبْرَاهِيمُ أَمِيرُ إِفْرِيقِيَّةَ بِبِنَاءِ مَدِينَةِ رَقَّادَةَ) .
[الْوَفَيَاتُ] (وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ الطَّائِيُّ الْمَوْصِلِيُّ أَخُو عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ، تُوُفِّيَ بِآذِنَةَ مِنْ بَلَدِ الثَّغْرِ) .
следующие страницы →