Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْمَسِيرُ لِقِلَّةِ الْأَمْوَالِ مَعَهُ، وَطَالَبَهُ الْأَجْنَادُ بِالْعَطَاءِ، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُعْطِيهِمْ، فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، وَثَارُوا بِوَزِيرِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَاسْتَتَرَ، وَاضْطُرَّ ابْنُ بُغَا إِلَى الْعَوْدِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَكَفَى اللَّهُ أَحْمَدَ بْنَ طُولُونَ شَرَّهُ فَتَصَدَّقَ بِأَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ.
وَفِيهَا قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَتَّابٍ، وَكَانَ سَائِرًا إِلَى السِّيبِينِ، وَهِيَ فِي وِلَايَتِهِ، فَقَتَلَهُ الْأَعْرَابُ.
وَفِيهَا قُتِلَ الْقَطَّانُ صَاحِبُ مُفْلِحٍ، وَكَانَ عَامِلًا بِالْمَوْصِلِ، فَانْصَرَفَ عَنْهَا، فَقُتِلَ بِالرَّقَّةِ.
وَفِيهَا عُقِدَ لِكَفْتِمُرَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ دَاوُدَ عَلَى طَرِيقِ مَكَّةَ.
وَفِيهَا وَقَعَ بَيْنَ الْخَيَّاطِينَ، وَالْجَزَّارِينَ بِمَكَّةَ قِتَالٌ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، حَتَّى خَافَ النَّاسُ أَنْ يَبْطُلَ الْحَجُّ، ثُمَّ تَحَاجَزُوا إِلَى أَنْ يَحُجَّ النَّاسُ، وَقَدْ قُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْفَضْلُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
(وَفِيهَا سَيَّرَ مُحَمَّدٌ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ ابْنَهُ الْمُنْذِرَ فِي جَيْشٍ إِلَى الْجُلَيْقِيِّ، وَكَانَ بِمَدِينَةِ بَطْلَيُوسَ، فَلَمَّا سَمِعَ خَبَرَهُمْ فَارَقَهَا، وَدَخَلَ حِصْنَ كَرْكَرَ، فَحُوصِرَ فِيهِ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي أَصْحَابِهِ فِي شَوَّالٍ) .
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ النُّمَيْرِيُّ الْإِخْبَارِيُّ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ.
стр. 3292
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٦٣ -
٢٦٣ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ وَقْعَةِ الزَّنْجِ
لَمَّا انْهَزَمَ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ جَرِيحًا، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَعَادَ إِلَى الْأَهْوَازَ لَمْ يَقُمْ بِهَا، وَمَضَى إِلَى عَسْكَرِ صَاحِبِهِ يُدَاوِي جِرَاحَهُ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى عَسْكَرِهِ بِالْأَهْوَازِ، فَلَمَّا بَرَأَ جُرْحُهُ عَادَ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَوَجَّهَ أَخَاهُ الْخَلِيلَ بْنَ أَبَانٍ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ لَيْثَوَيْهِ، وَكَانَ أَحْمَدُ بِعَسْكَرِ مُكْرَمٍ، فَكَمَنَ لَهُمْ أَحْمَدُ، وَخَرَجَ إِلَى قِتَالِهِمْ، فَالْتَقَى الْجَمْعَانِ، وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، وَخَرَجَ الْكَمِينُ عَلَى الزَّنْجِ فَانْهَزَمُوا، وَتَفَرَّقُوا، وَقُتِلُوا، وَوَصَلَ الْمُنْهَزِمُونَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ، فَوَجَّهَ مَسْلَحَةً إِلَى الْمَسْرُقَانِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ أَحْمَدُ ثَلَاثِينَ فَارِسًا مِنْ أَصْحَابِهِ، مِنْ أَعْيَانِهِمْ، فَقَتَلَهُمُ الزَّنْجُ جَمِيعَهُمْ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ يَعْقُوبَ عَلَى الْأَهْوَازِ وَغَيْرِهَا
وَفِيهَا أَقْبَلَ يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ مِنْ فَارِسَ، فَلَمَّا بَلَغَ النُّوبِنْدِجَانَ انْصَرَفَ أَحْمَدُ بْنُ اللَّيْثِ عَنْ تَسْتُرَ، فَلَمَّا بَلَغَ يَعْقُوبُ جَنْدَيْسَابُورَ وَنَزَلَهَا، ارْتَحَلَ عَنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ كُلُّ مَنْ بِهَا مِنْ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ، وَوَجَّهَ إِلَى الْأَهْوَازِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ [لَهُ] الْخَضِرُ بْنُ الْعَنْبَرِ، فَلَمَّا قَارَبَهَا خَرَجَ عَنْهَا عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الزَّنْجِ، فَنَزَلَ نَهْرَ السِّدْرَةِ، وَدَخَلَ الْخَضِرُ الْأَهْوَازَ، وَجَعَلَ أَصْحَابُهُ، وَأَصْحَابُ عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ يُغِيرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَيُصِيبُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، إِلَى أَنِ اسْتَعَدَّ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ وَسَارَ إِلَى الْأَهْوَازِ، فَأَوْقَعَ بِالْخَضِرِ وَمَنْ مَعَهُ وَقْعَةً قُتِلَ فِيهَا مِنْ أَصْحَابِ الْخَضِرِ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَصَابَ الْغَنَائِمَ الْكَثِيرَةَ، وَهَرَبَ الْخَضِرُ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى عَسْكَرِ مُكْرَمٍ.
وَأَقَامَ عَلِيٌّ بِالْأَهْوَازِ لِيَسْتَخْرِجَ مَا كَانَ فِيهَا، وَرَجَعَ إِلَى نَهْرِ السِّدْرَةِ، وَسَيَّرَ طَائِفَةً إِلَى
стр. 3293
دَوْرَقَ، وَأَوْقَعُوا بِمَنْ كَانَ هُنَاكَ مِنْ أَصْحَابِ يَعْقُوبَ، وَأَنْفَذَ يَعْقُوبُ إِلَى الْخَضِرِ مَدَدًا، وَأَمَرَهُ بِالْكَفِّ عَنْ قِتَالِ الزَّنْجِ، وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْمُقَامِ بِالْأَهْوَازِ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ عَلِيٌّ إِلَى ذَلِكَ دُونَ نَقْلِ طَعَامٍ كَانَ هُنَاكَ، فَأَجَابَهُ يَعْقُوبُ إِلَيْهِ، فَنَقَلَهُ، وَتَرَكَ الْعَلَفَ الَّذِي كَانَ بِالْأَهْوَازِ وَكَفَّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ.
ذِكْرُ مَلِكِ الرُّومِ لُؤْلُؤَةَ
وَفِيهَا سَلَّمَتِ الصَّقَالِبَةُ لُؤْلُؤَةَ إِلَى الرُّومِ ; وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ طُولُونَ قَدْ أَدْمَنَ الْغَزْوَ بِطَرَسُوسَ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ مِصْرَ، فَلَمَّا وَلِيَ مِصْرَ كَانَ يُؤْثِرُ أَنْ يَلِيَ طَرَسُوسَ لِيَغْزُوَ مِنْهَا أَمِيرًا، فَكَتَبَ إِلَى أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ يَطْلُبُ وِلَايَتَهَا، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُحَمَّدَ بْنَ هَارُونَ التَّغْلِبِيَّ، فَرَكِبَ فِي سَفِينَةٍ فِي دِجْلَةَ فَأَلْقَتْهَا الرِّيحُ إِلَى الشَّاطِئِ، فَأَخَذَهُ أَصْحَابُ مُسَاوِرٍ الشَّارِيِّ فَقَتَلُوهُ، وَاسْتَعْمَلَ عِوَضَهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْأَرْمَنِيَّ، وَأُضِيفَ إِلَيْهِ أَنْطَاكِيَةَ، فَوَثَبَ بِهِ أَهْلُ طَرَسُوسَ فَقَتَلُوهُ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا (أَرْخُوزَ بْنَ يُولَغَ) بْنِ طَرْخَانَ التُّرْكِيَّ، فَسَارَ بِهَا، وَكَانَ غِرًّا جَاهِلًا، فَأَسَاءَ السِّيرَةَ، وَأَخَّرَ عَنْ أَهْلِ لُؤْلُؤَةَ أَرْزَاقَهُمْ وَمِيرَتَهُمْ، فَضَجُّوا مِنْ ذَلِكَ، وَكَتَبُوا إِلَى أَهْلِ طَرَسُوسَ يَشْكُونَ مِنْهُ وَيَقُولُونَ: إِنْ لَمْ تُرْسِلُوا إِلَيْنَا أَرْزَاقَنَا وَمِيرَتَنَا وَإِلَّا سَلَّمْنَا الْقَلْعَةَ إِلَى الرُّومِ.
فَأَعْظَمَ ذَلِكَ أَهْلُ طَرَسُوسَ وَجَمَعُوا مِنْ بَيْنِهِمْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ لِيَحْمِلُوهَا إِلَيْهِمْ، فَأَخَذَهَا أَرْخُوزُ لِيَحْمِلَهَا إِلَى أَهْلِ لُؤْلُؤَةَ، فَأَخَذَهَا لِنَفْسِهِ.
فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِمُ الْمَالُ سَلَّمُوا الْقَلْعَةَ إِلَى الرُّومِ، فَقَامَتْ عَلَى أَهْلِ طَرَسُوسَ الْقِيَامَةُ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ شَجًّا فِي حَلْقِ الْعَدُوِّ، وَلَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ لِلرُّومِ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ إِلَّا رَأَوْهُ، وَأَنْذَرُوا بِهِ ; وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِالْمُعْتَمِدِ، فَقَلَّدَهَا أَحْمَدَ بْنَ طُولُونَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مَنْ يَقُومُ بِغَزْوِ الرُّومِ وَيَحْفَظُ ذَلِكَ الثَّغْرَ.
стр. 3294
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ مُسَاوِرٌ الشَّارِيُّ، وَكَانَ قَدْ رَحَلَ مِنَ الْبَوَازِيجِ يُرِيدُ لِقَاءَ عَسْكَرٍ قَدْ سَارَ إِلَيْهِ مِنْ عِنْدِ الْخَلِيفَةِ، فَكَتَبَ أَصْحَابُهُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ خَرْزَادَ، وَهُوَ بِشَهْرَزَوْرَ لِيُوَلُّوهُ أَمْرَهُمْ فَامْتَنَعَ، وَكَانَ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ، فَبَايَعُوا أَيُّوبَ بْنَ حَيَّانَ الْوَارِقِيَّ الْبَجَلِيَّ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدَ بْنَ خَرْزَادَ لِيَذْكُرَ لَهُمْ أَنَّهُ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ، فَلَمْ يَسَعْهُ إِهْمَالُ الْأَمْرِ ; لِأَنَّ مُسَاوِرًا عَهِدَ إِلَيْهِ، فَقَالُوا لَهُ: قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ وَلَا نَغْدِرُ بِهِ ; فَسَارَ إِلَيْهِمْ فِيمَنْ بَايَعَهُ، فَقَاتَلَهُمْ، فَقُتِلَ أَيُّوبُ بْنُ حَيَّانَ، فَبَايَعُوا بَعْدَهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى الْوَارِقِيَّ الْمَعْرُوفَ بِالْغُلَامِ، فَقُتِلَ أَيْضًا، فَبَايَعَ أَصْحَابُهُ هَارُونَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ، فَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، وَعَادَ عَنْهُ ابْنُ خَرْزَادَ، وَاسْتَوْلَى هَارُونُ عَلَى أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ، وَجَبَى خَرَاجَهُ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ مُوسَى وَالْأَعْرَابِ، فَوَّجَّهَ الْمُوَفَّقُ ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْمُعْتَضِدَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ قُوَّادِهِ فِي طَلَبِ الْأَعْرَابِ.
وَفِيهَا وَثَبَ الدَّيْرَانِيُّ بِابْنِ أَوْسٍ، فَكَبَسَهُ لَيْلًا، فَتَفَرَّقَ عَسْكَرُهُ، وَنَهَبَهُ، وَمَضَى ابْنُ أَوْسٍ إِلَى وَاسِطَ.
وَفِيهَا ظَفِرَ أَصْحَابُ يَعْقُوبَ بْنِ اللَّيْثِ بِمُحَمَّدِ بْنِ وَاصِلٍ، فَأَسَرُوهُ.
وَفِيهَا مَاتَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ، وَزِيرُ الْمُعْتَمِدِ سَقَطَ بِالْمَيْدَانِ مِنْ صَدْمَةِ خَادِمٍ لَهُ، فَسَالَ دِمَاغُهُ مِنْ مِنْخَرَيْهِ، وَأُذُنِهِ، فَمَاتَ لِوَقْتِهِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمُوَفَّقُ، وَمَشَى فِي جِنَازَتِهِ، وَاسْتَوْزَرَ مِنَ الْغَدِ الْحَسَنَ بْنَ مَخْلَدٍ، فَقَدِمَ مُوسَى بْنُ بُغَا سَامَرَّا، فَاخْتَفَى الْحَسَنُ، وَاسْتَوْزَرَ مَكَانَهُ سُلَيْمَانَ بْنَ وَهْبٍ، وَدُفِعَتْ دَارُ عُبَيْدِ اللَّهِ إِلَى كَيْغَلَغَ.
وَفِيهَا أُخْرِجَ (أَخُو) شَرْكُبَ الْحُسَيْنُ بْنُ طَاهِرٍ عَنْ نَيْسَابُورَ، وَغَلَبَ عَلَيْهَا، وَأَخَذَ
стр. 3295
أَهْلُهُ بِإِعْطَائِهِ ثُلُثَ أَمْوَالِهِمْ، وَسَارَ الْحُسَيْنُ إِلَى مَرْوَ وَبِهَا ابْنُ خُوَارِزْمَ شَاهَ يَدْعُو لِمُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ.
(وَفِيهَا سَيَّرَ مُحَمَّدٌ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ ابْنَهُ الْمُنْذِرَ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ، وَجَعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى مَارِدَةَ، فَلَمَّا جَازَ مَارِدَةَ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ تَبِعَهُ تِسْعُمِائَةِ فَارِسٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدِ اسْتَظْهَرَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا كَثِيرًا صَبَرُوا فِيهِ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَدَدٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ اسْتَظْهَرَ ابْنُ الْجُلَيْقِيُّ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى السَّبْعِمِائَةِ، فَوَضَعُوا السَّيْفَ فِيهِمْ فَقَتَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِالشَّهَادَةِ.
وَفِيهَا ابْتَدَأَ إِبْرَاهِيمُ أَمِيرُ إِفْرِيقِيَّةَ بِبِنَاءِ مَدِينَةِ رَقَّادَةَ) .
[الْوَفَيَاتُ] (وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ الطَّائِيُّ الْمَوْصِلِيُّ أَخُو عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ، تُوُفِّيَ بِآذِنَةَ مِنْ بَلَدِ الثَّغْرِ) .
стр. 3296
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٦٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ أَسْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَاوِسَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَسَرَتِ الرُّومُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَشِيدِ بْنِ كَاوِسَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ دَخَلَ بَلَدَ الرُّومِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ الثُّغُورِ الشَّامِيَّةِ، فَغَنِمَ وَقَتَلَ، فَلَمَّا رَحَلَ عَنِ الْبَدَنْدُونَ خَرَجَ عَلَيْهِ بِطْرِيقُ سَلُوقِيَّةَ، وَبِطْرِيقُ قُرَّةِ كَوْكَبٍ، وَخَرْشَنَةَ، فَأَحْدَقُوا بِالْمُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ الْمُسْلِمُونَ وَعَرْقَبُوا دَوَابَّهُمْ وَقَاتَلُوا، فَقُتِلُوا إِلَّا خَمْسَمِائَةٍ، فَإِنَّهُمْ حَمَلُوا حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَنَجَوْا عَلَى دَوَابِّهِمْ، وَقَتَلَ الرُّومُ مَنْ قَتَلُوا، وَأَسَرُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَشِيدٍ بَعْدَ ضَرَبَاتٍ أَصَابَتْهُ، وَحُمِلَ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ.
ذِكْرُ أَخْبَارِ الزَّنْجِ هَذِهِ السَّنَةَ وَدُخُولِهِمْ وَاسِطَ
قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ مَسِيرَ سُلَيْمَانَ بْنِ جَامِعٍ إِلَى الْبَطَائِحِ، وَمَا كَانَ مِنْهُ مَعَ أَغْرَتَمْشَ، فَلَمَّا أَوْقَعَ بِهِ كَتَبَ إِلَى صَاحِبِهِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْمَسِيرِ إِلَيْهِ لِيُحْدِثَ بِهِ عَهْدًا، وَيُصْلِحَ أُمُورَ مَنْزِلِهِ، (فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ) ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ الْجُبَّائِيُّ أَنْ يَتَطَرَّقَ إِلَى عَسْكَرْتَكِينَ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ بِبَرْدُودَ، فَقَبِلَ قَوْلَهُ، وَسَارَ إِلَى تَكِينَ، فَلَمَّا كَانَ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْهُ قَالَ لَهُ الْجُبَّائِيُّ: الرَّأْيُ أَنْ تُقِيمَ أَنْتَ هَا هُنَا، وَأَمْضِيَ أَنَا فِي السُّمَيْرِيَّاتِ، وَأَجُرَّ الْقَوْمَ إِلَيْكَ، فَيَأْتُونَكَ وَقَدْ تَعِبُوا، فَتَنَالَ مِنْهُمْ حَاجَتَكَ.
فَفَعَلَ سُلَيْمَانُ ذَلِكَ، وَجَعَلَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ كَمِينًا، وَمَضَى الْجُبَّائِيُّ إِلَى تِكِينَ،
стр. 3297
فَقَاتَلَهُ سَاعَةً، ثُمَّ تَطَارَدَ لَهُمْ، فَتَبِعُوهُ، فَأَرْسَلَ سُلَيْمَانُ يُعْلِمَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ، وَهُوَ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِ تِكِينِ شِبْهَ الْمُنْهَزِمِ، لِيَسْمَعَ أَصْحَابُ تِكِينَ قَوْلَهُ فَيَطْمَعُوا فِيهِ: غَرَرْتُمُونِي، وَأَهْلَكْتُمُونِي، وَكُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الدُّخُولِ هَهُنَا، فَأَبَيْتُمْ، وَلَا أَرَانَا نَنْجُو مِنْهُ.
وَطَمِعَ أَصْحَابُ تِكِينَ وَجَدُّوا فِي طَلَبِهِ، وَجَعَلُوا يُنَادُونَ: بُلْبُلٌ فِي قَفَصٍ، فَمَا زَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى جَازُوا مَوْضِعَ الْكَمِينِ، وَقَارَبُوا عَسْكَرَ سُلَيْمَانَ، وَقَدْ كَمَنَ أَيْضًا خَلْفَ جُدُرٍ هُنَاكَ، فَخَرَجَ سُلَيْمَانُ إِلَيْهِمْ فِي أَصْحَابِهِ فَقَاتَلَهُمْ، وَخَرَجَ الْكَمِينُ مِنْ خَلْفِهِمْ، وَعَطَفَ الْجُبَّائِيُّ عَلَى مَنْ فِي النَّهْرِ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ تِكِينَ مِنَ الْوُجُوهِ كُلِّهَا، وَرَكِبَهُمُ الزَّنْجُ يَقْتُلُونَهُمْ وَيَسْلُبُونَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ، وَعَادُوا عَنْهُمْ.
فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ عَادَ الزَّنْجُ إِلَيْهِمْ وَهُمْ فِي مُعَسْكَرِهِمْ، فَكَبَسُوهُمْ، فَقَاتَلَهُمْ تِكِينُ وَأَصْحَابُهُ، فَانْكَشَفَ سُلَيْمَانُ، ثُمَّ عَبَّأَ أَصْحَابَهُ، فَأَمَرَ طَائِفَةً أَنْ تَأْتِيَهُمْ مِنْ جِهَةٍ ذَكَرَهَا لَهُمْ، وَطَائِفَةً مِنَ الْمَاءِ، وَأَتَى هُوَ فِي الْبَاقِينَ، فَقَصَدُوا تِكِينَ مِنْ جِهَاتِهِ كُلِّهَا، فَلَمْ يَقِفْ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدٌ، وَانْهَزَمُوا، وَتَرَكُوا عَسْكَرَهُمْ، فَغَنِمَ الزَّنْجُ مَا فِيهِ، وَعَادُوا بَالْغَنِيمَةِ، وَاسْتَخْلَفَ سُلَيْمَانُ الْجُبَّائِيُّ عَلَى عَسْكَرِهِ، وَسَارَ إِلَى صَاحِبِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ.
فَلَمَّا سَارَ سُلَيْمَانُ إِلَى الْخَبِيثِ خَرَجَ الْجُبَّائِيُّ بِالْعَسْكَرِ الَّذِي خَلَّفَهُ سُلَيْمَانُ مَعَهُ إِلَى مَازُورَانَ لِطَلَبِ الْمِيرَةِ، فَاعْتَرَضَهُ جُعْلَانُ، فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ الْجُبَّائِيُّ، وَأُخِذَتْ سُفُنُهُ، وَأَتَتْهُ الْأَخْبَارُ أَنَّ مَنْجُورَا وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ حَبِيبٍ الْيَشْكُرِيَّ قَدْ بَلَغَا الْحَجَّاجِيَّةَ، فَكَتَبَ إِلَى صَاحِبِهِ بِذَلِكَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ سُلَيْمَانَ، فَوَصَلَ إِلَى طَهْثَا مُجِدًّا، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ قَصْدَ جُعْلَانَ، وَقَدِمَ الْجُبَّائِيُّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ جُعَلَانَ وَيَقِفَ بِحَيْثُ يَرَاهُ وَلَا يُقَاتِلُهُ.
ثُمَّ سَارَ سُلَيْمَانُ نَحْوَ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ مُجِدًّا، فَأَوْقَعَ بِهِ وَقْعَةً عَظِيمَةً، وَغَنِمَ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَقَتَلَ أَخًا لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَرَجَعَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا.
ثُمَّ سَارَ فِي شَعْبَانَ إِلَى قَرْيَةِ حَسَّانَ، وَبِهَا قَائِدٌ يُقَالُ لَهُ حَسَنُ بْنُ خَمَارْتَكِينَ، فَأَوْقَعَ بِهِ، فَهَزَمَهُ، وَنَهَبَ الْقَرْيَةَ، وَأَحْرَقَهَا، وَعَادَ.
стр. 3298
ثُمَّ سَارَ فِي شَعْبَانَ أَيْضًا إِلَى مَوَاضِعَ، فَنَهَبَهَا، وَعَادَ، ثُمَّ سَارَ فِي رَمَضَانَ وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ جُعْلَانَ بِمَازُورَانَ، فَبَلَغَتِ الْأَخْبَارُ إِلَى جُعَلَانَ بِذَلِكَ، فَضَبَطَ عَسْكَرُهُ، فَتَرَكَهُ سُلَيْمَانُ وَعَدَلَ إِلَى أَبَا فَأَوْقَعَ بِهِ وَهُوَ غَارٌّ، وَغَنِمَ مِنْهُ سِتَّ شَذَوَاتٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ الْجُبَّائِيَّ فِي جَمَاعَةٍ لِيَنْتَهِبَ، فَصَادَفَهُمْ جُعْلَانُ، فَأَخَذَ سُفُنَهُمْ، وَغَنِمَ مِنْهُمْ، فَأَتَاهُ سُلَيْمَانُ فِي الْبَرِّ، فَهَزَمَهُ، وَاسْتَنْقَذَ سُفُنَهُمْ، وَغَنِمَ شَيْئًا آخَرَ وَعَادَ.
ثُمَّ سَارَ سُلَيْمَانُ إِلَى الرُّصَافَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَأَوْقَعَ بِمَطَرِ بْنِ جَامِعٍ وَهُوَ بِهَا، فَغَنِمَ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَأَحْرَقَ الرُّصَافَةَ، وَاسْتَبَاحَهَا، وَحَمَلَ أَعْلَامًا وَانْحَدَرَ إِلَى مَدِينَةِ الْخَبِيثِ، وَأَقَامَ لِيُعَيِّدَ هُنَاكَ بِمَنْزِلِهِ، فَسَارَ مَطَرٌ إِلَى الْحَجَّاجِيَّةِ، فَأَوْقَعَ بِأَهْلِهَا، وَأَسَرَ جَمَاعَةً، وَكَانَ بِهَا قَاضٍ لِسُلَيْمَانَ، فَأَسَرَهُ مَطَرٌ وَحَمَلَهُ إِلَى وَاسِطَ، وَسَارَ مَطَرٌ إِلَى قَرِيبِ طَهْثَا وَرَجَعَ، فَكَتَبَ الْجُبَّائِيُّ إِلَى سُلَيْمَانَ بِذَلِكَ، فَسَارَ نَحْوَهُ، فَوَافَاهُ لِلَيْلَتَيْنِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ [وَمِائَتَيْنِ] ، ثُمَّ صَرَفَ جُعَلَانُ، وَوَافَى أَحْمَدُ بْنُ لَيْثَوَيْهِ، فَأَقَامَ بِالشَّدِيدِيَّةِ.
وَمَضَى سُلَيْمَانُ إِلَى (نَهْرِ أَبَانٍ، وَبِهِ قَائِدٌ مِنْ قُوَّادِ أَحْمَدَ، فَأَوْقَعَ بِهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ سَارَ سُلَيْمَانُ إِلَى) تِكِينَ فِي خَمْسِ شَذَوَاتٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ [وَمِائَتَيْنِ] ، فَوَاقَعَهُ تِكِينُ بِالشَّدِيدِيَّةِ.
وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ لَيْثَوَيْهِ حِينَئِذٍ قَدْ سَارَ إِلَى الْكُوفَةِ وَجَنْبُلَاءَ، فَظَهَرَ تِكِينُ عَلَى سُلَيْمَانَ، وَأَخَذَ الشَّذَوَاتِ بِمَا فِيهَا، وَكَانَ بِهَا صَنَادِيدُ سُلَيْمَانَ وَقُوَّادُهُ فَقَتَلَهُمْ.
ثُمَّ إِنَّ أَحْمَدَ عَادَ إِلَى الشَّدِيدِيَّةِ، وَضَبَطَ تِلْكَ الْأَعْمَالَ، حَتَّى وَافَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُوَلَّدِ، وَقَدْ وَلَّاهُ الْمُوَفَّقُ مَدِينَةَ وَاسِطَ، فَكَتَبَ سُلَيْمَانُ إِلَى الْخَبِيثِ يَسْتَمِدُّهُ، فَأَمَدَّهُ بِالْخَلِيلِ بْنِ أَبَانٍ فِي زُهَاءِ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ، فَلَمَّا أَتَاهُ الْمَدَدُ قَصَدَ إِلَى مُحَارَبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُوَلَّدِ، وَدَخَلَ سُلَيْمَانُ مَدِينَةَ وَاسِطَ، فَقَتَلَ فِيهَا خَلْقًا كَثِيرًا، وَنَهَبَ وَأَحْرَقَ،
стр. 3299
وَكَانَ بِهَا ابْنُ مَنْكَجُورَ الْبُخَارِيُّ، فَقَاتَلَهُ يَوْمَهُ إِلَى الْعَصْرِ، ثُمَّ قُتِلَ، وَانْصَرَفَ سُلَيْمَانُ عَنْ وَاسِطَ إِلَى جَنْبُلَاءَ لِيَعِيثَ وَيُخَرِّبَ، فَأَقَامَ هُنَاكَ تِسْعِينَ لَيْلَةً، وَعَسْكَرُهُمْ بِنَهْرِ الْأَمِيرِ.
ذِكْرُ وِزَارَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ وَهْبٍ لِلْخَلِيفَةِ - وَوِزَارَةِ الْحَسَنِ بْنِ مَخْلَدٍ، وَعَزْلِهِ
وَفِيهَا خَرَجَ سُلَيْمَانُ بْنُ وَهْبٍ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى سَامَرَّا وَشَيَّعَهُ الْمُوَفَّقُ، وَالْقُوَّادُ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى سَامَرَّا غَضِبَ عَلَيْهِ الْمُعْتَمِدُ وَحَبَسَهُ، وَقَيَّدَهُ، وَانْتَهَتْ دَارُهُ، وَاسْتَوْزَرَ الْحَسَنَ بْنَ مَخْلَدٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَسَارَ الْمُوَفَّقُ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى سَامَرَّا، وَمَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ وَهْبٍ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ سَامَرَّا تَحَوَّلَ الْمُعْتَمِدُ إِلَى جَانِبِ الْغَرْبِيِّ فَعَسْكَرَ بِهِ (مُغَاضِبًا لِلْمُوَفَّقِ) ، وَاخْتَلَفَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُوَفَّقِ، وَاتَّفَقَا، وَخَلَعَ عَلَى الْمُوَفَّقِ، وَمَسْرُورٍ، وَكَيْغَلَغَ، وَأَحْمَدَ بْنِ مُوسَى بْنِ بُغَا، وَأَطْلَقَ سُلَيْمَانَ بْنَ وَهْبٍ، وَعَادَ إِلَى الْجَوْسَقِ، وَهَرَبَ الْحَسَنُ بْنُ مَخْلَدٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَصْبَغِ، وَهَرَبَ الْقُوَّادُ الَّذِينَ كَانُوا بِسَامَرَّا مَعَ الْمُعْتَمِدِ خَوْفًا مِنَ الْمُوَفَّقِ، فَوَصَلُوا إِلَى الْمَوْصِلِ وَجَبَوُا الْخَرَاجَ
ذِكْرُ وَفَاةِ أَمَاجُورَ، وَمُلْكِ ابْنِ طُولُونَ الشَّامَ وَطَرَسُوسَ، وَقَتْلِ سِيمَا الطَّوِيلِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَمَاجُورُ مُقْطَعَ دِمَشْقَ، وَوَلِيَ ابْنُهُ مَكَانَهُ، فَتَجَهَّزَ ابْنُ طُولُونَ لِيَسِيرَ إِلَى الشَّامِ فَيَمْلِكَهُ، فَكَتَبَ إِلَى ابْنِ أَمَاجُورَ يَذْكُرُ لَهُ أَنَّ الْخَلِيفَةَ قَدْ أَقْطَعَهُ الشَّامَ وَالثُّغُورَ، فَأَجَابَهُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، سَارَ أَحْمَدُ، وَاسْتَخْلَفَ بِمِصْرَ ابْنَهُ الْعَبَّاسَ، فَلَقِيَهُ ابْنُ أَمَاجُورَ (بِالرَّمْلَةِ فَأَقَرَّهُ عَلَيْهَا، وَسَارَ إِلَى دِمَشْقَ فَمَلَكَهَا وَأَقَرَّ قُوَّادَ أَمَاجُورَ) عَلَى أَقْطَاعِهِمْ، وَسَارَ إِلَى حِمْصَ فَمَلَكَهَا، وَكَذَلِكَ حَمَاةُ، وَحَلَبُ.
وَرَاسَلَ سِيمَا الطَّوِيلَ بِأَنْطَاكِيَّةَ يَدْعُوهُ إِلَى طَاعَتِهِ لِيُقِرَّهُ عَلَى وِلَايَتِهِ، فَامْتَنَعَ، فَعَاوَدَهُ فَلَمْ يُطِعْهُ، فَسَارَ أَحْمَدُ بْنُ طُولُونَ، فَحَصَرَهُ بِأَنْطَاكِيَّةَ، وَكَانَ سَيِّئَ السِّيرَةِ مَعَ أَهْلِ الْبَلَدِ، فَكَاتَبُوا أَحْمَدَ بْنَ طُولُونَ، وَدَلُّوهُ عَلَى عَوْرَةِ الْبَلَدِ، فَنَصَبَ عَلَيْهِ الْمَجَانِيقَ، وَقَاتَلَهُ، فَمَلَكَ
стр. 3300
الْبَلَدَ عَنْوَةً، وَالْحِصْنَ الَّذِي لَهُ، وَرَكِبَ سِيمَا، وَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى قُتِلَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَحَدٌ، فَاجْتَازَ بِهِ بَعْضُ قُوَّادِهِ فَرَآهُ قَتِيلًا، فَحَمَلَ رَأْسَهُ إِلَى أَحْمَدَ، فَسَاءَهُ قَتْلُهُ.
وَرَحَلَ عَنْ أَنْطَاكِيَّةَ إِلَى طَرَسُوسَ، فَدَخَلَهَا وَعَزَمَ عَلَى الْمُقَامِ بِهَا، وَمُلَازَمَةِ الْغُزَاةِ، فَغَلَا السِّعْرُ بِهَا، وَضَاقَتْ عَنْهُ وَعَنْ عَسَاكِرِهِ، فَرَكِبَ أَهْلُهَا إِلَيْهِ بِالْمُخَيَّمِ، وَقَالُوا لَهُ: قَدْ ضَيَّقْتَ بَلَدَنَا، وَأَغْلَيْتَ أَسْعَارَنَا، فَإِمَّا أَقَمْتَ فِي عَدَدٍ يَسِيرٍ، وَإِمَّا ارْتَحَلْتَ عَنَّا، أَغْلَظُوا لَهُ فِي الْقَوْلِ، وَشَغَبُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَحْمَدُ لِأَصْحَابِهِ:
لِتَنْهَزِمُوا مِنَ الطَّرَسُوسِيِّينَ، وَتَرْحَلُوا عَنِ الْبَلَدِ، لِيَظْهَرَ لِلنَّاسِ وَخَاصَّةً الْعَدُوَّ أَنَّ ابْنَ طُولُونَ عَلَى بُعْدِ صِيتِهِ وَكَثْرَةِ عَسَاكِرِهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَهْلِ طَرَسُوسَ ; وَانْهَزَمَ عَنْهُمْ لِيَكُونَ أَهْيَبَ لَهُمْ فِي قَلْبِ الْعَدُوِّ.
وَعَادَ إِلَى الشَّامِ. فَأَتَاهُ خَبَرُ وَلَدِهِ الْعَبَّاسِ، وَهُوَ اسْتَخْلَفَهُ بِمِصْرَ، وَأَنَّهُ قَدْ عَصَى عَلَيْهِ، وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ، وَسَارَ إِلَى بُرْقَةَ مُشَاقًّا لِأَبِيهِ، فَلَمْ يَكْتَرِثْ لِذَلِكَ، وَلَمْ يَنْزَعِجْ لَهُ، وَثَبَتَ، وَقَضَى أَشْغَالَهُ، وَحَفِظَ أَطْرَافَ بِلَادِهِ، وَتَرَكَ بِحَرَّانَ عَسْكَرًا، وَبِالرَّقَّةِ عَسْكَرًا مَعَ غُلَامِهِ لُؤْلُؤٍ، وَكَانَتْ حَرَّانُ لِمُحَمَّدِ بْنِ أَتَامِشَ، (وَكَانَ شُجَاعًا) ، فَأَخْرَجَهُ عَنْهَا وَهَزَمَهُ هَزِيمَةً قَبِيحَةً.
وَاتَّصَلَ خَبَرُهُ بِأَخِيهِ مُوسَى بْنِ أَتَامِشَ، وَكَانَ شُجَاعًا بَطَلًا، فَجَمَعَ عَسْكَرًا كَثِيرًا وَسَارَ نَحْوَ حَرَّانَ، وَبِهَا عَسْكَرُ ابْنِ طُولُونَ، وَمُقَدَّمُهُمْ أَحْمَدُ بْنُ جَيْعَوَيْهِ، فَلَمَّا اتَّصَلَ بِهِ خَبَرُ مَسِيرِ مُوسَى أَقْلَقَهُ ذَلِكَ وَأَزْعَجَهُ، فَفَطِنَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْأَغَرِّ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، أَرَاكَ مُفَكِّرًا مُنْذُ أَتَاكَ خَبَرُ ابْنِ أَتَامِشَ، وَمَا هَذَا مَحَلُّهُ، فَإِنَّهُ طَيَّاشٌ قَلِقٌ، وَلَوْ شَاءَ الْأَمِيرُ أَنْ آتِيَهُ بِهِ أَسِيرًا لَفَعَلْتُ. فَغَاظَهُ قَوْلُهُ، وَقَالَ: قَدْ شِئْتُ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ أَسِيرًا ; قَالَ: فَاضْمُمْ إِلَيَّ عِشْرِينَ رَجُلًا اخْتَارُهُمْ، قَالَ: افْعَلْ، فَاخْتَارَ عِشْرِينَ رَجُلًا وَسَارَ بِهِمْ إِلَى عَسْكَرِ مُوسَى، فَلَمَّا قَارَبَهُمْ كَمَنَ بَعْضُهُمْ، وَجَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَلَامَةً إِذَا سَمِعُوهَا ظَهَرُوا.
ثُمَّ دَخَلَ الْعَسْكَرُ الْبَاقِينَ فِي زِيِّ الْأَعْرَابِ، وَقَارَبَ مَضَارِبَ مُوسَى، وَقَصَدَ خَيْلًا
стр. 3301
مَرْبُوطَةً فَأَطْلَقَهَا، وَصَاحَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِيهَا فَنَفَرَتْ، وَصَاحَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَأَصْحَابُ مُوسَى غَارُّونَ، وَقَدْ تَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ فِي حَوَائِجِهِمْ، انْزَعَجَ الْعَسْكَرُ، وَرَكِبُوا، وَرَكِبَ مُوسَى، فَانْهَزَمَ أَبُو الْأَغَرِّ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَتَبِعَهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَجَازَ بِهِ الْكَمِينَ، فَنَادَى أَبُو الْأَغَرِّ بِالْعَلَامَةِ الَّتِي بَيْنَهُمْ، فَثَارُوا مِنَ النَّوَاحِي، وَعَطَفَ أَبُو الْأَغَرِّ عَلَى مُوسَى فَأَسَرُوهُ، فَأَخَذُوهُ، وَسَارُوا حَتَّى وَصَلُوا إِلَى ابْنِ جَيْعَوَيْهِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ، وَحَارُوا، فَسَيَّرَهُ ابْنُ جَيْعَوَيْهِ إِلَى ابْنِ طُولُونَ، فَاعْتَقَلَهُ، وَعَادَ إِلَى مِصْرَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ خَمْسِينَ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ.
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِبِلَادِ الصِّينَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ بِبِلَادِ الصِّينِ إِنْسَانٌ لَا يُعْرَفُ، فَجَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ وَالْعَامَّةِ، فَأَهْمَلَ الْمَلِكُ أَمْرَهُ اسْتِصْغَارًا لِشَأْنِهِ، فَقَوِيَ، وَظَهَرَ حَالُهُ، وَكَثُفَ جَمْعُهُ، وَقَصَدَهُ أَهْلُ الشَّرِّ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَأَغَارَ عَلَى الْبِلَادِ وَأَخْرَبَهَا، وَنَزَلَ عَلَى مَدِينَةِ خَانْقُوَا، وَحَصَرَهَا وَهِيَ حَصِينَةٌ، وَلَهَا نَهْرٌ عَظِيمٌ، وَبِهَا عَالَمٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالنَّصَارَى، وَالْيَهُودِ، وَالْمَجُوسِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الصِّينِ، فَلَمَّا حَصَرَ الْبَلَدَ اجْتَمَعَتْ عَسَاكِرُ الْمَلِكِ، وَقَصَدَتْهُ، فَهَزَمَهَا، وَافْتَتَحَ الْمَدِينَةَ عَنْوَةً، وَبَذَلَ السَّيْفَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً.
ثُمَّ سَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَلِكُ، وَأَرَادُوا حَصْرَهَا، فَالْتَقَاهُ مَلِكُ الصِّينِ، وَدَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ نَحْوُ سَنَةٍ، ثُمَّ انْهَزَمَ الْمَلِكُ، وَتَبِعَهُ الْخَارِجِيُّ إِلَى أَنْ تَحَصَّنَ مِنْهُ فِي مَدِينَةٍ مِنْ أَطْرَافِ بِلَادِهِ، وَاسْتَوْلَى الْخَارِجِيُّ عَلَى أَكْثَرِ الْبِلَادِ، وَالْخَزَائِنِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا بَقَاءَ لَهُ فِي الْمُلْكِ إِذْ لَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهِ، فَأَخْرَبَ الْبِلَادَ وَنَهَبَ الْأَمْوَالَ، وَسَفَكَ الدِّمَاءَ.
فَكَاتَبَ مَلِكُ الصِّينِ مُلُوكَ الْهِنْدِ يَسْتَمِدُّهُمْ، فَأَمَدُّوهُ بِالْعَسَاكِرِ، فَسَارَ إِلَى الْخَارِجِيِّ، فَالْتَقَوْا، وَاقْتَتَلُوا نَحْوَ سَنَةٍ أَيْضًا، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، ثُمَّ إِنَّ الْخَارِجِيَّ عُدِمَ، فَقِيلَ: إِنَّهُ قُتِلَ، وَقِيلَ بَلْ غَرِقَ، وَظَفِرَ الْمَلِكُ بِأَصْحَابِهِ، وَعَادَ إِلَى مَمْلَكَتِهِ.
وَلَقَبُ مُلُوكِ الصِّينِ: يَعْفُورُ، وَمَعْنَاهُ ابْنُ السَّمَاءِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ ; وَتَفَرَّقَ الْمُلْكُ عَلَيْهِ، وَتَغَلَّبَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ عَلَى طَرَفٍ مِنَ الْبِلَادِ، وَصَارَ الصِّينُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مُلُوكُ الطَّوَائِفِ، يُظْهِرُونَ لَهُ الطَّاعَةَ، وَقَنَعَ مِنْهُمْ بِذَلِكَ، وَبَقِيَ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً طَوِيلَةً.
стр. 3302
ذِكْرُ مُلْكِ الْمُسْلِمِينَ مَدِينَةَ سَرَقُوسَةَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، رَابِعَ عَشَرَ رَمَضَانَ، مَلَكَ الْمُسْلِمُونَ سَرَقُوسَةَ، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ [مُدُنِ] صِقِلِّيَّةَ.
وَكَانَ سَبَبُ مُلْكِهَا أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَمِيرَ صِقِلِّيَّةَ غَزَاهَا، فَأَفْسَدَ زَرْعَهَا، وَزَرْعَ قَطَانِيَةَ، وَطَبَرْمِينَ، وَرَمْطَةَ، وَغَيْرَهَا مِنْ بِلَادِ صِقِلِّيَّةَ الَّتِي بِيَدِ الرُّومِ، وَنَازَلَ سَرَقُوسَةَ، وَحَصَرَهَا بَرًّا وَبَحْرًا، وَمَلَكَ بَعْضَ أَرْبَاضِهَا، وَوَصَلَتْ مَرَاكِبُ الرُّومِ نَجْدَةً لَهَا، فَسَيَّرَ إِلَيْهَا أُسْطُولًا، فَأَصَابُوهَا، فَتَمَكَّنُوا حِينَئِذٍ مِنْ حَصْرِهَا، فَأَقَامَ الْعَسْكَرُ مُحَاصِرًا لَهَا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَفُتِحَتْ، وَقُتِلَ مِنْ أَهْلِهَا عِدَّةُ أُلُوفٍ، أُصِيبَ فِيهَا مِنَ الْغَنَائِمِ مَا لَمْ يُصَبْ بِمَدِينَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَنْجُ مِنْ رِجَالِهَا إِلَّا الشَّاذُّ الْفَذُّ.
وَأَقَامُوا فِيهَا بَعْدَ فَتْحِهَا بِشَهْرَيْنِ، ثُمَّ هَدَمُوهَا، ثُمَّ وَصَلَ بَعْدَ هَدْمِهَا مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ أُسْطُولٌ، فَالْتَقَوْا هُمْ وَالْمُسْلِمُونَ، فَظَفِرَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ، وَأَخَذُوا مِنْهُمْ أَرْبَعَ قِطَعٍ، فَقَتَلُوا مَنْ فِيهَا، وَانْصَرَفَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى بَلَدِهِمْ آخِرَ ذِي الْقَعْدَةِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
(فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ ابْنَهُ الْمُنْذِرَ فِي جَيْشٍ إِلَى مَدِينَةِ بَنْبَلُونَةَ، وَجَعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى سَرَقُسْطَةَ، فَقَاتَلَ أَهْلَهَا، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى تُطِيلَةَ، وَجَالَ فِي مَوَاضِعَ بَنِي مُوسَى، ثُمَّ دَخَلَ بَنْبَلُونَةَ، فَخَرَّبَ كَثِيرًا مِنْ حُصُونِهَا وَأَذْهَبَ زُرُوعَهَا وَعَادَ سَالِمًا.
وَفِيهَا سَارَ جَمْعٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلَى مَدِينَةِ جُلَيْقِيَةَ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ قُتِلَ فِيهَا مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ كَثِيرٌ.
وَفِيهَا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَغْلَبِ، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ، مِنْ بِنَاءِ رَقَّادَةَ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ عِمَارَتِهَا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَلَمَّا (فَرَغَتِ انْتَقَلَ إِبْرَاهِيمُ إِلَيْهَا) .
стр. 3303
وَفِيهَا وَجَّهَ يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ جَيْشًا إِلَى الصَّيْمَرَةِ، مُقَدِّمَةً إِلَيْهَا، وَأَخَذُوا صُعُونَ فَأَحْضَرُوهُ عِنْدَهُ، فَمَاتَ.
وَفِيهَا مَاتَتْ قَبِيحَةُ أُمُّ الْمُعْتَزِّ.
وَفِيهَا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِخُرَاسَانَ جَمِيعِهَا وَقُومِسَ، فَأَفْنَى خَلْقًا كَثِيرًا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُوسَى الْهَاشِمِيُّ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِّيُّ، وَاسْمُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِدِمَشْقَ.
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيُّ، صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِمِصْرَ.
وَعَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الطَّائِيُّ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْحَدِيثِ.
стр. 3304
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٦٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ أَخْبَارِ الزَّنْجِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ أَحْمَدَ بْنِ لَيْثَوَيْهِ وَبَيْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ جَامِعٍ، وَالزَّنْجِ بِنَاحِيَةِ جَنْبُلَاءَ.
وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ سُلَيْمَانَ كَتَبَ إِلَى الْخَبِيثِ يُخْبِرُهُ بِحَالِ نَهْرٍ يُسَمَّى الزُّهْرِيَّ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَأْذَنَ فِي عَمَلِهِ، فَإِنَّهُ مَتَى أَنْفَذَهُ تَهَيَّأَ لَهُ حَمْلُ مَا فِي جَنْبُلَاءَ وَسَوَادِ الْكُوفَةِ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ نَكْرَوَيْهِ لِذَلِكَ، وَأَمَرَهُ بِمُسَاعَدَتِهِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى النَّهْرِ، فَمَضَى سُلَيْمَانُ فِيمَنْ مَعَهُ، وَأَقَامَ بِالشَّرِيطَةِ نَحْوًا مِنْ شَهْرٍ، وَشَرَعُوا فِي عَمَلِ النَّهْرِ.
وَكَانَ أَصْحَابُ سُلَيْمَانَ، فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ، يَتَطَرَّقُونَ مَا حَوْلَهُمْ، فَوَاقَعَهُ أَحْمَدُ بْنُ لَيْثَوَيْهِ، وَهُوَ عَامِلُ الْمُوَفَّقِ بِجَنْبُلَاءَ، فَقُتِلَ مِنَ الزَّنْجِ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ قَائِدًا، وَمِنْ عَامَّتِهِمْ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً، أَحْرَقَ سُفُنَهُمْ، فَمَضَى سُلَيْمَانُ مَهْزُومًا إِلَى طَهْثَا.
وَفِيهَا سَارَ جَمَاعَةٌ مِنَ الزُّنُوجِ فِي ثَلَاثِينَ سُمَيْرِيَّةٍ إِلَى حَبْلٍ، فَأَخَذُوا أَرْبَعَ سُفُنٍ فِيهَا طَعَامٌ وَانْصَرَفُوا.
وَفِيهَا دَخَلَ الزَّنْجُ النُّعْمَانِيَّةَ فَأَحْرَقُوهَا، وَسَبَوْا، وَسَارُوا إِلَى جَرْجَرَايَا، وَدَخَلَ أَهْلُ السَّوَادِ بَغْدَاذَ.
стр. 3305
ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ مَسْرُورٍ الْبَلْخِيِّ عَلَى الْأَهْوَازِ وَانْهِزَامِ الزَّنْجِ مِنْهُ
وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الْمُوَفَّقُ مَسْرُورًا الْبَلْخِيَّ عَلَى كُوَرِ الْأَهْوَازِ، فَوَلَّى مَسْرُورٌ ذَلِكَ تِكِينَ الْبُخَارِيَّ، فَسَارَ إِلَيْهَا تِكِينُ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ، وَالزَّنْجُ قَدْ أَحَاطُوا بِتَسْتُرَ، فَخَافَ أَهْلُهَا، وَعَزَمُوا عَلَى تَسْلِيمِهَا إِلَيْهِمْ، فَوَافَاهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالِ تِكِينُ الْبُخَارِيُّ، فَوَاقَعَ عَلِيَّ بْنَ أَبَانٍ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ ثِيَابَهُ، فَانْهَزَمَ عَلِيٌّ، وَالزَّنْجُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ، وَتَفَرَّقُوا، وَنَزَلَ تِكِينُ بِتَسْتُرَ، وَهَذِهِ الْوَاقِعَةُ تُعْرَفُ بِوَقْعَةِ بَابِ كُورَكَ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ.
ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا قَدَّمَ عَلَيْهَا جَمَاعَةً مِنْ قُوَّادِ الزَّنْجِ، فَأَمَرَهُمْ بِالْمُقَامِ بِقَنْطَرَةِ فَارِسَ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ غُلَامٌ رُومِيٌّ إِلَى تِكِينَ، وَأَخْبَرَهُ بِمُقَامِهِمْ بِالْقَنْطَرَةِ، وَتَشَاغُلِهِمْ بِالنَّبِيذِ، وَتَفَرُّقِهِمْ فِي جَمْعِ الطَّعَامِ، فَسَارَ تِكِينُ إِلَيْهِمْ لَيْلًا، فَأَوْقَعَ بِهِمْ، وَقَتَلَ مِنْ قُوَّادِهِمْ جَمَاعَةً، فَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ.
وَسَارَ تِكِينُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ، فَلَمْ يَقِفْ لَهُ عَلِيٌّ، وَانْهَزَمَ، وَأُسِرَ غُلَامٌ لَهُ يُعْرَفُ بِجَعْفَرَوَيْهِ، وَرَجَعَ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَرَجَعَ تِكِينُ إِلَى تَسْتُرَ، وَكَتَبَ عَلِيٌّ إِلَى تِكِينَ يَسْأَلُهُ الْكَفَّ عَنْ قَتْلِ غُلَامِهِ، فَحَبَسَهُ.
ثُمَّ تَرَاسَلَ عَلِيٌّ، وَتِكِينُ، وَتَهَادَيَا، فَبَلَغَ الْخَبَرُ مَسْرُورًا بِمَيْلِ تِكِينَ إِلَى الزَّنْجِ، فَسَارَ حَتَّى وَافَى تِكِينَ، وَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَحَبَسَهُ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جُعْلَانَ، حَتَّى مَاتَ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُ تِكِينَ، فَفِرْقَةٌ سَارَتْ إِلَى الزَّنْجِ، وَفِرَقَةٌ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْكُرْدِيِّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مَسْرُورًا فَأَمَّنَهُمْ، فَجَاءَهُ مِنْهُمُ الْبَاقُونَ.
وَكَانَ بَعْضُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَمْرِ مَسْرُورٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ، وَبَعْضُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ.
ذِكْرُ عِصْيَانِ الْعَبَّاسِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ عَلَى أَبِيهِ
وَفِيهَا عَصَى الْعَبَّاسُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ عَلَى أَبِيهِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ قَدْ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، وَاسْتَخْلَفَ ابْنَهُ الْعَبَّاسَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمَّا أَبْعَدَ عَنْ مِصْرَ حَسَّنَ
стр. 3306
لِلْعَبَّاسِ جَمَاعَةٌ كَانُوا عِنْدَهُ أَخْذَ الْأَمْوَالِ، وَالِانْشِرَاحَ إِلَى بُرْقَةَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَأَتَى بُرْقَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَاهُ، فَعَادَ إِلَى مِصْرَ، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِهِ وَلَاطَفَهُ، وَاسْتَعْطَفَهُ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ، وَخَافَ مَنْ مَعَهُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِقَصْدِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَسَارَ إِلَيْهَا، وَكَاتَبَ وُجُوهَ الْبَرْبَرِ، فَأَتَاهُ بَعْضُهُمْ، وَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ، وَكَتَبَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ يَقُولُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ قَلَّدَنِي أَمْرَ إِفْرِيقِيَّةَ وَأَعْمَالَهَا ; وَرَحَلَ، حَتَّى أَتَى حِصْنَ لَبْدَةَ، فَفَتَحَهُ أَهْلُهُ لَهُ، فَعَامَلَهُمْ أَسْوَأَ مُعَامَلَةٍ، وَنَهَبَهُمْ، فَمَضَى أَهْلُ الْحِصْنِ إِلَى إِلْيَاسَ بْنِ مَنْصُورٍ النُّفُوسِيِّ، رَئِيسِ الْإِبَاضِيَّةِ هُنَاكَ، فَاسْتَعَانُوا بِهِ، فَغَضِبَ لِذَلِكَ، وَسَارَ إِلَى الْعَبَّاسِ لِيُقَاتِلَهُ.
وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَغْلَبِ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى عَامِلِ طَرَابُلُسَ جَيْشًا، وَأَمَرَهِ بِقِتَالِ الْعَبَّاسِ، فَالْتَقَوْا، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا قَاتَلَ الْعَبَّاسُ فِيهِ بِيَدِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ وَافَاهُمْ إِلْيَاسُ بْنُ مَنْصُورٍ الْإِبَاضِيُّ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الْإِبَاضِيَّةِ، فَاجْتَمَعَ هُوَ وَعَامِلُ طَرَابُلْسَ عَلَى قِتَالِ الْعَبَّاسِ، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَانْهَزَمَ أَقْبَحَ هَزِيمَةً، وَكَادَ يُؤْسَرُ، فَخَلَّصَهُ مَوْلًى لَهُ، وَنَهَبُوا سَوَادَهُ وَأَكْثَرَ مَا حَمَلَهُ مِنْ مِصْرَ، وَعَادَ إِلَى بُرْقَةَ أَقْبَحَ عَوْدٍ.
وَشَاعَ بِمِصْرَ أَنَّ الْعَبَّاسَ انْهَزَمَ، فَاغْتَمَّ وَالِدُهُ حَتَّى ظَهَرَ عَلَيْهِ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِ الْعَسَاكِرَ لَمَّا عَلِمَ سَلَامَتَهُ، فَقَاتَلُوا قِتَالًا صَبَرَ فِيهِ الْفَرِيقَانِ، فَانْهَزَمَ الْعَبَّاسُ وَمَنْ مَعَهُ، وَكَثُرَ الْقَتْلَى فِي أَصْحَابِهِ، وَأُخِذَ الْعَبَّاسُ أَسِيرًا، وَحَمَلَ إِلَى أَبِيهِ، فَحَبَسَهُ فِي حُجْرَةٍ إِلَى دَارِهِ إِلَى أَنْ قَدِمَ بَاقِي الْأَسْرَى مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا قَدِمُوا أَحْضَرَهُمْ أَحْمَدُ عِنْدَهُ، وَالْعَبَّاسُ مَعَهُمْ، فَأَمَرَهُ أَبُوهُ أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَ أَعْيَانِهِمْ وَأَرْجُلَهُمْ، فَفَعَلَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ وَبَّخَهُ أَبُوهُ وَذَمَّهُ وَقَالَ لَهُ: هَكَذَا يَكُونُ الرَّئِيسُ وَالْمُقَدَّمُ؟ كَانَ الْأَحْسَنُ كُنْتَ أَلْقَيْتَ نَفْسَكَ بَيْنَ يَدَيَّ، وَسَأَلْتَ الصَّفْحَ عَنْكَ وَعَنْهُمْ، فَكَانَ أَعْلَى لِمَحَلِّكَ، وَكُنْتَ قَضَيْتَ حُقُوقَهُمْ فِيمَا سَاعَدُوكَ وَفَارَقُوا أَوْطَانَهُمْ لِأَجْلِكَ.
ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ مِائَةَ مَقْرَعَةٍ، وَدُمُوعُهُ تَجْرِي عَلَى خَدَّيْهِ رِقَّةً لِوَلَدِهِ، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى الْحُجْرَةِ وَاعْتَقَلَهُ، وَذَلِكَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ.
ذِكْرُ مَوْتِ يَعْقُوبَ، وَوِلَايَةِ أَخِيهِ عَمْرٍو
وَفِيهَا مَاتَ يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ الصَّفَّارُ تَاسِعَ شَوَّالٍ بِجُنْدَيْسَابُورَ مِنْ كُوَرِ الْأَهْوَازِ،
стр. 3307
وَكَانَتْ عِلَّتُهُ الْقُولَنْجُ، فَأَمَرَهُ الْأَطِبَّاءُ بِالِاحْتِقَانِ بِالدَّوَاءِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَاخْتَارَ الْمَوْتَ.
وَكَانَ الْمُعْتَمِدُ قَدْ أَنْفَذَ إِلَيْهِ رَسُولًا وَكِتَابًا يَسْتَمِيلُهُ وَيَتَرَضَّاهُ، وَيُقَلِّدُهُ أَعْمَالَ فَارِسَ، فَوَصَلَ الرَّسُولُ وَيَعْقُوبُ مَرِيضٌ، فَجَلَسَ لَهُ، وَجَعَلَ عِنْدَهُ سَيْفًا، وَرَغِيفًا مِنَ الْخُبْزِ الْخُشْكَارِ، وَمَعَهُ بَصَلٌ، وَأَحْضَرَ الرَّسُولَ، فَأَدَّى الرِّسَالَةَ، فَقَالَ لَهُ: قُلْ لِلْخَلِيفَةِ إِنَّنِي عَلِيلٌ، فَإِنْ مُتُّ فَقَدِ اسْتَرَحْتُ مِنْكَ وَاسْتَرَحْتَ مِنِّي، وَإِنْ عُوفِيتُ فَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ إِلَّا هَذَا السَّيْفُ، حَتَّى آخُذَ بِثَأْرِي، أَوْ تَكْسِرَنِي وَتَعْقِرَنِي، وَأَعُودُ إِلَى هَذَا الْخُبْزِ وَالْبَصَلِ، وَأَعَادَ الرَّسُولَ، فَلَمْ يَلْبَثْ يَعْقُوبُ أَنْ مَاتَ.
وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ الْعَلَوِيُّ يُسَمِّي يَعْقُوبَ بْنَ اللَّيْثِ السِّنْدَانَ لِثَبَاتِهِ، وَكَانَ يَعْقُوبُ قَدِ افْتَتَحَ الرُّخَّجَ، وَقَتَلَ مَلِكَهَا، أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَى يَدِهِ، كَانَتْ مَمْلَكَتُهُ وَاسِعَةَ الْحُدُودِ، وَكَانَ اسْمُ مَلِكِهَا كَبْتِيرُ، وَكَانَ يُحْمَلُ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ يَحْمِلُهُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، وَابْتَنَى عَلَى جَبَلٍ عَالٍ بَيْتًا، وَسَمَّاهُ مَكَّةَ، وَكَانَ يَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ، فَقَتَلَهُ يَعْقُوبُ، وَافْتَتَحَ الْخَلْجِيَّةَ، وَزَابُلَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَلَمْ أَعْلَمْ أَيَّ سَنَةٍ كَانَ ذَلِكَ حَتَّى أَذْكُرَهُ فِيهَا.
وَكَانَ يَعْقُوبُ عَاقِلًا، حَازِمًا، وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ عَاشَرْتَهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَلَمْ تَعْرِفْ أَخْلَاقَهُ، فَلَا تَعْرِفْهَا سَنَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ سِيرَتِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى عَقْلِهِ.
وَلَمَّا مَاتَ قَامَ بِالْأَمِيرِ بَعْدَهُ أَخُوهُ عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ، وَكَتَبَ إِلَى الْخَلِيفَةِ بِطَاعَتِهِ، فَوَلَّاهُ الْمُوَفَّقُ خُرَاسَانَ، وَفَارِسَ، وَأَصْبَهَانَ، وَسِجِسْتَانَ، وَالسِّنْدَ وَكَرْمَانَ، وَالشُّرْطَةَ بِبَغْدَاذَ، وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ، وَسَيَّرَهُ إِلَيْهِ مَعَ الْخَلْعِ.
стр. 3308
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَثَبَ الْقَاسِمُ بْنُ مَهَاةَ بِدُلَفَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفَ بِأَصْبَهَانَ، فَقَتَلَهُ، وَوَثَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي دُلَفَ بِالْقَاسِمِ، فَقَتَلُوهُ، وَرَيَّسُوا عَلَيْهِمْ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَفِيهَا لَحِقَ مُحَمَّدُ الْمُوَلَّدُ بِيَعْقُوبَ بْنِ اللَّيْثِ، فَأَكْرَمَهُ يَعْقُوبُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِقَبْضِ أَمْوَالِهِ وَعَقَارِهِ.
وَفِيهَا قَتَلَتِ الْأَعْرَابُ جُعْلَانَ الْمَعْرُوفَ بِالْعَيَّارِ، بِدِمِمَّا، وَكَانَ خَرَجَ يُسَيِّرُ قَافِلَةً فَقَتَلُوهُ فَوَجَّهَ فِي طَلَبِهِمْ، فَلَمْ يُلْحَقُوا.
وَفِيهَا حَبَسَ الْمُوَفَّقُ سُلَيْمَانُ بْنُ وَهْبٍ ابْنَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ، وَعِدَّةً مِنْ أَصْحَابِهِمَا، وَقَبَضَ أَمْوَالَهُمْ وَضِيَاعَهُمْ، خَلَا أَحْمَدَ بْنَ سُلَيْمَانَ، ثُمَّ صَالَحَ سُلَيْمَانَ وَابْنَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ عَلَى تِسْعِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَجُعِلَا فِي مَوْضِعٍ يَصِلُ إِلَيْهِمَا مَنْ أَرَادُوا، وَعَسْكَرَ مُوسَى بْنُ أَتَامِشَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ كُنْدَاجِيقَ الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى بْنِ بُغَا، وَعَبَرُوا جِسْرَ بَغْدَاذَ، وَمَنْعَهُمُ الْمُوَفَّقُ، فَلَمْ يَرْجِعُوا، نَزَلُوا صَرْصَرَ، (فَاسْتَكْتَبَ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوَفَّقُ صَاعِدَ بْنَ مَخْلَدٍ، فَمَضَى إِلَى أُولَئِكَ الْقُوَّادِ، فَرَدَّهُمْ مِنْ صَرْصَرَ فَخَلَعَ عَلَيْهِمْ) .
وَفِيهَا خَرَجَ خَمْسَةُ بَطَارِقَةٍ [مِنَ] الرُّومِ إِلَى أَذَنَةَ فَقَتَلُوا، وَأَسَرُوا، وَكَانَ أَرْجُوزُ وَالِي الثُّغُورِ، فَعُزِلَ عَنْهَا، فَأَقَامَ مُرَابِطًا، أَسَرُوا نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِمِائَةٍ، وَقَتَلُوا نَحْوًا مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الْأُولَى.
وَفِيهَا غَلَبَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُجُسْتَانِيُّ عَلَى نَيْسَابُورَ، سَارَ الْحُسَيْنُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ
стр. 3309
عَبْدِ اللَّهِ إِلَى مَرْوَ، وَهُوَ عَامِلُ أَخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ.
وَأُخْرِبَتْ طُوسٌ.
وَفِيهَا اسْتُوْزِرَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ بْنُ بُلْبُلٍ.
وَفِيهَا وَثَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَعْرَابِ، مِنْ بَنِي أَسَدٍ، عَلَى عَلِيِّ بْنِ مَسْرُورٍ الْبَلْخِيِّ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى الْمُغِيثَةِ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَكَانَ الْمُوَفَّقُ وَلَّاهُ الطَّرِيقَ.
وَفِيهَا بَعَثَ مَلِكُ الرُّومِ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَشِيدِ بْنِ كَاوِسَ وَعِدَّةَ أَسْرَى، وَأَنْفَذَ مَعَهُمْ عِدَّةَ مَصَاحِفَ مِنْهُ هَدِيَّةً إِلَيْةِ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُوسَى بْنِ عِيسَى الْهَاشِمِيُّ.
وَفِيهَا كَانَتْ مُوَافَاةُ أَبِي الْمُغِيرَةِ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُخْزُومِيِّ إِلَى مَكَّةَ لِصَاحِبِ الزَّنْجِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ وَعُمْرُهُ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِي أَبُو إِسْحَاقَ (النَّيْسَابُورِيُّ، وَكَانَ مِنَ الْأَبْدَالِ قَدْ صَحِبَ
стр. 3310
أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَعَلِيَّ بْنَ حَرْبِ بْنِ مُحَمَّدِ) الطَّائِيَّ الْمَوْصِلِيَّ وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ (وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَعَلِيُّ بْنُ مُوَفَّقٍ الزَّاهِدُ.
وَفِيهَا قُتِلَ أَبُو الْفَضْلِ الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَرَجِ الرِّيَاشِيُّ، قَتَلَهُ الزَّنْجُ بِالْبَصْرَةِ، أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَالْأَصْمَعِيِّ.
стр. 3311
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٦٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ أَخْبَارِ الزَّنْجِ مَعَ أَغْرَتْمِشَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلِيَ أَغْرَتَمْشُ مَا كَانَ يَتَوَلَّاهُ تِكِينُ الْبُخَارِيُّ مِنْ أَعْمَالِ الْأَهْوَازِ، فَدَخَلَ تُسْتَرَ فِي رَمَضَانَ، وَمَعَهُ أَنَا، وَمَطَرُ بْنُ جَامِعٍ، وَقَتَلَ مَطَرُ بْنُ جَامِعٍ جَعْفَرَوَيْهِ غُلَامَ عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ، وَجَمَاعَةً مَعَهُ كَانُوا مَأْسُورِينَ، وَسَارُوا إِلَى عَسْكَرِ مُكْرَمٍ، وَأَتَاهُمُ الزَّنْجُ هُنَاكَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ، فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا رَأَوْا كَثْرَةَ الزَّنْجِ قَطَعُوا الْجِسْرَ وَتَحَاجَزُوا، وَرَجَعَ عَلِيٌّ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَأَقَامَ أَخُوهُ الْخَلِيلُ بِالْمَسْرُقَانِ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الزَّنْجِ.
وَسَارَ أَغْرَتَمْشُ، وَمَنْ مَعَهُ نَحْوَ الْخَلِيلِ إِلَيْهِ مِنْ قَنْطَرَةِ أَرْبَكَ، فَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ عَلِيٍّ، فَوَافَاهُ فِي النَّهْرِ، وَأَخَافَ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ خَلَّفَهُمْ بِالْأَهْوَازِ، فَارْتَحَلُوا إِلَى نَهْرِ السِّدْرَةِ، وَتَحَارَبَ عَلِيٌّ وَأَغْرَتَمْشُ يَوْمَهُمْ.
ثُمَّ انْصَرَفَ عَلِيٌّ إِلَى الْأَهْوَازِ، فَلَمْ يَجِدْ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ خَلَّفَهُمْ بِالْأَهْوَازِ، فَوَجَّهَ مَنْ يَرُدَّهُمْ مِنْ نَهْرِ السِّدْرَةِ، فَعَسُرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَتَبِعَهُمْ، وَأَقَامَ مَعَهُمْ، وَرَجَعَ أَغْرَتَمْشُ فَنَزَلَ عَسْكَرَ مُكْرَمٍ، وَاسْتَعَدَّ عَلِيٌّ لِقِتَالِهِمْ.
وَبَلَغَ ذَلِكَ أَغْرَتَمْشَ، وَمَنْ مَعَهُ مِنْ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ، فَسَارُوا إِلَيْهِ، فَكَمَنَ لَهُمْ عَلِيٌّ وَقَدِمَ الْخَلِيلُ إِلَى قِتَالِهِمْ، فَاقْتَتَلُوا، فَكَانَ أَوَّلُ النَّهَارِ لِأَصْحَابِ الْخَلِيفَةِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمُ الْكَمِينُ، فَانْهَزَمُوا وَأُسِرَ مَطَرُ بْنُ جَامِعٍ، وَعِدَّةٌ مِنَ الْقُوَّادِ، فَقَتَلَهُ عَلِيٌّ بِغُلَامِهِ جَعْفَرَوَيْهِ، وَعَادَ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَأَرْسَلَ رُءُوسَ الْقَتْلَى إِلَى الْخَبِيثِ الْعَلَوِيِّ.
وَكَانَ عَلِيٌّ، وَأَغَرَتَمْشُ بَعْدُ فِي حُرُوبِهِمْ عَلَى السَّوَاءِ، وَصَرَفَ صَاحِبُ الزَّنْجِ
стр. 3312
أَكَثْرَ جُنُودِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَغْرَتَمْشُ وَادَعَهُ، وَجَعَلَ عَلِيٌّ يُغِيرُ عَلَى النَّوَاحِي، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَغَارَ عَلَى قَرْيَةِ بَيْرُوذَ فَنَهَبَهَا، وَوَجَّهَ الْغَنَائِمَ إِلَى صَاحِبِهِ.
ذِكْرُ دُخُولِ الزَّنْجِ رَامَهُرْمُزَ
وَفِيهَا دَخَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ، وَالزَّنْجُ رَامَهُرْمُزَ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ كَانَ يَخَافُ عَلِيَّ بْنَ أَبَانٍ لِمَا فِي نَفْسِ عَلِيٍّ مِنْهُ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَكَتَبَ إِلَى أَنْكِلَايَ ابْنِ الْعَلَوِيِّ وَسَأَلَهُ أَنْ يَسْأَلَ أَبَاهُ لِيَرْفَعَ يَدَ عَلِيٍّ عَنْهُ وَيَضُمَّهُ إِلَى نَفْسِهِ، فَزَادَ ذَلِكَ غَيْظَ عَلِيٍّ مِنْهُ، كَتَبَ إِلَى الْخَبِيثِ بِالْإِيقَاعِ بِمُحَمَّدٍ، وَيَجْعَلُ ذَلِكَ الطَّرِيقَ إِلَى مُطَالَبَةٍ بِالْخَرَاجِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدٍ يَطْلُبُ مِنْهُ حَمْلَ الْخَرَاجِ، فَمَطَلَهُ، وَدَافَعَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ وَهُوَ بِرَامَهُرْمُزَ، فَهَرَبَ مُحَمَّدٌ عَنْهَا، وَدَخَلَهَا عَلِيٌّ وَالزَّنْجُ فَاسْتَبَاحَهَا، وَلَحِقَ مُحَمَّدٌ بِأَقْصَى مَعَاقِلِهِ، وَانْصَرَفَ عَلِيٌّ غَانِمًا.
وَخَافَ مُحَمَّدٌ فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَطْلُبُ الْمُسَالَمَةَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ عَلَى مَالٍ يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ، فَحَمَلَ إِلَيْهِ مِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَنْفَذَهَا إِلَى صَاحِبِ الزَّنْجِ، وَأَمْسَكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَأَعْمَالِهِ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ لِلزَّنْجِ انْهَزَمُوا فِيهَا، وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ) كَتَبَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ، بَعْدَ الصُّلْحِ، يَسْأَلُهُ الْمَعُونَةَ عَلَى الْأَكْرَادِ الدَّارِنَانِ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ غَنَائِمَهُمْ، فَكَتَبَ عَلِيٌّ إِلَى صَاحِبِهِ يَسْتَأْذِنُهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ وَجِّهْ إِلَيْهِ جَيْشًا، وَأَقِمْ أَنْتَ، لَا تُنْفِذْ أَحَدًا حَتَّى تَسْتَوْثِقَ مِنْهُ بِالرَّهَائِنِ، (وَلَا يَأْمَنَ غَزْوَهُ وَالطَّلَبَ بِثَأْرِهِ. فَكَتَبَ عَلِيٌّ إِلَى مُحَمَّدٍ يَطْلُبُ مِنْهُ الْيَمِينَ) وَالرَّهَائِنَ، فَبَذَلَ لَهُ الْيَمِينَ، وَمَطَلَهُ بِالرَّهَائِنِ، فَلِحِرْصِ عَلِيٍّ عَلَى الْغَنَائِمِ أَنْفَذَ إِلَيْهِ جَيْشًا، فَسَيَّرَ مُحَمَّدٌ مَعَهُمْ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْأَكْرَادِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الْأَكْرَادُ فَقَاتَلُوهُمْ، وَنَشِبَتِ الْحَرْبُ، فَتَخَلَّى أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ عَنِ الزَّنْجِ، فَانْهَزَمُوا وَقَتَلَتِ الْأَكْرَادُ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا.
стр. 3313
وَكَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ أَعَدَّ لَهُمْ مَنْ يَتَعَرَّضُهُمْ إِذَا انْهَزَمُوا، فَصَادَفُوهُمْ، وَأَوْقَعُوا بِهِمْ، وَسَلَبُوهُمْ، وَأَخَذُوا دَوَابَّهُمْ، وَرَجَعُوا (بِأَسْوَإِ حَالٍ، فَكَتَبَ عَلِيٌّ إِلَى الْخَبِيثِ بِذَلِكَ فَعَنَّفَهُ، وَقَالَ: ضَيَّعْتَ أَمْرِي فِي تَرْكِ الرَّهَائِنِ، وَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدٍ يَتَهَدَّدُهُ، فَخَافَ مُحَمَّدٌ وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَخْضَعُ وَيَذِلُّ، وَرَدَّ بَعْضَ الدَّوَابِّ وَقَالَ:
إِنَّنِي كَبَسْتُ مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُمْ، وَخَلَّصْتُ هَذِهِ مِنْهُمْ. فَأَظْهَرَ الْخَبِيثُ الْغَضَبَ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ مُحَمَّدٌ إِلَيْهِ بَهْبُودَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى الْكَرْمَانِيَّ، وَكَانَا أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَى عَلِيٍّ، فَضَمِنَ لَهُمَا مَالًا إِنْ أَصْلَحَا لَهُ عَلِيًّا وَصَاحِبَهُ، فَفَعَلَا ذَلِكَ، فَأَجَابَهُمَا الْخَبِيثُ إِلَى الرِّضَا عَنْ مُحَمَّدٍ عَلَى أَنْ يَخْطُبَ لَهُ عَلَى مَنَابِرِ بِلَادِهِ، وَأَعْلَمَا مُحَمَّدًا ذَلِكَ، فَأَجَابَهُمَا إِلَى كُلِّ مَا طَلَبَا، وَجَعَلَ يُرَاوِغُ فِي الدُّعَاءِ لَهُ عَلَى الْمَنَابِرِ.
ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا اسْتَعَدَّ لِمَتُّوثَ، وَسَارَ إِلَيْهَا، فَلَمْ يَظْفَرْ بِهَا، فَرَجَعَ، وَعَمِلَ السَّلَالِيمَ، الْآلَاتِ الَّتِي يَصْعَدُ بِهَا إِلَى السُّورِ، وَاسْتَعَدَّ لِقَصْدِهَا، فَعَرَفَ ذَلِكَ مَنْصُورٌ الْبَلْخِيُّ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بُكُوَرِ الْأَهْوَازِ، فَلَمَّا سَارَ عَلِيٌّ إِلَيْهَا سَارَ إِلَيْهِ مَسْرُورٌ، فَوَافَاهُ قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَهُوَ نَازِلٌ عَلَيْهَا، فَلَمَّا عَايَنَ الزَّنْجُ أَوَائِلَ خَيْلِ مَسْرُورٍ انْهَزَمُوا أَقْبَحَ هَزِيمَةٍ، وَتَرَكُوا جَمِيعَ مَا كَانُوا أَعَدُّوهُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَانْصَرَفَ عَلِيٌّ مَهْزُومًا، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى أَتَتْهُ الْأَخْبَارُ بِإِقْبَالِ الْمُوَفَّقِ، وَلَمْ يَكُنْ لَعَلِيٍّ بَعْدَ مَتُّوثَ وَقْعَةٌ، حَتَّى فُتِحَتْ سُوقُ الْخَمِيسِ وَطَهْثَا عَلَى الْمُوَفَّقِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُهُ يَأْمُرُهُ بِالْعَوْدِ إِلَيْهِ، وَيَسْتَحِثُّهُ حَثًّا شَدِيدًا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَّى عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ خِلَافَتَهُ عَلَى الشُّرْطَةِ بِبَغْدَاذَ وَسُرُّ مَنْ رَأَى فِي صَفَرٍ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ الْمُوَفَّقُ، وَعَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ.
وَفِيهَا، فِي صَفَرٍ، غَلَبَ أَسَاتِكِينُ عَلَى الشُّرْطَةِ وَهِيَ الْآنُ مِنْ أَعْمَالِ سِجِسْتَانَ وَعَلَى الرَّيِّ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا خَطَلَنْخَجُورَ الْعَامِلَ عَلَيْهَا، ثُمَّ مَضَى إِلَى قَزْوِينَ وَعَلَيْهَا أَخُو
стр. 3314
كَيْغَلَغَ، فَصَالَحَهُ، وَدَخَلَ أَسَاتِكِينُ قَزْوِينَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرَّيِّ.
وَفِيهَا وَرَدَتْ سَرِيَّةٌ مِنْ سَرَايَا الرُّومِ إِلَى تَلِّ يَسْهَى، مِنْ دِيَارِ رَبِيعَةَ فَأَسَرَتْ نَحْوًا مِنْ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ إِنْسَانًا، وَمَثَّلَتْ بِالْمُسْلِمِينَ، فَنَفَرَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الْمَوْصِلِ وَنَصِيبِينَ، فَرَجَعَتِ الرُّومُ.
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو السَّاجِ بِجَنْدَيْسَابُورَ، مُنْصَرِفًا مِنْ عَسْكَرِ عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ (إِلَى بَغْدَاذَ، وَمَاتَ قَبْلَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ.
وَوَلَّى عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ) فِيهَا أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفَ أَصْبَهَانَ.
وَوَلَّى مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي السَّاجِ طَرِيقَ مَكَّةَ وَالْحَرَمَيْنِ.
وَفِيهَا فَارَقَ إِسْحَاقُ بْنُ كَنْدَاجَ أَحْمَدَ بْنَ مُوسَى بْنِ بُغَا، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَحْمَدَ لَمَّا سَارَ إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَوَلِيَ مُوسَى بْنُ أَتَامِشَ دِيَارَ رَبِيعَةَ، أَنْكَرَ ذَلِكَ إِسْحَاقُ بْنُ كَنْدَاجَ، وَفَارَقَ عَسْكَرَهُ، وَسَارَ إِلَى بَلَدٍ، فَأَوْقَعَ بِالْأَكْرَادِ الْيَعْقُوبِيَّةِ فَهَزَمَهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ لَقِيَ ابْنَ مُسَاوِرٍ الْخَارِجِيَّ فَقَتَلَهُ، وَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ فَقَاطَعَ أَهْلَهَا عَلَى مَالٍ قَدْ أَعَدُّوهُ.
وَكَانَ قَائِدٌ كَبِيرٌ بِمَعْلَثَايَا، وَاسْمُهُ عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، وَهُوَ الْمُخَاطِبُ لَهُ عَنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ، وَالْمَدَافِعُ، فَسَارَ ابْنُ كَنْدَاجَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ فَارَقَ مَعْلَثَايَا، وَعَبَرَ دِجْلَةَ، وَمَعَهُ حَمْدَانُ بْنُ حَمْدُونَ، إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ أَحْمَدَ التَّغْلِبِيِّ الْعَدَوِيِّ، فَاجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ فَبَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ نَحْوَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَسَمِعَ ابْنُ كَنْدَاجَ (بِاجْتِمَاعِهِمْ، فَعَبَرَ إِلَى
стр. 3315
بَلَدَ، وَعَبَرَ دِجْلَةَ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ) ، وَسَارَ (إِلَى نَهْرِ أَيُّوبَ) ، فَالْتَقَوْا بِكَرَاثَا، وَهِيَ الَّتِي تُعْرَفُ الْيَوْمَ بِتَلِّ مُوسَى، وَتَصَافُّوا لِلْحَرْبِ، فَأَرْسَلَ مُقَدَّمُ مَيْسَرَةِ ابْنِ أَيُّوبَ إِلَى ابْنِ كَنْدَاجَ يَقُولُ لَهُ: إِنَّنِي فِي الْمَيْسَرَةِ، فَاحْمِلْ عَلَيَّ لِأَنْهَزِمَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَانْهَزَمَتِ مَيْسَرَةُ ابْنِ أَيُّوبَ، وَتَبِعَهَا الْبَاقُونَ، فَسَارَ حَمْدَانُ بْنُ حَمْدُونَ، وَعَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَأَخَذَ ابْنُ أَيُّوبَ نَحْوَ نَصِيبِينَ، فَاتَّبَعَهُ ابْنُ كَنْدَاجَ، فَسَارَ ابْنُ أَيُّوبَ عَنْ نَصِيبِينَ إِلَى آمِدَ، وَاسْتَوْلَى ابْنُ كَنْدَاجَ عَلَى نَصِيبِينَ وَدِيَارِ رَبِيعَةَ، وَاسْتَجَارَ ابْنُ أَيُّوبَ بِعِيسَى بْنِ الشَّيْخِ الشَّيْبَانِيِّ، وَهُوَ بِآمِدَ، فَأَنْجَدَهُ) ، (وَطَلَبَ النَّجْدَةَ مِنْ أَبِي الْمُعِزِّ بْنِ مُوسَى بْنِ زُرَارَةَ، وَهُوَ بِأَرْزَنَ، فَأَنْجَدَهُ) أَيْضًا، وَعَادَ ابْنُ كَنْدَاجَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ مِنَ الْخَلِيفَةِ الْمُعْتَمِدِ عَهْدٌ بِوِلَايَةِ الْمَوْصِلِ، فَعَادَ إِلَيْهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنُ الشَّيْخِ، وَابْنُ زُرَارَةَ، وَغَيْرُهُمَا بَذَلُوا لَهُ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ لِيُقِرَّهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى حَرْبِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَجَابَهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا وَعَادَ عَنْهُمْ وَقَصَدُوا بِلَادَهُمْ.
(وَفِيهَا أَمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِإِنْشَاءِ مَرَاكِبَ بِنَهْرِ قُرْطُبَةَ، وَحَمَلَهَا إِلَى الْبَحْرِ الْمُحِيطِ، وَكَانَ سَبَبُ عَمَلِهَا أَنَّهُ قِيلَ لَهُ جُلَيْقِيَةُ لَيْسَ لَهَا مَانِعٌ مِنْ جِهَةِ الْبَحْرِ الْمُحِيطِ، وَإِنَّ مُلْكَهَا مِنْ هُنَاكَ سَهْلٌ، فَأَمَرَ بِعَمَلِ الْمَرَاكِبِ، فَلَمَّا فَرَغَتْ، وَكَمُلَتْ بِرِجَالِهَا وَعُدَّتِهَا، سَيَّرَهُا إِلَى الْبَحْرِ الْمُحِيطِ، فَلَمَّا دَخَلَتْهُ الْمَرَاكِبُ تَقَطَّعَتْ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهَا مَرْكَبَانِ، وَلَمْ يَرْجِعْ مِنْهَا إِلَّا الْيَسِيرُ.
وَفِيهَا الْتَقَى أُسْطُولُ الْمُسْلِمِينَ، وَأُسْطُولُ الرُّومِ عِنْدَ صِقِلِّيَّةَ، فَجَرَى بَيْنَهُمْ قِتَالٌ شَدِيدٌ، فَظَفِرَ الرُّومُ بِالْمُسْلِمِينَ، وَأَخَذُوا مَرْكَبَهُمْ، وَانْهَزَمَ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ إِلَى مَدِينَةِ بَلَرْمَ بِصِقِلِّيَّةَ.
وَفِيهَا كَانَ بِإِفْرِيقِيَّةَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ وَقَحْطٌ عَظِيمٌ، كَادَتِ الْأَقْوَاتُ تُعْدَمُ) .
стр. 3316
وَفِيهَا قَتَلَ أَهْلُ حِمْصَ عَامِلَهُمْ عِيسَى الْكَرْخِيَّ.
وَفِيهَا أَسْرَى لُؤْلُؤٌ غُلَامُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ مِنْ رَابِيَةِ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى مُوسَى بْنِ أَتَامِشَ، وَهُوَ بِرَأْسِ عَيْنٍ، فَأَخَذَهُ سَيْرًا، وَسَيَّرَهُ إِلَى الرَّقَّةِ، ثُمَّ لَقِيَ لُؤْلُؤٌ أَحْمَدَ بْنَ مُوسَى بْنَ أَتَامِشَ بْنِ مُوسَى بْنِ أَتَامِشَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَعْرَابِ، فَانْهَزَمَ لُؤْلُؤٌ، وَرَجَعَ الْأَعْرَابُ إِلَى عَسْكَرِ أَحْمَدَ لِيَنْهَبُوهُ، فَعَطَفَ عَلَيْهِمْ لُؤْلُؤٌ وَأَصْحَابُهُ، فَانْهَزَمُوا، فَبَلَغَتْ هَزِيمَتُهُمْ قَرْقِيسِيَا، ثُمَّ سَارُوا إِلَى بَغْدَاذَ وَسَامَرَّا.
وَقَدْ ذَكَرْتُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الَّذِي أَسَرَ مُوسَى غَيْرُ لُؤْلُؤٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مُؤَرِّخُو مِصْرَ.
وَفِيهَا كَانَتْ بَيْنَ (أَحْمَدَ بْنِ) عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَبَكْتِمُرَ (وَقْعَةٌ، فَانْهَزَمَ بَكْتِمُرُ) ، وَسَارَ إِلَى بَغْدَاذَ.
وَفِيهَا أَوْقَعَ الْخُجُسْتَانِيُّ بِالْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ بِجُرْجَانَ، وَهُوَ غَارٌّ، فَلَحِقَ بِآمُلَ، وَغَلَبَ الْخُجُسْتَانِيُّ عَلَى جُرْجَانَ وَأَطْرَافِ طَبَرِسْتَانَ، فَكَانَ الْحَسَنُ لَمَّا سَارَ عَنْ طَبَرِسْتَانَ إِلَى جُرْجَانَ اسْتَخْلَفَ بِسَارِيَةَ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُسَيْنٍ الْأَصْغَرَ الْعَقِيقِيَّ، فَلَمَّا انْهَزَمَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ أَظْهَرَ الْعَقِيقَيُّ بِسَارِيَةَ أَنَّهُ قُتِلَ، وَدَعَا إِلَى الْبَيْعَةِ لِنَفْسِهِ، فَبَايَعَهُ قَوْمٌ، وَوَافَاهُ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، فَحَارَبَهُ، ثُمَّ ظَفِرَ بِهِ فَقَتَلَهُ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ الْخُجُسْتَانِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ انْهَزَمَ فِيهَا عَمْرٌو، وَدَخَلَ الْخُجُسْتَانِيُّ نَيْسَابُورَ، أَخْرَجَ مِنْهَا عَامِلَ عَمْرٍو، وَمَنْ كَانَ يَمِيلُ إِلَيْهِ.
(وَفِيهَا كَانَتْ فِتْنَةٌ بِالْمَدِينَةِ وَنَوَاحِيهَا بَيْنَ الْعَلَوِيِّينَ وَالْجَعْفَرِيَّةِ) .
وَفِيهَا وَثَبَ الْأَعْرَابُ عَلَى كُسْوَةِ الْكَعْبَةِ فَانْتَهَبُوهَا، وَصَارَ بَعْضُهَا إِلَى صَاحِبِ الزَّنْجِ، وَأَصَابَ الْحُجَّاجَ فِيهَا شِدَّةٌ شَدِيدَةٌ.
стр. 3317
وَفِيهَا خَرَجَتِ الرُّومُ عَلَى دِيَارِ الرُّومِ عَلَى دِيَارِ رَبِيعَةَ، فَاسْتَنْفَرَ النَّاسَ، فَنَفَرُوا فِي بَرْدٍ شَدِيدٍ لَا يُمْكِنُ فِيهِ دُخُولُ الدَّرْبِ.
وَفِيهَا غَزَا سِيمَا خَلِيفَةُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ عَلَى الثُّغُورِ الشَّامِيَّةِ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ طَرَسُوسَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ مِنْ بِلَادِ هَرْقَلَةَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْعَدُوِّ، أُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَمَاعَةٌ.
وَفِيهَا كَانَتْ بِمَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، حَرْبٌ بَيْنَ الْعَلَوِيِّينَ وَالْجَعْفَرِيِّينَ، وَغَلَا السِّعْرُ بِهَا حَتَّى تَعَذَّرَتِ الْأَقْوَاتُ، وَعَمَّ الْغَلَاءُ سَائِرَ الْبِلَادِ مِنَ الْحِجَازِ، وَالْعِرَاقِ، وَالْمَوْصِلِ، وَالْجَزِيرَةِ، وَالشَّامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغِ الشِّدَّةَ الَّتِي بِالْمَدِينَةِ.
وَفِيهَا كَانَ النَّاسُ فِي الْبِلَادِ الَّتِي تَحْتَ حُكْمِ الْخَلِيفَةِ جَمِيعِهَا فِي شِدَّةٍ عَظِيمَةٍ بِتَغَلُّبِ الْقُوَّادِ (وَأُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ عَلَى الْأَمْرِ) ، وَقِلَّةِ الْمُرَاقَبَةِ وَالْأَمْنِ مِنْ إِنْكَارِ مَا يَأْتُونَهُ وَيَفْعَلُونَهُ، لِاشْتِغَالِ الْمُوَفَّقِ بِقِتَالِ صَاحِبِ الزَّنْجِ، وَلِعَجْزِ الْخَلِيفَةِ الْمُعْتَمِدِ، وَاشْتِغَالِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَفِيهَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فِي تِشْرِينَ الثَّانِي، ثُمَّ اشْتَدَّ فِيهِ الْبَرْدُ حَتَّى جَمُدَ الْمَاءُ.
وَفِيهَا قَدِمَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّاجِ مَكَّةَ، فَحَارَبَهُ الْمَخْزُومِيُّ، فَهَزَمَهُ مُحَمَّدٌ، وَاسْتَبَاحَ مَالَهُ، وَذَلِكَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ.
وَفِيهَا سَارَ كَيْغَلَغُ إِلَى الْجَبَلِ وَبَكْتِمُرُ رَاجِعًا إِلَى الدِّينَوَرِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُوسَى الْهَاشِمِيُّ.
стр. 3318
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ أَبُو بَكْرٍ الثَّلْجِيُّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ اللُّؤْلُئِيِّ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ.
الثَّلْجِيُّ بِالثَّاءِ الْمُعْجَمَةِ بِثَلَاثٍ وَالْجِيمِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ.
стр. 3319
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ]
٢٦٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
ذِكْرُ أَخْبَارِ الزَّنْجِ
وَفِيهَا غَلَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْمُوَفَّقِ عَلَى عَامَّةِ مَا كَانَ بِيَدِ سُلَيْمَانَ بْنِ جَامِعٍ، وَالزَّنْجِ مِنْ أَعْمَالِ دِجْلَةَ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ هَذَا هُوَ الَّذِي صَارَ خَلِيفَةً بَعْدَ الْمُعْتَمِدِ، فَلُقِّبَ الْمُعْتَضِدَ بِاللَّهِ.
وَكَانَ سَبَبُ مَسِيرِهِ أَنَّ الزَّنْجَ لَمَّا دَخَلُوا وَاسِطَ، وَعَمِلُوا بِأَهْلِهَا مَا ذَكَرْنَا، بَلَغَ ذَلِكَ الْمُوَفَّقَ، فَأَمَرَهُ ابْنُهُ بِتَعْجِيلِ الْمَسِيرِ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَيْهِمْ، فَسَارَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَشَيَّعَهُ أَبُوهُ، وَسَيَّرَ مَعَهُ عَشَرَةَ آلَافٍ مِنَ الرَّجَّالَةِ وَالْخَيَّالَةِ فِي الْعُدَّةِ الْكَامِلَةِ، أَخَذَ مَعَهُ الشَّذَوَاتِ، وَالسُّمَيْرِيَّاتِ، وَالْمَعَابِرَ لِلرَّجَّالَةِ، فَسَارَ حَتَّى وَافَى دَيْرَ الْعَاقُولِ.
وَكَانَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ فِي الشَّذَوَاتِ نُصَيْرٌ، الْمَعْرُوفُ بِأَبِي حَمْزَةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ نُصَيْرٌ يُخْبِرُهُ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ جَامِعٍ قَدْ وَافَى بِخَيْلِهِ وَرَجْلِهِ فِي شَذَوَاتٍ وَسُمَيْرِيَّاتٍ، وَالْجُبَّائِيُّ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ، حَتَّى نَزَلَ الْجَزِيرَةَ بِحَضْرَةِ بَرْدَرُويَا، وَأَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى الشَّعْرَانِيَّ قَدْ وَافَى (مَعْرَابَانَ بِخَيْلِهِ وَرَجْلِهِ فِي سُمَيْرِيَّاتٍ، فَرَكِبَ أَبُو الْعَبَّاسِ حَتَّى وَافَى) الصِّلْحَ، وَوَجَّهَ طَلَائِعَهُ لِيَعْرِفَ أَخْبَارَهُمْ، فَعَادُوا وَأَعْلَمُوهُ بِمُوَافَاةِ الزَّنْجِ وَجَيْشِهِمْ، وَأَنَّ أَوَّلَهُمْ بِالصِّلْحِ، وَآخِرَهُمْ بِبُسْتَانِ مُوسَى بْنِ بُغَا، أَسْفَلَ وَاسِطَ.
وَكَانَ سَبَبُ جَمْعِ الزَّنْجِ وَحَشْدِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ فَتًى حَدَثٌ، غِرٌّ
стр. 3320
بِالْحَرْبِ، وَالرَّأْيُ لَنَا أَنْ نَرْمِيَهُ بِحَدِّنَا كُلِّهِ، وَنَجْبَهَهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ نَلْقَاهُ فِي إِزَالَتِهِ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ يَرُوعُهُ فَيَنْصَرِفُ عَنَّا، فَجَمَعُوا، وَحَشَدُوا، فَلَمَّا عَلِمَ أَبُو الْعَبَّاسِ قُرْبَهُمْ عَدَلَ عَنْ سُنَنِ الطَّرِيقِ، اعْتَرَضَ فِي مَسِيرِهِ، وَلَقِيَ أَصْحَابُهُ أَوَائِلَ الزَّنْجِ، فَتَطَارَدُوا لَهُمْ، حَتَّى طَمِعُوا فِيهِمْ، وَاغْتَرُّوا وَاتَّبَعُوهُمْ، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: اطْلُبُوا أَمِيرًا لِلْحَرْبِ، فَإِنَّ أَمِيرَكُمْ قَدِ اشْتَغَلَ بِالصَّيْدِ.
فَلَمَّا قَرُبُوا مِنْهُ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْخَيْلِ وَالرَّجْلِ، وَصَاحَ بِنُصَيْرٍ:
إِلَى أَيْنَ تَتَأَخَّرُ عَنْ هَذِهِ الْأَكْلُبِ! فَرَجَعَ نُصَيْرٌ، وَرَكِبَ أَبُو الْعَبَّاسِ سُمَيْرِيَّةً وَحَفَّ بِهِ أَصْحَابُهُ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، فَانْهَزَمَتِ الزَّنْجُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَتَبِعُوهُمْ إِلَى أَنْ وَصَلُوا قَرْيَةَ عَبْدِ اللَّهِ، وَهِيَ سِتَّةُ فَرَاسِخَ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي لَقُوهُمْ بِهِ، وَأَخَذُوا مِنْهُمْ خَمْسَ شَذَوَاتٍ، وَعِدَّةَ سُمَيْرِيَّاتٍ، وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ، وَاسْتَأْمَنَ جَمَاعَةٌ، فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ الْفَتْحِ، فَسَارَ سُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ إِلَى نَهْرِ الْأَمِيرِ، وَسَارَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الشَّعْرَانِيُّ إِلَى سُوقِ الْخَمِيسِ، وَانْحَدَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ فَأَقَامَ بِالْعُمْرِ وَهُوَ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ وَاسِطَ، وَأَصْلَحَ شَذَوَاتِهِ، وَجَعَلَ يُرَاوِحُ الْقَوْمَ الْقِتَالَ وَيُغَادِيهِمْ.
ثُمَّ إِنَّ سُلَيْمَانَ اسْتَعَدَّ وَحَشَدَ، وَجَعَلَ أَصْحَابَهُ فِي ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، وَقَالُوا: إِنَّهُ حَدَثٌ، غِرٌّ يُغَرِّرُ بِنَفْسِهِ، وَكَمَّنُوا كُمَنَاءَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَا الْعَبَّاسِ، فَحَذِرُوا وَأَقْبَلُوا وَقَدْ كَمَّنُوا الْكُمَنَاءَ لِيَغْتَرَّ بِاتِّبَاعِهِمْ فَيَخْرُجَ الْكَمِينُ عَلَيْهِ، فَمَنَعَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَصْحَابَهُ أَنْ يَتَّبِعُوهُمْ، فَلَمَّا عَلِمُوا أَنَّ كَيْدَهُمْ لَمْ يَتِمَّ خَرَجَ سُلَيْمَانُ فِي الشَّذَوَاتِ وَالسُّمَيْرِيَّاتِ، فَأَمَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ نُصَيْرًا أَنْ يَبْرُزَ إِلَيْهِمْ، وَرَكِبَ هُوَ شَذَاةً مِنْ شَذَوَاتِهِ سَمَّاهَا الْغَزَالَ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ خَاصَّتِهِ، وَأَمَرَ الْخَيَّالَةَ بِالْمَسِيرِ بِإِزَائِهِ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ إِلَى أَنْ يَنْقَطِعَ، فَعَبَّرُوا دَوَابَّهُمْ، وَنَشِبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَوَقَعَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى الزَّنْجِ، وَغَنِمَ أَبُو الْعَبَّاسِ مِنْهُمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شَذَاةً، وَأَفْلَتَ سُلَيْمَانُ وَالْجُبَّائِيُّ بَعْدَ أَنْ أَشْفَيَا عَلَى الْهَلَاكِ، وَبَلَغُوا طَهْثَا، وَأَسْلَمُوا مَا كَانَ مَعَهُمْ.
وَرَجَعَ أَبُو الْعَبَّاسِ إِلَى مُعَسْكَرِهِ، وَأَمَرَ بِإِصْلَاحِ مَا أُخِذَ مِنْهُمْ مِنَ الشَّذَوَاتِ وَالسُّمَيْرِيَّاتِ، وَأَقَامَ الزَّنْجُ عِشْرِينَ يَوْمًا لَا يَظْهَرُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَجَعَلُوا عَلَى طَرِيقِ الْخَيْلِ آبَارًا، وَجَعَلُوا فِيهَا سَفَافِيدَ حَدِيدَ، وَجَعَلُوا عَلَى رُءُوسِهَا الْبَوَارِيَ وَالتُّرَابَ لِيَسْقُطَ فِيهَا
стр. 3321
الْمُجْتَازُونَ، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ سَقَطَ فِيهَا رَجُلٌ مِنَ الْفَرَاغِنَةِ، فَفَطِنُوا لَهَا، وَتَرَكُوا ذَلِكَ الطَّرِيقَ.
وَاسْتَمَدَّ سُلَيْمَانُ صَاحِبَ الزَّنْجِ، فَأَمَدَّهُ بِأَرْبَعِينَ سُمَيْرِيَّةٍ بِآلَاتِهَا وَمُقَاتِلَتِهَا، فَعَادُوا لِلتَّعَرُّضِ لِلْحَرْبِ، فَلَمْ يَكُونُوا يَثْبُتُوا لِأَبِي الْعَبَّاسِ ; ثُمَّ سَيَّرَ إِلَيْهِمْ عِدَّةَ سُمَيْرِيَّاتٍ، فَأَخَذَهَا الزَّنْجُ، فَبَلَغَهُ الْخَبَرُ وَهُوَ يَتَغَدَّى، فَرَكِبَ فِي سُمَيْرِيَّةٍ، وَلَمْ يَنْتَظِرْ أَصْحَابَهُ، وَتَبِعَهُ مِنْهُمْ مَنْ خَفَّ، فَأَدْرَكَ الزَّنْجَ، فَانْهَزَمُوا وَأَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ فِي الْمَاءِ، فَاسْتَنْقَذَ سُمَيْرِيَّاتِهِ وَمَنْ كَانَ فِيهَا، وَأَخَذَ مِنْهُمْ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سُمَيْرِيَّةً، وَرَمَى أَبُو الْعَبَّاسِ يَوْمَئِذٍ، عَنْ قَوْسٍ حَتَّى دَمِيَتْ إِبْهَامُهُ، فَلَمَّا رَجَعَ أَمَرَ لِمَنْ مَعَهُ بِالْخِلَعِ، وَأَمَرَ بِإِصْلَاحِ السُّمَيْرِيَّاتِ الْمَأْخُوذَةِ مِنَ الزَّنْجِ.
ثُمَّ إِنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ رَأَى أَنْ يَتَوَغَّلَ [فِي] مَازَرْوَانَ حَتَّى يَصِيرَ إِلَى الْحَجَّاجِيَّةِ (وَنَهْرِ الْأَمِيرِ) ، وَيَعْرِفَ مَا هُنَاكَ، فَقَدَّمَ نُصَيْرًا فِي أَوَّلِ السُّمَيْرِيَّاتِ وَرَكِبَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي سُمَيْرِيَّةٍ وَمَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، وَدَخَلَ مَازَرْوَانَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ نُصَيْرًا أَمَامَهُ، فَلَمْ يَقِفْ لَهُ عَلَى خَبَرٍ، وَكَانَ قَدْ سَارَ عَلَى غَيْرِ طَرِيقِ أَبِي الْعَبَّاسِ، وَخَرَجَ مَنْ مَعَ أَبِي الْعَبَّاسِ مِنَ الْمَلَّاحِينَ إِلَى غَنَمٍ رَأَوْهَا لِيَأْخُذُوهَا، فَبَقِيَ هُوَ وَمُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، فَأَتَاهُمَا جَمْعٌ مِنَ الزَّنْجِ مِنْ جَانِبَيِ النَّهْرِ، فَقَاتَلَهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ بِالنُّشَّابِ، وَوَافَاهُ زَيْرَكُ فِي بَاقِي الشَّذَوَاتِ، فَسَلَّمَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَعَادَ عَسْكَرُهُ.
وَرَجَعَ نُصَيْرٌ وَجَمَعَ سُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ أَصْحَابَهُ وَتَحَصَّنَ بِطَهْثَا، وَتَحَصَّنَ الشَّعْرَانِيُّ وَأَصْحَابُهُ بِسُوقِ الْخَمِيسِ، وَجَعَلُوا الْغَلَّاتِ إِلَيْهَا، وَكَذَلِكَ اجْتَمَعَ بِالصِّينِيَّةِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمَسِيرِ فِي الْبَرِّ، وَإِذَا عَرَضَ لَهُمْ نَهْرٌ عَبَرُوهُ، وَرَكِبَ هُوَ فِي الشَّذَوَاتِ وَالسُّمَيْرِيَّاتِ، فَلَمَّا أَبْصَرَتِ الزَّنْجُ الْخَيْلَ خَافُوا، وَلَجَئُوا إِلَى الْمَاءِ وَالسُّفُنِ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ وَافَتْهُمُ الشَّذَا مَعَ أَبِي الْعَبَّاسِ، فَلَمْ يَجِدُوا مَلْجَأً، فَاسْتَسْلَمُوا، فَقُتِلَ مِنْهُمْ فَرِيقٌ، وَأُسِرَ فَرِيقٌ، أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ فَرِيقٌ، أَخَذَ أَصْحَابُ أَبِي الْعَبَّاسِ سُفُنَهُمْ وَهِيَ مَمْلُوءَةٌ أُرْزًا، أَخَذَ الصِّينِيَّةَ، وَأَزَاحَ الزَّنْجَ عَنْهَا، فَانْحَازُوا إِلَى طَهْثَا وَسُوقِ الْخَمِيسِ.
وَكَانَ قَدْ رَأَى أَبُو الْعَبَّاسِ كُرْكِيًّا، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ، فَسَقَطَ فِي عَسْكَرِ الزَّنْجِ،
стр. 3322
(فَعَرَفَ الزَّنْجُ السَّهْمَ) فَزَادَ ذَلِكَ فِي خَوْفِهِمْ، وَرَجَعَ أَبُو الْعَبَّاسِ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَقَدْ فَتَحَ الصِّينِيَّةَ.
وَبَلَغَهُ أَنَّ جَيْشًا عَظِيمًا لِلزَّنْجِ مَعَ ثَابِتِ بْنِ أَبِي دُلَفَ وَلُؤْلُؤٍ الزَّنْجِيَّيْنِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، وَأَوْقَعَ بِهِمْ وَقْعَةً عَظِيمَةً وَقْتَ السَّحَرِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، مِنْهُمْ لُؤْلُؤٌ، وَأَسَرَ ثَابِتًا، فَمَنَّ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهُ مَعَ بَعْضِ قُوَّادِهِ، وَاسْتَنْقَذَ مِنَ النِّسَاءِ خَلْقًا كَثِيرًا، فَأَمَرَ بِإِطْلَاقِهِنَّ وَرَدِّهِنَّ إِلَى أَهْلِهِنَّ، أَخَذَ كُلَّ مَا كَانَ الزَّنْجُ جَمَعُوهُ، أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَسْتَرِيحُوا لِلْمَسِيرِ إِلَى سُوقِ الْخَمِيسِ، وَأَمَرَ نُصَيْرًا بِتَعْبِئَةِ أَصْحَابِهِ لِلْمَسِيرِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ نَهَرَ سُوقِ الْخَمِيسِ ضَيِّقٌ، فَأَقِمْ أَنْتَ وَنَسِيرُ نَحْنُ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ: إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلَا تُكْثِرْ مِنَ الشَّذَا، وَلَا مِنَ الرِّحَالِ، فَإِنَّ النَّهْرَ ضَيِّقٌ.
فَسَارَ إِلَيْهِ، وَنُصَيْرٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، إِلَى فَمِ نَهْرِ مُسَاوِرٍ، فَوَقَفَ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَتَقَدَّمَهُ نُصَيْرٌ فِي خَمْسَ عَشْرَةَ شَذَاةً فِي نَهْرِ بَرَاطِقَ، وَهُوَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى مَدِينَةِ الشَّعْرَانِيِّ الَّتِي سَمَّاهَا الْمَنِيعَةَ فِي سُوقِ الْخَمِيسِ، فَلَمَّا غَابَ عَنْهُ نُصَيْرٌ خَرَجَ جَمَاعَةٌ فِي الْبَرِّ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ، فَمَنَعُوهُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى الظُّهْرِ، وَخَفِيَ عَلَيْهِ خَبَرُ نُصَيْرٍ، وَجَعَلَ الزَّنْجُ يَقُولُونَ: قَدْ قَتَلْنَا نُصَيْرًا.
وَاغْتَمَّ أَبُو الْعَبَّاسِ لِذَلِكَ، وَأَمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ شُعَيْبٍ بِتَعَرُّفِ خَبَرِهِ، فَسَارَ، فَرَآهُ عِنْدَ عَسْكَرِ الزَّنْجِ وَأَحْرَقَهُ وَأَضْرَمَ النَّارَ فِي مَدِينَتِهِمْ، وَهُوَ يُقَاتِلُهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، فَعَادَ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ فَأَخْبَرَهُ، فَسُرَّ بِذَلِكَ.
وَأَسَرَ نُصَيْرٌ مِنَ الزَّنْجِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً، وَرَجَعَ حَتَّى وَافَى أَبَا الْعَبَّاسِ فَأَخْبَرَهُ، وَوَقَفَ أَبُو الْعَبَّاسِ يُقَاتِلُهُمْ، فَرَجَعُوا عَنْهُ، وَكَمَّنَ بَعْضَ شَذَوَاتِهِ، وَأَمَرَ أَنْ يُظْهِرَ وَاحِدَةً مِنْهَا، فَطَمِعُوا فِيهَا وَتَبِعُوهَا حَتَّى أَدْرَكُوهَا فَعَلِقُوا بِسُكَّانِهَا، فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمُ السُّفُنُ الْمُكَمَّنَةُ وَفِيهَا أَبُو الْعَبَّاسِ، فَانْهَزَمَ الزَّنْجُ، وَغَنِمَ أَبُو الْعَبَّاسِ مِنْهُمْ سِتَّ سُمَيْرِيَّاتٍ، وَانْهَزَمُوا لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ، وَرَجَعَ إِلَى عَسْكَرِهِ سَالِمًا، وَخَلَعَ عَلَى الْمَلَّاحِينَ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ.
стр. 3323
ذِكْرُ وُصُولِ الْمُوَفَّقِ إِلَى قِتَالِ الزَّنْجِ وَفَتْحِ الْمَنِيعَةِ
وَفِيهَا، فِي صَفَرٍ، سَارَ الْمُوَفَّقُ عَنْ بَغْدَاذَ إِلَى وَاسِطَ لِحَرْبِ الزَّنْجِ، وَكَانَ سَبَبُ تَأَخُّرِهِ عَنِ ابْنِهِ أَبِي الْعَبَّاسِ هَذِهِ أَنَّهُ [كَانَ] يَجْمَعُ وَيَحْشِدُ الْفُرْسَانَ وَالرَّجَّالَةَ، وَيَسْتَكْثِرُ مِنَ الْعُدَّةِ الَّتِي يَقْوَى بِهَا عَلَى حَرْبِ الزَّنْجِ، وَيَسُدُّ الْجِهَاتِ الَّتِي يَخَافُ فِيهَا لِئَلَّا يَبْقَى لَهُ مَا يَشْغَلُ قَلْبَهُ.
إِلَّا أَنَّ الْخَبِيثَ رَئِيسَ الزَّنْجِ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ الْمُهَلَّبِيِّ يَأْمُرُهُ بِالِاجْتِمَاعِ مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ جَامِعٍ عَلَى حَرْبِ أَبِي الْعَبَّاسِ، فَخَافَ وَهْنًا يَتَطَرَّقُ إِلَى ابْنِهِ أَبِي الْعَبَّاسِ، فَسَارَ عَنْ بَغْدَاذَ فِي صَفَرٍ، فَوَصَلَ إِلَى وَاسِطَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَلَقِيَهُ ابْنُهُ وَأَخْبَرَهُ بِحَالِ جُنْدِهِ وَقُوَّادِهِ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، وَرَجَعَ أَبُو الْعَبَّاسِ إِلَى مُعَسْكَرِهِ بِالْعُمْرِ، ثُمَّ نَزَلَ الْمُوَفَّقُ عَلَى نَهْرِ شَدَّادٍ بِإِزَاءِ قَرْيَةِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى مُعَسْكَرِهِ بِالْعُمْرِ، ثُمَّ نَزَلَ الْمُوَفَّقُ عَلَى نَهْرِ شَدَّادٍ، وَأَمَرَ ابْنَهُ فَنَزَلَ شَرْقِيَّ دِجْلَةَ بِإِزَاءِ فُوَّهَةِ بَرْدُودَا، وَوَلَّاهُ مُقَدِّمَتَهُ، وَأَعْطَى الْجَيْشَ أَرْزَاقَهُمْ، وَأَمَرَ ابْنَهُ أَنْ يَسِيرَ بِمَا مَعَهُ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ إِلَى فُوَّهَةِ نَهْرِ مُسَاوِرٍ، فَرَحَلَ فِي نُخْبَةِ أَصْحَابِهِ، وَرَحَلَ الْمُوَفَّقُ بَعْدَهُ، فَنَزَلَ فُوَّهَةَ نَهْرِ مُسَاوِرٍ فَأَقَامَ يَوْمَيْنِ.
ثُمَّ رَحَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ الَّتِي سَمَّاهَا صَاحِبُ الزَّنْجِ الْمَنِيعَةَ مِنْ سُوقِ الْخَمِيسِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءَ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَسَلَكَ بِالسُّفُنِ فِي نَهْرِ مُسَاوِرٍ، وَسَارَتِ الْخَيْلُ بِإِزَائِهِ شَرْقِيَّ نَهْرِ مُسَاوِرٍ، حَتَّى جَازُوا بَرَاطِقَ الَّذِي يُوصِلُ إِلَى الْمَنِيعَةِ، وَأَمَرَ بِتَعْبِيرِ الْخَيْلِ، وَتَصْيِيرِهَا مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَأَمَرَ ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ بِالتَّقَدُّمِ بِالشَّذَا بِعَامَّةِ الْجَيْشِ، فَفَعَلَ، فَلَقِيَهُ الزَّنْجُ، فَحَارَبُوهُ حَرْبًا شَدِيدَةً، وَوَافَاهُمْ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوَفَّقُ، وَالْخَيْلُ مِنْ جَانِبَيِ النَّهْرِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ انْهَزَمُوا وَتَفَرَّقُوا وَعَلَا أَصْحَابُ أَبِي الْعَبَّاسِ السُّورَ، وَوَضَعُوا السُّيُوفَ فِيمَنْ لَقِيَهُمْ، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ فَقَتَلُوا فِيهَا خَلْقًا كَثِيرًا، أَسَرُوا عَالَمًا عَظِيمًا، وَغَنِمُوا مَا كَانَ فِيهَا، وَهَرَبَ الشَّعْرَانِيُّ وَمَنْ مَعَهُ، وَتَبِعَهُ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ إِلَى الْبَطَائِحِ، فَغَرِقَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَلَجَأَ الْبَاقُونَ إِلَى الْآجَامِ.
стр. 3324
وَرَجَعَ أَبُو أَحْمَدَ إِلَى مُعَسْكَرِهِ مِنْ يَوْمِهِ، وَقَدِ اسْتَنْقَذَ مِنَ الْمُسْلِمَاتِ زُهَاءَ خَمْسَةِ آلَافِ امْرَأَةٍ سِوَى مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنَ الزَّنْجِيَّاتِ، وَأَمَرَ أَبُو أَحْمَدَ بِحِفْظِ النِّسَاءِ وَحَمْلِهِنَّ إِلَى وَاسِطَ لِيُدْفَعْنَ إِلَى أَهْلِهِنَّ، ثُمَّ بَكَّرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَمَرَ النَّاسَ بِأَخْذِ مَا فِيهِ فَأُخِذَ جَمِيعُهُ، وَأَمَرَ بِهَدْمِ سُورِهَا، وَطَمِّ خَنْدَقِهَا، وَإِحْرَاقِ مَا بَقِيَ فِيهَا مِنَ السُّفُنِ، وَأَخَذُوا مِنَ الطَّعَامِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْأُرْزِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ بِبَيْعِ ذَلِكَ وَصَرْفِهِ إِلَى الْجُنْدِ.
وَلَمَّا انْهَزَمَ سُلَيْمَانُ لَحِقَ بِالْمَرَازِ، وَكَتَبَ إِلَى الْخَائِنِ، صَاحِبِ الزَّنْجِ بِذَلِكَ، فَوَرَدَ الْكِتَابُ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَحَدَّثُ، فَانْحَلَّ بَطْنُهُ، فَقَامَ إِلَى الْخَلَاءِ دَفَعَاتٍ، وَكَتَبَ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ جَامِعٍ يُحَذِّرُهُ مِثْلَ الَّذِي نَزَلَ بِالشَّعْرَانِيِّ، وَيَأْمُرُهُ بِالتَّيَقُّظِ.
وَأَقَامَ الْمُوَفَّقُ بِنَهْرِ مُسَاوِرٍ يَوْمَيْنِ يَتَعَرَّفُ أَخْبَارَ الشَّعَرْانِيِّ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ جَامِعٍ، فَأَتَاهُ مَنْ أَخْبَرَهُ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ جَامِعٍ بِالْجَوَانِيتِ، فَسَارَ حَتَّى وَافَى الصِّينِيَّةَ، وَأَمَرَ ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ بِالتَّقَدُّمِ بِالشَّذَا وَالسُّمَيْرِيَّاتِ إِلَى الْجَوَانِيتِ مُخْتَفِيًا، فَسَارَ أَبُو الْعَبَّاسِ إِلَيْهَا، فَلَمْ يَرَ سُلَيْمَانَ بِهَا، وَرَأَى هُنَاكَ جَمْعًا مِنَ الزَّنْجِ مَعَ قَائِدَيْنِ لَهُمْ خَلَّفَهُمْ سُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ هُنَاكَ لِحِفْظِ غَلَّاتٍ كَثِيرَةٍ لَهُمْ فِيهَا، فَحَارَبَهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَدَامَتِ الْحَرْبُ إِلَى أَنْ حَجَزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، وَاسَتَأْمَنَ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ رَجُلٌ، فَسَأَلَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ جَامِعٍ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ مُقِيمٌ بِطَهْثَا، بِمَدِينَتِهِ الَّتِي سَمَّاهَا الْمَنْصُورَةَ، فَعَادَ أَبُو الْعَبَّاسِ إِلَى أَبِيهِ بِالْخَبَرِ، فَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بَرْدُودَا، فَأَقَامَ بِهَا لِإِصْلَاحِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَاسْتَكْثَرَ مِنَ الْآلَاتِ الَّتِي يَسُدُّ بِهَا الْأَنْهَارَ، وَيُصْلِحُ بِهَا الطُّرُقَ لِلْخَيْلِ، وَخَلَّفَ بِبَرْدُودَا بُفْرَاجَ التُّرْكِيَّ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ الْمُوَفَّقِ عَلَى طَهْثَا
لَمَّا فَرَغَ الْمُوَفَّقُ مِنَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ سَارَ عَنْ بَرْدُودَا إِلَى طَهْثَا لِعَشَرٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ مَسِيرُهُ عَلَى الظُّهْرِ فِي خَيْلِهِ، وَانْحَدَرَتِ السُّفُنُ وَالْآلَاتُ، فَنَزَلَ بِقَرْيَةِ الْجَوْزِيَّةِ، وَعَقَدَ جِسْرًا، ثُمَّ غَدَا فَعَبَّرَ خَيْلَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ عَبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ مُعَسْكَرًا عَلَى مِيلَيْنِ مِنْ طَهْثَا، فَأَقَامَ هُنَالِكَ يَوْمَيْنِ.
стр. 3325
وَمَطَرَتِ السَّمَاءُ مَطَرًا شَدِيدًا، فَشُغِلَ عَنِ الْقِتَالِ، ثُمَّ رَكِبَ لِيَنْظُرَ مَوْضِعًا لِلْحَرْبِ، فَانْتَهَى إِلَى قَرِيبٍ مِنْ سُورِ مَدِينَةِ سُلَيْمَانَ بِطَهْثَا، وَهِيَ الَّتِي سَمَّاهَا الْمَنْصُورُ، فَتَلَقَّاهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ كُمَنَاءُ مِنْ مَوَاضِعَ شَتَّى، وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ، وَتَرَجَّلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُرْسَانِ، وَقَاتَلُوا حَتَّى خَرَجُوا عَنِ الْمَضِيقِ الَّذِي كَانُوا فِيهِ، وَأَسَرُوا مِنْ غِلْمَانِ الْمُوَفَّقِ جَمَاعَةً.
وَرَمَى أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْمُوَفَّقِ أَحْمَدَ بْنَ هِنْدِيٍّ الْحَيَامِيَّ بِسَهْمٍ خَالَطَ دِمَاغَهُ، فَسَقَطَ وَحُمِلَ إِلَى الْعَلَوِيِّ، صَاحِبِ الزَّنْجِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ، فَحَضَرَهُ الْخَبِيثُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَعَظُمَتْ لَدَيْهِ الْمُصِيبَةُ بِمَوْتِهِ، إِذْ كَانَ أَعْظَمَ أَصْحَابِهِ (غَنَاءً عَنْهُ) .
وَانْصَرَفَ الْمُوَفَّقُ إِلَى عَسْكَرِهِ وَقْتَ الْمَغْرِبِ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّحَارُسِ لَيْلَتَهُمْ وَالتَّأَهُّبِ لِلْحَرْبِ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا، وَذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ، عَبَّأَ الْمُوَفَّقُ أَصْحَابَهُ، وَجَعَلَهُمْ كَتَائِبَ يَتْلُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فُرْسَانًا وَرَجَّالَةً، وَأَمَرَ بِالشَّذَا وَالسُّمَيْرِيَّاتِ أَنْ يُسَارَ بِهَا إِلَى النَّهْرِ الَّذِي يَشُقُّ مَدِينَةَ سُلَيْمَانَ، وَهُوَ النَّهْرُ الْمَعْرُوفُ بِنَهْرِ الْمُنْذِرِ، وَرَتَّبَ أَصْحَابَهُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَخَافُ مِنْهَا، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَابْتَهَلَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي النَّصْرِ، ثُمَّ لَبِسَ سِلَاحَهُ، وَأَمَرَ ابْنَهُ الْعَبَّاسَ أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَى السُّورِ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ، فَرَأَى خَنْدَقًا، فَأَحْجَمَ النَّاسُ عَنْهُ، فَحَرَّضَهُمْ قُوَّادُهُمْ وَتَرَجَّلُوا مَعَهُمْ، فَاقْتَحَمُوهُ وَعَبَرُوهُ، وَانْتَهَوْا إِلَى الزَّنْجِ وَهُمْ عَلَى سُورِهِمْ.
فَلَمَّا رَأَى الزَّنْجُ تَسَرُّعَهُمْ إِلَيْهِمْ وَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ، وَاتَّبَعَهُمْ أَصْحَابُ أَبِي الْعَبَّاسِ، فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ، وَكَانَ الزَّنْجُ قَدْ حَصَّنُوهَا بِخَمْسَةِ خَنَادِقَ، وَجَعَلُوا أَمَامَ كُلِّ خَنْدَقٍ سُورًا، فَجَعَلُوا يَقِفُونَ عِنْدَ كُلِّ سُورٍ وَخَنْدَقٍ، فَكَشَفَهُمْ أَصْحَابُ أَبِي الْعَبَّاسِ، وَدَخَلَتِ الشَّذَا وَالسُّمَيْرِيَّاتُ الْمَدِينَةَ مِنَ النَّهْرِ، فَجَعَلَتْ تُغْرِقُ كُلَّ مَا مَرَّتْ لَهُمْ بِهِ مِنْ سُمَيْرِيَّةٍ وَشَذَاةٍ، وَقَتَلُوا مَنْ بِجَانِبَيِ النَّهْرِ وَأَسَرُوا حَتَّى أَجْلَوْهُمْ عَنِ الْمَدِينَةِ وَعَمَّا اتَّصَلَ بِهَا، وَكَانَ مِقْدَارُ الْعِمَارَةِ فِيهَا فَرْسَخًا.
стр. 3326
وَحَوَى الْمُوَفَّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَأَفْلَتَ سُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ وَنَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ وَالْأَسْرُ، وَاسْتَنْقَذَ أَبُو أَحْمَدَ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ وَاسِطَ، وَالْكُوفَةِ، وَالْقُرَى، وَغَيْرِهَا، وَصِبْيَانِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا، فَأَمَرَ أَبُو أَحْمَدَ بِحَمْلِهِمْ إِلَى وَاسِطَ، وَدَفَعَهُمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ ; وَأَحَذَ مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الذَّخَائِرِ، وَالْأَمْوَالِ، وَأَمَرَ بِصَرْفِهِ إِلَى الْأَجْنَادِ، وَأَسَرَ مِنْ نِسَاءِ سُلَيْمَانَ وَأَوْلَادِهِ عِدَّةً، وَتَخَلَّصَ مَنْ كَانَ أُخِذَ مِنْ أَصْحَابِ الْمُوَفَّقِ، وَنَجَا جَمْعٌ كَثِيرٌ إِلَى الْآجَامِ فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِطَلَبِهِمْ، فَأَقَامَ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَهَدَمَ سُورَ الْمَدِينَةِ، وَطَمَّ خَنَادِقَهَا، وَجَعَلَ لِكُلِّ مَنْ أَتَاهُ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ جُعْلًا، فَكَانَ إِذَا أُتِيَ بِالْوَاحِدِ مِنْهُمْ عَفَا عَنْهُ وَضَمَّهُ إِلَى قُوَّادِهِ وَغِلْمَانِهِ، لِمَا كَانَ دَبَّرَهُ مِنَ اسْتِمَالَتِهِمْ.
وَأَرْسَلَ فِي طَلَبِ سُلَيْمَانَ بْنِ جَامِعٍ، حَتَّى بَلَغُوا دِجْلَةَ الْعَوْرَاءَ، فَلَمْ يَظْفَرُوا بِهِ، وَأَمَرَ زِيرَكَ بِالْمُقَامِ بِطَهَثَا لِيَتَرَاجَعَ إِلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ أَهْلُهَا وَيَأْمَنُوا.
ذِكْرُ مَسِيرِ الْمُوَفَّقِ إِلَى الْأَهْوَازَ وَإِجْلَاءِ الزِّنْجِ عَنْهَا
فَلَمَّا فَرَغَ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوَفَّقُ مِنَ الْمَنْصُورِ رَحَلَ نَحْوَ الْأَهْوَازِ لِإِصْلَاحِهَا وَإِجْلَاءِ الزَّنْجِ عَنْهَا، فَأَمَرَ ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ، فَأَمَرَ بِإِصْلَاحِ الطَّرِيقِ لِلْجُيُوشِ، اسْتَخْلَفَ عَلَى مَنْ تَرَكَ مِنْ عَسْكَرِهِ بِوَاسِطَ ابْنَهُ هَارُونَ، وَلَحِقَهُ زِيرَكُ فَأَخْبَرَهُ بِعَوْدِ أَهْلِ طَهْثَا إِلَيْهَا، وَأَمَّنَ النَّاسَ، فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ بِالِانْحِدَارِ فِي الشَّذَا وَالسُّمَيْرِيَّاتِ مَعَ نُصَيْرٍ، وَتَتَبُّعِ الْمُنْهَزِمِينَ، وَالْإِيقَاعِ بِهِمْ وَبِمَنْ ظَفِرُوا بِهِ مِنَ الزَّنْجِ، حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى مَدِينَةِ الْخَبِيثِ بِنَهْرِ أَبِي الْخَصِيبِ، وَسَارَ.
وَارْتَحَلَ الْمُوَفَّقُ مُسْتَهَلَّ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ وَاسِطَ حَتَّى أَتَى السُّوسَ، وَأَمَرَ مَسْرُورًا بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ، وَهُوَ عَامِلُهُ هُنَاكَ، فَأَتَاهُ.
وَكَانَ الْخَبِيثُ لَمَّا بَلَغَهُ مَا عَمِلَ الْمُوَفَّقُ بِسُلَيْمَانَ بْنِ جَامِعٍ وَالزَّنْجِ خَافَ أَنْ يَأْتِيَهُ وَهُوَ عَلَى حَالٍ تَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ عَنْهُ، وَكَتَبَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ، وَكَانَ بِالْأَهْوَازِ فِي
стр. 3327
ثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَتَرَكَ جَمِيعَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ طَعَامٍ وَدَوَابَّ وَأَغْنَامٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى الْكُرُنْبَائِيَّ، فَلَمْ يَقُمْ، وَاتَّبَعَ عَلِيًّا.
وَكَتَبَ صَاحِبُ الزَّنْجِ أَيْضًا إِلَى بَهْبُودَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَهُوَ بِالْفَنْدَمِ وَالْبَاسِيَانَ وَمَا اتَّصَلَ بِهِمَا، يَأْمُرُهُ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَتَرَكَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الذَّخَائِرِ، وَسَارَ نَحْوَهُ، فَحَوَى ذَلِكَ جَمِيعَهُ الْمُوَفَّقُ، وَقَوِيَ بِهِ عَلَى حَرْبِ الْخَبِيثِ.
وَلَمَّا سَارَ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ عَنِ الْأَهْوَازِ تَخَلَّفَ بِهَا جَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، زُهَاءَ أَلْفِ رَجُلٍ، فَأَرْسَلُوا إِلَى الْمُوَفَّقِ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ، فَقَدِمُوا عَلَيْهِ، فَأَجْرَى عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ، ثُمَّ رَحَلَ عَنِ السُّوسِ إِلَى جُنْدَيْسَابُورَ، وَتُسْتَرَ، وَجَبَى الْأَمْوَالَ، وَوَجَّهَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْكُرْدِيِّ، وَكَانَ خَائِفًا مِنْهُ، فَأَمَّنَهُ وَعَفَا عَنْهُ، فَطَلَبَ مِنْهُ الْأَمْوَالَ وَالْعَسَاكِرَ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ.
ثُمَّ رَحَلَ إِلَى عَسْكَرِ مُكْرَمٍ، وَوَافَى الْأَهْوَازَ، ثُمَّ رَحَلَ عَنْهَا إِلَى نَهْرِ الْمُبَارَكِ مِنْ فُرَاتِ الْبَصْرَةِ، وَكَتَبَ إِلَى ابْنِهِ هَارُونَ لِيُوَافِيَهُ بِجَمِيعِ الْجَيْشِ إِلَى نَهْرِ الْمُبَارَكِ، فَلَقِيَهُ الْجَيْشُ بِالْمُبَارَكِ مُنْتَصَفَ رَجَبٍ.
وَكَانَ زِيرَكُ، وَنُصَيْرُ لَمَّا خَلَّفَهُمَا الْمُوَفَّقُ لِيَتَتَبَّعَا الزَّنْجَ انْحَدَرَا حَتَّى وَافَيَا الْأُبُلَّةَ، فَأَسْتَأْمَنَ إِلَيْهِمَا رَجُلٌ أَخْبَرَهُمَا أَنَّ الْخَبِيثَ قَدْ أَنْفَذَ إِلَيْهِمَا عَدَدًا كَثِيرًا فِي الشَّذَا، وَالسُّمَيْرِيَّاتِ إِلَى دِجْلَةَ لِيَمْنَعَ عَنْهَا مَنْ يُرِيدُهَا، فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ عَسْكَرَ نُصَيْرٍ، وَكَانَ عَسْكَرُهُ بِنَهْرِ الْمَرْأَةِ، فَرَجَعَ نُصَيْرٌ إِلَى عَسْكَرِهِ مِنَ الْأُبُلَّةِ لَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ، وَسَارَ زِيرَكُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، لِأَنَّهُ قَدَّرَ أَنَّ الزَّنْجَ يَأْتُونَ عَسْكَرَ نُصَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ، فَكَانَ كَذَلِكَ، فَلَقِيَهُمْ فِي طَرِيقِهِمْ، فَظَفِرَ بِهِمْ، وَانْهَزَمُوا مِنْهُ، وَكَانُوا قَدْ جَعَلُوا كَمِينًا، فَدَلَّ زِيرَكُ عَلَيْهِ، فَتَوَغَّلَ حَتَّى أَتَاهُ فَقَتَلَ مِنَ الْكُمَنَاءِ جَمَاعَةً وَأَسَرَ جَمَاعَةً.
стр. 3328
وَكَانَ مِمَّنْ ظَفِرَ بِهِ مُقَدَّمُ الزَّنْجِ، وَهُوَ أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَصْرِيُّ وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ قُوَّادِهِمْ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ مَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِينَ سُمَيْرِيَّةٍ، فَجَزِعَ لِذَلِكَ جَمِيعُ الزَّنْجِ، فَأَسْتَأْمَنَ إِلَى نُصَيْرٍ مِنْهُمْ زُهَاءُ أَلْفَيْ رَجُلٍ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى الْمُوَفَّقِ، فَأَمَرَهُ بِقَبُولِهِمْ وَالْإِقْبَالِ إِلَيْهِ بِالنَّهْرِ الْمُبَارَكِ، فَوَافَاهُ هُنَاكَ.
وَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ بِالْمَسِيرِ إِلَى مُحَارَبَةِ الْعَلَوِيِّ بِنَهْرِ أَبِي الْخَصِيبِ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَحَارَبَ مِنْ بُكْرَةٍ إِلَى الظُّهْرِ، فَأَسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِ الْعَلَوِيِّ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَكَسَرَ ذَلِكَ الْخَبِيثُ، وَعَادَ أَبُو الْعَبَّاسِ بِالظَّفَرِ، وَكَتَبَ الْمُوَفَّقُ إِلَى الْعَلَوِيِّ كِتَابًا يَدْعُوهُ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا رَكِبَ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ، وَانْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ، وَإِخْرَابِ الْبُلْدَانِ، وَاسْتِحْلَالِ الْفُرُوجِ وَالْأَمْوَالِ، وَادِّعَاءِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَيَبْذُلُ لَهُ الْأَمَانَ، فَوَصَلَ الْكِتَابُ إِلَيْهِ، فَقَرَأَهُ، وَلَمْ يَكْتُبْ جَوَابَهُ.
ذِكْرُ مُحَاصَرَةِ مَدِينَةِ صَاحِبِ الزَّنْجِ
لَمَّا أَنْفَذَ الْمُوَفَقُّ الْكِتَابَ إِلَى الْعَلَوِيِّ، وَلَمْ يَرُدَّ جَوَابَهُ، عَرَضَ عَسْكَرَهُ، وَأَصْلَحَ آلَاتِهِ، وَرَتَّبَ قُوَّادَهُ، ثُمَّ سَارَ هُوَ وَابْنُهُ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ إِلَى مَدِينَةِ الْخَبِيثِ الَّتِي سَمَّاهَا الْمُخْتَارَةَ، وَأَشْرَفَ عَلَيْهَا، وَتَأَمَّلَهَا وَرَأَى حَصَانَتَهَا بِالْأَسْوَارِ وَالْخَنَادِقِ، وَغَوَّرَ الطَّرِيقَ إِلَيْهَا، وَمَا أُعِدَّ مِنَ الْمَجَانِيقِ وَالْعَرَّادَاتِ، وَالْقِسِيِّ، وَسَائِرِ الْآلَاتِ عَلَى سُورِهَا، مِمَّا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ لِمَنْ تَقَدَّمَ مِنْ مُنَازِعِي السُّلْطَانِ، وَرَأَى مِنْ كَثْرَةِ عَدَدِ الْمُقَاتِلَةِ مَا اسْتَعْظَمَهُ.
فَلَمَّا عَايَنَ الزَّنْجُ أَصْحَابَ الْمُوَفَّقِ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ حَتَّى ارْتَجَّتِ الْأَرْضُ، فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ ابْنَهُ بِالتَّقَدُّمِ إِلَى سُورِ الْمَدِينَةِ، وَالرَّمْيِ لِمَنْ عَلَيْهِ بِالسِّهَامِ، فَتَقَدَّمَ حَتَّى أَلْصَقَ شَذَوَاتِهِ بِمُسَنَّاةِ قَصْرِ الْخَبِيثِ، فَكَثُرَ الزَّنْجُ وَأَصْحَابُهُمْ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ وَمَنْ مَعَهُ، وَتَتَابَعَتْ سِهَامُهُمْ وَحِجَارَةُ مَجَانِيقِهِمْ وَمَقَالِيعِهِمْ، وَرَمَى عَوَامُّهُمْ بِالْحِجَارَةِ عَنْ أَيْدِيهِمْ، حَتَّى مَا يَقَعُ الطَّرَفُ إِلَّا عَلَى سَهْمٍ أَوْ حَجَرٍ.
وَثَبَتَ أَبُو الْعَبَّاسِ، فَرَأَى الْعَلَوِيُّ مِنْ صَبْرِهِ وَثَبَاتِ أَصْحَابِهِ مَا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ مِنْ أَحَدٍ
стр. 3329
[مِمَّنْ] حَارَبَهُمْ، ثُمَّ أَمَرَهُمُ الْمُوَفَّقُ بِالرُّجُوعِ فَفَعَلُوا، اسْتَأْمَنَ إِلَى الْمُوَفَّقِ مُقَاتِلَةٌ فِي سُمَيْرِيَّتَيْنِ، فَأَمَّنَهُمْ، فَخَلَعَ عَلَى مَنْ فِيهِمَا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ وَالْمَلَّاحِينَ عَلَى أَقْدَارِهِمْ وَوَصَلَهُمْ وَأَمَرَ بِإِدْنَائِهِمْ إِلَى مَوْضِعٍ يَرَاهُمْ فِيهِ نُظَرَاؤُهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَنْجَعِ الْمَكَايِدِ، فَلَمَّا رَآهُمُ الْبَاقُونَ رَغِبُوا فِي الْأَمَانِ، وَتَنَافَسُوا فِيهِ، وَابْتَدَرُوا إِلَيْهِ، فَصَارَ إِلَى الْمُوَفَّقِ عَدَدٌ كَثِيرٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ أَصْحَابِ السُّمَيْرِيَّاتِ، فَعَمَّهُمْ بِالْخِلَعِ وَالصِّلَاتِ.
فَلَمَّا رَأَى صَاحِبُ الزَّنْجِ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَدِّ أَصْحَابِهِ إِلَى السُّمَيْرِيَّاتِ إِلَى نَهْرِ أَبِي الْخَصِيبِ، وَوَكَّلَ بِفُوَّهَةِ النَّهْرِ مَنْ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْخُرُوجِ، وَأَمَرَ بَهْبُودَ، وَهُوَ مِنْ شَرِّ قُوَّادِهِ، أَنْ يَخْرُجَ فِي الشَّذَوَاتِ، فَخَرَجَ وَبَرَزَ إِلَيْهِ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي شَذَوَاتِهِ، وَقَاتَلَهُ، وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ، فَانْهَزَمَ بَهْبُودُ إِلَى فِنَاءِ قَصْرِ الْخَبِيثِ، وَأَصَابَتْهُ طَعْنَتَانِ، وَجُرِحَ بِالسِّهَامِ، وَأُوهِنَتْ أَعْضَاؤُهُ بِالْحِجَارَةِ، فَأَوْلَجُوهُ نَهْرَ أَبِي الْخَصِيبِ وَقَدْ أَشَفَى عَلَى الْمَوْتِ، فَقُتِلَ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ قَائِدٌ ذُو بَأْسٍ يُقَالُ لَهُ عَمِيرَةُ، وَظَفَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ بِشَذَاةٍ فَقَتَلَ أَهْلَهَا، وَرَجَعَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ سَالِمِينَ، فَاسْتَأْمَنَ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ أَهْلُ شَذَاةٍ مِنْهُمْ، فَأَمَّنَهُمْ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ.
وَرَجَعَ الْمُوَفَّقُ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى عَسْكَرِهِ بِالنَّهْرِ الْمُبَارَكِ، اسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَأَمَّنَهُمْ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ، وَوَصَلَهُمْ، وَأَثْبَتَ أَسْمَاءَهُمْ مَعَ أَبِي الْعَبَّاسِ، وَأَقَامَ عَسْكَرُهُ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ نَقَلَ عَسْكَرَهُ لَسِتٍّ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ إِلَى نَهْرِ جَطَّى فَنَزَلَهُ، وَأَقَامَ بِهِ إِلَى مُنْتَصَفِ شَعْبَانَ لَمْ يُقَاتِلْ.
ثُمَّ رَكِبَ مُنْتَصَفَ شَعْبَانَ فِي الْخَيْلِ وَالرِّجَالِ وَأَعَدَّ الشَّذَا وَالسُّمَيْرِيَّاتِ، وَكَانَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنْدِ وَالْمُتَطَوِّعَةِ زُهَاءَ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَكَانَ مَنْ مَعَ الْخَبِيثِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ، كُلُّهُمْ مِمَّنْ يُقَاتِلُ بِسَيْفٍ، أَوْ رُمْحٍ، أَوْ قَوْسٍ، أَوْ مِقْلَاعٍ، أَوْ مَنْجَنِيقٍ، وَأَضْعَفَهُمْ رُمَاةُ الْحِجَارَةِ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَهُمُ النَّظَّارَةُ، وَالنِّسَاءُ تُشْرِكُهُمْ فِي ذَلِكَ، فَأَقَامَ أَبُو أَحْمَدَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَنُودِيَ بِالْأَمَانِ لِلنَّاسِ كَافَّةً إِلَّا الْخَبِيثَ، وَكَتَبَ الْأَمَانَ فِي رِقَاعٍ، وَرَمَاهَا فِي السِّهَامِ، وَوَعَدَ فِيهَا الْإِحْسَانَ، فَمَالَتْ قُلُوبُ أَصْحَابِ الْخَبِيثِ، وَاسْتَأْمَنَ ذَلِكَ الْيَوْمَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَخَلَعَ عَلَيْهِمْ وَوَصَلَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَرْبٌ.
ثُمَّ رَحَلَ مِنْ نَهْرِ جَطَّى مِنَ الْغَدِ، فَعَسْكَرَ قُرْبَ مَدِينَةِ الْخَبِيثِ، وَرَتَّبَ قُوَّادَهُ
стр. 3330
وَأَجْنَادَهُ، وَعَيَّنَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مَوْضِعًا يُحَافِظُونَ عَلَيْهِ وَيَضْبُطُونَهُ، وَكَتَبَ الْمُوَفَّقُ إِلَى الْبِلَادِ فِي عَمَلِ السُّمَيْرِيَّاتِ، وَالشَّذَوَاتِ، وَالزَّوَارِيقِ، وَالْإِكْثَارِ مِنْهَا لِيَضْبُطَ بِهَا الْأَنْهَارَ، لِيَقْطَعَ الْمِيرَةَ عَنِ الْخَبِيثِ، وَأَسَّسَ فِي مَنْزِلَتِهِ مَدِينَةً سَمَّاهَا الْمُوَفَّقِيَّةَ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ فِي النَّوَاحِي بِحَمْلِ الْأَمْوَالِ وَالْمِيرَةِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إِلَى مَدِينَتِهِ، وَأَمَرَهِمْ بِإِنْفَاذِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْإِثْبَاتِ فِي الدِّيوَانِ، وَأَقَامَ يَنْتَظِرُ ذَلِكَ شَهْرًا، فَوَرَدَتْ عَلَيْهِ الْمِيرَةُ مُتَتَابِعَةً، وَجَهَّزَ التُّجَّارُ صُنُوفَ التِّجَارَاتِ إِلَى الْمُوَفَّقِيَّةِ، وَاتُّخِذَتْ فِيهَا الْأَسْوَاقُ، وَوَرَدَتْهَا مَرَاكِبُ الْبَحْرِ، وَبَنَى الْمُوَفَّقُ بِهَا الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصَّلَاةِ فِيهِ، فَجَمَعَتْ هَذِهِ الْمَدِينَةُ مِنَ الْمَرَافِقِ، وَسِيقَ إِلَيْهَا مِنْ صُنُوفِ الْأَشْيَاءِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي مِصْرَ مِنَ الْأَمْصَارِ الْقَدِيمَةِ وَحُمِلَتِ الْأَمْوَالُ، وَأُدِرَّتِ الْأَرْزَاقُ.
وَعَبَرَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الزَّنْجِ، فَنَهَبُوا أَطْرَافَ عَسْكَرِ نُصَيْرٍ، وَأَوْقَعُوا بِهِ، فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ نُصَيْرًا بِجَمْعِ عَسْكَرِهِ وَضَبْطِهِمْ، وَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ بِالْمَسِيرِ إِلَى طَائِفَةٍ مِنَ الزَّنْجِ كَانُوا خَارِجَ الْمَدِينَةِ، فَقَاتَلَهُمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَغَنِمَ مَا كَانَ مَعَهُمْ، فَصَارَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ فِي الْأَمَانِ، فَأَمَّنَهُمْ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ وَوَصَلَهُمْ، وَأَقَامَ أَبُو أَحْمَدَ يُكَايِدُ الْخَبِيثَ بِبَذْلِ الْأَمْوَالِ لِمَنْ صَارَ إِلَيْهِ، وَمُحَاصَرَةِ الْبَاقِينَ، وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ.
وَكَانَتْ قَافِلَةٌ قَدْ أَتَتْ مِنَ الْأَهْوَازِ، وَأَسْرَى إِلَيْهَا بَهْبُودُ فِي سُمَيْرِيَّاتٍ فَأَخَذَهَا، وَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُوَفَّقِ، وَغَرِمَ لِأَهْلِهَا مَا أُخِذَ مِنْهُمْ، وَأَمَرَ بِتَرْتِيبِ الشَّذَوَاتِ عَلَى مَخَارِجِ الْأَنْهَارِ، وَقَلَّدَ ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّذَا، وَحَفِظَ الْأَنْهَارَ بِهَا مِنَ الْبَحْرِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي هُمْ بِهِ.
وَفِي رَمَضَانَ عَبَرَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْخَبِيثِ يُرِيدُونَ الْإِيقَاعَ بِنُصَيْرٍ، (فَنَذَرَ بِهِمُ النَّاسُ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِمْ) فَرَدُّوهُمْ خَائِبِينَ، وَظَفِرُوا بِصَنْدَلٍ الزَّنْجِيِّ، كَانَ يَكْشِفُ رُءُوسَ الْمُسْلِمَاتِ، وَيُقَلِّبُهُنَّ تَقْلِيبَ الْإِمَاءِ، فَلَمَّا أُتِيَ بِهِ أَمَرَ الْمُوَفَّقُ أَنْ يُرْمَى بِالسِّهَامِ ثُمَّ قَتَلَهُ.
следующие страницы →