← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

وَحَوَى الْمُوَفَّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَأَفْلَتَ سُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ وَنَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ وَالْأَسْرُ، وَاسْتَنْقَذَ أَبُو أَحْمَدَ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ وَاسِطَ، وَالْكُوفَةِ، وَالْقُرَى، وَغَيْرِهَا، وَصِبْيَانِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا، فَأَمَرَ أَبُو أَحْمَدَ بِحَمْلِهِمْ إِلَى وَاسِطَ، وَدَفَعَهُمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ ; وَأَحَذَ مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الذَّخَائِرِ، وَالْأَمْوَالِ، وَأَمَرَ بِصَرْفِهِ إِلَى الْأَجْنَادِ، وَأَسَرَ مِنْ نِسَاءِ سُلَيْمَانَ وَأَوْلَادِهِ عِدَّةً، وَتَخَلَّصَ مَنْ كَانَ أُخِذَ مِنْ أَصْحَابِ الْمُوَفَّقِ، وَنَجَا جَمْعٌ كَثِيرٌ إِلَى الْآجَامِ فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِطَلَبِهِمْ، فَأَقَامَ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَهَدَمَ سُورَ الْمَدِينَةِ، وَطَمَّ خَنَادِقَهَا، وَجَعَلَ لِكُلِّ مَنْ أَتَاهُ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ جُعْلًا، فَكَانَ إِذَا أُتِيَ بِالْوَاحِدِ مِنْهُمْ عَفَا عَنْهُ وَضَمَّهُ إِلَى قُوَّادِهِ وَغِلْمَانِهِ، لِمَا كَانَ دَبَّرَهُ مِنَ اسْتِمَالَتِهِمْ. وَأَرْسَلَ فِي طَلَبِ سُلَيْمَانَ بْنِ جَامِعٍ، حَتَّى بَلَغُوا دِجْلَةَ الْعَوْرَاءَ، فَلَمْ يَظْفَرُوا بِهِ، وَأَمَرَ زِيرَكَ بِالْمُقَامِ بِطَهَثَا لِيَتَرَاجَعَ إِلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ أَهْلُهَا وَيَأْمَنُوا. ذِكْرُ مَسِيرِ الْمُوَفَّقِ إِلَى الْأَهْوَازَ وَإِجْلَاءِ الزِّنْجِ عَنْهَا فَلَمَّا فَرَغَ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوَفَّقُ مِنَ الْمَنْصُورِ رَحَلَ نَحْوَ الْأَهْوَازِ لِإِصْلَاحِهَا وَإِجْلَاءِ الزَّنْجِ عَنْهَا، فَأَمَرَ ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ، فَأَمَرَ بِإِصْلَاحِ الطَّرِيقِ لِلْجُيُوشِ، اسْتَخْلَفَ عَلَى مَنْ تَرَكَ مِنْ عَسْكَرِهِ بِوَاسِطَ ابْنَهُ هَارُونَ، وَلَحِقَهُ زِيرَكُ فَأَخْبَرَهُ بِعَوْدِ أَهْلِ طَهْثَا إِلَيْهَا، وَأَمَّنَ النَّاسَ، فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ بِالِانْحِدَارِ فِي الشَّذَا وَالسُّمَيْرِيَّاتِ مَعَ نُصَيْرٍ، وَتَتَبُّعِ الْمُنْهَزِمِينَ، وَالْإِيقَاعِ بِهِمْ وَبِمَنْ ظَفِرُوا بِهِ مِنَ الزَّنْجِ، حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى مَدِينَةِ الْخَبِيثِ بِنَهْرِ أَبِي الْخَصِيبِ، وَسَارَ. وَارْتَحَلَ الْمُوَفَّقُ مُسْتَهَلَّ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ وَاسِطَ حَتَّى أَتَى السُّوسَ، وَأَمَرَ مَسْرُورًا بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ، وَهُوَ عَامِلُهُ هُنَاكَ، فَأَتَاهُ. وَكَانَ الْخَبِيثُ لَمَّا بَلَغَهُ مَا عَمِلَ الْمُوَفَّقُ بِسُلَيْمَانَ بْنِ جَامِعٍ وَالزَّنْجِ خَافَ أَنْ يَأْتِيَهُ وَهُوَ عَلَى حَالٍ تَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ عَنْهُ، وَكَتَبَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ، وَكَانَ بِالْأَهْوَازِ فِي

стр. 3327

ثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَتَرَكَ جَمِيعَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ طَعَامٍ وَدَوَابَّ وَأَغْنَامٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى الْكُرُنْبَائِيَّ، فَلَمْ يَقُمْ، وَاتَّبَعَ عَلِيًّا. وَكَتَبَ صَاحِبُ الزَّنْجِ أَيْضًا إِلَى بَهْبُودَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَهُوَ بِالْفَنْدَمِ وَالْبَاسِيَانَ وَمَا اتَّصَلَ بِهِمَا، يَأْمُرُهُ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَتَرَكَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الذَّخَائِرِ، وَسَارَ نَحْوَهُ، فَحَوَى ذَلِكَ جَمِيعَهُ الْمُوَفَّقُ، وَقَوِيَ بِهِ عَلَى حَرْبِ الْخَبِيثِ. وَلَمَّا سَارَ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ عَنِ الْأَهْوَازِ تَخَلَّفَ بِهَا جَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، زُهَاءَ أَلْفِ رَجُلٍ، فَأَرْسَلُوا إِلَى الْمُوَفَّقِ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ، فَقَدِمُوا عَلَيْهِ، فَأَجْرَى عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ، ثُمَّ رَحَلَ عَنِ السُّوسِ إِلَى جُنْدَيْسَابُورَ، وَتُسْتَرَ، وَجَبَى الْأَمْوَالَ، وَوَجَّهَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْكُرْدِيِّ، وَكَانَ خَائِفًا مِنْهُ، فَأَمَّنَهُ وَعَفَا عَنْهُ، فَطَلَبَ مِنْهُ الْأَمْوَالَ وَالْعَسَاكِرَ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ. ثُمَّ رَحَلَ إِلَى عَسْكَرِ مُكْرَمٍ، وَوَافَى الْأَهْوَازَ، ثُمَّ رَحَلَ عَنْهَا إِلَى نَهْرِ الْمُبَارَكِ مِنْ فُرَاتِ الْبَصْرَةِ، وَكَتَبَ إِلَى ابْنِهِ هَارُونَ لِيُوَافِيَهُ بِجَمِيعِ الْجَيْشِ إِلَى نَهْرِ الْمُبَارَكِ، فَلَقِيَهُ الْجَيْشُ بِالْمُبَارَكِ مُنْتَصَفَ رَجَبٍ. وَكَانَ زِيرَكُ، وَنُصَيْرُ لَمَّا خَلَّفَهُمَا الْمُوَفَّقُ لِيَتَتَبَّعَا الزَّنْجَ انْحَدَرَا حَتَّى وَافَيَا الْأُبُلَّةَ، فَأَسْتَأْمَنَ إِلَيْهِمَا رَجُلٌ أَخْبَرَهُمَا أَنَّ الْخَبِيثَ قَدْ أَنْفَذَ إِلَيْهِمَا عَدَدًا كَثِيرًا فِي الشَّذَا، وَالسُّمَيْرِيَّاتِ إِلَى دِجْلَةَ لِيَمْنَعَ عَنْهَا مَنْ يُرِيدُهَا، فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ عَسْكَرَ نُصَيْرٍ، وَكَانَ عَسْكَرُهُ بِنَهْرِ الْمَرْأَةِ، فَرَجَعَ نُصَيْرٌ إِلَى عَسْكَرِهِ مِنَ الْأُبُلَّةِ لَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ، وَسَارَ زِيرَكُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، لِأَنَّهُ قَدَّرَ أَنَّ الزَّنْجَ يَأْتُونَ عَسْكَرَ نُصَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ، فَكَانَ كَذَلِكَ، فَلَقِيَهُمْ فِي طَرِيقِهِمْ، فَظَفِرَ بِهِمْ، وَانْهَزَمُوا مِنْهُ، وَكَانُوا قَدْ جَعَلُوا كَمِينًا، فَدَلَّ زِيرَكُ عَلَيْهِ، فَتَوَغَّلَ حَتَّى أَتَاهُ فَقَتَلَ مِنَ الْكُمَنَاءِ جَمَاعَةً وَأَسَرَ جَمَاعَةً.

стр. 3328

وَكَانَ مِمَّنْ ظَفِرَ بِهِ مُقَدَّمُ الزَّنْجِ، وَهُوَ أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَصْرِيُّ وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ قُوَّادِهِمْ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ مَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِينَ سُمَيْرِيَّةٍ، فَجَزِعَ لِذَلِكَ جَمِيعُ الزَّنْجِ، فَأَسْتَأْمَنَ إِلَى نُصَيْرٍ مِنْهُمْ زُهَاءُ أَلْفَيْ رَجُلٍ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى الْمُوَفَّقِ، فَأَمَرَهُ بِقَبُولِهِمْ وَالْإِقْبَالِ إِلَيْهِ بِالنَّهْرِ الْمُبَارَكِ، فَوَافَاهُ هُنَاكَ. وَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ بِالْمَسِيرِ إِلَى مُحَارَبَةِ الْعَلَوِيِّ بِنَهْرِ أَبِي الْخَصِيبِ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَحَارَبَ مِنْ بُكْرَةٍ إِلَى الظُّهْرِ، فَأَسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِ الْعَلَوِيِّ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَكَسَرَ ذَلِكَ الْخَبِيثُ، وَعَادَ أَبُو الْعَبَّاسِ بِالظَّفَرِ، وَكَتَبَ الْمُوَفَّقُ إِلَى الْعَلَوِيِّ كِتَابًا يَدْعُوهُ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا رَكِبَ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ، وَانْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ، وَإِخْرَابِ الْبُلْدَانِ، وَاسْتِحْلَالِ الْفُرُوجِ وَالْأَمْوَالِ، وَادِّعَاءِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَيَبْذُلُ لَهُ الْأَمَانَ، فَوَصَلَ الْكِتَابُ إِلَيْهِ، فَقَرَأَهُ، وَلَمْ يَكْتُبْ جَوَابَهُ. ذِكْرُ مُحَاصَرَةِ مَدِينَةِ صَاحِبِ الزَّنْجِ لَمَّا أَنْفَذَ الْمُوَفَقُّ الْكِتَابَ إِلَى الْعَلَوِيِّ، وَلَمْ يَرُدَّ جَوَابَهُ، عَرَضَ عَسْكَرَهُ، وَأَصْلَحَ آلَاتِهِ، وَرَتَّبَ قُوَّادَهُ، ثُمَّ سَارَ هُوَ وَابْنُهُ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ إِلَى مَدِينَةِ الْخَبِيثِ الَّتِي سَمَّاهَا الْمُخْتَارَةَ، وَأَشْرَفَ عَلَيْهَا، وَتَأَمَّلَهَا وَرَأَى حَصَانَتَهَا بِالْأَسْوَارِ وَالْخَنَادِقِ، وَغَوَّرَ الطَّرِيقَ إِلَيْهَا، وَمَا أُعِدَّ مِنَ الْمَجَانِيقِ وَالْعَرَّادَاتِ، وَالْقِسِيِّ، وَسَائِرِ الْآلَاتِ عَلَى سُورِهَا، مِمَّا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ لِمَنْ تَقَدَّمَ مِنْ مُنَازِعِي السُّلْطَانِ، وَرَأَى مِنْ كَثْرَةِ عَدَدِ الْمُقَاتِلَةِ مَا اسْتَعْظَمَهُ. فَلَمَّا عَايَنَ الزَّنْجُ أَصْحَابَ الْمُوَفَّقِ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ حَتَّى ارْتَجَّتِ الْأَرْضُ، فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ ابْنَهُ بِالتَّقَدُّمِ إِلَى سُورِ الْمَدِينَةِ، وَالرَّمْيِ لِمَنْ عَلَيْهِ بِالسِّهَامِ، فَتَقَدَّمَ حَتَّى أَلْصَقَ شَذَوَاتِهِ بِمُسَنَّاةِ قَصْرِ الْخَبِيثِ، فَكَثُرَ الزَّنْجُ وَأَصْحَابُهُمْ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ وَمَنْ مَعَهُ، وَتَتَابَعَتْ سِهَامُهُمْ وَحِجَارَةُ مَجَانِيقِهِمْ وَمَقَالِيعِهِمْ، وَرَمَى عَوَامُّهُمْ بِالْحِجَارَةِ عَنْ أَيْدِيهِمْ، حَتَّى مَا يَقَعُ الطَّرَفُ إِلَّا عَلَى سَهْمٍ أَوْ حَجَرٍ. وَثَبَتَ أَبُو الْعَبَّاسِ، فَرَأَى الْعَلَوِيُّ مِنْ صَبْرِهِ وَثَبَاتِ أَصْحَابِهِ مَا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ مِنْ أَحَدٍ

стр. 3329

[مِمَّنْ] حَارَبَهُمْ، ثُمَّ أَمَرَهُمُ الْمُوَفَّقُ بِالرُّجُوعِ فَفَعَلُوا، اسْتَأْمَنَ إِلَى الْمُوَفَّقِ مُقَاتِلَةٌ فِي سُمَيْرِيَّتَيْنِ، فَأَمَّنَهُمْ، فَخَلَعَ عَلَى مَنْ فِيهِمَا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ وَالْمَلَّاحِينَ عَلَى أَقْدَارِهِمْ وَوَصَلَهُمْ وَأَمَرَ بِإِدْنَائِهِمْ إِلَى مَوْضِعٍ يَرَاهُمْ فِيهِ نُظَرَاؤُهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَنْجَعِ الْمَكَايِدِ، فَلَمَّا رَآهُمُ الْبَاقُونَ رَغِبُوا فِي الْأَمَانِ، وَتَنَافَسُوا فِيهِ، وَابْتَدَرُوا إِلَيْهِ، فَصَارَ إِلَى الْمُوَفَّقِ عَدَدٌ كَثِيرٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ أَصْحَابِ السُّمَيْرِيَّاتِ، فَعَمَّهُمْ بِالْخِلَعِ وَالصِّلَاتِ. فَلَمَّا رَأَى صَاحِبُ الزَّنْجِ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَدِّ أَصْحَابِهِ إِلَى السُّمَيْرِيَّاتِ إِلَى نَهْرِ أَبِي الْخَصِيبِ، وَوَكَّلَ بِفُوَّهَةِ النَّهْرِ مَنْ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْخُرُوجِ، وَأَمَرَ بَهْبُودَ، وَهُوَ مِنْ شَرِّ قُوَّادِهِ، أَنْ يَخْرُجَ فِي الشَّذَوَاتِ، فَخَرَجَ وَبَرَزَ إِلَيْهِ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي شَذَوَاتِهِ، وَقَاتَلَهُ، وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ، فَانْهَزَمَ بَهْبُودُ إِلَى فِنَاءِ قَصْرِ الْخَبِيثِ، وَأَصَابَتْهُ طَعْنَتَانِ، وَجُرِحَ بِالسِّهَامِ، وَأُوهِنَتْ أَعْضَاؤُهُ بِالْحِجَارَةِ، فَأَوْلَجُوهُ نَهْرَ أَبِي الْخَصِيبِ وَقَدْ أَشَفَى عَلَى الْمَوْتِ، فَقُتِلَ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ قَائِدٌ ذُو بَأْسٍ يُقَالُ لَهُ عَمِيرَةُ، وَظَفَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ بِشَذَاةٍ فَقَتَلَ أَهْلَهَا، وَرَجَعَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ سَالِمِينَ، فَاسْتَأْمَنَ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ أَهْلُ شَذَاةٍ مِنْهُمْ، فَأَمَّنَهُمْ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ. وَرَجَعَ الْمُوَفَّقُ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى عَسْكَرِهِ بِالنَّهْرِ الْمُبَارَكِ، اسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَأَمَّنَهُمْ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ، وَوَصَلَهُمْ، وَأَثْبَتَ أَسْمَاءَهُمْ مَعَ أَبِي الْعَبَّاسِ، وَأَقَامَ عَسْكَرُهُ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ نَقَلَ عَسْكَرَهُ لَسِتٍّ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ إِلَى نَهْرِ جَطَّى فَنَزَلَهُ، وَأَقَامَ بِهِ إِلَى مُنْتَصَفِ شَعْبَانَ لَمْ يُقَاتِلْ. ثُمَّ رَكِبَ مُنْتَصَفَ شَعْبَانَ فِي الْخَيْلِ وَالرِّجَالِ وَأَعَدَّ الشَّذَا وَالسُّمَيْرِيَّاتِ، وَكَانَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنْدِ وَالْمُتَطَوِّعَةِ زُهَاءَ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَكَانَ مَنْ مَعَ الْخَبِيثِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ، كُلُّهُمْ مِمَّنْ يُقَاتِلُ بِسَيْفٍ، أَوْ رُمْحٍ، أَوْ قَوْسٍ، أَوْ مِقْلَاعٍ، أَوْ مَنْجَنِيقٍ، وَأَضْعَفَهُمْ رُمَاةُ الْحِجَارَةِ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَهُمُ النَّظَّارَةُ، وَالنِّسَاءُ تُشْرِكُهُمْ فِي ذَلِكَ، فَأَقَامَ أَبُو أَحْمَدَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَنُودِيَ بِالْأَمَانِ لِلنَّاسِ كَافَّةً إِلَّا الْخَبِيثَ، وَكَتَبَ الْأَمَانَ فِي رِقَاعٍ، وَرَمَاهَا فِي السِّهَامِ، وَوَعَدَ فِيهَا الْإِحْسَانَ، فَمَالَتْ قُلُوبُ أَصْحَابِ الْخَبِيثِ، وَاسْتَأْمَنَ ذَلِكَ الْيَوْمَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَخَلَعَ عَلَيْهِمْ وَوَصَلَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَرْبٌ. ثُمَّ رَحَلَ مِنْ نَهْرِ جَطَّى مِنَ الْغَدِ، فَعَسْكَرَ قُرْبَ مَدِينَةِ الْخَبِيثِ، وَرَتَّبَ قُوَّادَهُ

стр. 3330

وَأَجْنَادَهُ، وَعَيَّنَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مَوْضِعًا يُحَافِظُونَ عَلَيْهِ وَيَضْبُطُونَهُ، وَكَتَبَ الْمُوَفَّقُ إِلَى الْبِلَادِ فِي عَمَلِ السُّمَيْرِيَّاتِ، وَالشَّذَوَاتِ، وَالزَّوَارِيقِ، وَالْإِكْثَارِ مِنْهَا لِيَضْبُطَ بِهَا الْأَنْهَارَ، لِيَقْطَعَ الْمِيرَةَ عَنِ الْخَبِيثِ، وَأَسَّسَ فِي مَنْزِلَتِهِ مَدِينَةً سَمَّاهَا الْمُوَفَّقِيَّةَ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ فِي النَّوَاحِي بِحَمْلِ الْأَمْوَالِ وَالْمِيرَةِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إِلَى مَدِينَتِهِ، وَأَمَرَهِمْ بِإِنْفَاذِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْإِثْبَاتِ فِي الدِّيوَانِ، وَأَقَامَ يَنْتَظِرُ ذَلِكَ شَهْرًا، فَوَرَدَتْ عَلَيْهِ الْمِيرَةُ مُتَتَابِعَةً، وَجَهَّزَ التُّجَّارُ صُنُوفَ التِّجَارَاتِ إِلَى الْمُوَفَّقِيَّةِ، وَاتُّخِذَتْ فِيهَا الْأَسْوَاقُ، وَوَرَدَتْهَا مَرَاكِبُ الْبَحْرِ، وَبَنَى الْمُوَفَّقُ بِهَا الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصَّلَاةِ فِيهِ، فَجَمَعَتْ هَذِهِ الْمَدِينَةُ مِنَ الْمَرَافِقِ، وَسِيقَ إِلَيْهَا مِنْ صُنُوفِ الْأَشْيَاءِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي مِصْرَ مِنَ الْأَمْصَارِ الْقَدِيمَةِ وَحُمِلَتِ الْأَمْوَالُ، وَأُدِرَّتِ الْأَرْزَاقُ. وَعَبَرَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الزَّنْجِ، فَنَهَبُوا أَطْرَافَ عَسْكَرِ نُصَيْرٍ، وَأَوْقَعُوا بِهِ، فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ نُصَيْرًا بِجَمْعِ عَسْكَرِهِ وَضَبْطِهِمْ، وَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ بِالْمَسِيرِ إِلَى طَائِفَةٍ مِنَ الزَّنْجِ كَانُوا خَارِجَ الْمَدِينَةِ، فَقَاتَلَهُمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَغَنِمَ مَا كَانَ مَعَهُمْ، فَصَارَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ فِي الْأَمَانِ، فَأَمَّنَهُمْ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ وَوَصَلَهُمْ، وَأَقَامَ أَبُو أَحْمَدَ يُكَايِدُ الْخَبِيثَ بِبَذْلِ الْأَمْوَالِ لِمَنْ صَارَ إِلَيْهِ، وَمُحَاصَرَةِ الْبَاقِينَ، وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ. وَكَانَتْ قَافِلَةٌ قَدْ أَتَتْ مِنَ الْأَهْوَازِ، وَأَسْرَى إِلَيْهَا بَهْبُودُ فِي سُمَيْرِيَّاتٍ فَأَخَذَهَا، وَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُوَفَّقِ، وَغَرِمَ لِأَهْلِهَا مَا أُخِذَ مِنْهُمْ، وَأَمَرَ بِتَرْتِيبِ الشَّذَوَاتِ عَلَى مَخَارِجِ الْأَنْهَارِ، وَقَلَّدَ ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّذَا، وَحَفِظَ الْأَنْهَارَ بِهَا مِنَ الْبَحْرِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي هُمْ بِهِ. وَفِي رَمَضَانَ عَبَرَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْخَبِيثِ يُرِيدُونَ الْإِيقَاعَ بِنُصَيْرٍ، (فَنَذَرَ بِهِمُ النَّاسُ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِمْ) فَرَدُّوهُمْ خَائِبِينَ، وَظَفِرُوا بِصَنْدَلٍ الزَّنْجِيِّ، كَانَ يَكْشِفُ رُءُوسَ الْمُسْلِمَاتِ، وَيُقَلِّبُهُنَّ تَقْلِيبَ الْإِمَاءِ، فَلَمَّا أُتِيَ بِهِ أَمَرَ الْمُوَفَّقُ أَنْ يُرْمَى بِالسِّهَامِ ثُمَّ قَتَلَهُ.

стр. 3331

وَاسْتَأْمَنَ إِلَى الْمُوَفَّقِ مِنَ الزَّنْجِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَبَلَغَتْ عِدَّةُ مَنِ اسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ فِي آخِرِ رَمَضَانَ خَمْسِينَ أَلْفًا. وَفِي شَوَّالٍ انْتَخَبَ صَاحِبُ الزَّنْجِ مِنْ عَسْكَرِهِ خَمْسَةَ آلَافٍ مِنْ شُجْعَانِهِمْ وَقُوَّادِهِمْ، وَأَمَرَ عَلِيَّ بْنَ أَبَانٍ الْمُهَلَّبِيَّ بِالْعُبُورِ لِكَبْسِ عَسْكَرِ الْمُوَفَّقِ، فَكَانَ فِيهِمْ أَكْثَرُ مِنْ مِائَتَيْ قَائِدٍ، فَعَبَرُوا لَيْلًا، وَاخْتَفَوْا فِي آخِرِ النَّخْلِ، وَأَمَرَهُمْ، إِذَا ظَهَرَ أَصْحَابُهُمْ، وَقَاتَلُوا الْمُوَفَّقَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، ظَهَرُوا، وَحَمَلُوا عَلَى عَسْكَرِهِ وَهُمْ غَارُّونَ، مَشَاغِيلُ بِحَرْبِ مِنْ أَمَامِهِمْ، فَأَسْتَأْمَنَ مِنْهُمْ إِنْسَانٌ مِنَ الْمَلَّاحِينَ، فَأَخْبَرَ الْمُوَفَّقَ، فَسَيَّرَ ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ لِقِتَالِهِمْ وَضَبْطِ الطُّرُقِ الَّتِي يَسْلُكُونَهَا، فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَأَسَرَ أَكْثَرَهُمْ، وَغَرِقَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقُتِلَ بَعْضُهُمْ، وَنَجَا بَعْضُهُمْ، فَأَمَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَنْ يُحْمَلَ الْأَسْرَى، وَالرُّءُوسُ، وَالسُّمَيْرِيَّاتُ وَيُعْبَرَ بِهِمْ عَلَى مَدِينَةِ الْخَبِيثِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ. وَبَلَغَ الْمُوَفَّقَ أَنَّ الْخَبِيثَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ الْأَسْرَى مِنَ الْمُسْتَأْمِنَةِ، وَإِنَّ الرُّءُوسَ تَمْوِيهٌ عَلَيْهِمْ، فَأَمَرَ بِإِلْقَاءِ الرُّءُوِسِ فِي مَنْجَنِيقٍ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهَا عَرَفُوهَا، فَأَظْهَرُوا الْجَزَعَ وَالْبُكَاءَ، وَظَهَرَ لَهُمْ كَذِبُ الْخَبِيثِ. وَفِيهَا أَمَرَ الْخَبِيثُ بِاتِّخَاذِ شَذَوَاتٍ، فَعُمِلَتْ لَهُ، فَكَانَتْ لَهُ خَمْسُونَ شَذَاةً فَقَسَمَهَا بَيْنَ ثَلَاثَةٍ مِنْ قُوَّادِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّعَرُّضِ لِعَسْكَرِ الْمُوَفَّقِ ; وَكَانَتْ شَذَوَاتُ الْمُوَفَّقِ يَوْمَئِذٍ قَلِيلَةً لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ مَا أَمَرَ بِعَمَلِهِ، وَالَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ مِنْهَا فَرَّقَهَا عَلَى أَفْوَاهِ الْأَنْهَارِ لِقَطْعِ الْمِيرَةِ عَنِ الْخَبِيثِ، فَخَافَهُمْ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ، فَوَرَدَ عَلَيْهِمْ شَذَوَاتٌ كَانَ الْمُوَفَّقُ أَمَرَ بِعَمَلِهَا، فَسَيَّرَ ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ لِيُورِدَهَا خَوْفًا عَلَيْهَا مِنَ الزَّنْجِ، فَلَمَّا أَقْبَلْ بِهَا رَآهَا الزَّنْجُ فَعَارَضُوهَا بِشَذَوَاتِهِمْ، فَقَصَدَهُمْ غُلَامٌ لِأَبِي الْعَبَّاسِ لِيَمْنَعَهُمْ، وَقَاتَلَهُمْ، فَانْكَشَفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَبِعَهُمْ حَتَّى أَدْخَلَهُمْ نَهْرَ الْخَصِيبِ، انْقَطَعَ عَنْ أَصْحَابِهِ، فَعَطَفُوا عَلَيْهِ، فَأَخَذُوهُ، وَمَنْ مَعَهُ بَعْدَ حَرْبٍ شَدِيدَةٍ، فَقُتِلُوا، وَسَلِمَتِ الشَّذَوَاتُ مَعَ أَبِي الْعَبَّاسِ، وَأَصْلَحَهَا، وَرَتَّبَ فِيهَا مَنْ يُقَاتِلُ. ثُمَّ أَقْبَلَتْ شَذَوَاتُ الْعَلَوِيِّ عَلَى عَادَتِهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمَهُمْ، وَظَفِرَ مِنْهُمْ بِعِدَّةِ شَذَوَاتٍ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَنْ ظَفِرَ بِهِ فِيهَا، فَمَنَعَ الْخَبِيثُ أَصْحَابَهُ مِنَ الْخُرُوجِ عَنْ فِنَاءِ قَصْرِهِ، وَقَطَعَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمِيرَةَ عَنْهُمْ، فَاشْتَدَّ جَزَعُ

стр. 3332

الزَّنْجِ، وَطَلَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ وُجُوهِ أَصْحَابِهِ الْأَمَانَ، فَأُمِّنُوا، وَكَانَ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ الْقُمِّيُّ، وَكَانَ إِلَيْهِ ضَبْطُ السُّورِ مِمَّا يَلِي عَسْكَرَ الْمُوَفَّقِ، فَيَخْرُجُ لَيْلًا، فَأَمَّنَهُ الْمُوَفَّقُ، وَوَصَلَهُ بِصِلَاتٍ كَثِيرَةٍ لَهُ وَلِمَنْ خَرَجَ مَعَهُ، وَحَمَلَهُ عَلَى عِدَّةِ دَوَابَّ بِآلَاتِهَا وَحِلْيَتِهَا، وَأَرَادَ إِخْرَاجَ زَوْجَتِهِ فَلَمْ يَقْدِرْ، فَأَخَذَهَا الْخَبِيثُ فَبَاعَهَا ; وَمِنْهُمْ أَحْمَدُ الْيَرْبُوعِيُّ، وَكَانَ مِنْ أَشْجَعِ رِجَالِ الْعَلَوِيِّ، وَغَيْرُهُمَا، فَخَلَعَ عَلَيْهِمْ، وَوَصَلَهُمْ بِصِلَاتٍ كَثِيرَةٍ. وَلَمَّا انْقَطَعَتِ الْمِيرَةُ وَالْمَوَادُّ عَنِ الْعَلَوِيِّ أَمَرَ شِبْلًا وَأَبَا الْبَذِّيِّ، وَهُمَا مِنْ رُؤَسَاءِ قُوَّادِهِ [الَّذِينَ] يَثِقُ بِهِمْ، بِالْخُرُوجِ إِلَى الْبَطِيحَةِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ لِلْغَارَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَطْعِ الْمِيرَةِ عَنِ الْمُوَفَّقِ، فَسَيَّرَ الْمُوَفَّقُ إِلَيْهِمْ زِيرَكَ فِي جَمْعٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَقِيَهُمْ بِنَهْرِ ابْنِ عُمَرَ، فَرَأَى كَثْرَتَهُمْ، فَرَاعَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَخَارَ اللَّهَ تَعَالَى فِي قِتَالِهِمْ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ وَقَاتَلَهُمْ، فَقَذَفَ اللَّهُ تَعَالَى الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ فَانْهَزَمُوا، وَوَضَعَ فِيهِمُ السَّيْفَ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَغَرِقَ مِنْهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ، وَأَسَرَ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَخَذَ مِنْ سُفُنِهِمْ مَا أَمْكَنَهُ أَخَذُهُ، وَغَرَّقَ مَا أَمْكَنَهُ تَغْرِيقُهُ، وَكَانَ مَا أَخَذَهُ مِنْ سُفُنِهِمْ نَحْوَ أَرْبَعَمِائَةِ سَفِينَةٍ، وَأَقْبَلَ بِالْأُسَارَى وَالرُّءُوسِ إِلَى مَدِينَةِ الْمُوَفَّقِ. ذِكْرُ عُبُورِ الْمُوَفَّقِ إِلَى مَدِينَةِ صَاحِبِ الزَّنْجِ وَفِيهَا عَبَرَ الْمُوَفَّقُ إِلَى مَدِينَةِ الْخَبِيثِ لَسِتٍّ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ; وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ قُوَّادِ الْخَبِيثِ لَمَّا رَأَوْا مَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْبَلَاءِ مِنْ قِبَلِ مَنْ يَظْهَرُ مِنْهُمْ، وَشِدَّةَ الْحِصَارِ عَلَى مَنْ لَزِمَ الْمَدِينَةَ، وَحَالَ مَنْ خَرَجَ بِالْأَمَانِ، جَعَلُوا يَهْرُبُونَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَيَخْرُجُونَ إِلَى الْمُوَفَّقِ بِالْأَمَانِ. فَلَمَّا رَأَى الْخَبِيثُ ذَلِكَ جَعَلَ عَلَى الطُّرُقِ الَّتِي يُمْكِنُهُمُ الْهَرَبُ مِنْهَا مَنْ يَحْفَظُهَا، فَأَرْسَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُوَّادِ إِلَى الْمُوَفَّقِ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ، وَأَنْ يُوَجِّهَ لِمُحَارَبَةِ الْخَبِيثِ جَيْشًا لِيَجِدُوا طَرِيقًا إِلَى الْمَصِيرِ إِلَيْهِ، فَأَمَرَ ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ بِالْمَسِيرِ إِلَى النَّهْرِ الْغَرْبِيِّ، وَبِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ (يَحْمِيهِ فَنَهَضَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَمَعَهُ الشَّذَوَاتُ، وَالسُّمَيْرِيَّاتُ، وَالْمَعَابِرُ،

стр. 3333

فَقَصَدَهُ، وَتَحَارَبَ هُوَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ) ، وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ، وَاسْتَظْهَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَلَى الزَّنْجِ، وَأَمَدَّ الْخَبِيثُ أَصْحَابَهُ بِسُلَيْمَانَ بْنِ جَامِعٍ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَاتَّصَلَتِ الْحَرْبُ مِنْ بُكْرَةٍ إِلَى الْعَصْرِ، وَكَانَ الظَّفَرُ لِأَبِي الْعَبَّاسِ، (وَصَارَ إِلَيْهِ الْقَوْمُ الَّذِينَ طَلَبُوا الْأَمَانَ. وَاجْتَازَ أَبُو الْعَبَّاسِ) بِمَدِينَةِ الْخَبِيثِ عِنْدَ نَهْرِ الْأَتْرَاكَ، فَرَأَى قِلَّةَ الزَّنْجِ هُنَاكَ، فَطَمِعَ فِيهِمْ، فَقَصَدَهُمْ أَصْحَابُهُ وَقَدِ انْصَرَفَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى الْمُوَفَّقِيَّةِ، فَدَخَلُوا ذَلِكَ الْمَسْلَكَ، (وَصَعِدَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ السُّورَ وَعَلَيْهِ فَرِيقٌ مِنَ الزَّنْجِ، فَقَتَلُوهُمْ وَسَمِعَ الْعَلَوِيُّ) فَجَهَّزَ أَصْحَابَهُ لِحَرْبِهِمْ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو الْعَبَّاسِ اجْتِمَاعَهُمْ وَحَشْدَهُمْ لِحَرْبِهِ مَعَ قِلَّةِ أَصْحَابِهِ، رَحَلَ فَأَرْسَلَ إِلَى الْمُوَفَّقِ يَسْتَمِدُّهُ، فَأَتَاهُ مَنْ خَفَّ مِنَ الْغِلْمَانِ، فَظَهَرُوا عَلَى الزَّنْجِ فَهَزَمُوهُمْ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ لَمَّا رَأَى ظُهُورَ أَبِي الْعَبَّاسِ سَارَ فِي النَّهْرِ مُصْعِدًا فِي جَمْعٍ كَبِيرٍ، ثُمَّ أَتَى أَصْحَابَ أَبِي الْعَبَّاسِ مِنْ خَلْفِهِمْ، وَهُمْ يُحَارِبُونَ مَنْ بِإِزَائِهِمْ، وَخَفَقَتْ طُبُولُهُ، فَانْكَشَفَ أَصْحَابُ أَبِي الْعَبَّاسِ، وَرَجَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ كَانَ انْهَزَمَ عَنْهُمْ مِنَ الزَّنْجِ، فَأُصِيبَ جَمَاعَةٌ مِنْ غِلْمَانِ الْمُوَفَّقِ وَغَيْرِهِمْ، فَأَخَذَ الزَّنْجُ عِدَّةَ أَعْلَامٍ، وَحَامَى أَبُو الْعَبَّاسِ عَنْ أَصْحَابِهِ، فَسَلِمَ أَكْثَرُهُمْ ثُمَّ انْصَرَفَ. وَطَمِعَ الزَّنْجُ بِهَذِهِ الْوَقْعَةِ، وَشُدَّتْ قُلُوبُهُمْ، فَأَجْمَعَ الْمُوَفَّقُ عَلَى الْعُبُورِ إِلَى مَدِينَتِهِمْ بِجُيُوشِهِ أَجْمَعَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالتَّأَهُّبِ، وَجَمَعَ الْمَعَابِرَ، وَالسُّفُنَ وَفَرَّقَهَا عَلَيْهِمْ، وَعَبَرَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لَسِتٍّ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَفَرَّقَ أَصْحَابَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ لِيَضْطَرَّ الْخَبِيثُ إِلَى تَفْرِقَةِ أَصْحَابِهِ، وَقَصَدَ الْمُوَفَّقُ إِلَى رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ أَحْصَنُ مَا فِيهَا، وَقَدْ أَنْزَلَهُ الْخَبِيثُ ابْنَهُ، وَهُوَ أَنْكِلَايَ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ جَامِعٍ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبَانٍ، وَغَيْرَهُمْ، وَعَلَيْهِ مِنَ الْمَجَانِيقِ، وَالْآلَاتِ لِلْقِتَالِ مَا لَا حَدَّ [لَهُ] . فَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ أَمَرَ الْمُوَفَّقُ غِلْمَانَهُ بِالدُّنُوِّ مِنْ ذَلِكَ الرُّكْنِ، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ السُّورِ نَهْرُ الْأَتْرَاكِ، وَهُوَ نَهْرٌ عَرِيضٌ كَثِيرُ الْمَاءِ، فَأَحْجَمُوا عَنْهُ، فَصَاحَ بِهِمُ الْمُوَفَّقُ، وَحَرَّضَهُمْ عَلَى الْعُبُورِ، فَعَبَرُوا سِبَاحَةً، وَالزَّنْجُ تَرْمِيهِمْ بِالْمَجَانِيقِ، وَالْمَقَالِيعِ، وَالْحِجَارَةِ،

стр. 3334

وَالسِّهَامِ، فَصَبَرُوا حَتَّى جَاوَزُوا النَّهْرَ، وَانْتَهَوْا إِلَى السُّورِ، وَلَمْ يَكُنْ عَبَرَ مَعَهُمْ مِنَ الْفَعَلَةِ مَنْ كَانَ أُعِدَّ لِهَدْمِ السُّورِ، فَتَوَلَّى الْغِلْمَانُ تَشْعِيثَ السُّورِ بِمَا كَانَ مَعَهُمْ مِنَ السِّلَاحِ، وَسَهَّلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ، وَكَانَ مَعَهُمْ بَعْضُ السَّلَالِيمِ، فَصَعِدُوا عَلَى ذَلِكَ الرُّكْنِ، وَنَصَبُوا عَلَمًا مِنْ أَعْلَامِ الْمُوَفَّقِ، فَانْهَزَمَ الزَّنْجُ عَنْهُ، وَأَسْلَمُوهُ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ، وَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ كَثِيرٌ ; وَلَمَّا عَلَا أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ السُّورَ أَحْرَقُوا مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ مَنْجَنِيقٍ وَقَوْسٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ قَصَدَ نَاحِيَةً أُخْرَى، فَمَضَى عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ إِلَى مُقَاتِلَتِهِ، فَهَزَمَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَقَتَلَ جَمْعًا كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِهِ (وَنَجَا عَلِيٌّ، وَوَصَلَ) أَصْحَابُ أَبِي الْعَبَّاسِ إِلَى السُّورِ، فَثَلَمُوا فِيهِ ثُلْمَةً، وَدَخَلُوهُ، فَلَقِيَهُمْ سُلَيْمَانُ ابْنُ جَامِعٍ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى رَدَّهُمْ إِلَى مَوَاضِعِهِمْ، ثُمَّ إِنَّ الْفَعَلَةَ وَافَوُا السُّورَ فَهَدَمُوهُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، فَعَمِلُوا عَلَى الْخَنْدَقِ جِسْرًا، فَعَبَرَ عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُوَفَّقِ، فَانْهَزَمَ الزَّنْجُ عَنْ سُورِ بَابٍ كَانُوا قَدِ اعْتَصَمُوا بِهِ، وَانْهَزَمَ النَّاسُ مَعَهُمْ، وَأَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ يَقْتُلُونَهُمْ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى نَهْرِ ابْنِ سَمْعَانَ، وَقَدْ صَارَتْ دَارُ ابْنِ سَمْعَانَ فِي أَيْدِي أَصْحَابِ الْمُوَفَّقِ، فَأَحْرَقُوهَا، وَقَاتَلَهُمُ الزَّنْجُ هُنَاكَ، ثُمَّ انْهَزَمُوا حَتَّى بَلَغُوا مَيْدَانَ الْخَبِيثِ، فَرَكِبَ فِي جَمْعٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ عَنْهُ، وَقَرُبَ مِنْهُ بَعْضُ رَجَّالَةِ الْمُوَفَّقِ، فَضَرَبَ وَجْهَ فَرَسِهِ بِتُرْسِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مَعَ مَغِيبِ الشَّمْسِ، فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ النَّاسَ بِالرَّجْعِ، فَرَجَعُوا وَمَعَهُمْ مِنْ رُءُوسِ أَصْحَابِ الْخَبِيثِ شَيْءٌ كَثِيرٌ. وَكَانَ قَدِ اسْتَأْمَنَ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ أَوَّلَ النَّهَارِ نَفَرٌ مِنْ قُوَّادِ الْخَبِيثِ، فَتَوَقَّفَ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَمَلَهُمْ فِي السُّفُنِ، وَأَظْلَمَ اللَّيْلُ، وَهَبَّتْ رِيحٌ عَاصِفٌ، وَقَوِيَ الْجَزْرُ، فَلَصِقَ أَكْثَرُ السُّفُنِ بِالطِّينِ، فَخَرَجَ جَمَاعَةٌ مِنَ الزَّنْجِ فَنَالُوا مِنْهَا، وَقَتَلُوا فِيهَا نَفَرًا، وَكَانَ بَهْبُودُ بِإِزَاءِ مَسْرُورٍ الْبَلْخِيِّ، فَأَوْقَعَ بِأَصْحَابِ مَسْرُورٍ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَأَسَرَ جَمَاعَةً، فَكَسَرَ ذَلِكَ مِنْ نَشَاطِ أَصْحَابِ الْمُوَفَّقِ. وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْخَبِيثِ قَدِ انْهَزَمَ عَلَى وَجْهِهِ نَحْوَ نَهْرِ الْأَمِيرِ، وَالْقَنْدَلِ، وَعَبَّادَانَ، وَهَرَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَعْرَابِ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَأَرْسَلُوا يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمُ الْمُوَفَّقُ،

стр. 3335

وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ، وَأَجْرَى الْأَرْزَاقَ عَلَيْهِمْ. وَكَانَ مِمَّنْ رَغِبَ فِي الْأَمَانِ مِنْ قُوَّادِ الْفَاجِرِ رَيْحَانُ بْنُ صَالِحٍ الْمَغْرِبِيُّ، وَكَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ أَصْحَابِهِ، أَرْسَلَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، وَأَنْ يُرْسِلَ جَمَاعَةً إِلَى مَكَانٍ ذَكَرَهُ لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ فَفَعَلَ الْمُوَفَّقُ، فَصَارَ إِلَيْهِ فَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَوَصَلَهُ، وَضَمَّهُ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ، وَاسْتَأْمَنَ مِنْ بَعْدِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ; وَكَانَ خُرُوجُ رَيْحَانَ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْخَوَارِجِ بِبَلَدِ الْمَوْصِلِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ بَيْنَ هَارُونَ الْخَارِجِيِّ وَبَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ خُرَّزَادَ، وَهُوَ مِنَ الْخَوَارِجِ أَيْضًا، وَقْعَةٌ بِبَعْدَرَى مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا، سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ الْحَرْبَ الْحَادِثَةَ بَيْنَ هَارُونَ، وَمُحَمَّدٍ بَعْدَ مَوْتِ مُسَاوِرٍ، فَلَمَّا كَانَ الْآنَ جَمَعَ مُحَمَّدُ بْنُ خُرَّزَادَ أَصْحَابَهُ وَسَارَ إِلَى هَارُونَ مُحَارِبًا لَهُ، فَنَزَلَ وَاسِطَ، وَهِيَ مَحَلَّةٌ بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ يَرْكَبُ الْبَقَرَ لِئَلَّا يَفِرَّ مِنَ الْقِتَالِ، وَيَلْبَسُ الصُّوفَ الْغَلِيظَ، وَيُرَقِّعُ ثِيَابَهُ، وَكَانَ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ وَالنُّسُكِ، وَيَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ حَائِلٌ. فَلَمَّا نَزَلَ وَاسِطَ خَرَجَ إِلَيْهِ وُجُوهُ أَهْلِ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ هَارُونُ بِمَعْلَثَايَا يَجْمَعُ لِحَرْبِ مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا سَمِعَ بِنُزُولِ مُحَمَّدٍ عِنْدَ الْمَوْصِلِ سَارَ إِلَيْهِ وَرَحَلَ ابْنُ خُرَّزَادَ نَحْوَهُ، فَالْتَقَوْا بِالْقُرْبِ مِنْ قَرْيَةِ شَمْرَخَ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا كَانَ فِيهِ مُبَارَزَةٌ، وَحَمَلَاتٌ كَثِيرَةٌ، فَانْهَزَمَ هَارُونُ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ نَحْوُ مِائَتَيْ رَجُلٍ، مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُرْسَانِ الْمَشْهُورِينَ، وَمَضَى هَارُونُ مُنْهَزِمًا، فَعَبَرَ دِجْلَةَ إِلَى الْغَرْبِ قَاصِدًا بَنِي تَغْلِبَ، فَنَصَرُوهُ وَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، وَرَجَعَ ابْنُ خُرَّزَادَ مِنْ حَيْثُ أَقْبَلَ، وَعَادَ هَارُونُ إِلَى الْحَدِيثَةِ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَكَاتَبَ أَصْحَابَ ابْنِ خُرَّزَادَ، وَاسْتَمَالَهُمْ، فَأَتَاهُ مِنْهُمُ الْكَثِيرُ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ ابْنِ خُرَّزَادَ إِلَّا عَشِيرَتُهُ مِنَ الشَّمَرْدَلِيَّةِ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ شَهْرَزُورَ، وَإِنَّمَا فَارَقَهُ أَصْحَابُهُ لِأَنَّهُ كَانَ

стр. 3336

خَشِنَ الْعَيْشِ، وَهُوَ بِبَلَدِ شَهْرَزُورَ، وَهُوَ بَلَدٌ كَثِيرُ الْأَعْدَاءِ، مِنَ الْأَكْرَادِ وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ هَارُونُ بِبَلَدِ الْمَوْصِلِ قَدْ صَلَحَ حَالُهُ وَحَالُ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابُ ابْنِ خُرَّزَادَ ذَلِكَ مَالُوا إِلَيْهِ وَقَصَدُوهُ، وَوَاقَعَ ابْنُ خُرَّزَادَ بِنَوَاحِي شَهْرَزُورَ الْأَكْرَادَ الْجَلَالِيَّةَ وَغَيْرَهُمْ، فَقُتِلَ، وَتَفَرَّدَ هَارُونُ (بِالرِّئَاسَةِ عَلَى الْخَوَارِجِ) ، وَقَوِيَ وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، وَغَلَبُوا عَلَى الْقُرَى، وَالرَّسَاتِيقِ، وَجَعَلُوا عَلَى دِجْلَةَ مَنْ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ مِنَ الْأَمْوَالِ الْمُنْحَدِرَةِ وَالْمُصْعِدَةِ، وَبَثُّوا نُوَّابَهُمْ فِي الرَّسَاتِيقِ يَأْخُذُونَ الْأَعْشَارَ مِنَ الْغَلَّاتِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ (فِي هَذِهِ السَّنَةِ ابْتَدَرَ ابْنُ حَفْصُونَ بِالْأَنْدَلُسِ بِالْخِلَافِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ، بِنَاحِيَةِ رَيَّةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ جَيْشٌ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ مَعَ عَامِلِهَا، فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ الْجَيْشُ، وَقَوِيَ أَمْرُ عُمَرَ بْنِ حَفْصُونَ، وَشَاعَ ذِكْرُهُ، وَأَتَاهُ مَنْ يُرِيدُ الشَّرَّ وَالْفَسَادَ، فَسَيَّرَ مُحَمَّدٌ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ عَامِلًا آخَرَ فِي جَيْشٍ، فَصَالَحَهُ عُمَرُ، فَطَلَبَ الْعَامِلُ كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ أَثَرٌ فِي مُسَاعَدَةِ عُمَرَ، فَأَهْلَكَهُ، وَفِيهِمْ مَنْ أَبْعَدَهُ، فَاسْتَقَامَتْ تِلْكَ النَّاحِيَةُ. وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ بِالشَّامِ، وَمِصْرَ، وَبِلَادِ الْجَزِيرَةِ، وَإِفْرِيقِيَّةَ، وَالْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ قَبْلَهَا هَدَّةٌ عَظِيمَةٌ قَوِيَّةٌ. وَفِيهَا وَلِيَ جَزِيرَةَ صِقِلِّيَّةَ الْحَسَنُ بْنُ الْعَبَّاسِ، فَبَثَّ السَّرَايَا إِلَى كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَخَرَجَ إِلَى قَطَانِيَةَ فَأَفْسَدَ زَرْعَهَا وَزَرْعَ طَبَرْمِينَ، وَقَطَعَ أَشْجَارَهَا، وَسَارَ إِلَى بَقَارَةَ فَأَفْسَدَ زَرْعَهَا، وَانْصَرَفَ إِلَى بَلَرْمَ، وَأَخْرَجَتِ الرُّومُ سَرَايَا فَأَصَابُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَثِيرًا، وَذَلِكَ أَيَّامَ الْحَسَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ) . وَفِيهَا حَبَسَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ وَعِدَّةً مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، بَعْدَ ظَفَرِ الْخُجُسْتَانِيِّ بِعَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ، وَكَانَ عَمْرٌو اتَّهَمَهُ بِمُكَاتَبَةِ الْخُجُسْتَانِيِّ وَالْحُسَيْنِ بْنِ طَاهِرٍ، حَيْثُ كَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ عَلَى مَنَابِرِ خُرَاسَانَ.

стр. 3337

وَفِيهَا كَانَتْ بَيْنَ كَيْغَلَغَ التُّرْكِيِّ وَبَيْنَ أَصْحَابِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (ابْنِ أَبِي دُلَفَ حَرْبٌ انْهَزَمَ فِيهَا أَصْحَابُ أَحْمَدَ، وَسَارَ كَيْغَلَغُ إِلَى هَمَذَانَ، فَوَافَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) فِيمَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْهَزَمَ كَيْغَلَغُ وَانْحَازَ إِلَى الصَّيْمَرَةِ. وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مَاتَتْ أُمُّ حَبِيبٍ بِنْتُ الرَّشِيدِ. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ إِسْحَاقَ بْنِ كُنْدَاجِيقَ، وَإِسْحَاقَ بْنِ أَيُّوبَ، وَعِيسَى ابْنِ الشَّيْخِ، وَأَبِي الْمَغْرَا، وَحَمْدَانَ بْنِ حَمْدُونَ، وَمَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِيعَةَ، وَتَغْلِبَ، وَبَكْرٍ، وَالْيَمَنِ، فَهَزَمَهُمُ ابْنُ كُنْدَاجِيقَ إِلَى نَصِيبِينَ، وَتَبِعَهُمْ إِلَى آمِدَ، وَخَلَّفَ عَلَى آمِدَ مَنْ حَصَرَ عِيسَى، فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ وَقَعَاتٌ عِنْدَ آمِدَ. وَفِيهَا دَخَلَ الْخُجُسْتَانِيُّ نَيْسَابُورَ، وَانْهَزَمَ عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ وَأَصْحَابُهُ، فَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِي أَهْلِهَا، وَهَدَمَ دُورَ مُعَاذِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَضَرَبَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وَتَرَكَ ذِكْرَ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، وَدَعَا لِلْمُعْتَمِدِ وَلِنَفْسِهِ. وَفِيهَا فِي شَوَّالٍ كَانَتْ لِأَصْحَابِ أَبِي السَّاجِ وَقْعَةٌ بِالْهَيْصَمِ الْعِجْلِيِّ قَتَلُوا فِيهَا مُقَدِّمَتَهُ، وَغَنِمُوا عَسْكَرَهُ. وَفِيهَا أَقْبَلَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُجُسْتَانِيُّ يُرِيدُ الْعِرَاقَ، فَبَلَغَ سَمْنَانَ، وَتَحَصَّنَ مِنْهُ أَهْلُ الرَّيِّ، فَرَجَعَ إِلَى خُرَاسَانَ. وَفِيهَا رَجَعَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْحُجَّاجِ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ لِشِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَضَى خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَمَاتَ مِنْهُمْ عَالَمٌ عَظِيمٌ مِنَ الْحَرِّ، وَالْعَطَشِ، وَذَاكَ كُلُّهُ فِي الْبَيْدَاءِ وَأَوْقَعَتْ فَزَارَةُ فِيهَا بِالتُّجَّارِ، فَأُخِذَ فِيمَا قِيلَ سَبْعُمِائَةِ حِمْلِ بَزٍّ. (وَفِيهَا نُفِيَ الطَّبَّاعُ مِنْ سَامَرَّا) .

стр. 3338

وَفِيهَا ضَرَبَ الْخُجُسْتَانِيُّ لِنَفْسِهِ دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُوسَى بْنِ عِيسَى الْهَاشِمِيُّ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ بَكْرِ بْنِ حَمَّادٍ أَبُو بَكْرٍ الْمُقْرِئُ صَاحِبُ خَلَفِ بْنِ هِشَامٍ، فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، بِبَغْدَاذَ.

стр. 3339

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٦٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ أَخْبَارِ الزَّنْجِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ خَرَجَ إِلَى الْمُوَفَّقِ مِنْ قُوَّادِ الْخَبِيثِ جَعْفَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفُ بِالسَّجَّانِ، وَكَانَ مِنْ ثِقَاتِ الْخَبِيثِ، فَارْتَاعَ لِذَلِكَ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ الْمُوَفَّقُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَحَمَلَهُ فِي سُمَيْرِيَّةٍ إِلَى إِزَاءِ قَصْرِ الْخَبِيثِ، فَكَلَّمَ النَّاسَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ فِي غُرُورٍ، وَأَعْلَمَهُمْ بِمَا وَقَفَ عَلَيْهِ مِنْ كَذِبِ الْخَبِيثِ وَفُجُورِهِ، فَاسْتَأْمَنَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ قُوَّادِ الزَّنْجِ وَغَيْرِهِمْ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمُ الْمُوَفَّقُ، وَتَتَابَعَ النَّاسُ فِي طَلَبِ الْأَمَانِ. ثُمَّ أَقَامَ الْمُوَفَّقُ لَا يُحَارِبُ لِيُرِيحَ أَصْحَابَهُ إِلَى شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ، فَلَمَّا انْتَصَفَ رَبِيعٌ الْآخِرُ قَصَدَ الْمُوَفَّقُ إِلَى مَدِينَةِ الْخَبِيثِ، وَفَرَّقَ قُوَّادَهُ عَلَى جِهَاتِهَا، وَجَعَلَ مَعَ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ مِنَ النَّقَّابِينَ جَمَاعَةً لِهَدْمِ السُّورِ، وَتَقَدَّمَ إِلَى جَمِيعِهِمْ أَنْ لَا يَزِيدُوا عَلَى هَدْمِ السُّورِ، وَلَا يَدْخُلُوا الْمَدِينَةَ، وَتَقَدَّمَ إِلَى الرُّمَاةِ أَنْ يَحْمُوا بِالسِّهَامِ مَنْ يَهْدِمُ السُّورَ وَيَنْقُبُهُ، فَتَقَدَّمُوا إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَاتِهَا وَقَابَلُوهَا، فَوَصَلُوا إِلَى السُّورِ، وَثَلَمُوهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ. (وَدَخَلَ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ مِنْ جَمِيعِ تِلْكَ الثُّلَمِ، وَجَاءَ أَصْحَابُ الْخَبِيثِ يُحَارِبُونَهُمْ) ، فَهَزَمَهُمْ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ وَتَبِعُوهُمْ حَتَّى أَوْغَلُوا فِي طَلَبِهِمْ، فَاخْتَلَفَتْ

стр. 3340

بِهِمْ طُرُقُ الْمَدِينَةِ، فَبَلَغُوا أَبْعَدَ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَصَلُوا إِلَيْهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَأَحْرَقُوا، وَأَسَرُوا، وَتَرَاجَعَ الزَّنْجُ عَلَيْهِمْ، وَخَرَجَ الْكُمَنَاءُ مِنْ مَوَاضِعَ يَعْرِفُونَهَا وَيَجْهَلُهَا الْآخَرُونَ، فَتَحَيَّرُوا، وَدَافَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَتَرَاجَعُوا نَحْوَ دِجْلَةَ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، وَأَخَذَ الزَّنْجُ أَسْلَابَهُمْ. وَرَجَعَ الْمُوَفَّقُ إِلَى مَدِينَتِهِ، وَأَمَرَ بِجَمْعِهِمْ، فَلَامَهُمْ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ، وَالْإِفْسَادِ عَلَيْهِ مِنْ رَأْيِهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَأَمَرَ بِإِحْصَاءِ مَنْ فُقِدَ، وَأَقَرَّ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ رِزْقٍ عَلَى أَوْلَادِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ، فَحَسُنَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وَزَادَ فِي صِحَّةِ نِيَّاتِهِمْ. ذِكْرُ الْوَقْعَةِ بَيْنَ الْمُعْتَضِدِ وَالْأَعْرَابِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَوْقَعَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُوَفَّقِ - وَهُوَ الْمُعْتَضِدُ بِاللَّهِ - بِقَوْمٍ مِنَ الْأَعْرَابِ كَانُوا يَحْمِلُونَ الْمِيرَةَ إِلَى عَسْكَرِ الْخَبِيثِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً وَأَسَرَ الْبَاقِينَ، وَغَنِمَ مَا كَانَ مَعَهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ مَنْ أَقَامَ بِهَا لِأَجْلِ قَطْعِ الْمِيرَةِ. وَسَيَّرَ الْمُوَفَّقُ رَشِيقًا مَوْلَى أَبِي الْعَبَّاسِ، فَأَوْقَعَ بِقَوْمٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ كَانُوا يَجْلِبُونَ الْمِيرَةَ إِلَى الْخَبِيثِ، فَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ، وَأَسَرَ جَمَاعَةً مِنْهُمْ، فَحَمَلَ الْأَسْرَى، وَالرُّءُوسَ إِلَى الْمُوَفَّقِيَّةِ، فَأَمَرَ بِهِمُ الْمُوَفَّقُ، فَوَقَفُوا بِإِزَاءِ عَسْكَرِ الزَّنْجِ، وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ يُسْفِرُ بَيْنَ صَاحِبِ الزَّنْجِ وَالْأَعْرَابِ بِجَلْبِ الْمِيرَةِ، فَقُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ، وَأُلْقِيَ فِي عَسْكَرِ الْخَبِيثِ، وَأَمَرَ بِضَرْبِ أَعْنَاقِ الْأُسَارَى، وَانْقَطَعَتِ الْمِيرَةُ بِذَلِكَ عَنِ الْخَبِيثِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَأَضَرَّ بِهِمُ الْحِصَارُ، وَأَضْعَفَ أَبْدَانَهُمْ، فَكَانَ يَسْأَلُ الْأَسِيرَ، وَالْمُسْتَأْمِنَ عَنْ عَهْدِهِ بِالْخُبْزِ فَيَقُولُ: عَهْدِي بِهِ مُنْذُ زَمَانٍ طَوِيلٍ. فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى هَذَا الْحَالِ رَأَى الْمُوَفَّقُ أَنْ يُتَابِعَ عَلَيْهِمُ الْحَرْبَ لِيَزِيدَهُمْ ضُرًّا وَجَهْدًا، فَكَثُرَ الْمُسْتَأْمِنُونَ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَخَرَجَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ الْخَبِيثِ، فَتَفَرَّقُوا فِي الْقُرَى وَالْأَنْهَارِ الْبَعِيدَةِ فِي طَلَبِ الْقُوتِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُوَفَّقَ، فَأَمَرَ جَمَاعَةً مِنْ قُوَّادِ غِلْمَانِهِ السُّودَانِ بِقَصْدِ تِلْكَ الْمَوْضِعِ وَدَعْوَةِ مَنْ بِهَا إِلَيْهِ، فَمَنْ أَبَى قَتَلُوهُ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا

стр. 3341

كَثِيرًا، وَأَتَاهُ أَكْثَرُ مِنْهُمْ. فَلَمَّا كَثُرَ الْمُسْتَأْمِنُونَ عِنْدَ الْمُوَفَّقِ عَرَضَهُمْ، فَمَنْ كَانَ ذَا قُوَّةٍ وَجَلَدٍ أَحْسَنَ إِلَيْهِ وَخَلَطَهُ بِغِلْمَانِهِ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ ضَعِيفًا، أَوْ شَيْخًا، أَوْ جَرِيحًا قَدْ أَزْمَنَتْهُ الْجِرَاحَةُ كَسَاهُ، وَأَعْطَاهُ دَرَاهِمَ، وَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُحْمَلَ إِلَى عَسْكَرِ الْخَبِيثِ (فَيُلْقَى هُنَاكَ) ، وَيُؤْمَرَ بِذِكْرِ مَا رَأَى مِنْ إِحْسَانِ الْمُوَفَّقِ إِلَى مَنْ صَارَ إِلَيْهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ رَأْيُهُ فِيهِمْ. فَتَهَيَّأَ لَهُ بِذَلِكَ مَا أَرَادَ مِنَ اسْتِمَالَةِ أَصْحَابِ الْخَبِيثِ. وَجَعَلَ الْمُوَفَّقُ وَابْنُهُ أَبُو الْعَبَّاسِ يُلَازِمَانِ قِتَالَ الْخَبِيثِ تَارَةً هَذَا وَتَارَةً هَذَا، وَجُرِحَ أَبُو الْعَبَّاسِ ثُمَّ بَرَأَ. وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ قُتِلَ مِنْ (أَعْيَانِ قُوَّادِ) الْخَبِيثِ بَهْبُودُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْخُرُوجِ فِي السُّمَيْرِيَّاتِ، وَكَانَ يَنْصِبُ عَلَيْهَا أَعْلَامًا تُشْبِهُ أَعْلَامَ الْمُوَفَّقِ، فَإِذَا رَأَى مَنْ يَسْتَضْعِفُهُ أَخَذَهُ، وَأَخَذَ مِنْ ذَلِكَ مَالًا جَزِيلًا، فَوَاقَعَهُ فِي بَعْضِ خَرَجَاتِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ، فَأَفْلَتَ بَعْدَ أَنْ أَشَفَى عَلَى الْهَلَاكِ، ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ مَرَّةً أُخْرَى فَرَأَى سُمَيْرِيَّةً فِيهَا بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي الْعَبَّاسِ، فَقَصَدَهَا طَامِعًا فِي أَخْذِهَا، فَحَارَبَهُ أَهْلُهَا، فَطَعَنَهُ غُلَامٌ مِنْ غِلْمَانِ أَبِي الْعَبَّاسِ فِي بَطْنِهِ فَسَقَطَ فِي الْمَاءِ، فَأَخَذَهُ أَصْحَابُهُ، فَحَمَلُوهُ إِلَى عَسْكَرِ الْخَبِيثِ، فَمَاتَ قَبْلَ وُصُولِهِ، (فَأَرَاحَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ شَرِّهِ) . وَكَانَ قَتْلُهُ مِنْ أَعْظَمِ الْفُتُوحِ، وَعَظُمَتِ الْفَجِيعَةُ عَلَى الْخَبِيثِ وَأَصْحَابِهِ، وَاشْتَدَّ جَزَعُهُمْ عَلَيْهِ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْمُوَفَّقَ بِقَتْلِهِ، فَأَحْضَرَ ذَلِكَ الْغُلَامَ، فَوَصَلَهُ، وَكَسَاهُ، وَطَوَّقَهُ، وَزَادَ فِي أَرْزَاقِهِ، وَفَعَلَ بِكُلِّ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي تِلْكَ السُّمَيْرِيَّةِ نَحْوَ ذَلِكَ. ثُمَّ ظَفِرَ الْمُوَفَّقُ بِالذَّوَائِبِيِّ، وَكَانَ مُمَايِلًا لِصَاحِبِ الزَّنْجِ.

стр. 3342

ذِكْرُ أَخْبَارِ رَافِعِ بْنِ هَرْثَمَةَ لَمَّا قُتِلَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُجُسْتَانِيُّ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَانَ قَتْلُهُ هَذِهِ السَّنَةَ، اتَّفَقَ أَصْحَابُهُ عَلَى رَافِعِ بْنِ هَرْثَمَةَ فَوَلَّوْهُ أَمْرَهُمْ. وَكَانَ رَافِعٌ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، فَلَمَّا اسْتَوْلَى يَعْقُوبُ بْنُ اللَّيْثِ عَلَى نَيْسَابُورَ، وَأَزَالَ الطَّاهِرِيَّةَ، صَارَ رَافِعٌ فِي جُمْلَتِهِ، فَلَمَّا عَادَ يَعْقُوبُ إِلَى سِجِسْتَانَ صَحِبَهُ رَافِعٌ، وَكَانَ طَوِيلَ اللِّحْيَةِ، كَرِيهَ الْوَجْهِ، قَلِيلَ الطَّلَاقَةِ، فَدَخَلَ يَوْمًا عَلَى يَعْقُوبَ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: أَنَا لَا أَمِيلُ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَلْيَلْحَقْ بِمَا شَاءَ مِنَ الْبِلَادِ، فَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ، فَفَارَقَهُ وَعَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ بِتَامِينَ، وَهِيَ مِنْ بَاذَغِيسَ، وَأَقَامَ بِهِ إِلَى أَنِ اسْتَقْدَمَهُ الْخُجُسْتَانِيُّ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَجَعَلَهُ صَاحِبَ جَيْشِهِ. فَلَمَّا قُتِلَ الْخُجُسْتَانِيُّ اجْتَمَعَ الْجَيْشُ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِهَرَاةَ، فَأَمَّرُوهُ كَمَا ذَكَرْنَا. وَسَارَ رَافِعٌ مِنْ هَرَاةَ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ بْنِ شَرْكُبَ قَدْ وَرَدَهَا مِنْ جُرْجَانَ، فَحَصَرَهُ فِيهَا رَافِعٌ وَقَطَعَ الْمِيرَةَ عَنْهُ وَعَنْ نَيْسَابُورَ، (فَاشْتَدَّ الْغَلَاءُ بِهَا، فَفَارَقَهَا أَبُو طَلْحَةَ، وَدَخَلَهَا رَافِعٌ فَأَقَامَ بِهَا) ، وَذَلِكَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، فَسَارَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى مَرْوَ، وَوَلَّى مُحَمَّدَ بْنَ مُهْتَدِي هَرَاةَ، وَخُطِبَ لِمُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ بِمَرْوَ وَهَرَاةَ، فَقَصَدَهُ عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ، فَحَارَبَهُ، فَهَزَمَهُ، وَاسْتَخْلَفَ عَمْرٌو بِمَرْوَ مُحَمَّدَ بْنَ سَهْلِ بْنِ هَاشِمٍ، وَعَادَ عَنْهَا، وَخَرَجَ شَرْكُبُ إِلَى بِيكَنْدَ، وَاسْتَعَانَ بِإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ السَّامَانِيِّ، فَأَمَدَّهُ بِعَسْكَرِهِ، فَعَادَ إِلَى مَرْوَ، فَأَخْرَجَ عَنْهَا مُحَمَّدَ بْنَ سَهْلٍ، وَأَغَارَ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ، وَخُطِبَ لِعَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ، وَذَلِكَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ [وَمِائَتَيْنِ] . وَقَلَّدَ الْمُوَفَّقُ تِلْكَ السَّنَةَ أَعْمَالَ خُرَاسَانَ مُحَمَّدَ بْنَ طَاهِرٍ، وَكَانَ بِبَغْدَاذَ فَاسْتَخْلَفَ مُحَمَّدٌ عَلَى أَعْمَالِهِ رَافِعَ بْنَ هَرْثَمَةَ، مَا خَلَا مَا وَرَاءَ النَّهْرِ فَإِنَّهُ أَقَرَّ عَلَيْهِ نَصْرَ بْنَ أَحْمَدَ، وَوَرَدَتْ كُتُبُ الْمُوَفَّقِ إِلَى خُرَاسَانَ بِذَلِكَ، وَبِعَزْلِ عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ وَلَعْنِهِ، فَسَارَ رَافِعٌ إِلَى هَرَاةَ وَبِهَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهْتَدِي خَلِيفَةُ أَبِي طَلْحَةَ شَرْكُبَ، فَقَتَلَهُ يُوسُفُ بْنُ مَعْبَدٍ، وَأَقَامَ بِهَرَاةَ، فَلَمَّا وَافَاهُ رَافِعٌ اسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ يُوسُفُ فَأَمَّنَهُ وَعَفَا عَنْهُ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَى هَرَاةَ مَهْدِيَّ بْنَ مُحْسِنٍ، فَاسْتَمَدَّ رَافِعُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَحْمَدَ، فَسَارَ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ، وَاسْتَقْدَمَ رَافِعٌ أَيْضًا عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ الْمَرْوَرُّوذِيَّ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَسَارُوا بِأَجْمَعِهِمْ إِلَى

стр. 3343

شَرْكُبَ، وَهُوَ بِمَرْوَ، فَحَارَبُوهُ فَهَزَمُوهُ، وَعَادَ إِسْمَاعِيلُ (إِلَى مَحَازِلَ) (؟) وَذَلِكَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَسَارَ شَرْكُبُ إِلَى هَرَاةَ، فَطَابَقَهُ مَهْدِيٌّ وَخَالَفَ رَافِعًا، فَقَصَدَهُمَا رَافِعٌ فَهَزَمَهُمَا. وَأَمَّا شَرْكُبُ فَإِنَّهُ لَحِقَ بِعَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ، وَأَمَّا مَهْدِيٌّ فَإِنَّهُ اخْتَفَى فِي سَرَبٍ، فَدُلَّ عَلَيْهِ رَافِعٌ، فَأَخَذَهُ، وَقَالَ لَهُ: تَبًّا لَكَ يَا قَلِيلَ الْوَفَاءِ! ثُمَّ عَفَا عَنْهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ، وَسَارَ رَافِعٌ إِلَى خُوَارِزْمَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ [وَمِائَتَيْنِ] ، فَجَبَى أَمْوَالَهَا، وَرَجَعَ إِلَى نَيْسَابُورَ. ذِكْرُ الْحَوَادِثِ بِالْأَنْدَلُسِ وَبِإِفْرِيقِيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ جَيْشًا مَعَ ابْنِهِ الْمُنْذِرِ إِلَى الْمُخَالِفِينَ عَلَيْهِ، فَقَصَدَ مَدِينَةَ سَرَقُسْطَةَ، فَأَهْلَكَ زَرْعَهَا، وَخَرَّبَ بَلَدَهَا، وَافْتَتَحَ حِصْنَ رُوطَةَ، فَأَخَذَ مِنْهُ عَبْدَ الْوَاحِدِ الرُّوطِيَّ، وَهُوَ مِنْ أَشْجَعِ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَتَقَدَّمَ إِلَى دَيْرِ تَرُوجَةَ، وَبَلَدِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْكَبِ بْنِ مُوسَى، فَهَتَكَهُمَا بِالْغَارَةِ، وَقَصَدَ مَدِينَةَ لَارَدَةَ، وَقَرْطَاجَةَ، فَكَانَ فِيهَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى، فَحَارَبَهُ، فَأَذْعَنَ إِسْمَاعِيلُ بِالطَّاعَةِ، وَتَرَكَ الْخِلَافَ، وَأَعْطَى رَهَائِنَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَصَدَ مَدِينَةَ أَنْقَرَةَ وَهِيَ لِلْمُشْرِكِينَ، فَافْتَتَحَ هُنَالِكَ حُصُونًا وَعَادَ. وَفِيهَا أَوْقَعَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْأَغْلَبِ بِأَهْلِ بَلَدِ الزَّابِ، وَكَانَ قَدْ حَضَرَ وُجُوهُهُمْ عِنْدَهُ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَوَصَلَهُمْ، وَكَسَاهُمْ، وَحَمَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلَ أَكْثَرَهُمْ، حَتَّى الْأَطْفَالَ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى الْعَجَلِ إِلَى حُفْرَةٍ فَأَلْقَاهُمْ فِيهَا. وَفِيهَا سَارَتْ سَرِيَّةٌ بِصِقِلِّيَةَ مُقَدَّمُهَا رَجُلٌ يُعْرَفُ بِأَبِي الثَّوْرِ، فَلَقِيَهُمْ جَيْشُ الرُّومِ، فَأُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ غَيْرَ سَبْعَةِ نَفَرٍ. وَعُزِلَ الْحَسَنُ بْنُ الْعَبَّاسِ عَنْ صِقِلِّيَةَ، وَوَلِيَهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، فَبَثَّ السَّرَايَا فِي

стр. 3344

كُلِّ نَاحِيَةٍ مِنْ صِقِلِّيَةَ، وَخَرَجَ هُوَ فِي حَشْدٍ وَجَمْعٍ عَظِيمٍ، فَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ قَطَانِيَةَ فَأَهْلَكَ زَرْعَهَا، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى أَصْحَابِ الشَّلَنْدِيَّةِ فَقَاتَلَهُمْ، فَأَصَابَ فِيهِمْ فَأَكْثَرَ الْقَتْلَ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى طَبَرْمِينَ فَأَفْسَدَ زَرْعَهَا، ثُمَّ رَحَلَ فَلَقِيَ عَسَاكِرَ الرُّومِ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الرُّومُ، وَقُتِلَ أَكْثَرُهُمْ فَكَانَتْ عِدَّةُ الْقَتْلَى ثَلَاثَةَ آلَافِ قَتِيلٍ، وَوَصَلَتْ رُءُوسُهُمْ إِلَى بَلَرْمَ. ثُمَّ سَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى قَلْعَةٍ كَانَ الرُّومُ بَنَوْهَا عَنْ قَرِيبٍ، وَسَمَّوْهَا مَدِينَةَ الْمَلِكِ، فَمَلَكَهَا الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً، وَقَتَلُوا مُقَاتِلَتَهَا، وَسَبَوْا مَنْ فِيهَا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِيهَا سَارَ عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ إِلَى فَارِسَ لِحَرْبِ عَامِلِهَا مُحَمَّدِ بْنِ اللَّيْثِ عَلَيْهَا، فَهَزَمَهُ عَمْرٌو، وَاسْتَبَاحَ عَسْكَرَهُ، وَنَجَا مُحَمَّدٌ، وَدَخَلَ عَمْرٌو إِصْطَخْرَ، فَنَهَبَهَا، وَأَصْحَابُهُ، وَوَجَّهَ فِي طَلَبِ مُحَمَّدٍ، فَظَفِرَ بِهِ، وَأَخَذَهُ أَسِيرًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى شِيرَازَ فَأَقَامَ بِهَا. وَفِيهَا زُلْزِلَتْ بَغْدَاذُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَوَقَعَ بِهَا (أَرْبَعُ) صَوَاعِقَ. وَفِيهَا زَحَفَ الْعَبَّاسُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ لِحَرْبِ أَبِيهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَبُوهُ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَظَفِرَ بِهِ، وَرَدَّهُ إِلَى مِصْرَ، فَرَجَعَ مَعَهُ إِلَيْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ خَبَرُهُ سَابِقًا. وَفِيهَا أَوْقَعَ أَخُو شَرْكُبَ بِالْخُجُسْتَانِيِّ، وَأَخَذَ أُمَّهُ. (وَفِيهَا وَثَبَ ابْنُ شَبَثِ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَأَسَرَ عُمَرَ بْنَ سِيمَا عَامِلَ حُلْوَانَ) . وَفِيهَا انْصَرَفَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْأَصْبَغِ مِنْ عِنْدِ عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ، وَكَانَ عَمْرٌو قَدْ أَنْفَذَهُ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفَ، فَقَدِمَ مَعَهُ بِمَالٍ، فَأَرْسَلَ عَمْرٌو إِلَى الْمُوَفَّقِ مِنَ

стр. 3345

الْمَالِ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَخَمْسِينَ مَنًّا مِسْكًا، وَخَمْسِينَ مَنًّا عَنْبَرًا، وَمِائَتَيْ مَنٍّ عُودٍ، وَثَلَاثَمِائَةِ ثَوْبٍ وَشِيٍّ، وَآنِيَةَ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَدَوَابَّ، وَغِلْمَانًا بِقِيمَةِ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ. وَفِيهَا وَلِيَ كَيْغَلَغُ الْخَلِيلُ بْنُ رَمَّالٍ حُلْوَانَ، فَنَالَهُمْ بِالْمَكَارِهِ بِسَبَبِ عُمَرَ بْنِ سِيمَا، وَأَخَذَهُمْ بِجَرِيرَةِ ابْنِ شَبَثٍ، وَضَمِنُوا لَهُ خَلَاصَ عُمَرَ، وَإِصْلَاحَ ابْنِ شَبَثٍ. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ أَذْكُوتَكِينَ بْنِ أَسَاتِكِينَ، وَبَيْنَ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفَ، فَهَزَمَهُ أَذْكُوتَكِينُ، وَغَلَبَهُ عَلَى قُمَّ. وَفِيهَا وَجَّهَ عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ قَائِدًا بِأَمْرِ أَبِي أَحْمَدَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْكُرْدِيِّ، فَأَسَرَهُ الْقَائِدُ وَحَمَلَهُ إِلَيْهِ. وَفِيهَا، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، خَرَجَ بِالشَّامِ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ الْهَاشِمِيِّ يُقَالُ لَهُ بَكَّارٌ بَيْنَ سَلَمِيَّةَ، وَحَلَبَ، وَحِمْصَ، فَدَعَا لِأَبِي أَحْمَدَ، فَحَارَبَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ الْكِلَابِيُّ، فَانْهَزَمَ الْكِلَابِيُّ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ لُؤْلُؤٌ صَاحِبُ ابْنِ طُولُونَ قَائِدًا يُقَالُ لَهُ يُوذَرُ فِي عَسْكَرٍ، فَرَجَعَ وَلَيْسَ مَعَهُ كَبِيرُ أَمْرٍ. وَفِيهَا أَظْهَرَ لُؤْلُؤٌ الْخِلَافَ عَلَى مَوْلَاهُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ. وَفِيهَا قُتِلُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُجُسْتَانِيُّ فِي ذِي الْحِجَّةِ، (قَتَلَهُ غُلَامٌ لَهُ) .

стр. 3346

وَفِيهَا قَتَلَ أَصْحَابُ أَبِي السَّاجِ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ حَبِيبٍ الْيَشْكُرِيَّ بِالْقَرْيَةِ، بِنَاحِيَةِ وَاسِطَ، وَنُصِبَ رَأْسُهُ بِبَغْدَاذَ. وَفِيهَا حَارَبَ مُحَمَّدُ بْنُ كِيجُورَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ كَفْتِمُرَ، فَأَسَرَ كَفْتِمُرَ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ، وَذَلِكَ فِي ذِي الْحِجَّةِ. وَفِيهَا سَارَ أَبُو الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ إِلَى مَكَّةَ، وَعَامِلُهَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيُّ، فَجَمَعَ هَارُونُ جَمْعًا احْتَمَى بِهِمْ، فَسَارَ الْمَخْزُومِيُّ إِلَى مُشَاشَ فَغَوَّرَ مَاءَهَا، وَإِلَى جُدَّةَ فَنَهَبَ الطَّعَامَ، وَأَحْرَقَ بُيُوتَ أَهْلِهَا، فَصَارَ الْخُبْزُ بِمَكَّةَ أُوقِيَّتَانِ بِدِرْهَمٍ. وَفِيهَا خَرَجَ مَلِكُ الرُّومِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الصَّقْلَبِيَّةِ، فَنَازَلَ مَلْطِيَةَ، فَأَعَانَهُمْ أَهْلُ مَرْعَشَ، وَالْحَدَثِ، فَانْهَزَمَ مَلِكُ الرُّومِ. وَغَزَا الصَّائِفَةَ مِنْ نَاحِيَةِ الثُّغُورِ الشَّامِيَّةِ، الْفَرْغَانِيُّ عَامِلُ ابْنِ طُولُونَ، فَقَتَلَ مِنَ الرُّومِ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَغَنِمَ النَّاسُ، فَبَلَغَ السَّهْمُ أَرْبَعِينَ دِينَارًا. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، وَابْنُ أَبِي السَّاجِ عَلَى الْأَحْدَاثِ وَالطَّرِيقِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ، وَكَانَ قَدْ صَحِبَ الشَّافِعِيَّ، وَأَخَذَ عَنْهُ الْعِلْمَ.

стр. 3347

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٦٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ أَخْبَارِ الزَّنْجِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ رُمِيَ الْمُوَفَّقُ بِسَهْمٍ فِي صَدْرِهِ ; وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بَهْبُودَ لَمَّا هَلَكَ طَمِعَ الْعَلَوِيُّ فِي مَالَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَكَانَ قَدْ صَحَّ عِنْدَهُ أَنَّ مَلِكَهُ قَدْ حَوَى مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَجَوْهَرًا، وَفِضَّةً، فَطَلَبَ ذَلِكَ، وَأَخَذَ أَهْلَهُ وَأَصْحَابَهُ فَضَرَبَهُمْ، وَهَدَمَ أَبْنِيَتَهُ طَمَعًا فِي الْمَالِ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَكَانَ فِعْلُهُ مِمَّا أَفْسَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْهَرَبِ مِنْهُ، فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ بِالنِّدَاءِ بِالْأَمَانِ فِي أَصْحَابِ بَهْبُودَ، فَسَارَعُوا إِلَيْهِ فَأَلْحَقَهُمْ فِي الْعَطَاءِ بِمَنْ تَقَدَّمَ. وَرَأَى الْمُوَفَّقُ مَا كَانَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مِنَ الْعُبُورِ إِلَى الزَّنْجِ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي تَهُبُّ فِيهَا الرِّيَاحُ لِتُحَرِّكَ الْأَمْوَاجَ، فَعَزَمَ عَلَى أَنْ يُوَسِّعَ لِنَفْسِهِ وَلِأَصْحَابِهِ مَوْضِعًا فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، فَأَمَرَ بِقَطْعِ النَّخْلِ وَإِصْلَاحِ الْمَكَانِ، وَأَنْ يُعْمَلَ لَهُ الْخَنَادِقُ، وَالسُّورُ لِيَأْمَنَ الْبَيَاتَ، وَجَعَلَ حِمَايَةَ الْعَامِلِينَ فِيهِ نُوَبًا عَلَى قُوَّادِهِ. فَعَلِمَ صَاحِبُ الزَّنْجِ، وَأَصْحَابُهُ أَنَّ الْمُوَفَّقَ إِذَا جَاوَرَهُمْ قَرَّبَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ اللَّحَاقَ بِهِ الْمَسَافَةَ مَعَ مَا يَدْخُلُ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ مِنَ الْخَوْفِ، وَانْتِقَاضِ تَدْبِيرِهِ عَلَيْهِ، فَاهْتَمُّوا بِمَنْعِ الْمُوَفَّقِ مِنْ ذَلِكَ، وَبُذِلَ الْجُهْدُ فِيهِ، وَقَاتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، فَاتَّفَقَ أَنَّ الرِّيحَ عَصَفَتْ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَيَّامِ وَقَائِدٌ مِنَ الْقُوَّادِ هُنَاكَ، فَانْتَهَزَ الْخَبِيثُ الْفُرْصَةَ فِي إِنْفَاذِ هَذَا الْقَائِدِ، وَانْقِطَاعِ الْمَدَدِ عَنْهُ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ جَمِيعَ أَصْحَابِهِ، فَقَاتَلُوهُ، فَهَزَمُوهُ، وَقَتَلُوا كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَمْ تَجِدِ الشَّذَوَاتُ الَّتِي لِأَصْحَابِ الْمُوَفَّقِ سَبِيلًا إِلَى الْقُرْبِ مِنْهُمْ خَوْفًا مِنَ الزَّنْجِ أَنْ تُلْقِيَهَا عَلَى الْحِجَارَةِ فَتَنْكَسِرَ، فَغَلَبَ الزَّنْجُ عَلَيْهِمْ، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ وَالْأَسْرَ، وَمَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الشَّذَوَاتِ وَعَبَرُوا إِلَى الْمُوَفَّقِيَّةِ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ.

стр. 3348

وَنَظَرَ الْمُوَفَّقُ فَرَأَى أَنَّ نُزُولَهُ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ لَا يَأْمَنُ عَلَيْهِ حِيلَةَ الزَّنْجِ وَصَاحِبِهِمْ، وَانْتِهَازِ فُرْصَةٍ، لِكَثْرَةِ الْأَدْغَالِ، وَصُعُوبَةِ الْمَسَالِكِ، وَأَنَّ الزَّنْجَ أَعْرَفُ بِتِلْكَ الْمَضَايِقِ، وَأَجْرَأُ عَلَيْهَا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَتَرَكَ ذَلِكَ، وَجَعَلَ قَصْدَهُ إِلَى هَدْمِ سُورِ الْفَاسِقِ، وَتَوْسِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالْمَسَالِكِ، فَأَمَرَ بِهَدْمِ السُّورِ مِنْ نَاحِيَةِ النَّهْرِ الْمَعْرُوفِ بِمَنْكِيٍّ، وَبَاشَرَ الْحَرْبَ بِنَفْسِهِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ، وَالْجِرَاحُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَدَامَ ذَلِكَ أَيَّامًا عِدَّةً. وَكَانَ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْوُلُوجَ لِقَنْطَرَتَيْنِ كَانَتَا فِي نَهْرِ مَنْكِيٍّ، كَانَ الزَّنْجُ يَعْبُرُونَ عَلَيْهِمَا وَقْتَ الْقِتَالِ، فَيَأْتُونَ أَصْحَابَ الْمُوَفَّقِ مِنْ وَرَاءِ ظُهُورِهِمْ فَيَنَالُونَ مِنْهُمْ، فَعَمِلَ الْحِيلَةَ فِي إِزَالَتِهِمَا، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِقَصْدِهِمَا عِنْدَ اشْتِغَالِ الزَّنْجِ، وَغَفْلَتِهِمْ عَنْ حِرَاسَتِهِمَا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُعِدُّوا الْفُئُوسَ، وَالْمَنَاشِيرَ، وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْآلَاتِ، فَقَصَدُوا الْقَنْطَرَةَ الْأُولَى نِصْفَ النَّهَارِ، فَأَتَاهُمُ الزَّنْجُ لِمَنْعِهِمْ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الزَّنْجُ، وَكَانَ مُقَدِّمَهُمْ أَبُو النَّدَى، فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فِي صَدْرِهِ فَقَتَلَهُ، وَقَطَعَ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ الْقَنْطَرَتَيْنِ وَرَجَعُوا. وَأَلَحَّ الْمُوَفَّقُ عَلَى الْخَبِيثِ بِالْحَرْبِ، وَهَدَمَ أَصْحَابُهُ مِنَ السُّورِ مَا أَمْكَنَهُمْ، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ وَقَاتَلُوا فِيهَا، وَانْتَهَوْا إِلَى دَارَيِ ابْنِ سَمْعَانَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ جَامِعٍ، فَهَدَمُوهُمَا وَنَهَبُوا مَا فِيهِمَا، وَانْتَهَوْا إِلَى سُوَيْقَةٍ لِلْخَبِيثِ، سَمَّاهَا الْمَيْمُونَةَ، فَهُدِمَتْ، وَأُخْرِبَتْ، وَهَدَمُوا دَارَ الْجُبَّائِيِّ، وَانْتَهَبُوا مَا كَانَ فِيهَا مِنْ خَزَائِنِ الْفَاسِقِ، وَتَقَدَّمُوا إِلَى الْجَامِعِ لِيَهْدِمُوهُ، فَاشْتَدَّتْ مُحَامَاةُ الزَّنْجِ عَنْهُ، فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ ; لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ خَلُصَ مَعَ الْخَبِيثِ نُخْبَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَرْبَابِ الْبَصَائِرِ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يُقْتَلُ، أَوْ يُجْرَحُ، فَيَجْذِبُهُ الَّذِي إِلَى جَنْبِهِ وَيَقِفُ مَكَانَهُ. فَلَمَّا رَأَى الْمُوَفَّقُ ذَلِكَ أَمَرَ أَبَا الْعَبَّاسِ بِقَصْدِ الْجَامِعِ مِنْ أَحَدِ أَرْكَانِهِ بِشُجْعَانِ أَصْحَابِهِ، وَأَضَافَ إِلَيْهِمُ الْفَعَلَةَ لِلْهَدْمِ، وَنَصَبَ السَّلَالِيمَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَقَاتَلَ عَلَيْهِ أَشَدَّ قِتَالٍ، فَوَصَلُوا إِلَيْهِ، فَهَدَمُوهُ، فَأُخِذَ مِنْبَرُهُ، فَأُتِيَ بِهِ الْمُوَفَّقُ، ثُمَّ عَادَ الْمُوَفَّقُ لِهَدْمِ السُّورِ

стр. 3349

فَأَكْثَرَ مِنْهُ، وَأَخَذَ أَصْحَابُهُ دَوَاوِينَ الْخَبِيثِ وَبَعْضَ خَزَائِنِهِ، فَظَهَرَ لِلْمُوَفَّقِ أَمَارَاتُ الْفَتْحِ، فَإِنَّهُمْ لَعَلَى ذَلِكَ إِذْ وَصَلَ سَهْمٌ إِلَى الْمُوَفَّقِ فَأَصَابَهُ فِي صَدْرِهِ، رَمَاهُ بِهِ رُومِيٌّ كَانَ مِنْ صَاحِبِ الزَّنْجِ، اسْمُهُ قِرْطَاسُ، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، فَسَتَرَ الْمُوَفَّقُ ذَلِكَ، وَعَادَ إِلَى مَدِينَتِهِ وَبَاتَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْحَرْبِ عَلَى مَا بِهِ مِنْ أَلَمِ الْجِرَاحِ لِيَشْتَدَّ بِذَلِكَ قُلُوبُ أَصْحَابِهِ، فَزَادَ فِي عِلَّتِهِ، وَعَظُمَ أَمْرُهَا، حَتَّى خِيفَ عَلَيْهِ. وَاضْطَرَبَ الْعَسْكَرُ، وَالرَّعِيَّةُ، وَخَافُوا، فَخَرَجَ مِنْ مَدِينَتِهِ جَمَاعَةٌ، وَأَتَاهُ الْخَبَرُ، وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالِ، بِحَادِثٍ فِي سُلْطَانِهِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ وَثِقَاتُهُ بِأَنْ يَعُودَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَيُخَلِّفَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَأَبَى ذَلِكَ، وَخَافَ أَنْ يَسْتَقِيمَ مِنْ حَالِ الْخَبِيثِ مَا فَسَدَ، وَاحْتَجَبَ عَنِ النَّاسِ مُدَّةً، ثُمَّ بَرَأَ مِنْ عِلَّتِهِ، وَظَهَرَ لَهُمْ، وَنَهَضَ لِحَرْبِ الْخَبِيثِ، وَكَانَ ظُهُورُهُ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. ذِكْرُ إِحْرَاقِ قَصْرِ صَاحِبِ الزَّنْجِ لَمَّا صَحَّ الْمُوَفَّقُ مِنْ جِرَاحِهِ عَادَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ مُحَارَبَةِ الْعَلَوِيِّ، وَكَانَ قَدْ أَعَادَ [بِنَاءَ] بَعْضِ الثُّلَمِ فِي السُّورِ، فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ بِهَدْمِ ذَلِكَ، وَهَدْمِ مَا يَتَّصِلُ بِهِ. وَرَكِبَ فِي بَعْضِ الْعَشَايَا، وَكَانَ الْقِتَالُ، ذَلِكَ الْيَوْمَ مُتَّصِلًا مِمَّا يَلِي نَهْرَ مَنْكِيٍّ، وَالزَّنْجُ مُجْتَمِعُونَ فِيهِ قَدْ شُغِلُوا بِتِلْكَ الْجِهَةِ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْتَوْنَ إِلَّا مِنْهَا، فَأَتَى الْمُوَفَّقُ وَمَعَهُ الْفَعَلَةُ، وَقَرُبَ مِنْ نَهْرِ مَنْكِيٍّ، وَقَاتَلَهُمْ، فَلَمَّا اشْتَدَّتِ الْحَرْبُ أَمَرَ الَّذِينَ بِالشَّذَوَاتِ بِالْمَسِيرِ إِلَى أَسْفَلِ نَهْرِ أَبِي الْخَصِيبِ، وَهُوَ فَارِغٌ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ (وَالرَّجَّالَةِ، فَقَدِمَ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ، وَأَخْرَجُوا الْفَعَلَةَ، فَهَدَمُوا السُّورَ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَصَعِدَ الْمُقَاتِلَةُ) ، فَقَتَلُوا فِي النَّهْرِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَانْتَهَوْا إِلَى قُصُورٍ مِنْ قُصُورِ الزَّنْجِ فَأَحْرَقُوهَا، وَانْتَهَبُوا مَا فِيهَا، وَاسْتَنْقَذُوا عَدَدًا كَثِيرًا مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي كُنَّ فِيهَا، وَغَنِمُوا مِنْهَا. وَانْصَرَفَ الْمُوَفَّقُ، عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، بِالظَّفَرِ وَالسَّلَامَةِ، وَبَكَّرَ إِلَى حَرْبِهِمْ، وَهَدْمِ السُّورِ، فَأَسْرَعَ الْهَدْمَ حَتَّى اتَّصَلَ بِدَارِ الْكِلَابِيِّ وَهِيَ مُتَّصِلَةٌ بِدَارِ الْخَبِيثِ، فَلَمَّا أَعْيَتِ الْخَبِيثَ الْحِيَلُ أَشَارَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ بِإِجْرَاءِ الْمَاءِ عَلَى السِّبَاخِ، وَأَنْ يَحْفِرَ خَنَادِقَ فِي

стр. 3350

مَوَاضِعَ عِدَّةٍ تَمْنَعُهُمْ عَنْ دُخُولِ الْمَدِينَةِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَرَأَى الْمُوَفَّقُ أَنْ يَجْعَلَ قَصْدَهُ لِطَمِّ الْخَنَادِقِ، وَالْأَنْهَارِ، وَالْمَوَاضِعِ الْمُغَوَّرَةِ، فَدَامَ ذَلِكَ، فَحَامَى عَنْهُ الْخُبَثَاءُ، وَدَامَتِ الْحَرْبُ، وَوَصَلَ إِلَى الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْقَتْلَى، وَالْجِرَاحِ أَمَرٌ عَظِيمٌ وَذَلِكَ لِتَقَارُبِ مَا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ. فَلَمَّا رَأَى شِدَّةَ الْأَمْرِ مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ قَصَدَ لِإِحْرَاقِ دَارِ الْخَبِيثِ، وَالْهُجُومِ عَلَيْهَا مِنْ دِجْلَةَ، فَكَانَ يَعُوقُ عَنْ ذَلِكَ كَثْرَةُ مَا أَعَدَّ الْخَبِيثُ لَهَا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَالْحُمَاةِ عَنْ دَارِهِ، فَكَانَتِ الشَّذَا إِذَا قَرُبَتْ مِنْ قَصْرِهِ رُمِيَتْ مِنْ فَوْقِ الْقَصْرِ بِالسِّهَامِ، وَالْحِجَارَةِ مِنَ الْمَنْجَنِيقِ وَالْمِقْلَاعِ، وَأُذِيبَ الرَّصَاصُ، وَأُفْرِغَ عَلَيْهِمْ، فَتَعَذَّرَ إِحْرَاقُهَا لِذَلِكَ، فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ أَنْ تُسْقَفَ الشَّذَا بِالْأَخْشَابِ، وَيُعْمَلَ عَلَيْهَا الْجِبْسُ وَيُطْلَى بِالْأَدْوِيَةِ الَّتِي تَمْنَعُ النَّارَ مِنْ إِحْرَاقِهَا، فَفَرَغَ مِنْهَا، وَرَتَّبَ فِيهَا أَنْجَادَ أَصْحَابِهِ، وَمِنَ النَّفَّاطِينَ جَمْعًا كَثِيرًا. وَاسْتَأْمَنَ إِلَى الْمُوَفَّقِ مُحَمَّدُ بْنُ سَمْعَانَ كَاتِبُ الْخَبِيثِ، وَكَانَ أَوْثَقَ أَصْحَابِهِ فِي نَفْسِهِ، وَكَانَ سَبَبُ اسْتِئْمَانِهِ أَنَّ الْخَبِيثَ أَطْلَعَهُ عَلَى أَنَّهُ عَازِمٌ عَلَى الْخَلَاصِ وَحْدَهُ بِغَيْرِ أَهْلٍ وَلَا مَالٍ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْ عَزْمِهِ أَرْسَلَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُ الْمُوَفَّقُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ خُرُوجِهِ أَنَّهُ كَانَ كَارِهًا لِصُحْبَةِ الْخَبِيثِ، مُطَّلِعًا عَلَى كُفْرِهِ وَسُوءِ بَاطِنِهِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ إِلَى الْآنَ فَفَارَقَهُ، وَكَانَ خُرُوجُهُ عَاشِرَ شَعْبَانَ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ بَكَّرَ الْمُوَفَّقُ إِلَى مُحَارَبَةِ الْخُبَثَاءِ، فَأَمَرَ أَبَا الْعَبَّاسِ بِقَصْدِ دَارِ مُحَمَّدٍ الْكَرْنَابِيِّ، وَهِيَ بِإِزَاءِ دَارِ الْخَبِيثِ، وَإِحْرَاقِهَا، وَمَا يَلِيهَا مِنْ مَنَازِلِ قُوَّادِ الزَّنْجِ، لِيَشْغَلَهُمْ بِذَلِكَ عَنْ حِمَايَةِ دَارِ الْخَبِيثِ، وَأَمَرَ الْمُرَتَّبِينَ فِي الشَّذَا الْمَطْلِيَّةِ بِقَصْدِ دَارِ الْخَبِيثِ، وَإِحْرَاقِهَا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَأَلْصَقُوا شَذَوَاتِهِمْ بِسُورِ قَصْرِهِ، وَحَارَبَهُمُ الْفَجَرَةُ أَشَدَّ حَرْبٍ، وَنَضَحُوهُمْ بِالنِّيرَانِ، فَلَمْ تَعْمَلْ شَيْئًا، وَأَحْرَقَ مِنَ الْقَصْرِ الرَّوَاشِينَ، وَالْأَبْنِيَةَ الْخَارِجَةَ، وَعَمِلَتِ النَّارُ فِيهَا، وَسَلِمَ الَّذِينَ كَانُوا فِي الشَّذَا مِمَّا كَانَ الْخُبَثَاءُ يُرْسِلُونَهُ عَلَيْهِمْ بِالظِّلَالِ الَّتِي كَانَتْ فِي الشَّذَا، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَمْكِينِهِمْ مِنْ قَصْرِهِ. وَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ الَّذِينَ فِي الشَّذَا بِالرُّجُوعِ، فَرَجَعُوا، فَأَخْرَجَ مَنْ كَانَ فِيهَا وَرَتَّبَ

стр. 3351

غَيْرَهُمْ، وَانْتَظَرَ إِقْبَالَ الْمَدِّ، وَعُلُوِّهِ، فَلَمَّا أَقْبَلْ عَادَتِ الشَّذَا إِلَى قَصْرِهِ، وَأَحْرَقُوا بُيُوتًا مِنْهُ كَانَتْ تُشْرِعُ عَلَى دِجْلَةَ، وَأُضْرِمَتِ النَّارُ فِيهَا، وَاتَّصَلَتْ، وَقَوِيَتْ، فَأَعْجَلَتِ الْخَبِيثَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ عَنِ التَّوَقُّفِ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَانَ لَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَالذَّخَائِرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَخَرَجَ هَارِبًا وَتَرَكَهُ كُلَّهُ. وَعَلَا غِلْمَانُ الْمُوَفَّقِ قَصْرَهُ مَعَ أَصْحَابِهِمْ، فَانْتَهَبُوا مَا لَمْ تَأْتِ النَّارُ عَلَيْهِ مِنَ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالْحُلِيِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَاسْتَنْقَذُوا جَمَاعَةً مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي كَانَ الْخَبِيثُ يَأْنَسُ بِهِنَّ مِمَّنْ كَانَ اسْتَرَقَّهُنَّ، وَدَخَلُوا دُورَهُ (وَدُورَ ابْنِهِ أَنْكِلَايَ) ، فَأَحْرَقُوهَا جَمِيعًا، وَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ، وَتَحَارَبُوا هُمْ وَأَصْحَابُ الْخَبِيثِ عَلَى بَابِ قَصْرِهِ، فَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي أَصْحَابِهِ، وَالْجِرَاحُ، وَالْأَسْرُ، وَفَعَلَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي دَارِ الْكَرْنَابِيِّ مِنَ النَّهْبِ وَالْهَدْمِ، وَالْإِحْرَاقِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَطَعَ أَبُو الْعَبَّاسِ يَوْمَئِذٍ سِلْسِلَةً عَظِيمَةً كَانَ الْخَبِيثُ قَطَعَ بِهَا نَهَرَ أَبِي الْخَصِيبِ لِيَمْنَعَ الشَّذَا مِنْ دُخُولِهِ، فَحَازَهَا أَبُو الْعَبَّاسِ، وَأَخَذَهَا مَعَهُ. وَعَادَ الْمُوَفَّقُ بِالنَّاسِ مَعَ الْمَغْرِبِ مُظَفَّرًا، وَأُصِيبَ الْفَاسِقُ فِي مَالِهِ، وَنَفْسِهِ، (وَوَلَدِهِ، وَمَنْ) كَانَ عِنْدَهُ مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ، مِثْلُ الَّذِي أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ مِنَ الذُّعْرِ، وَالْجَلَاءِ، وَتَشَتُّتِ الشَّمْلِ، وَالْمُصِيبَةِ، وَجُرِحَ ابْنُهُ أَنْكِلَايُ فِي بَطْنِهِ جِرَاحَةً أَشَفَى مِنْهَا عَلَى الْهَلَاكِ. ذِكْرُ غَرَقِ نُصَيْرٍ وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ لِعَشَرٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ غَرِقَ أَبُو حَمْزَةَ نُصَيْرٌ، وَهُوَ صَاحِبُ الشَّذَوَاتِ. وَكَانَ سَبَبُ غَرَقِهِ أَنَّ الْمُوَفَّقَ بَكَّرَ إِلَى الْقِتَالِ، وَأَمَرَ نُصَيْرًا بِقَصْدِ قَنْطَرَةٍ كَانَ الْخَبِيثُ عَمِلَهَا فِي نَهْرِ أَبِي الْخَصِيبِ دُونَ الْجِسْرَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَ اتَّخَذَهُمَا عَلَى النَّهْرِ، وَفَرَّقَ أَصْحَابَهُ مِنَ الْجِهَاتِ، فَعَجِلَ نُصَيْرٌ، فَدَخَلَ نَهْرَ أَبِي الْخَصِيبِ، فِي أَوَّلِ الْمَدِّ، فِي عِدَّةٍ مِنْ شَذَوَاتِهِ، فَحَمَلَهَا الْمَاءُ فَأَلْصَقَهَا بِالْقَنْطَرَةِ، وَدَخَلَتْ عِدَّةٌ مِنْ شَذَوَاتِ الْمُوَفَّقِ مَعَ غِلْمَانِهِ

стр. 3352

[مِمَّنْ] لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالدُّخُولِ، فَصَكَّتْ شَذَوَاتِ نُصَيْرٍ، وَصَكَّ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَلَمْ يَبْقَ لِلْمَلَّاحِينَ فِيهَا عَمَلٌ. وَرَأَى الزَّنْجُ ذَلِكَ فَاجْتَمَعُوا عَلَى جَانِبَيِ النَّهْرِ، وَأَلْقَى الْمَلَّاحُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي الْمَاءِ خَوْفًا مِنَ الزَّنْجِ، وَدَخَلَ الزَّنْجُ الشَّذَوَاتِ، فَقَتَلُوا بَعْضَ الْمُقَاتِلَةِ، وَغَرِقَ أَكْثَرُهُمْ، وَصَابَرَهُمْ نُصَيْرٌ، حَتَّى خَافَ الْأَسْرَ، فَقَذَفَ نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ فَغَرِقَ، وَأَقَامَ الْمُوَفَّقُ يَوْمَهُ يُحَارِبُهُمْ، وَيَنْهَبُهُمْ، وَيَحْرِقُ مَنَازِلَهُمْ، وَلَمْ يَزَلْ يَوْمَهُ مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ قِتَالًا لِأَصْحَابِ الْمُوَفَّقِ، وَثَبَتَ مَكَانَهُ، حَتَّى خَرَجَ عَلَيْهِ كَمِينٌ لِلْمُوَفَّقِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَجُرِحَ سُلَيْمَانُ جِرَاحَةً فِي سَاقِهِ، وَسَقَطَ لِوَجْهِهِ فِي مَوْضِعٍ كَانَ فِيهِ حَرِيقٌ، وَفِيهِ بَعْضُ الْجَمْرِ، فَاحْتَرَقَ بَعْضُ جَسَدِهِ، وَحَمَلَهُ أَصْحَابُهُ بَعْدَ أَنْ كَادَ يُؤْسَرُ، وَانْصَرَفَ الْمُوَفَّقُ سَالِمًا ظَافِرًا. وَأَصَابَ الْمُوَفَّقَ مَرَضُ الْمَفَاصِلِ، فَبَقِيَ بِهِ شَهْرَ شَعْبَانَ، وَشَهْرَ رَمَضَانَ، وَأَيَّامًا مِنْ شَوَّالٍ، وَأَمْسَكَ عَنْ حَرْبِ الزَّنْجِ، ثُمَّ بَرَأَ، وَتَمَاثَلَ، فَأَمَرَ بِإِعْدَادِ آلَةِ الْحَرْبِ. ذِكْرُ إِحْرَاقِ قَنْطَرَةِ الْعَلَوِيِّ صَاحِبِ الزَّنْجِ وَلَمَّا اشْتَغَلَ الْمُوَفَّقُ بِعِلَّتِهِ أَعَادَ الْخَبِيثُ الْقَنْطَرَةَ الَّتِي غَرِقَ عِنْدَهَا نُصَيْرٌ، وَزَادَ فِيهَا وَأَحْكَمَهَا، وَنَصَبَ دُونَهَا أَدْقَالَ سَاجٍ، وَأَلْبَسَهَا الْحَدِيدَ، وَسَكَّرَ أَمَامَ ذَلِكَ سِكَرًا مِنْ حِجَارَةٍ لِيُضَيِّقَ الْمَدْخَلَ عَلَى الشَّذَا، وَتَحْتَدَّ جَرْيَةُ الْمَاءِ فِي النَّهْرِ، فَنَدَبَ الْمُوَفَّقُ أَصْحَابَهُ، وَسَيَّرَ طَائِفَةً مِنْ شَرْقِيِّ نَهْرِ أَبِي الْخَصِيبِ، وَطَائِفَةً مِنْ غَرْبِيِّهِ، وَأَرْسَلَ مَعَهُمَا النَّجَّارِينَ، وَالْفَعَلَةَ لِقَطْعِ الْقَنْطَرَةِ، وَمَا جُعِلَ أَمَامَهَا، وَأَمَرَ بِسُفُنٍ مَمْلُوءَةٍ مِنَ الْقَصَبِ أَنْ يُصَبَّ عَلَيْهَا النِّفْطُ، وَتَدْخُلَ النَّهْرَ، وَيُلْقَى فِيهَا النَّارُ لِيَحْتَرِقَ الْجِسْرُ، وَفَرَّقَ جُنْدَهُ عَلَى الْخُبَثَاءِ لِيَمْنَعُوهُمْ عَنْ مُعَاوَنَةِ مَنْ عِنْدَ الْقَنْطَرَةِ. فَسَارَ النَّاسُ إِلَى مَا أَمَرَهُمْ بِهِ عَاشِرَ شَوَّالٍ، وَتَقَدَّمَتِ الطَّائِفَتَانِ إِلَى الْجِسْرِ، فَلَقِيَهُمَا

стр. 3353

أَنْكِلَايُ ابْنُ الْخَبِيثِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبَانٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ، وَاشْتَبَكَتِ الْحَرْبُ، وَدَامَتْ، وَحَامَى أُولَئِكَ عَنِ الْقَنْطَرَةِ لِعِلْمِهِمْ بِمَا عَلَيْهِمْ فِي قَطْعِهَا مِنَ الْمَضَرَّةِ، وَأَنَّ الْوُصُولَ إِلَى الْجِسْرَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ اللَّذَيْنِ يَأْتِي ذِكْرُهُمَا يَسْهُلُ. وَدَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى الْقَنْطَرَةِ إِلَى الْعَصْرِ، ثُمَّ إِنَّ غِلْمَانَ الْمُوَفَّقِ أَزَالُوا الْخُبَثَاءَ عَنْهَا، وَقَطَعَهَا النَّجَّارُونَ، وَنَقَضُوهَا، وَمَا كَانَ عَمِلَ مِنَ الْأَدْقَالِ السَّاجِ، وَكَانَ قَطْعُهَا قَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ، فَأَدْخَلُوا تِلْكَ السُّفُنَ الَّتِي فِيهَا الْقَصَبُ، وَالنِّفْطُ، وَأَضْرَمُوهَا نَارًا، فَوَافَتِ الْقَنْطَرَةَ، فَأَحْرَقُوهَا، فَوَصَلَ النَّجَّارُونَ بِذَلِكَ إِلَى مَا أَرَادُوا، وَأَمْكَنَ أَصْحَابَ الشَّذَا دُخُولُ النَّهْرِ، فَدَخَلُوا، وَقَتَلُوا الزَّنْجَ حَتَّى أَجْلَوْهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ إِلَى الْجِسْرِ الْأَوَّلِ الَّذِي يَتْلُو هَذِهِ الْقَنْطَرَةَ، وَقُتِلَ مِنَ الزَّنْجِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَاسْتَأْمَنَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَوَصَلَ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ إِلَى الْجِسْرِ الْمَغْرِبَ، فَكَرِهَ أَنْ يُدْرِكَهُمُ اللَّيْلُ، فَأَمَرَهُمْ بِالرُّجُوعِ فَرَجَعُوا، وَكَتَبَ إِلَى الْبُلْدَانِ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى الْمَنَابِرِ أَنْ يُؤْتَى الْمُحْسِنُ عَلَى قَدْرِ إِحْسَانِهِ لِيَزْدَادُوا جِدًّا فِي حَرْبِ عَدُوِّهِ، وَأَخْرَبَ مِنَ الْغَدِ بُرْجَيْنِ مِنْ حِجَارَةٍ كَانُوا عَمِلُوهُمَا لِيَمْنَعُوا الشَّذَا مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهُ إِذَا دَخَلَتْهُ، فَلَمَّا أَخْرَبَهُمَا سَهُلَ لَهُ مَا أَرَادَ مِنْ دُخُولِ النَّهْرِ، وَالْخُرُوجِ مِنْهُ. ذِكْرُ انْتِقَالِ صَاحِبِ الزَّنْجِ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ وَإِحْرَاقِ سُوقِهِ لَمَّا أُحْرِقَتْ دُورُهُ، وَمَسَاكِنُ أَصْحَابِهِ، وَنُهِبَتْ أَمْوَالُهُمْ، انْتَقَلُوا إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ نَهْرِ أَبِي الْخَصِيبِ، وَجَمَعَ عِيَالَهُ حَوْلَهُ، وَنَقَلَ أَسْوَاقَهُ إِلَيْهِ، فَضَعُفَ أَمْرُهُ بِذَلِكَ ضَعْفًا شَدِيدًا ظَهَرَ لِلنَّاسِ، فَامْتَنَعُوا مِنْ جَلْبِ الْمِيرَةِ إِلَيْهِ، فَانْقَطَعَتْ عَنْهُ كُلُّ مَادَّةٍ، وَبَلَغَ الرِّطْلُ مِنْ خُبْزِ الْبُرِّ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، فَأَكَلُوا الشَّعِيرَ، وَأَصْنَافَ الْحُبُوبِ. ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ بِهِمْ إِلَى أَنْ كَانَ أَحَدُهُمْ يَأْكُلُ صَاحِبَهُ إِذَا انْفَرَدَ بِهِ، وَالْقَوِيُّ يَأْكُلُ الضَّعِيفَ، ثُمَّ أَكَلُوا أَوْلَادَهُمْ. وَرَأَى الْمُوَفَّقُ أَنْ يُخَرِّبَ الْجَانِبَ الشَّرْقِيَّ كَمَا أَخْرَبَ الْغَرْبِيَّ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِقَصْدِ

стр. 3354

دَارِ الْهَمْدَانِيِّ، وَمَعَهُمُ الْفَعَلَةُ، وَكَانَ هَذَا الْمَوْضِعُ مُحَصَّنًا بِجَمْعٍ كَثِيرٍ، وَعَلَيْهِ عَرَّادَاتٌ، وَمَنْجَنِيقَاتٌ، وَقِسِيٌّ، فَاشْتَبَكَتِ الْحَرْبُ، وَكَثُرَتِ الْقَتْلَى، فَانْتَصَرَ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ عَلَيْهِمْ، وَقَتَلُوهُمْ وَهَزَمُوهُمْ، وَانْتَهَوْا إِلَى الدَّارِ، فَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمُ الصُّعُودُ إِلَيْهَا لِعُلُوِّ سُورِهَا، فَلَمْ تَبْلُغْهُ السَّلَالِيمُ الطِّوَالُ، فَرَمَى بَعْضُ غِلْمَانِ الْمُوَفَّقِ بِكَلَالِيبَ كَانَتْ مَعَهُمْ، فَعَلَّقُوهَا فِي أَعْلَامِ الْخَبِيثِ، وَجَذَبُوهَا، فَتَسَاقَطَتِ الْأَعْلَامُ مَنْكُوسَةً، فَلَمْ يَشُكَّ الْمُقَاتِلَةُ عَنِ الدَّارِ فِي أَنَّ أَصْحَابَ الْمُوَفَّقِ قَدْ مَلَكُوهَا، فَانْهَزَمُوا لَا يَلْوِي أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ، فَأَخَذَهَا أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ، وَصَعِدَ النَّفَّاطُونَ وَأَحْرَقُوهَا وَمَا كَانَ عَلَيْهَا مِنَ الْمَجَانِيقِ، وَالْعَرَّادَاتِ، وَنَهَبُوا مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الْمَتَاعِ، وَالْأَثَاثِ، وَأَحْرَقُوا مَا كَانَ حَوْلَهَا مِنَ الدُّورِ، وَاسْتَنْقَذُوا مَا كَانَ فِيهَا مِنَ النِّسَاءِ، وَكُنَّ عَالَمًا كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمَاتِ، فَحُمِلْنَ إِلَى الْمُوَفَّقِيَّةِ، وَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِنَّ. وَاسْتَأْمَنَ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَصْحَابِ الْخَبِيثِ، وَخَاصَّتِهِ الَّذِينَ يَلُونَ خِدْمَتَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، فَأَمَّنَهُمُ الْمُوَفَّقُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَدَلَّتْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْتَأْمِنَةِ الْمُوَفَّقَ عَلَى سُوقٍ عَظِيمَةٍ كَانَتْ لِلْخَبِيثِ مُتَّصِلَةٍ بِالْجِسْرِ الْأَوَّلِ، تُسَمَّى الْمُبَارَكَةَ، وَأَعْلَمُوهُ إِنْ أَحْرَقَهَا لَمْ يَبْقَ سُوقٌ غَيْرُهَا، وَخَرَجَ عَنْهُمْ تُجَّارُهُمِ الَّذِينَ كَانَ بِهِمْ قُوَامُهُمْ، فَعَزَمَ الْمُوَفَّقُ عَلَى إِحْرَاقِهَا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِقَصْدِ السُّوقِ مِنْ جَانِبَيْهَا، فَقَصَدُوهَا، وَأَقْبَلَتِ الزَّنْجُ إِلَيْهِمْ، فَتَحَارَبُوا أَشَدَّ حَرْبٍ تَكُونُ، وَاتَّصَلَتْ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ إِلَى طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ السُّوقِ وَأَلْقَوْا فِيهِ النَّارَ فَاحْتَرَقَ وَاتَّصَلَتِ النَّارُ. وَكَانَ النَّاسُ يَقْتَتِلُونَ، وَالنَّارُ مُحِيطَةٌ بِهِمْ، (وَاتَّصَلَتِ النَّارُ بِظِلَالِ السُّوقِ فَاحْتَرَقَتْ) وَسَقَطَتْ عَلَى الْمُقَاتِلَةِ، وَاحْتَرَقَ بَعْضُهُمْ، فَكَانَتْ هَذِهِ حَالُهُمْ إِلَى مَغِيبِ الشَّمْسِ، ثُمَّ تَحَاجَزُوا، وَرَجَعَ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَانْتَقَلَ تُجَّارُ السُّوقِ إِلَى أَعْلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانُوا قَدْ نَقَلُوا مُعْظَمَ أَمْتِعَتِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ مِنْ هَذِهِ السُّوقِ خَوْفًا مِنْ مِثْلِ هَذِهِ. ثُمَّ إِنَّ الْخَبِيثَ فَعَلَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ حَفْرِ الْخَنَادِقِ، وَتَغْوِيرِ الطُّرُقِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، بَعْدَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ، وَاحْتَفَرَ خَنْدَقًا عَرِيضًا حَصَّنَ بِهِ مَنَازِلَ أَصْحَابِهِ الَّتِي عَلَى النَّهْرِ الْغَرْبِيِّ، فَرَأَى الْمُوَفَّقُ أَنْ يُخَرِّبَ بَاقِيَ السُّورِ إِلَى النَّهْرِ الْغَرْبِيِّ، فَفَعَلَ ذَلِكَ

стр. 3355

بَعْدَ حَرْبٍ طَوِيلَةٍ فِي مُدَّةٍ بَعِيدَةٍ. وَكَانَ لِلْخَبِيثِ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ جَمْعٌ مِنَ الزَّنْجِ قَدْ تَحَصَّنُوا بِالسُّورِ وَهُوَ مَنِيعٌ، وَهُمْ أَشْجَعُ أَصْحَابِهِ، فَكَانُوا يُحَامُونَ عَنْهُ، وَكَانُوا يَخْرُجُونَ عَلَى أَصْحَابِ الْمُوَفَّقِ، عِنْدَ مُحَارَبَتِهِمْ، عَلَى حِرَى كُورٍ وَمَا يَلِيهِ، وَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ أَنْ يُقْصَدَ هَذَا الْمَوْضِعُ، وَيُخَرَّبَ سُورُهُ، وَيُخْرَجَ مَنْ فِيهِ، فَأَمَرَ أَبَا الْعَبَّاسِ، وَالْقُوَّادَ بِالتَّأَهُّبِ لِذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ، وَأَمَرَ بِالشَّذَا أَنْ تُقَرَّبَ مِنَ السُّورِ، وَنَشِبَتِ الْحَرْبُ، وَدَامَتْ إِلَى بَعْدِ الظُّهْرِ، وَهَدَمَ مَوَاضِعَ، وَأَحْرَقَ مَا كَانَ عَلَيْهَا مِنَ الْعَرَّادَاتِ، وَتَحَاجَزَ الْفَرِيقَانِ، وَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ، سِوَى هَدْمِ السُّورِ، وَإِحْرَاقِ عَرَّادَاتٍ كَانَتْ عَلَيْهِ، فَنَالَ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْجِرَاحِ أَمْرٌ عَظِيمٌ. وَعَادَ الْمُوَفَّقُ، فَوَصَلَ أَهْلَ الْبَلَاءِ وَالْمَجْرُوحِينَ عَلَى قَدْرِ بَلَائِهِمْ، وَهَكَذَا كَانَ عَمَلُهُ فِي مُحَارَبَتِهِ، وَأَقَامَ الْمُوَفَّقُ بَعْدَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ أَيَّامًا، ثُمَّ رَأَى مُعَاوَدَةَ هَذَا الْمَوْضِعِ لَمَّا رَأَى مِنْ حَصَانَتِهِ وَشَجَاعَةِ مَنْ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حِرَى كُورٍ إِلَّا بَعْدَ إِزَالَةِ هَؤُلَاءِ، فَأَعَدَّ الْآلَاتِ، وَرَتَّبَ أَصْحَابَهُ، وَقَصَدَهُ، وَقَاتَلَ مَنْ فِيهِ، وَأُدْخِلَتِ الشَّذَوَاتُ النَّهْرَ، وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ وَدَامَتْ. وَأَمَدَّ الْخَبِيثُ أَصْحَابَهُ بِالْمُهَلَّبِيِّ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ جَامِعٍ فِي جَيْشِهِمَا، فَحَمَلُوا عَلَى أَصْحَابِ الْمُوَفَّقِ حَتَّى أَلْحَقُوهُمْ بِسُفُنِهِمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ جَمَاعَةً، فَرَجَعَ الْمُوَفَّقُ وَلَمْ يَبْلُغْ مِنْهُمْ مَا أَرَادَ، وَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَاتِلَهُمْ مِنْ عِدَّةِ وُجُوهٍ لِتَخِفَّ وَطْأَتُهُمْ عَلَى مَنْ يَقْصِدُ هَذَا الْمَوْضِعَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَفَرَّقَ أَصْحَابَهُ عَلَى جِهَاتِ أَصْحَابِ الْخَبِيثِ، وَسَارَ هُوَ إِلَى جِهَةِ النَّهْرِ الْغَرْبِيِّ، وَقَاتَلَ مَنْ فِيهِ. وَطَمِعَ الزَّنْجُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تِلْكَ الْوَقْعَةِ، فَصَدَقَهُمْ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ الْقِتَالَ، فَهَزَمُوهُمْ، فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ، وَتَرَكُوا حِصْنَهُمْ فِي أَيْدِي أَصْحَابِ الْمُوَفَّقِ، فَهَدَمُوهُ، وَغَنِمُوا مَا فِيهِ، وَأَسَرُوا، وَقَتَلُوا خَلْقًا لَا يُحْصَى، وَخَلَّصُوا مِنْ هَذَا الْحِصْنِ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، وَرَجَعَ الْمُوَفَّقُ إِلَى عَسْكَرِهِ بِمَا أَرَادَ.

стр. 3356

ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ الْمُوَفَّقِ عَلَى مَدِينَةِ صَاحِبِ الزَّنْجِ الْغَرْبِيَّةِ لَمَّا هَدَمَ الْمُوَفَّقُ دُورَ الْخَبِيثِ أَمَرَ بِإِصْلَاحِ الْمَسَالِكِ لِتَتَّسِعَ عَلَى الْمُقَاتِلَةِ الطَّرِيقُ لِلْحَرْبِ، ثُمَّ رَأَى قَلْعَ الْجِسْرِ الْأَوَّلِ الَّذِي عَلَى نَهْرِ أَبِي الْخَصِيبِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُعَاوَنَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَأَمَرَ بِسَفِينَةٍ كَبِيرَةٍ أَنْ تُمْلَأَ قَصَبًا وَيُجْعَلَ فِيهِ مِنَ النِّفْطِ، وَيُوضَعَ فِي وَسَطِهَا دَقَلٌ طَوِيلٌ يَمْنَعُهَا مِنْ مُجَاوَرَةِ الْجِسْرِ إِذَا الْتَصَقَتْ بِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَهَا عِنْدَ غَفْلَةِ الزَّنْجِ، وَقُوَّةِ الْمَدِّ، فَوَافَتِ الْجِسْرَ، وَعَلِمَ بِهَا الزَّنْجُ، فَأَتَوْهَا، وَطَمُّوهَا بِالْحِجَارَةِ، وَالتُّرَابِ، وَنَزَلَ بَعْضُهُمْ (فِي الْمَاءِ فَنَقَبَهَا) فَغَرِقَتْ، وَكَانَ قَدِ احْتَرَقَ مِنَ الْجِسْرِ شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَأَطْفَأَهُ الزَّنْجُ. فَعِنْدَ ذَلِكَ اهْتَمَّ الْمُوَفَّقُ بِالْجِسْرِ، فَنَدَبَ أَصْحَابَهُ، وَأَعَدَّ النَّفَّاطِينَ، وَالْفَعَلَةَ، وَالْفُئُوسَ، وَأَمَرَهُمْ بِقَصْدِهِ مِنْ غَرْبِيِّ النَّهْرِ، وَشَرْقِيِّهِ، وَرَكِبَ الْمُوَفَّقُ فِي أَصْحَابِهِ، وَقَصَدَ فُوَّهَةَ نَهْرِ أَبِي الْخَصِيبِ، وَذَلِكَ مُنْتَصَفَ شَوَّالٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ [وَمِائَتَيْنِ] ، فَسَبَقَ الطَّائِفَةَ الَّتِي فِي غَرْبِ النَّهْرِ، فَهَزَمَ الْمُوَكَّلَيْنِ عَلَى الْجِسْرِ، وَهُمَا سُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ، وَأَنْكِلَايُ وَلَدُ الْخَبِيثِ، وَأَحْرَقُوهُ. وَأَتَى بَعْدَ ذَلِكَ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَفَعَلُوا بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَحْرَقُوا الْجِسْرَ، وَتَجَاوَزُوهُ إِلَى جَانِبِ حَظِيرَةٍ كَانَتْ تُعْمَلُ فِيهَا سُمَيْرِيَّاتُ الْخَبِيثِ، وَآلَاتُهُ، وَاحْتَرَقَ ذَلِكَ عَنْ آخِرِهِ، إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا مِنَ الشَّذَوَاتِ، وَالسُّمَيْرِيَّاتِ كَانَتْ فِي النَّهْرِ، وَقَصَدُوا سِجْنًا لِلْخَبِيثِ، فَقَاتَلَهُمُ الزَّنْجُ عَلَيْهِ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، ثُمَّ غَلَبَهُمْ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ عَلَيْهِ، فَأَطْلَقُوا مَنْ فِيهِ، وَأَحْرَقُوا كُلَّ مَا مَرُّوا بِهِ إِلَى دَارِ مُصْلِحٍ، وَهُوَ مِنْ قُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلُوهَا، فَنَهَبُوهَا وَمَا فِيهَا، وَسَبَوْا نِسَاءَهُ، وَوَلَدَهُ، وَاسْتَنْقَذُوا خَلْقًا كَثِيرًا، وَعَادَ الْمُوَفَّقُ وَأَصْحَابُهُ سَالِمِينَ. وَانْحَازَ الْخَبِيثُ، وَأَصْحَابُهُ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ نَهْرِ أَبِي الْخَصِيبِ، وَاسْتَوْلَى الْمُوَفَّقُ عَلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ غَيْرَ طَرِيقٍ يَسِيرٍ عَلَى الْجِسْرِ الثَّانِي، فَأَصْلَحُوا الطُّرُقَ، فَزَادَ ذَلِكَ فِي رُعْبِ الْخَبِيثِ، وَأَصْحَابِهِ، فَاجْتَمَعَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ

стр. 3357

وَقُوَّادِهِ، وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَانَ يَرَى أَنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَهُ، عَلَى طَلَبِ الْأَمَانِ، فَبَذَلَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا أَرْسَالًا، فَأَحْسَنَ الْمُوَفَّقُ إِلَيْهِمْ، وَأَلْحَقَهُمْ بِأَمْثَالِهِمْ. ثُمَّ إِنَّ الْمُوَفَّقَ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَرَّنَ أَصْحَابُهُ بِسُلُوكِ النَّهْرِ لِيَحْرِقَ الْجِسْرَ الثَّانِيَ، فَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِإِدْخَالِ الشَّذَا فِيهِ، وَإِحْرَاقِ مَا عَلَى جَانِبِهِ مِنَ الْمَنَازِلِ، فَهَرَبَ إِلَيْهِ بَعْضَ الْأَيَّامِ قَائِدٌ لِلزَّنْجِ، وَمَعَهُ قَاضٍ كَانَ لَهُمْ، وَمِنْبَرٌ، فَفَتَّ ذَلِكَ فِي أَعْضَادِ الْخُبَثَاءِ. ثُمَّ إِنَّ الْخَبِيثَ وَكَّلَ بِالْجِسْرِ الثَّانِي مَنْ يَحْفَظُهُ، وَشَحَنَهُ بِالرِّجَالِ، فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ بِإِحْرَاقِ مَا عِنْدَ الْجِسْرِ مِنْ سُفُنٍ، (فَفَعَلُوا حَتَّى أَحْرَقُوهَا) ، فَزَادَ ذَلِكَ فِي احْتِيَاطِ الْخَبِيثِ، وَفِي حِرَاسَتِهِ لِلْجِسْرِ لِئَلَّا يُحْرَقَ وَيَسْتَوْلِيَ الْمُوَفَّقُ عَلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ فَيَهْلِكَ. وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمْعٌ فِي مَنَازِلِهِمُ الْمُقَارِبَةِ لِلْجِسْرِ الثَّانِي، وَكَانَ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ يَأْتُونَهُمْ وَيَقِفُونَ عَلَى الطَّرِيقِ الْخَفِيَّةِ، فَلَمَّا عَرَفُوا ذَلِكَ عَزَمُوا عَلَى إِحْرَاقِ الْجِسْرِ الثَّانِي، فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ، وَالْقُوَّادَ بِالتَّجَهُّزِ لِذَلِكَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا مِنْ عِدَّةِ جِهَاتٍ لِيُوَافُوا الْجِسْرَ، وَأَعَدَّ مَعَهُمُ الْفُئُوسَ، وَالنِّفْطَ، وَالْآلَاتِ، وَدَخَلَ هُوَ فِي النَّهْرِ بِالشَّذَوَاتِ، وَمَعَهُ أَنْجَادُ غِلْمَانِهِ، وَمَعَهُ الْآلَاتُ أَيْضًا، وَاشْتَبَكَتِ الْحَرْبُ فِي الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ. وَكَانَ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ بِإِزَاءِ أَبِي الْعَبَّاسِ وَمَنْ مَعَهُ أَنْكِلَايُ ابْنُ الْخَبِيثِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ، وَفِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ بِإِزَاءِ رَاشِدٍ مَوْلَى الْمُوَفَّقِ، وَمَنْ مَعَهُ الْخَبِيثُ، وَالْمُهَلَّبِيُّ فِي بَاقِي الْجَيْشِ، فَدَامَتِ الْحَرْبُ مِقْدَارَ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ، ثُمَّ انْهَزَمَ الْخُبَثَاءُ لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ، وَأُخِذَتِ السُّيُوفُ مِنْهُمْ، وَدَخَلَ أَصْحَابُ الشَّذَا النَّهْرَ، وَدَنَوْا مِنَ الْجِسْرِ فَقَاتَلُوا مَنْ يَحْمِيهِ بِالسِّهَامِ، وَأَضْرَمُوا نَارًا. وَكَانَ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ سُلَيْمَانُ، وَأَنْكِلَايُ، وَكَانَا قَدْ أُثْخِنَا بِالْجِرَاحِ، فَوَافَيَا الْجِسْرَ، وَالنَّارُ فِيهِ، فَحَالَتْ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعُبُورِ، وَأَلْقَيَا أَنْفُسَهُمَا فِي النَّهْرِ وَمَنْ مَعَهُمَا، فَغَرِقَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأَفْلَتَ أَنْكِلَايُ، وَسُلَيْمَانُ بَعْدَ أَنْ أَشْفَيَا عَلَى الْهَلَاكِ، وَقُطِعَ الْجِسْرُ، وَأُحْرِقَ، وَتَفَرَّقَ الْجَيْشُ فِي مَدِينَةِ الْخَبِيثِ فِي الْجَانِبَيْنِ، فَأَحْرَقُوا مِنْ دُورِهِمْ وَقُصُورِهِمْ، وَأَسْوَاقِهِمْ شَيْئًا كَثِيرًا، وَاسْتَنْقَذُوا مِنْ (النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ مَا لَا يُحْصَى، وَدَخَلُوا الدَّارَ الَّتِي كَانَ الْخَبِيثُ

стр. 3358

سَكَنَهَا بَعْدَ) إِحْرَاقِ قَصْرِهِ، وَأَحْرَقُوهَا وَنَهَبُوا مَا كَانَ فِيهَا مِمَّا كَانَ سَلِمَ مَعَهُ، وَهَرَبَ الْخَبِيثُ وَلَمْ يُقَفْ ذَلِكَ الْيَوْمَ عَلَى مَوَاضِعِ أَمْوَالِهِ. وَاسْتُنْقِذَ فِي هَذَا الْيَوْمِ نِسْوَةٌ مِنَ الْعَلَوِيَّاتِ كُنَّ مُحَبَّسَاتٍ فِي مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْ دَارِهِ الَّتِي كَانَ يَسْكُنُهَا، فَأَحْسَنَ الْمُوَفَّقُ إِلَيْهِنَّ، وَحَمَلَهُنَّ، وَفَتَحَ سِجْنًا، كَانَ لَهُ وَأَخْرَجَ مِنْهُ خَلْقًا كَثِيرًا مِمَّنْ كَانَ يُحَارِبُ الْخَبِيثَ، فَفَكَّ الْمُوَفَّقُ عَنْهُمُ الْحَدِيدَ، وَأَخْرَجَ ذَلِكَ الْيَوْمَ كُلَّ مَا كَانَ فِي نَهْرِ أَبِي الْخَصِيبِ مِنْ شَذًا، وَمَرَاكِبَ بَحْرِيَّةٍ، وَسُفُنٍ صِغَارٍ، وَكِبَارٍ، وَحَرَّاقَاتٍ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ السُّفُنِ إِلَى دِجْلَةَ، فَأَبَاحَهَا الْمُوَفَّقُ أَصْحَابَهُ مَعَ مَا فِيهَا مِنَ السَّلَبِ، وَكَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ عَظِيمَةٌ. وَأَرْسَلَ أَنْكِلَايُ ابْنُ الْخَبِيثِ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، وَسَأَلَ أَشْيَاءَ، فَأَجَابَهُ الْمُوَفَّقُ إِلَيْهَا، فَعَلِمَ أَبُوهُ بِذَلِكَ فَعَذَلَهُ، وَرَدَّهُ عَمَّا عَزَمَ عَلَيْهِ، فَعَادَ إِلَى الْحَرْبِ وَمُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ. وَوَجَّهَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الشَّعْرَانِيُّ، وَهُوَ أَحَدُ رُؤَسَاءِ الْخَبِيثِ، يَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَلَمْ يُجِبْهُ الْمُوَفَّقُ إِلَى ذَلِكَ، لَمَّا كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَالْفَسَادِ، فَاتَّصَلَ بِهِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ (رُؤَسَاءِ) أَصْحَابِ الْخَبِيثِ قَدِ اسْتَوْحَشُوا الْمَنَعَةَ، فَأَجَابَهُ إِلَى الْأَمَانِ، فَأَرْسَلَ الشَّذَا إِلَى مَوْضِعٍ ذَكَرَهُ، فَخَرَجَ هُوَ وَأَخُوهُ، وَأَهْلُهُ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ قُوَّادِهِ، فَأَرْسَلَ الْخَبِيثُ مَنْ يَمْنَعُهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَقَاتَلَهُمْ، وَوَصَلَ إِلَى الْمُوَفَّقِ، فَزَادَ فِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ مَعَهُ، وَأَمَرَ بِإِظْهَارِهِ لِأَصْحَابِ الْخَبِيثِ لِيَزْدَادُوا ثِقَةً، فَلَمْ يَبْرَحْ مِنْ مَكَانِهِ، حَتَّى اسْتَأْمَنَ جَمَاعَةٌ مِنْ قُوَّادِ الزِّنْجِ مِنْهُمْ شِبْلُ بْنُ سَالِمٍ، فَأَجَابَهُ الْمُوَفَّقُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ شَذَوَاتٍ، فَرَكِبَ فِيهَا هُوَ وَعِيَالُهُ، وَوَلَدُهُ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ قُوَّادِهِ، فَلَقِيَهُمْ قَوْمٌ مِنَ الزِّنْجِ، فَقَاتَلَهُمْ، وَنَجَا، وَوَصَلَ إِلَى الْمُوَفَّقِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَوَصَلَهُ بِصِلَةٍ جَلِيلَةٍ، وَهُوَ مِنْ قُدَمَاءَ أَصْحَابِ الْخَبِيثِ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَوْلِيَائِهِ لِمَا رَأَوْا مِنْ رَغْبَةِ رُؤَسَائِهِمْ فِي الْأَمَانِ. وَلَمَّا رَأَى الْمُوَفَّقُ مُنَاصَحَةَ شِبْلٍ، وَجَوْدَةَ فَهْمِهِ، أَمَرَهُ أَنْ يَكْفِيَهُ بَعْضَ الْأُمُورِ، فَسَارَ لَيْلًا فِي جَمْعٍ مِنَ الزِّنْجِ، لَمْ يُخَالِطْهُمْ غَيْرُهُمْ، إِلَى عَسْكَرِ الْخَبِيثِ يَعْرِفُ مَكَانَهُمْ، وَأَوْقَعَ

стр. 3359

بِهِمْ، وَأَسَرَ مِنْهُمْ، وَقَتَلَ، وَعَادَ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ الْمُوَفَّقُ، وَإِلَى أَصْحَابِهِ. وَصَارَ الزِّنْجُ بَعْدَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ لَا يَنَامُونَ اللَّيْلَ، وَلَا يَزَالُونَ يَتَحَارَسُونَ لِلرُّعْبِ الَّذِي دَخَلَهُمْ، وَأَقَامَ الْمُوَفَّقُ يُنْفِذُ السَّرَايَا إِلَى الْخَبِيثِ، وَيَكِيدُهُ، وَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقُوتِ، وَأَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ يَتَدَرَّبُونَ فِي سُلُوكِ تِلْكَ الْمَضَايِقِ الَّتِي فِي أَرْضِهِ وَيُوَسِّعُونَهَا. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ الْمُوَفَّقِ عَلَى مَدِينَةِ الْخَبِيثِ الشَّرْقِيَّةِ لَمَّا عَلِمَ الْمُوَفَّقُ أَنَّ أَصْحَابَهُ قَدْ تَمَرَّنُوا عَلَى سُلُوكِ تِلْكَ الْأَرْضِ وَعَرَفُوهَا، صَمَّمَ الْعَزْمَ عَلَى الْعُبُورِ إِلَى مُحَارَبَةِ الْخَبِيثِ مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ نَهْرِ أَبِي الْخَصِيبِ، فَجَلَسَ مَجْلِسًا عَامًّا، وَأَحْضَرَ قُوَّادَ الْمُسْتَأْمِنَةِ، وَفُرْسَانَهُمْ، فَوَقَفُوا بِحَيْثُ يَسْمَعُونَ كَلَامَهُ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ فَعَرَّفَهُمْ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَالْجَهْلِ، وَانْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ، وَمَعْصِيَةِ اللَّهِ وَأَنَّ ذَلِكَ قَدْ أَحَلَّ لَهُ دِمَاءَهُمْ، وَأَنَّهُ غَفَرَ لَهُمْ زَلَّتَهُمْ، وَوَصَلَهُمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ حَقَّهُ، وَطَاعَتَهُ، وَأَنَّهُمْ لَنْ يُرْضُوا رَبَّهُمْ، وَسُلْطَانَهُمْ بِأَكْثَرَ مِنَ الْجِدِّ فِي مُجَاهَدَةِ الْخَبِيثِ، وَأَنَّهُمْ لَيَعْرِفُونِ مَسَالِكَ الْعَسْكَرِ، وَمَضَايِقَ مَدِينَتِهِ، وَمَعَاقِلَهَا الَّتِي أَعَدَّهَا، فَهُمْ أَوْلَى أَنْ يَجْتَهِدُوا فِي الْوُلُوجِ عَلَى الْخَبِيثِ، وَالْوُغُولِ إِلَى حُصُونِهِ، حَتَّى يُمَكِّنَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمُ الْإِحْسَانُ، وَالْمَزِيدُ، وَمَنْ قَصَّرَ مِنْهُمْ فَقَدْ أَسْقَطَ مَنْزِلَتَهُ وَحَالَهُ. فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالدُّعَاءِ لَهُ، وَالِاعْتِرَافِ بِإِحْسَانِهِ، وَبِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْمُنَاصَحَةِ، وَالطَّاعَةِ، وَأَنَّهُمْ يَبْذُلُونَ دِمَاءَهُمْ فِي كُلِّ مَا يُقَرِّبُهُمْ مِنْهُ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُفْرِدَهُمْ بِنَاحِيَةٍ لِيَظْهَرَ مِنْ نِكَايَتِهِمْ فِي الْعَدُوِّ مَا يَعْرِفُ بِهِ إِخْلَاصَهُمْ، وَطَاعَتَهُمْ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ، وَوَعَدَهُمْ، وَكَتَبَ فِي جَمْعِ السُّفُنِ، وَالْمَعَابِرِ مِنْ دِجْلَةَ، وَالْبَطِيحَةِ وَنَوَاحِيهَا لِيُضِيفَهَا إِلَى مَا فِي عَسْكَرِهِ، إِذْ كَانَ مَا عِنْدَهُ يَقْصُرُ عَنِ الْجَيْشِ لِكَثْرَتِهِ، وَأَحْصَى مَا فِي الشَّذَا، وَالسُّمَيْرِيَّاتِ، وَأَنْوَاعِ السُّفُنِ، فَكَانُوا زُهَاءَ عَشَرَةِ آلَافِ مَلَّاحٍ مِمَّنْ يَجْرِي عَلَيْهِ الرِّزْقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مُشَاهَرَةً، سِوَى سُفُنِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ الَّتِي يُحْمَلُ فِيهَا الْمِيرَةُ، وَيَرْكَبُهَا النَّاسُ فِي حَوَائِجِهِمْ، وَسِوَى مَا كَانَ لِكُلِّ قَائِدٍ مِنَ السُّمَيْرِيَّاتِ، وَالْحَرْبِيَّاتِ، وَالزَّوَارِيقِ. فَلَمَّا تَكَامَلَتِ السُّفُنُ تَقَدَّمَ إِلَى ابْنِهِ أَبِي الْعَبَّاسِ، وَقُوَّادِهِ بِقَصْدِ مَدِينَةِ الْخَبِيثِ الشَّرْقِيَّةِ

стр. 3360

مِنْ جِهَاتِهَا، (فَسَيَّرَ ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ إِلَى) نَاحِيَةِ دَارِ الْمُهَلَّبِيِّ أَسْفَلَ الْعَسْكَرِ، وَكَانَ قَدْ شَحَنَهَا بِالرِّجَالِ، وَالْمُقَاتِلِينَ، وَأَمَرَ جَمِيعَ أَصْحَابَهُ بِقَصْدِ دَارِ الْخَبِيثِ، وَإِحْرَاقِهَا، فَإِنْ عَجَزُوا عَنْهَا اجْتَمَعُوا عَلَى دَارِ الْمُهَلَّبِيِّ، وَسَارَ هُوَ فِي الشَّذَا، وَهِيَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ قِطْعَةً، فِيهَا أَنْجَادُ غِلْمَانِهِ، وَانْتَخَبَ مِنَ الْفُرْسَانِ وَالرَّجَّالَةِ عَشَرَةَ آلَافٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسِيرُوا عَلَى جَانِبَيِ النَّهْرِ مَعَهُ إِذَا سَارَ، وَأَنْ يَقِفُوا مَعَهُ إِذَا وَقَفَ، لِيَتَصَرَّفُوا بِأَمْرِهِ. وَبَكَّرَ الْمُوَفَّقُ لِقِتَالِ الْفَاسِقِينَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانُوا قَدْ تَقَدَّمُوا إِلَيْهِمْ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَوَاقَعُوهُمْ، وَتَقَدَّمَ كُلُّ طَائِفَةٍ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي أَمَرَهُمْ بِهَا، فَلَقِيَهُمُ الزِّنْجُ، وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ وَالْجِرَاحُ فِي الْفَرِيقَيْنِ، وَحَامَى الْفَسَقَةُ عَنِ الَّذِي اقْتَصَرُوا عَلَيْهِ مِنْ مَدِينَتِهِمْ، وَاسْتَمَاتُوا، وَصَبَرُوا، فَنَصَرَ اللَّهُ أَصْحَابَ الْمُوَفَّقِ، فَانْهَزَمَ الزِّنْجُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأُسِرَ مِنْ أَنْجَادِهِمْ وَشُجْعَانِهِمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ، فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ فَضُرِبَتْ أَعْنَاقُ الْأَسْرَى فِي الْمَعْرَكَةِ، وَقَصَدَ بِجَمْعِهِ الدَّارَ الَّتِي يَسْكُنُهَا الْخَبِيثُ، وَكَانَ قَدْ لَجَأَ إِلَيْهَا، وَجَمَعَ أَبْطَالَ أَصْحَابِهِ لِلْمُدَافَعَةِ عَنْهَا، فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهَا شَيْئًا، وَانْهَزَمُوا عَنْهَا وَأَسْلَمُوهَا، وَدَخَلَهَا أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ وَفِيهَا بَقَايَا مَا كَانَ سَلِمَ لِلْخَبِيثِ مِنْ مَالِهِ، وَوَلَدِهِ، وَأَثَاثِهِ، فَنَهَبُوا ذَلِكَ أَجْمَعَ، وَأَخَذُوا حَرَمَهُ، وَأَوْلَادَهُ، وَكَانُوا عِشْرِينَ مَا بَيْنَ صَبِيَّةٍ، وَصَبِيٍّ، وَسَارَ الْخَبِيثُ هَارِبًا نَحْوَ دَارِ الْمُهَلَّبِيِّ لَا يَلْوِي عَلَى أَهْلٍ، وَلَا مَالٍ، وَأُحْرِقَتْ دَارُهُ، وَأُتِيَ الْمُوَفَّقُ بِأَهْلِ الْخَبِيثِ وَأَوْلَادِهِ، فَسَيَّرَهُمْ إِلَى بَغْدَاذَ. وَكَانَ أَصْحَابُ أَبِي الْعَبَّاسِ قَدْ قَصَدُوا دَارَ الْمُهَلَّبِيِّ، وَقَدْ لَجَأَ إِلَيْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ، فَغَلَبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَاشْتَغَلُوا بِنَهْبِهَا، وَأَخَذُوا مَا فِيهَا مِنْ حَرَمِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَوْلَادِهِمْ، وَجَعَلَ مَنْ ظَفَرَ مِنْهُمْ بِشَيْءٍ حَمَلَهُ إِلَى سَفِينَتِهِ، فَعَلَوْا فِي الدَّارِ وَنَوَاحِيهَا، فَلَمَّا رَآهُمُ الزِّنْجُ كَذَلِكَ رَجَعُوا إِلَيْهِمْ فَقَتَلُوا فِيهِمْ مَقْتَلَةً يَسِيرَةً. وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ غِلْمَانِ الْمُوَفَّقِ الَّذِينَ قَصَدُوا دَارَ الْخَبِيثِ تَشَاغَلُوا بِحَمْلِ الْغَنَائِمِ إِلَى السُّفُنِ أَيْضًا، فَأَطْمَعَ ذَلِكَ الزِّنْجَ فِيهِمْ، فَأَكَبُّوا عَلَيْهِمْ فَكَشَفُوهُمْ، وَاتَّبَعُوا آثَارَهُمْ، وَثَبَتَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَبْطَالِ الْمُوَفَّقِ، فَرَدُّوا الزِّنْجَ حَتَّى تَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَى مَوَاقِفِهِمْ، وَدَامَتِ الْحَرْبُ إِلَى الْعَصْرِ، فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ غِلْمَانَهُ بِصِدْقِ الْحَمْلَةِ عَلَيْهِمْ، فَفَعَلُوا، فَانْهَزَمَ الْخَبِيثُ وَأَصْحَابُهُ، وَأَخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى دَارِهِ أَيْضًا، فَرَأَى الْمُوَفَّقُ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ

стр. 3361

يَصْرِفَ أَصْحَابَهُ إِلَى إِحْسَانِهِمْ، فَرَدَّهُمْ وَقَدْ غَنِمُوا، وَاسْتَنْقَذُوا جَمْعًا مِنَ النِّسَاءِ الْمَأْسُورَاتِ كُنْ يُخْرَجْنَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَرْسَالًا فَيُحْمَلْنَ إِلَى الْمُوَفَّقِيَّةِ. وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ قَدْ أَرْسَلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ قَائِدًا، فَأَحْرَقَ ثَمَّ بَيَادِرَ كَانَتْ ذَخِيرَةً لِلْخَبِيثِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا أُضْعِفَ بِهِ الْخَبِيثُ وَأَصْحَابُهُ. ثُمَّ وَصَلَ إِلَى الْمُوَفَّقِ كِتَابُ لُؤْلُؤٍ غُلَامِ ابْنِ طُولُونَ فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخَّرَ الْقِتَالَ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ. ذِكْرُ خِلَافِ لُؤْلُؤٍ عَلَى مَوْلَاهُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ وَفِيهَا خَالَفَ لُؤْلُؤٌ غُلَامُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ صَاحِبِ مِصْرَ، عَلَى مَوْلَاهُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ، وَفِي يَدِهِ حِمْصُ، وَقِنَّسْرِينُ، وَحَلَبُ، وَدِيَارُ مُضَرَ، مِنَ الْجَزِيرَةِ، وَسَارَ إِلَى بَالِسَ فَنَهَبَهَا، وَكَاتَبَ الْمُوَفَّقَ فِي الْمَسِيرِ إِلَيْهِ، وَاشْتَرَطَ شُرُوطًا، فَأَجَابَهُ أَبُو أَحْمَدَ إِلَيْهَا، وَكَانَ بِالرَّقَّةِ، فَسَارَ إِلَى الْمُوَفَّقِ فَنَزَلَ قَرْقِيسِيَا، وَبِهَا ابْنُ صَفْوَانَ الْعُقَيْلِيُّ، فَحَارَبَهُ، وَأَخَذَهَا مِنْهُ، وَسَلَّمَهَا إِلَى أَحْمَدَ بْنِ مَالِكِ بْنِ طَوْقٍ، وَسَارَ إِلَى الْمُوَفَّقِ، فَوَصَلَ إِلَيْهِ وَهُوَ يُقَاتِلُ الْخَبِيثَ الْعَلَوِيَّ. ذِكْرُ مَسِيرِ الْمُعْتَمِدِ إِلَى الشَّامِ وُعَوْدِهِ مِنَ الطَّرِيقِ وَفِيهَا سَارَ الْمُعْتَمِدُ نَحْوَ مِصْرَ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْخِلَافَةِ غَيْرُ اسْمِهَا، وَلَا يَنْفُذُ لَهُ تَوْقِيعٌ لَا فِي قَلِيلٍ، وَلَا كَثِيرٍ، وَكَانَ الْحُكْمُ كُلُّهُ لِلْمُوَفَّقِ، وَالْأَمْوَالُ تُجْبَى إِلَيْهِ، فَضَجِرَ الْمُعْتَمِدُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنِفَ مِنْهُ، فَكَتَبَ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ يَشْكُو إِلَيْهِ حَالَهُ سِرًّا مِنْ أَخِيهِ الْمُوَفَّقِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بِاللَّحَاقِ بِهِ بِمِصْرَ، وَوَعَدَهُ النُّصْرَةَ، وَسَيَّرَ عَسْكَرًا إِلَى الرَّقَّةِ يَنْتَظِرُ وُصُولَ الْمُعْتَمِدِ إِلَيْهِمْ، فَاغْتَنَمَ الْمُعْتَمِدُ غَيْبَةَ الْمُوَفَّقِ عَنْهُ، فَسَارَ فِي جُمَادَى الْأُولَى وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُوَّادِ، فَأَقَامَ بِالْكُحَيْلِ يَتَصَيَّدُ. فَلَمَّا سَارَ إِلَى عَمَلِ إِسْحَاقَ بْنِ كُنْدَاجِيقَ، وَكَانَ عَامِلَ الْمَوْصِلِ، وَعَامَّةِ الْجَزِيرَةِ، وَثَبَ ابْنُ كُنْدَاجِيقَ بِمَنْ مَعَ الْمُعْتَمِدِ مِنَ الْقُوَّادِ، فَقَبَضَهُمْ، وَهُمْ نَيْزَكُ، وَأَحْمَدُ بْنُ خَاقَانَ، وَخَطَارِمِشُ، فَقَيَّدَهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ، وَكَانَ قَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ صَاعِدُ بْنُ مَخْلَدٍ وَزِيرُ الْمُوَفَّقِ عَنِ الْمُوَفَّقِ، وَكَانَ سَبَبُ وُصُولِهِ إِلَى قَبْضَتِهِمْ أَنَّهُ أَظْهَرُ أَنَّهُ مَعَهُمْ فِي طَاعَةِ

стр. 3362

الْمُعْتَمِدِ، إِذْ هُوَ الْخَلِيفَةُ، وَلَقِيَهُمْ لَمَّا صَارُوا إِلَى عَمَلِهِ، وَسَارَ مَعَهُمْ عِدَّةَ مَرَاحِلَ، فَلَمَّا قَارَبَ عَمَلَ ابْنِ طُولُونَ ارْتَحَلَ الْأَتْبَاعُ، وَالْغِلْمَانُ الَّذِينَ مَعَ الْمُعْتَمِدِ، وَقُوَّادِهِ، وَلَمْ يَتْرُكِ ابْنُ كُنْدَاجِيقَ أَصْحَابَهُ يَرْحَلُونَ، ثُمَّ خَلَا بِالْقُوَّادِ عِنْدَ الْمُعْتَمِدِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ قَارَبْتُمْ عَمَلَ ابْنِ طُولُونَ، وَالْأَمْرُ أَمْرُهُ، وَتَصِيرُونَ مِنْ جُنْدِهِ، وَتَحْتَ يَدِهِ، أَفَتَرْضَوْنَ بِذَلِكَ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ كَوَاحِدٍ مِنْكُمْ؟ وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ مُنَاظَرَةٌ، حَتَّى تَعَالَى النَّهَارُ، وَلَمْ يَرْحَلِ الْمُعْتَمِدُ وَمَنْ مَعَهُ، فَقَالَ ابْنُ كُنْدَاجِيقَ: قُومُوا بِنَا نَتَنَاظَرُ فِي غَيْرِ حَضْرَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ; فَأَخَذَ بِأَيْدِيهِمْ إِلَى خَيْمَتِهِ لِأَنَّ مَضَارِبَهُمْ كَانَتْ قَدْ سَارَتْ، فَلَمَّا دَخَلُوا خَيْمَتَهُ قَبَضَ عَلَيْهِمْ وَقَيَّدَهُمْ، وَأَخَذَ سَائِرَ مَنْ مَعَ الْمُعْتَمِدِ مِنَ الْقُوَّادِ فَقَيَّدَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أُمُورِهِمْ مَضَى إِلَى الْمُعْتَمِدِ فَعَذَلَهُ مِنْ مَسِيرِهِ فِي دَارِ مُلْكِهِ، وَمُلْكِ آبَائِهِ، وَفِرَاقِ أَخِيهِ الْمُوَفَّقِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي هُوَ بِهَا مِنْ حَرْبٍ يُرِيدُ قَتْلَهُ، وَقَتْلَ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَزَوَالِ مُلْكِهِمْ، ثُمَّ حَمَلَهُ وَالَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ حَتَّى أَدْخَلَهُمْ سَامَرَّا. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عَسْكَرِ ابْنِ طُولُونَ وَعَسْكَرِ الْمُوَفَّقِ بِمَكَّةَ وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بِمَكَّةَ بَيْنَ جَيْشٍ لِأَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ، وَبَيْنَ عَسْكَرِ الْمُوَفَّقِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ. وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ طُولُونَ سَيَّرَ جَيْشًا مَعَ قَائِدَيْنِ إِلَى مَكَّةَ، فَوَصَلُوا إِلَيْهَا، وَجَمَعُوا الْحَنَّاطِينَ، وَالْجَزَّارِينَ، وَفَرَّقُوا فِيهِمْ مَالًا، وَكَانَ عَامِلُ مَكَّةَ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِذْ ذَاكَ بِبُسْتَانِ ابْنِ عَامِرٍ قَدْ فَارَقَهَا خَوْفًا مِنْهُمْ، فَوَافَى مَكَّةَ جَعْفَرٌ الْبَاغَمَرْدِيُّ فِي ذِي الْحِجَّةِ فِي عَسْكَرٍ، وَتَلَقَّاهُ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي جَمَاعَةٍ، فَقَوِيَ بِهِمْ جَعْفَرٌ، وَالْتَقَوْا هُمْ وَأَصْحَابُ ابْنِ طُولُونَ، فَاقْتَتَلُوا، وَأَعَانَ أَهْلُ خُرَاسَانَ جَعْفَرًا، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ طُولُونَ مِائَتَيْ رَجُلٍ، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ وَسُلِبُوا وَأُخِذَتْ أَمْوَالُهُمْ، وَأَخَذَ جَعْفَرٌ مِنَ الْقَائِدَيْنِ نَحْوَ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَمَّنَ الْمِصْرِيِّينَ، وَالْجَزَّارِينَ، وَالْحَنَّاطِينَ، وَقُرِئَ كِتَابٌ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِلَعْنِ ابْنِ طُولُونَ، وَسَلِمَ النَّاسُ وَأَمْوَالُ التُّجَّارِ.

стр. 3363

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ قَطَعَ الْأَعْرَابُ الطَّرِيقَ عَلَى قَافِلَةٍ مِنَ الْحَاجِّ بَيْنَ ثَوْرٍ وَسُمَيْرَاءَ، فَسَلَبُوهُمْ، وَسَاقُوا نَحْوًا مِنْ خَمْسَةِ آلَافِ بَعِيرٍ بِأَحْمَالِهَا وَأُنَاسًا كَثِيرًا. وَفِيهَا انْخَسَفَ الْقَمَرُ، وَغَابَ مُنْخَسِفًا، وَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِيهِ أَيْضًا آخِرَ النَّهَارِ، وَغَابَتْ مُنْكَسِفَةً، فَاجْتَمَعَ فِي الْمُحَرَّمِ كُسُوفَانِ. وَفِيهَا، فِي صَفَرٍ وَثَبَتِ الْعَامَّةُ بِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيجِيِّ، فَانْتَهَبُوا دَارَهُ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ غُلَامًا لَهُ رَمَى امْرَأَةً بِسَهْمٍ فَقَتَلَهَا، فَاسْتَعْدَى السُّلْطَانُ عَلَيْهِ، فَامْتَنَعَ، وَرَمَى غِلْمَانُهُ النَّاسَ، فَقَتَلُوا جَمَاعَةً، وَجَرَحُوا، فَثَارَتْ بِهِمُ الْعَامَّةُ، فَقَتَلُوا فِيهِمْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ، وَنَهَبُوا مَنْزِلَهُ، وَدَوَابَّهُ، وَخَرَجَ هَارِبًا، فَجَمَعَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ - وَكَانَ نَائِبَ أَبِيهِ - دَوَابَّ إِبْرَاهِيمَ، وَمَا أُخِذَ لَهُ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ. وَفِيهَا وُجِّهَ إِلَى أَبِي السَّاجِ جَيْشٌ بَعْدَمَا انْصَرَفَ مِنْ مَكَّةَ، فَسَيَّرَهُ إِلَى جُدَّةَ، فَأَخَذَ لِلْمَخْزُومِيِّ مَرْكَبَيْنِ فِيهِمَا مَالٌ وَسِلَاحٌ. وَفِيهَا وَثَبَ خَلَفٌ صَاحِبُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ بِالثُّغُورِ الشَّامِيَّةِ، وَعَامِلُهُ عَلَيْهَا يَازْمَانُ الْخَادِمُ مَوْلَى مُفْلِحِ بْنِ خَاقَانَ، فَحَبَسَهُ، فَوَثَبَ بِهِ جَمَاعَةٌ فَاسْتَنْقَذُوا يَازْمَانَ، وَهَرَبَ خَلَفٌ، وَتَرَكَ الدُّعَاءَ لِابْنِ طُولُونَ، فَسَارَ إِلَيْهِمُ ابْنُ طُولُونَ، وَنَزَلَ أَذَنَةَ، فَاعْتَصَمَ أَهْلُ طَرَسُوسَ بِهَا، وَمَعَهُمْ يَازْمَانُ، فَرَجَعَ عَنْهُمُ ابْنُ طُولُونَ إِلَى حِمْصَ، ثُمَّ إِلَى دِمَشْقَ، فَأَقَامَ بِهَا. وَفِيهَا قَامَ رَافِعُ بْنُ هَرْثَمَةَ بِمَا كَانَ الْخُجُسْتَانِيُّ غَلَبَ عَلَيْهِ مَنْ مُدُنِ خُرَاسَانَ، فَاجْتَبَى

стр. 3364

عِدَّةً مِنْ كُوَرِ خُرَاسَانَ خَرَاجَهَا لِبِضْعِ عَشْرَةَ سَنَةٍ، فَأَفْقَرَ أَهْلَهَا وَأَخْرَبَهَا. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ الْحَسَنِيِّينَ، وَالْحُسَيْنِيِّينَ (بِالْحِجَازِ) ، وَالْجَعْفَرِيِّينَ، فَقُتِلَ مِنَ الْجَعْفَرِيِّينَ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ، وَخَلَّصُوا الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ الْعَبَّاسِيَّ عَامِلَ الْمَدِينَةِ. وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، عَقَدَ هَارُونُ بْنُ الْمُوَفَّقِ لِابْنِ أَبِي السَّاجِ عَلَى الْأَنْبَارِ، وَطَرِيقِ الْفُرَاتِ، وَالرَّحْبَةِ، وَوَلِيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكُوفَةَ وَسَوَادَهَا، فَلَقِيَ مُحَمَّدَ الْهَيْصَمَ الْعِجْلِيَّ، فَانْهَزَمَ الْهَيْصَمُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عِيسَى بْنُ الشَّيْخِ بْنِ السَّلِيلِ الشَّيْبَانِيُّ، وَبِيَدِهِ أَرْمِينِيَّةُ، وَدِيَارُ بَكْرٍ. وَفِيهَا لَعَنَ الْمُعْتَمِدُ أَحْمَدَ بْنَ طُولُونَ فِي دَارِ الْعَامَّةِ وَأَمَرَ بِلَعْنِهِ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَوَلَّى إِسْحَاقَ بْنَ كُنْدَاجِيقَ عَلَى أَعْمَالِ ابْنِ طُولُونَ، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ مِنْ بَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَوَلِيَ شُرْطَةَ الْخَاصَّةِ. وَكَانَ سَبَبُ هَذَا اللَّعْنِ أَنَّ ابْنَ طُولُونَ قَطَعَ خُطْبَةَ الْمُوَفَّقِ، وَأَسْقَطَ اسْمَهُ مِنَ الطِّرَازِ، فَتَقَدَّمَ الْمُوَفَّقُ إِلَى الْمُعْتَمِدِ بِلَعْنِهِ، فَفَعَلَ مُكْرَهًا، لِأَنَّ هَوَى الْمُعْتَمِدِ كَانَ مَعَ ابْنِ طُولُونَ. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ ابْنِ أَبِي السَّاجِّ، وَالْأَعْرَابِ، فَهَزَمُوهُ، ثُمَّ بَيَّتَهُمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ وَأَسَرَ، وَوَجَّهَ بِالرُّءُوسِ، وَالْأَسْرَى إِلَى بَغْدَاذَ.

стр. 3365

وَفِيهَا، فِي شَوَّالٍ دَخَلَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ رَحْبَةَ مَالِكِ بْنِ طَوْقٍ بَعْدَ أَنْ قَاتَلَهُ أَهْلُهَا [فَغَلَبَهُمْ] ، وَقَتَلَهُمْ، وَهَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ طَوْقٍ إِلَى الشَّامِ، ثُمَّ سَارَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ إِلَى قَرْقِيسِيَا فَدَخَلَهَا. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ. (وَفِيهَا خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ أَمِيرُ صِقِلِّيَةَ فِي عَسْكَرٍ إِلَى نَاحِيَةِ رَمْطَةَ، وَبَلَغَ الْعَسْكَرُ إِلَى قَطَانِيَةَ، فَقَتَلَ كَثِيرًا مِنَ الرُّومِ، وَسَبَى وَغَنِمَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى بَلَرْمَ فِي ذِي الْحِجَّةِ) . [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ مُجَالِدٍ مَوْلَى الْمُعْتَصِمِ، وَهُوَ مِنْ دُعَاةِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَأَخَذَ الْكَلَامَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُبَشِّرٍ. (وَفِيهَا تُوُفِّيَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَفْصِ بْنِ أَبِي عُصْفُورٍ الْإِفْرِيقِيُّ، وَكَانَ مُعْتَزِلِيًّا يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَأَرَادَ أَهْلَ الْقَيْرَوَانِ، فَسَلَّمَ لِذَلِكَ، وَصَحِبَ بِشْرًا الْمَرِّيسِيَّ، وَأَبَا الْهُذَيْلِ، وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ) .
следующие страницы →