← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

يَصْرِفَ أَصْحَابَهُ إِلَى إِحْسَانِهِمْ، فَرَدَّهُمْ وَقَدْ غَنِمُوا، وَاسْتَنْقَذُوا جَمْعًا مِنَ النِّسَاءِ الْمَأْسُورَاتِ كُنْ يُخْرَجْنَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَرْسَالًا فَيُحْمَلْنَ إِلَى الْمُوَفَّقِيَّةِ. وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ قَدْ أَرْسَلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ قَائِدًا، فَأَحْرَقَ ثَمَّ بَيَادِرَ كَانَتْ ذَخِيرَةً لِلْخَبِيثِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا أُضْعِفَ بِهِ الْخَبِيثُ وَأَصْحَابُهُ. ثُمَّ وَصَلَ إِلَى الْمُوَفَّقِ كِتَابُ لُؤْلُؤٍ غُلَامِ ابْنِ طُولُونَ فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخَّرَ الْقِتَالَ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ. ذِكْرُ خِلَافِ لُؤْلُؤٍ عَلَى مَوْلَاهُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ وَفِيهَا خَالَفَ لُؤْلُؤٌ غُلَامُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ صَاحِبِ مِصْرَ، عَلَى مَوْلَاهُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ، وَفِي يَدِهِ حِمْصُ، وَقِنَّسْرِينُ، وَحَلَبُ، وَدِيَارُ مُضَرَ، مِنَ الْجَزِيرَةِ، وَسَارَ إِلَى بَالِسَ فَنَهَبَهَا، وَكَاتَبَ الْمُوَفَّقَ فِي الْمَسِيرِ إِلَيْهِ، وَاشْتَرَطَ شُرُوطًا، فَأَجَابَهُ أَبُو أَحْمَدَ إِلَيْهَا، وَكَانَ بِالرَّقَّةِ، فَسَارَ إِلَى الْمُوَفَّقِ فَنَزَلَ قَرْقِيسِيَا، وَبِهَا ابْنُ صَفْوَانَ الْعُقَيْلِيُّ، فَحَارَبَهُ، وَأَخَذَهَا مِنْهُ، وَسَلَّمَهَا إِلَى أَحْمَدَ بْنِ مَالِكِ بْنِ طَوْقٍ، وَسَارَ إِلَى الْمُوَفَّقِ، فَوَصَلَ إِلَيْهِ وَهُوَ يُقَاتِلُ الْخَبِيثَ الْعَلَوِيَّ. ذِكْرُ مَسِيرِ الْمُعْتَمِدِ إِلَى الشَّامِ وُعَوْدِهِ مِنَ الطَّرِيقِ وَفِيهَا سَارَ الْمُعْتَمِدُ نَحْوَ مِصْرَ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْخِلَافَةِ غَيْرُ اسْمِهَا، وَلَا يَنْفُذُ لَهُ تَوْقِيعٌ لَا فِي قَلِيلٍ، وَلَا كَثِيرٍ، وَكَانَ الْحُكْمُ كُلُّهُ لِلْمُوَفَّقِ، وَالْأَمْوَالُ تُجْبَى إِلَيْهِ، فَضَجِرَ الْمُعْتَمِدُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنِفَ مِنْهُ، فَكَتَبَ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ يَشْكُو إِلَيْهِ حَالَهُ سِرًّا مِنْ أَخِيهِ الْمُوَفَّقِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بِاللَّحَاقِ بِهِ بِمِصْرَ، وَوَعَدَهُ النُّصْرَةَ، وَسَيَّرَ عَسْكَرًا إِلَى الرَّقَّةِ يَنْتَظِرُ وُصُولَ الْمُعْتَمِدِ إِلَيْهِمْ، فَاغْتَنَمَ الْمُعْتَمِدُ غَيْبَةَ الْمُوَفَّقِ عَنْهُ، فَسَارَ فِي جُمَادَى الْأُولَى وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُوَّادِ، فَأَقَامَ بِالْكُحَيْلِ يَتَصَيَّدُ. فَلَمَّا سَارَ إِلَى عَمَلِ إِسْحَاقَ بْنِ كُنْدَاجِيقَ، وَكَانَ عَامِلَ الْمَوْصِلِ، وَعَامَّةِ الْجَزِيرَةِ، وَثَبَ ابْنُ كُنْدَاجِيقَ بِمَنْ مَعَ الْمُعْتَمِدِ مِنَ الْقُوَّادِ، فَقَبَضَهُمْ، وَهُمْ نَيْزَكُ، وَأَحْمَدُ بْنُ خَاقَانَ، وَخَطَارِمِشُ، فَقَيَّدَهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ، وَكَانَ قَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ صَاعِدُ بْنُ مَخْلَدٍ وَزِيرُ الْمُوَفَّقِ عَنِ الْمُوَفَّقِ، وَكَانَ سَبَبُ وُصُولِهِ إِلَى قَبْضَتِهِمْ أَنَّهُ أَظْهَرُ أَنَّهُ مَعَهُمْ فِي طَاعَةِ

стр. 3362

الْمُعْتَمِدِ، إِذْ هُوَ الْخَلِيفَةُ، وَلَقِيَهُمْ لَمَّا صَارُوا إِلَى عَمَلِهِ، وَسَارَ مَعَهُمْ عِدَّةَ مَرَاحِلَ، فَلَمَّا قَارَبَ عَمَلَ ابْنِ طُولُونَ ارْتَحَلَ الْأَتْبَاعُ، وَالْغِلْمَانُ الَّذِينَ مَعَ الْمُعْتَمِدِ، وَقُوَّادِهِ، وَلَمْ يَتْرُكِ ابْنُ كُنْدَاجِيقَ أَصْحَابَهُ يَرْحَلُونَ، ثُمَّ خَلَا بِالْقُوَّادِ عِنْدَ الْمُعْتَمِدِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ قَارَبْتُمْ عَمَلَ ابْنِ طُولُونَ، وَالْأَمْرُ أَمْرُهُ، وَتَصِيرُونَ مِنْ جُنْدِهِ، وَتَحْتَ يَدِهِ، أَفَتَرْضَوْنَ بِذَلِكَ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ كَوَاحِدٍ مِنْكُمْ؟ وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ مُنَاظَرَةٌ، حَتَّى تَعَالَى النَّهَارُ، وَلَمْ يَرْحَلِ الْمُعْتَمِدُ وَمَنْ مَعَهُ، فَقَالَ ابْنُ كُنْدَاجِيقَ: قُومُوا بِنَا نَتَنَاظَرُ فِي غَيْرِ حَضْرَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ; فَأَخَذَ بِأَيْدِيهِمْ إِلَى خَيْمَتِهِ لِأَنَّ مَضَارِبَهُمْ كَانَتْ قَدْ سَارَتْ، فَلَمَّا دَخَلُوا خَيْمَتَهُ قَبَضَ عَلَيْهِمْ وَقَيَّدَهُمْ، وَأَخَذَ سَائِرَ مَنْ مَعَ الْمُعْتَمِدِ مِنَ الْقُوَّادِ فَقَيَّدَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أُمُورِهِمْ مَضَى إِلَى الْمُعْتَمِدِ فَعَذَلَهُ مِنْ مَسِيرِهِ فِي دَارِ مُلْكِهِ، وَمُلْكِ آبَائِهِ، وَفِرَاقِ أَخِيهِ الْمُوَفَّقِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي هُوَ بِهَا مِنْ حَرْبٍ يُرِيدُ قَتْلَهُ، وَقَتْلَ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَزَوَالِ مُلْكِهِمْ، ثُمَّ حَمَلَهُ وَالَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ حَتَّى أَدْخَلَهُمْ سَامَرَّا. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عَسْكَرِ ابْنِ طُولُونَ وَعَسْكَرِ الْمُوَفَّقِ بِمَكَّةَ وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بِمَكَّةَ بَيْنَ جَيْشٍ لِأَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ، وَبَيْنَ عَسْكَرِ الْمُوَفَّقِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ. وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ طُولُونَ سَيَّرَ جَيْشًا مَعَ قَائِدَيْنِ إِلَى مَكَّةَ، فَوَصَلُوا إِلَيْهَا، وَجَمَعُوا الْحَنَّاطِينَ، وَالْجَزَّارِينَ، وَفَرَّقُوا فِيهِمْ مَالًا، وَكَانَ عَامِلُ مَكَّةَ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِذْ ذَاكَ بِبُسْتَانِ ابْنِ عَامِرٍ قَدْ فَارَقَهَا خَوْفًا مِنْهُمْ، فَوَافَى مَكَّةَ جَعْفَرٌ الْبَاغَمَرْدِيُّ فِي ذِي الْحِجَّةِ فِي عَسْكَرٍ، وَتَلَقَّاهُ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي جَمَاعَةٍ، فَقَوِيَ بِهِمْ جَعْفَرٌ، وَالْتَقَوْا هُمْ وَأَصْحَابُ ابْنِ طُولُونَ، فَاقْتَتَلُوا، وَأَعَانَ أَهْلُ خُرَاسَانَ جَعْفَرًا، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ طُولُونَ مِائَتَيْ رَجُلٍ، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ وَسُلِبُوا وَأُخِذَتْ أَمْوَالُهُمْ، وَأَخَذَ جَعْفَرٌ مِنَ الْقَائِدَيْنِ نَحْوَ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَمَّنَ الْمِصْرِيِّينَ، وَالْجَزَّارِينَ، وَالْحَنَّاطِينَ، وَقُرِئَ كِتَابٌ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِلَعْنِ ابْنِ طُولُونَ، وَسَلِمَ النَّاسُ وَأَمْوَالُ التُّجَّارِ.

стр. 3363

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ قَطَعَ الْأَعْرَابُ الطَّرِيقَ عَلَى قَافِلَةٍ مِنَ الْحَاجِّ بَيْنَ ثَوْرٍ وَسُمَيْرَاءَ، فَسَلَبُوهُمْ، وَسَاقُوا نَحْوًا مِنْ خَمْسَةِ آلَافِ بَعِيرٍ بِأَحْمَالِهَا وَأُنَاسًا كَثِيرًا. وَفِيهَا انْخَسَفَ الْقَمَرُ، وَغَابَ مُنْخَسِفًا، وَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِيهِ أَيْضًا آخِرَ النَّهَارِ، وَغَابَتْ مُنْكَسِفَةً، فَاجْتَمَعَ فِي الْمُحَرَّمِ كُسُوفَانِ. وَفِيهَا، فِي صَفَرٍ وَثَبَتِ الْعَامَّةُ بِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيجِيِّ، فَانْتَهَبُوا دَارَهُ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ غُلَامًا لَهُ رَمَى امْرَأَةً بِسَهْمٍ فَقَتَلَهَا، فَاسْتَعْدَى السُّلْطَانُ عَلَيْهِ، فَامْتَنَعَ، وَرَمَى غِلْمَانُهُ النَّاسَ، فَقَتَلُوا جَمَاعَةً، وَجَرَحُوا، فَثَارَتْ بِهِمُ الْعَامَّةُ، فَقَتَلُوا فِيهِمْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ، وَنَهَبُوا مَنْزِلَهُ، وَدَوَابَّهُ، وَخَرَجَ هَارِبًا، فَجَمَعَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ - وَكَانَ نَائِبَ أَبِيهِ - دَوَابَّ إِبْرَاهِيمَ، وَمَا أُخِذَ لَهُ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ. وَفِيهَا وُجِّهَ إِلَى أَبِي السَّاجِ جَيْشٌ بَعْدَمَا انْصَرَفَ مِنْ مَكَّةَ، فَسَيَّرَهُ إِلَى جُدَّةَ، فَأَخَذَ لِلْمَخْزُومِيِّ مَرْكَبَيْنِ فِيهِمَا مَالٌ وَسِلَاحٌ. وَفِيهَا وَثَبَ خَلَفٌ صَاحِبُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ بِالثُّغُورِ الشَّامِيَّةِ، وَعَامِلُهُ عَلَيْهَا يَازْمَانُ الْخَادِمُ مَوْلَى مُفْلِحِ بْنِ خَاقَانَ، فَحَبَسَهُ، فَوَثَبَ بِهِ جَمَاعَةٌ فَاسْتَنْقَذُوا يَازْمَانَ، وَهَرَبَ خَلَفٌ، وَتَرَكَ الدُّعَاءَ لِابْنِ طُولُونَ، فَسَارَ إِلَيْهِمُ ابْنُ طُولُونَ، وَنَزَلَ أَذَنَةَ، فَاعْتَصَمَ أَهْلُ طَرَسُوسَ بِهَا، وَمَعَهُمْ يَازْمَانُ، فَرَجَعَ عَنْهُمُ ابْنُ طُولُونَ إِلَى حِمْصَ، ثُمَّ إِلَى دِمَشْقَ، فَأَقَامَ بِهَا. وَفِيهَا قَامَ رَافِعُ بْنُ هَرْثَمَةَ بِمَا كَانَ الْخُجُسْتَانِيُّ غَلَبَ عَلَيْهِ مَنْ مُدُنِ خُرَاسَانَ، فَاجْتَبَى

стр. 3364

عِدَّةً مِنْ كُوَرِ خُرَاسَانَ خَرَاجَهَا لِبِضْعِ عَشْرَةَ سَنَةٍ، فَأَفْقَرَ أَهْلَهَا وَأَخْرَبَهَا. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ الْحَسَنِيِّينَ، وَالْحُسَيْنِيِّينَ (بِالْحِجَازِ) ، وَالْجَعْفَرِيِّينَ، فَقُتِلَ مِنَ الْجَعْفَرِيِّينَ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ، وَخَلَّصُوا الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ الْعَبَّاسِيَّ عَامِلَ الْمَدِينَةِ. وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، عَقَدَ هَارُونُ بْنُ الْمُوَفَّقِ لِابْنِ أَبِي السَّاجِ عَلَى الْأَنْبَارِ، وَطَرِيقِ الْفُرَاتِ، وَالرَّحْبَةِ، وَوَلِيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكُوفَةَ وَسَوَادَهَا، فَلَقِيَ مُحَمَّدَ الْهَيْصَمَ الْعِجْلِيَّ، فَانْهَزَمَ الْهَيْصَمُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عِيسَى بْنُ الشَّيْخِ بْنِ السَّلِيلِ الشَّيْبَانِيُّ، وَبِيَدِهِ أَرْمِينِيَّةُ، وَدِيَارُ بَكْرٍ. وَفِيهَا لَعَنَ الْمُعْتَمِدُ أَحْمَدَ بْنَ طُولُونَ فِي دَارِ الْعَامَّةِ وَأَمَرَ بِلَعْنِهِ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَوَلَّى إِسْحَاقَ بْنَ كُنْدَاجِيقَ عَلَى أَعْمَالِ ابْنِ طُولُونَ، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ مِنْ بَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَوَلِيَ شُرْطَةَ الْخَاصَّةِ. وَكَانَ سَبَبُ هَذَا اللَّعْنِ أَنَّ ابْنَ طُولُونَ قَطَعَ خُطْبَةَ الْمُوَفَّقِ، وَأَسْقَطَ اسْمَهُ مِنَ الطِّرَازِ، فَتَقَدَّمَ الْمُوَفَّقُ إِلَى الْمُعْتَمِدِ بِلَعْنِهِ، فَفَعَلَ مُكْرَهًا، لِأَنَّ هَوَى الْمُعْتَمِدِ كَانَ مَعَ ابْنِ طُولُونَ. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ ابْنِ أَبِي السَّاجِّ، وَالْأَعْرَابِ، فَهَزَمُوهُ، ثُمَّ بَيَّتَهُمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ وَأَسَرَ، وَوَجَّهَ بِالرُّءُوسِ، وَالْأَسْرَى إِلَى بَغْدَاذَ.

стр. 3365

وَفِيهَا، فِي شَوَّالٍ دَخَلَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ رَحْبَةَ مَالِكِ بْنِ طَوْقٍ بَعْدَ أَنْ قَاتَلَهُ أَهْلُهَا [فَغَلَبَهُمْ] ، وَقَتَلَهُمْ، وَهَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ طَوْقٍ إِلَى الشَّامِ، ثُمَّ سَارَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ إِلَى قَرْقِيسِيَا فَدَخَلَهَا. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ. (وَفِيهَا خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ أَمِيرُ صِقِلِّيَةَ فِي عَسْكَرٍ إِلَى نَاحِيَةِ رَمْطَةَ، وَبَلَغَ الْعَسْكَرُ إِلَى قَطَانِيَةَ، فَقَتَلَ كَثِيرًا مِنَ الرُّومِ، وَسَبَى وَغَنِمَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى بَلَرْمَ فِي ذِي الْحِجَّةِ) . [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ مُجَالِدٍ مَوْلَى الْمُعْتَصِمِ، وَهُوَ مِنْ دُعَاةِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَأَخَذَ الْكَلَامَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُبَشِّرٍ. (وَفِيهَا تُوُفِّيَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَفْصِ بْنِ أَبِي عُصْفُورٍ الْإِفْرِيقِيُّ، وَكَانَ مُعْتَزِلِيًّا يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَأَرَادَ أَهْلَ الْقَيْرَوَانِ، فَسَلَّمَ لِذَلِكَ، وَصَحِبَ بِشْرًا الْمَرِّيسِيَّ، وَأَبَا الْهُذَيْلِ، وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ) .

стр. 3366

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٧٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ قَتْلِ الْخَبِيثِ صَاحِبِ الزِّنْجِ قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ حَرْبِ الزِّنْجِ، وَعَوْدِ الْمُوَفَّقِ عَنْهُمْ مُؤَيَّدًا بِالظَّفَرِ، فَلَمَّا عَادَ عَنْ قِتَالِهِمْ إِلَى مَدِينَةِ الْمُوَفَّقِيَّةِ عَزَمَ عَلَى مُنَاجَزَةِ الْخُبَثَاءِ، فَأَتَاهُ كِتَابُ لُؤْلُؤٍ غُلَامِ ابْنِ طُولُونَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْمَسِيرِ، فَأَذِنَ لَهُ وَتَرَكَ الْقِتَالَ يَنْتَظِرُهُ لِيَحْضُرَ الْقِتَالَ، فَوَصَلَ إِلَيْهِ ثَالِثَ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ، فَأَكْرَمَهُ الْمُوَفَّقُ، وَأَنْزَلَهُ وَخَلَعَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَوَصَلَهُمْ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَأَمَرَ لَهُمْ بِالْأَرْزَاقِ عَلَى قَدْرِ مَرَاتِبِهِمْ، وَأَضْعَفَ مَا كَانَ لَهُمْ، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى لُؤْلُؤٍ بِالتَّأَهُّبِ لِحَرْبِ الْخُبَثَاءِ. وَكَانَ الْخَبِيثُ لَمَّا غَلَبَ عَلَى نَهْرِ أَبِي الْخَصِيبِ، وَقُطِعَتِ الْقَنَاطِرُ وَالْجُسُورُ الَّتِي عَلَيْهِ، أَحْدَثَ سِكْرًا فِي النَّهْرِ مِنْ جَانِبَيْهِ، وَجَعَلَ فِي وَسَطِ النَّهْرِ بَابًا ضَيِّقًا لِتَحْتَدَّ جَرْيَةُ الْمَاءِ فِيهِ، فَتَمْتَنِعَ الشَّذَا مِنْ دُخُولِهِ فِي الْجَزْرِ، وَيَتَعَذَّرُ خُرُوجُهَا مِنْهُ فِي الْمَدِّ، فَرَأَى الْمُوَفَّقُ أَنَّ جَرْيَهُ لَا يَتَهَيَّأُ إِلَّا بِقَلْعِ هَذَا السِّكْرِ، فَحَاوَلَ ذَلِكَ، فَاشْتَدَّتْ مُحَامَاةُ الْخُبَثَاءِ عَلَيْهِ، وَجَعَلُوا يَزِيدُونَ كُلَّ يَوْمٍ فِيهِ، وَهُوَ مُتَوَسِّطُ دُورِهِمْ، وَالْمَرْوِيَّةُ تُسَهِّلُ عَلَيْهِمْ، وَتُعَظِّمُ عَلَى مَنْ أَرَادَ قَلْعَهُ، فَشَرَعَ فِي مُحَارَبَتِهِمْ بِفَرِيقٍ بَعْدَ فَرِيقٍ مِنْ أَصْحَابِ لُؤْلُؤٍ لِيَتَمَرَّنُوا عَلَى قِتَالِهِمْ، وَيَقِفُوا عَلَى الْمَسَالِكِ وَالطُّرُقِ فِي مَدِينَتِهِمْ، فَأَمَرَ لُؤْلُؤًا أَنْ يَحْضُرَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ لِلْحَرْبِ عَلَى هَذَا السِّكْرِ، فَفَعَلَ، فَرَأَى الْمُوَفَّقُ مِنْ شَجَاعَةِ لُؤْلُؤٍ

стр. 3367

وَإِقْدَامِهِ، وَشَجَاعَةِ أَصْحَابِهِ مَا سَرَّهُ، فَأَمَرَ لُؤْلُؤًا بِصَرْفِهِمْ إِشْفَاقًا عَلَيْهِمْ، وَوَصَلَهُمُ الْمُوَفَّقُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ. وَأَلَحَّ الْمُوَفَّقُ عَلَى هَذَا السِّكْرِ، وَكَانَ يُحَارِبُ الْمُحَامِينَ عَلَيْهِ بِأَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ لُؤْلُؤٍ وَغَيْرِهِمْ، وَالْفَعَلَةُ يَعْمَلُونَ فِي قَلْعِهِ، وَيُحَارِبُ الْخَبِيثَ وَأَصْحَابَهُ فِي عِدَّةِ وُجُوهٍ، فَيَحْرِقُ مَسَاكِنَهُمْ، وَيَقْتُلُ مُقَاتِلِيهِمْ، وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ الْجَمَاعَةُ، وَكَانَ قَدْ بَقِيَ لِلْخَبِيثِ وَأَصْحَابِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ أَرَضِينَ بِنَاحِيَةِ النَّهْرِ الْغَرْبِيِّ، لَهُمْ فِيهَا مَزَارِعُ وَحُصُونٌ وَقَنْطَرَتَانِ، وَبِهِ جَمَاعَةٌ يَحْفَظُونَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَفَرَّقَ أَصْحَابَهُ مِنْ جِهَاتِهِمْ، وَجَعَلَ كَمِينًا، ثُمَّ أَوْقَعَ بِهِمْ فَانْهَزَمُوا، فَكُلَّمَا قَصَدُوا جِهَةً خَرَجَ عَلَيْهِمْ مَنْ يُقَاتِلُهُمْ فِيهَا، فَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْهَا إِلَّا الشَّرِيدُ، فَأَخَذُوا مِنْ أَسْلِحَتِهِمْ مَا أَثْقَلَهُمْ حَمْلُهُ، وَقَطَعَ الْقَنْطَرَتَيْنِ، وَلَمْ يَزَلِ الْمُوَفَّقُ يُقَاتِلُهُمْ عَلَى سِكْرِهِمْ، حَتَّى تَهَيَّأَ لَهُ فِيهِ مَا أَحَبَّهُ فِي خَرْقِهِ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ عَزَمَ عَلَى لِقَاءِ الْخَبِيثِ، فَأَمَرَ بِإِصْلَاحِ السُّفُنِ، وَالْآلَاتِ لِلْمَاءِ وَالظَّهْرِ، وَتَقَدَّمَ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ ابْنِهِ أَنْ يَأْتِيَ الْخَبِيثَ مِنْ نَاحِيَةِ دَارِ الْمُهَلَّبِيِّ، وَفَرَّقَ الْعَسَاكِرَ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ، وَأَضَافَ الْمُسْتَأْمِنَةَ إِلَى شِبْلٍ، وَأَمَرَهُ بِالْجِدِّ فِي قِتَالِ الْخَبِيثِ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ لَا يَزْحَفَ أَحَدٌ حَتَّى يُحَرِّكَ عَلَمًا أَسْوَدَ كَانَ نَصَبَهُ عَلَى دَارِ الْكَرْمَانِيِّ وَحَتَّى يَنْفُخَ فِي بُوقٍ بَعِيدِ الصَّوْتِ. وَكَانَ عُبُورُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، فَعَجِلَ بَعْضُ النَّاسِ، وَزَحَفَ نَحْوَهُمْ، فَلَقِيَهُ الزِّنْجُ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ، وَرَدُّوهُمْ إِلَى مَوَاقِفِهِمْ، وَلَمْ يَعْلَمْ سَائِرُ الْعَسْكَرِ بِذَلِكَ لِكَثْرَتِهِمْ، وَبُعْدِ الْمَسَافَةِ فِيمَا بَيْنَ بَعْضِهِمْ وَبَعْضٍ، وَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ بِتَحْرِيكِ الْعَلَمِ الْأَسْوَدِ، وَالنَّفْخِ فِي الْبُوقِ، فَزَحَفَ النَّاسُ فِي الْبَرِّ وَالْمَاءِ يَتْلُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَقِيَهُمُ الزِّنْجُ وَقَدْ حَشَدُوا، وَاجْتَرَءُوا، بِمَا تَهَيَّأَ لَهُمْ، عَلَى مَنْ كَانَ يُسْرِعُ إِلَيْهِمْ، فَلَقِيَهُمُ الْجَيْشُ بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ، وَبَصَائِرَ نَافِذَةٍ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمْعٌ كَثِيرٌ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْخَبِيثِ، وَتَبِعَهُمْ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ، وَاخْتَلَطَ بِهِمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ مَا لَا يُحْصَى عَدَدًا، وَغَرِقَ مِنْهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ، وَحَوَى الْمُوَفَّقُ الْمَدِينَةَ بِأَسْرِهَا، فَغَنِمَهَا أَصْحَابُهُ، وَاسْتَنْقَذُوا مَنْ كَانَ بَقِيَ مِنَ الْأَسْرَى مِنَ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، وَظَفِرُوا بِجَمِيعِ عِيَالِ عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ الْمُهَلَّبِيِّ، وَبِأَخَوَيْهِ: الْخَلِيلِ، وَمُحَمَّدٍ، وَأَوْلَادِهِمَا، وَعُبِرَ

стр. 3368

بِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُوَفَّقِيَّةِ. وَمَضَى الْخَبِيثُ فِي أَصْحَابِهِ، وَمَعَهُ ابْنُهُ أَنْكِلَايُ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ، وَقُوَّادٌ مِنَ الزِّنْجِ وَغَيْرِهِمْ، هَارِبِينَ، عَامِدِينَ إِلَى مَوْضِعٍ كَانَ الْخَبِيثُ قَدْ أَعَدَّهُ مَلْجَأً إِذَا غُلِبَ عَلَى مَدِينَتِهِ، وَذَلِكَ الْمَكَانُ عَلَى النَّهْرِ الْمَعْرُوفِ بِالسُّفْيَانِيِّ، وَكَانَ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ قَدِ اشْتَغَلُوا بِالنَّهْبِ، وَالْإِحْرَاقِ، وَتَقَدَّمَ الْمُوَفَّقُ فِي الشَّذَا نَحْوَ نَهْرِ السُّفْيَانِيِّ، وَمَعَهُ لُؤْلُؤٌ وَأَصْحَابُهُ، فَظَنَّ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى مَدِينَتِهِمُ الْمُوَفَّقِيَّةِ، فَانْصَرَفُوا إِلَى سُفُنِهِمْ بِمَا قَدْ حَوَوْا، وَانْتَهَى الْمُوَفَّقُ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى عَسْكَرِ الْخَبِيثِ وَهُمْ مُنْهَزِمُونَ، وَاتَّبَعَهُمْ لُؤْلُؤٌ فِي أَصْحَابِهِ، حَتَّى عَبَرَ السُّفْيَانِيَّ فَاقْتَحَمَ لُؤْلُؤٌ بِفَرَسِهِ، وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّهْرِ الْمَعْرُوفِ بِالْفِرَبْرِيِّ فَوَصَلَ إِلَيْهِ لُؤْلُؤٌ، وَأَصْحَابُهُ، فَأَوْقَعُوا بِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ، فَهَزَمَهُمْ حَتَّى عَبَرَ نَهْرَ السُّفْيَانِيِّ، وَلُؤْلُؤٌ فِي أَثَرِهِمْ، فَاعْتَصَمُوا بِجَبَلٍ وَرَاءَهُ، وَانْفَرَدَ لُؤْلُؤٌ وَأَصْحَابُهُ بِاتِّبَاعِهِمْ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ فِي آخِرِ النَّهَارِ، فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ بِالِانْصِرَافِ فَعَادَ مَشْكُورًا مَحْمُولًا لِفِعْلِهِ، فَحَمَلَهُ الْمُوَفَّقُ مَعَهُ، وَجَدَّدَ لَهُ مِنَ الْبِرِّ، وَالْكَرَامَةِ وَرِفْعَةِ الْمَنْزِلَةِ مَا كَانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ، وَرَجَعَ الْمُوَفَّقُ فَلَمْ يَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ بِمَدِينَةِ الزِّنْجِ، فَرَجَعَ إِلَى مَدِينَتِهِ، وَاسْتَبْشَرَ النَّاسُ بِالْفَتْحِ، وَهَزِيمَةِ الزِّنْجِ وَصَاحِبِهِمْ. وَكَانَ الْمُوَفَّقُ قَدْ غَضِبَ عَلَى أَصْحَابِهِ بِمُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَهُ، وَتَرْكِهِمُ الْوُقُوفَ حَيْثُ أَمَرَهُمْ، فَجَمَعَهُمْ جَمِيعًا، وَوَبَّخَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَغْلَظَ لَهُمْ، فَاعْتَذَرُوا بِمَا ظَنُّوهُ مِنَ انْصِرَافِهِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا بِمَسِيرِهِ، وَلَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَأَسْرَعُوا نَحْوَهُ، ثُمَّ تَعَاقَدُوا، وَتَحَالَفُوا بِمَكَانِهِمْ عَلَى أَنْ لَا يَنْصَرِفَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِذَا تَوَجَّهُوا نَحْوَ الْخَبِيثِ حَتَّى يَظْفَرُوا بِهِ، فَإِنْ أَعْيَاهُمْ أَقَامُوا بِمَكَانِهِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَسَأَلُوا الْمُوَفَّقَ أَنْ يَرُدَّ السُّفُنَ الَّتِي يَعْبُرُونَ فِيهَا إِلَى الْخَبِيثِ، لِيَنْقَطِعَ النَّاسُ عَنِ الرُّجُوعِ، فَشَكَرَهُمْ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ وَأَمَرَهُمْ بِالتَّأَهُّبِ. وَأَقَامَ الْمُوَفَّقُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْجُمُعَةِ يُصْلِحُ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَأَمَرَ النَّاسَ عَشِيَّةَ الْجُمُعَةِ بِالْمَسِيرِ إِلَى حَرْبِ الْخُبَثَاءِ بُكْرَةَ السَّبْتِ، وَطَافَ عَلَيْهِمْ هُوَ بِنَفْسِهِ يُعَرِّفُ كُلَّ قَائِدٍ مَرْكَزَهُ، وَالْمَكَانَ الَّذِي يَقْصِدُهُ، وَغَدَا الْمُوَفَّقُ يَوْمَ السَّبْتِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ صَفَرٍ، فَعَبَرَ

стр. 3369

النَّاسُ، وَأَمَرَ بَرَدِّ السُّفُنِ، فَرُدَّتْ وَسَارَ يَقْدُمُهُمْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي قَدَّرَ أَنْ يَلْقَاهُمْ فِيهِ. وَكَانَ الْخَبِيثُ وَأَصْحَابُهُ قَدْ رَجَعُوا إِلَى مَدِينَتِهِمْ بَعْدَ انْصِرَافِ الْجَيْشِ عَنْهُمْ، وَأَمَلُوا أَنْ تَتَطَاوَلَ بِهِمُ الْأَيَّامُ وَتَنْدَفِعَ عَنْهُمُ الْمُنَاجَزَةُ، فَوَجَدَ الْمُوَفَّقُ الْمُتَسَرِّعِينَ مِنْ فُرْسَانِ غِلْمَانِهِ وَالرَّجَّالَةِ قَدْ سَبَقُوا الْجَيْشَ، فَأَوْقَعُوا بِالْخَبِيثِ وَأَصْحَابِهِ وَقْعَةً هَزَمُوهُمْ بِهَا، وَتَفَرَّقُوا لَا يَلْوِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَتَبِعَهُمْ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ مَنْ لَحِقُوا مِنْهُمْ، وَانْقَطَعَ الْخَبِيثُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ حُمَاةِ أَصْحَابِهِ وَفِيهِمُ الْمُهَلَّبِيُّ، وَفَارَقَهُ ابْنُهُ أَنْكِلَايُ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ، فَقَصَدَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ جَمْعًا كَثِيفًا مِنَ الْجَيْشِ. وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ قَدْ تَقَدَّمَ، فَلَقِيَ الْمُنْهَزِمِينَ فِي الْمَوْضِعِ الْمَعْرُوفِ بِعَسْكَرِ رَيْحَانَ، فَوَضَعَ أَصْحَابُهُ فِيهِمُ السِّلَاحَ، وَلَقِيَهُمْ طَائِفَةٌ أُخْرَى، فَأَوْقَعُوا بِهِمْ أَيْضًا، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَأَسَرُوا سُلَيْمَانَ بْنَ جَامِعٍ، فَأَتَوْا بِهِ الْمُوَفَّقَ مِنْ غَيْرِ عَهْدٍ وَلَا عَقْدٍ، فَاسْتَبْشَرَ النَّاسُ بِأَسْرِهِ، وَكَثُرَ التَّكْبِيرُ، وَأَيْقَنُوا الْفَتْحَ، إِذْ كَانَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الْخَبِيثِ غَنَاءً عَنْهُ، وَأُسِرَ مِنْ بَعْدِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَمَذَانِيُّ، وَكَانَ أَحَدَ أُمَرَاءِ جُيُوشِهِ، فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ بِالِاسْتِيثَاقِ مِنْهُمْ وَجَعَلَهُمْ فِي شَذَاةٍ لِأَبِي الْعَبَّاسِ. ثُمَّ إِنَّ الزِّنْجَ الَّذِينَ انْفَرَدُوا مَعَ الْخَبِيثِ حَمَلُوا عَلَى النَّاسِ حَمْلَةً أَزَالُوهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ، فَفَتَرُوا، فَأَحَسَّ الْمُوَفَّقُ بِفُتُورِهِمْ، فَجَدَّ فِي طَلَبِ الْخَبِيثِ وَأَمْعَنَ، فَتَبِعَهُ أَصْحَابُهُ، وَانْتَهَى الْمُوَفَّقُ إِلَى آخِرِ نَهَرِ أَبِي الْخَصِيبِ، فَلَقِيَهُ الْبَشِيرُ بِقَتْلِ الْخَبِيثِ، وَأَتَاهُ بَشِيرٌ آخَرُ وَمَعَهُ كَفٌّ ذَكَرَ أَنَّهُ كَفُّهُ، فَقَوِيَ الْخَبَرُ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَتَاهُ غُلَامٌ مِنْ أَصْحَابِ لُؤْلُؤٍ يَرْكُضُ وَمَعَهُ رَأْسُ الْخَبِيثِ، فَأَدْنَاهُ مِنْهُ، وَعَرَضَهُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْتَأْمِنَةِ فَعَرَفُوهُ، فَخَرَّ لِلَّهِ سَاجِدًا، وَسَجَدَ مَعَهُ النَّاسُ، وَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ بِرَفْعِ رَأْسِهِ عَلَى قَنَاةٍ، فَتَأَمَّلَهُ النَّاسُ، فَعَرَفُوهُ، وَكَثُرَ الضَّجِيجُ بِالتَّحْمِيدِ. وَكَانَ مَعَ الْخَبِيثِ لَمَّا أُحِيطُ بِهِ الْمُهَلَّبِيُّ وَحْدَهُ، فَوَلَّى عَنْهُ هَارِبًا، وَقَصَدَ نَهْرَ الْأَمِيرِ فَأَلْقَى نَفْسَهُ فِيهِ يُرِيدُ النَّجَاةَ ; وَكَانَ أَنْكِلَايُ قَدْ فَارَقَ أَبَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَسَارَ نَحْوَ الدِّينَارِيِّ. وَرَجَعَ الْمُوَفَّقُ وَرَأْسُ الْخَبِيثِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَسُلَيْمَانُ مَعَهُ، وَأَصْحَابُهُ إِلَى مَدِينَتِهِ، وَأَتَاهُ مِنَ الزِّنْجِ عَالَمٌ كَبِيرٌ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ، وَانْتَهَى إِلَيْهِ خَبَرُ أَنْكِلَايُ، وَالْمُهَلَّبِيِّ، وَمَكَانُهُمَا، وَمَنْ مَعَهُمَا مِنْ مُقَدَّمِي الزِّنْجِ، فَبَثَّ الْمُوَفَّقُ أَصْحَابَهُ فِي طَلَبِهِمْ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَيْقَنُوا أَنْ لَا مَلْجَأَ أَعْطَوْا بِأَيْدِيهِمْ، فَظُفِرَ بِهِمْ وَبِمَنْ مَعَهُمْ، وَكَانُوا زُهَاءَ خَمْسَةِ آلَافٍ،

стр. 3370

فَأَمَرَ بِالِاسْتِيثَاقِ مِنَ الْمُهَلَّبِيِّ، وَأَنْكِلَايَ، وَكَانَ مِمَّنْ هَرَبَ قِرْطَاسٌ الرُّومِيُّ الَّذِي رَمَى الْمُوَفَّقَ بِالسَّهْمِ فِي صَدْرِهِ، فَانْتَهَى إِلَى رَامَهُرْمُزَ، فَعَرَفَهُ رَجُلٌ، فَدَلَّ عَلَيْهِ عَامِلَ الْبَلَدِ، فَأَخَذَهُ وَسَيَّرَهُ إِلَى الْمُوَفَّقِ فَقَتَلَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ. وَفِيهَا اسْتَأْمَنَ دَرْمَوَيْهِ الزِّنْجِيُّ إِلَى أَبِي أَحْمَدَ، وَكَانَ دَرْمَوَيْهِ مِنْ أَنْجَادِ الزِّنْجِ وَأَبْطَالِهِمْ، وَكَانَ الْخَبِيثُ قَدْ وَجَّهَهُ قَبْلَ هَلَاكِهِ بِمُدَّةٍ إِلَى مَوْضِعٍ كَثِيرِ الشَّجَرِ، وَالْأَدْغَالِ، وَالْآجَامِ، مُتَّصِلٍ بِالْبَطِيحَةِ، وَكَانَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ هُنَالِكَ عَلَى السَّابِلَةِ فِي زَوَارِيقَ خِفَافٍ، فَإِذَا طُلِبُوا دَخَلُوا الْأَنْهَارَ الصِّغَارَ الضَّيِّقَةَ، وَاعْتَصَمُوا بِالْأَدْغَالِ، وَإِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ مَسْلَكٌ لِضِيقِهِ حَمَلُوا سُفُنَهُمْ وَلَجَئُوا إِلَى الْأَمْكِنَةِ الْوَسِيعَةِ، وَيَعْبُرُونَ عَلَى قُرَى الْبَطِيحَةِ، وَيَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ، فَظَفِرَ بِجَمَاعَةٍ مِنْ عَسْكَرِ الْمُوَفَّقِ مَعَهُمْ نِسَاءٌ قَدْ عَادُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ، فَقَتَلَ الرِّجَالَ، وَأَخَذَ النِّسَاءَ، فَسَأَلَهُنَّ عَنِ الْخَبَرِ، فَأَخْبَرْنَهُ بِقَتْلِ الْخَبِيثِ، وَأَسْرِ أَصْحَابِهِ، وَقُوَّادِهِ، وَمَصِيرِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ إِلَى الْمُوَفَّقِ بِالْأَمَانِ، وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، فَسُقِطَ فِي يَدِهِ، وَلَمْ يَرَ لِنَفْسِهِ مَلْجَأً إِلَّا طَلَبَ الْأَمَانِ، وَالصَّفْحِ عَنْ جُرْمِهِ، فَأَرْسَلَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَأَجَابَهُ الْمُوَفَّقُ إِلَيْهِ، فَخَرَجَ وَجَمِيعُ مَنْ مَعَهُ، حَتَّى وَافَى عَسْكَرَ الْمُوَفَّقِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَأَمَّنَهُمْ. فَلَمَّا اطْمَأَنَّ دَرْمَوَيْهِ أَظْهَرَ مَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَالْأَمْتِعَةِ، وَرَدَّهَا إِلَى أَرْبَابِهَا رَدًّا ظَاهِرًا، فَعُلِمَ بِذَلِكَ حُسْنُ نِيَّتِهِ، فَازْدَادَ إِحْسَانُ الْمُوَفَّقِ إِلَيْهِ، وَأَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ إِلَى أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ بِالنِّدَاءِ فِي أَهْلِ النَّوَاحِي الَّتِي دَخَلَهَا الزِّنْجُ بِالرُّجُوعِ إِلَى أَوْطَانِهِمْ، فَسَارَ النَّاسُ إِلَى ذَلِكَ ; وَأَقَامَ الْمُوَفَّقُ بِالْمَدِينَةِ الْمُوَفَّقِيَّةِ لِيَأْمَنَ النَّاسُ بِمُقَامِهِ، وَوَلَّى الْبَصْرَةَ، وَالْأُبُلَّةَ، وَكُوَرَ دِجْلَةَ، رَجُلًا مِنْ قُوَّادِهِ قَدْ حَمِدَ مَذْهَبَهُ، وَعَلِمَ حُسْنَ سِيرَتِهِ، يُقَالُ لَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ تَرْكُسَ، وَأَمَرَهُ بِالْمُقَامِ بِالْبَصْرَةِ، وَوَلَّى قَضَاءَ الْبَصْرَةِ وَالْأُبُلَّةِ وَكُوَرَ دِجْلَةَ مُحَمَّدَ بْنَ حَمَّادٍ. وَقَدَّمَ ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ إِلَى بَغْدَاذَ، وَمَعَهُ رَأْسُ الْخَبِيثِ لِيَرَاهُ النَّاسُ، فَبَلَغَهَا لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَكَانَ خُرُوجُ صَاحِبِ الزِّنْجِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقُتِلَ يَوْمَ السَّبْتِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَتْ

стр. 3371

أَيَّامُهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ. وَقِيلَ فِي أَمْرِ الْمُوَفَّقِ، وَأَصْحَابِ الزِّنْجِ أَشْعَارٌ كَثِيرَةٌ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَسْلَمِيِّ: أَقُولُ وَقَدْ جَاءَ الْبَشِيرُ بِوَقْعَةٍ ... أَعَزَّتْ مِنَ الْإِسْلَامِ مَا كَانَ وَاهِيَا جَزَى اللَّهُ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ بَعْدَمَا ... أُبِيحَ حِمَاهُمْ خَيْرَ مَا كَانَ جَازِيَا تَفَرَّدَ، إِذْ لَمْ يَنْصُرِ اللَّهَ، نَاصِرٌ ... بِتَجْدِيدِ دِينٍ كَانَ أَصْبَحَ بَالِيَا وَتَجْدِيدِ مُلْكٍ قَدْ وَهَى بَعْدَ عِزِّهِ ... وَأَخْذٍ بِثَارَاتٍ تُبِينُ الْأَعَادِيَا وَرَدِّ عِمَارَاتٍ أُزِيلَتْ وَأُخْرِبَتْ ... لِيَرْجِعَ فَيْءٌ قَدْ تُخُرِّمَ وَافِيَا وَتَرْجِعَ أَمْصَارٌ أُبِيحَتْ وَأُحْرِقَتْ ... مِرَارًا فَقَدْ أَمْسَتْ قِوَاءً عَوَافِيَا وَيَشْفِي صُدُورَ الْمُسْلِمِينَ بِوَقْعَةٍ ... يُقِرُّ بِهَا مِنْهَا الْعُيُونَ الْبَوَاكِيَا وَيُتْلَى كِتَابُ اللَّهِ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ ... وَيُلْقَى دُعَاءُ الطَّالِبِيِّينَ خَاسِيَا فَأَعْرَضَ عَنْ أَحْبَابِهِ وَنَعِيمِهِ ... وَعَنْ لَذَّةِ الدُّنْيَا وَأَصْبَحَ غَازِيَا وَهِيَ قَصِيدَةٌ طَوِيلَةٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا شِعْرًا كَثِيرًا. انْقَضَى أَمْرُ الزِّنْجِ.

стр. 3372

ذِكْرُ الظَّفَرِ بِالرُّومِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَتِ الرُّومُ فِي مِائَةِ أَلْفٍ، فَنَزَلُوا عَلَى قَلَمْيَةَ، وَهِيَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنْ طَرَسُوسَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بَازْمَانُ لَيْلًا، فَبَيَّتَهُمْ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ، فِيمَا يُقَالُ: سَبْعِينَ أَلْفًا، وَقَتَلَ مُقَدَّمَهُمْ، وَهُوَ بِطْرِيقُ الْبَطَارِقَةِ، وَقَتَلَ أَيْضًا بِطْرِيقَ الْقَبَازِيقِ، وَبِطْرِيقَ النَّاطَلِيقِ، وَأَفْلَتَ بِطْرِيقُ قُرَّةَ وَبِهِ عِدَّةُ جِرَاحَاتٍ، وَأَخَذَ لَهُمْ سَبْعَ صُلْبَانٍ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ ; وَصَلِيبَهُمُ الْأَعْظَمَ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٍ بِالْجَوْهَرِ، وَأَخَذَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دَابَّةٍ، وَمِنَ السُّرُوجِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَسُيُوفًا مُحَلَّاةً، وَأَرْبَعَةَ كَرَاسِيَّ مِنْ ذَهَبٍ، وَمِائَتَيْ كُرْسِيٍّ مِنْ فِضَّةٍ، وَآنِيَةً كَثِيرَةً، وَنَحْوًا مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ عَلَمٍ دَيْبَاجٍ، وَدَيْبَاجًا كَثِيرًا (وَبَزْيُونَ) وَغَيْرَ ذَلِكَ. ذِكْرُ وَفَاةِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ، وَوِلَايَةِ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ الْعَلَوِيُّ صَاحِبُ طَبَرِسْتَانَ فِي رَجَبٍ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ، وَوَلِيَ مَكَانَهُ أَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ. وَكَانَ الْحَسَنُ جَوَادًا امْتَدَحَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَكَانَ مُتَوَاضِعًا لِلَّهِ تَعَالَى. حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ مَدَحَهُ شَاعِرٌ فَقَالَ: اللَّهُ فَرْدٌ، وَابْنُ زَيْدٍ فَرْدٌ، فَقَالَ: بِفِيكَ الْحَجَرُ، يَا كَذَّابُ، هَلَّا قُلْتَ اللَّهُ فَرْدٌ، وَابْنُ زَيْدٍ عَبْدٌ! ثُمَّ نَزَلَ عَنْ مَكَانِهِ، وَخَرَّ سَاجِدًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَلْصَقَ خَدَّهُ بِالتُّرَابِ، وَحَرَمَ الشَّاعِرَ. وَكَانَ عَالِمًا بِالْفِقْهِ وَالْعَرَبِيَّةِ، مَدَحَهُ شَاعِرٌ فَقَالَ:

стр. 3373

لَا تَقُلْ بُشْرَى، وَلَكِنْ بُشْرَيَانِ ... عِزَّةُ الدَّاعِي وَيَوْمُ الْمِهْرَجَانِ فَقَالَ لَهُ: كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ تَفْتَتِحَ الْأَبْيَاتَ بِغَيْرِ لَا، فَإِنَّ الشَّاعِرَ الْمُجِيدَ يَتَخَيَّرُ لِأَوَّلِ الْقَصِيدَةِ مَا يُعْجِبُ السَّامِعَ، وَيَتَبَرَّكُ بِهِ، وَلَوِ ابْتَدَأَتْ بِالْمِصْرَاعِ الثَّانِي لَكَانَ أَحْسَنُ، فَقَالَ الشَّاعِرُ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا كَلِمَةٌ أَجْلُّ مَنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَوَّلُهَا لَا، فَقَالَ: أَصَبْتَ! وَأَجَازَهُ. وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ غَنَّى عِنْدَهُ مُغَنٍّ بِأَبْيَاتِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ فِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ الَّتِي أَوَّلُهَا: وَأَنَا الْأَخْضَرُ مَنْ يَعْرِفُنِي؟ ... أَخْضَرُ الْجِلْدَةِ مِنْ بَيْتِ الْعَرَبِ فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ: بِرَسُولِ اللَّهِ وَابْنَيْ عَمِّهِ ... وَبِعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ غَيَّرَ الْبَيْتَ فَقَالَ: لَا بِعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَغَضِبَ الْحَسَنُ، وَقَالَ: يَا ابْنَ اللَّخْنَاءِ، تَهْجُو بَنِي عَمِّنَا بَيْنَ يَدَيَّ، وَتُحَرِّفُ مَا مُدِحُوا بِهِ؟ لَئِنْ فَعَلْتَهَا مَرَّةً ثَانِيَةً لَأَجْعَلَنَّهَا آخِرَ غِنَائِكَ. ذِكْرُ وَفَاةِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ، وَوِلَايَةِ ابْنِهِ خُمَارَوَيْهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ طُولُونَ، صَاحِبُ مِصْرَ، وَالشَّامِ، وَالثُّغُورِ الشَّامِيَّةِ. وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّ نَائِبَهُ بِطَرَسُوسَ وَثَبَ عَلَيْهِ يَازْمَانُ الْخَادِمُ، وَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَعَصَى عَلَى أَحْمَدَ، وَأَظْهَرَ الْخِلَافَ، فَجَمَعَ أَحْمَدُ الْعَسَاكِرَ وَسَارَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَصَلَ أَذَنَةَ كَاتَبَهُ وَرَاسَلَهُ يَسْتَمِيلُهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى رِسَالَتِهِ فَسَارَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَنَازَلَهُ وَحَصَرَهُ، فَخَرَقَ يَازْمَانُ نَهْرَ الْبَلَدِ عَلَى مَنْزِلَةِ الْعَسْكَرِ، فَكَادَ النَّاسُ يَهْلِكُونَ، فَرَحَلَ أَحْمَدُ مَغِيظًا حَنِقًا، وَكَانَ الزَّمَانُ شِتَاءً، وَأَرْسَلَ إِلَى يَازْمَانَ: إِنَّنِي لَمْ أَرْحَلْ إِلَّا خَوْفًا أَنْ تَنْخَرِقَ حُرْمَةُ هَذَا الثَّغْرِ فَيَطْمَعَ فِيهِ الْعَدُوُّ. فَلَمَّا عَادَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ أَكَلَ لَبَنَ الْجَوَامِيسِ، فَأَكْثَرَ مِنْهُ، فَأَصَابَهُ مِنْهُ هَيْضَةٌ،

стр. 3374

وَاتَّصَلَتْ حَتَّى صَارَ مِنْهَا ذَرَبٌ، وَكَانَ الْأَطِبَّاءُ يُعَالِجُونَهُ، وَهُوَ يَأْكُلُ سِرًّا، فَلَمْ يَنْجَعِ الدَّوَاءُ، فَتُوُفِّيَ ﵀. وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ نَحْوَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَكَانَ عَاقِلًا، حَازِمًا، كَثِيرَ الْمَعْرُوفِ وَالصَّدَقَةِ مُتَدَيِّنًا، يُحِبُّ الْعُلَمَاءَ وَأَهْلَ الدِّينِ، وَعَمِلَ كَثِيرًا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى قَلْعَةَ يَافَا، وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ بِغَيْرِ قَلْعَةٍ. وَكَانَ يَمِيلُ إِلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَيُكْرِمُ أَصْحَابَهُ. وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ خُمَارَوَيْهِ، وَأَطَاعَهُ الْقُوَّادُ، وَعَصَى عَلَيْهِ نَائِبُ أَبِيهِ بِدِمَشْقَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ الْعَسَاكِرَ فَأَجْلَوْهُ، وَسَارُوا مِنْ دِمَشْقَ إِلَى شَيْزَرَ. ذِكْرُ مَسِيرِ إِسْحَاقَ بْنِ كُنْدَاجِيقَ إِلَى الشَّامِ لَمَّا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ طُولُونَ كَانَ إِسْحَاقُ بْنُ كُنْدَاجِيقَ عَلَى الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ، فَطَمِعَ هُوَ وَابْنُ أَبِي السَّاجِ فِي الشَّامِ، وَاسْتَصْغَرَا أَوْلَادَ أَحْمَدَ، وَكَاتَبَا الْمُوَفَّقَ بِاللَّهِ فِي ذَلِكَ، وَاسْتَمَدَّاهُ فَأَمَرَهُمَا بِقَصْدِ الْبِلَادِ، وَوَعَدَهُمَا إِنْفَاذَ الْجُيُوشِ، فَجَمَعَا، وَقَصَدَا مَا يُجَاوِرُهُمَا مِنَ الْبِلَادِ، فَاسْتَوْلَيَا عَلَيْهِ وَأَعَانَهُمَا النَّائِبُ بِدِمَشْقَ لِأَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ، وَوَعَدَهُمَا الِانْحِيَازَ إِلَيْهِمَا، فَتَرَاجَعَ مَنْ بِالشَّامِ مِنْ نُوَّابِ أَحْمَدَ بِأَنْطَاكِيَةَ، وَحَلَبَ، وَحِمْصَ، وَعَصَى مُتَوَلِّي دِمَشْقَ، وَاسْتَوْلَى إِسْحَاقُ عَلَى ذَلِكَ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى أَبِي الْجَيْشِ خُمَارَوَيْهِ بْنِ أَحْمَدَ، فَسَيَّرَ الْجُيُوشَ إِلَى الشَّامِ فَمَلَكُوا دِمَشْقَ، وَهَرَبَ النَّائِبُ الَّذِي كَانَ بِهَا، (وَسَارَ عَسْكَرُ خُمَارَوَيْهِ) مِنْ دِمَشْقَ إِلَى شَيْزَرَ لِقِتَالِ إِسْحَاقَ بْنِ كُنْدَاجِيقَ وَابْنِ أَبِي السَّاجِ، فَطَاوَلَهُمْ إِسْحَاقُ يَنْتَظِرُ الْمَدَدَ مِنَ الْعِرَاقِ، وَهَجَمَ الشِّتَاءُ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَأَضَرَّ بِأَصْحَابِ ابْنِ طُولُونَ، فَتَفَرَّقُوا فِي الْمَنَازِلِ بِشَيْزَرَ. وَوَصَلَ الْعَسْكَرُ الْعِرَاقِيُّ إِلَى كُنْدَاجِيقَ، وَعَلَيْهِمْ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُوَفَّقِ وَهُوَ

стр. 3375

الْمُعْتَضِدُ بِاللَّهِ، فَلَمَّا وَصَلَ سَارَ مُجِدًّا إِلَى عَسْكَرِ خُمَارَوَيُهِ بِشَيْزَرَ، فَلَمْ يَشْعُرُوا حَتَّى كَبَسَهُمْ فِي الْمَسَاكِنِ، وَوَضَعَ السَّيْفَ فِيهِمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَسَارَ مَنْ سَلِمَ إِلَى دِمَشْقَ (عَلَى أَقْبَحِ صُورَةٍ، فَسَارَ الْمُعْتَضِدُ إِلَيْهِمْ، فَجَلَوْا عَنْ دِمَشْقَ إِلَى الرَّمْلَةِ، وَمَلَكَ هُوَ دِمَشْقَ) ، وَدَخَلَهَا فِي شَعْبَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَقَامَ عَسْكَرُ ابْنِ طُولُونَ بِالرَّمْلَةِ، فَأَرْسَلُوا إِلَى خُمَارَوَيْهِ يُعَرِّفُونَهُ الْحَالَ، فَخَرَجَ مِنْ مِصْرَ فِي عَسَاكِرِهِ قَاصِدًا إِلَى الشَّامِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْأُولَى تُوُفِّيَ هَارُونُ بْنُ الْمُوَفَّقِ بِبَغْدَاذَ. وَفِيهَا، كَانَ فِدَاءُ أَهْلِ سِنْدِيَّةَ عَلَى يَدِ يَازْمَانَ وَفِيهَا، فِي شَعْبَانَ شَغَبَ أَصْحَابُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ الْمُوَفَّقِ عَلَى صَاعِدِ بْنِ مَخْلَدٍ، وَهُوَ وَزِيرُ الْمُوَفَّقِ، وَطَلَبُوا الْأَرْزَاقَ، وَقَاتَلَهُمْ أَصْحَابُ صَاعِدٍ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ قُتِلَ فِيهَا جَمَاعَةٌ، وَأُسِرَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي الْعَبَّاسِ جَمَاعَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَبُو الْعَبَّاسِ حَاضِرًا، كَانَ قَدْ خَرَجَ مُتَصَيِّدًا، وَدَامَتِ الْحَرْبُ إِلَى بَعْدِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ كَفَّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، ثُمَّ وَضَعَ الْعَطَاءَ مِنَ الْغَدِ، وَاصْطَلَحُوا. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ إِسْحَاقَ بْنِ كُنْدَاجِيقَ وَبَيْنَ ابْنِ دَعْبَاشَ (وَكَانَ ابْنُ دَعْبَاشَ) بِالرَّقَّةِ عَامِلًا عَلَيْهَا، وَعَلَى الثُّغُورِ وَالْعَوَاصِمِ لِابْنِ طُولُونَ، وَابْنُ كُنْدَاجِيقَ عَلَى الْمَوْصِلِ لِلْخَلِيفَةِ. وَفِيهَا ابْتَدَأَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى بِبِنَاءِ مَدِينَةِ لَارَدَةَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ مُخَالِفًا لِمُحَمَّدٍ صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ، ثُمَّ صَالَحَهُ فِي الْعَامِ الْمَاضِي، فَلَمَّا سَمِعَ صَاحِبُ بَرْشِلُونَةَ الْفِرِنْجِيُّ جَمَعَ وَحَشَدَ وَسَارَ يُرِيدُ مَنْعَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَسَمِعَ بِهِ إِسْمَاعِيلُ، فَقَصَدَهُ وَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ

стр. 3376

الْمُشْرِكُونَ، وَقُتِلَ أَكْثَرُهُمْ، وَبَقِيَ أَكْثَرُ الْقَتْلَى فِي تِلْكَ الْأَرْضِ دَهْرًا طَوِيلًا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ جَعْفَرٍ الصَّاغَانِيُّ الْحَافِظُ. وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُثْمَانَ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ وَارَةَ الرَّازِيِّ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْحَدِيثِ، وَلَهُ فِيهِ مُصَنَّفَاتٌ. (فِيهَا تُوُفِّيَ) دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيُّ الْفَقِيهُ، إِمَامُ أَصْحَابِ الظَّاهِرِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَمِائَتَيْنِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُصْعَبُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُصْعَبٍ أَبُو أَحْمَدَ الصُّوفِيُّ الزَّاهِدُ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ الْجُنَيْدِ. وَفِيهَا مَاتَ مَلِكُ الرُّومِ، وَهُوَ ابْنُ الصَّقْلَبِيَّةِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ. (وَفِيهَا تُوُفِّيَ خَالِدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ السَّيَّدُوسِيُّ الذُّهْلِيُّ الَّذِي كَانَ أَمِيرَ خُرَاسَانَ

стр. 3377

بِبَغْدَاذَ، وَكَانَ قَدْ قَصَدَ الْحَجَّ فَقَبَضَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ الْمُعْتَمِدُ وَحَبَسَهُ، فَمَاتَ بِالْحَبْسِ، وَهُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الْبُخَارِيَّ صَاحِبَ " الصَّحِيحِ " مِنْ بُخَارَى وَخَبَرُهُ مَعَهُ مَشْهُورٌ، فَدَعَا عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فَأَدْرَكَتْهُ الدَّعْوَةُ) .

стр. 3378

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٧١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ خِلَافِ مُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ الْعَلَوِيَّيْنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ مُحَمَّدٌ، وَعَلِيٌّ ابْنَا الْحُسَيْنِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْمَدِينَةَ، وَقَتَلَا جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِهَا، وَأَخَذَا مِنْ قَوْمٍ مَالًا، وَلَمْ يُصَلِّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ جُمَعٍ، لَا جُمُعَةً، وَلَا جَمَاعَةً، فَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْعَلَوِيُّ فِي ذَلِكَ: أُخْرِبَتْ دَارُ هِجْرَةِ الْمُصْطَفَى الْبَ ... رِّ فَأَبْكَى خَرَابُهَا الْمُسْلِمِينَا عَيْنُ فَابْكِي مَقَامَ جِبْرِيلَ وَالْقَبْ ... رَ فَبَكَى وَالْمِنْبَرَ الْمَيْمُونَا وَعَلَى الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسُّهُ التَّقْ ... وَى، خَلَاءً أَمْسَى مِنَ الْعَابِدِينَا وَعَلَى طِيبَةَ الَّتِي بَارَكَ اللَّ ... هُ عَلَيْهَا بِخَاتَمِ الْمُرْسَلِينَا ذِكْرُ عَزْلِ عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ عَنْ خُرَاسَانَ وَفِيهَا أَدْخَلَ الْمُعْتَمِدُ إِلَيْهِ حَاجَّ خُرَاسَانَ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ قَدْ عَزَلَ عَمْرَو بْنَ اللَّيْثِ عَمَّا كَانَ قَلَّدَهُ، وَلَعَنَهُ بِحَضْرَتِهِمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ قَلَّدَ خُرَاسَانَ مُحَمَّدَ بْنَ طَاهِرٍ، وَأَمَرَ أَيْضًا بِلَعْنِ عَمْرٍو عَلَى الْمَنَابِرِ، فَلُعِنَ، فَسَارَ صَاعِدُ بْنُ مَخْلَدٍ إِلَى فَارِسَ لِحَرْبِ عَمْرٍو، فَاسْتَخْلَفَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ رَافِعَ بْنَ هَرْثَمَةَ عَلَى خُرَاسَانَ، فَلَمْ يُغَيِّرِ السَّامَانِيَّةَ عَمَّا وَرَاءَ النَّهْرِ.

стр. 3379

ذِكْرُ وَقْعَةِ الطَّوَاحِينِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَقْعَةُ الطَّوَاحِينِ بَيْنَ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمُعْتَضِدِ وَبَيْنَ خُمَارَوَيْهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَضِدَ سَارَ مِنْ دِمَشْقَ، بَعْدَ أَنْ مَلَكَهَا نَحْوَ الرَّمْلَةِ إِلَى عَسَاكِرِ خُمَارَوَيْهِ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِوُصُولِ خُمَارَوَيْهِ إِلَى عَسَاكِرِهِ، وَكَثْرَةِ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُمُوعِ، فَهَمَّ بِالْعَوْدِ، فَلَمْ يُمَكِّنْهُ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ خُمَارَوَيْهِ الَّذِينَ صَارُوا مَعَهُ، وَكَانَ الْمُعْتَضِدُ قَدْ أَوْحَشَ ابْنَ كُنْدَاجِيقَ، وَابْنَ أَبِي السَّاجِ، وَنَسَبَهُمَا إِلَى الْجُبْنِ، حَيْثُ انْتَظَرَاهُ لِيَصِلَ إِلَيْهَا، فَفَسَدَتْ نِيَّاتُهُمَا مَعَهُ. وَلَمَّا وَصَلَ خُمَارَوَيْهِ إِلَى الرَّمْلَةِ نَزَلَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّوَاحِينُ، فَمَلَكَهُ، فَنُسِبَتِ الْوَقْعَةُ إِلَيْهِ، وَوَصَلَ الْمُعْتَضِدُ وَقَدْ عَبَّأَ أَصْحَابَهُ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا فَعَلَ خُمَارَوَيْهِ، وَجَعَلَ لَهُ كَمِينًا عَلَيْهِمْ سَعِيدًا الْأَيْسَرَ، وَحَمَلَتْ مَيْسَرَةُ الْمُعْتَضِدِ عَلَى مَيْمَنَةِ خُمَارَوَيْهِ، فَانْهَزَمَتْ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خُمَارَوَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ رَأَى مَصَافًّا قَبْلَهُ، وَلَّى مُنْهَزِمًا فِي نَفَرٍ مِنَ الْأَحْدَاثِ الَّذِينَ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِالْحَرْبِ وَلَمْ يَقِفْ دُونَ مِصْرَ. وَنَزَلَ الْمُعْتَضِدُ إِلَى خِيَامِ خُمَارَوَيْهِ، وَهُوَ لَا يَشُكُّ فِي تَمَامِ النَّصْرِ، فَخَرَجَ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ سَعِيدٌ الْأَيْسَرُ، وَانْضَافَ إِلَيْهِ مَنْ بَقِيَ مَنْ جَيْشِ خُمَارَوَيْهِ، وَنَادَوْا بِشِعَارِهِمْ، وَحَمَلُوا عَلَى عَسْكَرِ الْمُعْتَضِدِ وَهُمْ مَشْغُولُونَ بِنَهْبِ السَّوَادِ، وَوَضَعَ الْمِصْرِيُّونَ السَّيْفَ فِيهِمْ، وَظَنَّ الْمُعْتَضِدُ أَنَّ خُمَارَوَيْهِ قَدْ عَادَ، فَرَكِبَ فَانْهَزَمَ وَلَمْ يَلْوِ عَلَى شَيْءٍ، فَوَصَلَ إِلَى دِمَشْقَ، وَلَمْ يَفْتَحْ لَهُ أَهْلُهَا بَابَهَا، فَمَضَى مُنْهَزِمًا حَتَّى بَلَغَ طَرَسُوسَ، وَبَقِيَ الْعَسْكَرَانِ يَضْطَرِبَانِ بِالسُّيُوفِ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهَا أَمِيرٌ. وَطَلَبَ سَعِيدٌ الْأَيْسَرُ خُمَارَوَيْهِ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَأَقَامَ أَخَاهُ أَبَا الْعَشَائِرِ، وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى الْعِرَاقِيِّينَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَأُسِرَ كَثِيرٌ. وَقَالَ سَعِيدٌ لِلْعَسَاكِرِ: إِنَّ هَذَا أَخُو صَاحِبِكُمْ، وَهَذِهِ الْأَمْوَالُ تُنْفَقُ فِيكُمْ، وَوَضَعَ الْعَطَاءَ، فَاشْتَغَلَ الْجُنْدُ عَنِ الشَّغَبِ بِالْأَمْوَالِ، وَسُيِّرَتِ الْبِشَارَةُ إِلَى مِصْرَ، فَفَرِحَ خُمَارَوَيْهِ بِالظَّفَرِ، وَخَجِلَ لِلْهَزِيمَةِ، غَيْرَ أَنَّهُ أَكْثَرَ الصَّدَقَةَ، وَفَعَلَ مَعَ الْأَسْرَى فَعْلَةً لَمْ يَسْبِقْ إِلَى مِثْلِهَا

стр. 3380

أَحَدٌ قَبْلَهُ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ هَؤُلَاءِ أَضْيَافُكُمْ فَأَكْرِمُوهُمْ، ثُمَّ أَحْضَرَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ لَهُمْ: مَنِ اخْتَارَ الْمُقَامَ عِنْدِي فَلَهُ الْإِكْرَامُ وَالْمُوَاسَاةُ، وَمَنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ جَهَّزْنَاهُ وَسَيَّرْنَاهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَقَامَ وَمِنْهُمْ مَنْ سَارَ مُكْرَمًا، وَعَادَتْ عَسْكَرُ خُمَارَوَيْهِ إِلَى الشَّامِ فَفَتَحَتْهُ أَجْمَعَ، فَاسْتَقَرَّ مُلْكُ خُمَارَوَيْهِ لَهُ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ، وَعَمْرٍو الصَّفَّارِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَاشِرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ عَسَاكِرِ الْخَلِيفَةِ وَفِيهَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفَ، وَبَيْنَ عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ الصَّفَّارِ، وَدَامَتِ الْحَرْبُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى الظُّهْرِ، فَانْهَزَمَ عَمْرٌو وَعَسَاكِرُهُ، وَكَانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا بَيْنَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَجُرِحَ الدِّرْهَمِيُّ مُقَدَّمُ جَيْشِ عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ، وَقُتِلَ مِائَةُ رَجُلٍ مِنْ حُمَاتِهِمْ، وَأُسِرَ ثَلَاثَةُ آلَافِ أَسِيرٍ، اسْتَأْمَنَ مِنْهُمْ أَلْفُ رَجُلٍ، وَغَنِمُوا مِنْ مُعَسْكَرِ عَمْرٍو مِنَ الدَّوَابِّ وَالْبَقَرِ وَالْحَمِيرِ ثَلَاثِينَ أَلْفَ رَأْسٍ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَخَارِجٌ عَنِ الْحَدِّ. ذِكْرُ حُرُوبِ الْأَنْدَلُسِ وَإِفْرِيقِيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ مُحَمَّدٌ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ جَيْشًا مَعَ ابْنِهِ الْمُنْذِرِ إِلَى مَدِينَةِ بَطْلَيُوسَ، فَزَالَ عَنْهَا ابْنُ مَرْوَانَ الْجِلِّيقِيُّ، وَكَانَ مُخَالِفًا، كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَصَدَ حِصْنَ أَشِيرَ غِرَّةً فَتَحَصَّنَ بِهِ، فَأَحْرَقَ الْمُنْذِرُ بَطْلَيُوسَ، وَسَيَّرَ مُحَمَّدٌ أَيْضًا جَيْشًا مَعَ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى مَدِينَةِ سَرَقُسْطَةَ، بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ لُبِّ بْنِ مُوسَى، فَمَلَكَهَا هَاشِمٌ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا مُحَمَّدًا، وَكَانَ مَعَهُ عُمَرُ بْنُ حَفْصُونٍ الَّذِي ذَكَرْنَا خُرُوجَهُ عَلَى صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ فَصَالَحَهُ. فَلَمَّا عَادُوا إِلَى قُرْطُبَةَ هَرَبَ عُمَرُ بْنُ حَفْصُونٍ، وَقَصَدَ بَرْبُشْتَرَ مُخَالِفًا، فَاهْتَمَّ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ بِهِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 3381

وَفِيهَا سَارَتْ سَرِيَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَظِيمَةٌ بِصِقِلِّيَةَ إِلَى رَمْطَةَ، فَخَرَّبَتْ وَغَنِمَتْ وَسَبَتْ، وَأَسَرَتْ كَثِيرًا وَعَادَتْ. وَتُوُفِّيَ أَمِيرُ صِقِلِّيَةَ، وَهُوَ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ، فَوُلِّيَ بَعْدَهُ سَوَادَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَفَاجَةَ التَّمِيمِيُّ، وَقَدِمَ إِلَيْهَا، فَسَارَ عَسْكَرٌ كَبِيرٌ إِلَى مَدِينَةِ قَطَانِيَةَ فَأَهْلَكَ مَا فِيهَا، وَسَارَ إِلَى طَبَرْمِينَ فَقَاتَلَ أَهْلَهَا، وَأَفْسَدَ زَرْعَهَا، وَتَقَدَّمَ فِيهَا، فَأَتَاهُ رَسُولُ بِطْرِيقِ الرُّومِ يَطْلُبُ الْهُدْنَةَ، وَالْمُفَادَاةَ، فَهَادَنَهُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَفَادَاهُ ثَلَاثَمِائَةِ أَسِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَرَجَعَ سَوَادَةُ إِلَى بَلَرْمَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُقِدَ لِأَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّائِيِّ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَطَرِيقِ مَكَّةَ، فَوَثَبَ يُوسُفُ بْنُ أَبِي السَّاجِ - وَهُوَ وَالِي مَكَّةَ - عَلَى بَدْرٍ غُلَامِ الطَّائِيِّ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الْحَاجِّ، فَحَارَبَهُ، وَأَسَرَهُ، فَثَارَ الْجُنْدُ بِيُوسُفَ، فَقَاتَلُوهُ، وَاسْتَنْقَذُوا بَدْرًا، وَأَسَرُوا يُوسُفَ، وَحَمَلُوهُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَكَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَفِيهَا خَرَّبَتِ الْعَامَّةُ الدَّيْرَ الْعَتِيقَ الَّذِي وَرَاءَ نَهْرِ عِيسَى، وَانْتَهَبُوا مَا فِيهِ، وَقَلَعُوا أَبْوَابَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِمُ الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، صَاحِبُ شُرْطَةِ بَغْدَاذَ مِنْ قِبَلِ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، فَمَنَعَهُمْ مِنْ هَدْمِ مَا بَقِيَ مِنْهُ، وَكَانَ يَتَرَدَّدُ هُوَ وَالْعَامَّةُ إِلَيْهِ أَيَّامًا، حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ، ثُمَّ بَنَى مَا هَدَمَ بَعْدَ أَيَّامٍ، وَكَانَتْ إِعَادَةُ بِنَائِهِ بِقُوَّةِ عَبْدُونَ أَخِي صَاعِدِ بْنِ مَخْلَدٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ الْبَصْرِيُّ.

стр. 3382

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٧٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ أَذْكُوتَكِينَ وَمُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْعَلَوِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، مُنْتَصَفَ جُمَادَى الْأُولَى، كَانَتْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ بَيْنَ أَذْكُوتَكِينَ وَبَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْعَلَوِيِّ، صَاحِبِ طَبَرِسْتَانَ، ثُمَّ سَارَ أَذْكُوتَكِينَ مِنْ قَزْوِينَ إِلَى الرَّيِّ، وَمَعَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ فَارِسٍ، وَكَانَ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ مِنَ الدَّيْلَمِ، وَالطَّبَرِيَّةِ وَالْخُرَاسَانِيَّةِ عَالَمٌ كَبِيرٌ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، وَتَفَرَّقُوا، وَقُتِلَ مِنْهُمْ سِتَّةُ آلَافٍ وَأُسِرَ أَلْفَانِ، وَغَنِمَ أَذْكُوتَكِينَ، وَعَسْكَرُهُ مِنْ أَثْقَالِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ، وَدَوَابِّهِمْ شَيْئًا لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، وَدَخَلَ أَذْكُوتَكِينُ الرَّيَّ فَأَقَامَ بِهَا، وَأَخَذَ مِنْ أَهْلِهَا مِائَةَ أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَفَرَّقَ عُمَّالَهُ فِي أَعْمَالِ الرَّيِّ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِيهَا وَقَعَ بَيْنَ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ الْمُوَفَّقِ وَبَيْنَ يَازْمَانَ بِطَرَسُوسَ، فَثَارَ أَهْلُ طَرَسُوسَ بِأَبِي الْعَبَّاسِ فَأَخْرَجُوهُ، فَسَارَ إِلَى بَغْدَاذَ فِي النِّصْفِ مِنَ الْمُحَرَّمِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ سُلَيْمَانُ بْنُ وَهْبٍ فِي جَيْشِ الْمُوَفَّقِ فِي صَفَرٍ. وَفِيهَا خَرَجَ خَارِجِيٌّ بِطُرُقِ خُرَاسَانَ، وَسَارَ إِلَى دَسْكَرَةِ الْمَلِكِ فَقُتِلَ.

стр. 3383

وَفِيهَا دَخَلَ حَمْدَانُ بْنُ حَمْدُونَ، وَهَارُونُ الشَّارِيُّ مَدِينَةَ الْمَوْصِلِ، وَصَلَّى بِهِمُ الشَّارِيُّ فِي جَامِعِهَا. وَفِيهَا نُقِبَ الْمُطْبَقُ مِنْ دَاخِلِهِ، وَأُخْرِجَ مِنْهُ الذَّوَائِبِيُّ الْعَلَوِيُّ، وَفِتْيَانٌ مَعَهُ، فَرَكِبُوا دَوَابَّ أُعِدَّتْ لَهُمْ وَهَرَبُوا، فَأُغْلِقَتْ أَبْوَابُ بَغْدَاذَ، فَأُخِذَ الذَّوَائِبِيُّ، وَمَنْ مَعَهُ، فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ، وَهُوَ بِوَاسِطَ، أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ، وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ، فَقُطِعَ. وَفِيهَا قَدِمَ صَاعِدُ بْنُ مَخْلَدٍ مِنْ فَارِسَ إِلَى وَاسِطَ، فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ جَمِيعَ الْقُوَّادِ أَنْ يَسْتَقْبِلُوهُ، فَاسْتَقْبَلُوهُ، وَتَرَجَّلُوا لَهُ، وَقَبَّلُوا يَدَهُ، وَهُوَ لَا يُكَلِّمُهُمْ كِبْرًا وَتِيهًا، ثُمَّ قَبَضَ الْمُوَفَّقُ عَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيعِ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَنَهَبَ مَنَازِلَهُمْ بَعْدَ أَيَّامٍ، وَكَانَ قَبْضُهُ فِي رَجَبٍ، وَقُبِضَ ابْنَاهُ أَبُو عِيسَى، وَصَالِحٌ، وَأَخُوهُ عَبْدُونُ بِبَغْدَاذَ، وَاسْتَكْتَبَ مَكَانَهُ أَبَا الصَّقْرِ إِسْمَاعِيلَ بْنَ بُلْبُلٍ، اقْتَصَرَ بِهِ عَلَى الْكِتَابَةِ دُونَ غَيْرِهَا. (وَفِيهَا نَزَلَ بَنُو شَيْبَانَ، وَمَنْ مَعَهُمْ بَيْنَ الزَّانِّينَ مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ، عَاثُوا فِي الْبَلَدِ، وَأَفْسَدُوا، وَجَمَعَ هَارُونُ الْخَارِجِيُّ عَلَى قَصْدِهِمْ، وَكَتَبَ إِلَى حَمْدَانَ ابْنِ حَمْدُونَ التَّغْلِبِيِّ فِي الْمَجِيءِ إِلَيْهِ، إِلَى الْمَوْصِلِ، فَسَارَ هَارُونُ نَحْوَ الْمَوْصِلِ، وَسَارَ حَمْدَانُ، وَمَنْ مَعَهُ إِلَيْهِ، فَعَبَرُوا إِلَيْهِ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ دِجْلَةَ، وَسَارُوا جَمِيعًا إِلَى نَهْرِ الْخَازِرِ، وَقَارَبُوا حِلَلَ بَنِي شَيْبَانَ، فَوَاقَعَتْهُ طَلِيعَةٌ لَبَنِي شَيْبَانَ عَلَى طَلِيعَةِ هَارُونَ، فَانْهَزَمَتْ طَلِيعَةُ هَارُونَ، وَانْهَزَمَ هَارُونُ، وَجَلَا أَهْلُ نِينَوَى عَنْهَا، إِلَّا مَنْ تَحَصَّنَ بِالْقُصُورِ) . وَفِيهَا زُلْزِلَتْ مِصْرُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ زَلْزَلَةً شَدِيدَةً أَخْرَبَتِ الدُّورَ وَالْمَسْجِدَ الْجَامِعَ، وَأُحْصِيَ بِهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَلْفُ جِنَازَةٍ.

стр. 3384

وَفِيهَا غَلَا السِّعْرُ بِبَغْدَاذَ، وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ أَهْلَ سَامَرَّا مَنَعُوا مِنَ انْحِدَارِ السُّفُنِ بِالطَّعَامِ، وَمَنَعَ الطَّائِيُّ أَرْبَابَ الضَّيَاعِ مِنَ الدِّيَاسِ لِيُغْلُوا الْأَسْعَارَ، وَمَنَعَ أَهْلُ بَغْدَاذَ عَنْ سَامَرَّا الزَّيْتَ، وَالصَّابُونَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَاجْتَمَعَتِ الْعَامَّةُ، وَوَثَبُوا بِالطَّائِيِّ، فَجَمَعَ أَصْحَابَهُ، وَقَاتَلَهُمْ، فَجَرَحَ بَيْنَهُمْ جَمَاعَةً، وَرَكِبَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ وَسَكَّنَ النَّاسَ، وَصَرَفَهُمْ عَنْهُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ بُرَيَّةَ الْهَاشِمِيُّ فِي شَوَّالٍ. وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ. وَفِيهَا تَحَرَّكَتِ الزِّنْجُ بِوَاسِطَ، وَصَاحُوا: أَنْكِلَايُ، يَا مَنْصُورُ، وَكَانَ هُوَ وَالْمُهَلَّبِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ قُوَّادِهِمْ فِي حَبْسِ الْمُوَفَّقِ بِبَغْدَاذَ، وَكَتَبَ الْمُوَفَّقُ بِقَتْلِهِمْ، فَقُتِلُوا، وَأُرْسِلَتْ رُءُوسُهُمْ إِلَيْهِ، وَصُلِبَتْ أَبْدَانُهُمْ بِبَغْدَاذَ. وَفِيهَا صَلُحَ أَمْرُ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَتَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَيْهَا. وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ يَازْمَانُ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ. (وَفِيهَا سَيَّرَ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ إِلَى ابْنِ مَرْوَانَ الْجِلِّيقِيِّ، وَهُوَ بِحِصْنِ أَشِيرَ غِرَّةً، فَحَصَرُوهُ وَضَيَّقُوا عَلَيْهِ، وَسَيَّرَ جَيْشًا آخَرَ إِلَى مُحَارَبَةِ عُمَرَ بْنِ حَفْصُونٍ بِحِصْنِ بَرْبُشْتَرَ. وَفِيهَا انْفَضَّتِ الْهُدْنَةُ بَيْنَ سَوَادَةَ أَمِيرِ صِقِلِّيَةَ وَالرُّومِ، فَأَخْرَجَ سَوَادَةُ السَّرَايَا إِلَى بَلَدِ الرُّومِ بِصِقِلِّيَةَ، فَغَنِمَتْ وَعَادَتْ. وَفِيهَا قَدِمَ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ بِطْرِيقٌ، يُقَالُ لَهُ أَنْجَفُورُ، فِي عَسْكَرٍ كَبِيرٍ، فَنَزَلَ عَلَى مَدِينَةِ سِبْرِينَةَ فَحَصَرَهَا، وَضَيَّقَ عَلَى مَنْ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَسَلَّمُوهَا عَلَى أَمَانٍ وَلَحِقُوا

стр. 3385

بِأَرْضِ صِقِلِّيَةَ، ثُمَّ وَجَّهَ أَنْجَفُورُ عَسْكَرًا إِلَى مَدِينَةِ مَنْتِيَةَ، فَحَصَرَهَا، حَتَّى سَلَّمَهَا أَهْلُهَا بِأَمَانٍ (إِلَى بَلَرْمَ مِنْ صِقِلِّيَةَ) . [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْمَاطِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِكَيْجَلَةَ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَهُوَ لَقَبُهُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُطَارِدٍ الْعُطَارِدِيُّ التَّمِيمِيُّ، وَهُوَ يَرْوِي " مَغَازِيَ ابْنِ إِسْحَاقَ " عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَمِنْ طَرِيقِهِ سَمِعْنَاهُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْجَشَّاشِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ شُعَيْبُ بْنُ بِكَّارٍ الْكَاتِبُ، وَلَهُ حَدِيثٌ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ.

стр. 3386

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٧٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ ابْنِ أَبِي السَّاجِ، وَابْنِ كُنْدَاجَ، وَالْخُطْبَةِ بِالْجَزِيرَةِ لِابْنِ طُولُونَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَسَدَ الْحَالُ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي السَّاجِ، وَإِسْحَاقَ بْنِ كُنْدَاجَ، وَكَانَا مُتَّفِقَيْنِ فِي الْجَزِيرَةِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبِي السَّاجِ (نَافَرَ إِسْحَاقَ فِي الْأَعْمَالِ، وَأَرَادَ التَّقَدُّمَ، وَامْتَنَعَ عَلَيْهِ إِسْحَاقُ، فَأَرْسَلَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ إِلَى) خُمَارَوَيْهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ صَاحِبِ مِصْرَ، (وَأَطَاعَهُ، وَصَارَ مَعَهُ) وَخَطَبَ لَهُ بِأَعْمَالِهِ، وَهِيَ قِنَّسْرِينَ، وَسَيَّرَ وَلَدَهُ دِيوَدَادَ إِلَى خُمَارَوَيْهِ رَهِينَةً، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ خُمَارَوَيْهِ مَالًا جَزِيلًا لَهُ وَلِقُوَّادِهِ. وَسَارَ خُمَارَوَيْهِ إِلَى الشَّامِ، فَاجْتَمَعَ هُوَ وَابْنُ أَبِي السَّاجِ بِبَالِسَ، وَعَبَرَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ الْفُرَاتَ إِلَى الرَّقَّةِ، فَلَقِيَهُ ابْنُ كُنْدَاجَ، وَجَرَى بَيْنَهُمَا حَرْبٌ انْهَزَمَ فِيهَا ابْنُ كُنْدَاجَ، وَاسْتَوْلَى ابْنُ أَبِي السَّاجِ عَلَى مَا كَانَ لِابْنِ كُنْدَاجَ، وَعَبَرَ خُمَارَوَيْهِ الْفُرَاتَ وَنَزَلَ الرَّافِقَةَ، وَمَضَى إِسْحَاقُ مُنْهَزِمًا إِلَى قَلْعَةِ مَارْدِينَ، (فَحَصَرَهُ ابْنُ أَبِي السَّاجِ، وَسَارَ عَنْهَا إِلَى سِنْجَارَ، فَأَوْقَعَ بِهَا بِقَوْمٍ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَسَارَ ابْنُ كُنْدَاجَ مِنْ مَارْدِينَ) نَحْوَ الْمَوْصِلِ، فَلَقِيَهُ ابْنُ أَبِي السَّاجِ بِبَرْقَعِيدَ، فَكَمَنَ كَمِينًا، فَخَرَجُوا عَلَى ابْنِ كُنْدَاجَ وَقْتَ الْقِتَالِ، فَانْهَزَمَ عَنْهَا، وَعَادَ إِلَى مَارْدِينَ فَكَانَ فِيهَا ; وَقَوِيَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ، وَظَهَرَ أَمْرُهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ، وَخَطَبَ لِخُمَارَوَيْهِ فِيهَا ثُمَّ لِنَفْسِهِ بَعْدَهُ.

стр. 3387

ذِكْرُ وَقْعَةٍ بَيْنَ عَسْكَرِ ابْنِ أَبِي السَّاجِ وَالشُّرَاةِ لَمَّا اسْتَوْلَى ابْنُ أَبِي السَّاجِ عَلَى الْمَوْصِلِ أَرْسَلَ طَائِفَةً مِنْ عَسْكَرِهِ مَعَ غُلَامِهِ فَتْحٍ، وَكَانَ شُجَاعًا مُقَدَّمًا عِنْدَهُ، إِلَى الْمَرْجِ مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ، فَسَارُوا إِلَيْهَا، وَجَبَوُا الْخَرَاجَ مِنْهَا. وَكَانَ الْيَعْقُوبِيَّةُ الشُّرَاةُ بِالْقُرْبِ مِنْهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَهَادَنَهُمْ، وَقَالَ: إِنَّمَا مُقَامِي بِالْمَرْجِ مُدَّةٌ يَسِيرَةٌ ثُمَّ أَرْحَلُ عَنْهُ. فَسَكَنُوا إِلَى قَوْلِهِ، وَتَفَرَّقُوا، فَنَزَلَ بَعْضُهُمْ بِالْقُرْبِ مِنْ سُوقِ الْأَحَدِ، فَأَسْرَى إِلَيْهِمْ فَتْحٌ فِي السَّحَرِ، فَكَبَسَهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، وَانْهَزَمَ الرِّجَالُ عَنْهُ. وَكَانَ بَاقِي الْيَعْقُوبِيَّةِ قَدْ خَرَجُوا إِلَى أَصْحَابِهِمُ الَّذِينَ أَوْقَعَ بِهِمْ فَتْحٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمُوا بِالْوَاقِعَةِ، فَلَقِيَهُمُ الْمُنْهَزِمُونَ مِنْ أَصْحَابِهِمْ، (فَاجْتَمَعُوا، وَعَادُوا إِلَى فَتْحٍ فَقَاتَلُوهُ) ، وَحَمَلُوا حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَهَزَمُوهُ، وَقَتَلُوا مِنْ أَصْحَابِهِ ثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ أَلْفَ رَجُلٍ، فَأَفْلَتَ فِي نَحْوِ مِائَةِ رَجُلٍ، وَتَفَرَّقَ مِائَةٌ فِي الْقُرَى وَاخْتَفَوْا، وَعَادُوا إِلَى الْمَوْصِلِ مُتَفَرِّقِينَ، وَأَقَامُوا بِهَا. ذِكْرُ وَفَاةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَوِلَايَةِ ابْنِهِ الْمُنْذِرِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ الْأُمَوِيُّ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، سَلْخَ صَفَرٍ، وَكَانَ عُمْرُهُ نَحْوًا مِنْ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ أَبْيَضَ، مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍ، رَبْعَةً، أَوْقَصَ، يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ، وَالْكَتَمِ، وَخَلَّفَ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ وَلَدًا ذُكُورًا، وَكَانَ ذَكِيًّا، فَطِنًا بِالْأُمُورِ الْمُشْتَبِهَةِ مُتَعَانِيًا مِنْهَا. وَلَمَّا مَاتَ وَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، بُويِعَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ،

стр. 3388

وَأَطَاعَهُ النَّاسُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ (وَفِيهَا أَيْضًا كَانَتْ وَقْعَةٌ بِالرَّقَّةِ فِي جُمَادَى الْأُولَى بَيْنَ إِسْحَاقَ بْنِ كُنْدَاجِيقَ وَبَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي السَّاجِ، فَانْهَزَمَ إِسْحَاقُ، ثُمَّ كَانَتْ بَيْنَهُمَا وَقْعَةٌ أُخْرَى فِي ذِي الْحِجَّةِ فَانْهَزَمَ إِسْحَاقُ أَيْضًا) . وَفِي السَّنَةِ وَثَبَ أَوْلَادُ مَلِكِ الرُّومِ عَلَى أَبِيهِمْ، فَقَتَلُوهُ، وَمَلَكَ أَحَدُهُمْ بَعْدَهُ. وَفِيهَا قُبِضَ الْمُوَفَّقُ عَلَى لُؤْلُؤٍ غُلَامِ ابْنِ طُولُونَ الَّذِي كَانَ قِدَمَ عَلَيْهِ بِالْأَمَانِ (حِينَ كَانَ يُقَاتِلُ الزِّنْجَ بِالْبَصْرَةِ، وَلَمَّا قَبَضَهُ قَيَّدَهُ) ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ مِنْهُ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَكَانَ لُؤْلُؤٌ يَقُولُ: لَيْسَ لِي ذَنْبٌ إِلَّا كَثْرَةَ مَالِي ; وَلَمْ تَزَلْ أُمُورُهُ فِي إِدْبَارٍ إِلَى أَنِ افْتَقَرَ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مِصْرَ فِي آخِرِ أَيَّامِ هَارُونَ بْنِ خُمَارَوَيْهِ، فَرِيدًا وَحِيدًا، بِغُلَامٍ وَاحِدٍ، فَكَانَ هَذَا ثَمَرَةُ الْعَقْلِ السَّخِيفِ، وَكُفْرِ الْإِحْسَانِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ. وَفِيهَا ثَارَ السُّودَانُ بِمِصْرَ، وَحَصَرُوا صَاحِبَ الشُّرْطَةِ، فَسَمِعَ خُمَارَوَيْهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ الْخَبَرَ، فَرَكِبَ، وَفِي يَدِهِ سَيْفٌ مَسْلُولٌ، وَقَصَدَ دَارَ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ، وَقَتَلَ كُلَّ مَنْ لَقِيَهُ مِنَ السُّودَانِ، فَانْهَزَمُوا مِنْهُ، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَسَكَنَتْ مِصْرُ وَأَمِنَ النَّاسُ.

стр. 3389

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ أَبُو سُلَيْمَانَ بْنُ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ، صَاحِبُ كِتَابِ " السُّنَنِ ". وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَاجَهْ الْقَزْوِينِيُّ، وَلَهُ أَيْضًا كِتَابُ " السُّنَنِ "، وَكَانَ عَاقِلًا، إِمَامًا عَالِمًا. وَتُوُفِّيَ الْفَتْحُ بْنُ شُخْرُفَ أَبُو دَاوُدَ الْكَشِّيُّ الصُّوفِيُّ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِبَغْدَاذَ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَحْوَالِ الشَّرِيفَةِ. وَتُوُفِّيَ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ.

стр. 3390

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٧٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عَسْكَرِ عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ وَبَيْنَ عَسْكَرِ الْمُوَفَّقِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْمُوَفَّقُ إِلَى فَارِسَ لِحَرْبِ عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ الصَّفَّارِ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى عَمْرٍو، فَسَيَّرَ الْعَبَّاسَ بْنَ إِسْحَاقٍ فِي جَمْعٍ كَبِيرٍ مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَى سِيرَافَ، وَأَنْفَذَ ابْنَهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو إِلَى أَرْجَانَ، وَسِيَّرَ أَبَا طَلْحَةَ شَرْكُبَ صَاحِبَ جَيْشِهِ، عَلَى مُقَدِّمَتِهِ، فَاسْتَأْمَنَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى الْمُوَفَّقِ، وَسَمِعَ عَمْرٌو ذَلِكَ، فَتَوَقَّفَ عَنْ قَصْدِ الْمُوَفَّقِ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا طَلْحَةَ عَزَمَ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى عَمْرٍو، فَبَلَغَ الْمُوَفَّقَ خَبَرُهُ فَقَبَضَ عَلَيْهِ بِقُرْبِ شِيزَارَ، وَجَعَلَ مَالَهُ لِابْنِهِ الْمُعْتَضِدِ أَبِي الْعَبَّاسِ، وَسَارَ يَطْلُبُ عَمْرًا، فَعَادَ عَمْرٌو إِلَى كَرْمَانَ، وَمِنْهَا إِلَى سِجِسْتَانَ عَلَى الْمَفَازَةِ، فَتُوُفِّيَ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ بِالْمَفَازَةِ، وَلَمْ يَقْدِرِ الْمُوَفَّقُ عَلَى أَخْذِ كَرْمَانَ (وَسِجِسْتَانَ مِنْ عَمْرٍو فَعَادَ عَنْهُ) . ذِكْرُ عِدَّةَ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا يَازْمَانُ، فَأَوْغَلَ فِي أَرْضِ الرُّومِ (فَأَوْقَعَ فِيهَا بِكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِهَا، وَقَتَلَ وَغَنِمَ، وَسَبَى، وَأَسَرَ، وَعَادَ سَالِمًا إِلَى طَرَسُوسَ) .

стр. 3391

وَفِيهَا دَخَلَ صِدِّيقٌ الْفَرْغَانِيُّ دُورَ سَامَرَّا (فَنَهَبَهَا، وَأَخَذَ) أَمْوَالَ التُّجَّارِ (مِنْهَا، وَأَفْسَدَ) ; وَكَانَ صِدِّيقٌ هَذَا يَخْفِرُ الطَّرِيقَ وَيَحْمِيهِ، ثُمَّ صَارَ يَقْطَعُهُ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْكَبْشِ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ، وَكَانَ قَدْ حَبَسَهُ أَخُوهُ الْمُعْتَمِدُ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحَسَنُ بْنُ مُكْرَمٍ. وَعَلِيٌّ [إِبْرَاهِيمُ] بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْوَاسِطِيُّ. [بَقِيَّةُ الْحَوَادِثِ] وَفِيهَا جَمَعَ إِسْحَاقُ بْنُ كُنْدَاجَ جَمْعًا كَثِيرًا وَسَارَ نَحْوَ الشَّامِ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ خُمَارَوَيْهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَقَدْ عَبَرَ الْفُرَاتَ، فَالْتَقَيَا، وَجَرَى بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ قِتَالٌ شَدِيدٌ، انْهَزَمَ فِيهِ إِسْحَاقُ هَزِيمَةً عَظِيمَةً لَمْ يَرُدَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى عَبَرَ الْفُرَاتَ، وَتَحَصَّنَ بِهَا، وَسَارَ خُمَارَوَيْهِ إِلَى الْفُرَاتِ، فَعَمِلَ جِسْرًا، فَلَمَّا عَلِمَ إِسْحَاقُ بِذَلِكَ سَارَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى قِلَاعٍ لَهُ قَدْ أَعَدَّهَا وَحَصَّنَهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى خُمَارَوَيْهِ يَخْضَعُ لَهُ، يَبْذُلُ لَهُ الطَّاعَةَ فِي جَمِيعِ وِلَايَتِهِ، وَهِيَ الْجَزِيرَةُ وَمَا وَالَاهَا، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ. وَصَالَحَهُ ابْنُ أَبِي السَّاجِ، وَجَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا، وَسَارَ نَحْوَ الشَّامِ قَاصِدًا مُنَازَعَةَ

стр. 3392

خُمَارَوَيْهِ حَيْثُ كَانَ أَبْعَدَ إِلَى مِصْرَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ خُمَارَوَيْهِ فَخَرَجَ عَنْ مِصْرَ فِي عَسَاكِرِهِ، فَالْتَقَيَا فِي الْبَثْنِيَّةِ مِنْ أَعْمَالِ دِمَشْقَ، فَاقْتَتَلَا قِتَالًا عَظِيمًا، فَانْهَزَمَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ، وَعَادَ مُنْهَزِمًا حَتَّى عَبَرَ الْفُرَاتَ، فَأَحْضَرَ خُمَارَوَيْهِ وَلَدَ ابْنَ أَبِي السَّاجِ، وَكَانَ رَهِينَةً عِنْدَهُ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَأَطْلَقَهُ، وَسَيَّرَهُ إِلَى أَبِيهِ، وَعَادَ إِلَى مِصْرَ.

стр. 3393

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٧٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ خُمَارَوَيْهِ وَابْنِ أَبِي السَّاجِ قَدْ ذَكَرْنَا اتِّفَاقَ ابْنِ أَبِي السَّاجِ، وَخُمَارَوَيْهِ بْنِ طُولُونَ، وَطَاعَةَ ابْنِ أَبِي السَّاجِ لَهُ، فَلَمَّا كَانَ الْآنَ خَالَفَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ عَلَى خُمَارَوَيْهِ، فَسَمِعَ خُمَارَوَيْهِ الْخَبَرَ، فَسَارَ عَنْ مِصْرَ فِي عَسَاكِرِهِ نَحْوَ الشَّامِ، فَقَدِمَ إِلَيْهِ آخِرَ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ [وَمِائَتَيْنِ] ، فَسَارَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ إِلَيْهِ، فَالْتَقَوْا عِنْدَ ثَنِيَّةِ الْعُقَابِ بِقُرْبِ دِمَشْقَ، وَاقْتَتَلُوا فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، كَانَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمَا، فَانْهَزَمَتْ مَيْمَنَةُ خُمَارَوَيْهِ، وَأَحَاطَ بَاقِي عَسْكَرِهِ بِابْنِ أَبِي السَّاجِ، وَمَنْ مَعَهُ، فَمَضَى مُنْهَزِمًا، وَاسْتُبِيحَ مُعَسْكَرُهُ، وَأُخِذَتِ الْأَثْقَالُ، وَالدَّوَابُّ، وَجَمِيعُ مَا فِيهِ. وَكَانَ قَدْ خَلَّفَ بِحِمْصَ شَيْئًا كَثِيرًا، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ خُمَارَوَيْهِ قَائِدًا فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ جَرِيدَةً فَسَبَقُوا ابْنَ أَبِي السَّاجِ إِلَيْهَا، وَمَنَعُوهُ مِنْ دُخُولِهَا وَالِاعْتِصَامِ بِهَا، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى مَا لَهُ فِيهَا، فَمَضَى ابْنُ أَبِي السَّاجِ مُنْهَزِمًا إِلَى حَلَبَ، ثُمَّ مِنْهَا إِلَى الرَّقَّةِ، فَتَبِعَهُ خُمَارَوَيْهِ، فَفَارَقَ الرَّقَّةَ، فَعَبَرَ خُمَارَوَيْهِ الْفُرَاتَ، (سَارَ فِي أَثَرِ ابْنِ أَبِي السَّاجِ، فَوَصَلَ خُمَارَوَيْهِ إِلَى مَدِينَةِ بَلَدَ، وَكَانَ قَدْ سَبَقَهُ ابْنُ أَبِي السَّاجِ إِلَى الْمَوْصِلِ) . فَلَمَّا سَمِعَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ بِوُصُولِهِ إِلَى بَلَدَ سَارَ عَنِ الْمَوْصِلِ إِلَى الْحَدِيثَةِ، وَأَقَامَ خُمَارَوَيْهِ بِبَلَدَ، وَعَمِلَ لَهُ سَرِيرًا طَوِيلَ الْأَرْجُلِ، فَكَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ فِي دِجْلَةَ، هَكَذَا ذَكَرَ أَبُو زَكَرِيَّاءَ يَزِيدُ بْنُ إِيَاسٍ الْأَزْدِيُّ الْمَوْصِلِيُّ صَاحِبُ " تَارِيخِ الْمَوْصِلِ ": أَنَّ خُمَارَوَيْهِ وَصَلَ إِلَى بَلَدَ، وَكَانَ إِمَامًا فَاضِلًا عَالِمًا بِمَا يَقُولُ وَهُوَ يُشَاهِدُ الْحَالَ.

стр. 3394

ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ ابْنِ كُنْدَاجَ، وَابْنِ أَبِي السَّاجِ لَمَّا انْهَزَمَ كُنْدَاجُ مِنَ ابْنِ أَبِي السَّاجِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ أَقَامَ إِلَى أَنِ انْهَزَمَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ مِنْ خُمَارَوَيْهِ، فَلَمَّا وَافَى خُمَارَوَيْهِ بَلَدَ أَقَامَ بِهَا، وَسَيَّرَ مَعَ إِسْحَاقَ بْنِ كُنْدَاجَ جَيْشًا كَثِيرًا، وَجَمَاعَةً مِنَ الْقُوَّادِ، وَرَحَلَ يَطْلُبُ ابْنَ أَبِي السَّاجِ، فَمَضَى بَيْنَ يَدَيْهِ وَابْنُ كُنْدَاجَ يَتْبَعُهُ إِلَى تِكْرِيتَ، فَعَبَرَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ دِجْلَةَ، وَأَقَامَ ابْنُ كُنْدَاجَ، وَجَمَعَ السُّفُنَ لِيَعْمَلَ جِسْرًا يَعْبُرُ عَلَيْهِ، وَكَانَ يُجْرِي بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ مُرَامَاةً. وَكَانَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ فِي نَحْوِ أَلْفَيْ فَارِسٍ، وَابْنُ كُنْدَاجَ فِي عِشْرِينَ أَلْفًا، فَلَمَّا رَأَى أَبُو السَّاجِ اجْتِمَاعَ السُّفُنِ سَارَ عَنْ تِكْرِيتَ إِلَى الْمَوْصِلِ لَيْلًا، فَوَصَلَ إِلَيْهَا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، فَنَزَلَ بِظَاهِرِهَا عِنْدَ الدَّيْرِ الْأَعْلَى، وَسَارَ ابْنُ كُنْدَاجَ يَتْبَعُهُ، فَوَصَلَ إِلَى الْعَزِيقِ، فَلَمَّا سَمِعَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ خَبَرَهُ سَارَ إِلَيْهِ، فَالْتَقَوْا، وَاقْتَتَلُوا عِنْدَ قَصْرِ حَرْبٍ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، وَصَبَرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّاجِ صَبْرًا عَظِيمًا، لِأَنَّهُ فِي قِلَّةٍ، فَنَصَرَهُ اللَّهُ، وَانْهَزَمَ ابْنُ كُنْدَاجَ، وَجَمِيعُ عَسْكَرِهِ، وَمَضَى مُنْهَزِمًا. وَكَانَ أَعْظَمُ الْأَسْبَابِ فِي هَزِيمَتِهِ بَغْيَهُ، فَإِنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ أَبِي السَّاجِ قَدْ أَقْبَلَ نَحْوَكَ مِنَ الْمَوْصِلِ لِيُقَاتِلَكَ، قَالَ: أَسْتَقْبِلُ الْكَلْبَ! فَعَدَّ النَّاسُ هَذَا بَغْيًا وَخَافُوا مِنْهُ، فَلَمَّا انْهَزَمَ، وَسَارَ إِلَى الرَّقَّةَ، تَبِعَهُ مُحَمَّدٌ إِلَيْهَا، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ يُعَرِّفُهُ مَا كَانَ مِنْهُ، وَيَسْتَأْذِنُهُ فِي عُبُورِ الْفُرَاتِ إِلَى الشَّامِ بِلَادِ خُمَارَوَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُوَفَّقُ يَشْكُرُهُ، وَيَأْمُرُهُ بِالتَّوَقُّفِ إِلَى أَنْ تَصِلَهُ الْأَمْدَادُ مِنْ عِنْدِهِ. وَأَمَّا ابْنُ كُنْدَاجَ فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى خُمَارَوَيْهِ، فَسَيَّرَ مَعَهُ جَيْشًا، فَوَصَلُوا إِلَى الْفُرَاتِ، فَكَانَ إِسْحَاقُ بْنُ كُنْدَاجَ عَلَى الشَّامِ، وَابْنُ أَبِي السَّاجِ بِالرَّقَّةَ، وَوَكَّلَ بِالْفُرَاتِ مَنْ يَمْنَعُ مِنْ عُبُورِهَا، فَبَقُوا كَذَلِكَ مُدَّةً. ثُمَّ إِنَّ ابْنَ كُنْدَاجَ سَيَّرَ طَائِفَةً مِنْ عَسْكَرِهِ، فَعَبَرُوا الْفُرَاتَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوَضِعِ، وَسَارُوا، فَلَمْ تَشْعُرْ طَائِفَةُ عَسْكَرِ ابْنِ أَبِي السَّاجِ، وَكَانُوا طَلِيعَةً، إِلَّا وَقَدْ أَوْقَعُوا بِهِمْ، فَانْهَزَمُوا مِنْ عَسْكَرِ إِسْحَاقَ إِلَى الرَّقَّةَ، فَلَمَّا رَأَى ابْنُ أَبِي السَّاجِ ذَلِكَ سَارَ عَنِ الرَّقَّةَ إِلَى

стр. 3395

الْمَوْصِلِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا طَلَبَ مِنْ أَهْلِهَا الْمُسَاعَدَةَ بِالْمَالِ، وَقَالَ لَهُمْ: لَيْسَ بِالْمُضْطَرِّ مُرُوءَةٌ ; فَأَقَامَ بِهَا نَحْوَ شَهْرٍ، وَانْحَدَرَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَاتَّصَلَ بِأَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَاسْتَصْحَبَهُ مَعَهُ إِلَى الْجَبَلِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَوَصَلَهُ بِمَالٍ، وَأَقَامَ ابْنُ كُنْدَاجَ بِدِيَارِ رَبِيعَةَ، وَدِيَارِ مُضَرَ مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الطَّائِيِّ، وَفَارِسٍ الْعَبْدِيِّ وَفِيهَا ظَهَرَ فَارِسٌ الْعَبْدِيُّ فِي جَمْعٍ، فَأَخَافَ السَّبِيلَ، وَسَارَ إِلَى دُورِ سَامَرَّا، وَنَهَبَ، فَسَارَ إِلَيْهِ الطَّائِيُّ مُقَاتِلًا، فَهَزَمَهُ الطَّائِيُّ، وَأَخَذَ سَوَادَهُ، ثُمَّ سَارَ الطَّائِيُّ إِلَى دِجْلَةَ لِيَعْبُرَهَا، فَدَخَلَ طَيَّارَةً لَهُ، فَأَدْرَكَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ فَارِسٍ فَتَعَلَّقُوا بِكَوْثَلِ الطَّيَّارَةِ، فَرَمَى الطَّائِيُّ نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ وَسَبَحَ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْهُ نَفَضَ لِحْيَتَهُ، وَقَالَ: إِيشْ ظَنُّ الْعَبْدِيِّ؟ أَلَيْسَ أَنَا أَسْبَحُ مِنْ سَمَكَةٍ؟ ثُمَّ نَزَلَ الطَّائِيُّ السِّنَّ وَالْعَبْدِيُّ بِإِزَائِهِ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ بَسَّامٍ فِي الطَّائِيِّ: قَدْ أَقْبَلَ الطَّائِيُّ مَا أَقْبَلَا ... يَفْتَحُ فِي الْأَفْعَالِ مَا أَجْمَلَا كَأَنَّهُ مِنْ لِينِ أَلْفَاظِهِ ... صَبِيَّةٌ تَمْضُغُ جَهْدَ الْبَلَا وَجَهْدُ الْبَلَا ضَرْبٌ مِنَ النَّافِطِ يُتَعَلَّكُ. وَفِيهَا قَبَضَ الْمُوَفَّقُ عَلَى الطَّائِيِّ وَقَيَّدَهُ، وَخَتَمَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ لَهُ، وَكَانَ يَلِي الْكُوفَةَ وَسَوَادَهَا، وَطَرِيقَ خُرَاسَانَ، وَسَامَرَّا، وَالشُّرْطَةَ بِبَغْدَاذَ، وَخَرَاجِ بَادُورِيَا، وَقُطْرَبُّلَ، وَمَسِكَنَ. ذِكْرُ قَبْضِ الْمُوَفَّقِ عَلَى ابْنِهِ الْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالٍ، قَبَضَ الْمُوَفَّقُ عَلَى ابْنِهِ الْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُوَفَّقَ دَخَلَ إِلَى وَاسِطَ وَنَزَلَ بِهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَتَخَلَّفَ

стр. 3396

الْمُعْتَمِدُ عَلَى اللَّهِ بِالْمَدَائِنِ، وَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ ابْنَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ، فَقَالَ: لَا أَخْرُجُ إِلَّا إِلَى الشَّامِ لِأَنَّهَا الْوِلَايَةُ الَّتِي وَلَّانِيهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا امْتَنَعَ عَلَيْهِ أَمَرَ بِإِحْضَارِهِ، فَلَمَّا حَضَرَ أَمَرَ بَعْضُ خَدَمِهِ أَنْ يَحْبِسَهُ فِي حُجْرَةٍ فِي دَارِهِ، فَلَمَّا قَامَ الْمُعْتَضِدُ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْخَادِمُ وَأَمَرَهُ بِدُخُولِ تِلْكَ الدَّارِ، فَدَخَلَ وَوُكِّلَ بِهِ فِيهَا. وَثَارَ الْقُوَّادُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ وَرَكِبُوا، وَاضْطَرَبَتْ بَغْدَاذُ لَمَّا رَأَوُا السِّلَاحَ وَالْقُوَّادَ، فَرَكِبَ الْمُوَفَّقُ إِلَى الْمَيْدَانِ، وَقَالَ لَهُمْ: مَا شَأْنُكُمْ؟ أَتَرَوْنَ أَنَّكُمْ أَشْفَقُ عَلَى وَلَدِي مِنِّي، وَقَدِ احْتَجْتُ إِلَى تَقْوِيمِهِ! فَانْصَرَفُوا. (فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الطَّائِيُّ إِلَى سَامَرَّا بِسَبَبِ صِدِّيقٍ، فَرَاسَلَهُ، وَأَمَّنَهُ، وَدَخَلَ سَامَرَّا فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَخَذَهُمُ الطَّائِيُّ، وَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ، وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وَحَمَلَهُمْ إِلَى بَغْدَاذَ. وَفِيهَا غَزَا يَازْمَانُ فِي الْبَحْرِ، فَغَنِمَ مِنَ الرُّومِ أَرْبَعَةَ مَرَاكِبَ) . ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ رَافِعِ بْنِ هَرْثَمَةَ عَلَى جُرْجَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ رَافِعُ بْنُ هَرْثَمَةَ إِلَى جُرْجَانَ، فَأَزَالَ عَنْهَا مُحَمَّدَ بْنَ زَيْدٍ، وَسَارَ مُحَمَّدٌ إِلَى إِسْتِرَابَاذَ، فَحَصَرَهُ فِيهَا رَافِعٌ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ نَحْوَ سَنَتَيْنِ فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ بِحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ مَا يُؤْكَلُ، وَبِيعَ وَزْنُ دِرْهَمِ مِلْحٍ بِدِرْهَمَيْنِ فِضَّةٍ، وَفَارَقَهَا مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ لَيْلًا فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ إِلَى سَارِيَةٍ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ رَافِعٌ عَسْكَرًا، فَتَحَارَبَا، وَسَارَ مُحَمَّدٌ عَنْ سَارِيَةَ، وَعَنْ طَبَرِسْتَانَ، وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَاسْتَأْمَنَ رُسْتُمُ بْنُ قَارِنَ إِلَى رَافِعٍ بِطَبَرِسْتَانَ، فَصَاهَرَهُ ابْنُ قُولَهْ. وَقِدَمَ عَلَى رَافِعٍ، وَهُوَ بِطَبَرِسْتَانَ عَلِيُّ بْنُ اللَّيْثِ، وَكَانَ قَدْ حَبَسَهُ أَخُوهُ عَمْرٌو بِكَرْمَانَ، فَاحْتَالَ حَتَّى تَخَلَّصَ هُوَ وَابْنَاهُ الْمُعَدَّلُ وَاللَّيْثُ، وَأَنْفَذَ رَافِعٌ إِلَى شَالُوسَ

стр. 3397

مُحَمَّدَ بْنَ هَارُونَ نَائِبًا عَنْهُ، فَأَتَاهُ بِهَا عَلِيُّ بْنُ كَالِي مُسْتَأْمِنًا، فَأَتَاهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، وَحَصَرَهُمَا بِشَالُوسَ، وَأَخَذَ الطَّرِيقَ عَلَيْهِمَا، فَلَمْ يَصِلْ مِنْهُمَا إِلَى رَافِعٍ خَبَرٌ، فَلَمَّا تَأَخَّرَ خَبَرُهُمَا عَنْهُ أَرْسَلَ جَاسُوسًا يَأْتِيهِ بِأَخْبَارِهِمَا، فَعَادَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ بِحَصْرِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ إِيَّاهُمَا بِشَالُوسَ، فَعَظُمَ عَلَيْهِ، وَسَارَ إِلَيْهِمَا، فَرَحَلَ عَنْهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ إِلَى أَرْضِ الدَّيْلَمِ، فَدَخَلَ رَافِعٌ خَلْفَهُ أَرْضَ الدَّيْلَمِ فَخَرَقَهَا حَتَّى اتَّصَلَ بِحُدُودِ قَزْوِينَ، وَعَادَ إِلَى الرَّيِّ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ الْمُوَفَّقُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ. ذِكْرُ وَفَاةِ الْمُنْذِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأُمَوِيِّ وَفِيهَا فِي الْمُحَرَّمِ تُوُفِّيَ الْمُنْذِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ الْأُمَوِيُّ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، وَقِيلَ فِي صَفَرٍ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَنَةً وَاحِدَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ عُمْرُهُ نَحْوًا مِنْ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. وَكَانَ أَسْمَرَ طَوِيلًا بِوَجْهِهِ أَثَرُ جُدَرِيٍّ، جَعْدًا كَثَّ اللِّحْيَةِ، وَخَلَّفَ سِتَّةَ ذُكُورٍ، وَكَانَ جَوَادًا يَصِلُ الشُّعَرَاءَ وَيُحِبُّ الشِّعْرَ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ بُويِعَ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، بُويِعَ لَهُ يَوْمَ مَوْتِ أَخِيهِ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ، أُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ اسْمُهَا عِشَارُ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ ابْنِهَا بِسَنَةٍ، وَفِي أَيَّامِهِ امْتَلَأَتِ الْأَنْدَلُسُ بِالْفِتَنِ، وَصَارَ فِي كُلِّ جِهَةٍ مُتَغَلِّبٌ، وَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ طُولُ وِلَايَتِهِ.

стр. 3398

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْمَرْوَرُّوذِيُّ، وَهُوَ صَاحِبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَطَّارُ الْمَوْصِلِيُّ التَّمِيمِيُّ، وَكَانَ كَثِيرَ الْحَدِيثِ وَالرِّوَايَةِ، وَكَانَ مُعَدَّلًا عِنْدَ الْحُكَّامِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّكَّرِيُّ النَّحْوِيُّ اللُّغَوِيُّ الْمَشْهُورُ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ. وَقِيلَ تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعِينَ [وَمِائَتَيْنِ] ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.

стр. 3399

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٧٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ [وَمِائَتَيْنِ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ جُعِلَتْ شُرْطَةُ بَغْدَاذَ إِلَى عُمَرَ بْنِ اللَّيْثِ، وَكُتِبَ اسْمُهُ عَلَى الْأَعْلَامِ، وَالتِّرَسَةِ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ فِي شَوَّالٍ. ثُمَّ تَرَتَّبَ فِي الشُّرَطَةِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ مِنْ قِبَلِ عَمْرٍو، ثُمَّ أَمَرَهُ بِطَرْحِ اسْمِ عَمْرٍو عَنِ الْأَعْلَامِ، وَغَيْرِهَا فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَفِيهَا فِي مُنْتَصَفِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، سَارَ الْمُوَفَّقُ إِلَى بِلَادِ الْجَبَلِ، وَسَبَبُ مَسِيرِهِ أَنَّ الْمَاذُرَائِيَّ، كَاتَبَ أَذْكُوتَكِينَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ لَهُ هُنَاكَ مَالًا عَظِيمًا، وَأَنَّهُ إِنْ سَارَ مَعَهُ أَخَذَهُ جَمِيعَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَجِدِ الْمَالَ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا سَارَ إِلَى الْكَرْجِ، ثُمَّ إِلَى أَصْبَهَانَ يُرِيدُ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفَ، فَتَنَحَّى أَحْمَدُ عَنِ الْبَلَدِ بِجَيْشِهِ وَعِيَالِهِ، وَتَرَكَ دَارَهُ بِفَرْشِهَا لِيَنْزِلِهَا الْمُوَفَّقُ إِذَا قَدِمَ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الْمُوَفَّقُ بِاللَّهِ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ ابْنَ أَبِي السَّاجِ، فَسَارَ إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْهَمْدَانِيُّ، صَاحِبُ مَرَاغَةَ، لِيُصْدِرَهُ عَنْهَا، فَحَارَبَهُ، فَانْهَزَمَ عَبْدُ اللَّهِ وَحُصِرَ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، كَمَا نَذْكُرُهُ، وَاسْتَقَرَّ ابْنُ أَبِي السَّاجِ لِعَمَلِهِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ حَمَّادِ بْنِ يَزِيدَ الْقَاضِي.

стр. 3400

وَفِيهَا قَتَلَ عَامِلُ الْمَوْصِلِ لِابْنِ كُنْدَاجَ إِنْسَانًا مِنَ الْخَوَارِجِ اسْمُهُ نُعَيْمٌ، فَسَمِعَ هَارُونُ مُقَدَّمُ الْخَوَارِجِ بِذَلِكَ وَهُوَ بِحَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ، فَجَمَعَ أَصْحَابَهُ وَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ يُرِيدُ حَرْبَ أَهْلِهَا، فَنَزَلَ شَرْقِيَّ دِجْلَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَعْيَانُهُمْ وَمُقَدَّمُوهُمْ يَسْأَلُونَهُ مَا الَّذِي أَقْدَمَهُ؟ فَذَكَرَ قَتْلَ نُعَيْمٍ، فَقَالُوا: إِنَّمَا قَتَلَهُ عَامِلُ السُّلْطَانِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنَّا، وَطَلَبُوا مِنْهُ الْأَمَانَ لِيَحْضُرُوا عِنْدَهُ يَعْتَذِرُونَ، وَيَتَبَرَّءُونَ مِنْ قَتْلِهِ، فَأَمَّنَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ، وَأَعْيَانِهِمْ، وَتَبَرَّءُوا مِنْ قَتْلِهِ، فَرَحَلَ عَنْهُمْ. وَفِيهَا عَادَ حُجَّاجُ الْيَمَنِ عَنْ مَكَّةَ، فَنَزَلُوا وَادِيًا، فَأَتَاهُمُ السَّيْلُ فَحَمَلَهُمْ جَمِيعَهُمْ، وَأَلْقَاهُمْ فِي الْبَحْرِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو قِلَابَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقَاشِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَكَانَ يَسْكُنُ بَغْدَاذَ. وَفِيهَا وَرَدَ الْخَبَرُ بِانْفِرَاجِ تَلٍّ مِنْ نَهْرِ الصِّلَّةِ، يُعْرَفُ بِتَلِّ [بَنِي] شَقِيقٍ، عَنْ سَبْعَةِ أَقْبُرٍ فِيهَا سَبْعَةُ أَبْدَانٍ صَحِيحَةٍ، وَالْقُبُورُ فِي شِبْهِ الْحَوْضِ مِنْ حَجَرٍ (فِي لَوْنِ الْمِسَنِّ، عَلَيْهِ كِتَابٌ لَا يُدْرَى مَا هُوَ، وَعَلَيْهِمْ أَكْفَانٌ جُدُدٌ) وَيَفُوحُ مِنْهَا رِيحُ الْمِسْكِ، أَحَدُهُمْ شَابٌّ لَهُ جُمَّةٌ، وَعَلَى شَفَتَيْهِ بَلَلٌ كَأَنَّهُ قَدْ شَرِبَ مَاءً وَكَأَنَّهُ قَدْ كُحِلَ، وَبِهِ ضَرْبَةٌ فِي خَاصِرَتِهِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيُّ.
следующие страницы →