← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

بِمُوَافَقَتِهِمْ وَإِجَابَتِهِمْ إِلَى مَا طَلَبُوا، فَأَمَرَ نَازُوكَ بِقَتْلِهِمَا، فَذَبَحَهُمَا كَمَا يُذْبَحُ الْغَنَمُ. وَكَانَ ابْنُ الْفُرَاتِ قَدْ أَصْبَحَ يَوْمَ الْأَحَدِ صَائِمًا، فَأُتِيَ بِطَعَامٍ فَلَمْ يَأْكُلْهُ، فَأُتِيَ أَيْضًا بِطَعَامٍ لِيُفْطِرَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُفْطِرْ، وَقَالَ: رَأَيْتُ أَخِي الْعَبَّاسَ فِي النَّوْمِ يَقُولُ لِي: أَنْتَ وَوَلَدُكَ عِنْدَنَا يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَلَا شَكَّ أَنَّنَا نُقْتَلُ، فَقُتِلَ ابْنُهُ الْمُحَسِّنُ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى أَبِيهِ، فَارْتَاعَ لِذَلِكَ شَدِيدًا، ثُمَّ عُرِضَ أَبُوهُ عَلَى السَّيْفِ فَقَالَ: لَيْسَ إِلَّا السَّيْفُ، رَاجِعُوا فِي أَمْرِي، فَإِنَّ عِنْدِي أَمْوَالًا جَمَّةً، وَجَوَاهِرَ كَثِيرَةً، فَقِيلَ لَهُ: جَلَّ الْأَمْرُ عَنْ ذَلِكَ! وَقُتِلَ وَكَانَ عُمْرُهُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَعُمْرُ وَلَدِهِ الْمُحَسِّنِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَلَمَّا قُتِلَا حُمِلَ رَأْسَاهُمَا إِلَى الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ، فَأَمَرَ بِتَغْرِيقِهِمَا. وَقَدْ كَانَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْفُرَاتِ يَقُولُ: إِنَّ الْمُقْتَدِرَ بِاللَّهِ يَقْتُلُنِي، فَصَحَّ قَوْلُهُ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ عَادَ مِنْ عِنْدِهِ يَوْمًا، وَهُوَ مُفَكِّرٌ كَثِيرُ الْهَمِّ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا خَاطَبْتُهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا قَالَ لِي نَعَمْ، فَقُلْتُ لَهُ الشَّيْءَ وَضِدَّهُ، فَفِي كُلِّ ذَلِكَ يَقُولُ نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِكَ، وَثِقَتِهِ بِمَا تَقُولُ، وَاعْتِمَادِهِ عَلَى شَفَقَتِكَ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنَّهُ أُذُنٌ لِكُلِّ قَائِلٍ، وَمَا يَؤْمِنِّي أَنْ يُقَالَ لَهُ بِقَتْلِ الْوَزِيرِ، فَيَقُولَ نَعَمْ وَاللَّهِ إِنَّهُ قَاتِلِي! وَلَمَّا قُتِلَ رَكِبَ هَارُونُ بْنُ غَرِيبٍ مُسْرِعًا إِلَى الْوَزِيرِ الْخَاقَانِيِّ، وَهَنَّأَهُ بِقَتْلِهِ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى ظَنَّ هَارُونُ وَمَنْ هُنَاكَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، وَصَرَخَ أَهْلُهُ وَأَصْحَابُهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ مِنْ غَشْيَتِهِ لَمْ يُفَارِقْهُ هَارُونُ حَتَّى أَخَذَ مِنْهُ أَلْفَيْ دِينَارٍ. وَأَمَّا أَوْلَادُهُ (سِوَى الْمُحَسِّنِ) فَإِنَّ مُؤْنِسًا الْمُظَفَّرَ شَفَعَ فِي ابْنَيْهِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي

стр. 3642

نَصْرٍ، فَأُطْلِقَا لَهُ فَخَلَعَ عَلَيْهِمَا، وَوَصَلَهُمَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَصُودِرَ ابْنُهُ الْحَسَنُ عَلَى عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَأُطْلِقَ إِلَى مَنْزِلِهِ. وَكَانَ الْوَزِيرُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْفُرَاتِ كَرِيمًا، ذَا رِئَاسَةٍ وَكِفَايَةٍ فِي عَمَلِهِ حَسَنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سَيِّئَةٌ إِلَّا وَلَدَهُ الْمُحَسِّنَ. وَمِنْ مَحَاسِنِهِ أَنَّهُ جَرَى ذِكْرُ أَصْحَابِ الْأَدَبِ، وَطَلْبَةِ الْحَدِيثِ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْفَقْرِ وَالتَّعَفُّفِ، فَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ مَنْ أَعَانَهُمْ، وَأَطْلَقَ لِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلِلشُّعَرَاءِ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلِأَصْحَابِ الْأَدَبِ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلِلْفُقَهَاءِ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلِلصُّوفِيَّةِ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَذَلِكَ مِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَكَانَ إِذَا وَلِيَ الْوِزَارَةَ ارْتَفَعَتْ أَسْعَارُ الثَّلْجِ، وَالشَّمْعِ، وَالسُّكَّرِ، وَالْقَرَاطِيسِ، لِكَثْرَةِ مَا كَانَ يَسْتَعْمِلُهَا وَيُخْرِجُ مِنْ دَارِهِ لِلنَّاسِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يُعَابُ بِهِ إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ كَانُوا يَفْعَلُونَ مَا يُرِيدُونَ، وَيَظْلِمُونَ، فَلَا يَمْنَعُهُمْ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ ظَلَمَ امْرَأَةً فِي مِلْكٍ لَهَا، فَكَتَبَتْ إِلَيْهِ تَشْكُو مِنْهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَهُوَ لَا يَرُدُّ لَهَا جَوَابًا، فَلَقِيَتْهُ يَوْمًا، وَقَالَتْ لَهُ: أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ أَنْ تَسْمَعَ (مِنِّي كَلِمَةً) فَوَقَفَ لَهَا فَقَالَتْ: قَدْ كَتَبْتُ إِلَيْكَ فِي ظُلَامَتِي غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَمْ تُجِبْنِي، وَقَدْ تَرَكْتُكَ وَكَتَبْتُهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا (كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ) ، وَرَأَى تَغَيُّرَ حَالِهِ، قَالَ لِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: (مَا أَظُنُّ) إِلَّا جَوَابَ رُقْعَةِ

стр. 3643

تِلْكَ الْمَرْأَةِ الْمَظْلُومَةِ (قَدْ خَرَجَ) ، فَكَانَ كَمَا قَالَ. ذِكْرُ دُخُولِ الْقَرَامِطَةِ الْكُوفَةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ أَبُو طَاهِرٍ الْقَرْمَطِيُّ إِلَى الْكُوفَةِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا طَاهِرٍ أَطْلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْأَسْرَى الَّذِينَ كَانَ أَسَرَهُمْ مِنَ الْحُجَّاجِ، وَفِيهِمُ ابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمُقْتَدِرِ يَطْلُبُ الْبَصْرَةَ وَالْأَهْوَازَ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَسَارَ مِنْ هَجَرَ يُرِيدُ الْحَاجَّ. وَكَانَ جَعْفَرُ بْنُ وَرْقَاءَ الشَّيْبَانِيُّ مُتَقَلِّدًا أَعْمَالَ الْكُوفَةِ وَطَرِيقَ مَكَّةَ، فَلَمَّا سَارَ الْحُجَّاجُ مِنْ بَغْدَاذَ سَارَ جَعْفَرٌ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ خَوْفًا مِنْ أَبِي طَاهِرٍ، وَمَعَهُ أَلْفُ رَجُلٍ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ، وَسَارَ مَعَ الْحُجَّاجِ مِنْ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ ثَمِلٌ صَاحِبُ الْبَحْرِ، وَجِنِّيٌّ الصَّفْوَانِيُّ، وَطَرِيفٌ السُّبْكَرِيُّ وَغَيْرُهُمْ، فِي سِتَّةِ آلَافِ رَجُلٍ، فَلَقِيَ أَبُو طَاهِرٍ الْقَرْمَطِيُّ (جَعْفَرًا الشَّيْبَانِيَّ، فَقَاتَلَهُ جَعْفَرٌ. فَبَيْنَمَا هُوَ يُقَاتِلُهُ إِذْ طَلَعَ جَمْعٌ مِنَ الْقَرَامِطَةِ) عَنْ يَمِينِهِ، فَانْهَزَمَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ فَلَقِيَ الْقَافِلَةَ الْأُولَى وَقَدِ انْحَدَرَتْ مِنَ الْعَقَبَةِ، فَرَدَّهُمْ إِلَى الْكُوفَةِ وَمَعَهُمْ عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ، وَتَبِعَهُمْ أَبُو طَاهِرٍ إِلَى بَابِ الْكُوفَةِ، فَقَاتَلَهُمْ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ، وَأَسَرَ جِنِّيًّا الصَّفْوَانِيَّ، وَهَرَبَ الْبَاقُونَ وَالْحُجَّاجُ مِنَ الْكُوفَةِ، وَدَخَلَهَا أَبُو طَاهِرٍ، وَأَقَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ يَدْخُلُ الْبَلَدَ نَهَارًا فَيُقِيمُ فِي الْجَامِعِ إِلَى اللَّيْلِ، ثُمَّ يَخْرُجُ يَبِيتُ فِي عَسْكَرِهِ، وَحَمَلَ مِنْهَا مَا قَدَرَ عَلَى حَمْلِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالثِّيَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَعَادَ إِلَى هَجَرَ.

стр. 3644

وَدَخَلَ الْمُنْهَزِمُونَ بَغْدَاذَ، فَتَقَدَّمَ الْمُقْتَدِرُ إِلَى مُؤْنِسٍ الْمُظَفَّرِ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْكُوفَةِ، فَسَارَ إِلَيْهَا، فَبَلَغَهَا وَقَدْ عَادَ الْقَرَامِطَةُ عَنْهَا، فَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا يَاقُوتًا، وَسَارَ مُؤْنِسٌ إِلَى وَاسِطَ خَوْفًا عَلَيْهَا مِنْ أَبِي طَاهِرٍ، وَخَافَ أَهْلُ بَغْدَاذَ وَانْتَقَلَ النَّاسُ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَلَمْ يَحُجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ (مِنَ النَّاسِ) أَحَدٌ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَلَعَ الْمُقْتَدِرُ عَلَى نَجَحٍ الطُّولُونِيِّ وَوَلِيَ أَصْبَهَانَ. وَفِيهَا وَرَدَ رَسُولُ مَلِكِ الرُّومِ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ، وَمَعَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي فَطَلَبَا مِنَ الْمُقْتَدِرِ الْهُدْنَةَ وَتَقْرِيرَ الْفِدَاءِ فَأُجِيبَا إِلَى ذَلِكَ بَعْدَ غَزَاةِ الصَّائِفَةِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خُلِعَ عَلَى جِنِّيِّ الصَّفْوَانِيِّ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنْ دِيَارِ مِصْرَ. وَفِيهَا اسْتُعْمِلَ سَعِيدُ بْنُ حَمْدَانَ عَلَى الْمَعَاوِنِ وَالْحَرْبِ بِنَهَاوَنْدَ.

стр. 3645

وَفِيهَا دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ بِلَادَ الرُّومِ فَنَهَبُوا، وَسَبَوْا، وَعَادُوا. وَفِيهَا ظَهَرَ عِنْدَ الْكُوفَةِ رَجُلٌ ادَّعَى أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ رَئِيسُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، وَجَمَعَ جَمْعًا عَظِيمًا مِنَ الْأَعْرَابِ وَأَهْلِ السَّوَادِ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ فِي شَوَّالٍ فَسُيِّرَ إِلَيْهِ جَيْشٌ مِنْ بَغْدَاذَ، فَقَاتَلُوهُ، فَظَفِرُوا بِهِ وَانْهَزَمَ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا، فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْحَاجِبُ وَقَدْ كَانَ اسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَوْصِلِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ شَفِيعٌ اللُّؤْلُؤِيُّ وَكَانَ عَلَى الْبَرِيدِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَوَلِيَ مَا كَانَ عَلَيْهِ شَفِيعٌ الْمُقْتَدِرِيُّ.

стр. 3646

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣١٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ عَزْلِ الْخَاقَانِيِّ عَنِ الْوِزَارَةِ وَوِزَارَةِ الْخَصِيبِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، عُزِلَ أَبُو الْقَاسِمِ الْخَاقَانِيُّ عَنْ وِزَارَةِ الْخَلِيفَةِ وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَبَّاسَ الْخَصِيبِيَّ عَلِمَ بِمَكَانِ امْرَأَةِ الْمُحَسِّنِ بْنِ الْفُرَاتِ، فَسَأَلَ أَنْ يَتَوَلَّى النَّظَرَ فِي أَمْرِهَا، فَأَذِنَ لَهُ الْمُقْتَدِرُ فِي ذَلِكَ، (فَاسْتَخْلَصَ مِنْهَا سَبْعَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَحَمَلَهَا إِلَى الْمُقْتَدِرِ) ، فَصَارَ لَهُ مَعَهُ حَدِيثٌ، فَخَافَهُ الْخَاقَانِيُّ، فَوَضَعَ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ وَسَعَى بِهِ، فَلَمْ يُصْعِ الْمُقْتَدِرُ إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا عَلِمَ الْخَصِيبِيُّ بِالْحَالِ كَتَبَ إِلَى الْمُقْتَدِرِ يَذْكُرُ مَعَايِبَ الْخَاقَانِيِّ، وَابْنِهِ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَعَجْزِهِمَا، وَضَيَاعِ الْأَمْوَالِ، وَطَمَعِ الْعُمَّالِ. ثُمَّ إِنَّ الْخَاقَانِيَّ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا وَطَالَ بِهِ، فَوَقَفَتِ الْأَحْوَالُ، وَطَلَبُ الْجُنْدُ أَرْزَاقَهُمْ، وَشَغَبُوا فَأَرْسَلَ الْمُقْتَدِرُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ، فَحِينَئِذٍ عَزَلَهُ، وَاسْتَوْزَرَ أَبَا الْعَبَّاسِ الْخَصِيبِيَّ وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَكَانَ يَكْتُبُ لِأُمِّ الْمُقْتَدِرِ، فَلَمَّا وَزَرَ كَتَبَ لَهَا بَعْدَهُ أَبُو يُوسُفَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ قَدْ تَزَهَّدَ وَتَرَكَ عَمَلَ السُّلْطَانِ وَلَبِسَ الصُّوفَ وَالْفُوَطَ، فَلَمَّا أُسْنِدَ إِلَيْهِ هَذَا الْعَمَلُ تَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الزُّهْدِ، فَسَمَّاهُ النَّاسُ الْمُرْتَدُّ. فَلَمَّا وَلِيَ الْخَصِيبِيُّ أَقَرَّ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى عَلَى الْإِشْرَافِ عَلَى أَعْمَالِ مِصْرَ وَالشَّامِ، فَكَانَ يَتَرَدَّدُ مِنْ مَكَّةَ إِلَيْهَا فِي الْأَوْقَاتِ، وَاسْتَعْمَلَ الْعُمَّالَ فِي (الْأَعْمَالِ، وَاسْتَعْمَلَ) أَبَا

стр. 3647

جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ الْقَاسِمِ الْكَرْخِيَّ بَعْدَ أَنْ صَادَرَهُ بِثَمَانِيَةٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ عَلَى الْإِشْرَافِ عَلَى الْمَوْصِلِ وَدِيَارِ رَبِيعَةَ. ذِكْرُ مَا فَتَحَهُ أَهْلُ صِقِلِّيَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ جَيْشُ صِقِلِّيَةَ مَعَ أَمِيرِهِمْ سَالِمِ بْنِ رَاشِدٍ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الْمَهْدِيُّ جَيْشًا مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ، فَسَارَ إِلَى أَرْضِ أَنْكَبْرَدَةَ، فَفَتَحُوا غَيْرَانَ وَأَبْرَجَةَ، وَغَنِمُوا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَعَادَ جَيْشُ صِقِلِّيَةَ، وَسَارُوا إِلَى أَرْضِ قِلُّورِيَةَ، وَقَصَدُوا مَدِينَةَ طَارَنْتَ، فَحَصَرُوهَا وَفَتَحُوهَا بِالسَّيْفِ (فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَوَصَلُوا إِلَى مَدِينَةِ أَدْرَنْتَ، فَحَصَرُوهَا) ، وَخَرَّبُوا مَنَازِلَهَا فَأَصَابَ الْمُسْلِمِينَ مَرَضٌ شَدِيدٌ كَبِيرٌ، فَعَادُوا، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ صِقِلِّيَةَ يُغِيرُونَ عَلَى مَا بِأَيْدِي الرُّومِ مِنْ جَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ، وَقِلُّورِيَةَ، وَيَنْهَبُونَ وَيُخَرِّبُونَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَتَحَ إِبْرَاهِيمُ الْمِسْمَعِيُّ نَاحِيَةَ الْقَفَصِ، وَهِيَ مِنْ حُدُودِ كَرْمَانَ، وَأَسَرَ مِنْهُمْ خَمْسَةَ آلَافِ إِنْسَانٍ وَحَمَلَهُمْ إِلَى فَارِسَ وَبَاعَهُمْ.

стр. 3648

وَفِيهَا كَثُرَتِ الْأَرْطَابُ بِبَغْدَاذَ، حَتَّى عَمِلُوا مِنْهَا التُّمُورَ، وَحُمِلَتْ إِلَى وَاسِطَ وَالْبَصْرَةِ، فَنُسِبَ أَهْلُ بَغْدَاذَ إِلَى الْبَغْيِ. وَفِيهَا كَتَبَ مَلِكُ الرُّومِ إِلَى أَهْلِ الثُّغُورِ يَأْمُرُهُمْ بِحَمْلِ الْخَرَاجِ إِلَيْهِ، فَإِنْ فَعَلُوا، وَإِلَّا قَصَدَهُمْ فَقَتَلَ الرِّجَالَ، وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ، وَقَالَ: إِنَّنِي صَحَّ عِنْدِي ضَعْفُ وُلَاتِكُمْ، فَلَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، وَأَخْرَبَ الْبِلَادَ، وَدَخَلَ مَلَطْيَةَ فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَأَخْرَبُوهَا، وَسَبَوْا مِنْهَا، وَنَهَبُوا، وَأَقَامَ فِيهَا سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَفِيهَا اعْتَرَضَ الْقَرَامِطَةُ الْحَاجَّ بِزُبَالَةَ فَقَاتَلَهُمْ أَصْحَابُ الْخَلِيفَةِ، فَانْهَزَمُوا، وَوَضَعَ الْقَرَامِطَةُ عَلَى الْحَاجِّ قَطِيعَةً، فَأَخَذُوهَا، وَكَفُّوا عَنْهُمْ، فَسَارُوا إِلَى مَكَّةَ. وَفِيهَا انْقَضَّ كَوْكَبٌ كَبِيرٌ وَقْتَ الْمَغْرِبِ، لَهُ صَوْتٌ مِثْلُ الرَّعْدِ الشَّدِيدِ وَضَوْءٌ عَظِيمٌ أَضَاءَتْ لَهُ الدُّنْيَا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَاغَنْدِيُّ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَهُوَ مِنْ حُفَّاظِ الْمُحَدِّثِينَ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِهْرَانَ السَّرَّاجُ النَّيْسَابُورِيُّ وَعُمْرُهُ

стр. 3649

تِسْعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الصَّالِحِينَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ، وَكَانَ عُمْرُهُ مِائَةَ سَنَةٍ وَسَنَتَيْنِ، وَهُوَ ابْنُ بِنْتِ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَلِيُّ (بْنُ مُحَمَّدِ) بْنِ بَشَّارٍ أَبُو الْحَسَنِ الزَّاهِدُ.

стр. 3650

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَة] ٣١٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ مَسِيرِ ابْنِ أَبِي السَّاجِ إِلَى وَاسِطَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَلَّدَ الْمُقْتَدِرُ يُوسُفَ بْنَ أَبِي السَّاجِ نَوَاحِيَ الْمَشْرِقِ، (وَأَذِنَ لَهُ) فِي أَخْذِ أَمْوَالِهَا وَصَرْفِهَا إِلَى قُوَّادِهِ وَأَجْنَادِهِ، وَأَمَرَهُ بِالْقُدُومِ إِلَى بَغْدَاذَ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ، وَالْمَسِيرِ إِلَى وَاسِطَ، لِيَسِيرَ إِلَى هَجَرَ لِمُحَارَبَةِ أَبِي طَاهِرٍ الْقَرْمَطِيِّ، فَسَارَ إِلَى وَاسِطَ، وَكَانَ بِهَا مُؤْنِسٌ الْمُظَفَّرُ، فَلَمَّا قَارَبَهَا يُوسُفُ صَعِدَ مُؤْنِسٌ إِلَى بَغْدَاذَ لِيُقِيمَ بِهَا، وَجَعَلَ لَهُ أَمْوَالَ الْخَرَاجِ بِنُوَاحِي هَمَذَانَ، وَسَاوَةَ، وَقُمَّ، وَقَاشَانَ، وَمَاهَ الْبَصْرَةِ، وَمَاهَ الْكُوفَةِ، وَمَاسَبَذَانَ، لِيُنْفِقَهَا عَلَى مَائِدَتِهِ، وَيَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلَى مُحَارَبَةِ الْقَرَامِطَةِ، وَكَانَ هَذَا كُلُّهُ مِنْ تَدْبِيرِ الْخَصِيبِيِّ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ وَالْأَكْرَادِ وَالْعَرَبِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَفْسَدَ الْأَكْرَادُ وَالْعَرَبُ بِأَرْضِ الْمَوْصِلِ وَطَرِيقِ خُرَاسَانَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ يَتَوَلَّى الْجَمِيعَ وَهُوَ بِبَغْدَاذَ، وَابْنُهُ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ بِالْمَوْصِلِ، فَكَتَبَ

стр. 3651

(إِلَيْهِ أَبُوهُ) يَأْمُرُهُ بِجَمْعِ الرِّجَالِ، وَالِانْحِدَارِ إِلَى تَكْرِيتَ، فَفَعَلَ (وَسَارَ إِلَيْهَا) فَوَصَلَ إِلَيْهَا فِي رَمَضَانَ وَاجْتَمَعَ بِأَبِيهِ، وَأَحْضَرَ الْعَرَبَ، وَطَالَبَهُمْ بِمَا أَحْدَثُوا فِي عَمَلِهِ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ، وَنَكَّلَ بِبَعْضِهِمْ فَرَدُّوا عَلَى النَّاسِ شَيْئًا كَثِيرًا، وَرَحَلَ بِهِمْ إِلَى شَهْرَزُورَ، فَوَطِئَ الْأَكْرَادُ الْجَلَالِيَّةَ، (فَقَاتَلَهُمْ، وَانْضَافَ إِلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ، فَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ) انْقَادُوا إِلَيْهِ لَمَّا رَأَوْا قُوَّتَهُ، وَكَفُّوا عَنِ الْفَسَادِ وَالشَّرِّ. ذِكْرُ عَزْلِ الْخَصِيبِيِّ وَوِزَارَةِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْقِعْدَةِ، عَزَلَ الْمُقْتَدِرُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْخَصِيبِيَّ عَنِ الْوِزَارَةِ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَصِيبِيَّ أَضَاقَ إِضَاقَةً شَدِيدَةً، وَوَقَفَتْ أُمُورُ السُّلْطَانِ لِذَلِكَ، وَاضْطَرَبَ أَمْرُ الْخَصِيبِيِّ. وَكَانَ حِينَ وَلِيَ الْوِزَارَةَ قَدِ اشْتَغَلَ بِالشُّرْبِ كُلَّ لَيْلَةٍ، وَكَانَ يُصْبِحُ سَكْرَانَ لَا قَصْدَ فِيهِ لِعَمَلٍ وَسَمَاعِ حَدِيثٍ، وَكَانَ يَتْرُكُ الْكُتُبَ الْوَارِدَةَ الدَّوَاوِينَ لَا يَقْرَؤُهَا إِلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ، وَيُهْمِلُ الْأَجْوِبَةَ عَنْهَا، فَضَاعَتِ الْأَمْوَالُ، وَفَاتَتِ الْمَصَالِحُ، ثُمَّ إِنَّهُ لِضَجَرِهِ وَتَبَرُّمِهِ بِهَا وَبِغَيْرِهَا مِنَ الْأَشْغَالِ، وَكَلَ الْأُمُورَ إِلَى نُوَّابِهِ، وَأَهْمَلَ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهَا، فَبَاعُوا مَصْلَحَتَهُ بِمَصْلَحَةِ نُفُوسِهِمْ. فَلَمَّا صَارَ الْأَمْرُ إِلَى هَذِهِ الصُّورَةِ أَشَارَ مُؤْنِسٌ الْمُظَفَّرُ بِعَزْلِهِ، وَوِلَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، فَقُبِضَ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ وِزَارَتُهُ سِنَةً وَشَهْرَيْنِ، وَأُخِذَ ابْنُهُ وَأَصْحَابُهُ فَحُبِسُوا، وَأَرْسَلَ الْمُقْتَدِرُ

стр. 3652

بِاللَّهِ بَالَغْدَ (إِلَى دِمَشْقَ يَسْتَدْعِي عَلِيَّ بْنَ عِيسَى، وَكَانَ بِهَا. وَأَمَرَ الْمُقْتَدِرُ) أَبَا الْقَاسِمِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَلْوَذَانِيَّ بِالنِّيَابَةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى إِلَى أَنْ يَحْضُرَ، فَسَارَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى إِلَى بَغْدَاذَ، فَقَدِمَهَا أَوَائِلَ سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، وَاشْتَغَلَ بِأُمُورِ الْوِزَارَةِ، وَلَازَمَ النَّظَرَ فِيهَا، فَمَشَتِ الْأُمُورُ، وَاسْتَقَامَتِ الْأَحْوَالُ. وَكَانَ مِنْ أَقْوَمِ الْأَسْبَابِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْخَصِيبِيَّ (كَانَ قَدْ) اجْتَمَعَ عِنْدَهُ رِقَاعُ الْمُصَادَرِينَ، وَكَفَالَاتُ مَنْ كُفِلَ مِنْهُمْ، وَضَمَانَاتُ الْعُمَّالِ بِمَا ضَمِنُوا مِنَ الْمَالِ بِالسَّوَادِ، وَالْأَهْوَازِ، وَفَارِسَ، وَالْمَغْرِبِ، فَنَظَرَ فِيهَا عَلِيٌّ، وَأَرْسَلَ فِي طَلَبِ تِلْكَ الْأَمْوَالِ، فَأَقْبَلَتْ إِلَيْهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَأَدَّى الْأَرْزَاقَ، وَأَخْرَجَ الْعَطَاءَ، وَأَسْقَطَ مِنَ الْجُنْدِ مَنْ لَا يَحْمِلُ السِّلَاحَ، وَمِنْ أَوْلَادِ الْمُرْتَزَقَةِ مَنْ هُوَ فِي الْمَهْدِ، فَإِنَّ آبَاءَهُمْ أَثْبَتُوا أَسْمَاءَهُمْ، وَمِنْ أَرْزَاقِ الْمُغَنِّينَ، وَالْمَسَاخِرَةِ، وَالنُّدَمَاءِ، وَالصَّفَاعِنَةِ، وَغَيْرِهِمْ، مِثْلَ الشَّيْخِ الْهَرِمِ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ سِلَاحٌ، فَإِنَّهُ أَسْقَطَهُمْ، وَتَوَلَّى الْأَعْمَالَ بِنَفْسِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَاسْتَعْمَلَ الْعُمَّالَ فِي الْوِلَايَاتِ، وَاخْتَارَ الْكُفَاةَ. وَأَمَرَ الْمُقْتَدِرُ بِاللَّهِ بِمُنَاظَرَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْخَصِيبِيِّ، فَأَحْضَرَهُ، وَأَحْضَرَ الْفُقَهَاءَ وَالْقُضَاةَ وَالْكُتَّابَ وَغَيْرَهُمْ، وَكَانَ عَلِيٌّ وَقُورًا لَا يَسْفَهُ، فَسَأَلَهُ عَمَّا صَحَّ مِنَ الْأَمْوَالِ مِنَ الْخَرَاجِ، وَالنَّوَاحِي، وَالْأَصْقَاعِ وَالْمُصَادَرَاتِ وَالْمُتَكَلِّفِينَ بِهَا، وَمِنَ الْبَوَاقِي الْقَدِيمَةِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا أَعْلَمُهُ. وَسَأَلَهُ عَنِ الْإِخْرَاجَاتِ، وَالْوَاصِلِ إِلَى الْمَخْزَنِ، فَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ، وَقَالَ لَهُ: لِمَ أَحْضَرْتَ يُوسُفَ بْنَ أَبِي السَّاجِ، وَسَلَّمْتَ إِلَيْهِ أَعْمَالَ الْمَشْرِقِ، سِوَى أَصْبَهَانَ، وَكَيْفَ تَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَقْدِرُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَهُمْ قَدْ أَلِفُوا الْبِلَادَ الْبَارِدَةَ الْكَثِيرَةَ الْمِيَاهِ، عَلَى سُلُوكِ الْبَرِّيَّةِ الْقَفْرَاءِ، وَالصَّبْرِ عَلَى حَرِّ بِلَادِ الْإِحْسَاءِ وَالْقَطِيفِ، وَلِمَ لَمْ تَجْعَلْ مَعَهُ مُنْفِقًا يُخْرِجُ

стр. 3653

الْمَالَ عَلَى الْأَجْنَادِ؟ فَقَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى قِتَالِ الْقَرَامِطَةِ، وَامْتَنَعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مُنْفِقٌ. فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ اسْتَجَزْتَ فِي الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ ضَرْبَ حُرَمِ الْمُصَادَرِينَ وَتَسْلِيمَهُنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ، كَامْرَأَةِ ابْنِ الْفُرَاتِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانُوا فَعَلُوا مَا لَا يَجُوزُ أَلَسْتَ أَنْتَ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ عَنِ الْحَاصِلِ لَهُ، وَعَنْ إَخْرَاجَاتِهِ، فَخَلَطَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: غَرَّرْتَ (بِنَفْسِكَ، وَغَرَّرْتَ) بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَا قُلْتَ لَهُ إِنَّنِي لَا أَصْلُحُ لِلْوِزَارَةِ، فَقَدْ كَانَ الْفُرْسُ، إِذَا (أَرَادُوا أَنْ) يَسْتَوْزِرُوا وَزِيرًا، نَظَرُوا فِي تَصَرُّفِهِ لِنَفْسِهِ (فَإِنْ وَجَدُوهُ حَازِمًا، ضَابِطًا، وَلَّوْهُ، وَإِلَّا قَالُوا: مَنْ لَا يُحْسِنُ يُدَبِّرُ نَفْسَهُ) فَهُوَ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ أَعْجَزُ، وَتَرَكُوهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ إِلَى مَحْبِسِهِ. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ السَّامَانِيَّةِ عَلَى الرَّيِّ لَمَّا اسْتَدْعَى الْمُقْتَدِرُ يُوسُفَ بْنَ أَبِي السَّاجِ إِلَى وَاسِطَ كَتَبَ إِلَى السَّعِيدِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ السَّامَانِيِّ بِوِلَايَةِ الرَّيِّ، وَأَمَرَهُ بِقَصْدِهَا، وَأَخْذِهَا مِنْ فَاتِكٍ غُلَامِ يُوسُفَ، فَسَارَ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ إِلَيْهَا، أَوَائِلَ سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَوَصَلَ إِلَى جَبَلِ قَارِنٍ، فَمَنَعَهُ أَبُو نَصْرٍ الطَّبَرِيُّ مِنَ الْعُبُورِ، فَأَقَامَ هُنَاكَ، فَرَاسَلَهُ، وَبَذَلَ لَهُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ حَتَّى مَكَّنَهُ مِنَ الْعُبُورِ، فَسَارَ حَتَّى قَارَبَ الرَّيَّ فَخَرَجَ فَاتِكٌ عَنْهَا، وَاسْتَوْلَى نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ عَلَيْهَا فِي

стр. 3654

جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَأَقَامَ بِهَا شَهْرَيْنِ، وَوَلَّى عَلَيْهَا سِيمَجُورَ الدَّوَاتِيَّ وَعَادَ عَنْهَا. ثُمَّ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ صُعْلُوكٌ، وَسَارَ نَصْرُ إِلَى بُخَارَى، وَدَخَلَ صُعْلُوكٌ الرَّيَّ، فَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَوَائِلِ شَعْبَانَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فَمَرِضَ، فَكَاتَبَ الْحَسَنَ الدَّاعِيَ، وَمَاكَانَ بْنَ كَالِي فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ لِيُسَلِّمَ الرَّيَّ إِلَيْهِمَا، فَقَدِمَا عَلَيْهِ، فَسَلَّمَ الرَّيَّ إِلَيْهِمَا وَسَارَ عَنْهَا، فَلَمَّا بَلَغَ الدَّامِغَانَ مَاتَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ضَمِنَ أَبُو الْهَيْجَاءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ أَعْمَالَ الْخَرَاجِ وَالضِّيَاعِ بِالْمَوْصِلِ، وَقَرْدَى، وَبَازَبُدَى، وَمَا يَجْرِي مَعَهَا. وَفِيهَا سَارَ ثَمِلٌ إِلَى عَمَلِهِ بِالثُّغُورِ، (وَكَانَ فِي) بَغْدَاذَ. وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، خَرَجَتِ الرُّومُ إِلَى مَلَطْيَةَ وَمَا يَلِيهَا مَعَ الدُّمُسْتُقِ، وَمَعَهُ مَلِيحٌ الْأَرْمَنِيُّ صَاحِبُ الدُّرُوبِ، فَنَزَلُوا عَلَى مَلَطْيَةَ، وَحَصَرُوهَا، فَصَبَرَ أَهْلُهَا، فَفَتَحَ الرُّومُ أَبْوَابًا مِنَ الرَّبَضِ، فَدَخَلُوا، فَقَاتَلَهُمْ أَهْلُهُ، وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْهُ، وَلَمْ يَظْفَرُوا (مِنَ الْمَدِينَةِ) بِشَيْءٍ، وَخَرَّبُوا قُرًى كَثِيرَةً مِنْ قُرَاهَا، وَنَبَشُوا الْمَوْتَى، وَمَثَّلُوا بِهِمْ، وَرَحَلُوا عَنْهُمْ، وَقَصَدَ أَهْلُ مَلَطْيَةَ بَغْدَاذَ مُسْتَغِيثِينَ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، فَلَمْ يُعَانُوا، فَعَادُوا بِغَيْرِ فَائِدَةٍ،

стр. 3655

وَغَزَا أَهْلُ طَرَسُوسَ صَائِفَةً، فَغَنِمُوا وَعَادُوا. وَفِيهَا جَمُدَتْ دِجْلَةُ (عِنْدَ الْمَوْصِلِ) مِنْ بَلَدٍ إِلَى الْحَدِيثَةِ، حَتَّى عَبَرَ عَلَيْهَا الدَّوَابُّ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْوَزِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ الْخَاقَانِيُّ، وَهَرَبَ ابْنُهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَلَمْ يَحْضُرْ غُسْلَ أَبِيهِ، وَلَا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْوَزِيرُ قَدْ أُطْلِقَ مِنْ مَحْبِسِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ. وَفِيهَا تَوَجَّهَ أَبُو طَاهِرٍ الْقَرْمَطِيُّ نَحْوَ مَكَّةَ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ إِلَى أَهْلِهَا، فَنَقَلُوا حُرَمَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَى الطَّائِفِ وَغَيْرِهِ خَوْفًا مِنْهُ. وَفِيهَا كَتَبَ الْكَلْوَذَانِيُّ إِلَى الْوَزِيرِ الْخَصِيبِيِّ، قَبْلَ عَزْلِهِ، بِأَنَّ أَبَا طَالِبٍ النُّوبَنْدَجَانِيُّ قَدْ صَارَ يَجْرِي مَجْرَى أَصْحَابِ الْأَطْرَافِ، وَأَنَّهُ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى ضِيَاعِ السُّلْطَانِ، وَاسْتَغَلَّ مِنْهَا جُمْلَةً عَظِيمَةً، فَصُودِرَ أَبُو طَالِبٍ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ.

стр. 3656

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَة] ٣١٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ ابْتِدَاءِ الْوَحْشَةِ بَيْنَ الْمُقْتَدِرِ وَمُؤْنِسٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ هَاجَتِ الرُّومُ، وَقَصَدُوا الثُّغُورَ، وَدَخَلُوا سُمَيْسَاطَ، وَغَنِمُوا جَمِيعَ مَا فِيهَا مِنْ مَالٍ وَسِلَاحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَضَرَبُوا فِي الْجَامِعِ بِالنَّاقُوسِ أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ. ثُمَّ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ خَرَجُوا فِي أَثَرِ الرُّومِ، وَقَاتَلُوهُمْ، وَغَنِمُوا مِنْهُمْ غَنِيمَةً عَظِيمَةً، فَأَمَرَ الْمُقْتَدِرُ بِاللَّهِ بِتَجْهِيزِ الْعَسَاكِرِ مَعَ مُؤْنِسٍ الْمُظَفَّرِ، وَخَلَعَ الْمُقْتَدِرُ عَلَيْهِ، فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، لِيَسِيرَ، فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْوَدَاعُ امْتَنَعَ مُؤْنِسٌ مِنْ دُخُولِ دَارِ الْخَلِيفَةِ لِلْوَدَاعِ، وَاسْتَوْحَشَ مِنَ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ (وَظَهَرَ ذَلِكَ. وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ خَادِمًا مِنْ خُدَّامِ الْمُقْتَدِرُ حَكَى لِمُؤْنِسٍ أَنَّ الْمُقْتَدِرَ بِاللَّهِ) أَمَرَ خَوَاصَّ خَدَمِهِ أَنْ يَحْفِرُوا جُبًّا فِي دَارِ الشَّجَرَةِ، وَيُغَطُّوهُ بِبُرَايَةٍ وَتُرَابٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يَجْلِسُ فِيهِ لِوَدَاعِ مُؤْنِسٍ، فَإِذَا حَضَرَ وَقَارَبَهَا أَلْقَاهُ الْخَدَمُ فِيهَا، وَخَنَقُوهُ، وَأَظْهَرُوهُ مَيِّتًا، فَامْتَنَعَ مُؤْنِسٌ مِنْ دُخُولِ دَارِ الْخَلِيفَةِ، وَرَكِبَ إِلَيْهِ جَمِيعُ الْأَجْنَادِ، وَفِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ وَإِخْوَتُهُ، وَخَلَتْ دَارُ الْخَلِيفَةِ، وَقَالُوا لِمُؤْنِسٍ: نَحْنُ نُقَاتِلُ بَيْنَ يَدَيْكَ إِلَى أَنْ تَنْبَتَّ لَكَ لِحْيَةٌ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْمُقْتَدِرُ رُقْعَةً بِخَطِّهِ يَحْلِفُ لَهُ عَلَى بُطْلَانِ مَا بَلَغَهُ، فَصَرَفَ مُؤْنِسٌ الْجَيْشَ، وَكَتَبَ الْجَوَابَ أَنَّهُ الْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ، وَأَنَّ الَّذِي أَبْلَغَهُ ذَلِكَ قَدْ كَانَ وَضَعَهُ

стр. 3657

مَنْ يُرِيدُ إِيحَاشَهُ مِنْ مَوْلَاهُ، وَأَنَّهُ مَا اسْتَدْعَى الْجُنْدَ، وَإِنَّمَا هُمْ حَضَرُوا، وَقَدْ فَرَّقَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ مُؤْنِسًا قَصَدَ دَارَ الْمُقْتَدِرِ فِي جَمْعٍ مِنَ الْقُوَّادِ، وَدَخَلَ إِلَيْهِ، وَقَبَّلَ يَدَهُ، وَحَلَفَ الْمُقْتَدِرُ عَلَى صَفَاءِ نِيَّتِهِ لَهُ، وَوَدَّعَهُ وَسَارَ إِلَى الثَّغْرِ فِي الْعَشْرِ الْآخَرِ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَخَرَجَ لِوَدَاعِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْمُقْتَدِرِ، وَهُوَ الرَّاضِي بِاللَّهِ، وَالْوَزِيرُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى. ذِكْرُ (وُصُولِ الْقَرَامِطَةِ إِلَى الْعِرَاقِ) وَقَتْلِ يُوسُفَ بْنِ أَبِي السَّاجِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ بِمَسِيرِ أَبِي طَاهِرٍ الْقَرْمَطِيِّ مِنْ هَجَرَ نَحْوَ الْكُوفَةِ ثُمَّ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ مِنَ الْبَصْرَةِ بِأَنَّهُ اجْتَازَ قَرِيبًا مِنْهُمْ نَحْوَ الْكُوفَةِ. فَكَتَبَ الْمُقْتَدِرُ إِلَى يُوسُفَ بْنِ أَبِي السَّاجِ يُعَرِّفُهُ هَذَا الْخَبَرَ، وَيَأْمُرُهُ بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى الْكُوفَةِ، فَسَارَ إِلَيْهَا عَنْ وَاسِطَ، آخِرَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَقَدْ أَعَدَّ لَهُ بِالْكُوفَةِ الْأَنْزَالَ لَهُ وَلِعَسْكَرِهِ، فَلَمَّا وَصَلَهَا أَبُو طَاهِرٍ الْهَجَرِيُّ هَرَبَ نُوَّابُ السُّلْطَانِ عَنْهَا، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا أَبُو طَاهِرٍ، وَعَلَى تِلْكَ الْأَنْزَالِ وَالْعُلُوفَاتِ، وَكَانَ فِيهَا مِائَةُ كُرٍّ دَقِيقًا، وَأَلْفُ كُرٍّ شَعِيرًا، وَكَانَ قَدْ فَنِيَ مَا مَعَهُ مِنَ الْمِيرَةِ وَالْعَلُوفَةِ، فَقَوُوا بِمَا أَخَذُوهُ. وَوَصَلَ يُوسُفُ إِلَى الْكُوفَةِ بَعْدَ وُصُولِ الْقَرْمَطِيِّ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ، فَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا، وَكَانَ وُصُولُهُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ ثَامِنَ شَوَّالٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَةِ الْمُقْتَدِرِ، فَإِنْ أَبَوْا فَمَوْعِدُهُمُ الْحَرْبُ يَوْمَ الْأَحَدِ، فَقَالُوا: لَا طَاعَةَ عَلَيْنَا إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْمَوْعِدُ بَيْنَنَا لِلْحَرْبِ بُكْرَةَ غَدٍ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ ابْتَدَأَ أَوْبَاشُ الْعَسْكَرِ بِالشَّتْمِ وَرَمْيِ الْحِجَارَةِ، وَرَأَى يُوسُفُ قِلَّةَ الْقَرَامِطَةِ، فَاحْتَقَرَهُمْ، وَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْكِلَابَ بَعْدَ سَاعَةٍ فِي يَدِي! وَتَقَدَّمَ بِأَنْ يَكْتُبَ كِتَابَ الْفَتْحِ وَالْبِشَارَةِ بِالظَّفَرِ قَبْلَ اللِّقَاءِ تَهَاوُنًا بِهِمْ.

стр. 3658

وَزَحَفَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، (فَسَمِعَ أَبُو طَاهِرٍ) أَصْوَاتَ الْبُوقَاتِ وَالزَّعَقَاتِ، فَقَالَ لِصَاحِبٍ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: فَشَلٌ! قَالَ: أَجَلْ، لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، فَاقْتَتَلُوا مِنْ ضَحْوَةِ النَّهَارِ، يَوْمَ السَّبْتِ، إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو طَاهِرٍ ذَلِكَ بَاشَرَ الْحَرْبَ بِنَفْسِهِ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ يَثِقُ بِهِمْ، وَحَمَلَ بِهِمْ، فَطَحَنَ أَصْحَابَ يُوسُفَ، وَدَقَّهُمْ، فَانْهَزَمُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَسَرَ يُوسُفَ وَعَدَدًا كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ أَسْرُهُ وَقْتَ الْمَغْرِبِ، وَحَمَلُوهُ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَوَكَّلَ بِهِ أَبُو طَاهِرٍ طَبِيبًا يُعَالِجُ جِرَاحَهُ. وَوَرَدَ الْخَبَرُ إِلَى بَغْدَاذَ بِذَلِكَ، فَخَافَ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ مِنَ الْقَرَامِطَةِ خَوْفًا شَدِيدًا، وَعَزَمُوا عَلَى الْهَرَبِ إِلَى حُلْوَانَ وَهَمَذَانَ، وَدَخَلَ الْمُنْهَزِمُونَ بَغْدَاذَ، أَكْثَرُهُمْ رَجَّالَةٌ، حُفَاةٌ، عُرَاةٌ، فَبَرَزَ مُؤْنِسٌ الْمُظَفَّرُ لِيَسِيرَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَأَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِأَنَّ الْقَرَامِطَةَ قَدْ سَارُوا إِلَى عَيْنِ التَّمْرِ، فَأَنْفَذَ مِنْ بَغْدَاذَ خَمْسَمِائَةِ سُمَيْرِيَّةٍ فِيهَا الْمُقَاتِلَةُ لِتَمْنَعَهُمْ مِنْ عُبُورِ الْفُرَاتِ، (وَسَيَّرَ جَمَاعَةً مِنَ الْجَيْشِ إِلَى الْأَنْبَارِ لِحِفْظِهَا، وَمَنْعِ الْقَرَامِطَةِ مِنَ الْعُبُورِ هُنَالِكَ. ثُمَّ إِنَّ الْقَرَامِطَةَ قَصَدُوا الْأَنْبَارَ، فَقَطَعَ أَهْلُهَا الْجِسْرَ، وَنَزَلَ الْقَرَامِطَةُ غَرْبَ الْفُرَاتِ، وَأَنْفَذَ أَبُو طَاهِرٍ أَصْحَابَهُ إِلَى الْحَدِيثَةِ، فَأَتَوْهُ بِسُفُنٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَهْلُ الْأَنْبَارِ بِذَلِكَ، وَعَبَرَ فِيهَا ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الْقَرَامِطَةِ، فَقَاتَلُوا عَسْكَرَ الْخَلِيفَةِ، فَهَزَمُوهُمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَاسْتَوْلَى الْقَرَامِطَةُ عَلَى مَدِينَةِ الْأَنْبَارِ، وَعَقَدُوا الْجِسْرَ، وَعَبَرَ أَبُو طَاهِرٍ جَرِيدَةَ وَخَلَّفَ سَوَادَهُ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ. وَلَمَّا وَرَدَ الْخَبَرُ بِعُبُورِ أَبِي طَاهِرٍ إِلَى الْأَنْبَارِ، خَرَجَ نَصْرٌ الْحَاجِبُ فِي عَسْكَرٍ جَرَّارٍ، فَلَحِقَ بِمُؤْنِسٍ الْمُظَفَّرِ، فَاجْتَمَعَا فِي نَيِّفٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، سِوَى الْغِلْمَانِ وَمَنْ يُرِيدُ النَّهْبَ، وَكَانَ مِمَّنْ مَعَهُ أَبُو الْهَيْجَاءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ، وَمِنْ إِخْوَتِهِ أَبُو الْوَلِيدِ، وَأَبُو السَّرَايَا فِي أَصْحَابِهِمْ، وَسَارُوا حَتَّى بَلَغُوا نَهْرَ زَبَارَا، عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ بَغْدَاذَ، عِنْدَ عَقْرَقُوفَ، فَأَشَارَ أَبُو الْهَيْجَاءِ بْنُ حَمْدَانَ بِقَطْعِ الْقَنْطَرَةِ الَّتِي عَلَيْهِ، فَقَطَعُوهَا، وَسَارَ أَبُو طَاهِرٍ وَمَنْ مَعَهُ نَحْوَهُمْ، فَبَلَغُوا نَهْرَ زَبَارَا، وَفِي أَوَائِلِهِمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ، فَمَا زَالَ الْأَسْوَدُ

стр. 3659

يَدْنُو مِنَ الْقَنْطَرَةِ، وَالنِّشَابُ يَأْخُذُهُ، وَلَا يَمْتَنِعُ، حَتَّى أَشْرَفَ عَلَيْهَا، فَرَآهَا مَقْطُوعَةً، فَعَادَ وَهُوَ مِثْلُ الْقُنْفُذِ. وَأَرَادَ الْقَرَامِطَةُ الْعُبُورَ فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ لِأَنَّ النَّهْرَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَخَاضَةٌ، وَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ هَرَبَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ إِلَى بَغْدَاذَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْقَوْهُمْ، فَلَمَّا رَأَى ابْنُ حَمْدَانَ ذَلِكَ قَالَ لِمُؤْنِسٍ: كَيْفَ رَأَيْتَ مَا أَشَرْتُ بِهِ عَلَيْكُمْ؟ فَوَاللَّهِ لَوْ عَبَرَ الْقَرَامِطَةُ النَّهْرَ لَانْهَزَمَ كُلُّ مَنْ مَعَكَ وَلَأَخَذُوا بَغْدَاذَ، وَلَمَّا رَأَى الْقَرَامِطَةُ ذَلِكَ، (عَادُوا إِلَى الْأَنْبَارِ) ، وَسَيَّرَ مُؤْنِسٌ الْمُظَفَّرُ صَاحِبَهُ بُلَيْقًا فِي سِتَّةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ، إِلَى عَسْكَرِ الْقَرَامِطَةِ، غَرْبِيَّ الْفُرَاتِ، لِيَغْنَمُوهُ وَيُخَلِّصُوا ابْنَ أَبِي السَّاجِ، فَبَلَغُوا إِلَيْهِمْ، وَقَدْ عَبَرَ أَبُو طَاهِرٍ الْفُرَاتَ فِي زَوْرَقِ صَيَّادٍ، وَأَعْطَاهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمَّا رَآهُ أَصْحَابُهُ قَوِيَتْ قُلُوبُهُمْ، وَلَمَّا أَتَاهُمْ عَسْكَرُ مُؤْنِسٍ كَانَ أَبُو طَاهِرٍ عِنْدَهُمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ. وَنَظَرَ أَبُو طَاهِرٍ إِلَى ابْنِ أَبِي السَّاجِ وَهُوَ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْخَيْمَةِ يَنْظُرُ وَيَرْجُو الْخَلَاصَ، وَقَدْ نَادَاهُ أَصْحَابُهُ: أَبْشِرْ بِالْفَرَجِ! فَلَمَّا انْهَزَمُوا أَحْضَرَهُ وَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ جَمِيعَ الْأَسْرَى مِنْ أَصْحَابِهِ. وَسَلِمَتْ بَغْدَاذُ مِنْ نَهْبِ الْعَيَّارِينَ، لِأَنَّ نَازُوكَ كَانَ يَطُوفُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَمَنْ وَجَدُوهُ بَعْدَ الْعَتَمَةِ قَتَلُوهُ فَامْتَنَعَ الْعَيَّارُونَ، وَاكْتَرَى كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ بَغْدَاذَ سُفُنًا، وَنَقَلُوا إِلَيْهَا أَمْوَالَهُمْ، وَرَبَطُوهَا لِيَنْحَدِرُوا إِلَى وَاسِطَ، وَفِيهِمْ مَنْ نَقَلَ مَتَاعَهُ إِلَى وَاسِطَ وَإِلَى حُلْوَانَ لِيَسِيرُوا إِلَى خُرَاسَانَ. وَكَانَ عِدَّةُ الْقَرَامِطَةِ أَلْفَ رَجُلٍ وَخَمْسَمِائَةِ رَجُلٍ مِنْهُمْ سَبْعُمِائَةِ فَارِسٍ وَثَمَانِمِائَةِ رَاجِلٍ، وَقِيلَ كَانُوا أَلْفَيْنِ وَسَبْعَمِائَةٍ. وَقَصَدَ الْقَرَامِطَةُ مَدِينَةَ هَيْتَ، وَكَانَ الْمُقْتَدِرُ قَدْ سَيَّرَ إِلَيْهَا سَعِيدَ بْنَ حَمْدَانَ، وَهَارُونَ بْنَ غَرِيبٍ، فَلَمَّا بَلَغَهَا الْقَرَامِطَةُ رَأَوْا عَسْكَرَ الْخَلِيفَةِ قَدْ سَبَقَهُمْ فَقَاتَلُوهُمْ عَلَى السُّورِ، فَقَتَلُوا مِنَ الْقَرَامِطَةِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً، فَعَادُوا عَنْهَا.

стр. 3660

وَلَمَّا بَلَغَ أَهْلَ بَغْدَاذَ عَوْدُهُمْ مِنْ هَيْتَ سَكَنَتْ قُلُوبُهُمْ، وَلَمَّا عَلِمَ الْمُقْتَدِرُ بِعِدَّةِ عَسْكَرِهِ وَعَسْكَرِ الْقَرَامِطَةِ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ نَيِّفًا وَثَمَانِينَ أَلْفًا يَعْجَزُونَ عَنْ أَلْفَيْنِ وَسَبْعِمِائَةٍ. وَجَاءَ إِنْسَانٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ فِي جِيرَانِهِ رَجُلًا مِنْ شِيرَازَ عَلَى مَذْهَبِ الْقَرَامِطَةِ يُكَاتِبُ أَبَا طَاهِرٍ بِالْأَخْبَارِ، فَأَحْضَرَهُ، وَسَأَلَهُ وَاعْتَرَفَ، وَقَالَ: مَا صَحِبْتُ أَبَا طَاهِرٍ إِلَّا لِمَا صَحَّ عِنْدِي أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ وَأَنْتَ وَصَاحِبُكَ كُفَّارٌ تَأْخُذُونَ مَا لَيْسَ لَكُمْ، وَلَا بُدَّ لِلَّهِ مِنْ حُجَّةٍ فِي أَرْضِهِ، وَإِمَامُنَا الْمَهْدِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ فُلَانِ بْنِ فُلَانِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ الْمُقِيمُ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَلَسْنَا كَالرَّافِضَةِ، (وَالِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ) الَّذِينَ يَقُولُونَ بِجَهْلِهِمْ إِنَّ لَهُمْ إِمَامًا يَنْتَظِرُونَهُ، وَيَكْذِبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَيَقُولُ: قَدْ رَأَيْتُهُ وَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقْرَأُ، وَلَا يُنْكِرُونَ بِجَهْلِهِمْ وَغَبَاوَتِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى مِنَ الْعُمْرِ مَا يَظُنُّونَهُ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ خَالَطْتَ عَسْكَرَنَا وَعَرَفْتَهُمْ، فَمَنْ فِيهِمْ عَلَى مَذْهَبِكَ؟ فَقَالَ: وَأَنْتَ بِهَذَا الْعَقْلِ تُدَبِّرُ الْوِزَارَةُ، كَيْفَ تَطْمَعُ مِنِّي أَنَّنِي أُسَلِّمُ قَوْمًا مُؤْمِنِينَ إِلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ يَقْتُلُونَهُمْ؟ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ. فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ ضَرْبًا شَدِيدًا، وَمُنِعَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ فَمَاتَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَقَدْ كَانَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ قَبْلَ قِتَالِهِ الْقَرَامِطَةَ قَدْ قَبَضَ عَلَى وَزِيرِهِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ النِّيرَمَانِيِّ وَجَعَلَ مَكَانَهُ أَبَا عَلِيٍّ الْحَسَنَ بْنَ هَارُونَ، وَصَادَرَ مُحَمَّدًا عَلَى خَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ النِّيرَمَانِيَّ عَظُمَ شَأْنُهُ، وَكَثُرَ مَالُهُ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِوِزَارَةِ الْخَلِيفَةِ، فَكَتَبَ إِلَى نَصْرٍ الْحَاجِبِ يَخْطُبُ الْوِزَارَةَ. وَيَسْعَى بِابْنِ أَبِي السَّاجِ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّهُ قَرْمَطِيٌّ يَعْتَقِدُ إِمَامَةَ الْعَلَوِيِّ الَّذِي بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَإِنَّنِي نَاظِرْتُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَرْجِعْ

стр. 3661

عَنْهُ، وَإِنَّهُ لَا يَسِيرُ إِلَى قِتَالِ أَبِي طَاهِرٍ الْقَرْمَطِيِّ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ الْمَالَ بِهَذَا السَّبَبِ، وَيَقْوَى بِهِ عَلَى قَصْدِ حَضْرَةِ السُّلْطَانِ، وَإِزَالَةِ الْخِلَافَةِ عَنْ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَطَوَّلَ فِي ذَلِكَ وَعَرَّضَ. وَكَانَ لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ أَعْدَاءٌ قَدْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ أَبِي السَّاجِ (فَسَعَوْا بِهِ، فَأَعْلَمُوا يُوسُفَ بْنَ أَبِي السَّاجِ) ذَلِكَ، وَأَرَوْهُ كُتُبًا جَاءَتْهُ مِنْ بَغْدَاذَ فِي الْمَعْنَى مَنْ نَصْرٍ الْحَاجِبِ وَفِيهَا رُمُوزٌ إِلَى قَوَاعِدَ قَدْ تَقَدَّمَتْ وَتَقَرَّرَتْ، وَفِيهَا الْوَعْدُ لَهُ بِالْوِزَارَةِ، وَعَزْلِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى الْوَزِيرِ، فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ قَبَضَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أُسِرَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ تَخَلَّصَ مِنَ الْحَبْسِ، وَكَانَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ يُسَمَّى الشَّيْخَ الْكَرِيمَ لِمَا جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ خِلَالِ الْكَمَالِ وَالْكَرَمِ. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ أَسْفَارٍ عَلَى جُرْجَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْلَى أَسْفَارُ بْنُ شِيرُوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ عَلَى جُرْجَانَ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ مَاكَانَ بْنِ كَالِي الدَّيْلَمِيِّ، وَكَانَ سَيِّئَ الْخُلُقِ وَالْعِشْرَةِ، فَأَخْرَجَهُ مَاكَانُ مِنْ عَسْكَرِهِ، فَاتَّصَلَ بِبَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَلْيَسَعَ، وَهُوَ بِنَيْسَابُورَ، وَخَدَمَهُ، فَسَيَّرَهُ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِلَى جُرْجَانَ لِيَفْتَحَهَا. وَكَانَ مَاكَانُ بْنُ كَالِي، ذَلِكَ الْوَقْتَ، بِطَبَرِسْتَانَ، وَأَخُوهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ كَالِي بِجُرْجَانَ، وَقَدِ اعْتَقَلَ أَبَا عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْأُطْرُوشَ الْعَلَوِيَّ عِنْدَهُ، فَشَرِبَ أَبُو

стр. 3662

الْحَسَنِ بْنُ كَالِي لَيْلَةً وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ فَفَرَّقَهُمْ، وَبَقِيَ فِي بَيْتٍ هُوَ وَالْعَلَوِيُّ، فَقَامَ إِلَى الْعَلَوِيِّ لِيَقْتُلَهُ، فَظَفِرَ بِهِ الْعَلَوِيُّ وَقَتَلَهُ، وَخَرَجَ مِنَ الدَّارِ وَاخْتَفَى، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَرْسَلَ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْقُوَّادِ يُعَرِّفُهُمُ الْحَالَ فَفَرِحُوا بِقَتْلِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ كَالِي، وَأَخْرَجُوا الْعَلَوِيَّ، وَأَلْبَسُوهُ الْقَلَنْسُوَةَ وَبَايَعُوهُ، فَأَمْسَى أَسِيرًا، وَأَصْبَحَ أَمِيرًا، وَجَعَلَ مُقَدَّمُ جَيْشِهِ عَلِيَّ بْنَ خُرْشِيدَ وَرَضِيَ بِهِ الْجَيْشُ، وَكَاتَبُوا أَسْفَارَ بْنَ شِيرُوَيْهِ، وَعَرَّفُوهُ الْحَالَ، وَاسْتَقْدَمُوهُ إِلَيْهِمْ، فَاسْتَأْذَنَ بَكْرَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَارَ إِلَى جُرْجَانَ، وَاتَّفَقَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ خُرْشِيدَ، وَضَبَطُوا تِلْكَ النَّاحِيَةَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ مَاكَانُ بْنُ كَالِي، مِنْ طَبَرِسْتَانَ، فِي جَيْشِهِ، فَحَارَبُوهُ وَهَزَمُوهُ وَأَخْرَجُوهُ عَنْ طَبَرِسْتَانَ، وَأَقَامُوا بِهَا وَمَعَهُمُ الْعَلَوِيُّ، فَلَعِبَ يَوْمًا بِالْكُرَةِ، فَسَقَطَ عَنْ دَابَّتِهِ فَمَاتَ. ثُمَّ مَاتَ عَلِيُّ بْنُ خُرْشِيدَ صَاحِبُ الْجَيْشِ، وَعَادَ مَاكَانُ بْنُ كَالِي إِلَى أَسْفَارٍ، فَحَارَبَهُ، فَانْهَزَمَ أَسْفَارٌ مِنْهُ، وَرَجَعَ إِلَى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَلْيَسَعَ، وَهُوَ بِجُرْجَانَ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ بَكْرٌ بِهَا، فَوَلَّاهَا الْأَمِيرُ السَّعِيدُ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَسْفَارَ بْنَ شِيرَوَيْهِ، وَذَلِكَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَأَرْسَلَ أَسْفَارٌ إِلَى مَرْدَاوِيجَ بْنِ زَيَّارَ الْجِيلِيِّ يَسْتَدْعِيهِ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ، وَجَعَلَهُ أَمِيرَ الْجَيْشِ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَقَصَدُوا طَبَرِسْتَانَ وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا. وَنَحْنُ نَذْكُرُ حَالَ ابْتِدَاءِ مَرْدَاوِيجَ وَكَيْفَ تَقَلَّبَتْ بِهِ الْأَحْوَالُ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَتْ سَرِيَّةٌ مِنْ طَرَسُوسَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا الْعَدُوُّ فَاقْتَتَلُوا (فَاسْتَظْهَرَ الرُّومُ) وَأَسَرُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَرْبَعَمِائَةِ رَجُلٍ، فَقُتِلُوا صَبْرًا. وَفِيهَا سَارَ الدُّمُسْتُقُ فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ مِنَ الرُّومِ إِلَى مَدِينَةِ دَبِيلَ، وَفِيهَا نَصْرٌ السُّبْكِيُّ فِي عَسْكَرٍ يَحْمِيهَا، وَكَانَ مَعَ الدُّمُسْتُقِ دَبَّابَاتٌ وَمَجَانِيقُ وَمَعَهُ مِزْرَاقٌ يَزْرُقُ بِالنَّارِ عِدَّةَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَلَا يَقِرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ أَحَدٌ مِنْ شِدَّةِ نَارِهِ وَاتِّصَالِهِ، فَكَانَ مِنْ أَشَدِّ شَيْءٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

стр. 3663

وَكَانَ الرَّامِي بِهِ، مُبَاشِرٌ بِالْقِتَالِ، (مِنْ أَشْجَعِهِمْ) ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وَأَرَاحَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ شَرِّهِ. وَكَانَ الدُّمُسْتُقُ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيٍّ عَالٍ يُشْرِفُ عَلَى الْبَلَدِ (وَعَلَى عَسْكَرِهِ، فَأَمَرَهُمْ بِالْقِتَالِ عَلَى مَا يَرَاهُ، فَصَبَرَ لَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ) ، وَهُوَ مُلَازِمُ الْقِتَالِ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى سُورِ الْمَدِينَةِ، فَنَقَبُوا فِيهِ نُقُوبًا كَثِيرَةً، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ، فَقَاتَلَهُمْ أَهْلُهَا وَمَنْ فِيهَا مِنَ الْعَسْكَرِ قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْتَصَرَ الْمُسْلِمُونَ، وَأَخْرَجُوا الرُّومَ مِنْهَا، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ نَحْوَ عَشَرَةِ آلَافِ رَجُلٍ. وَفِيهَا فِي ذِي الْقِعْدَةِ، عَادَ ثَمِلٌ إِلَى طَرَسُوسَ مِنَ الْغَزَاةِ الصَّائِفَةِ سَالِمًا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ (فَلَقَوْا جَمْعًا كَثِيرًا) مِنَ الرُّومِ، فَاقْتَتَلُوا فَانْتَصَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ وَقَتَلُوا مِنَ الرُّومِ كَثِيرًا، وَغَنِمُوا مَا لَا يُحْصَى. وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا غَنِمُوا أَنَّهُمْ ذَبَحُوا مِنَ الْغَنَمِ فِي بِلَادِ الرُّومِ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ رَأْسٍ، سِوَى مَا سَلِمَ مَعَهُمْ، وَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ يُعْرَفُ بِابْنِ الضَّحَّاكِ، وَهُوَ مِنْ رُؤَسَاءِ الْأَكْرَادِ، وَكَانَ لَهُ حِصْنٌ يُعْرَفُ بِالْجَعْفَرِيِّ، فَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ وَصَارَ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ فَأَجْزَلَ لَهُ الْعَطِيَّةَ، وَأَمَرَهُ بِالْعَوْدِ إِلَى حِصْنِهِ، فَلَقِيَهُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَاتَلُوهُ، (فَأَسَرُوهُ، وَقَتَلُوا كُلَّ مَنْ) مَعَهُ.

стр. 3664

ذِكْرُ مَسِيرِ جَيْشِ الْمَهْدِيِّ إِلَى الْمَغْرِبِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ الْمَهْدِيُّ الْعَلَوِيُّ، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ، ابْنَهُ أَبَا الْقَاسِمِ مِنَ الْمَهْدِيَّةِ إِلَى الْمَغْرِبِ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ، فِي صَفَرٍ، لِسَبَبِ مُحَمَّدِ بْنِ خَرَزٍ الزَّنَاتِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ظَفِرَ بِعَسْكَرٍ مِنْ كُتَامَةَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْمَهْدِيِّ، فَسَيَّرَ وَلَدَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ تَفَرَّقَ الْأَعْدَاءُ، وَسَارَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَا وَرَاءِ تَاهَرْتَ، فَلَمَّا عَادَ مِنْ سَفْرَتِهِ هَذِهِ خَطَّ بِرُمْحِهِ فِي الْأَرْضِ صِفَةَ مَدِينَةٍ وَسَمَّاهَا الْمُحَمَّدِيَّةَ، وَهِيَ الْمَسِيلَةُ. وَكَانَتْ خُطَّتُهُ لَبَنِي كُمْلَانَ، فَأَخْرَجَهُمْ مِنْهَا، وَنَقَلَهُمْ إِلَى فَحْصِ الْقَيْرَوَانِ، كَالْمُتَوَقِّعِ مِنْهُمْ أَمْرًا، فَلِذَلِكَ أَحَبُّوا أَنْ يَكُونُوا قَرِيبًا مِنْهُ، وَهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ أَبِي يَزِيدَ الْخَارِجِيِّ، وَانْتَقَلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ إِلَى الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَأَمَرَ عَامِلَهَا أَنْ يُكْثِرَ مِنَ الطَّعَامِ وَيُخَزِّنَهُ وَيَحْتَفِظَ بِهِ (فَفَعَلَ ذَلِكَ) ، فَلَمْ يَزَلْ مَخْزُونًا إِلَى أَنْ خَرَجَ أَبُو يَزِيدَ وَلَقِيَهُ الْمَنْصُورُ، وَمِنَ الْمُحَمَّدِيَّةِ كَانَ يَمْتَارُ مَا يُرِيدُ إِذْ لَيْسَ بِالْمَوْضِعِ مَدِينَةٌ سِوَاهَا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمِسْمَعِيِّ مِنْ حُمَّى حَادَّةٍ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِالنُّوبَنْدَجَانِ، فَاسْتَعْمَلَ الْمُقْتَدِرُ مَكَانَهُ عَلَى فَارِسَ يَاقُوتًا، وَاسْتَعْمَلَ عِوَضَهُ عَلَى كَرْمَانَ أَبَا طَاهِرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الصَّمَدِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمَا. وَفِيهَا شَغَبَ الْفُرْسَانُ بِبَغْدَاذَ، وَخَرَجُوا إِلَى الْمُصَلَّى، وَنَهَبُوا الْقَصْرَ الْمَعْرُوفَ بِالثُّرَيَّا، وَذَبَحُوا مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْوَحْشِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مُؤْنِسٌ، وَضَمِنَ لَهُمْ أَرْزَاقَهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ. وَفِيهَا ظَفِرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ الْأُمَوِيُّ، صَاحِبُ

стр. 3665

الْأَنْدَلُسِ، بِأَهْلِ طُلَيْطِلَةَ وَكَانَ قَدْ حَصَرَهَا مُدَّةً لِخِلَافٍ كَانَ عَلَيْهِ فِيهَا، فَلَمَّا ظَفِرَ بِهِمْ أَخَرَبَ كَثِيرًا مِنْ عِمَارَاتِهَا وَشَعَثِهَا، وَكَانَتْ حِينَئِذٍ دَارَ إِسْلَامٍ. وَفِيهَا قَصَدَ الْأَعْرَابُ سَوَادَ الْكُوفَةِ فَنَهَبُوهُ وَخَرَّبُوهُ، وَدَخَلُوا الْحِيرَةَ فَنَهَبُوهَا، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمُ الْخَلِيفَةُ جَيْشًا فَدَفَعُوهُمْ عَنِ الْبِلَادِ. وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، انْقَضَّ كَوْكَبٌ عَظِيمٌ، وَصَارَ لَهُ صَوْتٌ شَدِيدٌ عَلَى سَاعَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنَ النَّهَارِ. وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، احْتَرَقَ كَثِيرٌ مِنَ الرُّصَافَةِ وَوَصِيفٌ الْجَوْهَرِيُّ وَمُرَبَّعَةُ الْخُرْسِيِّ بِبَغْدَاذَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ السَّرِيِّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ السَّرَّاجِ النَّحْوِيُّ، صَاحِبُ كِتَابِ الْأُصُولِ فِي النَّحْوِ. وَقِيلَ تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] . وَفِيهَا، فِي شَعْبَانَ، تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَخْفَشُ فَجْأَةً.

стр. 3666

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَة] ٣١٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ أَخْبَارِ الْقَرَامِطَةِ لَمَّا سَارَ الْقَرَامِطَةُ مِنَ الْأَنْبَارِ عَادَ مُؤْنِسٌ الْخَادِمُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَدَخَلَهَا ثَالِثَ الْمُحَرَّمِ، وَسَارَ أَبُو طَاهِرٍ الْقَرْمَطِيُّ إِلَى الدَّالِيَةِ مِنْ طَرِيقِ الْفُرَاتِ، فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئًا، فَقَتَلَ مِنْ أَهْلِهَا جَمَاعَةً، ثُمَّ سَارَ إِلَى الرَّحْبَةِ، فَدَخَلَهَا ثَامِنَ الْمُحَرَّمِ، بَعْدَ أَنْ حَارَبَهُ أَهْلُهَا، فَوَضَعَ فِيهِمُ السَّيْفَ بَعْدَ أَنْ ظَفِرَ بِهِمْ، فَأُمِرَ مُؤْنِسٌ الْمُظَفَّرُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الرَّقَّةِ، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي صَفَرٍ، وَجَعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى الْمَوْصِلِ، فَوَصَلَ إِلَيْهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَنَزَلَ بِهَا، وَأَرْسَلَ أَهْلُ قَرْقِيسِيَا يَطْلُبُونَ مِنْ أَبِي طَاهِرٍ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَظْهَرَ أَحَدٌ بِالنَّهَارِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ. وَسَيَّرَ أَبُو طَاهِرٍ سَرِيَّةً إِلَى الْأَعْرَابِ بِالْجَزِيرَةِ فَنَهَبُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَخَافَهُ الْأَعْرَابُ خَوْفًا شَدِيدًا وَهَرَبُوا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَقَرَّرَ عَلَيْهِمْ إِتَاوَةً عَلَى كُلِّ رَأْسٍ دِينَارٌ يَحْمِلُونَهُ إِلَى هَجَرَ، ثُمَّ صَعِدَ أَبُو طَاهِرٍ مِنَ الرَّحْبَةِ إِلَى الرِّقَّةِ، فَدَخَلَ أَصْحَابُهُ الرَّبَضَ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَأَعَانَ أَهْلُ الرَّقَّةِ أَهَّلَ الرَّبَضِ، وَقَتَلُوا مِنَ الْقَرَامِطَةِ جَمَاعَةً، فَقَاتَلَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ انْصَرَفُوا آخِرَ رَبِيعٍ الْآخَرِ. وَبَثَّتِ الْقَرَامِطَةُ سَرِيَّةً إِلَى رَأْسِ عَيْنٍ، وَكَفَرْتُوثَا، فَطَلَبَ أَهْلُهَا الْأَمَانَ، فَأَمَّنُوهُمْ، وَسَارُوا أَيْضًا إِلَى سِنْجَارَ، فَنَهَبُوا الْجِبَالَ، وَنَازَلُوا سِنْجَارَ، فَطَلَبَ أَهْلُهَا الْأَمَانَ، فَأَمَّنُوهُمْ. وَكَانَ مُؤْنِسٌ قَدْ وَصَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَبَلَغَهُ قَصْدُ الْقَرَامِطَةِ إِلَى الرَّقَّةِ (فَجَدَّ

стр. 3667

السَّيْرَ إِلَيْهَا، فَسَارَ أَبُو طَاهِرٍ عَنْهَا، وَعَادَ) إِلَى الرَّحْبَةِ، وَوَصَلَ مُؤْنِسٌ إِلَى الرَّقَّةِ بَعْدَ انْصِرَافِ الْقَرَامِطَةِ عَنْهَا، ثُمَّ إِنَّ الْقَرَامِطَةَ سَارُوا إِلَى هَيْتَ، وَكَانَ أَهْلُهَا قَدْ أَحْكَمُوا سُورَهَا، فَقَاتَلُوهُ، فَعَادَ عَنْهُمْ إِلَى الْكُوفَةِ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَأُخْرِجَ هَارُونُ بْنُ غَرِيبٍ، (وَبُنِّيُّ بْنُ نَفِيسٍ) وَنَصْرٌ الْحَاجِبُ (إِلَيْهَا، وَوَصَلَتْ خَيْلُ الْقَرْمَطِيِّ إِلَى قَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَقَتَلُوا مِنْهُ جَمَاعَةً. ثُمَّ إِنَّ نَصْرًا الْحَاجِبَ) حُمَّ فِي طَرِيقِهِ حُمَّى حَادَّةً، فَتَجَلَّدَ وَسَارَ، فَلَمَّا قَارَبَهُمُ الْقَرْمَطِيُّ لَمْ يَكُنْ فِي نَصْرٍ قُوَّةٌ عَلَى النُّهُوضِ وَالْمُحَارَبَةِ، فَاسْتَخْلَفَ أَحْمَدَ بْنَ كَيْغَلَغَ، وَاشْتَدَّ مَرَضُ نَصْرٍ، وَأُمْسِكَ لِسَانُهُ لِشِدَّةِ مَرَضِهِ، فَرَدُّوهُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ فِي أَوَاخِرِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَجُعِلَ مَكَانَهُ عَلَى الْجَيْشِ هَارُونُ بْنُ غَرِيبٍ، وَرُتِّبَ ابْنُهُ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ فِي الْحَجْبَةِ لِلْمُقْتَدِرِ مَكَانَ أَبِيهِ، فَانْصَرَفَ الْقَرَامِطَةُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، وَعَادَ هَارُونُ إِلَى بَغْدَاذَ (فِي الْجَيْشِ) ، فَدَخَلَهَا لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ. ذِكْرُ عَزْلِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى وَوِزَارَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى عَنْ وِزَارَةِ الْخَلِيفَةِ، وَرُتِّبَ فِيهَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُقْلَةَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا رَأَى نَقْصَ الِارْتِفَاعِ، وَاخْتِلَالَ الْأَعْمَالِ بِوِزَارَةِ الْخَاقَانِيِّ وَالْخَصِيبِيِّ، وَزِيَادَةَ النَّفَقَاتِ، وَأَنَّ الْجُنْدَ لَمَّا عَادُوا مِنَ الْأَنْبَارِ زَادَهُمُ الْمُقْتَدِرُ فِي أَرْزَاقِهِمْ مِائَتَيْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ فِي السَّنَةِ، وَرَأَى أَيْضًا كَثْرَةَ النَّفَقَاتِ لِلْخَدَمِ وَالْحُرَمِ، لَا سِيَّمَا وَالِدَةُ الْمُقْتَدِرِ، هَالَهُ ذَلِكَ، وَعَظُمَ عَلَيْهِ. ثُمَّ إِنَّهُ رَأَى نَصْرًا الْحَاجِبَ يَقْصِدُهُ، وَيَنْحَرِفُ عَنْهُ لِمَيْلِ مُؤْنِسٍ إِلَيْهِ، فَإِنَّ نَصْرًا كَانَ يُخَالِفُ مُؤْنِسًا فِي جَمِيعِ مَا يُشِيرُ بِهِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ اسْتَعْفَى مِنَ الْوِزَارَةِ، وَاحْتَجَّ

стр. 3668

بِالشَّيْخُوخَةِ، وَقِلَّةِ النَّهْضَةِ، فَأَمَرَهُ الْمُقْتَدِرُ بِالصَّبْرِ، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ وَالِدِي الْمُعْتَضِدِ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ فِي الِاسْتِعْفَاءِ، فَشَاوَرَ مُؤْنِسًا فِي ذَلِكَ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ سُمِّيَ لِلْوِزَارَةِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: الْفَضْلُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْفُرَاتِ الَّذِي أُمُّهُ حَنْزَانَةُ، وَأُخْتُهُ زَوْجَةُ الْمُحَسِّنِ بْنِ الْفُرَاتِ، وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ مُقْلَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ النِّيرَمَانِيُّ الَّذِي كَانَ وَزِيرَ ابْنِ أَبِي السَّاجِ، فَقَالَ مُؤْنِسٌ: أَمَّا الْفَضْلُ فَقَدْ قَتَلْنَا عَمَّهُ الْوَزِيرَ أَبَا الْحَسَنِ، وَابْنَ عَمِّهِ زَوْجَ أُخْتِهِ الْمُحَسِّنَ ابْنَ الْوَزِيرِ، وَصَادَرْنَا أُخْتَهُ (فَلَا نَأْمَنُهُ، وَأَمَّا) ابْنُ مُقْلَةَ فَحَدَثٌ غِرٌّ لَا تَجْرِبَةَ لَهُ بِالْوِزَارَةِ، وَلَا يَصْلُحُ لَهَا، وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ فَجَاهِلٌ مُتَهَوِّرٌ لَا يُحْسِنُ شَيْئًا، وَالصَّوَابُ مُدَارَاةُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى. ثُمَّ لَقِيَ مُؤْنِسٌ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى، وَسَكَّنَهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَوْ كُنْتَ مُقِيمًا لَاسْتَعَنْتُ بِكَ، وَلَكِنَّكَ سَائِرٌ إِلَى الرَّقَّةِ ثُمَّ إِلَى الشَّامِ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَا عَلِيِّ بْنَ مُقْلَةَ، فَجَدَّ فِي السَّعْيِ، وَضَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ الضَّمَانَاتِ، وَشَاوَرَ الْمُقْتَدِرُ نَصْرًا الْحَاجِبَ فِي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ، فَقَالَ: أَمَّا الْفَضْلُ بْنُ الْفُرَاتِ فَلَا يُدْفَعُ عَنْ صِنَاعَةِ الْكِتَابَةِ، وَالْمَعْرِفَةِ، وَالْكِفَايَةِ، وَلَكِنَّكَ بِالْأَمْسِ قَتَلْتَ عَمَّهُ وَابْنَ عَمِّهِ وَصِهْرَهُ، وَصَادَرْتَ أُخْتَهُ وَأُمَّهُ، ثُمَّ إِنَّ بَنِي الْفُرَاتِ يَدِينُونَ بِالرَّفْضِ، وَيُعْرَفُونَ بِوَلَاءِ آلِ عَلِيٍّ وَوَلَدِهِ، وَأَمَّا أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُقْلَةَ فَلَا هَيْبَةَ لَهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا يَرْجِعُ إِلَى كِفَايَةٍ، وَلَا تَجْرِبَةٍ، وَأَشَارَ بِمُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ لِمَوَدَّةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا، فَنَفَرَ الْمُقْتَدِرُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ لِمَا عَلِمَهُ مِنْ جَهْلِهِ وَتَهَوُّرِهِ، وَوَاصَلَ ابْنُ مُقْلَةَ بِالْهَدِيَّةِ إِلَى نَصْرٍ الْحَاجِبِ، فَأَشَارَ عَلَى الْمُقْتَدِرِ بِهِ، فَاسْتَوْزَرَهُ. وَكَانَ ابْنُ مُقْلَةَ لَمَّا قَرُبَ الْهَجَرِيُّ مِنَ الْأَنْبَارِ قَدْ أَنْفَذَ صَاحِبًا لَهُ مَعَهُ خَمْسُونَ طَائِرًا، وَأَمَرَهُ بِالْمُقَامِ بِالْأَنْبَارِ، وَإِرْسَالِ الْأَخْبَارِ إِلَيْهِ وَقْتًا بِوَقْتٍ، (فَفَعَلَ ذَلِكَ) ، فَكَانَتْ

стр. 3669

الْأَخْبَارُ تَرِدُ مِنْ جِهَتِهِ إِلَى الْخَلِيفَةِ عَلَى يَدِ نَصْرٍ الْحَاجِبِ، فَقَالَ نَصْرٌ: هَذَا فِعْلُهُ فِيمَا لَا يَلْزَمُهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ إِذَا اصْطَنَعْتَهُ! فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَى الْأَسْبَابِ فِي وِزَارَتِهِ. وَتَقَدَّمَ الْمُقْتَدِرُ فِي مُنْتَصَفِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بِالْقَبْضِ عَلَى الْوَزِيرِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، وَأَخِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَخَلَعَ عَلَى أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ، وَتَوَلَّى الْوِزَارَةَ، وَأَعَانَهُ عَلَيْهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيُّ لِمَوَدَّةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا. ذِكْرُ ابْتِدَاءِ حَالِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيِّ وَإِخْوَتِهِ لَمَّا وَلِيَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْوِزَارَةَ كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْبَرِيدِيِّ قَدْ ضَمِنَ الْخَاصَّةَ، وَكَانَ أَخُوهُ أَبُو يُوسُفَ عَلَى سُرَّقَ، فَلَمَّا اسْتَعْمَلَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْعُمَّالَ، وَرَتَّبَهُمْ فِي الْأَعْمَالِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: تُقَلِّدُ مِثْلَ هَؤُلَاءِ عَلَى هَذِهِ الْأَعْمَالِ الْجَلِيلَةِ، وَتَقْتَصِرُ بِي عَلَى ضَمَانِ الْخَاصَّةِ بِالْأَهْوَازِ، وَبِأَخِي أَبِي يُوسُفَ عَلَى سُرَّقَ! لَعَنَ اللَّهُ مَنْ يَقْنَعُ بِهَذَا مِنْكَ، فَإِنَّ لِطَلَبِي صَوْتًا سَوْفَ يُسْمَعُ بَعْدَ أَيَّامٍ. فَلَمَّا بَلَغَهُ اضْطِرَابُ أَمْرِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى أَرْسَلَ أَخَاهُ أَبَا الْحُسَيْنِ إِلَى بَغْدَاذَ (وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْطُبَ لَهُ أَعْمَالَ الْأَهْوَازِ وَمَا يَجْرِي مَعَهَا إِذَا تَجَدَّدَتْ وِزَارَةٌ) لِمَنْ يَأْخُذُ الرُّشَا، وَيَرْتَفِقُ، فَلَمَّا وَزَرَ أَبُو عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ بَذَلَ لَهُ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ عَلَى ذَلِكَ، فَقَلَّدَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْأَهْوَازَ جَمِيعَهَا، سِوَى السُّوسِ وَجُنْدَيْسَابُورَ، وَقَلَّدَ أَخَاهُ أَبَا الْحُسَيْنِ الْفُرَاتِيَّةَ، وَقَلَّدَ أَخَاهُمَا أَبَا يُوسُفَ الْخَاصَّةَ وَالْأَسَافِلَ، عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَالُ فِي ذِمَّةِ أَبِي أَيُّوبَ السِّمْسَارِ إِلَى أَنْ يَتَصَرَّفُوا فِي الْأَعْمَالِ. وَكَتَبَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُقِلَّةَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الْقَبْضِ عَلَى ابْنِ أَبِي السَّلَاسِلِ، فَسَارَ

стр. 3670

بِنَفْسِهِ فَقَبَضَ عَلَيْهِ بِتُسْتَرَ، وَأَخَذَ مِنْهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ وَلَمْ يُوصِلْهَا، وَكَانَ مُتَهَوِّرًا لَا يُفَكِّرُ فِي عَاقِبَةِ أَمْرٍ، وَسَيَرِدُ مِنْ أَخْبَارِهِ مَا يُعْلَمُ بِهِ دَهَاؤُهُ، وَمَكْرُهُ وَقِلَّةُ دِينِهِ، وَتَهَوُّرُهُ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا عَلِيِّ بْنَ مُقْلَةَ جَعَلَ أَبَا مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنَ بْنَ أَحْمَدَ الْمَادَرَائِيَّ مُشْرِفًا عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ. (الْبَرِيدِيُّ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْبَرِيدِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْأَمِيرُ ابْنُ مَاكُولَا، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ مِسْكَوَيْهِ بِالْيَاءِ الْمُعْجَمَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتٍ، وَالزَّايِ، وَقَالَ: كَانَ جَدُّهُ يَخْدِمُ يَزِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ الْحِمْيَرِيَّ، فَنُسِبَ إِلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَمَا ذَكَرْنَا قَوْلَ ابْنِ مِسْكَوَيْهِ إِلَّا حَتَّى لَا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّنَا لَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ، وَأَخْطَأْنَا الصَّوَابَ) . ذِكْرُ مَنْ ظَهَرَ بِسَوَادِ الْعِرَاقِ مِنَ الْقَرَامِطَةِ لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ أَبِي طَاهِرٍ الْقَرْمَطِيِّ مَا ذَكَرْنَاهُ، اجْتَمَعَ مَنْ كَانَ بِالسَّوَادِ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ الْقَرَامِطَةِ فَيَكْتُمُ اعْتِقَادَهُ خَوْفًا، فَأَظْهَرُوا اعْتِقَادَهُمْ، فَاجْتَمَعَ مِنْهُمْ بِسَوَادِ وَاسِطَ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ رَجُلٍ، وَوَلَّوْا أَمْرَهُمْ رَجُلًا يُعْرَفُ بِحُرَيْثِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَاجْتَمَعَ طَائِفَةٌ أُخْرَى بِعَيْنِ التَّمْرِ وَنَوَاحِيهَا فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَوَلَّوْا أَمْرَهُمْ إِنْسَانًا يُسَمَّى عِيسَى بْنَ مُوسَى، وَكَانُوا يَدْعُونَ إِلَى الْمَهْدِيِّ. وَسَارَ عِيسَى إِلَى الْكُوفَةِ، وَنَزَلَ بِظَاهِرِهَا، وَجَبَى الْخَرَاجَ، وَصَرَفَ الْعُمَّالَ عَنِ السَّوَادِ. وَسَارَ حُرَيْثُ بْنُ مَسْعُودٍ إِلَى أَعْمَالِ الْمُوَفَّقِيِّ وَبَنَى بِهَا دَارًا سَمَّاهَا دَارَ الْهِجْرَةِ، وَاسْتَوْلَى عَلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فَكَانُوا يَنْهَبُونَ، وَيَسْبُونَ، وَيَقْتُلُونَ، وَكَانَ يَتَقَلَّدُ الْحَرْبَ بِوَاسِطَ بُنِّيُّ بْنُ نَفِيسٍ، فَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمُوهُ، فَسَيَّرَ الْمُقْتَدِرُ بِاللَّهِ إِلَى حُرَيْثِ بْنِ مَسْعُودٍ وَمَنْ

стр. 3671

مَعَهُ هَارُونَ بْنَ غَرِيبٍ، وَإِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ بِالْكُوفَةِ صَافِيًا الْبَصْرِيَّ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ هَارُونُ، وَأَوْقَعَ صَافِي بِمَنْ سَارَ إِلَيْهِمْ، فَانْهَزَمَتِ الْقَرَامِطَةُ، وَأُسِرَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ، وَقُتِلَ أَكْثَرُ مِمَّنْ أُسِرَ، وَأُخِذَتْ أَعْلَامُهُمْ، وَكَانَتْ بِيضًا، وَعَلَيْهَا مَكْتُوبٌ: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] (فَأُدْخِلَتْ بَغْدَاذَ مَنْكُوسَةً) ، وَاضْمَحَلَّ أَمْرُ مَنْ بِالسَّوَادِ مِنْهُمْ، وَكَفَى اللَّهُ النَّاسَ شَرَّهُمْ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ نَازُوكَ وَهَارُونَ بْنِ غَرِيبٍ وَفِيهَا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ نَازُوكَ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ، وَهَارُونَ بْنِ غَرِيبٍ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ سَاسَةَ دَوَابِّ هَارُونَ بْنِ غَرِيبٍ وَسَاسَةَ نَازُوكَ تَغَايَرُوا عَلَى غُلَامٍ أَمْرَدَ، وَتَضَارَبُوا بِالْعِصِيِّ، فَحَبَسَ نَازُوكُ (سَاسَةَ دَوَابِّ) هَارُونَ، بَعْدَ أَنْ ضَرَبَهُمْ، فَسَارَ أَصْحَابُ هَارُونَ إِلَى مَحْبِسِ الشُّرْطَةِ، وَوَثَبُوا عَلَى نَائِبِ نَازُوكَ بِهِ، وَانْتَزَعُوا أَصْحَابَهُمْ مِنَ الْحَبْسِ، فَرَكِبَ نَازُوكُ، وَشَكَا إِلَى الْمُقْتَدِرِ، فَقَالَ: كِلَاكُمَا عَزِيزٌ عَلَيَّ، وَلَسْتُ أَدْخُلُ بَيْنَكُمَا، فَعَادَ وَجَمَعَ رِجَالَهُ، وَجَمَعَ هَارُونُ رِجَالَهُ، وَزَحَفَ أَصْحَابُ نَازُوكَ إِلَى دَارِ هَارُونَ، فَأَغْلَقَ بَابَهُ، وَبَقِيَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ خَارِجَ الدَّارِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ أَصْحَابُ نَازُوكَ، وَجَرَحُوا، فَفَتَحَ هَارُونُ الْبَابَ، وَخَرَجَ أَصْحَابُهُ، فَوَضَعُوا السِّلَاحَ فِي أَصْحَابِ نَازُوكَ، (فَقَتَلُوا مِنْهُمْ، وَجَرَحُوا، وَاشْتَبَكَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، فَكَفَّ نَازُوكُ أَصْحَابَهُ. وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِمَا يُنْكِرُ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ، فَكَفَّا، وَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ، وَاسْتَوْحَشَ نَازُوكُ) ، وَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى تَغَيُّرِ الْمُقْتَدِرِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَيْهِ هَارُونُ وَصَالَحَهُ، وَخَرَجَ

стр. 3672

بِأَصْحَابِهِ، وَنَزَلَ بِالْبُسْتَانِ النَّجْمِيِّ لِيَبْعُدَ عَنْ نَازُوكَ، فَأَكْثَرَ النَّاسُ الْأَرَاجِيفَ، وَقَالُوا: قَدْ صَارَ هَارُونُ أَمِيرَ الْأُمَرَاءِ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ مُؤْنِسٍ، وَكَتَبُوا إِلَيْهِ بِذَلِكَ، وَهُوَ بِالرَّقَّةِ، فَأَسْرَعَ الْعَوْدَ إِلَى بَغْدَاذَ، (فَنَزَلَ بِالشَّمَّاسِيَّةِ فِي أَعْلَى بَغْدَاذَ) ، وَلَمْ يَلْقَ الْمُقْتَدِرَ، فَصَعِدَ إِلَيْهِ الْأَمِيرُ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْمُقْتَدِرِ، وَالْوَزِيرُ ابْنُ مُقْلَةَ، فَأَبْلَغَاهُ سَلَامَ الْمُقْتَدِرِ وَاسْتِيحَاشَهُ لَهُ، وَعَادَ فَاسْتَشْعَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُقْتَدِرِ وَمُؤْنِسٍ مِنْ صَاحِبِهِ، وَأَحْضَرَ الْمُقْتَدِرُ هَارُونَ بْنَ غَرِيبٍ، وَهُوَ ابْنُ خَالِهِ، فَجَعَلَهُ مَعَهُ فِي دَارِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ مُؤْنِسٌ بِذَلِكَ ازْدَادَ نُفُورًا وَاسْتِيحَاشًا، وَأَقْبَلَ أَبُو الْهَيْجَاءِ بْنُ حَمْدَانَ مِنْ بِلَادِ الْجَبَلِ، فَنَزَلَ عِنْدَ مُؤْنِسٍ (وَمَعَهُ عَسْكَرٌ كَبِيرٌ، وَصَارَتِ الْمُرَاسَلَاتُ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ وَمُؤْنِسٍ) تَتَرَدَّدُ، وَالْأُمَرَاءُ يَخْرُجُونَ إِلَى مُؤْنِسٍ، وَانْقَضَتِ السَّنَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. ذِكْرُ قَتْلِ الْحَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ الدَّاعِي فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ الْحَسَنُ بْنُ الْقَاسِمِ الدَّاعِي الْعَلَوِيُّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اسْتِيلَاءَ أَسْفَارِ بْنِ شِيرُوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ عَلَى طَبَرِسْتَانَ، وَمَعَهُ مَرْدَاوِيجُ، فَلَمَّا اسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا كَانَ الْحَسَنُ بْنُ الْقَاسِمِ بِالرَّيِّ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَأَخْرَجَ مِنْهَا أَصْحَابَ السَّعِيدِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى قَزْوِينَ، وَزَنْجَانَ، وَأَبْهَرَ، وَقُمَّ، وَكَانَ مَعَهُ مَاكَانُ بْنُ كَالِي الدَّيْلَمِيُّ، فَسَارَ نَحْوَ طَبَرِسْتَانَ، وَالْتَقَوْا هُمْ وَأَسْفَارٌ عِنْدَ سَارِيَةَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الْحَسَنُ (وَمَاكَانُ بْنُ كَالِي فَلُحِقَ الْحَسَنُ فَقُتِلَ، وَكَانَ انْهِزَامُ مُعْظَمِ أَصْحَابِ الْحَسَنِ عَلَى تَعَمُّدٍ) مِنْهُمْ لِلْهَزِيمَةِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِالِاسْتِقَامَةِ، وَمَنَعَهُمْ عَنْ ظُلْمِ الرَّعِيَّةِ، وَشُرْبِ

стр. 3673

الْخُمُورِ، وَكَانُوا يُبْغِضُونَهُ لِذَلِكَ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَسْتَقْدِمُوا هَرُوسِنْدَانَ وَهُوَ أَحَدُ رُؤَسَاءِ الْجِيلِ، وَكَانَ خَالَ مَرْدَاوِيجَ وَوَشْمَكِيرَ، لِيُقَدِّمُوهُ عَلَيْهِمْ، وَيَقْبِضُوا عَلَى الْحَسَنِ الدَّاعِي، وَيُنَصِّبُوا أَبَا الْحَسَنِ بْنَ الْأُطْرُوشِ، وَيَخْطُبُوا لَهُ. وَكَانَ هَرُوسِنْدَانُ مَعَ أَحْمَدَ الطَّوِيلِ بِالدَّامِغَانِ بَعْدَ مَوْتِ صُعْلُوكٍ، فَوَقَفَ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى الْحَسَنِ الدَّاعِي يُعْلِمُهُ، فَأَخَذَ حِذْرَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ هَرُوسِنْدَانُ لَقِيَهُ مَعَ الْقُوَّادِ، وَأَخَذَهُمْ إِلَى قَصْرِهِ بِجُرْجَانَ لِيَأْكُلُوا طَعَامًا، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى مَا عَزَمُوا عَلَيْهِ، وَكَانَ قَدْ وَافَقَ خَوَاصَّ أَصْحَابِهِ عَلَى قَتْلِهِمْ، وَأَمَرَهُمْ بِمَنْعِ أَصْحَابِ أُولَئِكَ الْقُوَّادِ مِنَ الدُّخُولِ، فَلَمَّا دَخَلُوا دَارَهُ قَابَلَهُمْ عَلَى مَا يُرِيدُونَ [أَنْ] يَفْعَلُوهُ، وَمَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ الَّتِي أَحَلَّتْ لَهُ دِمَاءَهُمْ، ثُمَّ أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُمُ الَّذِينَ بِبَابِهِ بِقَتْلِهِمْ، وَأَمْرَهُمْ بِنَهْبِ أَمْوَالِهِمْ، فَاشْتَغَلُوا بِالنَّهْبِ، وَتَرَكُوا أَصْحَابَهُمْ، وَعَظُمَ قَتْلُهُمْ عَلَى أَقْرِبَائِهِمْ وَنَفَرُوا عَنْهُ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ تَخَلَّوْا عَنْهُ حَتَّى قُتِلَ. وَلَمَّا قُتِلَ اسْتَوْلَى أَسْفَارٌ عَلَى بِلَادِ طَبَرِسْتَانَ، وَالرَّيِّ، وَجُرْجَانَ، وَقَزْوِينَ، وَزَنْجَانَ، وَأَبْهَرَ، وَقُمَّ، وَالْكَرْخِ، وَدَعَا لِصَاحِبِ خُرَاسَانَ، وَهُوَ السَّعِيدُ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ، وَأَقَامَ بِسَارِيَةَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى آمُلَ هَارُونَ بْنَ بَهْرَامَ، وَكَانَ هَارُونُ يَحْتَاجُ أَنْ يَخْطُبَ فِيهَا لِأَبِي جَعْفَرٍ الْعَلَوِيِّ، وَخَافَ أَسْفَارٌ نَاحِيَةَ أَبِي جَعْفَرٍ أَنْ يُجَدِّدَ لَهُ فِتْنَةً وَحَرْبًا، فَاسْتَدْعَى هَارُونَ إِلَيْهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ إِلَى أَحَدِ أَعْيَانِ آمُلَ، وَيُحْضِرَ عُرْسَهُ أَبَا جَعْفَرٍ وَغَيْرَهُ مِنْ رُؤَسَاءِ الْعَلَوِيِّينَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ ذَكَرَهُ أَسْفَارٌ، ثُمَّ سَارَ أَسْفَارٌ مِنْ سَارِيَةَ مُجِدًّا فَوَافَى آمُلَ وَقْتَ الْمَوْعِدِ، وَهَجَمَ [عَلَى] دَارِ

стр. 3674

هَارُونَ (عَلَى حِينِ) غَفْلَةٍ، وَقَبَضَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَعْيَانِ الْعَلَوِيِّينَ، وَحَمَلَهُمْ إِلَى بُخَارَى، فَاعْتُقِلُوا بِهَا إِلَى أَنْ خَلَصُوا أَيَّامَ فِتْنَةِ أَبِي زَكَرِيَّاءَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. وَلَمَّا فَرَغَ أَسْفَارٌ مِنْ أَمْرِ طَبَرِسْتَانَ سَارَ إِلَى الرَّيِّ، وَبِهَا مَاكَانُ بْنُ كَالِي، فَأَخَذَهَا مِنْهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَسَارَ مَاكَانُ إِلَى طَبَرِسْتَانَ، فَأَقَامَ هُنَاكَ. وَأَحَبَّ أَسْفَارٌ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَى قَلْعَةِ أَلَمُوتَ، وَهِيَ قَلْعَةٌ عَلَى جَبَلٍ شَاهِقٍ مِنْ حُدُودِ الدَّيْلَمِ، وَكَانَتْ لِسِيَاهْ جَشْمَ بْنِ مَالِكٍ الدَّيْلَمِيِّ، وَمَعْنَاهُ الْأَسْوَدُ الْعَيْنِ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى إِحْدَى عَيْنَيْهِ شَامَةٌ سَوْدَاءُ، فَرَاسَلَهُ أَسْفَارٌ وَهَنَّأَهُ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ عِيَالَهُ فِي قَلْعَةِ أَلَمُوتَ، وَوَلَّاهُ قَزْوِينَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَنَقَلَهُمْ إِلَيْهَا، ثُمَّ كَانَ يُرْسِلُ إِلَيْهِمْ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا حَصَلَ فِيهَا مِائَةُ رَجُلٍ اسْتَدْعَاهُ مِنْ قَزْوِينَ، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ قَبَضَ عَلَيْهِ، وَقَتَلَهُ بَعْدَ أَيَّامٍ. وَكَانَ أَسْفَارٌ لَمَّا اجْتَازَ بِسُمْنَانَ اسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ ابْنُ أَمِيرٍ كَانَ صَاحِبَ جَبَلِ دَنْبَاوَنْدَ، وَامْتَنَعَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ السُّمَّانِيُّ مِنَ النُّزُولِ إِلَيْهِ، وَامْتَنَعَ بِحِصْنٍ بِقَرْيَةِ رَأْسِ الْكَلْبِ، فَحَقَدَهَا عَلَيْهِ أَسْفَارٌ، فَلَمَّا اسْتَوْلَى عَلَى الرَّيِّ أَنْفَذَ إِلَيْهِ جَيْشًا يَحْصُرُونَهُ، وَعَلَيْهِمْ إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ (الدَّيْلَمِيُّ، فَحَصَرُوهُ) ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْوُصُولُ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ مَنْ يُشِيرُ عَلَيْهِ بِمُصَالَحَتِهِ فَفَعَلَ، وَأَجَابَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ وَضَعَ عَلَيْهِ مَنْ يُحَسِّنُ لَهُ أَنْ يُضِيفَ عَبْدَ الْمَلِكِ، فَأَضَافَهُ، فَحَضَرَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ شُجْعَانِ أَصْحَابِهِ، فَتَرَكَهُمْ تَحْتَ الْحِصْنِ، وَصَعِدَ وَحْدَهُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَتَحَادَثَا سَاعَةً، ثُمَّ اسْتَخْلَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ لِيُشِيرَ إِلَيْهِ شَيْئًا فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمَا

стр. 3675

أَحَدٌ غَيْرَ غُلَامٍ صَغِيرٍ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ مُنَقْرَسًا زَمِنًا، وَأَخْرَجَ حَبْلَ إِبْرَيْسَمَ كَانَ قَدْ أَعَدَّهُ فَشَدَّهُ فِي نَافِذَةٍ فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ وَنَزَلَ وَتَخَلَّصَ. وَاسْتَغَاثَ ذَلِكَ الْغُلَامُ، فَجَاءَ أَصْحَابُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَكَسَرُوا الْبَابَ، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَدْ أَغْلَقَهُ، فَلَمَّا دَخَلُوا رَأَوْهُ مَقْتُولًا، فَقَتَلُوا بِهِ كُلَّ مَنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الدَّيْلَمِ، وَحَفِظُوا نُفُوسَهُمْ. وَعَظُمَتْ جُيُوشُ أَسْفَارٍ وَجَلَّ قَدْرُهُ، فَتَجَبَّرَ وَعَصَى عَلَى الْأَمِيرِ السَّعِيدِ، صَاحِبِ خُرَاسَانَ، وَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجًا وَيَنْصِبَ بِالرَّيِّ سَرِيرَ ذَهَبٍ لِلسَّلْطَنَةِ، وَيُحَارِبَ الْخَلِيفَةَ، وَصَاحِبَ خُرَاسَانَ، فَسَيَّرَ الْمُقْتَدِرُ إِلَيْهِ هَارُونَ بْنَ غَرِيبٍ فِي عَسْكَرٍ نَحْوَ قَزْوِينَ، فَحَارَبَهُ أَصْحَابُ أَسْفَارٍ بِهَا، فَانْهَزَمَ هَارُونُ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِبَابِ قَزْوِينَ، وَكَانَ أَهْلُ قَزْوِينَ قَدْ سَاعَدُوا أَصْحَابَ هَارُونَ، فَحَقَدَهَا عَلَيْهِمْ أَسْفَارٌ. ثُمَّ إِنَّ الْأَمِيرَ السَّعِيدَ، صَاحِبَ خُرَاسَانَ، سَارَ مِنْ بُخَارَى قَاصِدًا نَحْوَ أَسْفَارٍ لِيَأْخُذَ بِلَادَهُ، فَبَلَغَ نَيْسَابُورَ، فَجَمَعَ أَسْفَارٌ عَسْكَرَهُ وَأَشَارَ عَلَى أَسْفَارٍ وَزِيرُهُ مُطَرِّفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُرْجَانِيُّ بِمُرَاسَلَةِ صَاحِبِ خُرَاسَانَ، وَالدُّخُولِ فِي طَاعَتِهِ وَبَذْلِ الْمَالِ لَهُ، فَإِنْ أَجَابَ، وَإِلَّا فَالْحَرْبُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَكَانَ فِي عَسْكَرِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَتْرَاكِ صَاحِبِ خُرَاسَانَ قَدْ سَارُوا مَعَهُ فَخَوَّفَهُ وَزِيرُهُ مِنْهُمْ، فَرَجَعَ إِلَى رَأْيِهِ وَرَاسَلَهُ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَعَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَيْهِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ أَنْ يَقْبَلَ الْأَمْوَالَ، وَإِقَامَةَ الْخُطْبَةِ لَهُ وَخَوَّفُوهُ الْحَرْبَ وَأَنَّهُ لَا يَدْرِي لِمَنِ النَّصْرُ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْلِهِمْ، وَأَجَابَ أَسْفَارٌ إِلَى مَا طَلَبَ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ شُرُوطًا مِنْ حَمْلِ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَاتَّفَقَا فَشَرَعَ أَسْفَارٌ بَعْدَ إِتْمَامِ الصُّلْحِ، وَقَسَّطَ عَلَى الرَّيِّ وَأَعْمَالِهَا، عَلَى كُلِّ رَجُلٍ دِينَارًا، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ أَمْ مِنَ الْمُجْتَازِينَ، فَحَصَلَ لَهُ مَالٌ عَظِيمٌ أَرْضَى صَاحِبَ خُرَاسَانَ بِبَعْضِهِ، وَرَجَعَ عَنْهُ.

стр. 3676

فَعَظُمَ أَمْرُ أَسْفَارٍ خِلَافَ مَا كَانَ، وَزَادَ تَجَبُّرُهُ، وَقَصَدَ قَزْوِينَ لِمَا فِي نَفْسِهِ عَلَى أَهْلِهَا، فَأَوْقَعَ بِهِمْ وَقْعَةً عَظِيمَةً أَخَذَ فِيهَا أَمْوَالَهُمْ، وَعَذَّبَهُمْ، وَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْهُمْ، وَعَسَّفَهُمْ عَسْفًا شَدِيدًا، وَسَلَّطَ الدَّيْلَمَ عَلَيْهِمْ، فَضَاقَتِ الْأَرْضُ عَلَيْهِمْ، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ، وَسَمِعَ مُؤَذِّنَ الْجَامِعِ يُؤَذِّنُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُلْقِيَ مِنَ الْمَنَارَةِ إِلَى الْأَرْضِ، فَاسْتَغَاثَ النَّاسُ مِنْ شَرِّهِ وَظُلْمِهِ، وَخَرَجَ أَهْلُ قَزْوِينَ إِلَى الصَّحْرَاءِ: الرِّجَالُ، وَالنِّسَاءُ، وَالْوَلَدَانُ يَتَضَرَّعُونَ وَيَدْعُونَ عَلَيْهِ وَيَسْأَلُونَ اللَّهَ كَشْفَ مَا هُمْ فِيهِ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَضَحِكَ مِنْهُمْ، وَشَتَمَهُمُ اسْتِهْزَاءً بِالدُّعَاءِ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ انْهَزَمَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. ذِكْرُ قَتْلِ أَسْفَارٍ كَانَ فِي أَصْحَابِ أَسْفَارٍ قَائِدٌ مِنْ أَكْبَرِ قُوَّادِهِ يُقَالُ لَهُ مَرْدَاوِيجُ بْنُ زَيَّارٍ الدَّيْلَمِيُّ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى سَلَارَ صَاحِبِ شَمِيرَانَ الطِّرْمِ يَدْعُوهُ إِلَى طَاعَتِهِ، وَسَلَارُ هَذَا هُوَ الَّذِي صَارَ وَلَدُهُ فِيمَا بَعْدُ صَاحِبَ أَذْرَبِيجَانَ وَغَيْرِهَا، فَلَمَّا وَصَلَ مَرْدَاوِيجُ إِلَيْهِ تَشَاكَيَا مَا كَانَ النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْجُهْدِ وَالْبَلَاءِ، فَتَحَالَفَا، وَتَعَاقَدَا عَلَى قَصْدِهِ، وَالتَّسَاعُدِ عَلَى حَرْبِهِ. وَكَانَ أَسْفَارٌ قَدْ وَصَلَ إِلَى قَزْوِينَ، وَهُوَ يَنْتَظِرُ وَصُولَ مَرْدَاوِيجَ بِجَوَابِهِ، فَكَتَبَ مَرْدَاوِيجُ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْقُوَّادِ يَثِقُ بِهِمْ يُعَرِّفُهُمْ مَا اتَّفَقَ هُوَ وَسَلَارُ عَلَيْهِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَكَانَ الْجُنْدُ قَدْ سَئِمُوا أَسْفَارًا لِسُوءِ سِيرَتِهِ، وَظُلْمِهِ، وَجَوْرِهِ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ أَجَابَ إِلَى مُسَاعَدَةِ مَرْدَاوِيجَ مُطَرِّفُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَزِيرُ أَسْفَارٍ، وَسَارَ مَرْدَاوِيجُ وَسَلَارُ نَحْوَ أَسْفَارٍ، وَبَلَغَهُ الْخَبَرُ، وَأَنَّ أَصْحَابَهُ قَدْ بَايَعُوا مَرْدَاوِيجَ، فَأَحَسَّ بِالشَّرِّ، وَكَانَ ذَلِكَ عَقِيبَ حَادِثَتِهِ مَعَ أَهْلِ قَزْوِينَ وَدُعَائِهِمْ، وَثَارَ الْجُنْدُ بِأَسْفَارٍ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ غِلْمَانِهِ وَوَرَدَ الرَّيَّ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالٍ كَانَ (عِنْدَ

стр. 3677

نَائِبِهِ) بِهَا شَيْئًا، فَلَمْ يُعْطِهِ غَيْرَ خَمْسَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ أَمِيرٌ وَلَا يُعْوِزُكَ مَالٌ، فَتَرَكَهُ وَانْصَرَفَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَأَقَامَ بِنَاحِيَةِ بَيْهَقَ. وَأَمَّا مَرْدَاوِيجُ فَإِنَّهُ عَادَ مِنْ قَزْوِينَ نَحْوَ الرَّيِّ، وَكَتَبَ إِلَى مَاكَانَ بْنِ كَالِي، وَهُوَ بِطَبَرِسْتَانَ، يَسْتَدْعِيهِ لِيَتَسَاعَدَا وَيَتَعَاضَدَا، فَسَرَى مَاكَانُ بْنُ كَالِي إِلَى أَسْفَارٍ، وَكَانَ قَدْ عَسَفَ أَهْلَ النَّاحِيَةِ الَّتِي هُوَ بِهَا، فَلَمَّا أَحَسَّ بِمَاكَانَ سَارَ إِلَى بُسْتَ، وَرَكِبَ الْمَفَازَةَ نَحْوَ الرَّيِّ لِيَقْصِدَ قَلْعَةَ أَلَمُوتَ الَّتِي بِهَا أَهْلُهُ وَأَمْوَالُهُ، فَانْقَطَعَ عَنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، وَقَصَدَ مَرْدَاوِيجَ فَأَعْلَمَهُ خَبَرَهُ، فَخَرَجَ مَرْدَاوِيجُ مِنْ سَاعَتِهِ فِي أَثَرِهِ، وَقَدَّمَ بَعْضَ قُوَّادِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَحِقَهُ ذَلِكَ الْقَائِدُ وَقَدْ نَزَلَ يَسْتَرِيحُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْإِمْرَةِ، فَقَالَ لَهُ أَسْفَارٌ: لَعَلَّكُمُ اتَّصَلَ بِكُمْ خَبَرِي وَبُعِثْتَ فِي طَلَبِي؟ (قَالَ: نَعَمْ) ! فَبَكَى أَصْحَابُهُ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ أَسْفَارٌ ذَلِكَ، وَقَالَ: بِمِثْلِ هَذِهِ الْقُلُوبِ تَتَجَنَّدُونَ! أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ الْوِلَايَاتِ مَقْرُونَةٌ بِالْبَلِيَّاتِ؟ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ذَلِكَ الْقَائِدِ وَهُوَ يَضْحَكُ، وَسَأَلَهُ عَنْ قُوَّادِهِ الَّذِينَ أَسْلَمُوهُ وَخَذَلُوهُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْدَاوِيجَ قَتَلَهُمْ، فَتَهَلَّلَ وَجْهُهُ وَقَالَ: كَانَتْ حَيَاةُ هَؤُلَاءِ غُصَّةً فِي حَلْقِي، وَقَدْ طَابَتِ الْآنَ نَفْسِي، فَامْضِ فِي مَا أُمِرْتَ بِهِ، وَظَنَّ أَنَّهُ أُمِرَ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ: مَا أُمِرْتُ فِيكَ بِسُوءٍ، وَحَمَلَهُ إِلَى مَرْدَاوِيجَ، فَسَلَّمَهُ إِلَى جَمَاعَةِ أَصْحَابِهِ لِيَحْمِلَهُ إِلَى الرَّيِّ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِنَّ أَكْثَرَ (مَنْ مَعَكَ) كَانُوا أَصْحَابَ هَذَا، فَانْحَرَفُوا عَنْهُ إِلَيْكَ، (وَقَدْ

стр. 3678

أَوْحَشْتَ أَكْثَرَهُمْ بِقَتْلِ قُوَّادِهِمْ) فَمَا يُؤَمِّنُكَ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَيْهِ غَدًا وَيَقْبِضُوا عَلَيْكَ؟ فَحِينَئِذٍ أَمَرَ بِقَتْلِهِ وَانْصَرَفَ إِلَى الرَّيِّ. وَقِيلَ فِي قَتْلِهِ: إِنَّهُ لَمَّا عَادَ نَحْوَ قَلْعَةِ أَلَمُوتَ نَزَلَ فِي وَادٍ هُنَاكَ يَسْتَرِيحُ، فَاتَّفَقَ أَنَّ مَرْدَاوِيجَ خَرَجَ يَتَصَيَّدُ، وَيَسْأَلُ عَنْ أَخْبَارِهِ، فَرَأَى خَيْلًا يَسِيرَةً فِي وَادٍ هُنَاكَ، فَأَرْسَلَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ لِيَأْخُذَ خَبَرَهَا، فَرَأَوْا أَسْفَارَ بْنَ شِيرُوَيْهِ فِي عِدَّةٍ يَسِيرَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، يُرِيدُ الْحِصْنَ لِيَأْخُذَ مَا لَهُ فِيهِ وَيَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى جَمْعِ الْجُيُوشِ، وَيَعُودَ إِلَى مُحَارَبَةِ مَرْدَاوِيجَ، فَأَخَذُوهُ وَمَنْ مَعَهُ، وَحَمَلُوهُ إِلَى مَرْدَاوِيجَ، فَلَمَّا رَآهُ نَزَلَ إِلَيْهِ فَذَبَحَهُ. وَاسْتَقَرَّ أَمْرُ مَرْدَاوِيجَ فِي الْبِلَادِ، وَعَادَ إِلَى قَزْوِينَ بَعْدَ قَتْلِ أَسْفَارٍ، فَأَحْسَنَ إِلَى أَهْلِهَا، وَوَعَدَهُمُ الْجَمِيلَ. وَقِيلَ: بَلْ دَخَلَ أَسْفَارٌ إِلَى رَحًى، وَقَدْ نَالَ مِنْهُ الْجُوعُ، فَطَلَبَ مِنَ الطَّحَّانِ شَيْئًا يَأْكُلُهُ، فَقَدَّمَ لَهُ خُبْزًا وَلَبَنًا، فَأَكَلَ مِنْهُ هُوَ وَغُلَامٌ لَهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَأَقْبَلَ مَرْدَاوِيجُ إِلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فَأَشْرَفَ عَلَى الرَّحَى فَرَأَى حَوَافِرَ الدَّوَابِّ، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ دَخَلَ فَارِسَانِ إِلَى هَذِهِ الرَّحَى، فَكَبَسَ مَرْدَاوِيجُ الرَّحَى، فَرَآهُ وَقَتَلَهُ. ذِكْرُ مُلْكِ مَرْدَاوِيجَ وَلَمَّا انْهَزَمَ أَسْفَارٌ مِنْ مَرْدَاوِيجَ ابْتَدَأَ فِي مِلْكِ الْبِلَادِ ثُمَّ إِنَّهُ ظَفِرَ بِأَسْفَارٍ فَقَتَلَهُ فَتَمَكَّنَ مُلْكُهُ وَثَبَتَ، وَتَنَقَّلَ فِي الْبِلَادِ يَمْلِكُهَا مَدِينَةً مَدِينَةً، وَوِلَايَةً وِلَايَةً، فَمَلَكَ قَزْوِينَ، وَوَعَدَهُمُ الْجَمِيلَ فَأَحَبُّوهُ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الرَّيِّ فَمَلَكَهَا، وَمَلَكَ هَمَذَانَ، وَكَنْكُورَ، وَالدِّينَوَرَ، وَبُرُوجَرْدَ، وَقُمَّ، وَقَاشَانَ، وَأَصْبَهَانَ، وَجَرْبَاذَقَانَ وَغَيْرَهَا.

стр. 3679

ثُمَّ إِنَّهُ أَسَاءَ السِّيرَةَ فِي أَهْلِ أَصْبَهَانَ خَاصَّةً، وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ، وَهَتَكَ الْمَحَارِمَ، وَطَغَى، وَعَمِلَ لَهُ سَرِيرًا مِنْ ذَهَبٍ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، وَسَرِيرًا مِنْ فِضَّةٍ يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَكَابِرُ قُوَّادِهِ، وَإِذَا جَلَسَ عَلَى السَّرِيرِ يَقِفُ عَسْكَرُهُ صُفُوفًا بِالْبُعْدِ مِنْهُ، وَلَا يُخَاطِبُهُ أَحَدٌ إِلَّا الْحُجَّابَ الَّذِينَ رَتَّبَهُمْ لِذَلِكَ، وَخَافَهُ النَّاسُ خَوْفًا شَدِيدًا. ذِكْرُ مُلْكِ مَرْدَاوِيجَ طَبَرِسْتَانَ قَدْ ذَكَرْنَا اتِّفَاقَ مَاكَانَ بْنِ كَالِي مَعَ مَرْدَاوِيجَ، وَمُسَاعَدَتَهُ عَلَى أَسْفَارٍ فَلَمَّا اسْتَقَرَّ مُلْكُ مَرْدَاوِيجَ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ، وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُ وَعَسَاكِرُهُ، طَمِعَ فِي جُرْجَانَ، وَطَبَرِسْتَانَ، وَكَانَتَا مَعَ مَاكَانَ بْنِ كَالِي، فَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ إِلَى طَبَرِسْتَانَ، فَثَبَتَ لَهُ مَاكَانُ، فَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهِ مَرْدَاوِيجُ، وَاسْتَوْلَى عَلَى طَبَرِسْتَانَ وَرَتَّبَ فِيهَا بَلْقَاسِمَ بْنَ بَانِجِينَ، وَهُوَ اسْفِهْسِلَارُ عَسْكَرِهِ، وَكَانَ حَازِمًا شُجَاعًا، جَيِّدَ الرَّأْيِ. ثُمَّ سَارَ مَرْدَاوِيجُ نَحْوَ جُرْجَانَ، وَكَانَ بِهَا مِنْ قِبَلِ مَاكَانَ شِيرْزِيلُ بْنُ سَلَارَ، وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ تُرْكِيِّ، فَهَرَبَا مِنْ مَرْدَاوِيجَ، وَمَلَكَهَا مَرْدَاوِيجُ وَرَتَّبَ فِيهَا سُرْخَابَ بْنَ بَاوِسَ، خَالَ وَلَدِ بَلْقَاسِمِ بْنِ بَانْجِينَ، خَلِيفَةً عَنْ بَلْقَاسِمِ فَجَمَعَ بَلْقَاسِمُ جُرْجَانَ، وَطَبَرِسْتَانَ، وَعَادَ مَرْدَاوِيجُ إِلَى أَصْبَهَانَ ظَافِرًا غَانِمًا. وَسَارَ مَاكَانُ إِلَى الدَّيْلَمِ وَاسْتَنْجَدَ أَبَا الْفَضْلِ الثَّائِرَ بِهَا، فَأَكْرَمَهُ، وَسَارَ مَعَهُ إِلَى طَبَرِسْتَانَ فَلَقِيَهُمَا بَلْقَاسِمُ، وَتَحَارَبُوا، فَانْهَزَمَ مَاكَانُ، (وَالثَّائِرُ، فَأَمَّا الثَّائِرُ فَقَصَدَ الدَّيْلَمَ،

стр. 3680

وَأَمَّا مَاكَانُ) فَسَارَ إِلَى نَيْسَابُورَ، فَدَخَلَ فِي طَاعَةِ السَّعِيدِ نَصْرٍ، وَاسْتَنْجَدَهُ، فَأَمَدَّهُ بِأَكْثَرِ جَيْشِهِ، وَبَالَغَ فِي تَقْوِيَتِهِ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ مَاكَانُ وَأَبُو عَلِيٍّ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ أَبُو عَلِيٍّ وَمَاكَانُ وَعَادَا إِلَى نَيْسَابُورَ، ثُمَّ عَادَ مَاكَانُ بْنُ كَالِي إِلَى الدَّامِغَانِ لِيَتَمَلَّكَهَا، فَسَارَ نَحْوَهُ بَلْقَاسِمُ، (فَصَدَّهُ عَنْهَا) ، فَعَادَ إِلَى خُرَاسَانَ. وَسَنَذْكُرُ بَاقِي أَخْبَارِ مَاكَانَ فِيمَا بَعْدُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِيهَا كَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِ أَبِي يَزِيدَ الْخَارِجِيِّ بِالْمَغْرِبِ، وَسَنَذْكُرُ أَمْرَهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ مُسْتَقْصًى. وَفِيهَا ظَهَرَ بِسِجِسْتَانَ خَارِجِيٌّ، وَسَارَ فِي جَمْعٍ إِلَى بِلَادِ فَارِسَ يُرِيدُ التَّغَلُّبَ عَلَيْهَا، فَقَتَلَهُ أَصْحَابُهُ قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَيْهَا، وَتَفَرَّقُوا. وَفِيهَا صُرِفَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الْعُشُورِيُّ عَنْ حَجْبَةِ الْخَلِيفَةِ وَقُلِّدُهَا يَاقُوتٌ، وَكَانَ يَتَوَلَّى بِفَارِسَ، وَهُوَ بِهَا، فَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْحَجْبَةِ ابْنَهُ أَبَا الْفَتْحِ الْمُظَفَّرَ. وَفِيهَا وَصَلَ الدُّمُسْتُقُ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ مِنَ الرُّومِ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ، فَحَصَرُوا خِلَاطَ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا، (وَرَحَلَ عَنْهُمْ بَعْدَ أَنْ) أَخْرَجَ الْمِنْبَرَ مِنَ الْجَامِعِ وَجَعَلَ مَكَانَهُ صَلِيبًا، (وَفَعَلَ بِبِدْلِيسَ) كَذَلِكَ، وَخَافَهُ أَهْلُ أَرْزَنَ وَغَيْرُهُمْ، فَفَارَقُوا بِلَادَهُمْ، (وَانْحَدَرَ أَعْيَانُهُمْ إِلَى بَغْدَاذَ) ، وَاسْتَغَاثُوا إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَلَمْ يُغَاثُوا.
следующие страницы →