Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
فَعَظُمَ أَمْرُ أَسْفَارٍ خِلَافَ مَا كَانَ، وَزَادَ تَجَبُّرُهُ، وَقَصَدَ قَزْوِينَ لِمَا فِي نَفْسِهِ عَلَى أَهْلِهَا، فَأَوْقَعَ بِهِمْ وَقْعَةً عَظِيمَةً أَخَذَ فِيهَا أَمْوَالَهُمْ، وَعَذَّبَهُمْ، وَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْهُمْ، وَعَسَّفَهُمْ عَسْفًا شَدِيدًا، وَسَلَّطَ الدَّيْلَمَ عَلَيْهِمْ، فَضَاقَتِ الْأَرْضُ عَلَيْهِمْ، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ، وَسَمِعَ مُؤَذِّنَ الْجَامِعِ يُؤَذِّنُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُلْقِيَ مِنَ الْمَنَارَةِ إِلَى الْأَرْضِ، فَاسْتَغَاثَ النَّاسُ مِنْ شَرِّهِ وَظُلْمِهِ، وَخَرَجَ أَهْلُ قَزْوِينَ إِلَى الصَّحْرَاءِ: الرِّجَالُ، وَالنِّسَاءُ، وَالْوَلَدَانُ يَتَضَرَّعُونَ وَيَدْعُونَ عَلَيْهِ وَيَسْأَلُونَ اللَّهَ كَشْفَ مَا هُمْ فِيهِ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَضَحِكَ مِنْهُمْ، وَشَتَمَهُمُ اسْتِهْزَاءً بِالدُّعَاءِ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ انْهَزَمَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
ذِكْرُ قَتْلِ أَسْفَارٍ
كَانَ فِي أَصْحَابِ أَسْفَارٍ قَائِدٌ مِنْ أَكْبَرِ قُوَّادِهِ يُقَالُ لَهُ مَرْدَاوِيجُ بْنُ زَيَّارٍ الدَّيْلَمِيُّ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى سَلَارَ صَاحِبِ شَمِيرَانَ الطِّرْمِ يَدْعُوهُ إِلَى طَاعَتِهِ، وَسَلَارُ هَذَا هُوَ الَّذِي صَارَ وَلَدُهُ فِيمَا بَعْدُ صَاحِبَ أَذْرَبِيجَانَ وَغَيْرِهَا، فَلَمَّا وَصَلَ مَرْدَاوِيجُ إِلَيْهِ تَشَاكَيَا مَا كَانَ النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْجُهْدِ وَالْبَلَاءِ، فَتَحَالَفَا، وَتَعَاقَدَا عَلَى قَصْدِهِ، وَالتَّسَاعُدِ عَلَى حَرْبِهِ.
وَكَانَ أَسْفَارٌ قَدْ وَصَلَ إِلَى قَزْوِينَ، وَهُوَ يَنْتَظِرُ وَصُولَ مَرْدَاوِيجَ بِجَوَابِهِ، فَكَتَبَ مَرْدَاوِيجُ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْقُوَّادِ يَثِقُ بِهِمْ يُعَرِّفُهُمْ مَا اتَّفَقَ هُوَ وَسَلَارُ عَلَيْهِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَكَانَ الْجُنْدُ قَدْ سَئِمُوا أَسْفَارًا لِسُوءِ سِيرَتِهِ، وَظُلْمِهِ، وَجَوْرِهِ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ أَجَابَ إِلَى مُسَاعَدَةِ مَرْدَاوِيجَ مُطَرِّفُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَزِيرُ أَسْفَارٍ، وَسَارَ مَرْدَاوِيجُ وَسَلَارُ نَحْوَ أَسْفَارٍ، وَبَلَغَهُ الْخَبَرُ، وَأَنَّ أَصْحَابَهُ قَدْ بَايَعُوا مَرْدَاوِيجَ، فَأَحَسَّ بِالشَّرِّ، وَكَانَ ذَلِكَ عَقِيبَ حَادِثَتِهِ مَعَ أَهْلِ قَزْوِينَ وَدُعَائِهِمْ، وَثَارَ الْجُنْدُ بِأَسْفَارٍ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ غِلْمَانِهِ وَوَرَدَ الرَّيَّ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالٍ كَانَ (عِنْدَ
стр. 3677
نَائِبِهِ) بِهَا شَيْئًا، فَلَمْ يُعْطِهِ غَيْرَ خَمْسَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ أَمِيرٌ وَلَا يُعْوِزُكَ مَالٌ، فَتَرَكَهُ وَانْصَرَفَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَأَقَامَ بِنَاحِيَةِ بَيْهَقَ.
وَأَمَّا مَرْدَاوِيجُ فَإِنَّهُ عَادَ مِنْ قَزْوِينَ نَحْوَ الرَّيِّ، وَكَتَبَ إِلَى مَاكَانَ بْنِ كَالِي، وَهُوَ بِطَبَرِسْتَانَ، يَسْتَدْعِيهِ لِيَتَسَاعَدَا وَيَتَعَاضَدَا، فَسَرَى مَاكَانُ بْنُ كَالِي إِلَى أَسْفَارٍ، وَكَانَ قَدْ عَسَفَ أَهْلَ النَّاحِيَةِ الَّتِي هُوَ بِهَا، فَلَمَّا أَحَسَّ بِمَاكَانَ سَارَ إِلَى بُسْتَ، وَرَكِبَ الْمَفَازَةَ نَحْوَ الرَّيِّ لِيَقْصِدَ قَلْعَةَ أَلَمُوتَ الَّتِي بِهَا أَهْلُهُ وَأَمْوَالُهُ، فَانْقَطَعَ عَنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، وَقَصَدَ مَرْدَاوِيجَ فَأَعْلَمَهُ خَبَرَهُ، فَخَرَجَ مَرْدَاوِيجُ مِنْ سَاعَتِهِ فِي أَثَرِهِ، وَقَدَّمَ بَعْضَ قُوَّادِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَحِقَهُ ذَلِكَ الْقَائِدُ وَقَدْ نَزَلَ يَسْتَرِيحُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْإِمْرَةِ، فَقَالَ لَهُ أَسْفَارٌ: لَعَلَّكُمُ اتَّصَلَ بِكُمْ خَبَرِي وَبُعِثْتَ فِي طَلَبِي؟ (قَالَ: نَعَمْ) ! فَبَكَى أَصْحَابُهُ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ أَسْفَارٌ ذَلِكَ، وَقَالَ: بِمِثْلِ هَذِهِ الْقُلُوبِ تَتَجَنَّدُونَ! أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ الْوِلَايَاتِ مَقْرُونَةٌ بِالْبَلِيَّاتِ؟
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ذَلِكَ الْقَائِدِ وَهُوَ يَضْحَكُ، وَسَأَلَهُ عَنْ قُوَّادِهِ الَّذِينَ أَسْلَمُوهُ وَخَذَلُوهُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْدَاوِيجَ قَتَلَهُمْ، فَتَهَلَّلَ وَجْهُهُ وَقَالَ: كَانَتْ حَيَاةُ هَؤُلَاءِ غُصَّةً فِي حَلْقِي، وَقَدْ طَابَتِ الْآنَ نَفْسِي، فَامْضِ فِي مَا أُمِرْتَ بِهِ، وَظَنَّ أَنَّهُ أُمِرَ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ: مَا أُمِرْتُ فِيكَ بِسُوءٍ، وَحَمَلَهُ إِلَى مَرْدَاوِيجَ، فَسَلَّمَهُ إِلَى جَمَاعَةِ أَصْحَابِهِ لِيَحْمِلَهُ إِلَى الرَّيِّ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِنَّ أَكْثَرَ (مَنْ مَعَكَ) كَانُوا أَصْحَابَ هَذَا، فَانْحَرَفُوا عَنْهُ إِلَيْكَ، (وَقَدْ
стр. 3678
أَوْحَشْتَ أَكْثَرَهُمْ بِقَتْلِ قُوَّادِهِمْ) فَمَا يُؤَمِّنُكَ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَيْهِ غَدًا وَيَقْبِضُوا عَلَيْكَ؟ فَحِينَئِذٍ أَمَرَ بِقَتْلِهِ وَانْصَرَفَ إِلَى الرَّيِّ.
وَقِيلَ فِي قَتْلِهِ: إِنَّهُ لَمَّا عَادَ نَحْوَ قَلْعَةِ أَلَمُوتَ نَزَلَ فِي وَادٍ هُنَاكَ يَسْتَرِيحُ، فَاتَّفَقَ أَنَّ مَرْدَاوِيجَ خَرَجَ يَتَصَيَّدُ، وَيَسْأَلُ عَنْ أَخْبَارِهِ، فَرَأَى خَيْلًا يَسِيرَةً فِي وَادٍ هُنَاكَ، فَأَرْسَلَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ لِيَأْخُذَ خَبَرَهَا، فَرَأَوْا أَسْفَارَ بْنَ شِيرُوَيْهِ فِي عِدَّةٍ يَسِيرَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، يُرِيدُ الْحِصْنَ لِيَأْخُذَ مَا لَهُ فِيهِ وَيَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى جَمْعِ الْجُيُوشِ، وَيَعُودَ إِلَى مُحَارَبَةِ مَرْدَاوِيجَ، فَأَخَذُوهُ وَمَنْ مَعَهُ، وَحَمَلُوهُ إِلَى مَرْدَاوِيجَ، فَلَمَّا رَآهُ نَزَلَ إِلَيْهِ فَذَبَحَهُ.
وَاسْتَقَرَّ أَمْرُ مَرْدَاوِيجَ فِي الْبِلَادِ، وَعَادَ إِلَى قَزْوِينَ بَعْدَ قَتْلِ أَسْفَارٍ، فَأَحْسَنَ إِلَى أَهْلِهَا، وَوَعَدَهُمُ الْجَمِيلَ.
وَقِيلَ: بَلْ دَخَلَ أَسْفَارٌ إِلَى رَحًى، وَقَدْ نَالَ مِنْهُ الْجُوعُ، فَطَلَبَ مِنَ الطَّحَّانِ شَيْئًا يَأْكُلُهُ، فَقَدَّمَ لَهُ خُبْزًا وَلَبَنًا، فَأَكَلَ مِنْهُ هُوَ وَغُلَامٌ لَهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَأَقْبَلَ مَرْدَاوِيجُ إِلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فَأَشْرَفَ عَلَى الرَّحَى فَرَأَى حَوَافِرَ الدَّوَابِّ، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ دَخَلَ فَارِسَانِ إِلَى هَذِهِ الرَّحَى، فَكَبَسَ مَرْدَاوِيجُ الرَّحَى، فَرَآهُ وَقَتَلَهُ.
ذِكْرُ مُلْكِ مَرْدَاوِيجَ
وَلَمَّا انْهَزَمَ أَسْفَارٌ مِنْ مَرْدَاوِيجَ ابْتَدَأَ فِي مِلْكِ الْبِلَادِ ثُمَّ إِنَّهُ ظَفِرَ بِأَسْفَارٍ فَقَتَلَهُ فَتَمَكَّنَ مُلْكُهُ وَثَبَتَ، وَتَنَقَّلَ فِي الْبِلَادِ يَمْلِكُهَا مَدِينَةً مَدِينَةً، وَوِلَايَةً وِلَايَةً، فَمَلَكَ قَزْوِينَ، وَوَعَدَهُمُ الْجَمِيلَ فَأَحَبُّوهُ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الرَّيِّ فَمَلَكَهَا، وَمَلَكَ هَمَذَانَ، وَكَنْكُورَ، وَالدِّينَوَرَ، وَبُرُوجَرْدَ، وَقُمَّ، وَقَاشَانَ، وَأَصْبَهَانَ، وَجَرْبَاذَقَانَ وَغَيْرَهَا.
стр. 3679
ثُمَّ إِنَّهُ أَسَاءَ السِّيرَةَ فِي أَهْلِ أَصْبَهَانَ خَاصَّةً، وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ، وَهَتَكَ الْمَحَارِمَ، وَطَغَى، وَعَمِلَ لَهُ سَرِيرًا مِنْ ذَهَبٍ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، وَسَرِيرًا مِنْ فِضَّةٍ يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَكَابِرُ قُوَّادِهِ، وَإِذَا جَلَسَ عَلَى السَّرِيرِ يَقِفُ عَسْكَرُهُ صُفُوفًا بِالْبُعْدِ مِنْهُ، وَلَا يُخَاطِبُهُ أَحَدٌ إِلَّا الْحُجَّابَ الَّذِينَ رَتَّبَهُمْ لِذَلِكَ، وَخَافَهُ النَّاسُ خَوْفًا شَدِيدًا.
ذِكْرُ مُلْكِ مَرْدَاوِيجَ طَبَرِسْتَانَ
قَدْ ذَكَرْنَا اتِّفَاقَ مَاكَانَ بْنِ كَالِي مَعَ مَرْدَاوِيجَ، وَمُسَاعَدَتَهُ عَلَى أَسْفَارٍ فَلَمَّا اسْتَقَرَّ مُلْكُ مَرْدَاوِيجَ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ، وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُ وَعَسَاكِرُهُ، طَمِعَ فِي جُرْجَانَ، وَطَبَرِسْتَانَ، وَكَانَتَا مَعَ مَاكَانَ بْنِ كَالِي، فَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ إِلَى طَبَرِسْتَانَ، فَثَبَتَ لَهُ مَاكَانُ، فَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهِ مَرْدَاوِيجُ، وَاسْتَوْلَى عَلَى طَبَرِسْتَانَ وَرَتَّبَ فِيهَا بَلْقَاسِمَ بْنَ بَانِجِينَ، وَهُوَ اسْفِهْسِلَارُ عَسْكَرِهِ، وَكَانَ حَازِمًا شُجَاعًا، جَيِّدَ الرَّأْيِ.
ثُمَّ سَارَ مَرْدَاوِيجُ نَحْوَ جُرْجَانَ، وَكَانَ بِهَا مِنْ قِبَلِ مَاكَانَ شِيرْزِيلُ بْنُ سَلَارَ، وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ تُرْكِيِّ، فَهَرَبَا مِنْ مَرْدَاوِيجَ، وَمَلَكَهَا مَرْدَاوِيجُ وَرَتَّبَ فِيهَا سُرْخَابَ بْنَ بَاوِسَ، خَالَ وَلَدِ بَلْقَاسِمِ بْنِ بَانْجِينَ، خَلِيفَةً عَنْ بَلْقَاسِمِ فَجَمَعَ بَلْقَاسِمُ جُرْجَانَ، وَطَبَرِسْتَانَ، وَعَادَ مَرْدَاوِيجُ إِلَى أَصْبَهَانَ ظَافِرًا غَانِمًا.
وَسَارَ مَاكَانُ إِلَى الدَّيْلَمِ وَاسْتَنْجَدَ أَبَا الْفَضْلِ الثَّائِرَ بِهَا، فَأَكْرَمَهُ، وَسَارَ مَعَهُ إِلَى طَبَرِسْتَانَ فَلَقِيَهُمَا بَلْقَاسِمُ، وَتَحَارَبُوا، فَانْهَزَمَ مَاكَانُ، (وَالثَّائِرُ، فَأَمَّا الثَّائِرُ فَقَصَدَ الدَّيْلَمَ،
стр. 3680
وَأَمَّا مَاكَانُ) فَسَارَ إِلَى نَيْسَابُورَ، فَدَخَلَ فِي طَاعَةِ السَّعِيدِ نَصْرٍ، وَاسْتَنْجَدَهُ، فَأَمَدَّهُ بِأَكْثَرِ جَيْشِهِ، وَبَالَغَ فِي تَقْوِيَتِهِ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ مَاكَانُ وَأَبُو عَلِيٍّ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ أَبُو عَلِيٍّ وَمَاكَانُ وَعَادَا إِلَى نَيْسَابُورَ، ثُمَّ عَادَ مَاكَانُ بْنُ كَالِي إِلَى الدَّامِغَانِ لِيَتَمَلَّكَهَا، فَسَارَ نَحْوَهُ بَلْقَاسِمُ، (فَصَدَّهُ عَنْهَا) ، فَعَادَ إِلَى خُرَاسَانَ.
وَسَنَذْكُرُ بَاقِي أَخْبَارِ مَاكَانَ فِيمَا بَعْدُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِيهَا كَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِ أَبِي يَزِيدَ الْخَارِجِيِّ بِالْمَغْرِبِ، وَسَنَذْكُرُ أَمْرَهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ مُسْتَقْصًى.
وَفِيهَا ظَهَرَ بِسِجِسْتَانَ خَارِجِيٌّ، وَسَارَ فِي جَمْعٍ إِلَى بِلَادِ فَارِسَ يُرِيدُ التَّغَلُّبَ عَلَيْهَا، فَقَتَلَهُ أَصْحَابُهُ قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَيْهَا، وَتَفَرَّقُوا.
وَفِيهَا صُرِفَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الْعُشُورِيُّ عَنْ حَجْبَةِ الْخَلِيفَةِ وَقُلِّدُهَا يَاقُوتٌ، وَكَانَ يَتَوَلَّى بِفَارِسَ، وَهُوَ بِهَا، فَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْحَجْبَةِ ابْنَهُ أَبَا الْفَتْحِ الْمُظَفَّرَ.
وَفِيهَا وَصَلَ الدُّمُسْتُقُ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ مِنَ الرُّومِ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ، فَحَصَرُوا خِلَاطَ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا، (وَرَحَلَ عَنْهُمْ بَعْدَ أَنْ) أَخْرَجَ الْمِنْبَرَ مِنَ الْجَامِعِ وَجَعَلَ مَكَانَهُ صَلِيبًا، (وَفَعَلَ بِبِدْلِيسَ) كَذَلِكَ، وَخَافَهُ أَهْلُ أَرْزَنَ وَغَيْرُهُمْ، فَفَارَقُوا بِلَادَهُمْ، (وَانْحَدَرَ أَعْيَانُهُمْ إِلَى بَغْدَاذَ) ، وَاسْتَغَاثُوا إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَلَمْ يُغَاثُوا.
стр. 3681
وَفِيهَا وَصَلَ سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الرُّومِ وَالْأَرْمَنِ إِلَى مَلَطْيَةَ، (وَمَعَهُمُ الْفُؤُوسُ وَالْمَعَاوِلُ) ، وَأَظْهَرُوا أَنَّهُمْ يَتَكَسَّبُونَ بِالْعَمَلِ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ مَلِيحًا الْأَرْمَنِيَّ، صَاحِبَ الدُّرُوبِ، وَضَعَهُمْ لِيَكُونُوا بِهَا، فَإِذَا حَصَرَهَا سَلَّمُوهَا إِلَيْهِ، فَعَلِمَ بِهِمْ أَهْلُ مَلَطْيَةَ، فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا مَا مَعَهُمْ.
وَفِيهَا، فِي مُنْتَصَفِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، قُلِّدَ مُؤْنِسٌ الْمُؤْنِسِيُّ الْمَوْصِلَ وَأَعْمَالَهَا.
[الْوَفَيَاتُ]
(وَفِيهَا مَاتَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْأَسْفَرَايِنِيُّ، وَلَهُ مُسْنَدٌ مُخَرَّجٌ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ السَّرِيِّ النَّحْوِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ السَّرَّاجِ صَاحِبُ كِتَابِ الْأُصُولِ، فِي النَّحْوِ) .
стр. 3682
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣١٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ خَلْعِ الْمُقْتَدِرِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خُلِعَ الْمُقْتَدِرُ بِاللَّهِ مِنَ الْخِلَافَةِ، وَبُويِعَ أَخُوهُ الْقَاهِرُ بِاللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُعْتَضِدِ، فَبَقِيَ يَوْمَيْنِ ثُمَّ أُعِيدَ الْمُقْتَدِرُ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا فِي السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَهَا مِنَ اسْتِيحَاشِ مُؤْنِسٍ وَنُزُولِهِ بِالشَّمَّاسِيَّةِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ نَازُوكُ، صَاحِبُ الشُّرْطَةِ، فِي عَسْكَرِهِ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ أَبُو الْهَيْجَاءِ بْنُ حَمْدَانَ (فِي عَسْكَرِهِ) ، مِنْ بَلَدِ الْجَبَلِ، وَبُنِّيُّ بْنُ نَفِيسٍ، وَكَانَ الْمُقْتَدِرُ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ الدِّينَوَرَ، فَأَعَادَهَا إِلَيْهِ مُؤْنِسٌ عِنْدَ مَجِيئِهِ إِلَيْهِ.
وَجَمَعَ الْمُقْتَدِرُ عِنْدَهُ فِي دَارِهِ، هَارُونَ بْنَ غَرِيبٍ، وَأَحْمَدَ بْنَ كَيْغَلَغَ، وَالْغِلْمَانَ الْحُجَرِيَّةَ، وَالرَّجَّالَةَ الْمُصَافِيَّةَ، وَغَيْرَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ آخِرَ النَّهَارِ ذَلِكَ الْيَوْمَ انْفَضَّ أَكْثَرُ مَنْ عِنْدَ الْمُقْتَدِرِ، وَخَرَجُوا إِلَى مُؤْنِسٍ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَائِلَ الْمُحَرَّمِ.
ثُمَّ كَتَبَ مُؤْنِسٌ إِلَى الْمُقْتَدِرِ رُقْعَةً يَذْكُرُ فِيهَا أَنَّ الْجَيْشَ عَاتِبٌ مُنْكِرٌ لِلسَّرَفِ فِيمَا يُطْلَقُ بِاسْمِ الْخَدَمِ وَالْحُرَمِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالضِّيَاعِ، وَلِدُخُولِهِمْ فِي الرَّأْيِ وَتَدْبِيرِ الْمَمْلَكَةِ، وَيُطَالِبُونَ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنَ الدَّارِ، وَأَخْذِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَمْلَاكِ، وَإِخْرَاجِ هَارُونَ بْنِ غَرِيبٍ مِنَ الدَّارِ.
стр. 3683
فَأَجَابَهُ الْمُقْتَدِرُ أَنَّهُ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ، وَيَقْتَصِرُ عَلَى مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَاسْتَعْطَفَهُمْ، وَذَكَّرَهُمْ بَيْعَتَهُ فِي أَعْنَاقِهِمْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَخَوَّفَهُمْ عَاقِبَةَ النَّكْثِ، وَأَمَرَ هَارُونَ بِالْخُرُوجِ مِنْ بَغْدَاذَ، وَأَقْطَعَهُ الثُّغُورَ الشَّامِيَّةَ وَالْجُزُرِيَّةَ، وَخَرَجَ مِنْ بَغْدَاذَ تَاسِعَ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، (وَرَاسَلَهُمُ الْمُقْتَدِرُ) ، وَذَكَّرَهُمْ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانَهُ إِلَيْهِمْ، وَحَذَّرَهُمْ كُفْرَ إِحْسَانِهِ، وَالسَّعْيَ فِي الشَّرِّ وَالْفِتْنَةِ.
فَلَمَّا أَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ دَخَلَ مُؤْنِسٌ وَابْنُ حَمْدَانَ وَنَازُوكُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَأَرْجَفَ النَّاسُ بِأَنَّ مُؤْنِسًا وَمَنْ مَعَهُ قَدْ عَزَمُوا عَلَى خَلْعِ الْمُقْتَدِرِ وَتَوْلِيَةِ غَيْرِهِ، فَلَمَّا كَانَ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنَ الْمُحَرَّمِ خَرَجَ مُؤْنِسٌ وَالْجَيْشُ إِلَى بَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ، فَتَشَاوَرُوا سَاعَةً، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى دَارِ الْخَلِيفَةِ بِأَسْرِهِمْ، فَلَمَّا (زَحَفُوا إِلَيْهَا) ، وَقَرُبُوا مِنْهَا، هَرَبَ الْمُظَفَّرُ بْنُ يَاقُوتٍ، وَسَائِرُ الْحُجَّابِ وَالْخَدَمِ وَغَيْرُهُمْ، وَالْفَرَّاشُونَ، وَكُلُّ مَنْ فِي الدَّارِ، وَكَانَ الْوَزِيرُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُقْلَةَ حَاضِرًا، فَهَرَبَ وَدَخَلَ مُؤْنِسٌ وَالْجَيْشُ دَارَ الْخَلِيفَةِ، وَأَخْرَجَ الْمُقْتَدِرَ، وَوَالِدَتَهُ، وَخَالَتَهُ، وَخَوَاصَّ جَوَارِيهِ، وَأَوْلَادَهُ، مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ، وَحُمِلُوا إِلَى دَارِ مُؤْنِسٍ، فَاعْتُقِلُوا بِهَا.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ هَارُونَ بْنَ غَرِيبٍ، وَهُوَ بِقُطْرُبُّلَ، فَدَخَلَ بَغْدَاذَ وَاسْتَتَرَ، وَمَضَى ابْنُ حَمْدَانَ إِلَى دَارِ ابْنِ طَاهِرٍ، فَأَحْضَرَ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُعْتَضِدِ، وَبَايَعُوهُ بِالْخِلَافَةِ، وَلَقَّبُوهُ الْقَاهِرَ بِاللَّهِ، وَأَحْضَرُوا الْقَاضِيَ أَبَا عُمَرَ عِنْدَ الْمُقْتَدِرِ لِيَشْهَدَ عَلَيْهِ بِالْخَلْعِ، وَعِنْدَهُ مُؤْنِسٌ، وَنَازُوكُ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَبُنِّيُّ بْنُ نَفِيسٍ، فَقَالَ مُؤْنِسٌ لِلْمُقْتَدِرِ لِيَخْلَعَ نَفْسَهُ مِنَ الْخِلَافَةِ، فَأَشْهَدَ عَلَيْهِ الْقَاضِيَ بِالْخَلْعِ، فَقَامَ ابْنُ حَمْدَانَ، وَقَالَ لِلْمُقْتَدِرِ: يَا سَيِّدِي يَعِزُّ عَلَيَّ أَنْ أَرَاكَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، وَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْكَ، وَأَحْذَرُهَا، وَأَنْصَحُ لَكَ، وَأُحَذِّرُكَ عَاقِبَةَ الْقَبُولِ مِنَ الْخَدَمِ، وَالنِّسَاءِ، فَتُؤْثِرُ أَقْوَالَهُمْ عَلَى قَوْلِي، وَكَأَنِّي كُنْتُ أَرَى هَذَا، وَبَعْدُ فَنَحْنُ عَبِيدُكَ وَخَدَمُكَ.
وَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ وَعَيْنَا الْمُقْتَدِرِ، وَشَهِدَ الْجَمَاعَةُ عَلَى الْمُقْتَدِرِ بِالْخَلْعِ، وَأَوْدَعُوا الْكِتَابَ
стр. 3684
بِذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي عُمَرَ، فَكَتَمَهُ وَلَمْ يُظْهِرْ عَلَيْهِ أَحَدًا، فَلَمَّا عَادَ الْمُقْتَدِرُ إِلَى الْخِلَافَةِ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَوَلَّاهُ قَضَاءَ الْقُضَاةِ.
وَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ لِلْقَاهِرِ أَخْرَجَ مُؤْنِسٌ الْمُظَفَّرُ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى مِنَ الْحَبْسِ، وَرَتَّبَ أَبَا عَلِيِّ بْنَ مُقْلَةَ فِي الْوِزَارَةِ، وَأَضَافَ إِلَى نَازُوكَ مَعَ الشُّرْطَةِ حَجْبَ الْخَلِيفَةِ، وَكَتَبَ إِلَى الْبِلَادِ بِذَلِكَ، وَأَقْطَعَ ابْنَ حَمْدَانَ، مُضَافًا إِلَى مَا بِيَدِهِ مِنْ أَعْمَالِ طَرِيقِ خُرَاسَانَ، حُلْوَانَ، وَالدِّينَوَرَ، وَهَمَذَانَ، وَكَنْكُورَ، وَكَرْمَانَ، وَشَاهَانَ، وَالرَّاذَنَاتِ، وَدَقُوقًا، وَخَانِيجَارَ، وَنَهَاوَنْدَ، وَالصَّيْمَرَةَ، وَالسَّيْرَوَانَ، وَمَاسَبَذَانَ وَغَيْرَهَا، وَنُهِبَتْ دَارُ الْخَلِيفَةِ، وَمَضَى بُنِّيُّ بْنُ نَفِيسٍ إِلَى تُرْبَةٍ لِوَالِدَةِ الْمُقْتَدِرِ، فَأَخْرَجَ مِنْ قَبْرٍ فِيهَا سِتَّمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَحَمَلَهَا إِلَى دَارِ الْخَلِيفَةِ.
وَكَانَ خَلْعُ الْمُقْتَدِرِ النِّصْفَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، ثُمَّ سَكَنَ النَّهْبُ، وَانْقَطَعَتِ الْفِتْنَةُ، وَلَمَّا تَقَلَّدَ نَازُوكُ حَجْبَةَ الْخَلِيفَةِ أَمَرَ الرَّجَّالَةَ الْمُصَافِيَّةَ بِقَلْعِ خِيَامِهِمْ مِنْ دَارِ الْخَلِيفَةِ، وَأَمَرَ رِجَالَهُ وَأَصْحَابَهُ أَنْ يُقِيمُوا بِمَكَانِ الْمُصَافِيَّةِ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَتَقَدَّمَ إِلَى خُلَفَاءِ الْحُجَّابِ أَنْ لَا يُمَكِّنُوا أَحَدًا مِنَ الدُّخُولِ إِلَى دَارِ الْخَلِيفَةِ، إِلَّا مَنْ لَهُ مَرْتَبَةٌ، فَاضْطَرَبَتِ الْحَجْبَةُ مِنْ ذَلِكَ.
ذِكْرُ عَوْدِ الْمُقْتَدِرِ إِلَى الْخِلَافَةِ
لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْإِثْنَيْنِ سَابِعَ عَشَرَ مِنَ الْمُحَرَّمِ بَكَّرَ النَّاسُ إِلَى دَارِ الْخَلِيفَةِ لِأَنَّهُ يَوْمُ مَوْكِبِ دَوْلَةٍ جَدِيدَةٍ، فَامْتَلَأَتِ الْمَمَرَّاتُ، وَالْمُرَاحَاتُ، وَالرِّحَابُ، وَشَاطِئُ دِجْلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَحَضَرَ الرَّجَّالَةُ الْمُصَافِيَّةُ فِي السِّلَاحِ الشَّاكِي، يُطَالِبُونَ بِحَقِّ الْبَيْعَةِ، وَرِزْقِ سَنَةٍ، وَهُمْ حَنِقُونَ بِمَا فَعَلَ بِهِمْ نَازُوكُ، وَلَمْ يَحْضُرْ مُؤْنِسٌ الْمُظَفَّرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ.
وَارْتَفَعَتْ زَعَقَاتُ الرَّجَّالَةِ، فَسَمِعَ بِهَا نَازُوكُ، فَأَشْفَقَ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ فِتْنَةٌ وَقِتَالٌ، فَتَقَدَّمَ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَعْرِضُوا لَهُمْ، وَلَا يُقَاتِلُوهُمْ
стр. 3685
وَزَادَ شَغَبُ الرَّجَّالَةِ، وَهَجَمُوا يُرِيدُونَ الصَّحْنَ التِّسْعِينِيَّ، فَلَمْ يَمْنَعْهُمْ أَصْحَابُ نَازُوكَ، وَدَخَلَ مَنْ كَانَ عَلَى الشَّطِّ بِالسِّلَاحِ، وَقَرُبَتْ زَعَقَاتُهُمْ مِنْ مَجْلِسِ الْقَاهِرِ بِاللَّهِ، وَعِنْدَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُقْلَةَ الْوَزِيرُ، وَنَازُوكُ، وَأَبُو الْهَيْجَاءِ بْنُ حَمْدَانَ، فَقَالَ الْقَاهِرُ لِنَازُوكَ: اخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَسَكِّنْهُمْ، وَطَيِّبْ قُلُوبَهُمْ! فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ نَازُوكُ وَهُوَ مَخْمُورٌ، قَدْ شَرِبَ طُولَ لَيْلَتِهِ، فَلَمَّا رَآهُ الرَّجَّالَةُ تَقَدَّمُوا إِلَيْهِ لِيَشْكُوا حَالَهُمْ إِلَيْهِ فِي مَعْنَى أَرْزَاقِهِمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ بِأَيْدِيهِمُ السُّيُوفُ يَقْصِدُونَهُ خَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ فَهَرَبَ، فَطَمِعُوا فِيهِ، فَتَبِعُوهُ، فَانْتَهَى بِهِ الْهَرَبُ إِلَى بَابٍ كَانَ هُوَ سَدَّهُ أَمْسِ، فَأَدْرَكُوهُ عِنْدَهُ، فَقَتَلُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ الْبَابِ، وَقَتَلُوا قَبْلَهُ خَادِمَهُ عَجِيبًا، وَصَاحُوا: يَا مُقْتَدِرُ، يَا مَنْصُورُ! فَهَرَبَ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي الدَّارِ مِنَ الْوَزِيرِ، وَالْحُجَّابِ، وَسَائِرِ الطَّبَقَاتِ وَبَقِيَتِ الدَّارُ فَارِغَةً، وَصَلَبُوا نَازُوكَ وَعَجِيبًا بِحَيْثُ يَرَاهُمَا مَنْ عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ.
ثُمَّ صَارَ الرَّجَّالَةُ إِلَى دَارِ مُؤْنِسٍ يَصِيحُونَ، وَيُطَالِبُونَهُ بِالْمُقْتَدِرِ، وَبَادَرَ الْخَدَمُ فَأَغْلَقُوا أَبْوَابَ دَارِ الْخَلِيفَةِ، وَكَانُوا جَمِيعُهُمْ خَدَمَ الْمُقْتَدِرِ، وَمَمَالِيكَهُ، وَصَنَائِعَهُ، وَأَرَادَ أَبُو الْهَيْجَاءِ بْنُ حَمْدَانَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدَّارِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ الْقَاهِرُ، وَقَالَ: أَنَا فِي ذِمَامِكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُسْلِمُكَ أَبَدًا، وَأَخَذَ بِيَدِ الْقَاهِرِ، وَقَالَ: قُمْ بِنَا نَخْرُجُ جَمِيعًا، وَأَدَعُو أَصْحَابِي وَعَشِيرَتِي فَيُقَاتِلُونَ مَعَكَ وَدُونَكَ.
فَقَامَا لِيَخْرُجَا، فَوَجَدَا الْأَبْوَابَ مُغْلَقَةً، فَتَبِعَهُمَا فَائِقٌ وَجْهُ الْقَصْعَةِ يَمْشِي مَعَهُمَا، فَأَشْرَفَ الْقَاهِرُ مِنْ سَطْحٍ، فَرَأَى كَثْرَةَ الْجَمْعِ، فَنَزَلَ هُوَ وَابْنُ حَمْدَانَ وَفَائِقٌ، فَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ لِلْقَاهِرِ: قِفْ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ، وَنَزَعَ سَوَادَهُ وَثِيَابَهُ، وَأَخَذَ جُبَّةَ صُوفٍ لِغُلَامٍ هُنَاكَ، فَلَبِسَهَا وَمَشَى نَحْوَ بَابِ النُّوبِىِّ، فَرَآهُ مُغْلَقًا وَالنَّاسُ مِنْ وَرَائِهِ، فَعَادَ إِلَى الْقَاهِرِ، وَتَأَخَّرَ عَنْهُمَا وَجْهُ الْقَصْعَةِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْخَدَمِ، فَأَمَرَهُمْ وَجْهُ الْقَصْعَةِ بِقَتْلِهِمَا أَخْذًا بِثَأْرِ الْمُقْتَدِرِ وَمَا صَنَعَا بِهِ، فَعَادَ إِلَيْهِمَا عَشَرَةٌ مِنَ الْخَدَمِ بِالسِّلَاحِ، فَعَادَ إِلَيْهِمْ أَبُو الْهَيْجَاءِ
стр. 3686
وَسَيْفُهُ بِيَدِهِ، وَنَزَعَ الْجُبَّةَ الصُّوفَ، وَأَخَذَهَا بِيَدِهِ الْأُخْرَى، وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ، فَانْجَفَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَغَشِيَهُمْ، فَرَمَوْهُ بِالنِّشَابِ ضَرُورَةً، فَعَادَ عَنْهُمْ، وَانْفَرَدَ عَنْهُ الْقَاهِرُ وَمَشَى إِلَى آخِرِ الْبُسْتَانِ فَاخْتَفَى مِنْهُ.
وَدَخَلَ أَبُو الْهَيْجَاءِ إِلَى بَيْتٍ مِنْ سَاجٍ، وَتَقَدَّمَ الْخَدَمُ إِلَى ذَلِكَ الْبَيْتِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَبُو الْهَيْجَاءِ، فَوَلَّوْا هَارِبِينَ، وَدَخَلَ إِلَيْهِمْ بَعْضُ أَكَابِرِ الْغِلْمَانِ الْحُجَرِيَّةِ، وَمَعَهُ أَسْوَدَانِ بِسِلَاحٍ، فَقَصَدُوا أَبَا الْهَيْجَاءِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَرُمِيَ بِالسِّهَامِ فَسَقَطَ، فَقَصَدَهُ بَعْضُهُمْ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى، وَأَخَذَ رَأْسَهُ فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ، وَمَشَى وَهُوَ مَعَهُ.
وَأَمَّا الرَّجَّالَةُ فَإِنَّهُمْ لَمَّا انْتَهَوْا إِلَى دَارِ مُؤْنِسٍ وَسَمِعَ زَعَقَاتِهِمْ قَالَ: مَا الَّذِي تُرِيدُونَ؟ فَقِيلَ لَهُ: نُرِيدُ الْمُقْتَدِرَ، فَأَمَرَ بِتَسْلِيمِهِ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا قِيلَ لِلْمُقْتَدِرِ لِيَخْرُجَ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ تَكُونَ حِيلَةً عَلَيْهِ، فَامْتَنَعَ، وَحُمِلَ وَأُخْرِجَ إِلَيْهِمْ، فَحَمَلَهُ الرَّجَّالَةُ عَلَى رِقَابِهِمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُ دَارَ الْخِلَافَةِ، فَلَمَّا حَصَلَ فِي الصَّحْنِ التِّسْعِينِيِّ اطْمَأَنَّ وَقَعَدَ، فَسَأَلَ عَنْ أَخِيهِ الْقَاهِرِ، وَعَنِ ابْنِ حَمْدَانَ، فَقِيلَ: هُمَا حَيَّانِ، فَكَتَبَ لَهُمَا أَمَانًا بِخَطِّهِ، وَأَمَرَ خَادِمًا بِالسُّرْعَةِ بِكِتَابِ الْأَمَانِ لِئَلَّا يَحْدُثَ عَلَى أَبِي الْهَيْجَاءِ حَادِثٌ، فَمَضَى بِالْخَطِّ إِلَيْهِ، (فَلَقِيَهُ الْخَادِمُ) الْآخَرُ وَمَعَهُ رَأْسٌ، فَعَادَ مَعَهُ، فَلَمَّا رَآهُ الْمُقْتَدِرُ، وَأَخْبَرَهُ بِقَتْلِهِ، قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ! مَنْ قَتَلَهُ؟ فَقَالَ الْخَادِمُ: مَا نَعْرِفُ قَاتِلَهُ، وَعَظُمَ عَلَيْهِ قَتْلُهُ، وَقَالَ: مَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَيُسَلِّينِي، وَيُذْهِبُ عَنِّي الْغَمَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ غَيْرُهُ.
ثُمَّ أُخِذَ الْقَاهِرُ وَأُحْضِرَ عِنْدَ الْمُقْتَدِرِ، فَاسْتَدْنَاهُ، فَأَجْلَسَهُ عِنْدَهُ وَقَبَّلَ جَبِينَهُ وَقَالَ لَهُ: يَا أَخِي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَا ذَنْبَ لَكَ، وَأَنَّكَ قُهِرْتَ، وَلَوْ لَقَّبُوكَ بِالْمَقْهُورِ لَكَانَ أَوْلَى مِنَ الْقَاهِرِ، وَالْقَاهِرُ يَبْكِي وَيَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! نَفْسِي، نَفْسِي، اذْكُرِ الرَّحِمَ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ! فَقَالَ لَهُ الْمُقْتَدِرُ: وَحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ لَا جَرَى عَلَيْكَ سُوءٌ مِنِّي أَبَدًا، وَلَا وَصَلَ أَحَدٌ
стр. 3687
إِلَى مَكْرُوهِكَ وَأَنَا حَيٌّ! فَسَكَنَ وَأَخْرَجَ رَأْسَ نَازُوكَ، وَرَأْسَ أَبِي الْهَيْجَاءِ، وَشُهِّرَا، وَنُودِيَ عَلَيْهِمَا: هَذَا جَزَاءُ مَنْ عَصَى مَوْلَاهُ.
وَأَمَّا بُنِّيُّ بْنُ نَفِيسٍ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَشَدِّ الْقَوْمِ عَلَى الْمُقْتَدِرِ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِرُجُوعِهِ إِلَى الْخِلَافَةِ، فَرَكِبَ جَوَادًا وَهَرَبَ عَنْ بَغْدَاذَ، (وَغَيَّرَ زِيَّهُ) ، وَسَارَ حَتَّى بَلَغَ الْمَوْصِلَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى أَرْمِينِيَّةَ، وَسَارَ حَتَّى دَخَلَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَتَنَصَّرَ.
وَهَرَبَ أَبُو السَّرَايَا نَصْرُ بْنُ حَمْدَانَ أَخُو أَبِي الْهَيْجَاءِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ، وَأَحْضَرَ الْمُقْتَدِرُ أَبَا عَلِيِّ بْنَ مُقْلَةَ، وَأَعَادَهُ إِلَى وِزَارَتِهِ، وَكَتَبَ إِلَى الْبِلَادِ بِمَا تَجَدَّدُ لَهُ، وَأَطْلَقَ لِلْجُنْدِ أَرْزَاقَهُمْ وَزَادَهُمْ، وَبَاعَ مَا فِي الْخَزَائِنِ مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالْجَوَاهِرِ، وَأَذِنَ فِي بَيْعِ الْأَمْلَاكِ مِنَ النَّاسِ، فَبِيعَ ذَلِكَ بِأَرْخَصِ الْأَثْمَانِ، لِيُتِمَّ أُعْطِيَاتِ الْجُنْدِ.
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ مُؤْنِسًا الْمُظَفَّرَ لَمْ يَكُنْ مُؤْثِرًا لِمَا جَرَى عَلَى الْمُقْتَدِرِ مِنَ الْخَلْعِ، وَإِنَّمَا وَافَقَ الْجَمَاعَةَ مَغْلُوبًا عَلَى رَأْيِهِ، وَلِعِلْمِهِ أَنَّهُ إِنْ خَالَفَهُمْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ الْمُقْتَدِرُ، وَوَافَقَهُمْ لِيُؤَمِّنُوهُ، وَسَعَى مَعَ الْغِلْمَانِ الْمُصَافِيَّةِ وَالْحُجَرِيَّةِ، وَوَضَعَ قُوَّادَهُمْ عَلَى أَنْ عَمِلُوا مَا عَمِلُوا، وَأَعَادُوا الْمُقْتَدِرَ إِلَى الْخِلَافَةِ، وَكَانَ هُوَ قَدْ قَالَ لِلْمُقْتَدِرِ، (لَمَّا كَانَ) فِي دَارِهِ: مَا تُرِيدُونَ أَنْ نَصْنَعَ؟ فَلِهَذَا أَمَّنَهُ الْمُقْتَدِرُ، وَلَمَّا حَمَلُوهُ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ مِنْ دَارِ مُؤْنِسٍ وَرَأَى فِيهَا كَثْرَةَ الْخَلْقِ وَالِاخْتِلَافِ عَادَ إِلَى دَارِ مُؤْنِسٍ لِثِقَتِهِ بِهِ، وَاعْتِمَادِهِ عَلَيْهِ، وَلَوْلَا هَوَى مُؤْنِسٍ مَعَ الْمُقْتَدِرِ لَكَانَ حَضَرَ عِنْدَ الْقَاهِرِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَكَانَ أَيْضًا قَتَلَ الْمُقْتَدِرَ لَمَّا طُلِبَ مِنْ دَارِهِ لِيُعَادَ إِلَى الْخِلَافَةِ.
وَأَمَّا الْقَاهِرُ فَإِنَّ الْمُقْتَدِرَ حَبَسَهُ عِنْدَ وَالِدَتِهِ، فَأَحْسَنَتْ إِلَيْهِ، وَأَكْرَمَتْهُ، وَوَسَّعَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةَ، وَاشْتَرَتْ لَهُ السَّرَارِيَ وَالْجَوَارِيَ لِلْخِدْمَةِ، وَبَالَغَتْ فِي إِكْرَامِهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ (بِكُلِّ طَرِيقٍ) .
стр. 3688
ذِكْرُ مَسِيرِ الْقَرَامِطَةِ إِلَى مَكَّةَ وَمَا فَعَلُوهُ بِأَهْلِهَا وَبِالْحُجَّاجِ وَأَخْذِهِمُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ
حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَنْصُورٌ الدَّيْلِمِيُّ، وَسَارَ بِهِمْ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى مَكَّةَ، فَسَلِمُوا فِي الطَّرِيقِ، فَوَافَاهُمْ أَبُو طَاهِرٍ الْقَرْمَطِيُّ بِمَكَّةَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَنَهَبَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ أَمْوَالَ الْحُجَّاجِ، وَقَتَلُوهُمْ حَتَّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَفِي الْبَيْتِ نَفْسِهِ، وَقَلَعَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَنَفَّذَهُ إِلَى هَجَرَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ ابْنُ مُحْلِبٍ، أَمِيرُ مَكَّةَ، فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَشْرَافِ، فَسَأَلُوهُ فِي أَمْوَالِهِمْ، فَلَمْ يُشَفِّعْهُمْ، فَقَاتَلُوهُ، فَقَتَلَهُمْ أَجْمَعِينَ، وَقَلَعَ بَابَ الْبَيْتِ، وَأَصْعَدَ رَجُلًا لِيَقْلَعَ الْمِيزَابَ فَسَقَطَ فَمَاتَ، وَطَرَحَ الْقَتْلَى فِي بِئْرِ زَمْزَمَ وَدَفَنَ الْبَاقِينَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَيْثُ قُتِلُوا بِغَيْرِ كَفَنٍ وَلَا غُسْلٍ، وَلَا صَلَّى عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَأَخَذَ كُسْوَةَ الْبَيْتُ فَقَسَّمَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَنَهَبَ دَوْرَ أَهْلِ مَكَّةَ.
فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَهْدِيَّ أَبَا مُحَمَّدٍ عُبَيْدَ اللَّهِ الْعَلَوِيَّ بِإِفْرِيقِيَّةَ كَتَبَ إِلَيْهِ يُنْكِرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَيَلُومُهُ، وَيَلْعَنُهُ، وَيُقِيمُ عَلَيْهِ الْقِيَامَةَ، وَيَقُولُ: قَدْ حَقَّقْتَ عَلَى شِيعَتِنَا وَدُعَاةِ دَوْلَتِنَا اسْمَ الْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ بِمَا فَعَلْتَ، وَإِنْ لَمْ تَرُدَّ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَعَلَى الْحُجَّاجِ وَغَيْرِهِمْ مَا أَخَذْتَ مِنْهُمْ، وَتَرُدَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ إِلَى مَكَانِهِ، وَتَرُدَّ كُسْوَةَ الْكَعْبَةِ، فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
فَلَمَّا وَصَلَهُ هَذَا الْكِتَابُ أَعَادَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَاسْتَعَادَ مَا أَمْكَنَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَرَدَّهُ، وَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ اقْتَسَمُوا كُسْوَةَ الْكَعْبَةِ وَأَمْوَالَ الْحُجَّاجِ، وَلَا أَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهِمْ.
стр. 3689
ذِكْرُ خُرُوجِ أَبِي زَكَرِيَّاءَ وَإِخْوَتِهِ بِخُرَاسَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ أَبُو زَكَرِيَّاءَ يَحْيَى، وَأَبُو صَالِحٍ مَنْصُورٌ، وَأَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ، أَوْلَادُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ السَّامَانِيِّ، عَلَى أَخِيهِمُ السَّعِيدِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ، وَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ [وَثَلَاثَمِائَةٍ] وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَخَاهُمْ نَصْرًا كَانَ قَدْ حَبَسَهُمْ فِي الْقَهَنْدَزِ بِبُخَارَى، وَوَكَّلَ بِهِمْ مَنْ يَحْفَظُهُمْ، فَتَخَلَّصُوا مِنْهُ، وَكَانَ سَبَبُ خَلَاصِهِمْ أَنَّ رَجُلًا يُعْرَفُ بِأَبِي بَكْرٍ الْخَبَّازِ الْأَصْبَهَانِيِّ كَانَ يَقُولُ إِذَا جَرَى ذِكْرُ السَّعِيدِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ: إِنَّ لَهُ مِنِّي يَوْمًا طَوِيلَ الْبَلَاءِ وَالْعَنَاءِ، فَكَانَ النَّاسُ يَضْحَكُونَ مِنْهُ، فَخَرَجَ السَّعِيدُ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَاسْتَخْلَفَ بِبُخَارَى أَبَا الْعَبَّاسِ الْكَوْسَجَ، وَكَانَتْ وَظِيفَةُ إِخْوَتِهِ تُحْمَلُ إِلَيْهِمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي بَكْرٍ الْخَبَّازِ وَهُمْ فِي السَّجْنِ، فَسَعَى لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ لِيُخْرِجُوهُمْ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَعْلَمَهُمْ مَا سَعَى لَهُمْ فِيهِ.
فَلَمَّا سَارَ السَّعِيدُ عَنْ بُخَارَى تَوَاعَدَ هَؤُلَاءِ لِلِاجْتِمَاعِ بِبَابِ الْقَهَنْدَزِ يَوْمَ جُمْعَةٍ، وَكَانَ الرَّسْمُ أَنْ لَا يُفْتَحَ بَابُ الْقَهَنْدَزِ أَيَّامَ الْجُمَعِ إِلَّا بَعْدَ الْعَصْرِ، فَلَمَّا كَانَ الْخَمِيسُ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الْخَبَّازُ إِلَى الْقَهَنْدَزِ قَبْلَ الْجُمْعَةِ الَّتِي اتَّعَدُوا الِاجْتِمَاعَ فِيهَا بِيَوْمٍ، فَبَاتَ فِيهِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، وَهُوَ الْجُمْعَةُ، جَاءَ الْخَبَّازُ إِلَى بَابَ الْقَهَنْدَزِ، وَأَظْهَرَ لِلْبَوَّابِ زُهْدًا وَدِينًا، وَأَعْطَاهُ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ لِيَفْتَحَ لَهُ الْبَابَ لِيُخْرِجَهُ لِئَلَّا تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ، فَفَتَحَ لَهُ (الْبَابَ، فَصَاحَ أَبُو بَكْرٍ الْخَبَّازُ بِمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى إِخْرَاجِهِمْ، وَكَانُوا عَلَى الْبَابِ) ، فَأَجَابُوهُ، وَقَبَضُوا عَلَى الْبَوَّابِ، وَدَخَلُوا وَأَخْرَجُوا يَحْيَى، وَمَنْصُورًا، وَإِبْرَاهِيمَ بَنِي أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ مِنَ الْحَبْسِ مَعَ
стр. 3690
جَمِيعِ مَنْ فِيهِ مِنَ الدَّيْلَمِ، وَالْعَلَوِيِّينَ، وَالْعَيَّارِينَ، فَاجْتَمَعُوا، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمْ مَنْ كَانَ وَافَقَهُمْ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَرَأَسَهُمْ شُرُوِينُ الْجِيلِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْقُوَّادِ. ثُمَّ إِنَّهُمْ عَظُمَتْ شَوْكَتُهُمْ، وَنَهَبُوا خَزَائِنَ السَّعِيدِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ وَدُورَهُ وَقُصُورَهُ، وَاخْتَصَّ يَحْيَى بْنُ أَحْمَدَ أَبَا بَكْرٍ الْخَبَّازَ، وَقَدَّمَهُ وَقَوَّدَهُ، وَكَانَ السَّعِيدُ إِذْ ذَاكَ بِنَيْسَابُورَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ، صَاحِبُ جَيْشِ خُرَاسَانَ، بِجُرْجَانَ، فَلَمَّا خَرَجَ يَحْيَى وَبَلَغَ خَبَرُهُ السَّعِيدَ، عَادَ مِنْ نَيْسَابُورَ إِلَى بُخَارَى، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ، فَرَاسَلَ مَاكَانَ بْنَ كَالِي، وَصَاهَرَهُ، وَوَلَّاهُ نَيْسَابُورَ، وَأَمَرَهُ بِمَنْعِهَا مِمَّنْ يَقْصِدُهَا، فَسَارَ مَاكَانُ إِلَيْهَا، وَكَانَ السَّعِيدُ قَدْ سَارَ مِنْ نَيْسَابُورَ إِلَى بُخَارَى، (وَكَانَ يَحْيَى وَكَّلَ) بِالنَّهْرِ أَبَا بَكْرٍ الْخَبَّازَ، فَأَخَذَهُ السَّعِيدُ أَسِيرًا، وَعَبَرَ النَّهْرَ إِلَى بُخَارَى فَبَالَغَ فِي تَعْذِيبِ الْخَبَّازِ، ثُمَّ أَلْقَاهُ فِي التَّنُّورِ الَّذِي كَانَ يَخْبِزُ فِيهِ فَاحْتَرَقَ.
وَسَارَ يَحْيَى مِنْ بُخَارَى إِلَى سَمَرْقَنْدَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَاجْتَازَ بِنَوَاحِي الصَّغَانِيَّانِ وَبِهَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ، وَسَارَ يَحْيَى إِلَى تِرْمِذَ، فَعَبَرَ النَّهْرَ إِلَى بَلْخَ وَبِهَا قُرَاتِكِينُ، فَوَافَقَهُ قُرَاتِكِينُ، وَخَرَجَا إِلَى مَرْوَ، وَلَمَّا وَرَدَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ بِنَيْسَابُورَ كَاتَبَهُ يَحْيَى، وَاسْتَمَالَهُ فَأَظْهَرَ لَهُ مُحَمَّدٌ الْمَيْلَ إِلَيْهِ، وَوَعَدَهُ الْمَسِيرَ نَحْوَهُ، ثُمَّ سَارَ عَنْ نَيْسَابُورَ، وَاسْتَخْلَفَ بِهَا مَاكَانَ بْنَ كَالِي، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ مَرْوَ، ثُمَّ عَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ نَحْوَ بُوشَنْجَ وَهَرَاةَ مُسْرِعًا فِي سَيْرِهِ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِمَا.
وَسَارَ مُحَمَّدٌ عَنْ هَرَاةَ نَحْوَ الصَّغَانِيَّانِ عَلَى طَرِيقِ غَرْشِسْتَانَ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ يَحْيَى فَسَيَّرَ (إِلَى طَرِيقِهِ) عَسْكَرًا فَلَقِيَهُمْ مُحَمَّدٌ فَهَزَمَهُمْ وَسَارَ عَنْ غَرْشِسْتَانَ، وَاسْتَمَدَّ ابْنَهُ أَبَا عَلِيٍّ مِنَ الصَّغَانِيَّانِ، فَأَمَدَّهُ بِجَيْشٍ، وَسَارَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ إِلَى بَلْخَ، وَبِهَا (مَنْصُورُ بْنُ) قُرَاتِكِينَ، فَالْتَقَيَا، وَاقْتَتَلَا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ مَنْصُورٌ إِلَى الْجَوْزَجَانِ، وَسَارَ مُحَمَّدٌ
стр. 3691
إِلَى الصَّغَانِيَّانِ، فَاجْتَمَعَ بِوَلَدِهِ، وَكَتَبَ إِلَى السَّعِيدِ يُخْبِرُهُ، (فَسَّرَهُ ذَلِكَ) ، (وَوَلَّاهُ بَلْخَ وَطُخَارِسْتَانَ) وَاسْتَقْدَمَهُ، فَوَلَّاهُمَا مُحَمَّدٌ ابْنَهُ أَبَا عَلِيٍّ أَحْمَدَ، وَأَنْفَذَهُ إِلَيْهِمَا، وَلَحِقَ مُحَمَّدٌ بِالسَّعِيدِ، فَاجْتَمَعَ بِهِ بِبَلْخَ رُسْتَاقُ، وَهُوَ فِي أَثَرِ يَحْيَى وَهُوَ بِهَرَاةَ.
وَكَانَ يَحْيَى قَدْ سَارَ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَبِهَا مَاكَانُ بْنُ كَالِي، (فَمَنَعَهُ عَنْهَا، وَنَزَلُوا عَلَيْهَا، فَلَمْ يَظْفَرُوا بِهَا، وَكَانَ مَعَ يَحْيَى مُحَمَّدُ) (بْنُ إِلْيَاسَ) فَاسْتَأْمَنَ إِلَى مَاكَانَ، وَاسْتَأْمَنَ مَنْصُورٌ وَإِبْرَاهِيمُ أَخُو يَحْيَى إِلَى السَّعِيدِ نَصْرٍ فَلَمَّا قَارَبَ السَّعِيدُ هَرَاةَ، وَبِهَا يَحْيَى وَقُرَاتِكِينُ، سَارَا عَنْ هَرَاةَ إِلَى بَلْخَ، فَاحْتَالَ قُرَاتِكِينُ لِيَصْرِفَ السَّعِيدَ عَنْ نَفْسِهِ، فَأَنْفَذَ يَحْيَى مِنْ بَلْخَ إِلَى بُخَارَى، (وَأَقَامَ هُوَ بِبَلْخَ، فَعَطَفَ السَّعِيدُ إِلَى بُخَارَى، فَلَمَّا عَبَرَ النَّهْرَ هَرَبَ يَحْيَى مِنْ بُخَارَى إِلَى سَمَرْقَنْدَ، ثُمَّ عَادَ مِنْ سَمَرْقَنْدَ ثَانِيًا، فَلَمْ يُعَاوِنْهُ قُرَاتِكِينُ، فَسَارَ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَبِهَا مُحَمَّدُ بْنُ إِلْيَاسَ قَدْ قَوِيَ أَمْرُهُ، وَسَارَ عَنْهَا مَاكَانُ إِلَى جُرْجَانَ، وَوَافَقَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِلْيَاسَ، وَخَطَبَ لَهُ، وَأَقَامُوا بِنَيْسَابُورَ.
وَكَانَ السَّعِيدُ فِي أَثَرِ يَحْيَى لَا يُمَكِّنُهُ مِنَ الِاسْتِقْرَارِ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ خَبَرُ مَجِيءِ السَّعِيدِ (إِلَى نَيْسَابُورَ) تَفَرَّقُوا، فَخَرَجَ ابْنُ إِلْيَاسَ إِلَى كَرْمَانَ وَأَقَامَ بِهَا، وَخَرَجَ قُرَاتِكِينُ وَمَعَهُ يَحْيَى إِلَى بُسْتَ وَالرُّخَّجِ، فَأَقَامَا بِهَا، وَوَصَلَ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ نَيْسَابُورَ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَأَنْفَذَ إِلَى قُرَاتِكِينَ، وَوَلَّاهُ بَلْخَ، وَبَذَلَ الْأَمَانَ لِيَحْيَى، فَجَاءَ إِلَيْهِ، وَزَالَتِ الْفِتْنَةُ، وَانْقَطَعَ الشَّرُّ وَكَانَ قَدْ دَامَ هَذِهِ الْمُدَّةَ كُلَّهَا.
وَأَقَامَ السَّعِيدُ بِنَيْسَابُورَ إِلَى أَنْ حَضَرَ عِنْدَهُ يَحْيَى، فَأَكْرَمَهُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَضَى بِهَا لِسَبِيلِهِ هُوَ وَأَخُوهُ أَبُو صَالِحٍ مَنْصُورٌ، فَلَمَّا رَأَى أَخُوهُمَا إِبْرَاهِيمُ ذَلِكَ هَرَبَ مِنْ عِنْدِ السَّعِيدِ إِلَى بَغْدَاذَ، ثُمَّ مِنْهَا إِلَى الْمَوْصِلِ، وَسَيَأْتِي خَبَرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 3692
وَأَمَّا قُرَاتِكِينُ فَإِنَّهُ مَاتَ بِبُسْتَ، وَنُقِلَ إِلَى أَسْبِيجَابَ، فَدُفِنَ بِهَا فِي رِبَاطِهِ الْمَعْرُوفِ بِرِبَاطِ قُرَاتِكِينَ، (وَلَمْ يَمْلِكْ ضَيْعَةً قَطُّ) ، وَكَانَ يَقُولُ: يَنْبَغِي لِلْجُنْدِيِّ أَنْ يَصْحَبَهُ كُلُّ مَا مَلَكَ أَيْنَ سَارَ، حَتَّى لَا يَعْتَقِلَهُ شَيْءٌ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُنْتَصَفَ الْمُحَرَّمِ، وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بِالْمَوْصِلِ بَيْنَ أَصْحَابِ الطَّعَامِ وَبَيْنَ أَهْلِ الْمُرَبَّعَةِ وَالْبَزَّازِينَ، (فَظَهَرَ أَصْحَابُ الطَّعَامِ عَلَيْهِمْ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَانْضَمَّ الْأَسَاكِفَةُ إِلَى أَهْلِ الْمُرَبَّعَةِ وَالْبَزَّازِينَ) فَاسْتَظْهَرُوا بِهِمْ، وَقَهَرُوا أَصْحَابَ الطَّعَامِ وَهَزَمُوهُمْ وَأَحْرَقُوا أَسْوَاقَهُمْ.
وَتَتَابَعَتِ الْفِتْنَةُ بَعْدَ الْحَادِثَةِ وَاجْتَرَأَ أَهْلُ الشَّرِّ، وَتَعَاقَدَ أَصْحَابُ الْخُلُقَانِ وَالْأَسَاكِفَةُ عَلَى أَصْحَابِ الطَّعَامِ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا (دَامَ بَيْنَهُمْ) ، ثُمَّ ظَفِرَ أَصْحَابُ الطَّعَامِ فَهَزَمُوا الْأَسَاكِفَةَ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَأَحْرَقُوا سُوقَهُمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ، وَرَكِبَ أَمِيرُ الْمَوْصِلِ، وَهُوَ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ الَّذِي لُقِّبَ بَعْدُ بِنَاصِرِ الدَّوْلَةِ لِيُسَكِّنَ النَّاسَ، فَلَمْ يَسْكُنُوا وَلَا كَفُّوا، ثُمَّ دَخَلَ بَيْنَهُمْ نَاسٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ الدِّينِ، فَأَصْلَحُوا بَيْنَهُمْ.
وَفِيهَا وَقَعَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بِبَغْدَاذَ بَيْنَ أَصْحَابِ أَبِي بَكْرٍ الْمَرْوَزِيِّ الْحَنْبَلِيِّ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْعَامَّةِ، وَدَخَلَ كَثِيرٌ مِنَ الْجُنْدِ فِيهَا، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَصْحَابَ الْمَرْوَزِيِّ قَالُوا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] ، هُوَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ
стр. 3693
يُقْعِدُ النَّبِيَّ ﷺ مَعَهُ عَلَى الْعَرْشِ، وَقَالَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى: إِنَّمَا هُوَ الشَّفَاعَةُ، فَوَقَعَتِ الْفِتْنَةُ وَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى كَثِيرَةٌ.
وَفِيهَا ضَعُفَتِ الثُّغُورُ الْجُزُرِيَّةُ عَنْ دَفْعِ الرُّومِ عَنْهُمْ، مِنْهَا مَلَطْيَةُ وَمَيَّافَارِقِينُ (وَآمِدُ وَأَرْزَنُ) وَغَيْرُهَا، وَعَزَمُوا عَلَى طَاعَةِ مَلِكِ الرُّومِ (وَالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ) لِعَجْزِ الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ عَنْ نَصْرِهِمْ، وَأَرْسَلُوا إِلَى بَغْدَاذَ يَسْتَأْذِنُونَ فِي التَّسْلِيمِ، (وَيَذْكُرُونَ عَجْزَهُمْ، وَيَسْتَمِدُّونَ) الْعَسَاكِرَ لِتَمْنَعَ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَحْصُلُوا عَلَى فَائِدَةٍ، فَعَادُوا.
وَفِيهَا قُلِّدَ الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ (مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ حَمَّادِ) بْنِ زَيْدٍ قَضَاءَ الْقُضَاةِ.
وَفِيهَا قُلِّدَ ابْنَا رَائِقٍ شُرْطَةَ بَغْدَاذَ مَكَانَ نَازُوكَ.
وَفِيهَا مَاتَ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ.
وَفِيهَا أَقَرَّ الْمُقْتَدِرُ بِاللَّهِ نَاصِرَ الدَّوْلَةِ الْحَسَنَ بْنَ أَبِي الْهَيْجَاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ حَمْدَانَ عَلَى مَا بِيَدِهِ مِنْ أَعْمَالِ قَرْدَى وَبَازَبْدَى، وَعَلَى أَقَطَاعِ أَبِيهِ وَضِيَاعِهِ.
وَفِيهَا قُلِّدَ نِحْرِيرٌ الصَّغِيرُ أَعْمَالَ الْمَوْصِلِ، فَسَارَ إِلَيْهَا، فَمَاتَ بِهَا فِي هَذِهِ
стр. 3694
السَّنَةِ، (وَوَلِيَهَا بَعْدَهُ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ سَنَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ) .
(وَفِيهَا سَارَ حَاجُّ الْعِرَاقِ إِلَى مَكَّةَ عَلَى طَرِيقِ الشَّامِ فَوَصَلُوا إِلَى الْمَوْصِلِ أَوَّلَ شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ مِنْهَا إِلَى الشَّامِ، لِانْقِطَاعِ الطَّرِيقِ بِسَبَبِ الْقَرْمَطِيِّ، وَكَانَتْ كُسْوَةُ الْكَعْبَةِ مَعَ ابْنِ عَبْدُوسَ الْجَهْشَيَارِيِّ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْوَزِيرِ) .
(وَفِيهَا، فِي شَعْبَانَ، ظَهَرَ بِالْمَوْصِلِ خَارِجِيٌّ يُعْرَفُ بِابْنِ مَطَرٍ، وَقَصَدَ نَصِيبِينَ، فَسَارَ إِلَيْهَا نَاصِرُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ، فَقَاتَلَهُ، فَأَسَرَهُ. وَظَهَرَ فِيهَا أَيْضًا خَارِجِيٌّ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ بِالْبَوَازِيجِ، فَسَارَ إِلَيْهِ أَبُو السَّرَايَا نَصْرُ بْنُ حَمْدَانَ، فَأَخَذَهُ أَيْضًا) .
وَفِيهَا الْتَقَى مُفْلِحٌ السَّاجِيُّ وَالدُّمُسْتُقُ، فَاقْتَتَلَا، فَانْهَزَمَ الدُّمُسْتُقُ وَدَخَلَ مُفْلِحٌ وَرَاءَهُ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ.
وَفِيهَا، آخِرَ ذِي الْقِعْدَةِ، انْقَضَّ كَوْكَبٌ عَظِيمٌ، وَصَارَ لَهُ ضَوْءٌ عَظِيمٌ جِدًّا.
وَفِيهَا هَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، وَحَمَلَتْ رَمْلًا أَحْمَرَ شَدِيدَ الْحُمْرَةِ، فَعَمَّ جَانِبَيْ بَغْدَاذَ، وَامْتَلَأَتْ مِنْهُ الْبُيُوتُ وَالدُّرُوبُ، يُشْبِهُ رَمْلَ طَرِيقِ مَكَّةَ.
[الْوَفَيَاتُ]
(وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ شُقَيْرٍ النَّحْوِيُّ، كَانَ عَالِمًا بِمَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ، وَلَهُ فِيهِ تَصَانِيفُ) .
стр. 3695
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣١٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ هَلَاكِ الرِّجَالِ الْمُصَافِيَّةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ هَلَكَ الرَّجَّالَةُ الْمُصَافِيَّةُ، وَأُخْرِجُوا مِنْ بَغْدَاذَ بَعْدَ (مَا عَظُمَ شَرُّهُمْ، وَقَوِيَ أَمْرُهُمْ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا أَعَادُوا) الْمُقْتَدِرَ إِلَى الْخِلَافَةِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، زَادَ إِدْلَالُهُمْ وَاسْتِطَالَتُهُمْ، وَصَارُوا يَقُولُونَ أَشْيَاءَ لَا يَحْتَمِلُهَا الْخُلَفَاءُ، مِنْهَا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَنْ أَعَانَ ظَالِمًا سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ يُصْعِدُ الْحِمَارَ إِلَى السَّطْحِ يَقْدِرُ يَحُطُّهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلِ الْمُقْتَدِرُ مَعَنَا مَا نَسْتَحِقُّهُ، قَاتَلْنَاهُ بِمَا يَسْتَحِقُّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَكَثُرَ شَغَبُهُمْ وَمُطَالَبَتُهُمْ، وَأَدْخَلُوا فِي الْأَرْزَاقِ أَوْلَادَهُمْ، وَأَهْلِيهِمْ، وَمَعَارِفَهَمْ، وَأَثْبَتُوا أَسْمَاءَهُمْ، فَصَارَ لَهُمْ فِي الشَّهْرِ مِائَةُ أَلْفٍ وَثَلَاثُونَ أَلْفَ دِينَارٍ.
وَاتَّفَقَ أَنْ شَغَبَ الْفُرْسَانُ فِي طَلَبِ أَرْزَاقِهِمْ، فَقِيلَ لَهُمْ: إِنَّ بَيْتَ الْمَالِ فَارِغٌ وَقَدِ انْصَرَفَتِ الْأَمْوَالُ إِلَى الرَّجَّالَةِ (فَثَارَ بِهِمُ الْفُرْسَانُ، فَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ مِنَ الْفُرْسَانِ جَمَاعَةٌ، وَاحْتَجَّ الْمُقْتَدِرُ بِقَتْلِهِمْ عَلَى الرَّجَّالَةِ) ، وَأَمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ يَاقُوتٍ فَرَكِبَ، وَكَانَ قَدِ اسْتُعْمِلَ عَلَى الشُّرْطَةِ، فَطَرَدَ الرَّجَّالَةَ عَنْ دَارِ الْمُقْتَدِرِ، وَنُودِيَ فِيهِمْ بِخُرُوجِهِمْ عَنْ بَغْدَاذَ، وَمَنْ أَقَامَ قُبِضَ عَلَيْهِ وَحُبِسَ، وَهُدِمَتْ دُورُ زُعَمَائِهِمْ، وَقُبِضَتْ أَمْلَاكُهُمْ، وَظَفِرَ بَعْدَ النِّدَاءِ، بِجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ فَضَرَبَهُمْ، وَحَلَقَ لِحَاهُمْ، وَشَهَّرَ بِهِمْ.
стр. 3696
وَهَاجَ السُّودَانُ تَعَصُّبًا لِلرَّجَّالَةِ، فَرَكِبَ مُحَمَّدٌ أَيْضًا فِي الْحُجَرِيَّةِ، وَأَوْقَعَ بِهِمْ، وَأَحْرَقَ مَنَازِلَهُمْ، فَاحْتَرَقَ فِيهَا جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهُمْ، وَمِنْ أَوْلَادِهِمْ، وَمِنْ نِسَائِهِمْ، فَخَرَجُوا إِلَى وَاسِطَ، وَاجْتَمَعَ بِهَا مِنْهُمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ، (وَتَغَلَّبُوا عَلَيْهَا) ، وَطَرَحُوا عَامِلَ الْخَلِيفَةِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ مُؤْنِسٌ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ، فَلَمْ تَقُمْ لَهُمْ بَعْدَهَا رَايَةٌ.
ذِكْرُ عَزْلِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ عَنِ الْمَوْصِلِ (وَوِلَايَةِ عَمَّيْهِ سَعِيدٍ وَنَصْرٍ)
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، عُزِلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ عَنِ الْمَوْصِلِ، (وَوَلِيَهَا عَمَّاهُ سَعِيدٌ وَنَصْرٌ ابْنَا حَمْدَانَ) ، وَوَلِيَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ دِيَارَ رَبِيعَةَ، وَنَصِيبِينَ، وَسِنْجَارَ، وَالْخَابُورَ، وَرَأْسَ عَيْنٍ، وَمَعَهَا مِنْ دِيَارِ بَكْرٍ، مَيَّافَارِقِينُ وَأَرْزَنُ، ضَمِنَ ذَلِكَ بِمَالٍ مَبْلَغُهُ مَعْلُومٌ، فَسَارَ إِلَيْهَا، وَوَصَلَ سَعِيدٌ إِلَى الْمَوْصِلِ (فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ) .
ذِكْرُ عَزْلِ ابْنِ مُقْلَةَ وَوِزَارَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ الْوَزِيرُ أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ مُقْلَةَ مِنْ وِزَارَةِ الْخَلِيفَةِ.
وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ أَنَّ الْمُقْتَدِرَ كَانَ يَتَّهِمُهُ بِالْمَيْلِ إِلَى مُؤْنِسٍ الْمُظَفَّرِ، وَكَانَ الْمُقْتَدِرُ مُسْتَوْحِشًا مِنْ مُؤْنِسٍ، وَيُظْهِرُ لَهُ الْجَمِيلَ، فَاتَّفَقَ أَنَّ مُؤْنِسًا خَرَجَ إِلَى أَوَانَا، وَعُكْبَرَا، فَرَكِبَ
стр. 3697
ابْنُ مُقْلَةَ إِلَى دَارِ الْمُقْتَدِرِ آخِرَ جُمَادَى الْأُولَى، فَقُبِضَ عَلَيْهِ.
وَكَانَ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ يَاقُوتٍ وَبَيْنَ ابْنِ مُقْلَةَ عَدَاوَةٌ، فَأَنْفَذَ إِلَى دَارِهِ، بَعْدَ أَنْ قَبَضَ عَلَيْهِ، وَأَحْرَقَهَا لَيْلًا.
وَأَرَادَ الْمُقْتَدِرُ أَنْ يَسْتَوْزِرَ الْحُسَيْنَ بْنَ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ مُؤْنِسٌ قَدْ عَادَ فَأَنْفَذَ (إِلَى الْمُقْتَدِرِ مَعَ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى يَسْأَلُ أَنْ يُعَادَ ابْنُ مُقْلَةَ، فَلَمْ يُجِبِ) الْمُقْتَدِرُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَرَادَ قَتْلَ ابْنِ مُقْلَةَ، فَرَدَّهُ عَنْ ذَلِكَ، فَسَأَلَ مُؤْنِسٌ أَنْ لَا يَسْتَوْزِرَ الْحُسَيْنَ، فَتَرَكَهُ، وَاسْتَوْزَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ الْحَسَنِ مُنْتَصَفَ جُمَادَى الْأُولَى، وَأَمَرَ الْمُقْتَدِرُ بِاللَّهِ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى بِالِاطِّلَاعِ عَلَى الدَّوَاوِينِ، وَأَنْ لَا يَنْفَرِدَ سُلَيْمَانُ عَنْهُ بِشَيْءٍ، وَصُودِرَ أَبُو عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ بِمِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَانَتْ مُدَّةُ وِزَارَتِهِ سَنَتَيْنِ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى أَوْلَادِ الْبَرِيدِيِّ
كَانَ أَوْلَادُ الْبَرِيدِيِّ، وَهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ، قَدْ ضَمِنُوا الْأَهْوَازَ، كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَمَّا عُزِلَ الْوَزِيرُ ابْنُ مُقْلَةَ كَتَبَ الْمُقْتَدِرُ بِخَطِّ يَدِهِ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ الْقُشُورِيِّ الْحَاجِبِ يَأْمُرُهُ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِمْ، فَفَعَلَ، وَأَوْدَعَهُمْ عِنْدَهُ فِي دَارِهِ. فَفِي بَعْضِ الْأَيَّامِ سَمِعَ ضَجَّةً عَظِيمَةً، وَأَصْوَاتًا هَائِلَةً، فَسَأَلَ: مَا الْخَبَرُ؟ فَقِيلَ: إِنَّ الْوَزِيرَ قَدْ كَتَبَ بِإِطْلَاقِ بَنِي الْبَرِيدِيِّ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كِتَابًا مُزَوَّرًا يَأْمُرُهُ فِيهِ بِإِطْلَاقِهِمْ، وَإِعَادَتِهِمْ إِلَى أَعْمَالِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ أَحْمَدُ: هَذَا كِتَابُ الْخَلِيفَةِ بِخَطِّهِ، يَقُولُ فِيهِ: لَا تُطْلِقْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ كِتَابٌ آخَرُ بِخَطِّي.
ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْكِتَابَ مُزَوَّرٌ، ثُمَّ أَنْفَذَ الْمُقْتَدِرُ فَاسْتَحْضَرَهُمْ إِلَى بَغْدَاذَ، وَصُودِرُوا
стр. 3698
عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، (وَكَانَ لَا يَطْمَعُ فِيهَا مِنْهُمْ) ، وَإِنَّمَا طَلَبُ مِنْهُمْ هَذَا الْقَدْرَ لِيُجِيبُوا إِلَى بَعْضِهِ، فَأَجَابُوا إِلَيْهِ جَمِيعَهُ لِيَتَخَلَّصُوا وَيَعُودُوا إِلَى عَمَلِهِمْ.
ذِكْرُ خُرُوجِ صَالِحٍ وَالْأَغَرِّ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، خَرَجَ خَارِجِيٌّ مِنْ بَجِيلَةَ، مِنْ أَهْلِ الْبَوَازِيجِ، اسْمُهُ صَالِحُ بْنُ مَحْمُودٍ، وَعَبَرَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي مَالِكٍ، وَسَارَ إِلَى سِنْجَارَ فَأَخَذَ مِنْ أَهْلِهَا مَالًا (فَلَقِيَهُ قَوَافِلُ) ، فَأَخَذَ عُشْرَهَا، وَخَطَبَ بِسِنْجَارَ، فَذَكَّرَ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَحَذَّرَ، وَأَطَالَ فِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: نَتَوَلَّى الشَّيْخَيْنِ، وَنَبْرَأُ مِنَ الْخَبِيثَيْنِ، وَلَا نَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
وَسَارَ مِنْهَا إِلَى الشَّجَاجِيَّةِ، مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ، فَطَالَبَ أَهْلَهَا وَأَهْلَ أَعْمَالِ الْفَرَجِ بِالْعُشْرِ، وَأَقَامَ أَيَّامًا، وَانْحَدَرَ إِلَى الْحَدِيثَةِ، تَحْتَ الْمَوْصِلِ، فَطَالَبَ الْمُسْلِمِينَ بِزَكَاةِ أَمْوَالِهِمْ، وَالنَّصَارَى بِجِزْيَةِ رُءُوسِهِمْ، فَجَرَى بَيْنَهُمْ حَرْبٌ، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةٌ، وَمَنَعُوهُ مِنْ دُخُولِهَا، فَأَحْرَقَ لَهُمْ سِتَّ عُرُوبٍ، وَعَبَرَ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَأَسَرَ أَهْلُ الْحَدِيثَةِ ابْنًا لِصَالِحٍ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، فَأَخَذَهُ نَصْرُ بْنُ حَمْدَانَ بْنِ حَمْدُونَ، وَهُوَ الْأَمِيرُ بِالْمَوْصِلِ، فَأَدْخَلَهُ إِلَيْهَا، ثُمَّ سَارَ صَالِحٌ إِلَى السِّنِّ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى مَالٍ أَخَذَهُ مِنْهُمْ، وَانْصَرَفَ إِلَى الْبَوَازِيجِ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى تَلِّ خُوسَا، قَرْيَةٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ عِنْدَ الزَّابِ الْأَعْلَى، وَكَاتَبَ أَهْلَ الْمَوْصِلِ فِي أَمْرِ وَلَدِهِ، وَتَهَدَّدَهُمْ إِنْ لَمْ يَرُدُّوهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ رَحَلَ
стр. 3699
إِلَى السَّلَامِيَّةِ، فَسَارَ إِلَيْهِ نَصْرُ بْنُ حَمْدَانَ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَفَارَقَهَا صَالِحٌ إِلَى الْبَوَازِيجِ، فَطَلَبَهُ نَصْرٌ، فَأَدْرَكَهُ بِهَا، فَحَارَبَهُ حَرْبًا شَدِيدًا قُتِلَ فِيهِ مِنْ رِجَالِ صَالِحٍ نَحْوُ مِائَةِ رَجُلٍ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ نَصْرٍ جَمَاعَةٌ، وَأُسِرَ صَالَحٌ وَمَعَهُ ابْنَانِ لَهُ، وَأُدْخِلُوا إِلَى الْمَوْصِلِ، وَحُمِلُوا إِلَى بَغْدَاذَ فَأُدْخِلُوا مَشْهُورِينَ.
وَفِيهَا، فِي شَعْبَانَ خَرَجَ بِأَرْضِ الْمَوْصِلِ خَارِجِيٌّ اسْمُهُ الْأَغَرُّ بْنُ مَطَرَةَ الثَّعْلَبِيُّ، وَكَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ مِنْ وَلَدِ عَتَّابِ بْنِ كُلْثُومٍ الثَّعْلَبِيِّ أَخِي عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ الشَّاعِرِ، وَكَانَ خُرُوجُهُ بِنَوَاحِي رَأْسِ الْعَيْنِ، وَقَصَدَ كَفَرْتُوثَا وَقَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ نَحْوُ أَلْفَيْ رَجُلٍ، فَدَخَلَهَا وَنَهَبَهَا وَقَتَلَ فِيهَا.
وَسَارَ إِلَى نَصِيبِينَ، فَنَزَلَ بِالْقُرْبِ مِنْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَالِيهَا وَمَعَهُ جَمْعٌ مِنَ الْجُنْدِ وَمِنَ الْعَامَّةِ، فَقَاتَلُوهُ، فَقَتَلَ الشَّارِيُّ مِنْهُمْ مِائَةَ رَجُلٍ، وَأَسَرَ أَلْفَ رَجُلٍ، فَبَاعَهُمْ نُفُوسَهُمْ، وَصَالَحَهُ أَهْلُ نَصِيبِينَ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
(وَبَلَغَ خَبَرُهُ نَاصِرَ الدَّوْلَةِ بْنَ حَمْدَانَ، وَهُوَ أَمِيرُ دِيَارِ رَبِيعَةَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا) ، فَقَاتَلُوهُ، فَظَفِرُوا بِهِ وَأَسَرُوهُ، وَسَيَّرَهُ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَاذَ.
ذِكْرُ مُخَالِفَةِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ وَعَوْدِهِ
كَانَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ مُقِيمًا بِالْخُتَّلِ، وَالِيًا عَلَيْهَا لِلسَّامَانِيَّةِ فَبَدَتْ مِنْهُ أُمُورٌ نُسِبَ بِسَبَبِهَا إِلَى الِاسْتِعْصَاءِ، فَكُوتِبَ أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ
стр. 3700
بِقَصْدِهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ، وَحَارَبَهُ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَحَمَلَهُ إِلَى بُخَارَى، (وَذَلِكَ قَبْلَ مُخَالَفَةِ أَبِي زَكَرِيَّاءَ يَحْيَى، فَلَمَّا حُمِلَ إِلَى بُخَارَى) حُبِسَ فِيهَا، فَلَمَّا خَالَفَ أَبُو زَكَرِيَّاءَ يَحْيَى أَخْرَجَهُ مِنَ الْحَبْسِ وَصَحِبَهُ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَهُ فِي الْعَوْدِ إِلَى وِلَايَةِ الْخُتَّلِ وَجَمْعِ الْجُيُوشِ لَهُ بِهَا، فَأَذِنَ لَهُ فَسَارَ إِلَيْهَا، وَأَقَامَ بِهَا، وَتَمَسَّكَ بِطَاعَةِ (السَّعِيدِ نَصْرِ بْنِ) أَحْمَدَ، فَصَلُحَ حَالُهُ، وَذَلِكَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
(الْخُتَّلُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّاءُ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ وَالْخَاءُ مَضْمُومَةٌ وَالتَّاءُ مُشَدَّدَةٌ مَفْتُوحَةٌ) .
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ شَغَبَ الْفُرْسَانُ، وَتَهَدَّدُوا بِخَلْعِ الطَّاعَةِ، فَأَحْضَرَ الْمُقْتَدِرُ قُوَّادَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَوَعَدَهُمُ الْجَمِيلَ، وَأَنْ يُطْلِقَ أَرْزَاقَهُمْ فِي الشَّهْرِ الْمُقْبِلِ، فَسَكَنُوا، ثُمَّ شَغَبَ الرَّجَّالَةُ، فَأُطْلِقَتْ أَرْزَاقُهُمْ.
وَفِيهَا خَلَعَ الْمُقْتَدِرُ عَلَى ابْنِهِ هَارُونَ، وَرَكِبَ مَعَهُ الْوَزِيرُ، وَالْجَيْشُ، وَأَعْطَاهُ وِلَايَةَ فَارِسَ وَكَرْمَانَ وَسِجِسْتَانَ وَمَكْرَانَ.
وَفِيهَا أَيْضًا خَلَعَ عَلَى ابْنِهِ أَبِي الْعَبَّاسِ، وَأَقْطَعُهُ بِلَادَ الْغَرْبِ وَمِصْرَ، وَالشَّامِ، وَجَعَلَ مُؤْنِسًا الْمُظَفَّرَ يَخْلُفُهُ فِيهَا.
وَفِيهَا صُرِفَ ابْنَا رَائِقٍ عَنِ الشُّرْطَةِ، وَقُلِّدَهَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتٍ.
стр. 3701
وَفِيهَا وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بِنَصِيبِينَ بَيْنَ أَهْلِ بَابِ الرُّومِ وَالْبَابِ الشَّرْقِيِّ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَأَدْخَلُوا إِلَيْهِمْ قَوْمًا (مِنَ الْعَرَبِ) وَالسَّوَادِ فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ جَمَاعَةٌ، وَأُحْرِقَتِ الْمَنَازِلُ وَالْحَوَانِيتُ، وَنُهِبَتِ الْأَمْوَالُ، وَنَزَلَ بِهِمْ قَافِلَةٌ عَظِيمَةٌ تُرِيدُ الشَّامُ، فَنَهَبُوهَا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ الْبَغْدَاذِيُّ وَكَانَ عُمْرُهُ تِسْعِينَ سَنَةً، وَهُوَ مِنْ فُضَلَاءِ الْمُحَدِّثِينَ، وَالْقَاضِي أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ الْبُهْلُولِ التَّنُوخِيُّ الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْأَدَبِ وَنَحْوِ الْكُوفِيِّينَ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ.
стр. 3702
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣١٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ تَجَدُّدِ الْوَحْشَةِ بَيْنَ مُؤْنِسٍ وَالْمُقْتَدِرِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَجَدَّدَتِ الْوَحْشَةُ بَيْنَ مُؤْنِسٍ الْمُظَفَّرِ وَبَيْنَ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ.
وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يَاقُوتٍ كَانَ مُنْحَرِفًا عَلَى الْوَزِيرِ سُلَيْمَانَ، وَمَائِلًا إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَكَانَ مُؤْنِسٌ يَمِيلُ إِلَى سُلَيْمَانَ، بِسَبَبِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، وَثِقَتِهِمْ بِهِ، وَقَوِيَ أَمْرُ مُحَمَّدِ بْنِ يَاقُوتٍ، وَقُلِّدَ، مَعَ الشُّرْطَةِ، الْحِسْبَةَ، وَضَمَّ إِلَيْهِ رِجَالًا، فَقَوِيَ بِهِمْ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى مُؤْنِسٍ، وَسَأَلَ الْمُقْتَدِرَ صَرْفَ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحِسْبَةِ، وَقَالَ: هَذَا شُغْلٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ غَيْرُ الْقُضَاةِ وَالْعُدُولِ، فَأَجَابَهُ الْمُقْتَدِرُ.
وَجَمَعَ مُؤْنِسٌ إِلَيْهِ أَصْحَابَهُ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَمَعَ يَاقُوتٌ وَابْنُهُ الرِّجَالَ فِي دَارِ السُّلْطَانِ، وَفِي دَارِ مُحَمَّدِ بْنِ يَاقُوتٍ، وَقِيلَ لِمُؤْنِسٍ: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يَاقُوتٍ قَدْ عَزَمَ عَلَى كَبْسِ دَارِكَ لَيْلًا، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ أَصْحَابُهُ حَتَّى أَخْرَجُوهُ إِلَى بَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ فَضَرَبُوا مَضَارِبَهُمْ هُنَاكَ، وَطَالَبَ الْمُقْتَدِرَ بِصَرْفِ يَاقُوتٍ عَنِ الْحِسْبَةِ وَصَرْفِ ابْنِهِ عَنِ الشُّرْطَةِ، وَإِبْعَادِهِمَا عَنِ الْحَضْرَةِ، فَأُخْرِجَا إِلَى الْمَدَائِنِ.
وَقَلَّدَ الْمُقْتَدِرُ يَاقُوتًا أَعْمَالَ فَارِسَ وَكَرْمَانَ، وَقَلَّدَ ابْنَهُ الْمُظَفَّرَ بْنَ يَاقُوتٍ أَصْبَهَانَ وَقَلَّدَ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ يَاقُوتٍ سِجِسْتَانَ، وَتَقَلَّدَ ابْنَا رَائِقٍ إِبْرَاهِيمُ وَمُحَمَّدٌ مَكَانَ يَاقُوتٍ وَوَلَدِهِ الْحِسْبَةَ وَالشُّرْطَةَ، وَأَقَامَ يَاقُوتٌ بِشِيرَازَ مُدَّةً.
стр. 3703
وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ طَيَّابٍ ضَامِنًا أَمْوَالَ الضِّيَاعِ وَالْخَرَاجِ بِهَا. فَتَضَافَرَا، وَتَعَاقَدَا، وَقَطَعَا الْحِمْلَ عَلَى الْمُقْتَدِرِ، إِلَى أَنْ مَلَكَ عَلِيُّ بْنُ بُوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ بِلَادَ فَارِسَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
ذِكْرُ قَبْضِ الْوَزِيرِ سُلَيْمَانَ وَوِزَارَةِ أَبِي الْقَاسِمِ الْكَلْوَذَانِيِّ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ الْمُقْتَدِرُ عَلَى وَزِيرِهِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ ضَاقَتِ الْأَمْوَالُ عَلَيْهِ إِضَاقَةً شَدِيدَةً، وَكَثُرَتْ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَاتُ، وَوَقَفَتْ وَظَائِفُ السُّلْطَانِ، وَاتَّصَلَتْ رِقَاعُ مَنْ يُرَشِّحُ نَفْسَهُ لِلْوِزَارَةِ بِالسِّعَايَةِ لَهَا وَالضَّمَانِ بِالْقِيَامِ بِالْوَظَائِفِ، وَأَرْزَاقِ الْجُنْدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَنَقَلَهُ إِلَى دَارِهِ.
وَكَانَ الْمُقْتَدِرُ كَثِيرَ الشَّهْوَةِ لِتَقْلِيدِ الْحَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ الْوِزَارَةَ، فَامْتَنَعَ مُؤْنِسٌ مِنْ ذَلِكَ، وَأَشَارَ بِوِزَارَةِ أَبِي الْقَاسِمِ الْكَلْوَذَانِيِّ، فَاضْطَرَّ الْمُقْتَدِرُ إِلَى ذَلِكَ، فَاسْتَوْزَرَهُ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ، فَكَانَتْ وِزَارَةُ سُلَيْمَانَ سَنَةً وَاحِدَةً وَشَهْرَيْنِ، وَكَانَتْ وِزَارَتُهُ غَيْرَ مُتَمَكِّنَةٍ أَيْضًا، فَإِنَّهُ كَانَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى مَعَهُ عَلَى الدَّوَاوِينِ وَسَائِرِ الْأُمُورِ، وَأُفْرِدَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى (عَنْهُ بِالنَّظَرِ فِي الْمَظَالِمِ) ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَى دِيوَانِ السَّوَادِ غَيْرُهُ، فَانْقَطَعَتْ مَوَادُّ الْوَزِيرِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُقِيمُ مِنْ قِبَلِهِ مَنْ يَشْتَرِي تَوْقِيعَاتِ أَرْزَاقِ جَمَاعَةٍ لَا يُمْكِنُهُمْ مُفَارَقَةُ مَا هُمْ عَلَيْهِ بِصَدَدِهِ مِنَ الْخِدْمَةِ، فَكَانَ يُعْطِيهِمْ نِصْفَ الْمَبْلَغِ، وَكَانَتْ إِدْرَارَاتُ الْفُقَهَاءِ وَأَرْبَابِ الْبُيُوتِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَكَانَ أَبُو بَكْرِ بْنُ قُرَابَةَ مُنْتَمِيًا إِلَى مُفْلِحٍ الْخَادِمِ، فَأَوْصَلَهُ إِلَى الْمُقْتَدِرِ، فَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ يَعْرِفُ وُجُوهَ مَرَافِقِ الْوُزَرَاءِ، فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا لِيُصْلِحَهُ لِلْخَلِيفَةِ، فَسَعَى فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ مِنَ الْعُمَّالِ، وَالضُّمَّانِ، وَالتُّنَّاءِ، وَغَيْرِهِمْ، فَأَخْلَقَ بِذَلِكَ الْخِلَافَةَ وَفَضَحَ الدِّيوَانَ وَوَقَفَتْ أَحْوَالُ النَّاسِ، فَإِنَّ الْوُزَرَاءَ وَأَرْبَابَ الْوِلَايَاتِ لَا يَقُومُونَ بِأَشْغَالِ الرَّعَايَا وَالتَّعَبِ
стр. 3704
مَعَهُمْ إِلَّا لِرِفْقٍ يَحْصُلُ لَهُمْ، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى النَّظَرِ فِي أَحْوَالِهِمْ، فَإِنَّهُ بَعِيدٌ مِنْهُمْ، فَإِذَا مُنِعُوا تِلْكَ الْمَرَافِقَ (تَرَكُوا النَّاسَ يَضْطَرِبُونَ) ، وَلَا يَجِدُونَ مَنْ يَأْخُذُ بِأَيْدِيهِمْ، وَلَا يَقْضِي حَوَائِجَهُمْ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ هَذَا عِيَانًا فِي زَمَانِنَا هَذَا، وَفَاتَ بِهِ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ مَا لَا يُحْصَى.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ هَارُونَ وَعَسْكَرِ مَرْدَاوِيجَ
قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ قَتْلَ أَسْفَارٍ وَمُلْكَ مَرْدَاوِيجَ، وَأَنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَى بَلَدِ الْجَبَلِ وَالرَّيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَأَقْبَلَتِ الدَّيْلَمُ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ لِبَذْلِهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَى جُنْدِهِ، فَعَظُمَتْ جُيُوشُهُ، وَكَثُرَتْ عَسَاكِرُهُ، وَكَثُرَ الْخَرَاجُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكْفِهِ مَا فِي يَدِهِ، فَفَرَّقَ نُوَّابَهُ فِي النَّوَاحِي الْمُجَاوِرَةِ لَهُ.
فَكَانَ مِمَّنْ سَيَّرَهُ إِلَى هَمَذَانَ ابْنُ أُخْتٍ لَهُ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ، وَكَانَ بِهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ فِي عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ، فَتَحَارَبُوا حُرُوبًا كَثِيرَةً، وَأَعَانَ أَهْلُ هَمَذَانَ عَسْكَرَ الْخَلِيفَةِ، فَظَفِرُوا بِالدَّيْلَمِ، وَقُتِلَ ابْنُ أُخْتِ مَرْدَاوِيجَ، فَسَارَ مَرْدَاوِيجُ مِنَ الرَّيِّ إِلَى هَمَذَانَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَصْحَابُ الْخَلِيفَةِ بِمَسِيرِهِ انْهَزَمُوا مِنْ هَمَذَانَ، فَجَاءَ إِلَى هَمَذَانَ، وَنَزَلَ عَلَى بَابِ الْأَسَدِ، فَتَحَصَّنَ مِنْهُ أَهْلُهَا، فَقَاتَلَهُمْ، فَظَفِرَ بِهِمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَحْرَقَ وَسَبَى، ثُمَّ رَفَعَ السَّيْفَ عَنْهُمْ وَأَمَّنَ بَقِيَّتَهُمْ.
فَأَنْفَذَ الْمُقْتَدِرُ هَارُونَ بْنَ غَرِيبِ الْخَالِ فِي عَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ إِلَى مُحَارَبَتِهِ، فَالْتَقَوْا بِنُوَاحِي هَمَذَانَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ هَارُونُ وَعَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ، وَاسْتَوْلَى مَرْدَاوِيجُ عَلَى بِلَادِ الْجَبَلِ جَمِيعِهَا، وَمَا وَرَاءَ هَمَذَانَ، وَسَيَّرَ قَائِدًا كَبِيرًا مِنْ أَصْحَابِهِ يُعْرَفُ بِابْنِ عَلَّانَ الْقَزْوِينِيِّ إِلَى الدِّينَوَرِ، فَفَتَحَهَا بِالسَّيْفِ، وَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِهَا، وَبَلَغَتْ عَسَاكِرُهُ إِلَى نَوَاحِي حُلْوَانَ، فَغَنِمَتْ، وَنَهَبَتْ، وَقَتَلَتْ، وَسَبَتِ الْأَوْلَادَ وَالنِّسَاءَ، وَعَادُوا إِلَيْهِ.
ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ لَشْكَرِيُّ مِنَ الْمُخَالَفَةِ
كَانَ لَشْكَرِيُّ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ أَصْحَابِ أَسْفَارٍ، (وَاسْتَأْمَنَ إِلَى) الْخَلِيفَةِ، فَلَمَّا
стр. 3705
انْهَزَمَ هَارُونُ بْنُ غَرِيبٍ مِنْ مَرْدَاوِيجَ سَارَ مَعَهُ إِلَى قَرْمِيسِينَ، وَأَقَامَ هَارُونُ بِهَا، وَاسْتَمَدَّ الْمُقْتَدِرَ لِيُعَاوِدَ (مُحَارَبَةَ) مَرْدَاوِيجَ، وَسَيَّرَ هَارُونُ لَشْكَرِيَّ هَذَا إِلَى نَهَاوَنْدَ لِحَمْلِ مَالٍ بِهَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا صَارَ لَشْكَرِيُّ بِنَهَاوَنْدَ، وَرَأَى غِنَى أَهْلِهَا طَمِعَ فِيهِمْ، وَصَادَرَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَاسْتَخْرَجَهَا فِي مُدَّةِ أُسْبُوعٍ، وَجَنَّدَ بِهَا جُنْدًا، ثُمَّ مَضَى إِلَى أَصْبَهَانَ هَارِبًا مِنْ هَارُونَ فِي الْجُنْدِ الَّذِينَ انْضَمُّوا إِلَيْهِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ.
وَكَانَ الْوَالِيَ عَلَى أَصْبَهَانَ حِينَئِذٍ أَحْمَدُ بْنُ كَيْغَلَغَ، وَذَلِكَ قَبْلَ اسْتِيلَاءِ مَرْدَاوِيجَ عَلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ فَحَارَبَهُ، فَانْهَزَمَ أَحْمَدُ هَزِيمَةً قَبِيحَةً، وَمَلَكَ لَشْكَرِيُّ أَصْبَهَانَ، وَدَخَلَ أَصْحَابُهُ إِلَيْهَا فَنَزَلُوا فِي الدُّورِ وَالْخَانَاتِ وَغَيْرِهَا وَلَمْ يَدْخُلْ لَشْكَرِيُّ مَعَهُمْ.
وَلَمَّا انْهَزَمَ أَحْمَدُ نَجَا إِلَى بَعْضِ قُرَى أَصْبَهَانَ فِي ثَلَاثِينَ فَارِسًا، وَرَكِبَ لَشْكَرِيُّ يَطُوفُ بِسُورِ أَصْبَهَانَ مِنْ ظَاهِرِهِ، فَنَظَرَ إِلَى أَحْمَدَ فِي جَمَاعَتِهِ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَقِيلَ: لَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ بْنِ كَيْغَلَغَ، فَسَارَ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ نَحْوَهُمْ، وَكَانُوا عِدَّةً يَسِيرَةً، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ تَعَارَفُوا، فَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ لَشْكَرِيُّ، قَتَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ كَيْغَلَغَ، ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَدَّ الْمِغْفَرَ وَالْخُوذَةَ، وَنَزَلَ السَّيْفُ حَتَّى خَالَطَ دِمَاغَهُ، فَسَقَطَ مَيِّتًا.
وَكَانَ (عُمْرُ أَحْمَدَ) إِذْ ذَاكَ قَدْ جَاوَزَ السَّبْعِينَ، فَلَمَّا قُتِلَ لَشْكَرِيُّ انْهَزَمَ مَنْ مَعَهُ، فَدَخَلُوا أَصْبَهَانَ، وَأَعْلَمُوا أَصْحَابَهُمْ، فَهَرَبُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَتَرَكُوا أَثْقَالَهُمْ وَأَكْثَرَ رِحَالِهِمْ، وَدَخَلَ أَحْمَدُ إِلَى أَصْبَهَانَ، وَكَانَ هَذَا قَبْلَ اسْتِيلَاءِ مَرْدَاوِيجَ عَلَى أَصْبَهَانَ، وَكَانَ
стр. 3706
هَذَا مِنَ الْفَتْحِ الظَّرِيفِ، وَكَانَ جَزَاؤُهُ (أَنْ صُرِفَ) عَنْ أَصْبَهَانَ، وَوَلِيَ عَلَيْهَا الْمُظَفَّرُ بْنُ يَاقُوتٍ.
ذِكْرُ مُلْكِ مَرْدَاوِيجَ أَصْبَهَانَ
ثُمَّ أَنْفَذَ مَرْدَاوِيجُ طَائِفَةً أُخْرَى إِلَى أَصْبَهَانَ، مَلَكُوهَا وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا، وَبَنَوْا لَهُ فِيهَا مَسَاكِنَ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفَ الْعِجْلِيِّ، وَالْبَسَاتِينَ، فَسَارَ مَرْدَاوِيجُ إِلَيْهَا فَنَزَلَهَا وَهُوَ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَقِيلَ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَأَرْسَلَ جَمْعًا آخَرَ إِلَى الْأَهْوَازِ، فَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا وَعَلَى خُوزِسْتَانَ، وَجَبَوْا أَمْوَالَ هَذِهِ الْبِلَادِ وَالنَّوَاحِي، وَقَسَمَهَا فِي أَصْحَابِهِ، وَجَمَعَ مِنْهَا الْكَثِيرَ فَاذَّخَرَهُ.
ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى الْمُقْتَدِرِ رَسُولًا يُقَرِّرُ عَلَى نَفْسِهِ مَالًا عَلَى هَذِهِ الْبِلَادِ كُلِّهَا، وَنَزَلَ لِلْمُقْتَدِرِ عَنْ هَمَذَانَ وَمَاهِ الْكُوفَةِ، فَأَجَابَهُ الْمُقْتَدِرُ إِلَى ذَلِكَ، وَقُوطِعَ عَلَى مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ كُلَّ سَنَةٍ.
ذِكْرُ عَزْلِ الْكَلْوَذَانِيِّ وَوِزَارَةِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَاسِمِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ أَبُو الْقَاسِمِ الْكَلْوَذَانِيُّ عَنْ وِزَارَةِ الْخَلِيفَةِ وَوَزَرَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ وَهْبٍ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بِبَغْدَاذَ إِنْسَانٌ يُعْرَفُ بِالدَّانِيَالِيِّ، وَكَانَ زَرَّاقًا، ذَكِيًّا مُحْتَالًا، وَكَانَ يُعَتِّقُ الْكَاغَدَ، وَيَكْتُبُ فِيهِ بِخَطِّهِ مَا يُشْبِهُ الْخَطَّ الْعَتِيقَ، وَيَذْكُرُ فِيهِ إِشَارَاتٍ وَرُمُوزًا يُودِعُهَا أَسْمَاءَ أَقْوَامٍ مِنْ أَرْبَابِ الدَّوْلَةِ، فَيَحْصُلُ لَهُ بِذَلِكَ رِفْقٌ كَثِيرٌ.
стр. 3707
فَمِنْ جُمْلَةِ مَا فَعَلَهُ أَنَّهُ وَضَعَ فِي جُمْلَةِ كِتَابٍ: مِيمٌ مِيمٌ مِيمٌ، يَكُونُ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا، وَأَحْضَرَهُ عِنْدَ (مُفْلِحٍ وَقَالَ: هَذَا كِنَايَةٌ عَنْكَ، فَإِنَّكَ) مُفْلِحٌ مَوْلَى الْمُقْتَدِرِ، وَذَكَرَ لَهُ عَلَامَاتٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، فَأَغْنَاهُ، (فَتَوَصَّلَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ مَعَهُ، حَتَّى جَعَلَ اسْمَهُ فِي كِتَابٍ وَضَعَهُ) وَعَتَّقَهُ، وَذَكَرَ فِيهِ عَلَامَةَ وَجْهِهِ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْآثَارِ، وَيَقُولُ إِنَّهُ يَزِرُ لِلْخَلِيفَةِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَتَسْتَقِيمُ الْأُمُورُ عَلَى يَدَيْهِ، وَيَقْهَرُ الْأَعَادِيَ، وَتَتَعَمَّرُ الدُّنْيَا فِي أَيَّامِهِ، وَجَعَلَ هَذَا كُلَّهُ فِي جُمْلَةِ كِتَابٍ ذَكَرَ فِيهِ حَوَادِثَ قَدْ وَقَعَتْ، وَأَشْيَاءَ لَمْ تَقَعْ بَعْدُ، وَنَسَبَ ذَلِكَ إِلَى دَانْيَالَ، وَعَتَّقَ الْكِتَابَ وَأَخَذَهُ وَقَرَأَهُ عَلَى مُفْلِحٍ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَخَذَ الْكِتَابَ وَأَحْضَرَهُ عِنْدَ الْمُقْتَدِرِ، وَقَالَ لَهُ: أَتَعْرِفُ فِي الْكُتَّابِ مَنْ هُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؟ فَقَالَ: مَا أَعْرِفُهُ إِلَّا الْحُسَيْنَ بْنَ الْقَاسِمِ، فَقَالَ: صَدَقْتَ وَإِنَّ قَلْبِي لِيَمِيلُ إِلَيْهِ، فَإِنْ جَاءَكَ مِنْهُ رَسُولٌ بِرُقْعَةٍ فَاعْرِضْهَا عَلَيَّ، وَاكْتُمْ حَالَهُ وَلَا تُطْلِعْ عَلَى أَمْرِهِ أَحَدًا.
وَخَرَجَ مُفْلِحٌ إِلَى الدَّانْيَالِيِّ فَسَأَلَهُ: هَلْ تَعْرِفُ أَحَدًا مِنَ الْكُتَّابِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؟ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ أَحَدًا، قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ وَصَلَ إِلَيْكَ هَذَا الْكِتَابُ؟ فَقَالَ: مِنْ أَبِي، وَهُوَ وَرِثَهُ مِنْ آبَائِهِ، وَهُوَ مِنْ مَلَاحِمِ دَانْيَالَ، ﵇، فَأَعَادَ ذَلِكَ عَلَى الْمُقْتَدِرِ، فَقَبِلَهُ، فَعَرَّفَ الدَّانْيَالِيُّ ذَلِكَ الْحُسَيْنَ بْنَ الْقَاسِمِ، فَلَمَّا أَعْلَمَهُ كَتَبَ رُقْعَةً إِلَى مُفْلِحٍ، فَأَوْصَلَهَا إِلَى الْمُقْتَدِرِ، وَوَعَدَهُ الْجَمِيلَ، وَأَمَرَهُ بِطَلَبِ الْوِزَارَةِ وَإِصْلَاحِ مُؤْنِسٍ الْخَادِمِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ فِي وِزَارَتِهِ مَعَ كَثْرَةِ الْكَارِهِينَ لَهُ.
ثُمَّ اتَّفَقَ أَنَّ الْكَلْوَذَانِيَّ عَمِلَ حِسْبَةً بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ النَّفَقَاتِ، وَعَلَيْهَا خَطُّ أَصْحَابِ الدِّيوَانِ، فَبَقِيَ مُحْتَاجًا إِلَى سَبْعِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَعَرَضَهَا عَلَى الْمُقْتَدِرِ، وَقَالَ: لَيْسَ لِهَذِهِ جِهَةٌ إِلَّا مَا يُطْلِقُهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لِأُنْفِقَهُ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُقْتَدِرِ.
وَكَتَبَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ لَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ يَضْمَنُ جَمِيعَ النَّفَقَاتِ، وَلَا يُطَالِبُهُ بِشَيْءٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَضَمِنَ أَنَّهُ يَسْتَخْرِجُ سِوَى ذَلِكَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ يَكُونُ فِي بَيْتِ
стр. 3708
الْمَالِ، فَعُرِضَتْ رُقْعَتُهُ عَلَى الْكَلْوَذَانِيِّ فَاسْتَقَالَ، وَأَذِنَ فِي وِزَارَةِ الْحُسَيْنِ، وَمَضَى الْحُسَيْنُ إِلَى بُلَيْقٍ، وَضَمِنَ لَهُ مَالًا لِيَصْلُحَ لَهُ قَلْبُ مُؤْنِسٍ، فَفَعَلَ، فَعُزِلَ الْكَلْوَذَانِيُّ فِي رَمَضَانَ، (وَتَوَلَّى الْحُسَيْنُ الْوِزَارَةَ) لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ رَمَضَانَ أَيْضًا، وَكَانَتْ وِلَايَةُ الْكَلْوَذَانِيِّ شَهْرَيْنِ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَاخْتَصَّ بِالْحُسَيْنِ بَنُو الْبَرِيدِيِّ وَابْنُ قُرَابَةَ، وَشَرَطَ أَنْ لَا يَطَّلِعَ مَعَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، (وَشَرَعَ فِي إِخْرَاجِهِ مِنْ بَغْدَاذَ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ) ، فَأُخْرِجَ إِلَى الصَّافِيَّةِ.
ذِكْرُ تَأَكُّدِ الْوَحْشَةِ بَيْنَ مُؤْنِسٍ وَالْمُقْتَدِرِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْحِجَّةِ، تَجَدَّدَتِ الْوَحْشَةُ بَيْنَ مُؤْنِسٍ وَالْمُقْتَدِرِ، حَتَّى آلَ ذَلِكَ إِلَى قَتْلِ الْمُقْتَدِرِ.
وَكَانَ سَبَبُهَا مَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَلَمَّا كَانَ الْآنَ بَلَغَ مُؤْنِسًا أَنَّ الْوَزِيرَ الْحُسَيْنَ بْنَ الْقَاسِمِ قَدْ وَافَقَ جَمَاعَةً مِنَ الْقُوَّادِ فِي التَّدْبِيرِ عَلَيْهِ، فَتَنَكَّرَ لَهُ مُؤْنِسٌ، وَبَلَغَ الْحُسَيْنَ أَنَّ مُؤْنِسًا قَدْ تَنَكَّرَ لَهُ، وَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَكْبِسَ دَارَهُ لَيْلًا وَيَقْبِضَ عَلَيْهِ، فَتَنَقَّلَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، وَكَانَ لَا يَحْضُرُ دَارَهُ إِلَّا بُكْرَةً، ثُمَّ إِنَّهُ انْتَقَلَ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، فَطَلَبَ مُؤْنِسٌ مِنَ الْمُقْتَدِرِ عَزْلَ الْحُسَيْنِ وَمُصَادَرَتَهُ، فَأَجَابَ إِلَى عَزْلِهِ وَلَمْ يُصَادِرْهُ، وَأَمَرَ الْحُسَيْنَ بِلُزُومِ بَيْتِهِ، فَلَمْ يَقْنَعْ مُؤْنِسٌ بِذَلِكَ (فَبَقِيَ فِي وِزَارَتِهِ) .
وَأَوْقَعَ الْحُسَيْنُ عِنْدَ الْمُقْتَدِرِ أَنَّ مُؤْنِسًا يُرِيدُ أَخْذَ وَلَدِهِ أَبِي الْعَبَّاسِ، وَهُوَ الرَّاضِي، مِنْ دَارِهِ بِالْمُحَرَّمِ، وَالْمَسِيرِ بِهِ إِلَى الشَّامِ، وَالْبَيْعَةِ لَهُ، فَرَدَّهُ الْمُقْتَدِرُ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، فَعَلِمَ ذَلِكَ أَبُو الْعَبَّاسِ، فَلَمَّا أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَيْهِ فَعَلَ بِالْحُسَيْنِ مَا نَذْكُرُ.
وَكَتَبَ الْحُسَيْنُ إِلَى هَارُونَ، وَهُوَ بِدَيْرِ الْعَاقُولِ، بَعْدَ انْهِزَامِهِ مِنْ مَرْدَاوِيجَ، لِيَسْتَقْدِمَهُ
стр. 3709
إِلَى بَغْدَاذَ، وَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَاقُوتٍ، وَهُوَ بِالْأَهْوَازِ. يَأْمُرُهُ بِالْإِسْرَاعِ إِلَى بَغْدَاذَ، فَزَادَ اسْتِشْعَارُ مُؤْنِسٍ، وَصَحَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْحُسَيْنَ يَسْعَى فِي التَّدْبِيرِ عَلَيْهِ، وَسَنَذْكُرُ تَمَامَ أَمْرِهِ سَنَةَ عِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
ذِكْرُ (الْحُرُوبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ)
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، غَزَا ثَمِلٌ وَالِي طَرَسُوسَ بِلَادَ الرُّومِ، فَعَبَرَ نَهْرًا، وَنَزَلَ عَلَيْهِمْ (ثَلْجٌ إِلَى) صُدُورِ الْخَيْلِ، وَأَتَاهُمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الرُّومِ، فَوَاقَعُوهُمْ، فَنَصَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ. فَقَتَلُوا مِنَ الرُّومِ سِتَّمِائَةٍ، وَأَسَرُوا نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَغَنِمُوا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالدِّيبَاجِ وَغَيْرِهِ شَيْئًا كَثِيرًا.
وَفِيهَا فِي رَجَبٍ عَادَ ثَمِلٌ (إِلَى طَرَسُوسَ) ، وَدَخَلَ بِلَادَ الرُّومِ صَائِفَةٌ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ، فَبَلَغُوا عَمُّورِيَّةَ، وَكَانَ قَدْ تَجَمَّعَ إِلَيْهَا كَثِيرٌ مِنَ الرُّومِ، فَفَارَقُوهَا لَمَّا سَمِعُوا خَبَرَ ثَمِلٍ، وَدَخَلَهَا الْمُسْلِمُونَ، فَوَجَدُوا فِيهَا مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالطَّعَامِ شَيْئًا كَثِيرًا فَأَخَذُوهُ وَأَحْرَقُوا مَا كَانُوا عَمَّرُوهُ مِنْهَا، وَأَوْغَلُوا فِي بِلَادِ الرُّومِ (يَنْهَبُونَ، وَيَقْتُلُونَ، وَيُخَرِّبُونَ) ، حَتَّى بَلَغُوا أَنْقَرَةَ، (وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى الْآنَ أَنْكُورِيَةَ) ، وَعَادُوا سَالِمِينَ لَمْ يَلْقَوْا كَيْدًا، فَبَلَغَتْ قِيمَةُ السَّبْيِ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ وَسِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكَانَ وُصُولُهُمْ إِلَى طَرَسُوسَ آخِرَ رَمَضَانَ.
стр. 3710
وَفِيهَا كَاتَبَ ابْنُ الدَّيْرَانِيِّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَرْمَنِ، وَهُمْ بِأَطْرَافِ أَرْمِينِيَّةَ الرُّومَ، (وَحَثُّوهُمْ عَلَى قَصْدِ) بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَوَعَدَهُمُ النُّصْرَةَ، فَسَارَتِ الرُّومُ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ، فَخَرَّبُوا بَزْكَرَى وَبِلَادَ خِلَاطَ وَمَا جَاوَرَهَا، وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأَسَرُوا كَثِيرًا (مِنْهُمْ، فَبَلَغَ خَبَرُهُمْ مُفْلِحًا) غُلَامَ يُوسُفَ بْنِ أَبِي السَّاجِ، وَهُوَ وَالِي أَذْرَبِيجَانَ، فَسَارَ فِي عَسْكَرٍ كَبِيرٍ، وَتَبِعَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ، فَوَصَلَهَا فِي رَمَضَانَ، وَقَصَدَ بَلَدَ ابْنِ الدَّيْرَانِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ لِحَرْبِهِ، وَقَتَلَ أَهْلَهُ، وَنَهَبَ أَمْوَالَهُمْ، وَتَحَصَّنَ ابْنُ الدَّيْرَانِيِّ (بِقَلْعَةٍ لَهُ) ، وَبَالَغَ النَّاسُ فِي كَثْرَةِ الْقَتْلَى مِنَ الْأَرْمَنِ، وَحَتَّى قِيلَ إِنَّهُمْ كَانُوا مِائَةَ أَلْفِ قَتِيلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَارَتْ عَسَاكِرُ الرُّومِ إِلَى سُمَيْسَاطَ فَحَصَرُوهَا، فَاسْتَصْرَخَ أَهْلُهَا بِسَعِيدِ بْنِ حَمْدَانَ، وَكَانَ الْمُقْتَدِرُ قَدْ وَلَّاهُ الْمَوْصِلَ وَدِيَارَ رَبِيعَةَ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ غَزْوَ الرُّومِ، وَأَنْ يَسْتَنْقِذَ مَلَطْيَةَ مِنْهُمْ، وَكَانَ أَهْلُهَا قَدْ ضَعُفُوا، فَصَالَحُوا الرُّومَ، وَسَلَّمُوا مَفَاتِيحَ الْبَلَدِ إِلَيْهِمْ، فَحَكَمُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، (فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ أَهْلِ سُمَيْسَاطَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ حَمْدَانَ تَجَهَّزَ وَسَارَ إِلَيْهِمْ مُسْرِعًا، فَوَصَلَ وَقَدْ كَانَ الرُّومُ يَفْتَحُونَهَا، فَلَمَّا قَارَبَهُمْ هَرَبُوا مِنْهُ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى مَلَطْيَةَ وَبِهَا جَمْعٌ مِنَ الرُّومِ وَمِنْ عَسْكَرِ مَلِيحٍ الْأَرْمَنِيِّ وَمَعَهُ بُنِّيُّ بْنُ نَفِيسٍ، صَاحِبُ
стр. 3711
الْمُقْتَدِرِ، وَكَانَ قَدْ تَنَصَّرَ، وَهُوَ مَعَ الرُّومِ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بِإِقْبَالِ سَعِيدٍ خَرَجُوا مِنْهَا، وَخَافُوا أَنْ يَأْتِيَهُمْ فِي عَسْكَرِهِ مِنْ خَارِجِ الْمَدِينَةِ، وَيَثُورَ أَهْلُهَا بِهِمْ فَيَهْلَكُوا، فَفَارَقُوهَا.
وَدَخَلَهَا سَعِيدٌ ثُمَّ اسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا أَمِيرًا، (وَعَادَ عَنْهَا) ، فَدَخَلَ بَلَدَ الرُّومِ غَازِيًا فِي شَوَّالٍ، وَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ سَرِيَّتَيْنِ فَقَتَلَتَا مِنَ الرُّومِ خَلْقًا كَثِيرًا قَبْلَ دُخُولِهِ إِلَيْهَا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَوَّالٍ، جَاءَ إِلَى تَكْرِيتَ سَيْلٌ كَبِيرٌ مِنَ الْمَطَرِ نَزَلَ فِي الْبَرِّ، فَغَرِقَ مِنْهَا أَرْبَعُمِائَةِ دَارٍ وَدُكَّانٍ، وَارْتَفَعَ الْمَاءُ فِي أَسْوَاقِهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ شِبْرًا، وَغَرِقَ خَلْقٌ كَثِيرٌ (مِنَ النَّاسِ، وَدُفِنَ) الْمُسْلِمُونَ وَالنَّصَارَى مُجْتَمِعِينَ لَا يُعْرَفُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ.
وَفِيهَا هَاجَتْ بِالْمَوْصِلِ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فِيهَا حُمْرَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ اسْوَدَّتْ حَتَّى لَا يَعْرِفُ الْإِنْسَانُ صَاحِبَهُ، وَظَنَّ النَّاسُ أَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ، ثُمَّ جَاءَ (اللَّهُ تَعَالَى بِمَطَرٍ فَكَشَفَ ذَلِكَ) .
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْمُودٍ الْبَلْخِيُّ فِي شَعْبَانَ، وَهُوَ مِنْ مُتَكَلِّمِي الْمُعْتَزِلَةِ الْبَغْدَاذِيِّينَ.
стр. 3712
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣٢٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ مَسِيرِ مُؤْنِسٍ إِلَى الْمَوْصِلِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، سَارَ مُؤْنِسٌ الْمُظَفَّرُ إِلَى الْمَوْصِلِ مُغَاضِبًا لِلْمُقْتَدِرِ.
وَسَبَبُ مَسِيرِهِ أَنَّهُ لَمَّا صَحَّ عِنْدَهُ إِرْسَالُ الْوَزِيرِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَاسِمِ إِلَى هَارُونَ بْنِ غَرِيبٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ يَاقُوتٍ يَسْتَحْضِرُهُمَا، زَادَ اسْتِيحَاشُهُ، ثُمَّ سَمِعَ بِأَنَّ الْحُسَيْنَ قَدْ جَمَعَ الرِّجَالَ وَالْغِلْمَانَ الْحُجَرِيَّةَ فِي دَارِ الْخَلِيفَةِ، وَقَدِ اتَّفَقَ فِيهِمْ وَإِنَّ هَارُونَ بْنَ غَرِيبٍ قَدْ قَرُبَ مِنْ بَغْدَاذَ، فَأَظْهَرَ الْغَضَبَ، وَسَارَ نَحْوَ الْمَوْصِلِ وَوَجَّهَ خَادِمَهُ بُشْرَى بِرِسَالَةٍ إِلَى الْمُقْتَدِرِ، فَسَأَلَهُ الْحُسَيْنُ عَنِ الرِّسَالَةِ، فَقَالَ: لَا أَذْكُرُهَا إِلَّا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ الْمُقْتَدِرُ يَأْمُرُهُ بِذِكْرِ مَا مَعَهُ مِنَ الرِّسَالَةِ لِلْوَزِيرِ، فَامْتَنَعَ، وَقَالَ: مَا أَمَرَنِي صَاحِبِي بِهَذَا، فَسَبَّهُ الْوَزِيرُ، وَشَتَمَ صَاحِبَهُ، وَأَمَرَ بِضَرْبِهِ، وَصَادَرَهُ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَخَذَ خَطَّهُ بِهَا، وَحَبَسَهُ وَنَهَبَ دَارَهُ.
فَلَمَّا بَلَغَ مُؤْنِسًا مَا جَرَى عَلَى خَادِمِهِ، وَهُوَ يَنْتَظِرُ أَنْ يُطَيِّبَ الْمُقْتَدِرُ قَلْبَهُ، وَيُعِيدَهُ، فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ سَارَ نَحْوَ (الْمَوْصِلِ وَمَعَهُ جَمِيعُ قُوَّادِهِ، فَكَتَبَ الْحُسَيْنُ إِلَى الْقُوَّادِ وَالْغِلْمَانِ يَأْمُرُهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى بَغْدَاذَ، فَعَادَ جَمَاعَةٌ، وَسَارَ مُؤْنِسٌ نَحْوَ) الْمَوْصِلِ فِي أَصْحَابِهِ وَمَمَالِيكِهِ، وَمَعَهُ مِنَ السَّاجِيَّةِ ثَمَانِيمِائَةِ رَجُلٍ وَتَقَدَّمَ الْوَزِيرُ بِقَبْضِ أَقَطَاعِ مُؤْنِسٍ وَأَمْلَاكِهِ وَأَمْلَاكِ مَنْ مَعَهُ، فَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ مَالٌ عَظِيمٌ، وَزَادَ ذَلِكَ فِي مَحَلِّ الْوَزِيرِ عِنْدَ الْمُقْتَدِرِ، فَلَقَّبَهُ " عَمِيدَ الدَّوْلَةِ "، وَضَرَبَ اسْمَهُ عَلَى الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، وَتَمَكَّنَ مِنَ الْوِزَارَةِ، وَوَلَّى وَعَزَلَ.
стр. 3713
وَكَانَ فِيمَنْ تَوَلَّى أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَرِيدِيُّ، وَلَّاهُ الْوَزِيرُ الْبَصْرَةَ وَجَمِيعَ أَعْمَالِهَا بِمَبْلَغٍ لَا يَفِي بِالنَّفَقَاتِ عَلَى الْبَصْرَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، بَلْ فَضَلَ لِأَبِي يُوسُفَ مِقْدَارُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ أَحَالَهُ الْوَزِيرُ بِهَا، فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ الْفَضْلُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُرَاتِ اسْتَدْرَكَ عَلَى أَبِي يُوسُفَ، وَأَظْهَرَ لَهُ الْغَلَطَ فِي الضَّمَانِ، وَأَنَّهُ لَا يُمْضِيهِ، فَأَجَابَ إِلَى أَنْ يَقُومَ بِنَفَقَاتِ الْبَصْرَةِ، وَيَحْمِلَ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ كُلَّ سَنَةٍ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَانْتَهَى ذَلِكَ إِلَى الْمُقْتَدِرِ، فَحَسُنَ مَوْقِعُهُ عِنْدَهُ، (فَقَصَدَهُ الْوَزِيرُ، فَاسْتَتَرَ) ، وَسَعَى بِالْوَزِيرِ إِلَى الْمُقْتَدِرِ إِلَى أَنْ أَفْسَدَ حَالَهُ.
ذِكْرُ عَزْلِ الْحُسَيْنِ عَنِ الْوِزَارَةِ
وَفِيهَا عُزِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الْوِزَارَةِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَمْوَالُ، وَكَثُرَتِ الْإِخْرَاجَاتُ، فَاسْتَسْلَفَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جُمْلَةً وَافِرَةً أَخْرَجَهَا فِي سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَأَنْهَى هَارُونُ بْنُ غَرِيبٍ ذَلِكَ إِلَى الْمُقْتَدِرِ، فَرَتَّبَ مَعَهُ الْخَصِيبِيَّ، فَلَمَّا تَوَلَّى مَعَهُ نَظَرَ فِي أَعْمَالِهِ، فَرَآهُ قَدْ عَمِلَ حِسْبَةً إِلَى الْمُقْتَدِرِ لَيْسَ فِيهَا عَلَيْهِ وَجْهٌ، وَمَوَّهَ وَأَظْهَرَ ذَلِكَ لِلْمُقْتَدِرِ، فَأَمَرَ بِجَمْعِ الْكُتَّابِ وَكَشْفِ الْحَالِ، فَحَضَرُوا وَاعْتَرَفُوا بِصِدْقِ الْخَصِيبِيِّ بِذَلِكَ، وَقَابَلُوا الْوَزِيرَ بِذَلِكَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَكَانَتْ وِزَارَتُهُ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَاسْتَوْزَرَ الْمُقْتَدِرُ أَبَا الْفَتْحِ الْفَضْلَ بْنَ جَعْفَرٍ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْحُسَيْنَ، فَلَمْ يُؤَاخِذْهُ بِإِسَاءَتِهِ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ مُؤْنِسٍ عَلَى الْمَوْصِلِ
قَدْ ذَكَرْنَا مَسِيرَ مُؤْنِسٍ إِلَى الْمَوْصِلِ فَلَمَّا سَمِعَ الْحُسَيْنُ الْوَزِيرُ بِمَسِيرِهِ كَتَبَ إِلَى سَعِيدٍ، وَدَاوُدَ ابْنَيْ حَمْدَانَ، وَإِلَى ابْنِ أَخِيهِمَا نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ، يَأْمُرُهُمْ بِمُحَارَبَةِ مُؤْنِسٍ، وَصَدِّهِ عَنِ الْمَوْصِلِ.
стр. 3714
وَكَانَ مُؤْنِسٌ كَتَبَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْعَرَبِ يَسْتَدْعِيهِمْ، وَيَبْذُلُ لَهُمُ الْأَمْوَالَ وَالْخِلَعَ، وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ الْخَلِيفَةَ قَدْ وَلَّاهُ الْمَوْصِلَ وَدِيَارَ رَبِيعَةَ.
وَاجْتَمَعَ بَنُو حَمْدَانَ عَلَى مُحَارَبَةِ مُؤْنِسٍ، إِلَّا دَاوُدَ بْنَ حَمْدَانَ فَإِنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ لِإِحْسَانِ مُؤْنِسٍ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَخَذَهُ (بَعْدَ أَبِيهِ) ، وَرَبَّاهُ فِي حِجْرِهِ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ إِحْسَانًا عَظِيمًا، فَلَمَّا امْتَنَعَ مِنْ مُحَارَبَتِهِ لَمْ يَزَلْ بِهِ إِخْوَتُهُ حَتَّى وَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَذَكَرُوا لَهُ إِسَاءَةَ الْحُسَيْنِ وَأَبِي الْهَيْجَاءِ ابْنَيْ حَمْدَانَ إِلَى الْمُقْتَدِرِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْسِلُوا تِلْكَ السَّيِّئَةَ، وَلَمَّا أَجَابَهُمْ قَالَ لَهُمْ: وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَحْمِلُونَنِي عَلَى الْبَغْيِ، وَكُفْرَانِ الْإِحْسَانِ، وَمَا آمَنُ أَنْ يَجِيئَنِي سَهْمٌ عَاثِرٌ فَيَقَعَ فِي نَحْرِي فَيَقْتُلَنِي، فَلَمَّا الْتَقَوْا أَتَاهُ سَهْمٌ كَمَا وَصَفَ فَقَتَلَهُ.
وَكَانَ مُؤْنِسٌ إِذَا قِيلَ لَهُ: إِنَّ دَاوُدَ عَازِمٌ عَلَى قِتَالِكَ، يُنْكِرُهُ وَيَقُولُ: كَيْفَ يُقَاتِلُنِي وَقَدْ أَخَذْتُهُ طِفْلًا وَرَبَّيْتُهُ فِي حِجْرِي وَلَمَّا قَرُبَ مُؤْنِسٌ مِنَ الْمَوْصِلِ كَانَ فِي ثَمَانِمِائَةِ فَارِسٍ، وَاجْتَمَعَ بَنُو حَمْدَانَ فِي ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ بَنُو حَمْدَانَ، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ غَيْرُ دَاوُدَ، وَكَانَ يُلَقَّبُ بِالْمُجَفْجَفِ وَفِيهِ يَقُولُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ، (وَقَدْ هَجَا أَمِيرًا) :
لَوْ كُنْتَ فِي أَلْفِ أَلْفٍ كُلُّهُمْ بَطَلٌ ... مِثْلُ الْمُجَفْجَفِ دَاوُدَ بْنِ حَمْدَانِ
وَتَحْتَكَ الرِّيحُ تَجْرِي حَيْثُ تَأْمُرُهَا ... وَفِي يَمِينِكَ سَيْفٌ غَيْرُ خَوَّانِ
لَكُنْتَ أَوَّلَ فَرَّارٍ إِلَى عَدَنٍ ... إِذَا تَحَرَّكَ سَيْفٌ مِنْ خُرَاسَانِ
وَكَانَ دَاوُدُ هَذَا مِنْ أَشْجَعِ النَّاسِ، وَدَخَلَ مُؤْنِسٌ الْمَوْصِلَ ثَالِثَ صَفَرٍ وَاسْتَوْلَى عَلَى أَمْوَالِ بَنِي حَمْدَانَ وَدِيَارِهِمْ،
стр. 3715
فَخَرَجَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْعَسَاكِرِ مِنْ بَغْدَاذَ، وَالشَّامِ، وَمِصْرَ، مِنْ أَصْنَافِ النَّاسِ لِإِحْسَانِهِ [الَّذِي] كَانَ إِلَيْهِمْ، (وَعَادَ إِلَيْهِ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ، فَصَارَ مَعَهُ، وَأَقَامَ بِالْمَوْصِلِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَعَزَمَ عَلَى الِانْحِدَارِ إِلَى بَغْدَادَ.
ذِكْرُ قَتْلِ الْمُقْتَدِرِ
لَمَّا اجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ عَلَى مُؤْنِسٍ بِالْمَوْصِلِ قَالُوا لَهُ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى الْخَلِيفَةِ فَإِنْ أَنْصَفَنَا، (وَأَجْرَى أَرْزَاقَنَا) . وَإِلَّا قَاتَلْنَاهُ، فَانْحَدَرَ مُؤْنِسٌ مِنَ الْمَوْصِلِ فِي شَوَّالٍ، وَبَلَغَ خَبَرُهُ جُنْدَ بَغْدَاذَ، فَشَغَبُوا وَطَلَبُوا أَرْزَاقَهُمْ، فَفَرَّقَ الْمُقْتَدِرُ فِيهِمْ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسَعْهُمْ، وَأَنْفَذَ أَبَا الْعَلَاءِ سَعِيدَ بْنَ حَمْدَانَ وَصَافِيًا الْبَصْرِيَّ فِي خَيْلٍ إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى، وَأَنْفَذَ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ يَاقُوتٍ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ، وَمَعَهُ الْغِلْمَانُ الْحُجَرِيَّةُ، إِلَى الْمَعْشُوقِ.
فَلَمَّا وَصَلَ مُؤْنِسٌ إِلَى تَكْرِيتَ أَنْفَذَ طَلَائِعَهُ، فَلَمَّا قَرُبُوا مِنَ الْمَعْشُوقِ جَعَلَ الْعَسْكَرُ الَّذِينَ مَعَ ابْنِ يَاقُوتٍ يَتَسَلَّلُونَ وَيَهْرُبُونَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجَعَ إِلَى عُكْبَرَا، وَسَارَ مُؤْنِسٌ، فَتَأَخَّرَ ابْنُ يَاقُوتٍ وَعَسْكَرُهُ، وَعَادُوا إِلَى بَغْدَاذَ، فَنَزَلَ بِبَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ وَنَزَلَ ابْنُ يَاقُوتٍ وَغَيْرُهُ مُقَابِلَهُمْ، وَاجْتَهَدَ الْمُقْتَدِرُ بِابْنِ خَالِهِ هَارُونَ بْنِ غَرِيبٍ لِيَخْرُجَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَالَ: أَخَافُ مِنْ عَسْكَرِي، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ أَصْحَابُ مُؤْنِسٍ، وَبَعْضَهُمْ قَدِ انْهَزَمَ
следующие страницы →