← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

وَفِيهَا فِي (سَابِعِ) رَبِيعٍ الْآخَرِ، قَبَضَ الْمُسْتَكْفِي عَلَى وَزِيرِهِ أَبِي الْفَرَجِ (السُّرْمَرَائِيِّ) ، وَصُودِرَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَكَانَتْ مُدَّةُ وِزَارَتِهِ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا.

стр. 3887

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣٣٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ مَوْتِ تُوزُونَ وَإِمَارَةِ ابْنِ شَيْرَزَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ، مَاتَ تُوزُونُ فِي دَارِهِ بِبَغْدَاذَ، وَكَانَتْ مُدَّةُ إِمَارَتِهِ سَنَتَيْنِ وَأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَتَبَ لَهُ ابْنُ شَيْرَزَادَ مُدَّةَ إِمَارَتِهِ، غَيْرَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَلَمَّا مَاتَ تُوزُونُ كَانَ ابْنُ شَيْرَزَادَ بِهَيْتَ لِتَخْلِيصِ أَمْوَالِهَا، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ، عَزَمَ عَلَى عَقْدِ الْإِمَارَةِ لِنَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، فَاضْطَرَبَتِ الْأَجْنَادُ، وَعَقَدُوا الرِّئَاسَةَ عَلَيْهِمْ لِابْنِ شَيْرَزَادَ، فَحَضَرَ وَنَزَلَ بِبَابِ حَرْبٍ مُسْتَهَلَّ صَفَرٍ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ الْأَجْنَادُ جَمِيعُهُمْ، وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَحَلَفُوا لَهُ، وَوَجَّهَ إِلَى الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ لِيَحْلِفَ لَهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، (وَحَلَفَ لَهُ بِحَضْرَةِ الْقُضَاةِ وَالْعُدُولِ، وَدَخَلَ إِلَيْهِ ابْنُ شَيْرَزَادَ) ، وَعَادَ مُكْرَمًا يُخَاطَبُ بِأَمِيرِ الْأُمَرَاءِ، وَزَادَ الْأَجْنَادُ زِيَادَةً كَثِيرَةً، فَضَاقَتِ الْأَمْوَالُ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُوسَى الْهَاشِمِيِّ وَهُوَ بِالْمَوْصِلِ، يُطَالِبُهُ بِحَمْلِ الْمَالِ، وَيَعِدُهُ بِرَدِّ الرِّئَاسَةِ إِلَيْهِ، وَأَنْفَذَ لَهُ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَطَعَامًا كَثِيرًا، فَفَرَّقَهَا فِي عَسْكَرِهِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ، فَقَسَّطَ الْأَمْوَالَ عَلَى الْعُمَّالِ وَالْكُتَّابِ وَالتُّجَّارِ وَغَيْرِهِمْ لِأَرْزَاقِ الْجُنْدِ، وَظُلِمَ النَّاسُ بِبَغْدَاذَ.

стр. 3888

وَظَهَرَ اللُّصُوصُ وَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ، وَجَلَا التُّجَّارُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى وَاسِطَ يَنَالُ كُوشَةَ، وَعَلَى تَكْرِيتَ الْلَشْكُرِيَّ، فَأَمَّا يَنَالُ فَإِنَّهُ كَاتِبُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، وَاسْتَقْدَمَهُ وَصَارَ مَعَهُ، وَأَمَّا الْفَتْحُ الْلَشْكُرِيُّ فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بِالْمَوْصِلِ، وَصَارَ مَعَهُ، فَأَقَرَّهُ عَلَى تَكْرِيتَ. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ عَلَى بَغْدَاذَ لَمَّا كَاتَبَ يَنَالُ كُوشَةَ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ بْنَ بُوَيْهِ وَهُوَ بِالْأَهْوَازِ، وَدَخَلَ فِي طَاعَتِهِ، سَارَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ نَحْوَهُ، فَاضْطَرَبَ النَّاسُ بِبَغْدَاذَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَاجِسْرَى، اخْتَفَى الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ وَابْنُ شَيْرَزَادَ، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، فَلَمَّا اسْتَتَرَ، سَارَ الْأَتْرَاكُ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَلَمَّا أُبْعِدُوا ظَهَرَ الْمُسْتَكْفِي وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، وَقَدِمَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُهَلَّبِيُّ صَاحِبُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَاذَ، فَاجْتَمَعَ بِابْنِ شَيْرَزَادَ بِالْمَكَانِ الَّذِي اسْتَتَرَ فِيهِ، ثُمَّ اجْتَمَعَ بِالْمُسْتَكْفِي، فَأَظْهَرَ الْمُسْتَكْفِي السُّرُورَ بِقُدُومِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَتَرَ مِنَ الْأَتْرَاكِ لِيَتَفَرَّقُوا فَيَحْصُلَ الْأَمْرُ لِمُعِزِّ الدَّوْلَةِ بِلَا قِتَالٍ. وَوَصَلَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَاذَ حَادِي عَشَرَ جُمَادَى الْأُولَى، فَنَزَلَ بِبَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ، وَدَخَلَ مِنَ الْغَدِ عَلَى الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَكْفِي وَبَايَعَهُ، وَحَلَفَ لَهُ الْمُسْتَكْفِي، وَسَأَلَهُ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ أَنْ يَأْذَنَ لِابْنِ شَيْرَزَادَ بِالظُّهُورِ، وَأَنْ يَأْذَنَ أَنْ يَسْتَكْتِبَهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَظَهَرَ ابْنُ شَيْرَزَادَ، وَلَقِيَ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ، فَوَلَّاهُ الْخَرَاجَ وَجِبَايَةَ الْأَمْوَالِ، وَخَلَعَ الْخَلِيفَةُ عَلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَلَقَّبَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ " مُعِزَّ الدَّوْلَةِ "، وَلَقَّبَ أَخَاهُ (عَلِيًّا) " عِمَادَ الدَّوْلَةِ "، وَلَقَّبَ أَخَاهُ الْحَسَنَ " رُكْنَ الدَّوْلَةِ "، وَأَمَرَ أَنْ تُضْرَبَ أَلْقَابُهُمْ وَكُنَاهُمْ عَلَى الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ.

стр. 3889

وَنَزَلَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بِدَارِ مُؤْنِسٍ، وَنَزَلَ أَصْحَابُهُ فِي دُورِ النَّاسِ، فَلَحِقَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ شِدَّةً عَظِيمَةً، وَصَارَ رَسْمًا عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ بِبَغْدَاذَ، وَلَمْ يُعْرَفْ بِهَا قَبْلَهُ. وَأُقِيمُ لِلْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ لِنَفَقَاتِهِ، وَكَانَتْ رُبَّمَا تَأَخَّرَتْ عَنْهُ، فَأُقِرَّتْ لَهُ مَعَ ذَلِكَ ضَيَاعٌ سُلِّمَتْ إِلَيْهِ تَوَلَّاهَا أَبُو أَحْمَدَ الشِّيرَازِيُّ كَاتِبُهُ. ذِكْرُ خَلْعِ الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خُلِعَ الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَلَمًا الْقَهْرَمَانَةَ صَنَعَتْ دَعْوَةً، حَضَرَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ قُوَّادِ الدَّيْلَمِ وَالْأَتْرَاكِ، فَاتَّهَمَهَا مُعِزُّ الدَّوْلَةِ أَنَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ لِتَأْخُذَ عَلَيْهِمُ الْبَيْعَةَ لِلْمُسْتَكْفِي وَيُزِيلُوا مُعِزَّ الدَّوْلَةِ، فَسَاءَ ظَنُّهُ لِذَلِكَ لَمَّا رَأَى مِنْ إِقْدَامِ عَلَمٍ، وَحَضَرَ أَصْفَهَدُوَسْتُ عِنْدَ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَقَالَ: قَدْ رَاسَلَنِي الْخَلِيفَةُ فِي أَنْ أَلْقَاهُ مُتَنَكِّرًا. فَلَمَّا مَضَى اثْنَانِ وَعِشْرُونَ يَوْمًا مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، حَضَرَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ وَالنَّاسُ عِنْدَ الْخَلِيفَةِ، وَحَضَرَ رَسُولُ صَاحِبِ خُرَاسَانَ، وَمُعِزُّ الدَّوْلَةِ جَالِسٌ، ثُمَّ حَضَرَ رَجُلًا مِنْ نُقَبَاءِ الدَّيْلَمِ يَصِيحَانِ، فَتَنَاوَلَا يَدَ الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ، فَظَنَّ أَنَّهُمَا يُرِيدَانِ تَقْبِيلَهَا، (فَمَدَّهَا إِلَيْهِمَا) ، فَجَذَبَاهُ عَنْ سَرِيرِهِ، وَجَعَلَا عِمَامَتَهُ فِي حَلْقِهِ، وَنَهَضَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ، وَاضْطَرَبَ النَّاسُ، وَنُهِبَتِ الْأَمْوَالُ، وَسَاقَ الدَّيْلَمِيَّانِ الْمُسْتَكْفِيَ بِاللَّهِ مَاشِيًا إِلَى دَارِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَاعْتُقِلَ بِهَا، وَنُهِبَتْ دَارُ الْخِلَافَةِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِهَا شَيْءٌ،

стр. 3890

وَقُبِضَ عَلَى أَبِي أَحْمَدَ الشِّيرَازِيِّ كَاتِبِ الْمُسْتَكْفِي، وَأُخِذَتْ عَلَمُ الْقَهْرَمَانَةُ فَقُطِعَ لِسَانُهَا. وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَةِ الْمُسْتَكْفِي سَنَةً وَاحِدَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَمَا زَالَ مَغْلُوبًا عَلَى أَمْرِهِ مَعَ تُوزُونَ وَابْنِ شَيْرَزَادَ، وَلَمَّا بُويِعَ الْمُطِيعُ لِلَّهِ، سُلِّمَ إِلَيْهِ الْمُسْتَكْفِي، فَسَمَلَهُ وَأَعْمَاهُ، وَبَقِيَ مَحْبُوسًا إِلَى أَنْ مَاتَ (فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ ثَالِثَ عَشَرَ صَفَرٍ سَنَةَ) سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأُمُّهُ أَمُّ وَلَدٍ اسْمُهَا غُصْنٌ. وَكَانَ أَبْيَضَ، حَسَنَ الْوَجْهِ، قَدْ وَخَطَهُ الشَّيْبُ. ذِكْرُ خِلَافَةِ الْمُطِيعِ لِلَّهِ لَمَّا وَلِيَ الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ الْخِلَافَةَ، خَافَهُ الْمُطِيعُ، وَهُوَ أَبُو الْقَاسِمِ الْفَضْلُ بْنُ الْمُقْتَدِرِ ; لِأَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ، وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَطْلُبُ الْخِلَافَةَ، وَهُوَ يَسْعَى فِيهَا، فَلَمَّا وَلِيَ الْمُسْتَكْفِي (خَافَهُ وَاسْتَتَرَ مِنْهُ، فَطَلَبَهُ الْمُسْتَكْفِي) أَشَدَّ الطَّلَبِ، فَلَمْ يَظْفَرْ بِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بَغْدَاذَ، قِيلَ: إِنَّ الْمُطِيعَ انْتَقَلَ إِلَيْهِ، وَاسْتَتَرَ عِنْدَهُ، وَأَغْرَاهُ بِالْمُسْتَكْفِي حَتَّى قَبَضَ عَلَيْهِ وَسَمَلَهُ، فَلَمَّا قُبِضَ الْمُسْتَكْفِي، بُويِعَ لِلْمُطِيعِ لِلَّهِ بِالْخِلَافَةِ يَوْمَ الْخَمِيسَ ثَانِي عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَلُقِّبَ الْمُطِيعُ لِلَّهِ، وَأَحْضَرَ الْمُسْتَكْفِيَ عِنْدَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْخَلْعِ.

стр. 3891

وَازْدَادَ أَمْرُ الْخِلَافَةِ إِدْبَارًا، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ الْبَتَّةَ، وَقَدْ كَانُوا يُرَاجَعُونَ وَيُؤْخَذُ أَمْرُهُمْ فِيمَا يُفْعَلُ، وَالْحُرْمَةُ قَائِمَةٌ بَعْضَ الشَّيْءِ، فَلَمَّا كَانَ أَيَّامُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، زَالَ ذَلِكَ جَمِيعُهُ، بِحَيْثُ أَنَّ الْخَلِيفَةَ لَمْ يَبْقَ لَهُ وَزِيرٌ، إِنَّمَا كَانَ لَهُ كَاتِبٌ يُدَبِّرُ أَقْطَاعَهُ وَإِخْرَاجَاتِهِ لَا غَيْرَ، وَصَارَتِ الْوِزَارَةُ لِمُعِزِّ الدَّوْلَةِ يَسْتَوْزِرُ لِنَفْسِهِ مَنْ يُرِيدُ. وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الدَّيْلَمَ كَانُوا يَتَشَيَّعُونَ، وَيُغَالُونَ فِي التَّشَيُّعِ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْعَبَّاسِيِّينَ قَدْ غَصَبُوا الْخِلَافَةَ وَأَخَذُوهَا مِنْ مُسْتَحِقِّيهَا، فَلَمْ يَكُنْ (عِنْدَهُمْ) بَاعِثٌ دِينِيٌّ يَحُثُّهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ، حَتَّى لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ اسْتَشَارَ جَمَاعَةً مِنْ خَوَاصِّ أَصْحَابِهِ فِي إِخْرَاجِ الْخِلَافَةِ مِنَ الْعَبَّاسِيِّينَ وَالْبَيْعَةِ لِلْمُعِزِّ لِدِينِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ، أَوْ لِغَيْرِهِ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ، فَكُلُّهُمْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مَا عَدَا بَعْضَ خَوَاصِّهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْسَ هَذَا بِرَأْيٍ فَإِنَّكَ الْيَوْمَ مَعَ خَلِيفَةٍ تَعْتَقِدُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْخِلَافَةِ، وَلَوْ أَمَرْتَهُمْ بِقَتْلِهِ لَقَتَلُوهُ (مُسْتَحِلِّينَ دَمَهُ) ، وَمَتَى أَجْلَسْتَ بَعْضَ الْعَلَوِيِّينَ خَلِيفَةً، كَانَ مَعَكَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ صِحَّةَ خِلَافَتِهِ، فَلَوْ أَمَرَهُمْ بِقَتْلِكَ لَفَعَلُوهُ، فَأَعْرِضْ عَنْ ذَلِكَ، فَهَذَا كَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ فِي زَوَالِ أَمْرِهِمْ وَنَهْبِهِمْ مَعَ حُبِّ الدُّنْيَا وَطَلَبِ التَّفَرُّدِ بِهَا. وَتَسَلَّمَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ الْعِرَاقَ بِأَسْرِهِ، وَلَمْ يَبْقَ بِيَدِ الْخَلِيفَةِ مِنْهُ شَيْءٌ الْبَتَّةَ، إِلَّا مَا أَقْطَعَهُ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ مِمَّا يَقُومُ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ وَمُعِزِّ الدَّوْلَةِ وَفِيهَا فِي رَجَبٍ، سَيَّرَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ عَسْكَرًا فِيهِمْ مُوسَى فَيَادَةَ وَيَنَالُ كُوشَةَ إِلَى الْمَوْصِلِ (فِي مُقَدِّمَتِهِ، فَلَمَّا نَزَلُوا عُكْبَرَا أَوْقَعَ يَنَالُ كُوشَةَ بِمُوسَى فَيَادَةَ) ، (وَنُهِبَ

стр. 3892

سَوَادُهُ) ، وَمَضَى هُوَ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْمَوْصِلِ نَحْوَ الْعِرَاقِ، وَوَصَلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ إِلَى سَامِرَّا فِي شَعْبَانَ، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ بِعُكْبَرَا. وَفِي رَمَضَانَ سَارَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ مَعَ الْمُطِيعِ لِلَّهِ إِلَى عُكْبَرَا، فَلَمَّا سَارَ عَنْ بَغْدَاذَ لَحِقَ ابْنُ شَيْرَزَادَ بِنَاصِرِ الدَّوْلَةِ، وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ مَعَ عَسْكَرٍ لِنَاصِرِ الدَّوْلَةِ، (فَاسْتَوْلُوا عَلَيْهَا، وَدَبَّرَ ابْنُ شَيْرَزَادَ الْأُمُورَ بِهَا نِيَابَةً عَنْ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ) ، (وَنَاصِرُ الدَّوْلَةِ) يُحَارِبُ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا كَانَ عَاشِرُ رَمَضَانَ، سَارَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ مِنْ سَامِرَّا إِلَى بَغْدَاذَ فَأَقَامَ بِهَا، فَلَمَّا سَمِعَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ الْخَبَرَ، سَارَ إِلَى تَكْرِيتَ فَنَهَبَهَا ; لِأَنَّهَا كَانَتْ لِنَاصِرِ الدَّوْلَةِ، وَعَادَ الْخَلِيفَةُ مَعَهُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَنَزَلُوا بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَنَزَلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَلَمْ يُخْطَبْ لِلْمُطِيعِ بِبَغْدَاذَ. ثُمَّ وَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ بِبَغْدَاذَ، وَانْتَشَرَتْ أَعْرَابُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، فَمَنَعُوا أَصْحَابَ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ مِنَ الْمِيرَةِ وَالْعَلَفِ، فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ عَلَى الدَّيْلَمِ، حَتَّى بَلَغَ الْخُبْزُ عِنْدَهُمْ كُلُّ رِطْلٍ بِدِرْهَمٍ وَرُبُعٍ، وَكَانَ السِّعْرُ عِنْدَ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ رَخِيصًا، كَانَتْ تَأْتِيهِ الْمِيرَةُ فِي دِجْلَةَ مِنَ الْمَوْصِلِ، فَكَانَ الْخُبْزُ عِنْدَهُ كُلُّ خَمْسَةِ أَرْطَالٍ بِدِرْهَمٍ. وَمَنَعَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ مِنَ الْمُعَامَلَةِ بِالدَّنَانِيرِ الَّتِي عَلَيْهَا اسْمُ الْمُطِيعِ، وَضَرَبَ دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ عَلَى سِكَّةِ سَنَةِ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَعَلَيْهَا اسْمُ الْمُتَّقِي لِلَّهِ، وَاسْتَعَانَ ابْنُ شَيْرَزَادَ بِالْعَيَّارِينَ وَالْعَامَّةِ عَلَى حَرْبِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَكَانَ يَرْكَبُ فِي الْمَاءِ وَهُمْ مَعَهُ وَيُقَاتِلُ الدَّيْلَمَ. وَفِي بَعْضِ اللَّيَالِي عَبَرَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ فِي أَلْفِ فَارِسٍ لِكَبْسِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَلَقِيَهُمْ أَسْفَهْدُوَسْتُ فَهَزَمَهُمْ، وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ شَجَاعَةً، وَضَاقَ الْأَمْرُ بِالدَّيْلَمِ حَتَّى عَزَمَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَقَالَ: نَعْمَلُ مَعَهُمْ حِيلَةً هَذِهِ الْمَرَّةَ، فَإِنْ أَفَادَتْ وَإِلَّا عُدْنَا، فَرَتَّبَ مَا مَعَهُ مِنَ الْمَعَابِرِ بِنَاحِيَةِ الثَّمَّارِينَ، وَأَمَرَ وَزِيرَهُ أَبَا جَعْفَرٍ الصَّيْمَرِيَّ

стр. 3893

وَأَسْفَهْدُوَسْتَ بِالْعُبُورِ، ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بَاقِيَ الْعَسْكَرِ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يَعْبُرُ فِي قُطْرَبُّلَ، وَسَارَ لَيْلًا وَمَعَهُ الْمَشَاعِلُ عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ، فَسَارَ أَكْثَرُ عَسْكَرِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بِإِزَائِهِ لِيَمْنَعُوهُ مِنَ الْعُبُورِ، فَتَمَكَّنَ الصَّيْمَرِيُّ وَأَسْفَهْدُوَسْتُ مِنَ الْعُبُورِ، فَعَبَرُوا وَتَبِعَهُمْ أَصْحَابُهُمْ. فَلَمَّا عَلِمَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بِعُبُورِ أَصْحَابِهِ عَادَ إِلَى مَكَانِهِ، فَعَلِمُوا بِحِيلَتِهِ، فَلَقِيَهُمْ يَنَالُ كُوشَةَ فِي جَمَاعَةِ أَصْحَابِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، فَهَزَمُوهُ وَاضْطَرَبَ عَسْكَرُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، وَمَلَكَ الدَّيْلَمُ الْجَانِبَ الشَّرْقِيَّ، وَأُعِيدَ الْخَلِيفَةَ إِلَى دَارِهِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، وَغَنِمَ الدَّيْلَمُ وَنَهَبُوا أَمْوَالَ النَّاسِ بِبَغْدَاذَ، فَكَانَ مِقْدَارُ مَا غَنَمُوهُ وَنَهَبُوهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمَعْرُوفِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ عَشَرَةَ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَمَرَهُمْ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بِرَفْعِ السَّيْفِ وَالْكَفِّ عَنِ النَّهْبِ، وَأَمَّنَ النَّاسَ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَأَمَرَ وَزِيرَهُ أَبَا جَعْفَرٍ الصَّيْمَرِيَّ، فَرَكِبَ وَقَتَلَ وَصَلَبَ جَمَاعَةً، وَطَافَ بِنَفْسِهِ فَامْتَنَعُوا. وَاسْتَقَرَّ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بِبَغْدَاذَ، وَأَقَامَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ بِعُكْبَرَا، وَأَرْسَلَ فِي الصُّلْحِ بِغَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْأَتْرَاكِ التُّوزُونِيَّةِ، فَهَمُّوا بِقَتْلِهِ، فَسَارَ عَنْهُمْ مُجِدًّا نَحْوَ الْمَوْصِلِ. ثُمَّ اسْتَقَرَّ الصُّلْحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] . ذِكْرُ وَفَاةِ الْقَائِمِ وَوَلَايَةِ الْمَنْصُورِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَهْدِيُّ الْعَلَوِيُّ صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ شَوَّالٍ، وَقَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ ابْنُهُ إِسْمَاعِيلُ وَتُلُقِّبَ الْمَنْصُورُ بِاللَّهِ، وَكَتَمَ مَوْتَهُ خَوْفًا أَنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ أَبُو يَزِيدَ، وَهُوَ بِالْقُرْبِ مِنْهُ عَلَى سُوسَةَ، وَأَبْقَى الْأُمُورَ عَلَى حَالِهَا، وَلَمْ يَتَسَمَّ بِالْخَلِيفَةِ، وَلَمْ يُغَيِّرِ السِّكَّةَ، وَلَا الْخُطْبَةَ، وَلَا الْبُنُودَ، وَبَقِيَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ فَرَغَ مِنْ أَمْرِ أَبِي يَزِيدَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ أَظْهَرَ مَوْتَهُ، وَتَسَمَّى بِالْخِلَافَةِ، وَعَمِلَ آلَاتِ الْحَرْبِ وَالْمَرَاكِبِ، وَكَانَ شَهْمًا شُجَاعًا وَضَبَطَ الْمُلْكَ وَالْبِلَادَ.

стр. 3894

ذِكْرُ أَقَطَاعِ الْبِلَادِ وَتَخْرِيبِهَا فِيهَا شَغَبَ الْجُنْدُ عَلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، وَأَسْمَعُوهُ الْمَكْرُوهَ، فَضَمِنَ لَهُمْ إِيصَالَ أَرْزَاقِهِمْ فِي مُدَّةٍ ذَكَرَهَا لَهُمْ، فَاضْطُرَّ إِلَى خَبْطِ النَّاسِ، وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ مِنْ غَيْرِ وُجُوهِهَا، وَأَقْطَعَ قُوَّادَهُ وَأَصْحَابَهُ الْقُرَى جَمِيعَهَا الَّتِي لِلسُّلْطَانِ وَأَصْحَابِ الْأَمْلَاكِ، فَبَطَلَ لِذَلِكَ أَكْثَرُ الدَّوَاوِينِ، وَزَالَتْ أَيْدِي الْعُمَّالِ، وَكَانَتِ الْبِلَادُ قَدْ خَرِبَتْ مِنَ الِاخْتِلَافِ، وَالْغَلَاءِ، وَالنَّهْبِ، فَأَخَذَ قُوَّادُهُ الْقُرَى الْعَامِرَةَ، وَزَادَتْ عِمَارَتُهَا مَعَهُمْ، وَتَوَفَّرَ دَخْلُهَا بِسَبَبِ الْجَاهِ، فَلَمْ يُمْكِنْ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ الْعَوْدَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. وَأَمَّا الْأَتْبَاعُ فَإِنَّ الَّذِي أَخَذُوهُ ازْدَادَ خَرَابًا، فَرَدُّوهُ وَطَلَبُوا الْعِوَضَ عَنْهُ، فَعُوِّضُوا، وَتَرَكَ الْأَجْنَادُ الِاهْتِمَامَ بِمَشَارِبِ الْقُرَى وَتَسْوِيَةِ طُرُقِهَا، فَهَلَكَتْ وَبَطَلَ الْكَثِيرُ مِنْهَا. وَأَخَذَ غِلْمَانُ الْمُقْطَعِينَ فِي ظُلْمِ وَتَحْصِيلِ الْعَاجِلِ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا عَجَزَ الْحَاصِلُ تَمَّمَهُ (بِمُصَادَرَاتِهَا) . ثُمَّ إِنَّ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ فَوَّضَ حِمَايَةَ كُلِّ مَوْضِعٍ إِلَى بَعْضِ أَكَابِرِ أَصْحَابِهِ فَاتَّخَذَهُ مَسْكَنًا وَأَطْمَعَهُ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمُ الْإِخْوَةُ، وَصَارَ الْقُوَّادُ يَدَّعُونَ الْخَسَارَةَ فِي الْحَاصِلِ، فَلَا يَقْدِرُ وَزِيرُهُ وَلَا غَيْرُهُ عَلَى تَحْقِيقِ ذَلِكَ، فَإِنِ اعْتَرَضَهُمْ مُعْتَرِضٌ صَارُوا أَعْدَاءً لَهُ، فَتُرِكُوا وَمَا يُرِيدُونَ، فَازْدَادَ طَمَعُهُمْ، وَلَمْ يَقِفُوا عِنْدَ غَايَةٍ، فَتَعَذَّرَ عَلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ جَمْعُ ذَخِيرَةٍ تَكُونُ لِلنَّوَائِبِ وَالْحَوَادِثِ، وَأَكْثَرَ مِنْ إِعْطَاءِ غِلْمَانِهِ الْأَتْرَاكِ وَالزِّيَادَةِ لَهُمْ فِي الْأَقْطَاعِ، فَحَسَدَهُمُ الدَّيْلَمُ وَتَوَلَّدَ مِنْ ذَلِكَ الْوَحْشَةُ وَالْمُنَافَرَةُ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ مَا نَذْكُرُهُ. ذِكْرُ مَوْتِ الْإِخْشِيدِ وَمِلْكِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ دِمَشْقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، مَاتَ الْإِخْشِيدُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ طُغْجَ صَاحِبُ دِيَارِ مِصْرَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ بِبَغْدَاذَ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِدِمَشْقَ،

стр. 3895

وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، وَوَلِيَ الْأَمْرَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو الْقَاسِمِ أَنُوجُورُ، فَاسْتَوْلَى عَلَى الْأَمْرِ كَافُورٌ الْخَادِمُ الْأَسْوَدُ، وَهُوَ مِنْ خَدَمِ الْإِخْشِيدِ، وَغَلَبَ أَبَا الْقَاسِمَ وَاسْتَضْعَفَهُ وَتَفَرَّدَ بِالْوَلَايَةِ، وَكَافُورٌ هَذَا هُوَ الَّذِي مَدَحَهُ الْمُتَنَبِّي ثُمَّ هَجَاهُ. وَكَانَ أَبُو الْقَاسِمِ صَغِيرًا، وَكَانَ كَافُورٌ أَتَابِكَهُ، فَلِهَذَا اسْتَضْعَفَهُ وَحَكَمَ عَلَيْهِ، فَسَارَ كَافُورٌ إِلَى مِصْرَ، فَقَصَدَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ دِمَشْقَ، فَمَلَكَهَا وَأَقَامَ بِهَا، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ هُوَ وَالشَّرِيفُ الْعَقِيلِيُّ بِنَوَاحِي دِمَشْقَ، فَقَالَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ: مَا تَصْلُحُ هَذِهِ الْغُوطَةُ إِلَّا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ لَهُ الْعَقِيلِيُّ: هِيَ لِأَقْوَامٍ كَثِيرَةٍ، فَقَالَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ: لَئِنْ أَخَذَتْهَا الْقَوَانِينُ السُّلْطَانِيَّةُ لَيَنْبَرُونَ مِنْهَا، فَأَعْلَمَ الْعَقِيلِيُّ أَهْلَ دِمَشْقَ بِذَلِكَ، فَكَاتَبُوا كَافُورًا يَسْتَدْعُونَهُ، فَجَاءَهُمْ، فَأَخْرَجُوا سَيْفَ الدَّوْلَةِ عَنْهُمْ (سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ أَنُوجُورُ مَعَ كَافُورٍ، فَتَبِعُوا سَيْفَ الدَّوْلَةِ إِلَى حَلَبَ، فَخَافَهُمْ سَيْفُ الدَّوْلَةِ فَعَبَرَ إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَأَقَامَ أَنُوجُورُ عَلَى حَلَبَ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا، وَعَادَ أَنُوجُورُ إِلَى مِصْرَ وَعَادَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ إِلَى حَلَبَ، وَأَقَامَ كَافُورٌ بِدِمَشْقَ يَسِيرًا وَوَلِيَ عَلَيْهَا بَدْرٌ الْإِخْشِيدِيُّ، وَيُعْرَفُ بِبُدَيرٍ، وَعَادَ إِلَى مِصْرَ، فَبَقِيَ بُدَيْرٌ عَلَى دِمَشْقَ سَنَةً، ثُمَّ وَلِيَهَا أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ طُغْجَ وَقَبَضَ عَلَى بُدَيْرٍ.

стр. 3896

ذِكْرُ مُخَالِفَةِ أَبِي عَلِيٍّ عَلَى الْأَمِيرِ نُوحٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَالَفَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُحْتَاجٍ عَلَى الْأَمِيرِ نُوحٍ، صَاحِبِ خُرَاسَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ لَمَّا عَادَ مِنْ مَرْوَ إِلَى نَيْسَابُورَ وَتَجَهَّزَ لِلْمَسِيرِ إِلَى الرَّيِّ، أَنْفَذَ إِلَيْهِ الْأَمِيرُ نُوحٌ عَارِضًا يَسْتَعْرِضُ الْعَسْكَرَ، فَأَسَاءَ الْعَارِضُ السِّيرَةَ مَعَهُمْ، وَأَسْقَطَ مِنْهُمْ وَنَقَصَ، فَنَفَرَتْ قُلُوبُهُمْ، فَسَارُوا وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ (وَانْضَافَ إِلَى ذَلِكَ) أَنَّ نُوحًا أَنَفَذَ مَعَهُمْ مَنْ يَتَوَلَّى أَعْمَالَ الدِّيوَانِ، وَجَعَلَ إِلَيْهِ الْحَلَّ وَالْعَقْدَ وَالْإِطْلَاقَ بَعْدَ أَنْ كَانَ جَمِيعُهُ أَيَّامَ السَّعِيدِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ إِلَى أَبِي عَلِيٍّ، فَنَفَرَ قَلْبُهُ لِذَلِكَ، (ثُمَّ إِنَّهُ عُزِلَ عَنْ خُرَاسَانَ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا إِبْرَاهِيمَ بْنَ سِيمَجُورَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ) . ثُمَّ إِنَّ الْمُتَوَلِّيَ أَسَاءَ إِلَى الْجُنْدِ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ وَحَوَائِجِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ، فَازْدَادُوا نُفُورًا، فَشَكَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَهُمْ إِذْ ذَاكَ بِهَمَذَانَ، وَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى مُكَاتَبَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَمِّ نُوحٍ، وَاسْتِقْدَامِهِ إِلَيْهِمْ وَمُبَايَعَتِهِ وَتَمْلِيكِهِ الْبِلَادَ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ حِينَئِذٍ بِالْمَوْصِلِ فِي خِدْمَةِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ سَبَبُ مَسِيرِهِ إِلَيْهَا مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، فَلَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ أَظْهَرُوا عَلَيْهِ أَبَا عَلِيٍّ، فَنَهَاهُمْ عَنْهُ، فَتَوَعَّدُوهُ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ إِنْ خَالَفَهُمْ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا، فَكَاتَبُوا إِبْرَاهِيمَ وَعَرَّفُوهُ حَالَهُمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فِي تِسْعِينَ فَارِسًا، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَقِيَهُ أَبُو عَلِيٍّ بِهَمَذَانَ وَسَارُوا مَعَهُ إِلَى الرَّيِّ فِي شَوَّالٍ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا اطَّلَعَ أَبُو عَلِيٍّ مِنْ أَخِيهِ الْفَضْلِ عَلَى كِتَابٍ كَتَبَهُ إِلَى الْأَمِيرِ نُوحٍ يُطْلِعُهُ عَلَى حَالِهِمْ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَعَلَى ذَلِكَ الْمُتَوَلِّي الَّذِي أَسَاءَ إِلَى الْجُنْدِ، وَسَارَ إِلَى نَيْسَابُورَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الرَّيِّ وَالْجَبَلِ نُوَّابَهُ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْأَمِيرِ نُوحٍ، فَتَجَهَّزَ وَسَارَ إِلَى مَرْوَ مِنْ بُخَارَى، وَكَانَ الْأَجْنَادُ قَدْ مَلُّوا مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَاكِمِ الْمُتَوَلِّي لِلْأُمُورِ لِسُوءِ سِيرَتِهِ، فَقَالُوا لِنُوحٍ: إِنَّ الْحَاكِمَ أَفْسَدَ عَلَيْكَ الْأُمُورَ بِخُرَاسَانَ، وَأَحْوَجَ أَبَا عَلِيٍّ إِلَى الْعِصْيَانِ، وَأَوْحَشَ الْجُنُودَ، وَطَلَبُوا تَسْلِيمَهُ إِلَيْهِمْ، وَإِلَّا سَارُوا إِلَى عَمِّهِ إِبْرَاهِيمَ وَأَبِي عَلِيٍّ، فَسَلَّمَهُ إِلَيْهِمْ، فَقَتَلُوهُ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] .

стр. 3897

وَلَمَّا وَصَلَ أَبُو عَلِيٍّ إِلَى نَيْسَابُورَ، كَانَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سِيمَجُورَ، وَمَنْصُورُ بْنُ قَرَاتَكِينَ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْقُوَّادِ، فَاسْتَمَالَهُمَا أَبُو عَلِيٍّ، فَمَالَا إِلَيْهِ وَصَارَا مَعَهُ، وَدَخَلَهَا فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ مِنْ مَنْصُورٍ مَا يَكْرَهُ فَقَبَضَ عَلَيْهِ. ثُمَّ سَارَ أَبُو عَلِيٍّ وَإِبْرَاهِيمُ مِنْ نَيْسَابُورَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] إِلَى مَرْوَ، وَبِهَا الْأَمِيرُ نُوحٌ، فَهَرَبَ الْفَضْلُ أَخُو أَبِي عَلِيٍّ مِنْ مَحْبَسِهِ، احْتَالَ عَلَى الْمُوَكَّلِينَ بِهِ وَهَرَبَ إِلَى قُوهِسْتَانَ فَأَقَامَ بِهَا، وَسَارَ أَبُو عَلِيٍّ إِلَى مَرْوَ، فَلَمَّا قَارَبَهَا أَتَاهُ كَثِيرٌ مِنْ عَسْكَرِ نُوحٍ، وَسَارَ نُوحٌ عَنْهَا إِلَى بُخَارَى، وَاسْتَوْلَى أَبُو عَلِيٍّ عَلَى مَرْوَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] وَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، وَأَتَاهُ أَكْثَرُ أَجْنَادِ نُوحٍ وَسَارَ نَحْوَ بُخَارَى، وَعَبَرَ النَّهْرَ إِلَيْهَا، فَفَارَقَهَا نُوحٌ وَسَارَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، وَدَخَلَ أَبُو عَلِيٍّ بُخَارَى فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَخَطَبَ فِيهَا لِإِبْرَاهِيمَ الْعَمِّ، وَبَايَعَ لَهُ النَّاسُ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا عَلِيٍّ اطَّلَعَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَى سُوءٍ قَدْ أَضْمَرَهُ لَهُ، فَفَارَقَهُ وَسَارَ إِلَى تِرْكِسْتَانَ، وَبَقِيَ إِبْرَاهِيمُ فِي بُخَارَى، وَفِي خِلَالِ ذَلِكَ أَطْلَقَ أَبُو عَلِيٍّ مَنْصُورَ بْنَ قَرَاتَكِينَ، فَسَارَ إِلَى الْأَمِيرِ نُوحٍ. ثُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَافَقَ جَمَاعَةً فِي السِّرِّ عَلَى أَنْ يَخْلَعَ نَفْسَهُ مِنَ الْأَمْرِ وَيَرُدَّهُ إِلَى وَلَدِ أَخِيهِ الْأَمِيرِ نُوحٍ، وَيَكُونَ هُوَ صَاحِبَ جَيْشِهِ، وَيَتَّفِقَ مَعَهُ عَلَى قَصْدِ أَبِي عَلِيٍّ، وَدَعَا أَهْلَ بُخَارَى إِلَى ذَلِكَ، فَأَجَابُوهُ وَاجْتَمَعُوا وَخَرَجُوا إِلَى أَبِي عَلِيٍّ وَقَدْ تَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَرَكِبَ إِلَيْهِمْ فِي خَيْلٍ، فَرَدَّهُمْ إِلَى الْبَلَدِ أَقْبَحَ رَدٍّ، وَأَرَادَ إِحْرَاقَ الْبَلَدِ، فَشَفَعَ إِلَيْهِ مَشَايِخُ بُخَارَى، فَعَفَا عَنْهُمْ وَعَادَ إِلَى مَكَانِهِ، وَاسْتَحْضَرَ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ، وَهُوَ أَخُو الْأَمِيرِ نُوحٍ، وَعَقَدَ لَهُ الْإِمَارَةَ وَبَايَعَ لَهُ، وَخَطَبَ لَهُ فِي النَّوَاحِي كُلِّهَا. ثُمَّ ظَهَرَ لِأَبِي عَلِيٍّ فَسَادَ نِيَّاتِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْجُنْدِ، فَرَتَّبَ أَبَا جَعْفَرٍ فِي الْبَلَدِ، وَرَتَبَ مَا يَجِبُ تَرْتِيبُهُ، وَخَرَجَ عَنِ الْبَلَدِ يُظْهِرُ الْمَسِيرَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، وَيُضْمِرُ الْعَوْدَ إِلَى الصَّغَانِيَانِ، وَمِنْهَا إِلَى نَسْفَ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْبَلَدِ، رَدَّ جَمَاعَةً مِنَ الْجُنْدِ وَالْحَشَمِ إِلَى بُخَارَى، وَكَاتَبَ نُوحًا بِإِفْرَاجِهِ عَنْهَا. ثُمَّ سَارَ إِلَى الصَّغَانِيَانِ فِي شَعْبَانَ،

стр. 3898

وَلَمَّا فَارَقَ أَبُو عَلِيٍّ بُخَارَى، خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ إِلَى سَمَرْقَنْدَ مُسْتَأْمِنِينَ إِلَى نُوحٍ، مَظْهِرِينَ النَّدَمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ، فَقَرَّبَهُمْ وَقَبِلَهُمْ وَوَعَدَهُمْ وَعَادَ إِلَى بُخَارَى فِي رَمَضَانَ، وَقَتَلَ نُوحٌ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ طَغَانَ الْحَاجِبَ، وَسَمَلَ عَمَّهُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَخَوَيْهِ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدًا وَأَحْمَدَ، وَعَادَتِ الْجُيُوشُ فَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ وَالْأَجْنَادُ، وَأَصْلَحَ الْفَسَادَ. وَأَمَّا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخُو أَبِي عَلِيٍّ فَإِنَّهُ لَمَّا هَرَبَ مِنْ أَخِيهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَلَحِقَ بِقُوهِسْتَانَ، جَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا وَسَارَ نَحْوَ نَيْسَابُورَ، وَبِهَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ قِبَلِ أَبِي عَلِيٍّ، فَخَرَجَ مِنْهَا الْفَضْلُ، فَالْتَقَيَا وَتَحَارَبَا، فَانْهَزَمَ الْفَضْلُ وَمَعَهُ فَارِسٌ وَاحِدٌ، فَلَحِقَ بِبُخَارَى، فَأَكْرَمَهُ الْأَمِيرُ نُوحٌ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَأَقَامَ فِي خِدْمَتِهِ. ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ مَنْصُورِ بْنِ قَرَاتَكِينَ عَلَى خُرَاسَانَ لَمَّا عَادَ الْأَمِيرُ نُوحٌ إِلَى بُخَارَى وَأَصْلَحَ الْبِلَادَ، وَكَانَ أَبُو عَلِيٍّ بِالصَّغَانِيَانِ، وَبِمَرْوَ أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَزْوِينِيُّ، فَرَأَى نُوحٌ أَنْ يَجْعَلَ مَنْصُورَ بْنَ قَرَاتَكِينَ عَلَى جُيُوشِ خُرَاسَانَ، فَوَلَّاهُ ذَلِكَ، وَسَيَّرَهُ إِلَى مَرْوَ وَبِهَا أَبُو أَحْمَدَ، وَقَدْ غَوَّرَ الْمَنَاهِلَ مَا بَيْنَ آمُلَ وَمَرْوَ، وَوَافَقَ أَبَا عَلِيٍّ ثُمَّ تَخَلَّى عَنْهُ. وَسَارَ إِلَيْهِ مَنْصُورٌ جَرِيدَةً فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ، فَلَمْ يَشْعُرِ الْقَزْوِينِيُّ إِلَّا بِنُزُولِ مَنْصُورٍ بِكُشْمَاهِنَ عَلَى خَمْسَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَرْوَ، وَاسْتَوْلَى مَنْصُورٌ عَلَى مَرْوَ، وَاسْتَقْبَلَهُ أَبُو أَحْمَدَ الْقَزْوِينِيُّ فَأَكْرَمَهُ، وَسَيَّرَهُ إِلَى بُخَارَى مَعَ مَالِهِ وَأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا بَلَغَهَا أَكْرَمَهُ (الْأَمِيرُ نُوحٌ) وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ (إِلَّا أَنَّهُ وَكَّلَ بِهِ، فَظَفِرَ بَعْضَ الْأَيَّامِ بِرُقْعَةٍ قَدْ كَتَبَهَا الْقَزْوِينِيُّ بِمَا أَنْكَرَهُ) ، فَأَحْضَرَهُ وَبَكَّتَهُ بِذُنُوبِهِ ثُمَّ قَتَلَهُ.

стр. 3899

ذِكْرُ مُصَالَحَةِ أَبِي عَلِيٍّ مَعَ نُوحٍ ثُمَّ إِنَّ أَبَا عَلِيٍّ أَقَامَ بِالصَّغَانِيَانِ، فَبَلَغَهُ أَنَّ الْأَمِيرَ نُوحًا قَدْ عَزَمَ عَلَى تَسْيِيرِ عَسْكَرٍ إِلَيْهِ، فَجَمَعَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُيُوشَ وَخَرَجَ إِلَى بَلْخَ وَأَقَامَ بِهَا، وَأَتَاهُ رَسُولُ الْأَمِيرِ نُوحٍ فِي الصُّلْحِ، فَأَجَابَ إِلَيْهِ، فَأَبَى عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ مَعَهُ مِنْ قُوَّادِ نُوحٍ الَّذِينَ انْتَقَلُوا إِلَيْهِ، وَقَالُوا: نُحِبُّ أَنْ تَرُدَّنَا إِلَى مَنَازِلِنَا، ثُمَّ صَالَحَ، (فَخَرَجَ أَبُو عَلِيٍّ نَحْوَ بُخَارَى) ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْأَمِيرُ نُوحٌ فِي عَسَاكِرِهِ، وَجَعَلَ الْفَضْلَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَخَا أَبِي عَلِيٍّ صَاحِبَ جَيْشِهِ، فَالْتَقَوْا بِجُرْجِيكَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَتُحَارَبُوا قُبَيْلَ الْعَصْرِ، فَاسْتَأْمَنَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْحَسَنِ الدَّاعِيَ إِلَى نُوحٍ، وَتَفَرَّقَ الْعَسْكَرُ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ، فَانْهَزَمَ وَرَجَعَ إِلَى الصَّغَانِيَانِ. ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّ الْأَمِيرَ نُوحًا قَدْ أَمَرَ الْعَسَاكِرَ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ مِنْ بُخَارَى وَبَلْخَ وَغَيْرِهِمَا، وَأَنَّ صَاحِبَ الْخُتَّلِ قَدْ تَجَهَّزَ لِمُسَاعَدَةِ أَبِي عَلِيٍّ، فَسَارَ أَبُو عَلِيٍّ فِي جَيْشِهِ إِلَى تِرْمِذَ، وَعَبَرَ جَيْحُونَ، وَسَارَ إِلَى بَلْخَ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَعَلَى طَخَارِسْتَانَ، وَجَبَى مَالَ تِلْكَ النَّاحِيَةِ. وَسَارَ مِنْ بُخَارَى عَسْكَرٌ جَرَّارٌ إِلَى الصَّغَانِيَانِ، فَأَقَامُوا بِنَسْفَ وَمَعَهُمُ الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخُو أَبِي عَلِيٍّ، فَكَتَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ قُوَّادِ الْعَسْكَرِ إِلَى الْأَمِيرِ نُوحٍ بِأَنَّ الْفَضْلَ قَدِ اتَّهَمُوهُ بِالْمَيْلِ إِلَى أَخِيهِ، فَأَمَرَهُمْ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ، فَقَبَضُوا عَلَيْهِ وَسَيَّرُوهُ إِلَى بُخَارَى. وَبَلَغَ خَبَرُ الْعَسْكَرِ إِلَى أَبِي عَلِيٍّ، وَهُوَ بِطَخَارِسْتَانَ، فَعَادَ إِلَى الصَّغَانِيَانِ وَوَقَعَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ أَبُو عَلِيٍّ فِي الْعَلُوفَةِ، فَانْتَقَلُوا إِلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنَ الصَّغَانِيَانِ، فَقَاتَلَهُمْ أَبُو عَلِيٍّ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَهَرُوهُ، وَسَارَ إِلَى شُومَانَ وَهِيَ عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا مِنَ الصَّغَانِيَانِ، وَدَخَلَ عَسْكَرُ نُوحٍ إِلَى الصَّغَانِيَانِ، فَأَخْرَبُوا قُصُورَ أَبِي عَلِيٍّ وَمَسَاكِنَهُ، وَتَبِعُوا أَبَا عَلِيٍّ، فَعَادَ إِلَيْهِمْ وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْكَتِيبَةُ، وَضَيَّقَ عَلَى عَسْكَرِ نُوحٍ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمَسَالِكَ، فَانْقَطَعَتْ عَنْهُمْ

стр. 3900

أَخْبَارُ بُخَارَى، وَأَخْبَارُهُمْ عَنْ بُخَارَى نَحْوَ عِشْرِينَ يَوْمًا، فَأَرْسَلُوا إِلَى أَبِي عَلِيٍّ يَطْلُبُونَ الصُّلْحَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَيْهِ وَاتَّفَقُوا عَلَى إِنْفَاذِ ابْنِهِ أَبِي الْمُظَفَّرِ عَبْدِ اللَّهِ رَهِينَةً إِلَى الْأَمِيرِ نُوحٍ، وَاسْتَقَرَّ الصُّلْحُ بَيْنَهُمَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. وَسَيَّرَ ابْنَهُ إِلَى بُخَارَى، فَأَمَرَ نُوحٌ بِاسْتِقْبَالِهِ، فَأَكْرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَكَانَ قَدْ دَخَلَ إِلَيْهِ بِعِمَامَةٍ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ الْقَلَنْسُوَةَ، وَجَعَلَهُ مِنْ نُدَمَائِهِ، وَزَالَ الْخُلْفُ. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَذْكُرَ هَذِهِ الْحَوَادِثَ فِي السِّنِينَ الَّتِي هِيَ فِيهَا كَانَتْ، وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَاهَا مُتَتَابِعَةً فِي هَذِهِ السَّنَةِ لِئَلَّا يَتَفَرَّقُ ذِكْرُهَا. هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُ التَّوَارِيخِ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَقَدْ ذَكَرَ الْعِرَاقِيُّونَ هَذِهِ الْحَوَادِثَ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ السِّيَاقَةِ، وَأَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ أَعْلَمُ بِأَحْوَالِهِمْ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَا ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ مُخْتَصَرًا، قَالُوا: إِنَّ أَبَا عَلِيٍّ لَمَّا سَارَ نَحْوَ الرَّيِّ فِي عَسَاكِرِ خُرَاسَانَ، كَتَبَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ إِلَى أَخِيهِ عِمَادِ الدَّوْلَةِ يَسْتَمِدُّهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِمُفَارَقَةِ الرَّيِّ وَالْوُصُولِ إِلَيْهِ لِتَدْبِيرٍ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَفَعَلَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ ذَلِكَ. وَدَخَلَ أَبُو عَلِيٍّ الرَّيَّ، فَكَتَبَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ إِلَى نُوحٍ سِرًّا يَبْذُلُ لَهُ فِي الرَّيِّ فِي كُلِّ سَنَةٍ زِيَادَةً عَلَى مَا بَذَلَهُ أَبُو عَلِيٍّ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَيُعَجِّلُ ضَمَانَ سَنَةٍ، وَيَبْذُلُ مِنْ نَفْسِهِ مُسَاعَدَتَهُ عَلَى أَبِي عَلِيٍّ حَتَّى يَظْفَرَ بِهِ (وَخَوَّفَهُ مِنْهُ) ، فَاسْتَشَارَ نُوحٌ أَصْحَابَهُ، وَكَانُوا يَحْسُدُونَ أَبَا عَلِيٍّ وَيُعَادُونَهُ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِإِجَابَتِهِ، فَأَرْسَلَ نُوحٌ إِلَى ابْنِ بُوَيْهِ مَنْ يُقَرِّرُ الْقَاعِدَةَ وَيَقْبِضُ الْمَالَ، فَأَكْرَمَ الرَّسُولَ وَوَصَلَهُ بِمَالٍ جَزِيلٍ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي عَلِيٍّ يُعْلِمُهُ خَبَرَ هَذِهِ الرِّسَالَةِ، وَأَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى عَهْدِهِ وَوُدِّهِ، وَحَذَّرَهُ مِنْ غَدْرِ الْأَمِيرِ نُوحٍ، فَأَنْفَذَ أَبُو عَلِيٍّ رَسُولَهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ بِالْمَوْصِلِ يَسْتَدْعِيهِ لِيُمَلِّكَهُ الْبِلَادَ، فَسَارَ إِبْرَاهِيمُ، فَلَقِيَهُ أَبُو عَلِيٍّ بِهَمَذَانَ، وَسَارُوا إِلَى خُرَاسَانَ. وَكَتَبَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ إِلَى أَخِيهِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ يَأْمُرُهُ بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى الرَّيِّ، فَعَادَ إِلَيْهِ، وَاضْطَرَبَتْ خُرَاسَانُ، وَرَدَّ عِمَادُ الدَّوْلَةِ رَسُولَ نُوحٍ بِغَيْرِ مَالٍ، وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ أُنْفِذَ الْمَالَ فَيَأْخُذَهُ أَبُو عَلِيٍّ، وَأَرْسَلَ إِلَى نُوحٍ يُحَذِّرُهُ مِنْ أَبِي عَلِيٍّ وَيَعِدُهُ الْمُسَاعَدَةَ عَلَيْهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي عَلِيٍّ يَعِدُهُ بِإِنْفَاذِ الْعَسَاكِرِ نَجْدَةً لَهُ، وَيُشِيرُ عَلَيْهِ بِسُرْعَةِ اللِّقَاءِ، وَإِنَّ نُوحًا (سَارَ

стр. 3901

فَالْتَقَى) هُوَ وَأَبُو عَلِيٍّ بِنَيْسَابُورَ، فَانْهَزَمَ نُوحٌ وَعَادَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، وَاسْتَوْلَى أَبُو عَلِيٍّ عَلَى بُخَارَى، وَإِنَّ أَبَا عَلِيٍّ اسْتَوْحَشَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ فَانْقَبَضَ عَنْهُ. وَجَمَعَ نُوحٌ الْعَسَاكِرَ وَعَادَ إِلَى بُخَارَى، وَحَارَبَ عَمَّهُ إِبْرَاهِيمَ، فَلَمَّا الْتَقَى الصَّفَّانِ، عَادَ جَمَاعَةٌ مِنْ قُوَّادِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى نُوحٍ، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ، وَأُخِذَ إِبْرَاهِيمُ أَسِيرًا، فَسُمِلَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، سَمَلَهُمْ نُوحٌ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اصْطَلَحَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ وَأَبُو الْقَاسِمِ الْبَرِيدِيُّ، وَضَمِنَ أَبُو الْقَاسِمِ مَدِينَةَ وَاسِطَ وَأَعْمَالَهَا مِنْهُ. وَفِيهَا اشْتَدَّ الْغَلَاءُ بِبَغْدَادَ حَتَّى أَكَلَ النَّاسُ الْمَيْتَةَ، وَالْكِلَابَ، وَالسَّنَانِيرَ، وَأُخِذَ بَعْضُهُمْ وَمَعَهُ صَبِيٌّ قَدْ شَوَاهُ لِيَأْكُلَهُ، وَأَكَلَ النَّاسُ خَرُّوبَ الشَّوْكِ (فَأَكْثَرُوا مِنْهُ) ، وَكَانُوا يَسْلُقُونَ حَبَّهُ وَيَأْكُلُونَهُ، فَلِحَقَ النَّاسَ أَمْرَاضٌ وَأَوْرَامٌ فِي أَحْشَائِهِمْ، وَكَثُرَ فِيهِمُ الْمَوْتُ، حَتَّى عَجَزَ النَّاسُ عَنْ دَفْنِ الْمَوْتَى، فَكَانَتِ الْكِلَابُ تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ، وَانْحَدَرَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ بَغْدَاذَ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَمَاتَ أَكْثَرُهُمْ فِي الطَّرِيقِ، وَمَنْ وَصَلَ مِنْهُمْ، مَاتَ بَعْدَ مُدَيْدَةٍ يَسِيرَةٍ، وَبِيعَتِ الدُّورُ وَالْعَقَارُ بِالْخُبْزِ، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْغَلَّاتُ انْحَلَّ السِّعْرُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ دَاوُدَ بْنِ الْجَرَّاحِ الْوَزِيرُ وَلَهُ تِسْعُونَ سَنَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ أَخْبَارِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى دِينِهِ وَكِفَايَتِهِ.

стр. 3902

وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ عُمَرُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخِرَقِيُّ الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ بِبَغْدَاذَ. وَأَبُو بَكْرٍ الشِّبْلِيُّ الصُّوفِيُّ، تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ أَبِي مُوسَى الْحَنَفِيِّ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.

стр. 3903

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَة] ٣٣٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ، اسْتَقَرَّ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بِبَغْدَاذَ، وَأَعَادَ الْمُطِيعَ لِلَّهِ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ بَعْدَ أَنِ اسْتَوْثَقَ مِنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مُفَصَّلًا. وَفِيهَا اصْطَلَحَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ وَنَاصِرُ الدَّوْلَةِ، وَكَانَتِ الرُّسُلُ تَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنَ الْأَتْرَاكِ التُّوزُونِيَّةِ، وَكَانَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ نَازِلًا شَرْقِيَّ تَكْرِيتَ، فَلَمَّا عَلِمَ الْأَتْرَاكُ بِذَلِكَ ثَارُوا بِنَاصِرِ الدَّوْلَةِ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ وَعَبَرَ دِجْلَةَ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، فَنَزَلَ عَلَى مُلْهَمٍ وَالْقَرَامِطَةِ، فَأَجَارُوهُ وَسَيَّرُوهُ وَمَعَهُ ابْنُ شَيْرَزَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ. ذِكْرُ حَرْبِ تِكِينَ وَنَاصِرِ الدَّوْلَةِ لَمَّا هَرَبَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ مِنَ الْأَتْرَاكِ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، اتَّفَقُوا عَلَى تَأْمِيرِ تِكِينَ الشِّيرَازِيِّ، وَقَبَضُوا عَلَى ابْنِ قُرَابَةَ، وَعَلَى كُتَّابِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ (وَمَنْ تَخَلَّفَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَبَضَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ) عَلَى ابْنِ شَيْرَزَادَ عِنْدَ وُصُولِهِ إِلَى جُهَيْنَةَ، وَلَمْ يَلْبَثْ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ بِالْمَوْصِلِ بَلْ سَارَ إِلَى نَصِيبِينَ، وَدَخَلَ تِكِينُ وَالْأَتْرَاكُ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَسَارُوا فِي طَلَبِهِ، فَمَضَى إِلَى سِنْجَارَ، فَتَبِعَهُ تِكِينُ إِلَيْهَا، فَسَارَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ مِنْ سِنْجَارَ إِلَى الْحَدِيثَةِ، فَتَبِعَهُ تِكِينُ. وَكَانَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ قَدْ كَتَبَ إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ يَسْتَصْرِخُهُ، فَسَيَّرَ الْجُيُوشَ إِلَيْهِ، فَسَارَ

стр. 3904

نَاصِرُ الدَّوْلَةِ مِنَ الْحَدِيثَةِ إِلَى السِّنِّ، فَاجْتَمَعَ هُنَاكَ بِعَسْكَرِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَفِيهِمْ وَزِيرُهُ أَبُو جَعْفَرٍ الصَّيْمَرِيُّ، وَسَارُوا بِأَسْرِهِمْ إِلَى الْحَدِيثَةِ لِقِتَالِ تِكِينَ، فَالْتَقَوْا بِهَا، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ تِكِينُ وَالْأَتْرَاكُ بَعْدَ أَنْ كَادُوا يَسْتَظْهِرُونَ، فَلَمَّا انْهَزَمُوا، تَبِعَهُمُ الْعَرَبُ مِنْ أَصْحَابِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، فَأَدْرَكُوهُمْ وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَأَسَرُوا تِكِينَ الشِّيرَازِيَّ وَحَمَلُوهُ إِلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، فَسَمَلَهُ فِي الْوَقْتِ فَأَعْمَاهُ، وَحَمَلَهُ إِلَى قَلْعَةٍ مِنْ قِلَاعِهِ فَسَجَنَهُ بِهَا. وَسَارَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ وَالصَّيْمَرِيُّ (إِلَى الْمَوْصِلِ فَنَزَلُوا شَرْقِيَّهَا، وَرَكِبَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ إِلَى خَيْمَةِ الصَّيْمَرِيِّ) ، فَدَخَلَ إِلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَلَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ. فَحُكِيَ عَنْ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ أَنَّهُ قَالَ: نَدِمْتُ حِينَ دَخَلْتُ خَيْمَتَهُ، فَبَادَرْتُ وَخَرَجْتُ. وَحُكِيَ عَنِ الصَّيْمَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا خَرَجَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ مِنْ عِنْدِي، نَدِمْتُ حَيْثُ لَمْ أَقْبِضْ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَسَلَّمَ الصَّيْمَرِيُّ بْنُ شَيْرَزَادَ مِنْ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ أَلْفَ كَرٍّ حِنْطَةً وَشَعِيرًا وَغَيْرَ ذَلِكَ. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ عَلَى الرَّيِّ لَمَّا كَانَ مِنْ عَسَاكِرِ خُرَاسَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الِاخْتِلَافِ، وَعَادَ أَبُو عَلِيٍّ إِلَى خُرَاسَانَ، رَجَعَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ إِلَى الرَّيِّ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَعَلَى سَائِرِ أَعْمَالِ الْجَبَلِ، وَأَزَالَ عَنْهَا الْخُرَاسَانِيَّةَ، وَعَظُمَ مُلْكُ بَنِي بُوَيْهِ، فَإِنَّهُمْ صَارَ بِأَيْدِيهِمْ أَعْمَالُ الرَّيِّ، وَالْجَبَلِ، وَفَارِسَ، وَالْأَهْوَازِ، وَالْعِرَاقِ، وَيُحْمَلُ إِلَيْهِمْ ضَمَانُ الْمَوْصِلِ، وَدِيَارُ بَكْرٍ، وَدِيَارُ مُضَرَ (مِنَ الْجَزِيرَةِ) . ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اخْتَلَفَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْبَرِيدِيِّ وَالِي الْبَصْرَةِ، فَأَرْسَلَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ جَيْشًا إِلَى وَاسِطَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمُ ابْنُ الْبَرِيدِيِّ جَيْشًا مِنَ الْبَصْرَةِ فِي الْمَاءِ

стр. 3905

وَعَلَى الظَّهْرِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْبَرِيدِيِّ، وَأُسِرَ مِنْ أَعْيَانِهِمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ. وَفِيهَا كَانَ الْفِدَاءُ بِالثُّغُورِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ عَلَى يَدِ نَصْرِ الثَّمَلِيِّ أَمِيرِ الثُّغُورِ لِسَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، وَكَانَ عِدَّةُ الْأَسْرَى أَلْفَيْنِ وَأَرْبَعِمِائَةِ أَسِيرٍ وَثَمَانِينَ أَسِيرًا مَنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، وَفَضَلَ لِلرُّومِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِائَتَانِ وَثَلَاثُونَ أَسِيرًا لِكَثْرَةِ مِنْ مَعَهُمْ مِنَ الْأَسْرَى، فَوَفَّاهُمْ ذَلِكَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ. وَفِيهَا فِي شَعْبَانَ، قَبَضَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ مُحَمَّدٍ الْقَرَارِيطِيِّ، وَكَانَ اسْتَكْتَبَهُ اسْتِظْهَارًا عَلَى أَبِي الْفَرَجِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ السُّرِّ مِنْ رَائِي، وَاسْتَكْتَبَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ فَهْدٍ الْمَوْصِلِيَّ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَحْرٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، فِي شَوَّالٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ (بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صُولٍ) أَبُو بَكْرٍ الصُّولِيُّ، وَكَانَ عَالِمًا بِفُنُونِ الْآدَابِ وَالْأَخْبَارِ.

стр. 3906

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣٣٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ عَلَى الْبَصْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ وَمَعَهُ الْمُطِيعُ لِلَّهِ إِلَى الْبَصْرَةِ ; لِاسْتِنْقَاذِهَا مِنْ يَدِ أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيِّ، وَسَلَكُوا الْبَرِّيَّةَ إِلَيْهَا، فَأَرْسَلَ الْقَرَامِطَةُ مِنْ هَجَرَ إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ مَسِيرَهُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ، وَهِيَ لَهُمْ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ عَنْ كِتَابِهِمْ، وَقَالَ لِلرَّسُولِ: قُلْ لَهُمْ مَنْ أَنْتُمْ حَتَّى تَسْتَأْمِرُوا، وَلَيْسَ قَصْدِي مِنْ أَخْذِ الْبَصْرَةِ غَيْرَكُمْ، وَسَتَعْلَمُونَ مَا تَلْقَوْنَ مِنِّي. وَلَمَّا وَصَلَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى الدَّرْهَمِيَّةِ، اسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ عَسَاكِرُ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَرِيدِيِّ، وَهَرَبَ أَبُو الْقَاسِمِ فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ إِلَى هَجَرَ، وَالْتَجَأَ إِلَى الْقَرَامِطَةِ، وَمَلَكَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ الْبَصْرَةَ، فَانْحَلَّتِ الْأَسْعَارُ بِبَغْدَاذَ انْحِلَالًا كَثِيرًا. وَسَارَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى الْأَهْوَازِ لِيَلْقَى أَخَاهُ عِمَادَ الدَّوْلَةِ، وَأَقَامَ الْخَلِيفَةُ وَأَبُو جَعْفَرٍ الصَّيْمَرِيُّ بِالْبَصْرَةِ، وَخَالَفَ كُورَكِيرُ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْقُوَّادِ، عَلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ الصَّيْمَرِيُّ، فَقَاتَلَهُ فَانْهَزَمَ كُورَكِيرُ وَأُخِذَ أَسِيرًا، فَحَبَسَهُ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بِقَلْعَةِ رَامَهُرْمُزَ، وَلَقِيَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ أَخَاهُ عِمَادَ الدَّوْلَةِ بِأَرَّجَانَ فِي شَعْبَانَ، وَقَبَّلَ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَ يَقِفُ قَائِمًا عِنْدَهُ، فَيَأْمُرُهُ بِالْجُلُوسِ، فَلَا يَفْعَلُ، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَعَادَ الْمُطِيعُ أَيْضًا إِلَيْهَا، وَأَظْهَرَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ أَنَّهُ يُرِيدُ [أَنْ] يَسِيرَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، وَاسْتَقَرَّ الصُّلْحُ وَحُمِلَ الْمَالُ إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ فَسَكَتَ عَنْهُ.

стр. 3907

ذِكْرُ مُخَالِفَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِطُوسَ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِطُوسَ وَأَعْمَالِهَا، وَهِيَ فِي يَدِهِ وَيَدِ نُوَّابِهِ، فَخَالَفَ عَلَى الْأَمِيرِ نُوحِ بْنِ نَصْرٍ السَّامَانِيِّ، وَكَانَ مَنْصُورُ بْنُ قَرَاتَكِينَ صَاحِبَ جَيْشِ خُرَاسَانَ بِمَرْوَ عِنْدَ نُوحٍ، فَوَصَلَ إِلَيْهِمَا وَشْمَكِيرُ مُنْهَزِمًا مِنْ جُرْجَانَ، قَدْ غَلَبَهُ عَلَيْهَا الْحَسَنُ بْنُ الْفَيْرُزَانِ، فَأَمَرَ نُوحٌ مَنْصُورًا بِالْمَسِيرِ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَمُحَارَبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَأَخْذِ مَا بِيَدِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ، ثُمَّ يَسِيرُ مَعَ وَشْمَكِيرَ إِلَى جُرْجَانَ، فَسَارَ مَنْصُورٌ وَوَشْمَكِيرُ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَكَانَ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، فَفَارَقَهَا نَحْوَ أُسْتُوا، فَاتَّبَعَهُ مَنْصُورٌ، فَسَارَ مُحَمَّدٌ إِلَى جُرْجَانَ، وَكَاتَبَ رُكْنَ الدَّوْلَةِ بْنَ بُوَيْهِ، وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ، فَأَمَرَهُ بِالْوُصُولِ إِلَى الرَّيِّ. وَسَارَ مَنْصُورٌ مِنْ نَيْسَابُورَ إِلَى طُوسَ، وَحَصَرُوا رَافِعَ بْنَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِقَلْعَةِ شَمِيلَانَ، فَاسْتَأْمَنَ بَعْضُ أَصْحَابِ رَافِعٍ إِلَيْهِ، فَهَرَبَ رَافِعٌ مِنْ شَمِيلَانَ إِلَى حِصْنِ دَرَكَ، فَاسْتَوْلَى مَنْصُورٌ عَلَى شَمِيلَانَ، (وَأَخَذَ مَا فِيهَا مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ) ، وَاحْتَمَى رَافِعٌ بِدَرَكَ، وَبِهَا أَهْلُهُ وَوَالِدَتُهُ، وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ مِنْ شَمِيلَانَ، (فَأَخْرَبَ مَنْصُورٌ شَمِيلَانَ) ، وَسَارَ إِلَى دَرَكَ فَحَاصَرَهَا، وَحَارَبَهُمْ عِدَّةَ أَيَّامٍ، فَتَغَيَّرَتِ الْمِيَاهُ بِدَرَكَ، فَاسْتَأْمَنَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ إِلَى مَنْصُورٍ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي عَمِّهِ وَأَهْلِهِ، وَعَمِدَ أَخُوهُ رَافِعٌ إِلَى الصَّامِتِ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَالْجَوَاهِرِ، وَأَلْقَاهَا فِي الْبُسُطِ إِلَى تَحْتِ الْقَلْعَةِ، وَنَزَلَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ فَأَخَذُوا تِلْكَ الْأَمْوَالَ وَتَفَرَّقُوا فِي الْجِبَالِ. وَاحْتَوَى مَنْصُورٌ عَلَى مَا كَانَ فِي قَلْعَةِ دَرَكَ، وَأَنْفَذَ عِيَالَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَوَالِدَتِهِ إِلَى بُخَارَى فَاعْتُقِلُوا بِهَا، وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فَإِنَّهُ سَارَ مِنْ جُرْجَانَ إِلَى الرَّيِّ، وَبِهَا رُكْنُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ، فَأَكْرَمَهُ رُكْنُ الدَّوْلَةِ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا، وَسَرَّحَهُ إِلَى مُحَارَبَةِ الْمَرْزُبَانِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. ذِكْرُ وَلَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ صِقِلِّيَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَلْبِيَّ عَلَى جَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ، وَكَانَ لَهُ مَحَلٌّ كَبِيرٌ عِنْدَ الْمَنْصُورِ، وَلَهُ أَثَرٌ عَظِيمٌ فِي قِتَالِ أَبِي يَزِيدَ. وَكَانَ سَبَبُ وَلَايَتِهِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا قَدِ اسْتَضْعَفَهُمُ الْكُفَّارُ بِهَا أَيَّامَ عَطَّافٍ لِعَجْزِهِ وَضَعْفِهِ، وَامْتَنَعُوا مِنْ إِعْطَاءِ مَالِ الْهُدْنَةِ، وَكَانُوا بِصِقِلِّيَةَ بَنُو الطَّبَرِيِّ مِنْ أَعْيَانِ الْجَمَاعَةِ، وَلَهُمْ أَتْبَاعٌ كَثِيرُونَ، فَوَثَبُوا بِعَطَّافٍ أَيْضًا، وَأَعَانَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ سَنَةَ

стр. 3908

خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، وَقَتَلُوا جَمَاعَةً مِنْ رِجَالِهِ، وَأَفْلَتَ عَطَّافٌ هَارِبًا بِنَفْسِهِ إِلَى الْحِصْنِ، فَأَخَذُوا أَعْلَامَهُ وَطُبُولَهُ وَانْصَرَفُوا إِلَى دِيَارِهِمْ، فَأَرْسَلَ أَبُو عَطَّافٍ إِلَى الْمَنْصُورِ يُعْلِمُهُ الْحَالَ وَيَطْلُبُ الْمَدَدَ. فَلَمَّا عَلِمَ الْمَنْصُورُ ذَلِكَ، اسْتَعْمَلَ عَلَى الْوَلَايَةِ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ، فَسَارَ فِي الْمَرَاكِبِ، فَأَرْسَى بِمَدِينَةِ مَازَرَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ أَحَدٌ، فَبَقِيَ يَوْمَهُ، فَأَتَاهُ فِي اللَّيْلِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَكُتَامَةَ، وَغَيْرِهِمْ، وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ خَافُوا الْحُضُورَ عِنْدَهُ مِنِ ابْنِ الطَّبَرِيِّ وَمَنِ اتَّفَقَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادَ، وَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ الطَّبَرِيِّ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَبْدُونَ، وَغَيْرَهُمَا قَدْ سَارُوا إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَأَوْصَوْا بَنِيهِمْ لِيَمْنَعُوهُ مِنْ دُخُولِ الْبَلَدِ، وَمُفَارَقَةِ مَرَاكِبِهِ إِلَى أَنْ تَصِلَ كُتُبُهُمْ بِمَا يَلْقَوْنَ مِنَ الْمَنْصُورِ، وَقَدْ مَضَوْا يَطْلُبُونَ أَنْ يُوَلِّيَ الْمَنْصُورُ غَيْرَهُ. ثُمَّ أَتَاهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الطَّبَرِيِّ وَمَنْ مَعَهُ لِيُشَاهِدُوا مَنْ مَعَهُ، فَرَأَوْهُ فِي قِلَّةٍ، فَطَمِعُوا فِيهِ، وَخَادَعُوهُ وَخَادَعَهُمْ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَدْ وَعَدَهُمْ أَنَّهُ يُقِيمُ بِمَكَانِهِ إِلَى أَنْ يَعُودُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا فَارَقُوهُ جَدَّ السَّيْرَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَجْمَعُوا أَصْحَابَهُمْ وَيَمْنَعُوهُ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبَيْضَاءِ، أَتَاهُ حَاكِمُ الْبَلَدِ وَأَصْحَابُ الدَّوَاوِينِ، وَكُلُّ مَنْ يُرِيدُ الْعَافِيَةَ، فَلَقِيَهُمْ وَأَكْرَمَهُمْ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ أَحْوَالِهِمْ، فَلَمَّا سَمِعَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الطَّبَرِيِّ بِخُرُوجِ هَذَا الْجَمْعِ إِلَيْهِ، اضْطُرَّ إِلَى الْخُرُوجِ إِلَيْهِ، فَلَقِيَهُ الْحَسَنُ وَأَكْرَمَهُ وَعَادَ إِلَى دَارِهِ، وَدَخَلَ الْحَسَنُ الْبَلَدَ، وَمَالَ إِلَيْهِ كُلُّ مُنْحَرِفٍ عَنْ بَنِي الطَّبَرِيِّ وَمَنْ مَعَهُمْ. فَلَمَّا رَأَى ابْنُ الطَّبَرِيِّ ذَلِكَ، أَمَرَ رَجُلًا صِقِلِّيًّا، فَدَعَا بَعْضَ عَبِيدِ الْحَسَنِ وَكَانَ مَوْصُوفًا بِالشَّجَاعَةِ، فَلَمَّا دَخَلَ بَيْتَهُ، خَرَجَ الرَّجُلُ يَسْتَغِيثُ وَيَصِيحُ وَيَقُولُ: إِنَّ هَذَا دَخَلَ بَيْتِي، وَأَخَذَ امْرَأَتِي بِحَضْرَتِي غَصْبًا، فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْبَلَدِ لِذَلِكَ، وَحَرَّكَهُمُ ابْنُ الطَّبَرِيِّ وَخَوَّفَهُمْ وَقَالَ: هَذَا فِعْلُهُمْ، وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الْبَلَدِ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْحُضُورِ عِنْدَ الْحَسَنِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُعَاقِبُ مَمْلُوكَهُ، فَيَثُورُ النَّاسُ بِهِ، فَيُخْرِجُونَهُ مِنَ الْبَلَدِ. فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ، وَذَلِكَ الرَّجُلُ يَصِيحُ وَيَسْتَغِيثُ، أَحْضَرَهُ الْحَسَنُ عِنْدَهُ، وَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ، فَحَلَّفَهُ بِاللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى مَا يَقُولُ، فَحَلَفَ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْغُلَامِ فَقُتِلَ، فَسُّرَّ

стр. 3909

أَهْلُ الْبَلَدِ وَقَالُوا: الْآنَ طَابَتْ نُفُوسُنَا، وَعَلِمْنَا أَنَّ بَلَدَنَا يَتَعَمَّرُ، وَيَظْهَرُ فِيهِ الْعَدْلُ، فَانْعَكَسَ الْأَمْرُ عَلَى ابْنِ الطَّبَرِيِّ، وَأَقَامَ الْحَسَنُ وَهُوَ خَائِفٌ مِنْهُمْ. ثُمَّ إِنَّ الْمَنْصُورَ أَرْسَلَ إِلَى الْحَسَنِ يُعَرِّفُهُ أَنَّهُ قَبَضَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الطَّبَرِيِّ، وَعَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُونَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جُنَّا، وَمَنْ مَعَهُمْ، وَيَأْمُرُهُ بِالْقَبْضِ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ الطَّبَرِيِّ، وَرَجَاءِ بْنِ جُنَّا وَمُحَمَّدٍ. . وَمُخْلِفِي الْجَمَاعَةِ الْمَقْبُوضِينَ، فَاسْتَعْظَمَ الْأَمْرَ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الطَّبَرِيِّ يَقُولُ لَهُ: كُنْتَ قَدْ وَعَدْتَنِي أَنْ نَتَفَرَّجَ فِي الْبُسْتَانِ الَّذِي لَكَ، فَتَحْضُرَ لِنَمْضِيَ إِلَيْهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْجَمَاعَةِ عَلَى لِسَانِ ابْنِ الطَّبَرِيِّ يَقُولُ: تَحْضُرُونَ لِنَمْضِيَ مَعَ الْأَمِيرِ إِلَى الْبُسْتَانِ، فَحَضَرُوا عِنْدَهُ، وَجَعَلَ يُحَادِثُهُمْ وَيَطُولُ إِلَى أَنْ أَمْسَوْا، فَقَالَ: قَدْ فَاتَ اللَّيْلُ، وَتَكُونُونَ أَضْيَافَنَا، فَأَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِهِمْ يَقُولُ: إِنَّهُمُ اللَّيْلَةَ فِي ضِيَافَةِ الْأَمِيرِ، فَتَعُودُونَ إِلَى بُيُوتِهِمْ إِلَى الْغَدِ، فَمَضَى أَصْحَابُهُمْ، فَقَبَضَ عَلَيْهِمْ، وَأَخَذَ جَمِيعَ أَمْوَالِهِمْ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَاتَّفَقَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَقَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، فَلَمَّا رَأَى الرُّومُ ذَلِكَ، أَحْضَرَ الرَّاهِبُ مَالَ الْهُدْنَةِ لِثَلَاثِ سِنِينَ. ثُمَّ إِنَّ مَلِكَ الرُّومِ أَرْسَلَ بِطْرِيقًا فِي الْبَحْرِ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ إِلَى صِقِلِّيَةَ، وَاجْتَمَعَ هُوَ وَالسَّرْدَغُوسُ، فَأَرْسَلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى الْمَنْصُورِ يُعَرِّفُهُ الْحَالَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أُسْطُولًا فِيهِ سَبْعَةُ آلَافِ فَارِسٍ، وَثَلَاثَةُ آلَافٍ وَخَمْسُمِائَةِ رَاجِلٍ سِوَى الْبَحْرِيَّةِ، وَجَمَعَ الْحَسَنُ إِلَيْهِمْ جَمْعًا كَثِيرًا، وَسَارَ (فِي الْبَرِّ) وَالْبَحْرِ، فَوَصَلَ إِلَى مَسِّينِي، وَعَدَتِ الْعَسَاكِرُ الْإِسْلَامِيَّةُ إِلَى رِيُّو، وَبَثَّ الْحَسَنُ السَّرَايَا فِي أَرْضِ قِلَّوْرِيَةَ، وَنَزَلَ الْحَسَنُ عَلَى جَرَاجَةَ، وَحَاصَرَهَا أَشَدَّ حِصَارٍ، وَأَشْرَفُوا عَلَى الْهَلَاكِ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ،

стр. 3910

فَوَصَلَهُمُ الْخَبَرُ أَنَّ الرُّومَ قَدْ زَحَفُوا إِلَيْهِ، فَصَالَحَ أَهْلَ جَرَاجَةَ عَلَى مَالٍ أَخَذَهُ مِنْهُمْ، وَسَارَ إِلَى لِقَاءِ الرُّومِ، فَفَرُّوا مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ إِلَى مَدِينَةِ بَارَّةَ، وَنَزَلَ الْحَسَنُ عَلَى قَلْعَةِ قِسَّانَةَ، وَبَثَّ سَرَايَاهُ إِلَى قِلَّوْرِيَةَ، وَأَقَامَ عَلَيْهَا شَهْرًا، فَسَأَلُوهُ الصُّلْحَ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى مَالٍ أَخَذَهُ مِنْهُمْ. وَدَخَلَ الشِّتَاءُ، فَرَجَعَ الْجَيْشُ إِلَى مَسِّينِي، وَشَتَّى الْأُسْطُولُ بِهَا، فَأَرْسَلَ الْمَنْصُورُ يَأْمُرُهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى قِلَّوْرِيَةَ، فَسَارَ الْحَسَنُ، وَعَدَا الْمَجَازَ إِلَى جَرَاجَةَ، فَالْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالسَّرْدَغُوسُ وَمَعَهُ الرُّومُ يَوْمَ عَرَفَةَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ، فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ، وَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ أَكْتَافَهُمْ إِلَى اللَّيْلِ، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَغَنِمُوا أَثْقَالَهُمْ وَسِلَاحَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] فَقَصَدَ الْحَسَنُ جَرَاجَةَ فَحَصَرَهَا، فَأَرْسَلَ إِلَى قُسْطَنْطِينَ مَلِكِ الرُّومِ يَطْلُبُ مِنْهُ الْهُدْنَةَ، فَهَادَنَهُ، وَعَادَ الْحَسَنُ إِلَى رِيُّو وَبَنَى بِهَا مَسْجِدًا كَبِيرًا فِي وَسَطِ الْمَدِينَةِ، وَبَنَى فِي أَحَدِ أَرْكَانِهِ مِئْذَنَةً، وَشَرَطَ عَلَى الرُّومِ أَنَّهُمْ لَا يَمْنَعُونَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عِمَارَتِهِ، وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَالْأَذَانِ، وَأَنْ لَا يَدْخُلَهُ نَصْرَانِيُّ، وَمَنْ دَخَلَهُ مِنَ الْأَسَارَى الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ آمِنٌ سَوَاءً كَانَ مُرْتَدًا أَوْ مُقِيمًا عَلَى دِينِهِ، وَإِنْ أَخْرَجُوا حَجَرًا مِنْهُ، هُدِمَتْ كَنَائِسُهُمْ كُلُّهَا بِصِقِلِّيَةَ وَإِفْرِيقِيَّةَ، فَوَفَى الرُّومُ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ كُلِّهَا ذِلَّةً وَصَغَارًا. وَبَقِيَ الْحَسَنُ بِصِقِلِّيَةَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ الْمَنْصُورُ وَمَلَكَ الْمُعِزُّ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ. ذِكْرُ عِصْيَانِ جُمَانَ بِالرَّحْبَةِ وَمَا كَانَ مِنْهُ كَانَ جُمَانُ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ تُوزُونَ، وَصَارَ فِي جُمْلَةِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، فَلَمَّا كَانَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ بِبَغْدَاذَ فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَهُوَ يُحَارِبُ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ، ضَمَّ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ جَمِيعَ الدَّيْلَمِ الَّذِينَ مَعَهُ إِلَى جُمَانَ لِقِلَّةِ ثِقَتِهِ بِهِمْ، وَقَلَّدَهُ الرَّحْبَةَ وَأَخْرَجَهُ إِلَيْهَا، فَعَظُمَ أَمْرُهُ هُنَاكَ، وَقَصَدَهُ الرِّجَالُ، فَأَظْهَرَ الْعِصْيَانَ عَلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، وَعَزَمَ عَلَى التَّغَلُّبِ عَلَى

стр. 3911

الرَّقَّةِ وَدِيَارِ مُضَرَ، فَسَارَ إِلَى الرَّقَّةِ فَحَصَرَهَا سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَحَارَبَهُ أَهْلُهَا وَهَزَمُوهُ، وَوَثَبَ أَهْلُ الرَّحْبَةِ بِأَصْحَابِهِ وَعُمَّالِهِ، فَقَتَلُوهُمْ لِشِدَّةِ ظُلْمِهِمْ، وَسُوءِ مُعَامَلَتِهِمْ. فَلَمَّا عَادَ مِنَ الرَّقَّةِ، وَضَعَ السَّيْفَ فِي أَهْلِهَا، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ حَاجِبَهُ يَارُوخُ فِي جَيْشٍ، فَاقْتَتَلُوا عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، فَانْهَزَمَ جُمَانُ، فَوَقَعَ فِي الْفُرَاتِ فَغَرِقَ، وَاسْتَأْمَنَ أَصْحَابُهُ إِلَى يَارُوخَ، وَأُخْرِجَ جُمَانُ مِنَ الْمَاءِ فَدُفِنَ مَكَانُهُ. ذِكْرُ مِلْكِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ طَبَرِسْتَانَ وَجُرْجَانَ وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، اجْتَمَعَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ، وَالْحَسَنُ بْنُ الْفَيْرُزَانِ، وَقَصَدَا بِلَادَ وَشْمَكِيرَ، فَالْتَقَاهُمَا وَشْمَكِيرُ وَانْهَزَمَ مِنْهُمَا، وَمَلَكَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ طَبَرِسْتَانَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى جُرْجَانَ فَمَلَكَهَا، وَاسْتَأْمَنَ مِنْ قُوَّادِ وَشْمَكِيرَ مِائَةٌ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ قَائِدًا، فَأَقَامَ الْحَسَنُ بْنُ الْفَيْرُزَانِ بِجُرْجَانَ، وَمَضَى وَشْمَكِيرُ إِلَى خُرَاسَانَ مُسْتَجِيرًا وَمُسْتَنْجِدًا لِإِعَادَةِ بِلَادِهِ، فَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي صَفَرٍ، ظَهَرَ كَوْكَبٌ لَهُ ذَنَبٌ طُولُهُ نَحْوَ ذِرَاعَيْنِ فِي الْمَشْرِقِ، وَبَقِيَ نَحْوَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَاضْحَمَلَّ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ سَلَامَةُ الطُّولُونِيُّ الَّذِي كَانَ حَاجِبَ الْخُلَفَاءِ، فَأَخَذَ مَالَهُ وَعِيَالَهُ، وَسَارَ إِلَى الشَّامِ أَيَّامَ الْمُسْتَكْفِي، فَمَاتَ هُنَاكَ، وَلَمَّا سَارَ عَنْ بَغْدَاذَ، أُخِذَ مَالُهُ فِي الطَّرِيقِ وَمَاتَ (هُوَ الْآنَ) ، فَذَهَبَتْ نِعْمَتُهُ وَنَفْسُهُ حَيْثُ ظَنَّ السَّلَامَةَ

стр. 3912

وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ حَيْثُ يَقُولُ: وَإِذَا خَشِيتَ مِنَ الْأُمُورِ مُقَدَّرًا ... فَهَرَبَتْ مِنْهُ فَنَحْوَهُ تَتَقَدَّمُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَثْرَمُ الْمُقْرِئُ.

стр. 3913

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣٣٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ مِلْكِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ الْمَوْصِلَ وَعَوْدِهِ عَنْهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى الْمَوْصِلِ قَاصِدًا لِنَاصِرِ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ بِذَلِكَ، سَارَ عَنِ الْمَوْصِلِ إِلَى نَصِيبِينَ، وَوَصَلَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ فَمَلَكَ الْمَوْصِلَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَظَلَمَ أَهْلَهَا وَعَسَفَهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَ الرَّعَايَا، فَكَثُرَ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ. وَأَرَادَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ أَنْ يَمْلِكَ جَمِيعَ بِلَادِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ مِنْ أَخِيهِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ أَنَّ عَسَاكِرَ خُرَاسَانَ قَدْ قَصَدَتْ جُرْجَانَ وَالرَّيَّ، وَيَسْتَمِدُّهُ وَيَطْلُبُ مِنْهُ الْعَسَاكِرَ، فَاضْطُرَّ إِلَى مُصَالَحَةِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، فَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا (فِي ذَلِكَ) ، وَاسْتَقَرَّ الصُّلْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ عَنِ الْمَوْصِلِ، وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ كُلِّهَا، وَالشَّامِ، كُلَّ سَنَةٍ ثَمَانِيَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَيَخْطُبُ فِي بِلَادِهِ لِعِمَادِ الدَّوْلَةِ، (وَرُكْنِ الدَّوْلَةِ) ، وَمُعِزِّ الدَّوْلَةِ بَنِي بُوَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الصُّلْحُ عَادَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَاذَ فَدَخَلَهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ. ذِكْرُ مَسِيرِ عَسْكَرِ خُرَاسَانَ إِلَى جُرْجَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ مَنْصُورُ بْنُ قَرَاتَكِينَ فِي جُيُوشِ خُرَاسَانَ إِلَى جُرْجَانَ، صُحْبَةَ وَشْمَكِيرَ، وَبِهَا الْحَسَنُ بْنُ الْفَيْرُزَانِ، وَكَانَ مَنْصُورٌ مُنْحَرِفًا عَنْ وَشْمَكِيرَ فِي السَّيْرِ، فَتَسَاهَلَ لِذَلِكَ مَعَ الْحَسَنِ، وَصَالَحَهُ وَأَخَذَ ابْنَهُ رَهِينَةً. ثُمَّ بَلَغَ مَنْصُورًا أَنَّ الْأَمِيرَ نُوحًا اتَّصَلَ بِابْنَةِ خَتَكِينَ، مَوْلَى قَرَاتَكِينَ، وَهُوَ

стр. 3914

صَاحِبُ بُسْتَ وَالرُّخَّجِ، فَسَاءَ ذَلِكَ مَنْصُورًا وَأَقْلَقَهُ، وَكَانَ نُوحٌ قَدْ زَوَّجَ قَبْلَ ذَلِكَ بِنْتًا لِمَنْصُورٍ مِنْ بَعْضِ مَوَالِيهِ، اسْمُهُ فَتَكِينُ، فَقَالَ مَنْصُورٌ: يَتَزَوَّجُ الْأَمِيرُ بِابْنَةِ مَوْلَايَ، وَتُزَوَّجُ ابْنَتِي مِنْ مَوْلَاهُ؟ فَحَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى مُصَالَحَةِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَيْرُزَانِ وَأَعَادَ عَلَيْهِ ابْنَهُ، وَعَادَ عَنْهُ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَأَقَامَ الْحَسَنُ بِزَوْزَنَ، وَبَقِيَ وَشْمَكِيرُ بِجُرْجَانَ. ذِكْرُ مَسِيرِ الْمَرْزُبَانِ إِلَى الرَّيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْمَرْزُبَانُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسَافِرٍ صَاحِبُ أَذْرَبِيجَانَ إِلَى الرَّيِّ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَهُ خُرُوجُ عَسَاكِرِ خُرَاسَانَ إِلَى الرَّيِّ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُ رُكْنَ الدَّوْلَةِ عَنْهُ، ثُمَّ إِنَّهُ كَانَ أَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَحَلَقَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ لِحْيَتَهُ، وَسَبَّهُ وَسَبَّ صَاحِبَهُ، وَكَانَ سَفِيهًا، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْمَرْزُبَانِ، وَأَخَذَ فِي جَمْعِ الْعَسَاكِرِ، وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ بَعْدُ قُوَّادِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، وَأَطْمَعَهُ فِي الرَّيِّ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ مَنْ وَرَاءَهُ مِنَ الْقُوَّادِ يُرِيدُونَهُ، فَطَمِعَ لِذَلِكَ، فَرَاسَلَهُ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ يَعِدُ الْمُسَاعَدَةَ، وَيُشِيرُ عَلَيْهِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِبَغْدَاذَ، فَخَالَفَهُ، ثُمَّ أَحْضَرَ أَبَاهُ وَأَخَاهُ وَهْسُوذَانَ، وَاسْتَشَارَهُمَا فِي ذَلِكَ، فَنَهَاهُ أَبُوهُ عَنْ قَصْدِ الرَّيِّ، فَلَمْ يَقْبَلْ، فَلَمَّا وَدَّعَهُ بَكَى أَبُوهُ وَقَالَ: يَا بُنَيَّ، أَيْنَ أَطْلُبُكَ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا؟ قَالَ: إِمَّا فِي دَارِ الْإِمَارَةِ بِالرَّيِّ، وَإِمَّا بَيْنَ الْقَتْلَى. فَلَمَّا عَرَفَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ خَبَرَهُ، كَتَبَ إِلَى أَخَوَيْهِ عِمَادِ الدَّوْلَةِ وَمُعِزِّ الدَّوْلَةِ يَسْتَمِدُّهُمَا، فَسَيَّرَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ أَلْفَيْ فَارِسٍ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ جَيْشًا مَعَ سُبُكْتِكِينَ التُّرْكِيِّ، وَأَنْفَذَ عَهْدًا مِنَ الْمُطِيعِ لِلَّهِ لِرُكْنِ الدَّوْلَةِ بِخُرَاسَانَ، فَلَمَّا صَارُوا بِالدِّينَوَرِ خَالَفَ الدَّيْلَمُ عَلَى سُبُكْتِكِينَ، وَكَبَسُوهُ لَيْلًا، فَرَكِبَ فَرَسَ النَّوْبَةِ وَنَجَا، وَاجْتَمَعَ الْأَتْرَاكُ عَلَيْهِ، فَعَلِمَ الدَّيْلَمُ أَنَّهُمْ لَا قُوَّةَ لَهُمْ بِهِ، فَعَادُوا إِلَيْهِ وَتَضَرَّعُوا، فَقَبِلَ عُذْرَهُمْ. وَكَانَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ قَدْ شَرَعَ مَعَ الْمَرْزُبَانِ فِي الْمُخَادَعَةِ، وَإِعْمَالِ الْحِيلَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَتَوَاضَعُ لَهُ وَيُعَظِّمُهُ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْهُ عَلَى شَرْطِ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ رُكْنُ الدَّوْلَةِ زَنْجَانَ، وَأَبْهَرَ، وَقَزْوِينَ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ وَصْلَهُ الْمَدَدُ مِنْ عِمَادِ الدَّوْلَةِ

стр. 3915

وَمُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَأَحْضَرَ مَعَهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَأَنْفَذَ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ الْفَيْرُزَانِ عَسْكَرًا مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ مَاكَانَ، فَلَمَّا كَثُرَ جَمْعُهُ قَبَضَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِمَّنْ كَانَ يَتَّهِمُهُمْ مِنْ قُوَّادِهِ وَسَارَ إِلَى قَزْوِينَ، فَعَلِمَ الْمَرْزُبَانُ عَجْزَهُ عَنْهُ، وَأَنِفَ مِنَ الرُّجُوعِ، فَالْتَقَيَا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْمَرْزُبَانِ، وَأُخِذَ أَسِيرًا، وَحُمِلَ إِلَى سُمَيْرِمَ فَحُبِسَ بِهَا، وَعَادَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ، وَنَزَلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِنَوَاحِي أَذْرَبِيجَانَ. وَأَمَّا أَصْحَابُ الْمَرْزُبَانِ فَإِنَّهُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسَافِرٍ، وَوَلُّوهُ أَمْرَهُمْ، فَهَرَبَ مِنْهُ ابْنُهُ وَهْسُوذَانُ إِلَى حِصْنٍ لَهُ، فَأَسَاءَ مُحَمَّدُ السِّيرَةَ مَعَ الْعَسْكَرِ، فَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَهَرَبَ إِلَى ابْنِهِ وَهْسُوذَانَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ، ثُمَّ تَحَيَّرَ وَهْسُوذَانُ فِي أَمْرِهِ، فَاسْتَدْعَى دَيْسَمَ الْكُرْدِيَّ لِطَاعَةِ الْأَكْرَادِ لَهُ، وَقَوَّاهُ، وَسَيَّرَهُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، فَالْتَقَيَا، فَانْهَزَمَ دَيْسَمُ، وَقَوِيَ ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، فَأَقَامَ بِنَوَاحِي أَذْرَبِيجَانَ يَجْبِي أَمْوَالَهَا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرَّيِّ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَاتَبَ الْأَمِيرَ نُوحًا، وَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، وَسَأَلَهُ الصَّفْحَ، فَقَبِلَ عُذْرَهُ، وَكَاتَبَ وَشْمَكِيرَ بِمُهَادَنَتِهِ، فَهَادَنَهُ، ثُمَّ عَادَ مُحَمَّدٌ إِلَى طُوسَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] لَمَّا خَرَجَ مَنْصُورٌ إِلَى الرَّيِّ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ إِلَى بَلَدِ الرُّومِ، فَلَقِيَهُ الرُّومُ، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ، وَأَخَذَ الرُّومُ مَرْعَشَ، وَأَوْقَعُوا بِأَهْلِ طَرَسُوسَ. وَفِيهَا قَبَضَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ عَلَى أَسْفَهْدُوَسْتَ، وَهُوَ خَالُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ قُوَّادِهِ، وَأَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ الدَّالَّةَ عَلَيْهِ، وَيَعِيبُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَفْعَالِهِ، وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ

стр. 3916

(كَانَ) يُرَاسِلُ الْمُطِيعَ لِلَّهِ فِي قَتْلِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَسَيَّرَهُ إِلَى رَامَهُرْمُزَ فَسَجَنَهُ بِهَا. وَفِيهَا اسْتَأْمَنَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَرِيدِيُّ إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَقَدِمَ بَغْدَاذَ فَلَقِيَ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَأَقْطَعَهُ.

стр. 3917

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣٣٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ حَالِ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَفْحَلَ أَمْرُ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ، وَقَوِيَ شَأْنُهُ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ حَالِهِ أَنَّهُ مَنْ أَهْلِ الْجَامِدَةِ، فَجَبَى جِبَايَاتٍ، فَهَرَبَ إِلَى الْبَطِيحَةِ خَوفًا مِنَ السُّلْطَانِ، وَأَقَامَ بَيْنَ الْقَصَبِ وَالْآجَامِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى مَا يَصِيدُهُ مِنَ السَّمَكِ وَطُيُورِ الْمَاءِ قُوتًا، ثُمَّ صَارَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى مَنْ يَسَلُكُ الْبَطِيحَةَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّيَّادِينَ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ اللُّصُوصِ، فَقَوِيَ بِهِمْ، وَحَمَى جَانِبَهُ مِنَ السُّلْطَانِ، فَلَمَّا خَافَ أَنْ يُقْصَدَ، اسْتَأْمَنَ (إِلَى أَبِي الْقَاسِمِ) الْبَرِيدِيِّ، فَقَلَّدَهُ حِمَايَةَ الْجَامِدَةِ وَنَوَاحِي الْبَطَائِحِ، وَمَا زَالَ يَجْمَعُ الرِّجَالَ إِلَى أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَقَوِيَ وَاسْتَعَدَّ بِالسِّلَاحِ، وَاتَّخَذَ مَعَاقِلَ عَلَى التَّلُولِ الَّتِي بِالْبَطِيحَةِ، وَغَلَبَ عَلَى تِلْكَ النَّوَاحِي. فَلَمَّا اشْتَدَّ أَمْرُهُ، سَيَّرَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى مُحَارَبَتِهِ وَزِيرَهُ أَبَا جَعْفَرٍ الصَّيْمَرِيَّ، فَسَارَ إِلَيْهِ فِي الْجُيُوشِ، وَحَارَبَهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَاسْتَأْسَرَ أَهْلَهُ وَعِيَالَهُ، وَهَرَبَ عِمْرَانُ بْنُ شَاهِينَ وَاسْتَتَرَ، وَأَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ. فَاتَّفَقَ أَنَّ عِمَادَ الدَّوْلَةِ بْنَ بُوَيْهِ مَاتَ، وَاضْطَرَبَ جَيْشُهُ بِفَارِسَ، فَكَتَبَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى الصَّيْمَرِيِّ بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى شِيرَازَ لِإِصْلَاحِ الْأُمُورِ بِهَا، فَتَرَكَ عِمْرَانَ وَسَارَ إِلَى شِيرَازَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي مَوْتِ عِمَادِ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا سَارَ الصَّيْمَرِيُّ عَنِ الْبَطَائِحِ، ظَهَرَ عِمْرَانُ بْنُ شَاهِينَ مِنِ اسْتِتَارِهِ، وَعَادَ إِلَى أَمْرِهِ، وَجَمَعَ مَنْ تَفَرَّقَ عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ، وَسَنَذْكُرُ مِنْ أَخْبَارِهِ فِيمَا بَعْدُ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ.

стр. 3918

ذِكْرُ مَوْتِ عِمَادِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ بُوَيْهِ بِمَدِينَةِ شِيرَازَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَتْ عِلَّتُهُ الَّتِي مَاتَ بِهَا قُرْحَةٌ فِي كُلْيَتِهِ طَالَتْ بِهِ، وَتَوَالَتْ عَلَيْهِ الْأَسْقَامُ وَالْأَمْرَاضُ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالْمَوْتِ، أَنْفَذَ إِلَى أَخِيهِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُنْفِذَ ابْنَهُ عَضُدَ الدَّوْلَةِ فَنَّاخِسْرُو لِيَجْعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ، وَوَارِثِ مَمْلَكَتِهِ بِفَارِسَ ; لِأَنَّ عِمَادَ الدَّوْلَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ ذَكَرٌ، فَأَنْفَذَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ وَلَدَهُ عَضُدَ الدَّوْلَةِ، فَوَصَلَ فِي حَيَاةِ عَمِّهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ، وَسَارَ فِي جُمْلَةِ ثِقَاتِ أَصْحَابِ رَكْنِ الدَّوْلَةِ، فَخَرَجَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ إِلَى لِقَائِهِ فِي جَمِيعِ عَسْكَرِهِ، وَأَجْلَسَهُ فِي دَارِهِ عَلَى السَّرِيرِ، وَوَقَفَ هُوَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالسَّلَامِ عَلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَالِانْقِيَادِ لَهُ، وَكَانَ يَوْمًا عَظِيمًا مَشْهُودًا. وَكَانَ فِي قُوَّادِ عِمَادِ الدَّوْلَةِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَكَابِرِ يَخَافُهُمْ، وَيَعْرِفُهُمْ بِطَلَبِ الرِّئَاسَةِ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ أَكْبَرَ مِنْهُ نَفْسًا وَبَيْتًا، وَأَحَقَّ بِالتَّقَدُّمِ، وَكَانَ يُدَارِيهِمْ، فَلَمَّا جَعَلَ وَلَدَ أَخِيهِ فِي الْمُلْكِ، خَافَهُمْ عَلَيْهِ، فَأَفْنَاهُمْ بِالْقَبْضِ، وَكَانَ مِنْهُمْ قَائِدٌ كَبِيرٌ يُقَالُ لَهُ شَيْرَنْحِينُ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ، فَشَفَعَ فِيهِ أَصْحَابُهُ وَقُوَّادُهُ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ بِحَدِيثٍ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ أُطْلِقَهُ فَعَلْتُ، فَحَدَّثَهُمْ أَنَّهُ كَانَ فِي خُرَاسَانَ فِي خِدْمَةِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ، وَنَحْنُ شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ الدَّيْلَمِ، وَمَعَنَا هَذَا، فَجَلَسَ يَوْمًا نَصْرٌ وَفِي خِدْمَتِهِ مِنْ مَمَالِيكِهِ وَمَمَالِيكِ أَبِيهِ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا سِوَى سَائِرِ الْعَسْكَرِ، فَرَأَيْتُ شَيْرَنْحِينَ هَذَا قَدْ جَرَّدَ سِكِّينًا مَعَهُ وَلَفَّهُ فِي كِسَائِهِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: أُرِيدُ أَنَّ أَقْتُلَ هَذَا الصَّبِيَّ، يَعْنِي نَصْرًا، وَلَا أُبَالِيَ بِالْقَتْلِ بَعْدَهُ، فَإِنِّي قَدْ أَنِفَتْ نَفْسِي مِنَ الْقِيَامِ فِي خِدْمَتِهِ. (وَكَانَ عُمُرُ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ سَنَةً، وَقَدْ خَرَجَتْ لِحْيَتُهُ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ) إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ، لَمْ يُقْتَلْ وَحْدَهُ بَلْ نُقْتَلُ كُلُّنَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ وَقُلْتُ لَهُ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ حَدِيثٌ، فَمَضَيْتُ بِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ، وَجَمَعْتُ الدَّيْلَمَ، وَحَدَّثْتُهُمْ حَدِيثَهُ، فَأَخَذُوا مِنْهُ السِّكِّينَ، فَتُرِيدُونَ مِنِّي بَعْدَ أَنْ سَمِعْتُمْ حَدِيثَهُ فِي مَعْنَى نَصْرٍ أَنْ أُمَكِّنَهُ مِنَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْ هَذَا الصَّبِيِّ، يَعْنِي ابْنَ أَخِي؟

стр. 3919

فَأَمْسَكُوا عَنْهُ، وَبَقِيَ مَحْبُوسًا حَتَّى مَاتَ فِي مَحْبَسِهِ. وَمَاتَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ وَبَقِيَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بِفَارِسَ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ، فَكَتَبَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى وَزِيرِهِ الصَّيْمَرِيِّ بِالْمَسِيرِ إِلَى شِيرَازَ، وَتَرْكِ مُحَارَبَةِ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ، فَسَارَ إِلَى فَارِسَ، وَوَصَلَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ (أَيْضًا، وَاتَّفَقَا عَلَى تَقْرِيرِ قَاعِدَةِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ) قَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَى الرَّيِّ عَلِيَّ بْنَ كَامَةَ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِهِ، وَلَمَّا وَصَلَ رُكْنَ الدَّوْلَةِ إِلَى شِيرَازَ، ابْتَدَأَ بِزِيَارَةِ قَبْرِ أَخِيهِ بِإِصْطَخْرَ، فَمَشَى حَافِيًا حِاسِرًا وَمَعَهُ الْعَسَاكِرُ عَلَى حَالِهِ، وَلَزِمَ الْقَبْرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَى أَنْ سَأَلَهُ الْقُوَّادُ الْأَكَابِرُ لِيَرْجِعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَرَجَعَ إِلَيْهَا، وَأَقَامَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَأَنْفَذَ إِلَى أَخِيهِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْمَالِ وَالسِّلَاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَانَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ فِي حَيَاتِهِ هُوَ أَمِيرُ الْأُمَرَاءِ، فَلَمَّا مَاتَ، صَارَ أَخُوهُ رُكْنُ الدَّوْلَةِ أَمِيرَ الْأُمَرَاءِ، وَكَانَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ هُوَ الْمُسْتَوْلِي عَلَى الْعِرَاقِ وَالْخِلَافَةِ، وَهُوَ كَالنَّائِبِ عَنْهُمَا، وَكَانَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ كَرِيمًا، حَلِيمًا، عَاقِلًا، حَسَنَ السِّيَاسَةِ (لِلْمُلْكِ وَالرَّعِيَّةِ) ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ أَخْبَارِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى عَقْلِهِ وَسِيَاسَتِهِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، قَلَّدَ أَبُو السَّائِبِ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَضَاءَ الْقُضَاةِ بِبَغْدَاذَ. وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، مَاتَ الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ فِي دَارِ السُّلْطَانِ، وَكَانَتْ عِلَّتُهُ نَفْثَ الدَّمِ.

стр. 3920

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣٣٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ مَوْتِ الصَّيْمَرِيِّ وَوِزَارَةِ الْمُهَلَّبِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّيْمَرِيُّ، وَزِيرُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ بِأَعْمَالِ الْجَامِدَةِ، وَكَانَ قَدْ عَادَ مِنْ فَارِسَ إِلَيْهَا، وَأَقَامَ يُحَاصِرُ عِمْرَانَ بْنَ شَاهِينَ، فَأَخَذَتْهُ حُمَّى حَادَّةٌ مَاتَ مِنْهَا. وَاسْتَوْزَرَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ أَبَا مُحَمَّدٍ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْمُهَلَّبِيَّ فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَكَانَ يَخْلُفُ الصَّيْمَرِيَّ بِحَضْرَةِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَعَرَفَ أَحْوَالَ الدَّوْلَةِ وَالدَّوَاوِينِ، فَامْتَحَنَهُ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ، فَرَأَى فِيهِ مَا يُرِيدُهُ مِنَ الْأَمَانَةِ، وَالْكِفَايَةِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِمَصَالِحِ الدَّوْلَةِ، وَحُسْنِ السِّيرَةِ، فَاسْتَوْزَرَهُ وَمَكَّنَهُ مِنْ وِزَارَتِهِ، فَأَحْسَنَ السِّيرَةَ، وَأَزَالَ كَثِيرًا مِنَ الْمَظَالِمِ خُصُوصًا بِالْبَصْرَةِ، فَإِنَّ الْبَرِيدِيِّينَ كَانُوا قَدْ أَظْهَرُوا فِيهَا كَثِيرًا مِنَ الْمَظَالِمِ، فَأَزَالَهَا وَقَرَّبَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَتَنَقَّلَ فِي الْبِلَادِ لِكَشْفِ مَا فِيهَا مِنَ الْمَظَالِمِ وَتَخْلِيصِ الْأَمْوَالِ، فَحَسُنَ أَثَرُهُ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ غَزْوِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بِلَادَ الرُّومِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، فَغَزَا وَأَوْغَلَ فِيهَا، وَفَتَحَ فِيهَا حُصُونًا كَثِيرَةً، وَسَبَى وَغَنِمَ، فَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ بَلَدِ الرُّومِ، أَخَذُوا عَلَيْهِ الْمَضَايِقَ

стр. 3921

فَهَلَكَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَسْرًا وَقَتْلًا، وَاسْتَرَدَّ الرُّومُ الْغَنَائِمَ وَالسَّبْيَ، وَغَنِمُوا أَثْقَالَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ، وَنَجَا سَيْفُ الدَّوْلَةِ فِي عَدَدٍ يَسِيرٍ. ذِكْرُ إِعَادَةِ الْقَرَامِطَةِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَعَادَ الْقَرَامِطَةُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ إِلَى مَكَّةَ، وَقَالُوا: أَخَذْنَاهُ بِأَمْرٍ، وَأَعَدْنَاهُ بِأَمْرٍ. وَكَانَ بُجْكُمُ قَدْ بَذَلَ لَهُمْ فِي رَدِّهِ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ، وَرَدُّوهُ الْآنَ بِغَيْرِ شَيْءٍ فِي ذِي الْقِعْدَةِ، فَلَمَّا أَرَادُوا رَدَّهُ حَمَلُوهُ إِلَى الْكُوفَةِ، وَعَلَّقُوهُ بِجَامِعِهَا حَتَّى رَآهُ النَّاسُ، ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلَى مَكَّةَ، (وَكَانُوا أَخَذُوهُ مِنْ رُكْنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ مُكْثُهُ عِنْدَهُمُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً) . ذِكْرُ مَسِيرِ الْخُرَاسَانِيِّينَ إِلَى الرَّيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ مَنْصُورُ بْنُ قَرَاتَكِينَ مِنْ نَيْسَابُورَ إِلَى الرَّيِّ فِي صَفَرٍ، أَمَرَهُ الْأَمِيرُ نُوحٌ بِذَلِكَ، وَكَانَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بِبِلَادِ فَارِسَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَوَصَلَ مَنْصُورٌ إِلَى الرَّيِّ

стр. 3922

وَبِهَا عَلِيُّ بْنُ كَامَةَ خَلِيفَةُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، فَسَارَ عَلِيٌّ عَنْهَا إِلَى أَصْبَهَانَ، وَدَخَلَ مَنْصُورٌ الرَّيَّ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَفَرَّقَ الْعَسَاكِرَ فِي الْبِلَادِ فَمَلَكُوا بِلَادَ الْجَبَلِ إِلَى قِرْمِيسِينَ، وَأَزَالُوا عَنْهَا نُوَّابَ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، (وَاسْتَوْلُوا عَلَى هَمَذَانَ وَغَيْرِهَا. فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى رُكْنِ الدَّوْلَةِ) وَهُوَ بِفَارِسَ، فَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ يَأْمُرُهُ بِإِنْفَاذِ عَسْكَرٍ بِدَفْعِ تِلْكَ الْعَسَاكِرِ عَنِ النَّوَاحِي الْمُجَاوِرَةِ لِلْعِرَاقِ، فَسَيَّرَ سُبُكْتِكِينَ الْحَاجِبَ فِي عَسْكَرٍ ضَخْمٍ مِنَ الْأَتْرَاكِ، وَالدَّيْلَمِ، وَالْعَرَبِ، فَلَمَّا سَارَ سُبُكْتِكِينُ عَنْ بَغْدَاذَ، خَلَّفَ أَثْقَالَهُ، وَأَسْرَى جَرِيدَةً إِلَى مَنْ بِقِرْمِيسِينَ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ، فَكَبَسَهُمْ وَهُمْ غَارُّونَ، فَقَتَلَ فِيهِمْ، وَأَسَرَ مُقَدِّمَهُمْ مِنَ الْحَمَّامِ وَاسْمُهُ بُجْكُمُ الْخَمَارَتَكِينِيُّ، فَأَنْفَذَهُ مَعَ الْأَسْرَى إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَحَبَسَهُ مُدَّةً ثُمَّ أَطْلَقَهُ. فَلَمَّا بَلَغَ الْخُرَاسَانِيَّةَ ذَلِكَ، اجْتَمَعُوا إِلَى هَمَذَانَ، فَسَارَ سُبُكْتِكِينُ نَحْوَهُمْ، فَفَارَقُوا هَمَذَانَ وَلَمْ يُحَارِبُوهُ، وَدَخَلَ سُبُكْتِكِينُ هَمَذَانَ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنَّ وَرَدَ عَلَيْهِ رُكْنُ الدَّوْلَةِ (فِي شَوَّالٍ. وَسَارَ مَنْصُورٌ مِنَ الرَّيِّ فِي الْعَسَاكِرِ نَحْوَ هَمَذَانَ، وَبِهَا رُكْنُ الدَّوْلَةِ) ، فَلَمَّا بَقِيَ بَيْنَهُمَا مِقْدَارُ عِشْرِينَ فَرْسَخًا، عَدَلَ مَنْصُورٌ إِلَى أَصْبَهَانَ، وَلَوْ قَصَدَ هَمَذَانَ، لَانْحَازَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ عَنْهُ، وَكَانَ مَلَكَ الْبِلَادَ بِسَبَبِ اخْتِلَافٍ كَانَ فِي عَسْكَرِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، وَلَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ لِأَمْرٍ يُرِيدُهُ اللَّهُ - تَعَالَى، وَتَقَدَّمَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ إِلَى سُبُكْتِكِينَ بِالْمَسِيرِ فِي مُقَدِّمَتِهِمْ، فَلَمَّا أَرَادَ الْمَسِيرَ، شَغَبَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَتْرَاكِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَقَالَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ: هَؤُلَاءِ أَعْدَاؤُنَا وَمَعَنَا، وَالرَّأْيُ أَنْ نَبْدَأَ بِهِمْ، فَوَاقَعَهُمْ وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْأَتْرَاكُ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَكَتَبَ إِلَى ابْنِ أَبِي الشَّوْكِ الْكُرْدِيِّ وَغَيْرِهِ يَأْمُرُهُمْ بِطَلَبِهِمْ وَالْإِيقَاعِ بِهِمْ، فَطَلَبُوهُمْ وَأَسَرُوا مِنْهُمْ وَقَتَلُوا، وَمَضَى مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَسَارَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ نَحْوَ أَصْبَهَانَ، وَوَصَلَ ابْنُ قَرَاتَكِينَ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَانْتَقَلَ مَنْ

стр. 3923

كَانَ بِهَا مِنْ أَصْحَابِ رَكْنِ الدَّوْلَةِ، وَأَهْلِهِ وَأَسْبَابِهِ، وَرَكِبُوا الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ، حَتَّى الْبَقَرِ وَالْحَمِيرِ، وَبَلَغَ كِرَاءُ الثَّوْرِ وَالْحِمَارِ إِلَى خَانِ لِنْجَانَ مِائَةَ دِرْهَمٍ، وَهِيَ عَلَى تِسْعَةِ فَرَاسِخَ مِنْ أَصْبَهَانَ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ مُجَاوَرَةَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَلَوْ سَارَ إِلَيْهِمْ مَنْصُورٌ لِغَنَمِهِمْ وَأَخَذَ مَا مَعَهُمْ، وَمَلَكَ مَا وَرَاءَهُمْ، إِلَّا أَنَّهُ دَخَلَ أَصْبَهَانَ وَأَقَامَ بِهَا. وَوَصَلَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ فَنَزَلَ بِخَانِ لَنْجَانَ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمَا حُرُوبٌ عِدَّةَ أَيَّامٍ، وَضَاقَتِ الْمِيرَةُ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَبَلَغَ بِهِمُ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ ذَبَحُوا دَوَابَّهُمْ، وَلَوْ أَمْكَنَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ الِانْهِزَامُ لَفَعَلَ، وَلَكِنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَاسْتَشَارَ وَزِيرَهُ أَبَا الْفَضْلِ بْنَ الْعَمِيدِ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي فِي الْهَرَبِ، فَقَالَ لَهُ: لَا مَلْجَأَ لَكَ إِلَّا اللَّهَ - تَعَالَى، فَانْوِ لِلْمُسْلِمِينَ خَيرًا، وَصَمِّمِ الْعَزْمَ عَلَى حُسْنِ السِّيرَةِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّ الْحِيَلَ الْبَشَرِيَّةَ كُلُّهَا تَقَطَّعَتْ بِنَا، وَإِنِ انْهَزَمْنَا، تَبِعُونَا وَأَهْلَكُونَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنَّا، فَلَا يُفْلِتُ مِنَّا أَحَدٌ، (فَقَالَ لَهُ: قَدْ سَبَقْتُكَ إِلَى هَذَا) . فَلَمَّا كَانَ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ، أَتَاهُمُ الْخَبَرُ أَنَّ مَنْصُورًا وَعَسْكَرَهُ قَدْ عَادُوا إِلَى الرَّيِّ وَتَرَكُوا خِيَامَهُمْ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمِيرَةَ وَالْعَلُوفَةَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَيْضًا، إِلَّا أَنَّ الدَّيْلَمَ كَانُوا يَصْبِرُونَ، وَيَقْنَعُونَ بِالْقَلِيلِ مِنَ الطَّعَامِ، وَإِذَا ذَبَحُوا دَابَّةً أَوْ جَمَلًا، اقْتَسَمَهُ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ، وَكَانَ الْخُرَاسَانِيَّةُ بِالضِّدِّ مِنْهُمْ لَا يَصْبِرُونَ وَلَا يَكْفِيهِمُ الْقَلِيلُ، فَشَغَبُوا عَلَى مَنْصُورٍ وَاخْتَلَفُوا، وَعَادُوا إِلَى الرَّيِّ، فَكَانَ عَوْدُهُمْ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، فَأَتَى الْخَبَرُ رُكْنَ الدَّوْلَةِ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ حَتَّى تَوَاتَرَ عِنْدَهُ، فَرَكِبَ هُوَ وَعَسْكَرُهُ، وَاحْتَوَى عَلَى مَا خَلَّفَهُ الْخُرَاسَانِيَّةُ. حَكَى أَبُو الْفَضْلِ بْنُ الْعَمِيدِ، قَالَ: اسْتَدْعَانِي رُكْنُ الدَّوْلَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الثُّلُثَ الْأَخِيرَ، وَقَالَ لِي: قَدْ رَأَيْتُ السَّاعَةَ فِي مَنَامِي كَأَنِّي عَلَى دَابَّتِي فَيْرُوزَ، وَقَدِ انْهَزَمَ عَدُوُّنَا، وَأَنْتَ تَسِيرُ إِلَى جَانِبٍ، وَقَدْ جَاءَنَا الْفَرَجُ مِنْ حَيْثُ لَا نَحْتَسِبُ، فَمَدَدْتُ عَيْنِيَ فَرَأَيْتُ عَلَى الْأَرْضِ خَاتَمًا، فَأَخَذْتُهُ فَإِذَا فَصُّهُ مِنْ فَيْرُوزَجَ، فَجَعَلْتُهُ فِي إِصْبَعِي، وَتَبَرَّكْتُ بِهِ، وَانْتَبَهْتُ وَقَدْ أَيْقَنْتُ بِالظَّفَرِ، فَإِنَّ الْفَيْرُوزَجَ مَعْنَاهُ الظَّفَرُ، وَلِذَلِكَ لَقَّبَ الدَّابَّةَ فَيْرُوزَ.

стр. 3924

قَالَ ابْنُ الْعَمِيدِ: فَأَتَانَا الْخَبَرُ وَالْبِشَارَةُ بِأَنَّ الْعَدُوَّ قَدْ رَحَلَ، فَمَا صَدَّقْنَا حَتَّى تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ، فَرَكِبْنَا وَلَا نَعْرِفُ سَبَبَ هَرَبِهِمْ، وَسِرْنَا حَذِرِينَ مِنْ كَمِينٍ، وَسِرْتُ إِلَى جَانِبِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ فَيْرُوزَ، فَصَاحَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بِغُلَامٍ بَيْنَ يَدَيْهِ: نَاوِلْنِي ذَلِكَ الْخَاتَمَ، فَأَخَذَ خَاتَمًا مِنَ الْأَرْضِ فَنَاوَلَهُ إِيَّاهُ، فَإِذَا هُوَ فَيْرُوزَجُ، فَجَعَلَهُ فِي إِصْبَعِهِ وَقَالَ: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ، وَهَذَا الْخَاتَمُ الَّذِي رَأَيْتُ مُنْذُ سَاعَةٍ. وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا يُحْكَى وَأَعْجَبِهِ. ذِكْرُ أَخْبَارِ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ، وَانْهِزَامِ عَسَاكِرِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا حَالَ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ بَعْدَ مَسِيرِ الصَّيْمَرِيِّ عَنْهُ، وَأَنَّهُ زَادَ قُوَّةً وَجُرْأَةً، فَأَنْفَذَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى قِتَالِهِ رُوزْبَهَانَ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ عَسْكَرِهِ، فَنَازَلَهُ وَقَاتَلَهُ، فَطَاوَلَهُ عِمْرَانُ، وَتَحَصَّنَ مِنْهُ فِي مَضَايِقِ الْبَطِيحَةِ، فَضَجَرَ رُوزْبَهَانُ وَأَقْدَمَ عَلَيْهِ طَالِبًا لِلْمُنَاجَزَةِ، فَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهِ عِمْرَانُ وَهَزَمَهُ وَأَصْحَابَهُ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ وَغَنِمَ جَمِيعَ مَا مَعَهُمْ مِنَ السِّلَاحِ وَآلَاتِ الْحَرْبِ، فَقَوِيَ بِهَا، وَتَضَاعَفَتْ قُوَّتُهُ، فَطَمِعَ أَصْحَابُهُ فِي السُّلْطَانِ، فَصَارُوا إِذَا اجْتَازَ بِهِمْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ، يَطْلُبُونَ مِنْهُ الْبَذْرَقَةَ وَالْخِفَارَةَ، فَإِنْ أَعْطَاهُمْ، وَإِلَّا ضَرَبُوهُ وَاسْتَخَفُّوا بِهِ وَشَتَمُوهُ. وَكَانَ الْجُنْدُ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنَ الْعُبُورِ عَلَيْهِمْ إِلَى ضَيَاعِهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ بِالْبَصْرَةِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ انْقَطَعَ الطَّرِيقُ إِلَى الْبَصْرَةِ إِلَّا عَلَى الظَّهْرِ، فَشَكَا النَّاسُ ذَلِكَ إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَكَتَبَ إِلَى الْمُهَلَّبِيِّ بِالْمَسِيرِ إِلَى وَاسِطَ لِهَذَا السَّبَبِ، وَكَانَ بِالْبَصْرَةِ، فَأَصْعَدَ إِلَيْهَا، وَأَمَدَّهُ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بِالْقُوَّادِ وَالْأَجْنَادِ وَالسِّلَاحِ، وَأَطْلَقَ يَدَهُ فِي الْإِنْفَاقِ، فَزَحَفَ إِلَى الْبَطِيحَةِ وَضَيَّقَ عَلَى عِمْرَانَ، وَسَدَّ الْمَذَاهِبَ عَلَيْهِ، فَانْتَهَى إِلَى الْمَضَايِقِ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا عِمْرَانُ وَأَصْحَابُهُ، وَأَحَبَّ رُوزْبَهَانُ أَنْ يُصِيبَ الْمُهَلَّبِيَّ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْهَزِيمَةِ، وَلَا يَسْتَبِدَّ بِالظَّفَرِ وَالْفَتْحِ، وَأَشَارَ عَلَى الْمُهَلَّبِيِّ بِالْهُجُومِ عَلَى عِمْرَانَ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَكَتَبَ إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ يُعَجِّزُ الْمُهَلَّبِيَّ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ يُطَاوِلُ لِيُنْفِقَ الْأَمْوَالَ وَيَفْعَلَ مَا يُرِيدُ، فَكَتَبَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بِالْعَتَبِ وَالِاسْتِبْطَاءِ،

стр. 3925

فَتَرَكَ الْمُهَلَّبِيُّ الْحَزْمَ، وَمَا كَانَ يُرِيدُ [أَنْ] يَفْعَلَهُ، وَدَخَلَ بِجَمِيعِ عَسْكَرِهِ، وَهَجَمَ عَلَى مَكَانِ عِمْرَانَ، وَكَانَ قَدْ جَعَلَ الْكُمَنَاءَ فِي تِلْكَ الْمَضَايِقِ، وَتَأَخَّرَ رُوزْبَهَانُ لِيَسْلَمَ عِنْدَ الْهَزِيمَةِ. فَلَمَّا تَقَدَّمَ الْمُهَلَّبِيُّ، خَرَجَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ الْكُمَنَاءُ، وَوَضَعُوا فِيهِمُ السِّلَاحَ، فَقُتِلُوا، وَغُرِّقُوا، وَأُسِرُوا، وَانْصَرَفَ رُوزْبَهَانُ سَالِمًا هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَأَلْقَى الْمُهَلَّبِيُّ نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ فَنَجَا سِبَاحَةً، وَأَسَرَ عِمْرَانُ الْقَوَّادَ وَالْأَكَابِرَ، فَاضْطُرَّ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى مُصَالَحَتِهِ وَإِطْلَاقِ مَنْ عِنْدِهِ مِنْ أَهْلِ عِمْرَانَ وَإِخْوَتِهِ، فَأَطْلَقَ عِمْرَانُ مَنْ فِي أَسْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَقَلَّدَهُ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ الْبَطَائِحَ، فَقَوِيَ وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لَيْلَةَ يَوْمِ السَّبْتِ رَابِعَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ، طَلَعَ الْقَمَرُ مُنْكَسِفًا، وَانْكَسَفَ جَمِيعُهُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا فِي الْمُحَرَّمِ، تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ قُرَابَةَ بِالْمَوْصِلِ، وَحُمِلَ تَابُوتُهُ إِلَى بَغْدَاذَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارَابِيُّ، الْحَكِيمُ الْفَيْلَسُوفُ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ فِيهَا، وَكَانَ مَوْتُهُ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ تِلْمِيذَ يُوحَنَّا بْنِ جِيلَانَ، وَكَانَتْ وَفَاةُ يُوحَنَّا أَيَّامَ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْقَاسِمِ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ) الزَّجَّاجِيُّ النَّحْوِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] .
следующие страницы →