← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

فَهَلَكَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَسْرًا وَقَتْلًا، وَاسْتَرَدَّ الرُّومُ الْغَنَائِمَ وَالسَّبْيَ، وَغَنِمُوا أَثْقَالَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ، وَنَجَا سَيْفُ الدَّوْلَةِ فِي عَدَدٍ يَسِيرٍ. ذِكْرُ إِعَادَةِ الْقَرَامِطَةِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَعَادَ الْقَرَامِطَةُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ إِلَى مَكَّةَ، وَقَالُوا: أَخَذْنَاهُ بِأَمْرٍ، وَأَعَدْنَاهُ بِأَمْرٍ. وَكَانَ بُجْكُمُ قَدْ بَذَلَ لَهُمْ فِي رَدِّهِ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ، وَرَدُّوهُ الْآنَ بِغَيْرِ شَيْءٍ فِي ذِي الْقِعْدَةِ، فَلَمَّا أَرَادُوا رَدَّهُ حَمَلُوهُ إِلَى الْكُوفَةِ، وَعَلَّقُوهُ بِجَامِعِهَا حَتَّى رَآهُ النَّاسُ، ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلَى مَكَّةَ، (وَكَانُوا أَخَذُوهُ مِنْ رُكْنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ مُكْثُهُ عِنْدَهُمُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً) . ذِكْرُ مَسِيرِ الْخُرَاسَانِيِّينَ إِلَى الرَّيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ مَنْصُورُ بْنُ قَرَاتَكِينَ مِنْ نَيْسَابُورَ إِلَى الرَّيِّ فِي صَفَرٍ، أَمَرَهُ الْأَمِيرُ نُوحٌ بِذَلِكَ، وَكَانَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بِبِلَادِ فَارِسَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَوَصَلَ مَنْصُورٌ إِلَى الرَّيِّ

стр. 3922

وَبِهَا عَلِيُّ بْنُ كَامَةَ خَلِيفَةُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، فَسَارَ عَلِيٌّ عَنْهَا إِلَى أَصْبَهَانَ، وَدَخَلَ مَنْصُورٌ الرَّيَّ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَفَرَّقَ الْعَسَاكِرَ فِي الْبِلَادِ فَمَلَكُوا بِلَادَ الْجَبَلِ إِلَى قِرْمِيسِينَ، وَأَزَالُوا عَنْهَا نُوَّابَ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، (وَاسْتَوْلُوا عَلَى هَمَذَانَ وَغَيْرِهَا. فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى رُكْنِ الدَّوْلَةِ) وَهُوَ بِفَارِسَ، فَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ يَأْمُرُهُ بِإِنْفَاذِ عَسْكَرٍ بِدَفْعِ تِلْكَ الْعَسَاكِرِ عَنِ النَّوَاحِي الْمُجَاوِرَةِ لِلْعِرَاقِ، فَسَيَّرَ سُبُكْتِكِينَ الْحَاجِبَ فِي عَسْكَرٍ ضَخْمٍ مِنَ الْأَتْرَاكِ، وَالدَّيْلَمِ، وَالْعَرَبِ، فَلَمَّا سَارَ سُبُكْتِكِينُ عَنْ بَغْدَاذَ، خَلَّفَ أَثْقَالَهُ، وَأَسْرَى جَرِيدَةً إِلَى مَنْ بِقِرْمِيسِينَ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ، فَكَبَسَهُمْ وَهُمْ غَارُّونَ، فَقَتَلَ فِيهِمْ، وَأَسَرَ مُقَدِّمَهُمْ مِنَ الْحَمَّامِ وَاسْمُهُ بُجْكُمُ الْخَمَارَتَكِينِيُّ، فَأَنْفَذَهُ مَعَ الْأَسْرَى إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَحَبَسَهُ مُدَّةً ثُمَّ أَطْلَقَهُ. فَلَمَّا بَلَغَ الْخُرَاسَانِيَّةَ ذَلِكَ، اجْتَمَعُوا إِلَى هَمَذَانَ، فَسَارَ سُبُكْتِكِينُ نَحْوَهُمْ، فَفَارَقُوا هَمَذَانَ وَلَمْ يُحَارِبُوهُ، وَدَخَلَ سُبُكْتِكِينُ هَمَذَانَ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنَّ وَرَدَ عَلَيْهِ رُكْنُ الدَّوْلَةِ (فِي شَوَّالٍ. وَسَارَ مَنْصُورٌ مِنَ الرَّيِّ فِي الْعَسَاكِرِ نَحْوَ هَمَذَانَ، وَبِهَا رُكْنُ الدَّوْلَةِ) ، فَلَمَّا بَقِيَ بَيْنَهُمَا مِقْدَارُ عِشْرِينَ فَرْسَخًا، عَدَلَ مَنْصُورٌ إِلَى أَصْبَهَانَ، وَلَوْ قَصَدَ هَمَذَانَ، لَانْحَازَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ عَنْهُ، وَكَانَ مَلَكَ الْبِلَادَ بِسَبَبِ اخْتِلَافٍ كَانَ فِي عَسْكَرِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، وَلَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ لِأَمْرٍ يُرِيدُهُ اللَّهُ - تَعَالَى، وَتَقَدَّمَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ إِلَى سُبُكْتِكِينَ بِالْمَسِيرِ فِي مُقَدِّمَتِهِمْ، فَلَمَّا أَرَادَ الْمَسِيرَ، شَغَبَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَتْرَاكِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَقَالَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ: هَؤُلَاءِ أَعْدَاؤُنَا وَمَعَنَا، وَالرَّأْيُ أَنْ نَبْدَأَ بِهِمْ، فَوَاقَعَهُمْ وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْأَتْرَاكُ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَكَتَبَ إِلَى ابْنِ أَبِي الشَّوْكِ الْكُرْدِيِّ وَغَيْرِهِ يَأْمُرُهُمْ بِطَلَبِهِمْ وَالْإِيقَاعِ بِهِمْ، فَطَلَبُوهُمْ وَأَسَرُوا مِنْهُمْ وَقَتَلُوا، وَمَضَى مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَسَارَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ نَحْوَ أَصْبَهَانَ، وَوَصَلَ ابْنُ قَرَاتَكِينَ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَانْتَقَلَ مَنْ

стр. 3923

كَانَ بِهَا مِنْ أَصْحَابِ رَكْنِ الدَّوْلَةِ، وَأَهْلِهِ وَأَسْبَابِهِ، وَرَكِبُوا الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ، حَتَّى الْبَقَرِ وَالْحَمِيرِ، وَبَلَغَ كِرَاءُ الثَّوْرِ وَالْحِمَارِ إِلَى خَانِ لِنْجَانَ مِائَةَ دِرْهَمٍ، وَهِيَ عَلَى تِسْعَةِ فَرَاسِخَ مِنْ أَصْبَهَانَ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ مُجَاوَرَةَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَلَوْ سَارَ إِلَيْهِمْ مَنْصُورٌ لِغَنَمِهِمْ وَأَخَذَ مَا مَعَهُمْ، وَمَلَكَ مَا وَرَاءَهُمْ، إِلَّا أَنَّهُ دَخَلَ أَصْبَهَانَ وَأَقَامَ بِهَا. وَوَصَلَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ فَنَزَلَ بِخَانِ لَنْجَانَ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمَا حُرُوبٌ عِدَّةَ أَيَّامٍ، وَضَاقَتِ الْمِيرَةُ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَبَلَغَ بِهِمُ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ ذَبَحُوا دَوَابَّهُمْ، وَلَوْ أَمْكَنَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ الِانْهِزَامُ لَفَعَلَ، وَلَكِنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَاسْتَشَارَ وَزِيرَهُ أَبَا الْفَضْلِ بْنَ الْعَمِيدِ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي فِي الْهَرَبِ، فَقَالَ لَهُ: لَا مَلْجَأَ لَكَ إِلَّا اللَّهَ - تَعَالَى، فَانْوِ لِلْمُسْلِمِينَ خَيرًا، وَصَمِّمِ الْعَزْمَ عَلَى حُسْنِ السِّيرَةِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّ الْحِيَلَ الْبَشَرِيَّةَ كُلُّهَا تَقَطَّعَتْ بِنَا، وَإِنِ انْهَزَمْنَا، تَبِعُونَا وَأَهْلَكُونَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنَّا، فَلَا يُفْلِتُ مِنَّا أَحَدٌ، (فَقَالَ لَهُ: قَدْ سَبَقْتُكَ إِلَى هَذَا) . فَلَمَّا كَانَ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ، أَتَاهُمُ الْخَبَرُ أَنَّ مَنْصُورًا وَعَسْكَرَهُ قَدْ عَادُوا إِلَى الرَّيِّ وَتَرَكُوا خِيَامَهُمْ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمِيرَةَ وَالْعَلُوفَةَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَيْضًا، إِلَّا أَنَّ الدَّيْلَمَ كَانُوا يَصْبِرُونَ، وَيَقْنَعُونَ بِالْقَلِيلِ مِنَ الطَّعَامِ، وَإِذَا ذَبَحُوا دَابَّةً أَوْ جَمَلًا، اقْتَسَمَهُ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ، وَكَانَ الْخُرَاسَانِيَّةُ بِالضِّدِّ مِنْهُمْ لَا يَصْبِرُونَ وَلَا يَكْفِيهِمُ الْقَلِيلُ، فَشَغَبُوا عَلَى مَنْصُورٍ وَاخْتَلَفُوا، وَعَادُوا إِلَى الرَّيِّ، فَكَانَ عَوْدُهُمْ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، فَأَتَى الْخَبَرُ رُكْنَ الدَّوْلَةِ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ حَتَّى تَوَاتَرَ عِنْدَهُ، فَرَكِبَ هُوَ وَعَسْكَرُهُ، وَاحْتَوَى عَلَى مَا خَلَّفَهُ الْخُرَاسَانِيَّةُ. حَكَى أَبُو الْفَضْلِ بْنُ الْعَمِيدِ، قَالَ: اسْتَدْعَانِي رُكْنُ الدَّوْلَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الثُّلُثَ الْأَخِيرَ، وَقَالَ لِي: قَدْ رَأَيْتُ السَّاعَةَ فِي مَنَامِي كَأَنِّي عَلَى دَابَّتِي فَيْرُوزَ، وَقَدِ انْهَزَمَ عَدُوُّنَا، وَأَنْتَ تَسِيرُ إِلَى جَانِبٍ، وَقَدْ جَاءَنَا الْفَرَجُ مِنْ حَيْثُ لَا نَحْتَسِبُ، فَمَدَدْتُ عَيْنِيَ فَرَأَيْتُ عَلَى الْأَرْضِ خَاتَمًا، فَأَخَذْتُهُ فَإِذَا فَصُّهُ مِنْ فَيْرُوزَجَ، فَجَعَلْتُهُ فِي إِصْبَعِي، وَتَبَرَّكْتُ بِهِ، وَانْتَبَهْتُ وَقَدْ أَيْقَنْتُ بِالظَّفَرِ، فَإِنَّ الْفَيْرُوزَجَ مَعْنَاهُ الظَّفَرُ، وَلِذَلِكَ لَقَّبَ الدَّابَّةَ فَيْرُوزَ.

стр. 3924

قَالَ ابْنُ الْعَمِيدِ: فَأَتَانَا الْخَبَرُ وَالْبِشَارَةُ بِأَنَّ الْعَدُوَّ قَدْ رَحَلَ، فَمَا صَدَّقْنَا حَتَّى تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ، فَرَكِبْنَا وَلَا نَعْرِفُ سَبَبَ هَرَبِهِمْ، وَسِرْنَا حَذِرِينَ مِنْ كَمِينٍ، وَسِرْتُ إِلَى جَانِبِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ فَيْرُوزَ، فَصَاحَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بِغُلَامٍ بَيْنَ يَدَيْهِ: نَاوِلْنِي ذَلِكَ الْخَاتَمَ، فَأَخَذَ خَاتَمًا مِنَ الْأَرْضِ فَنَاوَلَهُ إِيَّاهُ، فَإِذَا هُوَ فَيْرُوزَجُ، فَجَعَلَهُ فِي إِصْبَعِهِ وَقَالَ: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ، وَهَذَا الْخَاتَمُ الَّذِي رَأَيْتُ مُنْذُ سَاعَةٍ. وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا يُحْكَى وَأَعْجَبِهِ. ذِكْرُ أَخْبَارِ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ، وَانْهِزَامِ عَسَاكِرِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا حَالَ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ بَعْدَ مَسِيرِ الصَّيْمَرِيِّ عَنْهُ، وَأَنَّهُ زَادَ قُوَّةً وَجُرْأَةً، فَأَنْفَذَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى قِتَالِهِ رُوزْبَهَانَ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ عَسْكَرِهِ، فَنَازَلَهُ وَقَاتَلَهُ، فَطَاوَلَهُ عِمْرَانُ، وَتَحَصَّنَ مِنْهُ فِي مَضَايِقِ الْبَطِيحَةِ، فَضَجَرَ رُوزْبَهَانُ وَأَقْدَمَ عَلَيْهِ طَالِبًا لِلْمُنَاجَزَةِ، فَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهِ عِمْرَانُ وَهَزَمَهُ وَأَصْحَابَهُ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ وَغَنِمَ جَمِيعَ مَا مَعَهُمْ مِنَ السِّلَاحِ وَآلَاتِ الْحَرْبِ، فَقَوِيَ بِهَا، وَتَضَاعَفَتْ قُوَّتُهُ، فَطَمِعَ أَصْحَابُهُ فِي السُّلْطَانِ، فَصَارُوا إِذَا اجْتَازَ بِهِمْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ، يَطْلُبُونَ مِنْهُ الْبَذْرَقَةَ وَالْخِفَارَةَ، فَإِنْ أَعْطَاهُمْ، وَإِلَّا ضَرَبُوهُ وَاسْتَخَفُّوا بِهِ وَشَتَمُوهُ. وَكَانَ الْجُنْدُ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنَ الْعُبُورِ عَلَيْهِمْ إِلَى ضَيَاعِهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ بِالْبَصْرَةِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ انْقَطَعَ الطَّرِيقُ إِلَى الْبَصْرَةِ إِلَّا عَلَى الظَّهْرِ، فَشَكَا النَّاسُ ذَلِكَ إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَكَتَبَ إِلَى الْمُهَلَّبِيِّ بِالْمَسِيرِ إِلَى وَاسِطَ لِهَذَا السَّبَبِ، وَكَانَ بِالْبَصْرَةِ، فَأَصْعَدَ إِلَيْهَا، وَأَمَدَّهُ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بِالْقُوَّادِ وَالْأَجْنَادِ وَالسِّلَاحِ، وَأَطْلَقَ يَدَهُ فِي الْإِنْفَاقِ، فَزَحَفَ إِلَى الْبَطِيحَةِ وَضَيَّقَ عَلَى عِمْرَانَ، وَسَدَّ الْمَذَاهِبَ عَلَيْهِ، فَانْتَهَى إِلَى الْمَضَايِقِ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا عِمْرَانُ وَأَصْحَابُهُ، وَأَحَبَّ رُوزْبَهَانُ أَنْ يُصِيبَ الْمُهَلَّبِيَّ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْهَزِيمَةِ، وَلَا يَسْتَبِدَّ بِالظَّفَرِ وَالْفَتْحِ، وَأَشَارَ عَلَى الْمُهَلَّبِيِّ بِالْهُجُومِ عَلَى عِمْرَانَ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَكَتَبَ إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ يُعَجِّزُ الْمُهَلَّبِيَّ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ يُطَاوِلُ لِيُنْفِقَ الْأَمْوَالَ وَيَفْعَلَ مَا يُرِيدُ، فَكَتَبَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بِالْعَتَبِ وَالِاسْتِبْطَاءِ،

стр. 3925

فَتَرَكَ الْمُهَلَّبِيُّ الْحَزْمَ، وَمَا كَانَ يُرِيدُ [أَنْ] يَفْعَلَهُ، وَدَخَلَ بِجَمِيعِ عَسْكَرِهِ، وَهَجَمَ عَلَى مَكَانِ عِمْرَانَ، وَكَانَ قَدْ جَعَلَ الْكُمَنَاءَ فِي تِلْكَ الْمَضَايِقِ، وَتَأَخَّرَ رُوزْبَهَانُ لِيَسْلَمَ عِنْدَ الْهَزِيمَةِ. فَلَمَّا تَقَدَّمَ الْمُهَلَّبِيُّ، خَرَجَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ الْكُمَنَاءُ، وَوَضَعُوا فِيهِمُ السِّلَاحَ، فَقُتِلُوا، وَغُرِّقُوا، وَأُسِرُوا، وَانْصَرَفَ رُوزْبَهَانُ سَالِمًا هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَأَلْقَى الْمُهَلَّبِيُّ نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ فَنَجَا سِبَاحَةً، وَأَسَرَ عِمْرَانُ الْقَوَّادَ وَالْأَكَابِرَ، فَاضْطُرَّ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى مُصَالَحَتِهِ وَإِطْلَاقِ مَنْ عِنْدِهِ مِنْ أَهْلِ عِمْرَانَ وَإِخْوَتِهِ، فَأَطْلَقَ عِمْرَانُ مَنْ فِي أَسْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَقَلَّدَهُ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ الْبَطَائِحَ، فَقَوِيَ وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لَيْلَةَ يَوْمِ السَّبْتِ رَابِعَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ، طَلَعَ الْقَمَرُ مُنْكَسِفًا، وَانْكَسَفَ جَمِيعُهُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا فِي الْمُحَرَّمِ، تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ قُرَابَةَ بِالْمَوْصِلِ، وَحُمِلَ تَابُوتُهُ إِلَى بَغْدَاذَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارَابِيُّ، الْحَكِيمُ الْفَيْلَسُوفُ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ فِيهَا، وَكَانَ مَوْتُهُ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ تِلْمِيذَ يُوحَنَّا بْنِ جِيلَانَ، وَكَانَتْ وَفَاةُ يُوحَنَّا أَيَّامَ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْقَاسِمِ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ) الزَّجَّاجِيُّ النَّحْوِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] .

стр. 3926

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣٤٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ وَفَاةِ مَنْصُورِ بْنِ قَرَاتَكِينَ وَأَبِي الْمُظَفَّرِ بْنِ مُحْتَاجٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ مَنْصُورُ بْنُ قَرَاتَكِينَ صَاحِبُ الْجُيُوشِ الْخُرَاسَانِيَّةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، بَعْدَ عَوْدِهِ مِنْ أَصْبَهَانَ إِلَى الرَّيِّ، فَذَكَرَ الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّهُ أَدْمَنَ الشُّرْبَ عِدَّةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا، فَمَاتَ فَجْأَةً، وَقَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ: إِنَّهُ مَرِضَ وَمَاتَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا مَاتَ، رَجَعَتِ الْعَسَاكِرُ الْخَرَاسَانِيَّةُ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَحُمِلَ تَابُوتُ مَنْصُورٍ، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ وَالِدِهِ بِأَسْبِيجَابَ. وَمِنْ عَجِيبِ مَا يُحْكَى أَنَّ مَنْصُورًا لَمَّا سَارَ مِنْ نَيْسَابُورَ إِلَى الرَّيِّ، سَيَّرَ غُلَامًا لَهُ إِلَى أَسْبِيجَابَ لِيُقِيمَ فِي رِبَاطِ وَالِدِهِ قَرَاتَكِينَ الَّذِي فِيهِ قَبْرُهُ، فَلَمَّا وَدَّعَهُ، قَالَ: كَأَنَّكَ بِي قَدْ حُمِلْتُ فِي تَابُوتٍ إِلَى تِلْكَ الْبَرِّيَّةِ، فَكَانَ كَمَا قَالَ بَعْدَ قَلِيلٍ: مَاتَ وَحُمِلَ تَابُوتُهُ إِلَى ذَلِكَ الرِّبَاطِ، وَدُفِنَ عِنْدَ قَبْرِ وَالِدِهِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُحْتَاجٍ بِبُخَارَى، كَانَ قَدْ رَكِبَ دَابَّةً أَنْفَذَهَا إِلَيْهِ أَبُوهُ، فَأَلْقَتْهُ وَسَقَطَتْ عَلَيْهِ فَهَشَّمَتْهُ، وَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ، وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَعَظُمَ مَوْتُهُ عَلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَشَقَّ مَوْتُهُ عَلَى الْأَمِيرِ نُوحٍ، وَحُمِلَ إِلَى الصَّغَانِيَانِ إِلَى وَالِدِهِ أَبِي عَلِيٍّ، وَكَانَ مُقِيمًا بِهَا. ذِكْرُ عَوْدِ أَبِي عَلِيٍّ إِلَى خُرَاسَانَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أُعِيدَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُحْتَاجٍ إِلَى قِيَادَةِ الْجُيُوشِ بِخُرَاسَانَ، وَأُمِرِ بِالْعَوْدِ إِلَى نَيْسَابُورَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْصُورَ بْنَ قَرَاتَكِينَ كَانَ قَدْ تَأَذَّى بِالْجُنْدِ، وَاسْتَصْعَبَ

стр. 3927

إِيَالَتَهُمْ، وَكَانُوا قَدِ اسْتَبَدُّوا بِالْأُمُورِ دُونَهُ، وَعَاثُوا فِي نَوَاحِي نَيْسَابُورَ، فَتَوَاتَرَتْ كُتُبُهُ إِلَى الْأَمِيرِ نُوحٍ بِالِاسْتِعْفَاءِ مِنْ وَلَايَتِهِمْ، وَيَطْلُبُ أَنْ يُقْتَصَرَ بِهِ عَلَى هَرَاةَ، وَيُوَلِّيَ مَا بِيَدِهِ مَنْ أَرَادَ نُوحٌ، فَكَانَ نُوحٌ يُرْسِلُ إِلَى أَبِي عَلِيٍّ يَعِدُهُ بِإِعَادَتِهِ إِلَى مَرْتَبَتِهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ مَنْصُورٌ، أَرْسَلَ الْأَمِيرُ نُوحٌ إِلَى أَبِي عَلِيٍّ الْخِلَعَ وَاللِّوَاءَ، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَأَقْطَعَهُ الرَّيَّ وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهَا، فَسَارَ عَنِ الصَّغَانِيَانِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَاسْتَخْلَفَ مَكَانَهُ ابْنَهُ أَبَا مَنْصُورٍ، وَوَصَلَ إِلَى مَرْوَ وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ أَصْبَحَ أَمْرُ خُوَارِزْمَ، وَكَانَتْ شَاغِرَةً، وَسَارَ إِلَى نَيْسَابُورَ، فَوَرَدَهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ فَأَقَامَ بِهَا. ذِكْرُ الْحَرْبِ بِصِقِلِّيَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ كَانَ الْمَنْصُورُ الْعَلَوِيُّ صَاحِبَ إِفْرِيقِيَّةَ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَى صِقِلِّيَةَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْكَلْبِيَّ، فَدَخَلَهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَغَزَا الرُّومَ الَّذِينَ بِهَا عِدَّةَ غَزَوَاتٍ، فَاسْتَمَدُّوا مَلِكَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا كَثِيرًا، فَنَزَلُوا أَذْرَنْتَ، فَأَرْسَلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى الْمَنْصُورِ يُعَرِّفُهُ الْحَالَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا كَثِيفًا مَعَ خَادِمِهِ فَرَحٍ، فَجَمَعَ الْحَسَنَ جُنْدَهُ مَعَ الْوَاصِلِينَ، وَسَارَ إِلَى رِيُّو، وَبَثَّ السَّرَايَا فِي أَرْضِ قِلَّوْرِيَةَ، وَحَاصَرَ الْحَسَنُ جَرَاجَةَ أَشَدَّ حِصَارٍ، فَأَشْرَفَ أَهْلُهَا عَلَى الْهَلَاكِ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَخْذُهَا، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ أَنَّ عَسْكَرَ الرُّومِ وَاصِلٌ إِلَيْهِ، فَهَادَنَ أَهْلَ جَرَاجَةَ عَلَى مَالٍ يُؤَدُّونَهُ، وَسَارَ إِلَى الرُّومِ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِقُرْبِهِ مِنْهُمُ، انْهَزَمُوا بِغَيْرِ قِتَالٍ وَتَرَكُوا أَذْرَنْتَ. وَنَزَلَ الْحَسَنُ عَلَى قَلْعَةِ قِسَانَةَ، وَبَثَّ سَرَايَاهُ تَنْهَبُ، فَصَالَحَهُ أَهْلُ قِسَانَةَ عَلَى مَالٍ، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَكَانَ الْمَصَافُّ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَعَسْكَرِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الرُّومِ الَّذِينَ بِصِقِلِّيَةَ لَيْلَةَ الْأَضْحَى، وَاقْتَتَلُوا وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَانْهَزَمَ الرُّومُ، وَرَكِبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ إِلَى اللَّيْلِ، وَغَنِمُوا جَمِيعَ أَثْقَالِهِمْ، وَسِلَاحِهِمْ، وَدَوَابِّهِمْ، وَسَيَّرَ الرُّءُوسَ إِلَى مَدَائِنِ صِقِلِّيَةَ، وَإِفْرِيقِيَّةَ، وَحَصَرَ الْحَسَنُ جَرَاجَةَ، فَصَالَحُوهُ عَلَى مَالٍ يَحْمِلُونَهُ، وَرَجَعَ عَنْهُمْ، وَسَيَّرَ سَرِيَّةً إِلَى الْمَدِينَةِ بِطَرْقُوقَةَ فَفَتَحُوهَا، وَغَنِمُوا مَا فِيهَا.

стр. 3928

وَلَمْ يَزَلِ الْحَسَنُ بِجَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، فَمَاتَ الْمَنْصُورُ، فَسَارَ عَنْهَا إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَاتَّصَلَ بِالْمُعِزِّ بْنِ الْمَنْصُورِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى صِقِلِّيَةَ ابْنَهُ أَبَا الْحَسَنِ أَحْمَدَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ رُفِعَ إِلَى الْمُهَلَّبِيِّ أَنَّ رَجُلًا يُعْرَفُ بِالْبَصْرِيِّ مَاتَ بِبَغْدَاذَ، وَهُوَ مُقَدَّمُ الْقَرَاقِرِيَّةِ يَدَّعِي أَنَّ رُوحَ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْقَرَاقِرِ قَدْ حَلَّتْ فِيهِ، وَأَنَّهُ خَلَّفَ مَالًا كَثِيرًا كَانَ يَجْبِيهِ مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ، وَأَنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَعْتَقِدُونَ رُبُوبِيَّتَهُ، وَأَنَّ أَرْوَاحَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ حَلَّتْ فِيهِمْ، فَأَمَرَ بِالْخَتْمِ عَلَى التَّرِكَةِ، وَالْقَبْضِ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَالَّذِي قَامَ بِأَمْرِهِمْ بَعْدَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِلَّا مَالًا يَسِيرًا، وَرَأَى دَفَاتِرَ فِيهَا أَشْيَاءُ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ. وَكَانَ فِيهِمْ غُلَامٌ شَابٌّ يَدَّعِي أَنَّ رُوحَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حَلَّتْ فِيهِ، وَامْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا فَاطِمَةُ تَدَّعِي أَنَّ رُوحَ فَاطِمَةَ حَلَّتْ فِيهَا، وَخَادِمٌ لِبَنِي بِسِطَامَ يَدَّعِي أَنَّهُ مِيكَائِيلُ، فَأَمَرَ بِهِمُ الْمُهَلَّبِيُّ فَضُرِبُوا وَنَالَهُمْ مَكْرُوهٌ، ثُمَّ إِنَّهُمْ تَوَصَّلُوا بِمَنْ أَلْقَى إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ أَنَّهُمْ مِنْ شِيعَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَمَرَ بِإِطْلَاقِهِمْ، وَخَافَ الْمُهَلَّبِيُّ أَنْ يُقِيمَ عَلَى تَشَدُّدِهِ فِي أَمْرِهِمْ فَيُنْسَبُ إِلَى تَرْكِ التَّشَيُّعِ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ لَالٍ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ الْمَشْهُورُ فِي شَعْبَانَ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ عَابِدًا مُعْتَزِلِيًّا. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو جَعْفَرٍ الْفَقِيهُ بِبُخَارَى.

стр. 3929

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣٤١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ حِصَارِ الْبَصْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ يُوسُفُ بْنُ وَجِيهٍ صَاحِبُ عَمَّانَ فِي الْبَحْرِ وَالْبَرِّ إِلَى الْبَصْرَةِ (فَحَصَرَهَا. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ لَمَّا سَلَكَ الْبَرِّيَّةَ إِلَى الْبَصْرَةِ) ، وَأَرْسَلَ الْقَرَامِطَةُ يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَأَجَابَهُمْ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، عَلِمَ يُوسُفُ بْنُ وَجِيهٍ اسْتِيحَاشَهُمْ مِنْ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ يُطْمِعُهُمْ فِي الْبَصْرَةِ، وَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَمُدُّوهُ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَرِّ، فَأَمَدُّوهُ بِجَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْهُمْ، وَسَارَ يُوسُفُ فِي الْبَحْرِ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْوَزِيرِ الْمُهَلَّبِيِّ وَقَدْ فَرَغَ مِنَ الْأَهْوَازِ وَالنَّظَرِ فِيهَا، فَسَارَ مُجِدًّا فِي الْعَسَاكِرِ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَدَخَلَهَا قَبْلَ وُصُولِ يُوسُفَ إِلَيْهَا، وَشَحَنَهَا بِالرِّجَالِ، وَأَمَدَّهُ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بِالْعَسَاكِرِ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَتَحَارَبَ هُوَ وَابْنُ وَجِيهٍ أَيَّامًا، ثُمَّ انْهَزَمَ ابْنُ وَجِيهٍ، وَظَفَرَ الْمُهَلَّبِيُّ بِمَرَاكِبِهِ وَمَا مَعَهُ مِنْ سِلَاحٍ وَغَيْرِهِ. ذِكْرُ وَفَاةِ الْمَنْصُورِ الْعَلَوِيِّ وَمِلْكِ وَلَدِهِ الْمُعِزِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمَنْصُورُ بِاللَّهِ أَبُو الطَّاهِرِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْقَائِمِ أَبِي الْقَاسِمِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَهْدِيِّ سَلْخَ شَوَّالٍ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سَبْعَ سِنِينَ وَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا،

стр. 3930

وَكَانَ عُمُرُهُ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَ خَطِيبًا بَلِيغًا، يَخْتَرِعُ الْخُطْبَةَ لِوَقْتِهِ، وَأَحْوَالُهُ مَعَ أَبِي يَزِيدَ الْخَارِجِيِّ وَغَيْرِهِ تَدُلُّ عَلَى شَجَاعَةٍ وَعَقْلٍ. وَكَانَ سَبَبُ وَفَاتِهِ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى سَفَاقُسَ وَتُونُسَ ثُمَّ إِلَى قَابِسَ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ جَزِيرَةِ جَرْبَةَ يَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ رِجَالًا مَعَهُ وَعَادَ، وَكَانَتْ سُفْرَتُهُ شَهْرًا، وَعَهِدَ إِلَى ابْنِهِ مَعَدٍّ بِوَلَايَةِ الْعَهْدِ، فَلَمَّا كَانَ رَمَضَانُ، خَرَجَ مُتَنَزِّهًا أَيْضًا إِلَى مَدِينَةِ جَلُولَاءَ، وَهُوَ مَوْضِعٌ كَثِيرُ الثِّمَارِ، وَفِيهِ مِنَ الْأُتْرُجِّ مَا لَا يُرَى مِثْلُهُ فِي عِظَمِهِ، يَكُونُ شَيْءٌ يَحْمِلُ الْجَمَلُ مِنْهُ أَرْبَعَ أُتْرُجَّاتٍ، فَحَمَلَ مِنْهُ إِلَى قَصْرِهِ. وَكَانَ لِلْمَنْصُورِ جَارِيَةٌ حَظِيَّةٌ عِنْدَهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ اسْتَحْسَنَتْهُ، وَسَأَلَتِ الْمَنْصُورَ أَنْ تَرَاهُ فِي أَغْصَانِهِ، فَأَجَابَهَا إِلَى ذَلِكَ، وَرَحَلَ إِلَيْهَا فِي خَاصَّتِهِ، وَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمَنْصُورِيَّةِ، فَأَصَابَهُ فِي الطَّرِيقِ (رِيحٌ شَدِيدَةٌ) وَبَرْدٌ وَمَطَرٌ، وَدَامَ عَلَيْهِ فَصَبَرَ وَتَجَلَّدَ، وَكَثُرَ الثَّلْجُ، فَمَاتَ جَمَاعَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَهُ، وَاعْتَلَّ الْمَنْصُورُ عِلَّةً شَدِيدَةً، لِأَنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى الْمَنْصُورِيَّةِ أَرَادَ دُخُولَ الْحَمَّامِ، فَنَهَاهُ طَبِيبُهُ إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْإِسْرَائِيلِيُّ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ وَدَخَلَ الْحَمَّامَ، فَفَنِيَتِ الْحَرَارَةُ الْغَرِيزِيَّةُ مِنْهُ وَلَازَمَهُ السَّهَرُ، فَأَقْبَلَ إِسْحَاقُ يُعَالِجُ الْمَرَضَ وَالسَّهَرُ بَاقٍ بِحَالِهِ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَنْصُورِ، فَقَالَ لِبَعْضِ الْخَدَمِ: أَمَا فِي الْقَيْرَوَانِ طَبِيبٌ غَيْرُ إِسْحَاقَ يُخَلِّصُنِي مِنْ هَذَا الْأَمْرِ؟ قَالَ: هَاهُنَا شَابٌّ قَدْ نَشَأَ الْآنَ اسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِ، وَشَكَا إِلَيْهِ مَا يَجِدُهُ مِنَ السَّهَرِ، فَجَمَعَ لَهُ أَشْيَاءَ مُنَوِّمَةٍ، وَجُعِلَتْ فِي قِنِّينَةٍ عَلَى النَّارِ، وَكَلَّفَهُ شَمَّهَا، فَلَمَّا أَدْمَنَ شَمَّهَا نَامَ. وَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ مَسْرُورٌ بِمَا فَعَلَ، وَبَقِيَ الْمَنْصُورُ نَائِمًا، فَجَاءَ إِسْحَاقُ فَطَلَبَ الدُّخُولَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: هُوَ نَائِمٌ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ صَنَعَ لَهُ شَيْءٌ يَنَامُ مِنْهُ فَقَدْ مَاتَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَوَجَدُوهُ مَيِّتًا، فَدُفِنَ فِي قَصْرِهِ وَأَرَادُوا قَتْلَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ إِسْحَاقُ: مَا لَهُ ذَنْبٌ، إِنَّمَا دَاوَاهُ بِمَا ذَكَرَهُ الْأَطِبَّاءُ، غَيْرَ أَنَّهُ جَهِلَ أَصْلَ الْمَرَضِ وَمَا عَرَفْتُمُوهُ، وَذَلِكَ أَنَّنِي كُنْتُ (فِي مُعَالَجَتِهِ) أَنْظُرُ فِي تَقْوِيَةِ الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ وَبِهَا يَكُونُ النَّوْمُ، فَلَمَّا عُولِجَ بِالْأَشْيَاءِ الْمُطْفِئَةِ لَهَا، عَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ.

стр. 3931

وَلَمَّا مَاتَ وَلِيَ الْأَمْرَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مَعَدٌّ، وَهُوَ الْمُعِزُّ لِدِينِ اللَّهِ، وَأَقَامَ فِي تَدْبِيرِ الْأُمُورِ إِلَى سَابِعِ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَذِنَ لِلنَّاسِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، وَجَلَسَ لَهُمْ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، وَكَانَ عُمُرُهُ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. فَلَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] صَعِدَ جَبَلَ أُورَاسَ، وَجَالَ فِيهِ عَسْكَرُهُ، وَهُوَ مَلْجَأُ كُلِّ مُنَافِقٍ عَلَى الْمُلُوكِ، وَكَانَ فِيهِ بَنُو كَمْلَانَ، وَمُلَيْلَةَ، وَقَبِيلَتَانِ مِنْ هَوَارَةَ، لَمْ يَدْخُلُوا فِي طَاعَةِ مَنْ تَقَدَّمَهُ، فَأَطَاعُوا الْمُعِزَّ، وَدَخَلُوا مَعَهُ الْبِلَادَ، وَأَمَرَ نُوَّابَهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْبَرْبَرِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَتَاهُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمُ الْمُعِزُّ، وَعَظُمَ أَمْرُهُ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَنِ اسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَزَرٍ الزَّنَاتِيُّ أَخُو مَعْبَدٍ، فَأَمَّنَهُ الْمُعِزُّ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، ضَرَبَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ وَزِيرَهُ أَبَا مُحَمَّدٍ الْمُهَلَّبِيَّ بِالْمَقَارِعِ مِائَةً وَخَمْسِينَ مِقْرَعَةً، وَوَكَّلَ بِهِ فِي دَارِهِ وَلَمْ يَعْزِلْهُ مِنْ وِزَارَتِهِ، وَكَانَ نَقِمَ عَلَيْهِ أُمُورًا ضَرْبَهُ بِسَبَبِهَا. وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَقَعَ حَرِيقٌ عَظِيمٌ بِبَغْدَاذَ فِي سُوقِ الثُّلَاثَاءِ، فَاحْتَرَقَ فِيهِ لِلنَّاسِ مَا لَا يُحْصَى. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلِكَ الرُّومُ مَدِينَةَ سِرُوجَ، وَسَبَوْا أَهْلَهَا وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ، وَأَخْرَبُوا الْمَسَاجِدَ. وَفِيهَا سَارَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ مِنَ الرَّيِّ إِلَى طَبَرِسْتَانَ وَجُرْجَانَ، فَسَارَ عَنْهَا إِلَى نَاحِيَةِ نَسَا وَأَقَامَ بِهَا، وَاسْتَوْلَى رُكْنُ الدَّوْلَةِ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ، وَعَادَ عَنْهَا إِلَى الرَّيِّ، وَاسْتَخْلَفَ بِجُرْجَانَ الْحَسَنَ بْنَ فَيْرُزَانَ وَعَلِيَّ بْنَ كَامَةَ، فَلَمَّا رَجَعَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ عَنْهَا، قَصَدَهَا وَشْمَكِيرُ فَانْهَزَمُوا مِنْهُ، وَاسْتَرَدَّهَا وَشْمَكِيرُ.

стр. 3932

وَفِيهَا وُلِدَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، وَهُوَ فَخْرُ الدَّوْلَةِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الصَّفَارُ النَّحْوِيُّ الْمُحَدِّثُ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْمُبَرِّدِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، (وَكَانَ مُكْثِرًا مِنَ الْحَدِيثِ) .

стр. 3933

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣٤٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ هَرَبِ دَيْسَمَ عَنْ أَذْرَبِيجَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ هَرَبَ دَيْسَمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو سَالِمٍ عَنْ أَذْرَبِيجَانَ، وَكُنَّا قَدْ ذَكَرْنَا اسْتِيلَاءَهُ عَلَيْهَا. وَأَمَّا سَبَبُ هَرَبِهِ عَنْهَا فَإِنَّهُ كَانَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ قَدْ قَبَضَ عَلَى بَعْضِ قُوَّادِهِ، وَاسْمُهُ عَلِيُّ بْنُ مَيْسَكِيِّ، فَأَفْلَتَ مِنَ الْحَبْسِ وَقَصَدَ الْجَبَلَ، وَجَمَعَ جَمْعًا وَسَارَ إِلَى وَهْسُوذَانَ أَخِي الْمَرْزُبَانِ، فَاتَّفَقَ مَعَهُ وَتَسَاعَدَا عَلَى دَيْسَمَ. ثُمَّ إِنَّ الْمَرْزُبَانَ اسْتَوْلَى عَلَى قَلْعَةِ سُمَيْرِمَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَوَصَلَتْ كُتُبُهُ إِلَى أَخِيهِ وَعَلِيِّ بْنِ مَيْسَكِيِّ بِخَلَاصِهِ، وَكَاتَبَ الدَّيْلَمَ وَاسْتَمَالَهُمْ، وَلَمْ يَعْلَمْ دَيْسَمُ بِخَلَاصِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَظُنُّ أَنَّ وَهْسُوذَانَ وَعَلِيَّ بْنَ مَيْسَكِيِّ يُقَاتِلَانِهِ. وَكَانَ لَهُ وَزِيرٌ يُعْرَفُ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيِّ، فَشَرَهَ إِلَى مَالِهِ وَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَاسْتَكْتَبَ إِنْسَانًا كَانَ يَكْتُبُ لِلنُّعَيْمِيِّ، (فَاحْتَالَ النُّعَيْمِيُّ) بِأَنْ أَجَابَهُ إِلَى كُلِّ مَا الْتَمَسَ مِنْهُ، (وَضَمِنَ مِنْهُ) ذَلِكَ الْكَاتِبَ بِمَالٍ، فَأَطْلَقَهُ دَيْسَمُ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ كَاتِبَهُ وَأَعَادَهُ إِلَى حَالِهِ. ثُمَّ سَارَ دَيْسَمُ وَخَلَّفَهُ بِأَرْدَبِيلَ لِيُحَصِّلَ الْمَالَ الَّذِي بَذَلَهُ، فَقَتَلَ النُّعَيْمِيُّ ذَلِكَ الْكَاتِبَ وَهَرَبَ بِمَا مَعَهُ مِنَ الْمَالِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ مَيْسَكِيِّ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ دَيْسَمَ بِقُرْبِ زَنْجَانَ، فَعَادَ إِلَى أَرْدَبِيلَ، فَشَغَبَ الدَّيْلَمُ عَلَيْهِ، فَفَرَّقَ فِيهِمْ مَا كَانَ لَهُ مِنْ مَالٍ، وَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِمَسِيرِ عَلِيِّ بْنِ مَيْسَكِيِّ إِلَى أَرْدَبِيلَ فِي عِدَّةٍ يَسِيرَةٍ، فَسَارَ نَحْوَهُ وَالْتَقَيَا وَاقْتَتَلًا، فَانْحَازَ الدَّيْلَمُ إِلَى عَلِيٍّ، وَانْهَزَمَ دَيْسَمُ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ فِي نَفَرٍ مِنَ الْأَكْرَادِ، فَحَمَلَ إِلَيْهِ مُلُوكَهَا مَا تَمَاسَكَ بِهِ. وَوَرَدَ عَلَيْهِ الْخَبَرُ بِمَسِيرِ الْمَرْزُبَانِ عَنْ قَلْعَةِ سُمَيْرِمَ إِلَى أَرْدَبِيلَ، وَاسْتِيلَائِهِ عَلَى

стр. 3934

أَذْرَبِيجَانَ، وَإِنْفَاذِهِ جَيْشًا نَحْوَهُ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْمَقَامُ، فَهَرَبَ عَنْ أَرْمِينِيَّةَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَكَانَ وُصُولُهُ هَذِهِ السَّنَةَ، فَلَقِيَهُ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ وَأَكْرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ فِي أَرْغَدِ عَيْشٍ. ثُمَّ كَاتَبَهُ أَهْلُهُ وَأَصْحَابُهُ بِأَذْرَبِيجَانَ يَسْتَدْعُونَهُ، فَرَحَلَ عَنْ بَغْدَاذَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] وَطَلَبَ مِنْ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ أَنْ يُنْجِدَهُ بِعَسْكَرٍ، فَلَمْ يَفْعَلْ؛ لِأَنَّ الْمَرْزُبَانَ كَانَ قَدْ صَالَحَ رُكْنَ الدَّوْلَةِ وَصَاهَرَهُ، فَلَمْ يُمْكِنْ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ مُخَالَفَةَ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، فَسَارَ دَيْسَمُ إِلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ بِالْمَوْصِلِ يَسْتَنْجِدُهُ، فَلَمْ يُنْجِدْهُ، فَسَارَ إِلَى سَيْفِ الدَّوْلَةِ بِالشَّامِ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ إِلَى سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. وَاتُّفِقَ أَنَّ الْمَرْزُبَانَ خَرَجَ عَلَيْهِ جَمْعٌ بِبَابِ الْأَبْوَابِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَأَرْسَلَ مُقَدَّمٌ مِنْ أَكْرَادِ أَذْرَبِيجَانَ إِلَى دَيْسَمَ يَسْتَدْعِيهِ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ لِيُعَاضِدَهُ عَلَى مَلِكِهَا، فَسَارَ إِلَيْهَا، وَمَلَكَ مَدِينَةَ سَلْمَاسَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمَرْزُبَانُ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ، فَقَاتَلَهُ، فَاسْتَأْمَنَ أَصْحَابُ الْقَائِدِ إِلَى دَيْسَمَ، فَعَادَ الْقَائِدُ مُنْهَزِمًا، وَبَقِيَ دَيْسَمُ بِسَلْمَاسَ. فَلَمَّا فَرَغَ الْمَرْزُبَانُ مِنْ أَمْرِ الْخَوَارِجِ عَلَيْهِ، عَادَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ دَيْسَمَ، فَارَقَ سَلْمَاسَ وَسَارَ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ وَقَصَدَ ابْنَ الدَّيَرَانِيَّ وَابْنَ حَاجِيقَ لِثِقَتِهِ بِهِمَا، فَكَتَبَ الْمَرْزُبَانُ إِلَى ابْنِ الدَّيَرَانِيِّ يَأْمُرُهُ بِالْقَبْضِ عَلَى دَيْسَمَ، فَدَافَعَهُ ثُمَّ قَبَضَ عَلَيْهِ خَوفًا مِنَ الْمَرْزُبَانِ، (فَلَمَّا قَبَضَ عَلَيْهِ أَمَرَهُ الْمَرْزُبَانُ بِأَنْ) يَحْمِلَهُ إِلَيْهِ، فَدَافَعَهُ ثُمَّ اضْطُرَّ إِلَى تَسْلِيمِهِ، فَلَمَّا تَسَلَّمَهُ الْمَرْزُبَانُ سَمَلَهُ وَأَعْمَاهُ، ثُمَّ حَبَسَهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ الْمَرْزُبَانُ قَتَلَ دَيْسَمَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْمَرْزُبَانِ خَوفًا مِنْ غَائِلَتِهِ. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ الْمَرْزُبَانِ عَلَى سُمَيْرِمَ قَدْ ذَكَرْنَا أَسْرَ الْمَرْزُبَانِ وَحَبْسَهُ بِسُمَيْرِمَ، وَأَمَّا سَبَبُ خَلَاصِهِ فَإِنَّ وَالِدَتَهُ، وَهِيَ ابْنَةُ جِسْتَانَ بْنِ وَهْسُوذَانَ الْمَلِكِ، وَضَعَتْ جَمَاعَةً لِلسَّعْيِ فِي خَلَاصِهِ، فَقَصَدُوا سُمَيْرِمَ، وَأَظْهَرُوا أَنَّهُمْ تُجَّارٌ، وَأَنَّ الْمَرْزُبَانَ قَدْ أَخَذَ مِنْهُمْ أَمْتِعَةً نَفِيسَةً وَلَمْ يُوصِلْ ثَمَنَهَا إِلَيْهِمْ، وَاجْتَمَعُوا بِمُتَوَلِّي سُمَيْرِمَ، وَيُعْرَفُ بِبَشِيرِ أَسْفَارْ، وَعَرَّفُوهُ مَا ظَلَمَهُمْ بِهِ الْمَرْزُبَانُ، وَسَأَلُوهُ أَنْ

стр. 3935

يَجْمَعَ بَيْنَهُمْ لِيُحَاسِبُوهُ وَلِيَأْخُذُوا خَطَّهُ إِلَى وَالِدَتِهِ بِإِيصَالِ مَا لَهُمْ إِلَيْهِمْ، فَرَقَّ لَهُمْ بَشِيرُ أَسْفَارٍ وَجَمَعَ بَيْنَهُمْ، فَطَالَبُوهُ بِمَالِهِمْ، فَأَنْكَرَ الْمَرْزُبَانُ ذَلِكَ، فَغَمَزَهُ أَحَدُهُمْ، فَفَطِنَ لَهُمْ وَاعْتَرَفَ لَهُمْ، وَقَالَ: حَتَّى أَتَذَكَّرَ مَالَكُمْ، فَإِنَّنِي لَا أَعْرِفُ مِقْدَارَهُ، فَأَقَامُوا هُنَاكَ، وَبَذَلُوا الْأَمْوَالَ لِبَشِيرِ أَسْفَارٍ وَالْأَجْنَادِ، وَضَمِنُوا لَهُمُ الْأَمْوَالَ الْجَلِيلَةَ إِذَا خَلُصَ مَا لَهُمْ عِنْدَ الْمَرْزُبَانِ، فَصَارُوا لِذَلِكَ يَدْخُلُونَ الْحِصْنَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَكَثُرَ اجْتِمَاعُهُمْ بِالْمَرْزُبَانِ وَأَوْصَلُوا إِلَيْهِ أَمْوَالًا مِنْ عِنْدِ وَالِدَتِهِ، وَأَخْبَارًا، وَأَخَذُوا مِنْهُ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ. وَكَانَ لِبَشِيرِ أَسْفَارٍ غُلَامٌ أَمَرَدُ، جَمِيلُ الْوَجْهِ، يَحْمِلُ تُرْسَهُ وَزَوْبِينَهُ، فَأَظْهَرَ الْمَرْزُبَانُ لِذَلِكَ الْغُلَامِ مَحَبَّةً شَدِيدَةً وَعِشْقًا، وَأَعْطَاهُ مَالًا كَثِيرًا مِمَّا جَاءَهُ مِنْ وَالِدَتِهِ، فَوَاطَأَهُ عَلَى مَا يُرِيدُ، وَأَوْصَلَ إِلَيْهِ دِرْعًا وَمَبَارِدَ، فَبَرَدَ قَيْدَهُ، وَاتَّفَقَ الْمَرْزُبَانُ وَذَلِكَ الْغُلَامُ وَالَّذِينَ جَاءُوا لِتَخْلِيصِ الْمَرْزُبَانِ عَلَى أَنْ يَقْتُلُوا بَشِيرَ أَسْفَارٍ فِي يَوْمٍ ذَكَرُوهُ. وَكَانَ بَشِيرُ أَسْفَارٍ يَقْصِدُ الْمَرْزُبَانَ كُلَّ أُسْبُوعٍ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَفْتَقِدُهُ وَقُيُودَهُ وَيُصَبِّرُهُ وَيَعُودُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْمَوْعِدِ، دَخَلَ أَحَدُ أُولَئِكَ التُّجَّارِ، فَقَعَدَ عِنْدَ الْمَرْزُبَانِ، وَجَلَسَ آخَرُ عِنْدَ الْبَوَّابِ، وَأَقَامَ الْبَاقُونَ عِنْدَ بَابِ الْحِصْنِ يَنْتَظِرُونَ الصَّوْتَ، وَدَخَلَ بَشِيرُ أَسْفَارٍ إِلَى الْمَرْزُبَانِ، فَتَلَطَّفَ بِهِ الْمَرْزُبَانُ وَسَأَلَهُ أَنْ يُطْلِقَهُ، وَبَذَلَ لَهُ أَمْوَالًا جَلِيلَةً وَإِقْطَاعًا كَثِيرًا، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَا أَخُونُ رُكْنَ الدَّوْلَةِ أَبَدًا. فَنَهَضَ الْمَرْزُبَانُ وَقَدْ أَخْرَجَ رِجْلَهُ مِنْ قَيْدِهِ، وَتَقَدَّمَ إِلَى الْبَابِ، فَأَخَذَ التُّرْسَ وَالزَّوْبِينَ مِنْ ذَلِكَ الْغُلَامِ، وَعَادَ إِلَى بَشِيرِ أَسْفَارٍ، فَقَتَلَهُ هُوَ وَذَلِكَ التَّاجِرُ الَّذِي عِنْدَهُ، وَثَارَ الرَّجُلُ الَّذِي عِنْدَ الْبَوَّابِ بِهِ فَقَتَلَهُ، وَدَخَلَ مَنْ كَانَ عِنْدَ بَابِ الْحِصْنِ إِلَى الْمَرْزُبَانِ. وَكَانَ أَجْنَادُ الْقَلْعَةِ مُتَفَرِّقِينَ، فَلَمَّا وَقَعَ الصَّوْتُ اجْتَمَعُوا، فَرَأَوْا صَاحِبَهُمْ قَتِيلًا، فَسَأَلُوا الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمُ الْمَرْزُبَانُ، وَأَخْرَجَهُمْ مِنَ الْقَلْعَةِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَخَرَجَ فَلَحِقَ بِأُمِّهِ وَأَخِيهِ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ.

стр. 3936

ذِكْرُ مَسِيرِ أَبِي عَلِيٍّ إِلَى الرَّيِّ لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ وَشْمَكِيرَ وَرُكْنِ الدَّوْلَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ، كَتَبَ وَشْمَكِيرُ إِلَى الْأَمِيرِ نُوحٍ يَسْتَمِدُّهُ، فَكَتَبَ نُوحٌ إِلَى أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُحْتَاجٍ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ فِي جُيُوشِ خُرَاسَانَ إِلَى الرَّيِّ وَقِتَالِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، فَسَارَ أَبُو عَلِيٍّ فِي جُيُوشٍ كَثِيرَةٍ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُ وَشْمَكِيرُ، فَسَارَا إِلَى الرَّيِّ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى رُكْنِ الدَّوْلَةِ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِمَنْ قَصَدَهُ، فَرَأَى أَنْ يَحْفَظَ بَلَدَهُ، وَيُقَاتِلَ عَدُوَّهُ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، فَحَارَبَ الْخُرَاسَانِيِّينَ بِطَبَرَكَ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ أَبُو عَلِيٍّ عِدَّةَ شُهُورٍ يُقَاتِلُهُ، فَلَمْ يَظْفَرْ بِهِ وَهَلَكَتْ دَوَابُّ الْخُرَاسَانِيَّةِ، وَأَتَاهُمُ الشِّتَاءُ وَمَلُّوا فَلَمْ يَصْبِرُوا، فَاضْطُرَّ أَبُو عَلِيٍّ إِلَى الصُّلْحِ، فَتَرَاسَلُوا فِي ذَلِكَ، وَكَانَ الرَّسُولُ أَبَا جَعْفَرٍ الْخَازِنَ، صَاحِبَ كِتَابِ زِيجِ الصَّفَائِحِ، وَكَانَ عَارِفًا بِعُلُومِ الرِّيَاضَةِ، وَكَانَ الْمُشِيرُ بِهِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْمُقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَتَصَالَحَا وَتَقَرَّرَ عَلَى رُكْنِ الدَّوْلَةِ كُلَّ سَنَةٍ مِائَتَا أَلْفِ دِينَارٍ، وَعَادَ أَبُو عَلِيٍّ إِلَى خُرَاسَانَ. وَكَتَبَ وَشْمَكِيرُ إِلَى الْأَمِيرِ نُوحٍ يُعَرِّفُهُ الْحَالَ، وَيَذْكُرُ لَهُ أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ لَمْ يَصْدُقْ فِي الْحَرْبِ، وَأَنَّهُ مَالَأَ رُكْنَ الدَّوْلَةِ، (فَاغْتَاظَ نُوحٌ مِنْ أَبِي عَلِيٍّ، وَأَمَّا رُكْنُ الدَّوْلَةِ) فَإِنَّهُ لَمَّا عَادَ عَنْهُ أَبُو عَلِيٍّ، سَارَ نَحْوَ وَشْمَكِيرَ، فَانْهَزَمَ وَشْمَكِيرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ إِلَى أَسْفَرَايِينَ، وَاسْتَوْلَى رُكْنُ الدَّوْلَةِ عَلَى طَبَرِسْتَانَ. ذِكْرُ عَزْلِ أَبِي عَلِيٍّ عَنْ خُرَاسَانَ لَمَّا اتَّصَلَ خَبَرُ أَبِي عَلِيٍّ عَنِ الرَّيِّ إِلَى الْأَمِيرِ نُوحٍ، سَاءَهُ ذَلِكَ، وَكَتَبَ وَشْمَكِيرُ إِلَى نُوحٍ يُلْزِمُ الذَّنْبَ فِيهِ أَبَا عَلِيٍّ، فَكَتَبَ إِلَى أَبِي عَلِيٍّ بِعَزْلِهِ عَنْ خُرَاسَانَ، وَكَتَبَ إِلَى الْقُوَّادِ يُعَرِّفُهُمْ أَنَّهُ قَدْ عَزَلَهُ عَنْهُمْ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْجُيُوشِ بَعْدَهُ أَبَا سَعِيدٍ بَكْرَ بْنَ مَالِكٍ الْفَرْغَانِيَّ، فَأَنْفَذَ أَبُو عَلِيٍّ يَعْتَذِرُ، وَرَاسَلَ جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ نَيْسَابُورَ يُقِيمُونَ عُذْرَهُ، وَيَسْأَلُونَ أَنْ لَا يُعْزَلَ عَنْهُمْ، فَلَمْ يُجَابُوا إِلَى ذَلِكَ، وَعُزِلَ أَبُو عَلِيٍّ عَنْ خُرَاسَانَ، وَأَظْهَرَ الْخِلَافَ وَخَطَبَ لِنَفْسِهِ بِنَيْسَابُورَ.

стр. 3937

وَكَتَبَ (نُوحٌ إِلَى) وَشْمَكِيرَ وَالْحَسَنِ بْنِ فَيَرُزَانَ يَأْمُرُهُمَا بِالصُّلْحِ، وَأَنْ يَتَسَاعَدَا عَلَى مَنْ يُخَالِفُ الدَّوْلَةَ، فَفَعَلَا ذَلِكَ، فَلَمَّا عَلِمَ أَبُو عَلِيٍّ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ مَعَ نُوحٍ، كَاتَبَ عَلَيْهِ رُكْنَ الدَّوْلَةِ فِي الْمَصِيرِ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْمَقَامُ بِخُرَاسَانَ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى الصَّغَانِيَانِ، فَاضْطُرَّ إِلَى مُكَاتَبَةِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ فِي الْمَصِيرِ إِلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ شُبَاطَ، ظَهَرَ بِسَوَادِ الْعِرَاقِ جَرَادٌ كَثِيرٌ أَقَامَ أَيَّامًا، وَأَثَّرَ فِي الْغَلَّاتِ آثَارًا قَبِيحَةً، وَكَذَلِكَ ظَهَرَ بِالْأَهْوَازِ، وَدِيَارِ الْمَوْصِلِ، وَالْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ، وَسَائِرِ النَّوَاحِي، فَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَهُ بِالْعِرَاقِ. وَفِيهَا عَادَ رُسُلٌ كَانَ الْخَلِيفَةُ أَرْسَلَهُمْ إِلَى خُرَاسَانَ لِلصُّلْحِ بَيْنَ رُكْنِ الدَّوْلَةِ وَنُوحٍ صَاحِبِ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى حُلْوَانَ، خَرَجَ عَلَيْهِمُ ابْنُ أَبِي الشَّوْكِ فِي أَكْرَادِهِ، فَنَهَبَهُمْ وَنَهَبَ الْقَافِلَةَ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُمْ، وَأَسَرَ الرُّسُلَ ثُمَّ أَطْلَقَهُمْ، فَسَيَّرَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ عَسْكَرًا إِلَى حُلْوَانَ، فَأَوْقَعُوا بِالْأَكْرَادِ وَأَصْلَحُوا الْبِلَادَ هُنَاكَ وَعَادُوا. وَفِيهَا سَيَّرَ الْحُجَّاجَ الشَّرِيفَانِ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ يَحْيَى الْعَلَوِيَّانِ، فَجَرَى بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ عَسَاكِرِ الْمِصْرِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ طُغْجَ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ، وَكَانَ الظَّفَرُ لَهُمَا، فَخَطَبَ لِمُعِزِّ الدَّوْلَةِ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ مَكَّةَ، لِحَقَهُمَا عَسْكَرُ مِصْرَ، فَقَاتَلَهُمَا فَظَفِرَا بِهِ أَيْضًا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْفَهْمِ دَاوُدُ أَبُو الْقَاسِمِ جَدُّ الْقَاضِي عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ التَّنُوخِيِّ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَ عَالِمًا بِأُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالنُّجُومِ، وَلَهُ شِعْرٌ.

стр. 3938

وَفِيهَا فِي رَمَضَانَ، مَاتَ الشَّرِيفُ أَبُو عَلِيٍّ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ (الْعَلَوِيُّ الْكُوفِيُّ) بِبَغْدَاذَ بِصَرْعٍ لَحِقَهُ. وَفِيهَا فِي شَوَّالٍ، مَاتَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ فَهْدٍ الْمَوْصِلِيُّ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْفَضْلِ الْعَبَّاسُ بْنُ فَسَانْجِسَ بِالْبَصْرَةِ مِنْ ذَرَبٍ لَحِقَهُ، وَحُمِلَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَدُفِنَ بِمَشْهَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ، وَتَقَلَّدَ الدِّيوَانَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو الْفَرَجِ، وَجَرَى عَلَى قَاعِدَةِ أَبِيهِ. وَفِيهَا (فِي ذِي الْقِعْدَةِ) مَاتَتْ بِدْعَةُ الْمُغَنِّيَةُ الْمَشْهُورَةُ، الْمَعْرُوفَةُ بِبِدْعَةَ الْحَمْدُونِيَّةِ عَنِ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ سَنَةً.

стр. 3939

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣٤٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ حَالِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُحْتَاجٍ قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ أَخْبَارِ أَبِي عَلِيٍّ مَا تَقَدَّمَ، فَلَمَّا كَتَبَ إِلَى رُكْنِ الدَّوْلَةِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْمَصِيرِ إِلَيْهِ، أَذِنَ لَهُ، فَسَارَ إِلَى الرَّيِّ، فَلَقِيَهُ رُكْنُ الدَّوْلَةِ وَأَكْرَمَهُ، وَأَقَامَ الْأَتْرَاكُ الضِّيَافَةَ لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ، وَطَلَبَ أَبُو عَلِيٍّ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ عَهْدًا مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ بِوَلَايَةِ خُرَاسَانَ، فَأَرْسَلَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ فِي ذَلِكَ، فَسَيَّرَ لَهُ عَهْدًا بِمَا طَلَبَ، وَسَيَّرَ لَهُ نَجْدَةً مِنْ عَسْكَرِهِ، فَسَارَ أَبُو عَلِيٍّ إِلَى خُرَاسَانَ (وَاسْتَوْلَى عَلَى نَيْسَابُورَ، وَخَطَبَ لِلْمُطِيعِ بِهَا وَبِمَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ مِنْ خُرَاسَانَ) ، وَلَمْ يَكُنْ يُخْطَبُ لَهُ بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ نُوحًا مَاتَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ، وَتَوَلَّى بَعْدَهُ وَلَدُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ، سَيَّرَ بَكْرُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى خُرَاسَانَ مِنْ بُخَارَى، وَجَعَلَهُ مُقَدَّمًا عَلَى جُيُوشِهَا، وَأَمَرَهُ بِإِخْرَاجِ أَبِي عَلِيٍّ مِنْ خُرَاسَانَ، فَسَارَ فِي الْعَسَاكِرِ نَحْوَ أَبِي عَلِيٍّ، فَتَفَرَّقَ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ أَصْحَابُهُ وَعَسْكَرُهُ، وَبَقِيَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ مِائَتَا رَجُلٍ سِوَى مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الدَّيْلَمِ نَجْدَةً لَهُ، فَاضْطُرَّ إِلَى الْهَرَبِ، فَسَارَ نَحْوَ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، فَأَنْزَلَهُ مَعَهُ فِي الرَّيِّ، وَاسْتَوْلَى ابْنُ مَالِكٍ عَلَى خُرَاسَانَ، فَأَقَامَ بِنَيْسَابُورَ وَتَتَبَّعَ أَصْحَابَ أَبِي عَلِيٍّ. ذِكْرُ مَوْتِ الْأَمِيرِ نُوحِ بْنِ نَصْرٍ، وَوَلَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ الْأَمِيرُ نُوحُ بْنُ نَصْرِ السَّامَانِيُّ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ

стр. 3940

بِالْأَمِيرِ الْحَمِيدِ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، كَرِيمَ الْأَخْلَاقِ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ، مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، (وَكَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَ بَكْرَ بْنَ مَالِكٍ عَلَى جُيُوشِ خُرَاسَانَ، كَمَا ذَكَرْنَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَسِيرَ بَكْرٌ إِلَى خُرَاسَانَ، فَقَامَ بَكْرٌ بِأَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ) بْنِ نُوحٍ، وَقَرَّرَ أَمْرَهُ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ حَالُهُ وَثَبَّتَ مُلْكَهُ، أَمَرَ بَكْرًا بِالْمَسِيرِ إِلَى خُرَاسَانَ، فَسَارَ إِلَيْهَا، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَعَ أَبِي عَلِيٍّ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ. ذِكْرُ غَزَاةٍ لِسَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، غَزَا سَيْفُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ بِلَادَ الرُّومِ، فَقَتَلَ وَأَسَرَ، وَسَبَى وَغَنِمَ، وَكَانَ فِيمَنْ قُتِلَ قُسْطَنْطِينُ بْنُ الدُّمُسْتُقِ، فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى الرُّومِ، وَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى الدُّمُسْتُقِ، فَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ مِنَ الرُّومِ وَالرُّوسِ وَالْبُلْغَارِ وَغَيْرِهِمْ وَقَصَدَ الثُّغُورَ، فَسَارَ إِلَيْهِ سَيْفُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ، فَالْتَقَوْا عِنْدَ الْحَدَثِ فِي شَعْبَانَ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - نَصَرَ الْمُسْلِمِينَ، فَانْهَزَمَ الرُّومُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ وَمِمَّنْ مَعَهُمْ خَلْقٌ عَظِيمٌ، وَأُسِرَ صِهْرُ الدُّمُسْتُقِ وَابْنِ ابْنَتِهِ وَكَثِيرٌ مِنْ بَطَارِقَتِهِ، وَعَادَ الدُّمُسْتُقُ مَهْزُومًا مَسْلُولًا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ بِخُرَاسَانَ وَالْجِبَالِ وَبَاءٌ عَظِيمٌ، هَلَكَ فِيهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً. وَفِيهَا صُرِفَ الْأَبْرَعَاجِيُّ عَنْ شُرْطَةِ بَغْدَاذَ، وَصُودِرَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَرُتِّبَ مَكَانُهُ بَكْبِيكُ نَقِيبُ الْأَتْرَاكِ. وَفِيهَا سَارَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ إِلَى جُرْجَانَ وَمَعَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُحْتَاجٍ، فَدَخَلَهَا بِغَيْرِ حَرْبٍ، وَانْصَرَفَ وَشْمَكِيرُ عَنْهَا إِلَى خُرَاسَانَ.

стр. 3941

وَفِيهَا وَقَعَتِ الْحَرْبُ بِمَكَّةَ بَيْنَ أَصْحَابِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ وَأَصْحَابِ ابْنِ طُغْجَ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ، فَكَانَتِ الْغَلَبَةُ لِأَصْحَابِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَخُطِبَ بِمَكَّةَ وَالْحِجَازِ لِرُكْنِ الدَّوْلَةِ وَمُعِزِّ الدَّوْلَةِ وَوَلَدِهِ عِزِّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارَ، وَبَعْدَهُمْ لِابْنِ طُغْجَ. وَفِيهَا أَرْسَلَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ سُبُكْتِكِينَ فِي جَيْشٍ إِلَى شَهْرَزُورَ فِي رَجَبٍ، وَمَعَهُ الْمَنْجَنِيقَاتُ لِفَتْحِهَا، فَسَارَ إِلَيْهَا وَأَقَامَ بِتِلْكَ الْوَلَايَةِ إِلَى الْمُحَرَّمِ مِنْ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَعَادَ وَلَمْ يُمْكِنُهُ فَتْحُهَا ; لِأَنَّهُ اتَّصَلَ بِهِ خُرُوجُ عَسَاكِرِ خُرَاسَانَ إِلَى الرَّيِّ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، فَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَدَخَلَهَا فِي الْمُحَرَّمِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا فِي شَوَّالٍ، مَاتَ (أَبُو) الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ النَّحْوِيِّ الْفَقِيهُ. وَفِيهَا فِي شَوَّالٍ أَيْضًا، (مَاتَ) أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَرْخِيُّ.

стр. 3942

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣٤٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ مَرِضِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ وَمَا فَعَلَهُ ابْنُ شَاهِينَ كَانَ قَدْ عَرَضَ لِمُعِزِّ الدَّوْلَةِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] مَرَضٌ يُسَمَّى فَرْيَافَسْمَسَ، وَهُوَ دَوَامُ الْإِنْعَاظِ مَعَ وَجَعٍ شَدِيدٍ فِي ذَكَرِهِ، مَعَ تَوَتُّرِ أَعْصَابِهِ، وَكَانَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ خَوَّارًا فِي أَمْرَاضِهِ، فَأُرْجِفَ النَّاسُ بِهِ، وَاضْطَرَبَتْ بَغْدَاذُ، فَاضْطُرَّ إِلَى الرُّكُوبِ، فَرَكِبَ فِي ذِي الْحِجَّةِ عَلَى مَا بِهِ مِنْ شِدَّةِ الْمَرَضِ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، أَوْصَى إِلَى ابْنِهِ بَخْتِيَارَ، وَقَلَّدَهُ الْأَمْرَ بَعْدَهُ، وَجَعَلَهُ أَمِيرَ الْأُمَرَاءِ. وَبَلَغَ عِمْرَانَ بْنَ شَاهِينَ أَنَّ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ قَدْ مَاتَ، وَاجْتَازَ عَلَيْهِ مَالٌ يُحْمَلُ إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ مِنَ الْأَهْوَازِ، وَفِي صُحْبَتِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ التُّجَّارِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَأَخَذَ الْجَمِيعَ، فَلَمَّا عُوفِيَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ، رَاسَلَ ابْنَ شَاهِينَ فِي الْمَعْنَى، فَرَدَّ عَلَيْهِ مَا أَخَذَهُ لَهُ، وَحَصَّلَ لَهُ أَمْوَالَ التُّجَّارِ، وَانْفَسَخَ الصُّلْحُ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ. ذِكْرُ خُرُوجِ الْخُرَاسَانِيَّةِ إِلَى الرَّيِّ وَأَصْبَهَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ عَسْكَرُ خُرَاسَانَ إِلَى الرَّيِّ وَبِهَا رُكْنُ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَهَا مِنْ جُرْجَانَ أَوَّلَ الْمُحَرَّمِ، فَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ يَسْتَمِدُّهُ، فَأَمَدَّهُ بِعَسْكَرٍ مُقَدَّمُهُمُ الْحَاجِبُ سُبُكْتِكِينُ، وَسَيَّرَ مِنْ خُرَاسَانَ عَسْكَرًا آخَرَ إِلَى أَصْبَهَانَ عَلَى طَرِيقِ الْمَفَازَةِ، وَبِهَا

стр. 3943

الْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورٍ بُوَيْهِ بْنُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ. فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُهُمْ، سَارَ عَنْ أَصْبَهَانَ بِالْخَزَائِنِ وَالْحُرَمِ الَّتِي لِأَبِيهِ، فَبَلَغُوا خَانَ لِنْجَانَ، وَكَانَ مُقَدَّمُ الْعَسْكَرِ الْخُرَاسَانِيِّ مُحَمَّدَ بْنَ مَاكَانَ، فَوَصَلُوا إِلَى أَصْبَهَانَ، فَدَخَلُوهَا وَخَرَجَ ابْنُ مَاكَانَ مِنْهَا فِي طَلَبِ بُوَيْهِ، فَأَدْرَكَ الْخَزَائِنَ فَأَخَذَهَا وَسَارَ فِي أَثَرِهِ، وَكَانَ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ بِهِ أَنَّ الْأُسْتَاذَ أَبَا الْفَضْلِ بْنَ الْعَمِيدِ وَزِيرَ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، اتَّصَلَ بِهِمْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، فَعَارَضَ ابْنَ مَاكَانَ وَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ ابْنِ الْعَمِيدِ عَنْهُ، وَاشْتَغَلَ (أَصْحَابُ) ابْنِ مَاكَانَ بِالنَّهْبِ. قَالَ ابْنُ الْعَمِيدِ: فَبَقِيتُ وَحْدِي وَأَرَدْتُ اللَّحَاقَ بِأَصْحَابِي، فَفَكَّرْتُ وَقُلْتُ: بِأَيِّ وَجْهٍ أَلْقَى صَاحِبِي وَقَدْ أَسْلَمْتُ أَوْلَادَهُ، وَأَهْلَهُ، وَأَمْوَالَهُ، وَمُلْكَهُ، وَنَجَوْتُ بِنَفْسِي؟ فَرَأَيْتُ الْقَتْلَ أَيْسَرَ عَلَيَّ مِنْ ذَلِكَ، فَوَقَفْتُ، وَعَسْكَرُ ابْنُ مَاكَانَ يَنْهَبُ أَثْقَالِي وَأَثْقَالَ عَسْكَرِي، فَلَحِقَ بِابْنِ الْعَمِيدِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَوَقَفُوا مَعَهُ، وَأَتَاهُمْ غَيْرُهُمْ فَاجْتَمَعَ مَعَهُمْ (جَمَاعَةٌ) ، فَحَمَلَ عَلَى الْخُرَاسَانِيِّينَ وَهُمْ مَشْغُولُونَ بِالنَّهْبِ، وَصَاحُوا فِيهِمْ، فَانْهَزَمَ الْخُرَاسَانِيُّونَ فَأُخِذُوا مِنْ بَيْنِ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ، وَأُسِرَ ابْنُ مَاكَانَ وَأُحْضِرَ عِنْدَ ابْنِ الْعَمِيدِ، وَسَارَ ابْنُ الْعَمِيدِ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَأَخْرَجَ مَنْ كَانَ بِهَا مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَاكَانَ، وَأَعَادَ أَوْلَادَ رُكْنِ الدَّوْلَةِ وَحُرَمَهُ إِلَى أَصْبَهَانَ، وَاسْتَنْقَذَ أَمْوَالَهُ. ثُمَّ إِنَّ رُكْنَ الدَّوْلَةِ رَاسَلَ بَكْرَ بْنَ مَالِكٍ صَاحِبَ جُيُوشِ خُرَاسَانَ، وَاسْتَمَالَهُ فَاصْطَلَحَا عَلَى مَالٍ يَحْمِلُهُ رُكْنُ الدَّوْلَةِ (إِلَيْهِ، وَيَكُونُ الرَّيُّ وَبَلَدُ الْجَبَلِ بِأَسْرِهِ مَعَ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، وَأَرْسَلَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ) إِلَى أَخِيهِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ يَطْلُبُ خِلَعًا وَلِوَاءً بِوَلَايَةِ خُرَاسَانَ لِبَكْرِ بْنِ مَالِكٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ذَلِكَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَ بِالرَّيِّ وَبَاءٌ كَثِيرٌ، مَاتَ فِيهِ مِنَ الْخَلْقِ مَا لَا يُحْصَى، وَكَانَ فِيمَنْ مَاتَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُحْتَاجٍ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ جُيُوشِ خُرَاسَانَ، وَمَاتَ مَعَهُ وَلَدُهُ، وَحُمِلَ أَبُو عَلِيٍّ إِلَى الصَّغَانِيَانِ، وَعَادَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْقُوَّادِ إِلَى خُرَاسَانَ.

стр. 3944

وَفِيهَا وَقَعَ الْأَكْرَادُ بِنَاحِيَةِ سَاوَةَ عَلَى قُفْلٍ مِنَ الْحُجَّاجِ فَاسْتَبَاحُوهُ، وَفِيهَا خَرَجَ بِنَاحِيَةِ دُنْبَاوَنْدَ رَجُلٌ ادَّعَى النُّبُوَّةَ، فَقُتِلَ، وَخَرَجَ بِأَذْرَبِيجَانَ رَجُلٌ آخَرُ يَدَّعِي أَنَّهُ يُحَرِّمُ اللُّحُومَ وَمَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَأَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ، فَأَضَافَهُ رَجُلٌ أَطْعَمَهُ كِشْكِيَّةً بِشَحْمٍ، فَلَمَّا أَكَلَهَا قَالَ لَهُ: أَلَسْتَ تُحَرِّمُ اللَّحْمَ وَمَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَأَنَّكَ تَعْلَمُ الْغَيْبَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَهَذِهِ الْكِشْكِيَّةُ بِشَحْمٍ، وَلَوْ عَلِمْتَ الْغَيْبَ لَمَا خَفِيَ عَلَيْكَ ذَلِكَ، فَأَعْرَضَ النَّاسُ عَنْهُ. وَفِيهَا أَنْشَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ مَرْكِبًا كَبِيرًا لَمْ يُعْمَلْ مِثْلُهُ، وَسَيَّرَ فِيهِ أَمْتِعَةً إِلَى بِلَادِ الشَّرْقِ، فَلَقِيَ فِي الْبَحْرِ مَرْكِبًا فِيهِ رَسُولٌ مِنْ صِقِلِّيَةَ إِلَى الْمُعِزِّ، فَقَطَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَرْكِبِ الْأَنْدَلُسِيِّ، وَأَخَذُوا مَا فِيهِ، وَأَخَذُوا الْكُتُبَ الَّتِي إِلَى الْمُعِزِّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُعِزَّ، فَعَمَّرَ أُسْطُولًا وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ صَاحِبَ صِقِلِّيَةَ، وَسَيَّرَهُ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، فَوَصَلُوا إِلَى الْمِرْيَةِ، فَدَخَلُوا الْمَرْسَى وَأَحْرَقُوا جَمِيعَ مَا فِيهِ مِنَ الْمَرَاكِبِ، وَأَخَذُوا ذَلِكَ الْمَرْكِبَ، وَكَانَ قَدْ عَادَ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَفِيهِ أَمْتِعَةٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَجِوَارٍ مُغَنِّيَاتٍ، وَصَعِدَ مِنَ الْأُسْطُولِ إِلَى الْبَرِّ فَقَتَلُوا وَنَهَبُوا، وَرَجَعُوا سَالِمِينَ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ. وَلَمَّا سَمِعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ، سَيَّرَ أُسْطُولًا إِلَى بَعْضِ بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَنَزَلُوا وَنَهَبُوا، فَقَصَدَتْهُمْ عَسَاكِرُ الْمُعِزِّ، فَعَادُوا إِلَى مَرَاكِبِهِمْ، وَرَجَعُوا إِلَى الْأَنْدَلُسِ وَقَدْ قَتَلُوا وَقُتِلَ مِنْهُمْ (خَلْقٌ كَثِيرٌ) .

стр. 3945

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣٤٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ عِصْيَانِ رُوزْبَهَانَ عَلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ رُوزْبَهَانُ (بْنُ) وَنْدَادَ خُرْشِيدَ الدَّيْلَمِيُّ عَلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَعَصَى عَلَيْهِ، وَخَرَجَ أَخُوهُ بَلَكَا بِشِيرَازَ، وَخَرَجَ أَخُوهُمَا أَسْفَارٌ بِالْأَهْوَازِ، وَلَحِقَ رُوزْبَهَانُ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَكَانَ يُقَاتِلُ عِمْرَانَ بِالْبَطِيحَةِ، فَعَادَ إِلَى وَاسِطَ وَسَارَ إِلَى الْأَهْوَازِ فِي رَجَبٍ، وَبِهَا الْوَزِيرُ الْمُهَلَّبِيُّ، فَأَرَادَ مُحَارَبَةَ رُوزْبَهَانَ، فَاسْتَأْمَنَ رِجَالُهُ إِلَى رُوزْبَهَانَ، فَانْحَازَ الْمُهَلَّبِيُّ عَنْهُ. وَوَرَدَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ لِإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ رَفَعَهُ بَعْدَ الضِّعَةِ، وَنَوَّهَ بِذِكْرِهِ بَعْدَ الْخُمُولِ، فَتَجَهَّزَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى مُحَارَبَتِهِ، وَمَالَ الدَّيْلَمُ بِأَسْرِهِمْ إِلَى رُوزْبَهَانَ، وَلَقُوا مُعِزَّ الدَّوْلَةِ بِمَا يَكْرَهُ، وَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ وَتَتَابَعُوا عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى رُوزْبَهَانَ، وَسَارَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ عَنْ بَغْدَاذَ خَامِسَ شَعْبَانَ، وَخَرَجَ الْخَلِيفَةُ الْمُطِيعُ لِلَّهِ مُنْحَدِرًا إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ ; لِأَنَّ نَاصِرَ الدَّوْلَةِ لَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ، سَيَّرَ الْعَسَاكِرَ مِنَ الْمَوْصِلِ مَعَ وَلَدِهِ أَبِي الْمُرَجَّى جَابِرٍ لِقَصْدِ بَغْدَاذَ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْخَلِيفَةَ، انْحَدَرَ مِنْ بَغْدَاذَ، فَأَعَادَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ الْحَاجِبَ سُبُكْتِكِينَ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِمْ مِنْ عَسْكَرِهِ إِلَى بَغْدَاذَ، فَشَغَبَ الدَّيْلَمُ الَّذِينَ بِبَغْدَادَ، فَوُعِدُوا بِأَرْزَاقِهِمْ فَسَكَنُوا وَهُمْ عَلَى قُنُوطٍ مِنْ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ. (وَأَمَّا مُعِزُّ الدَّوْلَةِ) فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى أَنْ بَلَغَ قَنْطَرَةَ أَرْبُقَ، فَنَزَلَ هُنَاكَ وَجَعَلَ عَلَى الطُّرُقِ مَنْ يَحْفَظُ أَصْحَابَ الدَّيْلَمِ مِنَ الِاسْتِئْمَانِ إِلَى رُوزْبَهَانَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ الْعَطَاءَ

стр. 3946

مِنْهُ ثُمَّ يَهْرُبُونَ عَنْهُ، وَكَانَ اعْتِمَادُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ عَلَى أَصْحَابِهِ الْأَتْرَاكِ وَمَمَالِيكِهِ وَنَفَرٍ يَسِيرٍ مِنَ الدَّيْلَمِ. فَلَمَّا كَانَ سَلْخُ رَمَضَانَ، أَرَادَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ الْعُبُورَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ يَثِقُ بِهِمْ إِلَى مُحَارَبَةِ رُوزْبَهَانَ، فَاجْتَمَعَ الدَّيْلَمُ وَقَالُوا لِمُعِزِّ الدَّوْلَةِ: إِنْ كُنَّا رِجَالَكَ، فَأَخْرِجْنَا مَعَكَ نُقَاتِلْ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَإِنَّهُ لَا صَبْرَ لَنَا عَلَى الْقُعُودِ مَعَ الصِّبْيَانِ وَالْغِلْمَانِ، فَإِنْ ظَفِرْتَ كَانَ الِاسْمُ لِهَؤُلَاءِ دُونَنَا، وَإِنْ ظَفِرَ عَدُوُّكَ لَحِقَنَا الْعَارُ، وَإِنَّمَا قَالُوا هَذَا الْكَلَامَ خَدِيعَةً لِيُمَكِّنَهُمْ مِنَ الْعُبُورِ مَعَهُ فَيَتَمَكَّنُوا (مِنْهُ، فَلَمَّا سَمِعَ قَوْلَهُمْ) سَأَلَهُمُ التَّوَقُّفَ، وَقَالَ: إِنَّمَا أُرِيدُ [أَنْ] أَذُوقَ حَرْبَهُمْ ثُمَّ أَعُودُ، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ لَقِينَاهُمْ بِأَجْمَعِنَا وَنَاجَزْنَاهُمْ، وَكَانَ يُكْثِرُ لَهُمُ الْعَطَاءَ فَأَمْسَكُوا عَنْهُ. وَعَبَرَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ، وَعَبَّأَ أَصْحَابَهُ كَرَادِيسَ تَتَنَاوَبُ الْحَمَلَاتِ، فَمَا زَالُوا كَذَلِكَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَفَنِيَ نُشَّابُ الْأَتْرَاكِ وَتَعِبُوا، وَشَكَوْا إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ التَّعَبِ، وَقَالُوا: نَسْتَرِيحُ اللَّيْلَةَ وَنَعُودُ غَدًا، فَعَلِمَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ أَنَّهُ إِنْ رَجَعَ، زَحَفَ إِلَيْهِ رُوزْبَهَانُ وَالدَّيْلَمُ، وَثَارَ مَعَهُمْ أَصْحَابُهُ الدَّيْلَمُ، فَيَهْلَكُ وَلَا يُمْكِنُهُ الْهَرَبُ، فَبَكَى بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ سَرِيعَ الدَّمْعَةِ، ثُمَّ سَأَلَهُمْ أَنْ تُجْمَعَ الْكَرَادِيسُ كُلُّهَا وَيَحْمِلُوا حَمْلَةً وَاحِدَةً، (وَهُوَ فِي أَوَّلِهِمْ) ، فَإِمَّا أَنْ يَظْفَرُوا، وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ (أَوَّلَ مَنْ يُقْتَلُ) ، فَطَالَبُوهُ بِالنُّشَّابِ، فَقَالَ: قَدْ بَقِيَ مَعَ صِغَارِ الْغِلْمَانِ نُشَّابٌ، فَخُذُوهُ وَاقْسِمُوهُ. وَكَانَ جَمَاعَةٌ صَالِحَةٌ مِنَ الْغِلْمَانِ الْأَصَاغِرِ تَحْتَهُمُ الْخَيْلُ الْجِيَادُ، وَعَلَيْهِمُ اللُّبْسُ الْجَيِّدُ، وَكَانُوا سَأَلُوا مُعِزَّ الدَّوْلَةِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي الْحَرْبِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَالَ: إِذَا جَاءَ وَقْتٌ يَصْلُحُ لَكُمْ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الْقِتَالِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ تِلْكَ السَّاعَةِ مَنْ يَأْخُذُ مِنْهُمُ النُّشَّابَ، وَأَوْمَأَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ أَنِ اقْبَلُوا مِنْهُ وَسَلِّمُوا إِلَيْهِ النُّشَّابَ، فَظَنُّوا أَنَّهُ يَأْمُرُهُمْ بِالْحَمْلَةِ، فَحَمَلُوا وَهُمْ مُسْتَرِيحُونَ، فَصَدَمُوا صُفُوفَ رُوزْبَهَانَ فَخَرَقُوهَا، وَأَلْقَوْا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ، فَصَارُوا خَلْفَهُمْ، وَحَمَلَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ فَيْمَنْ مَعَهُ بِاللَّتُوتِ، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى رُوزْبَهَانَ وَأَصْحَابِهِ، وَأُخِذَ رُوزْبَهَانُ أَسِيرًا وَجَمَاعَةٌ مِنْ قُوَّادِهِ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَكَتَبَ

стр. 3947

مُعِزُّ الدَّوْلَةِ (بِذَلِكَ، فَلَمْ يُصَدِّقِ النَّاسُ) لِمَا عَلِمُوا مِنْ قُوَّةِ رُوزْبَهَانَ وَضَعْفِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ وَمَعَهُ رُوزْبَهَانُ لِيَرَاهُ النَّاسُ، وَسَيَّرَ سُبُكْتِكِينَ إِلَى أَبِي الْمُرَجَّى بْنِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ بِعُكْبَرَا، فَلَمْ يَلْحَقْهُ لِأَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ، عَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَسَجَنَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ رُوزْبَهَانَ، فَبَلَغَهُ أَنَّ الدَّيْلَمَ قَدْ عَزَمُوا عَلَى إِخْرَاجِهِ قَهْرًا وَالْمُبَايَعَةِ لَهُ، فَأَخْرَجَهُ لَيْلًا وَغَرَّقَهُ. وَأَمَّا أَخُو رُوزْبَهَانَ الَّذِي خَرَجَ بِشِيرَازَ، فَإِنَّ الْأُسْتَاذَ أَبَا الْفَضْلِ بْنَ الْعَمِيدِ سَارَ إِلَيْهِ فِي الْجُيُوشِ، فَقَاتَلَهُ فَظَفِرَ بِهِ، وَأَعَادَ عَضُدَ الدَّوْلَةِ (بْنَ رُكْنِ الدَّوْلَةِ) إِلَى مُلْكِهِ، وَانْطَوَى خَبَرُ رُوزْبَهَانَ وَإِخْوَتِهِ، وَكَانَ قَدِ اشْتَعَلَ اشْتِعَالَ النَّارِ. وَقَبَضَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الدَّيْلَمِ، وَتَرَكَ مَنْ سِوَاهُمْ، وَاصْطَنَعَ الْأَتْرَاكَ وَقَدَّمَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِتَوْبِيخِ الدَّيْلَمِ وَالِاسْتِطَالَةِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أَطْلَقَ لِلْأَتْرَاكِ إِطْلَاقَاتٍ زَائِدَةً عَلَى وَاسِطَ (وَالْبَصْرَةِ) ، فَسَارُوا لِقَبْضِهَا مُدِلِّينَ بِمَا صَنَعُوا، فَأَخْرَبُوا الْبِلَادَ وَنَهَبُوا الْأَمْوَالَ، وَصَارَ ضَرَرُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ نَفْعِهِمْ. ذِكْرُ غَزْوِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بِلَادَ الرُّومِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَجَبٍ، سَارَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ فِي جُيُوشٍ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ وَغَزَاهَا حَتَّى بَلَغَ خَرْشَنَةَ، وَصَارِخَةَ، وَفَتَحَ عِدَّةَ حُصُونٍ، وَسَبَى وَأَسَرَ، وَأَحْرَقَ وَخَرَّبَ، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَرَجَعَ إِلَى أُذُنَةَ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى جَاءَهُ رَئِيسُ طَرَسُوسَ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ شَيْئًا كَثِيرًا، وَعَادَ إِلَى حَلَبَ.

стр. 3948

فَلَمَّا سَمِعَ الرُّومُ بِمَا فَعَلَ، جَمَعُوا وَسَارُوا إِلَى مَيَّافَارِقِينَ، وَأَحْرَقُوا سَوَادَهَا وَنَهَبُوهُ، وَخَرَّبُوا وَسَبَوْا أَهْلَهُ، وَنَهَبُوا أَمْوَالَهُمْ وَعَادُوا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بِأَصْبَهَانَ بَيْنَ أَهْلِهَا وَبَيْنَ أَهْلِ قُمَّ بِسَبَبِ الْمَذَاهِبِ، وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّهُ قِيلَ عَنْ رَجُلٍ قُمِّيٍّ إِنَّهُ سَبَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ شِحْنَةِ أَصْبَهَانَ، فَثَارَ أَهْلُهَا، وَاسْتَغَاثُوا بِأَهْلِ السَّوَادِ، فَاجْتَمَعُوا فِي خَلْقٍ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَحَضَرُوا دَارَ الشِّحْنَةِ، وَقُتِلَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى، وَنَهَبَ أَهْلُ أَصْبَهَانَ أَمْوَالَ التُّجَّارِ مَنْ أَهْلِ قُمَّ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ رُكْنَ الدَّوْلَةِ، فَغَضِبَ لِذَلِكَ وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَطَرَحَ عَلَى أَهْلِهَا مَالًا كَثِيرًا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ أَبُو عَمْرٍو الزَّاهِدُ، غُلَامُ ثَعْلَبٍ، فِي ذِي الْقِعْدَةِ. وَفِيهَا كَانَتِ الزَّلْزَلَةُ بِهَمَذَانَ، وَأَسْتَرَابَاذَ وَنَوَاحِيهَا، وَكَانَتْ عَظِيمَةً أَهْلَكَتْ تَحْتَ الْهَدْمِ خَلْقًا كَثِيرًا، وَانْشَقَّتْ مِنْهَا حِيطَانُ قَصْرِ شِيرِينَ مِنْ صَاعِقَةٍ. وَفِيهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، سَارَ الرُّومُ فِي الْبَحْرِ، فَأَوْقَعُوا بِأَهْلِ طَرَسُوسَ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ أَلْفًا وَثَمَانَمِائَةِ رَجُلٍ، وَأَحْرَقُوا الْقُرَى الَّتِي حَوْلَهَا. وَفِيهَا سَارَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ صَاحِبُ صِقِلِّيَةَ عَلَى أُسْطُولٍ كَثِيرٍ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ.

стр. 3949

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣٤٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ مَوْتِ الْمَرْزُبَانِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَمَضَانَ، تُوُفِّيَ السَّلَّارُ الْمَرْزُبَانُ بِأَذْرَبِيجَانَ، وَهُوَ صَاحِبُهَا، فَلَمَّا يَئِسَ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْصَى إِلَى أَخِيهِ وَهْسُوذَانَ بِالْمُلْكِ، وَبَعْدَهُ لِابْنِهِ جِسْتَانَ بْنِ الْمَرْزُبَانِ. وَكَانَ الْمَرْزُبَانُ قَدْ تَقَدَّمَ أَوَّلًا إِلَى نُوَّابِهِ بِالْقِلَاعِ أَنْ لَا يُسَلِّمُوهَا بَعْدَهُ إِلَّا إِلَى وَلَدِهِ جِسْتَانَ، فَإِنْ مَاتَ فَإِلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنْ مَاتَ فَإِلَى ابْنِهِ نَاصِرٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَإِلَى أَخِيهِ وَهْسُوذَانَ، فَلَمَّا أَوْصَى هَذِهِ الْوَصِيَّةَ إِلَى أَخِيهِ، عَرَّفَهُ عَلَامَاتٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُوَّابِهِ فِي قِلَاعِهِ لِيَسْتَلِمَهَا مِنْهُمْ، فَلَمَّا مَاتَ الْمَرْزُبَانُ، أَنْفَذَ أَخُوهُ وَهْسُوذَانُ خَاتَمَهُ وَعَلَامَاتِهِ إِلَيْهِمْ، فَأَظْهَرُوا وَصِيَّتَهُ الْأَوْلَى، فَظَنَّ وَهْسُوذَانُ أَخَاهُ خَدَعَهُ بِذَلِكَ، فَأَقَامَ مَعَ أَوْلَادِ أَخِيهِ، فَاسْتَبَدُّوا بِالْأَمْرِ دُونَهُ، فَخَرَجَ مِنْ أَرْدَبِيلَ كَالْهَارِبِ إِلَى الطَّرْمِ، فَاسْتَبَدَّ جِسْتَانُ بِالْأَمْرِ، وَأَطَاعَهُ إِخْوَتُهُ، وَقَلَّدَ وِزَارَتَهُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، وَأَتَاهُ قُوَّادُ أَبِيهِ إِلَّا جِسْتَانَ بْنَ شَرْمِزَنَّ فَإِنَّهُ عَزَمَ عَلَى التَّغَلُّبِ عَلَى أَرْمِينِيَّةَ، وَكَانَ وَالِيًا عَلَيْهَا. وَشَرَعَ وَهْسُوذَانُ فِي الْإِفْسَادِ بَيْنَ أَوْلَادِ أَخِيهِ وَتَفْرِيقِ كَلِمَتِهِمْ، وَإِطْمَاعِ أَعْدَائِهِمْ فِيهِمْ، حَتَّى بَلَغَ مَا أَرَادَ وَقُتِلَ بَعْضُهُمْ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَثُرَ بِبَغْدَاذَ وَنَوَاحِيهِمَا أَوْرَامُ الْحَلْقِ وَالْمَاشَرَا، وَكَثُرَ الْمَوْتُ بِهِمَا،

стр. 3950

وَمَوْتُ الْفَجْأَةِ، وَكُلُّ مَنِ افْتَصَدَ، انْصَبَّ إِلَى ذِرَاعَيْهِ مَادَّةٌ حَادَّةٌ عَظِيمَةٌ، تَبِعَهَا حُمَّى حَادَّةٌ، وَمَا سَلِمَ أَحَدٌ مِمَّنِ افْتَصَدَ، وَكَانَ الْمَطَرُ مَعْدُومًا. وَفِيهَا تَجَهَّزَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ وَسَارَ نَحْوَ الْمَوْصِلِ لِقَصْدِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بِسَبَبِ مَا فَعَلَهُ، فَرَاسَلَهُ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ، وَبَذَلَ لَهُ مَالًا، وَضَمِنَ الْبِلَادَ مِنْهُ كُلَّ سَنَةٍ بِأَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَحُمِلَ إِلَيْهِ مِثْلُهَا، فَعَادَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بِسَبَبِ خَرَابِ بِلَادِهِ لِلْفِتْنَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَثِقْ بِأَصْحَابِهِ. ثُمَّ إِنَّ نَاصِرَ الدَّوْلَةِ مَنَعَ حَمْلَ الْمَالِ، فَسَارَ إِلَيْهِ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. وَفِيهَا نَقُصَ الْبَحْرُ ثَمَانِينَ بَاعًا، فَظَهَرَتْ فِيهِ جَزَائِرُ وَجِبَالٌ لَمْ تُعْرَفْ قَبْلُ ذَلِكَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ مَعْقِلٍ الْأُمَوِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْأَصَمِّ، وَكَانَ عَالِيَ الْإِسْنَادِ فِي الْحَدِيثِ، وَصَحِبَ الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ صَاحِبَ الشَّافِعِيِّ، وَرَوَى عَنْهُ كُتُبَ الشَّافِعِيِّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ (بْنِ أَحْمَدَ) بْنِ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ الْبُخَارِيُّ الْأَمِينُ. وَفِيهَا كَانَتْ بِالْعِرَاقِ وَبِلَادِ الْجِبَالِ وَقُمَّ وَنَوَاحِيهَا زَلَازِلُ كَثِيرَةٌ مُتَتَابِعَةٌ دَامَتْ نَحْوَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَسْكُنُ وَتَعُودُ، فَتَهَدَّمَتِ الْأَبْنِيَةُ، وَغَارَتِ الْمِيَاهُ، وَهَلَكَ تَحْتَ الْهَدْمِ مِنَ الْأُمَمِ الْكَثِيرُ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ زَلْزَلَةٌ (بِالرَّيِّ وَنَوَاحِيهَا مُسْتَهَلَّ ذِي الْحِجَّةِ، أَخْرَبَتْ كَثِيرًا مِنَ الْبَلَدِ، وَهَلَكَ مِنْ أَهْلِهَا كَثِيرٌ

стр. 3951

وَكَذَلِكَ أَيْضًا كَانَتِ الزَّلْزَلَةُ) بِالطَّالَقَانِ وَنَوَاحِيهَا عَظِيمَةً جِدًّا، أَهْلَكَتْ أُمَمًا كَثِيرَةً.

стр. 3952

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣٤٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ عَلَى الْمَوْصِلِ وَعَوْدِهِ عَنْهَا قَدْ ذَكَرْنَا صُلْحَ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ مَعَ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ عَلَى أَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ كُلَّ سَنَةٍ، فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةُ، أَخَّرَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ حَمْلَ الْمَالِ، فَتَجَهَّزَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى الْمَوْصِلِ وَسَارَ نَحْوَهَا مُنْتَصَفَ جُمَادَى الْأُولَى، وَمَعَهُ وَزِيرُهُ الْمُهَلَّبِيُّ، فَفَارَقَهَا نَاصِرُ الدَّوْلَةِ إِلَى نَصِيبِينَ، وَاسْتَوْلَى مُعِزُّ الدَّوْلَةِ عَلَى الْمَوْصِلِ. فَكَانَ مِنْ عَادَةِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ إِذَا قَصَدَهُ أَحَدٌ، سَارَ عَنِ الْمَوْصِلِ وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ جَمِيعَ الْكُتَّابِ، وَالْوُكَلَاءِ، وَمَنْ يَعْرِفُ أَبْوَابَ الْمَالِ، وَمَنَافِعَ السُّلْطَانِ، وَرُبَّمَا جَعَلَهُمْ فِي قِلَاعِهِ كَقَلْعَةِ كُوَاشَى، وَالزَّعْفَرَانِ، وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَتْ قَلْعَةُ كُوَاشَى تُسَمَّى ذَلِكَ الْوَقْتَ قَلْعَةُ أَرْدُمُشْتَ، وَكَانَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ يَأْمُرُ الْعَرَبَ بِالْإِغَارَةِ عَلَى الْعَلَّافَةِ وَمَنْ يَحْمِلُ الْمِيرَةَ، فَكَانَ الَّذِي يَقْصِدُ بِلَادَ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ يَبْقَى مَحْصُورًا مُضَيَّقًا عَلَيْهِ. فَلَمَّا قَصَدَهُ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ هَذِهِ الْمَرَّةِ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ، فَضَاقَتِ الْأَقْوَاتُ عَلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ وَعَسْكَرِهِ، وَبَلَغَهُ أَنَّ بِنَصِيبِينَ مِنَ الْغَلَّاتِ السُّلْطَانِيَّةِ شَيْئًا كَثِيرًا، فَسَارَ عَنِ الْمَوْصِلِ نَحْوَهَا، وَاسْتَخْلَفَ بِالْمَوْصِلِ سُبُكْتِكِينَ الْحَاجِبَ الْكَبِيرَ، فَلَمَّا تَوَسَّطَ الطَّرِيقَ، بَلَغَهُ أَنَّ أَوْلَادَ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ أَبَا الْمُرَجَّى وَهِبَةَ اللَّهِ بِسِنْجَارَ فِي عَسْكَرٍ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا، فَلَمْ يَشْعُرْ أَوْلَادُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بِالْعَسْكَرِ إِلَّا وَهُوَ مَعَهُمْ، فَعُجِّلُوا عَنْ أَخْذِ أَثْقَالِهِمْ، فَعَادَ أَوْلَادُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ إِلَيْهِمْ وَهُمْ غَارُّونَ، فَوَضَعُوا السَّيْفَ فِيهِمْ فَقَتَلُوا، وَأَسَرُوا، وَأَقَامُوا بِسِنْجَارَ. وَسَارَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى نَصِيبِينَ، فَفَارَقَهَا نَاصِرُ الدَّوْلَةِ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ، فَفَارَقَهُ أَصْحَابُهُ وَعَادُوا إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ مُسْتَأْمِنِينَ، فَلَمَّا رَأَى نَاصِرُ الدَّوْلَةِ ذَلِكَ سَارَ إِلَى أَخِيهِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ

стр. 3953

بِحَلَبَ، فَلَمَّا وَصَلَ خَرَجَ إِلَيْهِ وَلَقِيَهُ، وَبَالَغَ فِي إِكْرَامِهِ، وَخَدَمَهُ بِنَفْسِهِ، حَتَّى إِنَّهُ نَزَعَ خُفَّهُ بِيَدَيْهِ. وَكَانَ أَصْحَابُ نَاصِرٍ فِي حُصُونِهِ بِبَلَدِ الْمَوْصِلِ، وَالْجَزِيرَةِ، يُغِيرُونَ عَلَى أَصْحَابِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ بِالْبَلَدِ، فَيَقْتُلُونَ فِيهِمْ، وَيَأْسِرُونَ مِنْهُمْ، وَيَقْطَعُونَ الْمِيرَةَ عَنْهُمْ. ثُمَّ إِنَّ سَيْفَ الدَّوْلَةِ رَاسَلَ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ فِي الصُّلْحِ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ (فِي ذَلِكَ) ، فَامْتَنَعَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ فِي تَضْمِينِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ لِخُلْفِهِ مَعَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَضَمِنَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ الْبِلَادَ مِنْهُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَتِسْعِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَإِطْلَاقَ مَنْ أَسَرَ مِنْ أَصْحَابِهِ بِسِنْجَارَ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] . وَإِنَّمَا أَجَابَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى الصُّلْحِ بَعْدَ تَمَكُّنِهِ مِنَ الْبِلَادِ ; لِأَنَّهُ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَمْوَالُ، وَتَقَاعَدَ النَّاسُ فِي حَمْلِ الْخَرَاجِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَى غَلَّاتِهِمْ، وَطَلَبُوا الْحِمَايَةَ مِنَ الْعَرَبِ أَصْحَابِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، فَاضْطُرَّ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى الِانْحِدَارِ، وَأَنِفَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا وَرَدَتْ عَلَيْهِ رِسَالَةُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، اسْتَرَاحَ إِلَيْهَا، وَأَجَابَهُ إِلَى مَا طَلَبَهُ مِنَ الصُّلْحِ، ثُمَّ انْحَدَرَ إِلَى بَغْدَاذَ. ذِكْرُ مَسِيرِ جُيُوشِ الْمُعِزِّ الْعَلَوِيِّ إِلَى أَقَاصِي الْمَغْرِبِ وَفِيهَا عَظُمَ أَمْرُ أَبِي الْحَسَنِ جَوْهَرٍ عِنْدَ الْمُعِزِّ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَعَلَا مَحَلَّهُ، وَصَارَ فِي رُتْبَةِ الْوِزَارَةِ، فَسَيَّرَهُ الْمُعِزُّ فِي صَفَرٍ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ مِنْهُمْ زِيرِي بْنُ مُنَادٍ الصِّنْهَاجِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأَمْرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى أَقَاصِي الْمَغْرِبِ، فَسَارَ إِلَى تَاهَرْتَ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ يَعْلَى بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّنَاتِيُّ، فَأَكْرَمَهُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، ثُمَّ خَالَفَ عَلَى جَوْهَرٍ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَثَارَ أَصْحَابُهُ، فَقَاتَلَهُمْ جَوْهَرٌ، فَانْهَزَمُوا وَتَبِعَهُمْ جَوْهَرٌ إِلَى مَدِينَةِ أَفَكَانَ، فَدَخَلَهَا بِالسَّيْفِ وَنَهَبَهَا،

стр. 3954

وَنَهَبَ قُصُورَ يَعْلَى، وَأَخَذَ وَلَدَهُ، وَكَانَ صَبِيًّا، وَأَمَرَ بِهَدْمِ أَفَكَانَ وَإِحْرَاقِهَا بِالنَّارِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ. ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى فَاسَ، وَبِهَا صَاحِبُهَا أَحْمَدُ بْنُ بَكْرٍ، فَأَغْلَقَ أَبْوَابَهَا، فَنَازَلَهَا جَوْهَرٌ وَقَاتَلَهَا مُدَّةً، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، وَأَتَتْهُ هَدَايَا الْأُمَرَاءِ الْفَاطِمِيِّينَ بِأَقَاصِي السُّوسِ، وَأَشَارَ عَلَى جَوْهَرٍ وَأَصْحَابِهِ بِالرَّحِيلِ إِلَى سِجِلْمَاسَةَ، وَكَانَ صَاحِبُهَا مُحَمَّدُ بْنُ وَاسُولَ قَدْ تُلُقِّبَ بِالشَّاكِرِ لِلَّهِ، وَيُخَاطَبُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَضَرَبَ السِّكَّةَ بِاسْمِهِ، وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمَّا سَمِعَ بِجَوْهَرٍ هَرَبَ، ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ إِلَى سِجِلْمَاسَةَ، فَلَقِيَهُ أَقْوَامٌ، فَأَخَذُوهُ أَسِيرًا، وَحَمَلُوهُ إِلَى جَوْهَرٍ. وَمَضَى جَوْهَرٌ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَحْرِ الْمُحِيطِ، فَأَمَرَ أَنْ يُصْطَادَ لَهُ مِنْ سَمَكِهِ فَاصْطَادُوا لَهُ، فَجَعَلَهُ فِي قِلَالِ الْمَاءِ وَحَمَلَهُ إِلَى الْمُعِزِّ، وَسَلَكَ تِلْكَ الْبِلَادَ جَمِيعَهَا فَافْتَتَحَهَا وَعَادَ إِلَى فَاسَ، فَقَاتَلَهَا مُدَّةً طَوِيلَةً، فَقَامَ زِيرِي بْنُ مُنَادٍ فَاخْتَارَ مِنْ قَوْمِهِ رِجَالًا لَهُمْ شَجَاعَةٌ، (وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا السَّلَالِيمَ، وَقَصَدُوا الْبَلَدَ) فَصَعِدُوا إِلَى السُّورِ الْأَدْنَى فِي السَّلَالِيمِ، وَأَهْلُ فَاسَ آمِنُونَ، فَلَمَّا صَعِدُوا عَلَى السُّورِ، قَتَلُوا مَنْ عَلَيْهِ وَنَزَلُوا إِلَى السُّورِ الثَّانِي، وَفَتَحُوا الْأَبْوَابَ، (وَأَشْعَلُوا الْمَشَاعِلَ) ، وَضَرَبُوا الطُّبُولَ، وَكَانَتِ الْإِمَارَةُ بَيْنَ زِيرِي وَجَوْهَرٍ، فَلَمَّا سَمِعَهَا جَوْهَرٌ، رَكِبَ فِي الْعَسَاكِرِ فَدَخَلَ فَاسًا، فَاسْتَخْفَى صَاحِبُهَا، وَأُخِذَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، وَجُعِلَ مَعَ صَاحِبِ سِجِلْمَاسَةَ، وَكَانَ فَتْحُهَا فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَحَمَلَهُمَا فِي قَفَصَيْنِ إِلَى (الْمُعِزِّ بِالْمَهْدِيَّةِ) ، وَأَعْطَى تَاهَرْتَ لِزِيرِي بْنِ مُنَادٍ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ بِبِلَادِ الْجَبَلِ وَبَاءٌ عَظِيمٌ، مَاتَ فِيهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْبِلَادِ، وَكَانَ أَكْثَرُ مَنْ مَاتَ فِي النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، وَتَعَذَّرَ عَلَى النَّاسِ عِيَادَةُ الْمَرْضَى، وَشُهُودُ الْجَنَائِزِ لِكَثْرَتِهَا. وَفِيهَا انْخَسَفَ الْقَمَرُ جَمِيعُهُ.

стр. 3955

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْبُوشَنْجِيُّ الصُّوفِيُّ بِنَيْسَابُورَ، وَهُوَ أَحَدُ الْمَشْهُورِينَ مِنْهُمْ، وَأَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ قَاضِي بَغْدَاذَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ الْحَافِظُ النَّيْسَابُورِيُّ فِي جُمَادَى الْأُولَى. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتَوَيْهِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ النَّحْوِيُّ فِي صَفَرٍ، (وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ) ، (وَأَخَذَ النَّحْوَ عَنِ الْمُبَرِّدِ) .

стр. 3956

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَة] ٣٤٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ [ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ] . فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ، تَمَّ الصُّلْحُ بَيْنَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ وَمُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَعَادَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَرَجَعَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْمَوْصِلِ. وَفِيهَا أَنْفَذَ الْخَلِيفَةُ لِوَاءً وَخِلْعَةً لِأَبِي عَلِيِّ بْنِ إِلْيَاسَ صَاحِبِ كَرْمَانَ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَافَرُّوخِيُّ كَاتِبُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَكَتَبَ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ. وَفِيهَا كَانَتْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ بَيْنَ عَلِيِّ بْنِ كَامَةَ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، وَبَيْنَ بِيسْتُونَ بْنِ وَشْمَكِيرَ، فَانْهَزَمَ بِيسْتُونُ. وَفِيهَا غَرِقَ مِنْ حُجَّاجِ الْمَوْصِلِ فِي الْمَاءِ بِضْعَةَ عَشْرَ زَوْرَقًا. وَفِيهَا غَزَتِ الرُّومُ طَرَسُوسَ وَالرُّهَا، فَقَتَلُوا وَسَبَوْا، وَغَنِمُوا وَعَادُوا سَالِمِينَ. وَفِيهَا سَارَ مُؤَيِّدُ الدَّوْلَةِ بْنُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ مِنَ الرَّيِّ إِلَى بَغْدَاذَ، فَتَزَوَّجَ بِابْنَةِ عَمِّهِ مُعِزِّ

стр. 3957

الدَّوْلَةِ، وَنَقَلَهَا مَعَهُ إِلَى الرَّيِّ، ثُمَّ عَادَ إِلَى أَصْبَهَانَ. وَفِيهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَقَعَتْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ بَيْنَ عَامَّةِ بَغْدَاذَ، وَقُتِلَ فِيهَا جَمَاعَةٌ، وَاحْتَرَقَ مِنَ الْبَلَدِ كَثِيرٌ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ، الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالنِّجَادِ، وَكَانَ عُمُرُهُ خَمْسًا وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ الْخُلْدِيُّ الصُّوفِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْجُنَيْدِ، فَرَوَى الْحَدِيثَ وَأَكْثَرَ. وَفِيهَا انْقَطَعَتِ الْأَمْطَارُ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ، فَخَرَجَ النَّاسُ يَسْتَسْقُونَ فِي كَانُونَ الثَّانِي فِي الْبِلَادِ، وَمِنْهَا بَغْدَاذُ، فَمَا سُقُوا، فَلَمَّا كَانَ فِي آذَارَ، ظَهَرَ جَرَادٌ عَظِيمٌ، فَأَكَلَ مَا كَانَ قَدْ نَبَتَ مِنَ الْخُضْرَوَاتِ وَغَيْرِهَا، فَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ.

стр. 3958

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣٤٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ ظُهُورِ الْمُسْتَجِيرِ بِاللَّهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ بِأَذْرَبِيجَانَ رَجُلٌ مِنْ أَوْلَادِ عِيسَى بْنِ الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ، وَتَلَقَّبَ بِالْمُسْتَجِيرِ بِاللَّهِ، وَبَايَعَ لِلرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، وَلَبِسَ الصُّوفَ وَأَظْهَرَ الْعَدْلَ، وَأَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي ظُهُورِهِ أَنَّ جِسْتَانَ بْنَ الْمَرْزُبَانِ صَاحِبُ أَذْرَبِيجَانَ، تَرَكَ سِيرَةَ وَالِدِهِ فِي سِيَاسَةِ الْجَيْشِ، وَاشْتَغَلَ بِاللَّعِبِ، وَمُشَاوَرَةِ النِّسَاءِ، وَكَانَ جِسْتَانُ بْنُ شَرْمِزَنَّ بِأُرْمِيَةَ (مُتَحَصِّنًا بِهَا) ، وَكَانَ وَهْسُوذَانُ بِالطَّرْمِ يَضْرِبُ بَيْنَ أَوْلَادِ أَخِيهِ لِيَخْتَلِفُوا. ثُمَّ إِنَّ جِسْتَانَ بْنَ الْمَرْزُبَانِ قَبَضَ عَلَى وَزِيرِهِ النُّعَيْمِيِّ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَزِيرِ جِسْتَانَ بْنِ شَرْمِزَنَّ مُصَاهَرَةٌ، وَهُوَ أَبُو الْحَسَنِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَوَيْهِ، فَاسْتَوْحَشَ أَبُو الْحَسَنِ لِقَبْضِ النُّعَيْمِيِّ، فَحَمَلَ صَاحِبَهُ ابْنَ شَرْمِزَنَّ عَلَى مُكَاتَبِةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَرْزُبَانِ، وَكَانَ بِأَرْمِينِيَّةَ، فَكَاتَبَهُ وَأَطْمَعَهُ فِي الْمُلْكِ، فَسَارَ إِلَيْهِ فَقَصَدُوا مَرَاغَةَ وَاسْتَوْلُوا عَلَيْهَا، فَلَمَّا عَلِمَ جِسْتَانُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ بِذَلِكَ، رَاسَلَ ابْنَ شَرْمِزَنَّ وَوَزِيرَهُ أَبَا الْحَسَنِ، فَأَصْلَحَهُمَا، وَضَمِنَ لَهُمَا إِطْلَاقَ النُّعَيْمِيِّ، فَعَادَ عَنْ نُصْرَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَظَهَرَ لَهُ وَلِأَخِيهِ نِفَاقُ ابْنِ شَرْمِزَنَّ، فَتَرَاسَلَا وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ. ثُمَّ إِنَّ النُّعَيْمِيَّ هَرَبَ مِنْ حَبْسِ جِسْتَانَ بْنِ الْمَرْزُبَانِ، وَسَارَ إِلَى مُوقَانَ، وَكَاتَبَ ابْنَ عِيسَى بْنِ الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ، وَأَطْمَعَهُ فِي الْخِلَافَةِ، وَأَنْ يَجْمَعَ لَهُ الرِّجَالَ، وَيَمْلِكَ لَهُ أَذْرَبِيجَانَ، فَإِذَا قَوِيَ قَصَدَ الْعِرَاقَ، فَسَارَ إِلَيْهِ فِي نَحْوِ ثَلَاثِمِائِةِ رَجُلٍ، وَأَتَاهُ جِسْتَانُ بْنُ

стр. 3959

شَرْمِزَنَّ فَقَوِيَ بِهِ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ جِسْتَانُ وَإِبْرَاهِيمُ ابْنَا الْمَرْزُبَانِ قَاصِدِينَ قِتَالَهُمْ، فَلَمَّا الْتَقَوُا، انْهَزَمَ أَصْحَابُ الْمُسْتَجِيرِ، وَأُخِذَ أَسِيرًا فَعُدِمَ، فَقِيلَ: إِنَّهُ قُتِلَ، وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ وَهْسُوذَانَ عَلَى بَنِي أَخِيهِ وَقَتْلِهِمْ وَأَمَّا وَهْسُوذَانُ فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى اخْتِلَافَ أَوْلَادِ أَخِيهِ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدِ انْطَوَى عَلَى غِشِّ صَاحِبِهِ، رَاسَلَ إِبْرَاهِيمَ بَعْدَ وَقْعَةِ الْمُسْتَجِيرِ، وَاسْتَزَارَهُ فَزَارَهُ، فَأَكْرَمَهُ عَمُّهُ، وَوَصَلَهُ بِمَا مَلَأَ عَيْنَهُ، وَكَاتَبَ نَاصِرًا وَلَدَ أَخِيهِ أَيْضًا، وَاسْتَغْوَاهُ، فَفَارَقَ أَخَاهُ جِسْتَانَ وَصَارَ إِلَى مُوقَانَ، فَوَجَدَهُ الْجُنْدُ طَرِيقًا إِلَى تَحْصِيلِ الْأَمْوَالِ، فَفَارَقَ أَكْثَرُهُمْ جِسْتَانَ وَصَارُوا إِلَى أَخِيهِ نَاصِرٍ، فَقَوِيَ بِهِمْ عَلَى أَخِيهِ جِسْتَانَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى أَرْدَبِيلَ. ثُمَّ إِنَّ الْأَجْنَادَ طَالَبُوا نَاصِرًا بِالْأَمْوَالِ، فَعَجَزَ عَنْ ذَلِكَ، وَقَعَدَ عَمُّهُ وَهْسُوذَانُ عَنْ نُصْرَتِهِ، فَعَلِمَ أَنَّهُ كَانَ يَغْوِيهِ، فَرَاسَلَ أَخَاهُ جِسْتَانَ، وَتَصَالَحَا وَاجْتَمَعَا، (وَهُمَا فِي) غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنْ قِلَّةِ الْأَمْوَالِ وَاضْطِرَابِ الْأُمُورِ، وَتَغَلَّبَ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ عَلَى مَا بِأَيْدِيهِمْ، فَاضْطُرَّ جِسْتَانُ وَنَاصِرٌ ابْنَا الْمَرْزُبَانِ إِلَى الْمَسِيرِ إِلَى عَمِّهِمَا وَهْسُوذَانَ مَعَ وَالِدَتِهِمَا، فَرَاسَلَاهُ فِي ذَلِكَ، وَأَخَذَا عَلَيْهِ الْعُهُودَ وَسَارُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا حَصَلُوا عِنْدَهُ نَكَثَ، وَغَدَرَ بِهِمْ، وَقَبَضَ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ جِسْتَانُ وَنَاصِرٌ وَوَالِدَتُهُمَا، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْعَسْكَرِ، وَعَقَدَ الْإِمَارَةَ لِابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ أَكْثَرَ قِلَاعِهِ، وَأَخْرَجَ الْأَمْوَالَ وَأَرْضَى الْجُنْدَ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ قَدْ سَارَ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ، فَتَأَهَّبَ لِمُنَازَعَةِ إِسْمَاعِيلَ وَاسْتِنْفَاذِ أَخَوَيْهِ مِنْ حَبْسِ عَمِّهِمَا وَهْسُوذَانَ، فَلَمَّا عَلِمَ وَهْسُوذَانُ ذَلِكَ وَرَأَى اجْتِمَاعَ النَّاسِ عَلَيْهِ، بَادَرَ فَقَتَلَ جِسْتَانَ وَنَاصِرًا ابْنَيْ أَخِيهِ وَأُمَّهُمَا، وَكَاتَبَ جِسْتَانَ بْنَ شَرْمِزَنَّ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَقْصِدَ إِبْرَاهِيمَ، وَأَمَدَّهُ بِالْجُنْدِ وَالْمَالِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَاضْطُرَّ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْهَرَبِ وَالْعَوْدِ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ، وَاسْتَوْلَى ابْنُ شَرْمِزَنَّ عَلَى عَسْكَرِهِ وَعَلَى مَدِينَةِ مَرَاغَةَ مَعَ أُرْمِيَةَ.

стр. 3960

ذِكْرُ غَزْوِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بِلَادَ الرُّومِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا سَيْفُ الدَّوْلَةِ بِلَادَ الرُّومِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَأَثَّرَ فِيهَا آثَارًا كَثِيرَةً، وَأَحْرَقَ وَفَتَحَ عِدَّةَ حُصُونٍ، وَأَخَذَ مِنَ السَّبْيِ وَالْغَنَائِمِ وَالْأَسْرَى شَيْئًا كَثِيرًا، وَبَلَغَ إِلَى خَرْشَنَةَ، ثُمَّ إِنَّ الرُّومَ أَخَذُوا عَلَيْهِ الْمَضَايِقَ، فَلَمَّا أَرَادَ الرُّجُوعَ، قَالَ لَهُ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ طَرَسُوسَ: إِنَّ الرُّومَ قَدْ مَلَكُوا الدَّرْبَ خَلْفَ ظَهْرِكَ، فَلَا تَقْدِرُ عَلَى الْعَوْدِ مِنْهُ وَالرَّأْيُ أَنْ تَرْجِعَ مَعَنَا، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ وَكَانَ مُعْجَبًا بِرَأْيِهِ يُحِبُّ أَنْ يَسْتَبِدَّ وَلَا يُشَاوِرَ أَحَدًا ; لِئَلَّا يُقَالَ إِنَّهُ أَصَابَ بِرَأْيِ غَيْرِهِ وَعَادَ فِي الدَّرْبِ الَّذِي دَخَلَ مِنْهُ، فَظَهَرَ الرُّومُ عَلَيْهِ وَاسْتَرَدُّوا مَا كَانَ مَعَهُ مِنَ الْغَنَائِمِ، (وَأَخَذُوا أَثْقَالَهُ) ، وَوَضَعُوا السَّيْفَ فِي أَصْحَابِهِ فَأَتَوْا عَلَيْهِمْ قَتْلًا وَأَسْرًا، وَتَخَلَّصَ هُوَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ بَعْدَ جَهْدٍ وَمَشَقَّةٍ، (وَهَذَا مِنْ سُوءِ رَأْيِ كُلِّ مَنْ يَجْهَلُ آرَاءَ النَّاسِ الْعُقَلَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ) . ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ نُوحٍ صَاحِبُ خُرَاسَانَ، وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَكَابِرِ قُوَّادِهِ وَأُمَرَائِهِ يُسَمَّى نَجْتَكِينَ، وَقَتَلَهُ، فَاضْطَرَبَتْ خُرَاسَانُ. وَفِيهَا اسْتَأْمَنَ أَبُو الْفَتْحِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْعُرْبَانِ، أَخُو عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ صَاحِبِ
следующие страницы →