Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.
стр. 3956
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣٤٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
[ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ] .
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ، تَمَّ الصُّلْحُ بَيْنَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ وَمُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَعَادَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَرَجَعَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْمَوْصِلِ.
وَفِيهَا أَنْفَذَ الْخَلِيفَةُ لِوَاءً وَخِلْعَةً لِأَبِي عَلِيِّ بْنِ إِلْيَاسَ صَاحِبِ كَرْمَانَ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَافَرُّوخِيُّ كَاتِبُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَكَتَبَ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ.
وَفِيهَا كَانَتْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ بَيْنَ عَلِيِّ بْنِ كَامَةَ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، وَبَيْنَ بِيسْتُونَ بْنِ وَشْمَكِيرَ، فَانْهَزَمَ بِيسْتُونُ.
وَفِيهَا غَرِقَ مِنْ حُجَّاجِ الْمَوْصِلِ فِي الْمَاءِ بِضْعَةَ عَشْرَ زَوْرَقًا.
وَفِيهَا غَزَتِ الرُّومُ طَرَسُوسَ وَالرُّهَا، فَقَتَلُوا وَسَبَوْا، وَغَنِمُوا وَعَادُوا سَالِمِينَ.
وَفِيهَا سَارَ مُؤَيِّدُ الدَّوْلَةِ بْنُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ مِنَ الرَّيِّ إِلَى بَغْدَاذَ، فَتَزَوَّجَ بِابْنَةِ عَمِّهِ مُعِزِّ
стр. 3957
الدَّوْلَةِ، وَنَقَلَهَا مَعَهُ إِلَى الرَّيِّ، ثُمَّ عَادَ إِلَى أَصْبَهَانَ.
وَفِيهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَقَعَتْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ بَيْنَ عَامَّةِ بَغْدَاذَ، وَقُتِلَ فِيهَا جَمَاعَةٌ، وَاحْتَرَقَ مِنَ الْبَلَدِ كَثِيرٌ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ، الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالنِّجَادِ، وَكَانَ عُمُرُهُ خَمْسًا وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ الْخُلْدِيُّ الصُّوفِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْجُنَيْدِ، فَرَوَى الْحَدِيثَ وَأَكْثَرَ.
وَفِيهَا انْقَطَعَتِ الْأَمْطَارُ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ، فَخَرَجَ النَّاسُ يَسْتَسْقُونَ فِي كَانُونَ الثَّانِي فِي الْبِلَادِ، وَمِنْهَا بَغْدَاذُ، فَمَا سُقُوا، فَلَمَّا كَانَ فِي آذَارَ، ظَهَرَ جَرَادٌ عَظِيمٌ، فَأَكَلَ مَا كَانَ قَدْ نَبَتَ مِنَ الْخُضْرَوَاتِ وَغَيْرِهَا، فَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ.
стр. 3958
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣٤٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ ظُهُورِ الْمُسْتَجِيرِ بِاللَّهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ بِأَذْرَبِيجَانَ رَجُلٌ مِنْ أَوْلَادِ عِيسَى بْنِ الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ، وَتَلَقَّبَ بِالْمُسْتَجِيرِ بِاللَّهِ، وَبَايَعَ لِلرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، وَلَبِسَ الصُّوفَ وَأَظْهَرَ الْعَدْلَ، وَأَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ.
وَكَانَ السَّبَبُ فِي ظُهُورِهِ أَنَّ جِسْتَانَ بْنَ الْمَرْزُبَانِ صَاحِبُ أَذْرَبِيجَانَ، تَرَكَ سِيرَةَ وَالِدِهِ فِي سِيَاسَةِ الْجَيْشِ، وَاشْتَغَلَ بِاللَّعِبِ، وَمُشَاوَرَةِ النِّسَاءِ، وَكَانَ جِسْتَانُ بْنُ شَرْمِزَنَّ بِأُرْمِيَةَ (مُتَحَصِّنًا بِهَا) ، وَكَانَ وَهْسُوذَانُ بِالطَّرْمِ يَضْرِبُ بَيْنَ أَوْلَادِ أَخِيهِ لِيَخْتَلِفُوا.
ثُمَّ إِنَّ جِسْتَانَ بْنَ الْمَرْزُبَانِ قَبَضَ عَلَى وَزِيرِهِ النُّعَيْمِيِّ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَزِيرِ جِسْتَانَ بْنِ شَرْمِزَنَّ مُصَاهَرَةٌ، وَهُوَ أَبُو الْحَسَنِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَوَيْهِ، فَاسْتَوْحَشَ أَبُو الْحَسَنِ لِقَبْضِ النُّعَيْمِيِّ، فَحَمَلَ صَاحِبَهُ ابْنَ شَرْمِزَنَّ عَلَى مُكَاتَبِةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَرْزُبَانِ، وَكَانَ بِأَرْمِينِيَّةَ، فَكَاتَبَهُ وَأَطْمَعَهُ فِي الْمُلْكِ، فَسَارَ إِلَيْهِ فَقَصَدُوا مَرَاغَةَ وَاسْتَوْلُوا عَلَيْهَا، فَلَمَّا عَلِمَ جِسْتَانُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ بِذَلِكَ، رَاسَلَ ابْنَ شَرْمِزَنَّ وَوَزِيرَهُ أَبَا الْحَسَنِ، فَأَصْلَحَهُمَا، وَضَمِنَ لَهُمَا إِطْلَاقَ النُّعَيْمِيِّ، فَعَادَ عَنْ نُصْرَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَظَهَرَ لَهُ وَلِأَخِيهِ نِفَاقُ ابْنِ شَرْمِزَنَّ، فَتَرَاسَلَا وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ.
ثُمَّ إِنَّ النُّعَيْمِيَّ هَرَبَ مِنْ حَبْسِ جِسْتَانَ بْنِ الْمَرْزُبَانِ، وَسَارَ إِلَى مُوقَانَ، وَكَاتَبَ ابْنَ عِيسَى بْنِ الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ، وَأَطْمَعَهُ فِي الْخِلَافَةِ، وَأَنْ يَجْمَعَ لَهُ الرِّجَالَ، وَيَمْلِكَ لَهُ أَذْرَبِيجَانَ، فَإِذَا قَوِيَ قَصَدَ الْعِرَاقَ، فَسَارَ إِلَيْهِ فِي نَحْوِ ثَلَاثِمِائِةِ رَجُلٍ، وَأَتَاهُ جِسْتَانُ بْنُ
стр. 3959
شَرْمِزَنَّ فَقَوِيَ بِهِ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ جِسْتَانُ وَإِبْرَاهِيمُ ابْنَا الْمَرْزُبَانِ قَاصِدِينَ قِتَالَهُمْ، فَلَمَّا الْتَقَوُا، انْهَزَمَ أَصْحَابُ الْمُسْتَجِيرِ، وَأُخِذَ أَسِيرًا فَعُدِمَ، فَقِيلَ: إِنَّهُ قُتِلَ، وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ وَهْسُوذَانَ عَلَى بَنِي أَخِيهِ وَقَتْلِهِمْ
وَأَمَّا وَهْسُوذَانُ فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى اخْتِلَافَ أَوْلَادِ أَخِيهِ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدِ انْطَوَى عَلَى غِشِّ صَاحِبِهِ، رَاسَلَ إِبْرَاهِيمَ بَعْدَ وَقْعَةِ الْمُسْتَجِيرِ، وَاسْتَزَارَهُ فَزَارَهُ، فَأَكْرَمَهُ عَمُّهُ، وَوَصَلَهُ بِمَا مَلَأَ عَيْنَهُ، وَكَاتَبَ نَاصِرًا وَلَدَ أَخِيهِ أَيْضًا، وَاسْتَغْوَاهُ، فَفَارَقَ أَخَاهُ جِسْتَانَ وَصَارَ إِلَى مُوقَانَ، فَوَجَدَهُ الْجُنْدُ طَرِيقًا إِلَى تَحْصِيلِ الْأَمْوَالِ، فَفَارَقَ أَكْثَرُهُمْ جِسْتَانَ وَصَارُوا إِلَى أَخِيهِ نَاصِرٍ، فَقَوِيَ بِهِمْ عَلَى أَخِيهِ جِسْتَانَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى أَرْدَبِيلَ.
ثُمَّ إِنَّ الْأَجْنَادَ طَالَبُوا نَاصِرًا بِالْأَمْوَالِ، فَعَجَزَ عَنْ ذَلِكَ، وَقَعَدَ عَمُّهُ وَهْسُوذَانُ عَنْ نُصْرَتِهِ، فَعَلِمَ أَنَّهُ كَانَ يَغْوِيهِ، فَرَاسَلَ أَخَاهُ جِسْتَانَ، وَتَصَالَحَا وَاجْتَمَعَا، (وَهُمَا فِي) غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنْ قِلَّةِ الْأَمْوَالِ وَاضْطِرَابِ الْأُمُورِ، وَتَغَلَّبَ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ عَلَى مَا بِأَيْدِيهِمْ، فَاضْطُرَّ جِسْتَانُ وَنَاصِرٌ ابْنَا الْمَرْزُبَانِ إِلَى الْمَسِيرِ إِلَى عَمِّهِمَا وَهْسُوذَانَ مَعَ وَالِدَتِهِمَا، فَرَاسَلَاهُ فِي ذَلِكَ، وَأَخَذَا عَلَيْهِ الْعُهُودَ وَسَارُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا حَصَلُوا عِنْدَهُ نَكَثَ، وَغَدَرَ بِهِمْ، وَقَبَضَ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ جِسْتَانُ وَنَاصِرٌ وَوَالِدَتُهُمَا، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْعَسْكَرِ، وَعَقَدَ الْإِمَارَةَ لِابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ أَكْثَرَ قِلَاعِهِ، وَأَخْرَجَ الْأَمْوَالَ وَأَرْضَى الْجُنْدَ.
وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ قَدْ سَارَ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ، فَتَأَهَّبَ لِمُنَازَعَةِ إِسْمَاعِيلَ وَاسْتِنْفَاذِ أَخَوَيْهِ مِنْ حَبْسِ عَمِّهِمَا وَهْسُوذَانَ، فَلَمَّا عَلِمَ وَهْسُوذَانُ ذَلِكَ وَرَأَى اجْتِمَاعَ النَّاسِ عَلَيْهِ، بَادَرَ فَقَتَلَ جِسْتَانَ وَنَاصِرًا ابْنَيْ أَخِيهِ وَأُمَّهُمَا، وَكَاتَبَ جِسْتَانَ بْنَ شَرْمِزَنَّ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَقْصِدَ إِبْرَاهِيمَ، وَأَمَدَّهُ بِالْجُنْدِ وَالْمَالِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَاضْطُرَّ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْهَرَبِ وَالْعَوْدِ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ، وَاسْتَوْلَى ابْنُ شَرْمِزَنَّ عَلَى عَسْكَرِهِ وَعَلَى مَدِينَةِ مَرَاغَةَ مَعَ أُرْمِيَةَ.
стр. 3960
ذِكْرُ غَزْوِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بِلَادَ الرُّومِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا سَيْفُ الدَّوْلَةِ بِلَادَ الرُّومِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَأَثَّرَ فِيهَا آثَارًا كَثِيرَةً، وَأَحْرَقَ وَفَتَحَ عِدَّةَ حُصُونٍ، وَأَخَذَ مِنَ السَّبْيِ وَالْغَنَائِمِ وَالْأَسْرَى شَيْئًا كَثِيرًا، وَبَلَغَ إِلَى خَرْشَنَةَ، ثُمَّ إِنَّ الرُّومَ أَخَذُوا عَلَيْهِ الْمَضَايِقَ، فَلَمَّا أَرَادَ الرُّجُوعَ، قَالَ لَهُ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ طَرَسُوسَ: إِنَّ الرُّومَ قَدْ مَلَكُوا الدَّرْبَ خَلْفَ ظَهْرِكَ، فَلَا تَقْدِرُ عَلَى الْعَوْدِ مِنْهُ وَالرَّأْيُ أَنْ تَرْجِعَ مَعَنَا، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ وَكَانَ مُعْجَبًا بِرَأْيِهِ يُحِبُّ أَنْ يَسْتَبِدَّ وَلَا يُشَاوِرَ أَحَدًا ; لِئَلَّا يُقَالَ إِنَّهُ أَصَابَ بِرَأْيِ غَيْرِهِ وَعَادَ فِي الدَّرْبِ الَّذِي دَخَلَ مِنْهُ، فَظَهَرَ الرُّومُ عَلَيْهِ وَاسْتَرَدُّوا مَا كَانَ مَعَهُ مِنَ الْغَنَائِمِ، (وَأَخَذُوا أَثْقَالَهُ) ، وَوَضَعُوا السَّيْفَ فِي أَصْحَابِهِ فَأَتَوْا عَلَيْهِمْ قَتْلًا وَأَسْرًا، وَتَخَلَّصَ هُوَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ بَعْدَ جَهْدٍ وَمَشَقَّةٍ، (وَهَذَا مِنْ سُوءِ رَأْيِ كُلِّ مَنْ يَجْهَلُ آرَاءَ النَّاسِ الْعُقَلَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ) .
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ نُوحٍ صَاحِبُ خُرَاسَانَ، وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَكَابِرِ قُوَّادِهِ وَأُمَرَائِهِ يُسَمَّى نَجْتَكِينَ، وَقَتَلَهُ، فَاضْطَرَبَتْ خُرَاسَانُ.
وَفِيهَا اسْتَأْمَنَ أَبُو الْفَتْحِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْعُرْبَانِ، أَخُو عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ صَاحِبِ
стр. 3961
الْبَطِيحَةِ، إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَكَانَ خَافَ أَخَاهُ، فَأَكْرَمَهُ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ.
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيُّ.
وَفِيهَا أَسْلَمَ مِنَ الْأَتْرَاكِ نَحْوَ مِائَتَيْ أَلْفِ خَرْكَاةٍ.
وَفِيهَا انْصَرَفَ حُجَّاجُ مِصْرَ مِنَ الْحَجِّ، فَنَزَلُوا وَادِيًا وَبَاتُوا فِيهِ، فَأَتَاهُمُ السَّيْلُ لَيْلًا، فَأَخَذَهُمْ جَمِيعَهُمْ مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَجِمَالِهِمْ، فَأَلْقَاهُمْ فِي الْبَحْرِ.
وَفِيهَا سَارَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ مِنَ الرَّيِّ إِلَى جُرْجَانَ، فَلَقِيَهُ الْحَسَنُ بْنُ الْفَيْرُزَانِ وَابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، فَوَصَلَهُمَا بِمَالٍ جَلِيلٍ.
وَفِيهَا كَانَ بِالْبِلَادِ غَلَاءٌ شَدِيدٌ، وَكَانَ أَكْثَرُهُ بِالْمَوْصِلِ، فَبَلَغَ الْكُرُّ مِنَ الْحِنْطَةِ أَلْفًا وَمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَالْكُرُّ مِنَ الشَّعِيرِ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَهَرَبَ أَهْلُهَا إِلَى الشَّامِ وَالْعِرَاقِ.
وَفِيهَا خَامِسَ شَعْبَانَ، وَكَانَ بِبَغْدَادَ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الْعَامَّةِ، وَتَعَطَّلَتِ الْجُمُعَةُ مِنَ الْغَدِ لِاتِّصَالِ الْفِتْنَةِ فِي الْجَانِبَيْنِ، سِوَى مَسْجِدِ بَرَاثَا، (فَإِنَّ الْجُمُعَةَ تَمَّتْ فِيهِ) ، وَقُبِضَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ اتُّهِمُوا أَنَّهُمْ سَبَبُ الْفِتْنَةِ، ثُمَّ أُطْلِقُوا مِنَ الْغَدِ.
стр. 3962
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْخَيْرِ الْأَقْطَعُ التِّينَاتِيُّ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ عُمُرُهُ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَلَهُ كَرَامَاتٌ مَشْهُورَةٌ مَسْطُورَةٌ.
(التِّينَاتِيُّ بِالتَّاءِ الْمَكْسُورَةِ الْمُعْجَمَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ فَوْقُ، ثُمَّ الْيَاءُ الْمُعْجَمَةُ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتُ، ثُمَّ بِالنُّونِ وَالْأَلِفِ ثُمَّ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ أَيْضًا) .
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ ثَوَابَةَ كَاتِبُ الْخَلِيفَةِ وَمُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَقُلِّدَ دِيوَانَ الرَّسَائِلِ بَعْدَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِلَالٍ الصَّابِيُّ.
وَفِيهَا فِي آخِرِهَا، مَاتَ أَنُوجُورُ بْنُ الْإِخْشِيدِ صَاحِبُ مِصْرَ، وَتَقَلَّدَ أَخُوهُ عَلِيٌّ مَكَانَهُ.
стр. 3963
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣٥٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ بِنَاءِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ دَوْرَهُ بِبَغْدَاذَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ، مَرِضَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ، وَامْتَنَعَ عَلَيْهِ الْبَوْلُ، ثُمَّ كَانَ يَبُولُ بَعْدَ جَهْدٍ وَمَشَقَّةٍ دَمًا، وَتَبِعَهُ الْبَوْلُ، وَالْحَصَى، وَالرَّمْلُ، فَاشْتَدَّ جَزَعُهُ وَقَلَقُهُ، وَأَحْضَرَ الْوَزِيرَ الْمُهَلَّبِيَّ، وَالْحَاجِبَ سُبُكْتِكِينَ، فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمَا، وَوَصَّاهُمَا بِابْنِهِ بَخْتِيَارَ، وَسَلَّمَ جَمِيعَ مَالِهِ إِلَيْهِ.
ثُمَّ إِنَّهُ عُوفِيَ، فَعَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْأَهْوَازِ ; لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ مَا اعْتَادَهُ مِنَ الْأَمْرَاضِ إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ مَقَامِهِ بِبَغْدَاذَ، وَظَنَّ أَنَّهُ إِنْ عَادَ إِلَى الْأَهْوَازِ، عَاوَدَهُ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الصِّحَّةِ، وَنَسِيَ الْكِبَرَ وَالشَّبَابَ، فَلَمَّا انْحَدَرَ إِلَى كَلْوَاذَى لِيَتَوَجَّهَ إِلَى الْأَهْوَازِ، أَشَارَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ بِالْمَقَامِ، وَأَنْ يُفَكِّرَ فِي هَذِهِ الْحَرَكَةِ وَلَا يُعَجِّلَ، فَأَقَامَ بِهَا، وَلَمْ يُؤْثِرْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ انْتِقَالَهُ لِمُفَارَقَةِ أَوْطَانِهِمْ وَأَسَفًا عَلَى بَغْدَاذَ كَيْفَ تُخَرَّبُ بِانْتِقَالِ دَارِ الْمُلْكِ عَنْهَا، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِالْعَوْدِ إِلَى بَغْدَاذَ، (وَأَنْ يَبْنِيَ بِهَا) لَهُ دَارًا فِي أَعْلَى بَغْدَاذَ لِتَكُونَ أَرَقَّ هَوَاءً، وَأَصْفَى مَاءً، فَفَعَلَ، وَشَرَعَ فِي بِنَاءِ دَارِهِ فِي مَوْضِعِ الْمُسَنَّاةِ الْمُعِزِّيَّةِ، فَكَانَ مَبْلَغُ مَا خَرَجَ عَلَيْهَا (إِلَى أَنْ مَاتَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ) أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَاحْتَاجَ بِسَبَبِ ذَلِكَ إِلَى مُصَادَرَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ.
стр. 3964
ذِكْرُ مَوْتِ الْأَمِيرِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ نُوحٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَقَطَ الْفَرَسُ تَحْتَ الْأَمِيرِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ نُوحٍ صَاحِبِ خُرَاسَانَ، فَوَقَعَ إِلَى الْأَرْضِ، فَمَاتَ مِنْ سَقْطَتِهِ، وَافْتَتَنَتْ خُرَاسَانُ بَعْدَهُ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ أَخُوهُ مَنْصُورُ بْنُ نُوحٍ، وَكَانَ مَوْتُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ حَادِيَ عَشَرَ شَوَّالٍ.
ذِكْرُ وَفَاةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّاصِرِ صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ، وَوَلَايَةِ ابْنِهِ الْحَاكِمِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، الْمُلَقَّبُ بِالنَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ، فِي رَمَضَانَ، فَكَانَتْ إِمَارَتُهُ خَمْسِينَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ عُمُرُهُ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ سَنَةً، كَانَ أَبْيَضَ، أَشْهَلَ، حَسَنَ الْوَجْهِ، عَظِيمَ الْجِسْمِ، قَصِيرَ السَّاقَيْنِ، كَانَ رِكَابُ سَرْجِهِ يُقَارِبُ الشِّبْرَ، وَكَانَ طَوِيلَ الظَّهْرِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَلَقَّبَ مِنَ الْأُمَوِيِّينَ بِأَلْقَابِ الْخُلَفَاءِ، تَسَمَّى بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَخَلَّفَ أَحَدَ عَشَرَ وَلَدًا ذَكَرًا، وَكَانَ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ آبَائِهِ يُخَاطَبُونَ وَيُخْطَبُ لَهُمْ بِالْأَمِيرِ وَأَبْنَاءِ الْخَلَائِفِ.
وَبَقِيَ هُوَ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَضَى مِنْ إِمَارَتِهِ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَلَمَّا بَلَغَهُ ضَعْفُ الْخُلَفَاءِ بِالْعِرَاقِ وَظُهُورُ الْعَلَوِيِّينَ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَمُخَاطَبَتُهُمْ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَرَ حِينَئِذٍ أَنْ يُلَقَّبَ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ، وَيُخْطَبَ لَهُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَقُولَ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ: إِنَّهُ أَوَّلُ خَلِيفِةٍ وَلِي بَعْدَ جَدِّهِ، كَانَتْ أُمُّهُ أَمُّ وَلَدٍ اسْمُهَا مُزْنَةُ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ مِمَّنْ تَلَقَّبَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُدَّتَهُ فِي الْخِلَافَةِ غَيْرُ الْمُسْتَنْصِرِ الْعَلَوِيِّ صَاحِبِ مِصْرَ، فَإِنَّ خِلَافَتَهُ كَانَتْ سِتِّينَ سَنَةً.
وَلَمَّا مَاتَ وَلِيَ الْأَمْرَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْحَاكِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَتَلَقَّبَ بِالْمُسْتَنْصِرِ، وَأَمُّهُ أَمُّ وَلَدٍ تُسَمَّى مَرْجَانَةُ، وَخَلَّفَ النَّاصِرُ عِدَّةَ أَوْلَادٍ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ شَافِعِيُّ
стр. 3965
الْمَذْهَبِ، عَالِمًا بِالشَّعْرِ وَالْأَخْبَارِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ نَاسِكًا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ قُفْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أَنْطَاكِيَةَ إِلَى طَرَسُوسَ وَمَعَهُمْ صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ كَمِينٌ لِلرُّومِ، فَأَخَذَ مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْهُمْ، وَأَفْلَتَ صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ وَبِهِ جِرَاحَاتٌ.
وَفِيهَا فِي رَمَضَانَ، دَخَلَ نَجَا غُلَامُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بِلَادَ الرُّومِ مِنْ نَاحِيَةِ مَيَّافَارِينَ غَازِيًا، وَإِنَّهُ فِي رَمَضَانَ غَنِمَ مَا قِيمَتُهُ قِيمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَسَبَى، وَأَسَرَ وَخَرَجَ سَالِمًا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ الْقَاضِي أَبُو السَّائِبِ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَقُبِضَتْ أَمْلَاكُهُ، وَتَوَلَّى قَضَاءَ الْقُضَاةِ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، وَضَمِنَ أَنْ يُؤَدِّيَ كُلَّ سَنَةٍ مِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ ضَمِنَ الْقَضَاءَ، وَكَانَ ذَلِكَ أَيَّامَ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَلَمْ يُسْمَعْ بِذَلِكَ قَبْلَهُ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْخَلِيفَةُ الْمُطِيعُ لِلَّهِ بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ بِأَنْ لَا يَحْضُرَ الْمَوْكِبَ لَمِا ارْتَكَبَهُ مِنْ ضَمَانِ الْقَضَاءِ، ثُمَّ ضَمِنَتْ بَعْدَهُ الْحِسْبَةُ وَالشُّرْطَةُ بِبَغْدَاذَ.
وَفِيهَا وَصَلَ أَبُو الْقَاسِمِ أَخُو عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ مُسْتَأْمِنًا.
стр. 3966
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الطَّبَرِيِّ وَكَانَ يَرْوِي تَارِيخَهُ.
стр. 3967
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣٥١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ الرُّومِ عَلَى عَيْنِ زَرْبَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ، نَزَلَ الرُّومُ مَعَ الدُّمُسْتُقِ عَلَى عَيْنِ زَرْبَةَ، وَهِيَ فِي سَفْحِ جَبَلٍ عَظِيمٍ، وَهُوَ مُشْرِفٌ عَلَيْهَا، وَهُمْ جَمْعٌ عَظِيمٌ، فَأَنْفَذَ بَعْضَ عَسْكَرِهِ، فَصَعِدُوا الْجَبَلَ فَمَلَكُوهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُهَا، وَأَنَّ الدُّمُسْتُقَ قَدْ ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ وَمَعَهُ الدَّبَّابَاتُ، وَقَدْ وَصَلَ إِلَى السُّورِ وَشَرَعَ فِي النَّقْبِ، طَلَبُوا الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمُ الدُّمُسْتُقُ، وَفَتَحُوا لَهُ بَابَ الْمَدِينَةِ فَدَخَلَهَا، فَرَأَى أَصْحَابُهُ الَّذِينَ فِي الْجَبَلِ قَدْ نَزَلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَنَدِمَ عَلَى إِجَابَتِهِمْ إِلَى الْأَمَانِ.
وَنَادَى فِي الْبَلَدِ أَوَّلَ اللَّيْلِ بِأَنْ يَخْرُجَ جَمِيعُ أَهْلِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فِي مَنْزِلِهِ قُتِلَ، فَخَرَجَ مَنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَنْفَذَ رِجَّالَتَهُ فِي الْمَدِينَةِ، وَكَانُوا سِتِّينَ أَلْفًا، وَأَمَرَهُمْ بِقَتْلِ مَنْ وَجَدُوهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا (مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَأَمَرَ بِجَمْعِ مَا فِي الْبَلَدِ مِنَ السِّلَاحِ فَجُمِعَ، فَكَانَ شَيْئًا كَثِيرًا) .
وَأَمَرَ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ بِأَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الْبَلَدِ حَيْثُ شَاءُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، وَمَنْ أَمْسَى قُتِلَ، فَخَرَجُوا مُزْدَحِمَيْنِ، فَمَاتَ بِالزَّحْمَةِ جَمَاعَةٌ، وَمَرُّوا عَلَى وُجُوهِهِمْ لَا يَدْرُونَ أَيْنَ يَتَوَجَّهُونَ، فَمَاتُوا فِي الطُّرُقَاتِ، وَقَتَلَ الرُّومُ مَنْ وَجَدُوهُ بِالْمَدِينَةِ آخِرَ النَّهَارِ، وَأَخَذُوا كُلَّ مَا خَلَّفَهُ النَّاسُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَمْتِعَتِهِمْ، وَهَدَمُوا سُورَيِ الْمَدِينَةِ.
стр. 3968
وَأَقَامَ الدُّمُسْتُقُ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ أَحَدًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَفَتَحَ حَوْلَ عَيْنِ زَرْبَةَ أَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ حِصْنًا لِلْمُسْلِمِينَ بَعْضُهَا بِالسَّيْفِ وَبَعْضُهَا بِالْأَمَانِ، وَإِنَّ حِصْنًا مِنْ تِلْكَ الْحُصُونِ الَّتِي فُتِحَتْ بِالْأَمَانِ أَمَرَ أَهْلَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ فَخَرَجُوا، فَتَعَرَّضَ أَحَدُ الْأَرْمَنِ لِبَعْضِ حُرَمِ الْمُسْلِمِينَ، فَلِحَقَ الْمُسْلِمِينَ غَيْرَةٌ عَظِيمَةٌ، فَجَرَّدُوا سُيُوفَهُمْ، فَاغْتَاظَ الدُّمُسْتُقُ لِذَلِكَ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةِ رَجُلٍ، وَقَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَلَمْ يَتْرُكْ إِلَّا مَنْ يَصْلُحُ أَنْ يُسْتَرَقَّ.
فَلَمَّا أَدْرَكَهُ الصَّوْمُ، انْصَرَفَ عَلَى أَنْ يَعُودَ بَعْدَ الْعِيدِ، وَخَلَّفَ جَيْشَهُ بِقَيْسَارِيَّةَ، وَكَانَ ابْنُ الزَّيَّاتِ صَاحِبُ طَرَسُوسَ، قَدْ خَرَجَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ مِنَ الطَرَسُوسِيِّينَ، فَأَوْقَعَ بِهِمُ الدُّمُسْتُقُ، فَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ، وَقَتَلَ أَخًا لِابْنِ الزَّيَّاتِ، فَعَادَ إِلَى طَرَسُوسَ، وَكَانَ قَدْ قَطَعَ الْخُطْبَةَ لِسَيْفِ الدَّوْلَةِ (بْنِ حَمْدَانَ، فَلَمَّا أَصَابَهُمْ هَذَا الْوَهَنُ، أَعَادَ أَهْلُ الْبَلَدِ الْخُطْبَةَ لِسَيْفِ الدَّوْلَةِ) وَرَاسَلُوهُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا عَلِمَ ابْنُ الزَّيَّاتِ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ، صَعِدَ إِلَى رَوْشَنَ فِي دَارِهِ فَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنْهُ إِلَى نَهْرٍ تَحْتَهُ فَغَرِقَ، وَرَاسَلَ أَهْلُ بَغْرَاسَ الدُّمُسْتُقَ، وَبَذَلُوا لَهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَقَرَّهُمْ وَتَرَكَ مُعَارَضَتَهُمْ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ الرُّومِ عَلَى مَدِينَةِ حَلَبَ (وَعَوْدِهِمْ عَنْهَا بِغَيْرِ سَبَبٍ)
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْلَى الرُّومُ عَلَى مَدِينَةِ حَلَبَ دُونَ قَلْعَتِهَا.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الدُّمُسْتُقَ سَارَ إِلَى حَلَبَ، وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ الْمُسْلِمُونَ ; لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ خَلَّفَ عَسْكَرَهُ بِقَيْسَارِيَّةَ وَدَخَلَ بِلَادَهُمْ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمَّا قَضَى صَوْمَ النَّصَارَى، خَرَجَ إِلَى عَسْكَرِهِ مِنَ الْبِلَادِ جَرِيدَةً، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَحَدٌ، وَسَارَ بِهِمْ عِنْدَ وُصُولِهِ، فَسَبَقَ خَبَرَهُ، وَكَبَسَ مَدِينَةَ حَلَبَ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ سَيْفُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ وَلَا غَيْرُهُ.
فَلَمَّا بَلَغَهَا وَعَلِمَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ الْخَبَرَ، أَعْجَلَهُ الْأَمْرُ عَنِ الْجَمْعِ وَالِاحْتِشَادِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ
стр. 3969
فِيمَنْ مَعَهُ، فَقَاتَلَهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ قُوَّةُ الصَّبْرِ لِقِلَّةِ مَنْ مَعَهُ، فَقُتِلَ أَكْثَرُهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَوْلَادِ دَاوُدَ بْنِ حَمْدَانَ أَحَدٌ، قُتِلُوا جَمِيعُهُمْ، فَانْهَزَمَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، وَظَفِرَ الدُّمُسْتُقُ بِدَارِهِ، وَكَانَتْ خَارِجَ مَدِينَةِ حَلَبَ، (تُسَمَّى الدَّارَيْنَ) ، فَوُجِدَ فِيهَا لِسَيْفِ الدَّوْلَةِ ثَلَاثِمِائَةِ بُدْرَةٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ، وَأَخَذَ لَهُ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةِ بَغْلٍ، وَمِنْ خَزَائِنِ السِّلَاحِ مَا لَا يُحْصَى، فَأَخَذَ الْجَمِيعَ، وَخَرَّبَ الدَّارَ، وَمَلَكَ الْحَاضِرَ، وَحَصَرَ الْمَدِينَةَ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا.
وَهَدَمَ الرُّومُ فِي السُّورِ ثُلْمَةً، فَقَاتَلَهُمْ أَهْلُ حَلَبَ عَلَيْهَا، فَقُتِلَ مِنَ الرُّومِ كَثِيرٌ، وَدَفَعُوهُمْ عَنْهَا، فَلَمَّا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ عَمَّرُوهَا، فَلَمَّا رَأَى الرُّومُ ذَلِكَ، تَأَخَّرُوا إِلَى جَبَلِ جَوْشَنَ.
ثُمَّ إِنَّ رِجَّالَةَ الشُّرْطَةِ بِحَلَبَ قَصَدُوا مَنَازِلَ النَّاسِ، وَخَانَاتِ التُّجَّارِ لِيَنْهَبُوهَا، فَلَحِقَ النَّاسُ أَمْوَالَهُمْ لِيَمْنَعُوهَا، فَخَلَا السُّورُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا رَأَى الرُّومُ السُّورَ خَالِيًا مِنَ النَّاسِ، قَصَدُوهُ وَقَرُبُوا مِنْهُ، فَلَمْ يَمْنَعْهُمْ أَحَدٌ، فَصَعِدُوا إِلَى أَعْلَاهُ، فَرَأَوُا الْفِتْنَةَ قَائِمَةً فِي الْبَلَدِ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَنَزَلُوا وَفَتَحُوا الْأَبْوَابَ، وَدَخَلُوا الْبَلَدَ بِالسَّيْفِ يَقْتُلُونَ مَنْ وَجَدُوا، وَلَمْ يَرْفَعُوا السَّيْفَ إِلَى أَنْ تَعِبُوا وَضَجِرُوا.
وَكَانَ فِي حَلَبَ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ مِنَ الْأَسَارَى، فَتَخَلَّصُوا، وَأَخَذُوا السِّلَاحَ وَقَتَلُوا النَّاسَ، وَسُبِيَ مِنَ الْبَلَدِ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ صَبِيٍّ وَصَبِيَّةٍ، وَغَنِمُوا مَا لَا يُوصَفُ كَثْرَةً، فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ مَعَ الرُّومِ مَا يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ الْغَنِيمَةَ أَمَرَ الدُّمُسْتُقُ بِإِحْرَاقِ الْبَاقِيَ، وَأَحْرَقَ الْمَسَاجِدَ، وَكَانَ قَدْ بَذَلَ لِأَهْلِ الْبَلَدِ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يُسَلِّمُوا إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ آلَافِ صَبِيٍّ وَصَبِيَّةٍ (وَمَالًا ذَكَرَهُ) ، وَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَمَلَكَهُمْ كَمَا ذَكَرْنَا، وَكَانَ عِدَّةُ عَسْكَرِهِ مِائَتَيْ أَلْفِ رَجُلٍ، مِنْهُمْ ثَلَاثُونَ أَلْفَ رَجُلٍ بِالْجَوَاشِنِ، وَثَلَاثُونَ أَلْفًا لِلْهَدْمِ، وَإِصْلَاحِ الطُّرُقِ مِنَ الثَّلْجِ، وَأَرْبَعَةُ آلَافِ بَغْلٍ يَحْمِلُ الْحَسَكَ الْحَدِيدَ.
وَلَمَّا دَخَلَ الرُّومُ الْبَلَدَ، قَصَدَ النَّاسُ الْقَلْعَةَ، فَمَنْ دَخَلَهَا نَجَا بِحُشَاشَةِ نَفْسِهِ، وَأَقَامَ الدُّمُسْتُقُ تِسْعَةَ أَيَّامٍ، وَأَرَادَ الِانْصِرَافَ عَنِ الْبَلَدِ بِمَا غَنِمَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ أُخْتِ الْمَلِكِ، وَكَانَ مَعَهُ: هَذَا الْبَلَدُ قَدْ حَصَلَ فِي أَيْدِينَا، وَلَيْسَ مَنْ (يَدْفَعُنَا عَنْهُ) ، فَلِأَيِّ سَبَبٍ نَنْصَرِفُ عَنْهُ؟ فَقَالَ الدُّمُسْتُقُ: قَدْ بَلَغَنَا مَا لَمْ يَكُنِ الْمَلِكُ يُؤَمِّلُهُ، وَغَنِمْنَا وَقَتَلْنَا، وَخَرَّبْنَا وَأَحْرَقْنَا، وَخَلَّصْنَا أَسْرَانَا، وَبَلَغْنَا مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، فَتَرَاجَعَا الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ لَهُ
стр. 3970
الدُّمُسْتُقُ: انْزِلْ عَلَى الْقَلْعَةِ فَحَاصِرْهَا، فَإِنَّنِي مُقِيمٌ بِعَسْكَرِي عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ، فَتَقَدَّمَ ابْنُ أُخْتِ الْمَلِكِ إِلَى الْقَلْعَةِ، وَمَعَهُ سَيْفٌ وَتُرْسٌ، وَتَبِعَهُ الرُّومُ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ بَابِ الْقَلْعَةِ، أُلْقِيَ عَلَيْهِ حَجَرٌ فَسَقَطَ، وَرُمِيَ بِخَشَبٍ فَقُتِلَ، فَأَخَذَهُ أَصْحَابُهُ وَعَادُوا إِلَى الدُّمُسْتُقِ، فَلَمَّا رَآهُ قَتِيلًا، قَتَلَ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَانُوا أَلْفًا وَمِائَتَيْ رَجُلٍ، وَعَادَ إِلَى بِلَادِهِ، وَلَمْ يَعْرِضْ لِسَوَادِ حَلَبَ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ بِالزِّرَاعَةِ وَالْعِمَارَةِ لِيَعُودَ إِلَيْهِمْ بِزَعْمِهِ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ عَلَى طَبَرِسْتَانَ وَجُرْجَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ، سَارَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ إِلَى طَبَرِسْتَانَ، وَبِهَا وَشْمَكِيرُ، فَنَزَلَ عَلَى مَدِينَةِ سَارِيَةَ فَحَصَرَهَا وَمَلَكَهَا، فَفَارَقَ حِينَئِذٍ وَشْمَكِيرُ طَبَرِسْتَانَ وَقَصَدَ جُرْجَانَ، (فَأَقَامَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بِطَبَرِسْتَانَ إِلَى أَنْ مَلَكَهَا كُلَّهَا، وَأَصْلَحَ أُمُورَهَا، وَسَارَ فِي طَلَبِ وَشْمَكِيرَ إِلَى جُرْجَانَ) ، فَأَزَاحَ وَشْمَكِيرَ عَنْهَا، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ مِنْ عَسْكَرِ وَشْمَكِيرَ ثَلَاثَةُ آلَافِ رَجُلٍ، فَازْدَادَ قُوَّةً، وَازْدَادَ وَشْمَكِيرُ ضَعْفًا وَوَهْنًا، فَدَخَلَ بِلَادَ الْجَبَلِ.
ذِكْرُ مَا كُتِبَ عَلَى مَسَاجِدِ بَغْدَاذَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، كَتَبَ عَامَّةُ الشِّيعَةِ بِبَغْدَاذَ بِأَمْرِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ عَلَى الْمَسَاجِدِ مَا هَذِهِ صُورَتُهُ: لَعَنَ اللَّهُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَلَعَنَ مَنْ غَصَبَ فَاطِمَةَ ﵂ فَدْكًا، وَمَنْ مَنَعَ مِنْ أَنْ يُدْفَنَ الْحَسَنُ عِنْدَ قَبْرِ جَدِّهِ ﵇، وَمَنْ نَفَى أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ، وَمَنْ أَخْرَجَ الْعَبَّاسَ مِنَ الشُّورَى، فَأَمَّا الْخَلِيفَةُ فَكَانَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ لَا
стр. 3971
يَقْدِرُ عَلَى الْمَنْعِ، وَأَمَّا مُعِزُّ الدَّوْلَةِ فَبِأَمْرِهِ كَانَ ذَلِكَ.
فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ، حَكَّهُ بَعْضُ النَّاسِ، فَأَرَادَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِعَادَتَهُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ الْوَزِيرُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمُهَلَّبِيُّ بِأَنْ يَكْتُبَ مَكَانَ مَا مُحِيَ: لَعَنَ اللَّهُ الظَّالِمِينَ لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يَذْكُرُ أَحَدًا فِي اللَّعْنِ إِلَّا مُعَاوِيَةَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ.
ذِكْرُ فَتْحِ طَبَرْمِينَ مِنْ صِقِلِّيَةَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَتْ جُيُوشُ الْمُسْلِمِينَ بِصِقِلِّيَةَ، وَأَمِيرُهُمْ أَحْمَدُ (بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ) أَبِي الْحُسَيْنِ إِلَى قَلْعَةِ طَبَرْمِينَ مِنْ صِقِلِّيَةَ أَيْضًا، وَهِيَ بِيَدِ الرُّومِ، فَحَصَرُوهَا، وَهِيَ مِنْ أَمْنَعِ الْحُصُونِ وَأَشَدِّهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَامْتَنَعَ أَهْلُهَا، وَدَامَ الْحِصَارُ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ، عَمَدُوا إِلَى الْمَاءِ الَّذِي يَدْخُلُهَا فَقَطَعُوهُ عَنْهَا، وَأَجْرُوهُ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ، وَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَلَمْ يُجَابُوا إِلَيْهِ، فَعَادُوا وَطَلَبُوا أَنْ يُؤَمَّنُوا عَلَى دِمَائِهِمْ، وَيَكُونُوا رَقِيقًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَمْوَالُهُمْ فَيْئًا، فَأُجِيبُوا إِلَى ذَلِكَ، وَأُخْرِجُوا مِنَ الْبَلَدِ، وَمَلَكَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ.
وَكَانَتْ مُدَّةُ الْحِصَارِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَنِصْفًا، وَأُسْكِنَتِ الْقَلْعَةُ نَفَرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَسُمِّيَتِ الْمُعِزِّيَّةُ، نِسْبَةٌ إِلَى الْمُعِزِّ الْعَلَوِيِّ صَاحِبِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَسَارَ جَيْشٌ إِلَى رَمْطَةَ (مَعَ الْحَسَنِ بْنِ عَمَّارٍ) ، فَحَصَرُوهَا وَضَيَّقُوا عَلَيْهَا، فَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، أَرْسَلَ الْأَمِيرُ مَنْصُورُ بْنُ نُوحٍ، صَاحِبُ خُرَاسَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ إِلَى بَعْضِ قُوَّادِهِ الْكِبَارِ، وَاسْمُهُ الْفَتَكِينُ يَسْتَدْعِيهِ، فَامْتَنَعَ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ جَيْشًا،
стр. 3972
فَلَقِيَهُمُ الْفَتَكِينُ فَهَزَمَهُمْ، وَأَسَرَ وُجُوهَ الْقُوَّادِ مِنْهُمْ، وَفِيهِمْ خَالُ مَنْصُورٍ.
وَفِيهَا فِي مُنْتَصَفِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَيْضًا، انْخَسَفَ الْقَمَرُ جَمِيعُهُ.
وَفِيهَا جُمَادَى الْأُولَى، كَانَتْ فِتْنَةٌ بِالْبَصْرَةِ وَبِهَمَذَانَ أَيْضًا بَيْنَ الْعَامَّةِ بِسَبَبِ الْمَذَاهِبِ، قُتِلَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ.
وَفِيهَا أَيْضًا فَتَحَ الرُّومُ حِصْنَ دُلُوكَ وَثَلَاثَةَ حُصُونٍ مُجَاوِرَةٍ لَهُ بِالسَّيْفِ.
وَفِيهَا لَقَّبَ الْخَلِيفَةُ الْمُطِيعُ لِلَّهِ (فَنَّاخِسْرُو بْنَ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بِعَضُدِ الدَّوْلَةِ) .
وَفِيهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، أَعَادَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ بِنَاءَ عَيْنِ زَرْبَةَ، وَسَيَّرَ حَاجِبَهُ فِي جَيْشٍ مَعَ أَهْلِ طَرَسُوسَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، فَغَنِمُوا، وَقَتَلُوا، وَسَبَوْا وَعَادُوا، فَقَصَدَ الرُّومُ حِصْنَ سَيْسِيَّةَ فَمَلَكُوهُ.
وَفِيهَا سَارَ نَجَا غُلَامُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ فِي جَيْشٍ إِلَى حِصْنِ زِيَادٍ، فَلَقِيَهُ جَمْعٌ مِنَ الرُّومِ، فَهَزَمَهُمْ، وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ مِنَ الرُّومِ خَمْسُمِائَةِ رَجُلٍ.
وَفِيهَا فِي شَوَّالٍ، أَسَرَتِ الرُّومُ أَبَا فِرَاسِ بْنَ سَعِيدِ بْنِ حَمْدَانَ مِنْ مَنْبِجَ، وَكَانَ مُتَقَلِّدًا لَهَا، وَلَهُ دِيوَانُ شِعْرٍ جَيِّدٍ.
стр. 3973
وَفِيهَا سَارَ جَيْشٌ مِنَ الرُّومِ فِي الْبَحْرِ إِلَى جَزِيرَةِ أَقْرِيطِشَ، فَأَرْسَلَ أَهْلُهَا إِلَى الْمُعِزِّ لِدِينِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ صَاحِبِ إِفْرِيقِيَّةَ يَسْتَنْجِدُونَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ نَجْدَةً، فَقَاتَلُوا الرُّومَ، فَانْتَصَرَ الْمُسْلِمُونَ، وَأُسِرَ مَنْ كَانَ بِالْجَزِيرَةِ مِنَ الرُّومِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ النَّقَّاشُ الْمُقْرِئُ، صَاحِبُ كِتَابِ " شِفَاءِ الصُّدُورِ "، وَعَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَدَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ السِّجْزِيُّ الْمُعَدَّلُ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُوسَى الْهَاشِمِيُّ.
стр. 3974
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣٥٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ عِصْيَانِ أَهْلِ حَرَّانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ (فِي صَفَرٍ) ، امْتَنَعَ أَهْلُ حَرَّانَ عَلَى صَاحِبِهَا هِبَةَ اللَّهِ بْنَ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، وَعَصَوْا عَلَيْهِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مُتَقَلِّدًا لَهَا وَلِغَيْرِهَا مِنْ دِيَارِ مُضَرَ مِنْ قِبَلِ عَمِّهِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، فَعَسَفَهُمْ نُوَّابُهُ وَظَلَمُوهُمْ، وَطَرَحُوا الْمُتْعَةَ عَلَى التُّجَّارِ مَنْ أَهْلِ حَرَّانَ، وَبَالَغُوا فِي ظُلْمِهِمْ.
وَكَانَ هِبَةُ اللَّهِ عِنْدَ عَمِّهِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بِحَلَبَ، فَثَارَ أَهْلُهَا عَلَى نُوَّابِهِ وَطَرَدُوهُمْ، فَسَمِعَ هِبَةُ اللَّهِ بِالْخَبَرِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَحَارَبَهُمْ، وَحَصَرَهُمْ، فَقَاتَلَهُمْ وَقَاتَلُوهُ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَلَمَّا رَأَى سَيْفُ الدَّوْلَةِ شِدَّةَ الْأَمْرِ وَاتِّصَالَ الشَّرِّ، قَرُبَ مِنْهُمْ وَرَاسَلَهُمْ، وَأَجَابَهُمْ إِلَى مَا يُرِيدُونَ، فَاصْطَلَحُوا وَفَتَحُوا أَبْوَابَ الْبَلَدِ، وَهَرَبَ مِنْهُ الْعَيَّارُونَ خَوْفًا مِنْ هِبَةِ اللَّهِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْوَزِيرِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمُهَلَّبِيُّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْوَزِيرُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمُهَلَّبِيُّ وَزِيرُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ إِلَى عَمَّانَ لِيَفْتَحَهَا، فَلَمَّا بَلَغَ الْبَحْرَ اعْتَلَّ، وَاشْتَدَّتْ عِلَّتُهُ، فَأُعِيدَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ فِي شَعْبَانَ، وَحُمِلَ تَابُوتُهُ إِلَى بَغْدَاذَ فَدُفِنَ بِهَا، وَقَبَضَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ أَمْوَالَهُ وَذَخَائِرَهُ وَكُلَّ مَا كَانَ لَهُ، وَأَخَذَ أَهْلَهُ وَأَصْحَابَهُ وَحَوَاشِيهِ، حَتَّى مَلَّاحَهُ، وَمَنْ خَدَمَهُ يَوْمًا وَاحِدًا، فَقَبَضَ عَلَيْهِمْ وَحَبَسَهُمْ، فَاسْتَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ وَاسْتَقْبَحُوهُ.
стр. 3975
وَكَانَتْ مُدَّةُ وِزَارَتِهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ كَرِيمًا فَاضِلًا ذَا عَقْلٍ وَمُرُوَّةٍ، فَمَاتَ بِمَوْتِهِ الْكَرَمُ.
وَنَظَرَ فِي الْأُمُورِ بَعْدَهُ أَبُو الْفَضْلِ الْعَبَّاسُ بْنُ الْحُسَيْنِ الشِّيرَازِيُّ، وَأَبُو الْفَرَجِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ فَسَانِجَسَ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ لِأَحَدِهِمَا بِوِزَارَةٍ.
ذِكْرُ غَزْوَةٍ إِلَى الرُّومِ وَعِصْيَانِ حَرَّانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَوَّالٍ، دَخَلَ أَهْلُ طَرَسُوسَ بِلَادَ الرُّومِ غَازِينَ، وَدَخَلَهَا أَيْضًا نَجَا غُلَامُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ (بْنُ حَمْدَانَ مِنْ دَرْبٍ آخَرَ، وَلَمْ يَكُنْ سَيْفُ الدَّوْلَةِ) مَعَهُمْ لِمَرَضِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ لَحِقَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ فَالِجٌ، فَأَقَامَ عَلَى رَأْسِ دَرْبٍ مِنْ تِلْكَ الدُّرُوبِ، فَأَوْغَلَ أَهْلُ طَرَسُوسَ فِي غَزْوَتِهِمْ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى قَوْنِيَّةَ وَعَادُوا، فَرَجَعَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ إِلَى حَلَبَ، فَلَحِقَهُ فِي الطَّرِيقِ غَشْيَةٌ أَرْجَفَ عَلَيْهِ النَّاسُ بِالْمَوْتِ، فَوَثَبَ هِبَةُ اللَّهِ ابْنُ أَخِيهِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ بِابْنِ نَجَا النَّصْرَانِيِّ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ خِصِّصِيًا بِسَيْفِ الدَّوْلَةِ، وَإِنَّمَا قَتَلَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَعَرَّضُ لِغُلَامٍ لَهُ، فَغَارَ لِذَلِكَ.
ثُمَّ أَفَاقَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا عَلِمَ هِبَةُ اللَّهِ أَنَّ عَمَّهُ لَمْ يَمُتْ، هَرَبَ إِلَى حَرَّانَ، فَلَمَّا دَخَلَهَا، أَظْهَرَ لِأَهْلِهَا أَنَّ عَمَّهُ مَاتَ، وَطَلَبَ مِنْهُمُ الْيَمِينَ عَلَى أَنْ يَكُونُوا سِلْمًا لِمَنْ سَالَمَهُ، وَحَرْبًا لِمَنْ حَارَبَهُ، فَحَلَفُوا لَهُ، وَاسْتَثْنَوْا عَمَّهُ فِي الْيَمِينِ، فَأَرْسَلَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ غُلَامَهُ نَجَا إِلَى حَرَّانَ فِي طَلَبِ هِبَةِ اللَّهِ، فَلَمَّا قَارَبَهَا، هَرَبَ هِبَةُ اللَّهِ إِلَى أَبِيهِ بِالْمَوْصِلِ، فَنَزَلَ نَجَا عَلَى حَرَّانَ فِي السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ، فَخَرَجَ أَهْلُهَا إِلَيْهِ (مِنَ الْغَدِ) ، فَقَبَضَ عَلَيْهِمْ، وَصَادَرَهُمْ عَلَى أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَوَكَّلَ بِهِمْ حَتَّى أَدَّوْهَا فِي خَمْسَةِ أَيَّامٍ، بَعْدَ الضَّرْبِ الْوَجِيعِ بِحَضْرَةِ عِيَالَاتِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ، فَأَخْرَجُوا أَمْتِعَتَهُمْ فَبَاعُوا كُلَّ مَا يُسَاوِي دِينَارًا بِدِرْهَمٍ ; لِأَنَّ أَهْلَ الْبَلَدِ كُلُّهُمْ كَانُوا يَبِيعُونَ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَشْتَرِي ; لِأَنَّهُمْ مُصَادِرُونَ، فَاشْتَرَى
стр. 3976
ذَلِكَ أَصْحَابُ نَجَا بِمَا أَرَادُوا، وَافْتَقَرَ أَهْلُ الْبَلَدِ، وَسَارَ نَجَا إِلَى مَيَّافَارِقِينَ، وَتَرَكَ حَرَّانَ شَاغِرَةً بِغَيْرِ وَالٍ، فَتَسَلَّطَ الْعَيَّارُونَ عَلَى أَهْلِهَا، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ نَجَا مَا نَذْكُرُهُ (سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ) [وَثَلَاثِمِائَةٍ] .
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَاشِرَ الْمُحَرَّمِ، أَمَرَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ النَّاسَ أَنْ يُغَلِّقُوا دَكَاكِينَهُمْ، وَيُبَطِّلُوا الْأَسْوَاقَ وَالْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، وَأَنْ يُظْهِرُوا النِّيَاحَةَ، وَيَلْبِسُوا (قِبَابًا عَمَلُوهَا) بِالْمُسُوحِ، وَأَنْ يَخْرُجَ النِّسَاءُ مُنَشِّرَاتٍ الشُّعُورَ، مُسَوِّدَاتٍ الْوُجُوهَ، قَدْ شَقَقْنَ ثِيَابَهُنَّ، يَدُرْنَ فِي الْبَلَدِ بِالنَّوَائِحِ، وَيَلْطِمْنَ وُجُوهَهُنَّ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄، فَفَعَلَ النَّاسُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلسُّنَّةِ قُدْرَةٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ لِكَثْرَةِ الشِّيعَةِ ; وَلِأَنَّ السُّلْطَانَ مَعَهُمْ.
وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، اجْتَمَعَ مِنْ رِجَالِهِ الْأَرْمَنِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَقَصَدُوا الرُّهَا فَأَغَارُوا عَلَيْهَا، فَغَنِمُوا وَأَسَرُوا، وَعَادُوا مَوْفُورِينَ.
وَفِيهَا عُزِلَ ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ عَنْ قَضَاءِ بَغْدَاذَ، وَتَقَلَّدَ مَكَانَهُ أَبُو بِشْرٍ عَمْرُو بْنُ أَكْثَمَ، وَعُفِيَ عَمَّا كَانَ يَحْمِلُهُ ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ مِنَ الضَّمَانِ عَنِ الْقَضَاءِ، وَأَمَرَ بِإِبْطَالِ أَحْكَامِهِ وَسِجِلَّاتِهِ.
وَفِيهَا فِي شَعْبَانَ، ثَارَ الرُّومُ بِمَلِكِهِمْ فَقَتَلُوهُ وَمَلَّكُوا غَيْرَهُ، وَصَارَ ابْنُ شَمَشْقِيقَ دُمُسْتُقًا، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُهُ الْعَامَّةُ ابْنُ الشَّمْشَكِيِّ.
وَفِيهَا فِي الثَّامِنِ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ، أَمَرَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بِإِظْهَارِ الزِّينَةِ فِي الْبَلَدِ، وَأُشْعِلَتِ النِّيرَانُ بِمَجْلِسِ الشُّرْطَةِ، وَأُظْهِرَ الْفَرَحُ، وَفُتِحَتِ الْأَسْوَاقُ بِاللَّيْلِ، كَمَا يُفْعَلُ لَيَالِيَ الْأَعْيَادِ
стр. 3977
فُعِلَ ذَلِكَ فَرَحًا بَعِيدِ الْغَدِيرِ، يَعْنِي غَدِيرَ خُمٍّ، وَضُرِبَتِ الدَّبَادِبُ وَالْبُوقَاتُ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
وَفِيهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ الْوَاقِعِ فِي كَانُونَ الثَّانِي، خَرَجَ النَّاسُ فِي الْعِرَاقِ لِلِاسْتِسْقَاءِ لِعَدَمِ الْمَطَرِ.
стр. 3978
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣٥٣ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ عِصْيَانِ نَجَا وَقَتْلِهِ وَمِلْكِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بَعْضَ أَرْمِينِيَّةَ
قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] مَا فَعَلَهُ نَجَا غُلَامُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ بِأَهْلِ حَرَّانَ، وَمَا أَخَذَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ عِنْدَهُ تِلْكَ الْأَمْوَالُ، قَوِيَ بِهَا وَبَطَرَ، وَلَمْ يَشْكُرْ وَلِيَّ نِعْمَتِهِ بَلْ كَفَرَهُ، وَسَارَ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ، وَقَصَدَ بِلَادَ أَرْمِينِيَّةَ، وَكَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى كَثِيرٍ مِنْهَا رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ يُعْرَفُ بِأَبِي الْوَرْدِ، فَقَاتَلَهُ نَجَا، فَقُتِلَ أَبُو الْوَرْدِ وَأَخَذَ نَجَا قِلَاعَهُ وَبِلَادَهُ: خِلَاطَ، وَمَلَازَكَرْدَ، وَمُوشَ، وَغَيْرَهَا، وَحَصَلَ لَهُ مِنْ أَمْوَالِ أَبِي الْوَرْدِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، فَأَظْهَرَ الْعِصْيَانَ عَلَى سَيْفِ الدَّوْلَةِ.
فَاتُّفِقَ أَنَّ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ بْنَ بُوَيْهِ سَارَ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَنَصِيبِينَ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَطَرَدَ عَنْهَا نَاصِرَ الدَّوْلَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا، فَكَاتَبَهُ نَجَا وَرَاسَلَهُ، وَهُوَ بِنَصِيبِينَ، يَعِدُهُ الْمُعَاضَدَةَ وَالْمُسَاعَدَةَ عَلَى مَوَالِيهِ بَنِي حَمْدَانَ، فَلَمَّا عَادَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَاذَ وَاصْطَلَحَ هُوَ وَنَاصِرُ الدَّوْلَةِ، سَارَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ إِلَى نَجَا لِيُقَاتِلَهُ عَلَى عِصْيَانِهِ عَلَيْهِ، وَخُرُوجِهِ عَنْ طَاعَتِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ، هَرَبَ نَجَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَمَلَكَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ بِلَادَهُ وَقِلَاعَهُ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ أَبِي الْوَرْدِ، وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ نَجَا فَقَتَلَهُمْ، (وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ أَخُو نَجَا، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَأَكْرَمَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى نَجَا يُرَغِّبُهُ وَيُرَهِّبُهُ إِلَى أَنْ أُحْضِرَ عِنْدَهُ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَأَعَادَهُ إِلَى مَرْتَبَتِهِ.
ثُمَّ إِنَّ غِلْمَانَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ وَثَبُوا عَلَى نَجَا فِي دَارِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بِمَيَّافَارِقِينَ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ (سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ) [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، فَقَتَلُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَغُشِيَ عَلَى سَيْفِ الدَّوْلَةِ،
стр. 3979
وَأُخْرِجَ نَجَا فَأُلْقِي فِي مَجْرَى الْمَاءِ وَالْأَقْذَارِ، وَبَقِيَ إِلَى الْغَدِ ثُمَّ أُخْرِجَ وَدُفِنَ.
ذِكْرُ حَصْرِ الرُّومِ الْمَصِّيصَةَ وَوُصُولِ الْغُزَاةِ مِنْ خُرَاسَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَصَرَ الرُّومُ مَعَ الدُّمُسْتُقِ الْمَصِّيصَةَ، وَقَاتَلُوا أَهْلَهَا، وَنَقَبُوا سُورَهَا، وَاشْتَدَّ قِتَالُ أَهْلِهَا عَلَى النَّقْبِ حَتَّى دَفَعَهُمْ عَنْهُ بَعْدَ قِتَالٍ عَظِيمٍ، وَأَحْرَقَ الرُّومُ رُسْتَاقَهَا وَرُسْتَاقَ أَذَنَةَ وَطَرَسُوسَ لِمُسَاعَدَتِهِمْ أَهْلَهَا، فَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ، وَأَقَامَ الرُّومُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ يَقْصِدْهُمْ مَنْ يُقَاتِلُهُمْ، فَعَادُوا لِغَلَاءِ الْأَسْعَارِ وَقِلَّةِ الْأَقْوَاتِ.
ثُمَّ إِنَّ إِنْسَانًا وَصَلَ إِلَى الشَّامِ مِنْ خُرَاسَانَ يُرِيدُ الْغُزَاةَ وَمَعَهُ نَحْوُ خَمْسَةُ آلَافِ رَجُلٍ، وَكَانَ طَرِيقُهُمْ عَلَى أَرْمِينِيَّةَ وَمَيَّافَارِقِينَ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى سَيْفِ الدَّوْلَةِ فِي صَفَرٍ، أَخَذَهُمْ سَيْفُ الدَّوْلَةِ وَسَارَ بِهِمْ نَحْوَ بِلَادِ الرُّومِ لِدَفْعِهِمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، فَوَجَدُوا الرُّومَ قَدْ عَادُوا، فَتَفَرَّقَ الْغُزَاةُ الْخُرَاسَانِيَّةُ فِي الثُّغُورِ لِشِدَّةِ الْغَلَاءِ، وَعَادَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى بَغْدَاذَ وَمِنْهَا إِلَى خُرَاسَانَ.
وَلَمَّا أَرَادَ الدُّمُسْتُقُ الْعُودَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ الْمَصِّيصَةِ وَأَذَنَةَ وَطَرَسُوسَ: إِنِّي مُنْصَرِفٌ عَنْكُمْ لَا لِعَجْزٍ، وَلَكِنْ لِضِيقِ الْعَلُوفَةِ وَشِدَّةِ الْغَلَاءِ، وَأَنَا عَائِدٌ إِلَيْكُمْ، فَمَنِ انْتَقَلَ مِنْكُمْ فَقَدْ نَجَا، وَمَنْ وَجَدْتُهُ بَعْدَ عَوْدِي قَتَلْتُهُ.
ذِكْرُ مِلْكِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ الْمَوْصِلَ وَعَوْدِهِ عَنْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَجَبٍ، سَارَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى الْمَوْصِلِ وَمَلَكَهَا.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ نَاصِرَ الدَّوْلَةِ كَانَ قَدِ اسْتَقَرَّ الصُّلْحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ عَلَى أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، يَحْمِلُهَا نَاصِرُ الدَّوْلَةِ كُلَّ سَنَةٍ، فَلَمَّا حَصَلَتِ الْإِجَابَةُ مِنْ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، بَذَلَ زِيَادَةً لِيَكُونَ الْيَمِينُ أَيْضًا لِوَلَدِهِ أَبِي تَغْلِبَ فَضْلِ اللَّهِ الْغَضَنْفَرِ مَعَهُ، وَأَنْ يَحْلِفَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ لَهُمَا، فَلَمْ يُجَبْ إِلَى ذَلِكَ، وَتَجَهَّزَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ وَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَلَمَّا
стр. 3980
قَارَبَهَا، سَارَ (نَاصِرُ الدَّوْلَةِ) إِلَى نَصِيبِينَ، وَوَصَلَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى الْمَوْصِلِ وَمَلَكَهَا فِي رَجَبٍ، وَسَارَ يَطْلُبُ نَاصِرَ الدَّوْلَةِ (حَادِيَ عَشَرَ) شَعْبَانَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَوْصِلِ أَبَا الْعَلَاءِ صَاعِدَ بْنَ ثَابِتٍ لِيَحْمِلَ الْغَلَّاتِ وَيَجْبِيَ الْخَرَاجَ، وَخَلَّفَ بِكْتُوزُونَ وَسُبُكْتِكِينَ الْعَجَمِيَّ فِي جَيْشٍ لِيَحْفَظَ الْبَلَدَ.
فَلَمَّا قَارَبَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ نَصِيبِينَ، (فَارَقَهَا نَاصِرُ الدَّوْلَةِ، وَمَلَكَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ نَصِيبِينَ) ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَيَّ جِهَةٍ قَصَدَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ، فَخَافَ أَنْ يُخَالِفَهُ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَعَادَ عَنْ نَصِيبِينَ نَحْوَ الْمَوْصِلِ، وَتَرَكَ بِهَا مَنْ يَحْفَظُهَا، وَكَانَ أَبُو تَغْلِبَ بْنُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ قَدْ قَصَدَ الْمَوْصِلَ، وَحَارَبَ مِنْ أَصْحَابِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَكَانَتِ الدَّائِرَةُ عَلَيْهِ، فَانْصَرَفَ بَعْدَ أَنْ أَحْرَقَ السُّفُنَ الَّتِي لِمُعِزِّ الدَّوْلَةِ وَأَصْحَابِهِ.
وَلَمَّا انْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ بِظَفَرِ أَصْحَابِهِ، سَكَنَتْ نَفْسُهُ، وَأَقَامَ بِبَرْقَعِيدَ يَتَوَقَّعُ أَخْبَارَ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، فَبَلَغَهُ أَنَّهُ نَزَلَ بِجَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، فَرَحَلَ عَنْ بَرْقَعِيدَ إِلَيْهَا، فَوَصَلَهَا سَادِسَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَجِدْ بِهَا نَاصِرَ الدَّوْلَةِ، فَمَلَكَهَا وَسَأَلَ عَنْ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ بِالْحَسَنِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ قَدِ اجْتَمَعَ هُوَ وَأَوْلَادُهُ وَعَسَاكِرُهُ وَسَارَ نَحْوَ الْمَوْصِلِ، فَأَوقَعَ بِمَنْ فِيهَا مِنْ أَصْحَابِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْهُمْ، وَأَسَرَ كَثِيرًا، وَفِي الْأَسْرَى أَبُو الْعَلَاءِ، وَسُبُكْتِكِينُ، وَبِكْتُوزُونُ، وَمَلَكَ جَمِيعَ مَا خَلَّفَهُ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ مِنْ مَالٍ وَسِلَاحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَحُمِلَ جَمِيعُهُ مَعَ الْأَسْرَى إِلَى قَلْعَةِ كُوَاشَى.
فَلَمَّا سَمِعَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بِمَا فَعَلَهُ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ، سَارَ يَقْصِدُهُ، فَرَحَلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ إِلَى سِنْجَارَ، فَلَمَّا وَصَلَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ، بَلَغَهُ مَسِيرُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ إِلَى سِنْجَارَ، فَعَادَ إِلَى نَصِيبِينَ، فَسَارَ أَبُو تَغْلِبَ بْنُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَنَزَلَ بِظَاهِرِهَا عِنْدَ الدَّيْرِ الْأَعْلَى، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ إِلَى أَحَدٍ مِمَّنْ بِهَا مِنْ أَصْحَابِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بِنُزُولِ أَبِي تَغْلِبَ بِالْمَوْصِلِ سَارَ إِلَيْهَا، فَفَارَقَهَا أَبُو تَغْلِبَ وَقَصَدَ الزَّابَّ فَأَقَامَ عِنْدَهُ، وَرَاسَلَ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ (فِي الصُّلْحِ) ، فَأَجَابَهُ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ مَتَى فَارَقَ الْمَوْصِلَ، عَادُوا وَمَلَكُوهَا، وَمَتَى أَقَامَ بِهَا لَا
стр. 3981
يَزَالُ مُتَرَدِّدًا وَهُمْ يُغِيرُونَ عَلَى النَّوَاحِي، فَأَجَابَهُ إِلَى مَا الْتَمَسَهُ، وَعَقَدَ عَلَيْهِ ضَمَانَ الْمَوْصِلِ وَدِيَارِ رَبِيعَةَ وَالرَّحْبَةِ وَمَا كَانَ فِي يَدِ أَبِيهِ بِمَالٍ قَرَّرَهُ، وَأَنْ يُطْلِقَ مَنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الْأَسْرَى، فَاسْتَقَرَّتِ الْقَوَاعِدُ عَلَى ذَلِكَ، وَرَحَلَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَاذَ، وَكَانَ مَعَهُ فِي سُفْرَتِهِ هَذِهِ ثَابِتُ بْنُ سِنَانَ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قُرَّةَ.
ذِكْرُ حَالِ الدَّاعِي الْعَلَوِيِّ
كَانَ قَدْ هَرَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الدَّاعِي مِنْ بَغْدَاذَ، وَهُوَ حَسَنِيٌّ مِنْ أَوْلَادِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ -، ﵄، وَسَارَ نَحْوَ بِلَادِ الدَّيْلَمِ، وَتَرَكَ أَهْلَهُ وَعِيَالَهُ بِبَغْدَاذَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بِلَادِ الدَّيْلَمِ، اجْتَمَعَ عَلَيْهِ عَشَرَةُ آلَافِ رَجُلٍ، فَهَرَبَ ابْنُ النَّاصِرِ الْعَلَوِيُّ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَتَلَقَّبَ ابْنُ الدَّاعِي بِالْمَهْدِيِّ لِدِينِ اللَّهِ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ، وَأَوقَعَ بِقَائِدٍ كَبِيرٍ مِنْ قُوَّادِ وَشْمَكِيرَ فَهَزَمَهُ.
ذِكْرُ حَصْرِ الرُّومِ طَرَسُوسَ وَالْمَصِّيصَةَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا نَزَلَ مَلِكُ الرُّومِ عَلَى طَرَسُوسَ وَحَصَرَهَا، وَجَرَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِهَا حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ سَقَطَ فِي بَعْضِهَا الدُّمُسْتُقُ بْنُ الشَّمَشْقِيقِ إِلَى الْأَرْضِ، وَكَادَ يُؤْسَرُ فَقَاتَلَ عَلَيْهِ الرُّومُ وَخَلَّصُوهُ، وَأَسَرَ أَهْلُ طَرَسُوسَ بِطْرِيقًا كَبِيرًا مِنْ بَطَارِقَةِ الرُّومِ، وَرَحَلَ الرُّومُ عَنْهُمْ، وَتَرَكُوا عَسْكَرًا عَلَى الْمَصِّيصَةِ مَعَ الدُّمُسْتُقِ، فَحَصَرَهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْهَا أَحَدٌ، فَاشْتَدَّ الْغَلَاءُ عَلَى الرُّومِ، وَكَانَ شَدِيدًا قَبْلَ نُزُولِهِمْ، فَلِهَذَا طَمِعُوا فِي الْبِلَادِ لِعَدَمِ الْأَقْوَاتِ عِنْدَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَ الرُّومُ زَادَ شِدَّةً، وَكَثُرَ الْوَبَاءُ أَيْضًا، فَمَاتَ مِنَ الرُّومِ كَثِيرٌ، فَاضْطُرُّوا إِلَى الرَّحِيلِ.
ذِكْرُ فَتْحِ رَمْطَةَ وَالْحَرْبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ بِصِقِلِّيَةَ
قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] فَتْحَ طَبَرْمِينَ وَحَصْرَ رَمْطَةَ وَالرُّومُ فِيهَا،
стр. 3982
فَلَمَّا رَأَى الرُّومُ ذَلِكَ، خَافُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى مَلِكِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ يُعْلِمُونَهُ الْحَالَ، وَيَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يَنْجِدَهُمْ بِالْعَسَاكِرِ، فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا عَظِيمًا يَزِيدُونَ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَسَيَّرَهُمْ فِي الْبَحْرِ، فَوَصَلَتِ الْأَخْبَارُ إِلَى الْأَمِيرِ أَحْمَدَ أَمِيرِ صِقِلِّيَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْمُعِزِّ بِإِفْرِيقِيَّةَ يَعْرِفُهُ ذَلِكَ وَيَسْتَمِدُّهُ، وَيَسْأَلُ إِرْسَالَ الْعَسَاكِرِ إِلَيْهِ سَرِيعًا، وَشَرَعَ هُوَ فِي إِصْلَاحِ الْأُسْطُولِ، وَالزِّيَادَةِ فِيهِ، وَجَمَعَ الرِّجَالَ الْمُقَاتِلَةَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
وَأَمَّا الْمُعِزُّ فَإِنَّهُ جَمَعَ الرِّجَالَ، وَحَشَدَ وَفَرَّقَ فِيهِمُ الْأَمْوَالَ الْجَلِيلَةَ، وَسَيَّرَهُمْ مَعَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَالِدِ أَحْمَدَ، فَوَصَلُوا إِلَى صِقِلِّيَةَ فِي رَمَضَانَ، وَسَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى الَّذِينَ يُحَاصِرُونَ رَمْطَةَ، فَكَانُوا مَعَهُمْ عَلَى حِصَارِهَا.
فَأَمَّا الرُّومُ فَإِنَّهُمْ وَصَلُوا أَيْضًا إِلَى صِقِلِّيَةَ، وَنَزَلُوا عِنْدَ مَدِينَةِ مَسِّينِي فِي شَوَّالٍ، وَزَحَفُوا مِنْهَا بِجُمُوعِهِمُ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ صِقِلِّيَةَ مِثْلُهَا إِلَى رَمْطَةَ، فَلَمَّا سَمِعَ الْحَسَنُ بْنُ عَمَّارٍ مُقَدَّمُ الْجَيْشِ الَّذِينَ يُحَاصِرُونَ رَمْطَةَ ذَلِكَ، جَعَلَ عَلَيْهَا طَائِفَةً مِنْ عَسْكَرِهِ يَمْنَعُونَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، وَبَرَزَ بِالْعَسَاكِرِ لِلِقَاءِ الرُّومِ وَقَدْ عَزَمُوا عَلَى الْمَوْتِ، وَوَصَلَ الرُّومُ وَأَحَاطُوا بِالْمُسْلِمِينَ.
وَنَزَلَ أَهْلُ رَمْطَةَ إِلَى مَنْ يَلِيهِمْ لِيَأْتُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ ظُهُورِهِمْ، فَقَاتَلَهُمُ الَّذِينَ جُعِلُوا هُنَاكَ لِمَنْعِهِمْ، وَصَدُّوهُمْ عَمَّا أَرَادُوا، وَتَقَدَّمَ الرُّومُ إِلَى الْقِتَالِ، وَهُمْ مُدِلُّونَ بِكَثْرَتِهِمْ وَبِمَا مَعَهُمْ مِنَ الْعُدَدِ وَغَيْرِهَا، وَالْتَحَمَ الْقِتَالُ وَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَلْحَقَهُمُ الْعَدُوُّ بِخِيَامِهِمْ، وَأَيْقَنَ الرُّومُ بِالظَّفَرِ، فَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ عِظَمَ مَا نَزَلْ بِهِمُ، اخْتَارُوا الْمَوْتَ، وَرَأَوْا أَنَّهُ أَسْلَمُ لَهُمْ، وَأَخَذُوا بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
تَأَخَّرْتُ أَسْتَبْقِي الْحَيَاةَ فَلَمْ أَجِدْ ... لِنَفْسَي حَيَاةً مِثْلَ أَنْ أَتَقَدَّمَا.
فَحَمَلَ بِهِمُ الْحَسَنُ بْنُ عَمَّارٍ أَمِيرُهُمْ، وَحَمِيَ الْوَطِيسُ حِينَئِذٍ، وَحَرَّضَهُمْ عَلَى قِتَالِ الْكُفَّارِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ بَطَارِقَةُ الرُّومِ، حَمَلُوا وَحَرَّضُوا عَسَاكِرَهُمْ.
وَحَمَلَ مَنْوِيلُ مُقَدَّمُ الرُّومِ، فَقَتَلَ فِي الْمُسْلِمِينَ، (فَطَعَنَهُ الْمُسْلِمُونَ) ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ لِكَثْرَةِ مَا عَلَيْهِ مِنَ اللِّبَاسِ، فَرَمَى بَعْضُهُمْ فَرَسَهُ فَقَتَلَهُ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ عَلَيْهِ، فَقُتِلَ هُوَ
стр. 3983
وَجَمَاعَةٌ مِنْ بَطَارِقَتِهِ، فَلَمَّا قُتِلَ انْهَزَمَ الرُّومُ أَقْبَحَ هَزِيمَةٍ، وَأَكْثَرَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِمُ الْقَتْلَ، وَوَصَلَ الْمُنْهَزِمُونَ إِلَى جَرْفِ خَنْدَقٍ عَظِيمٍ كَالْحُفْرَةِ، فَسَقَطُوا فِيهَا مِنْ خَوْفِ السَّيْفِ، فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى امْتَلَأَتْ، وَكَانَتِ الْحَرْبُ مِنْ بُكْرَةٍ إِلَى الْعَصْرِ، وَبَاتَ الْمُسْلِمُونَ يُقَاتِلُونَهُمْ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَغَنِمُوا مِنَ السِّلَاحِ وَالْخَيْلِ، وَصُنُوفِ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُحَدُّ.
وَكَانَ فِي جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ سَيْفٌ هِنْدِيٌّ عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ: هَذَا سَيْفٌ هِنْدِيٌّ، وَزْنُهُ مِائَةٌ وَسَبْعُونَ مِثْقَالًا، طَالَمَا ضُرِبَ بِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأُرْسِلَ إِلَى الْمُعِزِّ مَعَ الْأَسْرَى وَالرُّءُوسِ، وَسَارَ مَنْ سَلِمَ مِنَ الرُّومِ إِلَى رَيُّو.
وَأَمَّا أَهْلُ رَمْطَةَ فَإِنَّهُمْ ضَعُفَتْ نُفُوسُهُمْ، وَكَانَتِ الْأَقْوَاتُ قَدْ قَلَّتْ عِنْدَهُمْ، فَأَخْرَجُوا مَنْ فِيهَا مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَبَقِيَ الْمُقَاتِلَةُ، فَزَحَفَ إِلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ وَقَاتَلُوهُمْ إِلَى اللَّيْلِ، (وَلَزِمُوا) الْقِتَالَ فِي اللَّيْلِ أَيْضًا، وَتَقَدَّمُوا بِالسَّلَالِيمِ فَمَلَكُوهَا عَنْوَةً، وَقَتَلُوا مَنْ فِيهَا، وَسَبَوُا الْحُرَمَ وَالصِّغَارَ، وَغَنِمُوا مَا فِيهَا، وَكَانَ شَيْئًا كَثِيرًا عَظِيمًا، وَرَتَّبَ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُعَمِّرُهَا وَيُقِيمُ فِيهَا.
ثُمَّ إِنَّ الرُّومَ تَجَمَّعَ مَنْ سَلِمَ مِنْهَا، وَأَخَذُوا مَعَهُمْ مَنْ فِي صِقِلِّيَةَ وَجَزِيرَةِ رَيُّو مِنْهُمْ، وَرَكِبُوا مَرَاكِبَهُمْ يَحْفَظُونَ نُفُوسَهُمْ، فَرَكِبَ الْأَمِيرُ أَحْمَدُ فِي عَسَاكِرِهِ وَأَصْحَابِهِ فِي الْمَرَاكِبِ أَيْضًا، وَزَحَفَ إِلَيْهِمْ فِي الْمَاءِ وَقَاتَلَهُمْ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، وَأَلْقَى جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نُفُوسَهُمْ فِي الْمَاءِ، وَخَرَقُوا كَثِيرًا مِنَ الْمَرَاكِبِ الَّتِي لِلرُّومِ، (فَغَرِقَتْ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي الرُّومِ) ، فَانْهَزَمُوا لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَسَارَتْ سَرَايَا الْمُسْلِمِينَ فِي مَدَائِنِ الرُّومِ، فَغَنِمُوا مِنْهَا، فَبَذَلَ أَهْلُهَا لَهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَهَادَنُوهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَهَذِهِ الْوَقْعَةُ الْأَخِيرَةُ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِوَقْعَةِ الْمَجَازِ.
стр. 3984
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَاشِرَ الْمُحَرَّمِ، أُغْلِقَتِ الْأَسْوَاقُ بِبَغْدَاذَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَفَعَلَ النَّاسُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَثَارَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الشِّيعَةِ وَالسُّنَّةِ، جُرِحَ فِيهَا كَثِيرٌ، وَنُهِبَتِ الْأَمْوَالُ.
وَفِيهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ، ظَهَرَ بِالْكُوفَةِ إِنْسَانٌ ادَّعَى أَنَّهُ عَلَوِيٌّ، وَكَانَ مُبَرْقَعًا، فَوَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْعَلَوِيِّ وَقَائِعَ، فَلَمَّا عَادَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ مِنَ الْمَوْصِلِ، هَرَبَ الْمُبَرْقَعُ.
стр. 3985
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣٥٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ الرُّومِ عَلَى الْمَصِّيصَةِ وَطَرَسُوسَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَتَحَ الرُّومُ الْمَصِّيصَةَ وَطَرَسُوسَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ نِقْفُورَ مَلِكَ الرُّومِ بَنَى بِقَيْسَارِيَّةَ مَدِينَةً لِيَقْرُبَ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَأَقَامَ بِهَا، وَنَقَلَ أَهْلَهُ إِلَيْهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَهْلُ طَرَسُوسَ وَالْمَصِّيصَةَ (يَبْذُلُونَ لَهُ إِتَاوَةً) ، وَيَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يُنْفِذَ إِلَيْهِمْ بَعْضُ أَصْحَابِهِ يُقِيمُ عِنْدَهُمْ، فَعَزَمَ عَلَى إِجَابَتِهِمْ إِلَى ذَلِكَ.
فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِأَنَّهُمْ قَدْ ضَعُفُوا وَعَجَزُوا، وَأَنَّهُمْ لَا نَاصِرَ لَهُمْ، وَأَنَّ الْغَلَاءَ قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ عَجَزُوا عَنِ الْقُوتِ، وَأَكَلُوا الْكِلَابَ وَالْمَيْتَةَ، وَقَدْ كَثُرَ فِيهِمُ الْوَبَاءُ، فَيَمُوتُ مِنْهُمْ فِي الْيَوْمِ ثَلَاثُمِائَةِ نَفْسٍ، فَعَادَ نَقْفُورُ عَنْ إِجَابَتِهِمْ، وَأَحْضَرَ الرَّسُولَ وَأَحْرَقَ الْكِتَابَ عَلَى رَأْسِهِ، وَاحْتَرَقَتْ لِحْيَتُهُ، وَقَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ كَالْحَيَّةِ، فِي الشِّتَاءِ تُخَدَّرُ وَتَذْبُلُ حَتَّى تَكَادَ تَمُوتُ، فَإِنْ أَخَذَهَا إِنْسَانٌ وَأَحْسَنَ إِلَيْهَا وَأَدْفَأَهَا، انْتَعَشَتْ وَنَهَشَتْهُ، وَأَنْتُمْ إِنَّمَا أَطَعْتُمْ لِضَعْفِكُمْ، وَإِنْ تَرَكْتُكُمْ حَتَّى تَسْتَقِيمَ أَحْوَالُكُمْ، تَأَذَّيْتُ بِكُمْ.
وَأَعَادَ الرَّسُولَ، وَجَمَعَ جُيُوشَ الرُّومِ، وَسَارَ إِلَى الْمَصِّيصَةِ بِنَفْسِهِ، فَحَاصَرَهَا وَفَتَحَهَا عَنْوَةً (بِالسَّيْفِ يَوْمَ السَّبْتِ ثَالِثَ عَشَرَ رَجَبٍ) ، وَوَضَعَ السَّيْفَ فِيهِمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، ثُمَّ رَفَعَ السَّيْفَ وَنَقَلَ كُلَّ مَنْ بِهَا إِلَى بَلَدِ الرُّومِ، كَانُوا نَحْوَ مِائَتَيْ أَلْفِ إِنْسَانٍ.
стр. 3986
ثُمَّ سَارَ إِلَى طَرَسُوسَ فَحَصَرَهَا، فَأَذْعَنَ أَهْلُهَا بِالطَّاعَةِ، وَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَيْهِ وَفَتَحُوا الْبَلَدَ، فَلَقِيَهُمْ بِالْجَمِيلِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا مِنْ سِلَاحِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ (مَا يُطِيقُونَ) وَيَتْرُكُوا الْبَاقِيَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَسَارُوا بَرًا وَبَحْرًا، وَسَيَّرَ مَعَهُمْ مَنْ يَحْمِيهِمْ حَتَّى بَلَغُوا أَنْطَاكِيَّةَ.
وَجَعَلَ الْمَلِكُ الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ إِصْطَبْلًا لِدَوَابِّهِ، وَأَحْرَقَ الْمِنْبَرَ، وَعَمَّرَ طَرَسُوسَ وَحِصْنَهَا، وَجَلَبَ الْمِيرَةَ إِلَيْهَا حَتَّى رَخُصَتِ الْأَسْعَارُ، وَتَرَاجَعَ إِلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا، وَدَخَلُوا فِي طَاعَةِ الْمَلِكِ، وَتَنَصَّرَ بَعْضُهُمْ.
وَأَرَادَ الْمَقَامَ بِهَا لِيَقْرُبَ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَأَرَادَ الدُّمُسْتُقُ وَهُوَ ابْنُ الشَّمَشْقِيقِ أَنْ يَقْصِدَ مَيَّافَارِقِينَ، وَبِهَا سَيْفُ الدَّوْلَةِ، فَأَمَرَهُ الْمَلِكُ بِاتِّبَاعِهِ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَمَضَى إِلَيْهِ.
ذِكْرُ مُخَالِفَةِ أَهْلِ أَنْطَاكِيَّةَ عَلَى سَيْفِ الدَّوْلَةِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَصَى أَهْلُ أَنْطَاكِيَّةَ عَلَى سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ إِنْسَانًا مَنْ أَهْلِ طَرَسُوسَ كَانَ مُتَقَدِّمًا فِيهَا، يُسَمَّى رَشِيقًا النَّسِيمِيَّ، كَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ سَلَّمَهَا إِلَى الرُّومِ وَخَرَجَ إِلَى أَنْطَاكِيَّةَ، فَلَمَّا وَصَلَهَا، خَدَمَهُ إِنْسَانٌ يُعَرَفُ بِابْنِ الْأَهْوَازِيِّ كَانَ يَضْمَنُ الْأَرْحَاءَ بِأَنْطَاكِيَّةَ، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ مَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنْ حَاصِلِ الْأَرْحَاءِ، وَحَسُنَ لَهُ الْعِصْيَانُ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ سَيْفَ الدَّوْلَةِ بِمَيَّافَارِقِينَ قَدْ عَجَزَ عَنِ الْعَوْدِ إِلَى الشَّامِ، فَعَصَى وَاسْتَوْلَى عَلَى أَنْطَاكِيَّةَ، وَسَارَ إِلَى حَلَبَ، وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّائِبِ عَنْ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ قَرْغُوَيْهِ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ، وَصَعِدَ قَرْغُوَيْهِ إِلَى قَلْعَةِ حَلَبَ فَتَحَصَّنَ بِهَا، وَأَنْفَذَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ عَسْكَرًا مَعَ خَادِمِهِ بَشَّارَةَ نَجْدَةً لِقَرْغُوَيْهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ رَشِيقٌ، انْهَزَمَ عَنْ حَلَبَ، فَسَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ إِنْسَانٌ عَرَبِيٌّ فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ رَأْسَهُ وَحَمَلَهُ إِلَى قَرْغُوَيْهِ وَبَشَّارَةَ.
стр. 3987
وَوَصَلَ ابْنُ الْأَهْوَازِيِّ إِلَى أَنْطَاكِيَّةَ، فَأَظْهَرَ إِنْسَانًا مِنَ الدَّيْلَمِ اسْمُهُ دَزْبَرُ، وَسَمَّاهُ الْأَمِيرُ، وَتَقْوَّى بِإِنْسَانٍ عَلَوِيٍّ لِيُقِيمَ لَهُ الدَّعْوَةَ، وَتَسَمَّى هُوَ بِالْأُسْتَاذِ، فَظَلَمَ النَّاسَ، وَجَمَعَ الْأَمْوَالَ، وَقَصَدَ قَرْغُوَيْهِ إِلَى أَنْطَاكِيَّةَ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمَا وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ، فَكَانَتْ عَلَى ابْنِ الْأَهْوَازِيِّ أَوَّلًا، ثُمَّ عَادَتْ عَلَى قَرْغُوَيْهِ، فَانْهَزَمَ وَعَادَ إِلَى حَلَبَ.
ثُمَّ إِنَّ سَيْفَ الدَّوْلَةِ عَادَ عَنْ مَيَّافَارِقِينَ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْغُزَاةِ إِلَى حَلَبَ، فَأَقَامَ بِهَا لَيْلَةً، وَخَرَجَ مِنَ الْغَدِ، فَوَاقَعَ دَزْبَرَ وَابْنَ الْأَهْوَازِيِّ، فَقَاتَلَ مَنْ بِهَا فَانْهَزَمُوا، وَأَسَرَ دَزْبَرَ وَابْنَ الْأَهْوَازِيِّ، فَقَتَلَ دَزْبَرَ، وَسَجَنَ ابْنَ الْأَهْوَازِيِّ مُدَّةً ثُمَّ قَتَلَهُ.
ذِكْرُ عِصْيَانِ أَهْلِ سِجِسْتَانَ
وَفِي السَّنَةِ عَصَى أَهْلُ سِجِسْتَانَ عَلَى أَمِيرِهِمْ خَلَفِ بْنِ أَحْمَدَ، وَكَانَ خَلَفُ هَذَا هُوَ صَاحِبُ سِجِسْتَانَ حِينَئِذٍ، وَكَانَ عَالِمًا مُحِبًا لِأَهْلِ الْعِلْمِ، فَاتُّفِقَ أَنَّهُ حَجَّ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى أَعْمَالِهِ إِنْسَانًا مِنْ أَصْحَابِهِ يُسَمَّى طَاهِرَ بْنَ الْحُسَيْنِ، فَطَمِعَ فِي الْمُلْكِ، وَعَصَى عَلَى خَلَفٍ لَمَّا عَادَ مِنَ الْحَجِّ، فَسَارَ خَلَفٌ إِلَى بُخَارَى، وَاسْتَنْصَرَ بِالْأَمِيرِ مَنْصُورِ بْنِ نُوحٍ، وَسَأَلَهُ مَعُونَتَهُ، وَرَدَّهُ إِلَى مُلْكِهِ، فَأَنْجَدَهُ وَجَهَّزَ مَعَهُ الْعَسَاكِرَ، فَسَارَ بِهِمْ نَحْوَ سِجِسْتَانَ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ طَاهِرٌ، فَارَقَ مَدِينَةَ خَلَفٍ وَتَوَجَّهَ نَحْوَ اسْفِرَارَ، وَعَادَ خَلَفٌ إِلَى قَرَارِهِ وَمُلْكِهِ وَفَرَّقَ الْعَسَاكِرَ.
فَلَمَّا عَلِمَ طَاهِرٌ بِذَلِكَ، عَادَ إِلَيْهِ، وَغَلَبَ عَلَى سِجِسْتَانَ، وَفَارَقَهَا خَلَفٌ، وَعَادَ إِلَى حَضْرَةِ الْأَمِيرِ مَنْصُورٍ أَيْضًا بِبُخَارَى، فَأَكْرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَأَنْجَدَهُ بِالْعَسَاكِرِ الْكَثِيرَةِ، وَرَدَّهُ
стр. 3988
إِلَى سِجِسْتَانَ، فَوَافَقَ وُصُولُهُ مَوْتَ طَاهِرٍ، وَانْتِصَابِ ابْنِهِ الْحُسَيْنِ مَكَانَهُ، فَحَاصَرَهُ خَلَفٌ وَضَايَقَهُ، وَكَثُرَ بَيْنَهُمُ الْقَتْلَى، وَاسْتَظْهَرَ خَلَفٌ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ كَتَبَ إِلَى بُخَارَى يَعْتَذِرُ وَيَتَنَصَّلُ، وَيُظْهِرُ الطَّاعَةَ، وَيَسْأَلُ الْإِقَالَةَ، فَأَجَابَهُ الْأَمِيرُ مَنْصُورٌ إِلَى مَا طَلَبَهُ، وَكَتَبَ فِي تَمْكِينِهِ مِنَ الْمَسِيرِ إِلَيْهِ فَسَارَ مِنْ سِجِسْتَانَ إِلَى بُخَارَى، فَأَحْسَنَ الْأَمِيرُ مَنْصُورٌ إِلَيْهِ.
وَاسْتَقَرَّ خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ بِسِجِسْتَانَ، وَدَامَتْ أَيَّامُهُ فِيهَا، وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُ وَرِجَالُهُ، فَقَطَعَ مَا كَانَ يَحْمِلُهُ إِلَى بُخَارَى مِنَ الْخِلَعِ وَالْخَدَمِ وَالْأَمْوَالِ الَّتِي اسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ عَلَيْهَا، فَجُهِّزَتِ الْعَسَاكِرُ إِلَيْهِ، وَجُعِلَ مُقَدَّمُهَا الْحَسَنُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمَذْكُورُ، فَسَارُوا إِلَى سِجِسْتَانَ، وَحَصَرُوا خَلَفَ بْنَ أَحْمَدَ بِحِصْنِ أَرَكَ، وَهُوَ مِنْ أَمْنَعِ الْحُصُونِ وَأَعْلَاهَا مَحَلًّا وَأَعْمَقِهَا خَنْدَقًا، فَدَامَ الْحِصَارُ عَلَيْهِ سَبْعَ سِنِينَ.
وَكَانَ خَلَفٌ يُقَاتِلُهُمْ بِأَنْوَاعِ السِّلَاحِ، وَيُعْمِلُ بِهِمْ أَنْوَاعَ الْحِيَلِ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يَأْمُرُهُمْ بِصَيْدِ الْحَيَّاتِ وَيَجْعَلُهَا فِي جِرَابٍ وَيَقْذِفُهَا فِي الْمَنْجَنِيقِ إِلَيْهِمْ، فَكَانُوا يَنْتَقِلُونَ لِذَلِكَ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ.
فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ الْحِصَارُ، وَفَنِيَتِ الْأَمْوَالُ وَالْآلَاتُ، كَتَبَ نُوحُ بْنُ مَنْصُورٍ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ سِيمْجُورَ الَّذِي كَانَ أَمِيرَ جُيُوشِ خُرَاسَانَ، وَكَانَ حِينَئِذٍ قَدْ عُزِلَ عَنْهَا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى خَلَفٍ وَمُحَاصَرَتِهِ، وَكَانَ بِقُوهِسْتَانَ، فَسَارَ مِنْهَا إِلَى سِجِسْتَانَ، وَحَصَرَ خَلَفًا، وَكَانَ بَيْنَهُمَا مَوَدَّةٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ يُشِيرُ عَلَيْهِ بِالنُّزُولِ عَنْ حِصْنِ أَرَكَ وَتَسْلِيمِهِ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ طَاهِرٍ، لِيَصِيرَ لِمَنْ قَدْ حَصَرَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ طَرِيقٌ وَحُجَّةٌ يَعُودُونَ بِهَا إِلَى بُخَارَى، فَإِذَا تَفَرَّقَتِ الْعَسَاكِرُ عَاوَدَ هُوَ مُحَارَبَةَ الْحُسَيْنِ (وَبَكْرُ بْنُ الْحُسَيْنِ مُفْرَدًا مِنَ) الْعَسَاكِرِ، فَقَبِلَ خَلَفٌ مَشُورَتَهُ، وَفَارَقَ حِصْنَ أَرَكَ إِلَى حِصْنِ الطَّارِقِ، وَدَخَلَ أَبُو الْحَسَنِ السِّيمْجُورِيُّ إِلَى أَرَكَ، وَأَقَامَ بِهِ الْخُطْبَةَ لِلْأَمِيرِ نُوحٍ، وَانْصَرَفَ عَنْهُ، وَقَرَّرَ الْحُسَيْنُ بْنُ طَاهِرٍ فِيهِ.
وَسَنُورِدُ مَا يَتَجَدَّدُ فِيمَا بَعْدُ، وَكَانَ هَذَا أَوَّلَ وَهْنٍ دَخَلَ عَلَى دَوْلَةِ السَّامَانِيَّةِ، فَطَمِعَ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ فِيهِمْ لِسُوءِ طَاعَةِ أَصْحَابِهِمْ لَهُمْ، وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نُورِدَ كُلَّ حَادِثٍ مِنْ
стр. 3989
هَذِهِ الْحَوَادِثِ فِي سَنَتِهِ، لَكِنَّنَا جَمَعْنَاهُ لِقِلَّتِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنْسَى أَوَّلُهُ لِبُعْدِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخِرِهِ.
ذِكْرُ طَاعَةِ أَهْلِ عُمَانَ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ
وَفِيهَا سَيَّرَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ عَسْكَرًا إِلَى عُمَانَ، فَلَقَوْا أَمِيرَهَا، وَهُوَ نَافِعٌ مَوْلَى يُوسُفَ بْنِ وَجِيهٍ، وَكَانَ يُوسُفُ قَدْ هَلَكَ، وَمَلَكَ نَافِعٌ الْبَلَدَ بَعْدَهُ، وَكَانَ أَسْوَدَ، فَدَخَلَ نَافِعٌ فِي طَاعَةِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَخَطَبَ لَهُ، وَضَرَبَ لَهُ اسْمَهُ عَلَى الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، فَلَمَّا عَادَ الْعَسْكَرُ عَنْهُ وَثَبَ بِهِ أَهْلُ عُمَانَ فَأَخْرَجُوهُ عَنْهُمْ، وَأَدْخَلُوا الْقَرَامِطَةَ الْهَجَرِيِّينَ إِلَيْهِمْ، وَتَسَلَّمُوا الْبَلَدَ، فَكَانُوا يُقِيمُونَ فِيهِ نَهَارًا وَيَخْرُجُونَ لَيْلًا إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ، وَكَتَبُوا إِلَى أَصْحَابِهِمْ بِهَجَرَ يُعَرِّفُونَهُمُ الْخَبَرَ لِيَأْمُرُوهُمْ بِمَا يَفْعَلُونَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ لَيْلَةَ السَّبْتِ رَابِعَ عَشَرَ صَفَرَ انْخَسَفَ الْقَمَرُ جَمِيعُهُ.
وَفِيهَا نَزَلَتْ طَائِفَةٌ مِنَ التُّرْكِ عَلَى بِلَادِ الْخَزَرِ، فَانْتَصَرَ الْخَزَرُ بِأَهْلِ خُوَارَزْمَ فَلَمْ يُنْجِدُوهُمْ وَقَالُوا: أَنْتُمْ كُفَّارٌ، فَإِنْ أَسْلَمْتُمْ نَصَرْنَاكُمْ، فَأَسْلَمُوا إِلَّا مِلْكَهُمْ، فَنَصَرَهُمْ أَهْلُ خُوَارَزْمَ وَأَزَالُوا التُّرْكَ عَنْهُمْ، ثُمَّ أَسْلَمَ مَلِكُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَفِيهَا، رَابِعُ جُمَادَى الْآخِرَةِ، تَقَلَّدَ الشَّرِيفُ أَبُو أَحْمَدَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُوسَى وَالِدُ الرَّضِيِّ وَالْمُرْتَضَى نِقَابَةَ الْعَلَوِيِّينَ، (وَإِمَارَةَ الْحَاجِّ) ، وَكُتِبَ لَهُ مَنْشُورٌ مِنْ دِيوَانِ الْخَلِيفَةِ.
وَفِيهَا أَنْفَذَ الْقَرَامِطَةُ سَرِيَّةً إِلَى عُمَانَ، وَالشُّرَاةُ فِي جِبَالِهَا (كَثِيرٌ فَاجْتَمَعُوا) ، فَأَوْقَعُوا بِالْقَرَامِطَةِ فَقَتَلُوا كَثِيرًا مِنْهُمْ، وَعَادَ الْبَاقُونَ.
وَفِيهَا ثَارَ إِنْسَانٌ مِنَ الْقَرَامِطَةِ الَّذِينَ اسْتَأْمَنُوا إِلَى سَيْفِ الدَّوْلَةِ، وَاسْمُهُ مَرْوَانُ وَكَانَ يَتَقَلَّدُ السَّوَاحِلَ لِسَيْفِ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا تَمَكَّنَ ثَارَ بِحِمْصَ فَمَلَكَهَا وَمَلَكَ غَيْرَهَا، فَخَرَجَ
стр. 3990
إِلَيْهِ غُلَامٌ لِقَرْغَوَيْهِ حَاجِبِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، اسْمُهُ بَدْرٌ وَوَاقَعَ الْقَرْمَطِيَّ عِدَّةَ وَقَعَاتٍ، فَفِي بَعْضِهَا رَمَى بَدْرٌ مَرْوَانَ بِنُشَّابَةٍ مَسْمُومَةٍ، وَاتُّفِقَ أَنَّ أَصْحَابَ مَرْوَانَ أَسَرُوا بَدْرًا، فَقَتَلَهُ مَرْوَانُ، ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ قَتْلِهِ أَيَّامًا وَمَاتَ.
وَفِيهَا قُتِلَ الْمُتَنَبِّي الشَّاعِرُ، وَاسْمُهُ أَبُو الطِّيِّبِ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكِنْدِيُّ، قَرِيبًا مِنَ النُّعْمَانِيَّةِ وَقُتِلَ مَعَهُ ابْنُهُ، وَكَانَ قَدْ عَادَ مِنْ عِنْدِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بِفَارِسَ، فَقَتَلَهُ الْأَعْرَابُ هُنَاكَ وَأَخَذُوا مَا مَعَهُ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ (بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حِبَّانَ) أَبُو حَاتِمٍ الْبَسْتِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ الْمَشْهُورَةِ، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ مِقْسَمٍ الْمُفَسِّرُ النَّحْوِيُّ الْمُقْرِئُ، وَكَانَ عَالِمًا بِنَحْوِ الْكُوفِيِّينَ وَلَهُ تَفْسِيرٌ كَبِيرٌ حَسَنٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدَوَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْحَدِيثِ عَالِيَ الْإِسْنَادِ.
(حِبَّانُ: بِكَسْرِ الْحَاءِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ) .
стр. 3991
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣٥٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ مَا تَجَدَّدَ بِعُمَانَ وَاسْتِيلَاءِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ عَلَيْهِ
قَدْ ذَكَرْنَا فِي السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ خَبَرَ عُمَانَ وَدُخُولَ الْقَرَامِطَةِ إِلَيْهَا، وَهَرَبَ نَافِعٍ عَنْهَا، فَلَمَّا هَرَبَ نَافِعٌ، وَاسْتَوْلَى الْقَرَامِطَةُ عَلَى الْبَلَدِ، كَانَ مَعَهُمْ كَاتِبٌ يُعْرَفُ بِعَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْبَلَدِ، وَكَانَ بِعُمَانَ قَاضٍ لَهُ عَشِيرَةٌ وَجَاهٌ، فَاتَّفَقَ هُوَ وَأَهْلُ الْبَلَدِ أَنْ يُنَصِّبُوا فِي الْإِمْرَةِ رَجُلًا يُعْرَفُ بِابْنِ طُغَانَ، وَكَانَ مِنْ صِغَارِ الْقُوَّادِ بِعُمَانَ، وَأَدْنَاهُمْ مَرْتَبَةً، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ (فِي الْإِمْرَةِ) خَافَ مِمَّنْ فَوْقَهُ مِنَ الْقُوَّادِ، فَقَبَضَ عَلَى ثَمَانِينَ قَائِدًا، فَقَتَلَ بَعْضَهُمْ، وَغَرَّقَ بَعْضَهُمْ.
وَقَدِمَ الْبَلَدَ ابْنَا أُخْتٍ لِرَجُلٍ مِمَّنْ قَدْ غَرَّقَهُمْ، فَأَقَامَا مُدَّةً، ثُمَّ إِنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى طُغَانَ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ السَّلَامِ، فَسَلَّمَا عَلَيْهِ، فَلَمَّا تَقَوَّضَ الْمَجْلِسُ قَتَلَاهُ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُ النَّاسِ عَلَى تَأْمِيرِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَرْوَانَ، وَهُوَ مِنْ أَقَارِبِ الْقَاضِي، فَوَلِيَ الْإِمَارَةَ بَعْدَ امْتِنَاعٍ مِنْهُ، وَاسْتَكْتَبَ عَلِيَّ بْنَ أَحْمَدَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْهَجَرِيِّينَ، فَأَمَرَ عَبْدُ الْوَهَّابِ كَاتِبَهُ عَلِيًّا أَنْ يُعْطِيَ الْجُنْدَ أَرْزَاقَهُمْ صِلَةً، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الزِّنْجِ، وَكَانُوا سِتَّةَ آلَافِ رَجُلٍ، (وَلَهُمْ بَأْسٌ وَشِدَّةٌ) ، قَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ: إِنَّ الْأَمِيرَ عَبْدَ الْوَهَّابِ أَمَرَنِي أَنْ أُعْطِيَ الْبِيضَ مِنَ الْجُنْدِ كَذَا وَكَذَا، (وَأَمَرَ لَكُمْ بِنِصْفِ) ذَلِكَ، فَاضْطَرَبُوا وَامْتَنَعُوا، فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ لَكَمَ أَنْ تُبَايِعُونِي فَأُعْطِيَكُمْ مِثْلَ سَائِرِ الْأَجْنَادِ؟ فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَبَايَعُوهُ، وَأَعْطَاهُمْ
стр. 3992
مِثْلَ الْبِيضِ مِنَ الْجُنْدِ، فَامْتَنَعَ الْبِيضُ مِنْ ذَلِكَ، وَوَقَعَ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ، فَظَهَرَ الزِّنْجُ عَلَيْهِمْ، فَسَكَنُوا، وَاتَّفَقُوا مَعَ الزِّنْجِ وَأَخْرَجُوا عَبْدَ الْوَهَّابِ مِنَ الْبَلَدِ، فَاسْتَقَرَّ فِي الْإِمَارَةِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ.
ثُمَّ إِنَّ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ سَارَ إِلَى وَاسِطَ لِحَرْبِ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ، وَلِإِرْسَالِ جَيْشٍ إِلَى عُمَانَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى وَاسِطَ قَدِمَ عَلَيْهِ نَافِعٌ الْأَسْوَدُ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ عُمَانَ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَأَقَامَ لِلْفَرَاغِ مِنْ أَمْرِ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَانْحَدَرَ مِنْ وَاسِطَ إِلَى الْأُبُلَّةِ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَأَقَامَ بِهَا يُجَهِّزُ الْجَيْشَ وَالْمَرَاكِبَ لِيَسِيرُوا إِلَى عُمَانَ، فَفَرَغَ مِنْهُ، وَسَارُوا مُنْتَصَفَ شَوَّالٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ أَبَا الْفَرَجِ مُحَمَّدَ بْنَ الْعَبَّاسِ بْنِ فَسَانْجِسَ، وَكَانُوا فِي مِائَةِ قِطْعَةٍ، فَلَمَّا كَانُوا بِسِيرَافَ انْضَمَّ إِلَيْهِمُ الْجَيْشُ الَّذِي جَهَّزَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ مِنْ فَارِسَ نَجْدَةً لِعَمِّهِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَاجْتَمَعُوا وَسَارُوا إِلَى عُمَانَ، وَدَخَلَهَا تَاسِعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَخَطَبَ لِمُعِزِّ الدَّوْلَةِ فِيهَا، وَقَتَلَ مِنْ أَهْلِهَا مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَأُحْرِقَتْ مَرَاكِبُهُمْ، وَهِيَ تِسْعَةٌ وَثَمَانُونَ مَرْكَبًا.
ذِكْرُ هَزِيمَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَرْزُبَانِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْهَزَمَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ عَنْ أَذْرَبِيجَانَ إِلَى الرَّيِّ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا انْهَزَمَ مِنْ جَسْتَانَ بْنِ شَرْمَزَنَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، قَصَدَ أَرْمِينِيَّةَ، وَشَرَعَ يَسْتَعِدُّ وَيَتَجَهَّزُ لِلْعَوْدِ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَكَانَتْ مُلُوكُ أَرْمِينِيَّةَ مِنَ الْأَرْمَنِ وَالْأَكْرَادِ، وَرَاسَلَ جَسْتَانَ بْنَ شَرْمَزَنَ وَأَصْلَحَهُ، فَأَتَاهُ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ.
وَاتُّفِقَ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ ابْنَ عَمِّهِ وَهْسُوذَانَ تُوُفِّيَ، فَسَارَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَرْدَبِيلَ فَمَلَكَهَا، وَانْصَرَفَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَسِيكِيَّ إِلَى وَهْسُوذَانَ، وَصَارَ مَعَهُ، وَسَارَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى عَمِّهِ وَهْسُوذَانَ يُطَالِبُهُ بِثَأْرِ إِخْوَتِهِ، فَخَافَهُ عَمُّهُ وَهْسُوذَانُ، وَسَارَ هُوَ وَابْنُ مَسِيكِيَّ إِلَى بَلَدِ الدَّيْلَمِ، وَاسْتَوْلَى إِبْرَاهِيمُ عَلَى أَعْمَالِ عَمِّهِ، وَخَبَطَ أَصْحَابَهُ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُ الَّتِي ظَفِرَ بِهَا.
وَجَمَعَ وَهْسُوذَانُ الرِّجَالَ وَعَادَ إِلَى قَلْعَتِهِ بِالطَّرْمِ، وَسَيَّرَ أَبَا الْقَاسِمِ بْنَ مَسِيكِيَّ فِي الْجُيُوشِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَلَقِيَهُمْ إِبْرَاهِيمُ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَ إِبْرَاهِيمُ وَتَبِعَهُ
стр. 3993
الطُّلَّبُ فَلَمْ يُدْرِكُوهُ، وَسَارَ وَحْدَهُ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الرَّيِّ إِلَى رُكْنِ الدَّوْلَةِ، فَأَكْرَمَهُ رُكْنُ الدَّوْلَةِ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَكَانَ زَوْجَ أُخْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَبَالَغَ فِي إِكْرَامِهِ لِذَلِكَ، وَأَجْزَلَ لَهُ الْهَدَايَا وَالصِّلَاتِ.
ذِكْرُ خَبَرِ الْغُزَاةِ الْخُرَاسَانِيَّةِ مَعَ رُكْنِ الدَّوْلَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَمَضَانَ، خَرَجَ مِنْ خُرَاسَانَ جَمْعٌ عَظِيمٌ يَبْلُغُونَ عِشْرِينَ أَلْفًا إِلَى الرَّيِّ بِنِيَّةِ الْغَزَاةِ، فَبَلَغَ خَبَرُهُمْ إِلَى رُكْنِ الدَّوْلَةِ، وَكَثْرَةُ جَمْعِهِمْ، وَمَا فَعَلُوهُ فِي أَطْرَافِ بِلَادِهِ مِنَ الْفَسَادِ، وَأَنَّ رُؤَسَاءَهُمْ لَمْ يَمْنَعُوهُمْ (عَنْ ذَلِكَ) ، (فَأَشَارَ عَلَيْهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ الْعَمِيدِ، وَهُوَ وَزِيرُهُ، بِمَنْعِهِمْ مِنْ دُخُولِ بِلَادِهِ مُجْتَمِعِينَ، فَقَالَ: لَا تَتَحَدَّثُ الْمُلُوكُ أَنَّنِي خِفْتُ جَمْعًا مِنَ الْغُزَاةِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِهِمْ إِلَى أَنْ يَجْمَعَ عَسْكَرَهُ، وَكَانُوا مُتَفَرِّقِينَ فِي أَعْمَالِهِمْ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مَعَ صَاحِبِ خُرَاسَانَ مُوَاطَأَةً عَلَى بِلَادِكَ وَدَوْلَتِكَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِهِ.
فَلَمَّا وَرَدُوا الرَّيَّ اجْتَمَعَ رُؤَسَاؤُهُمْ، وَفِيهِمُ الْقَفَّالُ الْفَقِيهُ، وَحَضَرُوا مَجْلِسَ ابْنِ الْعَمِيدِ، وَطَلَبُوا مَالًا يُنْفِقُونَهُ، فَوَعَدَهُمْ فَاشْتَطُّوا فِي الطَّلَبِ وَقَالُوا: نُرِيدُ خَرَاجَ هَذِهِ الْبِلَادِ جَمِيعِهَا، فَإِنَّهُ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَقَدْ فَعَلَ الرُّومُ بِالْمُسْلِمِينَ مَا بَلَغَكُمْ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى بِلَادِكُمْ، وَكَذَلِكَ الْأَرْمَنُ، وَنَحْنُ غُزَاةٌ، وَفُقَرَاءُ، وَأَبْنَاءُ سَبِيلٍ، فَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمَالِ مِنْكُمْ، وَطَلَبُوا جَيْشًا يَخْرُجُ مَعَهُمْ، وَاشْتَطُّوا فِي الِاقْتِرَاحِ، فَعَلِمَ ابْنُ الْعَمِيدِ حِينَئِذٍ خُبْثَ سَرَائِرِهِمْ، وَتَيَقَّنَ مَا كَانَ ظَنُّهُ فِيهِمْ، فَرَفَقَ بِهِمْ وَدَارَاهُمْ، فَعَدَلُوا عَنْهُ إِلَى مُشَاتَمَةِ الدَّيْلَمِ، وَلَعْنِهِمْ، وَتَكْفِيرِهِمْ، ثُمَّ قَامُوا عَنْهُ، وَشَرَعُوا يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَسْلُبُونَ الْعَامَّةَ بِحُجَّةِ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَثَارُوا الْفِتْنَةَ، وَحَارَبُوا جَمَاعَةً مِنَ الدَّيْلَمِ إِلَى أَنَّ حَجَزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، ثُمَّ بَاكَرُوا الْقِتَالَ وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ، وَنَهَبُوا دَارَ الْوَزِيرِ ابْنِ الْعَمِيدِ وَجَرَحُوهُ، وَسَلِمَ مِنَ الْقَتْلِ.
وَخَرَجَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ إِلَيْهِمْ فِي أَصْحَابِهِ، وَكَانَ فِي قِلَّةٍ، فَهَزَمَهُ الْخُرَاسَانِيَّةُ، فَلَوْ تَبِعُوهُ لَأَتَوْا عَلَيْهِ وَمَلَكُوا الْبَلَدَ مِنْهُ، لَكِنَّهُمْ عَادُوا عَنْهُ لِأَنَّ اللَّيْلَ أَدْرَكَهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا رَاسَلَهُمْ رُكْنُ الدَّوْلَةِ وَلَطُفَ بِهِمْ، لَعَلَّهُمْ يَسِيرُونَ مِنْ بَلَدِهِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَكَانُوا يَنْتَظِرُونَ مَدَدًا يَأْتِيهِمْ
стр. 3994
مِنْ صَاحِبِ خُرَاسَانَ، فَإِنَّهُمْ كَانَ بَيْنَهُمْ مُوَاعَدَةٌ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ.
ثُمَّ إِنَّهُمُ اجْتَمَعُوا وَقَصَدُوا الْبَلَدَ لِيَمْلِكُوهُ، فَخَرَجَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ إِلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ، وَأَمَرَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَسِيرُوا إِلَى مَكَانٍ يَرَاهُمْ، ثُمَّ يُثِيرُوا غَبَرَةً شَدِيدَةً، وَيُرْسِلُوا إِلَيْهِ مَنْ يُخْبِرُهُ أَنَّ الْجُيُوشَ قَدْ أَتَتْهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ.
وَكَانَ أَصْحَابُهُ قَدْ خَافُوا لِقِلَّتِهِمْ، وَكَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا الْغَبَرَةَ وَأَتَاهُمْ مَنْ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ أَصْحَابَهُ لَحِقُوهُمْ قَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ رُكْنُ الدَّوْلَةِ: احْمِلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ لَعَلَّنَا نَظْفَرُ بِهِمْ قَبْلَ وُصُولِ أَصْحَابِنَا، فَيَكُونُ الظَّفَرُ وَالْغَنِيمَةُ لَنَا، فَكَبَّرُوا، وَحَمَلُوا حَمْلَةً صَادِقَةً، فَكَانَ لَهُمُ الظَّفَرُ، وَانْهَزَمَ الْخُرَاسَانِيَّةُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأُسِرَ أَكْثَرُ مِمَّنْ قُتِلَ، وَتَفَرَّقَ الْبَاقُونَ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ رُكْنُ الدَّوْلَةِ.
وَكَانَ قَدْ دَخَلَ الْبَلَدَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ يُكَبِّرُونَ كَأَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ الْكُفَّارَ، وَيَقْتُلُونَ كُلَّ مَنْ رَأَوْهُ بِزِيِّ الدَّيْلَمِ، وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ رَافِضَةٌ، فَبَلَغَهُمْ خَبَرُ انْهِزَامِ أَصْحَابِهِمْ، وَقَصْدِهِمُ الدَّيْلَمَ لِيَقْتُلُوهُمْ، فَمَنَعَهُمْ رُكْنُ الدَّوْلَةِ وَأَمَّنَهُمْ، وَفَتَحَ لَهُمُ الطَّرِيقَ لِيَعُودُوا، وَوَصَلَ بَعْدَهُمْ نَحْوُ أَلْفَيْ رَجُلٍ بِالْعُدَّةِ وَالسِّلَاحِ، فَقَاتَلَهُمْ رُكْنُ الدَّوْلَةِ، فَهَزَمَهُمْ وَقَتَّلَ فِيهِمْ، ثُمَّ أَطْلَقَ الْأَسَارَى، وَأَمَرَ لَهُمْ بِنَفَقَاتٍ، وَرَدَّهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ عِنْدَ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، فَأَثَّرَ فِيهِمْ آثَارًا حَسَنَةً.
ذِكْرُ عَوْدِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَرْزُبَانِ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَادَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَصَدَ رُكْنَ الدَّوْلَةِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، جَهَّزَ الْعَسَاكِرَ مَعَهُ، وَسَيَّرَ مَعَهُ الْأُسْتَاذَ أَبَا الْفَضْلِ بْنَ الْعَمِيدِ لِيَرُدَّهُ إِلَى وِلَايَتِهِ، وَيُصْلِحَ لَهُ أَصْحَابَ الْأَطْرَافِ، فَسَارَ مَعَهُ إِلَيْهَا، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَأَصْلَحَ لَهُ جَسْتَانَ بْنَ شَرْمَزَنَ، وَقَادَهُ إِلَى طَاعَتِهِ، وَغَيْرِهِ مِنْ طَوَائِفِ الْأَكْرَادِ، وَمَكَّنَهُ مِنَ الْبِلَادِ.
وَكَانَ ابْنُ الْعَمِيدِ لَمَّا وَصَلَ إِلَى تِلْكَ الْبِلَادِ رَأَى كَثْرَةَ دَخْلِهَا، وَسَعَةَ مِيَاهِهَا وَرَأَى مَا
стр. 3995
يَتَحَصَّلُ لِإِبْرَاهِيمَ مِنْهَا، فَوَجَدَهُ قَلِيلًا لِسُوءِ تَدْبِيرِهِ، وَطَمَعِ النَّاسِ فِيهِ لِاشْتِغَالِهِ بِالشُّرْبِ وَالنِّسَاءِ، فَكَتَبَ إِلَى رُكْنِ الدَّوْلَةِ يُعَرِّفُهُ الْحَالَ، وَيُشِيرُ بِأَنْ يُعَوِّضَهُ مِنْ بَعْضِ وِلَايَتِهِ بِمِقْدَارِ مَا يَتَحَصَّلُ (لَهُ مِنْ) هَذِهِ الْبِلَادِ وَيَأْخُذُهَا مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ لَهُ حَالٌ مَعَ الَّذِينَ بِهَا، وَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ، فَامْتَنَعَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ مِنْ قَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُ، وَقَالَ: لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ عَنِّي أَنِّي اسْتَجَارَ بِي إِنْسَانٌ وَطَمِعْتُ فِيهِ، وَأَمَرَ أَبَا الْفَضْلِ بِالْعَوْدِ عَنْهُ وَتَسْلِيمِ الْبِلَادِ إِلَيْهِ، فَفَعَلَ وَعَادَ وَحَكَى لِرُكْنِ الدَّوْلَةِ صُورَةَ الْحَالِ، وَحَذَّرَهُ خُرُوجَ الْبِلَادِ مِنْ يَدِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرَهُ، حَتَّى أُخِذَ إِبْرَاهِيمُ وَحُبِسَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
ذِكْرُ خُرُوجِ الرُّومِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالٍ، خَرَجَتِ الرُّومُ، فَقَصَدُوا مَدِينَةَ آمِدَ، وَنَزَلُوا عَلَيْهَا، وَحَصَرُوهَا وَقَاتَلُوا أَهْلَهَا، فَقُتِلَ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ، وَأُسِرَ نَحْوُ أَرْبَعِمِائَةِ أَسِيرٍ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ فَتْحُهَا، فَانْصَرَفُوا إِلَى دَارَا، وَقَرُبُوا مِنْ نَصِيبِينَ، (وَلَقِيَهُمْ قَافِلَةٌ وَارِدَةٌ مِنْ مَيَّافَارِقِينَ، فَأَخَذُوهَا، وَهَرَبَ النَّاسُ مِنْ نَصِيبِينَ) خَوْفًا مِنْهُمْ، حَتَّى بَلَغَتْ أُجْرَةُ الدَّابَّةِ مِائَةَ دِرْهَمٍ.
وَرَاسَلَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ الْأَعْرَابَ لِيَهْرَبَ مَعَهُمْ، وَكَانَ فِي نَصِيبِينَ، فَاتَّفَقَ أَنَّ الرُّومَ عَادُوا قَبْلَ هَرَبِهِ، فَأَقَامَ بِمَكَانِهِ، وَسَارُوا مِنْ دِيَارِ الْجَزِيرَةِ إِلَى الشَّامِ، فَنَازَلُوا أَنْطَاكِيَةَ، فَأَقَامُوا عَلَيْهَا مُدَّةً طَوِيلَةً يُقَاتِلُونَ أَهْلَهَا، فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ فَتْحُهَا، فَخَرَّبُوا بَلَدَهَا وَنَهَبُوهُ، وَعَادُوا إِلَى طَرَسُوسَ.
ذِكْرُ مَا جَرَى لِمُعِزِّ الدَّوْلَةِ مَعَ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ
قَدْ ذَكَرْنَا انْحِدَارَ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ إِلَى وَاسِطَ لِأَجْلِ قَصْدِ وِلَايَةِ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ بِالْبَطَائِحِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى وَاسِطَ أَنْفَذَ الْجَيْشَ مَعَ أَبِي الْفَضْلِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْحَسَنِ،
следующие страницы →