← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣٥٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ مَا تَجَدَّدَ بِعُمَانَ وَاسْتِيلَاءِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ عَلَيْهِ قَدْ ذَكَرْنَا فِي السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ خَبَرَ عُمَانَ وَدُخُولَ الْقَرَامِطَةِ إِلَيْهَا، وَهَرَبَ نَافِعٍ عَنْهَا، فَلَمَّا هَرَبَ نَافِعٌ، وَاسْتَوْلَى الْقَرَامِطَةُ عَلَى الْبَلَدِ، كَانَ مَعَهُمْ كَاتِبٌ يُعْرَفُ بِعَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْبَلَدِ، وَكَانَ بِعُمَانَ قَاضٍ لَهُ عَشِيرَةٌ وَجَاهٌ، فَاتَّفَقَ هُوَ وَأَهْلُ الْبَلَدِ أَنْ يُنَصِّبُوا فِي الْإِمْرَةِ رَجُلًا يُعْرَفُ بِابْنِ طُغَانَ، وَكَانَ مِنْ صِغَارِ الْقُوَّادِ بِعُمَانَ، وَأَدْنَاهُمْ مَرْتَبَةً، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ (فِي الْإِمْرَةِ) خَافَ مِمَّنْ فَوْقَهُ مِنَ الْقُوَّادِ، فَقَبَضَ عَلَى ثَمَانِينَ قَائِدًا، فَقَتَلَ بَعْضَهُمْ، وَغَرَّقَ بَعْضَهُمْ. وَقَدِمَ الْبَلَدَ ابْنَا أُخْتٍ لِرَجُلٍ مِمَّنْ قَدْ غَرَّقَهُمْ، فَأَقَامَا مُدَّةً، ثُمَّ إِنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى طُغَانَ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ السَّلَامِ، فَسَلَّمَا عَلَيْهِ، فَلَمَّا تَقَوَّضَ الْمَجْلِسُ قَتَلَاهُ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُ النَّاسِ عَلَى تَأْمِيرِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَرْوَانَ، وَهُوَ مِنْ أَقَارِبِ الْقَاضِي، فَوَلِيَ الْإِمَارَةَ بَعْدَ امْتِنَاعٍ مِنْهُ، وَاسْتَكْتَبَ عَلِيَّ بْنَ أَحْمَدَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْهَجَرِيِّينَ، فَأَمَرَ عَبْدُ الْوَهَّابِ كَاتِبَهُ عَلِيًّا أَنْ يُعْطِيَ الْجُنْدَ أَرْزَاقَهُمْ صِلَةً، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الزِّنْجِ، وَكَانُوا سِتَّةَ آلَافِ رَجُلٍ، (وَلَهُمْ بَأْسٌ وَشِدَّةٌ) ، قَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ: إِنَّ الْأَمِيرَ عَبْدَ الْوَهَّابِ أَمَرَنِي أَنْ أُعْطِيَ الْبِيضَ مِنَ الْجُنْدِ كَذَا وَكَذَا، (وَأَمَرَ لَكُمْ بِنِصْفِ) ذَلِكَ، فَاضْطَرَبُوا وَامْتَنَعُوا، فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ لَكَمَ أَنْ تُبَايِعُونِي فَأُعْطِيَكُمْ مِثْلَ سَائِرِ الْأَجْنَادِ؟ فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَبَايَعُوهُ، وَأَعْطَاهُمْ

стр. 3992

مِثْلَ الْبِيضِ مِنَ الْجُنْدِ، فَامْتَنَعَ الْبِيضُ مِنْ ذَلِكَ، وَوَقَعَ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ، فَظَهَرَ الزِّنْجُ عَلَيْهِمْ، فَسَكَنُوا، وَاتَّفَقُوا مَعَ الزِّنْجِ وَأَخْرَجُوا عَبْدَ الْوَهَّابِ مِنَ الْبَلَدِ، فَاسْتَقَرَّ فِي الْإِمَارَةِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ. ثُمَّ إِنَّ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ سَارَ إِلَى وَاسِطَ لِحَرْبِ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ، وَلِإِرْسَالِ جَيْشٍ إِلَى عُمَانَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى وَاسِطَ قَدِمَ عَلَيْهِ نَافِعٌ الْأَسْوَدُ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ عُمَانَ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَأَقَامَ لِلْفَرَاغِ مِنْ أَمْرِ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَانْحَدَرَ مِنْ وَاسِطَ إِلَى الْأُبُلَّةِ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَأَقَامَ بِهَا يُجَهِّزُ الْجَيْشَ وَالْمَرَاكِبَ لِيَسِيرُوا إِلَى عُمَانَ، فَفَرَغَ مِنْهُ، وَسَارُوا مُنْتَصَفَ شَوَّالٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ أَبَا الْفَرَجِ مُحَمَّدَ بْنَ الْعَبَّاسِ بْنِ فَسَانْجِسَ، وَكَانُوا فِي مِائَةِ قِطْعَةٍ، فَلَمَّا كَانُوا بِسِيرَافَ انْضَمَّ إِلَيْهِمُ الْجَيْشُ الَّذِي جَهَّزَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ مِنْ فَارِسَ نَجْدَةً لِعَمِّهِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَاجْتَمَعُوا وَسَارُوا إِلَى عُمَانَ، وَدَخَلَهَا تَاسِعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَخَطَبَ لِمُعِزِّ الدَّوْلَةِ فِيهَا، وَقَتَلَ مِنْ أَهْلِهَا مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَأُحْرِقَتْ مَرَاكِبُهُمْ، وَهِيَ تِسْعَةٌ وَثَمَانُونَ مَرْكَبًا. ذِكْرُ هَزِيمَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَرْزُبَانِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْهَزَمَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ عَنْ أَذْرَبِيجَانَ إِلَى الرَّيِّ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا انْهَزَمَ مِنْ جَسْتَانَ بْنِ شَرْمَزَنَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، قَصَدَ أَرْمِينِيَّةَ، وَشَرَعَ يَسْتَعِدُّ وَيَتَجَهَّزُ لِلْعَوْدِ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَكَانَتْ مُلُوكُ أَرْمِينِيَّةَ مِنَ الْأَرْمَنِ وَالْأَكْرَادِ، وَرَاسَلَ جَسْتَانَ بْنَ شَرْمَزَنَ وَأَصْلَحَهُ، فَأَتَاهُ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ. وَاتُّفِقَ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ ابْنَ عَمِّهِ وَهْسُوذَانَ تُوُفِّيَ، فَسَارَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَرْدَبِيلَ فَمَلَكَهَا، وَانْصَرَفَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَسِيكِيَّ إِلَى وَهْسُوذَانَ، وَصَارَ مَعَهُ، وَسَارَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى عَمِّهِ وَهْسُوذَانَ يُطَالِبُهُ بِثَأْرِ إِخْوَتِهِ، فَخَافَهُ عَمُّهُ وَهْسُوذَانُ، وَسَارَ هُوَ وَابْنُ مَسِيكِيَّ إِلَى بَلَدِ الدَّيْلَمِ، وَاسْتَوْلَى إِبْرَاهِيمُ عَلَى أَعْمَالِ عَمِّهِ، وَخَبَطَ أَصْحَابَهُ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُ الَّتِي ظَفِرَ بِهَا. وَجَمَعَ وَهْسُوذَانُ الرِّجَالَ وَعَادَ إِلَى قَلْعَتِهِ بِالطَّرْمِ، وَسَيَّرَ أَبَا الْقَاسِمِ بْنَ مَسِيكِيَّ فِي الْجُيُوشِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَلَقِيَهُمْ إِبْرَاهِيمُ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَ إِبْرَاهِيمُ وَتَبِعَهُ

стр. 3993

الطُّلَّبُ فَلَمْ يُدْرِكُوهُ، وَسَارَ وَحْدَهُ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الرَّيِّ إِلَى رُكْنِ الدَّوْلَةِ، فَأَكْرَمَهُ رُكْنُ الدَّوْلَةِ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَكَانَ زَوْجَ أُخْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَبَالَغَ فِي إِكْرَامِهِ لِذَلِكَ، وَأَجْزَلَ لَهُ الْهَدَايَا وَالصِّلَاتِ. ذِكْرُ خَبَرِ الْغُزَاةِ الْخُرَاسَانِيَّةِ مَعَ رُكْنِ الدَّوْلَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَمَضَانَ، خَرَجَ مِنْ خُرَاسَانَ جَمْعٌ عَظِيمٌ يَبْلُغُونَ عِشْرِينَ أَلْفًا إِلَى الرَّيِّ بِنِيَّةِ الْغَزَاةِ، فَبَلَغَ خَبَرُهُمْ إِلَى رُكْنِ الدَّوْلَةِ، وَكَثْرَةُ جَمْعِهِمْ، وَمَا فَعَلُوهُ فِي أَطْرَافِ بِلَادِهِ مِنَ الْفَسَادِ، وَأَنَّ رُؤَسَاءَهُمْ لَمْ يَمْنَعُوهُمْ (عَنْ ذَلِكَ) ، (فَأَشَارَ عَلَيْهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ الْعَمِيدِ، وَهُوَ وَزِيرُهُ، بِمَنْعِهِمْ مِنْ دُخُولِ بِلَادِهِ مُجْتَمِعِينَ، فَقَالَ: لَا تَتَحَدَّثُ الْمُلُوكُ أَنَّنِي خِفْتُ جَمْعًا مِنَ الْغُزَاةِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِهِمْ إِلَى أَنْ يَجْمَعَ عَسْكَرَهُ، وَكَانُوا مُتَفَرِّقِينَ فِي أَعْمَالِهِمْ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مَعَ صَاحِبِ خُرَاسَانَ مُوَاطَأَةً عَلَى بِلَادِكَ وَدَوْلَتِكَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِهِ. فَلَمَّا وَرَدُوا الرَّيَّ اجْتَمَعَ رُؤَسَاؤُهُمْ، وَفِيهِمُ الْقَفَّالُ الْفَقِيهُ، وَحَضَرُوا مَجْلِسَ ابْنِ الْعَمِيدِ، وَطَلَبُوا مَالًا يُنْفِقُونَهُ، فَوَعَدَهُمْ فَاشْتَطُّوا فِي الطَّلَبِ وَقَالُوا: نُرِيدُ خَرَاجَ هَذِهِ الْبِلَادِ جَمِيعِهَا، فَإِنَّهُ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَقَدْ فَعَلَ الرُّومُ بِالْمُسْلِمِينَ مَا بَلَغَكُمْ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى بِلَادِكُمْ، وَكَذَلِكَ الْأَرْمَنُ، وَنَحْنُ غُزَاةٌ، وَفُقَرَاءُ، وَأَبْنَاءُ سَبِيلٍ، فَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمَالِ مِنْكُمْ، وَطَلَبُوا جَيْشًا يَخْرُجُ مَعَهُمْ، وَاشْتَطُّوا فِي الِاقْتِرَاحِ، فَعَلِمَ ابْنُ الْعَمِيدِ حِينَئِذٍ خُبْثَ سَرَائِرِهِمْ، وَتَيَقَّنَ مَا كَانَ ظَنُّهُ فِيهِمْ، فَرَفَقَ بِهِمْ وَدَارَاهُمْ، فَعَدَلُوا عَنْهُ إِلَى مُشَاتَمَةِ الدَّيْلَمِ، وَلَعْنِهِمْ، وَتَكْفِيرِهِمْ، ثُمَّ قَامُوا عَنْهُ، وَشَرَعُوا يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَسْلُبُونَ الْعَامَّةَ بِحُجَّةِ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَثَارُوا الْفِتْنَةَ، وَحَارَبُوا جَمَاعَةً مِنَ الدَّيْلَمِ إِلَى أَنَّ حَجَزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، ثُمَّ بَاكَرُوا الْقِتَالَ وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ، وَنَهَبُوا دَارَ الْوَزِيرِ ابْنِ الْعَمِيدِ وَجَرَحُوهُ، وَسَلِمَ مِنَ الْقَتْلِ. وَخَرَجَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ إِلَيْهِمْ فِي أَصْحَابِهِ، وَكَانَ فِي قِلَّةٍ، فَهَزَمَهُ الْخُرَاسَانِيَّةُ، فَلَوْ تَبِعُوهُ لَأَتَوْا عَلَيْهِ وَمَلَكُوا الْبَلَدَ مِنْهُ، لَكِنَّهُمْ عَادُوا عَنْهُ لِأَنَّ اللَّيْلَ أَدْرَكَهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا رَاسَلَهُمْ رُكْنُ الدَّوْلَةِ وَلَطُفَ بِهِمْ، لَعَلَّهُمْ يَسِيرُونَ مِنْ بَلَدِهِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَكَانُوا يَنْتَظِرُونَ مَدَدًا يَأْتِيهِمْ

стр. 3994

مِنْ صَاحِبِ خُرَاسَانَ، فَإِنَّهُمْ كَانَ بَيْنَهُمْ مُوَاعَدَةٌ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ. ثُمَّ إِنَّهُمُ اجْتَمَعُوا وَقَصَدُوا الْبَلَدَ لِيَمْلِكُوهُ، فَخَرَجَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ إِلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ، وَأَمَرَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَسِيرُوا إِلَى مَكَانٍ يَرَاهُمْ، ثُمَّ يُثِيرُوا غَبَرَةً شَدِيدَةً، وَيُرْسِلُوا إِلَيْهِ مَنْ يُخْبِرُهُ أَنَّ الْجُيُوشَ قَدْ أَتَتْهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ. وَكَانَ أَصْحَابُهُ قَدْ خَافُوا لِقِلَّتِهِمْ، وَكَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا الْغَبَرَةَ وَأَتَاهُمْ مَنْ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ أَصْحَابَهُ لَحِقُوهُمْ قَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ رُكْنُ الدَّوْلَةِ: احْمِلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ لَعَلَّنَا نَظْفَرُ بِهِمْ قَبْلَ وُصُولِ أَصْحَابِنَا، فَيَكُونُ الظَّفَرُ وَالْغَنِيمَةُ لَنَا، فَكَبَّرُوا، وَحَمَلُوا حَمْلَةً صَادِقَةً، فَكَانَ لَهُمُ الظَّفَرُ، وَانْهَزَمَ الْخُرَاسَانِيَّةُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأُسِرَ أَكْثَرُ مِمَّنْ قُتِلَ، وَتَفَرَّقَ الْبَاقُونَ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ رُكْنُ الدَّوْلَةِ. وَكَانَ قَدْ دَخَلَ الْبَلَدَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ يُكَبِّرُونَ كَأَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ الْكُفَّارَ، وَيَقْتُلُونَ كُلَّ مَنْ رَأَوْهُ بِزِيِّ الدَّيْلَمِ، وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ رَافِضَةٌ، فَبَلَغَهُمْ خَبَرُ انْهِزَامِ أَصْحَابِهِمْ، وَقَصْدِهِمُ الدَّيْلَمَ لِيَقْتُلُوهُمْ، فَمَنَعَهُمْ رُكْنُ الدَّوْلَةِ وَأَمَّنَهُمْ، وَفَتَحَ لَهُمُ الطَّرِيقَ لِيَعُودُوا، وَوَصَلَ بَعْدَهُمْ نَحْوُ أَلْفَيْ رَجُلٍ بِالْعُدَّةِ وَالسِّلَاحِ، فَقَاتَلَهُمْ رُكْنُ الدَّوْلَةِ، فَهَزَمَهُمْ وَقَتَّلَ فِيهِمْ، ثُمَّ أَطْلَقَ الْأَسَارَى، وَأَمَرَ لَهُمْ بِنَفَقَاتٍ، وَرَدَّهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ عِنْدَ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، فَأَثَّرَ فِيهِمْ آثَارًا حَسَنَةً. ذِكْرُ عَوْدِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَرْزُبَانِ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَادَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَصَدَ رُكْنَ الدَّوْلَةِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، جَهَّزَ الْعَسَاكِرَ مَعَهُ، وَسَيَّرَ مَعَهُ الْأُسْتَاذَ أَبَا الْفَضْلِ بْنَ الْعَمِيدِ لِيَرُدَّهُ إِلَى وِلَايَتِهِ، وَيُصْلِحَ لَهُ أَصْحَابَ الْأَطْرَافِ، فَسَارَ مَعَهُ إِلَيْهَا، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَأَصْلَحَ لَهُ جَسْتَانَ بْنَ شَرْمَزَنَ، وَقَادَهُ إِلَى طَاعَتِهِ، وَغَيْرِهِ مِنْ طَوَائِفِ الْأَكْرَادِ، وَمَكَّنَهُ مِنَ الْبِلَادِ. وَكَانَ ابْنُ الْعَمِيدِ لَمَّا وَصَلَ إِلَى تِلْكَ الْبِلَادِ رَأَى كَثْرَةَ دَخْلِهَا، وَسَعَةَ مِيَاهِهَا وَرَأَى مَا

стр. 3995

يَتَحَصَّلُ لِإِبْرَاهِيمَ مِنْهَا، فَوَجَدَهُ قَلِيلًا لِسُوءِ تَدْبِيرِهِ، وَطَمَعِ النَّاسِ فِيهِ لِاشْتِغَالِهِ بِالشُّرْبِ وَالنِّسَاءِ، فَكَتَبَ إِلَى رُكْنِ الدَّوْلَةِ يُعَرِّفُهُ الْحَالَ، وَيُشِيرُ بِأَنْ يُعَوِّضَهُ مِنْ بَعْضِ وِلَايَتِهِ بِمِقْدَارِ مَا يَتَحَصَّلُ (لَهُ مِنْ) هَذِهِ الْبِلَادِ وَيَأْخُذُهَا مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ لَهُ حَالٌ مَعَ الَّذِينَ بِهَا، وَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ، فَامْتَنَعَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ مِنْ قَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُ، وَقَالَ: لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ عَنِّي أَنِّي اسْتَجَارَ بِي إِنْسَانٌ وَطَمِعْتُ فِيهِ، وَأَمَرَ أَبَا الْفَضْلِ بِالْعَوْدِ عَنْهُ وَتَسْلِيمِ الْبِلَادِ إِلَيْهِ، فَفَعَلَ وَعَادَ وَحَكَى لِرُكْنِ الدَّوْلَةِ صُورَةَ الْحَالِ، وَحَذَّرَهُ خُرُوجَ الْبِلَادِ مِنْ يَدِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرَهُ، حَتَّى أُخِذَ إِبْرَاهِيمُ وَحُبِسَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. ذِكْرُ خُرُوجِ الرُّومِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالٍ، خَرَجَتِ الرُّومُ، فَقَصَدُوا مَدِينَةَ آمِدَ، وَنَزَلُوا عَلَيْهَا، وَحَصَرُوهَا وَقَاتَلُوا أَهْلَهَا، فَقُتِلَ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ، وَأُسِرَ نَحْوُ أَرْبَعِمِائَةِ أَسِيرٍ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ فَتْحُهَا، فَانْصَرَفُوا إِلَى دَارَا، وَقَرُبُوا مِنْ نَصِيبِينَ، (وَلَقِيَهُمْ قَافِلَةٌ وَارِدَةٌ مِنْ مَيَّافَارِقِينَ، فَأَخَذُوهَا، وَهَرَبَ النَّاسُ مِنْ نَصِيبِينَ) خَوْفًا مِنْهُمْ، حَتَّى بَلَغَتْ أُجْرَةُ الدَّابَّةِ مِائَةَ دِرْهَمٍ. وَرَاسَلَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ الْأَعْرَابَ لِيَهْرَبَ مَعَهُمْ، وَكَانَ فِي نَصِيبِينَ، فَاتَّفَقَ أَنَّ الرُّومَ عَادُوا قَبْلَ هَرَبِهِ، فَأَقَامَ بِمَكَانِهِ، وَسَارُوا مِنْ دِيَارِ الْجَزِيرَةِ إِلَى الشَّامِ، فَنَازَلُوا أَنْطَاكِيَةَ، فَأَقَامُوا عَلَيْهَا مُدَّةً طَوِيلَةً يُقَاتِلُونَ أَهْلَهَا، فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ فَتْحُهَا، فَخَرَّبُوا بَلَدَهَا وَنَهَبُوهُ، وَعَادُوا إِلَى طَرَسُوسَ. ذِكْرُ مَا جَرَى لِمُعِزِّ الدَّوْلَةِ مَعَ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ قَدْ ذَكَرْنَا انْحِدَارَ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ إِلَى وَاسِطَ لِأَجْلِ قَصْدِ وِلَايَةِ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ بِالْبَطَائِحِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى وَاسِطَ أَنْفَذَ الْجَيْشَ مَعَ أَبِي الْفَضْلِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْحَسَنِ،

стр. 3996

فَسَارُوا، فَنَزَلُوا الْجَامِدَةَ، وَشَرَعُوا فِي سَدِّ الْأَنْهَارِ الَّتِي تَصُبُّ إِلَى الْبَطَائِحِ. وَسَارَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى الْأُبُلَّةِ، وَأَرْسَلَ الْجَيْشَ إِلَى عُمَانَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَعَادَ إِلَى وَاسِطَ لِإِتْمَامِ حَرْبِ عِمْرَانَ وَمِلْكِ بَلَدِهِ، فَأَقَامَ بِهَا، فَمَرِضَ، وَأَصْعَدَ إِلَى بَغْدَادَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ (سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ) [وَثَلَاثِمِائَةٍ وَهُوَ عَلِيلٌ، وَخَلَّفَ الْعَسْكَرَ بِهَا، وَوَعَدَهُمْ أَنَّهُ يَعُودُ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَغْدَاذَ تُوُفِّيَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، فَدَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى مُصَالَحَةِ عِمْرَانَ وَالِانْصِرَافِ عَنْهُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَتْ بَنُو سُلَيْمٍ عَلَى الْحُجَّاجِ السَّائِرِينَ مِنْ مِصْرَ وَالشَّامِ، وَكَانُوا عَالَمًا كَثِيرًا، وَمَعَهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الثُّغُورِ وَالشَّامِ هَرَبُوا مِنْ خَوْفِهِمْ مِنَ الرُّومِ، بِأَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ، وَقَصَدُوا مَكَّةَ لِيَسِيرُوا مِنْهَا إِلَى الْعِرَاقِ، فَأُخِذُوا، وَمَاتَ مِنَ النَّاسِ فِي الْبَرِّيَّةِ مَا لَا يُحْصَى، وَلَمْ يَسْلَمْ إِلَّا الْقَلِيلُ. وَفِيهَا عَظُمَ أَمْرُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّاعِي بِالدَّيْلَمِ، وَلَبِسَ الصُّوفَ، وَأَظْهَرَ النُّسُكَ وَالْعِبَادَةَ، وَحَارَبَ ابْنَ وَشْمَكِيرَ، فَهَزَمَهُ وَعَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى طَبَرِسْتَانَ، وَكَتَبَ إِلَى الْعِرَاقِ كِتَابًا يَدْعُوهُمْ فِيهِ إِلَى الْجِهَادِ. وَفِيهَا تَمَّ الْفِدَاءُ بَيْنَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ وَالرُّومِ، وَسَلَّمَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ ابْنَ عَمِّهِ أَبَا فِرَاسِ بْنَ حَمْدَانَ، وَأَبَا الْهَيْثَمِ ابْنَ الْقَاضِي أَبِي الْحُصَيْنِ. وَفِيهَا انْخَسَفَ الْقَمَرُ جَمِيعُهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ ثَالِثَ عَشَرَ شَعْبَانَ، وَغَابَ مُنْخَسِفًا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْجِعَابِيِّ

стр. 3997

الْحَافِظُ الْبَغْدَادِيُّ بِهَا، وَكَانَ يَتَشَيَّعُ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ (بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ) بْنِ الْوَضَّاحِ الْوَضَّاحِيُّ، الشَّاعِرُ الْأَنْبَارِيُّ.

стр. 3998

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَة] ٣٥٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ مَوْتِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ بَخْتِيَارَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثَالِثَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ، تُوُفِّيَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بِعِلَّةِ الذَّرَبِ، وَكَانَ بِوَاسِطَ، وَقَدْ جَهَّزَ الْجُيُوشَ لِمُحَارَبَةِ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ، فَابْتَدَأَ بِهِ الْإِسْهَالُ، وَقَوِيَ عَلَيْهِ، فَسَارَ نَحْوَ بَغْدَاذَ، وَخَلَّفَ أَصْحَابَهُ، وَوَعَدَهُمْ أَنَّهُ يَعُودُ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُ رَجَا الْعَافِيَةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَغْدَاذَ اشْتَدَّ مَرَضُهُ، وَصَارَ لَا يَثْبُتُ فِي مَعِدَتِهِ شَيْءٌ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالْمَوْتِ عَهِدَ إِلَى ابْنِهِ عِزِّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارَ، وَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ، وَتَصَدَّقَ بِأَكْثَرِ مَالِهِ، وَأَعْتَقَ مَمَالِيكَهُ، وَرَدَّ شَيْئًا كَثِيرًا عَلَى أَصْحَابِهِ، وَتُوُفِّيَ وَدُفِنَ بِبَابِ التِّبْنِ فِي مَقَابِرِ قُرَيْشٍ، فَكَانَتْ إِمَارَتُهُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَيَوْمَيْنِ. وَكَانَ حَلِيمًا كَرِيمًا عَاقِلًا، وَلَمَّا مَاتَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ وَجَلَسَ ابْنُهُ عِزُّ الدَّوْلَةِ فِي الْإِمَارَةِ مُطِرَ النَّاسُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا مَطَرًا دَائِمًا مَنَعَ النَّاسَ مِنَ الْحَرَكَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْقُوَّادِ فَأَرْضَاهُمْ، فَانْجَلَتِ السَّمَاءُ، وَقَدْ رَضُوا فَسَكَنُوا وَلَمْ يَتَحَرَّكْ أَحَدٌ. وَكَتَبَ عِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى الْعَسْكَرِ بِمُصَالَحَةِ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ، فَفَعَلُوا وَعَادُوا. وَكَانَتْ إِحْدَى يَدَيْ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ مَقْطُوعَةً، وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ قَطْعِهَا، فَقِيلَ قُطِعَتْ بِكَرْمَانَ لَمَّا سَارَ إِلَى قِتَالِ مَنْ بِهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي أَحْدَثَ أَمْرَ السُّعَاةِ، وَأَعْطَاهُمْ عَلَيْهِ الْجِرَايَاتِ الْكَثِيرَةَ، لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَصِلَ خَبَرُهُ إِلَى أَخِيهِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ سَرِيعًا، فَنَشَأَ فِي أَيَّامِهِ فَضْلٌ وَمَرْعُوشٌ، وَفَاقَا جَمِيعَ السُّعَاةِ، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسِيرُ

стр. 3999

فِي الْيَوْمِ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ فَرْسَخًا، وَتَعَصَّبَ لَهُمَا النَّاسُ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا سَاعِيَ السُّنَّةِ، وَالْآخَرُ سَاعِيَ الشِّيعَةِ. ذِكْرُ سُوءِ سِيرَةِ بَخْتِيَارَ وَفَسَادِ حَالِهِ لَمَّا حَضَرَتْ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ الْوَفَاةُ وَصَّى وَلَدَهُ بَخْتِيَارَ بِطَاعَةِ عَمِّهِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، وَاسْتِشَارَتِهِ فِي كُلِّ مَا يَفْعَلُهُ، وَبِطَاعَةِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ ابْنِ عَمِّهِ، لِأَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا، وَأَقْوَمُ بِالسِّيَاسَةِ، وَوَصَّاهُ بِتَقْرِيرِ كَاتِبَيْهِ أَبِي الْفَضْلِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَأَبِي الْفَرَجِ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ، (لِكِفَايَتِهِمَا وَأَمَانَتِهِمَا، وَوَصَّاهُ بِالدَّيْلَمِ وَالْأَتْرَاكِ) وَبِالْحَاجِبِ سُبُكْتِكِينَ، فَخَالَفَ هَذِهِ الْوَصَايَا جَمِيعَهَا، وَاشْتَغَلَ بِاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، وَعِشْرَةِ النِّسَاءِ، وَالْمَسَاخِرِ، وَالْمُغَنِّينَ، وَشَرَعَ فِي إِيحَاشِ كَاتِبَيْهِ وَسُبُكْتِكِينَ، فَاسْتَوْحَشُوا، وَانْقَطَعَ سُبُكْتِكِينُ عَنْهُ فَلَمْ يَحْضُرْ دَارَهُ. وَنَفَى كِبَارُ الدَّيْلَمِ عَنْ مَمْلَكَتِهِ شَرَّهَا إِلَى إِقْطَاعَاتِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَمْوَالِ الْمُتَّصِلِينَ بِهِمْ، فَاتَّفَقَ أَصَاغِرُهُمْ عَلَيْهِ، وَطَلَبُوا الزِّيَادَاتِ، وَاضْطَرَّ إِلَى مَرْضَاتِهِمْ، وَاقْتَدَى بِهِمُ الْأَتْرَاكُ فَعَمِلُوا مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَتِمَّ لَهُ عَلَى سُبُكْتِكِينَ مَا يُرِيدُ لِاحْتِيَاطِهِ، وَاتَّفَقَ الْأَتْرَاكُ مَعَهُ، وَخَرَجَ الدَّيْلَمُ إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَطَالَبُوا بَخْتِيَارَ بِإِعَادَةِ مَنْ أَسْقَطَ مِنْهُمْ، فَاحْتَاجَ أَنْ يُجِيبَهُمْ لِتَغَيُّرِ سُبُكْتِكِينَ عَلَيْهِ، وَفَعَلَ الْأَتْرَاكُ أَيْضًا مِثْلَ فِعْلِهِمْ. وَاتَّصَلَ خَبَرُ مَوْتِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ بِكَاتِبِهِ أَبِي الْفَرَجِ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَهُوَ مُتَوَلِّي أَمْرِ عُمَانَ، فَسَلَّمَهَا إِلَى نُوَّابِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَسَارَ نَحْوَ بَغْدَاذَ. وَكَانَ سَبَبُ تَسْلِيمِهَا إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ أَنَّ بَخْتِيَارَ لَمَّا مَلَكَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ تَفَرَّدَ أَبُو الْفَضْلِ بِالنَّظَرِ فِي الْأُمُورِ، فَخَافَ أَبُو الْفَرَجِ أَنْ يَسْتَمِرَّ انْفِرَادُهُ عَنْهُ، فَسَلَّمَ عُمَانَ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ لِئَلَّا يُؤْمَرَ بِالْمُقَامِ فِيهَا لِحِفْظِهَا وَإِصْلَاحِهَا، وَسَارَ إِلَى بَغْدَادَ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الَّذِي أَرَادَ، وَتَفَرَّدَ أَبُو الْفَضْلِ بِالْوِزَارَةِ.

стр. 4000

ذِكْرُ خُرُوجِ عَسَاكِرِ خُرَاسَانَ وَمَوْتِ وَشْمَكِيرَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ جَهَّزَ الْأَمِيرُ مَنْصُورُ بْنُ نُوحٍ صَاحِبُ خُرَاسَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ الْجُيُوشَ إِلَى الرَّيِّ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا عَلِيِّ بْنَ إِلْيَاسَ سَارَ مِنْ كَرْمَانَ إِلَى بُخَارَى مُلْتَجِئًا إِلَى الْأَمِيرِ مَنْصُورٍ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ أَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ، فَأَطْمَعَهُ فِي مَالِكِ بَنِي بُوَيْهٍ، وَحَسَّنَ لَهُ قَصْدَهَا، وَعَرَّفَهُ أَنَّ نُوَّابَهُ لَا يُنَاصِحُونَهُ، وَأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الرِّشَى مِنَ الدَّيْلَمِ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَا كَانَ يَذْكُرُهُ لَهُ وَشْمَكِيرُ، فَكَاتَبَ الْأَمِيرُ مَنْصُورٌ وَشْمَكِيرَ، وَالْحَسَنَ بْنَ الْفَيْرَزَانِ، يُعَرِّفُهُمَا مَا عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ قَصْدِ الرَّيِّ، وَيَأْمُرُهُمَا بِالتَّجَهُّزِ لِذَلِكَ لِيَسِيرَا مَعَ عَسْكَرِهِ. ثُمَّ إِنَّهُ جَهَّزَ الْعَسَاكِرَ وَسَيَّرَهَا مَعَ صَاحِبِ جُيُوشِ خُرَاسَانَ، وَهُوَ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ سِيمْجُورُ الدَّوَاتِيُّ، وَأَمَرَهُ بِطَاعَةِ وَشَمْكِيرَ، وَالِانْقِيَادِ لَهُ، وَالتَّصَرُّفِ بِأَمْرِهِ، وَجَعْلِهِ مُقَدَّمَ الْجُيُوشِ جَمِيعِهَا. فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى رُكْنِ الدَّوْلَةِ أَتَاهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِ، وَأَخْذَهُ الْمُقِيمَ الْمُقْعَدَ، وَعَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ، فَسَيَّرَ أَوْلَادَهُ وَأَهْلَهُ إِلَى أَصْبَهَانَ، وَكَاتَبَ وَلَدَهُ عَضُدَ الدَّوْلَةِ يَسْتَمِدُّهُ، وَكَاتَبَ ابْنَ أَخِيهِ عِزَّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارَ يَسْتَنْجِدُهُ أَيْضًا. فَأَمَّا عَضُدُ الدَّوْلَةِ فَإِنَّهُ جَهَّزَ الْعَسَاكِرَ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى طَرِيقِ خُرَاسَانَ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ قَصْدَ خُرَاسَانَ لِخُلُوِّهَا مِنَ الْعَسَاكِرِ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ أَهْلَ خُرَاسَانَ فَأَحْجَمُوا قَلِيلًا، ثُمَّ سَارُوا حَتَّى بَلَغُوا الدَّامَغَانَ، وَبَرَزَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ فِي عَسَاكِرِهِ مِنَ الرَّيِّ نَحْوَهُمْ، فَاتَّفَقَ مَوْتَ وَشْمِكِيرَ، فَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّهُ وَصَلَهُ مِنْ صَاحِبِ خُرَاسَانَ هَدَايَا مِنْ جُمْلَتِهَا خَيْلٌ، فَاسْتَعْرَضَ الْخَيْلَ وَاخْتَارَ أَحَدَهَا وَرَكِبَهُ لِلصَّيْدِ، فَعَارَضَهُ خِنْزِيرٌ قَدْ رُمِيَ بِحَرْبَةٍ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِيهِ، فَحَمَلَ الْخِنْزِيرُ عَلَى وَشْمَكِيرَ، وَهُوَ غَافِلٌ، فَضَرَبَ الْفَرَسَ، فَشَبَّ تَحْتَهُ، فَأَلْقَاهُ إِلَى الْأَرْضِ، وَخَرَجَ الدَّمُ مِنْ أُذُنَيْهِ وَأَنْفِهِ، فَحُمِلَ مَيِّتًا، وَذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، وَانْتَقَضَ جَمِيعُ مَا كَانُوا فِيهِ، وَكَفَى اللَّهُ رُكْنَ الدَّوْلَةِ شَرَّهُمْ. وَلَمَّا مَاتَ وَشْمَكِيرُ قَامَ ابْنُهُ بِيسَتُونُ مَقَامَهُ، وَرَاسَلَ رُكْنَ الدَّوْلَةِ وَصَالَحَهُ، فَأَمَدَّ رُكْنَ الدَّوْلَةِ بِالْمَالِ وَالرَّجُلِ. وَمِنْ أَعْجَبِ مَا يُحْكَى مِمَّا يُرَغِّبُ فِي حُسْنِ النِّيَّةِ وَكَرَمِ الْمَقْدِرَةِ أَنَّ وَشْمِكِيرَ لَمَّا

стр. 4001

اجْتَمَعَتْ مَعَهُ عَسَاكِرُ خُرَاسَانَ وَسَارَ كَتَبَ إِلَى رُكْنِ الدَّوْلَةِ يَتَهَدَّدُهُ بِضُرُوبٍ مِنَ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ، وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَئِنْ ظَفِرْتُ بِكَ لَأَفْعَلَنَّ بِكَ وَلَأَصْنَعَنَّ، بِأَلْفَاظٍ قَبِيحَةٍ، فَلَمْ يَتَجَاسَرِ الْكَاتِبُ أَنْ يَقْرَأَهُ، فَأَخَذَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ فَقَرَأَهُ وَقَالَ لِلْكَاتِبِ: اكْتُبْ إِلَيْهِ: أَمَّا جَمْعُكَ وَأَحْشَادُكَ فَمَا كُنْتَ قَطُّ أَهْوَنَ مِنْكَ عَلَيَّ الْآنَ، وَأَمَّا تَهْدِيدُكَ وَإِيعَادُكَ فَوَاللَّهِ لَئِنْ ظَفِرْتُ بِكَ لَأُعَامِلَنَّكَ بِضِدِّهِ، وَلَأُحْسِنَنَّ إِلَيْكَ وَلَأُكْرِمَنَّكَ، فَلَقِيَ وَشْمَكِيرُ سُوءَ نِيَّتِهِ، وَلَقِيَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ حُسْنَ نِيَّتِهِ. وَكَانَ بِطَبَرِسْتَانَ عَدُوٌّ لِرُكْنِ الدَّوْلَةِ يُقَالُ لَهُ نُوحُ بْنُ نَصْرٍ، شَدِيدَ الْعَدَاوَةِ لَهُ، لَا يَزَالُ يَجْمَعُ لَهُ وَيَقْصِدُ أَطْرَافَ بِلَادِهِ، فَمَاتَ الْآنَ، وَعَصَى عَلَيْهِ بِهَمَذَانَ إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ أَحْمَدُ بْنُ هَارُونَ الْهَمَذَانِيُّ لَمَّا رَأَى خُرُوجَ عَسَاكِرِ خُرَاسَانَ، وَأَظْهَرَ الْعِصْيَانَ، فَلَمَّا أَتَاهُ خَبَرُ مَوْتِ وَشْمَكِيرَ مَاتَ لِوَقْتِهِ، وَكَفَى اللَّهُ رُكْنَ الدَّوْلَةِ هَمَّ الْجَمِيعِ. ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ أَبُو تَغْلِبَ بْنُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ عَلَى أَبِيهِ، وَحَبَسَهُ فِي الْقَلْعَةِ، لَيْلَةَ السَّبْتِ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى. وَكَانَ سَبَبُ قَبْضِهِ أَنَّهُ كَانَ قَدْ كَبُرَ وَسَاءَتْ أَخْلَاقُهُ، وَضَيَّقَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَخَالَفَهُمْ فِي أَغْرَاضِهِمْ لِلْمَصْلَحَةِ، فَضَجِرُوا مِنْهُ. وَكَانَ فِيمَا خَالَفَهُمْ فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ عَزَمَ أَوْلَادُهُ عَلَى قَصْدِ الْعِرَاقِ وَأَخْذِهِ مِنْ بَخْتِيَارَ، فَنَهَاهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: إِنْ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ قَدْ خَلَّفَ مَالًا يَسْتَظْهِرُ بِهِ ابْنُهُ عَلَيْكُمْ، فَاصْبِرُوا حَتَّى يُفَرِّقَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ، ثُمَّ اقْصُدُوهُ وَفَرِّقُوا الْأَمْوَالَ، فَإِنَّكُمْ تَظْفَرُونَ بِهِ لَا مَحَالَةَ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ أَبُو تَغْلِبَ، فَقَبَضَهُ، وَرَفَعَهُ إِلَى الْقَلْعَةِ، وَوَكَّلَ بِهِ مَنْ يَخْدِمُهُ، (وَيَقُومُ بِحَاجَاتِهِ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ) . فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ خَالَفَهُ بَعْضُ إِخْوَتِهِ، وَانْتَشَرَ أَمْرُهُمُ الَّذِي كَانَ يَجْمَعُهُمْ، وَصَارَ قُصَارَاهُمْ حِفْظَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَاحْتَاجَ أَبُو تَغْلِبَ إِلَى مُدَارَاةِ عِزِّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارَ، وَتَجْدِيدِ

стр. 4002

عَقْدِ الضَّمَانِ لِيَحْتَجَّ بِذَلِكَ عَلَى إِخْوَتِهِ، وَمَنْ خَلْفَهُ، فَضَمَّنَهُ الْبِلَادَ بِأَلْفِ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفَ دِرْهَمٍ كُلَّ سَنَةٍ. ذِكْرُ مَنْ مَاتَ هَذِهِ السَّنَةَ مِنَ الْمُلُوكِ مَاتَ فِيهَا وَشْمَكِيرُ بْنُ زِيَادٍ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَمُعِزُّ الدَّوْلَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَالْحَسَنُ بْنُ الْفَيْرَزَانِ، وَكَافُورٌ الْإِخْشِيدِيُّ، وَنَقْفُورُ مَلِكُ الرُّومِ، وَأَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إِلْيَاسَ صَاحِبُ كَرْمَانَ، وَسَيْفُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ. فَأَمَّا سَيْفُ الدَّوْلَةِ (أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْهَيْجَاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ حَمْدُونَ التَّغْلِبِيُّ الرَّبَعِيُّ) فَإِنَّهُ مَاتَ بِحَلَبَ فِي صَفَرَ، وَحُمِلَ تَابُوتُهُ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ فَدُفِنَ بِهَا، وَكَانَتْ عِلَّتُهُ الْفَالِجَ، وَقِيلَ عُسْرُ الْبَوْلِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ جَوَادًا كَرِيمًا، شُجَاعًا، وَأَخْبَارُهُ مَشْهُورَةٌ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ الشِّعْرَ فِي أَخِيهِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ: وُهَبْتُ لَكَ الْعَلْيَا وَقَدْ كُنْتَ أَهْلَهَا ... وَقُلْتُ لَهُمْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَخِي فَرْقُ وَمَا كَانَ بِي عَنْهَا نُكُولٌ وَإِنَّمَا ... تَجَاوَزْتُ عَنْ حَقِّي فَتَمَّ لَكَ الْحَقُّ أَمَا كُنْتَ تَرْضَى أَنْ أَكُونَ مُصَلِّيًا ... إِذَا كُنْتُ أَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ السَّبْقُ

стр. 4003

وَلَهُ أَيْضًا: قَدْ جَرَى فِي دَمْعِهِ دَمُهُ ... فَإِلَى كَمْ أَنْتَ تَظْلِمُهُ؟ رُدَّ عَنْهُ الطَّرْفَ مِنْكَ فَقَدْ ... جَرَحَتْهُ مِنْكَ أَسْهُمُهُ كَيْفَ يَسْتَطِيعُ التَّجَلُّدَ مَنْ ... خَطَرَاتُ الْوَهْمِ تُؤْلِمُهُ (وَلَمَّا تُوُفِّيَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ مَلَكَ بِلَادَهُ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو الْمَعَالِي شَرِيفٌ) . وَأَمَّا أَبُو عَلِيِّ بْنُ إِلْيَاسَ فَسَيَرِدُ ذِكْرُ مَوْتِهِ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] . وَأَمَّا كَافُورٌ فَإِنَّهُ كَانَ صَاحِبَ مِصْرَ، وَكَانَ مِنْ مَوَالِي الْإِخْشِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ طُغُجَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى مِصْرَ وَدِمَشْقَ بَعْدَ مَوْتِ الْإِخْشِيدِ لِصِغَرِ أَوْلَادِهِ، وَكَانَ خَصِيًّا أَسْوَدَ، وَلِلْمُتَنَبِّي فِيهِ مَدِيحٌ وَهَجْوٌ، وَكَانَ قَصْدُهُ إِلَى مِصْرَ، وَخَبَرُهُ مَعَهُ مَشْهُورٌ، وَلَمَّا دُفِنَ كُتِبَ عَلَى قَبْرِهِ: انْظُرْ إِلَى غَيْرِ الْأَيَّامِ مَا صَنَعَتْ ... أَفْنَتْ أُنَاسًا بِهَا كَانُوا وَقَدْ فَنِيَتْ دُنْيَاهُمُ ضَحِكَتْ أَيَّامَ دَوْلَتِهِمْ ... حَتَّى إِذَا انْقَرَضُوا نَاحَتْ لَهُمْ وَبَكَتْ [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْفَرَجِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ الْأُمَوِيُّ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ الْأُمَوِيِّ، وَكَانَ شِيعِيًّا، وَهَذَا مِنَ الْعَجَبِ، وَهُوَ صَاحِبُ كِتَابِ " الْأَغَانِي " وَغَيْرِهِ.

стр. 4004

وَفِيهَا تُوُفِّيَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ (بْنِ أَبِي عُمَرَ) الْقَاضِي، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَوَلِيَ قَضَاءَ بَغْدَاذَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ وَبَعْدَهُ. (وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ صَاحِبُ سَهْلٍ التُّسْتَرِيُّ ﵁ .

стр. 4005

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَة] ٣٥٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ عِصْيَانِ حُبْشِيِّ بْنِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ عَلَى بَخْتِيَارَ بِالْبَصْرَةِ وَأَخْذِهِ قَهْرًا فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَصَى حُبْشِيُّ بْنُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ عَلَى أَخِيهِ بَخْتِيَارَ، وَكَانَ بِالْبَصْرَةِ (لَمَّا مَاتَ وَالِدُهُ، فَحَسَّنَ لَهُ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ الِاسْتِبْدَادَ بِالْبَصْرَةِ) ، وَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ أَخَاهُ بَخْتِيَارَ لَا (يَقْدِرُ عَلَى قَصْدِهِ) ، فَشَرَعَ فِي ذَلِكَ، فَانْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى أَخِيهِ، فَسَيَّرَ وَزِيرَهُ أَبَا الْفَضْلِ الْعَبَّاسَ بْنَ الْحُسَيْنِ إِلَيْهِ، وَأَمَرَهُ بِأَخْذِهِ كَيْفَ أَمْكَنَ، فَأَظْهَرَ الْوَزِيرُ أَنَّهُ يُرِيدُ الِانْحِدَارَ إِلَى الْأَهْوَازِ. وَلَمَّا بَلَغَ وَاسِطَ أَقَامَ بِهَا لِيُصْلِحَ أَمْرَهَا، وَكَتَبَ إِلَى حُبْشِيٍّ يَعِدُهُ أَنَّهُ يُسَلِّمُ إِلَيْهِ الْبَصْرَةَ سِلْمًا، وَيُصَالِحُهُ عَلَيْهَا، وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّنِي قَدْ لَزِمَنِي مَالٌ عَلَى الْوِزَارَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ مُسَاعَدَتِي، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ حُبْشِيٌّ مِائَتَيْ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَتَيَقَّنَ حُصُولَ الْبَصْرَةِ لَهُ، وَأَرْسَلَ الْوَزِيرُ إِلَى عَسْكَرِ الْأَهْوَازِ يَأْمُرُهُمْ بِقَصْدِ الْأُبُلَّةِ فِي يَوْمٍ ذَكَرَهُ لَهُمْ، (وَسَارَ هُوَ مِنْ وَاسِطَ نَحْوَ الْبَصْرَةِ، فَوَصَلَهَا هُوَ وَعَسْكَرُ الْأَهْوَازِ لِمِيعَادِهِمْ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ حُبْشِيٌّ مِنْ إِصْلَاحِ شَأْنِهِ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَظَفِرُوا بِهِ وَأَخَذُوهُ أَسِيرًا وَحَبَسُوهُ بِرَامَهُرْمُزَ، فَأَرْسَلَ عَمُّهُ رُكْنُ الدَّوْلَةِ وَخَلَّصَهُ، فَسَارَ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَأَقْطَعَهُ إِقْطَاعًا وَافِرًا، وَأَقَامَ عِنْدَهُ رُكْنٌ إِلَى أَنْ مَاتَ فِي آخِرِ سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَأَخَذَ الْوَزِيرُ مِنْ أَمْوَالِهِ بِالْبَصْرَةِ شَيْئًا كَثِيرًا، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا أَخَذَ لَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ مُجَلَّدًا سِوَى الْأَجْزَاءِ وَالْمُسَرَّسِ وَمَا لَيْسَ لَهُ جِلْدٌ.

стр. 4006

ذِكْرُ الْبَيْعَةِ لِمَحُمَّدِ بْنِ الْمُسْتَكْفِي فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ بِبَغْدَاذَ بَيْنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، دَعْوَةٌ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَقِيلَ إِنَّهُ الدَّجَّالُ الَّذِي وَعَدَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفُ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُجَدِّدُ مَا عَفَا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ قِيلَ لَهُ إِنَّهُ عَبَّاسِيٌّ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشِّيعَةِ قِيلَ لَهُ إِنَّهُ عَلَوِيٌّ فَكَثُرَتِ الدُّعَاةُ إِلَيْهِ وَالْبَيْعَةُ لَهُ. وَكَانَ الرَّجُلُ بِمِصْرَ وَقَدْ أَكْرَمَهُ كَافُورٌ الْإِخْشِيدِيُّ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَكَانَ (فِي جُمْلَةِ مَنْ بَايَعَ لَهُ سُبُكْتِكِينُ الْعَجَمِيُّ وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ قُوَّادِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ) يَتَشَيَّعُ فَظَنَّهُ عَلَوِيًّا وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَسْتَدْعِيهِ مِنْ مِصْرَ فَسَارَ إِلَى الْأَنْبَارِ وَخَرَجَ سُبُكْتِكِينُ إِلَى طَرِيقِ الْفُرَاتِ وَكَانَ يَتَوَلَّى حِمَايَتَهُ فَلَقِيَ ابْنَ الْمُسْتَكْفِي وَتَرَجَّلَ لَهُ وَخَدَمَهُ وَأَخَذَهُ وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ وَهُوَ لَا يَشُكُّ فِي حُصُولِ الْأَمْرِ لَهُ. ثُمَّ ظَهَرَ لِسُبُكْتِكِينَ أَنَّ الرَّجُلَ عَبَّاسِيٌّ فَعَادَ عَنْ ذَلِكَ الرَّأْيِ فَفَطِنَ ابْنُ الْمُسْتَكْفِي وَخَافَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَهَرَبُوا وَتَفَرَّقُوا فَأُخِذَ ابْنُ الْمُسْتَكْفِي وَمَعَهُ أَخٌ لَهُ وَأُحْضِرَا عِنْدَ بَخْتِيَارَ فَأَعْطَاهُمَا الْأَمَانَ ثُمَّ إِنَّ الْمُطِيعَ تَسَلَّمَهُ مِنْ بَخْتِيَارَ فَجَدَعَ أَنْفَهُ ثُمَّ خَفِيَ خَبَرُهُ. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ عَلَى كَرْمَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بِلَادَ كَرْمَانَ وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا عَلِيِّ بْنَ إِلْيَاسَ كَانَ صَاحِبَهَا مُدَّةً طَوِيلَةً عَلَى مَا ذَكَرْنَاهَ ثُمَّ إِنَّهُ أَصَابَهُ فَالِجٌ خَافَ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ فَجَمَعَ أَكَابِرَ أَوْلَادِهِ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ إِلْيَسَعُ وَإِلْيَاسُ وَسُلَيْمَانُ فَاعْتَذَرَ إِلَى إِلْيَسَعَ مِنْ جَفْوَةٍ كَانَتْ مِنْهُ لَهُ قَدِيمًا وَوَلَّاهُ الْأَمْرَ ثُمَّ بَعْدَهُ أَخَاهُ

стр. 4007

إِلْيَاسَ وَأَمَرَ سُلَيْمَانَ بِالْعَوْدِ إِلَى بِلَادِهِمْ وَهِيَ بِلَادُ الصُّغْدِ وَأَمَرَهُ بِأَخْذِ أَمْوَالٍ لَهُ هُنَاكَ وَقَصَدَ إِبْعَادَهُ عَنْ إِلْيَسَعَ لِعَدَاوَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا. فَسَارَ مِنْ عِنْدِ أَبِيهِ وَاسْتَوْلَى عَلَى السِّيرَجَانِ فَلَمَّا بَلَغَ أَبَاهُ ذَلِكَ أَنْفَذَ إِلَيْهِ إِلَيْسَعَ فِي جَيْشٍ وَأَمَرَهُ بِمُحَارَبَتِهِ وَإِجْلَائِهِ عَنِ الْبِلَادِ وَلَمْ يُمَكِّنْهُ مِنْ قَصْدِ الصُّغْدِ إِنْ طَلَبَ ذَلِكَ فَسَارَ إِلَيْهِ وَحَصَرَهُ وَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهِ إِلْيَسَعُ بِالسِّيرَجَانِ وَمَلَكَهَا وَأَمَرَ بِنَهْبِهَا فَنُهِبَتْ فَسَأَلَهُ الْقَاضِي وَأَعْيَانُ الْبَلَدِ الْعَفْوَ عَنْهُمْ فَعَفَا. ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ وَالِدِهِ خَافُوهُ، فَسَعَوْا بِهِ إِلَى أَبِيهِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَسَجَنَهُ فِي قَلْعَةٍ لَهُ، فَمَشَتْ وَالِدَتُهُ إِلَى أَخِيهِ إِلْيَاسَ وَقَالَتْ لَهَا: إِنَّ صَاحِبَنَا قَدْ فَسَخَ مَاكَانَ عَقَدَهُ لِوَلَدِي، وَبَعْدَهُ يَفْعَلُ بِوَلَدِكِ مِثْلَهُ، وَيُخْرِجُ الْمُلْكَ عَنْ آلِ إِلْيَاسَ، وَالرَّأْيُ أَنْ تُسَاعِدِينِي عَلَى تَخْلِيصِ وَلَدِي لِيَعُودَ الْأَمْرُ إِلَى مَاكَانَ عَلَيْهِ. وَكَانَ وَالِدُهُ أَبُو عَلِيٍّ تَأْخُذُهُ غَشْيَةٌ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَيَمْكُثُ زَمَانًا طَوِيلًا لَا يَعْقِلُ، فَاتَّفَقَتِ الْمَرْأَتَانِ وَجَمَعَتَا الْجَوَارِيَ فِي وَقْتِ غَشْيَتِهِ، وَأَخْرَجْنَ إِلْيَسَعَ مِنْ حَبِسِهِ وَدَلَّيْنَهُ مِنْ ظَهْرِ الْقَلْعَةِ إِلَى الْأَرْضِ، فَكَسَرَ قَيْدَهُ وَقَصَدَ الْعَسْكَرَ، فَاسْتَبْشَرُوا بِهِ وَأَطَاعُوهُ، وَهَرَبَ مِنْهُ مَنْ كَانَ أَفْسَدَ حَالَهُ مَعَ أَبِيهِ، وَأَخَذَ بَعْضَهُمْ، وَنَجَا بَعْضُهُمْ، وَتَقَدَّمَ إِلَى الْقَلْعَةِ لِيَحْصُرَهَا. فَلَمَّا أَفَاقَ وَالِدُهُ وَعَرَفَ الصُّورَةَ رَاسَلَ وَلَدَهُ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ وَيُؤَمِّنَهُ عَلَى مَالِهِ وَأَهْلِهِ حَتَّى يُسَلَّمَ إِلَيْهِ الْقَلْعَةَ وَجَمِيعَ أَعْمَالِ كَرْمَانَ، وَيَرْحَلَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَيَكُونَ عَوْنًا لَهُ هُنَاكَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْقَلْعَةَ وَكَثِيرًا مِنَ الْمَالِ، وَأَخَذَ مَعَهُ مَا أَرَادَ إِلَى خُرَاسَانَ وَقَصَدَ بُخَارَى، فَأَكْرَمَهُ الْأَمِيرُ مَنْصُورُ بْنُ نُوحٍ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَقَرَّبَهُ مِنْهُ، فَحَمَلَ مَنْصُورًا عَلَى تَجْهِيزِ الْعَسَاكِرِ إِلَى الرَّيِّ وَقَصْدِ بَنِي بُوَيْهٍ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ بِعِلَّةِ الْفَالِجِ، عَلَى مَاذَكَرْنَاهُ. وَكَانَ ابْنُهُ سُلَيْمَانُ بُبَخَارَى أَيْضًا وَأَمَّا إِلْيَسَعُ فَإِنَّهُ صَفَتْ لَهُ كَرْمَانُ، فَحَمَلَهُ تَرَفُ الشَّبَابِ وَجَهْلُهُ عَلَى مُغَالَبَةِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ عَلَى بَعْضِ حُدُودِ عَمَلِهِ، وَأَتَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ عَادَ بَعْضُهُمْ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَاتَّهَمَ إِلْيَسَعُ الْبَاقِينَ، فَعَاقَبَهُمْ، وَمَثَّلَ بِهِمْ.

стр. 4008

ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَأْمَنُوا إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَأَكْرَمَهُمْ وَوَصَلَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابُهُ تَبَاعُدَ مَابَيْنَ الْحَالَيْنِ تَأَلَّبُوا عَلَيْهِ وَفَارَقُوهُ مُتَسَلِّلِينَ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَأَتَاهُ مِنْهُمْ فِي دُفْعَةٍ وَاحِدَةٍ نَحْوُ أَلْفِ رَجُلٍ مِنْ وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، فَبَقِيَ فِي خَاصَّتِهِ، وَفَارَقَهُ مُعْظَمُ عَسْكَرِهِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَخَذَ أَمْوَالَهُ وَأَهْلَهُ وَسَارَ بِهِمْ نَحْوَ بُخَارَى لَا يَلْوِي عَلَى شَيْءٍ، وَسَارَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى كَرْمَانَ فَاسْتَوَى عَلَيْهَا وَمَلَكَهَا وَأَخَذَ مَا بِهَا مِنْ أَمْوَالِ آلِ إِلْيَاسَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأَقْطَعَهَا وَلَدَهُ أَبَا الْفَوَارِسِ، وَهُوَ الَّذِي لُقِّبَ بَعْدَ ذَلِكَ شَرَفَ الدَّوْلَةِ، وَمَلَكَ الْعِرَاقَ، وَاسْتَخْلَفَ، عَلَيْهَا كُورْتِكِينَ بْنَ جَسْتَانَ، وَعَادَ إِلَى فَارِسَ وَرَاسَلَهُ صَاحِبُ سِجِسْتَانَ، وَخَطَبَ لَهُ بِهَا، وَكَانَ هَذَا أَيْضًا مِنَ الْوَهْنِ عَلَى بَنِي سَامَانَ وَمِمَّا طَرَقَ الطَّمَعَ فِيهِمْ. وَأَمَّا إِلْيَسَعُ فَإِنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى بُخَارَى أَكْرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَصَارَ يَذُمُّ أَهْلَ سَامَانَ فِي قُعُودِهِمْ عَنْ نَصْرِهِ، وَإِعَادَتِهِ إِلَى مُلْكِهِ، فَنُفِيَ عَنْ بُخَارَى إِلَى خُوَارَزْمَ. وَبَلَغَ أَبَا عَلِيِّ بْنَ سِيمْجُورَ خَبَرُهُ، فَقَصَدَ مَالَهُ وَأَثْقَالَهُ، وَكَانَ خَلْفَهَا بِبَعْضِ نَوَاحِي خُرَاسَانَ، فَاسْتَوْلَى عَلَى ذَلِكَ جَمِيعِهِ، وَأَصَابَ إِلْيَسَعَ رَمَدٌ شَدِيدٌ بِخُوَارَزْمَ، فَأَقْلَقَهُ، فَحَمَلَهُ الضَّجَرُ وَعَدَمُ السَّعَادَةِ إِلَى أَنْ قَلَعَ عَيْنَهُ الرَّمِدَةَ بِيَدِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ هَلَاكِهِ، وَلَمْ يَعُدْ لِآلِ إِلْيَاسَ بِكَرْمَانَ دَوْلَةٌ، وَكَانَ الَّذِي أَصَابَهُ لِشُؤْمِ عِصْيَانِ وَالِدِهِ وَثَمَرَةِ عُقُوقِهِ. ذِكْرُ قَتْلِ أَبِي فِرَاسِ بْنِ حَمْدَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، قُتِلَ أَبُو فِرَاسِ بْنُ أَبِي الْعَلَاءِ سَعِيدِ بْنِ حَمْدَانَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مُقِيمًا بِحِمْصَ، فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي الْمَعَالِي (بْنِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ وَحْشَةٌ، فَطَلَبَهُ أَبُو الْمَعَالِي) ، فَانْحَازَ أَبُو فِرَاسٍ إِلَى صَدَدَ، وَهِيَ قَرْيَةٌ فِي طَرَفِ الْبَرِّيَّةِ عِنْدَ حِمْصَ، فَجَمَعَ أَبُو الْمَعَالِي الْأَعْرَابَ مِنْ بَنِي كِلَابٍ وَغَيْرِهِمْ، وَسَيَّرَهُمْ فِي طَلَبِهِ مَعَ قَرْغَوَيْهِ، فَأَدْرَكَهُ بِصَدَدَ، فَكَبَسُوهُ، فَاسْتَأْمَنَ أَصْحَابَهُ، وَاخْتَلَطَ هُوَ

стр. 4009

بِمَنِ اسْتَأْمَنَ مِنْهُمْ، فَقَالَ قَرْغَوَيْهِ لِغُلَامٍ لَهُ: اقْتُلْهُ، فَقَتَلَهُ وَأَخَذَ رَأْسَهُ وَتُرِكَتْ جُثَّتُهُ فِي الْبَرِّيَّةِ، حَتَّى دَفَنَهَا بَعْضُ الْأَعْرَابِ. وَأَبُو فِرَاسٍ هُوَ خَالُ أَبِي الْمَعَالِي بْنِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، وَلَقَدْ صَدَقَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُلْكَ عَقِيمٌ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، مُنْتَصَفَ شَعْبَانَ، مَاتَ الْمُتَّقِي لِلَّهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُقْتَدِرِ فِي دَارِهِ وَدُفِنَ فِيهَا. وَفِيهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَصَلَتْ سَرِيَّةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الرُّومِ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ فَقَتَلُوا فِي سَوَادِهَا وَغَنِمُوا، وَسَبَوُا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَفِيهَا كَانَ بَيْنَ هِبَةِ الرِّفْعَايِّ وَبَنِي أَسَدِ بْنِ وَزِيرِ الْغُبَرِيِّ حَرْبٌ، فَاسْتَمَدَّتْ أَسَدٌ خَزَرَ الْيَشْكُرِيَّ الَّذِي مَعَ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ، صَاحِبِ الْبَطَائِحِ، وَأَوْقَعَ بِهِبَةَ، وَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً وَهَزَمَهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَى جُنْبُلَا وَقُسِّينَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ، فَسَارَ سُبُكْتِكِينُ الْعَجَمِيُّ إِلَى خَزَرٍ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، فَمَضَى إِلَى الْبَصْرَةِ وَاسْتَأْمَنَ إِلَى الْوَزِيرِ أَبِي الْفَضْلِ، وَفِيهَا عَمِلَ أَهْلُ بَغْدَاذَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَغَدِيرَ خُمٍّ، كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ مِنْ إِظْهَارِ الْحُزْنِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَالسُّرُورِ يَوْمَ الْغَدِيرِ،

стр. 4010

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ بُنْدَارِ بْنِ الْحُسَيْنِ أَبُو الْحَسَنِ الصُّوفِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالصَّيْرَفِيِّ النَّيْسَابُورِيِّ.

стр. 4011

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَة] ٣٥٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ الْمُعِزِّ الْعَلَوِيِّ مِصْرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ الْمُعِزُّ لِدِينِ اللَّهِ أَبُو تَمِيمٍ مَعْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَنْصُورَ بِاللَّهِ الْقَائِدَ أَبَا الْحَسَنِ جَوْهَرًا، غُلَامَ وَالِدِهِ الْمَنْصُورِ، وَهُوَ رُومِيٌّ، فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ كَافُورٌ الْإِخْشِيدِيُّ، صَاحِبُ مِصْرَ، اخْتَلَفَتِ الْقُلُوبُ فِيهَا، وَوَقَعَ بِهَا غَلَاءٌ شَدِيدٌ، حَتَّى بَلَغَ الْخُبْزُ كُلُّ رِطْلٍ بِدِرْهَمَيْنِ، وَالْحِنْطَةُ كُلُّ وَيْبَةٍ بِدِينَارٍ وَسُدْسٍ مِصْرِيٍّ، فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ بِهَذِهِ الْأَحْوَالِ إِلَى الْمُعِزِّ، وَهُوَ بِإِفْرِيقِيَّةَ، سَيَّرَ جَوْهَرًا إِلَيْهَا، فَلَمَّا اتَّصَلَ خَبَرُ مَسِيرِهِ إِلَى الْعَسَاكِرِ الْإِخْشِيدِيَّةِ بِمِصْرَ هَرَبُوا عَنْهَا جَمِيعُهُمْ قَبْلَ وُصُولِهِ. ثُمَّ إِنَّهُ قَدِمَهَا سَابِعَ عَشَرَ شَعْبَانَ، وَأُقِيمَتِ الدَّعْوَةُ لِلْمُعِزِّ بِمِصْرَ فِي الْجَامِعِ الْعَتِيقِ فِي شَوَّالٍ، وَكَانَ الْخَطِيبُ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحُسَيْنِ الشِّمْشَاطِيَّ. وَفِي جُمَادَى الْأُولَى مِنَ سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] سَارَ جَوْهَرٌ إِلَى جَامِعِ ابْنِ طُولُونَ، وَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَذَّنَ بِحَيِّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَا أُذِّنَ بِمِصْرَ ثُمَّ أُذِّنَ بَعْدَهُ فِي الْجَامِعِ الْعَتِيقِ، وَجَهَرَ فِي الصَّلَاةِ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَلَمَّا اسْتَقَرَّ جَوْهَرٌ بِمِصْرَ شَرَعَ فِي بِنَاءِ الْقَاهِرَةِ.

стр. 4012

ذِكْرُ مُلْكِ عَسْكَرِ الْمُعِزِّ دِمَشْقَ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الشَّامِ لَمَّا اسْتَقَرَّ جَوْهَرٌ بِمِصْرَ، وَثَبَّتَ قَدَمَهُ، سَيَّرَ جَعْفَرَ بْنَ فَلَاحٍ الْكُتَامِيَّ إِلَى الشَّامِ فِي جَمْعٍ كَبِيرٍ، فَبَلَغَ الرَّمْلَةَ، وَبِهَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طُغُجَ، فَقَاتَلَهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمَا حُرُوبٌ كَانَ الظَّفَرُ فِيهَا لِجَعْفَرِ بْنِ فَلَاحٍ، وَأُسِرَ ابْنُ طُغُجَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْقُوَّادِ فَسَيَّرَهُمْ إِلَى جَوْهَرٍ، وَسَيَّرَهُمْ جَوْهَرٌ إِلَى الْمُعِزِّ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَدَخَلَ ابْنُ الْفَلَاحِ الْبَلَدَ عَنْوَةً، فَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ أَمَّنَ مَنْ بَقِيَ، وَجَبَى الْخَرَاجَ وَسَارَ إِلَى طَبَرِيَّةَ، فَرَأَى ابْنَ مُلْهَمٍ قَدْ أَقَامَ الدَّعْوَةَ لِلْمُعِزِّ لِدِينِ اللَّهِ، فَسَارَ عَنْهَا إِلَى دِمَشْقَ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا، فَظَفِرَ بِهِمْ وَمَلَكَ الْبَلَدَ، وَنَهَبَ بَعْضَهُ وَكَفَّ عَنِ الْبَاقِي، وَأَقَامَ الْخُطْبَةَ لِلْمُعِزِّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِأَيَّامٍ خَلَتْ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] وَقُطِعَتِ الْخُطْبَةُ الْعَبَّاسِيَّةُ. وَكَانَ بِدِمَشْقَ الشَّرِيفُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ أَبِي يَعْلَى الْهَاشِمِيُّ، وَكَانَ جَلِيلَ الْقَدْرِ، نَافِذَ الْحُكْمِ فِي أَهْلِهَا، فَجَمَعَ أَحْدَاثَهَا وَمَنْ يُرِيدُ الْفِتْنَةَ، فَثَارَ بِهِمْ فِي الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَبْطَلَ الْخُطْبَةَ لِلْمُعِزِّ لِدِينِ اللَّهِ وَأَعَادَ خُطْبَةَ الْمُطِيعِ لِلَّهِ. وَلَبِسَ السَّوَادَ وَعَادَ إِلَى دَارِهِ، فَقَاتَلَهُ جَعْفَرُ بْنُ فَلَاحٍ وَمَنْ مَعَهُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَصَبَرَ أَهْلُ دِمَشْقَ، ثُمَّ افْتَرَقُوا آخِرَ النَّهَارِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ تَزَاحَفَ الْفَرِيقَانِ وَاقْتَتَلُوا وَنَشَبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمَا، وَكَثُرَ الْقَتْلَى مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَدَامَ الْقِتَالُ، فَعَادَ عَسْكَرُ دِمَشْقَ مُنْهَزِمِينَ وَالشَّرِيفُ بْنُ أَبِي يَعْلَى مُقِيمٌ عَلَى بَابِ الْبَلَدِ يُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى الْقِتَالِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالصَّبْرِ. وَوَاصَلَ الْمَغَارِبَةُ الْحَمَلَاتِ عَلَى الدَّمَاشِقَةِ حَتَّى أَلْجَئُوهُمْ إِلَى بَابِ الْبَلَدِ، وَوَصَلَ الْمَغَارِبَةُ إِلَى قَصْرِ حَجَّاجٍ، وَنَهَبُوا مَا وَجَدُوا، فَلَمَّا رَأَى ابْنُ أَبِي يَعْلَى (الْهَاشِمِيَّ وَالْأَحْدَاثَ مَا) لَقِيَ النَّاسُ مِنَ الْمَغَارِبَةِ خَرَجُوا مِنَ الْبِلَادِ لَيْلًا، فَأَصْبَحَ النَّاسُ حَيَارَى، فَدَخَلَ الشَّرِيفُ الْجَعْفَرِيُّ، وَكَانَ خَرَجَ مِنَ الْبَلَدِ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ فَلَاحٍ فِي الصُّلْحِ، فَأَعَادَهُ وَأَمَرَهُ بِتَسْكِينِ النَّاسِ وَتَطْيِيبِ قُلُوبِهِمْ، وَوَعْدِهِمْ بِالْجَمِيلِ، فَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ، وَتَقَدَّمَ إِلَى الْجُنْدِ وَالْعَامَّةِ بِلُزُومِ مَنَازِلِهِمْ، وَأَنْ لَا يَخْرُجُوا مِنْهَا إِلَى أَنْ يَدْخُلَ جَعْفَرُ بْنُ فَلَاحٍ الْبَلَدَ وَيَطُوفَ فِيهِ وَيَعُودَ إِلَى عَسْكَرِهِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ.

стр. 4013

فَلَمَّا دَخَلَ الْمَغَارِبَةُ الْبَلَدَ عَاثُوا فِيهِ، وَنَهَبُوا قُطْرًا مِنْهُ، فَثَارَ النَّاسُ، وَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ، وَوَضَعُوا السَّيْفَ فِيهِمْ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَشَرَعُوا فِي تَحْصِينِ الْبَلَدِ وَحَفْرِ الْخَنَادِقِ، وَعَزَمُوا عَلَى اصْطِلَاءِ الْحَرْبِ، وَبَذْلِ النُّفُوسِ فِي الْحِفْظِ، وَأَحْجَمَتِ الْمَغَارِبَةُ عَنْهُمْ، وَمَشَى النَّاسُ إِلَى الشَّرِيفِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي يَعْلَى، فَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَسْعَى فِيمَا يَعُودُ بِصَلَاحِ الْحَالِ، فَفَعَلَ، وَدَبَّرَ الْحَالَ إِلَى أَنْ تَقَرَّرَ الصُّلْحُ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِسِتَّ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ الْحَرِيقُ قَدْ أَتَى عَلَى عِدَّةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الدُّورِ وَقْتَ الْحَرْبِ. وَدَخَلَ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ جَعْفَرُ بْنُ فَلَاحٍ الْبَلَدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَصَلَّى مَعَ النَّاسِ وَسَكَّنَهُمْ وَطَيَّبَ قُلُوبَهُمْ، وَقَبَضَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَحْدَاثِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَقَبَضَ عَلَى الشَّرِيفِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي يَعْلَى الْهَاشِمِيِّ الْمَذْكُورِ، وَسَيَّرَهُ إِلَى مِصْرَ، وَاسْتَقَرَّ أَمْرُ دِمَشْقَ. (وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُؤَخَّرَ) (مِلْكُ ابْنِ الْفَلَاحِ دِمَشْقَ إِلَى آخِرِ السَّنَةِ) ، وَإِنَّمَا قَدَّمْتُهُ لِيَتَّصِلَ خَبَرُ الْمَغَارِبَةِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. ذِكْرُ اخْتِلَافِ أَوْلَادِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ وَمَوْتِ أَبِيهِمْ كَانَ سَبَبُ اخْتِلَافِ أَوْلَادِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ أَنَّهُ كَانَ أَقْطَعَ وَلَدَهُ حَمْدَانَ مَدِينَةَ الرُّحْبَةِ وَمَارِدِينَ وَغَيْرَهُمَا. وَكَانَ أَبُو تَغْلِبَ وَأَبُو الْبَرَكَاتِ وَأُخْتُهُمَا جُمْلَةَ أَوْلَادِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ مِنْ زَوْجَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَحْمَدَ الْكُرْدِيَّةِ، وَكَانَتْ مَالِكَةَ أَمْرِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، فَاتَّفَقَتْ مَعَ ابْنِهَا أَبِي تَغْلِبَ، وَقَبَضُوا عَلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَابْتَدَأَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ يُدَبِّرُ فِي الْقَبْضِ عَلَيْهِمْ، فَكَاتَبَ ابْنَهُ حَمْدَانَ يَسْتَدْعِيهِ لِيَتَقَوَّى بِهِ عَلَيْهِمْ، فَظَفِرَ أَوْلَادُهُ بِالْكِتَابِ، فَلَمْ يُنْفِذُوهُ، وَخَافُوا أَبَاهُمْ وَحَذِرُوهُ، فَحَمَلَهُمْ خَوْفُهُ عَلَى نَقْلِهِ إِلَى قَلْعَةِ كَوَاشِي. وَاتَّصَلَ ذَلِكَ بِحَمْدَانَ، فَعَظُمَ عَلَيْهِ، وَصَارَ عَدُوًّا مُبَايِنًا، وَكَانَ أَشْجَعَهُمْ، وَكَانَ قَدْ

стр. 4014

سَارَ عِنْدَ وَفَاةِ عَمِّهِ (سَيْفِ الدَّوْلَةِ مِنَ الرُّحْبَةِ إِلَى الرَّقَّةِ فَمَلَكَهَا، وَسَارَ) إِلَى نَصِيبِينَ وَجَمَعَ مَنْ أَطَاعَهُ، وَطَالَبَ إِخْوَتَهُ بِالْإِفْرَاجِ عَنْ وَالِدِهِ وَإِعَادَتِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَسَارَ أَبُو تَغْلِبَ، (إِلَيْهِ لِيُحَارِبَهُ، فَانْهَزَمَ حَمْدَانُ قَبْلَ اللِّقَاءِ إِلَى الرَّقَّةِ، فَنَازَلَهُ أَبُو تَغْلِبَ) وَحَصَرَهُ ثُمَّ اصْطَلَحَا عَلَى دَخَنٍ، وَعَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى مَوْضِعِهِ. وَعَاشَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْهَيْجَاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ حَمْدُونَ التَّغْلِبِيُّ شُهُورًا، وَمَاتَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، (وَدُفِنَ بِتَلِّ تَوْبَةَ، شَرْقِيَّ الْمَوْصِلِ) ، وَقَبَضَ أَبُو تَغْلِبَ أَمْلَاكَ أَخِيهِ حَمْدَانَ، وَسَيَّرَ أَخَاهُ أَبَا الْبَرَكَاتِ إِلَى حَمْدَانَ، فَلَمَّا قَرُبَ الرُّحْبَةَ اسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ حَمْدَانَ، فَانْهَزَمَ حِينَئِذٍ، وَقَصَدَ الْعِرَاقَ مُسْتَأْمِنًا إِلَى بَخْتِيَارَ، فَوَصَلَ بَغْدَاذَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَأَكْرَمَهُ بَخْتِيَارُ وَعَظَّمَهُ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ هَدِيَّةً كَثِيرَةً جَلِيلَةَ الْمِقْدَارِ وَمَعَهَا كُلُّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِثْلُهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي تَغْلِبَ النَّقِيبَ أَبَا أَحْمَدَ الْمُوسَوِيَّ وَالِدَ الشَّرِيفِ الرَّضِيِّ فِي الصُّلْحِ مَعَ أَخِيهِ، فَاصْطَلَحَا، وَعَادَ حَمْدَانُ إِلَى الرُّحْبَةِ، وَكَانَ مَسِيرُهُ مِنْ بَغْدَاذَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو الْبَرَكَاتِ بِمَسِيرِ أَخِيهِ حَمْدَانَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ فَارَقَ الرُّحْبَةَ، وَدَخَلَهَا حَمْدَانُ، وَرَاسَلَهُ أَخُوهُ أَبُو تَغْلِبَ فِي الِاجْتِمَاعِ بِهِ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَعَادَ أَبُو تَغْلِبَ وَسَيَّرَ إِلَيْهِ أَخَاهُ أَبَا الْبَرَكَاتِ، فَلَمَّا عَلِمَ حَمْدَانُ بِذَلِكَ فَارَقَهَا، فَاسْتَوْلَى أَبُو الْبَرَكَاتِ عَلَيْهَا، وَاسْتَنَابَ بِهَا مَنْ يَحْفَظُهَا فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْجَيْشِ، وَعَادَ إِلَى الرَّقَّةِ ثُمَّ إِلَى عَرَبَانَ. فَلَمَّا سَمِعَ حَمْدَانُ بِعَوْدَتِهِ عَنْهَا، وَكَانَ بِبَرِّيَّةِ تَدْمُرَ، عَادَ إِلَيْهَا فِي شَعْبَانَ، فَوَافَاهَا لَيْلًا، فَأَصْعَدَ جَمَاعَةً مِنْ غِلْمَانِهِ السُّورَ، وَفَتَحُوا لَهُ بَابَ الْبَلَدِ فَدَخَلَهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَنْ بِهِ مِنَ الْجُنْدِ، فَلَمَّا صَارَ فِي الْبَلَدِ وَأَصْبَحَ أَمَرَ بِضَرْبِ الْبُوقِ، (فَبَادَرَ مَنْ بِالرُّحْبَةِ مِنَ الْجُنْدِ

стр. 4015

مُنْقَطِعِينَ يَظُنُّونَ أَنَّ صَوْتَ الْبُوقِ) مِنْ خَارِجِ الْبَلَدِ، وَكُلُّ مَنْ وَصَلَ إِلَى حَمْدَانَ أَسَرَهُ، حَتَّى أَخَذَهُمْ جَمِيعَهُمْ، فَقَتَلَ بَعْضًا وَاسْتَبْقَى بَعْضًا، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو الْبَرَكَاتِ بِذَلِكَ عَادَ إِلَى قَرْقِيسِيَّا، وَاجْتَمَعَ هُوَ وَأَخُوهُ حَمْدَانُ مُنْفَرِدَيْنِ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ بَيْنَهُمَا قَاعِدَةٌ، فَقَالَ أَبُو الْبَرَكَاتِ لِحَمْدَانَ: أَنَا أَعُودُ إِلَى عَرَبَانَ، وَأَرْسِلْ إِلَى أَبِي تَغْلِبَ يُجِيبُ إِلَى مَا تَلْتَمِسُهُ مِنْهُ. فَسَارَ عَائِدًا إِلَى عَرَبَانَ، وَعَبَرَ حَمْدَانُ الْفُرَاتَ فِي مَخَاضَةٍ بِهَا، وَسَارَ فِي أَثَرِ أَخِيهِ أَبِي الْبَرَكَاتِ، فَأَدْرَكَهُ بِعَرَبَانَ وَهُوَ آمِنٌ، فَلَقِيَهُمْ أَبُو الْبَرَكَاتِ بِغَيْرِ جُنَّةٍ وَلَا سِلَاحٍ، فَقَاتَلَهُمْ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، وَحَمَلَ أَبُو الْبَرَكَاتِ بِنَفْسِهِ فِي وَسَطِهِمْ، فَضَرَبَهُ أَخُوهُ حَمْدَانُ فَأَلْقَاهُ وَأَخَذَهُ أَسِيرًا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ، وَهُوَ ثَالِثُ رَمَضَانَ، فَحُمِلَ فِي تَابُوتٍ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَدُفِنَ بِتَلِّ تَوْبَةَ عِنْدَ أَبِيهِ. وَتَجَهَّزَ أَبُو تَغْلِبَ لِيَسِيرَ إِلَى حَمْدَانَ، وَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَخَاهُ أَبَا الْفَوَارِسِ مُحَمَّدًا إِلَى نَصِيبِينَ، فَلَمَّا وَصَلَهَا كَاتَبَ أَخَاهُ حَمْدَانَ وَمَالَأَ عَلَى أَبِي تَغْلِبَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَا تَغْلِبَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَسْتَدْعِيهِ لِيَزِيدَ فِي إِقْطَاعِهِ، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ قَبَضَ عَلَيْهِ وَسَيَّرَهُ إِلَى قَلْعَةِ كَوَاشِي، مِنْ بَلَدِ الْمَوْصِلِ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُ، وَكَانَتْ قِيمَتُهَا خَمْسَمِائَةِ أَلْفَ دِينَارٍ. فَلَمَّا قَبَضَ عَلَيْهِ سَارَ إِبْرَاهِيمُ وَالْحُسَيْنُ ابْنَا نَاصِرِ الدَّوْلَةِ إِلَى أَخِيهِمَا حَمْدَانَ، خَوْفًا مِنْ أَبِي تَغْلِبَ، فَاجْتَمَعَا مَعَهُ، وَسَارُوا إِلَى سِنْجَارَ، فَسَارَ أَبُو تَغْلِبَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَوْصِلِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِلِقَائِهِ طَاقَةٌ، فَرَاسَلَهُ أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ وَالْحُسَيْنُ يَطْلُبَانِ الْعَوْدَ إِلَيْهِ خَدِيعَةً مِنْهُمَا لِيُؤَمِّنَهُمَا وَيَفْتِكَا بِهِ، فَأَجَابَهُمَا إِلَى ذَلِكَ، فَهَرَبَا إِلَيْهِ، وَتَبِعَهُمَا كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ حَمْدَانَ، (فَعَادَ حَمْدَانُ) حِينَئِذٍ مِنْ سِنْجَارَ إِلَى عَرَبَانَ، وَاسْتَأْمَنَ إِلَى أَبِي تَغْلِبَ، صَاحِبِ حَمْدَانَ وَأَطْلَعَهُ حِيلَةَ أَخَوَيْهِ عَلَيْهِ، وَهُمَا إِبْرَاهِيمُ وَالْحُسَيْنُ، فَأَرَادَ الْقَبْضَ عَلَيْهِمَا فَحَذِرَا وَهَرَبَا. ثُمَّ إِنَّ غُلَامَ حَمْدَانَ وَنَائِبَهُ بِالرُّحْبَةِ أَخَذَ جَمِيعَ مَالِهِ وَهَرَبَ إِلَى أَصْحَابِ أَبِي تَغْلِبَ بَحَرَّانَ، وَكَانُوا مَعَ صَاحِبِهِ سَلَامَةَ الْبَرْقَعِيدِيِّ، فَاضْطَرَّ حَمْدَانُ إِلَى الْعَوْدِ إِلَى الرُّحْبَةِ، وَسَارَ أَبُو تَغْلِبَ إِلَى قَرْقِيسِيَّا، وَأَرْسَلَ سَرِيَّةً عَبَرُوا الْفُرَاتَ وَكَبَسُوا حَمْدَانَ بِالرُّحْبَةِ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، فَنَجَا هَارِبًا، وَاسْتَوْلَى أَبُو تَغْلِبَ عَلَيْهَا، وَعَمَّرَ سُورَهَا، وَعَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ،

стр. 4016

وَدَخَلَهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. (وَسَارَ حَمْدَانُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَدَخَلَهَا آخِرَ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتِّينَ) [وَثَلَاثِمِائَةٍ] مُلْتَجِئًا إِلَى بَخْتِيَارَ وَمَعَهُ أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ، وَكَانَ أَخُوهُمَا الْحُسَيْنُ قَدْ عَادَ إِلَى أَخِيهِ أَبِي تَغْلِبَ مُسْتَأْمِنًا، وَحَمَلَ بَخْتِيَارُ إِلَى حَمْدَانَ وَأَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ هَدَايَا جَلِيلَةَ الْمِقْدَارِ، وَأَكْرَمَهُمَا وَاحْتَرَمَهُمَا. ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ الرُّومُ بِالشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ مَلِكُ الرُّومِ الشَّامَ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَحَدٌ، وَلَا قَاتَلَهُ، فَسَارَ فِي الْبِلَادِ إِلَى طَرَابُلُسَ، وَأَحْرَقَ رَبَضَهَا، وَحَصَرَ قَلْعَةَ عِرْقَةَ، فَمَلَكَهَا وَنَهَبَهَا وَسَبَى مَنْ فِيهَا. وَكَانَ صَاحِبُ طَرَابُلُسَ قَدْ أَخْرَجَهُ أَهْلُهَا لِشِدَّةِ ظُلْمِهِ، فَقَصَدَ عِرْقَةَ، فَأَخَذَهُ الرُّومُ وَجَمِيعَ مَالِهِ، وَكَانَ كَثِيرًا. وَقَصَدَ (مَلِكُ الرُّومِ) حِمْصَ، وَكَانَ أَهْلُهَا قَدِ انْتَقَلُوا عَنْهَا وَأَخْلَوْهَا فَأَحْرَقَهَا مَلِكُ الرُّومِ وَرَجَعَ إِلَى بُلْدَانِ السَّاحِلِ (فَأَتَى عَلَيْهَا نَهْبًا وَتَخْرِيبًا) ، وَمَلَكَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنْبَرًا، فَأَمَّا الْقِرَى فَكَثِيرٌ لَا يُحْصَى، وَأَقَامَ فِي الشَّامِ شَهْرَيْنِ يَقْصِدُ أَيَّ مَوْضِعٍ شَاءَ، وَلَا يَمْنَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ كَانُوا يُغِيرُونَ عَلَى أَطْرَافِهِمْ، فَأَتَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ وَتَنَصَّرُوا وَكَادُوا الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، فَامْتَنَعَتِ الْعَرَبُ مِنْ قَصْدِهِمْ، وَصَارَ لِلرُّومِ الْهَيْبَةُ الْعَظِيمَةُ فِي قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَرَادَ أَنْ يَحْضُرَ أَنْطَاكِيَةَ وَحَلَبَ، فَبَلَغَهُ أَنَّ أَهْلَهَا قَدْ أَعَدُّوا الذَّخَائِرَ وَالسِّلَاحَ وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَعَادَ وَمَعَهُ مِنَ السَّبْيِ نَحْوُ مِائَةِ أَلْفَ رَأْسٍ، وَلَمْ يَأْخُذْ إِلَّا الصِّبْيَانَ، وَالصَّبَايَا،

стр. 4017

وَالشُّبَّانَ، فَأَمَّا الْكُهُولُ، وَالشُّيُوخُ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَتَلَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَهُ. وَكَانَ بِحَلَبَ قَرْغَوَيْهِ، غُلَامُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبَا الْمَعَالِي بْنَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ مِنْهَا، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، فَصَانَعَ الرُّومَ عَلَيْهَا، فَعَادُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، فَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ عَوْدِهِمْ كَثْرَةَ الْأَمْرَاضِ، وَالْمَوْتِ، وَقِيلَ: ضَجِرُوا مِنْ طُولِ السَّفَرِ وَالْغَيْبَةِ عَنْ بِلَادِهِمْ، فَعَادُوا عَلَى عَزْمِ الْعَوْدِ. وَسَيَّرَ مَلِكُ الرُّومِ سَرِيَّةً كَثِيرَةً إِلَى الْجَزِيرَةِ، فَبَلَغُوا كَفْرَ تُوثَا، وَنَهَبُوا وَسَبَوْا وَأَحْرَقُوا وَعَادُوا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَبِي تَغْلِبَ بْنِ حَمْدَانَ فِي ذَلِكَ نَكِيرٌ وَلَا أَثَرٌ. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ قَرْغَوَيْهِ عَلَى حَلَبَ وَإِخْرَاجِ أَبِي الْمَعَالِي بْنِ حَمْدَانَ مِنْهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا اسْتَوْلَى قَرْغَوَيْهِ غُلَامُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ (عَلَى حَلَبَ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا أَبَا الْمَعَالِي شَرِيفَ بْنَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ) ، فَسَارَ أَبُو الْمَعَالِي إِلَى حَرَّانَ، فَمَنَعَهُ أَهْلُهَا مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهِمْ، فَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَأْذَنُوا لِأَصْحَابِهِ أَنْ يَدْخُلُوا فَيَتَزَوَّدَا مِنْهَا يَوْمَيْنِ فَأَذِنُوا لَهُمْ، وَدَخَلَ إِلَى وَالِدَتِهِ بِمَيَّافَارِقِينَ، وَهِيَ ابْنَةُ سَعِيدِ بْنِ حَمْدَانَ، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَمَضَوْا إِلَى أَبِي تَغْلِبَ بْنِ حَمْدَانَ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى وَالِدَتِهِ بَلَغَهَا أَنَّ غِلْمَانَهُ وَكُتَّابَهُ قَدْ عَمِلُوا عَلَى الْقَبْضِ عَلَيْهَا وَحَبْسِهَا، كَمَا فَعَلَ أَبُو تَغْلِبَ بِأَبِيهِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، فَأَغْلَقَتْ أَبْوَابَ الْمَدِينَةِ وَمَنَعَتِ ابْنَهَا مِنْ

стр. 4018

دُخُولِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، حَتَّى أَبْعَدَتْ مَنْ تُحِبُّ إِبْعَادَهُ، وَاسْتَوْثَقَتْ لِنَفْسِهَا، وَأَذِنَتْ لَهُ وَلِمَنْ بَقِيَ مَعَهُ فِي دُخُولِ الْبَلَدِ وَأَطْلَقَتْ لَهُمُ الْأَرْزَاقَ، وَبَقِيَتْ حَرَّانُ لَا أَمِيرَ عَلَيْهَا، وَلَكِنَّ الْخُطْبَةَ فِيهَا لِأَبِي الْمَعَالِي بْنِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ مُقَدَّمِي أَهْلِهَا يَحْكُمُونَ فِيهَا، وَيُصْلِحُونَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا الْمَعَالِي عَبَرَ الْفُرَاتَ إِلَى الشَّامِ، وَقَصَدَ حَمَاةَ فَأَقَامَ بِهَا، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. ذِكْرُ خُرُوجِ أَبِي خَزَرٍ بِإِفْرِيقِيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ بِإِفْرِيقِيَّةَ أَبُو خَزَرٍ الزَّنَاتِيُّ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جُمُوعٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الْبَرْبَرِ وَالنَّكَارِ، فَخَرَجَ الْمُعِزُّ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ يُرِيدُ قِتَالَهُ، حَتَّى بَلَغَ مَدِينَةَ بَاغَايَةَ، وَكَانَ أَبُو خَزَرٍ قَرِيبًا مِنْهَا، وَهُوَ يُقَاتِلُ نَائِبَ الْمُعِزِّ عَلَيْهَا، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو خَزَرٍ بِقُرْبِ الْمُعِزِّ تَفَرَّقَتْ عَنْهُ جُمُوعُهُ، وَسَارَ الْمُعِزُّ فِي طَلَبِهِ فَسَلَكَ الْأَوْعَارَ، فَعَادَ الْمُعِزُّ وَأَمَرَ أَبَا الْفُتُوحِ يُوسُفَ بُلُكِّينَ بْنَ زِيرِي بِالْمَسِيرِ فِي طَلَبِهِ أَيْنَ سَلَكَ، فَسَارَ فِي أَثَرِهِ حَتَّى خَفِيَ عَلَيْهِ خَبَرُهُ، وَوَصَلَ الْمُعِزُّ إِلَى مُسْتَقَرِّهِ بِالْمَنْصُورِيَّةِ. فَلَمَّا كَانَ رَبِيعٌ الْآخِرُ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] وَصَلَ أَبُو خَزَرٍ الْخَارِجِيُّ إِلَى الْمُعِزِّ مُسْتَأْمِنًا، وَيَطْلُبُ الدُّخُولَ فِي طَاعَتِهِ، فَقَبِلَ مِنْهُ الْمُعِزُّ ذَلِكَ وَفَرِحَ بِهِ، وَأَجْرَى عَلَيْهِ رِزْقًا كَثِيرًا. وَوَصَلَهُ، عُقَيْبَ هَذِهِ الْحَالِ، كَتَبَ جَوْهَرٌ بِإِقَامَةِ الدَّعْوَةِ لَهُ فِي مِصْرَ وَالشَّامِ، وَيَدْعُوهُ إِلَى الْمَسِيرِ إِلَيْهِ، فَفَرِحَ الْمُعِزُّ فَرَحًا شَدِيدًا أَظْهَرَهُ لِلنَّاسِ كَافَّةً (وَمَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ، فَمِمَّنْ ذَكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ هَانِئٍ الْأَنْدَلُسِيُّ) فَقَالَ: يَقُولُ بَنُو الْعَبَّاسِ قَدْ فُتِحَتْ مِصْرُ فَقُلْ لِبَنِي الْعَبَّاسِ: قَدْ قُضِيَ الْأَمْرُ

стр. 4019

ذِكْرُ قَصْدِ أَبِي الْبَرَكَاتِ بْنِ حَمْدَانَ مَيَّافَارِقِينَ وَانْهِزَامِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، سَارَ أَبُو الْبَرَكَاتِ بْنُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ فِي عَسْكَرِهِ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ، فَأَغْلَقَتْ زَوْجَةُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ أَبْوَابَ الْبَلَدِ فِي وَجْهِهِ، وَمَنَعَتْهُ مِنْ دُخُولِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا يَقُولُ: إِنَّنِي مَا قَصَدْتُ إِلَّا الْغُزَاةَ، وَيَطْلُبُ مِنْهَا مَا يَسْتَعِينُ بِهِ، فَاسْتَقَرَّ بَيْنَهُمَا أَنْ تَحْمِلَ إِلَيْهِ مِائَتَيْ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَتُسَلِّمَ إِلَيْهِ قَرَايًا كَانَتْ لِسَيْفِ الدَّوْلَةِ بِالْقُرْبِ مِنْ نَصِيبِينَ. ثُمَّ ظَهَرَ لَهَا أَنَّهُ يَعْمَلُ سِرًّا فِي دُخُولِ الْبَلَدِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى مَنْ مَعَهُ مِنْ غِلْمَانِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ تَقُولُ لَهُمْ: مَا مِنْ حَقِّ مَوْلَاكُمْ أَنْ تَفْعَلُوا بِحُرَمِهِ وَأَوْلَادِهِ هَذَا، فَنَكَلُوا عَنِ الْقِتَالِ وَالْقَصْدِ، ثُمَّ جَمَعَتْ رَجَّالَةً وَكَبَسَتْ أَبَا الْبَرَكَاتِ لَيْلًا، فَانْهَزَمَ وَنُهِبَ سَوَادُهُ وَعَسْكَرُهُ، وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَغِلْمَانِهِ، فَرَاسَلَهَا: إِنَّنِي لَمْ أَقْصِدْ لِسُوءٍ، فَرَدَّتْ رَدًّا جَمِيلًا، وَأَعَادَتْ إِلَيْهِ بَعْضَ مَا نُهِبَ مِنْهُ، وَحَمَلَتْ إِلَيْهِ مِائَةَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَطْلَقَتِ الْأَسْرَى، فَعَادَ عَنْهَا. وَكَانَ ابْنُهَا (أَبُو الْمَعَالِي بْنُ) سَيْفِ الدَّوْلَةِ عَلَى حَلَبَ يُقَاتِلُ قَرْغَوَيْهِ غُلَامَ أَبِيهِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، عَاشِرَ الْمُحَرَّمِ، عَمِلَ أَهْلُ بَغْدَاذَ مَا قَدْ صَارَ عَادَةً مِنْ إِغْلَاقِ الْأَسْوَاقِ، وَتَعْطِيلِ الْمَعَاشِ، وَإِظْهَارِ النَّوْحِ وَالْمَأْتَمِ، بِسَبَبِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا. وَفِيهَا أَرْسَلَ الْقَرَامِطَةُ رُسُلًا إِلَى بَنِي نُمَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ يَدْعُونَهُمْ إِلَى طَاعَتِهِمْ، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ، وَأُخِذَتْ عَلَيْهِمُ الْأَيْمَانُ بِالطَّاعَةِ، وَأَرْسَلَ أَبُو تَغْلِبَ بْنُ حَمْدَانَ إِلَى الْقَرَامِطَةِ بِهَجَرَ هَدَايَا جَمِيلَةً قِيمَتُهَا خَمْسُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. وَفِيهَا طَلَبَ سَابُورُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْقَرْمَطِيُّ مِنْ أَعْمَامِهِ أَنْ يُسَلِّمُوا الْأَمِيرَ إِلَيْهِ وَالْجَيْشَ، وَذَكَرَ أَنَّ أَبَاهُ عَهِدَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، فَحَبَسُوهُ فِي دَارِهِ، وَوَكَّلُوا بِهِ، ثُمَّ أُخْرِجَ مَيِّتًا فِي نِصْفِ رَمَضَانَ، فَدُفِنَ وَمُنِعَ أَهْلُهُ مِنَ الْبُكَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُذِنَ لَهُمْ بَعْدَ أُسْبُوعٍ أَنْ يَعْمَلُوا مَا يُرِيدُونَ.

стр. 4020

وَفِيهَا، لَيْلَةَ الْخَمِيسِ رَابِعَ عَشَرَ رَجَبٍ، انْخَسَفَ الْقَمَرُ جَمِيعُهُ، وَغَابَ مُنْخَسِفًا. وَفِيهَا فِي شَعْبَانَ، وَقَعَتْ حَرْبٌ بَيْنَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّاعِي الْعَلَوِيِّ وَبَيْنَ عَلَوِيٍّ آخَرَ يُعْرَفُ بِأُمَيْرَكْ، وَهُوَ أَبُو جَعْفَرٍ الثَّائِرُ فِي اللَّهِ، قُتِلَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الدَّيْلَمِ وَالْجِيلِ، وَأُسِرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الدَّاعِي، وَسُجِنَ فِي قَلْعَةٍ، ثُمَّ أُطْلِقَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] وَعَادَ إِلَى رِئَاسَتِهِ، وَصَارَ أَبُو جَعْفَرٍ صَاحِبَ جَيْشِهِ. وَفِيهَا قَبَضَ بَخْتِيَارُ عَلَى وَزِيرِهِ أَبِي الْفَضْلِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِهِ، وَقَبَضَ أَمْوَالَهُمْ وَأَمْلَاكَهُمْ، وَاسْتَوْزَرَ أَبَا الْفَرَجِ مُحَمَّدَ بْنَ الْعَبَّاسِ، ثُمَّ عَزَلَ أَبَا الْفَرَجِ وَأَعَادَ أَبَا الْفَضْلِ. وَفِيهَا اشْتَدَّ الْغَلَاءُ بِالْعِرَاقِ، وَاضْطَرَبَ النَّاسُ، فَسَعَّرَ السُّلْطَانُ الطَّعَامَ، فَاشْتَدَّ الْبَلَاءُ، فَدَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إِلَى إِزَالَةِ التَّسْعِيرِ، فَسَهَّلَ الْأَمْرَ، وَخَرَجَ النَّاسُ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الْمَوْصِلِ وَالشَّامِ وَخُرَاسَانَ مِنَ الْغَلَاءِ. وَفِيهَا نُفِيَ شِيرَزَادُ، وَكَانَ قَدْ غُلِبَ عَلَى أَمْرِ بَخْتِيَارَ، وَصَارَ يَحْكُمُ عَلَى الْوَزِيرِ وَالْجُنْدِ وَغَيْرِهِمْ، فَأَوْحَشَ الْأَجْنَادَ، وَعَزَمَ الْأَتْرَاكُ عَلَى قَتْلِهِ، فَمَنَعَهُمْ سُبُكْتِكِينُ وَقَالَ لَهُمْ: خَوِّفُوهُ لِيَهْرَبَ، فَهَرَبَ مِنْ بَغْدَاذَ، وَعَهِدَ إِلَى بَخْتِيَارَ لِيَحْفَظَ مَالَهُ وَمُلْكَهُ، فَلَمَّا سَارَ عَنْ بَغْدَاذَ قَبَضَ بَخْتِيَارُ أَمْوَالَهُ وَأَمْلَاكَهُ وَدُورَهُ وَكَانَ هَذَا مِمَّا يُعَابُ بِهِ بَخْتِيَارُ. ثُمَّ إِنَّ شِيرَزَادَ سَارَ إِلَى رُكْنِ الدَّوْلَةِ لِيُصْلِحَ أَمْرَهُ مَعَ بَخْتِيَارَ، فَتُوُفِّيَ بِالرَّيِّ عِنْدَ وُصُولِهِ إِلَيْهَا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو الْفَتْحِ النَّحْوِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِجَخْجَخَ. وَفِيهَا مَاتَ عِيسَى الطَّبِيبُ الَّذِي كَانَ طَبِيبَ الْقَاهِرِ بِاللَّهِ، وَالْحَاكِمِ فِي دَوْلَتِهِ، وَكَانَ قَدْ عَمِيَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَتَيْنِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِيِنَ وَمِائَتَيْنِ.

стр. 4021

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣٥٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ الرُّومِ مَدِينَةَ أَنْطَاكِيَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، مَلَكَ الرُّومُ مَدِينَةَ أَنْطَاكِيَةَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ حَصَرُوا حِصْنًا بِالْقُرْبِ مِنْ أَنْطَاكِيَةَ يُقَالُ لَهُ حِصْنُ لُوقَا، وَأَنَّهُمْ وَافَقُوا أَهْلَهُ، وَهُمْ نَصَارَى، عَلَى أَنْ يَرْتَحِلُوا مِنْهُ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، وَيُظْهِرُوا أَنَّهُمْ إِنَّمَا انْتَقَلُوا مِنْهُ خَوْفًا مِنَ الرُّومِ، فَإِذَا صَارُوا بِأَنْطَاكِيَةَ أَعَانُوهُمْ عَلَى فَتْحِهَا، وَانْصَرَفَ الرُّومُ عَنْهُمْ بَعْدَ مُوَافَقَتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، وَانْتَقَلَ أَهْلُ الْحِصْنِ وَنَزَلُوا بِأَنْطَاكِيَةَ بِالْقُرْبِ مِنَ الْجَبَلِ الَّذِي بِهَا. فَلَمَّا كَانَ انْتِقَالُهُمْ بِشَهْرَيْنِ وَافَى الرُّومُ مَعَ أَخِي نَقْفُورَ الْمَلِكِ، وَكَانُوا نَحْوَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ رَجُلٍ، فَأَحَاطُوا بِسُورِ أَنْطَاكِيَةَ، (وَصَعِدُوا الْجَبَلَ إِلَى النَّاحِيَةِ الَّتِي بِهَا أَهْلُ حِصْنِ لُوقَا) ، فَلَمَّا رَآهُمْ أَهْلُ الْبَلَدِ قَدْ مَلَكُوا تِلْكَ النَّاحِيَةَ طَرَحُوا أَنْفُسَهُمْ مِنَ السُّورِ، وَمَلَكَ الرُّومُ الْبَلَدَ، وَوَضَعُوا فِي أَهْلِهِ السَّيْفَ، ثُمَّ أَخْرَجُوا الْمَشَايِخَ، وَالْعَجَائِزَ، وَالْأَطْفَالَ مِنَ الْبَلَدِ، وَقَالُوا لَهُمُ: اذْهَبُوا حَيْثُ شِئْتُمْ، فَأَخَذُوا الشَّبَابَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَالصَّبَايَا، فَحَمَلُوهُمْ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ سَبْيًا، وَكَانُوا يَزِيدُونَ عَلَى أَلْفِ إِنْسَانٍ، وَكَانَ حَصْرُهُمْ لَهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ.

стр. 4022

ذِكْرُ مُلْكِ الرُّومِ مَدِينَةَ حَلَبَ وَعَوْدِهِمْ عَنْهَا لَمَّا مَلَكَ الرُّومُ أَنْطَاكِيَةَ أَنْفَذُوا جَيْشًا كَثِيفًا إِلَى حَلَبَ، وَكَانَ أَبُو الْمَعَالِي شَرِيفُ بْنُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ مُحَاصِرًا لَهَا، وَبِهَا قَرْغَوَيْهِ السَّيْفِيُّ مُتَغَلِّبًا عَلَيْهَا. فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو الْمَعَالِي خَبَرَهُمْ فَارَقَ حَلَبَ وَقَصَدَ الْبَرِّيَّةَ لِيَبْعُدَ عَنْهُمْ، وَحَصَرُوا الْبَلَدَ، وَفِيهِ قَرْغَوَيْهِ وَأَهْلُ الْبَلَدِ قَدْ تَحَصَّنُوا بِالْقَلْعَةِ، فَمَلَكَ الرُّومُ الْمَدِينَةَ، وَحَصَرُوا الْقَلْعَةَ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ حَلَبَ، وَتَوَسَّطُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قَرْغَوَيْهِ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ، فَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ بَيْنَهُمْ عَلَى هُدْنَةٍ مُؤَبَّدَةٍ عَلَى مَالٍ يَحْمِلُهُ قَرْغَوَيْهِ إِلَيْهِمْ، وَأَنْ يَكُونَ لِلرُّومِ إِذَا أَرَادُوا الْغَزَاةَ أَنْ لَا يُمَكِّنَ قَرْغَوَيْهِ أَهْلَ الْقَرَايَا مِنَ الْجَلَاءِ عَنْهَا لِيَبْتَاعَ الرُّومُ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْهَا. وَكَانَ مَعَ حَلَبَ حَمَاةُ، وَحِمْصُ، وَكَفْرُ طَابَ، وَالْمَعَرَّةُ، وَأَفَامِيَةُ، وَشَيْزَرُ، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنَ الْحُصُونِ وَالْقَرَايَا، وَسَلَّمُوا الرَّهَائِنَ إِلَى الرُّومِ، وَعَادُوا عَنْ حَلَبَ وَتَسَلَّمَهَا الْمُسْلِمُونَ. ذِكْرُ مُلْكِ الرُّومِ مَلَازْكَرْدَ وَفِيهَا أَرْسَلَ مَلِكُ الرُّومِ جَيْشًا إِلَى مَلَازْكَرْدَ مِنْ أَعْمَالِ أَرْمِينِيَّةَ، فَحَصَرُوهَا، وَضَيَّقُوا عَلَى مَنْ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَلَكُوهَا عَنْوَةً وَقَهْرًا، وَعَظُمَتْ شَوْكَتُهُمْ، وَخَافَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي أَقْطَارِ الْبِلَادِ، وَصَارَتْ كُلُّهَا سَائِبَةً لَا تَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ يَقْصِدُونَ أَيُّهَا شَاءُوا. ذِكْرُ مَسِيرِ ابْنِ الْعَمِيدِ إِلَى حَسْنُوَيْهِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ جَهَّزَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ وَزِيرَهُ أَبَا الْفَضْلِ بْنَ الْعَمِيدِ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى بَلَدِ حَسْنُوَيْهِ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ حَسْنُوَيْهِ بْنَ الْحَسَنِ الْكُرْدِيَّ كَانَ قَدْ قَوِيَ وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ

стр. 4023

لِاشْتِغَالِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ كَانَ يُعِينُ الدَّيْلَمَ عَلَى جُيُوشِ خُرَاسَانَ إِذَا قَصَدَتْهُمْ، فَكَانَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ يُرَاعِيهِ لِذَلِكَ وَيُغْضِي عَلَى مَا يَبْدُو مِنْهُ، وَكَانَ يَتَعَرَّضُ إِلَى الْقَوَافِلِ وَغَيْرِهَا بِخِفَارَةٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رُكْنَ الدَّوْلَةِ، فَسَكَتَ عَنْهُ. فَلَمَّا كَانَ الْآنَ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَهْلَانَ بْنِ مُسَافِرٍ خِلَافٌ أَدَّى إِلَى أَنْ قَصَدَهُ سَهْلَانُ وَحَارَبَهُ، وَهَزَمَهُ حَسْنُوَيْهِ، فَانْحَازَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى مَكَانٍ اجْتَمَعُوا فِيهِ، فَقَصْدَهُمْ حَسْنُوَيْهِ وَحَصَرَهُمْ فِيهِ، ثُمَّ إِنَّهُ جَمَعَ مِنَ الشَّوْكِ وَالنَّبَاتِ وَغَيْرِهِ شَيْئًا كَثِيرًا، وَفَرَّقَهُ فِي نَوَاحِي أَصْحَابِ سَهْلَانَ وَأَلْقَى فِيهِ النَّارَ، وَكَانَ الزَّمَانُ صَيْفًا، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ حَتَّى كَادُوا يَهْلَكُونَ، فَلَمَّا عَايَنُوا الْهَلَاكَ طَلَبُوا الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ فَأَخَذَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ. وَبَلَغَ ذَلِكَ رُكْنَ الدَّوْلَةِ فَلَمْ يَتَحَمَّلْ لَهُ، فَحِينَئِذٍ أَمَرَ ابْنَ الْعَمِيدِ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ، فَتَجَهَّزَ وَسَارَ فِي الْمُحَرَّمِ وَمَعَهُ وَلَدُهُ أَبُو الْفَتْحِ، وَكَانَ شَابًّا مَرِحًا، قَدْ أَبْطَرَهُ الشَّبَابُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَكَانَ يَظْهَرُ مِنْهُ مَا يَغْضَبُ بِسَبَبِهِ وَالِدُهُ، وَازْدَادَتْ عِلَّتُهُ، وَكَانَ بِهِ نِقْرِسٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَمْرَاضِ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى هَمَذَانَ تُوُفِّيَ بِهَا، وَقَامَ وَلَدُهُ مَقَامَهُ، فَصَالَحَ حَسْنُوَيْهِ عَلَى مَالٍ أَخَذَهُ مِنْهُ، وَعَادَ إِلَى الرَّيِّ إِلَى خِدْمَةِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ. وَكَانَ وَالِدُهُ يَقُولُ عِنْدَ مَوْتِهِ: مَا قَتَلَنِي إِلَّا وَلَدِي، وَمَا أَخَافُ عَلَى بَيْتِ الْعَمِيدِ أَنْ يُخَرَّبَ وَيَهْلَكُوا إِلَّا مِنْهُ. فَكَانَ عَلَى مَا ظَنَّ. وَكَانَ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ الْعَمِيدِ بْنِ مَحَاسِنِ الدُّنْيَا، قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ فِي غَيْرِهِ مِنْ حُسْنِ التَّدْبِيرِ، وَسِيَاسَةِ الْمُلْكِ، وَالْكِتَابَةِ الَّتِي أَتَى فِيهَا بِكُلِّ بَدِيعٍ. وَكَانَ عَالِمًا فِي عِدَّةِ فُنُونٍ مِنْهَا الْأَدَبُ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِهِ، (وَمِنْهَا حِفْظُ أَشْعَارِ الْعَرَبِ، فَإِنَّهُ حَفِظَ مِنْهَا مَا لَمْ يَحْفَظْ غَيْرُهُ مِثْلَهُ) ، وَمِنْهَا عُلُومُ الْأَوَائِلِ فَإِنَّهُ كَانَ مَاهِرًا فِيهَا مَعَ سَلَامَةِ اعْتِقَادٍ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفَضَائِلِ، وَمَعَ حُسْنِ خُلُقٍ وَلِينِ عِشْرَةٍ مَعَ أَصْحَابِهِ وَجُلَسَائِهِ، وَشَجَاعَةٍ تَامَّةٍ، وَمَعْرِفَةٍ بِأُمُورِ الْحَرْبِ وَالْمُحَاصَرَاتِ، وَبِهِ تَخَرَّجَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ، وَمِنْهُ تَعَلَّمَ سِيَاسَةَ الْمُلْكِ، وَمَحَبَّةَ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ، وَكَانَ عُمْرُ ابْنِ الْعَمِيدِ قَدْ زَادَ

стр. 4024

عَلَى سِتِّينَ سَنَةً يَسِيرًا، وَكَانَتْ وِزَارَتُهُ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. ذِكْرُ قَتْلِ نَقْفُورَ مَلِكِ الرُّومِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ نَقْفُورُ مَلِكُ الرُّومِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْمَمْلَكَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ دُمُسْتُقًا، وَالدُّمُسْتُقُ عِنْدَهُمُ الَّذِي كَانَ يَلِي بِلَادَ الرُّومِ الَّتِي هِيَ شَرْقِيَّ خَلِيجِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَأَكْثَرُهَا الْيَوْمَ بِيَدِ أَوْلَادِ فَلْجَ أَرْسِلَانَ، وَكَانَ كُلُّ مَنْ يَلِيهَا يُلَقَّبُ بِالدُّمُسْتُقِ، وَكَانَ نَقْفُورُ هَذَا شَدِيدًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ الَّذِي أَخَذَ حَلَبَ أَيَّامَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ فَعَظُمَ شَأْنُهُ عِنْدَ الرُّومِ، وَهُوَ أَيْضًا الَّذِي فَتَحَ طَرَسُوسَ، وَالْمِصِّيصَةَ، وَأَذَنَةَ، وَعَيْنَ زَرْبَةَ، وَغَيْرَهَا. وَلَمْ يَكُنْ نَصْرَانِيَّ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْ وَلَدِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ مِنْ أَهْلِ طَرَسُوسَ يُعْرَفُ بِابْنِ الْفَقَّاسِ تَنَصَّرَ، وَكَانَ ابْنُهُ هَذَا شَهْمًا، شُجَاعًا، حَسَنَ التَّدْبِيرِ لِمَا يَتَوَلَّاهُ. فَلَمَّا عَظُمَ أَمْرُهُ وَقَوِيَ شَأْنُهُ قَتَلَ الْمَلِكَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ، وَمَلَكَ الرُّومَ بَعْدَهُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا جَمِيعَهُ. فَلَمَّا مَلَكَ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ الْمَلِكِ الْمَقْتُولِ عَلَى كُرْهٍ مِنْهَا، وَكَانَ لَهَا مِنَ الْمَلِكِ الْمَقْتُولِ ابْنَانِ، وَجَعَلَ نَقْفُورُ هِمَّتَهُ قَصْدَ بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَالِاسْتِيلَاءَ عَلَيْهَا، وَتَمَّ لَهُ مَا أَرَادَ بِاشْتِغَالِ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَدَوَّخَ الْبِلَادَ وَكَانَ قَدْ بَنَى أَمْرَهُ عَلَى أَنْ يَقْصِدَ سَوَادَ الْبِلَادِ فَيَنْهَبَهُ وَيُخَرِّبَهُ، فَيُضْعِفَ الْبِلَادَ فَيَمْلِكُهَا، وَغَلَبَ عَلَى ثُغُورِ الْجَزَرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ وَسَبَى، وَأَسَرَ مَا يَخْرُجُ عَنِ الْحَصْرِ، وَهَابَهُ الْمُسْلِمُونَ هَيْبَةً عَظِيمَةً، وَلَمْ يَشُكُّوا فِي أَنَّهُ يَمْلِكُ جَمِيعَ الشَّامِ، وَمِصْرَ، وَالْجَزِيرَةِ وَدِيَارَ بَكْرٍ لِخُلُوِّ الْجَمِيعِ مِنْ مَانِعٍ.

стр. 4025

فَلَمَّا اسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ أَتَاهُ أَمْرُ اللَّهِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَزَمَ عَلَى أَنْ يُخْصِيَ ابْنَيِ الْمَلِكِ الْمَقْتُولِ لِيَنْقَطِعَ نَسْلُهُمَا، وَلَا يُعَارِضَ أَحَدٌ أَوْلَادَهُ فِي الْمُلْكِ، فَلَمَّا عَلِمَتْ أُمُّهُمَا ذَلِكَ قَلِقَتْ مِنْهُ، وَاحْتَالَتْ عَلَى قَتْلِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى ابْنِ الشَّمْشَقِيقِ، وَهُوَ الدُّمُسْتُقُ حِينَئِذٍ، وَوَافَقَتْهُ عَلَى أَنْ يَصِيرَ إِلَيْهَا فِي زِيِّ النِّسَاءِ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَالَتْ لِزَوْجِهَا إِنَّ نِسْوَةً مِنْ أَهْلِهَا قَدْ زَارُوهَا، فَلَمَّا صَارَ إِلَيْهَا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ جَعَلَهُمْ فِي بَيْعَةٍ تَتَّصِلُ بِدَارِ الْمُلْكِ، وَكَانَ الشَّمْشَقِيقُ شَدِيدَ الْخَوْفِ مِنْهُ لِعِظَمِ هَيْبَتِهِ، فَاسْتَجَابَ لِلْمَرْأَةِ إِلَى مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْمِيلَادِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ نَامَ، وَاسْتَقَلَّ فِي نَوْمِهِ، فَفَتَحَتِ امْرَأَتُهُ الْبَابَ وَدَخَلُوا إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَثَارَ بِهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِهِ وَخَاصَّتِهِ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ نَيِّفٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا، وَأُجْلِسَ فِي الْمُلْكِ الْأَكْبَرُ مِنْ وَلَدَيِ الْمَلِكِ الْمَقْتُولِ، وَصَارَ الْمُدَبِّرُ لَهُ ابْنَ الشَّمْشَقِيقِ، وَيُقَالُ: إِنَّ نَقْفُورَ مَا بَاتَ قَطُّ إِلَّا بِسِلَاحٍ إِلَّا تِلْكَ اللَّيْلَةَ لِمَا يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قَتْلِهِ وَفَنَاءِ أَجَلِهِ. ذِكْرُ مُلْكِ أَبِي تَغْلِبَ مَدِينَةَ حَرَّانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، سَارَ أَبُو تَغْلِبَ بْنُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ إِلَى حَرَّانَ، فَرَأَى أَهْلَهَا قَدْ أَغْلَقُوا أَبْوَابَهَا، وَامْتَنَعُوا مِنْهُ، فَنَازَلَهُمْ وَحَصَرَهُمْ، فَرَعَى أَصْحَابُهُ زُرُوعَ تِلْكَ الْأَعْمَالِ، وَكَانَ الْغَلَاءُ فِي الْعَسْكَرِ كَثِيرًا، فَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى ثَالِثَ عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ نَفَرَانِ مِنْ أَعْيَانِ أَهْلِهَا لَيْلًا وَصَالَحَاهُ، وَأَخَذَا الْأَمَانَ لِأَهْلِ الْبَلَدِ وَعَادَا. فَلَمَّا أَصْبَحَا أَعْلَمَا أَهْلَ حَرَّانَ مَا فَعَلَاهُ، فَاضْطَرَبُوا، وَحَمَلُوا السِّلَاحَ وَأَرَادُوا قَتْلَهُمَا، فَسَكَّنَهُمْ بَعْضُ أَهْلِهَا، فَسَكَنُوا، وَاتَّفَقُوا عَلَى إِتْمَامِ الصُّلْحِ، وَخَرَجُوا جَمِيعُهُمْ إِلَى أَبِي تَغْلِبَ، وَفَتَحُوا أَبْوَابَ الْبَلَدِ وَدَخَلَهُ أَبُو تَغْلِبَ وَإِخْوَتُهُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَصَلَّوْا بِهِ الْجُمُعَةَ وَخَرَجُوا إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهِمْ سَلَامَةُ الْبَرْقَعِيدِيُّ لِأَنَّهُ طَلَبَهُ أَهْلُهُ لِحُسْنِ سِيرَتِهِ، وَكَانَ إِلَيْهِ أَيْضًا عَمَلُ الرَّقَّةِ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ بَنِي حَمْدَانَ، وَعَادَ أَبُو تَغْلِبَ إِلَى

стр. 4026

الْمَوْصِلِ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَحْدَاثِ حَرَّانَ، وَسَبَبُ سُرْعَةِ عَوْدِهِ أَنَّ بَنِي نُمَيْرٍ عَاثُوا فِي بَلَدِ الْمَوْصِلِ، وَقَتَلُوا الْعَامِلَ بِبَرْقَعِيدَ، فَعَادَ إِلَيْهِمْ لِيَكْفِيَهُمْ. ذِكْرُ قَتْلِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ إِلْيَاسَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ إِلْيَاسَ الَّذِي كَانَ وَالِدُهُ صَاحِبَ كَرْمَانَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ لِلْأَمِيرِ مَنْصُورِ بْنِ نُوحٍ صَاحِبِ خُرَاسَانَ أَنَّ أَهْلَ كَرْمَانَ مِنَ الْقُفْصِ وَالْبِلَّوْصِ مَعَهُ وَفِي طَاعَتِهِ، (وَأَطْمَعَهُ فِي كَرْمَانَ، فَسَيَّرَ مَعَهُ عَسْكَرًا إِلَيْهَا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا وَافَقَهُ الْقُفْصُ وَالْبِلَّوْصُ) وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأُمَمِ الْمُفَارِقَةِ لِطَاعَةِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ، وَعَظُمَ جَمْعُهُ، فَلَقِيَهُ كُورْكِيرُ بْنُ جَسْتَانَ، خَلِيفَةُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بِكَرْمَانَ، وَحَارَبَهُ، فَقُتِلَ سُلَيْمَانُ وَابْنَا أَخِيهِ إِلْيَسَعَ، وَهُمَا بَكْرٌ وَالْحُسَيْنُ، وَعَدَدٌ كَثِيرٌ مِنَ الْقُوَّادِ وَالْخُرَاسَانِيَّةِ، وَحُمِلَتْ رُءُوسُهُمْ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ بِشِيرَازَ، فَسَيَّرَهَا إِلَى أَبِيهِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، فَأَخَذَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً كَثِيرَةً أَسْرَى. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِصِقِلِّيَّةَ وَفِي السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ الْمُعِزُّ لِدِينِ اللَّهِ (الْخَلِيفَةُ الْعَلَوِيُّ) ، عَلَى جَزِيرَةِ صِقِلِّيَّةَ، يَعِيشَ مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ، فَجَمَعَ الْقَبَائِلَ فِي دَارِ الصِّنَاعَةِ فَوَقَعَ الشَّرُّ بَيْنَ مَوَالِي كُتَامَةَ (وَالْقَبَائِلِ، فَاقْتَتَلُوا) ، فَقُتِلَ مِنْ (مَوَالِي كُتَامَةَ كَثِيرٌ، وَقُتِلَ مِنَ) الْمَوَالِي بِنَاحِيَةِ سَرَقُوسَةَ جَمَاعَةٌ. وَازْدَادَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ، وَتَمَكَّنَتِ الْعَدَاوَةُ، وَسَعَى يَعِيشُ فِي الصُّلْحِ، فَلَمْ يُوَافِقُوهُ، وَتَطَاوَلَ أَهْلُ الشَّرِّ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، (وَنَهَبُوا) وَأَفْسَدُوا، وَاسْتَطَالُوا عَلَى أَهْلِ (الْمَرَاعِي، وَاسْتَطَالُوا عَلَى أَهْلِ) الْقِلَاعِ الْمُسْتَأْمَنَةِ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمُعِزِّ، فَعَزَلَ يَعِيشَ، وَاسْتَعْمَلَ أَبَا الْقَاسِمِ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ نِيَابَةً عَنْ أَخِيهِ أَحْمَدَ، فَسَارَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا وَصَلَ فَرِحَ بِهِ النَّاسُ، وَزَالَ الشَّرُّ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَاتَّفَقُوا عَلَى طَاعَتِهِ.

стр. 4027

ذِكْرُ حَصْرِ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالٍ، انْحَدَرَ بَخْتِيَارُ إِلَى مُحَاصَرَةِ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ، فَأَقَامَ بِوَاسِطَ يَتَصَيَّدُ شَهْرًا، ثُمَّ أَمَرَ وَزِيرَهُ أَبَا الْفَضْلِ أَنْ يَنْحَدِرَ إِلَى الْجَامِدَةِ، وَطُفُوفِ الْبَطِيحَةِ، وَبَنَى أَمْرَهُ عَلَى أَنْ يَسُدَّ أَفْوَاهَ الْأَنْهَارِ وَمَجَارِيَ الْمِيَاهِ إِلَى الْبَطِيحَةِ، وَيَرُدَّهَا إِلَى دِجْلَةَ وَالْفَارُوثَ، وَرَبْعَ طَيْرٍ، فَبَنَى الْمَسْنِيَّاتِ الَّتِي يُمْكِنُ السُّلُوكُ عَلَيْهَا إِلَى الْعِرَاقِ، فَطَالَتِ الْأَيَّامُ، وَزَادَتْ دِجْلَةُ فَخَرَّبَتْ مَا عَمِلُوهُ. وَانْتَقَلَ عِمْرَانُ إِلَى مَعْقِلٍ آخَرَ مِنْ مَعَاقِلِ الْبَطِيحَةِ وَنَقَلَ كُلَّ مَالِهِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا نَقَصَتِ الْمِيَاهُ، وَاسْتَقَامَتِ الطُّرُقُ، وَجَدُوا مَكَانَ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ فَارِغًا، فَطَالَتِ الْأَيَّامُ، وَضَجِرَ النَّاسُ مِنَ الْمُقَامِ، وَكَرِهُوا تِلْكَ الْأَرْضَ مِنَ الْحَرِّ، وَالْبَقِّ، وَالضَّفَادِعِ، وَانْقِطَاعِ الْمَوَادِّ الَّتِي أَلِفُوهَا، وَشَغَبَ الْجُنْدُ عَلَى الْوَزِيرِ، وَشَتَمُوهُ، وَأَبَوْا أَنْ يُقِيمُوا، فَاضْطُرَّ بَخْيِتَارُ إِلَى مُصَالَحَةِ عِمْرَانَ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ. وَكَانَ عِمْرَانُ قَدْ خَافَهُ فِي الْأَوَّلِ، وَبَذَلَ لَهُ خَمْسَةَ آلَافِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا رَأَى اضْطَرَابَ أَمْرِ بَخْتِيَارَ بَذَلَ أَلْفَيْ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي نُجُومٍ، وَلَمْ يُسَلِّمْ إِلَيْهِمْ رَهَائِنَ، وَلَا حَلَفَ لَهُمْ عَلَى تَأْدِيَةِ الْمَالِ، وَلَمَّا رَحَلَ الْعَسْكَرُ تَخَطَّفَ عِمْرَانُ أَطْرَافَ النَّاسِ فَغَنِمَ مِنْهُمْ، وَفَسَدَ عَسْكَرُ بَخْتِيَارَ، وَزَالَتْ عَنْهُمُ الطَّاعَةُ وَالْهَيْبَةُ، وَوَصَلَ بَخْتِيَارُ إِلَى بَغْدَاذَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، اصْطَلَحَ قَرْغَوَيْهِ، غُلَامُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، وَأَبُو الْمَعَالِي بْنُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، وَخُطِبَ لِأَبِي الْمَعَالِي بِحَلَبَ، وَكَانَ بِحِمْصَ،

стр. 4028

وَخَطَبَ هُوَ وَقَرْغَوَيْهِ فِي أَعْمَالِهِ لِلْمُعِزِّ لِدِينِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ، صَاحِبِ الْمَغْرِبِ وَمِصْرَ. وَفِيهَا، فِي رَمَضَانَ، وَقَعَ حَرِيقٌ عَظِيمٌ بِبَغْدَاذَ فِي سُوقِ الثُّلَاثَاءِ، فَاحْتَرَقَ جَمَاعَةُ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، وَأَمَّا الرِّحَالُ، وَغَيْرُهَا فَكَثِيرٌ، وَوَقَعَ الْحَرِيقُ أَيْضًا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ مِنَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ فِيهَا أَيْضًا. وَفِيهَا كَانَتِ الْخُطْبَةُ بِمَكَّةَ لِلْمُطِيعِ لِلَّهِ وَلِلْقَرَامِطَةِ الْهَجَرِيِّينَ، وَخُطِبَ بِالْمَدِينَةِ لِلْمُعِزِّ لِدِينِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ، وَخَطَبَ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوسَوِيُّ وَالِدُ الشَّرِيفِ الرَّضِيِّ خَارِجَ الْمَدِينَةِ لِلْمُطِيعِ لِلَّهِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو الْقَاسِمِ الْعَبْسِيُّ الْمُقْرِئُ الشَّافِعِيُّ بِقُرْطُبَةَ، وَلَهُ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِبَغْدَاذَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الدِّينَوَرِيُّ الصُّوفِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِالرَّقِّيِّ وَهُوَ مِنْ مَشَاهِيرِ مَشَايِخِهِمْ، وَقِيلَ مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] . وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ مُحَارِبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْفِقْهِ وَالْكَلَامِ.

стр. 4029

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَة] ٣٦٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ عِصْيَانِ أَهْلِ كَرْمَانَ عَلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ لَمَّا مَلَكَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ كَرْمَانَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، اجْتَمَعَ الْقُفْصُ وَالْبِلَّوْصُ، وَفِيهِمْ أَبُو سَعِيدٍ الْبِلَّوْصِيُّ وَأَوْلَادُهُ، عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْخِلَافِ، وَتَحَالَفُوا عَلَى الثَّبَاتِ وَالِاجْتِهَادِ، فَضَمَّ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى كُورْكِيرِ بْنِ جَسْتَانَ عَابِدَ بْنَ عَلِيٍّ فَسَارَا إِلَى جِيرُفْتَ فِيمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْعَسَاكِرِ، فَالْتَقَوْا عَاشِرَ صَفَرَ، فَاقْتَتَلُوا، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ ثُمَّ انْهَزَمَ الْقُفْصُ وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَمْسَةُ آلَافٍ مِنْ شُجْعَانِهِمْ وَوُجُوهِهِمْ، وَقُتِلَ ابْنَانِ لِأَبِي سَعِيدٍ. ثُمَّ سَارَ عَابِدُ بْنُ عَلِيٍّ يَقُصُّ آثَارَهُمْ لِيَسْتَأْصِلَهُمْ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ عِدَّةَ وَقَائِعَ، وَأَثْخَنَ فِيهِمْ، وَانْتَهَى إِلَى هَرْمُوزَ فَمَلَكَهَا، وَاسْتَوْلَى عَلَى بِلَادِ التَّيْزِ وَمَكْرَانَ، وَأَسَرَ أَلْفَيْ أَسِيرٍ، وَطَلَبَ الْبَاقُونَ الْأَمَانَ، وَبَذَلُوا تَسْلِيمَ مَعَاقِلِهِمْ وَجِبَالِهِمْ، عَلَى أَنْ يَدْخُلُوا فِي السِّلْمِ، وَيَنْزِعُوا شِعَارَ الْحَرْبِ، وَيُقِيمُوا حُدُودَ الْإِسْلَامِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ. ثُمَّ سَارَ عَابِدٌ إِلَى طَوَائِفَ أُخَرَ يُعْرَفُونَ بِالْحَرُومِيَّةِ وَالْحَاسِكِيَّةِ يُخِيفُونَ السَّبِيلَ فِي الْبَحْرِ وَالْبَرِّ، وَكَانُوا قَدْ أَعَانُوا سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي عَلِيِّ بْنِ إِلْيَاسَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ، وَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْهُمْ، وَأَنْقَذَهُمْ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَاسْتَقَامَتْ تِلْكَ الْأَرْضُ مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ.

стр. 4030

ثُمَّ لَمْ يَلْبَثِ الْبِلَّوْصُ أَنْ عَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ سَفْكِ الدَّمِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ تَجَهَّزَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ وَسَارَ إِلَى كَرْمَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى السِّيرَجَانِ رَأَى فَسَادَهُمْ وَمَا فَعَلُوهُ مِنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ بِكَرْمَانَ وَسِجِسْتَانَ وَخُرَاسَانَ، فَجَرَّدَ عَابِدَ بْنَ عَلِيٍّ فِي عَسْكَرٍ كَثِيفٍ، وَأَمَرَهُ بِاتِّبَاعِهِمْ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بِهِ أَوْغَلُوا فِي الْهَرَبِ إِلَى مَضَايِقَ ظَنُّوا أَنَّ الْعَسْكَرَ لَا يَتَوَغَّلُهَا، فَأَقَامُوا آمِنِينَ. فَسَارَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمْ يَشْعُرُوا إِلَّا وَقَدْ أَطَلَّ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْهَرَبُ، فَصَبَرُوا يَوْمَهُمْ، وَهُوَ تَاسِعُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، ثُمَّ انْهَزَمُوا آخِرَ النَّهَارِ، وَقُتِلَ أَكْثَرُ رِجَالِهِمُ الْمُقَاتِلَةِ، وَسُبِيَ الذَّرَارِي وَالنِّسَاءُ، وَبَقِيَ الْقَلِيلُ، وَطَلَبُوا الْأَمَانَ فَأُجِيبُوا إِلَيْهِ، وَنُقِلُوا عَنْ تِلْكَ الْجِبَالِ، وَأَسْكَنَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ مَكَانَهُمُ الْأَكَرَةَ وَالزَّرَّاعِينَ، حَتَّى طَبَّقُوا تِلْكَ الْأَرْضَ بِالْعَمَلِ، وَتَتَبَّعَ عَابِدٌ تِلْكَ الطَّوَائِفَ بَرًّا حَتَّى أَتَى عَلَيْهِمْ وَبَدَّدَ شَمْلَهُمْ. ذِكْرُ مُلْكِ الْقَرَامِطَةِ دِمَشْقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَصَلَ الْقَرَامِطَةُ إِلَى دِمَشْقَ فَمَلَكُوهَا، وَقَتَلُوا جَعْفَرَ بْنَ فَلَاحٍ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا بَلَغَهُمُ اسْتِيلَاءُ جَعْفَرِ بْنِ فَلَاحٍ عَلَى الشَّامِ أَهَمَّهُمْ وَأَزْعَجَهُمْ وَقَلِقُوا (لِأَنَّهُ) كَانَ قَدْ تَقَرَّرَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ابْنِ طُغُجَ أَنْ يَحْمِلَ إِلَيْهِمْ كُلَّ سَنَةٍ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمَّا مَلَكَهَا جَعْفَرٌ عَلِمُوا أَنَّ الْمَالَ يَفُوتُهُمْ، فَعَزَمُوا عَلَى قَصْدِ الشَّامِ، وَصَاحِبُهُمْ حِينَئِذٍ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَهْرَامَ الْقَرْمَطِيُّ، فَأَرْسَلَ إِلَى عِزِّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارَ يَطْلُبُ مِنْهُ الْمُسَاعَدَةَ بِالسِّلَاحِ وَالْمَالِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَاسْتَقَرَّ الْحَالُ أَنَّهُمْ إِذَا وَصَلُوا (إِلَى الْكُوفَةِ سَائِرِينَ إِلَى الشَّامِ حُمِلَ الَّذِي اسْتَقَرَّ، فَلَمَّا وَصَلُوا " إِلَى الْكُوفَةِ أَوْصَلَ إِلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَسَارُوا إِلَى دِمَشْقَ. وَبَلَغَ خَبَرُهُمْ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ فَلَاحٍ فَاسْتَهَانَ بِهِمْ وَلَمْ يَحْتَرِزْ مِنْهُمْ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ حَتَّى كَبَسُوهُ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ وَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا مَالَهُ وَسِلَاحَهُ وَدَوَابَّهُ، وَمَلَكُوا دِمَشْقَ، وَأَمَّنُوا أَهْلَهَا، وَسَارُوا إِلَى الرَّمْلَةِ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى جَمِيعِ مَا بَيْنَهُمَا.
следующие страницы →