← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

الْمَوْصِلِ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَحْدَاثِ حَرَّانَ، وَسَبَبُ سُرْعَةِ عَوْدِهِ أَنَّ بَنِي نُمَيْرٍ عَاثُوا فِي بَلَدِ الْمَوْصِلِ، وَقَتَلُوا الْعَامِلَ بِبَرْقَعِيدَ، فَعَادَ إِلَيْهِمْ لِيَكْفِيَهُمْ. ذِكْرُ قَتْلِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ إِلْيَاسَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ إِلْيَاسَ الَّذِي كَانَ وَالِدُهُ صَاحِبَ كَرْمَانَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ لِلْأَمِيرِ مَنْصُورِ بْنِ نُوحٍ صَاحِبِ خُرَاسَانَ أَنَّ أَهْلَ كَرْمَانَ مِنَ الْقُفْصِ وَالْبِلَّوْصِ مَعَهُ وَفِي طَاعَتِهِ، (وَأَطْمَعَهُ فِي كَرْمَانَ، فَسَيَّرَ مَعَهُ عَسْكَرًا إِلَيْهَا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا وَافَقَهُ الْقُفْصُ وَالْبِلَّوْصُ) وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأُمَمِ الْمُفَارِقَةِ لِطَاعَةِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ، وَعَظُمَ جَمْعُهُ، فَلَقِيَهُ كُورْكِيرُ بْنُ جَسْتَانَ، خَلِيفَةُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بِكَرْمَانَ، وَحَارَبَهُ، فَقُتِلَ سُلَيْمَانُ وَابْنَا أَخِيهِ إِلْيَسَعَ، وَهُمَا بَكْرٌ وَالْحُسَيْنُ، وَعَدَدٌ كَثِيرٌ مِنَ الْقُوَّادِ وَالْخُرَاسَانِيَّةِ، وَحُمِلَتْ رُءُوسُهُمْ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ بِشِيرَازَ، فَسَيَّرَهَا إِلَى أَبِيهِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، فَأَخَذَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً كَثِيرَةً أَسْرَى. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِصِقِلِّيَّةَ وَفِي السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ الْمُعِزُّ لِدِينِ اللَّهِ (الْخَلِيفَةُ الْعَلَوِيُّ) ، عَلَى جَزِيرَةِ صِقِلِّيَّةَ، يَعِيشَ مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ، فَجَمَعَ الْقَبَائِلَ فِي دَارِ الصِّنَاعَةِ فَوَقَعَ الشَّرُّ بَيْنَ مَوَالِي كُتَامَةَ (وَالْقَبَائِلِ، فَاقْتَتَلُوا) ، فَقُتِلَ مِنْ (مَوَالِي كُتَامَةَ كَثِيرٌ، وَقُتِلَ مِنَ) الْمَوَالِي بِنَاحِيَةِ سَرَقُوسَةَ جَمَاعَةٌ. وَازْدَادَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ، وَتَمَكَّنَتِ الْعَدَاوَةُ، وَسَعَى يَعِيشُ فِي الصُّلْحِ، فَلَمْ يُوَافِقُوهُ، وَتَطَاوَلَ أَهْلُ الشَّرِّ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، (وَنَهَبُوا) وَأَفْسَدُوا، وَاسْتَطَالُوا عَلَى أَهْلِ (الْمَرَاعِي، وَاسْتَطَالُوا عَلَى أَهْلِ) الْقِلَاعِ الْمُسْتَأْمَنَةِ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمُعِزِّ، فَعَزَلَ يَعِيشَ، وَاسْتَعْمَلَ أَبَا الْقَاسِمِ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ نِيَابَةً عَنْ أَخِيهِ أَحْمَدَ، فَسَارَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا وَصَلَ فَرِحَ بِهِ النَّاسُ، وَزَالَ الشَّرُّ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَاتَّفَقُوا عَلَى طَاعَتِهِ.

стр. 4027

ذِكْرُ حَصْرِ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالٍ، انْحَدَرَ بَخْتِيَارُ إِلَى مُحَاصَرَةِ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ، فَأَقَامَ بِوَاسِطَ يَتَصَيَّدُ شَهْرًا، ثُمَّ أَمَرَ وَزِيرَهُ أَبَا الْفَضْلِ أَنْ يَنْحَدِرَ إِلَى الْجَامِدَةِ، وَطُفُوفِ الْبَطِيحَةِ، وَبَنَى أَمْرَهُ عَلَى أَنْ يَسُدَّ أَفْوَاهَ الْأَنْهَارِ وَمَجَارِيَ الْمِيَاهِ إِلَى الْبَطِيحَةِ، وَيَرُدَّهَا إِلَى دِجْلَةَ وَالْفَارُوثَ، وَرَبْعَ طَيْرٍ، فَبَنَى الْمَسْنِيَّاتِ الَّتِي يُمْكِنُ السُّلُوكُ عَلَيْهَا إِلَى الْعِرَاقِ، فَطَالَتِ الْأَيَّامُ، وَزَادَتْ دِجْلَةُ فَخَرَّبَتْ مَا عَمِلُوهُ. وَانْتَقَلَ عِمْرَانُ إِلَى مَعْقِلٍ آخَرَ مِنْ مَعَاقِلِ الْبَطِيحَةِ وَنَقَلَ كُلَّ مَالِهِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا نَقَصَتِ الْمِيَاهُ، وَاسْتَقَامَتِ الطُّرُقُ، وَجَدُوا مَكَانَ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ فَارِغًا، فَطَالَتِ الْأَيَّامُ، وَضَجِرَ النَّاسُ مِنَ الْمُقَامِ، وَكَرِهُوا تِلْكَ الْأَرْضَ مِنَ الْحَرِّ، وَالْبَقِّ، وَالضَّفَادِعِ، وَانْقِطَاعِ الْمَوَادِّ الَّتِي أَلِفُوهَا، وَشَغَبَ الْجُنْدُ عَلَى الْوَزِيرِ، وَشَتَمُوهُ، وَأَبَوْا أَنْ يُقِيمُوا، فَاضْطُرَّ بَخْيِتَارُ إِلَى مُصَالَحَةِ عِمْرَانَ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ. وَكَانَ عِمْرَانُ قَدْ خَافَهُ فِي الْأَوَّلِ، وَبَذَلَ لَهُ خَمْسَةَ آلَافِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا رَأَى اضْطَرَابَ أَمْرِ بَخْتِيَارَ بَذَلَ أَلْفَيْ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي نُجُومٍ، وَلَمْ يُسَلِّمْ إِلَيْهِمْ رَهَائِنَ، وَلَا حَلَفَ لَهُمْ عَلَى تَأْدِيَةِ الْمَالِ، وَلَمَّا رَحَلَ الْعَسْكَرُ تَخَطَّفَ عِمْرَانُ أَطْرَافَ النَّاسِ فَغَنِمَ مِنْهُمْ، وَفَسَدَ عَسْكَرُ بَخْتِيَارَ، وَزَالَتْ عَنْهُمُ الطَّاعَةُ وَالْهَيْبَةُ، وَوَصَلَ بَخْتِيَارُ إِلَى بَغْدَاذَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، اصْطَلَحَ قَرْغَوَيْهِ، غُلَامُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، وَأَبُو الْمَعَالِي بْنُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، وَخُطِبَ لِأَبِي الْمَعَالِي بِحَلَبَ، وَكَانَ بِحِمْصَ،

стр. 4028

وَخَطَبَ هُوَ وَقَرْغَوَيْهِ فِي أَعْمَالِهِ لِلْمُعِزِّ لِدِينِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ، صَاحِبِ الْمَغْرِبِ وَمِصْرَ. وَفِيهَا، فِي رَمَضَانَ، وَقَعَ حَرِيقٌ عَظِيمٌ بِبَغْدَاذَ فِي سُوقِ الثُّلَاثَاءِ، فَاحْتَرَقَ جَمَاعَةُ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، وَأَمَّا الرِّحَالُ، وَغَيْرُهَا فَكَثِيرٌ، وَوَقَعَ الْحَرِيقُ أَيْضًا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ مِنَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ فِيهَا أَيْضًا. وَفِيهَا كَانَتِ الْخُطْبَةُ بِمَكَّةَ لِلْمُطِيعِ لِلَّهِ وَلِلْقَرَامِطَةِ الْهَجَرِيِّينَ، وَخُطِبَ بِالْمَدِينَةِ لِلْمُعِزِّ لِدِينِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ، وَخَطَبَ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوسَوِيُّ وَالِدُ الشَّرِيفِ الرَّضِيِّ خَارِجَ الْمَدِينَةِ لِلْمُطِيعِ لِلَّهِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو الْقَاسِمِ الْعَبْسِيُّ الْمُقْرِئُ الشَّافِعِيُّ بِقُرْطُبَةَ، وَلَهُ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِبَغْدَاذَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الدِّينَوَرِيُّ الصُّوفِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِالرَّقِّيِّ وَهُوَ مِنْ مَشَاهِيرِ مَشَايِخِهِمْ، وَقِيلَ مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] . وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ مُحَارِبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْفِقْهِ وَالْكَلَامِ.

стр. 4029

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَة] ٣٦٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ عِصْيَانِ أَهْلِ كَرْمَانَ عَلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ لَمَّا مَلَكَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ كَرْمَانَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، اجْتَمَعَ الْقُفْصُ وَالْبِلَّوْصُ، وَفِيهِمْ أَبُو سَعِيدٍ الْبِلَّوْصِيُّ وَأَوْلَادُهُ، عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْخِلَافِ، وَتَحَالَفُوا عَلَى الثَّبَاتِ وَالِاجْتِهَادِ، فَضَمَّ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى كُورْكِيرِ بْنِ جَسْتَانَ عَابِدَ بْنَ عَلِيٍّ فَسَارَا إِلَى جِيرُفْتَ فِيمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْعَسَاكِرِ، فَالْتَقَوْا عَاشِرَ صَفَرَ، فَاقْتَتَلُوا، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ ثُمَّ انْهَزَمَ الْقُفْصُ وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَمْسَةُ آلَافٍ مِنْ شُجْعَانِهِمْ وَوُجُوهِهِمْ، وَقُتِلَ ابْنَانِ لِأَبِي سَعِيدٍ. ثُمَّ سَارَ عَابِدُ بْنُ عَلِيٍّ يَقُصُّ آثَارَهُمْ لِيَسْتَأْصِلَهُمْ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ عِدَّةَ وَقَائِعَ، وَأَثْخَنَ فِيهِمْ، وَانْتَهَى إِلَى هَرْمُوزَ فَمَلَكَهَا، وَاسْتَوْلَى عَلَى بِلَادِ التَّيْزِ وَمَكْرَانَ، وَأَسَرَ أَلْفَيْ أَسِيرٍ، وَطَلَبَ الْبَاقُونَ الْأَمَانَ، وَبَذَلُوا تَسْلِيمَ مَعَاقِلِهِمْ وَجِبَالِهِمْ، عَلَى أَنْ يَدْخُلُوا فِي السِّلْمِ، وَيَنْزِعُوا شِعَارَ الْحَرْبِ، وَيُقِيمُوا حُدُودَ الْإِسْلَامِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ. ثُمَّ سَارَ عَابِدٌ إِلَى طَوَائِفَ أُخَرَ يُعْرَفُونَ بِالْحَرُومِيَّةِ وَالْحَاسِكِيَّةِ يُخِيفُونَ السَّبِيلَ فِي الْبَحْرِ وَالْبَرِّ، وَكَانُوا قَدْ أَعَانُوا سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي عَلِيِّ بْنِ إِلْيَاسَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ، وَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْهُمْ، وَأَنْقَذَهُمْ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَاسْتَقَامَتْ تِلْكَ الْأَرْضُ مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ.

стр. 4030

ثُمَّ لَمْ يَلْبَثِ الْبِلَّوْصُ أَنْ عَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ سَفْكِ الدَّمِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ تَجَهَّزَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ وَسَارَ إِلَى كَرْمَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى السِّيرَجَانِ رَأَى فَسَادَهُمْ وَمَا فَعَلُوهُ مِنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ بِكَرْمَانَ وَسِجِسْتَانَ وَخُرَاسَانَ، فَجَرَّدَ عَابِدَ بْنَ عَلِيٍّ فِي عَسْكَرٍ كَثِيفٍ، وَأَمَرَهُ بِاتِّبَاعِهِمْ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بِهِ أَوْغَلُوا فِي الْهَرَبِ إِلَى مَضَايِقَ ظَنُّوا أَنَّ الْعَسْكَرَ لَا يَتَوَغَّلُهَا، فَأَقَامُوا آمِنِينَ. فَسَارَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمْ يَشْعُرُوا إِلَّا وَقَدْ أَطَلَّ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْهَرَبُ، فَصَبَرُوا يَوْمَهُمْ، وَهُوَ تَاسِعُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، ثُمَّ انْهَزَمُوا آخِرَ النَّهَارِ، وَقُتِلَ أَكْثَرُ رِجَالِهِمُ الْمُقَاتِلَةِ، وَسُبِيَ الذَّرَارِي وَالنِّسَاءُ، وَبَقِيَ الْقَلِيلُ، وَطَلَبُوا الْأَمَانَ فَأُجِيبُوا إِلَيْهِ، وَنُقِلُوا عَنْ تِلْكَ الْجِبَالِ، وَأَسْكَنَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ مَكَانَهُمُ الْأَكَرَةَ وَالزَّرَّاعِينَ، حَتَّى طَبَّقُوا تِلْكَ الْأَرْضَ بِالْعَمَلِ، وَتَتَبَّعَ عَابِدٌ تِلْكَ الطَّوَائِفَ بَرًّا حَتَّى أَتَى عَلَيْهِمْ وَبَدَّدَ شَمْلَهُمْ. ذِكْرُ مُلْكِ الْقَرَامِطَةِ دِمَشْقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَصَلَ الْقَرَامِطَةُ إِلَى دِمَشْقَ فَمَلَكُوهَا، وَقَتَلُوا جَعْفَرَ بْنَ فَلَاحٍ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا بَلَغَهُمُ اسْتِيلَاءُ جَعْفَرِ بْنِ فَلَاحٍ عَلَى الشَّامِ أَهَمَّهُمْ وَأَزْعَجَهُمْ وَقَلِقُوا (لِأَنَّهُ) كَانَ قَدْ تَقَرَّرَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ابْنِ طُغُجَ أَنْ يَحْمِلَ إِلَيْهِمْ كُلَّ سَنَةٍ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمَّا مَلَكَهَا جَعْفَرٌ عَلِمُوا أَنَّ الْمَالَ يَفُوتُهُمْ، فَعَزَمُوا عَلَى قَصْدِ الشَّامِ، وَصَاحِبُهُمْ حِينَئِذٍ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَهْرَامَ الْقَرْمَطِيُّ، فَأَرْسَلَ إِلَى عِزِّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارَ يَطْلُبُ مِنْهُ الْمُسَاعَدَةَ بِالسِّلَاحِ وَالْمَالِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَاسْتَقَرَّ الْحَالُ أَنَّهُمْ إِذَا وَصَلُوا (إِلَى الْكُوفَةِ سَائِرِينَ إِلَى الشَّامِ حُمِلَ الَّذِي اسْتَقَرَّ، فَلَمَّا وَصَلُوا " إِلَى الْكُوفَةِ أَوْصَلَ إِلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَسَارُوا إِلَى دِمَشْقَ. وَبَلَغَ خَبَرُهُمْ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ فَلَاحٍ فَاسْتَهَانَ بِهِمْ وَلَمْ يَحْتَرِزْ مِنْهُمْ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ حَتَّى كَبَسُوهُ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ وَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا مَالَهُ وَسِلَاحَهُ وَدَوَابَّهُ، وَمَلَكُوا دِمَشْقَ، وَأَمَّنُوا أَهْلَهَا، وَسَارُوا إِلَى الرَّمْلَةِ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى جَمِيعِ مَا بَيْنَهُمَا.

стр. 4031

فَلَمَّا سَمِعَ مَنْ بِهَا مِنَ الْمَغَارِبَةِ خَبَرَهُمْ سَارُوا عَنْهَا إِلَى يَافَا فَتَحَصَّنُوا بِهَا، وَمَلَكَ الْقَرَامِطَةُ الرَّمْلَةَ، وَسَارُوا إِلَى مِصْرَ، وَتَرَكُوا عَلَى يَافَا مَنْ يَحْصُرُهَا، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى مِصْرَ اجْتَمَعَ مَعَهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَالْجُنْدُ وَالْإِخْشِيدِيَّةُ وَالْكَافُورِيَّةُ، فَاجْتَمَعُوا بِعَيْنِ شَمْسٍ عِنْدَ مِصْرَ، وَاجْتَمَعَ عَسَاكِرُ جَوْهَرٍ وَخَرَجُوا إِلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا غَيْرَ مَرَّةٍ، الظَّفَرُ فِي جَمِيعِ تِلْكَ الْأَيَّامِ لِلْقَرَامِطَةِ، وَحَصَرُوا الْمَغَارِبَةَ حَصْرًا شَدِيدًا، ثُمَّ إِنَّ الْمَغَارِبَةَ خَرَجُوا فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ مِنْ مِصْرَ، وَحَمَلُوا عَلَى مَيْمَنَةِ الْقَرَامِطَةِ، فَانْهَزَمَ مَنْ بِهَا مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَصَدُوا سَوَادَ الْقَرَامِطَةِ فَنَهَبُوهُ، فَاضْطَرُّوا إِلَى الرَّحِيلِ، فَعَادُوا إِلَى الشَّامِ، فَنَزَلُوا الرَّمْلَةَ. ثُمَّ حَصَرُوا يَافَا حَصْرًا شَدِيدًا، وَضَيَّقُوا عَلَى مَنْ بِهَا، فَسَيَّرَ جَوْهَرٌ مِنْ مِصْرَ نَجْدَةً إِلَى أَصْحَابِهِ الْمَحْصُورِينَ بِيَافَا، وَمَعَهُمْ مِيرَةٌ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ مَرْكَبًا، فَأَرْسَلَ الْقَرَامِطَةُ مَرَاكِبَهُمْ إِلَيْهَا، فَأَخَذُوا مَرَاكِبَ جَوْهَرٍ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهَا غَيْرُ مَرْكَبَيْنِ، فَغَنِمَهَا مَرَاكِبُ الرُّومِ. وَلِلْحُسَيْنِ بْنِ بَهْرَامَ مُقَدَّمِ الْقَرَامِطَةِ شِعْرٌ، فَمِنْهُ فِي الْمَغَارِبَةِ أَصْحَابِ الْمُعِزِّ لِدِينِ اللَّهِ: زَعَمَتْ رِجَالُ الْغَرْبِ أَنِّي ... هِبْتُهَا فَدَمِي إِذًا مَا بَيْنَهُمْ مَطْلُولُ يَا مِصْرُ إِنْ لَمْ أَسْقِ أَرْضَكِ مِنْ ... دَمٍ يَرْوِي ثَرَاكِ فَلَا سَقَانِي النِّيلُ ذِكْرُ قَتْلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الزَّنَاتِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَ يُوسُفُ بُلُكِّينُ بْنُ زِيرِي مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ خَزَرٍ الزَّنَاتِيَّ وَجَمَاعَةً مِنْ أَهْلِهِ وَبَنِي عَمِّهِ، وَكَانَ قَدْ عَصَى عَلَى الْمُعِزِّ لِدِينِ اللَّهِ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ مِنْ زَنَاتَةَ وَالْبَرْبَرِ، فَأَهَمَّ الْمُعِزَّ أَمْرُهُ لِأَنَّهُ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى مِصْرَ، فَخَافَ أَنْ يُخَلِّفَ مُحَمَّدًا فِي الْبِلَادِ عَاصِيًا، وَكَانَ جَبَّارًا عَاتِيًا طَاغِيًا. وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ قَتْلِهِ فَإِنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ، فَعَلِمَ يُوسُفُ بِهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ جَرِيدَةً مُتَخَفِّيًا، فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ مُحَمَّدٌ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ مُحَمَّدٌ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسَيْفِهِ، وَقَتَلَ يُوسُفُ الْبَاقِينَ وَأَسَرَ مِنْهُمْ، فَحَلَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُعِزِّ مَحِلًّا عَظِيمًا، وَقَعَدَ لِلْهَنَاءِ بِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.

стр. 4032

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ عَلَى كُورْكِيرَ بْنِ جَسْتَانَ قَبْضًا فِيهِ إِبْقَاءٌ وَمَوْضِعٌ لِلصُّلْحِ. وَفِيهَا تَزَوَّجَ أَبُو تَغْلِبَ بْنُ حَمْدَانَ ابْنَةَ عِزِّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارَ، وَعُمْرُهَا ثَلَاثُ سِنِينَ، عَلَى صَدَاقِ مِائَةِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكَانَ الْوَكِيلُ فِي قَبُولِ الْعَقْدِ أَبَا الْحَسَنِ (عَلِيَّ بْنَ) عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ صَاحِبَ أَبِي تَغْلِبَ بْنِ حَمْدَانَ، وَوَقَعَ الْعَقْدُ فِي صَفَرَ. وَفِيهَا قُتِلَ رَجُلَانِ بِمَسْجِدِ دَيْرِ مَارَ مِيخَائِيلَ بِظَاهِرِ الْمَوْصِلِ، فَصَادَرَ أَبُو تَغْلِبَ جَمَاعَةً مِنَ النَّصَارَى. وَفِيهَا اسْتَوْزَرَ مُؤَيِّدُ الدَّوْلَةِ بْنُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ أَبَا الْقَاسِمَ بْنَ عَبَّادٍ، وَأَصْلَحَ أُمُورَهُ كُلَّهَا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْقَاسِمِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ صَاحِبُ الْمَعَاجِمِ الثَّلَاثَةِ (بِأَصْبَهَانَ) وَكَانَ عُمْرُهُ مِائَةَ سَنَةٍ، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ بِمَكَّةَ، وَهُمَا مِنْ حُفَّاظِ الْمُحَدِّثِينَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ السَّرِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّرِيِّ أَبُو الْحَسَنِ الْكِنْدِيُّ الرَّفَّا، الشَّاعِرُ الْمَوْصِلِيُّ، بِبَغْدَادَ.

стр. 4033

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَة] ٣٦١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ الرُّومُ بِالْجَزِيرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، أَغَارَ مَلِكُ الرُّومِ عَلَى الرَّهَا وَنَوَاحِيهَا، وَسَارَ فِي دِيَارِ الْجَزِيرَةِ حَتَّى بَلَغُوا نَصِيبِينَ، فَغَنِمُوا، وَسَبَوْا وَأَحْرَقُوا وَخَرَّبُوا الْبِلَادَ، وَفَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ بِدِيَارِ بَكْرٍ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَبِي تَغْلِبَ بْنِ حَمْدَانَ فِي ذَلِكَ حَرَكَةٌ، وَلَا سَعْيٌ فِي دَفْعِهِ، لَكِنَّهُ حَمَلَ إِلَيْهِ مَالًا كَفَّهُ (بِهِ عَنْ نَفْسِهِ) . فَسَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ إِلَى بَغْدَاذَ مُسْتَنْفِرِينَ، وَقَامُوا فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَشَاهَدِ، وَاسْتَنْفَرُوا الْمُسْلِمِينَ، وَذَكَرُوا مَا فَعَلَهُ الرُّومُ مِنَ النَّهْبِ، وَالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، وَالسَّبْيِ، فَاسْتَعْظَمَهُ النَّاسُ، وَخَوَّفَهُمْ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ مِنِ انْفِتَاحِ الطَّرِيقِ وَطَمَعِ الرُّومِ، وَأَنَّهُمْ لَا مَانِعَ لَهُمْ عِنْدَهُمْ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُمْ أَهْلُ بَغْدَاذَ، وَقَصَدُوا دَارَ الْخَلِيفَةِ الطَّائِعِ لِلَّهِ، وَأَرَادُوا الْهُجُومَ عَلَيْهِ، فَمُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ، وَأُغْلِقَتِ الْأَبْوَابُ، فَأُسْمِعُوا مَا يَقْبُحُ ذِكْرُهُ. وَكَانَ بَخْتِيَارُ حِينَئِذٍ يَتَصَيَّدُ الْكُوفَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ (وُجُوهُ) أَهْلِ بَغْدَاذَ مُسْتَغِيثِينَ، مُنْكِرِينَ عَلَيْهِ اشْتِغَالَهُ بِالصَّيْدِ، وَقِتَالَ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَتَرْكَ جِهَادِ الرُّومِ، وَمَنَعَهُمْ عَنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ حَتَّى تَوَغَّلُوهَا، فَوَعَدَهُمُ التَّجَهُّزَ لِلْغُزَاةِ وَأَرْسَلَ إِلَى سُبُكْتِكِينَ يَأْمُرُهُ بِالتَّجَهُّزِ لِلْغَزْوِ وَأَنْ يَسْتَنْفِرَ الْعَامَّةَ، فَفَعَلَ سُبُكْتِكِينُ ذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ مِنَ الْعَامَّةِ عَدَدٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَكَتَبَ بَخْتِيَارُ إِلَى أَبِي تَغْلِبَ بْنِ حَمْدَانَ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، يَأْمُرُهُ بِإِعْدَادِ الْمِيرَةِ وَالْعُلُوفَاتِ، وَيُعَرِّفُهُ عَزْمَهُ عَلَى الْغَزَاةِ، فَأَجَابَهُ

стр. 4034

بِإِظْهَارِ الْفَرَحِ، وَإِعْدَادِ مَا طُلِبَ مِنْهُ. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِبَغْدَاذَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَتْ بِبَغْدَاذَ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ، وَأَظْهَرُوا الْعَصَبِيَّةَ الزَّائِدَةَ، وَتَحَزَّبَ النَّاسُ، وَظَهَرَ الْعَيَّارُونَ وَأَظْهَرُوا الْفَسَادَ وَأَخَذُوا أَمْوَالَ النَّاسِ. وَكَانَ سَبَبُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنِ اسْتِنْفَارِ الْعَامَّةِ لِلْغَزَاةِ، فَاجْتَمَعُوا وَكَثُرُوا فَتَوَلَّدَ بَيْنَهُمْ مِنْ أَصْنَافِ الْبَنَوِيَّةِ، وَالْفِتْيَانِ، وَالسُّنَّةُ، وَالشِّيعَةِ، وَالْعَيَّارِينَ، فَنُهِبَتِ الْأَمْوَالُ، وَقُتِلَ الرِّجَالُ، وَأُحْرِقَتِ الدُّورُ، وَفِي جُمْلَةِ مَا احْتَرَقَ مَحَلَّةُ الْكَرْخِ، وَكَانَتْ مَعْدِنَ التُّجَّارِ وَالشِّيعَةِ، وَجَرَى بِسَبَبِ ذَلِكَ فِتْنَةٌ بَيْنَ النَّقِيبِ أَبِي أَحْمَدَ الْمُوسَوِيِّ وَالْوَزِيرِ أَبِي الْفَضْلِ الشِّيرَازِيِّ وَعَدَاوَةٌ. ثُمَّ إِنَّ بَخْتِيَارَ أَنْفَذَ إِلَى الْمُطِيعِ لِلَّهِ يَطْلُبُ مِنْهُ مَالًا يُخْرِجُهُ فِي الْغَزَاةِ، فَقَالَ الْمُطِيعُ: إِنَّ الْغَزَاةَ وَالنَّفَقَةَ عَلَيْهَا، وَغَيْرَهَا مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، تَلْزَمُنِي إِذَا كَانَتِ الدُّنْيَا فِي يَدِي وَتُجْبَى إِلَيَّ الْأَمْوَالُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ حَالِي هَذِهِ فَلَا يَلْزَمُنِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مَنِ الْبِلَادُ فِي يَدِهِ وَلَيْسَ لِي إِلَّا الْخُطْبَةُ، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ أَعْتَزِلَ فَعَلْتُ. وَتَرَدَّدَتِ الرَّسَائِلُ بَيْنَهُمَا، حَتَّى بَلَغَ إِلَى التَّهْدِيدِ، فَبَذَلَ الْمُطِيعُ لِلَّهِ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَاحْتَاجَ إِلَى بَيْعِ ثِيَابِهِ وَأَنْقَاضِ دَارِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَشَاعَ بَيْنَ النَّاسِ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَحُجَّاجِ خُرَاسَانَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْخَلِيفَةَ قَدْ صُودِرَ. فَلَمَّا قَبَضَ بَخْتِيَارُ الْمَالَ صَرَفَهُ فِي مَصَالِحِهِ، وَبَطَلَ حَدِيثُ الْغَزَاةِ.

стр. 4035

ذِكْرُ مَسِيرِ الْمُعِزِّ لِدِينِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ مِنَ الْغَرْبِ إِلَى مِصْرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْمُعِزُّ لِدِينِ اللَّهِ الْعَلَوِيُّ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ (يُرِيدُ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ) . وَكَانَ أَوَّلُ مَسِيرِهِ أَوَاخِرَ شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ أَوَّلُ رَحِيلِهِ مِنَ الْمَنْصُورِيَّةِ، فَأَقَامَ بِسَرْدَانِيَةَ، وَهِيَ قَرْيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ الْقَيْرَوَانِ، وَلَحِقَهُ بِهَا رِجَالُهُ، وَعُمَّالُهُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَجَمِيعُ مَا كَانَ لَهُ فِي قَصْرِهِ مِنْ أَمْوَالٍ وَأَمْتِعَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، حَتَّى إِنَّ الدَّنَانِيرَ سُكِبَتْ وَجُعِلَتْ كَهَيْئَةِ الطَّوَاحِينِ وَحُمِلَ كُلُّ طَاحُونَتَيْنِ عَلَى جَمَلٍ. وَسَارَ عَنْهَا وَاسْتَعْمَلَ عَلَى بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ يُوسُفَ بُلُكِّينَ بْنِ زِيرِي بْنِ مَنَادٍ الصِّنْهَاجِيَّ الْحِمْيَرِيَّ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ حُكْمًا عَلَى جَزِيرَةِ صِقِلِّيَّةَ، وَلَا عَلَى مَدِينَةِ طَرَابُلُسَ الْغَرْبِ، وَلَا عَلَى أَجْدَابِيَّةَ، وَسُرْتُ، وَجَعَلَ عَلَى (صِقِلِّيَّةَ حَسَنَ بْنَ) عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ، وَجَعَلَ عَلَى طَرَابُلُسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَخْلُفَ الْكُتَامِيَّ، وَكَانَ أَثِيرًا عِنْدَهُ وَجَعَلَ عَلَى جِبَايَةِ أَمْوَالِ إِفْرِيقِيَّةَ زِيَادَةَ اللَّهِ بْنَ زِيَادِ بْنِ الْقَدِيمِ، وَعَلَى الْخَرَاجِ عَبْدَ الْجَبَّارِ الْخُرَاسَانِيَّ، وَحُسَيْنَ بْنَ خَلَفٍ الْمُوصِدِيَّ، وَأَمَرَهُمْ بِالِانْقِيَادِ لِيُوسُفَ بْنِ زِيرِي. فَأَقَامَ بِسَرْدَانِيَةَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ مَا يُرِيدُ، ثُمَّ رَحَلَ عَنْهَا، وَمَعَهُ يُوسُفُ بُلُكِّينُ وَهُوَ يُوصِيهِ بِمَا يَفْعَلُهُ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ سَلَفِ يُوسُفَ بُلُكِّينَ وَأَهْلِهِ مَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، وَرُدَّ يُوسُفُ إِلَى أَعْمَالِهِ، وَسَارَ إِلَى طَرَابُلُسَ وَمَعَهُ جُيُوشُهُ وَحَوَاشِيهِ، فَهَرَبَ مِنْهُ بِهَا جَمْعٌ مِنْ عَسْكَرِهِ إِلَى جِبَالِ نَفُوسَةَ فَطَلَبَهُمْ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ سَارَ إِلَى مِصْرَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَرْقَةَ وَمَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَانِئٍ الشَّاعِرُ الْأَنْدَلُسِيُّ، قُتِلَ غِيلَةً، فَرُؤِيَ مُلْقًى عَلَى جَانِبِ الْبَحْرِ قَتِيلًا لَا يُدْرَى مَنْ قَتَلَهُ، وَكَانَ قَتْلُهُ أَوَاخِرَ رَجَبٍ

стр. 4036

مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ مِنَ الشُّعَرَاءِ الْمُجِيدِينَ إِلَّا أَنَّهُ غَالَى فِي مَدْحِ الْمُعِزِّ حَتَّى كَفَّرَهُ الْعُلَمَاءُ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: مَا شِئْتَ لَا مَا شَاءَتِ الْأَقْدَارُ ... فَاحْكُمْ فَأَنْتَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ وَقَوْلُهُ: () وَلَطَالَ مَا زَاحَمْتُ حَوْلَ رِكَابِهِ جِبْرِيلَا وَمِنْ ذَلِكَ مَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ وَلَمْ أَجِدْهَا فِي دِيوَانِهِ قَوْلُهُ: حَلَّ بِرِقَّادَةَ الْمَسِيحُ ... حَلَّ بِهَا آدَمُ وَنُوحُ حَلَّ بِهَا اللَّهُ ذُو الْمَعَالِي ... فَكُلُّ شَىْءٍ سِوَاهُ رِيحُ وَرِقَّادَةُ اسْمُ مَدِينَةٍ بِالْقُرْبِ مِنَ الْقَيْرَوَانِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ مَنْ يَتَعَصَّبُ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ جَازَ حَدَّ الْمَدِيحِ. ثُمَّ سَارَ الْمُعِزُّ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ أَوَاخِرَ شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ، وَأَتَاهُ أَهْلُ مِصْرَ وَأَعْيَانُهَا، فَلَقِيَهُمْ، وَأَكْرَمَهُمْ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَسَارَ فَدَخَلَ الْقَاهِرَةَ خَامِسَ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَأَنْزَلَ عَسَاكِرَهُ مِصْرَ وَالْقَاهِرَةَ فِي الدِّيَارِ، وَبَقِيَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي الْخِيَامِ. وَأَمَّا يُوسُفُ بُلُكِّينُ فَإِنَّهُ لَمَّا عَادَ مِنْ وَدَاعِ الْمُعِزِّ أَقَامَ بِالْمَنْصُورِيَّةِ يَعْقِدُ الْوِلَايَاتِ لِلْعُمَّالِ عَلَى الْبِلَادِ، ثُمَّ سَارَ فِي الْبِلَادِ، وَبَاشَرَ الْأَعْمَالَ، وَطَيَّبَ قُلُوبَ النَّاسِ، فَوَثَبَ أَهْلُ بَاغَايَةَ عَلَى عَامِلِهِ فَقَاتَلُوهُ فَهَزَمُوهُ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ يُوسُفُ جَيْشًا فَقَاتَلَهُمْ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ،

стр. 4037

فَأَرْسَلَ إِلَى يُوسُفَ يُعَرِّفُهُ الْحَالَ فَتَأَهَّبَ يُوسُفُ، وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ لِيَسِيرَ إِلَيْهِمْ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي التَّجَهُّزِ أَتَاهُ الْخَبَرُ عَنْ تَاهَرْتَ أَنَّ أَهْلَهَا قَدْ عَصَوْا، وَخَالَفُوا، وَأَخْرَجُوا عَامِلَهُ، فَرَحَلَ إِلَى تَاهَرْتَ فَقَاتَلَهَا، فَظَفِرَ بِأَهْلِهَا، وَخَرَّبَهَا، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِهَا أَنَّ زَنَاتَةَ قَدْ نَزَلُوا عَلَى تِلِمْسَانَ، فَرَحَلَ إِلَيْهِمْ، فَهَرَبُوا مِنْهُ، وَأَقَامَ عَلَى تِلِمْسَانَ فَحَصَرَهَا مُدَّةً ثُمَّ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ فَعَفَا عَنْهُمْ، إِلَّا أَنَّهُ نَقَلَهُمْ إِلَى مَدِينَةَ أَشِيرَ، فَبَنَوْا عِنْدَهَا مَدِينَةً سَمَّوْهَا تِلْمِسَانَ. ثُمَّ إِنَّ زِيَادَةَ اللَّهِ بْنَ الْقُدَيْمِ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَامِلٍ آخَرَ كَانَ مَعَهُ، اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ، مُنَافَسَةٌ صَارَتْ إِلَى مُحَارَبَةٍ، وَاجْتَمَعَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَمَاعَةٌ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا حُرُوبٌ عِدَّةُ دَفَعَاتٍ، وَكَانَ يُوسُفُ بُلُكِّينُ مَائِلًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ لِصُحْبَةٍ قَدِيمَةٍ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ إِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَبَضَ عَلَى ابْنِ الْقُدَيْمِ وَسَجَنَهُ وَاسْتَبَدَّ بِالْأُمُورِ بَعْدَهُ، وَبَقِيَ ابْنُ الْقُدَيْمِ مَحْبُوسًا حَتَّى تُوُفِّيَ الْمُعِزُّ بِمِصْرَ، وَقَوِيَ أَمْرُ يُوسُفَ بُلُكِّينَ. وَفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] طَلَعَ خَلَفُ بْنُ حُسَيْنٍ إِلَى قَلْعَةٍ مَنِيعَةٍ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْبَرْبَرِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْقُدَيْمِ الْمُسَاعِدِينَ لَهُ، فَسَمِعَ يُوسُفُ بِذَلِكَ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَنَازَلَ الْقَلْعَةَ وَحَارَبَهُ، فَقُتِلَ بَيْنَهُمَا عِدَّةُ قَتْلَى، وَافْتَتَحَهَا، وَهَرَبَ خَلَفُ بْنُ حُسَيْنٍ، وَقُتِلَ مِمَّنْ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَبَعَثَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ مِنْ رُءُوسِهِمْ سَبْعَةَ آلَافِ رَأْسٍ، ثُمَّ أُخِذَ خَلَفٌ وَأُمِرَ بِهِ فَطِيفَ بِهِ عَلَى جَمَلٍ، (ثُمَّ صُلِبَ) وَسُيِّرَ رَأْسُهُ إِلَى مِصْرَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ بَاغَايَةَ بِذَلِكَ خَافُوا، فَصَالَحُوا يُوسُفَ وَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَأَخْرَجَهُمْ مِنْ بَاغَايَةَ وَخَرَّبَ سُورَهَا. ذِكْرُ خَبَرِ يُوسُفَ بُلُكِّينَ بْنِ زِيرِي بْنِ مَنَادٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ هُوَ يُوسُفُ بُلُكِّينُ بْنُ زِيرِي بْنِ مَنَادٍ الصِّنْهَاجِيُّ الْحِمْيَرِيُّ، اجْتَمَعَتْ صِنْهَاجَةُ وَمَنْ وَالَاهَا بِالْمَغْرِبِ عَلَى طَاعَتِهِ، قَبْلَ أَنْ يُقَدِّمَهُ الْمَنْصُورُ، وَكَانَ أَبُوهُ مَنَادٌ كَبِيرًا فِي قَوْمِهِ، كَثِيرَ الْمَالِ وَالْوَلَدِ، حَسَنَ الضِّيَافَةِ لِمَنْ يَمُرُّ بِهِ، وَيُقَدِّمُ ابْنَهُ زِيرِي فِي أَيَّامِهِ، وَقَادَ كَثِيرًا مِنْ

стр. 4038

صِنْهَاجَةَ، وَأَغَارَ بِهِمْ، وَسَبَى، فَحَسَدَتْهُ زَنَاتَةَ، وَجَمَعَتْ لَهُ لِتَسِيرَ إِلَيْهِ وَتُحَارِبَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ مُجِدًّا، فَكَبَسَهُمْ لَيْلًا وَهُمْ غَارُّونَ بِأَرْضِ مُغِيلَةَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ كَثِيرًا، وَغَنِمَ مَا مَعَهُمْ، فَكَثُرَ تَبَعُهُ، فَضَاقَتْ بِهِمْ أَرْضُهُمْ، فَقَالُوا لَهُ: لَوِ اتَّخَذْتَ لَنَا بَلَدًا غَيْرَ هَذَا، فَسَارَ بِهِمْ إِلَى مَوْضِعِ مَدِينَةِ أَشِيرَ، فَرَأَى مَا فِيهِ مِنَ الْعُيُونِ، فَاسْتَحْسَنَهُ، وَبَنَى فِيهِ مَدِينَةَ أَشِيرَ، وَسَكَنَهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. وَكَانَتْ زَنَاتَةُ تُفْسِدُ فِي الْبِلَادِ، فَإِذَا طَلَبُوا احْتَمَوْا بِالْجِبَالِ وَالْبَرَارِي، فَلَمَّا بُنِيَتْ أَشِيرُ صَارَتْ صِنْهَاجَةُ بَيْنَ زَنَاتَةَ وَالْبَرْبَرِ، فَسُرَّ بِذَلِكَ الْقَائِمُ. وَسَمِعَ زِيرِي بِغِمَارَةَ وَفَسَادِهِمْ، وَاسْتِحْلَالِهِمُ الْمُحَرَّمَاتِ، وَأَنَّهُمْ قَدْ ظَهَرَ فِيهِمْ نَبِيٌّ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَغَزَاهُمْ، وَظَفِرَ بِهِمْ، وَأَخَذَ الَّذِي كَانَ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ أَسِيرًا، وَأَحْضَرَ الْفُقَهَاءَ فَقَتَلَهُ. ثُمَّ كَانَ لَهُ أَثَرٌ حَسَنٌ فِي حَادِثَةِ أَبِي يَزِيدَ الْخَارِجِيِّ، وَحَمَلَ الْمِيرَةَ إِلَى الْقَائِمِ بِالْمَهْدِيَّةِ، فَحَسُنَ مَوْقِعُهَا مِنْهُ. ثُمَّ إِنَّ زَنَاتَةَ حَصَرَتْ مَدِينَةَ أَشِيرَ، فَجَمَعَ لَهُمْ زِيرِي جُمُوعًا كَثِيرَةً، وَجَرَى بَيْنَهُمْ عِدَّةُ وَقَعَاتٍ قُتِلَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، ثُمَّ ظَفِرَ بِهِمْ وَاسْتَبَاحَهُمْ. ثُمَّ ظَهَرَ بِجَبَلِ أُورَاسَ رَجُلٌ، وَخَالَفَ عَلَى الْمَنْصُورِ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، يُقَالُ لَهُ سَعِيدُ بْنُ يُوسُفَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ زِيرِي وَلَدَهُ بُلُكِّينَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، فَلَقِيَهُ عِنْدَ بَاغَايَةَ، وَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ الْخَارِجِيُّ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ هَوَارَةَ وَغَيْرِهِمْ، فَزَادَ مَحَلُّهُ عِنْدَ الْمَنْصُورِ، وَكَانَ لَهُ فِي فَتْحِ مَدِينَةِ فَاسَ أَثَرٌ عَظِيمٌ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. ثُمَّ إِنَّ بُلُكِّينَ بْنَ زِيرِي قَصَدَ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ خَزَرٍ الزَّنَاتِيَّ، وَقَدْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ الْمُعِزِّ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ، فَظَفِرَ بِهِ يُوسُفُ بُلُكِّينُ، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِي أَصْحَابِهِ، فَسُرَّ الْمُعِزُّ بِذَلِكَ سُرُورًا عَظِيمًا لِأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ [أَنْ] يَسْتَخْلِفَ يُوسُفَ بُلُكِّينَ عَلَى الْغَرْبِ لِقُوَّتِهِ، وَكَثْرَةِ أَتْبَاعِهِ، وَكَانَ يَخَافُ أَنْ يَتَغَلَّبَ عَلَى الْبِلَادِ بَعْدَ مَسِيرِهِ عَنْهَا إِلَى مِصْرَ. فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتِ الْوَحْشَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَنَاتَةَ أَمِنَ تَغَلُّبَهُ عَلَى الْبِلَادِ. ثُمَّ إِنَّ جَعْفَرَ بْنَ عَلِيٍّ، صَاحِبَ مَدِينَةِ مَسِيلَةَ وَأَعْمَالِ الزَّابِ، كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زِيرِي مُحَاسَدَةٌ، فَلَمَّا كَثُرَ تَقَدُّمُ زِيرِي عِنْدَ الْمُعِزِّ سَاءَ ذَلِكَ جَعْفَرًا، فَفَارَقَ بِلَادَهُ وَلَحِقَ بِزَنَاتَةَ فَقَبِلُوهُ قَبُولًا عَظِيمًا، وَمَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ عَدَاوَةً لِزِيرِي، وَعَصَى عَلَى الْمُعِزِّ، فَسَارَ زِيرِي إِلَيْهِ

стр. 4039

فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ صِنْهَاجَةَ وَغَيْرِهِمْ، فَالْتَقَوْا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، فَكَبَا بِزِيرِي فَرَسُهُ (فَوَقَعَ) فَقُتِلَ، وَرَأَى جَعْفَرٌ مِنْ زَنَاتَةَ تَغَيُّرًا عَنْ طَاعَتِهِ، وَنَدَمًا عَلَى قَتْلِ زِيرِي، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ ابْنَهُ يُوسُفَ بُلُكِّينَ لَا يَتْرُكُ ثَأْرَ أَبِيهِ، وَلَا يَرْضَى بِمَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ، وَالرَّأْيُ أَنْ نَتَحَصَّنَ بِالْجِبَالِ الْمَنِيعَةِ، وَالْأَوْعَارِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَحَمَلَ مَالَهُ وَأَهْلَهُ فِي الْمَرَاكِبِ، وَبَقِيَ هُوَ مَعَ الزَّنَاتِيِّينَ، وَأَمَرَ عَبِيدَهُ (فِي الْمَرَاكِبِ) أَنْ يَعْمَلُوا فِي الْمَرَاكِبِ فِتْنَةً، فَفَعَلُوا وَهُوَ يُشَاهِدُهُمْ مِنَ الْبَرِّ، فَقَالَ لِزَنَاتَةَ: أُرِيدُ [أَنْ] أَنْظُرَ مَا سَبَبُ هَذَا الشَّرِّ، فَصَعِدَ الْمَرْكَبَ، وَنَجَا مَعَهُمْ، وَسَارَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ إِلَى الْحَاكِمِ الْأُمَوِيِّ، فَأَكْرَمَهُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَنَدِمَتْ زَنَاتَةُ كَيْفَ لَمْ يَقْتُلُوهُ وَيَغْنَمُوا مَا مَعَهُ. ثُمَّ إِنَّ يُوسُفَ بُلُكِّينَ جَمَعَ فَأَكْثَرَ، وَقَصَدَ زَنَاتَةَ، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ وَسَبَى نِسَاءَهُمْ، وَغَنِمَ أَوْلَادَهُمْ، وَأَمَرَ أَنْ تُجْعَلَ الْقُدُورُ عَلَى رُءُوسِهِمْ، وَيُطْبَخَ فِيهَا، وَلَمَّا سَمِعَ الْمُعِزُّ بِذَلِكَ سَرَّهُ أَيْضًا، وَزَادَ فِي أَقَطَاعِ بُلُكِّينَ الْمَسِيلَةَ وَأَعْمَالَهَا، وَعَظُمَ شَأْنُهُ، وَنَذْكُرُ بَاقِيَ أَحْوَالِهِ بَعْدَ مُلْكِهِ إِفْرِيقِيَّةَ. ذِكْرُ الصُّلْحِ بَيْنَ الْأَمِيرِ مَنْصُورِ بْنِ نُوحٍ وَبَيْنَ رُكْنِ الدَّوْلَةِ وَعَضُدِ الدَّوْلَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَمَّ الصُّلْحُ بَيْنَ الْأَمِيرِ مَنْصُورِ بْنِ نُوحٍ السَّامَانِيِّ، صَاحِبِ خُرَاسَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَبَيْنَ رُكْنِ الدَّوْلَةِ وَابْنِهِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، عَلَى أَنْ يَحْمِلَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ وَابْنُهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ، إِلَيْهِ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةَ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَتَزَوَّجَ نُوحٌ بِابْنَةِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ مِنَ الْهَدَايَا وَالتُّحَفِ مَا لَمْ يُحْمَلْ مِثْلُهُ، وَكُتِبَ بَيْنَهُمْ كِتَابٌ صَالِحٌ، وَشَهِدَ فِيهِ أَعْيَانُ خُرَاسَانَ، وَفَارِسَ، وَالْعِرَاقِ. وَكَانَ الَّذِي سَعَى فِي هَذَا الصُّلْحِ وَقَرَّرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سِيمْجُورَ، صَاحِبُ جُيُوشِ خُرَاسَانَ مِنْ جِهَةِ الْأَمِيرِ مَنْصُورٍ.

стр. 4040

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي صَفَرَ، انْقَضَّ كَوْكَبٌ عَظِيمٌ، وَلَهُ نُورٌ كَثِيرٌ، وَسُمِعَ لَهُ عِنْدَ انْقِضَاضِهِ صَوْتٌ كَالرَّعْدِ، وَبَقِيَ ضَوْءُهُ. وَفِي شَوَّالٍ مِنْهَا مَلَكَ أَبُو تَغْلِبَ بْنُ حَمْدَانَ قَلْعَةَ مَارِدِينَ، سَلَّمَهَا إِلَيْهِ نَائِبُ أَخِيهِ حَمْدَانَ، فَأَخَذَ أَبُو تَغْلِبَ كُلَّ مَا كَانَ لِأَخِيهِ فِيهَا مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ وَأَثَاثٍ وَسِلَاحٍ، وَحَمَلَ الْجَمِيعَ إِلَى الْمَوْصِلِ.

стр. 4041

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ .] ٣٦٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. ذِكْرُ انْهِزَامِ الرُّومِ وَأَسْرِ الدُّمُسْتُقِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَقَعَتْ بَيْنَ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ وَبَيْنَ الدُّمُسْتُقِ بِنَاحِيَةِ مَيَّافَارِقِينَ. وَكَانَ سَبَبُهَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ غَزْوِ الدُّمُسْتُقِ بِلَادَ الْإِسْلَامِ، وَنَهْبِهِ دِيَارَ رَبِيعَةَ وَدِيَارَ بَكْرٍ، فَلَمَّا رَأَى الدُّمُسْتُقُ أَنَّهُ لَا مَانِعَ لَهُ مِنْ مُرَادِهِ لَهُ قَوِيَ طَمَعُهُ عَلَى أَخْذِ آمِدَ إِلَيْهَا، وَبِهَا هَزَارْمَرْدُ غُلَامُ أَبِي الْهَيْجَاءِ بْنِ حَمْدَانَ، فَكَتَبَ إِلَى أَبِي تَغْلِبَ يَسْتَصْرِخُهُ وَيَسْتَنْجِدُهُ، وَيُعْلِمُهُ الْحَالَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ أَخَاهُ أَبَا الْقَاسِمِ هِبَةَ اللَّهِ بْنَ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، وَاجْتَمَعَا عَلَى حَرْبِ الدُّمُسْتُقِ، وَسَارَا فَلَقِيَاهُ سَلْخَ رَمَضَانَ، وَكَانَ الدُّمُسْتُقُ فِي كَثْرَةٍ لَكِنْ لَقِيَاهُ فِي مَضِيقٍ لَا تَجُولُ فِيهِ الْخَيْلُ، وَالرُّومُ عَلَى غَيْرِ أُهْبَةٍ، فَانْهَزَمُوا، وَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ الدُّمُسْتُقَ أَسِيرًا، وَلَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا إِلَى أَنْ مَرِضَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَبَالَغَ أَبُو تَغْلِبَ فِي عِلَاجِهِ، وَاجْتَمَعَ الْأَطِبَّاءُ لَهُ، فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ وَمَاتَ. ذِكْرُ حَرِيقِ الْكَرْخِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَعْبَانَ، احْتَرَقَ الْكَرْخُ حَرِيقًا عَظِيمًا. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الْمَعُونَةِ قَتَلَ عَامِّيًّا، فَثَارَ بِهِ الْعَامَّةُ وَالْأَتْرَاكُ، فَهَرَبَ وَدَخَلَ دَارَ بَعْضِ الْأَتْرَاكِ، فَأُخْرِجَ مِنْهَا مَسْحُوبًا، وَقُتِلَ وَأُحْرِقَ، وَفُتِحَتِ السُّجُونُ فَأُخْرِجَ (مَنْ فِيهَا، فَرَكِبَ) الْوَزِيرُ أَبُو الْفَضْلِ لِأَخْذِ الْجُنَاةِ، وَأَرْسَلَ حَاجِبًا لَهُ يُسَمَّى صَافِيًا فِي جَمْعٍ

стр. 4042

لِقِتَالِ الْعَامَّةِ بِالْكَرْخِ، وَكَانَ شَدِيدَ الْعَصَبِيَّةِ لِلسُّنَّةِ، فَأَلْقَى النَّارَ فِي عِدَّةِ أَمَاكِنَ، فَاحْتَرَقَ حَرِيقًا عَظِيمًا، وَكَانَ عُدَّةُ مَنِ احْتَرَقَ فِيهِ سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ إِنْسَانٍ، وَثَلَاثَمِائَةِ دُكَّانٍ، وَكَثِيرًا مِنَ الدُّورِ، وَثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ مَسْجِدًا،، وَمِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُحْصَى. ذِكْرُ عَزْلِ أَبِي الْفَضْلِ مِنْ وِزَارَةِ عِزِّ الدَّوْلَةِ وَوِزَارَةِ ابْنِ بَقِيَّةَ وَفِيهَا أَيْضًا عُزِلُ الْوَزِيرُ أَبُو الْفَضْلِ الْعَبَّاسُ بْنُ الْحُسَيْنِ مِنْ وِزَارَةِ عِزِّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارَ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَاسْتُوزِرَ مُحَمَّدُ بْنُ بَقِيَّةَ، فَعَجِبَ النَّاسُ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ وَضِيعًا فِي نَفْسِهِ، وَأَهْلِ أَوَانَا، وَكَانَ أَبُوهُ أَحَدَ الزَّرَّاعِينَ، لَكِنَّهُ كَانَ قَرِيبًا مِنْ بَخْتِيَارَ، وَكَانَ يَتَوَلَّى لَهُ الْمَطْبَخَ، وَيُقَدِّمُ إِلَيْهِ الطَّعَامَ وَمِنْدِيلُ الْخِوَانِ عَلَى كَتِفِهِ، إِلَى أَنِ اسْتُوزِرَ. وَحُبِسَ الْوَزِيرُ أَبُو الْفَضْلِ، فَمَاتَ عَنْ قَرِيبٍ، فَقِيلَ إِنَّهُ مَاتَ مَسْمُومًا، وَكَانَ فِي وِلَايَتِهِ مُضَيِّعًا لِجَانِبِ اللَّهِ. فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَحْرَقَ الْكَرْخَ بِبَغْدَاذَ، فَهَلَكَ فِيهِ مِنَ النَّاسِ وَالْأَمْوَالِ مَا لَا يُحْصَى، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ ظَلَمَ الرَّعِيَّةَ، وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ لِيُفَرِّقَهَا عَلَى الْجُنْدِ لِيَسْلَمَ، فَمَا سَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا نَفَعَهُ ذَلِكَ، وَصَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ يَقُولُ: «مَنْ أَرْضَى النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ» . وَكَانَ مَا فَعَلَهُ مِنْ ذَلِكَ أَبْلَغَ الطُّرُقِ الَّتِي سَلَكَهَا أَعْدَاؤُهُ مِنَ الْوَقِيعَةِ فِيهِ، وَالسَّعْيِ بِهِ، وَتَمَشَّى لَهُمْ مَا أَرَادُوا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ تَفْرِيطِهِ فِي أَمْرِ دِينِهِ، وَظُلْمِ رَعِيَّتِهِ، وَعَقِبَ ذَلِكَ أَنَّ زَوْجَتَهُ مَاتَتْ وَهُوَ مَحْبُوسٌ وَحَاجِبَهُ وَكَاتِبَهُ، فَخَرِبَتْ دَارُهُ، وَعُفِيَ أَثَرُهَا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْأَقْدَارِ، وَنَسْأَلُهُ أَنْ يَخْتِمَ بِخَيْرٍ أَعْمَالَنَا، فَإِنَّ الدُّنْيَا إِلَى زَوَالٍ مَا هِيَ. وَأَمَّا ابْنُ بَقِيَّةَ فَإِنَّهُ اسْتَقَامَتْ أُمُورُهُ، وَمَشَتِ الْأَمْوَالُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِمَا أَخَذَهُ مِنْ أَمْوَالِ أَبِي

стр. 4043

الْفَضْلِ، وَأَمْوَالِ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا فَنِيَ ذَلِكَ عَادَ إِلَى ظُلْمِ الرَّعِيَّةِ، فَانْتَشَرَتِ الْأُمُورُ عَلَى يَدِهِ، وَخَرِبَتِ النَّوَاحِي، وَظَهَرَ الْعَيَّارُونَ، وَعَمِلُوا مَا أَرَادُوا، وَزَادَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْأَتْرَاكِ وَبَيْنَ بَخْتِيَارَ، فَشَرَعَ ابْنُ بَقِيَّةَ فِي إِصْلَاحِ الْحَالِ مَعَ بَخْتِيَارَ وَسُبُكْتِكِينَ، فَاصْطَلَحُوا، وَكَانَتْ هُدْنَةً عَلَى دَخَنٍ وَرَكِبَ سُبُكْتِكِينُ إِلَى بَخْتِيَارَ وَمَعَهُ الْأَتْرَاكُ، فَاجْتَمَعَ بِهِ، ثُمَّ عَادَ الْحَالُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْفَسَادِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ دَيْلَمِيًّا اجْتَازَ بِدَارِ سُبُكْتِكِينَ وَهُوَ سَكْرَانُ، فَرَمَى الرَّوْشَنَ بِزُوبَيْنِ فِي يَدِهِ، فَأَثْبَتَهُ فِيهِ، وَأَحَسَّ بِهِ سُبُكْتِكِينُ، فَصَاحَ بِغِلْمَانِهِ فَأَخَذُوهُ، وَظَنَّ سُبُكْتِكِينُ أَنَّهُ قَدْ وُضِعَ عَلَى قَتْلِهِ، فَقَرَّرَهُ فَلَمْ يَعْتَرِفْ، وَأَنْفَذَهُ إِلَى بَخْتِيَارَ وَعَرَّفَهُ الْحَالَ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، فَقَوِيَ ظَنُّ سُبُكْتِكِينَ أَنَّهُ كَانَ وَضْعُهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَتَلَهُ لِئَلَّا يُفْشِيَ ذَلِكَ، وَتَحَرَّكَ الدَّيْلَمُ بِقَتْلِهِ، وَحَمَلُوا السِّلَاحَ، ثُمَّ أَرْضَاهُمْ بَخْتِيَارُ فَرَجَعُوا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، أَرْسَلَ عِزُّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارُ الشَّرِيفَ أَبَا أَحْمَدَ الْمُوسَوِيَّ، وَالِدَ الرَّضِيِّ وَالْمُرْتَضِي، فِي رِسَالَةٍ إِلَى أَبِي تَغْلِبَ بْنِ حَمْدَانَ بِالْمَوْصِلِ، فَمَضَى إِلَيْهِ، وَعَادَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ سَعِيدٍ الْمُخَرِّمِيُّ الصُّوفِيُّ صَاحِبُ الشِّبْلِيِّ بِمَكَّةَ.

стр. 4044

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣٦٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ بَخْتِيَارَ عَلَى الْمَوْصِلِ وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، سَارَ بَخْتِيَارُ إِلَى الْمَوْصِلِ لِيَسْتَوْلِيَ عَلَيْهَا وَعَلَى أَعْمَالِهَا وَمَا بِيَدِ أَبِي تَغْلِبَ بْنِ حَمْدَانَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَسِيرِ حَمْدَانَ بْنِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ وَأَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى بَخْتِيَارَ، وَاسْتِجَارَتِهِمَا بِهِ، وَشَكْوَاهُمَا إِلَيْهِ مِنْ أَخِيهِمَا أَبِي تَغْلِبَ، فَوَعَدَهُمَا أَنْ يَنْصُرَهُمَا وَيُخَلِّصَ أَعْمَالَهُمَا وَأَمْوَالَهُمَا مِنْهُ، وَيَنْتَقِمَ لَهُمَا، وَاشْتَغَلَ عَنْ ذَلِكَ بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْبَطِيحَةِ وَغَيْرِهَا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ أَشْغَالِهِ عَاوَدَ حَمْدَانُ وَإِبْرَاهِيمُ الْحَدِيثَ مَعَهُ، وَبَذَلَ لَهُ حَمْدَانُ مَالًا جَزِيلًا، وَصَغُرَ عِنْدَهُ أَمْرُ أَخِيهِ أَبِي تَغْلِبَ، وَطَلَبَ أَنْ يُضَمِّنَهُ بِلَادَهُ لِيَكُونَ فِي طَاعَتِهِ، وَيَحْمِلَ إِلَيْهِ الْأَمْوَالَ وَيُقِيمَ لَهُ الْخُطْبَةَ. ثُمَّ إِنَّ الْوَزِيرَ أَبَا الْفَضْلِ حَسَّنَ ذَلِكَ، وَأَشَارَ بِهِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الْأَمْوَالَ تَكْثُرُ عَلَيْهِ فَتَمْشِي الْأُمُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ هَرَبَ مِنْ عِنْدِ بَخْتِيَارَ، وَعَادَ إِلَى أَخِيهِ أَبِي تَغْلِبَ، فَقَوِيَ عَزْمُ بَخْتِيَارَ عَلَى قَصْدِ الْمَوْصِلِ أَيْضًا، ثُمَّ عَزَلَ أَبَا الْفَضْلِ الْوَزِيرَ وَاسْتَوْزَرَ ابْنَ بَقِيَّةَ، فَكَاتَبَهُ أَبُو تَغْلِبَ، فَقَصَّرَ فِي خِطَابِهِ فَأَغْرَى بِهِ بَخْتِيَارُ، وَحَمَلَهُ عَلَى قَصْدِهِ، فَسَارَ عَنْ بَغْدَاذَ، وَوَصَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ تَاسِعَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ وَنَزَلَ بِالدَّيْرِ الْأَعْلَى. وَكَانَ أَبُو تَغْلِبَ بْنُ حَمْدَانَ قَدْ سَارَ عَنِ الْمَوْصِلِ لَمَّا قَرُبَ مِنْهُ بَخْتِيَارُ، وَقَصَدَ سِنْجَارَ، وَكَسَرَ الْعَرُوبَ، وَأَخْلَى الْمَوْصِلَ مِنْ كُلِّ مِيرَةٍ، وَكَاتَبَ الدِّيوَانَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى سِنْجَارَ يَطْلُبُ بَغْدَاذَ، وَلَمْ يَعْرِضْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ سَوَادِهَا بَلْ كَانَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ يَشْتَرُونَ

стр. 4045

الْأَشْيَاءَ بِأَوْفَى الْأَثْمَانِ. فَلَمَّا سَمِعَ بَخْتِيَارُ بِذَلِكَ أَعَادَ وَزِيرَهُ ابْنَ بَقِيَّةَ، وَالْحَاجِبَ سُبُكْتِكِينَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَأَمَّا ابْنُ بَقِيَّةَ فَدَخَلَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَأَمَّا سُبُكْتِكِينُ فَأَقَامَ بِحَرْبَى، وَكَانَ أَبُو تَغْلِبَ قَدْ قَارَبَ بَغْدَاذَ، فَثَارَ الْعَيَّارُونَ بِهَا، وَأَهْلُ الشَّرِّ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَوَقَعَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ، وَحَمَلَ أَهْلُ سُوقِ الطَّعَامِ، وَهُمْ مِنَ السُّنَّةِ، امْرَأَةً عَلَى جَمَلٍ وَسَمَّوْهَا عَائِشَةَ، وَسَمَّى بَعْضُهُمْ نَفْسَهُ طَلْحَةَ، وَبَعْضُهُمُ الزُّبَيْرُ، وَقَاتَلُوا (الْفِرْقَةَ الْأُخْرَى) ، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: نُقَاتِلُ أَصْحَابَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَأَمْثَالَ هَذَا الشَّرِّ. وَكَانَ الْجَانِبُ الشَّرْقِيُّ آمِنًا، وَالْجَانِبُ الْغَرْبِيُّ مَفْتُونًا، فَأُخِذَ جَمَاعَةٌ مِنْ رُؤَسَاءِ الْعَيَّارِينَ وَقُتِلُوا، فَسَكَنَ النَّاسُ بَعْضَ السُّكُونِ، وَأَمَّا أَبُو تَغْلِبَ لَمَّا بَلَغَهُ دُخُولُ ابْنِ بَقِيَّةَ بَغْدَاذَ، وَنُزُولُ سُبُكْتِكِينَ الْحَاجِبَ بِحَرْبَى، عَادَ عَنْ بَغْدَاذَ، وَنَزَلَ بِالْقُرْبِ مِنْهُ، وَجَرَى بَيْنَهُمَا مُطَارَدَةٌ يَسِيرَةٌ، ثُمَّ اتَّفَقَا فِي السِّرِّ عَلَى أَنْ يُظْهِرَا الِاخْتِلَافَ إِلَى أَنْ يَتَمَكَّنَا مِنَ الْقَبْضِ عَلَى الْخَلِيفِهِ وَالْوَزِيرِ وَوَالِدَةِ بَخْتِيَارَ وَأَهْلِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ انْتَقَلَ سُبُكْتِكِينُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَعَادَ أَبُو تَغْلِبَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَيَبْلُغُ مِنْ بَخْتِيَارَ مَا أَرَادَ وَيَمْلِكُ دَوْلَتَهُ. ثُمَّ إِنَّ سُبُكْتِكِينَ خَافَ سُوءَ الْأُحْدُوثَةِ، فَتَوَقَّفَ وَسَارَ الْوَزِيرُ ابْنُ بَقِيَّةَ إِلَى سُبُكْتِكِينَ، فَاجْتَمَعَ بِهِ، وَانْفَسَخَ مَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَتَرَاسَلُوا فِي الصُّلْحِ عَلَى أَنَّ أَبَا تَغْلِبَ يَضْمَنُ الْبِلَادَ عَلَى مَا كَانَتْ مَعَهُ، وَعَلَى أَنْ يُطْلِقَ لِبَخْتِيَارَ ثَلَاثَةَ آلَافِ كُرٍّ غَلَّةً عِوَضًا عَنْ مَئُونَةِ سَفَرِهِ، وَعَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَى أَخِيهِ حَمْدَانَ أَمْلَاكَهُ وَأَقْطَاعَهُ، إِلَّا مَارِدِينَ. وَلَمَّا اصْطَلَحُوا أَرْسَلُوا إِلَى بَخْتِيَارَ بِذَلِكَ لِيَرْحَلَ عَنِ الْمَوْصِلِ، وَعَادَ أَبُو تَغْلِبَ إِلَيْهَا وَدَخَلَ سُبُكْتِكِينُ بَغْدَاذَ، وَأَسْلَمَ بَخْتِيَارُ. فَلَمَّا سَمِعَ بَخْتِيَارُ بِقُرْبِ أَبِي تَغْلِبَ مِنْهُ خَافَهُ لِأَنَّ عَسْكَرَهُ قَدْ عَادَ أَكْثَرُهُ مَعَ سُبُكْتِكِينَ، وَطَلَبَ الْوَزِيرُ ابْنُ بَقِيَّةَ مِنْ سُبُكْتِكِينَ أَنْ يَسِيرَ نَحْوَ بَخْتِيَارَ، فَتَثَاقَلَ، ثُمَّ فَكَّرَ فِي الْعَوَاقِبِ، فَسَارَ عَلَى مَضَضٍ، وَكَانَ أَظْهَرَ لِلنَّاسِ مَا كَانَ هَمَّ بِهِ. وَأَمَّا بَخْتِيَارُ فَإِنَّهُ جَمَعَ أَصْحَابَهُ وَهُوَ بِالدَّيْرِ الْأَعْلَى، وَنَزَلَ أَبُو تَغْلِبَ بِالْحَصْبَاءِ، (تَحْتَ

стр. 4046

الْمَوْصِلِ) ، وَبَيْنَهُمَا عُرْضُ الْبَلَدِ، وَتَعَصَّبَ أَهْلُ الْمَوْصِلِ لِأَبِي تَغْلِبَ، وَأَظْهَرُوا مَحَبَّتَهُ لِمَا نَالَهُمْ مِنْ بَخْتِيَارَ مِنَ الْمُصَادَرَاتِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَدَخَلَ النَّاسُ بَيْنَهُمَا فِي الصُّلْحِ، فَطَلَبَ أَبُو تَغْلِبَ مِنْ بَخْتِيَارَ أَنْ يُلَقَّبَ لَقَبًا سُلْطَانِيًّا، وَأَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ زَوْجَتَهُ ابْنَةَ بَخْتِيَارَ، وَأَنْ يَحُطَّ عَنْهُ الْقَرَارَ. فَأَجَابَهُ بَخْتِيَارُ خَوْفًا مِنْهُ، وَتَحَالَفَا، وَسَارَ بَخْتِيَارُ عَنِ الْمَوْصِلِ عَائِدًا إِلَى بَغْدَاذَ، فَأَظْهَرَ أَهْلُ الْمَوْصِلِ السُّرُورَ بِرَحِيلِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَسَاءَ مَعَهُمُ السِّيرَةَ وَظَلَمَهُمْ. فَلَمَّا وَصَلَ بَخْتِيَارُ إِلَى الْكُحَيْلِ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا تَغْلِبَ قَدْ قَتَلَ قَوْمًا كَانُوا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَدِ اسْتَأْمَنُوا إِلَى بَخْتِيَارَ، فَعَادُوا إِلَى الْمَوْصِلِ لِيَأْخُذُوا مَا لَهُمْ بِهَا مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ فَقَتَلَهُمْ. فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ اشْتَدَّ عَلَيْهِ، وَأَقَامَ بِمَكَانِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْوَزِيرِ أَبِي طَاهِرِ بْنِ بَقِيَّةَ وَالْحَاجِبِ سُبُكْتِكِينَ يَأْمُرُهُمَا بِالْإِصْعَادِ إِلَيْهِ، وَكَانَ قَدْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمَا يَأْمُرُهُمَا بِالتَّوَقُّفِ، وَيَقُولُ لَهُمَا إِنَّ الصُّلْحَ قَدِ اسْتَقَرَّ، فَلَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهَا يَطْلُبُهَا أُصْعِدَا إِلَيْهِ فِي الْعَسَاكِرِ، فَعَادُوا جَمِيعُهُمْ، (إِلَى الْمَوْصِلِ) ، وَنَزَلُوا بِالدَّيْرِ الْأَعْلَى أَوَاخِرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَفَارَقَهَا أَبُو تَغْلِبَ إِلَى تَلِّ يَعْفُرَ، وَعَزَمَ عِزُّ الدَّوْلَةِ عَلَى قَصْدِهِ وَطَلَبِهِ أَيْنَ سَلَكَ، فَأَرْسَلَ أَبُو تَغْلِبَ كَاتِبَهُ وَصَاحِبَهُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي عَمْرٍو إِلَى عِزِّ الدَّوْلَةِ، فَاعْتَقَلَهُ، وَاعْتَقَلَ مَعَهُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ عُرْسٍ، وَأَبَا أَحْمَدَ بْنَ حَوْقَلٍ. وَمَا زَالَتِ الْمُرَاسَلَاتُ بَيْنَهُمَا، وَحَلَفَ أَبُو تَغْلِبَ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِقَتْلِ أُولَئِكَ، فَعَادَ الصُّلْحُ وَاسْتَقَرَّ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ مَا اسْتَقَرَّ مِنَ الْمَالِ، فَأَرْسَلَ عِزُّ الدَّوْلَةِ الشَّرِيفَ أَبَا أَحْمَدَ الْمُوسَوِيَّ، وَالْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَحَلَّفَا أَبَا تَغْلِبَ، وَتَجَدَّدَ الصُّلْحُ، وَانْحَدَرَ عِزُّ الدَّوْلَةِ عَنِ الْمَوْصِلِ سَابِعَ عَشَرَ رَجَبٍ، وَعَادَ أَبُو تَغْلِبَ إِلَى بَلَدِهِ. وَلَمَّا عَادَ بَخْتِيَارُ عَنِ الْمَوْصِلِ جَهَّزَ ابْنَتَهُ وَسَيَّرَهَا إِلَى أَبِي تَغْلِبَ، وَبَقِيَتْ مَعَهُ إِلَى أَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ خَبَرٌ.

стр. 4047

ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ بَخْتِيَارَ وَأَصْحَابِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ابْتَدَأَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ الْأَتْرَاكِ وَالدَّيْلَمِ بِالْأَهْوَازِ، فَعَمَّتِ الْعِرَاقَ جَمِيعَهُ، وَاشْتَدَّتْ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عِزَّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارَ قَلَّتْ عَنْهُ الْأَمْوَالُ، وَكَثُرَ إِدْلَالُ جُنْدِهِ، وَاطِّرَاحُهُمْ لِجَانِبِهِ، وَشَغَبُهُمْ، فَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْقَرَارُ، وَلَمْ يَجِدْ دِيوَانُهُ وَوَزِيرُهُ جِهَةً يَحْتَالُ مِنْهَا بِشَيْءٍ، وَتَوَجَّهُوا إِلَى الْمَوْصِلِ لِهَذَا السَّبَبِ، فَلَمْ يَنْفَتِحْ عَلَيْهِمْ، فَرَأَوْا أَنْ يَتَوَجَّهُوا إِلَى الْأَهْوَازِ، وَيَتَعَرَّضُوا لِبُخْتِكِينَ آزَادْرَوَيْهِ وَكَانَ مُتَوَلِّيَهَا، وَيَعْمَلُوا لَهُ حُجَّةً يَأْخُذُونَ مِنْهُ مَالًا وَمِنْ غَيْرِهِ، فَسَارَ بَخْتِيَارُ وَعَسْكَرُهُ، وَتَخَلَّفَ عَنْهُ سُبُكْتِكِينُ التُّرْكِيُّ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْأَهْوَازِ خَدَمَ بَخْتِيَارَ وَحَمَلَ لَهُ أَمْوَالًا جَلِيلَةَ الْمِقْدَارِ، وَبَذَلَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ الطَّاعَةَ، وَبَخْتِيَارُ يُفَكِّرُ فِي طَرِيقٍ يَأْخُذُهُ بِهِ. فَاتَّفَقَ أَنَّهُ جَرَى فِتْنَةٌ بَيْنَ الْأَتْرَاكِ وَالدَّيْلَمِ، وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ بَعْضَ الدَّيْلَمِ نَزَلَ دَارًا بِالْأَهْوَازَ، وَنَزَلَ قَرِيبًا مِنْهُ بَعْضُ الْأَتْرَاكِ، وَكَانَ هُنَاكَ لَبِنٌ مَوْضُوعٌ فَأَرَادَ غُلَامُ الدَّيْلَمِيِّ [أَنْ] يَبْنِيَ مِنْهُ مَعْلِفًا لِلدَّوَابِّ، فَمَنَعَهُ غُلَامُ التُّرْكِيِّ، فَتَضَارَبَا، وَخَرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ التُّرْكِيِّ وَالدَّيْلَمِيِّ إِلَى نُصْرَةِ غُلَامِهِ، فَضَعُفَ التُّرْكِيُّ عَنْهُ، فَرَكِبَ، وَاسْتَنْصَرَ بِالْأَتْرَاكِ، فَرَكِبُوا الدَّيْلَمَ، وَأَخَذُوا السِّلَاحَ، فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ بَعْضُ قُوَّادِ الْأَتْرَاكِ، وَطَلَبَ الْأَتْرَاكُ بِثَأْرِ صَاحِبِهِمْ، وَقَتَلُوا بِهِ مِنَ الدَّيْلَمِ قَائِدًا أَيْضًا، وَخَرَجُوا إِلَى الْبَلَدِ. وَاجْتَهَدَ فِي تَسْكِينِ الْفِتْنَةِ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ، فَاسْتَشَارَ الدَّيْلَمَ فِيمَا يَفْعَلُهُ، كَانَ أُذُنًا يَتْبَعُ كُلَّ قَائِلٍ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِقَبْضِ رُؤَسَاءِ الْأَتْرَاكِ لِتَصْفُوَ لَهُ الْبِلَادُ، فَأَحْضَرُوا آزَادْرَوَيْهِ وَكَاتِبَهُ سَهْلَ بْنَ بِشْرٍ، وَسَبَاشَى الْخُوَارَزْمِيَّ بَكْتِيجُورَ، وَكَانَ حَمًا لِسُبُكْتِكِينَ، فَحَضَرُوا، فَاعْتَقَلَهُمْ وَقَيَّدَهُمْ، وَأَطْلَقَ الدَّيْلَمَ فِي الْأَتْرَاكِ، فَنَهَبُوا أَمْوَالَهُمْ

стр. 4048

وَدَوَابَّهُمْ وَقُتِلَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى، وَهَرَبَ الْأَتْرَاكُ، وَاسْتَوْلَى بَخْتِيَارُ عَلَى أَقْطَاعِ سُبُكْتِكِينَ فَأَخَذَهُ، وَأَمَرَ فَنُودِيَ بِالْبَصْرَةِ بِإِبَاحَةِ دَمِ الْأَتْرَاكِ. ذِكْرُ حِيلَةٍ لِبَخْتِيَارَ عَادَتْ عَلَيْهِ كَانَ بَخْتِيَارُ قَدْ وَاطَأَ وَالِدَتَهُ وَإِخْوَتَهُ أَنَّهُ إِذَا كَتَبَ إِلَيْهِمْ بِالْقَبْضِ عَلَى الْأَتْرَاكِ يُظْهِرُونَ أَنَّ بَخْتِيَارَ قَدْ مَاتَ، وَيَجْلِسُونَ لِلْعَزَاءِ، فَإِذَا حَضَرَ سُبُكْتِكِينُ عِنْدَهُمْ قَبَضُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَبَضَ بَخْتِيَارُ عَلَى الْأَتْرَاكِ كَتَبَ إِلَيْهِمْ عَلَى أَجْنِحَةِ الطُّيُورِ يُعَرِّفُهُمْ بِذَلِكَ، فَلَمَّا وَقَفُوا عَلَى الْكُتُبِ وَقَعَ الصُّرَاخُ فِي دَارِهِ، وَأَشَاعُوا مَوْتَهُ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ سُبُكْتِكِينَ يَحْضُرُ عِنْدَهُمْ سَاعَةَ يَبْلُغُهُ الْخَبَرُ، فَلَمَّا سَمِعَ الصُّرَاخَ أَرْسَلَ يَسْأَلُ عَنِ الْخَبَرِ، فَأَعْلَمُوهُ، فَأَرْسَلَ يَسْأَلُ عَنِ الَّذِي أَخْبَرَهُمْ، وَكَيْفَ أَتَاهُمُ الْخَبَرُ، فَلَمْ يَجِدْ نَقْلًا يَثِقُ الْقَلْبُ بِهِ، فَارْتَابَ بِذَلِكَ. ثُمَّ وَصَلَهُ رُسُلُهُ الْأَتْرَاكُ بِمَا جَرَى، فَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَكِيدَةً عَلَيْهِ، وَدَعَاهُ الْأَتْرَاكُ إِلَى أَنْ يَتَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ، فَتَوَقَّفَ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ يُعْلِمُهُ أَنَّ الْحَالَ قَدِ انْفَسَدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ، فَلَا يُرْجَى صَلَاحُهُ، وَأَنَّهُ لَا يَرَى الْعُدُولَ عَنْ طَاعَةِ مَوَالِيهِ وَإِنْ أَسَاءُوا إِلَيْهِ، يَدْعُوهُ إِلَى أَنْ يَعْقِدَ الْأَمْرَ لَهُ. فَعَرَضَ قَوْلَهُ عَلَى وَالِدَتِهِ، فَمَنَعَتْهُ. فَلَمَّا رَأَى سُبُكْتِكِينُ ذَلِكَ رَكِبَ فِي الْأَتْرَاكِ، وَحَصَرَ دَارَ بَخْتِيَارَ (يَوْمَيْنِ، ثُمَّ أَحْرَقَهَا وَدَخَلَهَا) ، وَأَخَذَ أَبَا إِسْحَاقَ وَأَبَا طَاهِرٍ ابْنَيْ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ وَوَالِدَتَهُمَا وَمَنْ كَانَ مَعَهُمَا، فَسَأَلُوهُ أَنْ يُمَكِّنَهُمْ مِنَ الِانْحِدَارِ إِلَى وَاسِطَ، فَفَعَلَ، وَانْحَدَرُوا، وَانْحَدَرَ مَعَهُمُ الْمُطِيعُ لِلَّهِ فِي الْمَاءِ، فَأَنْفَذَ سُبُكْتِكِينُ فَأَعَادَهُ وَرَدَّهُ إِلَى دَارِهِ وَذَلِكَ تَاسِعُ ذِي الْقَعْدَةِ، وَاسْتَوْلَى عَلَى مَا كَانَ لِبَخْتِيَارَ جَمِيعِهِ بِبَغْدَاذَ، وَنَزَلَ الْأَتْرَاكُ فِي دُورِ الدَّيْلَمِ، وَتَتَبَّعُوا أَمْوَالَهُمْ وَأَخَذُوهَا، وَثَارَتِ الْعَامَّةُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يَنْصُرُونَ سُبُكْتِكِينُ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَسَنَّنُ، فَخَلَعَ عَلَيْهِمْ، وَجَعَلَ لَهُمُ الْعُرَفَاءَ وَالْقُوَّادَ، فَثَارُوا بِالشِّيعَةِ وَحَارَبُوا (وَسُفِكَتْ بَيْنَهُمُ) الدِّمَاءُ، وَأُحْرِقَتِ

стр. 4049

الْكَرْخُ حَرِيقًا ثَانِيًا، وَظَهَرَتِ السُّنَّةُ عَلَيْهِمْ. ذِكْرُ خَلْعِ الْمُطِيعِ وَخِلَافَةِ الطَّائِعِ لِلَّهِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، مُنْتَصَفَ ذِي الْقَعْدَةِ، خُلِعَ الْمُطِيعُ لِلَّهِ، وَكَانَ بِهِ مَرَضُ الْفَالِجِ، وَقَدْ ثَقُلَ لِسَانُهُ، وَتَعَذَّرَتِ الْحَرَكَةُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَسْتَرُ ذَلِكَ، فَانْكَشَفَ حَالُهُ لِسُبُكْتِكِينَ هَذِهِ الدَّفْعَةَ، فَدَعَاهُ إِلَى أَنْ يَخْلَعَ نَفْسَهُ مِنَ الْخِلَافَةِ وَيُسَلِّمَهَا إِلَى وَالِدِهِ الطَّائِعِ لِلَّهِ، وَاسْمُهُ أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ الْكَرِيمِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْخَلْعِ ثَالِثَ عَشَرَ ذِي الْقَعْدَةِ. وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ تِسْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ غَيْرَ أَيَّامٍ، وَبُويِعَ لِلطَّائِعِ لِلَّهِ بِالْخِلَافَةِ، وَاسْتَقَرَّ أَمْرُهُ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْمُعِزِّ لِدِينِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ وَالْقَرَامِطَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْقَرَامِطَةُ، وَمُقَدَّمُهُمُ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، مِنَ الْأَحْسَاءِ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ فَحَصَرَهَا، وَلَمَّا سَمِعَ الْمُعِزُّ لِدِينِ اللَّهِ صَاحِبُ مِصْرَ بِأَنَّهُ يُرِيدُ قَصْدَ مِصْرَ كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا يَذْكُرُ فِيهِ فَضْلَ نَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَأَنَّ الدَّعْوَةَ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّ الْقَرَامِطَةَ إِنَّمَا كَانَتْ دَعْوَتُهُمْ إِلَيْهِ، وَإِلَى آبَائِهِ مِنْ قَبْلِهِ، وَوَعَظَهُ وَبَالَغَ، وَتَهَدَّدَهُ، وَسَيَّرَ الْكِتَابَ إِلَيْهِ. فَكَتَبَ جَوَابَهُ: وَصَلَ كِتَابُكَ الَّذِي قَلَّ تَحْصِيلُهُ وَكَثُرَ تَفْضِيلُهُ، وَنَحْنُ سَائِرُونَ إِلَيْكَ عَلَى أَثَرِهِ، وَالسَّلَامُ. وَسَارَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى مِصْرَ، فَنَزَلَ عَلَى عَيْنِ شَمْسٍ بِعَسْكَرِهِ، وَأَنْشَبَ الْقِتَالَ، وَبَثَّ

стр. 4050

السَّرَايَا فِي الْبِلَادِ يَنْهَبُونَهَا فَكَثُرَتْ جُمُوعُهُ، وَأَتَاهُ مِنَ الْعَرَبِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ مِمَّنْ أَتَاهُ حَسَّانُ بْنُ الْجَرَّاحِ الطَّائِيُّ، أَمِيرُ الْعَرَبِ بِالشَّامِ، وَمَعَهُ جَمْعٌ عَظِيمٌ. فَلَمَّا رَأَى الْمُعِزُّ كَثْرَةَ جُمُوعِهِ اسْتَعْظَمَ ذَلِكَ وَأَهَمَّهُ، وَتَحَيَّرَ فِي أَمْرِهِ، وَلَمْ يُقْدِمْ عَلَى إِخْرَاجِ عَسْكَرِهِ لِقِتَالِهِ، فَاسْتَشَارَ أَهْلَ الرَّأْيِ مِنْ نُصَحَائِهِ، فَقَالُوا: لَيْسَ حِيلَةٌ غَيْرَ السَّعْيِ فِي تَفْرِيقِ كَلِمَتِهِمْ، وَإِلْقَاءِ الْخُلْفِ بَيْنَهُمْ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِابْنِ الْجَرَّاحِ، فَرَاسَلَهُ الْمُعِزُّ وَاسْتَمَالَهُ، وَبَذَلَ لَهُ مِائَةَ أَلْفَ دِينَارٍ إِنْ هُوَ خَالَفَ عَلَى الْقَرْمَطِيِّ، فَأَجَابَهُ ابْنُ الْجَرَّاحِ إِلَى مَا طَلَبَ مِنْهُ، فَاسْتَحْلَفُوهُ، فَحَلَفَ أَنَّهُ إِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ الْمَالُ الْمُقَرَّرُ انْهَزَمَ بِالنَّاسِ. فَأَحْضَرُوا الْمَالَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ اسْتَكْثَرُوهُ، فَضَرَبُوا أَكْثَرَهَا دَنَانِيرَ مِنْ صَفَرَ، وَأَلْبَسُوهَا الذَّهَبَ، وَجَعَلُوهَا فِي أَسْفَلِ الْأَكْيَاسِ، وَجَعَلُوا الذَّهَبَ الْخَاصَّ عَلَى رُءُوسِهَا، وَحُمِلَ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْمُعِزِّ أَنْ يَخْرُجَ فِي عَسْكَرِهِ يَوْمَ كَذَا وَيُقَاتِلُوهُ وَهُوَ فِي الْجِهَةِ الْفُلَانِيَّةِ فَإِنَّهُ يَنْهَزِمُ، فَفَعَلَ الْمُعِزُّ ذَلِكَ فَانْهَزَمَ وَتَبِعَهُ الْعَرَبُ كَافَّةً، فَلَمَّا رَآهُ الْحَسَنُ الْقَرْمَطِيُّ مُنْهَزِمًا تَحَيَّرَ فِي أَمْرِهِ، وَثَبَتَ، وَقَاتَلَ بِعَسْكَرِهِ إِلَّا أَنَّ عَسْكَرَ الْمُعِزِّ طَمِعُوا فِيهِ وَتَابَعُوا الْحَمَلَاتِ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَأَرْهَقُوهُ، فَوَلَّى مُنْهَزِمًا، وَاتَّبَعُوا أَثَرَهُ، وَظَفِرُوا بِمُعَسْكَرِهِ فَأَخَذُوا مَنْ فِيهِ أَسْرَى، وَكَانُوا نَحْوَ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ أَسِيرٍ، فَضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ، وَنُهِبَ مَا فِي الْمُعَسْكَرِ. وَجُرِّدَ الْمُعِزُّ الْقَائِدُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَعْفَرٍ فِي عَشَرَةِ آلَافِ رَجُلٍ، وَأَمَرَهُ بِاتِّبَاعِ الْقَرَامِطَةِ بِهِمْ، فَاتَّبَعَهُمْ، وَتَثَاقَلَ فِي سَيْرِهِ خَوْفًا أَنْ تَرْجِعَ الْقَرَامِطَةُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا هُمْ فَإِنَّهُمْ سَارُوا حَتَّى نَزَلُوا أَذْرِعَاتٍ، وَسَارُوا مِنْهُمْ إِلَى بَلَدِهِمُ الْأَحْسَاءِ، وَيُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ يَعُودُونَ.

стр. 4051

ذِكْرُ مُلْكِ الْمُعِزِّ دِمَشْقَ وَمَا كَانَ فِيهَا مِنَ الْفِتَنِ لَمَّا بَلَغَ الْمُعِزَّ انْهَزَامُ الْقَرْمَطِيِّ مِنَ الشَّامِ، وَعَوْدُهُ إِلَى بِلَادِهِ، أَرْسَلَ الْقَائِدَ ظَالِمَ بْنَ مَوْهِبٍ الْعُقَيْلِيَّ وَالِيًا عَلَى دِمَشْقَ، فَدَخَلَهَا، وَعَظُمَ حَالُهُ، وَكَثُرَتْ جُمُوعُهُ وَأَمْوَالُهُ وَعُدَّتُهُ، لِأَنَّ أَبَا الْمُنَجَّى وَابْنَهُ صَاحِبَيِ الْقَرْمَطِيِّ كَانَا بِدِمَشْقَ، وَمَعَهُمَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْقَرَامِطَةِ، فَأَخْذَهُمْ ظَالِمٌ وَحَبَسَهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وَجَمِيعَ مَا يَمْلِكُونَ. ثُمَّ إِنَّ الْقَائِدَ أَبَا مَحْمُودٍ الَّذِي سَيَّرَهُ الْمُعِزُّ يَتْبَعُ الْقَرَامِطَةَ وَصَلَ إِلَى دِمَشْقَ بَعْدَ وُصُولِ ظَالِمٍ إِلَيْهَا بِأَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، فَخَرَجَ ظَالِمٌ مُتَلَقِّيًا لَهُ مَسْرُورًا بِقُدُومِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَشْعِرًا مِنْ عَوْدِ الْقَرْمَطِيِّ إِلَيْهِ، فَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَنْزِلَ بِعَسْكَرِهِ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ، فَفَعَلَ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ أَبَا الْمُنَجَّى وَابْنَهُ وَرَجُلًا آخَرَ يُعْرَفُ بِالنَّابُلُسِيِّ، وَكَانَ هَرَبَ مِنَ الرَّمْلَةِ، وَتَقَرَّبَ إِلَى الْقَرْمَطِيِّ، فَأُسِرَ بِدِمَشْقَ أَيْضًا، فَحَمَلَهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ إِلَى مِصْرَ، فَسُجِنَ أَبُو الْمُنَجَّى وَابْنُهُ، وَقِيلَ لِلنَّابُلُسِيِّ: أَنْتَ الَّذِي قُلْتَ: لَوْ أَنَّ مَعِي عَشَرَةَ أَسْهُمٍ لَرَمَيْتُ تِسْعَةً فِي الْمَغَارِبَةِ وَوَاحِدًا فِي الرُّومِ؟ فَاعْتَرَفَ، فَسُلِخَ جِلْدُهُ وَحُشِيَ تِبْنًا وَصُلِبَ. وَلَمَّا نَزَلَ أَبُو مَحْمُودٍ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ امْتَدَّتْ أَيْدِي أَصْحَابِهِ بِالْعَيْثِ وَالْفَسَادِ، وَقَطْعِ الطُّرُقِ، فَاضْطَرَبَ النَّاسُ وَخَافُوا، ثُمَّ إِنَّ صَاحِبَ الشُّرْطَةِ أَخَذَ إِنْسَانًا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ فَقَتَلَهُ، فَثَارَ بِهِ الْغَوْغَاءُ وَالْأَحْدَاثُ، وَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ، وَأَقَامَ ظَالِمٌ بَيْنَ الرَّعِيَّةِ يُدَارِيهِمْ، وَانْتَزَحَ أَهْلُ الْقُرَى مِنْهَا لِشِدَّةِ نَهْبِ الْمَغَارِبَةِ أَمْوَالَهُمْ، وَظُلْمِهِمْ لَهُمْ. وَدَخَلُوا الْبَلَدَ، فَلَمَّا كَانَ نِصْفُ شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ عَسْكَرِ أَبِي مَحْمُودٍ وَبَيْنَ الْعَامَّةِ، وَجَرَى بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ قِتَالٌ شَدِيدٌ، وَظَالِمٌ مَعَ الْعَامَّةِ يُظْهِرُ أَنَّهُ يُرِيدُ الْإِصْلَاحَ، وَلَمْ يُكَاشِفْ أَبَا مَحْمُودٍ، وَانْفَصَلُوا. ثُمَّ إِنَّ أَصْحَابَ أَبِي مَحْمُودٍ أَخَذُوا مِنَ الْغُوطَةِ قُفْلًا مِنْ حُورَانَ، وَقَتَلُوا مِنْهُ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ، فَأَخَذَهُمْ أَهْلُوهُمْ وَأَلْقَوْهُمْ فِي الْجَامِعِ، فَأُغْلِقَتِ الْأَسْوَاقُ، وَخَافَ النَّاسُ، وَأَرَادُوا الْقِتَالَ، فَسَكَّنَهُمْ عُقَلَاؤُهُمْ.

стр. 4052

ثُمَّ إِنَّ الْمَغَارِبَةَ أَرَادُوا نَهْبَ قَيْنِيَةَ وَاللُّؤْلُؤَةَ، فَوَقَعَ الصَّائِحُ فِي أَهْلِ الْبَلَدِ، فَنَفَرُوا، وَقَاتَلُوا الْمَغَارِبَةَ فِي السَّابِعَ عَشَرَ ذِي الْقَعْدَةِ، وَرَكِبَ أَبُو مَحْمُودٍ فِي جُمُوعِهِ وَزَحَفَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَوِيَ الْمَغَارِبَةُ، وَانْهَزَمَ الْعَامَّةُ إِلَى سُورِ الْبَلَدِ، فَصَبَرُوا عِنْدَهُ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُمْ، وَكَثُرَ النَّشَّابُ عَلَى الْمَغَارِبَةِ فَأَثْخَنَ فِيهِمْ، فَعَادُوا، فَتَبِعَهُمُ الْعَامَّةُ، فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى الْعَوْدَةِ، فَعَادُوا، وَحَمَلُوا عَلَى الْعَامَّةِ فَانْهَزَمُوا، وَتَبِعُوهُمْ إِلَى الْبَلَدِ، وَخَرَجَ ظَالِمٌ مِنْ دَارِ الْإِمَارَةِ. وَأَلْقَى الْمَغَارِبَةُ النَّارَ فِي الْبَلَدِ مِنْ نَاحِيَةِ بَابِ الْفَرَادِيسِ، وَأَحْرَقُوا تِلْكَ النَّاحِيَةَ فَأَخَذَتِ النَّارُ إِلَى الْقِبْلَةِ فَأَحْرَقَتْ مِنَ الْبَلَدِ كَثِيرًا، وَهَلَكَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَمَا لَا يُحَدُّ مِنَ الْأَثَاثِ وَالرِّحَالِ وَالْأَمْوَالِ، وَبَاتَ النَّاسُ عَلَى أَقْبَحِ صُورَةٍ، ثُمَّ إِنَّهُمُ اصْطَلَحُوا هُمْ وَأَبُو مَحْمُودٍ، ثُمَّ انْتَقَضُوا، وَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ إِلَى رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. ذِكْرُ وِلَايَةِ جَيْشِ بْنِ الصَّمْصَامَةِ دِمَشْقَ ثُمَّ عَادَتِ الْفِتْنَةُ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَتَرَدَّدُوا فِي الصُّلْحِ، فَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ بَيْنَ الْقَائِدِ أَبِي مَحْمُودٍ وَالدِّمَشْقِيِّينَ عَلَى إِخْرَاجِ ظَالِمٍ مِنَ الْبَلَدِ، وَأَنْ يَلِيَهُ جَيْشُ بْنُ الصَّمْصَامَةِ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ أَبِي مَحْمُودٍ، وَاتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ وَخَرَجَ ظَالِمٌ مِنَ الْبَلَدِ، وَوَلِيَهُ جَيْشُ بْنُ الصَّمْصَامَةِ، وَسَكَنَتِ الْفِتْنَهُ وَاطْمَأَنَّ النَّاسُ. ثُمَّ إِنَّ الْمَغَارِبَةَ بَعْدَ أَيَّامٍ عَاثُوا وَأَفْسَدُوا بَابَ الْفَرَادِيسِ، فَثَارَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ وَقَاتَلُوهُمْ، وَقَتَلُوا مَنْ لَحِقُوهُ، وَصَارُوا إِلَى الْقَصْرِ الَّذِي فِيهِ جَيْشٌ، فَهَرَبَ مِنْهُ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنْدِ الْمَغَارِبَةِ، وَلَحِقَ بِالْعَسْكَرِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ، وَهُوَ أَوَّلُ جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ، زَحَفَ جَيْشٌ فِي الْعَسْكَرِ إِلَى الْبَلَدِ، وَقَاتَلَهُ أَهْلُهُ، فَظَفِرَ بِهِمْ وَهَزَمَهُمْ، وَأَحْرَقَ مِنَ الْبَلَدِ مَا كَانَ سَلِمَ، وَدَامَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ أَيَّامًا كَثِيرَةً فَاضْطَرَبَ النَّاسُ وَخَافُوا، وَخَرِبَتِ الْمَنَازِلُ، وَانْقَطَعَتِ الْمَوَادُّ، وَانْسَدَّتِ الْمَسَالِكُ، وَبَطَلَ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ، وَقُطِعَ الْمَاءُ عَنِ

стр. 4053

الْبَلَدِ، فَبَطَلَتِ الْقَنَوَاتُ وَالْحَمَّامَاتُ، وَمَاتَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَرَاءِ عَلَى الطُّرُقَاتِ مِنَ الْجُوعِ وَالْبَرْدِ، فَأَتَاهُمُ الْفَرَجُ بِعَزْلِ أَبِي مَحْمُودٍ. ذِكْرُ وِلَايَةِ رَيَّانَ الْخَادِمِ دِمَشْقَ لَمَّا كَانَ بِدِمَشْقَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْقِتَالِ، وَالتَّحْرِيقِ، وَالتَّخْرِيبِ، وَصَلَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ إِلَى الْمُعِزِّ صَاحِبِ مِصْرَ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَاسْتَبْشَعَهُ وَاسْتَعْظَمَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْقَائِدِ رَيَّانَ الْخَادِمِ، وَالِي طَرَابُلُسَ، وَيَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى دِمَشْقَ لِمُشَاهَدَةِ حَالِهَا وَكَشْفِ أُمُورِ أَهْلِهَا، (وَتَعْرِيفِهِ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ) ، وَأَنْ يَصْرِفَ الْقَائِدَ أَبَا مَحْمُودٍ عَنْهَا، فَامْتَثَلَ رَيَّانُ ذَلِكَ، وَسَارَ إِلَى دِمَشْقَ، وَكَشَفَ الْأَمْرُ فِيهَا وَكَتَبَ بِهِ إِلَى الْمُعِزِّ، وَتَقَدَّمَ إِلَى الْقَائِدِ أَبِي مَحْمُودٍ بِالِانْصِرَافِ عَنْهَا، فَسَارَ فِي جَمَاعَةٍ قَلِيلَةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَى الرَّمْلَةِ، وَبَقِيَ الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ مَعَ رَيَّانَ. وَبَقِيَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ وَلِيَ الْفَتْكِينُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. ذِكْرُ حَالِ بَخْتِيَارَ بَعْدَ قَبْضِ الْأَتْرَاكِ لَمَّا فَعَلَ بَخْتِيَارُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْضِ الْأَتْرَاكِ ظَفِرَ بِذَخِيرَةٍ لِآزَادْرَوَيْهِ بِجَنْدِيسَابُورَ، فَأَخَذَهَا، ثُمَّ رَأَى مَا فَعَلَهُ الْأَتْرَاكُ مَعَ سُبُكْتِكِينَ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ بِسَوَادِ الْأَهْوَازِ قَدْ عَصَوْا عَلَيْهِ، وَاضْطَرَبَ عَلَيْهِ غِلْمَانُهُ الَّذِينَ فِي دَارِهِ، وَأَتَاهُ مَشَايِخُ الْأَتْرَاكِ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَعَاتَبُوهُ عَلَى مَا فَعَلَ بِهِمْ، وَقَالَ لَهُ عُقَلَاءُ الدَّيْلَمِ: لَا بُدَّ لَنَا فِي الْحَرْبِ مِنَ الْأَتْرَاكِ يَدْفَعُونَ عَنَّا بِالنُّشَّابِ، فَاضْطَرَبَ رَأْيُ بَخْتِيَارَ، ثُمَّ أَطْلَقَ آزَادْرَوَيْهِ، وَجَعَلَهُ صَاحِبَ الْجَيْشِ مَوْضِعَ سُبُكْتِكِينَ، وَظَنَّ أَنَّ الْأَتْرَاكَ يَأْنَسُونَ بِهِ، وَأَطْلَقَ الْمُعْتَقَلِينَ وَسَارَ إِلَى وَالِدَتِهِ وَإِخْوَتِهِ بِوَاسِطَ، وَكَتَبَ إِلَى عَمِّهِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ وَإِلَى ابْنِ عَمِّهِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ يَسْأَلُهُمَا أَنْ يُنْجِدَاهُ، وَيَكْشِفَا مَا نَزَلَ بِهِ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي تَغْلِبَ بْنِ حَمْدَانَ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُسَاعِدَهُ بِنَفْسِهِ، وَأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ أَسْقَطَ عَنْهُ الْمَالَ الَّذِي عَلَيْهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ بِالْبَطِيحَةِ خِلَعًا وَأَسْقَطَ عَنْهُ بَاقِيَ الْمَالِ الَّذِي اصْطَلَحَا عَلَيْهِ وَخَطَبَ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُسَيِّرَ إِلَيْهِ عَسْكَرًا.

стр. 4054

فَأَمَّا رُكْنُ الدَّوْلَةِ عَمُّهُ فَإِنَّهُ جَهَّزَ عَسْكَرًا مَعَ وَزِيرِهِ أَبِي الْفَتْحِ بْنِ الْعَمِيدِ، وَكَتَبَ إِلَى ابْنِهِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ يَأْمُرُ بِالْمَسِيرِ إِلَى عَمِّهِ وَالِاجْتِمَاعِ مَعَ ابْنِ الْعَمِيدِ. وَأَمَّا عَضُدُ الدَّوْلَةِ فَإِنَّهُ وَعَدَ بِالْمَسِيرِ، وَانْتَظَرَ بِبَخْتِيَارَ الدَّوَائِرَ طَمَعًا فِي مُلْكِ الْعِرَاقِ. وَأَمَّا عِمْرَانُ بْنُ شَاهِينَ فَإِنَّهُ قَالَ: أَمَّا إِسْقَاطُ الْمَالِ فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ، وَقَدْ قَبِلْتُهُ، وَأَمَّا الْوَصْلَةُ فَإِنَّنِي لَا أَتَزَوَّجُ أَحَدًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الذِّكْرُ مِنْ عِنْدِي، وَقَدْ خَطَبَ إِلَيَّ الْعَلَوِيُّونَ، وَهُمْ مَوَالِينَا، فَمَا أَجَبْتُهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا الْخِلَعُ وَالْفَرسُ فَإِنَّنِي لَسْتُ مِمَّنْ يَلْبَسُ مَلْبُوسَكُمْ، وَقَدْ (قَبِلَهَا ابْنِي) ، وَأَمَّا إِنْقَاذُ عَسْكَرٍ فَإِنَّ رِجَالِي لَا يَسْكُنُونَ إِلَيْكُمْ لِكَثْرَةِ مَا قَتَلُوا مِنْكُمْ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا عَامَلَهُ بِهِ هُوَ وَأَبُوهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَقَالَ: وَمَعَ هَذَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ بَيْتِي مُسْتَجِيرًا بِي، وَاللَّهِ وَلَأُعَامِلَنَّهُ بِضِدِّ مَا عَامَلَنِي بِهِ هُوَ وَأَبُوهُ، فَكَانَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا أَبُو تَغْلِبَ بْنُ حَمْدَانَ فَإِنَّهُ أَجَابَ إِلَى الْمُسَارَعَةِ، وَأَنْفَذَ أَخَاهُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنَ بْنَ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ إِلَى تَكْرِيتَ فِي عَسْكَرٍ، وَانْتَظَرَ انْحِدَارَ الْأَتْرَاكِ عَنْ بَغْدَاذَ، فَإِنْ ظَفِرُوا بِبَخْتِيَارَ دَخَلَ بَغْدَاذَ مَالِكًا لَهَا، فَلَمَّا انْحَدَرَ الْأَتْرَاكُ عَنْ بَغْدَاذَ سَارَ أَبُو تَغْلِبَ إِلَيْهَا لِيُوجِبَ عَلَى بَخْتِيَارَ الْحُجَّةَ فِي إِسْقَاطِ الْمَالِ الَّذِي عَلَيْهِ، وَوَصَلَ إِلَى بَغْدَاذَ وَالنَّاسُ فِي بَلَاءٍ عَظِيمٍ مَعَ الْعَيَّارِينَ، فَحَمَى الْبَلَدَ، وَكَفَّ أَهْلَ الْفَسَادِ. وَأَمَّا الْأَتْرَاكُ فَإِنَّهُمُ انْحَدَرُوا مَعَ سُبُكْتِكِينَ إِلَى وَاسِطَ، وَأَخَذُوا مَعَهُمُ الْخَلِيفَةَ الطَّائِعَ لِلَّهِ، وَالْمُطِيعَ أَيْضًا وَهُوَ مَخْلُوعٌ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى دَيْرِ الْعَاقُولِ تُوُفِّيَ بِهَا الْمُطِيعُ لِلَّهِ، وَمَرِضَ سُبُكْتِكِينُ فَمَاتَ بِهَا أَيْضًا، فَحُمِلَا إِلَى بَغْدَاذَ، وَقَدَّمَ الْأَتْرَاكُ عَلَيْهِمُ الْفَتْكِينَ، وَهُوَ

стр. 4055

مِنْ أَكَابِرِ قُوَّادِهِمْ وَمَوَالِي مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَفَرِحَ بَخْتِيَارُ بِمَوْتِ سُبُكْتِكِينَ، وَظَنَّ أَنَّ أَمْرَ الْأَتْرَاكِ يَنْحَلُّ وَيَنْتَشِرُ بِمَوْتِهِ، فَلَمَّا رَأَى انْتِظَامَ أُمُورِهِمْ سَاءَهُ ذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ الْأَتْرَاكَ سَارُوا إِلَيْهِ، وَهُوَ بِوَاسِطَ، فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنْهُ، وَصَارُوا يُقَاتِلُونَهُ نَوَائِبَ، نَحْوَ خَمْسِينَ يَوْمًا، وَلَمْ تَزَلِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْأَتْرَاكِ وَبَخْتِيَارَ مُتَّصِلَةً، وَالظَّفَرُ لِلْأَتْرَاكِ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَحَصَرُوا بَخْتِيَارَ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحِصَارُ، وَأَحْدَقُوا بِهِ، وَصَارَ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، وَتَابَعَ إِنْفَاذَ الرُّسُلِ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ بِالْحَثِّ وَالْإِسْرَاعِ وَكَتَبَ إِلَيْهِ: فَإِنْ كُنْتُ مَأْكُولًا فَكُنْ أَنْتَ آكِلِي وَإِلَّا فَأَدْرِكْنِي وَلَمَّا أُمَزَّقِ فَلَمَّا رَأَى عَضُدُ الدَّوْلَةِ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ قَدْ بَلَغَ بِبَخْتِيَارَ مَا كَانَ يَرْجُوهُ، سَارَ نَحْوَ الْعِرَاقِ نَجْدَةً لَهُ فِي الظَّاهِرِ، وَبَاطِنُهُ بِضِدِّ ذَلِكَ. ذِكْرُ مُلْكِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ عُمَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْلَى الْوَزِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ الْمُطَهِّرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَزِيرُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ عَلَى جِبَالِ عُمَانَ، وَمَنْ بِهَا مِنَ الشُّرَاةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ لَمَّا تُوُفِّيَ، وَبِعُمَانَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْعَبَّاسِ، نَائِبُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَارَقَهَا، فَتَوَلَّى أَمْرَهَا عُمَرُ بْنُ نَهْبَانَ الطَّائِيُّ، وَأَقَامَ الدَّعْوَةَ لِعَضُدِ الدَّوْلَةِ، ثُمَّ إِنَّ الزِّنْجَ غَلَبَتْ عَلَى الْبَلَدِ، وَمَعَهُمْ طَوَائِفُ مِنَ الْجُنْدِ، وَقَتَلُوا ابْنَ نَهْبَانَ، وَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ إِنْسَانًا يُعْرَفُ بِابْنِ حَلَّاجٍ، فَسَيَّرَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ جَيْشًا مِنْ كَرْمَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ أَبَا حَرْبٍ طُغَانَ، فَسَارُوا فِي الْبَحْرِ إِلَى عُمَانَ، فَخَرَجَ أَبُو حَرْبٍ مِنَ الْمَرْكَبِ إِلَى الْبَرِّ وَسَارَتِ الْمَرَاكِبُ فِي الْبَحْرِ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَتَوَافَوْا عَلَى صُحَارِ قَصَبَةِ عُمَانَ فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الْجُنْدُ وَالزِّنْجُ وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَظَفِرَ أَبُو حَرْبٍ، وَاسْتَوْلَى عَلَى صُحَارَ، وَانْهَزَمَ أَهْلُهَا، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] .

стр. 4056

ثُمَّ إِنَّ الزِّنْجَ اجْتَمَعُوا إِلَى بَرِيمٍ، وَهُوَ رُسْتَاقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صُحَارَ مَرْحَلَتَانِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ أَبُو حَرْبٍ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ وَقْعَةً أَتَتْ عَلَيْهِمْ قَتْلًا وَأَسْرًا، فَاطْمَأَنَّتِ الْبِلَادُ. ثُمَّ إِنَّ جِبَالَ عُمَانَ اجْتَمَعَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الشُّرَاةِ، وَجَعَلُوا لَهُمْ أَمِيرًا اسْمُهُ وَرْدُ بْنُ زِيَادٍ، وَجَعَلُوا لَهُمْ خَلِيفَةً اسْمُهُ حَفْصُ بْنُ رَاشِدٍ، فَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُمْ، فَسَيَّرَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ الْمُطَهِّرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْبَحْرِ أَيْضًا، فَبَلَغَ إِلَى نَوَاحِي حَرْفَانَ مِنْ أَعْمَالِ عُمَانَ، فَأَوْقَعَ بِأَهْلِهَا، وَأَثْخَنَ فِيهِمْ، وَأَسَرَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى دَمَا وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ مِنْ صُحَارَ، فَقَاتَلَ مَنْ بِهَا، وَأَوْقَعَ بِهِمْ وَقْعَةً عَظِيمَةً فِيهَا وَأَسَرَ كَثِيرًا مِنْ رُؤَسَائِهِمْ، وَانْهَزَمَ أَمِيرُهُمْ وَرْدٌ، وَإِمَامُهُمْ حَفْصٌ، وَاتَّبَعَهُمُ الْمُطَهِّرُ إِلَى نَزْوَى وَهِيَ قَصَبَةُ تِلْكَ الْجِبَالِ، فَانْهَزَمُوا مِنْهُ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمُ الْعَسَاكِرَ، فَأَوْقَعُوا بِهِمْ وَقْعَةً أَتَتْ عَلَى بَاقِيهِمْ، وَقُتِلَ وَرْدٌ، وَانْهَزَمَ حَفْصٌ إِلَى الْيَمَنِ، فَصَارَ مُعَلِّمًا، وَسَارَ الْمُطَهِّرُ إِلَى مَكَانٍ يُعْرَفُ بِالشَّرَفِ بِهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ، نَحْوُ عَشَرَةِ آلَافٍ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ، وَاسْتَقَامَتِ الْبِلَادُ، وَدَانَتْ بِالطَّاعَةِ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا مُخَالِفٌ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا خُطِبَ لِلْمُعِزِّ لِدِينِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ، صَاحِبِ مِصْرَ، بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فِي الْمَوْسِمِ. وَفِيهَا خَرَجَ بَنُو هِلَالٍ وَجَمْعٌ مِنَ الْعَرَبِ عَلَى الْحَاجِّ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَضَاقَ الْوَقْتُ، فَبَطَلَ الْحَجُّ، وَلَمْ يَسْلَمْ إِلَّا مَنْ مَضَى مَعَ الشَّرِيفِ أَبِي أَحْمَدَ الْمُوسَوِيِّ، وَالِدِ الرَّضِيِّ، عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ، فَتَمَّ حَجُّهُمْ. وَفِيهَا كَانَتْ بِوَاسِطَ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ فِي ذِي الْحِجَّةِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي يَزْدَادَ الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ الْمَعْرُوفُ بِغُلَامِ الْخَلَّالِ وَعُمْرُهُ ثَمَانٍ وَسَبْعُونَ سَنَةً.

стр. 4057

وَإِلَى آخِرِ هَذِهِ السَّنَةِ انْتَهَى " تَارِيخُ " ثَابِتِ بْنِ سِنَانِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قُرَّةَ، وَأَوَّلُهُ مِنْ خِلَافَةِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ.

стр. 4058

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَة] ٣٦٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ عَلَى الْعِرَاقِ وَقَبْضِ بَخْتِيَارَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ وَاسْتَوْلَى عَلَى الْعِرَاقِ، وَقَبَضَ بَخْتِيَارَ ثُمَّ عَادَ فَأَخْرَجَهُ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بَخْتِيَارَ لَمَّا تَابَعَ كُتُبَهُ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ يَسْتَنْجِدُهُ، وَيَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْأَتْرَاكِ، وَسَارَ إِلَيْهِ فِي عَسَاكِرِ فَارِسَ، وَاجْتَمَعَ بِهِ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ الْعَمِيدِ، وَزِيرُ أَبِيهِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، فِي عَسَاكِرِ الرَّيِّ بِالْأَهْوَازِ، وَسَارُوا إِلَى وَاسِطَ. فَلَمَّا سَمِعَ الْفَتْكِينُ بِخَبَرِ وُصُولِهِمْ رَجَعَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَجْعَلَهَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَيُقَاتِلَ عَلَى دَيَالَى. وَوَصَلَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ فَاجْتَمَعَ بِهِ بَخْتِيَارُ، وَسَارَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَاذَ فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَأَمَرَ بَخْتِيَارَ أَنْ يَسِيرَ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ. وَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى أَبِي تَغْلِبَ بِقُرْبِ الْفَتْكِينَ مِنْهُ عَادَ عَنْ بَغْدَاذَ إِلَى الْمَوْصِلِ لِأَنَّ أَصْحَابَهُ شَغَبُوا عَلَيْهِ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْمُقَامَ، وَوَصَلَ الْفَتْكِينُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَحَصَلَ مَحْصُورًا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ بَخْتِيَارَ كَتَبَ إِلَى ضَبَّةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيِّ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ عَيْنِ التَّمْرِ، وَهُوَ الَّذِي هَجَاهُ الْمُتَنَبِّي، فَأَمَرَهُ بِالْإِغَارَةِ عَلَى أَطْرَافِ بَغْدَاذَ، وَبِقَطْعِ الْمِيرَةِ عَنْهَا، وَكَتَبَ بِمِثْلِ ذَلِكَ إِلَى بَنِي شَيْبَانَ. وَكَانَ أَبُو تَغْلِبَ بْنُ حَمْدَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَوْصِلِ يَمْنَعُ الْمِيرَةَ وَيُنَفِّذُ سَرَايَاهُ، فَغَلَا السِّعْرُ بِبَغْدَاذَ، وَثَارَ الْعَيَّارُونَ وَالْمُفْسِدُونَ فَنَهَبُوا النَّاسَ بِبَغْدَاذَ، وَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنَ الْمَعَاشِ لِخَوْفِ

стр. 4059

الْفِتَنِ، وَعَدَمِ الطَّعَامِ وَالْقُوتِ بِهَا، وَكَبْسِ الْفَتْكِينِ الْمَنَازِلَ فِي طَلَبِ الطَّعَامِ. وَسَارَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ نَحْوَ بَغْدَاذَ، فَلَقِيَهُ الْفَتْكِينُ وَالْأَتْرَاكُ بَيْنَ دَيَالَى وَالْمَدَائِنِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَ الْأَتْرَاكُ فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَوَصَلُوا إِلَى دَيَالَى فَعَبَرُوا عَلَى جُسُورٍ كَانُوا عَمِلُوهَا عَلَيْهِ، فَغَرِقَ مِنْهُمْ أَكْثَرُهُمْ مِنَ الزَّحْمَةِ، وَكَذَلِكَ قُتِلَ وَغَرِقَ مِنَ الْعَيَّارِينَ الَّذِينَ أَعَانُوهُمْ مِنْ بَغْدَاذَ، وَاسْتَبَاحُوا عَسْكَرَهُمْ، وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ رَابِعَ عَشَرَ جُمَادَى الْأُولَى. وَسَارَ الْأَتْرَاكُ إِلَى تَكْرِيتَ، وَسَارَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ فَنَزَلَ بِظَاهِرِ بَغْدَاذَ، فَلَمَّا عَلِمَ وُصُولَ الْأَتْرَاكِ إِلَى تَكْرِيتَ دَخَلَ بَغْدَاذَ وَنَزَلَ بِدَارِ الْمَمْلَكَةِ، وَكَانَ الْأَتْرَاكُ قَدْ أَخَذُوا الْخَلِيفَةَ مَعَهُمْ كَارِهًا، فَسَعَى عَضُدُ الدَّوْلَةِ حَتَّى رَدَّهُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَوَصَلَهَا ثَامِنَ رَجَبٍ فِي الْمَاءِ وَخَرَجَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ فَلَقِيَهُ فِي الْمَاءِ أَيْضًا، وَامْتَلَأَتْ دِجْلَةُ بِالسُّمَيْرِيَّاتِ وَالزَّبَازِبِ، وَلَمْ يَبْقَ بِبَغْدَاذَ أَحَدٌ، وَلَوْ أَرَادَ إِنْسَانٌ أَنْ يَعْبُرَ دِجْلَةَ عَلَى السُّمَيْرِيَّاتِ مِنْ وَاحِدَةٍ إِلَى أُخْرَى لَأَمْكَنَهُ ذَلِكَ لِكَثْرَتِهَا، وَسَارَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ مَعَ الْخَلِيفَةِ وَأَنْزَلَهُ بِدَارِ الْخِلَافَةِ. وَكَانَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ قَدْ طَمِعَ فِي الْعِرَاقِ، وَاسْتَضْعَفَ بَخْتِيَارَ، وَإِنَّمَا خَافَ أَبَاهُ رُكْنَ الدَّوْلَةِ، فَوَّضَ جُنْدَ بَخْتِيَارَ عَلَى أَنْ يَثُورُوا بِهِ وَيَشْغَبُوا عَلَيْهِ، وَيُطَالِبُوهُ بِأَمْوَالِهِمْ وَالْإِحْسَانِ لِأَجْلِ صَبْرِهِمْ مُقَابِلَ الْأَتْرَاكِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَبَالَغُوا، وَكَانَ بَخْتِيَارُ لَا يَمْلِكُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، وَقَدْ نُهِبَ الْبَعْضُ، وَأَخْرَجَ هُوَ الْبَاقِيَ، وَالْبِلَادُ خَرَابٌ، فَلَا تَصِلُ يَدُهُ إِلَى أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهَا. وَأَشَارَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ عَلَى بَخْتِيَارَ بِتَرْكِ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِمْ، وَالْغِلْظَةِ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ، وَأَنْ لَا يَعِدَهُمْ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُعَرِّفَهُمْ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ الْإِمَارَةَ وَالرِّئَاسَةَ عَلَيْهِمْ، وَوَعَدَهُ أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ تَوَسَّطَ الْحَالَ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا يُرِيدُهُ. فَظَنَّ بَخْتِيَارُ أَنَّهُ نَاصِحٌ لَهُ، مُشْفِقٌ عَلَيْهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَاسْتَعْفَى مِنَ الْإِمَارَةِ، وَأَغْلَقَ بَابَ دَارِهِ، وَصَرَفَ كُتَّابَهُ وَحُجَّابَهُ،

стр. 4060

فَرَاسَلَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ ظَاهِرًا بِمَحْضَرٍ مِنْ مُقَدَّمِي الْجُنْدِ يُشِيرُ عَلَيْهِ بِمُقَارَبَتِهِمْ، وَتَطْيِيبِ قُلُوبِهِمْ، وَكَانَ أَوْصَاهُ سِرًّا أَنْ لَا يَقْبَلَ مِنْهُ ذَلِكَ. فَعَمِلَ بَخْتِيَارُ بِمَا أَوْصَاهُ، وَقَالَ: لَسْتُ أَمِيرًا لَهُمْ، وَلَا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ مُعَامَلَةٌ، وَقَدْ بَرِئْتُ مِنْهُمْ. فَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَعَضُدُ الدَّوْلَةِ يُغْرِيهِمْ بِهِ، وَالشَّغْبُ يَزِيدُ، وَأَرْسَلَ بَخْتِيَارُ إِلَيْهِ يَطْلُبُ نَجَازَ مَا وَعَدَهُ بِهِ، فَفَرَّقَ الْجُنْدَ عَلَى عِدَةٍ جَمِيلَةٍ، وَاسْتَدْعَى بَخْتِيَارَ وَإِخْوَتَهُ إِلَيْهِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِمْ، وَوَكَّلَ بِهِمْ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَأَعْلَمَهُمُ اسْتِعْفَاءَ بَخْتِيَارَ عَنِ الْإِمَارَةِ عَجْزًا عَنْهَا، وَوَعَدَهُمُ الْإِحْسَانَ وَالنَّظَرَ فِي أُمُورِهِمْ فَسَكَنُوا إِلَى قَوْلِهِ. وَكَانَ قَبْضُهُ عَلَى بَخْتِيَارَ [فِي] السَّادِسِ (وَالْعِشْرِينَ مِنْ) جُمَادَى الْآخِرَةِ. وَكَانَ الْخَلِيفَةُ الطَّائِعُ لِلَّهِ نَافِزًا عَنْ بَخْتِيَارَ لِأَنَّهُ كَانَ مَعَ الْأَتْرَاكِ فِي حُرُوبِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَهُ قَبْضُهُ سَرَّهُ ذَلِكَ، وَعَادَ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَأَظْهَرَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ مِنْ تَعْظِيمِ الْخِلَافَةِ مَا كَانَ قَدْ نُسِيَ وَتُرِكَ، وَأَمَرَ بِعِمَارَةِ الدَّارِ، وَالْإِكْثَارِ مِنَ الْآلَاتِ، وَعِمَارَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْخَلِيفَةِ، وَحِمَايَةِ أَقْطَاعِهِ، وَلَمَّا دَخَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى بَغْدَاذَ وَدَخَلَ دَارَ الْخِلَافَةِ أَنْفَذَ إِلَيْهِ عَضُدُ الدَّوْلَةِ مَالًا كَثِيرًا، وَغَيْرَهُ مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالْفُرُشِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. ذِكْرُ عَوْدِ بَخْتِيَارَ إِلَى مُلْكِهِ لَمَّا قُبِضَ بَخْتِيَارُ كَانَ وَلَدُهُ الْمَرْزُبَانُ بِالْبَصْرَةِ مُتَوَلِّيًا لَهَا، فَلَمَّا بَلَغَهُ قَبْضُ وَالِدِهِ امْتَنَعَ فِيهَا عَلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَكَتَبَ إِلَى رُكْنِ الدَّوْلَةِ يَشْكُو مَا جَرَى عَلَى وَالِدِهِ وَعَمَّيْهِ مِنْ عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَمِنْ أَبِي الْفَتْحِ بْنِ الْعَمِيدِ، وَيَذْكُرُ لَهُ الْحِيلَةَ الَّتِي تَمَّتْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا سَمِعَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ ذَلِكَ أَلْقَى نَفْسَهُ (عَنْ سَرِيرِهِ) إِلَى الْأَرْضِ وَتَمَرَّغَ عَلَيْهَا، وَامْتَنَعَ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عِدَّةَ أَيَّامٍ، وَمَرِضَ مَرَضًا لَمْ يَسْتَقِلَّ مِنْهُ بَاقِيَ حَيَاتِهِ. وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ بَقِيَّةَ، بَعْدَ بَخْتِيَارَ، قَدْ خَدَمَ عَضُدَ الدَّوْلَةِ، وَضَمِنَ مِنْهُ مَدِينَةَ وَاسِطَ وَأَعْمَالَهَا، فَلَمَّا صَارَ إِلَيْهَا خَلَعَ طَاعَةَ الدَّوْلَةِ، وَخَالَفَ عَلَيْهِ وَأَظْهَرَ الِامْتِعَاضَ لِقَبْضِ

стр. 4061

بَخْتِيَارَ، وَكَاتَبَ عِمْرَانَ بْنَ شَاهِينَ، وَطَلَبَ مُسَاعَدَتَهُ، وَحَذَّرَهُ مَكْرَ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَأَجَابَهُ عِمْرَانُ إِلَى مَا الْتَمَسَ. وَكَانَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ قَدْ ضَمَّنَ سَهْلَ بْنَ بِشْرٍ، وَزِيرَ الْفَتْكِينَ، بَلَدَ الْأَهْوَازِ، وَأَخْرَجَهُ (مِنْ حَبْسِ) بَخْتِيَارَ، فَكَاتَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَقِيَّةَ وَاسْتَمَالَهُ، فَأَجَابَهُ، فَلَمَّا عَصَى ابْنُ بَقِيَّةَ أَنْفَذَ إِلَيْهِ عَضُدُ الدَّوْلَةِ جَيْشًا قَوِيًّا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ ابْنُ بَقِيَّةَ فِي الْمَاءِ وَمَعَهُ عَسْكَرٌ قَدْ سَيَّرَهُ إِلَيْهِ عِمْرَانُ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ أَقْبَحَ هَزِيمَةٍ، وَكَاتَبَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بِحَالِهِ حَالَ بَخْتِيَارَ، فَكَتَبَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ إِلَيْهِ وَإِلَى الْمَرْزُبَانِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنِ احْتَمَى لِبَخْتِيَارَ، يَأْمُرُهُمْ بِالثَّبَاتِ وَالصَّبْرِ، وَيُعَرِّفُهُمْ أَنَّهُ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ لِإِخْرَاجِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَإِعَادَةِ بَخْتِيَارَ. فَاضْطَرَبَتِ النَّوَاحِي عَلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَتَجَاسَرَ عَلَيْهِ الْأَعْدَاءُ حَيْثُ عَلِمُوا إِنْكَارَ أَبِيهِ عَلَيْهِ، وَانْقَطَعَتْ عَنْهُ مَوَادُّ فَارِسَ وَالْبَحْرِ، وَلَمْ يَبْقَ بِيَدِهِ إِلَّا قَصَبَةُ بَغْدَاذَ، وَطَمِعَ فِيهِ الْعَامَّةُ وَأَشْرَفَ عَلَى مَا يَكْرَهُ، فَرَأَى إِنْفَاذَ أَبِي الْفَتْحِ بْنِ الْعَمِيدِ بِرِسَالَةٍ إِلَى أَبِيهِ يُعَرِّفُهُ مَا جَرَى لَهُ وَمَا فَرَّقَ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَضَعُفَ بَخْتِيَارُ عَنْ حِفْظِ الْبِلَادِ، وَإِنْ أُعِيدَ إِلَى حَالِهِ خَرَجَتِ الْمَمْلَكَةُ وَالْخِلَافَةُ عَنْهُمْ، وَكَانَ بَوَارُهُمْ، وَيَسْأَلُ تَرْكَ نُصْرَةِ بَخْتِيَارَ، وَقَالَ لِأَبِي الْفَتْحِ: فَإِنْ أَجَابَ إِلَى مَا تُرِيدُ مِنْهُ، وَإِلَّا فَقُلْ لَهُ: إِنَّنِي أَضْمَنُ مِنْكَ أَعْمَالَ الْعِرَاقِ، وَأَحْمِلُ إِلَيْكَ مِنْهَا كُلَّ سَنَةٍ ثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَبْعَثُ بَخْتِيَارَ وَأَخَوَيْهِ إِلَيْكَ لِتَجْعَلَهُمْ بِالْخِيَارِ، فَإِنِ اخْتَارُوا أَقَامُوا عَنْكَ، وَإِنِ اخْتَارُوا بَعْضَ بِلَادِ فَارِسَ سَلَّمْتُهُ إِلَيْهِمْ، وَوَسَّعْتَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ أَجَبْتَ أَنْتَ أَنْ تَحْضُرَ فِي الْعِرَاقِ لِتَلِيَ تَدْبِيرَ الْخِلَافَةِ، وَتُنْفِذَ بَخْتِيَارَ إِلَى الرَّيِّ وَأَعُودُ أَنَا إِلَى فَارِسَ فَالْأَمْرُ إِلَيْكَ. وَقَالَ لِابْنِ الْعَمِيدِ: فَإِنْ أَجَابَ إِلَى مَا ذَكَرْتَ لَهُ، وَإِلَّا فَقُلْ لَهُ: أَيُّهَا السَّيِّدُ الْوَالِدُ، أَنْتَ مَقْبُولُ الْحُكْمِ وَالْقَوْلِ، وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إِلَى إِطْلَاقِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ بَعْدَ مُكَاشَفَتِهِمْ، وَإِظْهَارِ الْعَدَاوَةِ، وَسَيُقَاتِلُونَنِي بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَتَنْتَشِرُ الْكَلِمَةُ، وَيَخْتَلِفُ أَهْلُ الْبَيْتِ أَبَدًا، فَإِنْ قَبِلْتَ مَا ذَكَرْتُهُ فَأَنَا الْعَبْدُ الطَّائِعُ، وَإِنْ أَبَيْتَ، وَحَكَمْتَ بِانْصِرَافِي، فَإِنِّي سَأَقْتُلُ بَخْتِيَارَ وَأَخَوَيْهِ، وَأَقْبِضُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَتَّهِمُهُ بِالْمَيْلِ إِلَيْهِمْ وَأَخْرُجُ عَنِ الْعِرَاقِ، وَأَتْرُكُ الْبِلَادَ سَائِبَةً لِيُدَبِّرَهَا مَنِ اتَّفَقْتُ لَهُ. فَخَافَ ابْنُ الْعَمِيدِ أَنْ يَسِيرَ بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ، وَأَشَارَ أَنْ يَسِيرَ بِهَا غَيْرُهُ، وَيَسِيرَ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَكُونُ كَالْمُشِيرِ عَلَى رُكْنِ الدَّوْلَةِ بِإِجَابَتِهِ إِلَى مَا طَلَبَ، فَأَرْسَلَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ رَسُولًا بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ، وَسَيَّرَ بَعْدَهُ ابْنَ الْعَمِيدِ عَلَى الْجَمَّازَاتِ، فَلَمَّا حَضَرَ الرَّسُولُ عِنْدَ رُكْنِ

стр. 4062

الدَّوْلَةِ، وَذَكَرَ بَعْضَ الرِّسَالَةِ، وَثَبَ إِلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ، فَهَرَبَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّهُ بَعْدَ أَنْ سَكَنَ غَضَبُهُ، وَقَالَ: قُلْ لِفُلَانٍ، يَعْنِي عَضُدَ الدَّوْلَةِ، وَسَمَّاهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ، وَشَتَمَهُ، خَرَجْتَ إِلَى نُصْرَةِ ابْنِ أَخِي وَلِلطَّمَعِ فِي مَمْلَكَتِهِ، أَمَا عَرَفْتَ أَنِّي نَصَرْتُ الْحَسَنَ بْنَ الْفَيْرَزَانِ، وَهُوَ غَرِيبٌ مِنِّي، مِرَارًا كَثِيرَةً أُخَاطِرُ فِيهَا بِمُلْكِي وَنَفْسِي، فَإِذَا أَعَدْتُ لَهُ بِلَادَهُ، وَلَمْ أَقْبَلْ مِنْهُ مَا قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ. ثُمَّ انْصَرَفَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ، وَأَعَدْتُهُ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَأَنْفَذْتُ وَزِيرِي وَعَسَاكِرِي فِي نُصْرَتِهِ، وَلَمْ آخُذْ مِنْهُ دِرْهَمًا وَاحِدًا، كُلُّ ذَلِكَ طَلَبًا لِحُسْنِ الذِّكْرِ، وَمُحَافَظَةً عَلَى الْفُتُوَّةِ، تُرِيدُ أَنْ تَمُنَّ أَنْتَ عَلَيَّ بِدِرْهَمَيْنِ أَنْفَقْتَهُمَا أَنْتَ عَلَيَّ وَعَلَى أَوْلَادِ أَخِي، ثُمَّ تَطْمَعُ فِي مَمَالِكِهِمْ وَتُهَدِّدُنِي بِقَتْلِهِمْ! . فَعَادَ الرَّسُولُ وَوَصَلَ ابْنُ الْعَمِيدِ، فَحَجَبَهُ عَنْهُ، وَلَمْ يَسْمَعْ حَدِيثَهُ، وَتَهَدَّدَهُ بِالْهَلَاكِ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: لَأَتْرُكُنَّكَ وَذَلِكَ الْفَاعِلَ، يَعْنِي عَضُدَ الدَّوْلَةِ، تَجْتَهِدَانِ جُهْدَكُمَا، ثُمَّ لَا أَخْرُجُ إِلَيْكُمَا إِلَّا فِي ثَلَاثِمِائَةِ جَمَّازَةٍ وَعَلَيْهَا الرَّجُلُ، ثُمَّ اثْبُتُوا إِنْ شِئْتُمْ، فَوَاللَّهِ لَا قَاتَلْتُكُمَا إِلَّا بِأَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْكُمَا. وَكَانَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ يَقُولُ: إِنَّنِي أَرَى أَخِي مُعِزَّ الدَّوْلَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي الْمَنَامِ يَعَضُّ عَلَى أَنَامِلِهِ وَيَقُولُ: يَا أَخِي هَكَذَا ضَمِنْتَ لِي أَنْ تَخْلُفَنِي فِي وَلَدِي. وَكَانَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ يُحِبُّ أَخَاهُ مَحَبَّةً شَدِيدَةً لِأَنَّهُ رَبَّاهُ، فَكَانَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ. ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ سَعَوْا لِابْنِ الْعَمِيدِ، وَتَوَسَّطُوا الْحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا تَحَمَّلَ ابْنُ الْعَمِيدِ هَذِهِ الرِّسَالَةَ لِيَجْعَلَهَا طَرِيقًا لِلْخَلَاصِ مِنْ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَالْوُصُولِ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَ بِمَا تَرَاهُ. فَأَذِنَ لَهُ فِي الْحُضُورِ عِنْدَهُ، فَاجْتَمَعَ بِهِ، وَضَمِنَ لَهُ إِعَادَةَ عَضُدِ الدَّوْلَةِ إِلَى فَارِسَ، وَتَقْرِيرَ بَخْتِيَارَ بِالْعِرَاقِ، فَرَدَّهُ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَعَرَّفَهُ جَلِيَّةَ الْحَالِ. فَلَمَّا رَأَى عَضُدُ الدَّوْلَةِ انْحِرَافَ الْأُمُورِ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ إِلَى الْمَسِيرِ إِلَى فَارِسَ وَإِعَادَةَ بَخْتِيَارَ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ مَحْبِسِهِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ نَائِبًا عَنْهُ بِالْعِرَاقِ، وَيَخْطُبُ لَهُ، وَيَجْعَلُ أَخَاهُ أَبَا إِسْحَاقَ أَمِيرَ الْجَيْشِ لِضَعْفِ بَخْتِيَارَ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ مَا كَانَ لَهُمْ، وَسَارَ إِلَى فَارِسَ فِي شَوَّالٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَأَمَرَ أَبَا الْفَتْحِ بْنَ الْعَمِيدِ، وَزِيرَ أَبِيهِ، أَنْ يَلْحَقَهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. فَلَمَّا سَارَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ أَقَامَ ابْنُ الْعَمِيدِ عِنْدَ بَخْتِيَارَ مُتَشَاغِلًا بِالذَّاتِ، وَبِمَا هُوَ بَخْتِيَارُ مُغْرًى بِهِ مِنَ اللَّعِبِ، وَاتَّفَقَا بَاطِنًا عَلَى أَنَّهُ إِذَا مَاتَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ سَارَ إِلَيْهِ وَوَزَرَ لَهُ، وَاتَّصَلَ ذَلِكَ بِعَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَكَانَ سَبَبَ هَلَاكِ ابْنِ الْعَمِيدِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.

стр. 4063

وَاسْتَقَرَّ بَخْتِيَارُ بِبَغْدَاذَ، وَلَمْ يَقِفْ لِعَضُدِ الدَّوْلَةِ عَلَى الْعُهُودِ. فَلَمَّا ثَبَتَ أَمْرُ بَخْتِيَارَ أَنْفَذَ ابْنَ بَقِيَّةَ مِنْ خَلْفِهِ لَهُ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ، وَأَكَّدَ الْوَحْشَةَ بَيْنَ بَخْتِيَارَ وَعَضُدِ الدَّوْلَةِ، (وَثَارَتِ الْفِتْنَةُ بَعْدَ مَسِيرِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ) ، وَاسْتَمَالَ ابْنُ بَقِيَّةَ الْأَجْنَادَ، وَجَبَى كَثِيرًا مِنَ الْأَمْوَالِ إِلَى خِزَانَتِهِ، وَكَانَ إِذَا طَالَبَهُ بَخْتِيَارُ بِالْمَالِ وَضَعَ الْجُنْدَ عَلَى مُطَالَبَتِهِ، فَثَقُلَ عَلَى بَخْتِيَارٍ فَاسْتَشَارَ فِي مَكْرُوهٍ يُوقِعُهُ بِهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ بَقِيَّةَ، فَعَاتَبَ بَخْتِيَارَ عَلَيْهِ، فَأَنْكَرَهُ وَحَلَفَ لَهُ فَاحْتَرَزَ ابْنُ بَقِيَّةَ مِنْهُ. ذِكْرُ اضْطِرَابَ كَرْمَانَ عَلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَعَوْدِهَا لَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَالَفَ أَهْلُ كَرْمَانَ عَلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْجُرُومِيَّةِ، وَهِيَ الْبِلَادُ، يُقَالُ لَهُ طَاهِرُ بْنُ الصِّمَّةِ، ضَمِنَ مِنْ عَضُدِ الدَّوْلَةِ ضَمَانَاتٍ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ، فَطَمِعَ فِيهَا، وَكَانَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ قَدْ سَارَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَسَيَّرَ وَزِيرَهُ الْمُطَهِّرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى عُمَانَ لِيَسْتَوْلِيَ عَلَيْهَا، فَخَلَتْ كَرْمَانُ مِنَ الْعَسَاكِرِ، فَجَمَعَ طَاهِرٌ الرِّجَالَ الْجُرُومِيَّةَ وَغَيْرَهُمْ، فَاجْتَمَعَ لَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَاتُّفِقَ أَنَّ بَعْضَ الْأَتْرَاكِ السَّامَانِيَّةِ، اسْمُهُ يُوزْتَمَرُ، كَانَ قَدْ اسْتَوْحَشَ مِنْ أَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سِيمْجُورَ، صَاحِبِ جَيْشِ خُرَاسَانَ لِلسَّامَانِيَّةِ، فَكَاتَبَهُ طَاهِرٌ، وَأَطْمَعَهُ فِي أَعْمَالِ كَرْمَانَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، وَاتَّفَقَا، وَكَانَ يُوزْتَمَرُ هُوَ الْأَمِيرَ، فَاتُّفِقَ أَنَّ الرِّجَالَ الْجُرُومِيَّةَ شَغَبُوا عَلَى يُوزْتَمَرَ، فَظَنَّ أَنَّ طَاهِرًا وَضَعَهُمْ، فَاخْتَلَفَا وَاقْتَتَلَا، فَظَفِرَ يُوزْتَمَرُ بِطَاهِرٍ وَأَسَرَهُ، وَظَفِرَ بِأَصْحَابِهِ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ إِلْيَاسَ، وَهُوَ بِخُرَاسَانَ، فَطَمِعَ فِي الْبِلَادِ، فَجَمَعَ جَمْعًا وَسَارَ إِلَيْهَا، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ بِهَا جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ. ثُمَّ إِنَّ الْمُطَهِّرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اسْتَوْلَى عَلَى عُمَانَ وَجِبَالِهَا، وَأَوْقَعَ بِالشُّرَاةِ فِيهَا وَعَادَ، فَوَصَلَهُ كِتَابُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ مِنْ بَغْدَاذَ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى كَرْمَانَ، فَسَارَ إِلَيْهَا مُجِدًّا، وَأَوْقَعَ فِي طَرِيقِهِ بِأَهْلِ الْعَيْثِ وَالْفَسَادِ، وَقَتَلَهُمْ وَصَلَبَهُمْ، (وَمَثَّلَ بِهِمْ، وَوَصَلَ إِلَى يُوزْتَمَرَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْهُ، فَاقْتَتَلُوا بِنَوَاحِي مَدِينَةِ

стр. 4064

بَمَّ، فَانْهَزَمَ يُوزْتَمَرُ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ وَحَصَرَهُ الْمُطَهِّرُ فِي حِصْنٍ فِي وَسَطِ الْمَدِينَةِ، فَطَلَبَ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ طَاهِرٌ فَأَمَرَ الْمُطَهِّرَ بِطَاهِرٍ فَشُهِرَ، ثُمَّ ضُرِبَ عُنُقُهُ. وَأَمَّا يُوزْتَمَرُ فَإِنَّهُ رَفَعَهُ إِلَى الْقِلَاعِ، فَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ، وَسَارَ الْمُطَهِّرُ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ إِلْيَاسَ، فَرَأَى كَثْرَةَ مَنْ مَعَهُ، فَخَافَ جَانِبَهُمْ، وَلَمْ يَجِدْ مِنَ اللِّقَاءِ بُدًّا، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الْحُسَيْنُ عَلَى بَابِ جِيرُفْتَ، وَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ فَمَنَعَهُمْ سُورُ الْمَدِينَةِ مِنَ الْهَرَبِ، فَكَثُرَ فِيهِمُ الْقَتْلُ، وَأُخِذَ الْحُسَيْنُ أَسِيرًا، وَأُحْضِرَ عِنْدَ الْمُطَهِّرِ، فَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ بَعْدُ خَبَرٌ، وَصَلُحَتْ كَرْمَانُ لِعَضُدِ الدَّوْلَةِ. ذِكْرُ وِلَايَةِ الْفَتْكِينِ دِمَشْقَ وَمَاكَانَ مِنْهُ إِلَى أَنْ مَاتَ قَدْ ذَكَرْنَا مَا كَانَ مِنِ انْهِزَامِ الْفَتْكِينِ التُّرْكِيِّ، مَوْلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهٍ، مِنْ مَوْلَاهُ بَخْتِيَارَ بْنِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَمِنْ عَضُدِ الدَّوْلَةِ فِي فِتْنَةِ الْأَتْرَاكِ بِالْعِرَاقِ، فَلَمَّا انْهَزَمَ مِنْهُمْ سَارَ فِي طَائِفَةٍ صَالِحَةٍ مِنَ الْجُنْدِ التُّرْكِ، فَوَصَلَ إِلَى حِمْصَ، فَنَزَلَ بِالْقُرْبِ مِنْهَا، فَقَصَدَهُ ظَالِمُ بْنُ مَوْهُوبٍ الْعُقَيْلِيُّ الَّذِي كَانَ أَمِيرَ دِمَشْقَ لِلْمُعِزِّ لِدِينِ اللَّهِ لِيَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ أَخْذِهِ، فَعَادَ عَنْهُ وَسَارَ الْفَتْكِينُ إِلَى دِمَشْقَ فَنَزَلَ بِظَاهِرِهَا. وَكَانَ أَمِيرُهَا حِينَئِذٍ رَيَّانَ الْخَادِمَ لِلْمُعِزِّ، وَكَانَ الْأَحْدَاثُ قَدْ غَلَبُوا عَلَيْهَا، وَلَيْسَ لِلْأَعْيَانِ مَعَهُمْ حُكْمٌ، وَلَا لِلسَّلْطَنَةِ عَلَيْهِمْ طَاعَةٌ، فَلَمَّا نَزَلَ خَرَجَ أَشْرَافُهَا وَشُيُوخُهَا إِلَيْهِ، وَأَظْهَرُوا لَهُ السُّرُورَ بِقُدُومِهِ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُمْ، وَيَمْلِكَ بَلَدَهُمْ، وَيُزِيلَ عَنْهُمْ سِمَةَ الْمِصْرِيِّينَ، فَإِنَّهُمْ يَكْرَهُونَهَا بِمُخَالَفَةِ الِاعْتِقَادِ، وَلِظُلْمِ عُمَّالِهِمْ، وَيَكُفُّ عَنْهُمْ شَرَّ الْأَحْدَاثِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَاسْتَخْلَفَهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْمُسَاعَدَةِ، وَحَلَفَ لَهُمْ عَلَى الْحِمَايَةِ وَكَفَّ الْأَذَى عَنْهُمْ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَدَخَلَ الْبَلَدَ، وَأَخْرَجَ عَنْهُ رَيَّانَ الْخَادِمَ، وَقَطَعَ خُطْبَةَ الْمُعِزِّ، وَخَطَبَ لِلطَّائِعِ لِلَّهِ فِي شَعْبَانَ، وَقَمَعَ أَهْلَ الْعَيْثِ وَالْفَسَادِ، وَهَابَهُ النَّاسُ كَافَّةً، وَأَصْلَحَ كَثِيرًا مِنْ أُمُورِهِمْ. فَكَانَتِ الْعَرَبُ قَدِ اسْتَوْلَتْ عَلَى سَوَادِ الْبَلَدِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ، فَقَصَدَهُمْ، وَأَوْقَعَ بِهِمْ،

стр. 4065

وَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْهُمْ، وَأَبَانَ عَنْ شَجَاعَةٍ، وَقُوَّةِ نَفْسٍ، وَحُسْنِ تَدْبِيرٍ، فَأَذْعَنُوا لَهُ وَأُقْطِعَ الْبِلَادَ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَتَوَفَّرَتْ أَمْوَالُهُ، وَثَبَتَ قَدَمُهُ. وَكَاتَبَ الْمُعِزَّ بِمِصْرَ يُدَارِيهِ، وَيُظْهِرُ لَهُ الِانْقِيَادَ، فَشَكَرَهُ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُحْضِرَهُ عِنْدَهُ لِيَخْلَعَ عَلَيْهِ، وَيُعِيدَهُ وَالِيًا مِنْ جَانِبِهِ، فَلَمْ يَثِقْ بِهِ، وَامْتَنَعَ (مِنَ الْمَسِيرِ) فَتَجَهَّزَ الْمُعِزُّ وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ لِقَصْدِهِ، فَمَرِضَ وَمَاتَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَوُلِّيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْعَزِيزُ بِاللَّهِ، فَأَمِنَ الْفَتْكِينَ بِمَوْتِهِ جِهَةَ مِصْرَ، فَقَصَدَ بِلَادَ الْعَزِيزِ الَّتِي بِسَاحِلِ الشَّامِ، فَعَمَدَ إِلَى صَيْدَا فَحَصَرَهَا وَبِهَا ابْنُ الشَّيْخِ، وَمَعَهُ رُءُوسُ الْمَغَارِبَةِ، وَمَعَهُمْ ظَالِمُ بْنُ مَوْهُوبٍ الْعُقَيْلِيُّ، فَقَاتَلَهُمْ وَكَانُوا فِي كَثْرَةٍ، فَطَمِعُوا فِيهِ وَخَرَجُوا إِلَيْهِ، فَاسْتَجَرَّهُمْ حَتَّى أُبْعِدُوا، ثُمَّ عَادَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ نَحْوَ أَرْبَعَةِ آلَافِ قَتِيلٍ. وَطَمِعَ فِي أَخْذِ عَكَّا، فَتَوَجَّهَ إِلَيْهَا، وَقَصَدَ طَبَرِيَةَ، فِيهَا مِنَ الْقَتْلِ وَالنَّهْبِ مِثْلَ صَيْدَا، وَعَادَ إِلَى دِمَشْقَ. فَلَمَّا سَمِعَ الْعَزِيزُ بِذَلِكَ اسْتَشَارَ وَزِيرَهُ يَعْقُوبَ بْنَ كِلِّسٍ فِيمَا يَفْعَلُ، فَأَشَارَ بِإِرْسَالِ جَوْهَرٍ فِي الْعَسَاكِرِ إِلَى الشَّامِ، فَجَهَّزَهُ وَسَيَّرَهُ. فَلَمَّا سَمِعَ الْفَتْكِينُ بِمَسِيرِهِ جَمَعَ أَهْلَ دِمَشْقَ وَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّنِي مَا وَلِيتُ أَمْرَكُمْ إِلَّا عَنْ رِضًى مِنْكُمْ، وَطَلَبٍ مِنْ كَبِيرِكُمْ وَصَغِيرِكُمْ لِي، وَإِنَّمَا كُنْتُ مُجْتَازًا وَقَدْ أَظَلَّكُمْ هَذَا الْأَمْرُ، وَأَنَا سَائِرٌ عَنْكُمْ لِئَلَّا يَنَالَكُمْ أَذًى بِسَبَبِي. فَقَالُوا: لَا نُمَكِّنُكَ مِنْ فِرَاقِنَا، وَنَحْنُ نَبْذُلُ الْأَنْفُسَ وَالْأَمْوَالَ فِي هَوَاكَ، وَنَنْصُرُكَ، وَنَقُومُ مَعَكَ، فَاسْتَحْلَفَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَحَلَفُوا لَهُ، فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ. فَوَصَلَ جَوْهَرٌ إِلَى الْبَلَدِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَحَصَرَهُ، فَرَأَى مِنْ قِتَالِ الْفَتْكِينِ وَمَنْ مَعَهُ مَا اسْتَعْظَمَهُ، وَدَامَتِ الْحَرْبُ شَهْرَيْنِ، قُتِلَ فِيهَا عَدَدٌ كَثِيرٌ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ. فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ دِمَشْقَ طُولَ مُقَامِ الْمَغَارِبَةِ عَلَيْهِمْ أَشَارُوا عَلَى الْفَتْكِينِ بِمُكَاتَبَةِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْقَرْمَطِيِّ، وَاسْتِنْجَادِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَسَارَ الْقَرْمَطِيُّ إِلَيْهِ مِنَ الْأَحْسَاءِ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ رَحَلَ جَوْهَرٌ عَنْ دِمَشْقَ، خَوْفًا أَنْ يَبْقَى بَيْنَ عَدُوَّيْنِ، وَكَانَ مُقَامُهُ عَلَيْهَا سَبْعَةَ
следующие страницы →