Полный текст (6 163 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
بَخْتِيَارَ، وَكَاتَبَ عِمْرَانَ بْنَ شَاهِينَ، وَطَلَبَ مُسَاعَدَتَهُ، وَحَذَّرَهُ مَكْرَ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَأَجَابَهُ عِمْرَانُ إِلَى مَا الْتَمَسَ.
وَكَانَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ قَدْ ضَمَّنَ سَهْلَ بْنَ بِشْرٍ، وَزِيرَ الْفَتْكِينَ، بَلَدَ الْأَهْوَازِ، وَأَخْرَجَهُ (مِنْ حَبْسِ) بَخْتِيَارَ، فَكَاتَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَقِيَّةَ وَاسْتَمَالَهُ، فَأَجَابَهُ، فَلَمَّا عَصَى ابْنُ بَقِيَّةَ أَنْفَذَ إِلَيْهِ عَضُدُ الدَّوْلَةِ جَيْشًا قَوِيًّا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ ابْنُ بَقِيَّةَ فِي الْمَاءِ وَمَعَهُ عَسْكَرٌ قَدْ سَيَّرَهُ إِلَيْهِ عِمْرَانُ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ أَقْبَحَ هَزِيمَةٍ، وَكَاتَبَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بِحَالِهِ حَالَ بَخْتِيَارَ، فَكَتَبَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ إِلَيْهِ وَإِلَى الْمَرْزُبَانِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنِ احْتَمَى لِبَخْتِيَارَ، يَأْمُرُهُمْ بِالثَّبَاتِ وَالصَّبْرِ، وَيُعَرِّفُهُمْ أَنَّهُ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ لِإِخْرَاجِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَإِعَادَةِ بَخْتِيَارَ.
فَاضْطَرَبَتِ النَّوَاحِي عَلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَتَجَاسَرَ عَلَيْهِ الْأَعْدَاءُ حَيْثُ عَلِمُوا إِنْكَارَ أَبِيهِ عَلَيْهِ، وَانْقَطَعَتْ عَنْهُ مَوَادُّ فَارِسَ وَالْبَحْرِ، وَلَمْ يَبْقَ بِيَدِهِ إِلَّا قَصَبَةُ بَغْدَاذَ، وَطَمِعَ فِيهِ الْعَامَّةُ وَأَشْرَفَ عَلَى مَا يَكْرَهُ، فَرَأَى إِنْفَاذَ أَبِي الْفَتْحِ بْنِ الْعَمِيدِ بِرِسَالَةٍ إِلَى أَبِيهِ يُعَرِّفُهُ مَا جَرَى لَهُ وَمَا فَرَّقَ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَضَعُفَ بَخْتِيَارُ عَنْ حِفْظِ الْبِلَادِ، وَإِنْ أُعِيدَ إِلَى حَالِهِ خَرَجَتِ الْمَمْلَكَةُ وَالْخِلَافَةُ عَنْهُمْ، وَكَانَ بَوَارُهُمْ، وَيَسْأَلُ تَرْكَ نُصْرَةِ بَخْتِيَارَ، وَقَالَ لِأَبِي الْفَتْحِ: فَإِنْ أَجَابَ إِلَى مَا تُرِيدُ مِنْهُ، وَإِلَّا فَقُلْ لَهُ: إِنَّنِي أَضْمَنُ مِنْكَ أَعْمَالَ الْعِرَاقِ، وَأَحْمِلُ إِلَيْكَ مِنْهَا كُلَّ سَنَةٍ ثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَبْعَثُ بَخْتِيَارَ وَأَخَوَيْهِ إِلَيْكَ لِتَجْعَلَهُمْ بِالْخِيَارِ، فَإِنِ اخْتَارُوا أَقَامُوا عَنْكَ، وَإِنِ اخْتَارُوا بَعْضَ بِلَادِ فَارِسَ سَلَّمْتُهُ إِلَيْهِمْ، وَوَسَّعْتَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ أَجَبْتَ أَنْتَ أَنْ تَحْضُرَ فِي الْعِرَاقِ لِتَلِيَ تَدْبِيرَ الْخِلَافَةِ، وَتُنْفِذَ بَخْتِيَارَ إِلَى الرَّيِّ وَأَعُودُ أَنَا إِلَى فَارِسَ فَالْأَمْرُ إِلَيْكَ.
وَقَالَ لِابْنِ الْعَمِيدِ: فَإِنْ أَجَابَ إِلَى مَا ذَكَرْتَ لَهُ، وَإِلَّا فَقُلْ لَهُ: أَيُّهَا السَّيِّدُ الْوَالِدُ، أَنْتَ مَقْبُولُ الْحُكْمِ وَالْقَوْلِ، وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إِلَى إِطْلَاقِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ بَعْدَ مُكَاشَفَتِهِمْ، وَإِظْهَارِ الْعَدَاوَةِ، وَسَيُقَاتِلُونَنِي بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَتَنْتَشِرُ الْكَلِمَةُ، وَيَخْتَلِفُ أَهْلُ الْبَيْتِ أَبَدًا، فَإِنْ قَبِلْتَ مَا ذَكَرْتُهُ فَأَنَا الْعَبْدُ الطَّائِعُ، وَإِنْ أَبَيْتَ، وَحَكَمْتَ بِانْصِرَافِي، فَإِنِّي سَأَقْتُلُ بَخْتِيَارَ وَأَخَوَيْهِ، وَأَقْبِضُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَتَّهِمُهُ بِالْمَيْلِ إِلَيْهِمْ وَأَخْرُجُ عَنِ الْعِرَاقِ، وَأَتْرُكُ الْبِلَادَ سَائِبَةً لِيُدَبِّرَهَا مَنِ اتَّفَقْتُ لَهُ.
فَخَافَ ابْنُ الْعَمِيدِ أَنْ يَسِيرَ بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ، وَأَشَارَ أَنْ يَسِيرَ بِهَا غَيْرُهُ، وَيَسِيرَ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَكُونُ كَالْمُشِيرِ عَلَى رُكْنِ الدَّوْلَةِ بِإِجَابَتِهِ إِلَى مَا طَلَبَ، فَأَرْسَلَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ رَسُولًا بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ، وَسَيَّرَ بَعْدَهُ ابْنَ الْعَمِيدِ عَلَى الْجَمَّازَاتِ، فَلَمَّا حَضَرَ الرَّسُولُ عِنْدَ رُكْنِ
стр. 4062
الدَّوْلَةِ، وَذَكَرَ بَعْضَ الرِّسَالَةِ، وَثَبَ إِلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ، فَهَرَبَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّهُ بَعْدَ أَنْ سَكَنَ غَضَبُهُ، وَقَالَ: قُلْ لِفُلَانٍ، يَعْنِي عَضُدَ الدَّوْلَةِ، وَسَمَّاهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ، وَشَتَمَهُ، خَرَجْتَ إِلَى نُصْرَةِ ابْنِ أَخِي وَلِلطَّمَعِ فِي مَمْلَكَتِهِ، أَمَا عَرَفْتَ أَنِّي نَصَرْتُ الْحَسَنَ بْنَ الْفَيْرَزَانِ، وَهُوَ غَرِيبٌ مِنِّي، مِرَارًا كَثِيرَةً أُخَاطِرُ فِيهَا بِمُلْكِي وَنَفْسِي، فَإِذَا أَعَدْتُ لَهُ بِلَادَهُ، وَلَمْ أَقْبَلْ مِنْهُ مَا قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ. ثُمَّ انْصَرَفَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ، وَأَعَدْتُهُ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَأَنْفَذْتُ وَزِيرِي وَعَسَاكِرِي فِي نُصْرَتِهِ، وَلَمْ آخُذْ مِنْهُ دِرْهَمًا وَاحِدًا، كُلُّ ذَلِكَ طَلَبًا لِحُسْنِ الذِّكْرِ، وَمُحَافَظَةً عَلَى الْفُتُوَّةِ، تُرِيدُ أَنْ تَمُنَّ أَنْتَ عَلَيَّ بِدِرْهَمَيْنِ أَنْفَقْتَهُمَا أَنْتَ عَلَيَّ وَعَلَى أَوْلَادِ أَخِي، ثُمَّ تَطْمَعُ فِي مَمَالِكِهِمْ وَتُهَدِّدُنِي بِقَتْلِهِمْ! .
فَعَادَ الرَّسُولُ وَوَصَلَ ابْنُ الْعَمِيدِ، فَحَجَبَهُ عَنْهُ، وَلَمْ يَسْمَعْ حَدِيثَهُ، وَتَهَدَّدَهُ بِالْهَلَاكِ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: لَأَتْرُكُنَّكَ وَذَلِكَ الْفَاعِلَ، يَعْنِي عَضُدَ الدَّوْلَةِ، تَجْتَهِدَانِ جُهْدَكُمَا، ثُمَّ لَا أَخْرُجُ إِلَيْكُمَا إِلَّا فِي ثَلَاثِمِائَةِ جَمَّازَةٍ وَعَلَيْهَا الرَّجُلُ، ثُمَّ اثْبُتُوا إِنْ شِئْتُمْ، فَوَاللَّهِ لَا قَاتَلْتُكُمَا إِلَّا بِأَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْكُمَا.
وَكَانَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ يَقُولُ: إِنَّنِي أَرَى أَخِي مُعِزَّ الدَّوْلَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي الْمَنَامِ يَعَضُّ عَلَى أَنَامِلِهِ وَيَقُولُ: يَا أَخِي هَكَذَا ضَمِنْتَ لِي أَنْ تَخْلُفَنِي فِي وَلَدِي. وَكَانَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ يُحِبُّ أَخَاهُ مَحَبَّةً شَدِيدَةً لِأَنَّهُ رَبَّاهُ، فَكَانَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ.
ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ سَعَوْا لِابْنِ الْعَمِيدِ، وَتَوَسَّطُوا الْحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا تَحَمَّلَ ابْنُ الْعَمِيدِ هَذِهِ الرِّسَالَةَ لِيَجْعَلَهَا طَرِيقًا لِلْخَلَاصِ مِنْ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَالْوُصُولِ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَ بِمَا تَرَاهُ. فَأَذِنَ لَهُ فِي الْحُضُورِ عِنْدَهُ، فَاجْتَمَعَ بِهِ، وَضَمِنَ لَهُ إِعَادَةَ عَضُدِ الدَّوْلَةِ إِلَى فَارِسَ، وَتَقْرِيرَ بَخْتِيَارَ بِالْعِرَاقِ، فَرَدَّهُ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَعَرَّفَهُ جَلِيَّةَ الْحَالِ.
فَلَمَّا رَأَى عَضُدُ الدَّوْلَةِ انْحِرَافَ الْأُمُورِ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ إِلَى الْمَسِيرِ إِلَى فَارِسَ وَإِعَادَةَ بَخْتِيَارَ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ مَحْبِسِهِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ نَائِبًا عَنْهُ بِالْعِرَاقِ، وَيَخْطُبُ لَهُ، وَيَجْعَلُ أَخَاهُ أَبَا إِسْحَاقَ أَمِيرَ الْجَيْشِ لِضَعْفِ بَخْتِيَارَ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ مَا كَانَ لَهُمْ، وَسَارَ إِلَى فَارِسَ فِي شَوَّالٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَأَمَرَ أَبَا الْفَتْحِ بْنَ الْعَمِيدِ، وَزِيرَ أَبِيهِ، أَنْ يَلْحَقَهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
فَلَمَّا سَارَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ أَقَامَ ابْنُ الْعَمِيدِ عِنْدَ بَخْتِيَارَ مُتَشَاغِلًا بِالذَّاتِ، وَبِمَا هُوَ بَخْتِيَارُ مُغْرًى بِهِ مِنَ اللَّعِبِ، وَاتَّفَقَا بَاطِنًا عَلَى أَنَّهُ إِذَا مَاتَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ سَارَ إِلَيْهِ وَوَزَرَ لَهُ، وَاتَّصَلَ ذَلِكَ بِعَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَكَانَ سَبَبَ هَلَاكِ ابْنِ الْعَمِيدِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
стр. 4063
وَاسْتَقَرَّ بَخْتِيَارُ بِبَغْدَاذَ، وَلَمْ يَقِفْ لِعَضُدِ الدَّوْلَةِ عَلَى الْعُهُودِ. فَلَمَّا ثَبَتَ أَمْرُ بَخْتِيَارَ أَنْفَذَ ابْنَ بَقِيَّةَ مِنْ خَلْفِهِ لَهُ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ، وَأَكَّدَ الْوَحْشَةَ بَيْنَ بَخْتِيَارَ وَعَضُدِ الدَّوْلَةِ، (وَثَارَتِ الْفِتْنَةُ بَعْدَ مَسِيرِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ) ، وَاسْتَمَالَ ابْنُ بَقِيَّةَ الْأَجْنَادَ، وَجَبَى كَثِيرًا مِنَ الْأَمْوَالِ إِلَى خِزَانَتِهِ، وَكَانَ إِذَا طَالَبَهُ بَخْتِيَارُ بِالْمَالِ وَضَعَ الْجُنْدَ عَلَى مُطَالَبَتِهِ، فَثَقُلَ عَلَى بَخْتِيَارٍ فَاسْتَشَارَ فِي مَكْرُوهٍ يُوقِعُهُ بِهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ بَقِيَّةَ، فَعَاتَبَ بَخْتِيَارَ عَلَيْهِ، فَأَنْكَرَهُ وَحَلَفَ لَهُ فَاحْتَرَزَ ابْنُ بَقِيَّةَ مِنْهُ.
ذِكْرُ اضْطِرَابَ كَرْمَانَ عَلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَعَوْدِهَا لَهُ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَالَفَ أَهْلُ كَرْمَانَ عَلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْجُرُومِيَّةِ، وَهِيَ الْبِلَادُ، يُقَالُ لَهُ طَاهِرُ بْنُ الصِّمَّةِ، ضَمِنَ مِنْ عَضُدِ الدَّوْلَةِ ضَمَانَاتٍ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ، فَطَمِعَ فِيهَا، وَكَانَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ قَدْ سَارَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَسَيَّرَ وَزِيرَهُ الْمُطَهِّرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى عُمَانَ لِيَسْتَوْلِيَ عَلَيْهَا، فَخَلَتْ كَرْمَانُ مِنَ الْعَسَاكِرِ، فَجَمَعَ طَاهِرٌ الرِّجَالَ الْجُرُومِيَّةَ وَغَيْرَهُمْ، فَاجْتَمَعَ لَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
وَاتُّفِقَ أَنَّ بَعْضَ الْأَتْرَاكِ السَّامَانِيَّةِ، اسْمُهُ يُوزْتَمَرُ، كَانَ قَدْ اسْتَوْحَشَ مِنْ أَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سِيمْجُورَ، صَاحِبِ جَيْشِ خُرَاسَانَ لِلسَّامَانِيَّةِ، فَكَاتَبَهُ طَاهِرٌ، وَأَطْمَعَهُ فِي أَعْمَالِ كَرْمَانَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، وَاتَّفَقَا، وَكَانَ يُوزْتَمَرُ هُوَ الْأَمِيرَ، فَاتُّفِقَ أَنَّ الرِّجَالَ الْجُرُومِيَّةَ شَغَبُوا عَلَى يُوزْتَمَرَ، فَظَنَّ أَنَّ طَاهِرًا وَضَعَهُمْ، فَاخْتَلَفَا وَاقْتَتَلَا، فَظَفِرَ يُوزْتَمَرُ بِطَاهِرٍ وَأَسَرَهُ، وَظَفِرَ بِأَصْحَابِهِ.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ إِلْيَاسَ، وَهُوَ بِخُرَاسَانَ، فَطَمِعَ فِي الْبِلَادِ، فَجَمَعَ جَمْعًا وَسَارَ إِلَيْهَا، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ بِهَا جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ. ثُمَّ إِنَّ الْمُطَهِّرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اسْتَوْلَى عَلَى عُمَانَ وَجِبَالِهَا، وَأَوْقَعَ بِالشُّرَاةِ فِيهَا وَعَادَ، فَوَصَلَهُ كِتَابُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ مِنْ بَغْدَاذَ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى كَرْمَانَ، فَسَارَ إِلَيْهَا مُجِدًّا، وَأَوْقَعَ فِي طَرِيقِهِ بِأَهْلِ الْعَيْثِ وَالْفَسَادِ، وَقَتَلَهُمْ وَصَلَبَهُمْ، (وَمَثَّلَ بِهِمْ، وَوَصَلَ إِلَى يُوزْتَمَرَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْهُ، فَاقْتَتَلُوا بِنَوَاحِي مَدِينَةِ
стр. 4064
بَمَّ، فَانْهَزَمَ يُوزْتَمَرُ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ وَحَصَرَهُ الْمُطَهِّرُ فِي حِصْنٍ فِي وَسَطِ الْمَدِينَةِ، فَطَلَبَ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ طَاهِرٌ فَأَمَرَ الْمُطَهِّرَ بِطَاهِرٍ فَشُهِرَ، ثُمَّ ضُرِبَ عُنُقُهُ.
وَأَمَّا يُوزْتَمَرُ فَإِنَّهُ رَفَعَهُ إِلَى الْقِلَاعِ، فَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ، وَسَارَ الْمُطَهِّرُ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ إِلْيَاسَ، فَرَأَى كَثْرَةَ مَنْ مَعَهُ، فَخَافَ جَانِبَهُمْ، وَلَمْ يَجِدْ مِنَ اللِّقَاءِ بُدًّا، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الْحُسَيْنُ عَلَى بَابِ جِيرُفْتَ، وَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ فَمَنَعَهُمْ سُورُ الْمَدِينَةِ مِنَ الْهَرَبِ، فَكَثُرَ فِيهِمُ الْقَتْلُ، وَأُخِذَ الْحُسَيْنُ أَسِيرًا، وَأُحْضِرَ عِنْدَ الْمُطَهِّرِ، فَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ بَعْدُ خَبَرٌ، وَصَلُحَتْ كَرْمَانُ لِعَضُدِ الدَّوْلَةِ.
ذِكْرُ وِلَايَةِ الْفَتْكِينِ دِمَشْقَ وَمَاكَانَ مِنْهُ إِلَى أَنْ مَاتَ
قَدْ ذَكَرْنَا مَا كَانَ مِنِ انْهِزَامِ الْفَتْكِينِ التُّرْكِيِّ، مَوْلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهٍ، مِنْ مَوْلَاهُ بَخْتِيَارَ بْنِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَمِنْ عَضُدِ الدَّوْلَةِ فِي فِتْنَةِ الْأَتْرَاكِ بِالْعِرَاقِ، فَلَمَّا انْهَزَمَ مِنْهُمْ سَارَ فِي طَائِفَةٍ صَالِحَةٍ مِنَ الْجُنْدِ التُّرْكِ، فَوَصَلَ إِلَى حِمْصَ، فَنَزَلَ بِالْقُرْبِ مِنْهَا، فَقَصَدَهُ ظَالِمُ بْنُ مَوْهُوبٍ الْعُقَيْلِيُّ الَّذِي كَانَ أَمِيرَ دِمَشْقَ لِلْمُعِزِّ لِدِينِ اللَّهِ لِيَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ أَخْذِهِ، فَعَادَ عَنْهُ وَسَارَ الْفَتْكِينُ إِلَى دِمَشْقَ فَنَزَلَ بِظَاهِرِهَا.
وَكَانَ أَمِيرُهَا حِينَئِذٍ رَيَّانَ الْخَادِمَ لِلْمُعِزِّ، وَكَانَ الْأَحْدَاثُ قَدْ غَلَبُوا عَلَيْهَا، وَلَيْسَ لِلْأَعْيَانِ مَعَهُمْ حُكْمٌ، وَلَا لِلسَّلْطَنَةِ عَلَيْهِمْ طَاعَةٌ، فَلَمَّا نَزَلَ خَرَجَ أَشْرَافُهَا وَشُيُوخُهَا إِلَيْهِ، وَأَظْهَرُوا لَهُ السُّرُورَ بِقُدُومِهِ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُمْ، وَيَمْلِكَ بَلَدَهُمْ، وَيُزِيلَ عَنْهُمْ سِمَةَ الْمِصْرِيِّينَ، فَإِنَّهُمْ يَكْرَهُونَهَا بِمُخَالَفَةِ الِاعْتِقَادِ، وَلِظُلْمِ عُمَّالِهِمْ، وَيَكُفُّ عَنْهُمْ شَرَّ الْأَحْدَاثِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَاسْتَخْلَفَهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْمُسَاعَدَةِ، وَحَلَفَ لَهُمْ عَلَى الْحِمَايَةِ وَكَفَّ الْأَذَى عَنْهُمْ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَدَخَلَ الْبَلَدَ، وَأَخْرَجَ عَنْهُ رَيَّانَ الْخَادِمَ، وَقَطَعَ خُطْبَةَ الْمُعِزِّ، وَخَطَبَ لِلطَّائِعِ لِلَّهِ فِي شَعْبَانَ، وَقَمَعَ أَهْلَ الْعَيْثِ وَالْفَسَادِ، وَهَابَهُ النَّاسُ كَافَّةً، وَأَصْلَحَ كَثِيرًا مِنْ أُمُورِهِمْ.
فَكَانَتِ الْعَرَبُ قَدِ اسْتَوْلَتْ عَلَى سَوَادِ الْبَلَدِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ، فَقَصَدَهُمْ، وَأَوْقَعَ بِهِمْ،
стр. 4065
وَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْهُمْ، وَأَبَانَ عَنْ شَجَاعَةٍ، وَقُوَّةِ نَفْسٍ، وَحُسْنِ تَدْبِيرٍ، فَأَذْعَنُوا لَهُ وَأُقْطِعَ الْبِلَادَ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَتَوَفَّرَتْ أَمْوَالُهُ، وَثَبَتَ قَدَمُهُ.
وَكَاتَبَ الْمُعِزَّ بِمِصْرَ يُدَارِيهِ، وَيُظْهِرُ لَهُ الِانْقِيَادَ، فَشَكَرَهُ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُحْضِرَهُ عِنْدَهُ لِيَخْلَعَ عَلَيْهِ، وَيُعِيدَهُ وَالِيًا مِنْ جَانِبِهِ، فَلَمْ يَثِقْ بِهِ، وَامْتَنَعَ (مِنَ الْمَسِيرِ) فَتَجَهَّزَ الْمُعِزُّ وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ لِقَصْدِهِ، فَمَرِضَ وَمَاتَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَوُلِّيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْعَزِيزُ بِاللَّهِ، فَأَمِنَ الْفَتْكِينَ بِمَوْتِهِ جِهَةَ مِصْرَ، فَقَصَدَ بِلَادَ الْعَزِيزِ الَّتِي بِسَاحِلِ الشَّامِ، فَعَمَدَ إِلَى صَيْدَا فَحَصَرَهَا وَبِهَا ابْنُ الشَّيْخِ، وَمَعَهُ رُءُوسُ الْمَغَارِبَةِ، وَمَعَهُمْ ظَالِمُ بْنُ مَوْهُوبٍ الْعُقَيْلِيُّ، فَقَاتَلَهُمْ وَكَانُوا فِي كَثْرَةٍ، فَطَمِعُوا فِيهِ وَخَرَجُوا إِلَيْهِ، فَاسْتَجَرَّهُمْ حَتَّى أُبْعِدُوا، ثُمَّ عَادَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ نَحْوَ أَرْبَعَةِ آلَافِ قَتِيلٍ.
وَطَمِعَ فِي أَخْذِ عَكَّا، فَتَوَجَّهَ إِلَيْهَا، وَقَصَدَ طَبَرِيَةَ، فِيهَا مِنَ الْقَتْلِ وَالنَّهْبِ مِثْلَ صَيْدَا، وَعَادَ إِلَى دِمَشْقَ.
فَلَمَّا سَمِعَ الْعَزِيزُ بِذَلِكَ اسْتَشَارَ وَزِيرَهُ يَعْقُوبَ بْنَ كِلِّسٍ فِيمَا يَفْعَلُ، فَأَشَارَ بِإِرْسَالِ جَوْهَرٍ فِي الْعَسَاكِرِ إِلَى الشَّامِ، فَجَهَّزَهُ وَسَيَّرَهُ. فَلَمَّا سَمِعَ الْفَتْكِينُ بِمَسِيرِهِ جَمَعَ أَهْلَ دِمَشْقَ وَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّنِي مَا وَلِيتُ أَمْرَكُمْ إِلَّا عَنْ رِضًى مِنْكُمْ، وَطَلَبٍ مِنْ كَبِيرِكُمْ وَصَغِيرِكُمْ لِي، وَإِنَّمَا كُنْتُ مُجْتَازًا وَقَدْ أَظَلَّكُمْ هَذَا الْأَمْرُ، وَأَنَا سَائِرٌ عَنْكُمْ لِئَلَّا يَنَالَكُمْ أَذًى بِسَبَبِي. فَقَالُوا: لَا نُمَكِّنُكَ مِنْ فِرَاقِنَا، وَنَحْنُ نَبْذُلُ الْأَنْفُسَ وَالْأَمْوَالَ فِي هَوَاكَ، وَنَنْصُرُكَ، وَنَقُومُ مَعَكَ، فَاسْتَحْلَفَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَحَلَفُوا لَهُ، فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ. فَوَصَلَ جَوْهَرٌ إِلَى الْبَلَدِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَحَصَرَهُ، فَرَأَى مِنْ قِتَالِ الْفَتْكِينِ وَمَنْ مَعَهُ مَا اسْتَعْظَمَهُ، وَدَامَتِ الْحَرْبُ شَهْرَيْنِ، قُتِلَ فِيهَا عَدَدٌ كَثِيرٌ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ.
فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ دِمَشْقَ طُولَ مُقَامِ الْمَغَارِبَةِ عَلَيْهِمْ أَشَارُوا عَلَى الْفَتْكِينِ بِمُكَاتَبَةِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْقَرْمَطِيِّ، وَاسْتِنْجَادِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَسَارَ الْقَرْمَطِيُّ إِلَيْهِ مِنَ الْأَحْسَاءِ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ رَحَلَ جَوْهَرٌ عَنْ دِمَشْقَ، خَوْفًا أَنْ يَبْقَى بَيْنَ عَدُوَّيْنِ، وَكَانَ مُقَامُهُ عَلَيْهَا سَبْعَةَ
стр. 4066
أَشْهُرٍ، وَوَصَلَ الْقَرْمَطِيُّ وَاجْتَمَعَ هُوَ وَالْفَتْكِينُ، وَسَارَا فِي أَثَرِ جَوْهَرٍ، فَأَدْرَكَاهُ وَقَدْ نَزَلَ بِظَاهِرِ الرَّمْلَةِ، وَسَيَّرَ أَثْقَالَهُ إِلَى عَسْقَلَانَ، فَاقْتَتَلُوا، فَكَانَ جَمْعُ الْفَتْكِينِ وَالْقَرْمَطِيِّ كَثِيرًا مِنْ رِجَالِ الشَّامِ وَالْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، فَكَانُوا نَحْوَ خَمْسِينَ أَلْفَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، فَنَزَلُوا عَلَى نَهْرِ الطَّوَاحِينِ، عَلَى ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ مِنَ الْبَلَدِ، وَمِنْهُ مَاءُ أَهْلِ الْبَلَدِ، فَقَطَعُوهُ عَنْهُمْ، فَاحْتَاجَ جَوْهَرٌ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى مَاءِ الْمَطَرِ فِي الصَّهَارِيجِ وَهُوَ قَلِيلٌ لَا يَقُومُ بِهِمْ، فَرَحَلَ إِلَى عَسْقَلَانَ، وَتَبِعَهُ الْفَتْكِينُ وَالْقَرْمَطِيُّ فَحَصَرَاهُ بِهَا، وَطَالَ الْحِصَارُ فَقَلَّتِ الْمِيرَةُ، وَعُدِمَتِ الْأَقْوَاتُ، وَكَانَ الزَّمَانُ شِتَاءً، فَلَمْ يُمْكِنْ حَمْلُ الذَّخَائِرِ فِي الْبَحْرِ مِنْ مِصْرَ وَغَيْرِهَا، فَاضْطَرُّوا إِلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَبَلَغَ الْخُبْزُ كُلُّ خَمْسَةِ أَرْطَالٍ، بِالشَّامِيِّ، بِدِينَارٍ مِصْرِيٍّ.
وَكَانَ جَوْهَرٌ يُرَاسِلُ الْفَتْكِينَ، وَيَدْعُوهُ إِلَى الْمُوَافَقَةِ وَالطَّاعَةِ، وَيَبْذُلُ لَهُ الْبُذُولَ الْكَثِيرَةَ، فَيَهِمُّ أَنْ يَفْعَلَ، فَيَمْنَعُهُ الْقَرْمَطِيُّ وَيُخَوِّفُهُ مِنْهُ، فَزَادَتِ الشِّدَّةُ عَلَى جَوْهَرٍ وَمَنْ مَعَهُ، فَعَايَنُوا الْهَلَاكَ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْفَتْكِينِ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَجْتَمِعَ بِهِ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ وَاجْتَمَعَا رَاكِبِينَ. فَقَالَ لَهُ جَوْهَرٌ: قَدْ عَرَفْتُ مَا يَجْمَعُنَا مِنْ عِصْمَةِ الْإِسْلَامِ وَحُرْمَةِ الدِّينِ، وَقَدْ طَالَتْ هَذِهِ الْفِتْنَةُ، وَأُرِيقَتْ فِيهَا الدِّمَاءُ وَنُهِبَتِ الْأَمْوَالُ، وَنَحْنُ الْمُؤَاخَذُونَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ دَعَوْتُكَ إِلَى الصُّلْحِ وَالطَّاعَةِ وَالْمُوَافَقَةِ، وَبَذَلْتُ لَكَ الرَّغَائِبَ، فَأَبَيْتَ إِلَّا الْقَبُولَ مِمَّنْ يُشِبُّ (نَارَ الْفِتْنَةِ) فَرَاقِبِ اللَّهَ تَعَالَى، وَرَاجِعْ نَفْسَكَ، وَغَلِّبْ رَأْيَكَ عَلَى هَوَى غَيْرِكَ.
فَقَالَ الْفَتْكِينُ: أَنَا وَاللَّهِ وَاثِقٌ بِكَ (فِي صِحَّةِ) الرَّأْيِ وَالْمَشُورَةِ مِنْكَ، لَكِنِّي غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ بِسَبَبِ الْقَرْمَطِيِّ الَّذِي أَحْوَجَتْنِي أَنْتَ إِلَى مُدَارَاتِهِ وَالْقَبُولِ مِنْهُ.
فَقَالَ جَوْهَرٌ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرْتَ فَإِنَّنِي أُصْدِقُكَ الْحَالَ تَعْوِيلًا عَلَى أَمَانَتِكَ، وَمَا أَجِدُهُ مِنَ الْفُتُوَّةِ عِنْدَكَ، وَقَدْ ضَاقَ الْأَمْرُ بِنَا، وَأُرِيدُ أَنْ تَمُنَّ عَلَيَّ بِنَفْسِي وَبِمَنْ مَعِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَذُمَّ لَنَا، وَأَعُودُ إِلَى صَاحِبِي شَاكِرًا لَكَ وَتَكُونُ قَدْ جَمَعْتَ بَيْنَ حَقْنِ الدِّمَاءِ وَاصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ.
فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَحَلَفَ لَهُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ، وَعَادَ وَاجْتَمَعَ بِالْقَرْمَطِيِّ وَعَرَّفَهُ الْحَالَ (فَقَالَ: لَقَدْ أَخْطَأْتَ) فَإِنَّ جَوْهَرًا لَهُ رَأْيٌ وَحَزْمٌ وَمَكِيدَةٌ، وَسَيَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهِ فَيَحْمِلُهُ
стр. 4067
عَلَى قَصْدِنَا بِمَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، وَالصَّوَابُ أَنْ تَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ لِيَمُوتُوا جَوْعًا، وَنَأْخُذُهُمْ بِالسَّيْفِ، فَامْتَنَعَ الْفَتْكِينُ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: لَا أَغْدِرُ بِهِ، وَأَذِنَ لِجَوْهَرٍ وَلِمَنْ مَعَهُ بِالسَّيْرِ إِلَى مِصْرَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، وَاجْتَمَعَ بِالْعَزِيزِ، وَشَرَحَ لَهُ الْحَالَ وَقَالَ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُهُمْ فَاخْرُجْ إِلَيْهِمْ بِنَفْسِكَ، وَإِلَّا فَهَمَّ وَاصِلُونَ عَلَى أَثَرِي، فَبَرَزَ الْعَزِيزُ، وَفَرَّقَ الْأَمْوَالَ، وَجَمَعَ الرِّجَالَ، وَسَارَ وَجَوْهَرٌ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ.
وَوَرَدَ الْخَبَرُ إِلَى الْفَتْكِينِ وَالْقَرْمَطِيِّ فَعَادَا إِلَى الرَّمْلَةِ، وَجَمَعَا الْعَرَبَ وَغَيْرَهَا، وَحَشَدَا، وَوَصَلَ الْعَزِيزُ فَنَزَلَ بِظَاهِرِ الرَّمْلَةِ، وَنَزَلَا بِالْقُرْبِ مِنْهُ، ثُمَّ اصْطَفَوْا لِلْحَرْبِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَرَأَى الْعَزِيزُ مِنْ شَجَاعَةِ الْفَتْكِينِ مَا أَعْجَبَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ (فِي تِلْكَ الْحَالِ) يَدْعُوهُ إِلَى طَاعَتِهِ، وَيَبْذُلُ لَهُ الرَّغَائِبَ وَالْوِلَايَاتِ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ مُقَدِّمَ عَسْكَرِهِ، وَالْمَرْجُوعَ إِلَيْهِ فِي دَوْلَتِهِ، وَيَطْلُبُ أَنْ يَحْضُرَ عِنْدَهُ وَيَسْمَعَ قَوْلَهُ، فَتَرَجَّلَ وَقَبَّلَ الْأَرْضَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، وَقَالَ لِلرَّسُولِ: قُلْ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ: لَوْ قَدَّمَ هَذَا الْقَوْلَ لَسَارَعْتُ وَأَطَعْتُ، وَأَمَّا الْآنَ فَلَا يُمْكِنُ إِلَّا مَا تَرَى. (وَحُمِلَ عَلَى الْمَسِيرَةِ) فَهَزَمَهَا، وَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْهَا فَلَمَّا رَأَى الْعَزِيزُ ذَلِكَ حُمِلَ مِنَ الْقَلْبِ، وَأَمَرَ الْمَيْمَنَةَ (فَحُمِلَتْ، فَانْهَزَمَ الْقَرْمَطِيُّ وَالْفَتْكِينُ وَمَنْ مَعَهُمَا، وَوَضَعَ الْمَغَارِبَةُ السَّيْفَ، فَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ، وَقَتَلُوا نَحْوَ عِشْرِينَ أَلْفًا.
وَنَزَلَ الْعَزِيزُ فِي خِيَامِهِ، وَجَاءَهُ النَّاسُ بِالْأَسْرَى، فَكُلُّ مَنْ أَتَاهُ بِأَسِيرٍ خَلَعَ عَلَيْهِ، وَبَذَلَ لِمَنْ أَتَاهُ بِالْفَتْكِينِ أَسِيرًا مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، (وَكَانَ الْفَتْكِينُ) قَدْ مَضَى مُنْهَزِمًا فَكَظَّهُ الْعَطَشُ، فَلَقِيَهُ الْمُفَرِّجُ بْنُ دَغْفَلٍ الطَّائِيُّ وَكَانَ بَيْنَهُمَا أُنْسٌ قَدِيمٌ، فَطَلَبَ مِنْهُ الْفَتْكِينُ مَاءً، فَسَقَاهُ، وَأَخَذَهُ مَعَهُ إِلَى بَيْتِهِ فَأَنْزَلَهُ وَأَكْرَمَهُ، وَسَارَ إِلَى الْعَزِيزِ بِاللَّهِ فَأَعْلَمَهُ بِأَسْرِ الْفَتْكِينِ، وَطَلَبَ مِنْهُ الْمَالَ، فَأَعْطَاهُ مَا ضَمِنَهُ، وَسَيَّرَ مَعَهُ مَنْ تَسَلَّمَ الْفَتْكِينُ مِنْهُ، فَلَمَّا وَصَلَ الْفَتْكِينُ إِلَى الْعَزِيزِ لَمْ يَشُكَّ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ لِوَقْتِهِ، فَرَأَى مِنْ إِكْرَامِ الْعَزِيزِ لَهُ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ مَا أَعْجَزَهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِالْخِيَامِ فَنُصِبَتْ، وَأَعَادَ إِلَيْهِ جَمِيعَ (مَنْ كَانَ يَخْدِمُهُ) ، فَلَمْ يَفْقِدْ مِنْ حَالِهِ شَيْئًا، وَحَمَلَ إِلَيْهِ مِنَ التُّحَفِ وَالْأَمْوَالِ مَا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، وَأَخَذَهُ مَعَهُ إِلَى مِصْرَ وَجَعَلَهُ مَنْ أَخَصِّ خَدَمِهِ وَحُجَّابِهِ.
стр. 4068
وَأَمَّا الْحَسَنُ الْقَرْمَطِيُّ فَإِنَّهُ وَصَلَ مُنْهَزِمًا إِلَى طَبَرِيَةَ، فَأَدْرَكَهُ رَسُولُ الْعَزِيزِ يَدْعُوهُ إِلَى الْعَوْدِ إِلَيْهِ لِيُحْسِنَ إِلَيْهِ، وَيَفْعَلَ أَكْثَرَ مِمَّا فَعَلَ مَعَ الْفَتْكِينِ، فَلَمْ يَرْجِعْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْعَزِيزُ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَجَعَلَهَا كُلَّ سَنَةٍ، فَكَانَ يُرْسِلُهَا إِلَيْهِ، وَعَادَ إِلَى الْأَحْسَاءِ.
وَلَمَّا عَادَ الْعَزِيزُ إِلَى مِصْرَ أَنْزَلَ الْفَتْكِينُ عِنْدَهُ قَصْرَهُ، وَزَادَ أَمْرُهُ، وَتَحَكَّمَ، فَتَكَبَّرَ عَلَى وَزِيرِهِ يَعْقُوبَ بْنِ كِلِّسٍ، وَتَرَكَ الرُّكُوبَ إِلَيْهِ، فَصَارَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ مُتَأَكِّدَةٌ، فَوَضَعَ عَلَيْهِ مَنْ سَقَاهُ سُمًّا فَمَاتَ، فَحَزِنَ عَلَيْهِ الْعَزِيزُ وَاتَّهَمَ الْوَزِيرَ فَحَبَسَهُ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَأَخَذَ مِنْهُ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، ثُمَّ وَقَفَتْ أُمُورُ دَوْلَةِ الْعَزِيزِ بِاعْتِزَالِ الْوَزِيرِ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَأَعَادَهُ إِلَى وِزَارَتِهِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْحَجَّاجُ إِلَى سُمَيْرَاءَ فَرَأَوْا هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ بِهَا، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِأَنْ يُرَى الْهِلَالُ بَعْدَهُ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَبَلَغَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الْمَاءَ إِلَى غَمْرَةَ، وَهُوَ بِهَا أَيْضًا قَلِيلٌ، وَبَيْنَهُمَا نَحْوُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، فَغَدَوْا إِلَى الْمَدِينَةِ فَوَقَفُوا بِهَا وَعَادُوا، فَكَانُوا أَوَّلَ الْمُحَرَّمِ فِي الْكُوفَةِ.
وَفِيهَا ظَهَرَ بِإِفْرِيقِيَّةَ كَوْكَبٌ عَظِيمٌ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ، وَلَهُ ذُؤَابَةٌ وَضَوْءٌ عَظِيمٌ، فَبَقِيَ يَطْلُعُ كَذَلِكَ نَحْوًا مِنْ شَهْرٍ ثُمَّ غَابَ فَلَمْ يُرَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ أَبِي مُوسَى الْمُخَرِّمِيُّ الصُّوفِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ، وَكَانَ قَدْ صَحِبَ أَبَا عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيَّ وَطَبَقَتَهُ وَغَيْرَهُ.
стр. 4069
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣٦٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمُعِزِّ لِدِينِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ الْعَزِيزِ بِاللَّهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمُعِزُّ لِدِينِ اللَّهِ أَبُو تَمِيمٍ مَعَدُّ بْنُ الْمَنْصُورِ بِاللَّهِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي الْقَاسِمِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَهْدِيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ الْحُسَيْنِيِّ بِمِصْرَ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ، وَكَانَ مَوْتُهُ سَابِعَ عَشَرَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَوُلِدَ بِالْمَهْدِيَّةِ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ حَادِيَ عَشَرَ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَعُمْرُهُ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ تَقْرِيبًا.
وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّ مَلِكَ الرُّومِ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا كَانَ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ بِإِفْرِيقِيَّةَ، فَخَلَا بِهِ بَعْضَ الْأَيَّامِ، فَقَالَ لَهُ الْمُعِزُّ: أَتَذْكُرُ إِذْ أَتَيْتَنِي رَسُولًا، وَأَنَا بِالْمَهْدِيَّةِ، فَقُلْتُ لَكَ: لَتَدْخُلَنَّ عَلَيَّ وَأَنَا بِمِصْرَ مَالِكًا لَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ! قَالَ: وَأَنَا أَقُولُ لَكَ: لَتَدْخُلَنَّ عَلَيَّ بِبَغْدَاذَ وَأَنَا خَلِيفَةٌ.
стр. 4070
فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ: إِنْ أَمَّنْتَنِي عَلَى نَفْسِي، وَلَمْ تَغْضَبْ، قُلْتُ لَكَ مَا عِنْدِي. قَالَ لَهُ الْمُعِزُّ: قُلْ وَأَنْتَ آمِنٌ، قَالَ: بَعَثَنِي إِلَيْكَ الْمَلِكُ ذَلِكَ الْعَامَ، فَرَأَيْتُ مِنْ عَظَمَتِكَ فِي عَيْنِي وَكَثْرَةِ أَصْحَابِكَ مَا كِدْتُ أَمُوتُ مِنْهُ، وَوَصَلْتُ إِلَى قَصْرِكَ، فَرَأَيْتُ عَلَيْهِ نُورًا عَظِيمًا غَطَّى بَصَرِي، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَيْكَ، فَرَأَيْتُكَ عَلَى سَرِيرِكَ، فَظَنَنْتُكَ خَالِقًا، فَلَوْ قُلْتَ لِي إِنَّكَ تَعْرُجُ إِلَى السَّمَاءِ لَتَحَقَّقْتُ ذَلِكَ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَيْكَ الْآنَ، فَمَا رَأَيْتُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، أَشْرَفْتُ عَلَى مَدِينَتِكَ، فَكَانَتْ فِي عَيْنِي سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَيْكَ، فَمَا وَجَدْتُ مِنَ الْمَهَابَةِ مَا وَجَدْتُهُ ذَلِكَ الْعَامَ، فَقُلْتُ إِنَّ ذَلِكَ كَانَ أَمْرًا مُقْبِلًا، وَإِنَّهُ الْآنَ بِضِدِّ مَا كَانَ عَلَيْهِ.
فَأَطْرَقَ الْمُعِزُّ وَخَرَجَ الرَّسُولُ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَخَذَتِ الْمُعِزَّ الْحُمَّى لِشِدَّةِ مَا وَجَدَ، وَاتَّصَلَ مَرَضُهُ حَتَّى مَاتَ.
وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ، مِنْهَا: مُقَامُهُ بِمِصْرَ، وَالْبَاقِي بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَهُوَ أَوَّلُ الْخُلَفَاءِ الْعَلَوِيِّينَ مَلَكَ مِصْرَ وَخَرَجَ إِلَيْهَا، وَكَانَ مُغْرًى بِالنُّجُومِ، وَيَعْمَلُ بِأَقْوَالِ الْمُنَجِّمِينَ. قَالَ لَهُ مُنَجِّمُهُ: إِنَّ عَلَيْهِ قَطْعًا فِي وَقْتِ كَذَا، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِعَمَلِ سِرْدَابٍ يَخْتَفِي فِيهِ إِلَى أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ الْوَقْتُ، فَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ وَأَحْضَرَ قُوَّادَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ عَهْدًا أَنَا مَاضٍ إِلَيْهِ، وَقَدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمُ ابْنِي نِزَارًا، يَعْنِي الْعَزِيزَ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا.
وَنَزَلَ السِّرْدَابَ، فَكَانَ أَحَدُ الْمَغَارِبَةِ إِذَا رَأَى سَحَابًا نَزَلَ وَأَوْمَأَ بِالسَّلَامِ إِلَيْهِ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الْمُعِزَّ فِيهِ. فَغَابَ سَنَةً ثُمَّ ظَهَرَ، وَبَقِيَ مُدَيْدَةً، وَمَرِضَ وَتُوُفِّيَ، فَسَتَرَ ابْنُهُ الْعَزِيزُ مَوْتَهُ إِلَى عِيدِ النَّحْرِ مِنَ السَّنَةِ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ وَخَطَبَهُمْ، وَدَعَا لِنَفْسِهِ، وَعَزَّى بِأَبِيهِ.
وَكَانَ الْمُعِزُّ عَالِمًا، فَاضِلًا، جَوَّادًا شُجَاعًا، جَارِيًا عَلَى مِنْهَاجِ أَبِيهِ مِنْ حُسْنِ السِّيرَةِ، وَإِنْصَافِ الرَّعِيَّةِ، وَسَتْرِ مَا يَدْعُونَ إِلَيْهِ، إِلَّا عَنِ الْخَاصَّةِ، ثُمَّ أَظْهَرُهُ، وَأَمَرَ الدُّعَاةَ بِإِظْهَارِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ فِيهِ إِلَى حَدٍّ يُذَمُّ بِهِ.
وَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْعَزِيزُ فِي الْمُلْكِ أَطَاعَهُ الْعَسْكَرُ وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَكَانَ هُوَ يُدَبِّرُ الْأُمُورَ مُنْذُ مَاتَ أَبُوهُ إِلَى أَنْ أَظْهَرَهُ، ثُمَّ سَيَّرَ إِلَى الْغَرْبِ دَنَانِيرَ عَلَيْهَا اسْمُهُ، فُرِّقَتْ فِي النَّاسِ، وَأَقَرَّ يُوسُفُ بُلُكِّينُ عَلَى وِلَايَةِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَأَضَافَ إِلَيْهِ مَا كَانَ أَبُوهُ اسْتَعْمِلْ عَلَيْهِ غَيْرَ يُوسُفَ، وَهِيَ
стр. 4071
طَرَابُلُسَ، وَسُرْتُ، وَأَجْدَابِيَّةَ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا يُوسُفُ عُمَّالَهُ، وَعَظُمَ حِينَئِذٍ، وَأَمِنَ نَاحِيَةَ الْعَزِيزِ، وَاسْتَبَدَّ بِالْمُلْكِ، وَكَانَ يُظْهِرُ الطَّاعَةَ مُجَامَلَةً، وَمُرَاقَبَةً لَا طَائِلَ وَرَاءَهَا.
ذِكْرُ حَرْبِ يُوسُفَ بُلُكِّينَ مَعَ زَنَاتَةَ وَغَيْرِهَا بِإِفْرِيقِيَّةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَمَعَ خَزَرُونُ بْنُ فَلْفُولِ بْنِ خَزَرٍ الزَّنَاتِيَّ جَمْعًا كَثِيرًا، وَسَارَ إِلَى (سِجِلْمَاسَةَ، فَلَقِيَهُ صَاحِبُهَا فِي رَمَضَانَ فَقَتَلَهُ خَزَرُونُ وَمَلِكَ) سِجِلْمَاسَةَ، وَأَخَذَ مِنْهَا، مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْعُدَدِ، شَيْئًا كَثِيرًا وَبَعَثَ بِرَأْسِ صَاحِبِهَا إِلَى الْأَنْدَلُسِ، وَعَظُمَ شَأْنُ زَنَاتَةَ، وَاشْتَدَّ مُلْكُهَا.
وَكَانَ بُلُكِّينُ عِنْدَ سَبْتَةَ، وَكَانَ قَدْ رَحَلَ إِلَى فَاسَ وَسِجِلْمَاسَةَ وَأَرْضِ الْهَبْطِ، وَمَلَكَهُ كُلَّهُ وَطَرَدَ عَنْهُ عُمَّالَ بَنِي أُمَيَّةَ وَهَرَبَتْ زَنَاتَةُ مِنْهُ، فَلَجَأَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى سَبْتَةَ، وَهِيَ لِلْأُمَوِيِّ صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ فِي طَرِيقِهِ شِعَارِي مُشْتَبِكَةً، وَلَا تَسْلُكُ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهَا وَإِحْرَاقِهَا، فَقُطِعَتْ وَأُحْرِقَتْ حَتَّى صَارَتْ لِلْعَسْكَرِ طَرِيقًا.
ثُمَّ مَضَى بِنَفْسِهِ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى سَبْتَةَ مِنْ جَبَلٍ مُطِلٍّ عَلَيْهَا، فَوَقَفَ نِصْفَ نَهَارٍ لِيَنْظُرَ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ يُحَاصِرُهَا وَيُقَاتِلُهَا، فَرَأَى أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ إِلَّا بِأُسْطُولٍ، فَخَافَهُ أَهْلُهَا خَوْفًا عَظِيمًا، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهَا نَحْوَ الْبَصْرَةِ، وَهِيَ مَدِينَةٌ حَسَنَةٌ تُسَمَّى بُصْرَةَ فِي الْمَغْرِبِ، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِهِ زَنَاتَةُ رَحَلُوا إِلَى أَقَاصِي الْغَرْبِ فِي الرِّمَالِ وَالصَّحَارَى هَارِبِينَ مِنْهُ فَدَخَلَ يُوسُفَ الْبَصْرَةَ، وَكَانَ قَدْ عَمَّرَهَا صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ عِمَارَةً عَظِيمَةً، فَأَمَرَ بِهَدْمِهَا وَنَهْبِهَا، وَرَحَلَ إِلَى بَلَدِ بِرْغَوَاطَةَ.
وَكَانَ مَلِكُهُمْ عَبْسُ بْنُ أُمِّ الْأَنْصَارِ وَكَانَ مُشَعْبِذًا، سَاحِرًا وَادَّعَى النُّبُوَّةَ، فَأَطَاعُوهُ فِي كُلِّ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَجَعَلَ لَهُمْ شَرِيعَةً، فَغَزَاهُ بُلُكِّينُ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ عَظِيمَةٌ لَا تُوصَفُ كَانَ الظَّفَرُ فِي آخِرِهَا لِبُلُكِّينَ، وَقَتَلَ اللَّهُ عَبْسَ بْنَ أُمِّ الْأَنْصَارِ، وَهَزَمَ عَسَاكِرَهُ، وَقُتِلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَسَبَى مِنْ نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ مَا لَا يُحْصَى، وَسَيَّرَهُ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، (فَقَالَ أَهْلُ
стр. 4072
إِفْرِيقِيَّةَ) : إِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ إِلَيْهِمْ مِنَ السَّبْيِ مِثْلُهُ قَطُّ، وَأَقَامَ يُوسُفُ بُلُكِّينُ بِتِلْكَ النَّاحِيَةِ قَاهِرًا لِأَهْلِهَا، وَأَهْلُ سَبْتَةَ مِنْهُ خَائِفُونَ، وَزَنَاتَةُ هَارِبُونَ فِي الرِّمَالِ إِلَى سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
ذِكْرُ حَصْرِ كَسَنْتَةَ وَغَيْرِهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ أَمِيرُ صِقِلِّيَّةَ، وَهُوَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ، فِي عَسَاكِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُصْلِحِينَ وَالْعُلَمَاءِ، فَنَازَلَ مَدِينَةَ مَسِّينِي فِي رَمَضَانَ، فَهَرَبَ الْعَدُوُّ عَنْهَا، وَعَدَا الْمُسْلِمُونَ إِلَى كَسَنْتَةَ فَحَصَرُوهَا أَيَّامًا، فَسَأَلَ أَهْلُهَا الْأَمَانَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَيْهِ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ مَالًا، وَرَحَلَ عَنْهَا إِلَى قَلْعَةِ جَلُّوا، فَفَعَلَ كَذَلِكَ بِهَا وَبِغَيْرِهَا، وَأَمَرَ أَخَاهُ الْقَاسِمَ أَنْ يَذْهَبَ بِالْأُسْطُولِ إِلَى نَاحِيَةِ بَرْبُولَةَ وَيَبُثُّ السَّرَايَا فِي جَمِيعِ قِلَّوْرِيَةَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ فَغَنِمَ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَقَتَلَ وَسَبَى، وَعَادَ هُوَ وَأَخُوهُ إِلَى الْمَدِينَةِ.
فَلَمَّا كَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ أَمَرَ أَبُو الْقَاسِمِ بِعِمَارَةِ رَمْطَةَ، وَكَانَتْ قَدْ خَرِبَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَعَاوَدَ الْغَزْوَ وَجَمَعَ الْجُيُوشَ، وَسَارَ فَنَازَلَ قَلْعَةَ إِغَاثَةَ، فَطَلَبَ أَهْلُهَا الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ، وَسَلَّمُوا إِلَيْهِ الْقَلْعَةَ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا وَرَحَلَ إِلَى مَدِينَةِ طَارَنْتَ، فَرَأَى أَهْلَهَا قَدْ هَرَبُوا مِنْهَا وَأَغْلَقُوا أَبْوَابَهَا، فَصَعِدَ النَّاسُ السُّورَ، وَفَتَحُوا الْأَبْوَابَ، وَدَخَلَهَا النَّاسُ، فَأَمَرَ الْأَمِيرُ بِهَدْمِهَا فَهُدِمَتْ وَأُحْرِقَتْ، وَأَرْسَلَ السَّرَايَا فَبَلَغُوا أَذَرَنْتَ وَغَيْرَهَا، وَنَزَلَ هُوَ عَلَى مَدِينَةِ عَرْدَلِيَةَ، فَقَاتَلَهَا، فَبَذَلَ أَهْلُهَا لَهُ مَالًا صَالَحَهُمْ عَلَيْهِ وَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خُطِبَ لِلْعَزِيزِ الْعَلَوِيِّ بِمَكَّةَ، حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى، بَعْدَ أَنْ أَرْسَلَ جَيْشًا
стр. 4073
إِلَيْهَا فَحَصَرُوهَا، وَضَيَّقُوا عَلَى أَهْلِهَا، وَمَنَعُوهُمُ الْمِيرَةَ، فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ بِهَا، وَلَقِيَ أَهْلُهَا شِدَّةً شَدِيدَةً.
وَفِيهَا أَقَامَ بَسِيلُسُ بْنُ أَرْمَانُوسَ مَلِكُ الرُّومِ وَرْدًا، الْمَعْرُوفَ بِسَقْلَارُوسَ، دَمَسْتَقًا، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي الْوِلَايَةِ اسْتَوْحَشَ مِنَ الْمُلْكِ، فَعَصَى عَلَيْهِ، وَاسْتَظْهَرَ بِأَبِي تَغْلِبَ بْنِ حَمْدَانَ، وَصَاهَرَهُ، وَلَبِسَ التَّاجَ وَطَلَبَ الْمُلْكَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عُدَيٍّ الْجُرْجَانِيُّ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَهُوَ إِمَامٌ مَشْهُورٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَدْرٍ الْكَبِيرُ الْحَمَامِيُّ، غُلَامُ ابْنِ طُولُونَ، وَكَانَ قَدْ وَلِيَ فَارِسَ بَعْدَ أَبِيهِ.
وَفِيهَا، فِي ذِي الْقِعْدَةِ، تُوُفِّيَ ثَابِتُ بْنُ سِنَانِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قُرَّةَ الصَّابِيُّ، صَاحِبُ " التَّارِيخِ ".
стр. 4074
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣٦٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ وَفَاةِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ وَمُلْكِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، تُوُفِّيَ رُكْنُ الدِّينِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ بُوَيْهٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى مَمَالِكِهِ ابْنَهُ عَضُدَ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ مَرَضِهِ حِينَ سَمِعَ بِقَبْضِ بَخْتِيَارَ ابْنَ أَخِيهِ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ ابْنُهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ قَدْ عَادَ مِنْ بَغْدَاذَ، بَعْدَ أَنْ أَطْلَقَ بَخْتِيَارَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
وَظَهَرَ عِنْدَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ غَضَبُ وَالِدِهِ عَلَيْهِ، فَخَافَ أَنْ يَمُوتَ أَبُوهُ وَهُوَ عَلَى حَالِ غَضَبِهِ (فَيَخْتَلَّ مُلْكُهُ، وَتَزُولَ طَاعَتُهُ) ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي الْفَتْحِ بْنِ الْعَمِيدِ، وَزِيرِ وَالِدِهِ، يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَتَوَصَّلَ مَعَ أَبِيهِ وَإِحْضَارَهُ عِنْدَهُ، وَأَنْ يَعْهَدَ إِلَيْهِ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ. فَسَعَى أَبُو الْفَتْحِ فِي ذَلِكَ، فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ رُكْنُ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ قَدْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَسَارَ مِنَ الرَّيِّ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَوَصَلَهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَأُحْضِرَ وَلَدُهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ مِنْ فَارِسَ، وَجَمَعَ عِنْدَهُ أَيْضًا سَائِرَ أَوْلَادِهِ بِأَصْبَهَانَ، فَعَمِلَ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ الْعَمِيدِ دَعْوَةً عَظِيمَةً حَضَرَهَا رُكْنُ الدَّوْلَةِ وَأَوْلَادَهُ، وَالْقُوَّادُ وَالْأَجْنَادُ.
فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعَامِ عَهِدَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ إِلَى وَلَدِهِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بِالْمُلْكِ، وَجَعَلَ لِوَلَدِهِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيٍّ هَمَذَانَ وَأَعْمَالَ الْجَبَلِ، وَلِوَلَدِهِ مُؤَيِّدِ الدَّوْلَةِ أَصْبَهَانَ وَأَعْمَالَهُ، وَجَعَلَهُمَا فِي هَذِهِ الْبِلَادِ بِحُكْمِ أَخِيهِمَا عَضُدِ الدَّوْلَةِ. -
وَخَلَعَ (عَضُدُ الدَّوْلَةِ) عَلَى سَائِرِ النَّاسِ، ذَلِكَ الْيَوْمَ، الْأَقْبِيَةَ وَالْأَكْسِيَةَ عَلَى زِيِّ الدَّيْلَمِ، وَحَيَّاهُ الْقُوَّادُ وَإِخْوَتُهُ بِالرَّيْحَانِ عَلَى عَادَتِهِمْ مَعَ مُلُوكِهِمْ، وَأَوْصَى رُكْنُ الدَّوْلَةِ أَوْلَادَهُ بِالِاتِّفَاقِ وَتَرْكِ الِاخْتِلَافِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ.
стр. 4075
ثُمَّ سَارَ عَنْ أَصْبَهَانَ فِي رَجَبٍ نَحْوَ الرَّيِّ، فَدَامَ مَرَضُهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، فَأُصِيبَ بِهِ الدِّينُ وَالدُّنْيَا جَمِيعًا لِاسْتِكْمَالِ جَمِيعِ خِلَالِ الْخَيْرِ فِيهِ، وَكَانَ عُمْرُهُ قَدْ زَادَ عَلَى سَبْعِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ أَرْبَعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً.
ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَتِهِ
كَانَ حَلِيمًا، كَرِيمًا وَاسِعَ الْكَرَمِ، كَثِيرَ الْبَذْلِ، حَسَنَ السِّيَاسَةِ لِرَعَايَاهُ وَجُنْدِهِ، رَءُوفًا بِهِمْ، عَادِلًا فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ، وَكَانَ بَعِيدَ الْهِمَّةِ، عَظِيمَ الْجِدِّ وَالسَّعَادَةِ، مُتَحَرِّجًا مِنَ الظُّلْمِ، مَانِعًا لِأَصْحَابِهِ مِنْهُ، عَفِيفًا عَنِ الدِّمَاءِ، يَرَى حَقْنَهَا وَاجِبًا إِلَّا فِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَكَانَ يُحَامِي عَلَى أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ، وَكَانَ يُجْرِي عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ، وَيَصُونُهُمْ عَنِ التَّبَذُّلِ، وَكَانَ يَقْصِدُ الْمَسَاجِدَ الْجَامِعَةَ، فِي أَشْهُرِ الصِّيَامِ، لِلصَّلَاةِ، وَيَنْتَصِبُ لِرَدِّ الْمَظَالِمِ، وَيَتَعَهَّدُ الْعَلَوِيِّينَ بِالْأَمْوَالِ الْكَثِيرَةِ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْأَمْوَالِ الْجَلِيلَةِ عَلَى ذَوِي الْحَاجَاتِ، وَيَلِينُ جَانِبُهُ لِلْخَاصِّ وَالْعَامِّ.
قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ،، وَذَكَرَ لَهُ شَدَّ مَرْدَاوِيجَ، فَقَالَ: انْظُرُ كَيْفَ اخْتُرِمَ، وَوَثَبَ عَلَيْهِ أَخَصُّ أَصْحَابِهِ بِهِ، وَأَقْرَبُهُمْ مِنْهُ لِعُنْفِهِ وَشِدَّتِهِ، وَكَيْفَ عَمَّرْتُ، وَأَحَبَّنِي النَّاسُ لِلِينِ جَانِبِي.
وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ سَارَ فِي سَفَرٍ، فَنَزَلَ فِي خَرْكَاةٍ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ قَبْلَ أَصْحَابِهِ، وَقُدِّمَ إِلَيْهِ طَعَامٌ، فَقَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: لِأَيٍّ قِيلَ فِي الْمَثَلِ: خَيْرُ الْأَشْيَاءِ فِي الْقَرْيَةِ الْإِمَارَةُ؟ فَقَالَ صَاحِبُهُ: لِقُعُودِكَ فِي الْخَرْكَاةِ، وَهَذَا الطَّعَامُ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَأَنَا لَا خَرْكَاةَ وَلَا طَعَامَ، فَضَحِكَ وَأَعْطَاهُ الْخَرْكَاةَ وَالطَّعَامَ، فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الْخُلُقِ مَا أَحْسَنَهُ وَمَا أَجْمَلَهُ.
وَفِي فِعْلِهِ فِي حَادِثَةِ بَخْتِيَارَ مَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ مُرُوءَتِهِ وَحُسْنِ عَهْدِهِ، وَصِلَتِهِ لِرَحِمِهِ ﵁ (وَأَرْضَاهُ، وَكَانَ لَهُ حُسْنُ عَهْدٍ وَمَوَدَّةٍ وَإِقْبَالٍ) .
стр. 4076
ذِكْرُ مَسِيرِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ إِلَى الْعِرَاقِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَجَهَّزَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ وَسَارَ يَطْلُبُ الْعِرَاقَ لِمَا كَانَ يَبْلُغُهُ عَنْ بَخْتِيَارَ وَابْنِ بَقِيَّةَ مِنِ اسْتِمَالَةِ أَصْحَابِ الْأَطْرَافِ كَحَسْنُوَيْهِ الْكُرْدِيِّ، وَفَخْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، وَأَبِي تَغْلِبَ بْنِ حَمْدَانَ، وَعِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ، وَغَيْرِهِمْ وَالِاتِّفَاقِ عَلَى مُعَادَاتِهِ، وَلِمَا كَانَا يَقُولَانِهِ مِنَ الشَّتْمِ الْقَبِيحِ لَهُ، وَلِمَا رَأَى مِنْ حُسْنِ الْعِرَاقِ وَعِظَمِ مَمْلَكَتِهِ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَانْحَدَرَ بَخْتِيَارُ إِلَى وَاسِطَ عَلَى عَزْمِ مُحَارَبَةِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ حَسْنُوَيْهِ وَعَدَهُ أَنَّهُ يَحْضُرُ بِنَفْسِهِ لِنُصْرَتِهِ، وَكَذَلِكَ أَبُو تَغْلِبَ بْنُ حَمْدَانَ، فَلَمْ يَفِ لَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
ثُمَّ سَارَ بَخْتِيَارُ إِلَى الْأَهْوَازِ، أَشَارَ بِذَلِكَ ابْنُ بَقِيَّةَ، وَسَارَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ مِنْ فَارِسَ نَحْوَهُمْ، فَالْتَقَوْا فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَاقْتَتَلُوا، فَخَامَرَ عَلَى بَخْتِيَارَ بَعْضُ عَسْكَرِهِ، وَانْتَقَلُوا إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَانْهَزَمَ بَخْتِيَارُ، وَأُخِذَ مَالُهُ وَمَالُ ابْنِ بَقِيَّةَ، وَنُهِبَتِ الْأَثْقَالُ وَغَيْرُهَا، وَلَمَّا وَصَلَ بَخْتِيَارُ إِلَى وَاسِطَ حَمَلَ إِلَيْهِ ابْنُ شَاهِينَ صَاحِبُ الْبَطِيحَةِ مَالًا، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْهَدَايَا النَّفِيسَةِ، وَدَخَلَ بَخْتِيَارُ إِلَيْهِ، فَأَكْرَمَهُ، وَحَمَلَ مَالًا جَلِيلًا، وَأَعْلَاقًا نَفِيسَةً، وَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ قَوْلِ عِمْرَانَ: إِنَّ بَخْتِيَارَ سَيَدْخُلُ مَنْزِلِي وَسَيَسْتَجِيرُ بِي، فَكَانَ كَمَا ذَكَرَ، ثُمَّ أَصْعَدَ بَخْتِيَارَ إِلَى وَاسِطَ.
وَأَمَّا عَضُدُ الدَّوْلَةِ فَإِنَّهُ سَيَّرَ إِلَى الْبَصْرَةِ جَيْشًا فَمَلَكُوهَا. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَهَا اخْتَلَفُوا، وَكَانَتْ مُضَرُ تَهْوَى عَضُدَ الدَّوْلَةِ، وَتَمِيلُ إِلَيْهِ لِأَسْبَابٍ قَرَّرَهَا مَعَهُمْ، وَخَالَفَتْهُمْ رَبِيعَةُ، وَمَالَتْ إِلَى بَخْتِيَارَ، فَلَمَّا انْهَزَمَ ضَعُفُوا، وَقَوِيَتْ مُضَرُ، وَكَاتَبُوا عَضُدَ الدَّوْلَةِ، وَطَلَبُوا مِنْهُ إِنْفَاذَ جَيْشٍ إِلَيْهِمْ، فَسَيَّرَ جَيْشًا تَسَلَّمَ الْبَلَدَ وَأَقَامَ عِنْدَهُمْ.
وَأَقَامَ بَخْتِيَارُ بِوَاسِطَ، وَأَحْضَرَ مَا كَانَ لَهُ بِبَغْدَاذَ وَالْبَصْرَةِ مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ فَفَرَّقَهُ (فِي أَصْحَابِهِ) ، ثُمَّ إِنَّهُ قَبَضَ عَلَى ابْنِ بَقِيَّةَ لِأَنَّهُ اطَّرَحَهُ وَاسْتَبَدَّ بِالْأُمُورِ دُونَهُ، وَجَبَى الْأَمْوَالَ إِلَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يُوصِلْ إِلَى بَخْتِيَارَ مِنْهَا شَيْئًا، وَأَرَادَ أَيْضًا التَّقَرُّبَ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ بِقَبْضِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يُفْسِدُ الْأَحْوَالَ بَيْنَهُمْ.
وَلَمَّا قَبَضَ عَلَيْهِ أَخَذَ أَمْوَالَهُ فَفَرَّقَهَا، وَرَاسَلَ عَضُدَ الدَّوْلَةِ فِي الصُّلْحِ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بِذَلِكَ، وَكَانَ أَصْحَابُ بَخْتِيَارَ يَخْتَلِفُونَ عَلَيْهِ، فَبَعْضُهُمْ يُشِيرُ بِهِ، وَبَعْضُهُمْ يَنْهَى عَنْهُ، ثُمَّ إِنَّهُ أَتَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَبَدْرٌ ابْنَا حَسْنُوَيْهِ فِي نَحْوِ أَلْفِ فَارِسٍ مَعُونَةً لَهُ، فَلَمَّا وَصَلَا إِلَيْهِ أَظْهَرَ الْمُقَامَ بِوَاسِطَ وَمُحَارَبَةَ عَضُدِ الدَّوْلَةِ. فَاتَّصَلَ بِعَضُدِ الدَّوْلَةِ أَنَّهُ نَقَضَ الشَّرْطَ، ثُمَّ بَدَا لِبَخْتِيَارَ فِي
стр. 4077
الْمَسِيرِ، فَسَارَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَعَادَ عَنْهُ ابْنَا حَسْنُوَيْهِ إِلَى أَبِيهِمَا، وَأَقَامَ بَخْتِيَارُ بِبَغْدَاذَ وَانْقَضَتِ السَّنَةُ وَهُوَ بِهَا، وَسَارَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى وَاسِطَ، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَأَصْلَحَ بَيْنَ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ، وَكَانُوا فِي الْحُرُوبِ وَالِاخْتِلَافِ نَحْوَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً.
وَمِنْ عَجِيبِ مَا جَرَى لِبَخْتِيَارَ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ غُلَامٌ تُرْكِيٌّ يَمِيلُ إِلَيْهِ، فَأُخِذَ فِي جُمْلَةِ الْأَسْرَى، وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ عَنْ بَخْتِيَارَ، فَحَزِنَ لِذَلِكَ، وَامْتَنَعَ مِنْ لَذَّاتِهِ وَالِاهْتِمَامِ بِمَا رُفِعَ إِلَيْهِ مِنْ زَوَالِ مُلْكِهِ وَذَهَابِ نَفْسِهِ، حَتَّى قَالَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ: إِنَّ فَجِيعَتِي بِهَذَا الْغُلَامِ أَعْظَمُ مِنْ فَجِيعَتِي بِذَهَابِ مُلْكِي، ثُمَّ سَمِعَ أَنَّهُ فِي جُمْلَةِ الْأَسْرَى، فَأَرْسَلَ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ يَبْذُلُ لَهُ مَا أَحَبَّ فِي رَدِّهِ إِلَيْهِ، فَأَعَادَهُ عَلَيْهِ، وَسَارَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ عَنْهُ، فَازْدَادَ فَضِيحَةً وَهَوَانًا عِنْدَ الْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ.
ذِكْرُ وَفَاةِ مَنْصُورِ بْنِ نُوحٍ وَمُلْكِ ابْنِهِ نُوحٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ الْأَمِيرُ مَنْصُورُ بْنُ نُوحٍ صَاحِبُ خُرَاسَانَ، وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، مُنْتَصَفَ شَوَّالٍ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِبُخَارَى، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَوَلِيَ الْأَمْرَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو الْقَاسِمِ نُوحٌ، وَكَانَ عُمْرُهُ حِينَ وَلِيَ الْأَمْرَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلُقِّبَ بِالْمَنْصُورِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْقَاضِي مُنْذِرٌ الْبَلُّوطِيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، مَاتَ الْقَاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ الْبَلُّوطِيُّ، أَبُو الْحَاكِمِ، قَاضِي قُضَاةِ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ إِمَامًا فَقِيهًا، خَطِيبًا، شَاعِرًا، فَصِيحًا، ذَا دِينٍ مَتِينٍ، دَخَلَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّاصِرِ، صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ، بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الزَّهْرَاءِ وَقُصُورِهَا، وَقَدْ قَعَدَ فِي قُبَّةٍ مُزَخْرَفَةٍ بِالذَّهَبِ، وَالْبِنَاءِ الْبَدِيعِ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَعْيَانِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ النَّاصِرُ: هَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ أَحَدًا بَنَى مِثْلَ هَذَا الْبِنَاءِ؟ فَقَالَ لَهُ الْجَمَاعَةُ: لَمْ
стр. 4078
نَرَ وَلَمْ نَسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَأَثْنَوْا وَبَالَغُوا، وَالْقَاضِي مُطْرِقٌ، فَاسْتَنْطَقَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَبَكَى الْقَاضِي، وَانْحَدَرَتْ دُمُوعُهُ عَلَى لِحْيَتِهِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الشَّيْطَانَ، أَخْزَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، يَبْلُغُ مِنْكَ هَذَا الْمَبْلَغَ، وَلَا أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ قِيَادِكَ هَذَا التَّمَكُّنَ، مَعَ مَا آتَاكَ اللَّهُ، وَفَضَّلَكَ بِهِ، حَتَّى أَنْزَلَكَ مَنَازِلَ الْكَافِرِينَ.
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: انْظُرْ مَا تَقُولُ، وَكَيْفَ أَنْزَلَنِي مَنْزِلَ الْكَافِرِينَ؟ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا﴾ [الزخرف: ٣٣] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] .
فَوَجَمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبَكَى، وَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، وَأَكْثَرَ فِي الْمُسْلِمِينَ مِثْلَكَ.
وَأَخْبَارُ هَذَا الْقَاضِي كَثِيرَةٌ حَسَنَةٌ جِدًّا، مِنْهَا: أَنَّهُ قَحَطَ النَّاسُ وَأَرَادُوا الْخُرُوجَ لِلِاسْتِسْقَاءِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ، فَقَالَ الْقَاضِي لِلرَّسُولِ: يَا لَيْتَ شِعْرِي مَا الَّذِي يَصْنَعُهُ الْأَمِيرُ يَوْمَنَا هَذَا؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ أَخْشَعَ مِنْهُ الْآنَ، قَدْ لَبِسَ خَشِنَ الثِّيَابِ، وَافْتَرَشَ التُّرَابَ، وَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، وَبَكَى، وَاعْتَرَفَ بِذُنُوبِهِ، وَيَقُولُ: هَذِهِ نَاصِيَتِي بِيَدَيْكَ، أَتُرَاكَ تُعَذِّبُ هَذَا الْخَلْقَ لِأَجْلِي؟
فَقَالَ الْقَاضِي يَا غُلَامُ احْمِلِ الْمِمْطَرَ مَعَكَ، فَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ بِسُقْيَانَا، إِذَا خَشَعَ جَبَّارُ الْأَرْضِ رَحِمَ جَبَّارُ السَّمَاءِ، فَخَرَجَ وَاسْتَسْقَى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَرَأَى النَّاسَ قَدْ شَخَصُوا إِلَيْهِ بِأَبْصَارِهِمْ قَالَ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ﴾ [الأنعام: ٥٤] الْآيَةَ، وَكَرَّرَهَا، فَضَجَّ النَّاسُ بِالْبُكَاءِ وَالتَّوْبَةِ، وَتَمَّمَ خُطْبَتَهُ فَسُقِيَ النَّاسُ.
ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ بْنِ الْعَمِيدِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ بْنِ الْعَمِيدِ، وَزِيرِ أَبِيهِ، وَسَمَلَ عَيْنَهُ الْوَاحِدَةَ وَقَطَعَ أَنْفَهُ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا الْفَتْحِ لَمَّا كَانَ بِبَغْدَاذَ مَعَ (عَضُدِ الدَّوْلَةِ، عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ، وَسَارَ) عَضُدُ الدَّوْلَةِ نَحْوَ فَارِسَ تَقَدَّمَ إِلَى أَبِي الْفَتْحِ بِتَعْجِيلِ الْمَسِيرِ عَنْ بَغْدَاذَ إِلَى الرَّيِّ،
стр. 4079
فَخَالَفَهُ وَأَقَامَ، وَأَعْجَبَهُ الْمُقَامُ بِبَغْدَاذَ، وَشَرِبَ مَعَ بَخْتِيَارَ، وَمَالَ فِي هَوَاهُ، وَاقْتَنَى بِبَغْدَاذَ أَمْلَاكًا وَدُورًا عَلَى عَزْمِ الْعَوْدِ إِلَيْهَا إِذَا مَاتَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ، ثُمَّ صَارَ يُكَاتِبُ بَخْتِيَارَ بِأَشْيَاءَ يَكْرَهُهَا عَضُدُ الدَّوْلَةِ.
(وَكَانَ لَهُ نَائِبٌ يَعْرِضُهَا عَلَى بَخْتِيَارَ، فَكَانَ ذَلِكَ النَّائِبُ يُكَاتِبُ بِهَا عَضُدَ الدَّوْلَةِ) سَاعَةً فَسَاعَةً، (فَلَمَّا مَلَكَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ) بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، كَتَبَ إِلَى أَخِيهِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ بِالرَّيِّ يَأْمُرُهُ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَانْقَلَعَ بَيْتُ الْعَمِيدِ عَلَى يَدِهِ كَمَا ظَنَّهُ أَبُوهُ الْفَضْلُ.
وَكَانَ أَبُو الْفَتْحِ لَيْلَةَ قُبِضَ قَدْ أَمْسَى مَسْرُورًا، فَأَحْضَرَ النُّدَمَاءَ وَالْمُغَنِّينَ، وَأَظْهَرَ مِنَ الْآلَاتِ الذَّهَبِيَّةِ، وَالزُّجَاجِ الْمَلِيحِ، وَأَنْوَاعِ الطِّيبِ مَا لَيْسَ لِأَحَدٍ مِثْلُهُ، وَشَرِبُوا، وَعَمِلَ شِعْرًا وَغُنِّيَ لَهُ فِيهِ وَهُوَ:
دَعَوْتُ الْمُنَى وَدَعَوْتُ الْعُلَى ... فَلَمَّا أَجَابَا دَعَوْتُ الْقَدَحْ
وَقُلْتُ لِأَيَّامِ شَرْخِ الشَّبَابِ ... إِلَيَّ فَهَذَا أَوَانُ الْفَرَحْ
إِذَا بَلَغَ الْمَرْءُ آمَالَهُ ... فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَهَا مُقْتَرَحْ
فَلَمَّا غُنِّيَ فِي الشِّعْرِ اسْتَطَابَهُ، وَشَرِبَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ سَكِرَ، وَقَامَ وَقَالَ لِغِلْمَانِهِ: اتْرُكُوا الْمَجْلِسَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ لِنَصْطَبِحَ غَدًا، وَقَالَ لِنُدَمَائِهِ: بَكِّرُوا إِلَيَّ غَدًا لِنَصْطَبِحَ، وَلَا تَتَأَخَّرُوا. فَانْصَرَفَ النُّدَمَاءُ، وَدَخَلَ هُوَ إِلَى بَيْتِ مَنَامِهِ، فَلَمَّا كَانَ السَّحَرُ دَعَاهُ مُؤَيَّدُ الدَّوْلَةِ فَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى دَارِهِ فَأَخَذَ جَمِيعَ مَا فِيهَا وَمِنْ جُمْلَتِهِ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ بِمَا فِيهِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْحَاكِمِ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ هِشَامٍ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْحَاكِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُسْتَنْصِرُ بِاللَّهِ الْأُمَوِيُّ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَعُمْرُهُ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً وَسَبْعَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ أَصْهَبَ أَعْيَنَ، أَقْنَى، عَظِيمَ
стр. 4080
الصَّوْتِ، ضَخْمَ الْجِسْمِ، أَفْقَمَ، وَكَانَ مُحِبًّا لِأَهْلِ الْعِلْمِ، عَالِمًا فَقِيهًا فِي الْمَذَاهِبِ، عَالِمًا بِالْأَنْسَابِ وَالتَّوَارِيخِ، جَمَّاعًا لِلْكُتُبِ وَالْعُلَمَاءِ، مُكْرِمًا لَهُمْ، مُحْسِنًا إِلَيْهِمْ، أَحْضَرَهُمْ مِنَ الْبُلْدَانِ الْبَعِيدَةِ لِيَسْتَفِيدَ مِنْهُمْ وَيُحْسِنَ إِلَيْهِمْ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ وَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ هِشَامٌ بِعَهْدِ أَبِيهِ، وَلَهُ عَشْرُ سِنِينَ، وَلُقِّبَ الْمُؤَيَّدَ بِاللَّهِ، وَاخْتَلَفَتِ الْبِلَادُ فِي أَيَّامِهِ، وَأُخِذَ وَحُبِسَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْإِمَارَةِ.
وَسَبَبُهُ أَنَّهُ لَمَّا وَلِيَ الْمُؤَيَّدُ تَحَجَّبَ لَهُ الْمَنْصُورُ أَبُو عَامِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ الْمَعَافِرِيُّ، وَابْنَاهُ الْمُظَفَّرُ وَالنَّاصِرُ، فَلَمَّا حَجَبَ لَهُ أَبُو عَامِرٍ حَجَبَهُ عَنِ النَّاسِ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَرَاهُ وَلَا يَصِلُ إِلَيْهِ، وَقَامَ بِأَمْرِ دَوْلَتِهِ الْقِيَامَ الْمَرْضِيَّ، وَعَدَلَ فِي الرَّعِيَّةِ، وَأَقْبَلَتِ الدُّنْيَا إِلَيْهِ، وَاشْتَغَلَ بِالْغَزْوِ، وَفَتَحَ مِنْ بِلَادِ الْأَعْدَاءِ كَثِيرًا، وَامْتَلَأَتْ بِلَادُ الْأَنْدَلُسِ بِالْغَنَائِمِ وَالرَّقِيقِ، وَجَعَلَ أَكْثَرَ جُنْدِهِ مِنْهُمْ كَوَاضِحٍ الْفَتَى وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَشْهُورِينَ، وَكَانُوا يُعْرَفُونَ بِالْعَامِرِيِّينَ.
(وَأَدَامَ اللَّهُ) لَهُ الْحَالَ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً، غَزَا فِيهَا اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ غَزَاةً مَا بَيْنَ صَائِفَةٍ وَشَاتِيَةٍ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ حَازِمًا، قَوِيَّ الْعَزْمِ، كَثِيرَ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، حَسَنَ السِّيَاسَةِ.
فَمِنْ مَحَاسِنِ أَعْمَالِهِ: أَنَّهُ دَخَلَ بِلَادَ الْفِرِنْجِ غَازِيًا، فَجَازَ الدَّرْبَ إِلَيْهَا، وَهُوَ مَضِيقٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، وَأَوْغَلَ فِي بِلَادِ الْفِرِنْجِ يَسْبِي، وَيُخَرِّبُ، وَيَغْنَمُ، فَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ رَآهُمْ قَدْ سَدُّوا الدَّرْبَ وَهُمْ عَلَيْهِ يَحْفَظُونَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ الْمُقَامَ فِي بِلَادِهِمْ، وَشَرَعَ هُوَ وَعَسْكَرُهُ فِي عِمَارَةِ الْمَسَاكِنِ وَزَرْعِ الْغَلَّاتِ، وَأَحْضَرُوا الْحَطَبَ، وَالتِّبْنَ، وَالْمِيرَةَ، وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَوْا عَزْمَهُ عَلَى الْمُقَامِ مَالُوا إِلَى السِّلْمِ، فَرَاسَلُوهُ فِي تَرْكِ الْغَنَائِمِ وَالْجَوَازِ إِلَى بِلَادِهِ، فَقَالَ: أَنَا عَازِمٌ عَلَى الْمُقَامِ، فَتَرَكُوا لَهُ الْغَنَائِمَ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى الصُّلْحِ، فَبَذَلُوا لَهُ مَالًا، وَدَوَابَّ تَحْمِلُ لَهُ مَا غَنِمَهُ مِنْ بِلَادِهِمْ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى الصُّلْحِ، وَفَتَحُوا الدَّرْبَ، فَجَازَ إِلَى بِلَادِهِ.
وَكَانَ أَصْلُهُ مِنَ الْجَزِيرَةِ الْخَضْرَاءِ، وَوَرَدَ شَابًّا إِلَى قُرْطُبَةَ، طَالِبًا لِلْعِلْمِ وَالْأَدَبِ وَسَمَاعِ الْحَدِيثِ، فَبَرَعَ فِيهَا وَتَمَيَّزَ، ثُمَّ تَعَلَّقَ بِخِدْمَةِ صُبْحَ وَالِدَةِ الْمُؤَيَّدِ، وَعَظُمَ مَحَلُّهُ عِنْدَهَا، فَلَمَّا مَاتَ الْحَاكِمُ الْمُسْتَنْصِرُ كَانَ الْمُؤَيَّدُ صَغِيرًا، فَخِيفَ عَلَى الْمُلْكِ أَنْ يَخْتَلَّ، فَضَمِنَ لِصُبْحَ سُكُونَ الْبِلَادِ، وَزَوَالَ الْخَوْفِ، وَكَانَ قَوِيَّ النَّفْسِ، وَسَاعَدَتْهُ الْمَقَادِيرُ،
стр. 4081
وَأَمَدَّتْهُ الْأُمَرَاءُ بِالْأَمْوَالِ، فَاسْتَمَالَ الْعَسَاكِرَ، وَجَرَتِ الْأُمُورُ عَلَى أَحْسَنِ نِظَامٍ.
وَكَانَتْ أُمُّهُ تَمِيمِيَّةً، وَأَبُوهُ مَعَافِرِيًّا، بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ الْمُلَقَّبُ بِالْمُظَفَّرِ، فَسَارَ كَسَيْرَةِ أَبِيهِ، وَتُوَفِّيَ سُنَّةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَبْعَ سِنِينَ.
وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّ أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ سَمَّهُ فِي تُفَّاحَةٍ قَطَعَهَا بِسِكِّينٍ كَانَ قَدْ سَمَّ أَحَدَ جَانِبَيْهَا، فَنَاوَلَ أَخَاهُ مَا يَلِي الْجَانِبَ الْمَسْمُومَ، وَأَخَذَ هُوَ مَا يَلِي الْجَانِبَ الصَّحِيحَ، فَأَكَلَهُ بِحَضْرَتِهِ، فَاطْمَأَنَّ الْمُظَفَّرُ، وَأَكَلَ مَا بِيَدِهِ مِنْهَا فَمَاتَ.
فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَلِي بَعْدَهُ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُلَقَّبُ بِالنَّاصِرِ، فَسَلَكَ غَيْرَ طَرِيقِ أَبِيهِ وَأَخِيهِ، وَأَخَذَ فِي الْمُجُونِ، وَشُرْبِ الْخُمُورِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ دَسَّ إِلَى الْمُؤَيَّدِ مَنْ خَوَّفَهُ مِنْهُ إِنْ لَمْ يَجْعَلْهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَحَقَدَ النَّاسُ وَبَنُو أُمَيَّةَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَأَبْغَضُوهُ، وَتَحَرَّكُوا فِي أَمْرِهِ إِلَى أَنْ قُتِلَ.
وَغَزَا شَاتِيَةً، وَأَوْغَلَ فِي بِلَادِ الْجَلَالِقَةِ، فَلَمْ يُقْدِمْ مَلِكُهَا عَلَى لِقَائِهِ، وَتَحَصَّنَ مِنْهُ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى اتِّبَاعِهِ لِزِيَادَةِ الْأَنْهَارِ، وَكَثْرَةِ الثُّلُوجِ، فَأَثْخَنَ فِي الْبِلَادِ الَّتِي وَطِئَهَا، وَخَرَجَ مَوْفُورًا، فَبَلَغَهُ فِي طَرِيقِهِ ظُهُورُ مُحَمَّدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ بِقُرْطُبَةَ، وَاسْتِيلَاؤُهُ عَلَيْهَا وَأَخْذُهُ الْمُؤَيَّدَ أَسِيرًا، فَتَفَرَّقَ عَنْهُ عَسْكَرُهُ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا خَاصَّتُهُ، فَسَارَ إِلَى قُرْطُبَةَ لِيَتَلَافَى ذَلِكَ الْخَطْبَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَسْكَرُ مُحَمَّدِ بْنِ هِشَامٍ فَقَتَلُوهُ وَحَمَلُوا رَأْسَهُ إِلَى قُرْطُبَةَ فَطَافُوا بِهِ، وَكَانَ قَتْلُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، ثُمَّ صَلَبُوهُ.
ذِكْرُ ظُهُورِ مُحَمَّدِ بْنِ هِشَامٍ بِقُرْطُبَةَ
وَفِي سَنَةِ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ظَهَرَ بِقُرْطُبَةَ مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ الْأُمَوِيِّ، وَمَعَهُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَبَايَعَهُ النَّاسُ. وَكَانَ ظُهُورُهُ سَلْخَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَتَلَقَّبَ بِالْمَهْدِيِّ بِاللَّهِ، وَمَلَكَ قُرْطُبَةَ، وَأَخَذَ الْمُؤَيَّدَ فَحَبَسَهُ مَعَهُ فِي الْقَصْرِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ وَأَخْفَاهُ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ مَاتَ.
وَكَانَ قَدْ مَاتَ إِنْسَانٌ نَصْرَانِيٌّ يُشْبِهُ الْمُؤَيَّدَ، فَأَبْرَزَهُ لِلنَّاسِ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّهُ الْمُؤَيَّدُ، فَلَمْ يَشُكُّوا فِي مَوْتِهِ، وَصَلَّوْا عَلَيْهِ، وَدَفَنُوهُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ
стр. 4082
إِنَّهُ أَظْهَرَهُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ، فَكَانَتْ مُدَّةُ وِلَايَةِ الْمُؤَيَّدِ هَذِهِ إِلَى أَنْ حُبِسَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَنَقَمَ النَّاسُ عَلَى ابْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ أَشْيَاءَ مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ النَّبِيذَ فِي قَصْرِهِ، فَسَمَّوْهُ نَبَّاذًا، وَمِنْهَا فِعْلُهُ بِالْمُؤَيَّدِ، وَأَنَّهُ كَانَ كَذَّابًا، مُتَلَوِّنًا، مُبْغِضًا لِلْبَرْبَرِ، فَانْقَلَبَ النَّاسُ عَلَيْهِ.
ذِكْرُ خُرُوجِ هِشَامِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ
لَمَّا اسْتَوْحَشَ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ مِنِ ابْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَأَبْغَضُوهُ، قَصَدُوا هِشَامَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ، فَأَخْرَجُوهُ مِنْ دَارِهِ، وَبَايَعُوهُ، فَتَلَقَّبَ بِالرَّشِيدِ، وَذَلِكَ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، وَاجْتَمَعُوا بِظَاهِرِ قُرْطُبَةَ، وَحَصَرُوا ابْنَ عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمْ لِيَخْلَعَ ابْنَ عَبْدِ الْجَبَّارِ مِنَ الْمُلْكِ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنَهُ وَأَهْلَهُ (وَجَمِيعَ أَصْحَابِهِ) .
ثُمَّ إِنَّ ابْنَ عَبْدِ الْجَبَّارِ جَمَعَ أَصْحَابَهُ وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ، فَانْهَزَمَ هِشَامٌ وَأَصْحَابُهُ، وَأُخِذَ هِشَامٌ أَسِيرًا فَقَتَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَقَتَلَ مَعَهُ عِدَّةً مِنْ قُوَّادِهِ، اسْتَقَرَّ أَمْرُ ابْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَكَانَ عَمَّ هِشَامٍ.
ذِكْرُ خُرُوجِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ أَيْضًا
وَلَمَّا قَتَلَ ابْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ هِشَامَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ نَاصِرٍ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، انْهَزَمَ مَعَهُمْ سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَاكِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ نَاصِرٍ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي هِشَامٍ الْمَقْتُولِ، فَبَايَعَهُ أَصْحَابُ عَمِّهِ، وَأَكْثَرُهُمُ الْبَرْبَرُ، بَعْدَ الْوَقْعَةِ بِيَوْمَيْنِ، وَلَقَّبُوهُ الْمُسْتَعِينَ بِاللَّهِ، ثُمَّ لُقِّبَ بِالظَّاهِرِ بِاللَّهِ، وَسَارُوا إِلَى النَّصَارَى فَصَالَحُوهُمْ وَاسْتَنْجَدُوهُمْ وَأَنْجَدُوهُمْ، وَسَارُوا مَعَهُمْ إِلَى قُرْطُبَةَ، فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَابْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ بِقَنْتِيجَ، وَهِيَ الْوَقْعَةُ الْمَشْهُورَةُ غَزَوْا فِيهَا وَقُتِلَ مَا لَا يُحْصَى، فَانْهَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَتَحَصَّنَ بِقَصْرِ قُرْطُبَةَ، وَدَخَلَ سُلَيْمَانُ الْبَلَدَ، وَحَصَرَهُ فِي الْقَصْرِ.
فَلَمَّا رَأَى ابْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ مَا نَزَلَ بِهِ أَظْهَرَ الْمُؤَيَّدَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ (يُخْلَعُ هُوَ وَسُلَيْمَانُ وَيَرْجِعُ الْأَمْرُ إِلَى الْمُؤَيَّدِ، فَلَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ) الْمُؤَيِّدَ قَدْ مَاتَ. فَلَمَّا أَعْيَاهُ
стр. 4083
الْأَمْرُ احْتَالَ فِي الْهَرَبِ، فَهَرَبَ سِرًّا وَاخْتَفَى، وَدَخَلَ سُلَيْمَانُ الْقَصْرَ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ بِالْخِلَافَةِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعِمِائَةٍ، وَبَقِيَ بِقُرْطُبَةَ أَيَّامًا، وَكَانَ عِدَّةُ الْقَتْلَى بِقَنْتِيجَ نَحْوَ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَأَغَارَ الْبَرْبَرُ وَالرُّومُ عَلَى قُرْطُبَةَ فَنَهَبُوا وَسَبَوْا وَأَسَرُوا عَدَدًا عَظِيمًا.
ذِكْرُ عَوْدِ ابْنِ الْجَبَّارِ وَقَتْلِهِ وَعَوْدِ الْمُؤَيَّدِ
لَمَّا اخْتَفَى ابْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ سَارَ سِرًّا إِلَى طُلَيْطِلَةَ، وَأَتَاهُ وَاضِحٌ الْفَتَى الْعَامِرِيُّ فِي أَصْحَابِهِ، وَجَمَعَ لَهُ النَّصَارَى وَسَارَ بِهِمْ إِلَى قُرْطُبَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ سُلَيْمَانُ فَالْتَقَوْا بِقُرْبِ عَقَبَةِ الْبَقَرِ، وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، فَانْهَزَمَ سُلَيْمَانُ وَمَنْ مَعَهُ مُنْتَصَفَ شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعِمِائَةٍ، وَمَضَى سُلَيْمَانُ إِلَى شَاطِبَةَ، وَدَخَلَ ابْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قُرْطُبَةَ وَجَدَّدَ الْبَيْعَةَ لِنَفَسِهِ، وَجَعَلَ الْحِجَابَةَ لِوَاضِحٍ وَتَصَرَّفَ بِالِاخْتِيَارِ.
ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْفِتْيَانِ الْعَامِرِيِّينَ، مِنْهُمْ عَنْبَرٌ، وَخَيْرُونُ، وَغَيْرُهُمَا، كَانُوا مَعَ سُلَيْمَانَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ يَطْلُبُونَ قَبُولَ طَاعَتِهِمْ، وَأَنْ يَجْعَلَهُمْ فِي جُمْلَةِ رِجَالِهِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ مَكِيدَةً بِهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَلَمَّا دَخَلُوا قُرْطُبَةَ اسْتَمَالُوا وَاضِحًا فَأَجَابَهُمْ إِلَى قَتْلِهِ، فَلَمَّا كَانَ تَاسِعُ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ أَرْبَعِمِائَةٍ اجْتَمَعُوا فِي الْقَصْرِ فَمَلَكُوهُ، وَأَخَذُوا ابْنَ عَبْدِ الْجَبَّارِ أَسِيرًا، وَأَخْرَجُوا الْمُؤَيَّدَ بِاللَّهِ فَأَجْلَسُوهُ مَجْلِسَ الْخِلَافَةِ وَبَايَعُوهُ، وَأَحْضَرُوا ابْنَ عَبْدِ الْجَبَّارِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَدَّدَ ذُنُوبَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُتِلَ، وَطِيفَ بِرَأْسِهِ فِي قُرْطُبَةَ، وَكَانَ عُمْرُهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ.
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَذْكُرَ هَذِهِ الْحَوَادِثَ مُتَأَخِّرَةً، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَاهَا لِتَعَلُّقِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، (وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ لَيْسَ لَهُ مِنْ طُولِ الْمُدَّةِ مَا تُؤَخَّرُ أَخْبَارُهُ وَتُفَرَّقُ) .
ذِكْرُ عَوْدِ أَبِي الْمَعَالِي بْنِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ إِلَى مُلْكِ حَلَبَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَادَ أَبُو الْمَعَالِي شَرِيفُ بْنُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ مُلْكَ حَلَبَ وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ قَرْغَوَيْهِ لَمَّا تَغَلَّبَ عَلَيْهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَوْلَاهُ أَبَا الْمَعَالِي، (كَمَا ذَكَرْنَاهُ
стр. 4084
سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَسَارَ أَبُو الْمَعَالِي إِلَى وَالِدَتِهِ بِمَيَّافَارِقِينَ) ، ثُمَّ أَتَى حَمَاةَ، وَهِيَ لَهُ، فَنَزَلَ بِهَا، وَكَانَتِ الرُّومُ قَدْ خَرَّبَتْ حِمْصَ وَأَعْمَالَهَا، وَقَدْ ذُكِرَ أَيْضًا، فَنَزَلَ إِلَيْهِ يَارْقَتَاشُ مَوْلَى أَبِيهِ، وَهُوَ بِحِصْنِ بَرْزُويَهْ، وَخَدَمَهُ، وَعَمَّرَ لَهُ مَدِينَةَ حِمْصَ، فَكَثُرَ أَهْلُهَا.
وَكَانَ قَرْغَوَيْهِ قَدِ اسْتَنَابَ بِحَلَبَ مَوْلًى لَهُ اسْمُهُ بَكْجُورُ، فَقَوِيَ بَكْجُورُ وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ، وَقَبَضَ عَلَى مَوْلَاهُ قَرْغَوَيْهِ، وَحَبَسَهُ فِي قَلْعَةِ حَلَبَ، وَأَقَامَ بِهَا نَحْوَ سِتِّ سِنِينَ، فَكَتَبَ مَنْ بِحَلَبَ مِنْ أَصْحَابِ قَرْغَوَيْهِ إِلَى أَبِي الْمَعَالِي بْنِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ لِيَقْصِدَ حَلَبَ وَيَمْلِكَهَا، فَسَارَ إِلَيْهَا، وَحَصَرَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَمَلَكَهَا.
وَبَقِيَتِ الْقَلْعَةُ بِيَدِ بَكْجُورَ، فَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا، فَأَجَابَ إِلَى التَّسْلِيمِ عَلَى أَنَّ يُؤَمِّنَهُ فِي نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَيُوَلِّيَهُ حِمْصَ، وَطَلَبَ بَكْجُورُ أَنْ يَحْضُرَ هَذَا الْأَمَانَ وَالْعَهْدَ وُجُوهُ بَنِي كِلَابٍ، فَفَعَلَ أَبُو الْمَعَالِي ذَلِكَ، وَأَحْضَرَهُمُ الْأَمَانَ وَالْعَهْدَ، وَسَلَّمَ قَلْعَةَ حَلَبَ إِلَى أَبِي الْمَعَالِي، وَسَارَ بَكْجُورُ إِلَى حِمْصَ فَوَلِيَهَا لِأَبِي الْمَعَالِي، وَصَرَفَ هِمَّتَهُ إِلَى عِمَارَتِهَا، وَحِفْظِ الطُّرُقِ، فَازْدَادَتْ عِمَارَتُهَا، وَكَثُرَ الْخَيْرُ بِهَا، ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهَا إِلَى وِلَايَةِ دِمَشْقَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
ذِكْرُ ابْتِدَاءِ دَوْلَةِ آلِ سُبُكْتِكِينَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ سُبُكْتِكِينُ مَدِينَةَ غَزْنَةَ وَأَعْمَالَهَا، وَكَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ غِلْمَانِ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ الْبَتْكِينِ، صَاحِبِ جَيْشِ غَزْنَةَ لِلسَّامَانِيَّةِ، وَكَانَ مُقَدَّمًا عِنْدَهُ، وَعَلَيْهِ مَدَارُ أَمْرِهِ، وَقَدِمَ إِلَى بُخَارَى، أَيَّامَ الْأَمِيرِ مَنْصُورِ بْنِ نُوحٍ، مَعَ أَبِي إِسْحَاقَ، فَعَرَفَهُ أَرْبَابُ تِلْكَ الدَّوْلَةِ بِالْعَقْلِ، وَالْعِفَّةِ، وَجَوْدَةِ الرَّأْيِ وَالصَّرَامَةِ، وَعَادَ مَعَهُ إِلَى غَزْنَةَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَبُو إِسْحَاقَ أَنْ تُوُفِّيَ، وَلَمْ يُخَلِّفْ مِنْ أَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ مَنْ يَصْلُحُ لِلتَّقَدُّمِ، فَاجْتَمَعَ عَسْكَرُهُ وَنَظَرُوا فِيمَنْ يَلِي أَمْرَهُمْ، وَيَجْمَعُ كَلِمَتَهُمْ، فَاخْتَلَفُوا ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى سُبُكْتِكِينَ، لِمَا عَرَفُوهُ مِنْ عَقْلِهِ، وَدِينِهِ، وَمُرُوءَتِهِ، وَكَمَالِ خِلَالِ الْخَيْرِ فِيهِ، فَقَدَّمُوهُ عَلَيْهِمْ، وَوَلَّوْهُ أَمْرَهُمْ، وَحَلَفُوا لَهُ وَأَطَاعُوهُ فَوَلِيَهُمْ وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ فِيهِمْ، وَسَاسَ أُمُورَهُمْ سِيَاسَةً حَسَنَةً، وَجَعَلَ
стр. 4085
نَفْسَهُ كَأَحَدِهِمْ فِي الْحَالِ وَالْمَالِ، وَكَانَ يَذَّخِرُ مِنْ أَقَطَاعِهِ مَا يَعْمَلُ مِنْهُ طَعَامًا لَهُمْ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّتَيْنِ.
ثُمَّ إِنَّهُ جَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَسَارَ نَحْوَ الْهِنْدِ مُجَاهِدًا، وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْهُنُودِ حُرُوبٌ يَشِيبُ لَهَا الْوَلِيدُ، وَكَشَفَ بِلَادَهُمْ، وَشَنَّ الْغَارَاتِ عَلَيْهَا، وَطَمِعَ فِيهَا، وَخَافَهُ الْهُنُودُ، فَفَتَحَ مِنْ بِلَادِهِمْ حُصُونًا وَمَعَاقِلَ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْإِحْصَاءِ.
وَاتُّفِقَ لَهُ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ أَنَّ الْهُنُودَ اجْتَمَعُوا فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ، وَطَاوَلُوهُ الْأَيَّامَ، وَمَاطَلُوهُ الْقِتَالَ، فَعَدِمَ الزَّادُ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَجَزُوا عَنِ الِامْتِيَارِ، فَشَكَوْا إِلَيْهِ مَا هُمْ فِيهِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي اسْتَصْحَبْتُ لِنَفْسِي شَيْئًا مِنَ السَّوِيقِ اسْتِظْهَارًا، وَأَنَا أَقْسِمُهُ بَيْنَكُمْ قِسْمَةً عَادِلَةً عَلَى السَّوَاءِ إِلَى أَنْ يَمُنَّ اللَّهُ بِالْفَرَجِ، فَكَانَ يُعْطِي كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مِلْءَ قَدَحٍ مَعَهُ، وَيَأْخُذُ لِنَفْسِهِ مِثْلَ أَحَدِهِمْ، فَيَجْتَزِئُ بِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُقَاتِلُونَ الْكُفَّارَ، فَرَزَقَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّصْرَ عَلَيْهِمْ وَالظَّفَرَ بِهِمْ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ وَأَسَرُوا خَلْقًا كَثِيرًا.
ذِكْرُ وِلَايَةِ سُبُكْتِكِينَ عَلَى قُصْدَارَ وَبُسْتَ
ثُمَّ إِنَّ سُبُكْتِكِينَ عَظُمَ شَأْنُهُ، وَارْتَفَعَ قَدْرُهُ، وَحَسُنَ بَيْنَ النَّاسِ ذِكْرُهُ، وَتَعَلَّقَتِ الْأَطْمَاعُ بِالِاسْتِعَانَةِ بِهِ، فَأَتَاهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ الْكِبَارِ، وَهُوَ صَاحِبُ بُسْتَ وَاسْمُهُ طَغَانُ، مُسْتَعِينًا بِهِ مُسْتَنْصِرًا.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ خَرَجَ عَلَيْهِ أَمِيرٌ يُعْرَفُ بِبَابِي تُورَ، فَمَلَكَ مَدِينَةَ بُسْتَ عَلَيْهِ، وَأَجْلَاهُ عَنْهَا بَعْدَ حَرْبٍ شَدِيدَةٍ، فَقَصَدَ سُبُكْتِكِينَ مُسْتَنْصِرًا بِهِ، وَضَمِنَ لَهُ مَالًا مُقَرَّرًا، وَطَاعَةً يَبْذُلُهَا لَهُ، فَتَجَهَّزَ وَسَارَ مَعَهُ حَتَّى نَزَلَ عَلَى بُسْتَ وَخَرَجَ إِلَيْهِ بَابِي تُورُ فَقَاتَلَهُ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْهَزَمَ بَابِي تُورُ وَتَفَرَّقَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَتَسَلَّمَ طَغَانُ الْبَلَدَ.
فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِيهِ طَالَبَهُ سُبُكْتِكِينَ بِمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ، فَأَخَذَ فِي الْمَطْلِ، فَأَغْلَظَ لَهُ فِي الْقَوْلِ لِكَثْرَةِ مَطْلِهِ، فَحَمَلَ طَغَانُ جَهْلَهُ عَلَى أَنْ سَلَّ السَّيْفَ فَضَرَبَ يَدَ سُبُكْتِكِينَ فَجَرَحَهَا، فَأَخَذَ سُبُكْتِكِينُ السَّيْفَ وَضَرَبَهُ أَيْضًا فَجَرَحَهُ، وَحَجَزَ الْعَسْكَرُ بَيْنَهُمَا، وَقَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ، فَانْهَزَمَ طَغَانُ وَاسْتَوْلَى سُبُكْتِكِينُ عَلَى بُسْتَ.
стр. 4086
ثُمَّ إِنَّهُ سَارَ إِلَى قُصْدَارَ، وَكَانَ مُتَوَلِّيهَا قَدْ عَصَى عَلَيْهِ لِصُعُوبَةِ مَسَالِكِهَا، وَحَصَانَتِهَا، وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ جَرِيدَةً مُجِدًّا، فَلَمْ يَشْعُرْ إِلَّا وَالْخَيْلُ مَعَهُ، فَأُخِذَ مِنْ دَارِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِ وَرَدَّهُ إِلَى وِلَايَتِهِ، وَقَرَّرَ عَلَيْهِ مَالًا يَحْمِلُهُ إِلَيْهِ كُلَّ سَنَةٍ.
ذِكْرُ مَسِيرِ الْهِنْدِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ مَعَ سُبُكْتِكِينَ
لَمَّا فَرَغَ سُبُكْتِكِينُ مَنْ بُسْتَ وَقُصْدَارَ غَزَا الْهِنْدَ، فَافْتَتَحَ قِلَاعًا حَصِينَةً عَلَى شَوَاهِقِ الْجِبَالِ، وَعَادَ سَالِمًا ظَافِرًا.
وَلَمَّا رَأَى جِيبَالُ مَلِكُ الْهِنْدِ مَا دَهَاهُ، وَأَنَّ بِلَادَهُ تُمْلَكُ مِنْ أَطْرَافِهَا، أَخَذَهُ مَا قَدُمَ وَحَدُثَ، فَحَشَدَ وَجَمَعَ وَاسْتَكْثَرَ مِنَ الْفُيُولِ، وَسَارَ حَتَّى اتَّصَلَ بِوِلَايَةِ سُبُكْتِكِينَ، وَقَدْ بَاضَ الشَّيْطَانُ فِي رَأْسِهِ وَفَرَّخَ، فَسَارَ سُبُكْتِكِينُ عَنْ غَزْنَةَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ عَسَاكِرُهُ (وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا أَيَّامًا كَثِيرَةً، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ) .
(وَكَانَ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ) عَقَبَةُ غُورَكَ، وَفِيهَا عَيْنُ مَاءٍ لَا تَقْبَلُ نَجَسًا وَلَا قَذَرًا، وَإِذَا أُلْقِيَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ اكْفَهَرَّتِ السَّمَاءُ وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ، وَكَثُرَ الرَّعْدُ وَالْبَرْقُ وَالْأَمْطَارُ وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ تَطْهُرَ مِنَ الَّذِي أُلْقِيَ فِيهَا فَأَمَرَ سُبُكْتِكِينُ بِإِلْقَاءِ نَجَاسَةٍ فِي تِلْكَ الْعَيْنِ، فَجَاءَ الْغَيْمُ وَالرَّعْدُ وَالْبَرْقُ، وَقَامَتِ الْقِيَامَةُ عَلَى الْهُنُودِ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا مَا لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، وَتَوَالَتْ عَلَيْهِمُ الصَّوَاعِقُ وَالْأَمْطَارُ، وَاشْتَدَّ الْبَرْدُ، حَتَّى هَلَكُوا، وَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْمَذَاهِبُ، وَاسْتَسْلَمُوا لِشِدَّةِ مَا عَايَنُوهُ.
وَأَرْسَلَ مَلِكُ الْهِنْدِ إِلَى سُبُكْتِكِينَ يَطْلُبُ الصُّلْحَ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ فَأَجَابَهُمْ إِلَيْهِ بَعْدَ امْتِنَاعٍ مِنْ وَلَدِهِ مَحْمُودٍ، عَلَى مَالٍ يُؤَدِّيهِ، وَبِلَادٍ يُسَلِّمُهَا، وَخَمْسِينَ فِيلًا يَحْمِلُهَا إِلَيْهِ، فَاسْتَقَرَّ ذَلِكَ، وَرَهَنَ عِنْدَهُ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِهِ (عَلَى تَسْلِيمِ الْبِلَادِ) ، وَسَيَّرَ مَعَهُ سُبُكْتِكِينُ مَنْ يَتَسَلَّمُهَا، فَإِنَّ الْمَالَ وَالْفِيَلَةَ كَانَتْ مُعَجَّلَةً، فَلَمَّا أَبْعَدَ جِيبَالُ مَلِكُ الْهِنْدِ قَبَضَ عَلَى مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَجَعَلَهُمْ عِنْدَهُ عِوَضًا عَنْ رَهَائِنِهِ.
فَلَمَّا سَمِعَ سُبُكْتِكِينُ بِذَلِكَ جَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَسَارَ نَحْوَ الْهِنْدِ، فَأَخْرَبَ كُلَّ مَا مَرَّ عَلَيْهِ مِنْ بِلَادِهِمْ، وَقَصَدَ لَمْغَانَ، وَهِيَ مِنْ أَحْصَنِ قِلَاعِهِمْ، فَافْتَتَحَهَا عَنْوَةً وَهَدَمَ بُيُوتَ
стр. 4087
الْأَصْنَامِ، وَأَقَامَ فِيهَا شِعَارَ الْإِسْلَامِ، وَسَارَ عَنْهَا يَفْتَحُ الْبِلَادَ وَيَقْتُلُ أَهْلَهَا فَلَمَّا بَلَغَ مَا أَرَادَهُ عَادَ إِلَى غَزْنَةَ.
فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى جِيبَالَ سُقِطَ فِي يَدِهِ، وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَسَارَ فِي مِائَةِ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فَلَقِيَهُ سُبُكْتِكِينُ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَتَنَاوَبُوا الْقِتَالَ مَعَ الْهُنُودِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَضَجِرَ الْهُنُودُ مِنْ دَوَامِ الْقِتَالِ مَعَهُمْ، وَحَمَلُوا حَمْلَةً وَاحِدَةً، فَعِنْدَ ذَلِكَ اشْتَدَّ الْأَمْرُ وَعَظُمَ الْخَطْبُ، وَحَمَلَ أَيْضًا الْمُسْلِمُونَ جَمِيعُهُمْ، وَاخْتَلَطَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَانْهَزَمَ الْهُنُودُ، وَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَأَسَرَ مِنْهُمْ مَا لَا يُعَدُّ وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ وَأَثْقَالَهُمْ وَدَوَابَّهُمُ الْكَثِيرَةَ.
وَذَلَّ الْهُنُودُ بَعْدَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بَعْدَهَا رَايَةٌ، وَرَضُوا بِأَنْ لَا يُطْلَبُوا فِي أَقَاصِي بِلَادِهِمْ، وَلَمَّا قَوِيَ سُبُكْتِكِينُ، بَعْدَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ، أَطَاعَهُ الْأَفْغَانِيَّةُ وَالْخُلْجُ وَصَارُوا فِي طَاعَتِهِ.
ذِكْرُ مُلْكِ قَابُوسَ بْنِ وَشْكَمِيرَ جُرْجَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ ظَهِيرُ الدَّوْلَةِ بِيسَتُونَ بْنُ وَشْكَمِيرَ بِجُرْجَانَ، وَكَانَ قَابُوسٌ أَخُوهُ زَائِرًا خَالَهُ رُسْتُمَ بِجَبَلِ شَهْرَيَارَ، وَخَلَّفَ بِيسَتُونُ ابْنًا صَغِيرًا بِطَبَرِسْتَانَ مَعَ جَدِّهِ لِأُمِّهِ، فَطَمِعَ أَنْ يَأْخُذَ الْمُلْكَ، فَبَادَرَ إِلَى جُرْجَانَ، فَرَأَى بِهَا جَمَاعَةً مِنَ الْقُوَّادِ قَدْ مَالُوا إِلَى قَابُوسٍ، فَقَبَضَ عَلَيْهِمْ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى قَابُوسٍ فَسَارَ إِلَى جُرْجَانَ، فَلَمَّا قَارَبَهَا خَرَجَ الْجَيْشُ إِلَيْهِ، وَأَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَمَلَّكُوهُ، وَهَرَبَ مَنْ كَانَ مَعَ ابْنِ بِيسَتُونَ، فَأَخَذَهُ عَمُّهُ قَابُوسٌ وَكَفَلَهُ، وَجَعَلَهُ أُسْوَةَ أَوْلَادِهِ، وَاسْتَوْلَى عَلَى جُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، نُقِلَتِ ابْنَةُ عِزِّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارَ إِلَى الطَّائِعِ لِلَّهِ، وَكَانَ تَزَوَّجَهَا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّاءَ بْنِ حَيَّوَيْهِ فِي رَجَبٍ.
стр. 4088
وَفِي صَفَرَ مِنْهَا تُوُفِّيَّ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ وَصِيفٍ النَّاشِئُ الْمَعْرُوفُ بِالْخَلَّالِ، صَاحِبُ الْمَرَاثِي الْكَثِيرَةِ فِي أَهْلِ الْبَيْتِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ الْحَسَنِ الْجَنَّابِيُّ صَاحِبُ هَجَرَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَتَوَلَّى أَمْرَ الْقَرَامِطَةِ بَعْدَهُ سِتَّةُ نَفَرٍ شَرِكَةً، وَسُمُّوا السَّادَةَ، وَكَانُوا مُتَّفِقِينَ.
стр. 4089
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣٦٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ عَلَى الْعِرَاقِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَاذَ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَخْتِيَارَ يَدْعُوهُ إِلَى طَاعَتِهِ، وَأَنْ يَسِيرَ عَنِ الْعِرَاقِ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ أَرَادَ، وَضَمِنَ مُسَاعَدَتَهُ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَالٍ وَسِلَاحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ بَخْتِيَارَ عَلَيْهِ فِي الْإِجَابَةِ إِلَى ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ أَجَابَ إِلَيْهِ لِضَعْفِ نَفْسِهِ، فَأَنْفَذَ لَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ خِلْعَةً، فَلَبِسَهَا، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَطْلُبُ مِنْهُ ابْنَ بَقِيَّةَ، فَقَلَعَ عَيْنَيْهِ وَأَنْفَذَهُ إِلَيْهِ.
(وَتَجَهَّزَ بَخْتِيَارُ بِمَا أَنْفَذَهُ إِلَيْهِ) عَضُدُ الدَّوْلَةِ، وَخَرَجَ عَنْ بَغْدَاذَ عَازِمًا عَلَى قَصْدِ الشَّامِ، وَسَارَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ فَدَخَلَ بَغْدَاذَ، وَخُطِبَ لَهُ بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ يُخْطَبُ لِأَحَدٍ بِبَغْدَاذَ، وَضَرَبَ عَلَى بَابِهِ ثَلَاثَ نُوَبٍ، وَلَمْ تَجْرِ بِذَلِكَ عَادَةُ مَنْ تَقَدَّمَهُ، وَأَمَرَ بِأَنْ يُلْقَى ابْنُ بَقِيَّةَ بَيْنَ قَوَائِمِ الْفِيَلَةِ لِتَقْتُلَهُ، فَفُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، وَخَبَطَتْهُ الْفِيَلَةُ حَتَّى قَتَلَتْهُ، وَصُلِبَ عَلَى رَأْسِ الْجِسْرِ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَرَثَاهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَنْبَارِيُّ بِأَبْيَاتٍ حَسَنَةٍ فِي مَعْنَاهَا وَهِيَ:
عُلُوٌّ فِي الْحَيَاةِ وَفِي الْمَمَاتِ ... لَحَقٌّ تِلْكَ إِحْدَى الْمُعْجِزَاتِ
كَأَنَّ النَّاسَ حَوْلَكَ حِينَ قَامُوا ... وُفُودُ نَدَاكَ أَيَّامَ الصِّلَاتِ
стр. 4090
كَأَنَّكَ قَائِمٌ فِيهِمْ خَطِيبًا
،
وَكُلُّهُمْ قِيَامٌ لِلصَّلَاةِ
مَدَدْتَ يَدَيْكَ نَحْوَهُمُ اقْتِفَاءً
،
كَمَدِّهِمَا إِلَيْهِمْ فِي الْهِبَاتِ ... وَلَمَّا ضَاقَ بَطْنُ الْأَرْضِ عَنْ أَنْ
يَضُمَّ عُلَاكَ مِنْ بَعْدِ الْمَمَاتِ ... أَصَارُوا الْجَوَّ قَبْرَكَ، وَاسْتَنَابُوا
عَنِ الْأَكْفَانِ ثَوْبَ السَّافِيَاتِ ... لِعُظْمِكَ فِي النُّفُوسِ تَبِيتُ تُرْعَى
بِحُرَّاسٍ وَحُفَّاظٍ ثِقَاتِ ... وَتُشْعَلُ عِنْدَكَ النِّيرَانُ لَيْلًا
كَذَلِكَ كُنْتَ أَيَّامَ الْحَيَاةِ ... وَلَمْ أَرَ قَبْلَ جِذْعِكَ قَطُّ جِذْعًا
تَمَكَّنَ مِنْ عِنَاقِ الْمَكْرُمَاتِ ... رَكِبْتَ مَطِيَّةً مِنْ قَبْلُ زَيْدٌ
عَلَاهَا فِي السِّنِينَ الذَّاهِبَاتِ
وَهِيَ كَثِيرَةٌ، قَوْلُهُ: زَيْدٌ عَلَاهَا يَعْنِي: زَيْدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃ لَمَّا قُتِلَ وَصُلِبَ أَيَّامَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَقَدْ ذُكِرَ، وَبَقِيَ ابْنُ بَقِيَّةَ مَصْلُوبًا إِلَى أَيَّامِ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ فَأُنْزِلَ مِنْ جِذْعِهِ وَدُفِنَ.
ذِكْرُ قَتْلِ بَخْتِيَارَ
لَمَّا سَارَ بَخْتِيَارُ عَنْ بَغْدَاذَ عَزَمَ قَصْدَ الشَّامِ وَمَعَهُ ابْنُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ ابْنِ حَمْدَانَ، فَلَمَّا صَارَ بَخْتِيَارُ بِعُكْبَرَا حَسَّنَ لَهُ حَمْدَانُ قَصْدَ الْمَوْصِلِ، (وَكَثْرَةَ أَمْوَالِهَا) ، وَأَطْمَعَهُ فِيهَا، وَقَالَ إِنَّهَا خَيْرٌ مِنَ الشَّامِ وَأَسْهَلُ.
فَسَارَ بَخْتِيَارُ نَحْوَ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ قَدْ حَلَّفَهُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ وِلَايَةَ أَبِي تَغْلِبَ بْنِ حَمْدَانَ لِمَوَدَّةٍ وَمُكَاتَبَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا، فَنَكَثَ وَقَصَدَهَا، فَلَمَّا صَارَ إِلَى تَكْرِيتَ أَتَتْهُ
стр. 4091
رُسُلُ أَبِي تَغْلِبَ تَسْأَلُهُ أَنْ يَقْبِضَ عَلَى أَخِيهِ حَمْدَانَ وَيُسَلِّمَهُ إِلَيْهِ، وَإِذَا فَعَلَ سَارَ بِنَفْسِهِ وَعَسَاكِرِهِ إِلَيْهِ، وَقَاتَلَ مَعَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ، وَأَعَادَهُ إِلَى مُلْكِهِ بَغْدَاذَ، فَقَبَضَ بَخْتِيَارُ عَلَى حَمْدَانَ وَسَلَّمَهُ إِلَى نُوَّابِ أَبِي تَغْلِبَ، فَحَبَسَهُ فِي قَلْعَةٍ لَهُ، وَسَارَ بَخْتِيَارُ إِلَى الْحَدِيثَةِ، وَاجْتَمَعَ مَعَ أَبِي تَغْلِبَ، وَسَارَا جَمِيعًا نَحْوَ الْعِرَاقِ، وَكَانَ مَعَ أَبِي تَغْلِبَ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ.
وَبَلَغَ ذَلِكَ عَضُدَ الدَّوْلَةِ فَسَارَ عَنْ بَغْدَاذَ نَحْوَهُمَا، فَالْتَقَوْا بِقَصْرِ الْجِصِّ بِنَوَاحِي تَكْرِيتَ ثَامِنَ عَشَرَ شَوَّالٍ، فَهَزَمَهُمَا، وَأَسَرَ بَخْتِيَارَ، وَأُحْضِرَ عِنْدَ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَلَمْ يَأْذَنْ بِإِدْخَالِهِ إِلَيْهِ، وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ، وَذَلِكَ بِمَشُورَةِ أَبِي الْوَفَاءِ طَاهِرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَاسْتَقَرَّ مُلْكُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، (وَكَانَ عُمْرُ بَخْتِيَارَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَمَلَكَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَشُهُورًا) .
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ عَلَى مُلْكِ بَنِي حَمْدَانَ
لَمَّا انْهَزَمَ أَبُو تَغْلِبَ وَبَخْتِيَارُ سَارَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ نَحْوَ الْمَوْصِلِ، فَمَلَكَهَا ثَانِيَ عَشْرَةَ ذِي الْقَعْدَةِ، وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا، وَظَنَّ أَبُو تَغْلِبَ أَنَّهُ كَمَا كَانَ غَيْرُهُ يَفْعَلُ، يُقِيمُ يَسِيرًا، ثُمَّ يَضْطَرُّ إِلَى الْمُصَالَحَةِ، وَيَعُودُ.
وَكَانَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ أَحْزَمَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَصَدَ الْمَوْصِلَ حَمَلَ مَعَهُ الْمِيرَةَ وَالْعُلُوفَاتِ، وَمَنْ يَعْرِفُ وِلَايَةَ الْمَوْصِلِ وَأَعْمَالَهَا، وَأَقَامَ بِالْمَوْصِلِ مُطْمَئِنًّا، وَبَثَّ السَّرَايَا فِي طَلَبِ أَبِي تَغْلِبَ، فَأَرْسَلَ أَبُو تَغْلِبَ يَطْلُبُ أَنْ يَضْمَنَ الْبِلَادَ، فَلَمْ يُجِبْهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: هَذِهِ الْبِلَادُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْعِرَاقِ.
وَكَانَ مَعَ أَبِي تَغْلِبَ الْمَرْزُبَانُ بْنُ بَخْتِيَارَ، وَأَبُو إِسْحَاقَ، وَأَبُو طَاهِرٍ ابْنَا مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَوَالِدَتُهُمَا، وَهِيَ أُمُّ بَخْتِيَارَ، وَأَسْبَابُهُمْ، فَسَارَ أَبُو تَغْلِبَ إِلَى نَصِيبِينَ، فَسَيَّرَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ سَرِيَّةً عَلَيْهَا حَاجِبُهُ أَبُو حَرْبٍ طَغَانُ إِلَى جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَسَيَّرَ فِي طَلَبِ أَبِي تَغْلِبَ سَرِيَّةً، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا أَبَا الْوَفَاءِ طَاهِرَ بْنَ مُحَمَّدٍ، عَلَى طَرِيقِ سِنْجَارَ، فَسَارَ أَبُو تَغْلِبَ مُجِدًّا، فَبَلَغَ مَيَّافَارِقِينَ، وَأَقَامَ بِهَا وَمَعَهُ أَهْلُهُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَسِيرُ أَبِي الْوَفَاءِ إِلَيْهِ سَارَ نَحْوَ بَدْلِيسَ وَمَعَهُ النِّسَاءُ وَغَيْرُهُنَّ مِنْ أَهْلِهِ، وَوَصَلَ أَبُو الْوَفَاءِ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ، فَأُغْلِقَتْ دُونَهُ وَهِيَ حَصِينَةٌ مِنْ حُصُونِ الرُّومِ الْقَدِيمَةِ، وَتَرَكَهَا وَطَلَبَ أَبَا تَغْلِبَ.
стр. 4092
(وَكَانَ أَبُو تَغْلِبَ) قَدْ عَدَلَ مِنْ أَرْزَنِ الرُّومِ إِلَى الْحُسَنِيَّةِ مِنْ أَعْمَالِ الْجَزِيرَةِ وَصَعِدَ إِلَى قَلْعَةِ كَوَاشَى وَغَيْرِهَا مِنْ قِلَاعِهِ، وَأَخَذَ مَا لَهُ فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ، وَعَادَ أَبُو الْوَفَاءِ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ وَحَصَرَهَا.
وَلَمَّا اتَّصَلَ بِعَضُدِ الدَّوْلَةِ مَجِئُ أَبِي تَغْلِبَ إِلَى قِلَاعِهِ سَارَ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ، فَلَمْ يُدْرِكْهُ، وَلَكِنَّهُ اسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ أَكْثَرَ أَصْحَابِهِ، وَعَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَسَيَّرَ فِي أَثَرِ أَبِي تَغْلِبَ عَسْكَرًا مَعَ قَائِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ طَغَانُ، فَتَعَسَّفَ أَبُو تَغْلِبَ إِلَى بَدْلِيسَ، وَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَتْبَعُهُ أَحَدٌ، فَتَبِعَهُ طُغَانُ، فَهَرَبَ مِنْ بَدْلِيسَ وَقَصَدَ بِلَادَ الرُّومِ لِيَتَّصِلَ بِمَلِكِهِمُ الْمَعْرُوفِ بِوَرْدٍ الرُّومِيِّ، وَلَيْسَ مِنْ بَيْتِ الْمُلْكِ، وَإِنَّمَا تَمَلَّكَ عَلَيْهِمْ قَهْرًا، (وَاخْتَلَفَ الرُّومُ عَلَيْهِ) ، وَنَصَّبُوا غَيْرَهُ مِنْ أَوْلَادِ مُلُوكِهِمْ، فَطَالَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، فَصَاهَرَ وَرْدٌ هَذَا أَبَا تَغْلِبَ لِيَتَقَوَّى بِهِ فَقُدِّرَ أَنَّ أَبَا تَغْلِبَ احْتَاجَ إِلَى الِاعْتِضَادِ بِهِ.
وَلَمَّا سَارَ أَبُو تَغْلِبَ مِنْ بَدْلِيسَ أَدْرَكَهُ عَسْكَرُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَهُمْ حَرِيصُونَ عَلَى أَخْذِ مَا مَعَهُ مِنَ الْمَالِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ سَمِعُوا بِكَثْرَتِهِ، فَلَمَّا وَقَعُوا عَلَيْهِ نَادَى أَمِيرُهُمْ: لَا تَتَعَرَّضُوا لِهَذَا الْمَالِ، فَهُوَ لِعَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَفَتُرُوا عَنِ الْقِتَالِ.
فَلَمَّا رَآهُمْ أَبُو تَغْلِبَ فَاتِرِينَ حَمَلَ عَلَيْهِمْ فَانْهَزَمُوا، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً وَنَجَا مِنْهُمْ، فَنَزَلَ بِحِصْنِ زِيَادٍ وَيُعْرَفُ الْآنَ بِخَرْتَبِرْتَ، وَأَرْسَلَ وَرْدٌ الْمَذْكُورُ فَعَرَّفَهُ مَا هُوَ بِصَدَدِهِ مِنِ اجْتِمَاعِ الرُّومِ عَلَيْهِ وَاسْتَمَدَّهُ وَقَالَ: إِذَا فَرَغْتُ عُدْتُ إِلَيْكَ. فَسَيَّرَ إِلَيْهِ أَبُو تَغْلِبَ طَائِفَةً مِنْ عَسْكَرِهِ، فَاتُّفِقَ أَنَّ وَرْدًا انْهَزَمَ، فَلَمَّا عَلِمَ أَبُو تَغْلِبَ بِذَلِكَ يَئِسَ مِنْ نَصْرِهِ، وَعَادَ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَنَزَلَ بِآمِدَ، وَأَقَامَ بِهَا شَهْرَيْنِ إِلَى أَنْ فُتِحَتْ مَيَّافَارِقِينَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِيهَا ظَهَرَ بِإِفْرِيقِيَّةَ فِي السَّمَاءِ حُمْرَةٌ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالشَّمَالِ، مِثْلُ لَهَبِ النَّارِ فَخَرَجَ النَّاسُ يَدْعُونَ اللَّهَ تَعَالَى، وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ.
وَكَانَ بِالْمَهْدِيَّةِ زَلَازِلُ وَأَهْوَالٌ أَقَامَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، حَتَّى فَارَقَ أَهْلُهَا مَنَازِلَهُمْ، وَأَسْلَمُوا أَمْتِعَتَهُمْ.
стр. 4093
وَفِيهَا سَيَّرَ الْعَزِيزُ بِاللَّهِ الْعَلَوِيُّ صَاحِبُ مِصْرَ وَإِفْرِيقِيَّةَ أَمِيرًا عَلَى الْمَوْسِمِ لِيَحُجَّ بِالنَّاسِ، وَكَانَتِ الْخُطْبَةُ لَهُ بِمَكَّةَ، وَكَانَ الْأَمِيرُ عَلَى الْمَوْسِمِ بَادِيسَ بْنَ زِيرِي أَخَا يُوسُفَ بُلُكِّينَ، خَلِيفَتُهُ بِإِفْرِيقِيَّةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مَكَّةَ أَتَاهُ اللُّصُوصُ بِهَا فَقَالُوا لَهُ: نَتَقَبَّلُ مِنْكَ الْمَوْسِمَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلَا تَتَعَرَّضُ لَنَا، فَقَالَ لَهُمْ: أَفْعَلُ ذَلِكَ، اجْمَعُوا إِلَيَّ أَصْحَابَكُمْ حَتَّى يَكُونَ الْعَقْدُ مَعَ جَمِيعِكُمْ، فَاجْتَمَعُوا فَكَانُوا نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ رَجُلًا، فَقَالَ: هَلْ بَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدٌ؟ (فَحَلَفُوا أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ) ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ كُلَّهُمْ.
وَفِيهَا زَادَتْ دِجْلَةُ زِيَادَةً عَظِيمَةً، وَغَرَّقَتْ كَثِيرًا مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ بِبَغْدَاذَ، وَغَرَّقَتْ أَيْضًا مَقَابِرَ بِبَابِ التِّبْنِ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْهَا، وَبَلَغَتِ السَّفِينَةُ أُجْرَةً وَافِرَةً، وَأَشْرَفَتِ النَّاسُ عَلَى الْهَلَاكِ، ثُمَّ نَقَصَ الْمَاءُ فَأَمِنُوا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ قُرَيْعَةَ، وَلَهُ نَوَادِرُ مَجْمُوعَةٌ، وَعُمْرُهُ خَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً.
وَفِيهَا خُلِعَ عَلَى الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ أَحْمَدَ بِالرَّيِّ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِهَا وَبِمَا تَحْتَ حُكْمِ مُؤَيَّدِ الدَّوْلَةِ مِنَ الْبِلَادِ، وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَيَرِدُ فِي تَرَاجِمِ تَصَانِيفِهِ: قَاضِي الْقُضَاةِ، وَيَعْنِي بِهِ قَاضِيَ قُضَاةِ أَعْمَالِ الرَّيِّ، وَبَعْضُ مَنْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ يَظُنُّهُ قَاضِيَ الْقُضَاةِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
стр. 4094
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣٦٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ فَتْحِ مَيَّافَارِقِينَ وَآمِدَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ دِيَارِ بَكْرٍ عَلَى يَدِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ
لَمَّا عَادَ أَبُو الْوَفَاءِ مِنْ طَلَبِ أَبِي تَغْلِبَ نَازَلَ مَيَّافَارِقِينَ، وَكَانَ الْوَالِي عَلَيْهَا هَزَارْمَرْدَ، فَضَبَطَ الْبَلَدَ، وَبَالَغَ فِي قِتَالِ أَبِي الْوَفَاءِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَاتَ هَزَارْمَرْدُ، فَكُوتِبَ أَبُو تَغْلِبَ بِذَلِكَ، فَأَمَرَ أَنْ يُقَامَ مَقَامَهُ غُلَامٌ مِنَ الْحَمْدَانِيَّةِ اسْمُهُ مُؤْنِسٌ (فَوَلِيَ الْبَلَدَ) وَلَمْ يَكُنْ لِأَبِي الْوَفَاءِ فِيهِ حِيلَةٌ، فَعَدَلَ عَنْهُ، وَأَرْسَلَ رَجُلًا مِنْ أَعْيَانِ الْبَلَدِ اسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَاسْتَمَالَهُ فَأَجَابَهُ، وَشَرَعَ فِي اسْتِمَالَةِ الرَّعِيَّةِ إِلَى أَبِي الْوَفَاءِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَعَظُمَ أَمْرُهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى مُؤْنِسٍ يَطْلُبُ لَهُ الْأَمَانَ، فَأَرْسَلَ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ إِلَى أَبِي الْوَفَاءِ فِي ذَلِكَ فَأَمَّنَهُ، وَأَمَّنَ سَائِرَ أَهْلِ الْبَلَدِ، فَفَتَحَ لَهُ الْبَلَدَ وَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ.
وَكَانَ أَبُو الْوَفَاءِ مُدَّةَ مُقَامِهِ عَلَى مَيَّافَارِقِينَ قَدْ بَثَّ سَرَايَاهُ فِي تِلْكَ الْحُصُونِ الْمُجَاوِرَةِ لَهَا، فَافْتَتَحَهَا جَمِيعَهَا، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو تَغْلِبَ بِذَلِكَ سَارَ عَنْ آمِدَ نَحْوَ الرُّحْبَةِ، هُوَ وَأُخْتُهُ جَمِيلَةُ، وَأَمَرَ بَعْضَ أَهْلِهِ بِالِاسْتِئْمَانِ إِلَى أَبِي الْوَفَاءِ، فَفَعَلُوا، ثُمَّ إِنَّ أَبَا الْوَفَاءِ سَارَ إِلَى آمِدَ فَحَصَرَهَا، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُهَا ذَلِكَ سَلَكُوا مَسْلَكَ أَهْلِ مَيَّافَارِقِينَ، فَسَلَّمُوا الْبَلَدَ بِالْأَمَانِ فَاسْتَوْلَى أَبُو الْوَفَاءِ عَلَى سَائِرِ دِيَارِ بَكْرٍ، وَقَصَدَهُ أَصْحَابُ أَبِي تَغْلِبَ وَأَهْلُهُ مُسْتَأْمِنِينَ إِلَيْهِ، فَأَمَّنَهُمْ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَعَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ.
وَأَمَّا أَبُو تَغْلِبَ فَإِنَّهُ لَمَّا قَصَدَ الرُّحْبَةَ أَنْفَذَ رَسُولًا إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ يَسْتَعْطِفُهُ، وَيَسْأَلُهُ
стр. 4095
الصَّفْحَ، فَأَحْسَنَ جَوَابَ الرُّسُلِ، وَبَذَلَ لَهُ إِقْطَاعًا يُرْضِيهِ، عَلَى أَنْ يَطَأَ بِسَاطَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَبُو تَغْلِبَ إِلَى ذَلِكَ، (وَسَارَ إِلَى الشَّامِ، إِلَى الْعَزِيزِ بِاللَّهِ صَاحِبِ مِصْرَ) .
ذِكْرُ فَتْحِ دِيَارِ مُضَرَ عَلَى يَدِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ
كَانَ مُتَوَلِّي دِيَارِ مُضَرَ لِأَبِي تَغْلِبَ بْنِ حَمْدَانَ سَلَامَةَ الْبَرْقَعِيدِيَّ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ سَعْدُ الدَّوْلَةِ بْنُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ مِنْ حَلَبَ جَيْشًا، فَجَرَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ، وَكَانَ سَعْدُ الدَّوْلَةِ قَدْ كَاتَبَ عَضُدَ الدَّوْلَةِ، وَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ، فَأَنْفَذَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ النَّقِيبَ أَبَا أَحْمَدَ، وَالِدَ الرَّضِيِّ، إِلَى الْبِلَادِ الَّتِي بِيَدِ سَلَامَةَ، فَتَسَلَّمَهَا بَعْدَ حَرْبٍ شَدِيدَةٍ، وَدَخَلَ أَهْلُهَا فِي الطَّاعَةِ، فَأَخَذَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ لِنَفْسِهِ الرَّقَّةَ حَسْبُ، وَرَدَّ بَاقِيَهَا إِلَى سَعْدِ الدَّوْلَةِ فَصَارَتْ لَهُ.
ثُمَّ اسْتَوْلَى عَضُدُ الدَّوْلَةِ عَلَى الرُّحْبَةِ، وَتَفَرَّغَ بَعْدَ ذَلِكَ لِفَتْحِ قِلَاعِهِ وَحُصُونِهِ، وَهِيَ قَلْعَةُ كَوَاشَى، وَكَانَ فِيهَا خَزَائِنُهُ وَأَمْوَالُهُ، وَقَلْعَةُ هَرُورَ وَالْمَلَاسِي وَبُرْقَى وَالشِّعْبَانِيُّ وَغَيْرُهَا مِنَ الْحُصُونِ، فَلَمَّا اسْتَوْلَى عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ أَبِي تَغْلِبَ اسْتَخْلَفَ أَبَا الْوَفَاءِ عَلَى الْمَوْصِلِ، وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ فِي سَلْخِ ذِي الْقَعْدَةِ، وَلَقِيَهُ الطَّائِعُ لِلَّهِ، وَجَمْعٌ مِنَ الْجُنْدِ وَغَيْرُهُمْ.
ذِكْرُ وِلَايَةِ قَسَّامٍ دِمَشْقَ
لَمَّا فَارَقَ الْفَتْكِينُ دِمَشْقَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، تَقَدَّمَ عَلَى أَهْلِهَا قَسَّامٌ، وَكَانَ سَبَبُ تَقَدُّمِ قَسَّامٍ أَنَّ الْفَتْكِينَ قَرَّبَهُ وَوَثِقَ إِلَيْهِ، وَعَوَّلَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أُمُورِهِ عَلَيْهِ، فَعَلَا ذِكْرُهُ وَصِيتُهُ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ مِنَ الْأَحْدَاثِ، فَاسْتَوْلَى عَلَى الْبَلَدِ وَحَكَمَ فِيهِ.
وَكَانَ الْقَائِدُ أَبُو مَحْمُودٍ قَدْ عَادَ إِلَى الْبَلَدِ عَلَيْهِ وَالِيًا عَلَيْهِ لِلْعَزِيزِ، فَلَمْ يَتِمَّ لَهُ مَعَ قَسَّامٍ أَمْرٌ، وَكَانَ لَا حُكْمَ لَهُ، وَلَمْ يَزَلْ أَمْرُ قَسَّامٍ عَلَى دِمَشْقَ نَافِذًا، وَهُوَ يَدْعُو لِلْعَزِيزِ بِاللَّهِ الْعَلَوِيِّ. وَوَصَلَ إِلَيْهِ أَبُو تَغْلِبَ بْنُ حَمْدَانَ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، مُنْهَزِمًا كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَمَنَعَهُ
стр. 4096
قَسَّامٌ مِنْ دُخُولِ دِمَشْقَ، وَخَافَهُ عَلَى الْبَلَدِ أَنْ يَتَوَلَّاهُ، إِمَّا غَلَبَةً، وَإِمَّا بِأَمْرِ الْعَزِيزِ، فَاسْتَوْحَشَ (أَبُو تَغْلِبَ) وَجَرَى بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ أَبِي تَغْلِبَ شَيْءٌ مِنْ قِتَالٍ، فَرَحَلَ أَبُو تَغْلِبَ إِلَى طَبَرِيَةَ.
وَوَرَدَ مِنْ عِنْدِ الْعَزِيزِ قَائِدٌ اسْمُهُ الْفَضْلُ فِي جَيْشٍ، فَحَصَرَ قَسَّامًا بِدِمَشْقَ، فَلَمْ يَظْفَرْ بِهِ، فَعَادَ عَنْهُ، وَبَقِيَ قَسَّامٌ كَذَلِكَ إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَسَيَّرَ مِنْ مِصْرَ أَمِيرًا إِلَى دِمَشْقَ اسْمُهُ سَلْمَانُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ فَلَاحٍ، فَوَصَلَ إِلَيْهَا، فَنَزَلَ بِظَاهِرِهَا، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ دُخُولِهَا، وَأَقَامَ فِي غَيْرِ شَيْءٍ، فَنَهَى النَّاسَ عَنْ حَمْلِ السِّلَاحِ، فَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ، وَوَضَعَ قَسَّامٌ أَصْحَابَهُ عَلَى سَلْمَانَ، فَقَاتَلُوهُ وَأَخْرَجُوهُ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ.
وَكَانَ قَسَّامٌ بِالْجَامِعِ، وَالنَّاسُ عِنْدَهُ، فَكَتَبَ مَحْضَرًا وَسَيَّرَهُ إِلَى الْعَزِيزِ يَذْكُرُ أَنَّهُ كَانَ بِالْجَامِعِ عِنْدَ هَذِهِ الْفِتْنَةِ، وَلَمْ يَشْهَدْهَا، وَبَذَلَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ إِنْ قَصَدَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهٍ أَوْ عَسْكَرٌ لَهُ قَاتَلَهُ، (وَمَنَعَهُ مِنَ الْبَلَدِ، فَأَغْضَى الْعَزِيزُ لِقَسَّامٍ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ لِأَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يَقْصِدَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ الشَّامَ، فَلَمَّا فَارَقَ سَلْمَانُ دِمَشْقَ عَادَ إِلَيْهَا الْقَائِدُ أَبُو مَحْمُودٍ، وَلَا حُكْمَ لَهُ، وَالْحُكْمُ جَمِيعُهُ لِقَسَّامٍ) ، (فَدَامَ ذَلِكَ) .
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ زَلَازِلُ شَدِيدَةٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ أَشَدُّهَا بِالْعِرَاقِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السِّيرَافِيُّ النَّحْوِيُّ مُصَنِّفُ " شَرْحِ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ "، وَكَانَ فَقِيهًا، فَاضِلًا، مُهَنْدِسًا مَنْطِقِيًّا، فِيهِ كُلُّ فَضِيلَةٍ، وَعُمْرُهُ أَرْبَعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَوَلِيَ بَعْدَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مَعْرُوفٍ الْحَاكِمُ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ بِبَغْدَاذَ.
стр. 4097
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣٦٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ قَتْلِ أَبِي تَغْلِبَ بْنِ حَمْدَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرَ، قُتِلَ أَبُو تَغْلِبَ فَضْلُ اللَّهِ بْنُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ.
وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ سَارَ إِلَى الشَّامِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَوَصَلَ إِلَى دِمَشْقَ، وَبِهَا قَسَّامٌ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَيْهَا، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمْ يُمَكِّنْ أَبَا تَغَلُّبٍ مِنْ دُخُولِهَا فَنَزَلَ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَأَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى الْعَزِيزِ بِمِصْرَ يَسْتَنْجِدُهُ لِيَفْتَحَ لَهُ دِمَشْقَ، فَوَقَعَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَأَصْحَابِ قَسَّامٍ فِتْنَةٌ، فَرَحَلَ إِلَى نَوَى، وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِ دِمَشْقَ، فَأَتَاهُ كِتَابُ رَسُولِهِ مِنْ مِصْرَ يَذْكُرُ أَنَّ الْعَزِيزَ يُرِيدُ أَنْ يَحْضُرَ هُوَ عِنْدَهُ بِمِصْرَ لِيَسِيرَ مَعَهُ الْعَسَاكِرُ، فَامْتَنَعَ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ، وَرَحَلَ إِلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَةَ، وَسَيَّرَ الْعَزِيزُ عَسْكَرًا إِلَى دِمَشْقَ مَعَ قَائِدٍ اسْمُهُ الْفَضْلُ، فَاجْتَمَعَ بِأَبِي تَغْلِبَ عِنْدَ طَبَرِيَةَ، وَوَعْدَهُ، عَنِ الْعَزِيزِ، بِكُلِّ مَا أَحَبَّ، وَأَرَادَ أَبُو تَغْلِبَ الْمَسِيرَ مَعَهُ إِلَى دِمَشْقَ، فَمَنَعَهُ بِسَبَبِ الْفِتْنَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ قَسَّامٍ، لِئَلَّا يَسْتَوْحِشَ قَسَّامٌ، وَأَرَادَ أَخْذَ الْبَلَدِ مِنْهُ سِلْمًا، وَرَحَلَ الْفَضْلُ إِلَى دِمَشْقَ فَلَمْ يَفْتَحْهَا.
وَكَانَ بِالرَّمْلَةِ دَغْفَلُ بْنُ الْمُفَرِّجِ بْنِ الْجَرَّاحِ الطَّائِيُّ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى هَذِهِ النَّاحِيَةِ، وَأَظْهَرَ طَاعَةَ الْعَزِيزِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِأَحْكَامِهِ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَسَارَ إِلَى أَحْيَاءِ عُقَيْلٍ الْمُقِيمَةِ بِالشَّامِ لِيُخْرِجَهَا مِنَ الشَّامِ، فَاجْتَمَعَتْ عُقَيْلٌ إِلَى أَبِي تَغْلِبَ وَسَأَلَتْهُ نُصْرَتَهَا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ دَغْفَلٌ يَسْأَلُهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ، فَتَوَسَّطَ أَبُو تَغْلِبَ الْحَالَ، فَرَضُوا بِمَا يَحْكُمُ بِهِ الْعَزِيزُ.
(وَرَحَلَ أَبُو تَغْلِبَ، فَنَزَلَ فِي جِوَارِ عُقَيْلٍ) ، فَخَافَهُ دَغْفَلٌ، وَالْفَضْلُ صَاحِبُ الْعَزِيزِ، وَظَنَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أَخْذَ تِلْكَ الْأَعْمَالِ.
стр. 4098
ثُمَّ إِنَّ أَبَا تَغْلِبَ سَارَ إِلَى الرَّمْلَةِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، فَلَمْ يَشُكَّ ابْنُ الْجَرَّاحِ وَالْفَضْلُ أَنَّهُ يُرِيدُ حَرْبَهُمَا، وَكَانَا بِالرَّمْلَةِ، فَجَمَعَ الْفَضْلُ الْعَسَاكِرَ مِنَ السَّوَاحِلِ، وَكَذَلِكَ جَمَعَ دَغْفَلٌ مَنْ أَمْكَنَهُ (جَمْعُهُ) ، وَتَصَافَّ النَّاسُ لِلْحَرْبِ، فَلَمَّا رَأَتْ عُقَيْلٌ كَثْرَةَ الْجَمْعِ انْهَزَمَتْ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ أَبِي تَغْلِبَ إِلَّا نَحْوُ سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ، مِنْ غِلْمَانِهِ وَغِلْمَانِ أَبِيهِ، فَانْهَزَمَ وَلَحِقَهُ الطُّلَبُ، فَوَقَفَ يَحْمِي نَفْسَهُ وَأَصْحَابَهُ، فَضُرِبَ عَلَى رَأْسِهِ فَسَقَطَ، وَأُخِذَ أَسِيرًا، وَحُمِلَ إِلَى دَغْفَلٍ فَأَسَرَهُ وَكَتَّفَهُ.
وَأَرَادَ الْفَضْلُ أَخْذَهُ وَحَمْلَهُ إِلَى الْعَزِيزِ بِمِصْرَ، فَخَافَ دَغْفَلٌ أَنْ يَصْطَنِعَهُ الْعَزِيزُ، كَمَا فَعَلَ بِالْفَتْكِينِ، وَيَجْعَلَهُ عِنْدَهُ، فَقَتَلَهُ، فَلَامَهُ الْفَضْلُ عَلَى قَتْلِهِ، وَأَخَذَ رَأْسَهُ وَحَمَلَهُ إِلَى مِصْرَ، وَكَانَ مَعَهُ أُخْتُهُ جَمِيلَةُ بِنْتُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ وَزَوْجَتُهُ، وَهِيَ بِنْتُ عَمِّهِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، (فَلَمَّا قُتِلَ حَمَلَهُمَا بَنُو عُقَيْلٍ إِلَى حَلَبَ إِلَى سَعْدِ الدَّوْلَةِ بْنِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ) ، فَأَخَذَ أُخْتَهُ، وَسَيَّرَ جَمِيلَةَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَسُلِّمَتْ إِلَى أَبِي الْوَفَاءِ نَائِبِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَأَرْسَلَهَا إِلَى بَغْدَاذَ، فَاعْتُقِلَتْ فِي حُجْرَةِ دَارِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ.
ذِكْرُ مُحَارَبَةِ الْحَسَنِ بْنِ عِمْرَانَ مَعَ جُيُوشِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ عِمْرَانُ بْنُ شَاهِينَ، فَجْأَةً، فِي الْمُحَرَّمِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ، بَعْدَ أَنْ طَلَبَهُ الْمُلُوكُ وَالْخُلَفَاءُ وَبَذَلُوا الْجُهْدَ فِي أَخْذِهِ، وَأَعْمَلُوا الْحِيَلَ، أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمْ يُقَدِّرْهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَمَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ.
فَلَمَّا مَاتَ وَلِيَ مَكَانَهُ ابْنُهُ الْحَسَنُ، فَتَجَدَّدَ لِعَضُدِ الدَّوْلَةِ طَمَعٌ فِي أَعْمَالِ الْبَطِيحَةِ، فَجَهَّزَ الْعَسَاكِرَ مَعَ وَزِيرِهِ الْمُطَهِّرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَمَدَّهُمْ بِالْأَمْوَالِ وَالسِّلَاحِ وَالْآلَاتِ، وَسَارَ الْمُطَهِّرُ فِي صَفَرَ، فَلَمَّا وَصَلَ شَرَعَ فِي سَدِّ أَفْوَاهِ الْأَنْهَارِ الدَّاخِلَةِ فِي الْبَطَائِحِ، فَضَاعَ فِيهَا الزَّمَانُ وَالْأَمْوَالُ، وَجَاءَتِ الْمُدُودُ، وَبَثَقَ الْحَسَنُ بْنُ عِمْرَانَ بَعْضَ تِلْكَ السُّدُودِ، فَأَعَانَهُ الْمَاءُ فَقَلَعَهَا.
стр. 4099
وَكَانَ الْمُطَهِّرُ إِذَا سَدَّ جَانِبًا انْفَتَحَتْ عِدَّةُ جَوَانِبَ، ثُمَّ جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَسَنِ وَقْعَةٌ فِي الْمَاءِ فَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهِ الْحَسَنُ، وَكَانَ الْمُطَهِّرُ سَرِيعًا قَدْ أَلِفَ الْمُنَاجَزَةَ، وَلَمْ يَأْلَفْ فِي الْمُصَابَرَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
وَكَانَ مَعَهُ فِي عَسْكَرِهِ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْعَلَوِيُّ الْكُوفِيُّ، فَاتَّهَمَهُ بِمُرَاسَلَةِ الْحَسَنِ، وَإِطْلَاعِهِ عَلَى أَسْرَارِهِ، وَخَافَ الْمُطَهِّرُ أَنْ تَنْقُصَ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَيَشْمَتَ بِهِ أَعْدَاؤُهُ، كَأَبِي الْوَفَاءِ وَغَيْرِهِ، فَعَزَمَ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ، فَأَخَذَ سِكِّينًا وَقَطَعَ شَرَايِينَ ذِرَاعِهِ، فَخَرَجَ الدَّمُ مِنْهُ، فَدَخَلَ فَرَّاشٌ لَهُ، فَرَأَى الدَّمَ فَصَاحَ، فَدَخَلَ النَّاسُ فَرَأَوْهُ، وَظَنُّوا أَنَّ أَحَدًا فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، فَتَكَلَّمَ، وَكَانَ بِآخِرِ رَمَقٍ، وَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عُمَرَ أَحْوَجَنِي إِلَى هَذَا، ثُمَّ مَاتَ وَحُمِلَ إِلَى بَلَدِهِ كَازَرُونَ، فَدُفِنَ فِيهَا.
وَأَرْسَلَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ مَنْ حَفَظَ الْعَسْكَرَ، وَصَالَحَ الْحَسَنَ بْنَ عِمْرَانَ عَلَى مَالٍ يُؤَدِّيهِ، وَأَخَذَ رَهَائِنَهُ، وَانْفَرَدَ نَصْرُ بْنُ هَارُونَ بِوِزَارَةِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ مُقِيمًا بِفَارِسَ فَاسْتَخْلَفَ لَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بِحَضْرَتِهِ أَبَا الرَّيَّانِ حَمَدَ بْنَ مُحَمَّدٍ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ بَنِي شَيْبَانَ وَعَسْكَرِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَجَبٍ، سَيَّرَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ جَيْشًا إِلَى بَنِي شَيْبَانَ، وَكَانُوا قَدْ أَكْثَرُوا الْغَارَاتِ عَلَى الْبِلَادِ وَالْفَسَادَ، وَعَجَزَ الْمُلُوكُ عَنْ طَلَبِهِمْ، وَكَانُوا قَدْ عَقَدُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَكْرَادِ شَهْرَزُورَ مُصَاهِرَاتٍ، وَكَانَتْ شَهْرَزُورُ مُمْتَنِعَةً عَلَى الْمُلُوكِ، فَأَمَرَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ عَسْكَرَهُ بِمُنَازَلَةِ شَهْرَزُورَ لِيَنْقَطِعَ طَمَعُ بَنِي شَيْبَانَ عَنِ التَّحَصُّنِ بِهَا، فَاسْتَوْلَى أَصْحَابُهُ عَلَيْهَا وَمَلَكُوهَا، فَهَرَبَ بَنُو شَيْبَانَ، وَسَارَ الْعَسْكَرُ فِي طَلَبِهِمْ، وَأَوْقَعُوا بِهِمْ وَقِيعَةً عَظِيمَةً قُتِلَ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَنُهِبَتْ أَمْوَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ، وَأُسِرَ مِنْهُمْ ثَمَانُمِائَةِ أَسِيرٍ وَحُمِلُوا إِلَى بَغْدَاذَ.
ذِكْرُ وَصُولِ وَرْدٍ الرُّومِيِّ إِلَى دِيَارِ بَكْرٍ وَمَا كَانَ مِنْهُ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَ وَرْدٌ الرُّومِيُّ إِلَى دِيَارِ بَكْرٍ مُسْتَجِيرًا بِعَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَسْتَنْصِرُهُ عَلَى مُلُوكِ الرُّومِ، وَيَبْذُلُ لَهُ الطَّاعَةَ إِذَا مَلَكَ وَحَمْلَ الْخَرَاجِ.
стр. 4100
وَكَانَ سَبَبُ قُدُومِهِ أَنَّ أَرْمَانُوسَ مَلِكَ الرُّومِ لَمَّا تُوُفِّيَ خَلَّفَ وَلَدَيْنِ لَهُ صَغِيرَيْنِ، فَمَلَكَا بَعْدَهُ، وَكَانَ نَفْقُورُ، وَهُوَ حِينَئِذٍ الدُّمُسْتُقُ، قَدْ خَرَجَ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَنَكَى فِيهَا وَعَادَ، فَلَمَّا قَارَبَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ بَلَغَهُ مَوْتُ أَرْمَانُوسَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْجُنْدُ وَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلنِّيَابَةِ عَنِ الْمَلِكَيْنِ غَيْرُكُ، فَإِنَّهُمَا صَغِيرَانِ، فَامْتَنَعَ، فَأَلَحُّوا عَلَيْهِ فَأَجَابَهُمْ، وَخَدَمَ الْمَلِكَيْنِ، وَتَزَوَّجَ بِوَالِدَتِهِمَا، وَلَبِسَ التَّاجَ.
ثُمَّ إِنَّهُ جَفَا وَالِدَتَهُمَا، فَرَاسَلَتِ ابْنَ الشَّمْشَقِيقِ فِي قَتْلِ نَقْفُورَ وَإِقَامَتِهِ مَقَامَهُ، فَأَجَابَهَا إِلَى ذَلِكَ، وَسَارَ إِلَيْهِ سِرًّا هُوَ وَعَشَرَةُ رِجَالٍ، فَاغْتَالُوا الدُّمُسْتُقَ فَقَتَلُوهُ، وَاسْتَوْلَى ابْنُ الشَّمْشَقِيقِ عَلَى الْأَمْرِ، وَقَبَضَ عَلَى لَاوِنَ أَخِي الدُّمُسْتُقِ، وَعَلَى وَرْدِيسَ بْنِ لَاوِنَ، وَاعْتَقَلَهُ فِي بَعْضِ الْقِلَاعِ، وَسَارَ إِلَى أَعْمَالِ الشَّامِ فَأَوْغَلَ فِيهَا، وَنَالَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا أَرَادَ، وَبَلَغَ إِلَى طَرَابُلُسَ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ أَهْلُهَا فَحَصَرَهُمْ.
وَكَانَ لِوَالِدَةِ الْمَلِكَيْنِ أَخٌ خَصِيٌّ، وَهُوَ حِينَئِذٍ الْوَزِيرُ، فَوَضَعَ عَلَى ابْنِ الشَّمْشَقِيقِ مَنْ سَقَاهُ سُمًّا، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِ أَسْرَعَ الْعَوْدَ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَمَاتَ فِي طَرِيقِهِ.
وَكَانَ وَرْدُ بْنُ مُنِيرٍ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ الْجُيُوشِ وَعُظَمَاءِ الْبَطَارِقَةِ، فَطَمِعَ فِي الْأَمْرِ، وَكَاتَبَ أَبَا تَغْلِبَ بْنَ حَمْدَانَ وَصَاهَرَهُ، وَاسْتَجَاشَ بِالْمُسْلِمِينَ مِنَ الثُّغُورِ، فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، فَقَصَدَ الرُّومَ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ الْمَلِكَانِ جَيْشًا بَعْدَ جَيْشٍ وَهُوَ يَهْزِمُهُمْ، فَقَوِيَ جِنَانُهُ وَعَظُمَ شَأْنُهُ، وَقَصَدَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَخَافَهُ الْمَلِكَانِ، فَأَطْلَقَا وَرْدِيسَ بْنَ لَاوِنَ، وَقَدَّمَاهُ عَلَى الْجُيُوشِ، وَسَيَّرَاهُ لِقِتَالِ وَرْدٍ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَطَالَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ انْهَزَمَ وَرْدٌ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَقَصَدَ دِيَارَ بَكْرٍ، وَنَزَلَ بِظَاهِرِ مَيَّافَارِقِينَ، وَرَاسَلَ عَضُدَ الدَّوْلَةِ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ أَخَاهُ يَبْذُلُ الطَّاعَةَ وَالِاسْتِنْصَارَ بِهِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ وَوَعَدَهُ بِهِ.
ثُمَّ إِنَّ مَلِكَيِ الرُّومِ رَاسَلَا عَضُدَ الدَّوْلَةِ وَاسْتَمَالَاهُ، فَقَوِيَ فِي نَفْسِهِ تَرْجِيحُ جَانِبِ الْمَلِكَيْنِ، وَعَادَ عَنْ نُصْرَةِ وَرْدٍ، وَكَاتَبَ أَبَا عَلِيٍّ التَّمِيمِيَّ، وَهُوَ حِينَئِذٍ يَنُوبُ عَنْهُ بِدِيَارِ بَكْرٍ، بِالْقَبْضِ عَلَى وَرْدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَشَرَعَ يُدَبِّرُ الْحِيلَةَ عَلَيْهِ، وَاجْتَمَعَ إِلَى وَرْدٍ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا لَهُ:
следующие страницы →