Полный текст (6 163 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.
стр. 4901
فَأَكَلَ مِنْهُ، وَغَسَلَ يَدَيْهِ، وَعِنْدَهُ قَهْرَمَانَتُهُ شَمْسُ النَّهَارِ، فَقَالَ لَهَا: مَا هَذِهِ الْأَشْخَاصُ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَيَّ بِغَيْرِ إِذْنٍ؟ قَالَتْ: فَالْتَفَتُّ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَرَأَيْتُهُ قَدْ تَغَيَّرَتْ حَالَتُهُ، وَاسْتَرْخَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، وَانْحَلَّتْ قُوَّتُهُ، وَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ، فَظَنَنْتُهَا غَشْيَةً قَدْ لَحِقَتْهُ، فَحَلَلْتُ أَزْرَارَ ثَوْبِهِ، فَوَجَدْتُهُ وَقَدْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ أَمَارَاتُ الْمَوْتِ، وَمَاتَ لِوَقْتِهِ، قَالَتْ: فَتَمَاسَكْتُ، وَقُلْتُ لِجَارِيَةٍ عِنْدِي: لَيْسَ هَذَا وَقْتَ إِظْهَارِ الْجَزَعِ وَالْبُكَاءِ، فَإِنْ صِحْتِ قَتَلْتُكِ، وَأَحْضَرْتُ الْوَزِيرَ فَأَعْلَمْتُهُ الْحَالَ، فَشَرَعُوا فِي الْبَيْعَةِ لِوَلِيِّ الْعَهْدِ، وَجَهَّزُوا الْمُقْتَدِيَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ، وَدَفَنُوهُ.
وَكَانَ عُمُرُهُ ثَمَانِيًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَسَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ غَيْرَ يَوْمَيْنِ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدِ أَرْمَنِيَّةٌ تُسَمَّى أُرْجُوَانَ، وَتُدْعَى قُرَّةَ الْعَيْنِ، أَدْرَكَتْ خِلَافَتَهُ، وَخِلَافَةَ ابْنِهِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ، وَخِلَافَةَ ابْنِ ابْنِهِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ.
وَوَزَرَ لَهُ فَخْرُ الدَّوْلَةِ أَبُو نَصْرِ بْنُ جَهِيرٍ، ثُمَّ أَبُو شُجَاعٍ، ثُمَّ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ جَهِيرٍ.
وَقُضَاتُهُ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدَّامَغَانِيُّ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ الشَّامِيُّ.
وَكَانَتْ أَيَّامُهُ كَثِيرَةَ الْخَيْرِ، وَاسِعَةَ الرِّزْقِ، وَعَظُمَتِ الْخِلَافَةُ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ مِنْ قَبْلِهِ، وَانْعَمَرَتْ بِبَغْدَاذَ عِدَّةُ مَحَالٍّ فِي خِلَافَتِهِ مِنْهَا: الْبَصَلِيَّةُ، وَالْقَطِيعَةُ، وَالْحُلْبَةُ، وَالْمُقْتَدِّيَةُ، وَالْأَجَمَةُ، وَدَرْبُ الْقِيَارِ، وَخَرِبَةُ ابْنِ جَرْدَةَ، وَخَرِبَةُ الْهَرَّاسِ، وَالْخَاتُونِيَّتَيْنِ.
стр. 4902
وَأَمَرَ بِنَفْيِ الْمُغَنِّيَاتِ، وَالْمُفْسِدَاتِ مِنْ بَغْدَاذَ، وَبَيْعِ دُورِهِنَّ، فَنُفِينَ، وَمَنَعَ النَّاسَ أَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْحَمَّامَ إِلَّا بِمِئْزَرٍ، وَقَلَعَ الْهَرَادِيَّ، وَالْأَبْرَاجَ الَّتِي لِلطُّيُورِ، وَمَنَعَ مِنَ اللَّعِبِ بِهَا لِأَجْلِ الِاطِّلَاعِ عَلَى حُرَمِ النَّاسِ، وَمَنَعَ مِنْ إِجْرَاءِ مَاءِ الْحَمَّامَاتِ إِلَى دِجْلَةَ، وَأَلْزَمَ أَرْبَابَهَا بِحَفْرِ آبَارٍ لِلْمِيَاهِ، وَأَمْرَ أَنَّ مَنْ يَغْسِلُ السَّمَكَ الْمَالِحَ يَعْبُرُ إِلَى النَّجْمِيِّ فَيَغْسِلُهُ هُنَاكَ، وَمَنَعَ الْمَلَّاحِينَ أَنْ يَحْمِلُوا الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ مُجْتَمِعِينَ، وَكَانَ قَوِيَّ النَّفْسِ، عَظِيمَ الْهِمَّةِ مِنْ رِجَالِ بَنِي الْعَبَّاسِ.
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ
لَمَّا تُوُفِّيَ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، أُحْضِرَ وَلَدُهُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ، وَأُعْلِمَ بِمَوْتِهِ، وَحَضَرَ الْوَزِيرُ فَبَايَعَهُ، وَرَكِبَ إِلَى السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، فَأَعْلَمَهُ الْحَالَ، وَأَخَذَ بَيْعَتَهُ لِلْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ.
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ مِنْ مَوْتِ الْمُقْتَدِي أَظْهَرَ ذَلِكَ، وَحَضَرَ عِزُّ الْمُلْكِ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ وَزِيرُ بَرْكِيَارُقَ، وَأَخُوهُ بَهَاءُ الْمُلْكِ، وَأُمَرَاءُ السُّلْطَانِ، وَجَمِيعُ أَرْبَابِ الْمَنَاصِبِ: النَّقِيبَانِ طَرَّادٌ الْعَبَّاسِيُّ، وَالْمُعَمَّرُ الْعَلَوِيُّ فِي أَصْحَابِهِمَا، وَقَاضِي الْقُضَاةِ، وَالْغَزَالِيُّ، وَالشَّاشِيُّ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَجَلَسُوا فِي الْعَزَاءِ، وَبَايَعُوا، وَكَانَ لِلْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ لَمَّا بُويِعَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً وَشَهْرَانِ.
ذِكْرُ قَتْلِ قَسِيمِ الدَّوْلَةِ آقْسَنْقَرَ، وَمَلْكِ تُتُشْ حَلَبَ وَالْجَزِيرَةَ وَدِيَارَ بَكْرٍ، وَأَذْرَبِيجَانَ وَهَمَذَانَ، وَالْخُطْبَةِ لَهُ بِبَغْدَاذَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، قُتِلَ قَسِيمُ الدَّوْلَةِ آقْسَنْقَرُ، جَدُّ مُلُوكِنَا بِالْمَوْصِلِ الْآنَ، أَوْلَادُ الشَّهِيدِ زِنْكِيِّ بْنِ آقْسَنْقَرَ.
стр. 4903
وَسَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ تَاجَ الدَّوْلَةِ تُتُشْ لَمَّا عَادَ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ مُنْهَزِمًا لَمْ يَزَلْ يَجْمَعُ الْعَسَاكِرَ، فَكَثُرَتْ جُمُوعُهُ، وَعَظُمَ حَشْدُهُ، فَسَارَ فِي هَذَا التَّارِيخِ عَنْ دِمَشْقَ نَحْوَ حَلَبَ لِيَطْلُبَ السَّلْطَنَةَ، فَاجْتَمَعَ قَسِيمُ الدَّوْلَةِ آقْسَنْقَرُ، وَبُوزَانُ، وَأَمَدَّهُمَا رُكْنُ الدِّينِ بَرْكِيَارُقُ بِالْأَمِيرِ كَرْبُوقَا الَّذِي صَارَ بَعْدُ صَاحِبَ الْمَوْصِلِ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا سَارُوا إِلَى طَرِيقِهِ، فَلَقُوهُ عِنْدَ نَهْرِ سَبْعِينَ قَرِيبًا مِنْ تَلِّ السُّلْطَانِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَلَبَ سِتَّةُ فَرَاسِخَ، وَاقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَخَامَرَ بَعْضُ الْعَسْكَرِ الَّذِينَ مَعَ آقْسَنْقَرَ، فَانْهَزَمُوا، وَتَبِعَهُمُ الْبَاقُونَ، فَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ، وَثَبَتَ آقْسَنْقَرُ، فَأُخِذَ أَسِيرًا، وَأُحْضِرَ عِنْدَ تُتُشْ، فَقَالَ لَهُ: لَوْ ظَفِرْتَ بِي مَا كُنْتَ صَنَعْتَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَقْتُلُكَ! فَقَالَ لَهُ: أَنَا أَحْكُمُ عَلَيْكَ بِمَا كُنْتَ تَحْكُمُ عَلَيَّ، فَقَتَلَهُ صَبْرًا.
وَسَارَ نَحْوَ حَلَبَ، وَكَانَ قَدْ دَخَلَ إِلَيْهَا كَرْبُوقَا، وَبُوزَانُ، فَحَفِظَاهَا مِنْهُ، وَحَصَرَهَا تُتُشْ وَلَجَّ فِي قِتَالِهَا حَتَّى مَلَكَهَا، (سَلَّمَهَا إِلَيْهِ الْمُقِيمُ بِقَلْعَةِ الشَّرِيفِ، وَمِنْهَا دَخَلَ الْبَلَدَ، وَأَخَذَهُمَا أَسِيرَيْنِ، وَأَرْسَلَ إِلَى حَرَّانَ وَالرُّهَا لِيُسَلِّمُوهُ مَنْ بِهِمَا - وَكَانَتَا لَبُوزَانَ - فَامْتَنَعُوا مِنَ التَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، فَقَتَلَ بُوزَانَ، وَأَرْسَلَ رَأْسَهُ إِلَيْهِمْ) وَتَسَلَّمَ الْبَلَدَيْنِ.
وَأَمَّا كَرْبُوقَا فَإِنَّهُ أَرْسَلَهُ إِلَى حِمْصَ، فَسَجَنَهُ بِهَا إِلَى أَنْ أَخْرَجَهُ الْمَلِكُ رَضْوَانُ بَعْدَ قَتْلِ أَبِيهِ تُتُشْ.
وَكَانَ قَسِيمُ الدَّوْلَةِ أَحْسَنَ الْأُمَرَاءِ سِيَاسَةً لِرَعِيَّتِهِ، وَحِفْظًا لَهُمْ، وَكَانَتْ بِلَادُهُ بَيْنَ رُخْصٍ عَامٍّ، وَعَدْلٍ شَامِلٍ، وَأَمْنٍ وَاسِعٍ، وَكَانَ قَدْ شَرَطَ عَلَى أَهْلِ كُلِّ قَرْيَةٍ مِنْ بِلَادِهِ، مَتَى أُخِذَ عِنْدَهُمْ قَفْلٌ، أَوْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، غَرِمَ أَهْلُهَا جَمِيعَ مَا يُؤْخَذُ مِنَ
стр. 4904
الْأَمْوَالِ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، فَكَانَتِ السَّيَّارَةُ، إِذَا بَلَغُوا قَرْيَةً مِنْ بِلَادِهِ، أَلْقَوْا رِحَالَهُمْ وَنَامُوا، وَحَرَسَهُمْ أَهْلُ الْقَرْيَةِ إِلَى أَنْ يَرْحَلُوا، فَأَمِنَتِ الطُّرُقُ.
وَأَمَّا وَفَاؤُهُ، وَحُسْنُ عَهْدِهِ، فَيَكْفِيهِ فَخْرًا أَنَّهُ قُتِلَ فِي حِفْظِ بَيْتِ صَاحِبِهِ وَوَلِيِّ نِعْمَتِهِ.
فَلَمَّا مَلَكَ تُتُشْ حَرَّانَ وَالرُّهَا سَارَ إِلَى الدِّيَارِ الْجَزَرِيَّةِ فَمَلَكَهَا جَمِيعَهَا، ثُمَّ مَلَكَ دِيَارَ بَكْرٍ وَخِلَاطٍ، وَسَارَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ فَمَلَكَ بِلَادَهَا كُلَّهَا، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى هَمَذَانَ فَمَلَكَهَا، وَرَأَى بِهَا فَخْرَ الْمُلْكِ بْنَ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَكَانَ بِخُرَاسَانَ، فَسَارَ مِنْهَا إِلَى السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ لِيَخْدِمَهُ، فَوَقَعَ عَلَيْهِ الْأَمِيرُ قِمَاجُ، وَهُوَ مِنْ عَسْكَرِ مَحْمُودِ ابْنِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ بِأَصْبَهَانَ، فَنَهَبَ فَخْرَ الْمُلْكِ، فَهَرَبَ مِنْهُ وَنَجَا بِنَفْسِهِ، فَجَاءَ إِلَى هَمَذَانَ فَصَادَفَهُ تُتُشْ بِهَا، فَأَرَادَ قَتْلَهُ، فَشَفَعَ فِيهِ يَاغِي سِيَانَ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَوْزِرَهُ لِمَيْلِ النَّاسِ إِلَى بَيْتِهِ، فَاسْتَوْزَرَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَغْدَاذَ يَطْلُبُ الْخُطْبَةَ مِنَ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ، وَكَانَ شِحْنَتُهُ بِبَغْدَاذَ أَيْتَكِينَ جَبَّ، فَلَازَمَ الْخِدْمَةَ بِالدِّيوَانِ، وَأَلَحَّ فِي طَلَبِهَا، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ سَمِعُوا أَنَّ بَرْكِيَارُقَ قَدِ انْهَزَمَ مِنْ عَسْكَرِ عَمِّهِ تُتُشْ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
ذِكْرُ انْهِزَامِ بَرْكِيَارُقَ مِنْ عَمِّهِ تُتُشْ وَمَلْكِهِ أَصْبَهَانَ بَعْدَ ذَلِكَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالٍ، انْهَزَمَ بَرْكِيَارُقُ مِنْ عَسْكَرِ عَمِّهِ تُتُشْ. وَكَانَ بَرْكِيَارُقُ بِنَصِيبِينَ، فَلَمَّا سَمِعَ بِمَسِيرِ عَمِّهِ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، سَارَ هُوَ مِنْ نَصِيبِينَ، وَعَبَرَ دِجْلَةَ مِنْ بَلَدٍ فَوْقَ الْمَوْصِلِ، وَسَارَ إِلَى إِرْبِلَ، وَمِنْهَا إِلَى بَلَدِ سُرْخَابَ بْنِ بَدْرٍ إِلَى أَنْ بَقِيَ
стр. 4905
بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمِّهِ تِسْعَةُ فَرَاسِخَ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُ أَلْفِ رَجُلٍ، وَكَانَ عَمُّهُ فِي خَمْسِينَ أَلْفَ رَجُلٍ، فَسَارَ الْأَمِيرُ يَعْقُوبُ بْنُ آبِقٍ مِنْ عَسْكَرِ عَمِّهِ، فَكَبَسَهُ، وَهَزَمَهُ، وَنَهَبَ سَوَادَهُ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا بَرْسَقُ، وَكَمُشْتِكِينُ الْجَانْدَارُ، وَالْيَارِقُ، وَهُمْ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْكِبَارِ، فَسَارَ إِلَى أَصْبَهَانَ.
وَكَانَتْ خَاتُونُ أُمُّ أَخِيهِ مَحْمُودٍ قَدْ مَاتَتْ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، فَمَنَعَهُ مَنْ بِهَا مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهَا، ثُمَّ أَذِنُوا لَهُ خَدِيعَةً مِنْهُمْ لِيَقْبِضُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَارَبَهَا خَرَجَ أَخُوهُ الْمَلِكُ مَحْمُودٌ فَلَقِيَهُ، وَدَخْلَ الْبَلَدَ، وَاحْتَاطُوا عَلَيْهِ، فَاتَّفَقَ أَنَّ أَخَاهُ مَحْمُودًا حُمَّ وَجُدِرَ، فَأَرَادَ الْأُمَرَاءُ أَنْ يَكْحَلُوا بَرْكِيَارُقَ، فَقَالَ لَهُمْ أَمِينُ الدَّوْلَةِ بْنُ التِّلْمِيذِ الطَّبِيبُ: إِنَّ الْمَلِكَ مَحْمُودًا قَدْ جُدِرَ، وَمَا كَأَنَّهُ يَسْلَمُ مِنْهُ، وَأَرَاكُمْ تَكْرَهُونَ أَنْ يَلِيَكُمْ، وَيَمْلِكَ الْبِلَادَ تَاجُ الدَّوْلَةِ، فَلَا تَعْجَلُوا عَلَى بَرْكِيَارُقَ، فَإِنْ مَاتَ مَحْمُودٌ أَقِيمُوهُ مَلِكًا، وَإِنْ سَلِمَ مَحْمُودٌ فَأَنْتُمْ تَقْدِرُونَ عَلَى كَحْلِهِ. فَمَاتَ مَحْمُودٌ سَلْخَ شَوَّالٍ، فَكَانَ هَذَا مِنَ الْفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ، وَجَلَسَ بَرْكِيَارُقُ لِلْعَزَاءِ بِأَخِيهِ.
وَكَانَ مَوْلِدُ مَحْمُودٍ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَقَصَدَهُ مُؤَيِّدُ الْمُلْكِ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ، فَاسْتَوْزَرَهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَكَانَ أَخُوهُ عِزُّ الْمُلْكِ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ قَدْ مَاتَ لَمَّا كَانَ مَعَ بَرْكِيَارُقَ بِالْمَوْصِلِ، وَحُمِلَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَدُفِنَ بِالنِّظَامِيَّةِ
وَكَانَ أَصْبَحَ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَحْسَنَهُمْ خُلُقًا وَسِيرَةً، وَكَانَ قَدْ أَجْرَى النَّاسَ عَلَى مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ تَوْقِيعَاتِ أَبِيهِ فِي الْإِطْلَاقَاتِ مِنْ خَاصَّتِهِ، مِنْهَا بِبَغْدَاذَ مِائَتَا كُرِّ غَلَّةٍ، وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ أَمِيرِيٍّ.
ثُمَّ إِنَّ بَرْكِيَارُقَ جُدِرَ، بَعْدَ أَخِيهِ، وَعُوفِيَ وَسَلِمَ، فَلَمَّا عُوفِيَ كَاتَبَ مُؤَيِّدُ الْمُلْكِ وَزِيرُهُ الْأُمَرَاءَ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالْخُرَاسَانِيِّينَ، وَاسْتَمَالَهُمْ، فَعَادُوا كُلُّهُمْ إِلَى بَرْكِيَارُقَ، فَعَظُمَ شَأْنُهُ وَكَثُرَ عَسْكَرُهُ.
стр. 4906
ذِكْرُ وَفَاةِ أَمِيرِ الْجُيُوشِ بِمِصْرَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، (فِي ذِي الْقَعْدَةِ) ، تُوُفِّيَ أَمِيرُ الْجُيُوشِ بَدْرٌ الْجَمَالِيُّ، صَاحِبُ الْجَيْشِ بِمِصْرَ، وَقَدْ جَاوَزَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَكَانَ هُوَ الْحَاكِمَ فِي دَوْلَةِ الْمُسْتَنْصِرِ، وَالْمَرْجُوعَ إِلَيْهِ.
وَكَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الشَّامِ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّعِيَّةِ وَالْجُنْدِ بِدِمَشْقَ مَا خَافَ [مِنْهُ] عَلَى نَفْسِهِ، فَخَرَجَ عَنْهَا هَارِبًا، وَجَمَعَ وَحَشَدَ، وَقَدِمَ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ بِأَسْرِهِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، ثُمَّ خَالَفَهُ أَهْلُ دِمَشْقَ مَرَّةً أُخْرَى، فَهَرَبَ مِنْهُمْ سَنَةَ سِتِّينَ، وَخَرَّبَ الْعَامَّةُ وَالْجُنْدُ قَصْرَ الْإِمَارَةِ، ثُمَّ مَضَى أَمِيرُ الْجُيُوشِ إِلَى مِصْرَ، وَتَقَدَّمَ بِهَا، وَصَارَ صَاحِبَ الْأَمْرِ.
قَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ (عَبْدِ الرَّزَّاقِ) الْعُلَيْمِيُّ: قَصَدْتُ بَدْرًا الْجَمَالِيَّ بِمِصْرَ، فَرَأَيْتُ أَشْرَافَ النَّاسِ، وَكُبَرَاءَهُمْ، وَشُعَرَاءَهُمْ عَلَى بَابِهِ، قَدْ طَالَ مَقَامُهُمْ، وَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ، قَالَ: فَبَيَّنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ خَرَجَ بَدْرٌ يُرِيدُ الصَّيْدَ، فَخَرَجَ عَلْقَمَةُ فِي أَثَرِهِ، وَأَقَامَ إِلَى أَنْ رَجَعَ مِنْ صَيْدِهِ، فَلَمَّا قَارَبَهُ وَقَفَ عَلَى نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَأَوْمَأَ بِرُقْعَةٍ فِي يَدِهِ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
نَحْنُ التِّجَارُ وَهَذِهِ أَعْلَاقُنَا ... دُرٌّ وَجَوْدُ يَمِينِكَ الْمُبْتَاعُ
قَلِّبْ وَفَتِّشْهَا بِسَمْعِكَ إِنَّمَا ... هِيَ جَوْهَرٌ تَخْتَارُهُ الْأَسْمَاعُ
كَسَدَتْ عَلَيْنَا بِالشَّآمِ وَكُلَّمَا ... قَلَّ النَّفَاقُ تَعَطَّلَ الصُّنَّاعُ
فَأَتَاكَ يَحْمِلُهَا إِلَيْكَ تِجَارُهَا ... وَمَطِيُّهَا الْآمَالُ وَالْأَطْمَاعُ
حَتَّى أَنَاخُوهَا بِبَابِكَ وَالرَّجَا ... مِنْ دُونِكَ السِّمْسَارُ وَالْبَيَّاعُ
فَوَهَبْتَ مَا لَمْ يُعْطِهِ فِي دَهْرِهِ ... هِرَمٌ وَلَا كَعْبٌ وَلَا الْقَعْقَاعُ
وَسَبَقْتَ هَذَا النَّاسَ فِي طَلَبِ الْعُلَى ... فَالنَّاسُ بَعْدَكَ كُلُّهُمْ أَتْبَاعُ
يَا بَدْرُ أَقْسِمُ لَوْ بِكَ اعْتَصَمَ الْوَرَى ... وَلَجُوا إِلَيْكَ جَمِيعُهُمْ مَا ضَاعُوا
стр. 4907
وَكَانَ عَلَى يَدِ بَدْرٍ بَازِيٌّ فَأَلْقَاهُ وَانْفَرَدَ عَنِ الْجَيْشِ، وَجَعَلَ يَسْتَرِدُّ الْأَبْيَاتَ وَهُوَ يُنْشِدُهَا إِلَى أَنِ اسْتَقَرَّ فِي مَجْلِسِهِ، ثُمَّ قَالَ لِجَمَاعَةِ غِلْمَانِهِ وَخَاصَّتِهِ: مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيَخْلَعْ عَلَى هَذَا الشَّاعِرِ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، وَمَعَهُ سَبْعُونَ بَغْلًا، يَحْمِلُ الْخِلَعَ وَالتُّحَفَ، وَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، وَفَرَّقَ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ عَلَى الشُّعَرَاءِ، وَلَمَّا مَاتَ بَدْرٌ قَامَ بِمَا كَانَ إِلَيْهِ ابْنُهُ الْأَفْضَلُ.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمُسْتَنْصِرِ، وَوِلَايَةِ ابْنِهِ الْمُسْتَعْلِي
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثَامِنَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ، تُوُفِّيَ الْمُسْتَنْصِرُ بِاللَّهِ أَبُو تَمِيمٍ مَعَدُّ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيٍّ الظَّاهِرِ لِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ الْعَلَوِيُّ، صَاحِبُ مِصْرَ وَالشَّامِ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سِتِّينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ عُمْرُهُ سَبْعًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَهُوَ الَّذِي خَطَبَ لَهُ الْبَسَاسِيرِيُّ بِبَغْدَاذَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ.
وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَاحِ، رَئِيسَ هَذِهِ الطَّائِفَةِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، قَدْ قَصَدَهُ فِي زِيِّ تَاجِرٍ، وَاجْتَمَعَ بِهِ، وَخَاطَبَهُ فِي إِقَامَةِ الدَّعْوَةِ لَهُ بِبِلَادِ الْعَجَمِ، فَعَادَ وَدَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ سِرًّا، ثُمَّ أَظْهَرَهَا، وَمَلَكَ الْقِلَاعَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَالَ لِلْمُسْتَنْصِرِ: مَنْ إِمَامِي بَعْدَكَ؟ فَقَالَ: ابْنِي نِزَارٌ، وَهُوَ أَكْبَرُ أَوْلَادِهِ، وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا يَقُولُونَ بِإِمَامَةِ نِزَارٍ.
وَلَقِيَ الْمُسْتَنْصِرُ شَدَائِدَ وَأَهْوَالًا، وَانْفَتَقَتْ عَلَيْهِ الْفُتُوقُ بِدِيَارِ مِصْرَ، أَخْرَجَ فِيهَا أَمْوَالَهُ وَذَخَائِرَهُ إِلَى أَنْ بَقِيَ لَا يَمْلِكُ غَيْرَ سَجَّادَتِهِ الَّتِي يَجْلِسُ عَلَيْهَا، وَهُوَ مَعَ هَذَا صَابِرٌ غَيْرُ خَاشِعٍ، وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى ذِكْرِ هَذَا سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَغَيْرِهَا.
وَلَمَّا مَاتَ وَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ الْمُسْتَعْلِي بِاللَّهِ، وَمَوْلِدُهُ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ قَدْ عَهِدَ فِي حَيَاتِهِ بِالْخِلَافَةِ لِابْنِهِ نِزَارٍ، فَخَلَعَهُ الْأَفْضَلُ وَبَايَعَ الْمُسْتَعْلِي بِاللَّهِ.
وَسَبَبُ خَلْعِهِ أَنَّ الْأَفْضَلَ رَكِبَ مَرَّةً، أَيَّامَ الْمُسْتَنْصِرِ، وَدَخَلَ دِهْلِيزَ الْقَصْرِ مِنْ
стр. 4908
بَابِ الذَّهَبِ رَاكِبًا، وَنِزَارٌ خَارِجٌ، وَالْمَجَازُ مُظْلِمٌ، فَلَمْ يَرَهُ الْأَفْضَلُ، فَصَاحَ بِهِ نِزَارٌ:
انْزِلْ، يَا أَرْمَنِيُّ، كَلْبٌ، عَنِ الْفَرَسِ، مَا أَقَلَّ أَدَبَكَ فَحَقَدَهَا عَلَيْهِ، فَلَمَّا مَاتَ الْمُسْتَنْصِرُ خَلَعَهُ خَوْفًا مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَبَايَعَ الْمُسْتَعْلِيَ، فَهَرَبَ نِزَارٌ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَبِهَا نَاصِرُ الدَّوْلَةِ أَفْتَكِينُ، فَبَايَعَهُ أَهْلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَسَمَّوْهُ الْمُصْطَفَى لِدِينِ اللَّهِ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَلَعَنَ الْأَفْضَلَ، وَأَعَانَهُ أَيْضًا الْقَاضِي جَلَالُ الدَّوْلَةِ بْنُ عَمَّارٍ، قَاضِي الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْأَفْضَلُ، وَحَاصَرَهُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَعَادَ عَنْهُ مَقْهُورًا، ثُمَّ ازْدَادَ عَسْكَرًا، وَسَارَ إِلَيْهِ فَحَصَرَهُ وَأَخَذَهُ، وَأَخَذَ أَفْتَكِينَ فَقَتَلَهُ، وَتَسَلَّمَ الْمُسْتَعْلِي نِزَارًا فَبَنَى عَلَيْهِ حَائِطًا فَمَاتَ، وَقَتَلَ الْقَاضِي جَلَالَ الدَّوْلَةِ بْنَ عَمَّارٍ وَمَنْ أَعَانَهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، رَأَى بَعْضُ الْيَهُودِ بِالْغَرْبِ رُؤْيَا أَنَّهُمْ سَيَطِيرُونَ، فَأَخْبَرَ الْيَهُودَ بِذَلِكَ، فَوَهَبُوا أَمْوَالَهُمْ وَذَخَائِرَهُمْ، وَجَعَلُوا يَنْتَظِرُونَ الطَّيَرَانَ، فَلَمْ يَطِيرُوا، وَصَارُوا ضُحَكَةً بَيْنَ الْأُمَمِ.
وَفِي هَذِهِ الشَّهْرِ كَانَتْ بِالشَّامِ زَلَازِلُ كَثِيرَةٌ مُتَتَابِعَةٌ يَطُولُ مُكْثُهَا، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الْهَدْمُ كَثِيرًا.
стр. 4909
وَفِيهَا كَانَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ أَهْلِ نَهْرِ طَابَقٍ وَأَهْلِ بَابِ الْأَرْجَا، فَاحْتَرَقَتْ نَهْرُ طَابَقٍ، وَصَارَتْ تُلُولًا، فَلَمَّا احْتَرَقَتْ عَبَرَ يُمْنٌ، صَاحِبُ الشُّرْطَةِ، فَقَتَلَ رَجُلًا مَسْتُورًا، فَنَفَرَ النَّاسُ مِنْهُ، وَعُزِلَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي هَاشِمٍ الْحُسَيْنِيُّ، أَمِيرُ مَكَّةَ، وَقَدْ جَاوَزَ سَبْعِينَ سَنَةً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُمْدَحُ بِهِ، وَكَانَ قَدْ نَهَبَ بَعْضَ الْحُجَّاجِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا.
وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، قَتَلَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ عَمَّهُ تُكُشْ وَغَرَّقَهُ، وَقَتَلَ وَلَدَهُ مَعَهُ، وَكَانَ مَلِكْشَاهْ قَدْ أَخَذَهُ، لَمَّا خَرَجَ عَلَيْهِ، وَكَحَلَهُ، وَحَبَسَهُ بِقَلْعَةِ تِكْرِيتَ، فَلَمَّا مَلَكَ بَرْكِيَارُقُ أَحْضَرَهُ إِلَيْهِ بِبَغْدَاذَ، وَسَارَ بِمَسِيرِهِ، فَظَفِرَ بِمُلَطِّفَاتٍ إِلَيْهِ مِنْ أَخِيهِ تُتُشْ يَحُثُّهُ عَلَى اللَّحَاقِ بِهِ، وَقِيلَ إِنَّهُ أَرَادَ الْمَسِيرَ إِلَى بَلْخٍ لِأَنَّ أَهْلَهَا كَانُوا يُرِيدُونَهُ، فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا غَرِقَ بَقِيَ بِسُرَّ مَنْ رَأَى، فَحُمِلَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَدُفِنَ عِنْدَ قَبْرِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ الْأَمِيرِ أُنِرْ وَتُورَانْشَاهْ، ابْنِ قَاوَرْتِ بِكْ، وَكَانَتْ تُرْكَانُ خَاتُونَ الْجَلَالِيَّةُ، وَالِدَةُ مَحْمُودِ بْنِ مَلِكْشَاهْ، قَدْ أَرْسَلَتْهُ فِي عَسْكَرٍ لِيَأْخُذَ بِلَادَ فَارِسٍ مِنْ تُورَانْشَاهْ، وَلَمْ يُحْسِنِ الْأَمِيرُ أُنِرْ تَدْبِيرَ بِلَادِ فَارِسَ، فَاسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْأَجْنَادُ، وَاجْتَمَعُوا مَعَ تُورَانْشَاهْ، وَهَزَمُوا أُنِرْ، وَمَاتَ تُورَانْشَاهْ، بَعْدَ الْكَسْرَةِ (بِشَهْرٍ مِنْ سَهْمٍ) أَصَابَهُ فِيهَا.
وَفِيهَا اسْتَوْلَى أَصْبَهْبَذُ بْنُ سَاوَتِكِينَ عَلَى مَكَّةَ، حَرَسَهَا اللَّهُ، عَنْوَةً، وَهَرَبَ مِنْهَا الْأَمِيرُ قَاسِمُ بْنُ أَبِي هَاشِمٍ الْعَلَوِيُّ صَاحِبُهَا، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى شَوَّالٍ، وَجَمَعَ الْأَمِيرَ قَاسِمَ،
стр. 4910
وَكَبَسَهُ بِعَسَفَانَ، وَجَرَى بَيْنَهُمَا حَرْبٌ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَانْهَزَمَ أَصْبَهْبَذُ، وَدَخَلَ قَاسِمٌ إِلَى مَكَّةَ، وَمَضَى أَصْبَهْبَذُ إِلَى الشَّامِ، وَقَدِمَ إِلَى بَغْدَاذَ.
وَفِيهَا فِي رَجَبٍ، أَحْرَقَ شِحْنَةَ بَغْدَاذَ، وَهُوَ أَيْتَكِينُ، جَبَّ بَابَ الْبَصْرَةِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ النَّقِيبَ طَرَّادًا الزَّيْنَبِيَّ كَانَ لَهُ كَاتِبٌ يُعْرَفُ بِابْنِ سِنَانٍ، فَقُتِلَ، فَأَنْفَذَ النَّقِيبُ إِلَى الشِّحْنَةِ يَسْتَدْعِي مِنْهُ مَنْ يُقِيمُ السِّيَاسَةَ، فَأَنْفَذَ حَاجِبَهُ مُحَمَّدًا، فَرَجَمَهُ أَهْلُ بَابِ الْبَصْرَةِ، وَأَدْمَوْهُ، فَرَجَعَ إِلَى صَاحِبِهِ فَشَكَا إِلَيْهِ مِنْهُمْ، فَأَمَرَ أَخَاهُ بِقَصْدِهِمْ، وَمُعَاقَبَتِهِمْ عَلَى فِعْلِهِمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فِي جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ، وَتَبِعَهُمْ أَهْلُ الْكَرْخِ، فَأَحْرَقُوا وَنَهَبُوا، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الشِّحْنَةِ يَأْمُرُهُ بِالْكَفِّ عَنْهُمْ فَكَفَّ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا فِي رَمَضَانَ، تُوُفِّيَتْ تُرْكَانُ خَاتُونَ الْجَلَالِيَّةُ بِأَصْبَهَانَ، وَهِيَ ابْنَةُ طَفْغَاجْ خَانْ، وَهُوَ مِنْ نَسْلِ إِفْرَاسِيَابَ التُّرْكِيِّ، وَكَانَتْ قَدْ بَرَزَتْ مِنْ أَصْبَهَانَ لِتَسِيرَ إِلَى تَاجِ الدَّوْلَةِ تُتُشْ لِتَتَّصِلَ بِهِ، فَمَرِضَتْ وَعَادَتْ وَمَاتَتْ، وَأَوْصَتْ إِلَى الْأَمِيرِ أُنَرْ وَإِلَى الْأَمِيرِ سَرْمَزَ شِحْنَةَ أَصْبَهَانَ بِحِفْظِ الْمَمْلَكَةِ عَلَى ابْنِهَا مَحْمُودٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ بِيَدِهَا سِوَى قَصَبَةِ أَصْبَهَانَ، وَمَعَهَا عَشَرَةُ آلَافِ فَارِسٍ أَتْرَاكٍ.
وَفِيهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ، تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ بْنِ الْمُوصِلَايَا، كَاتِبُ دِيوَانِ الزِّمَامِ بِبَغْدَاذَ.
стр. 4911
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]
٤٨٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ دُخُولِ جَمْعٍ مِنَ التُّرْكِ إِفْرِيقِيَّةَ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَدَرَ شَاهْمُلْكِ التُّرْكِيُّ بِيَحْيَى بْنِ تَمِيمِ بْنِ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ، وَقَبَضَ عَلَيْهِ.
وَكَانَ شَاهْمُلْكِ هَذَا مِنْ أَوْلَادِ بَعْضِ الْأُمَرَاءِ الْأَتْرَاكِ بِبِلَادِ الْمَشْرِقِ، فَنَالَهُ فِي بَلَدِهِ أَمْرٌ اقْتَضَى خُرُوجَهُ مِنْهُ، فَسَارَ إِلَى مِصْرَ فِي مِائَةِ فَارِسٍ، فَأَكْرَمَهُ الْأَفْضَلُ أَمِيرُ الْجُيُوشِ، وَأَعْطَاهُ إِقْطَاعًا وَمَالًا، ثُمَّ بَلَغَهُ عَنْهُ أَسْبَابٌ أَوْجَبَتْ إِخْرَاجَهُ مِنْ مِصْرَ، فَخَرَجَ هُوَ، وَأَصْحَابُهُ هَارِبِينَ، فَاحْتَالُوا حَتَّى أَخَذُوا سِلَاحًا، وَخَيْلًا، وَتَوَجَّهُوا إِلَى الْمَغْرِبِ، فَوَصَلُوا إِلَى طَرَابُلُسَ الْغَرْبَ، وَأَهْلُ الْبَلَدِ كَارِهُونَ لِوَالِيهَا، فَأَدْخَلُوهُمُ الْبَلَدَ، وَأَخْرَجُوا الْوَالِيَ، وَصَارَ شَاهْمُلْكِ أَمِيرَ الْبَلَدِ.
فَسَمِعَ تَمِيمٌ الْخَبَرَ، فَأَرْسَلَ الْعَسَاكِرَ إِلَيْهَا، فَحَصَرُوهَا، وَضَيَّقُوا عَلَى التُّرْكِ فَفَتَحُوهَا، وَوَصَلَ شَاهْمُلْكِ مَعَهُمْ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ، فَسُّرَ بِهِ تَمِيمٌ وَبِمَنْ مَعَهُ، وَقَالَ: وُلِدَ لِي مِائَةُ وَلَدٍ أَنْتَفِعُ بِهِمْ، وَكَانُوا لَا يُخْطِئُ لَهُمْ سَهْمٌ.
فَلَمْ تَطُلِ الْأَيَّامُ حَتَّى جَرَى مِنْهُمْ أَمْرٌ غَيَّرَ تَمِيمًا عَلَيْهِمْ، فَعَلِمَ شَاهْمُلْكِ ذَلِكَ، وَكَانَ دَاهِيًا، خَبِيثًا، فَخَرَجَ يَحْيَى بْنُ تَمِيمٍ إِلَى الصَّيْدِ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِهِ نَحْوَ مِائَةِ فَارِسٍ، وَمَعَهُ شَاهْمُلْكِ، وَكَانَ أَبُوهُ تَمِيمٌ قَدْ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَنْ لَا يَقْرَبَ شَاهْمُلْكِ، فَلَمْ يَقْبَلْ. فَلَمَّا أَبْعَدُوا فِي طَلَبِ الصَّيْدِ غَدَرَ بِهِ شَاهْمُلْكِ فَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَسَارَ بِهِ، وَبِمَنْ أُخِذَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى مَدِينَةِ سَفَاقُسَ.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ تَمِيمًا، فَرَكِبَ، وَسَيَّرَ الْعَسَاكِرَ فِي أَثَرِهِمْ، فَلَمْ يُدْرِكُوهُمْ، وَوَصَلَ
стр. 4912
شَاهْمُلْكِ بِيَحْيَى بْنِ تَمِيمٍ إِلَى سَفَاقُسَ، فَرَكِبَ صَاحِبُهَا، وَاسْمُهُ حُمُّو، وَكَانَ قَدْ خَالَفَ عَلَى تَمِيمٍ، وَلَقِيَ يَحْيَى، وَمَشَى فِي رِكَابِهِ رَاجِلًا، وَقَبَّلَ يَدَهُ، وَعَظَّمَهُ، وَاعْتَرَفَ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ أَيَّامًا، وَلَمْ يَذْكُرُهُ أَبُوهُ بِكَلِمَةٍ، وَكَانَ قَدْ جَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ، فَلَمَّا أُخِذَ أَقَامَ أَبُوهُ مَقَامَهُ ابْنًا لَهُ آخَرَ اسْمُهُ الْمُثَنَّى.
ثُمَّ إِنَّ صَاحِبَ سَفَاقُسَ خَافَ يَحْيَى عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَثُورَ مَعَهُ الْجُنْدُ، وَأَهْلُ الْبَلَدِ، وَيُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى تَمِيمٍ كِتَابًا يَسْأَلُهُ فِي إِنْفَاذِ الْأَتْرَاكِ، وَأَوْلَادِهِمْ إِلَيْهِ لِيُرْسِلَ ابْنَهُ يَحْيَى، فَفَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ امْتِنَاعٍ، وَقَدِمَ يَحْيَى، فَحَجَبَهُ أَبُوهُ عَنْهُ مُدَّةً، ثُمَّ أَعَادَهُ إِلَى حَالِهِ، وَرَضِيَ عَنْهُ، ثُمَّ جَهَّزَ تَمِيمٌ عَسْكَرًا إِلَى سَفَاقُسَ، وَيَحْيَى مَعَهُمْ، فَسَارُوا إِلَيْهَا، وَحَصَرُوهَا، بَرًّا وَبَحْرًا، وَضَيَّقُوا عَلَى الْأَتْرَاكِ بِهَا، وَأَقَامُوا عَلَيْهَا شَهْرَيْنِ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا، (وَفَارَقَهَا الْأَتْرَاكُ إِلَى قَابِسَ) .
وَكَانَ تَمِيمٌ لَمَّا رَضِيَ عَنِ ابْنِهِ يَحْيَى عَظُمَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِهِ الْآخَرِ الْمُثَنَّى، وَدَاخَلَهُ الْحَسَدُ، فَلَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ، فَنَقَلَ عَنْهُ إِلَى أَبِيهِ مَا غَيَّرَ قَلْبَهُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ مِنَ الْمَهْدِيَّةِ بِأَهْلِهِ، وَأَصْحَابِهِ، فَرَكِبَ فِي الْبَحْرِ وَمَضَى إِلَى سَفَاقُسَ، فَلَمْ يُمَكِّنْهُ عَامِلُهُ مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهَا، وَقَصَدَ مَدِينَةَ قَابِسَ، وَبِهَا أَمِيرٌ يُقَالُ لَهُ مَكِينُ بْنُ كَامِلٍ الدِّهْسَمَانِيُّ، فَأَنْزَلَهُ، وَأَكْرَمَهُ، فَحَسَّنَ لَهُ الْمُثَنَّى الْخُرُوجَ مَعَهُ إِلَى سَفَاقُسَ، وَالْمَهْدِيَّةِ، وَأَطْمَعَهُ فِيهِمَا، وَضَمِنَ الْإِنْفَاقَ عَلَى الْجُنْدِ مِنْ مَالِهِ، فَجَمَعَ مَكِينٌ مَنْ يُمْكِنُهُ جَمْعُهُ، وَسَارَ إِلَى سَفَاقُسَ، وَمَعَهُمَا شَاهْمُلْكِ التُّرْكِيُّ وَأَصْحَابُهُ، فَنَزَلُوا عَلَى سَفَاقُسَ وَقَاتَلُوهَا.
وَسَمِعَ تَمِيمٌ، فَجَرَّدَ إِلَيْهَا جُنْدًا، فَلَمَّا عَلِمَ الْمُثَنَّى وَمَنْ مَعَهُ أَنَّهُمْ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهَا سَارُوا عَنْهَا إِلَى الْمَهْدِيَّةِ، فَنَزَلُوا عَلَيْهَا، وَقَاتَلُوهَا، وَكَانَ الَّذِي يَتَوَلَّى الْقِتَالَ فِي الْمَهْدِيَّةِ يَحْيَى بْنُ تَمِيمٍ، وَظَهَرَتْ مِنْهُ شَهَامَةٌ، وَشَجَاعَةٌ، وَحَزْمٌ، وَحُسْنُ تَدْبِيرٍ، فَلَمْ يَبْلُغْ أُولَئِكَ مِنْهَا غَرَضًا، فَعَادُوا خَائِبِينَ، وَقَدْ تَلَفَ مَا كَانَ مَعَ الْمُثَنَّى مِنْ مَالٍ، وَغَيْرِهِ، وَعَظُمَ أَمْرُ يَحْيَى، وَصَارَ هُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ.
стр. 4913
ذِكْرُ قَتْلِ أَحْمَدَ خَانْ صَاحِبِ سَمَرْقَنْدَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، قُتِلَ أَحْمَدُ خَانْ، صَاحِبُ سَمَرْقَنْدَ، وَكَانَ قَدْ كَرِهَهُ عَسْكَرُهُ وَاتَّهَمُوهُ بِفَسَادِ الِاعْتِقَادِ، وَقَالُوا: هُوَ زِنْدِيقٌ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ السُّلْطَانَ مَلِكْشَاهْ، لَمَّا فَتَحَ سَمَرْقَنْدَ وَأَسَرَ أَحْمَدَ خَانْ هَذَا، قَدْ وَكَّلَ بِهِ جَمَاعَةً مِنَ الدَّيْلَمِ، فَحَسَّنُوا لَهُ مُعْتَقَدَهُمْ، وَأَخْرَجُوهُ إِلَى الْإِبَاحَةِ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ كَانَ يَظْهَرُ مِنْهُ أَشْيَاءُ تَدُلُّ عَلَى انْحِلَالِهِ مِنَ الدِّينِ، فَلَمَّا كَرِهَهُ أَصْحَابُهُ، وَعَزَمُوا عَلَى قَتْلِهِ، قَالُوا لِمُسْتَحْفِظِ قَلْعَةِ كَاسَانَ، وَهُوَ طُغْرُلُ يَنَالْ بِكْ، لِيُظْهِرَ الْعِصْيَانَ لِيَسِيرَ أَحْمَدُ خَانْ مَعَهُمْ مِنْ سَمَرْقَنْدَ إِلَى قِتَالِهِ، فَيَتَمَكَّنُوا مِنْ قَتْلِهِ، فَعَصَى طُغْرُلُ يَنَالْ بِكْ، فَسَارَ أَحْمَدُ خَانْ وَالْعَسْكَرُ إِلَى قِتَالِهِ، فَلَمَّا نَازَلَ الْقَلْعَةَ تَمَكَّنَ الْعَسْكَرُ مِنْهُ، وَقَبَضُوا عَلَيْهِ، وَعَادُوا إِلَى سَمَرْقَنْدَ، وَأَحْضَرُوا الْقُضَاةَ وَالْفُقَهَاءَ، وَأَقَامُوا خُصُومًا ادَّعَوْا عَلَيْهِ الزَّنْدَقَةَ، فَجَحَدَ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ بِذَلِكَ، فَأَفْتَى الْفُقَهَاءُ بِقَتْلِهِ، فَخَنَقُوهُ، وَأَجْلَسُوا ابْنَ عَمِّهِ مَسْعُودًا مَكَانَهُ وَأَطَاعُوهُ.
ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ يُوسُفُ بْنُ آبِقٍ بِبَغْدَاذَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرَ، سَيَّرَ الْمَلِكُ تُتُشْ يُوسُفَ بْنَ آبِقٍ التُّرْكُمَانِيَّ شِحْنَةً لِبَغْدَاذَ، وَمَعَهُ جَمْعٌ مِنَ التُّرْكُمَانِ، فَمُنِعَ مِنْ دُخُولِ بَغْدَاذَ، وَوَرَدَ إِلَيْهِ صَدَقَةُ بْنُ مَزْيَدٍ صَاحِبُ الْحِلَّةِ، وَكَانَ يَكْرَهُ تُتُشْ، وَلَمْ يَخْطُبْ لَهُ فِي بِلَادِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ ابْنُ آبِقٍ بِوُصُولِهِ عَادَ إِلَى طَرِيقِ خُرَاسَانَ وَنَهَبَ بَاجِسْرَا، وَقَاتَلَهُ الْعَسْكَرُ بِبَعْقُوبَا، فَهَزَمَهُمْ وَنَهَبَهُمْ أَفْحَشَ نَهْبٍ وَأَكْثَرَ مَعَهُ مِنَ التُّرْكُمَانِ وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ.
стр. 4914
وَكَانَ صَدَقَةُ قَدْ رَجَعَ إِلَى الْحِلَّةِ، فَدَخَلَ يُوسُفُ بْنُ آبِقٍ إِلَى بَغْدَاذَ، وَأَرَادَ نَهْبَهَا وَالْإِيقَاعَ بِأَهْلِهَا، فَمَنَعَهُ أَمِيرٌ كَانَ مَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ وَصَلَ إِلَيْهِ الْخَبَرُ بِقَتْلِ تُتُشْ، فَرَحَلَ عَنْ بَغْدَاذَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَسَارَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى حَلَبَ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ بَرْكِيَارُقَ، وَتُتُشْ، وَقَتْلِ تُتُشْ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرَ، قُتِلَ تُتُشْ بْنُ أَلْب أَرْسِلَانَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا هُزِمَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، سَارَ مِنْ مَوْضِعِ الْوَقْعَةِ إِلَى هَمَذَانَ، وَقَدْ تَحَصَّنَ بِهَا أَمِيرٌ آخَرُ، فَرَحَلَ تُتُشْ عَنْهَا، فَتَبِعَهُ أَمِيرٌ آخَرُ لِأَجْلِ أَثْقَالِهِ، فَعَادَ عَلَيْهِ تُتُشْ فَكَسَرَهُ، فَعَادَ إِلَى هَمَذَانَ، وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ، وَصَارَ مَعَهُ.
وَبَلَغَ تُتُشْ مَرَضَ بَرْكِيَارُقَ، فَسَارَ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَاسْتَأْذَنَهُ أَمِيرٌ آخَرُ فِي قَصْدِ جِرْبَاذَقَانَ لِإِقَامَةِ الضِّيَافَةِ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَسَارَ إِلَيْهَا، وَمِنْهَا إِلَى أَصْبَهَانَ، وَعَرَّفَهُمْ خَبَرَ تُتُشْ.
وَعَلِمَ تُتُشْ خَبَرَهُ، فَنَهَبَ جِرْبَاذَقَانَ، وَسَارَ إِلَى الرَّيِّ، وَرَاسَلَ الْأُمَرَاءَ الَّذِينَ بِأَصْبَهَانَ يَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ، وَيَبْذُلُ لَهُمُ الْبَذُولَ الْكَثِيرَةَ، وَكَانَ بَرْكِيَارُقُ مَرِيضًا بِالْجُدَرِيِّ، فَأَجَابُوهُ يَعِدُونَهُ بِالِانْحِيَازِ إِلَيْهِ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ مَا يَكُونُ مِنْ بَرْكِيَارُقَ، فَلَمَّا عُوفِيَ أَرْسَلُوا إِلَى تُتُشْ: لَيْسَ بَيْنَنَا غَيْرُ السَّيْفِ، وَسَارُوا مَعَ بَرْكِيَارُقَ مِنْ أَصْبَهَانَ، وَهُمْ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَلَمَّا بَلَغُوا جِرْبَاذَقَانَ أَقْبَلَتْ إِلَيْهِمُ الْعَسَاكِرُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، حَتَّى صَارُوا فِي ثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَالْتَقَوْا بِمَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنَ الرَّيِّ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ تُتُشْ، وَثَبَتَ هُوَ، فَقُتِلَ، قِيلَ قَتَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ آقْسَنْقَرَ، صَاحِبِ حَلَبَ، أَخْذًا بِثَأْرِ صَاحِبِهِ.
وَكَانَ قَدْ قُبِضَ عَلَى فَخْرِ الْمُلْكِ بْنِ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَهُوَ مَعَهُ، فَأُطْلِقَ، وَاسْتَقَامَ الْأَمْرُ وَالسَّلْطَنَةُ لِبَرْكِيَارُقَ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا هَيَّأَ أَسْبَابَهُ، بِالْأَمْسِ يَنْهَزِمُ مِنْ عَمِّهِ تُتُشْ، وَيَصِلُ إِلَى أَصْبَهَانَ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَلَا يَتْبَعُهُ أَحَدٌ، وَلَوْ تَبِعَهُ عِشْرُونَ فَارِسًا لَأَخَذُوهُ لِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَى بَابِ أَصْبَهَانَ عِدَّةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ لَمَّا دَخَلَهَا أَرَادَ الْأُمَرَاءُ كَلْحَهُ، فَاتَّفَقَ أَنَّ أَخَاهُ حُمَّ ثَانِيَ يَوْمِ وُصُولِهِ، وَجُدِرَ، فَمَاتَ، فَقَامَ فِي الْمُلْكِ مَقَامَهُ، ثُمَّ جُدِرَ هُوَ، وَأَصَابَهُ مَعَهُ
стр. 4915
سِرْسَامٌ، فَعُوفِيَ، وَبَقِيَ مُذْ كَسَرَهُ عَمُّهُ إِلَى أَنْ عُوفِيَ وَسَارَ عَنْ أَصْبَهَانَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لَمْ يَتَحَرَّكْ عَمُّهُ، وَلَا عَمِلَ شَيْئًا، وَلَوْ قَصَدَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ أَوْ وَقْتَ مَرَضِ أَخِيهِ لَمَلَكَ الْبِلَادَ:
وَلِلَّهِ سِرٌّ فِي عُلَاكَ وَإِنَّمَا ... كَلَامُ الْعِدَا ضَرْبٌ مِنَ الْهَذَيَانِ
ذِكْرُ حَالِ الْمَلِكِ رِضْوَانَ وَأَخِيهِ دُقَاقٍ بَعْدَ قَتْلِ أَبِيهِمَا
كَانَ تَاجُ الدَّوْلَةِ تُتُشْ قَدْ أَوْصَى أَصْحَابَهُ بِطَاعَةِ ابْنِهِ الْمَلِكِ رِضْوَانٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ مِنْ بَلَدِ الْجَبَلِ، قَبْلَ الْمَصَافِّ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَيُقِيمَ بِدَارِ الْمَمْلَكَةِ، فَسَارَ فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنْهُمْ: إِيلَغَازِي بْنُ أَرْتِقَ، وَكَانَ قَدْ سَارَ إِلَى تُتُشْ، فَتَرَكَهُ عِنْدَ ابْنِهِ رِضْوَانٍ، وَمِنْهُمُ: الْأَمِيرُ وَثَّابُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ صَالِحِ بْنِ مِرْدَاسٍ، وَغَيْرُهُمَا، فَلَمَّا قَارَبَ هَيْتَ بَلَغَهُ قَتْلُ أَبِيهِ، فَعَادَ إِلَى حَلَبَ، وَمَعَهُ وَالِدَتُهُ، فَمَلَكَهَا، وَكَانَ بِهَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَوَارِزْمِيُّ، قَدْ سَلَّمَهَا إِلَيْهِ تُتُشْ وَحَكَّمَهُ فِي الْبَلَدِ وَالْقَلْعَةِ.
وَلَحِقَ بِرِضْوَانَ - زَوْجُ أُمِّهِ جَنَاحُ الدَّوْلَةِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَيْتَكِينَ، وَكَانَ مَعَ تُتُشْ، فَسَلِمَ مِنَ الْمَعْرَكَةِ، وَكَانَ مَعَ رِضْوَانَ أَيْضًا أَخَوَاهُ الصَّغِيرَانِ: أَبُو طَالِبٍ وَبِهْرَامُ، وَكَانُوا كُلُّهُمْ مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ كَالْأَضْيَافِ لِتَحَكُّمِهِ فِي الْبَلَدِ، وَاسْتَمَالَ جَنَاحُ الدَّوْلَةِ الْمَغَارِبَةَ، وَكَانُوا أَكْثَرَ جُنْدِ الْقَلْعَةِ، فَلَمَّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ نَادَوْا بِشِعَارِ الْمَلِكِ رِضْوَانَ، وَاحْتَاطُوا عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رِضْوَانٌ يُطَيِّبُ قَلْبَهُ، فَاعْتَذَرَ، فَقَبِلَ عُذْرَهُ، وَخُطِبَ لِرِضْوَانٍ عَلَى مَنَابِرِ حَلَبَ وَأَعْمَاِلِهَا، وَلَمْ يَكُنْ يُخْطَبُ لَهُ بَلْ كَانَتِ الْخُطْبَةُ لِأَبِيهِ، بَعْدَ قَتْلِهِ، نَحْوَ شَهْرَيْنِ.
وَسَارَ جَنَاحُ الدَّوْلَةِ فِي تَدْبِيرِ الْمَمْلَكَةِ سِيرَةً حَسَنَةً، وَخَالَفَ عَلَيْهِمُ الْأَمِيرَ يَاغِي
стр. 4916
سِيَّانَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَلْبَ التُّرْكُمَانِيَّ، صَاحِبَ أَنْطَاكِيَّةَ، ثُمَّ صَالَحَهُمْ، وَأَشَارَ عَلَى الْمَلِكِ رِضْوَانٍ بِقَصْدِ دِيَارِ بَكْرٍ، لِخُلُوِّهَا مِنْ وَالٍ يَحْفَظُهَا، فَسَارُوا جَمِيعًا، وَقَدِمَ عَلَيْهِمْ أُمَرَاءُ الْأَطْرَافِ الَّذِينَ كَانَ تُتُشْ رَتَّبَهُمْ فِيهَا، وَقَصَدُوا سَرُوجَ فَسَبَقَهُمْ إِلَيْهَا الْأَمِيرُ سُقْمَانُ بْنُ أُرْتُقَ جَدُّ أَصْحَابِ الْحِصْنِ الْيَوْمَ، وَأَخَذَهَا، وَمَنَعَهُمْ عَنْهَا، وَأَمَرَ أَهْلَ الْبَلَدِ فَخَرَجُوا إِلَى رِضْوَانَ، وَتَظَلَّمُوا إِلَيْهِ مِنْ عَسَاكِرِهِ، وَمَا يُفْسِدُونَ مِنْ غَلَّاتِهِمْ، وَيَسْأَلُونَهُ الرَّحِيلَ، فَرَحَلَ عَنْهُمْ إِلَى الرُّهَا.
وَكَانَ بِهَا رَجُلٌ مِنَ الرُّومِ يُقَالُ لَهُ الْفَارَقْلِيطُ، وَكَانَ يَضْمَنُ الْبَلَدَ مِنْ بُوزَانَ، فَقَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْ مَعَهُ، وَاحْتَمَى بِالْقَلْعَةِ، وَشَاهَدُوا مِنْ شَجَاعَتِهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَظُنُّونَهُ، ثُمَّ مَلَكَهَا رِضْوَانُ، وَطَلَبَ يَاغِي سِيَانَ الْقَلْعَةَ مِنْ رُضْوَانَ، فَوَهَبَهَا لَهُ، فَتَسَلَّمَهَا وَحَصَّنَهَا، وَرَتَّبَ رِجَالَهَا، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ حَرَّانَ يَطْلُبُونَهُمْ لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ حَرَّانَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ قَرَاجَةُ أَمِيرُهَا، فَاتَّهَمَ ابْنَ الْمُفْتِي، وَكَانَ ابْنُ الْمُفْتِي هَذَا قَدِ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ تُتُشْ فِي حِفْظِ الْبَلَدِ، فَأَخَذَهُ، وَأَخَذَ مَعَهُ بَنِي أَخِيهِ، فَصَلَبَهُمْ.
وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى رِضْوَانَ، وَقَدِ اخْتَلَفَ جَنَاحُ الدَّوْلَةِ، وَيَاغِي سِيَانَ، وَأَضْمَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْغَدْرَ بِصَاحِبِهِ، فَهَرَبَ جَنَاحُ الدَّوْلَةِ إِلَى حَلَبَ، فَدَخَلَهَا، وَاجْتَمَعَ بِزَوْجَتِهِ أُمِّ الْمَلِكِ رِضْوَانَ، وَسَارَ رِضْوَانٌ، وَيَاغِي سِيَانَ، فَعَبَرَا الْفُرَاتَ إِلَى حَلَبَ، فَسَمِعَا بِدُخُولِ جَنَاحِ الدَّوْلَةِ إِلَيْهَا، فَفَارَقَ يَاغِي سِيَانَ الْمَلِكَ رِضْوَانَ، وَسَارَ إِلَى أَنْطَاكِيَّةَ، وَمَعَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْخَوَارِزْمِيُّ، وَسَارَ رِضْوَانُ إِلَى حَلَبَ.
وَأَمَّا دُقَاقُ بْنُ تُتُشْ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ سَيَّرَهُ أَبُوهُ إِلَى عَمِّهِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ بِبَغْدَاذَ، وَخَطَبَ لَهُ ابْنَةَ السُّلْطَانِ، وَسَارَ بَعْدَ وَفَاةِ السُّلْطَانِ مَعَ خَاتُونَ الْجَلَالِيَّةِ وَابْنِهَا مَحْمُودٍ إِلَى أَصْبَهَانَ، وَخَرَجَ إِلَى السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ سِرًّا، وَصَارَ مَعَهُ، ثُمَّ لَحِقَ بِأَبِيهِ، وَحَضَرَ مَعَهُ الْوَقْعَةَ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا.
стр. 4917
فَلَمَّا قُتِلَ أَبُوهُ أَخَذَهُ غُلَامٌ لِأَبِيهِ اسْمُهُ أَيْتَكِينُ الْحَلَبِيُّ، وَسَارَ بِهِ إِلَى حَلَبَ، وَأَقَامَ عِنْدَ أَخِيهِ الْمَلِكِ رِضْوَانَ، فَرَاسَلَهُ الْأَمِيرُ سَاوَتَكِينُ الْخَادِمُ الْوَالِي بِقَلْعَةِ دِمَشْقَ سِرًّا، يَدْعُوهُ لِيُمَلِّكَهُ دِمَشْقَ، فَهَرَبَ مِنْ حَلَبَ سِرًّا، وَجَدَّ فِي السَّيْرِ، فَأَرْسَلَ أَخُوهُ رِضْوَانُ عِدَّةً مِنَ الْخَيَّالَةِ، فَلَمْ يُدْرِكُوهُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى دِمَشْقَ فَرِحَ بِهِ الْخَادِمُ، وَأَظْهَرَ الِاسْتِبْشَارَ، وَلَقِيَهُ، فَلَمَّا دَخَلَهَا أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَاغِي سِيَانَ يُشِيرُ عَلَيْهِ بِالتَّفَرُّدِ بِمُلْكِ دِمَشْقَ عَنْ أَخِيهِ رِضْوَانَ.
وَاتَّفَقَ وُصُولُ مُعْتَمِدِ الدَّوْلَةِ طَغْدَكِينَ إِلَى دِمَشْقَ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ خَوَاصِّ تُتُشْ وَعَسْكَرِهِ، وَقَدْ سَلِمُوا، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ شَهِدَ الْحَرْبَ مَعَ صَاحِبِهِ، وَأُسِرَ، فَبَقِيَ إِلَى الْآنَ، وَخَلُصَ مِنَ الْأَسْرِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى دِمَشْقَ لَقِيَهُ الْمَلِكُ دُقَاقُ وَأَرْبَابُ دَوْلَتِهِ، وَبَالَغُوا فِي إِكْرَامِهِ، وَكَانَ زَوْجَ وَالِدَةِ دُقَاقٍ فَمَالَ إِلَيْهِ لِذَلِكَ، وَحَكَّمَهُ فِي بِلَادِهِ، وَعَمِلُوا عَلَى قَتْلِ الْخَادِمِ سَاوَتَكِينَ، فَقَتَلُوهُ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ يَاغِي سِيَانَ مِنْ أَنْطَاكِيَّةَ، وَمَعَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْخَوَارِزْمِيُّ، فَجَعَلَهُ وَزِيرًا لِدُقَاقٍ، وَحَكَّمَهُ فِي دَوْلَتِهِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمُعْتَمِدِ بْنِ عَبَّادٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمُعْتَمِدُ بْنُ عَبَّادٍ، الَّذِي كَانَ صَاحِبَ الْأَنْدَلُسِ، مَسْجُونًا بِأَغْمَاتَ، مِنْ بَلَدِ الْمَغْرِبِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَيْفَ أُخِذَتْ بِلَادُهُ مِنْهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَبَقِيَ مَسْجُونًا إِلَى الْآنَ، وَتُوُفِّيَ، وَكَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الدُّنْيَا كَرَمًا، وَعِلْمًا، وَشَجَاعَةً، وَرِئَاسَةً تَامَّةً، وَأَخْبَارُهُ مَشْهُورَةٌ، وَآثَارُهُ مُدَوَّنَةٌ.
وَلَهُ أَشْعَارٌ حَسَنَةٌ، فَمِنْهَا مَا قَالَهُ لَمَّا أُخِذَ مُلْكُهُ وَحُبِسَ:
سَلَّتْ عَلَيَّ يَدُ الْخُطُوبِ سُيُوفَهَا ... فَجَذَذْنَ مِنْ جَسَدِي الْحَصِيفِ الْأَمْتَنَا
стр. 4918
ضَرَبَتْ بِهَا أَيْدِي الْخُطُوبِ وَإِنَّمَا
ضَرَبَتْ رِقَابَ الْآمِلِينَ بِهَا الْمُنَى ... يَا آمِلِي الْعَادَاتِ مِنْ نَفَحَاتِنَا
كُفُّوا فَإِنَّ الدَّهْرَ كَفَّ أَكُفَّنَا
وَلَهُ مِنْ قَصِيدَةٍ يَصِفُ الْقَيْدَ فِي رِجْلِهِ:
تَعَطَّفَ فِي سَاقِي تَعَطُّفَ أَرْقَمٍ ... يُسَاوِرُهَا عَضًّا بِأَنْيَابِ ضَيْغَمِ
وَإِنِّي مَنْ كَانَ الرِّجَالُ بِسَيْبِهِ ... وَمِنْ سَيْفِهِ فِي جَنَّةِ وَجَهَنَّمِ
وَقَالَ فِي يَوْمِ عِيدٍ:
فِيمَا مَضَى كُنْتُ بِالْأَعْيَادِ مَسْرُورًا ... فَسَاءَكَ الْعِيدُ فِي أَغْمَاتَ مَأْسُورَا
قَدْ كَانَ دَهْرُكَ إِنْ تَأْمُرْهُ مُمْتَثِلًا ... فَرَدَّكَ الدَّهْرُ مَنْهِيًّا وَمَأْمُورَا
مَنْ بَاتَ بَعْدَكَ فِي مُلْكٍ يُسَرُّ بِهِ ... فَإِنَّمَا بَاتَ بِالْأَحْلَامِ مَسْرُورَا
وَكَانَ شَاعِرُهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ اللُّبَانَةِ يَأْتِيهِ وَهُوَ مَسْجُونٌ، فَيَمْدَحُهُ لَا لِجَدْوًى يَنَالُهَا مِنْهُ، بَلْ رِعَايَةً لِحَقِّهِ وَإِحْسَانِهِ الْقَدِيمِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَتَاهُ، فَوَقَفَ عَلَى قَبْرِهِ، يَوْمَ عِيدٍ، وَالنَّاسُ عِنْدَ قُبُورِ أَهْلِيهِمْ، وَأَنْشَدَ بِصَوْتٍ عَالٍ:
مَلِكَ الْمُلُوكِ أَسَامِعٌ فَأُنَادِي ... أَمْ قَدْ عَدَاكَ عَنِ الْجَوَابِ عَوَادِي
لَمَّا خَلَتْ مِنْكَ الْقُصُورُ وَلَمْ تَكُنْ ... فِيهَا كَمَا قَدْ كُنْتَ فِي الْأَعْيَادِ
فَمَثُلْتُ فِي هَذَا الثَّرَى لَكَ خَاضِعًا ... وَتَخِذْتُ قَبْرَكَ مَوْضِعَ الْإِنْشَادِ
стр. 4919
وَأَخَذَ فِي إِتْمَامِ الْقَصِيدَةِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَلَيْهِ يَبْكُونَ. وَلَوْ أَخَذْنَا فِي تَفْصِيلِ مَنَاقِبِهِ وَمَحَاسِنِهِ لَطَالَ الْأَمْرُ، فَلْنَقِفْ عِنْدَ هَذَا.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْوَزِيرِ أَبِي شُجَاعٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْوَزِيرُ أَبُو شُجَاعٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَأَصْلُهُ مِنْ رُوذَرَاوَرَ، وَوَلُدِ بِالْأَهْوَازِ، وَقَرَأَ الْفِقْهَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَهُ تَصَانِيفُ مِنْهَا: ذَيَلُ تَجَارِبِ الْأُمَمِ، وَكَانَ عَفِيفًا، عَادِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، كَثِيرَ الْخَيْرِ وَالْمَعْرُوفِ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِمَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، كَانَ مُجَاوِرًا فِيهَا.
وَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَمَرَ فَحُمِلَ إِلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ، ﷺ ، فَوَقَفَ بِالْحَضْرَةِ وَبَكَى، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ اللَّهُ، : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] ، وَقَدْ جِئْتُ مُعْتَرِفًا بِذُنُوبِي، وَجَرَائِمِي أَرْجُو شَفَاعَتَكَ.
وَبَكَى فَأَكْثَرَ، وَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ، وَدُفِنَ عِنْدَ قَبْرِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ النَّبِيِّ ﷺ .
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِنَيْسَابُورَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْحِجَّةِ، جَمَعَ أَمِيرٌ كَبِيرٌ مِنْ أُمَرَاءِ خُرَاسَانَ جَمْعًا كَثِيرًا، وَسَارَ بِهِمْ إِلَى نَيْسَابُورَ، فَحَصَرَهَا، فَاجْتَمَعَ أَهْلُهَا وَقَاتَلُوهُ أَشَدَّ قِتَالٍ، وَلَازَمَ حِصَارَهُمْ نَحْوَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَلَمَّا لَمْ يَجِدُ لَهُ مَطْمَعًا فِيهَا سَارَ عَنْهَا فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَلَمَّا فَارَقَهَا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بِهَا بَيْنَ الْكَرَامِيَّةِ وَسَائِرِ الطَّوَائِفِ مِنْ أَهْلِهَا، فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى كَثِيرَةٌ.
стр. 4920
وَكَانَ مُقَدَّمُ الشَّافِعِيَّةِ أَبَا الْقَاسِمِ ابْنَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيِّ، وَمُقَدَّمُ الْحَنَفِيَّةِ الْقَاضِيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ صَاعِدٍ، وَهُمَا مُتَّفِقَانِ عَلَى الْكَرَامِيَّةِ، وَمُقَدَّمُ الْكَرَامِيَّةِ مُحَمَّشَادْ، فَكَانَ الظَّفَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ عَلَى الْكَرَامِيَّةِ، فَخَرِبَتْ مَدَارِسُهُمْ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ، وَكَانَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعِ الْآخِرِ، شَرَعَ الْخَلِيفَةُ فِي عَمَلِ سُورٍ عَلَى الْحَرِيمِ، وَأَذِنَ الْوَزِيرُ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ بْنُ جَهِيرٍ لِلْعَامَّةِ فِي التَّفَرُّجِ وَالْعَمَلِ، فَزَيَّنُوا الْبَلَدَ، وَعَمِلُوا الْقِبَابَ، وَجَدُّوا فِي عِمَارَتِهِ.
وَفِيهَا، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، جُرِحَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ، جَرَحَهُ إِنْسَانٌ سِتْرِيٌّ لَهُ، مِنْ أَهْلِ سِجِسْتَانَ، فِي عَضُدِهِ، ثُمَّ أُخِذَ الرَّجُلُ، وَأَعَانَهُ رَجُلَانِ أَيْضًا مِنْ أَهْلِ سِجِسْتَانَ، فَلَمَّا ضُرِبَ الرَّجُلُ الْجَارِحُ اعْتَرَفَ أَنَّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ وَضَعَاهُ، وَاعْتَرَفَا بِذَلِكَ، فَضُرِبَا الضَّرْبَ الشَّدِيدَ، لِيُقِرَّا عَلَى مَنْ أَمَرَهُمَا بِذَلِكَ، فَلَمْ يُقِرَّا، فَقُرِّبَا إِلَى الْفِيلِ لِيُجْعَلَا تَحْتَ قَوَائِمِهِ، وَقُدِّمَ أَحَدُهُمَا، فَقَالَ: اتْرُكُونِي وَأَنَا أُعَرِّفُكُمْ، فَتَرَكُوهُ، فَقَالَ لِصَاحِبِهِ: يَا أَخِي لَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ الْقِتْلَةِ، فَلَا تَفْضَحْ أَهْلَ سِجِسْتَانَ بِإِفْشَاءِ الْأَسْرَارِ، فَقُتِلَا.
وَفِيهَا تَوَجَّهَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ إِلَى الشَّامِ، وَزَارَ الْقُدْسَ، وَتَرَكَ التَّدْرِيسَ فِي النِّظَامِيَّةِ، وَاسْتَنَابَ أَخَاهُ، وَتَزَهَّدَ، وَلَبِسَ الْخَشِنَ، وَأَكَلَ الدُّونَ، وَفِي هَذِهِ السَّفْرَةِ صَنَّفَ " إِحْيَاءَ عُلُومِ الدِّينِ "، وَسَمِعَهُ مِنْهُ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ بِدِمَشْقَ، وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ بَعْدَمَا حَجَّ فِي السَّنَةِ التَّالِيَةِ، وَسَارَ إِلَى خُرَاسَانَ.
стр. 4921
(وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، خُطِبَ لِوَلِيِّ الْعَهْدِ أَبِي الْفَضْلِ مَنْصُورِ بْنِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ) .
وَفِيهَا عَزَلَ بَرْكِيَارُقُ وَزِيرَهُ مُؤَيِّدَ الْمُلْكِ بْنَ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَاسْتَوْزَرَ أَخَاهُ فَخْرَ الْمُلْكِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بَرْكِيَارُقَ لَمَّا هَزَمَ عَمَّهُ تُتُشْ، وَقَتَلَهُ، أَرْسَلَ خَادِمًا لِيُحْضِرَ وَالِدَتَهُ زُبَيْدَةَ خَاتُونَ مِنْ أَصْبَهَانَ، فَاتَّفَقَ مُؤَيِّدُ الْمُلْكِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِتَرْكِهَا، فَقَالَ: لَا أُرِيدُ الْمُلْكَ إِلَّا لَهَا، وَبِوُجُودِهَا عِنْدِي، فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَيْهِ وَعَلِمَتِ الْحَالَ تَنَكَّرَتْ عَلَى مُؤَيِّدِ الْمُلْكِ، وَكَانَ مَجْدُ الْمُلْكِ أَبُو الْفَضْلِ الْبِلَاسَانِيُّ قَدْ صَحِبَهَا فِي طَرِيقِهَا، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ لَهُ أَمْرٌ مَعَ مُؤَيِّدِ الْمُلْكِ، وَكَانَ بَيْنَ مُؤَيِّدِ الْمُلْكِ وَأَخِيهِ فَخْرِ الْمُلْكِ (تَبَاعُدٌ) بِسَبَبِ جَوَاهِرَ خَلَّفَهَا أَبُوهُمْ نِظَامُ الْمُلْكِ، فَلَمَّا عَلِمَ فَخْرُ الْمُلْكِ تَنَكُّرَ أُمِّ السُّلْطَانِ عَلَى أَخِيهِ مُؤَيِّدِ الْمُلْكِ أَرْسَلَ وَبَذَلَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً فِي الْوِزَارَةِ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَعُزِلَ أَخُوهُ، وَوُلِيَ هُوَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، تُوُفِّيَ أَبُو مُحَمَّدٍ رِزْقُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ التَّمِيمِيُّ، الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ، وَكَانَ عَارِفًا بِعِدَّةِ عُلُومٍ، وَكَانَ قَرِيبًا مِنَ السَّلَاطِينِ.
стр. 4922
وَفِيهَا، فِي رَجَبَ، تُوُفِّيَ أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خَيْرُونَ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ، وَهُوَ مَشْهُورٌ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
وَفِيهَا فِي شَعْبَانَ، تُوُفِّيَ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ الشَّامِيُّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ، وَلَمْ يَأْخُذْ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا، وَأَقَرَّ الْحَقَّ مَقَرَّهُ، وَلَمْ يُحَابِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، ادَّعَى عِنْدَهُ بَعْضُ الْأَتْرَاكِ عَلَى رَجُلٍ شَيْئًا، فَقَالَ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ! فُلَانٌ، وَالْمُشَطَّبُ الْفَقِيهُ الْفَرْغَانِيُّ، فَقَالَ: لَا أَقْبَلُ شَهَادَةَ الْمُشَطَّبِ لِأَنَّهُ يَلْبَسُ الْحَرِيرَ، فَقَالَ (التُّرْكِيُّ: فَالسُّلْطَانُ وَنِظَامُ الْمُلْكِ يَلْبَسَانِ الْحَرِيرَ، فَقَالَ) : لَوْ شَهِدَا عِنْدِي عَلَى بَاقَةِ بَقْلٍ لَمْ أَقْبَلْ شَهَادَتَهُمَا، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بَعْدَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيٌّ ابْنُ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ الدَّامَغَانِيُّ.
وَفِيهَا مَاتَ الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزْوِينِيُّ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ مُغَالِيًا فِي الِاعْتِزَالِ، وَقِيلَ كَانَ زَيْدِيَّ الْمَذْهَبِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الرَّطْبِيِّ، قَاضِي دُجَيْلٍ، وَكَانَ شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ أَخُوهُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو الْفَضْلِ الْحَدَّادُ
стр. 4923
الْأَصْبَهَانِيُّ، صَاحِبُ أَبِي نُعَيْمٍ الْحَافِظِ، رَوَى عَنْهُ " حَلِيلَةَ الْأَوْلِيَاءِ "، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ أَخِيهِ أَبِي الْمَعَالِي، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ فَتُّوحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَيْدٍ الْحَمِيدِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ، وُلِدَ قَبْلَ الْعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ بِبَلَدِهِ، وَمِصْرَ، وَالْحِجَازِ، وَالْعِرَاقِ، وَهُوَ مُصَنِّفُ " الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ "، وَكَانَ ثِقَةً فَاضِلًا، وَتُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَوَقَفَ كُتُبَهُ فَانْتَفَعَ بِهَا النَّاسُ.
стр. 4924
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]
٤٨٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ قَتْلِ يُوسُفَ بْنِ آبِقَ وَالْمِجَنِّ الْحَلَبِيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، قُتِلَ يُوسُفُ بْنُ آبِقَ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ سَيَّرَهُ تَاجُ الدَّوْلَةِ تُتُشْ إِلَى بَغْدَاذَ، وَنَهَبَ سَوَادَهَا.
وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ كَانَ بِحَلَبَ، بَعْدَ قَتْلِ تَاجِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ بِحَلَبَ إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ الْمِجَنُّ، وَهُوَ رَئِيسُ الْأَحْدَاثِ بِهَا، وَلَهُ أَتْبَاعٌ كَثِيرُونَ، فَحَضَرَ عِنْدَ جَنَاحِ الدَّوْلَةِ حُسَيْنٍ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّ يُوسُفَ بْنَ آبِقَ يُكَاتِبُ يَاغِي سِيَانَ، وَهُوَ عَلَى عَزْمِ الْفَسَادِ، وَاسْتَأْذَنَهُ فِي قَتْلِهِ، فَأَذِنَ لَهُ، وَطَلَبَ أَنْ يُعِينَهُ بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْأَجْنَادِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَقَصَدَ الْمِجَنُّ الدَّارَ الَّتِي بِهَا يُوسُفُ، فَكَبَسَهَا مِنَ الْبَابِ وَالسَّطْحِ، وَأَخَذَ يُوسُفَ فَقَتَلَهُ، وَنَهَبَ كُلَّ مَا كَانَ فِي دَارِهِ، وَبَقِيَ بِحَلَبَ حَاكِمًا، فَحَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِالتَّفَرُّدِ بِالْحُكْمِ عَنِ الْمَلِكِ رِضْوَانَ، فَقَالَ لِجَنَاحِ الدَّوْلَةِ: إِنَّ الْمَلِكَ رِضْوَانَ أَمَرَنِي بِقَتْلِكَ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ، فَهَرَبَ جَنَاحُ الدَّوْلَةِ إِلَى حِمْصَ، وَكَانَتْ لَهُ، فَلَمَّا انْفَرَدَ الْمِجَنُّ بِالْحُكْمِ تَغَيَّرَ عَلَيْهِ رِضْوَانُ، وَأَرَادَ مِنْهُ أَنْ يُفَارِقَ الْبَلَدَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَرَكِبَ فِي أَصْحَابِهِ، (فَلَوْ هَمَّ) بِالْمُحَارِبَةِ لَفَعَلَ، ثُمَّ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَنْهَبُوا مَالَهُ، وَأَثَاثَهُ، وَدَوَابَّهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَاخْتَفَى، فَطُلِبَ فَوُجِدَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَأُخِذَ وَعُوقِبَ وَعُذِّبَ، ثُمَّ قُتِلَ هُوَ وَأَوْلَادُهُ، وَكَانَ مِنَ السَّوَادِ يَشُقُّ الْخَشَبَ، ثُمَّ بَلَغَ هَذِهِ الْحَالَةَ.
стр. 4925
ذِكْرُ وَفَاةِ مَنْصُورِ بْنِ مَرْوَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، تُوَفِّي مَنْصُورُ بْنُ نِظَامِ الدِّينِ بْنِ نَصْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ مَرْوَانَ، صَاحِبُ دِيَارِ بَكْرٍ، وَهُوَ الَّذِي انْقَرَضَ أَمْرُ بَنِي مَرْوَانَ عَلَى يَدِهِ، حِينَ حَارَبَهُ فَخْرُ الدَّوْلَةِ بْنُ جَهِيرٍ، وَكَانَ جَكَرْمَشُ قَدْ قُبِضَ عَلَيْهِ بِالْجَزِيرَةِ، وَتَرَكَهُ عِنْدَ رَجُلٍ يَهُودِيٍّ، فَمَاتَ فِي دَارِهِ، وَحَمْلَتْهُ زَوْجَتُهُ إِلَى تُرْبَةِ (آبَائِهِ، فَدَفَنَتْهُ ثُمَّ حَجَّتْ، وَعَادَتْ إِلَى بَلَدِ الْبَشْنَوِيَّةِ، فَابْتَاعَتْ دِيرًا مِنْ بَلَدِ فَنَكَ بِقُرْبِ) جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَقَامَتْ فِيهِ تَعْبُدُ اللَّهَ.
وَكَانَ مَنْصُورٌ شُجَاعًا، شَدِيدَ الْبُخْلِ، لَهُ فِي الْبُخْلِ حِكَايَاتٌ عَجِيبَةٌ، فَتَعْسًا لِطَالِبِ الدُّنْيَا، الْمُعْرِضِ عَنِ الْآخِرَةِ، أَلَا يَنْظُرَ إِلَى فِعْلِهَا بِأَبْنَائِهَا، بَيْنَمَا مَنْصُورٌ هَذَا مَلِكٌ مِنْ بَيْتِ مَلِكٍ آلَ أَمْرُهُ إِلَى أَنْ مَاتَ فِي بَيْتِ يَهُودِيٍّ، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُحْسِنَ أَعْمَالَنَا، وَيُصْلِحَ عَاقِبَةَ أَمْرِنَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.
ذِكْرُ مُلْكِ تَمِيمٍ مَدِينَةَ قَابِسَ أَيْضًا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ تَمِيمُ بْنُ الْمُعِزِّ مَدِينَةَ قَابِسَ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا أَخَاهُ عُمَرًا.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَ بِهَا إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ (قَاضِي بْنُ) إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَلْمُونَهْ فَمَاتَ، فَوَلَّى أَهْلُهَا عَلَيْهِمْ عَمْرَو بْنَ الْمُعِزِّ، فَأَسَاءَ السِّيرَةَ، وَكَانَ قَاضِي بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَاصِيًا عَلَى تَمِيمٍ، وَتَمِيمٌ يُعْرِضُ عَنْهُ، فَسَلَكَ عَمْرٌو طَرِيقَهُ فِي ذَلِكَ، فَأَخْرَجَ تَمِيمٌ
стр. 4926
الْعَسَاكِرَ إِلَى أَخِيهِ عَمْرٍو لِيَأْخُذَ الْمَدِينَةَ مِنْهُ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: يَا مَوْلَانَا لَمَّا كَانَ فِيهَا قَاضِي تَوَانَيْتَ) عَنْهُ وَتَرَكْتَهُ، فَلَمَّا وَلِيَهَا أَخُوكَ جَرَرْتَ إِلَيْهِ الْعَسَاكِرَ، فَقَالَ: لَمَّا كَانَ فِيهَا غُلَامٌ مِنْ عَبِيدِنَا كَانَ زَوَالُهُ سَهْلًا عَلَيْنَا، وَأَمَّا الْيَوْمَ، وَابْنُ الْمُعِزِّ بِالْمَهْدِيَّةِ، وَابْنُ الْمُعِزِّ بِقَابِسَ، فَهَذَا مَا لَا يُمْكِنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ.
وَفِي فَتْحِهَا يَقُولُ ابْنُ خَطِيبِ سُوسَةَ الْقَصِيدَةَ الْمَشْهُورَةَ الَّتِي أَوَّلُهَا:
ضَحِكَ الزَّمَانُ وَكَانَ يُلْقَى عَابِسًا ... لَمَّا فَتَحْتَ بِحَدِّ سَيْفِكَ قَابِسَا
اللَّهُ يَعْلَمُ مَا حَوَيْتَ ثِمَارَهَا ... إِلَّا وَكَانَ أَبُوكَ قَبْلُ الْغَارِسَا
مَنْ كَانَ فِي زُرْقِ الْأَسِنَّةِ خَاطِبًا ... كَانَتْ لَهُ قُلَلُ الْبِلَادِ عَرَائِسَا
فَابْشِرْ تَمِيمَ بْنَ الْمُعِزِّ بِفَتْكَةٍ ... تَرَكَتْكَ مِنْ أَكْنَافِ قَابِسَ قَابِسَا
وَلَّوْا فَكَمْ تَرَكُوا هُنَاكَ مَصَانِعًا ... وَمَقَاصِرًا وَمَخَالِدًا وَمَجَالِسَا
فَكَأَنَّهَا قَلْبٌ وَهُنَّ وَسَاوِسٌ ... جَاءَ الْيَقِينُ فَذَادَ عَنْهُ وَسَاوِسَا
ذِكْرُ مَلْكِ كَرْبُوقَا الْمَوْصِلَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، مَلَكَ قِوَامُ الدَّوْلَةِ أَبُو سَعِيدٍ كَرْبُوقَا مَدِينَةَ الْمَوْصِلِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ تَاجَ الدَّوْلَةِ تُتُشْ أَسَرَهُ لَمَّا قَتَلَ آقْسَنْقَرَ وَبُوزَانَ، فَلَمَّا أَسَرَهُ أَبْقَى عَلَيْهِ، طَمَعًا فِي اسْتِصْلَاحِ حَمِيهِ الْأَمِيرِ أُنَرْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَلَدٌ يَمْلِكُهُ إِذَا قَتَلَهُ، كَمَا فَعَلَ بِالْأَمِيرِ بُوزَانَ، فَإِنَّهُ قَتَلَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَى بِلَادِهِ الرُّهَا وَحَرَّانَ.
وَلَمْ يَزَلْ قِوَامُ الدَّوْلَةِ مَحْبُوسًا بِحَلَبَ إِلَى أَنْ قُتِلَ تُتُشْ، وَمَلَكَ ابْنُهُ الْمَلِكُ رِضْوَانُ حَلَبَ، فَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ رَسُولًا يَأْمُرُهُ بِإِطْلَاقِ أَخِيهِ الْتُونْتَاشِ،
стр. 4927
فَلَمَّا أُطْلِقَا سَارَا وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِمَا كَثِيرٌ مِنَ الْعَسَاكِرِ الْبَطَّالِينَ، فَأَتَيَا حَرَّانَ فَتَسَلَّمَاهَا، وَكَاتَبَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ شَرَفِ الدَّوْلَةِ مُسْلِمِ بْنِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ بِنَصِيبِينَ، وَمَعَهُ ثَرْوَانُ بْنُ وَهِيبٍ، وَأَبُو الْهَيْجَاءِ الْكُرْدِيُّ، يَسْتَنْصِرُونَ بِهِمَا عَلَى الْأَمِيرِ عَلِيِّ بْنِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ بِالْمَوْصِلِ قَدْ جَعَلَهُ بِهَا تَاجُ الدَّوْلَةِ تُتُشْ بَعْدَ وَقْعَةِ الْمُضَيَّعِ.
فَسَارَ كَرْبُوقَا إِلَيْهِمْ، فَلَقِيَهُ مُحَمَّدُ بْنُ شَرَفِ الدَّوْلَةِ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ نَصِيبِينَ، وَاسْتَخْلَفَهُمَا لِنَفْسِهِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ كَرْبُوقَا بَعْدَ الْيَمِينِ، وَحَمَلَهُ مَعَهُ، وَأَتَى نَصِيبِينَ، فَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ، فَحَصَرَهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَتَسَلَّمَهَا، وَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ فَحَصَرَهَا، فَلَمْ يَظْفَرْ مِنْهَا بِشَيْءٍ، فَسَارَ عَنْهَا إِلَى بَلَدٍ، وَقَتَلَ بِهَا مُحَمَّدَ بْنَ شَرَفِ الدَّوْلَةِ، وَغَرَّقَهُ، وَعَادَ إِلَى حِصَارِ الْمَوْصِلِ، وَنَزَلَ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْهَا بِقَرْيَةٍ بَاحَلَافَةَ، وَتَرَكَ الْتُونْتَاشَ شَرْقِيَّ الْمَوْصِلِ، فَاسْتَنْجَدَ عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ صَاحِبُهَا بِالْأَمِيرِ جَكَرْمَشَ، صَاحِبِ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، فَسَارَ إِلَيْهِ نَجْدَةً لَهُ، فَلَمَّا عَلِمَ الْتُونْتَاشُ بِذَلِكَ سَارَ إِلَى طَرِيقِهِ، فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ جَكَرْمَشُ، وَعَادَ إِلَى الْجَزِيرَةِ مُنْهَزِمًا، وَصَارَ فِي طَاعَةِ كَرْبُوقَا، وَأَعَانَهُ عَلَى حَصْرِ الْمَوْصِلِ، وَعُدِمَتِ الْأَقْوَاتُ بِهَا، وَكُلُّ شَيْءٍ، حَتَّى مَا يُوقِدُونَهُ، فَأَوْقَدُوا الْقِيرَ، وَحَبَّ الْقُطْنِ.
فَلَمَّا ضَاقَ بِصَاحِبِهَا عَلِيٍّ الْأَمْرُ فَارَقَهَا وَسَارَ إِلَى صَدَقَةَ بْنِ مَزْيَدٍ بِالْحِلَّةِ، وَتَسَلَّمَ كَرْبُوقَا الْبَلَدَ بَعْدَ أَنْ حَصَرَهُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَخَافَهُ أَهْلُهُ لِأَنَّهُمْ بَلَغَهُمْ أَنَّ الْتُونْتَاشَ يُرِيدُ نَهْبَهُمْ، وَأَنَّ كَرْبُوقَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ، فَاشْتَغَلَ الْتُونَتَاشُ بِالْقَبْضِ عَلَى أَعْيَانِ الْبَلَدِ، وَمُطَالَبَتِهِمْ بِوَدَائِعِ الْبَلَدِ، وَاسْتَطَالَ عَلَى كَرْبُوقَا، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقُتِلَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَأَمِنَ النَّاسُ شَرَّهُ، وَأَحْسَنَ كَرْبُوقَا السِّيرَةَ فِيهِمْ، وَسَارَ نَحْوَ الرَّحْبَةِ، فَمُنِعَ عَنْهَا، فَمَلَكَهَا وَنَهَبَهَا وَاسْتَنَابَ بِهَا وَعَادَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اجْتَمَعَ سِتَّةُ كَوَاكِبَ فِي بُرْجِ الْحُوتِ، وَهِيَ الشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ،
стр. 4928
وَالْمُشْتَرَى، وَالزَّهْرَةُ، وَالْمَرِّيخُ، وَعُطَارِدُ، فَحَكَمَ الْمُنَجِّمُونَ بِطُوفَانٍ يَكُونُ فِي النَّاسِ يُقَارِبُ طُوفَانَ نُوحٍ، فَأَحْضَرَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ ابْنَ عَيْسُونَ الْمُنَجِّمَ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: إِنَّ طُوفَانَ نُوحٍ اجْتَمَعَتِ الْكَوَاكِبُ السَّبْعَةُ فِي بُرْجِ الْحُوتِ، وَالْآنَ فَقَدِ اجْتَمَعَ سِتَّةٌ مِنْهَا، وَلَيْسَ مِنْهَا زُحَلُ، فَلَوْ كَانَ مَعَهَا لَكَانَ مِثْلَ طُوفَانِ نُوحٍ، وَلَكِنْ أَقُولُ إِنَّ مَدِينَةً، أَوْ بُقْعَةً مِنَ الْأَرْضِ يَجْتَمِعُ فِيهَا عَالَمٌ كَثِيرٌ مِنْ بِلَادٍ كَثِيرَةٍ، فَيَغْرَقُونَ، فَخَافُوا عَلَى بَغْدَاذَ، لِكَثْرَةِ مَنْ يَجْتَمِعُ فِيهَا مِنَ الْبِلَادِ، فَأُحْكِمَتِ الْمُسَنِّيَاتُ، وَالْمَوَاضِعُ الَّتِي يُخْشَى مِنْهَا الِانْفِجَارُ وَالْغَرَقُ.
فَاتُّفِقَ أَنَّ الْحُجَّاجَ نَزَلُوا بِوَادِي الْمَيَاقِتِ، بَعْدَ نَخْلَةَ، فَأَتَاهُمْ سَيْلٌ عَظِيمٌ فَأَغْرَقَ أَكْثَرَهُمْ، وَنَجَا مَنْ تَعَلَّقَ بِالْجِبَالِ، وَذَهَبَ الْمَالُ، وَالدَّوَابُّ، وَالْأَزْوَادُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَخَلَعَ الْخَلِيفَةُ عَلَى الْمُنَجِّمِ.
وَفِيهَا، فِي صَفَرَ، دَرَّسَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ بِالْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَاذَ، رَتَّبَهُ فِيهَا فَخْرُ الْمُلْكِ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَزِيرُ بَرْكِيَارُقَ.
وَفِيهَا أَغَارَتْ خَفَاجَةُ عَلَى بَلَدِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ صَدَقَةَ بْنِ مَزْيَدٍ، فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِهِمْ عَسْكَرًا، مُقَدِّمُهُ ابْنُ عَمِّهِ قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ بْنِ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ، فَأَسَرَتْهُ خَفَاجَةُ، وَأَطْلَقُوهُ، وَقَصَدُوا مَشْهَدَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، ﵇، فَتَظَاهَرُوا فِيهِ بِالْفَسَادِ وَالْمُنْكَرِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ صَدَقَةُ جَيْشًا، فَكَبَسُوهُمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا فِي الْمَشْهَدِ، حَتَّى عِنْدَ الضَّرِيحِ، وَأَلْقَى رَجُلٌ مِنْهُمْ نَفْسَهُ وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ عَلَى السُّورِ، فَسَلِمَ هُوَ وَالْفَرَسُ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرَ، تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو مُسْلِمٍ وَادِعُ بْنُ
стр. 4929
سُلَيْمَانَ قَاضِي مَعَرَّةِ النُّعْمَانِ وَالْمُسْتَوْلِي عَلَى أُمُورِهَا، وَكَانَ (رَجُلَ زَمَانِهِ هِمَّةً) ، وَعِلْمًا.
(وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تُوفِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْخَاضِبَةِ، الْمُحَدِّثُ، وَكَانَ عَالِمًا.
وَفِيهَا، فِي رَمَضَانَ، تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ السَّمَرْقَنْدِيُّ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
وَفِيهَا، فِي رَمَضَانَ، تُوُفِّيَ أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْهَمَذَانِيِّ، وَكَانَ عَالِمًا فِي عِدَّةِ عُلُومٍ، وَقَدْ قَارَبَ ثَمَانِينَ سَنَةً) .
стр. 4930
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]
٤٩٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ قَتْلِ أَرْسِلَانَ أَرْغُوَنَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، قُتِلَ أَرْسَلَانُ (أَرْغُوَنُ بْنُ أَلْبٍ، أَخُو السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، بِمَرْوَ، وَكَانَ قَدْ مَلَكَ خُرَاسَانَ) .
وَسَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ كَانَ شَدِيدًا عَلَى غِلْمَانِهِ، كَثِيرَ الْإِهَانَةِ لَهُمْ وَالْعُقُوبَةِ، وَكَانُوا يَخَافُونَهُ خَوْفًا عَظِيمًا، فَاتُّفِقَ أَنَّهُ الْآنَ طَلَبَ غُلَامًا لَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ تَأَخُّرَهُ عَنِ الْخِدْمَةِ، فَاعْتَذَرَ، فَلَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُ، وَضَرَبَهُ، فَأَخْرَجَ الْغُلَامُ سِكِّينًا مَعَهُ، وَقَتَلَهُ، وَأُخِذَ الْغُلَامُ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: لِأُرِيحَ النَّاسَ مِنْ ظُلْمِهِ.
وَكَانَ سَبَبُ مَلْكِهِ خُرَاسَانَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ، أَيَّامَ أَخِيهِ مَلِكْشَاهْ، مِنَ الْإِقْطَاعِ مَا مِقْدَارُهُ سَبْعَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَكَانَ مَعَهُ بِبَغْدَاذَ لَمَّا مَاتَ، فَسَارَ إِلَى هَمَذَانَ فِي سَبْعَةِ غِلْمَانَ، وَاتَّصَلَ بِهِ جَمَاعَةٌ، فَسَارَ إِلَى نَيْسَابُورَ، فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا مَطْعَمًا، فَتَمَّمَ إِلَى مَرْوَ، وَكَانَ شِحْنَةُ مُرْوٍ أَمِيرٌ اسْمُهُ قُودَنُ مِنْ مَمَالِيكَ مَلِكْشَاهْ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ سَبَبَ تَنَكُّرِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ عَلَى نِظَامِ الْمُلْكِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي قَتْلِ نِظَامِ الْمُلْكِ، فَمَالَ إِلَى أَرْسِلَانَ أَرْغُوَنَ، وَسَلَّمَ الْبَلَدَ إِلَيْهِ، فَأَقْبَلَتِ الْعَسَاكِرُ إِلَيْهِ، وَقَصَدَ بَلْخَ، وَبِهَا فَخْرُ الْمُلْكِ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ، فَسَارَ عَنْهَا، وَوَزَرَ لِتَاجِ الدَّوْلَةِ تُتُشْ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَمَلَكَ أَرْسَلَانُ أَرْغُوَنَ بَلْخَ، وَتِرْمِذَ، وَنَيْسَابُورَ، وَعَامَّةَ خُرَاسَانَ، وَأَرْسَلَ إِلَى
стр. 4931
السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ وَإِلَى وَزِيرِهِ مُؤَيِّدِ الْمُلْكِ بْنِ نِظَامِ الْمُلْكِ يَطْلُبُ أَنْ يُقِرَّ عَلَيْهِ خُرَاسَانَ. كَمَا كَانَتْ لِجَدِّهِ دَاوُدَ، مَا عَدَا نَيْسَابُورَ، وَيَبْذُلُ الْأَمْوَالَ وَلَا يُنَازِعُ فِي السَّلْطَنَةِ، فَسَكَتَ عَنْهُ بَرْكِيَارُقُ لِاشْتِغَالِهِ بِأَخِيهِ مَحْمُودٍ وَعَمِّهِ تُتُشْ، فَلَمَّا عَزَلَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ مُؤَيِّدَ الْمُلْكِ عَنْ وِزَارَتِهِ، وَوَلِيَهَا أَخُوهُ فَخْرُ الْمُلْكِ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْأُمُورِ مَجْدُ الْمُلْكِ الْبَلَاسَانِيُّ، قَطَعَ أَرْسَلَانُ أَرْغُونَ مُرَاسَلَةَ بَرْكِيَارُقَ، وَقَالَ: لَا أَرْضَى لِنَفْسِي مُخَاطَبَةَ الْبَلَاسَانِيِّ، فَنَدَبَ بَرْكِيَارُقُ حِينَئِذٍ عَمَّهُ بُورْبُرُسِ بْنَ أَلْب أَرْسِلَانَ، وَسَيَّرَهُ فِي الْعَسَاكِرِ لِقِتَالِهِ.
وَكَانَ قَدِ اتَّصَلَ بِأَرْسِلَانَ عِمَادُ الْمُلْكِ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَوَزَرَ لَهُ، فَلَمَّا وَصَلَتِ الْعَسَاكِرُ إِلَى خُرَاسَانَ لَقِيَهُمْ أَرْسَلَانُ أَرْغُوَنَ، وَقَاتَلَهُمْ، وَانْهَزَمَ مِنْهُمْ، وَسَارَ مُنْهَزِمًا إِلَى بَلْخَ، وَأَقَامَ بُورْبُرُسُ وَالْعَسَاكِرُ الَّتِي مَعَهُ بِهَرَاةَ.
ثُمَّ جَمَعَ أَرْغُونُ عَسَاكِرَ جَمَّةً وَسَارَ إِلَى مَرْوَ، فَحَصَرَهَا أَيَّامًا، وَفَتَحَهَا عَنْوَةً، وَقَتَلَ فِيهَا وَأَكْثَرَ، وَقَلَعَ أَبْوَابَ سُورِهَا وَهَدَمَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ بُورْبُرُسُ مِنْ هَرَاةَ فَالْتَقَيَا وَتَصَافَّا، فَانْهَزَمَ بُورْبُرُسُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] .
وَسَبَبُ هَزِيمَتِهِ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَسَاكِرِ الَّتِي سَيَّرَهَا مَعَهُ بَرْكِيَارُقُ أَمِيرٌ آخَرُ مَلِكْشَاهْ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ، وَالْأَمِيرُ مَسْعُودُ بْنُ تَاجَرَ، وَكَانَ أَبُوهُ مُقَدَّمَ عَسْكَرِ دَاوُدَ، جَدِّ مَلِكْشَاهْ، وَلِمَسْعُودٍ مَنْزِلَةٌ كَبِيرَةٌ، وَمَحَلٌّ عَظِيمٌ، عِنْدَ النَّاسِ كَافَّةً، وَكَانَ بَيْنَ أَمِيرٍ آخَرَ وَبَيْنَ أَرْسِلَانَ مَوَدَّةٌ قَدِيمَةٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَرْسَلَانُ أَرْغُوَنَ يَسْتَمِيلُهُ، وَيَدْعُوهُ إِلَى طَاعَتِهِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ.
ثُمَّ إِنَّ مَسْعُودَ بْنَ تَاجَرَ قَصَدَ أَمِيرَ آخَرَ زَائِرًا لَهُ، وَمَعَهُ وَلَدُهُ، فَأَخَذَهُمَا وَقَتَلَهُمَا، فَضَعُفَ أَمْرُ بُورْبُرُسَ، وَانْهَزَمَ مِنْ أَرْسِلَانَ أَرْغُوَنَ، وَتَفَرَّقَ عَسْكَرُهُ، وَأُسِرَ، وَحُمِلَ إِلَى أَرْسِلَانَ أَرْغُوَنَ، وَهُوَ أَخُوهُ، فَحَبَسَهُ بِتَرْمِذَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَخُنِقَ بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ حَبْسِهِ، وَقَتَلَ
стр. 4932
أَكَابِرَ عَسْكَرِ خُرَاسَانَ مِمَّنْ كَانَ يَخَافُهُ، وَيَخْشَى تَحَكُّمَهُ عَلَيْهِ، وَصَادَرَ وَزِيرَهُ عِمَادَ الْمُلْكِ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَقَتَلَهُ، وَخَرَّبَ أَسْوَارَ مُدُنِ خُرَاسَانَ، وَمِنْهَا: سُورُ سِبْزَوَارَ، وَسُورُ مَرْوَ الشَّاهِجَانَ، وَقَلْعَةُ سَرْخَسَ، وَقَهَنْدَزُ نَيْسَابُورَ، وَسُورُ شَهْرَسْتَانَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، خَرَّبَهُ جَمِيعَهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، ثُمَّ إِنَّهُ قُتِلَ هَذِهِ السَّنَةَ كَمَا ذَكَرْنَا.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ عَسْكَرِ مِصْرَ عَلَى مَدِينَةِ صُورَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَصَلَ عَسْكَرٌ كَثِيرٌ مِنْ مِصْرَ إِلَى ثَغْرِ صُورَ، بِسَاحِلِ الشَّامِ، فَحَصَرَهَا وَمَلِكَهَا.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَالِيَ بِهَا، وَيُعْرَفُ بِكُتَيْلَةَ، أَظْهَرَ الْعِصْيَانَ عَلَى الْمُسْتَعْلِي، صَاحِبِ مِصْرَ، وَالْخُرُوجَ عَنْ طَاعَتِهِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا، فَحَصَرُوهُ بِهَا، وَضَيَّقُوا عَلَيْهِ، وَعَلَى مَنْ مَعَهُ مِنْ جُنْدِيٍّ، وَعَامِّيٍّ، ثُمَّ افْتَتَحَهَا عَنْوَةً بِالسَّيْفِ، وَقُتِلَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَنُهِبَ مِنْهَا الْمَالُ الْجَزِيلُ، وَأُخِذَ الْوَالِي أَسِيرًا بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَحُمِلَ إِلَى مِصْرَ فَقُتِلَ بِهَا.
ذِكْرُ مَلْكِ بَرْكِيَارُقَ خُرَاسَانَ وَتَسْلِيمِهَا إِلَى أَخِيهِ سَنْجَرَ
كَانَ بَرْكِيَارُقُ قَدْ جَهَّزَ الْعَسَاكِرَ مَعَ أَخِيهِ الْمَلِكِ سَنْجَرَ، وَسَيَّرَهَا إِلَى خُرَاسَانَ لِقِتَالِ عَمِّهِ أَرْسِلَانَ أَرْغُوَنَ، وَجَعَلَ الْأَمِيرَ قَمَاجَ أَتَابِكَ سَنْجَرَ، وَرَتَّبَ فِي وِزَارَتِهِ أَبَا الْفَتْحِ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ الطُّغْرَائِيَّ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الدَّامَغَانِ بَلَغَهُمْ خَبَرُ قَتْلِهِ، فَأَقَامُوا، حَتَّى لَحِقَهُمُ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ، وَسَارُوا إِلَى نَيْسَابُورَ فَوَصَلَ إِلَيْهِمْ خَامِسَ جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ وَمَلَكَهَا بِغَيْرِ قِتَالٍ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْبِلَادِ الْخُرَاسَانِيَّةِ، وَسَارُوا إِلَى بَلْخَ.
стр. 4933
وَكَانَ عَسْكَرُ أَرْسِلَانَ أَرْغُوَنَ قَدْ مَلَّكُوا بَعْدَ قَتْلِهِ ابْنًا لَهُ صَغِيرًا، عُمْرُهُ سَبْعُ سِنِينَ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِوُصُولِ السُّلْطَانِ أَبْعَدُوا إِلَى جِبَالِ طَخَارِسْتَانَ، وَأَرْسَلُوا يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَعَادُوا وَمَعَهُمُ ابْنُ أَرْسِلَانَ أَرْغُوَنَ، فَأَحْسَنَ السُّلْطَانُ لِقَاءَهُ، وَأَعْطَاهُ مَا كَانَ لِأَبِيهِ مِنَ الْإِقْطَاعِ أَيَّامَ مَلِكْشَاهْ، وَكَانَ وُصُولُهُ إِلَى السُّلْطَانِ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ، فَمَا انْقَضَى يَوْمُهُمْ حَتَّى فَارَقُوهُ، وَاتَّصَلَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ بِأَمِيرٍ تَخْدِمُهُ، وَبَقِيَ وَحْدَهُ مَعَ خَادِمٍ لِأَبِيهِ، فَأَخَذَتْهُ وَالِدَهُ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ إِلَيْهَا، وَأَقَامَتْ لَهُ مَنْ يَتَوَلَّى خِدْمَتَهُ، وَتَرْبِيَتَهُ.
وَسَارَ بَرْكِيَارُقُ إِلَى تِرْمِذَ فَسُلِّمَتْ إِلَيْهِ، وَأَقَامَ عِنْدَ بَلْخَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ، وَأُرْسِلَ إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَأُقِيمَتْ لَهُ الْخُطْبَةُ بِسَمَرْقَنْدَ وَغَيْرِهَا، وَدَانَتْ لَهُ الْبِلَادُ.
ذِكْرُ خُرُوجِ أَمِيرِ أَمِيرَانَ بِخُرَاسَانَ مُخَالِفًا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ لِمَا كَانَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ بِخُرَاسَانَ خَالَفَ عَلَيْهِ أَمِيرٌ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَيُعْرَفُ بِأَمِيرِ أَمِيرَانَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ مَلِكْشَاهْ، (وَتَوَجَّهَ إِلَى بَلْخَ) ، وَاسْتَمَدَّ مِنْ صَاحِبِ غَزْنَةَ، فَأَمَدَّهُ بِجَيْشٍ كَثِيرٍ، وَفِيَلَةٍ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْطُبَ لَهُ فِي جَمِيعِ مَا يَفْتَحُهُ مِنْ خُرَاسَانَ، فَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، وَمَدَّ يَدَهُ فِي الْبِلَادِ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ سَنْجَرُ بْنُ مَلِكْشَاهْ جَرِيدَةُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَمِيرُ أَمِيرَانَ، فَكَبَسَهُ، فَجَرَى بَيْنَهُمَا قِتَالُ سَاعَةٍ، ثُمَّ أُسِرَ، وَحُمِلَ إِلَى بَيْنَ يَدَيْ سَنْجَرَ، فَأَمَرَ بِهِ فَكُحِلَ.
ذِكْرُ عِصْيَانِ الْأَمِيرِ قُودَنَ وَيَارْقَطَاشَ عَلَى السُّلْطَانِ وَاسْتِعْمَالِ حَبَشِيٍّ عَلَى خُرَاسَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَصَى يَارْقَطَاشُ وَقُودَنُ عَلَى السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَمِيرَ قُودَنَ كَانَ قَدْ صَارَ فِي جُمْلَةِ الْأَمِيرِ قَمَاجَ، فَتُوُفِّيَ
стр. 4934
وَالسُّلْطَانُ بِمَرْوَ، فَاسْتَوْحَشَ قُودَنُ، وَأَظْهَرَ الْمَرَضَ، وَتَأَخَّرَ بِمَرْوَ بَعْدَ مَسِيرِ السُّلْطَانِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ أُمَرَاءِ السُّلْطَانِ أَمِيرٌ اسْمُهُ إِكِنْجِي، وَقَدْ وَلَّاهُ السُّلْطَانُ خُوَارِزْمَ، وَلَقَّبَهُ خُوَارِزْمَشَاهْ، فَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ فِي عَشْرَةِ آلَافِ فَارِسٍ لِيَلْحَقَ السُّلْطَانَ، فَسَبَقَ الْعَسْكَرَ إِلَى مَرْوَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ، وَتَشَاغَلَ بِالشُّرْبِ، فَاتَّفَقَ قُودَنُ، وَأَمِيرٌ آخَرُ اسْمُهُ يَارْقَطَاشُ عَلَى قَتْلِهِ، فَجَمَعَا خَمْسَمِائَةِ فَارِسٍ وَكَبَسُوهُ وَقَتَلُوهُ، وَسَارُوا إِلَى خَوَارِزْمَ، وَأَظْهَرُوا أَنَّ السُّلْطَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَهُمَا عَلَيْهَا فَتَسَلَّمَاهَا.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى السُّلْطَانِ، فَتَمَّ الْمَسِيرُ إِلَى الْعِرَاقِ، لَمَّا بَلَغَهُ مِنْ خُرُوجِ الْأَمِيرِ أُنَرْ وَمُؤَيِّدِ الْمُلْكِ عَنْ طَاعَتِهِ، وَأَعَادَ (أَمِيرُ دَاذَ حَبَشِيُّ) بْنُ التُّونْتَاقِ فِي جَيْشٍ إِلَى خُرَاسَانَ لِقِتَالِهِمَا، فَسَارَ إِلَى هَرَاةَ، وَأَقَامَ يَنْتَظِرُ اجْتِمَاعَ الْعَسَاكِرِ مَعَهُ، فَعَاجَلَاهُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، فَعَلِمَ أَمِيرُ دَاذَ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِمَا، فَعَبَرَ جَيْحُونَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ يَارْقَطَاشُ لِيَلْحَقَهُ قُودَنُ، فَعَاجَلَهُ يَارْقَطَاشُ وَحْدَهُ، وَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ يَارْقَطَاشُ وَأُخِذَ أَسِيرًا.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى قُودَنَ، فَثَارَ بِهِ عَسْكَرُهُ، وَنَهَبُوا خَزَائِنَهُ وَمَا مَعَهُ، فَبَقِيَ فِي سَبْعَةِ نَفَرٍ، فَهَرَبَ إِلَى بُخَارَى، فَقَبَضَ عَلَيْهِ صَاحِبُهَا، ثُمَّ أَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَبَقِيَ عِنْدَهُ، وَسَارَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى الْمَلِكِ سَنْجَرَ بِبَلْخَ، فَقَبِلَهُ أَحْسَنَ قَبُولٍ وَبَذَلَ لَهُ قُودَنُ أَنْ يَكْفِيَهُ أُمُورَهُ، وَيَقُومَ بِجَمْعِ الْعَسَاكِرِ عَلَى طَاعَتِهِ، فَقُدِّرَ أَنَّهُ مَاتَ عَنْ قَرِيبٍ، وَأَمَّا يَارْقَطَاشُ فَبَقِيَ أَسِيرًا إِلَى أَنْ قُتِلَ أَمِيرُ دَاذَ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ ابْتِدَاءِ دَوْلَةِ مُحَمَّدِ بْنِ خُوَارِزْمِشَاهْ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَّرَ بَرْكِيَارُقُ الْأَمِيرَ حَبَشِيَّ بْنَ أَلْتُونْتَاقَ عَلَى خُرَاسَانَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمَّا صَفَتْ لَهُ، وَقُتِلَ قُودَنُ، كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ، وَلِيَ خُوَارِزْمَ الْأَمِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ أَنُوشْتِكِينَ، وَكَانَ أَبُوهُ أَنُوشْتِكِينُ مَمْلُوكَ أَمِيرٍ مِنَ السُّلْجُوقِيَّةِ، اسْمُهُ بَلْكَبَاكُ، قَدِ اشْتَرَاهُ مِنْ رَجُلٍ
стр. 4935
مِنْ غَرْشِسْتَانَ فَقِيلَ لَهُ أَنُوشْتِكِينُ غَرْشَحَهُ، فَكَبَّرَ، وَعَلَا أَمْرُهُ، وَكَانَ حَسَنَ الطَّرِيقَةِ، كَامِلَ الْأَوْصَافِ، وَكَانَ مُقَدَّمًا، وَمَرْجُوعًا إِلَيْهِ، وَوُلِدَ لَهُ وَلَدٌ سَمَّاهُ مُحَمَّدًا، وَهُوَ هَذَا، وَعَلَّمَهُ، وَخَرَّجَهُ، وَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهُ، وَتَقَدَّمَ بِنَفْسِهِ، وَبِالْعِنَايَةِ الْأَزَلِيَّةِ.
فَلَمَّا وَلِيَ أَمِيرُ دَاذَ حَبَشِيُّ خُرَاسَانَ كَانَ خُوَارِزْمُشَاهْ إِكَنْجِي قَدْ قُتِلَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَنَظَرَ الْأَمِيرُ حَبَشِيٌّ فِيمَنْ يُوَلِّيهِ خُوَارِزْمَ، فَوَقَعَ اخْتِيَارُهُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَنُوشْتِكِينَ، فَوَلَّاهُ خُوَارِزْمَ، وَلَقَّبَهُ خُوارِزْمَشَاهْ، فَقَصَرَ أَوْقَاتَهُ عَلَى مَعْدَلَةٍ يَنْشُرُهَا، وَمَكْرُمَةٍ يَفْعَلُهَا، وَقَرَّبَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، فَازْدَادَ ذِكْرُهُ حُسْنًا، وَمَحَلَّهُ عُلُوًّا.
وَلَمَّا مَلَكَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ خُرَاسَانَ أَقَرَّ مُحَمَّدًا خُوَارِزْمَشَاهْ عَلَى خُوَارِزْمَ وَأَعْمَالِهَا، فَظَهَرَتْ كِفَايَتُهُ وَشَهَامَتُهُ، فَعَظَّمَ سَنْجَرُ مَحِلَّهُ وَقَدْرَهُ.
ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ مُلُوكِ الْأَتْرَاكِ جَمَعَ جُمُوعًا، وَقَصْدَ خُوَارِزْمَ، وَمُحَمَّدٌ غَائِبٌ عَنْهَا، وَكَانَ طُغْرُلْتِكِينَ بْنُ إِكَنْجِي، الَّذِي كَانَ أَبُوهُ خُوَارِزْمُشَاهْ، قُبِلَ عِنْدَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، فَهَرَبَ مِنْهُ، وَالْتَحَقَ بِالْأَتْرَاكِ فَلَمَّا سَمِعَ خُوَارِزْمُشَاهْ مُحَمَّدٌ الْخَبَرَ بَادَرَ إِلَى خُوَارِزْمَ، وَأَرْسَلَ إِلَى سَنْجَرَ يَسْتَمِدُّهُ، وَكَانَ بِنَيْسَابُورَ، فَسَارَ فِي الْعَسَاكِرِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَنْتَظِرْهُ مُحَمَّدٌ، فَلَمَّا قَارَبَ خُوَارِزْمَ هَرَبَ الْأَتْرَاكُ إِلَى مَنْقَشَلَاغَ، وَطُغْرُلْتِكِينَ أَيْضًا رَحَلَ إِلَى حَنْدَخَانَ، وَكُفِيَ خُوَارِزْمُشَاهْ شَرَّهُمْ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ خُوَارِزْمُشَاهْ وَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ إِتْسِزُ، فَمَدَّ ظِلَالَ الْأَمْنِ، وَأَفَاضَ الْعَدْلَ، وَكَانَ قَدْ قَادَ الْجُيُوشَ أَيَّامَ أَبِيهِ، وَقَصَدَ بِلَادَ الْأَعْدَاءِ، وَبَاشَرَ الْحُرُوبَ، فَمَلَكَ مَدِينَةَ مَنْقَشَلَاغَ.
وَلَمَّا وَلِيَ بَعْدَ أَبِيهِ قَرَّبَهُ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ، وَعَظَّمَهُ، وَاعْتَضَدَ بِهِ، وَاسْتَصْحَبَهُ مَعَهُ فِي أَسْفَارِهِ وَحُرُوبِهِ، فَظَهَرَتْ مِنْهُ الْكِفَايَةُ وَالشَّهَامَةُ، فَزَادَهُ تَقَدُّمًا وَعُلُوًّا، وَهُوَ ابْتِدَاءُ مُلْكِ بَيْتِ خُوَارِزْمَشَاهْ تُكُشْ، وَابْنِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي ظَهَرَتِ التَّتَرُ عَلَيْهِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) .
стр. 4936
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ رِضْوَانَ وَأَخِيهِ دُقَاقَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْمَلِكُ رِضْوَانُ إِلَى دِمَشْقَ، وَبِهَا أَخُوهُ دُقَاقُ، عَازِمًا عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ، فَلَمَّا قَارَبَهَا، وَرَأَى حَصَانَتَهَا وَامْتِنَاعَهَا، عَلِمَ عَجْزَهُ عَنْهَا، فَرَحَلَ إِلَى نَابُلُسَ، وَسَارَ إِلَى الْقُدْسِ لِيَأْخُذَهُ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ، وَانْقَطَعَتِ الْعَسَاكِرُ عَنْهُ، فَعَادَ وَمَعَهُ يَاغِي سِيَانَ، صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ، وَجَنَاحُ الدَّوْلَةِ.
ثُمَّ إِنَّ يَاغِي سِيَانَ فَارَقَ رِضْوَانَ، وَقَصَدَ دُقَاقَ، وَحَسَّنَ لَهُ مُحَاصَرَةَ أَخِيهِ بِحَلَبَ، جَزَاءً لِمَا فَعَلَهُ، فَجَمَعَ عَسَاكِرَ كَثِيرَةً وَسَارَ وَمَعَهُ يَاغِي سِيَانَ، فَأَرْسَلَ رِضْوَانُ رَسُولًا إِلَى سُقْمَانَ بْنِ أُرْتُقَ، وَهُوَ بِسَرُوجَ، يَسْتَنْجِدُهُ، فَأَتَاهُ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ التُّرْكُمَانِ، فَسَارَ نَحْوَ أَخِيهِ، فَالْتَقَيَا بِقِنَّسْرِينَ، فَاقْتَتَلَا، فَانْهَزَمَ دُقَاقُ وَعَسْكَرُهُ، وَنُهِبَتْ خِيَامُهُمْ وَجَمِيعُ مَالِهِمْ، وَعَادَ رِضْوَانُ إِلَى حَلَبَ، ثُمَّ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُخْطَبَ لِرِضْوَانَ بِدِمَشْقَ قَبْلَ دُقَاقَ، وَبِأَنْطَاكِيَةَ، وَقِيلَ: كَانَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] .
ذِكْرُ الْخُطْبَةِ لِلْعَلَوِيِّ الْمِصْرِيِّ بِوِلَايَةِ رِضْوَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَطَبَ الْمَلِكُ رِضْوَانُ فِي كَثِيرٍ مِنْ وِلَايَتِهِ لِلْمُسْتَعْلِي بِأَمْرِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ، صَاحِبِ مِصْرَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ الْأَمِيرُ جَنَاحُ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ زَوْجُ أُمِّهِ، فَرَأَى مِنْ رِضْوَانَ تَغَيُّرًا، فَسَارَ إِلَى حِمْصَ، وَهِيَ لَهُ، فَلَمَّا رَأَى يَاغِي سِيَانَ بُعْدَهُ عَنْ رِضْوَانَ صَالَحَهُ، وَقَدِمَ إِلَيْهِ بِحَلَبَ، وَنَزَلَ بِظَاهِرِهَا.
وَكَانَ لِرِضْوَانَ مُنَجِّمٌ يُقَالُ لَهُ: الْحَكِيمُ أَسْعَدُ، وَكَانَ يَمِيلُ إِلَيْهِ، فَقَدَّمَهُ بَعْدَ مَسِيرِ جَنَاحِ الدَّوْلَةِ، فَحَسَّنَ لَهُ مَذَاهِبَ الْعَلَوِيِّينَ وَالْمِصْرِيِّينَ، وَأَتَتْهُ رُسُلُ الْمِصْرِيِّينَ يَدْعُونَهُ إِلَى طَاعَتِهِمْ، وَيَبْذُلُونَ لَهُ الْمَالَ، وَإِنْفَاذَ الْعَسَاكِرِ إِلَيْهِ لِيَمْلِكَ دِمَشْقَ، فَخَطَبَ لَهُمْ بِشَيْزَرَ
стр. 4937
وَجَمِيعِ الْأَعْمَالِ سِوَى أَنْطَاكِيَةَ، وَحَلَبَ، وَالْمَعَرَّةَ، أَرْبَعَ جُمَعٍ، ثُمَّ حَضَرَ عِنْدَهُ سُقْمَانُ بْنُ أُرْتُقَ، وَيَاغِي سِيَانَ، صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ، فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ، وَاسْتَعْظَمَاهُ، فَأَعَادَ الْخُطْبَةَ الْعَبَّاسِيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَغْدَاذَ يَعْتَذِرُ مِمَّا كَانَ مِنْهُ.
وَسَارَ يَاغِي سِيَانَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، فَلَمْ يُقِمْ بِهَا غَيْرَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ حَتَّى وَصَلَ الْفِرِنْجُ إِلَيْهَا وَحَصَرُوهَا، وَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بِخُرَاسَانَ بَيْنَ أَهْلِ سَبْزَوَارَ وَأَهْلِ خُسْرُوجِرْدَ، وَقِتَالٌ عَظِيمٌ، فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَانْهَزَمَ أَهْلُ خُسْرُوجِرْدَ.
وَفِيهَا قُتِلَ عُثْمَانُ، وَكِيلُ دَارِ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ كَانَ كَاتَبَ صَاحِبَ غَزْنَةَ بِالْأَخْبَارِ مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ، فَأُخِذَ وَحُبِسَ بِتِرْمِذَ مُدَّةً، ثُمَّ اطُّلِعَ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي الْحَبْسِ، أَنَّهُ كَانَ يُكَاتِبُهُ أَيْضًا فَقُتِلَ.
وَفِي صَفَرٍ مِنْهَا قُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّمِيرِمِيُّ، وَزِيرُ أُمِّ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، قَتَلَهُ بَاطِنِيٌّ غِيلَةً، وَقُتِلَ الْبَاطِنِيُّ بَعْدَهُ.
وَفِيهَا فِي شَعْبَانَ، ظَهَرَ كَوْكَبٌ كَبِيرٌ لَهُ ذُؤَابَةٌ، وَأَقَامَ يَطْلُعُ عِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ غَابَ وَلَمْ يَظْهَرْ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ النَّقِيبُ الطَّاهِرُ أَبُو الْغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ دَيِّنًا
стр. 4938
سَخِيًّا، كَرِيمًا، مُتَعَصِّبًا، حَنَفِيَّ الْمَذْهَبِ، وَوَلِيَ النِّقَابَةَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ أَبُو الْفُتُوحِ حَيْدَرَةُ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ يَحْيَى بْنُ أَحْمَدَ السَّيْبِيُّ وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وَسَنَتَيْنِ، وَهُوَ صَحِيحُ الْحَوَاسِّ، وَكَانَ مُقْرِئًا، مُحَدِّثًا، حَاضِرَ الْقَلْبِ.
وَفِيهَا قُتِلَ أَرَغَشُ النِّظَامِيُّ، مَمْلُوكُ نِظَامِ الْمُلْكِ، بِالرَّيِّ وَكَانَ قَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا عَظِيمًا بِحَيْثُ إِنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةَ يَاقُوتِيِّ عَمِّ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، قَتَلَهُ بَاطِنِيٌّ، وَقُتِلَ قَاتِلُهُ.
وَقُتِلَ بُرْسُقُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ، قَتَلَهُ بَاطِنِيٌّ، وَكَانَ بُرْسُقُ مِنْ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبُكَ، وَهُوَ أَوَّلُ شِحْنَةٍ كَانَ بِبَغْدَاذَ.
стр. 4939
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]
٤٩١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ مَدِينَةَ أَنْطَاكِيَةَ كَانَ ابْتِدَاءُ ظُهُورِ دَوْلَةِ الْفِرِنْجِ، وَاشْتِدَادِ أَمْرِهِمْ، وَخُرُوجِهِمْ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَاسْتِيلَائِهِمْ عَلَى بَعْضِهَا، سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَمَلَكُوا مَدِينَةَ طُلَيْطِلَةَ وَغَيْرَهَا مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.
ثُمَّ قَصَدُوا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ جَزِيرَةَ صِقِلِّيَةَ وَمَلَكُوهَا، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ أَيْضًا، وَتَطَرَّقُوا إِلَى أَطْرَافِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَمَلَكُوا مِنْهَا شَيْئًا وَأُخِذَ مِنْهُمْ، ثُمَّ مَلَكُوا غَيْرَهُ عَلَى مَا نَرَاهُ.
فَلَمَّا كَانَ سَنَةَ تِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ خَرَجُوا إِلَى بِلَادِ الشَّامِ، وَكَانَ سَبَبُ خُرُوجِهِمْ أَنَّ مَلِكَهُمْ بَرْدَوِيلَ جَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا مِنَ الْفِرِنْجِ، وَكَانَ نَسِيبَ رُجَّارَ الْفِرِنْجِيِّ الَّذِي مَلَكَ صِقِلِّيَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَى رُجَّارَ يَقُولُ لَهُ: قَدْ جَمَعْتُ جَمْعًا كَثِيرًا، وَأَنَا وَاصِلٌ إِلَيْكَ، وَسَائِرٌ مِنْ عِنْدِكَ إِلَى إِفْرِيقِيَةَ أَفْتَحُهَا، وَأَكُونُ مُجَاوِرًا لَكَ.
فَجَمَعَ رُجَّارُ أَصْحَابَهُ، وَاسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ، وَقَالُوا: وَحَقِّ الْإِنْجِيلِ هَذَا جِيدٌ لَنَا وَلَهُمْ، وَتُصْبِحُ الْبِلَادُ بِلَادَ النَّصْرَانِيَّةِ.
فَرَفَعَ رِجْلَهُ وَحَبَقَ حَبْقَةً عَظِيمَةً وَقَالَ: وَحَقِّ دِينِي، هَذِهِ خَيْرٌ مِنْ كَلَامِكُمْ! قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: إِذَا وَصَلُوا إِلَيَّ أَحْتَاجُ إِلَى كُلْفَةٍ كَثِيرَةٍ، وَمَرَاكِبَ تَحْمِلُهُمْ إِلَى إِفْرِيقِيَةَ، وَعَسَاكِرَ مِنْ عِنْدِي أَيْضًا، فَإِنْ فَتَحُوا الْبِلَادَ كَانَتْ لَهُمْ، وَصَارَتِ الْمَئُونَةُ لَهُمْ مِنْ صِقِلِّيَةَ وَيَنْقَطِعُ عَنِّي مَا يَصِلُ مِنَ الْمَالِ مِنْ ثَمَنِ الْغَلَّاتِ كُلَّ سَنَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُفْلِحُوا رَجَعُوا إِلَى بِلَادِي، وَتَأَذَّيْتُ بِهِمْ، وَيَقُولُ تَمِيمٌ: غَدَرْتَ بِي، وَنَقَضْتَ عَهْدِي، وَتَنْقَطِعُ الْوَصْلَةُ وَالْأَسْفَارُ بَيْنَنَا، وَبِلَادُ إِفْرِيقِيَّةَ بَاقِيَةٌ لَنَا، مَتَى وَجَدْنَا قُوَّةً أَخَذْنَاهَا.
стр. 4940
وَأَحْضَرَ رَسُولَهُ، وَقَالَ لَهُ: إِذَا عَزَمْتُمْ عَلَى جِهَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَفْضَلُ ذَلِكَ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، تُخَلِّصُونَهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَيَكُونُ لَكُمُ الْفَخْرُ، وَأَمَّا إِفْرِيقِيَّةُ فَبَيْنِي وَبَيْنَ أَهْلِهَا أَيْمَانٌ وَعُهُودٌ. فَتَجَهَّزُوا، وَخَرَجُوا إِلَى الشَّامِ. وَقِيلَ: إِنَّ أَصْحَابَ مِصْرَ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ، لَمَّا رَأَوْا قُوَّةَ الدَّوْلَةِ السُّلْجُوقِيَّةِ، وَتَمَكُّنَهَا وَاسْتِيلَاءَهَا عَلَى بِلَادِ الشَّامِ إِلَى غَزَّةَ، وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مِصْرَ وِلَايَةٌ أُخْرَى تَمَنَعُهُمْ، وَدُخُولَ أَقْسِيسَ إِلَى مِصْرَ وَحَصْرَهَا؛ خَافُوا، وَأَرْسَلُوا إِلَى الْفِرِنْجِ يَدْعُونَهُمْ إِلَى الْخُرُوجِ إِلَى الشَّامِ لِيَمْلِكُوهُ، وَيَكُونُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، (وَاللَّهُ أَعْلَمُ) .
فَلَمَّا عَزَمَ الْفِرِنْجُ عَلَى قَصْدِ الشَّامِ، وَسَارُوا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ لِيَعْبُرُوا الْمَجَازَ إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَسِيرُوا فِي الْبَرِّ، فَيَكُونَ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا مَنَعَهُمْ مَلِكُ الرُّومِ مِنَ الِاجْتِيَازِ بِبِلَادِهِ، وَقَالَ: لَا أُمَكِّنُكُمْ مِنَ الْعُبُورِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ حَتَّى تَحْلِفُوا لِي أَنَّكُمْ تُسَلِّمُونَ إِلَيَّ أَنْطَاكِيَةَ، وَكَانَ قَصْدُهُ [أَنْ] يَحُثَّهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُمْ أَتْرَاكٌ لَا يُبْقُونَ مِنْهُمْ أَحَدًا، لِمَا رَأَى مِنْ صَرَامَتِهِمْ وَمَلْكِهُمُ الْبِلَادَ.
فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَعَبَرُوا الْخَلِيجَ عِنْدَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ سَنَةَ تِسْعِينَ [وَأَرْبَعِمِائَةٍ] ، وَوَصَلُوا إِلَى بِلَادِ قِلِيجَ أَرْسِلَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ قُتُلْمِشَ، وَهِيَ قُونِيَةُ وَغَيْرُهَا، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا لَقِيَهُمْ قِلِيجُ أَرَسْلَانُ فِي جُمُوعِهِ، وَمَنَعَهُمْ، فَقَاتَلُوهُ فَهَزَمُوهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَاجْتَازُوا فِي بِلَادِهِ إِلَى بِلَادِ ابْنِ الْأَرْمَنِيِّ، فَسَلَكُوهَا، وَخَرَجُوا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ فَحَصَرُوهَا.
وَلَمَّا سَمِعَ صَاحِبُهَا يَاغِي سِيَّانِ بِتَوَجُّهِهِمْ إِلَيْهَا، خَافَ مِنَ النَّصَارَى الَّذِينَ بِهَا، فَأَخْرَجَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِهَا، لَيْسَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنَ الْغَدِ النَّصَارَى لِعَمَلِ الْخَنْدَقِ أَيْضًا، لَيْسَ مَعَهُمْ مُسْلِمٌ، فَعَمِلُوا فِيهِ إِلَى الْعَصْرِ، فَلَمَّا
следующие страницы →