← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

وَجَمْعٌ مِمَّنْ مَعَهُ عِنْدَهُ، وَيَدْخُلُ الْبَلَدَ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَلَمَّا رَأَى كَثْرَةَ أَهْلِ الْجَبَلِ، وَحَصَانَةَ الْمَدِينَةِ، خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْهُ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَحْضُرُوا بِغَيْرِ سِلَاحٍ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ عِدَّةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَقْتُلُوهُمْ، فَخَرَجُوا عَلَيْهِمْ وَهُمْ غَارُّونَ فَقَتَلُوهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَقَتَلَ فِيهَا وَأَكْثَرَ، وَسَبَى الْحَرِيمَ، وَنَهَبَ الْأَمْوَالَ، فَكَانَ عِدَّةُ الْقَتْلَى خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَقَسَّمَ الْمَسَاكِنَ وَالْأَرْضَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَبَنَى عَلَى الْمَدِينَةِ سُورًا، وَقَلْعَةً عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ عَالٍ. وَفِي جَبَلِ تِينِ مَلَّلَ أَنْهَارٌ جَارِيَةٌ، وَأَشْجَارٌ، وَزُرُوعٌ، وَالطَّرِيقُ إِلَيْهِ صَعُبٌ، فَلَا جَبَلَ أَحْصَنُ مِنْهُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا خَافَ أَهْلَ تِينِ مَلَّلَ نَظَرَ، فَرَأَى كَثِيرًا مِنْ أَوْلَادِهِمْ شُقْرًا زُرْقًا، وَالَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الْآبَاءِ السُّمْرَةُ، وَكَانَ لِأَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ عِدَّةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْمَمَالِيكِ الْفِرِنْجِ وَالرُّومِ، وَيَغْلِبُ عَلَى أَلْوَانِهِمُ الشُّقْرَةُ، وَكَانُوا يَصَعِدُونَ الْجَبَلَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً، وَيَأْخُذُونَ مَا لَهُمْ فِيهِ مِنَ الْأَمْوَالِ الْمُقَرَّرَةِ لَهُمْ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ، فَكَانُوا يَسْكُنُونَ بُيُوتَ أَهْلِهِ، وَيُخْرِجُونَ أَصْحَابَهَا مِنْهَا، فَلَمَّا رَأَى الْمَهْدِيُّ أَوْلَادَهُمْ سَأَلَهُمْ: مَا لِي أَرَاكُمْ سُمْرَ الْأَلْوَانِ، وَأَرَى أَوْلَادَكُمْ شُقْرًا، زُرْقًا؟ فَأَخْبَرُوهُ خَبَرَهُمْ مَعَ مَمَالِيكِ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَبَّحَ الصَّبْرَ عَلَى هَذَا، وَأَزْرَى عَلَيْهِمْ، وَعَظَّمَ الْأَمْرَ عِنْدَهُمْ، فَقَالُوا لَهُ: فَكَيْفَ الْحِيلَةُ فِي الْخَلَاصِ مِنْهُمْ، وَلَيْسَ لَنَا بِهِمْ قُوَّةٌ؟ فَقَالَ: إِذَا حَضَرُوا عِنْدَكُمْ فِي الْوَقْتِ الْمُعْتَادِ، وَتَفَرَّقُوا فِي مَسَاكِنِهِمْ، فَلْيَقُمْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ إِلَى نَزِيلِهِ فَيَقْتُلَهُ، وَاحْفَظُوا جَبَلَكُمْ، فَإِنَّهُ لَا يُرَامُ وَلَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ. فَصَبَرُوا حَتَّى حَضَرَ أُولَئِكَ الْعَبِيدُ، فَقَتَلُوهُمْ عَلَى مَا قَرَّرَ لَهُمُ الْمَهْدِيُّ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ خَافُوا عَلَى نُفُوسِهِمْ مِنْ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، فَامْتَنَعُوا فِي الْجَبَلِ، وَسَدُّوا مَا فِيهِ مِنْ طَرِيقٍ يُسْلَكُ إِلَيْهِمْ، فَقَوِيَتْ نَفْسُ الْمَهْدِيِّ بِذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا قَوِيًّا، فَحَصَرُوهُمْ فِي الْجَبَلِ، وَضَيَّقُوا عَلَيْهِمْ، وَمَنَعُوا عَنْهُمُ الْمِيرَةَ، فَقَلَّتْ عِنْدَ أَصْحَابِ الْمَهْدِيِّ الْأَقْوَاتُ، حَتَّى صَارَ الْخُبْزُ مَعْدُومًا عِنْدَهُمْ، وَكَانَ يُطْبَخُ لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الْحَسَاءِ مَا يَكْفِيهِمْ، فَكَانَ قُوتُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَغْمِسَ يَدَهُ فِي ذَلِكَ الْحَسَاءِ وَيُخْرِجَهَا، فَمَا عَلَقَ عَلَيْهَا قَنَعَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَاجْتَمَعَ أَعْيَانُ أَهْلِ تِينِ مَلَّلَ، وَأَرَادُوا إِصْلَاحَ الْحَالِ مَعَ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ الْمَهْدِيَّ بْنَ تُومَرْتَ، وَكَانَ مَعَهُ إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْوَنْشَرِيشِيُّ، يُظْهِرُ الْبَلَهَ،

стр. 5182

وَعَدَمَ الْمَعْرِفَةِ بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ، وَبُزَاقُهُ يَجْرِي عَلَى صَدْرِهِ، وَهُوَ كَأَنَّهُ مَعْتُوهٌ، وَمَعَ هَذَا فَالْمَهْدِيُّ يُقَرِّبُهُ، وَيُكْرِمُهُ، وَيَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ سِرًّا فِي هَذَا الرَّجُلِ سَوْفَ يَظْهَرُ. وَكَانَ الْوَنْشَرِيشِيُّ يَلْزَمُ الِاشْتِغَالَ بِالْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ فِي السِّرِّ بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَخَافَ الْمَهْدِيُّ مِنْ أَهْلِ الْجَبَلِ، خَرَجَ يَوْمًا لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَرَأَى إِلَى جَانِبِ مِحْرَابِهِ إِنْسَانًا حَسَنَ الثِّيَابِ، طَيِّبَ الرِّيحِ، فَأَظْهَرَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ، وَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْوَنْشَرِيشِيُّ! فَقَالَ لَهُ الْمَهْدِيُّ: إِنَّ أَمْرَكَ لَعَجَبٌ! ثُمَّ صَلَّى، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ نَادَى فِي النَّاسِ فَحَضَرُوا، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَزْعُمُ أَنَّهُ الْوَنْشَرِيشِيُّ، فَانْظُرُوهُ، وَتَحَقَّقُوا أَمْرَهُ، فَلَمَّا أَضَاءَ النَّهَارُ عَرَفُوهُ، فَقَالَ لَهُ الْمَهْدِيُّ: مَا قِصَّتُكَ؟ قَالَ: إِنَّنِي أَتَانِيَ اللَّيْلَةَ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَغَسَلَ قَلْبِي، وَعَلَّمَنِي اللَّهُ الْقُرْآنَ، وَالْمُوَطَّأَ، وَغَيْرَهُ مِنَ الْعُلُومِ وَالْأَحَادِيثِ. فَبَكَى الْمَهْدِيُّ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: نَحْنُ نَمْتَحِنُكَ، فَقَالَ: افْعَلْ. وَابْتَدَأَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ قِرَاءَةً حَسَنَةً مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ سُئِلَ، وَكَذَلِكَ الْمُوَطَّأَ، وَغَيْرَهُ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ، وَاسْتَعْظَمُوهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَعْطَانِي نُورًا أَعْرِفُ بِهِ أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَآمُرُكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا أَهْلَ النَّارِ، وَتَتْرُكُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَلَائِكَةً إِلَى الْبِئْرِ الَّتِي فِي الْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ يَشْهَدُونَ بِصِدْقِي. فَسَارَ الْمَهْدِيُّ، وَالنَّاسُ مَعَهُ وَهُمْ يَبْكُونَ، إِلَى تِلْكَ الْبِئْرِ، وَصَلَّى الْمَهْدِيُّ عِنْدَ رَأْسِهَا، وَقَالَ: يَا مَلَائِكَةَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْوَنْشَرِيشِيَّ قَدْ زَعَمَ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَقَالَ مَنْ بِهَا: صَدَقَ! وَكَانَ قَدْ وَضَعَ فِيهَا رِجَالًا يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ فَلَمَّا قِيلَ ذَلِكَ مِنَ الْبِئْرِ، قَالَ الْمَهْدِيُّ: إِنَّ هَذِهِ مُطَهَّرَةٌ مُقَدَّسَةٌ قَدْ نَزَلَ إِلَيْهَا الْمَلَائِكَةُ، وَالْمَصْلَحَةُ أَنْ تُطَمَّ لِئَلَّا يَقَعَ فِيهَا نَجَاسَةٌ، أَوْ مَا لَا يَجُوزُ، فَأَلْقَوْا فِيهَا مِنَ الْحِجَارَةِ وَالتُّرَابِ مَا طَمَّهَا، ثُمَّ نَادَى فِي أَهْلِ الْجَبَلِ بِالْحُضُورِ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَحَضَرُوا لِلتَّمْيِيزِ، فَكَانَ الْوَنْشَرِيشِيُّ يَعْمِدُ إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي يَخَافُ نَاحِيَتَهُ، فَيَقُولُ: هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُلْقَى مِنَ الْجَبَلِ مَقْتُولًا، وَإِلَى الشَّابِّ الْغِرِّ، وَمَنْ لَا يَخْشَى، فَيَقُولُ: هَذَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُتْرَكُ عَلَى يَمِينِهِ، فَكَانَ عِدَّةُ الْقَتْلَى سَبْعِينَ أَلْفًا فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَصْحَابِهِ وَاسْتَقَامَ أَمْرُهُ.

стр. 5183

هَكَذَا سَمِعْتُ جَمَاعَةً مِنْ فُضَلَاءِ الْمَغَارِبَةِ يَذْكُرُونَ فِي التَّمْيِيزِ، وَسَمِعْتُ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ ابْنَ تُومَرْتَ لَمَّا رَأَى كَثْرَةَ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ فِي أَهْلِ الْجَبَلِ، أَحْضَرَ شُيُوخَ الْقَبَائِلِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ لَا يَصِحُّ لَكُمْ دِينٌ، وَلَا يَقْوَى إِلَّا بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَإِخْرَاجِ الْمُفْسِدِ مِنْ بَيْنِكُمْ، فَابْحَثُوا عَنْ كُلِّ مَنْ عِنْدَكُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ، فَانْهُوهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنِ انْتَهَوْا، وَإِلَّا فَاكْتُبُوا أَسْمَاءَهُمْ وَارْفَعُوهَا إِلَيَّ لِأَنْظُرَ فِي أَمْرِهِمْ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَكَتَبُوا لَهُ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَثَالِثَةً، ثُمَّ جَمَعَ الْمَكْتُوبَاتِ فَأَخَذَ مِنْهَا مَا تَكَرَّرَ مِنَ الْأَسْمَاءِ فَأَثْبَتَهَا عِنْدَهُ، ثُمَّ جَمَعَ النَّاسَ قَاطِبَةً، وَرَفَعَ الْأَسْمَاءَ الَّتِي كَتَبَهَا، وَدَفَعَهَا إِلَى الْوَنْشَرِيشِيِّ الْمَعْرُوفِ بِالْبَشِيرِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْرِضَ الْقَبَائِلَ، وَيَجْعَلَ أُولَئِكَ الْمُفْسِدِينَ فِي جِهَةِ الشِّمَالِ، وَمَنْ عَدَاهُمْ فِي جِهَةِ الْيَمِينِ فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَأَمَرَ أَنْ يُكَتَّفَ مَنْ عَلَى شِمَالِ الْوَنْشَرِيشِيِّ، فَكُتِّفُوا، وَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ أَشْقِيَاءُ قَدْ وَجَبَ قَتْلُهُمْ، وَأَمَرَ كُلَّ قَبِيلَةٍ أَنْ يَقْتُلُوا أَشْقِيَاءَهُمْ، فَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ فَكَانَ يَوْمَ التَّمْيِيزِ. وَلَمَّا فَرَغَ ابْنُ تُومَرْتَ مِنَ التَّمْيِيزِ، رَأَى أَصْحَابَهُ الْبَاقِينَ عَلَى نِيَّاتٍ صَادِقَةٍ، وَقُلُوبٍ مُتَّفِقَةٍ عَلَى طَاعَتِهِ، فَجَهَّزَ مِنْهُمْ جَيْشًا وَسَيَّرَهُمْ إِلَى جِبَالِ أَغْمَاتَ، وَبِهَا جَمْعٌ مِنَ الْمُرَابِطِينَ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ ابْنِ تُومَرْتَ، وَكَانَ أَمِيرَهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْوَنْشَرِيشِيُّ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ، وَجُرِحَ عُمَرُ الْهِنْتَانِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ أَصْحَابِهِ، وَسَكَنَ حِسُّهُ وَنَبْضُهُ، فَقَالُوا: مَاتَ! فَقَالَ الْوَنْشَرِيشِيُّ: أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلَا يَمُوتُ حَتَّى يَمْلِكَ الْبِلَادَ. فَبَعْدَ سَاعَةٍ فَتَحَ عَيْنَيْهِ، وَعَادَتْ قُوَّتُهُ إِلَيْهِ، فَافْتَتَنُوا بِهِ، وَعَادُوا مُنْهَزِمِينَ إِلَى ابْنِ تُومَرْتَ، فَوَعَظَهُمْ، وَشَكَرَهُمْ عَلَى صَبْرِهِمْ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ بَعْدَهَا يُرْسِلُ السَّرَايَا فِي أَطْرَافِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا رَأَوْا عَسْكَرًا تَعَلَّقُوا بِالْجَبَلِ فَأَمِنُوا. وَكَانَ الْمَهْدِيُّ قَدْ رَتَّبَ أَصْحَابَهُ مَرَاتِبَ، فَالْأُولَى يُسَمَّوْنَ أَيْتَ عَشَرَةٍ يَعْنِي أَهْلَ عَشَرَةٍ، وَأَوَّلُهُمْ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ، ثُمَّ أَبُو حَفْصٍ الْهِنْتَاتِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَهُمْ أَشْرَفُ أَصْحَابِهِ، وَأَهْلُ الثِّقَةِ عِنْدَهُ، السَّابِقُونَ إِلَى مُتَابَعَتِهِ، وَالثَّانِيَةُ: أَيْتَ خَمْسِينَ، يَعْنِي أَهْلَ خَمْسِينَ، وَهُمْ دُونَ تِلْكَ الطَّبَقَةِ، وَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ رُؤَسَاءِ الْقَبَائِلِ، وَالثَّالِثَةُ: أَيْتَ سَبْعِينَ، يَعْنِي أَهْلَ سَبْعِينَ، وَهُمْ دُونَ الَّتِي قَبْلَهَا، وَسُمِّيَ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ وَالدَّاخِلِينَ فِي طَاعَتِهِ مُوَحِّدِينَ، فَإِذَا ذُكِرَ الْمُوَحِّدُونَ فِي أَخْبَارِهِمْ فَإِنَّمَا يُعْنَى أَصْحَابُهُ وَأَصْحَابُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بَعْدَهُ.

стр. 5184

وَلَمْ يَزَلْ أَمْرُ ابْنِ تُومَرْتَ يَعْلُو إِلَى سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَجَهَّزَ الْمَهْدِيُّ جَيْشًا كَثِيفًا يَبْلُغُونَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، أَكْثَرُهُمْ رَجَّالَةٌ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الْوَنْشَرِيشِيَّ، وَسَيَّرَ مَعَهُمْ عَبْدَ الْمُؤْمِنِ، فَنَزَلُوا وَسَارُوا إِلَى مُرَّاكِشَ فَحَصَرُوهَا، وَضَيَّقُوا عَلَيْهَا، وَبِهَا أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ، فَبَقِيَ الْحِصَارُ عَلَيْهَا عِشْرِينَ يَوْمًا، فَأَرْسَلَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مُتَوَلِّي سِجِلْمَاسَةَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَحْضُرَ وَمَعَهُ الْجُيُوشُ، فَجَمَعَ كَثِيرًا، وَسَارَ، فَلَمَّا قَارَبَ عَسْكَرَ الْمَهْدِيِّ خَرَجَ أَهْلُ مُرَّاكِشَ مِنْ غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي أَقْبَلَ مِنْهَا، فَاقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي أَصْحَابِ الْمَهْدِيِّ، فَقُتِلَ الْوَنْشَرِيشِيُّ أَمِيرُهُمْ، فَاجْتَمَعُوا إِلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَجَعَلُوهُ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ. وَلَمْ يَزَلِ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ عَامَّةَ النَّهَارِ، وَصَلَّى عَبْدُ الْمُؤْمِنِ صَلَاةَ الْخَوْفِ، الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ، وَلَمْ تُصَلَّ بِالْمَغْرِبِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَى الْمَصَامِدَةُ كَثْرَةَ الْمُرَابِطِينَ، وَقُوَّتَهُمْ، أَسْنَدُوا ظُهُورَهُمْ إِلَى بُسْتَانٍ كَبِيرٍ هُنَاكَ، وَالْبُسْتَانُ يُسَمَّى عِنْدَهُمُ الْبُحَيْرَةُ، فَلِهَذَا قِيلَ وَقْعَةُ الْبُحَيْرَةِ، وَعَامُ الْبُحَيْرَةِ، وَصَارُوا يُقَاتِلُونَ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَى أَنْ أَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ، وَقَدْ قُتِلَ مِنَ الْمَصَامِدَةِ أَكْثَرُهُمْ، وَحِينَ قُتِلَ الْوَنْشَرِيشِيُّ دَفَنَهُ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ فَطَلَبَهُ الْمَصَامِدَةُ، فَلَمْ يَرَوْهُ فِي الْقَتْلَى فَقَالُوا: رَفَعَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَلَمَّا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ سَارَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ وَمَنْ سَلِمَ مِنَ الْقَتْلِ إِلَى الْجَبَلِ. ذِكْرُ وَفَاةِ الْمَهْدِيِّ وَوِلَايَةِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ لَمَّا سَيَّرَ الْجَيْشَ إِلَى حِصَارِ مُرَّاكِشَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ الْهَزِيمَةِ اشْتَدَّ مَرَضُهُ، وَسَأَلَ عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، فَقِيلَ: هُوَ سَالِمٌ، فَقَالَ: مَا مَاتَ أَحَدٌ، الْأَمْرُ قَائِمٌ، وَهُوَ الَّذِي يَفْتَحُ الْبِلَادَ. وَوَصَّى أَصْحَابَهُ بِاتِّبَاعِهِ، وَتَقْدِيمِهِ، وَتَسْلِيمِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ، وَالِانْقِيَادِ لَهُ، وَلَقَّبَهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ مَاتَ الْمَهْدِيُّ، وَكَانَ عُمُرُهُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: خَمْسًا وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَمُدَّةُ وِلَايَتِهِ عِشْرِينَ سَنَةً، وَعَادَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ إِلَى تِينِ مَلَّلَ، وَأَقَامَ بِهَا يَتَأَلَّفُ الْقُلُوبَ، وَيُحْسِنُ إِلَى النَّاسِ، وَكَانَ جَوَادًا مِقْدَامًا فِي الْحُرُوبِ، ثَابِتًا فِي الْهَزَاهِزِ، إِلَى أَنْ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَتَجَهَّزَ وَسَارَ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ، وَجَعَلَ يَمْشِي مَعَ الْجَبَلِ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى تَادَلَةَ، فَمَانَعَهُ أَهْلُهَا، وَقَاتَلُوهُ، فَقَهَرَهُمْ، وَفَتَحَهَا وَسَائِرَ الْبِلَادِ

стр. 5185

الَّتِي تَلِيهَا وَمَشَى فِي الْجِبَالِ يَفْتَحُ مَا امْتَنَعَ عَلَيْهِ، وَأَطَاعَتْهُ صَنْهَاجَةُ الْجَبَلِ. وَكَانَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ قَدْ جَعَلَ وَلِيَّ عَهْدِهِ ابْنَهُ سَيْرَ، فَمَاتَ، فَأَحْضَرَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ ابْنَهُ تَاشَفِينَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ جَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَجَعَلَ مَعَهُ جَيْشًا، وَصَارَ يَمْشِي فِي الصَّحْرَاءِ قُبَالَةَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ فِي الْجِبَالِ. وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ كَانَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ فِي النَّوَاظِرِ، وَهُوَ جَبَلٌ عَالٍ مُشْرِفٌ، وَتَاشَفِينُ فِي الْوَطْأَةِ، وَكَانَ يَخْرُجُ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ قَوْمٌ يَتَرَامَوْنَ وَيَتَطَارَدُونَ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا لِقَاءٌ، وَيُسَمَّى عَامَ النَّوَاظِرِ. وَفِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ تَوَجَّهَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ، مَعَ الْجَبَلِ، فِي الشَّعْرَاءِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى جَبَلِ كَرْنَاطَةَ، فَنَزَلَ فِي أَرْضٍ صُلْبَةٍ، بَيْنَ شَجَرٍ، وَنَزَلَ تَاشَفِينُ قُبَالَتَهُ، فِي الْوَطْأَةِ فِي أَرْضٍ لَا نَبَاتَ فِيهَا، وَكَانَ الْفَصْلُ شَاتِيًا، فَتَوَالَتِ الْأَمْطَارُ أَيَّامًا كَثِيرَةً لَا تُقْلِعُ، فَصَارَتِ الْأَرْضُ الَّتِي فِيهَا تَاشَفِينُ وَأَصْحَابُهُ كَثِيرَةَ الْوَحْلِ، تَسُوخُ فِيهَا قَوَائِمُ الْخَيْلِ إِلَى صُدُورِهَا، وَيَعْجِزُ الرَّجُلُ عَنِ الْمَشْيِ فِيهَا، وَتَقَطَّعَتِ الطُّرُقُ عَنْهُمْ، فَأَوْقَدُوا رِمَاحَهُمْ، وَقَرَابِيسَ سُرُوجِهِمْ، وَهَلَكُوا جُوعًا وَبَرْدًا وَسُوءَ حَالٍ. وَكَانَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ وَأَصْحَابُهُ فِي أَرْضٍ خَشِنَةٍ صُلْبَةٍ فِي الْجَبَلِ، لَا يُبَالُونَ بِشَيْءٍ، وَالْمِيرَةُ مُتَّصِلَةٌ إِلَيْهِمْ، وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ سَيَّرَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ جَيْشًا إِلَى وَجْرَةَ مِنْ أَعْمَالِ تِلِمْسَانَ، وَمُقَدَّمُهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ رِقْوٍ، وَهُوَ مِنْ أَيْتَ خَمْسِينَ، فَبَلَغَ خَبَرُهُمْ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ فَانُّوا، مُتَوَلِّي تِلِمْسَانَ، فَخَرَجَ فِي جَيْشٍ مِنَ الْمُلَثَّمِينَ، فَالْتَقَوْا بِمَوْضِعٍ يُعْرَفُ بِخَنْدَقِ الْخَمْرِ، فَهَزَمَهُمْ جَيْشُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، وَقُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَغَنِمُوا مَا مَعَهُمْ وَرَجَعُوا، فَتَوَجَّهَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بِجَمِيعِ جَيْشِهِ إِلَى غَمَارَةَ، فَأَطَاعُوهُ قَبِيلَةٌ بَعْدَ قَبِيلَةٍ، وَأَقَامَ عِنْدَهُمْ مُدَّةً. وَمَا بَرِحَ يَمْشِي فِي الْجِبَالِ، وَتَاشَفِينُ يُحَاذِيهِ فِي الصَّحَارِي، فَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ كَذَلِكَ إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَتُوُفِّيَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ بِمُرَّاكِشَ وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ تَاشَفِينُ، فَقَوِيَ طَمَعُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ فِي الْبِلَادِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلِ الصَّحْرَاءَ. وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ تَوَجَّهَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ إِلَى تِلِمْسَانَ، فَنَازَلَهَا، وَضَرَبَ خِيَامَهُ فِي

стр. 5186

جَبَلٍ بِأَعْلَاهَا، وَنَزَلَ تَاشَفِينُ عَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنَ الْبَلَدِ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ مُنَاوَشَةٌ، فَبَقُوا كَذَلِكَ إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ، فَرَحَلَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ عَنْهَا إِلَى جَبَلِ تَاجِرَةَ، وَوَجَّهَ جَيْشًا مَعَ عُمَرَ الْهِنْتَاتِيِّ إِلَى مَدِينَةِ وَهْرَانَ، فَهَاجَمَهَا بَغْتَةً، وَحَصَّلَ هُوَ وَجَيْشُهُ فِيهَا، فَسَمِعَ بِذَلِكَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ فَسَارَ إِلَيْهَا، فَخَرَجَ مِنْهَا عُمَرُ، وَنَزَلَ تَاشَفِينُ بِظَاهِرِ وَهْرَانَ، عَلَى الْبَحْرِ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ، فَجَاءَتْ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْهُ، وَهِيَ لَيْلَةٌ يُعَظِّمُهَا أَهْلُ الْمَغْرِبِ، وَبِظَاهِرِ وَهْرَانَ رَبْوَةٌ مُطِلَّةٌ عَلَى الْبَحْرِ، وَبِأَعْلَاهَا ثَنِيَّةٌ يَجْتَمِعُ فِيهَا الْمُتَعَبِّدُونَ وَهُوَ مَوْضِعٌ مُعَظَّمٌ عِنْدَهُمْ، فَسَارَ إِلَيْهِ تَاشَفِينُ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مُتَخَفِّيًا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ إِلَّا النَّفَرُ الَّذِينَ مَعَهُ، وَقَصَدَ التَّبَرُّكَ بِحُضُورِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَعَ أُولَئِكَ الْجَمَاعَةِ الصَّالِحِينَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى عُمَرَ بْنِ يَحْيَى الْهَنْتَاتِيِّ، فَسَارَ لِوَقْتِهِ بِجَمِيعِ عَسْكَرِهِ إِلَى ذَلِكَ الْمُتَعَبَّدِ، وَأَحَاطُوا بِهِ، وَمَلَكُوا الرَّبْوَةَ، فَلَمَّا خَافَ تَاشَفِينُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَأْخُذُوهُ رَكِبَ فَرَسَهُ وَحَمَلَ عَلَيْهِ إِلَى جِهَةِ الْبَحْرِ، فَسَقَطَ مِنْ جُرُفٍ عَالٍ عَلَى الْحِجَارَةِ فَهَلَكَ، وَرُفِعَتْ جُثَّتُهُ عَلَى خَشَبَةٍ، وَقُتِلَ كُلُّ مَنْ كَانَ مَعَهُ. وَقِيلَ إِنَّ تَاشَفِينَ قَصَدَ حِصْنًا هُنَاكَ عَلَى رَابِيَةٍ، وَلَهُ فِيهِ بُسْتَانٌ كَبِيرٌ فِيهِ مِنْ كُلِّ الثِّمَارِ، فَاتَّفَقَ أَنَّ عُمَرَ الْهِنْتَاتِيَّ، مُقَدَّمَ عَسْكَرِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، سَيَّرَ سَرِيَّةً إِلَى الْحِصْنِ، يُعْلِمُهُمْ بِضِعْفِ مَنْ فِيهِ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنْ تَاشَفِينَ فِيهِ، فَأَلْقَوُا النَّارَ فِي بَابِهِ فَاحْتَرَقَ، فَأَرَادَ تَاشَفِينُ الْهَرَبَ، فَرَكِبَ فَرَسَهُ، فَوَثَبَ الْفَرَسُ مِنْ دَاخِلِ الْحِصْنِ إِلَى خَارِجِ السُّورِ، فَسَقَطَ فِي النَّارِ، فَأُخِذَ تَاشَفِينُ، فَاعْتَرَفَ، فَأَرَادُوا حَمْلَهُ إِلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، فَمَاتَ فِي الْحَالِ لِأَنَّ رَقَبَتَهُ كَانَتْ قَدِ انْدَقَّتْ، فَصُلِبَ، وَقُتِلَ كُلُّ مَنْ مَعَهُ، وَتَفَرَّقَ عَسْكَرُهُ وَلَمْ يَعُدْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ. وَمَلَكَ بَعْدَهُ أَخُوهُ إِسْحَاقُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ. وَلَمَّا قُتِلَ تَاشَفِينُ أَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بِالْخَبَرِ، فَجَاءَ مِنْ تَاجِرَةَ فِي يَوْمِهِ بِجَمِيعِ عَسْكَرِهِ، وَتَفَرَّقَ عَسْكَرُ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، وَاحْتَمَى بَعْضُهُمْ بِمَدِينَةِ وَهْرَانَ، فَلَمَّا وَصَلَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ دَخَلَهَا بِالسَّيْفِ، وَقَتَلَ فِيهَا مَا لَا يُحْصَى. ثُمَّ سَارَ إِلَى تِلِمْسَانَ، وَهُمَا مَدِينَتَانِ بَيْنَهُمَا شَوْطُ فَرَسٍ، إِحْدَاهُمَا تَاهَرْتُ، وَبِهَا عَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْأُخْرَى أَقَادِيرُ، وَهِيَ بِنَاءٌ قَدِيمٌ، فَامْتَنَعَتْ أَقَادِيرُ، وَغَلَّقَتْ أَبْوَابَهَا، وَتَأَهَّبَ أَهْلُهَا لِلْقِتَالِ. وَأَمَّا تَاهَرْتُ، فَكَانَ فِيهَا يَحْيَى بْنُ الصَّحْرَاوِيَّةِ، فَهَرَبَ مِنْهَا بِعَسْكَرِهِ إِلَى مَدِينَةِ

стр. 5187

فَاسَ، وَجَاءَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ إِلَيْهَا، فَدَخَلَهَا لَمَّا فَرَّ مِنْهَا الْعَسْكَرُ، وَلَقِيَهُ أَهْلُهَا بِالْخُضُوعِ وَالِاسْتِكَانَةِ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ ذَلِكَ وَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ، وَدَخَلَهَا عَسْكَرُهُ، وَرَتَّبَ أَمْرَهَا، وَرَحَلَ عَنْهَا، وَجَعَلَ عَلَى أَقَادِيرَ جَيْشًا يَحْصُرُهَا، وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ فَاسَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فَنَزَلَ عَلَى جَبَلٍ مُطِلٍّ عَلَيْهَا، وَحَصَرَهَا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَفِيهَا يَحْيَى بْنُ الصَّحْرَاوِيَّةِ، وَعَسْكَرُهُ الَّذِينَ فَرُّوا مِنْ تِلِمْسَانَ، فَلَمَّا طَالَ مُقَامُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ عَمَدَ إِلَى نَهْرٍ يَدْخُلُ الْبَلَدَ فَسَكَّرَهُ بِالْأَخْشَابِ وَالتُّرَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَمَنَعَهُ مِنَ دُخُولِ الْبَلَدِ، وَصَارَ بُحَيْرَةً تَسِيرُ فِيهَا السُّفُنُ، ثُمَّ هَدَمَ السَّكْرَ، فَجَاءَ الْمَاءُ دَفْعَةً وَاحِدَةً فَخَرَّبَ سُورَ الْبَلَدِ، وَكُلَّ مَا يُجَاوِرُ النَّهْرَ مِنَ الْبَلَدِ، وَأَرَادَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَدْخُلَ الْبَلَدَ فَقَاتَلَهُ أَهْلُهُ خَارِجَ السُّورِ، فَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ مَا قَدَّرَهُ مِنْ دُخُولِهِ. وَكَانَ بِفَاسَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خِيَارٍ الْجِيَانِيُّ عَامِلًا عَلَيْهَا، وَعَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِهَا، فَاتَّفَقَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الْبَلَدِ، وَكَاتَبُوا عَبْدَ الْمُؤْمِنِ فِي طَلَبِ الْأَمَانِ لِأَهْلِ فَاسَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَيْهِ، فَفَتَحُوا لَهُ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا، فَدَخَلَهَا عَسْكَرُهُ، وَهَرَبَ يَحْيَى بْنُ الصَّحْرَاوِيَّةِ، وَكَانَ فَتْحُهَا آخِرَ سِنَةِ أَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَسَارَ إِلَى طَنْجَةَ وَرَتَّبَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ أَمْرَ مَدِينَةِ فَاسَ، وَأَمَرَ فَنُودِيَ فِي أَهْلِهَا: مَنْ تَرَكَ عِنْدَهُ سِلَاحًا وَعِدَّةَ قِتَالٍ حَلَّ دَمُهُ، فَحَمَلَ كُلُّ مَنْ فِي الْبَلَدِ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ السِّلَاحِ إِلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مِنْهُمْ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِكْنَاسَةَ، فَفَعَلَ بِأَهْلِهَا مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَتَلَ مَنْ بِهَا مِنَ الْفُرْسَانِ وَالْأَجْنَادِ. وَأَمَّا الْعَسْكَرُ الَّذِي كَانَ عَلَى تِلِمْسَانَ فَإِنَّهُمْ قَاتَلُوا أَهْلَهَا، وَنَصَبُوا الْمَجَانِيقَ، وَأَبْرَاجَ الْخَشَبِ، وَزَحَفُوا بِالدَّبَّابَاتِ، وَكَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَى أَهْلِهَا الْفَقِيهَ عُثْمَانَ، فَدَامَ الْحِصَارُ نَحْوَ سَنَةٍ، فَلَمَّا اشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ وَرَاسَلُوا الْمُوَحِّدِينَ أَصْحَابَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، بِغَيْرِ عِلْمِ الْفَقِيهِ عُثْمَانَ، وَأَدْخَلُوهُمُ الْبَلَدَ، فَلَمْ يَشْعُرْ أَهْلُهُ إِلَّا وَالسَّيْفُ يَأْخُذُهُمْ، فَقُتِلَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ، وَسُبِيَتِ الذُّرِّيَّةُ وَالْحَرِيمُ، وَنُهِبَ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُحْصَى، وَمِنَ الْجَوَاهِرِ مَا لَا تُحَدُّ قِيمَتُهُ، وَمَنْ لَمْ يُقْتَلْ بِيعَ بِأَوْكَسِ الْأَثْمَانِ، وَكَانَ عِدَّةُ الْقَتْلَى مِائَةَ أَلْفِ قَتِيلٍ، وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ الْمُؤْمِنِ هُوَ الَّذِي حَصَرَ تِلِمْسَانَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى فَاسَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 5188

وَسَيَّرَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ سَرِيَّةً إِلَى مِكْنَاسَةَ، فَحَصَرُوهَا مُدَّةً، ثُمَّ سَلَّمَهَا إِلَيْهِمْ أَهْلُهَا بِالْأَمَانِ فَوَفَوْا لَهُمْ. وَسَارَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ مِنْ فَاسَ إِلَى مَدِينَةِ سَلَا فَفَتَحَهَا، وَحَضَرَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ سَبْتَةَ، فَدَخَلُوا فِي طَاعَتِهِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى بَذْلِ الْأَمَانِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. ذِكْرُ مُلْكِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ مَدِينَةَ مُرَّاكِشَ لَمَّا فَرَغَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ مِنْ فَاسَ، وَتِلْكَ النَّوَاحِي، سَارَ إِلَى مُرَّاكِشَ، وَهِيَ كُرْسِيُّ مَمْلَكَةِ الْمُلَثَّمِينَ، وَهِيَ مِنْ أَكْبَرِ الْمُدُنِ وَأَعْظَمِهَا، وَكَانَ صَاحِبُهَا حِينَئِذٍ إِسْحَاقَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ بْنِ تَاشَفِينَ، وَهُوَ صَبِيٌّ، فَنَازَلَهَا، وَكَانَ نُزُولُهُ عَلَيْهَا سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَضَرَبَ خِيَامَهُ فِي غَرْبِيِّهَا عَلَى جَبَلٍ صَغِيرٍ، وَبَنَى عَلَيْهِ مَدِينَةً لَهُ وَلِعَسْكَرِهِ، وَبَنَى بِهَا جَامِعًا وَبَنَى لَهُ بِنَاءً عَالِيًا يُشْرِفُ مِنْهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَيَرَى أَحْوَالَ أَهْلِهَا، وَأَحْوَالَ الْمُقَاتِلِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَاتَلَهَا قِتَالًا كَثِيرًا، وَأَقَامَ عَلَيْهَا أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، فَكَانَ مَنْ بِهَا مِنَ الْمُرَابِطِينَ يَخْرُجُونَ يُقَاتِلُونَهُمْ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَاشْتَدَّ الْجُوعُ عَلَى أَهْلِهِ، وَتَعَذَّرَتِ الْأَقْوَاتُ عِنْدَهُمْ. ثُمَّ زَحَفَ إِلَيْهِمْ يَوْمًا، وَجَعَلَ لَهُمْ كَمِينًا، وَقَالَ لَهُمْ: إِذَا سَمِعْتُمْ صَوْتَ الطَّبْلِ فَاخْرُجُوا، وَجَلَسَ هُوَ بِأَعْلَى الْمِنْظَرَةِ الَّتِي بَنَاهَا يُشَاهِدُ الْقِتَالَ، وَتَقَدَّمَ عَسْكَرُهُ، وَقَاتَلُوا، وَصَبَرُوا، ثُمَّ إِنَّهُمُ انْهَزَمُوا لِأَهْلِ مُرَّاكِشَ لِيَتْبَعُوهُمْ إِلَى الْكَمِينِ الَّذِي لَهُمْ، فَتَبِعَهُمُ الْمُلَثَّمُونَ إِلَى أَنْ وَصَلُوا إِلَى مَدِينَةِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، فَهَدَمُوا أَكْثَرَ سُورِهَا، وَصَاحَتِ الْمَصَامِدَةُ بِعَبْدِ الْمُؤْمِنِ لِيَأْمُرَ بِضَرْبِ الطَّبْلِ لِيَخْرُجَ الْكَمِينُ، فَقَالَ لَهُمُ: اصْبِرُوا حَتَّى يَخْرُجَ كُلُّ طَامِعٍ فِي الْبَلَدِ، فَلَمَّا خَرَجَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ أَمَرَ بِالطَّبْلِ فَضُرِبَ وَخَرَجَ الْكَمِينُ عَلَيْهِمْ، وَرَجَعَ الْمَصَامِدَةُ الْمُنْهَزِمِينَ إِلَى الْمُلَثَّمِينَ، فَقَتَلُوا كَيْفَ شَاءُوا، وَعَادَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى الْمُلَثَّمِينَ، فَمَاتَ فِي زَحْمَةِ الْأَبْوَابِ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ. وَكَانَ شُيُوخُ الْمُلَثَّمِينَ يُدَبِّرُونَ دَوْلَةَ إِسْحَاقَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ لِصِغَرِ سِنِّهِ، فَاتَّفَقَ أَنَّ إِنْسَانًا مَنْ جُمْلَتِهِمْ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ خَرَجَ إِلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ مُسْتَأْمِنًا وَأَطْلَعَهُ

стр. 5189

عَلَى عَوْرَاتِهِمْ وَضَعْفِهِمْ، فَقَوِيَ الطَّمَعُ فِيهِمْ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ، وَنُصِبَ عَلَيْهِمُ الْمَنْجَنِيقَاتُ وَالْأَبْرَاجُ، وَفَنِيَتْ أَقْوَاتُهُمْ، وَأَكَلُوا دَوَابَّهُمْ، وَمَاتَ مِنَ الْعَامَّةِ بِالْجُوعِ مَا يَزِيدُ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ، فَأَنْتَنَ الْبَلَدُ مِنْ رِيحِ الْمَوْتَى. وَكَانَ بِمُرَّاكِشَ جَيْشٌ مِنَ الْفِرِنْجِ كَانَ الْمُرَابِطُونَ قَدِ اسْتَنْجَدُوا بِهِمْ، فَجَاءُوا إِلَيْهِمْ نَجْدَةً، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ رَاسَلُوا عَبْدَ الْمُؤْمِنِ يَسْأَلُونَ الْأَمَانَ فَأَجَابَهُمْ إِلَيْهِ، فَفَتَحُوا لَهُ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْبَلَدِ يُقَالُ لَهُ بَابُ أَغْمَاتَ، فَدَخَلَتْ عَسَاكِرُهُ بِالسَّيْفِ، وَمَلَكُوا الْمَدِينَةَ عَنْوَةً، وَقَتَلُوا مَنْ وَجَدُوا، وَوَصَلُوا إِلَى دَارِ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَخْرَجُوا الْأَمِيرَ إِسْحَاقَ وَجَمِيعَ مَنْ مَعَهُ مِنْ أُمَرَاءِ الْمُرَابِطِينَ فَقُتِلُوا، وَجَعَلَ إِسْحَاقُ يَرْتَعِدُ رَغْبَةً فِي الْبَقَاءِ، وَيَدْعُو لِعَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَيَبْكِي فَقَامَ إِلَيْهِ سَيْرُ بْنُ الْحَاجِّ، وَكَانَ إِلَى جَانِبِهِ مَكْتُوفًا فَبَزَقَ فِي وَجْهِهِ، وَقَالَ: تَبْكِي عَلَى أَبِيكَ وَأُمِّكَ؟ اصْبِرْ صَبْرَ الرِّجَالِ، فَهَذَا رَجُلٌ لَا يَخَافُ اللَّهَ وَلَا يَدِينُ بِدِينٍ. فَقَامَ الْمُوَحِّدُونَ إِلَيْهِ بِالْخَشَبِ فَضَرَبُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ، وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ الْمَعْرُوفِينَ بِالشَّجَاعَةِ، وَقُدِّمَ إِسْحَاقُ عَلَى صِغَرِ سِنِّهِ، فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَهُوَ آخِرُ مُلُوكِ الْمُرَابِطِينَ وَبِهِ انْقَرَضَتْ دَوْلَتُهُمْ، وَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِمْ سَبْعِينَ سَنَةً، وَوَلِيَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ: يُوسُفُ وَعَلِيٌّ وَتَاشَفِينُ وَإِسْحَاقُ. وَلَمَّا فَتَحَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ مُرَّاكِشَ أَقَامَ بِهَا، وَاسْتَوْطَنَهَا وَاسْتَقَرَّ مُلْكُهُ. وَلَمَّا قَتَلَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَهْلِ مُرَّاكِشَ فَأَكْثَرَ فِيهِمُ الْقَتْلَ اخْتَفَى مِنْ أَهْلِهَا، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ أَمَرَ فَنُودِيَ بِأَمَانِ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِهَا، فَخَرَجُوا، فَأَرَادَ أَصْحَابُهُ الْمَصَامِدَةُ قَتْلَهُمْ، فَمَنَعَهُمْ، وَقَالَ: هَؤُلَاءِ صُنَّاعٌ، وَأَهْلُ الْأَسْوَاقِ مَنْ نَنْتَفِعُ بِهِ، فَتُرِكُوا، وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِ الْقَتْلَى مِنَ الْبَلَدِ، فَأَخْرَجُوهُمْ، وَبَنَى بِالْقَصْرِ جَامِعًا كَبِيرًا، وَزَخْرَفَهُ فَأَحْسَنَ عَمَلَهُ، وَأَمَرَ بِهَدْمِ الْجَامِعِ الَّذِي بَنَاهُ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ يُوسُفُ بْنُ تَاشَفِينَ. وَلَقَدْ أَسَاءَ يُوسُفُ بْنُ تَاشَفِينَ فِي فِعْلِهِ بِالْمُعْتَمِدِ بْنِ عَبَّادٍ، وَارْتَكَبَ بِسَجْنِهِ عَلَى الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ أَقْبَحَ مَرْكَبٍ، فَلَا جَرَمَ سَلَّطَ اللَّهُ [عَلَيْهِ فِي عِقَابِهِ] مَنْ أَرْبَى فِي الْأَخْذِ عَلَيْهِ وَزَادَ، فَتَبَارَكَ الْحَيُّ الدَّائِمُ الْمَلِكُ، الَّذِي لَا يَزُولُ مُلْكُهُ، وَهَذِهِ سُنَّةُ الدُّنْيَا، فَأُفٍّ لَهَا، ثُمَّ أُفٍّ، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَخْتِمَ أَعْمَالَنَا بِالْحُسْنَى، وَيَجْعَلَ خَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاهُ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ.

стр. 5190

ذِكْرُ ظَفَرِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بِدَكَّالَةَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ سَارَ بَعْضُ الْمُرَابِطِينَ مِنَ الْمُلَثَّمِينَ إِلَى دَكَّالَةَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ قَبَائِلُهَا، وَصَارُوا يُغِيرُونَ عَلَى أَعْمَالِ مُرَّاكِشَ، وَعَبْدُ الْمُؤْمِنِ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ سَارَ إِلَيْهِمْ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَلَمَّا سَمِعَتْ دْكَّالَةُ بِذَلِكَ انْحَشَرُوا كُلُّهُمْ إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فِي مِائَتَيْ أَلْفِ رَاجِلٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَكَانُوا مَوْصُوفِينَ بِالشَّجَاعَةِ. وَكَانَ مَعَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْجُيُوشِ مَا يَخْرُجُ عَنِ الْحَصْرِ، وَكَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ دَكَّالَةُ كَثِيرَ الْحَجَرِ وَالْحُزُونَةِ، فَكَمَّنُوا فِيهِ كُمَنَاءَ لِيَخْرُجُوا عَلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ إِذَا سَلَكَهُ، فَمِنَ الِاتِّفَاقِ الْحَسَنِ لَهُ أَنَّهُ قَصَدَهُمْ مِنْ غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي فِيهَا الْكُمَنَاءُ، فَانْحَلَّ عَلَيْهِمْ مَا قَدَرُوهُ، وَفَارَقُوا ذَلِكَ الْمَوْضِعَ، فَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ، فَدَخَلُوا الْبَحْرَ، فَقُتِلَ أَكْثَرُهُمْ، وَغُنِمَتْ إِبِلُهُمْ وَأَغْنَامُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، وَسُبِيَتْ نِسَاؤُهُمْ وَذَرَارِيُّهُمْ، فَبِيعَتِ الْجَارِيَةُ الْحَسْنَاءُ بِدَارِهِمَ يَسِيرَةٍ، وَعَادَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ إِلَى مُرَّاكِشَ مُظَفَّرًا مَنْصُورًا، وَثَبَتَ مُلْكُهُ، وَخَافَهُ النَّاسُ فِي جَمِيعِ الْمَغْرِبِ، وَأَذْعَنُوا لَهُ بِالطَّاعَةِ. ذِكْرُ حَصْرِ مَدِينَةِ كُتِنْدَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، يَعْنِي سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، خَرَجَ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْفِرِنْجِ بِالْأَنْدَلُسِ، يُقَالُ لَهُ ابْنُ رُدْمِيرَ، فَسَارَ حَتَّى انْتَهَى كُتِنْدَةَ، وَهِيَ بِالْقُرْبِ مِنْ مُرْسِيَةَ، فِي شَرْقِ الْأَنْدَلُسِ، فَحَصَرَهَا، وَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا، وَكَانَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ حِينَئِذٍ بِقُرْطُبَةَ، وَمَعَهُ جَيْشٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْأَجْنَادِ الْمُتَطَوِّعَةِ، فَسَيَّرَهُمْ إِلَى ابْنِ رُدْمِيرَ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ الْقِتَالِ، وَهَزَمَهُمُ ابْنُ رُدْمِيرَ هَزِيمَةً مُنْكَرَةً، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ فِيمَنْ قُتِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْفَرَّاءِ، قَاضِي الْمَرِيَّةِ، وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ، وَالزُّهَّادِ فِي الدُّنْيَا الْعَادِلِينَ فِي الْقَضَاءِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كُسِرَ بَلْكُ بْنُ أُرْتُقَ عَفْرَاسُ الرُّومِيُّ، وَقُتِلَ مِنَ الرُّومِ خَمْسَةُ آلَافِ رَجُلٍ عَلَى قَلْعَةِ سَرْمَانَ مِنْ بَلَدِ انْدُكَانَ! وَأُسِرَ عَفْرَاسُ وَكَثِيرٌ مِنْ عَسْكَرِهِ.

стр. 5191

وَفِيهَا أَغَارَ جُوسُلِينُ الْفِرِنْجِيُّ، صَاحِبُ الرُّهَا، عَلَى جُيُوشِ الْعَرَبِ وَالتُّرْكُمَانِ، وَكَانُوا نَازِلِينَ بِصِفِّينَ، غَرْبِيَّ الْفُرَاتِ، وَغَنِمَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَخَيْلِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ شَيْئًا كَثِيرًا، وَلَمَّا عَادَ خَرَّبَ بُزَاعَةَ. وَفِيهَا تَسَلَّمَ أَتَابِكُ طُغْتِكِينُ، صَاحِبُ دِمَشْقَ، مَدِينَةَ تَدْمُرَ وَالشَّقِيفِ. وَفِيهَا أَمَرَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ الْأَمِيرَ جُيُوشَ بِكْ بِالْمَسِيرِ إِلَى حَرْبِ أَخِيهِ طُغْرَلَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَسَمِعَ طُغْرَلُ وَأَتَابِكُهُ كُنْتَغْدِي ذَلِكَ، فَسَارَ إِلَى كَنْجَةَ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ الْعَسْكَرِ، وَلَمْ يَجْرِ قِتَالٌ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا، فِي الْمُحَرَّمِ، تُوُفِّيَ خَالِصَةُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْبَرَكَاتِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ السَّيْبِيِّ، صَاحِبُ الْمَخْزَنِ بِبَغْدَاذَ، وَوَلِيَ مَكَانَهُ الْكَمَالُ أَبُو الْفُتُوحِ حَمْزَةُ بْنُ طَلْحَةَ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْبَقْشَلَامِ، وَالِدِ عَلَمِ الدِّينِ الْكَاتِبِ الْمَعْرُوفِ. وَفِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْهَا تُوُفِّيَ أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيُّ، الْإِمَامُ، وَكَانَ أَخَذَ الْعِلْمَ مِنْ قَرَابَتِهِ، وَالطَّرِيقَةَ أَيْضًا ثُمَّ اسْتَفَادَ أَيْضًا مِنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيِّ. سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ جَمَاعَةٍ، وَرَوَاهُ، وَكَانَ حَسَنَ الْوَعْظِ، وَسَرِيعَ الْخَاطِرِ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ جَلَسَ النَّاسُ فِي الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ لِلْعَزَاءِ بِهِ، حَتَّى فِي بَغْدَاذَ بِرِبَاطِ شَيْخِ الشُّيُوخِ.

стр. 5192

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَة] ٥١٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ إِقْطَاعِ الْبُرْسُقِيِّ الْمَوْصِلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرٍ أَقْطَعَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ مَدِينَةَ الْمَوْصِلِ وَأَعْمَالَهَا، وَمَا يَنْضَافُ إِلَيْهَا، كَالْجَزِيرَةِ، وَسَنَجَارَ، وَغَيْرِهِمَا، الْأَمِيرَ آقْسُنْقُرَ الْبُرْسُقِيَّ. وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّهُ كَانَ فِي خِدْمَةِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، نَاصِحًا لَهُ، مُلَازِمًا لَهُ فِي حُرُوبِهِ كُلِّهَا، وَكَانَ لَهُ الْأَثَرُ الْحَسَنُ فِي الْحَرْبِ الْمَذْكُورَةِ بَيْنَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ وَأَخِيهِ الْمَلِكِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ الَّذِي أَحْضَرَ الْمَلِكَ مَسْعُودًا عِنْدَ أَخِيهِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عِنْدَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، وَلَمَّا حَضَرَ جُيُوشْ بِكْ عِنْدَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ وَبَقِيَتِ الْمَوْصِلُ بِغَيْرِ أَمِيرٍ وَلَّى عَلَيْهَا الْبُرْسُقِيَّ، وَتَقَدَّمَ إِلَى سَائِرِ الْأُمَرَاءِ بِطَاعَتِهِ، وَأَمَرَ بِمُجَاهِدَةٍ الْفِرِنْجِ وَأَخْذِ الْبِلَادِ مِنْهُمْ، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ وَمَلَكَهَا، وَأَقَامَ يُدَبِّرُ أُمُورَهَا، وَيُصْلِحُ أَحْوَالَهَا. ذِكْرُ وَفَاةِ الْأَمِيرِ عَلِيٍّ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ الْحَسَنِ إِفْرِيقِيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ تَمِيمٍ، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِالْمَهْدِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حُرُوبِهِ وَأَعْمَالِهِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عُلُوِّ هِمَّتِهِ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ وَلِيَ الْمُلْكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْحَسَنُ، بِعَهْدِ أَبِيهِ، وَقَامَ بِأَمْرِ دَوْلَتِهِ

стр. 5193

صَنْدَلُ الْخُصِّيُّ، لِأَنَّهُ كَانَ عُمُرُهُ حِينَئِذٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً لَا يَسْتَقِلُّ بِتَدْبِيرِ الْمُلْكِ، فَقَامَ صَنْدَلُ فِي الْحِفْظِ وَالِاحْتِيَاطِ، فَلَمْ تَطُلْ أَيَّامُهُ حَتَّى تُوُفِّيَ، فَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَقُوَّادِهِ، كُلٌّ مِنْهُمْ يَقُولُ: أَنَا الْمُقَدَّمُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَبِيَدِيَ الْحَلُّ وَالشَّدُّ، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ إِلَى أَنْ فَوَّضَ أُمُورَ دَوْلَتِهِ إِلَى قَائِدٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِيهِ يُقَالُ لَهُ أَبُو عَزِيزٍ مُوَفَّقٌ، فَصَلُحَتِ الْأُمُورُ. ذِكْرُ قَتْلِ أَمِيرِ الْجُيُوشِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، قُتِلَ أَمِيرُ الْجُيُوشِ الْأَفْضَلُ بْنُ بَدْرٍ الْجَمَالِيُّ، وَهُوَ صَاحِبُ الْأَمْرِ وَالْحُكْمِ بِمِصْرَ، وَكَانَ رَكِبَ إِلَى خِزَانَةِ السِّلَاحِ لِيُفَرِّقَهُ عَلَى الْأَجْنَادِ، عَلَى جَارِي الْعَادَةِ فِي الْأَعْيَادِ، فَسَارَ مَعَهُ عَالَمٌ كَثِيرٌ مِنَ الرَّجَّالَةِ وَالْخَيَّالَةِ، فَتَأَذَّى بِالْغُبَارِ، فَأَمَرَ بِالْبُعْدِ عَنْهُ، وَسَارَ مُنْفَرِدًا، مَعَهُ رَجُلَانِ، فَصَادَفَهُ رَجُلَانِ بِسُوقِ الصَّيَاقِلَةِ، فَضَرَبَاهُ بِالسَّكَاكِينِ فَجَرَحَاهُ، وَجَاءَ الثَّالِثُ مِنْ وَرَائِهِ، فَضَرَبَهُ بِسِكِّينٍ فِي خَاصِرَتِهِ، فَسَقَطَ عَنْ دَابَّتِهِ، وَرَجَعَ أَصْحَابُهُ فَقَتَلُوا الثَّلَاثَةَ، وَحَمَلُوهُ إِلَى دَارِ الْأَفْضَلِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ، وَتَوَجَّعَ لَهُ، وَسَأَلَ عَنِ الْأَمْوَالِ، فَقَالَ: أَمَّا الظَّاهِرُ مِنْهَا فَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ أُسَامَةَ الْكَاتِبُ يَعْرِفُهُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ حَلَبَ، وَتَوَلَّى أَبُوهُ قَضَاءَ الْقَاهِرَةِ، وَأَمَّا الْبَاطِنُ فَابْنُ الْبَطَائِحِيِّ يَعْرِفُهُ، فَقَالَا: صَدَقَ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ الْأَفْضَلُ نُقِلَ مِنْ أَمْوَالِهِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَبَقِيَ الْخَلِيفَةُ فِي دَارِهِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَالْكَاتِبُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالدَّوَابُّ تَحْمِلُ وَتَنْقُلُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَوُجِدَ لَهُ مِنَ الْأَعْلَاقِ النَّفِيسَةِ، وَالْأَشْيَاءِ الْغَرِيبَةِ الْقَلِيلَةِ الْوُجُودِ، مَا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ لِغَيْرِهِ، وَاعْتُقِلَ أَوْلَادُهُ، وَكَانَ عُمُرُهُ سَبْعًا وَخَمْسِينَ سَنَةً وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ بَعْدَ أَبِيهِ ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَمِنْهَا: آخِرُ أَيَّامِ الْمُسْتَنْصِرِ، وَجَمِيعِ أَيَّامِ الْمُسْتَعْلِي، إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ مِنْ أَيَّامِ الْآمِرِ. وَكَانَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ يَكْرَهُونَهُ لِأَسْبَابٍ مِنْهَا: تَضْيِيقُهُ عَلَى إِمَامِهِمْ، وَتَرْكُهُ مَا يَجِبُ عِنْدَهُمْ سُلُوكُهُ مَعَهُمْ، وَمِنْهَا: تَرْكُ مُعَارَضَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي اعْتِقَادِهِمْ، وَالنَّهْيُ عَنْ مُعَارَضَتِهِمْ، وَإِذْنُهُ لِلنَّاسِ فِي إِظْهَارِ مُعْتَقَدَاتِهِمْ وَالْمُنَاظَرَةِ عَلَيْهَا، فَكَثُرَ الْغُرَبَاءُ بِبِلَادِ مِصْرَ.

стр. 5194

وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، عَادِلًا، حُكِيَ أَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ، وَظَهَرَ الظُّلْمُ بَعْدَهُ، اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ وَاسْتَغَاثُوا بِالْخَلِيفَةِ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ قَوْلِهِمْ: إِنَّهُمْ لَعَنُوا الْأَفْضَلَ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ سَبَبِ لَعْنِهِمْ إِيَّاهُ، فَقَالُوا: إِنَّهُ عَدَلَ، وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ، فَفَارَقْنَا بِلَادَنَا وَأَوْطَانَنَا، وَقَصَدْنَا بَلَدَهُ لِعَدْلِهِ، فَقَدْ أَصَابَنَا بَعْدَهُ هَذَا الظُّلْمُ، فَهُوَ كَانَ سَبَبَ ظُلْمِنَا. فَأَحْسَنَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِمْ، وَأَمَرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ. وَمِنْهَا أَنَّ صَاحِبَهُ الْآمِرَ بِأَحْكَامِ اللَّهِ، صَاحِبَ مِصْرَ، وَضَعَ مِنْهُ، وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، فَفَسَدَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا، فَأَرَادَ الْآمِرُ أَنْ يَضَعَ عَلَيْهِ مَنْ يَقْتُلُهُ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ قَصْرَهُ لِلسَّلَامِ، أَوْ فِي أَيَّامِ الْأَعْيَادِ، فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ ابْنُ عَمِّهِ أَبُو الْمَيْمُونِ عَبْدُ الْمَجِيدِ، وَهُوَ الَّذِي وَلِيَ الْأَمْرَ بَعْدَهُ بِمِصْرَ، وَقَالَ لَهُ: فِي هَذَا الْفِعْلِ شَنَاعَةٌ وَسُوءُ سُمْعَةٍ، لِأَنَّهُ قَدْ خَدَمَ دَوْلَتَنَا هُوَ وَأَبُوهُ خَمْسِينَ سَنَةً، وَلَمْ يَعْلَمِ النَّاسُ مِنْهُمَا إِلَّا النُّصْحَ لَنَا، وَالْمَحَبَّةَ لِدَوْلَتِنَا، وَقَدْ سَارَ ذَلِكَ فِي أَقْطَارِ الْبِلَادِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَظْهَرَ مِنَّا هَذِهِ الْمُكَافَأَةُ الشَّنِيعَةُ، وَمَعَ هَذَا فَلَا بُدَّ وَأَنْ نُقِيمَ غَيْرَهُ مَكَانَهُ وَنَعْتَمِدَ عَلَيْهِ فِي مَنْصِبِهِ، مُتَمَكِّنٌ مِثْلُهُ، أَوْ مَا يُقَارِبُهُ، فَيَخَافَ أَنْ نَفْعَلَ بِهِ مِثْلَ فِعْلِنَا بِهَذَا، فَيَحْذَرَ مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْنَا خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ دَخَلَ عَلَيْنَا كَانَ خَائِفًا مُسْتَعِدًّا لِلِامْتِنَاعِ، وَفِي هَذَا الْفِعْلِ مِنْهُمْ مَا يُسْقِطُ الْمَنْزِلَةَ، وَالرَّأْيُ أَنْ تُرَاسِلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ الْبَطَائِحِيِّ، فَإِنَّهُ الْغَالِبُ عَلَى أَمْرِ الْأَفْضَلِ، وَالْمُطَّلِعُ عَلَى سِرِّهِ، وَتَعِدُهُ أَنْ تُوَلِّيَهُ مَنْصِبَهُ، وَتَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُدَبِّرَ الْأَمْرَ فِي قَتْلِهِ لِمَنْ يُقَاتِلُهُ، إِذَا رَكِبَ، فَإِذَا ظَفِرْنَا بِمَنْ قَتَلَهُ قَتَلْنَاهُ، وَأَظْهَرْنَا الطَّلَبَ بِدَمِهِ، وَالْحُزْنَ عَلَيْهِ، فَنَبْلُغُ غَرَضَنَا، وَيَزُولُ عَنَّا قُبْحُ الْأُحْدُوثَةِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَقُتِلَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ. وَلَمَّا قُتِلَ وَلِيَ بَعْدَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْبَطَائِحِيِّ الْأَمْرَ، وَلُقِّبَ الْمَأْمُونَ، وَتَحَكَّمَ فِي الدَّوْلَةِ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ حَاكِمًا فِي الْبِلَادِ إِلَى سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَصُلِبَ كَمَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ عِصْيَانِ سُلَيْمَانَ بْنِ إِيلْغَازِي عَلَى أَبِيهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَصَى سُلَيْمَانُ بْنُ إِيلْغَازِيبْنِ أُرْتُقَ عَلَى أَبِيهِ بِحَلَبَ، وَقَدْ جَاوَزَ عُمُرُهُ عِشْرِينَ سَنَةً، حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ عِنْدِهِ، فَسَمِعَ وَالِدُهُ الْخَبَرَ، فَسَارَ مُجِدًّا

стр. 5195

لِوَقْتِهِ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ سُلَيْمَانُ حَتَّى هَجَمَ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مُعْتَذِرًا، فَأَمْسَكَ عَنْهُ، وَقَبَضَ عَلَى مَنْ كَانَ أَشَارَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، مِنْهُمْ: أَمِيرٌ كَانَ قَدِ الْتَقَطَهُ أُرْتُقُ، وَالِدُ إِيلْغَازِي، وَرَبَّاهُ، اسْمُهُ نَاصِرٌ، فَقَلَّعَ عَيْنَيْهِ، وَقَطَعَ لِسَانَهُ، وَمِنْهُمْ: إِنْسَانٌ مِنْ أَهْلِ حَمَاةَ مِنْ بَيْتِ قَرْنَاصَ، كَانَ قَدْ قَدَّمَهُ إِيلْغَازِي عَلَى أَهْلِ حَلَبَ، وَجَعَلَ إِلَيْهِ الرِّئَاسَةَ، فَجَازَاهُ بِذَلِكَ، وَقَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَسَمَلَ عَيْنَيْهِ، فَمَاتَ. وَأَحْضَرَ وَلَدَهُ، وَهُوَ سَكْرَانُ، فَأَرَادَ قَتْلَهُ، فَمَنَعَتْهُ رِقَّةُ الْوَالِدِ، فَاسْتَبْقَاهُ، فَهَرَبَ إِلَى دِمَشْقَ، فَأَرْسَلَ طُغْتِكِينُ يَشْفَعُ فِيهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، وَاسْتَنَابَ بِحَلْبَ سُلَيْمَانَ ابْنَ أَخِيهِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ أُرْتُقَ، وَلَقَّبَهُ بَدْرَ الدَّوْلَةِ، وَعَادَ إِلَى مَارِدِينَ. ذِكْرُ إِقْطَاعِ مَيَّافَارِقِينَ إِيلْغَازِي فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَقْطَعَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ مَدِينَةَ مَيَّافَارِقِينَ لِلْأَمِيرِ إِيلْغَازِي وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَرْسَلَ وَلَدَهُ حُسَامَ الدِّينِ تَمَرْتَاشَ، وَعُمُرُهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، إِلَى السُّلْطَانِ لِيَشْفَعَ فِي دُبَيْسِ بْنِ صَدَقَةَ، وَيَبْذُلَ عَنْهُ الطَّاعَةَ، وَحَمْلَ الْأَمْوَالِ، وَالْخَيْلَ، وَغَيْرَهَا، وَأَنْ يَضْمَنَ الْحِلَّةَ كُلَّ يَوْمٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَفَرَسٍ، وَكَانَ الْمُتَحَدِّثَ عَنْهُ الْقَاضِيَ بَهَاءُ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الشَّهْرَزُورِيِّ، فَتَرَدَّدَ الْخِطَابُ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْفَصِلْ حَالٌ، فَلَمَّا أَرَادَ الْعَوْدَ أَقْطَعَ السُّلْطَانُ أَبَاهُ مَدِينَةَ مَيَّافَارِقِينَ، وَكَانَتْ مَعَ الْأَمِيرِ سُكْمَانَ، صَاحِبِ خِلَاطَ، فَتَسَلَّمَهَا إِيلْغَازِي، وَبَقِيَتْ فِي يَدِهِ، وَيَدِ أَوْلَادِهِ، إِلَى أَنْ مَلَكَهَا صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ حَصْرِ بَلْكَ بْنِ بَهْرَامَ الرُّهَا وَأَسْرِ صَاحِبِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ بَلْكُ بْنُ بَهْرَامَ، وَلَدُ أَخِي إِيلْغَازِي، إِلَى مَدِينَةِ الرُّهَا، فَحَصَرَهَا وَبِهَا الْفِرِنْجُ، بَقِيَ عَلَى حَصْرِهَا مُدَّةً فَلَمْ يَظْفَرْ بِهَا، فَرَحَلَ عَنْهَا، فَجَاءَهُ إِنْسَانٌ تُرْكُمَانِيٌّ وَأَعْلَمَهُ أَنَّ جُوسُلِينَ، صَاحِبَ الرُّهَا وَسَرُوجَ، قَدْ جَمَعَ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى كَبْسِهِ، وَكَانَ قَدْ تَفَرَّقَ عَنْ بَلْكَ أَصْحَابُهُ، وَبَقِيَ فِي أَرْبَعِمِائَةِ فَارِسٍ، فَوَقَفَ مُسْتَعِدًّا لِقِتَالِهِمْ.

стр. 5196

وَأَقْبَلَ الْفِرِنْجُ، فَمِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْفِرِنْجَ وَصَلُوا إِلَى أَرْضٍ قَدْ نَضَبَ عَنْهَا الْمَاءُ، فَصَارَتْ وَحْلًا وَغَاصَتْ خُيُولُهُمْ فِيهِ فَلَمْ تَتَمَكَّنْ، مَعَ ثِقَلِ السِّلَاحِ وَالْفُرْسَانِ، مِنَ الْإِسْرَاعِ وَالْجَرْيِ، فَرَمَاهُمْ أَصْحَابُ بَلْكَ بِالنُّشَّابِ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَأُسِرَ جُوسُلِينُ، وَجُعِلَ فِي جِلْدِ جَمَلٍ، وَخُيِّطَ عَلَيْهِ، وَطُلِبَ مِنْهُ أَنْ يُسَلِّمَ الرُّهَا، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَبَذَلَ فِي فِدَاءِ نَفْسِهِ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَأَسْرَى كَثِيرَةً، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، وَحَمَلَهُ إِلَى قَلْعَةِ خَرْتَبِرْتَ فَسَجَنَهُ بِهَا، وَأُسِرَ ابْنُ خَالَتِهِ، وَاسْمُهُ كُلْيَامُ، وَكَانَ مِنْ شَيَاطِينِ الْكُفَّارِ، وَأُسِرَ أَيْضًا جَمَاعَةٌ مِنْ فُرْسَانِهِ الْمَشْهُورِينَ، فَسَجَنَهُمْ مَعَهُ. [الْوَفَيَاتُ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَتْ جَدَّةُ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ لِأَبِيهِ، وَهِيَ وَالِدَةُ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، وَكَانَتْ تُرْكِيَّةً تُعْرَفُ بِخَاتُونَ السَّفَرِيَّةِ، وَكَانَ مَوْتُهَا بِمَرْوَ فَجَلَسَ مَحْمُودٌ بِبَغْدَاذَ لِلْعَزَاءِ بِهَا، وَكَانَ عَزَاءً لَمْ يُشَاهِدْ مِثْلَهُ النَّاسُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْخَطِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمَيْبُذِيُّ بِبِلَادِ فَارِسَ، وَهُوَ فِي وِزَارَةِ الْمَلِكِ سُلْجُوقَ ابْنِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ قَدِيمًا وَزَرَ لِلسُّلْطَانَيْنِ بُرْكِيارُقَ وَمُحَمَّدٍ، وَكَانَ جَوَادًا حَلِيمًا، سَمِعَ أَنَّ الْأَبْيَوَرْدِيَّ هَجَاهُ، فَلَمَّا سَمِعَ الْهَجْوَ مَضَّهُ، فَعَضَّ عَلَى إِبْهَامِهِ، وَصَفَحَ عَنْهُ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ وَوَصَلَهُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الشِّهَابُ أَبُو الْمَحَاسِنِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَزِيرُ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي نِظَامِ الْمُلْكِ، وَكَانَ يَتَفَقَّهُ قَدِيمًا عَلَى إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيِّ فَكَانَ يُفْتِي وَيُوَقِّعُ، وَوَزَرَ بَعْدَهُ أَبُو طَاهِرٍ سَعْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى الْقُمِّيُّ، وَتُوُفِّيَ بَعْدَ شُهُورٍ، فَوَزَرَ بَعْدَهُ عُثْمَانُ الْقُمِّيُّ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ. وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْأُولَى، أَوْقَعَ أَتَابِكُ طُغْتِكِينُ بِطَائِفَةٍ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ وَأَسَرَ وَأَرْسَلَ مِنَ الْأَسْرَى وَالْغَنِيمَةِ لِلسُّلْطَانِ وَلِلْخَلِيفَةِ. وَفِيهَا تَضَعْضَعَ الرُّكْنُ الْيَمَانِيُّ مِنَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، زَادَهُ اللَّهُ شَرَفًا، مِنْ زَلْزَلَةٍ، وَانْهَدَمَ

стр. 5197

بَعْضُهُ، وَتَشَعَّثَ بَعْضُ حَرَمِ النَّبِيِّ، ﷺ ، وَتَشَعَّثَ غَيْرُهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَكَانَ بِالْمَوْصِلِ كَثِيرٌ مِنْهَا. وَفِيهَا احْتَرَقَتْ دَارُ السُّلْطَانِ، كَانَ قَدْ بَنَاهَا مُجَاهِدُ الدِّينِ بَهْرُوزَ لِلسُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، فَفَرَغَتْ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِيَسِيرٍ، فَلَمَّا كَانَ الْآنَ احْتَرَقَتْ. وَسَبَبُ الْحَرِيقِ أَنَّ جَارِيَةً كَانَتْ تَخَضَّبَتْ لَيْلًا، فَأَسْنَدَتْ شَمْعَةً إِلَى الْخَيْشِ فَاحْتَرَقَ، وَعَلِقَتِ النَّارُ مِنْهُ فِي الدَّارِ، وَاحْتَرَقَ فِيهَا مِنْ زَوْجَةِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ بِنْتِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ مَا لَا حَدَّ لَهُ مِنَ الْجَوَاهِرِ، وَالْحُلَى، وَالْفُرُشِ، وَالثِّيَابِ، وَأُقِيمَ الْغَسَّالُونَ يُخَلِّصُونَ الذَّهَبَ، وَمَا أَمْكَنَ تَخْلِيصُهُ، وَكَانَ الْجَوْهَرُ جَمِيعُهُ قَدْ هَلَكَ إِلَّا الْيَاقُوتَ الْأَحْمَرَ. وَتَرَكَ السُّلْطَانُ الدَّارَ لَمْ تُجَدَّدْ عِمَارَتُهَا، وَتَطَيَّرَ مِنْهَا، لِأَنَّ أَبَاهُ لَمْ يَتَمَتَّعْ بِهَا، ثُمَّ احْتَرَقَ فِيهَا مِنْ أَمْوَالِهِمُ الشَّيْءُ الْعَظِيمُ، وَاحْتَرَقَ قَبْلَهَا بِأُسْبُوعٍ جَامِعُ أَصْبَهَانَ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْجَوَامِعِ وَأَحْسَنِهَا، أَحْرَقَهُ قَوْمٌ مِنَ الْبَاطِنِيَّةِ لَيْلًا وَكَانَ السُّلْطَانُ قَدْ عَزَمَ عَلَى أَخْذِ حَقِّ الْبَيْعِ، وَتَجْدِيدِ الْمُكُوسِ بِالْعِرَاقِ، بِإِشَارَةِ الْوَزِيرِ السُّمِيرَمِيِّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَتَجَدَّدَ مِنْ هَذَيْنِ الْحَرِيقَيْنِ مَا هَالَهُ، وَاتَّعَظَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ. وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، انْقَضَّ كَوْكَبٌ عِشَاءً، وَصَارَ لَهُ نُورٌ عَظِيمٌ، وَتَفَرَّقَ مِنْهُ أَعْمِدَةٌ عِنْدَ انْقِضَاضِهِ، وَسُمِعَ عِنْدَ ذَلِكَ صَوْتُ هَدَّةٍ عَظِيمَةٍ كَالزَّلْزَلَةِ. وَفِيهَا ظَهَرَ بِمَكَّةَ إِنْسَانٌ عَلَوِيُّ، وَأَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَنَازَعَ أَمِيرَ مَكَّةَ ابْنَ أَبِي هَاشِمٍ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ، وَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَخْطِفَ لِنَفْسِهِ، فَعَادَ ابْنُ أَبِي هَاشِمٍ وَظَفِرَ بِهِ، وَنَفَاهُ عَنِ الْحِجَازِ إِلَى الْبَحْرِينِ، وَكَانَ هَذَا الْعَلَوِيُّ مِنْ فُقَهَاءِ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَاذَ. وَفِيهَا أَلْزَمَ السُّلْطَانُ أَهْلَ الذِّمَّةِ بِبَغْدَاذَ بِالْغِيَارِ، فَجَرَى فِيهِ مُرَاجَعَاتٌ انْتَهَتْ إِلَى أَنْ قُرِّرَ عَلَيْهِمْ لِلسُّلْطَانِ عِشْرُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَلِلْخَلِيفَةِ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِينَارٍ.

стр. 5198

وَفِيهَا حَضَرَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ وَأَخُوهُ الْمَلِكُ مَسْعُودٌ عِنْدَ الْخَلِيفَةِ، فَخَلَعَ عَلَيْهِمَا، وَعَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ، مِنْهُمْ: وَزِيرُهُ أَبُو طَالِبٍ السُّمِيرَمِيُّ، وَشَمْسُ الْمُلْكِ عُثْمَانُ بْنُ نِظَامٍ، وَالْوَزِيرُ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَامِدٍ الْمُسْتَوْفِي، وَعَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَرَاءِ. وَفِيهَا، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَهُوَ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ مِنْ كَانُونَ الثَّانِي، سَقَطَ بِالْعِرَاقِ جَمِيعِهِ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى تِكْرِيتَ ثَلْجٌ كَثِيرٌ، وَبَقِيَ عَلَى الْأَرْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَسُمْكُهُ ذِرَاعٌ وَهَلَكَتْ أَشْجَارُ النَّارِنْجِ، وَالْأُتْرُجِّ، وَاللَّيْمُونِ، فَقَالَ فِيهِ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: يَا صُدُورَ الزَّمَانِ لَيْسَ بِوَفْرٍ ... مَا رَأَيْنَاهُ فِي نَوَاحِي الْعِرَاقِ إِنَّمَا عَمَّ ظُلْمُكُمْ سَائِرَ الْخَلْقِ ، فَشَابَتْ ذَوَائِبُ الْآفَاقِ وَفِيهَا هَبَّتْ بِمِصْرَ رِيحٌ سَوْدَاءُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَأَهْلَكَتْ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْحَرِيرِيُّ، صَاحِبُ الْمَقَامَاتِ الْمَشْهُورَةِ، وَهَزَارَسْبُ بْنُ عِوَضٍ الْهَرَوِيُّ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ كَثِيرًا.

стр. 5199

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ] ٥١٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ طَاعَةِ الْمَلِكِ طُغْرَلَ لِأَخِيهِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ وَفِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أَطَاعَ الْمَلِكُ طُغْرَلُ أَخَاهُ السُّلْطَانَ مَحْمُودًا، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَصَدَ أَذْرَبِيجَانَ فِي السَّنَةِ الْخَالِيَةِ لِيَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا، وَكَانَ أَتَابِكُهُ كُنْتَغْدِي يُحَسِّنُ لَهُ ذَلِكَ، وَيُقَوِّيهِ عَلَيْهِ، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ مَرِضَ، وَتُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ. وَكَانَ الْأَمِيرُ آقْسُنْقُرُ الْأَحْمَدَيْلِيُّ، صَاحِبُ مَرَاغَةَ، عِنْدَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ بِبَغْدَاذَ، فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْمُضِيِّ إِلَى إِقْطَاعِهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا سَارَ عَنِ السُّلْطَانِ ظَنَّ أَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ كُنْتَغْدِي مِنَ الْمَلِكِ طُغْرَلَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، وَاجْتَمَعَ بِهِ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالْمُكَاشَفَةِ لِأَخِيهِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، وَقَالَ لَهُ: إِذَا وَصَلْتَ إِلَى مَرَاغَةَ اتَّصَلَ بِكَ عَشَرَةُ آلَافِ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ. فَسَارَ مَعَهُ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى أَرْدَبِيلَ أُغْلِقَتْ أَبْوَابُهَا دُونَهُمْ، فَسَارُوا عَنْهَا إِلَى قَرِيبِ تِبْرِيزَ، فَأَتَاهُمُ الْخَبَرُ أَنَّ السُّلْطَانَ مَحْمُودًا سَيَّرَ الْأَمِيرَ جُيُوشْ بِكْ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَأَقْطَعَهُ الْبِلَادَ، وَأَنَّهُ نَزَلَ مَرَاغَةَ فِي عَسْكَرٍ كَثِيفٍ مِنْ عِنْدِ السُّلْطَانِ. فَلَمَّا تَيَقَّنُوا ذَلِكَ عَدَلُوا ذَلِكَ إِلَى خُوَنْجَ، وَانْتَقَضَ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا فِيهِ، وَرَاسَلُوا الْأَمِيرَ شِيرِكِيرَ الَّذِي كَانَ أَتَابِكَ طُغْرَلَ، أَيَّامَ أَبِيهِ، يَدْعُونَهُ إِلَى إِنْجَادِهِمْ، وَقَدْ كَانَ كُنْتَغْدِي قَبَضَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ السُّلْطَانُ سَنْجَرَ، فَعَادَ إِلَى إِقْطَاعِهِ، أَبْهَرَ، وَزَنْجَانَ، وَكَاتَبُوهُ فَأَجَابَهُمْ، وَاتَّصَلَ بِهِمْ، وَسَارَ مَعَهُمْ إِلَى أَبْهَرَ، فَلَمْ يَتِمَّ لَهُمْ مَا أَرَادُوا، فَرَاسَلُوا السُّلْطَانَ بِالطَّاعَةِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ أَوَّلَ هَذِهِ السَّنَةِ، وَتَمَّتْ.

стр. 5200

ذِكْرُ حَالِ دُبَيْسِ بْنِ صَدَقَةَ وَمَا كَانَ مِنْهُ قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ حَالَ دُبَيْسِ بْنِ صَدَقَةَ، وَصُلْحَهُ عَلَى يَدِ يَرْنَقُشَ الزَّكْوِيِّ، وَمُقَامَهُ بِالْحِلَّةِ، وَعَوْدَ يَرْنَقُشَ إِلَى السُّلْطَانِ وَمَعَهُ مَنْصُورُ بْنُ صَدَقَةَ، أَخُو دُبَيْسٍ، وَوَلَدُهُ، رَهِينَةً، فَلَمَّا عَلِمَ الْخَلِيفَةُ بِذَلِكَ لَمْ يَرْضَ بِهِ، وَرَاسَلَ السُّلْطَانَ مَحْمُودًا فِي إِبْعَادِ دُبَيْسٍ عَنِ الْعِرَاقِ إِلَى بَعْضِ النَّوَاحِي. وَتَرَدَّدَ الْخِطَابُ فِي ذَلِكَ، وَعَزَمَ السُّلْطَانُ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى هَمَذَانَ، فَأَعَادَ الْخَلِيفَةُ الشَّكْوَى مِنْ دُبَيْسٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يُطَالِبُ النَّاسَ بِحُقُوقِهِ، مِنْهَا قَتْلُ أَبِيهِ، وَأَشَارَ أَنْ يَحْضُرَ السُّلْطَانُ آقْسُنْقُرُ الْبُرْسُقِيُّ مِنَ الْمَوْصِلِ، وَيُوَلِّيَهُ شِحْنَكِيَّةَبَغْدَاذَ وَالْعِرَاقِ، وَيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِ دُبَيْسٍ، فَفَعَلَ السُّلْطَانُ ذَلِكَ، وَأَحْضَرَ الْبُرْسُقِيَّ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ زَوَّجَهُ وَالِدَةَ الْمَلِكِ مَسْعُودٍ، وَجَعَلَهُ شِحْنَةَ بَغْدَاذَ وَأَمَرَهُ بِقِتَالِ دُبَيْسٍ إِنْ تَعَرَّضَ الْبِلَادَ. وَسَارَ السُّلْطَانُ عَنْ بَغْدَاذَ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ مُقَامُهُ بِبَغْدَاذَ سَنَةً وَسَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَلَمَّا فَارَقَ بَغْدَاذَ وَالْعِرَاقَ تَظَاهَرَ دُبَيْسٌ بِأُمُورٍ تَأَثَّرَ بِهَا الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ، وَتَقَدَّمَ إِلَى الْبُرْسُقِيِّ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ، وَإِزْعَاجِهِ عَنِ الْحِلَّةِ، فَأَرْسَلَ الْبُرْسُقِيُّ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَأَحْضَرَ عَسَاكِرَهُ، وَسَارَ إِلَى الْحِلَّةِ، وَأَقْبَلَ دُبَيْسٌ نَحْوَهُ، فَالْتَقَوْا عِنْدَ نَهْرِ بَشِيرٍ، شَرْقِيَّ الْفُرَاتِ، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْبُرْسُقِيِّ. وَكَانَ سَبَبُ الْهَزِيمَةِ أَنَّهُ رَأَى فِي مَيْسَرَتِهِ خَلَلًا، وَبِهَا الْأُمَرَاءُ الْبَكْجِيَّةُ، فَأَمَرَ بِإِلْقَاءِ خَيْمَتِهِ، وَأَنْ تُنْصَبَ عِنْدَ الْمَيْسَرَةِ، لِيُقَوِّيَ قُلُوبَ مَنْ بِهَا، فَلَمَّا رَأَوُا الْخَيْمَةَ وَقَدْ سَقَطَتْ ظَنُّوهَا عَنْ هَزِيمَةٍ، فَانْهَزَمُوا، وَتَبِعَهُمُ النَّاسُ وَالْبُرْسُقِيُّ. وَقِيلَ: بَلْ أُعْطِيَ رُقْعَةً فِيهَا: إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ، مِنْهُمْ إِسْمَاعِيلُ الْبَكْجِيُّ، يُرِيدُونَ الْفَتْكَ بِهِ، فَانْهَزَمَ، وَتَبِعَهُ الْعَسْكَرُ، وَدَخَلَ بَغْدَاذَ ثَانِيَ رَبِيعٍ الْآخِرِ وَكَانَ فِي جُمْلَةِ الْعَسْكَرِ نَصْرُ بْنُ النَّفِيسِ بْنِ مُهَذِّبِ الدَّوْلَةِ أَحْمَدِ بْنِ أَبِي الْجَبْرِ، وَكَانَ نَاظِرًا بِالْبَطِيحَةِ لِرَيْحَانَ مَحْكَوَيْهِ، خَادِمِ السُّلْطَانِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ إِقْطَاعِهِ، وَحَضَرَ أَيْضًا الْمُظَفَّرُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي الْجَبْرِ، وَبَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ شَدِيدَةٌ، فَالْتَقَيَا عِنْدَ الِانْهِزَامِ بِسَابَاطِ نَهَرِ مَلِكٍ، فَقَتَلَهُ الْمُظَفَّرُ وَمَضَى إِلَى وَاسِطَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى الْبَطِيحَةِ، وَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا وَكَاتَبَ دُبَيْسًا وَأَطَاعَهُ.

стр. 5201

وَأَمَّا دُبَيْسٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لِنَهْرِ مَلِكٍ، وَلَا غَيْرِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ أَنَّهُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَخَذَ الْبُرْسُقِيَّ وَجَمِيعَ مَنْ مَعَهُ، وَسَأَلَ أَنْ يَخْرُجَ النَّاظِرُ إِلَى الْقُرَى الَّتِي لِخَاصِّ الْخَلِيفَةِ لِقَبْضِ دَخْلِهَا. وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ فِي حُزَيْرَانَ، وَحَمَى الْبَلَدَ، فَأَحْمَدَ الْخَلِيفَةُ فِعْلَهُ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا، فَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ أَنْ يَقْبِضَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ عَلَى وَزِيرِهِ جَلَالِ الدِّينِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ صَدَقَةَ لِيَعُودَ إِلَى الطَّاعَةِ، فَقُبِضَ عَلَى الْوَزِيرِ، وَنُهِبَتْ دَارُهُ وَدُورُ أَصْحَابِهِ وَالْمُنْتَمِينَ إِلَيْهِ، وَهَرَبَ ابْنُ أَخِيهِ جَلَالُ الدِّينِ أَبُو الرِّضَا إِلَى الْمَوْصِلِ. وَلَمَّا سَمِعَ السُّلْطَانُ خَبَرَ الْوَاقِعَةِ قَبَضَ عَلَى مَنْصُورِ بْنِ صَدَقَةَ، أَخِي دُبَيْسٍ، وَوَلَدِهِ، وَرَفَعَهُمَا إِلَى قَلْعَةِ بُرْحِينَ وَهِيَ تُجَاوِرُ كَرَجَ. ثُمَّ إِنَّ دُبَيْسًا أَمَرَ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ بِالْمَسِيرِ إِلَى أَقْطَاعِهِمْ بِوَاسِطَ، فَسَارُوا إِلَيْهَا، فَمَنَعَهُمْ أَتْرَاكُ وَاسِطَ، فَجَهَّزَ دُبَيْسٌ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا مُقَدَّمُهُمْ مُهَلْهَلُ ابْنُ أَبِي الْعَسْكَرِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمُظَفَّرِ بْنِ الْجَبْرِ بِالْبَطِيحَةِ لِيَتَّفِقَ مَعَ مُهَلْهَلٍ وَيُسَاعِدَهُ عَلَى قِتَالِ الْوَاسِطِيِّينَ، فَاتَّفَقَا عَلَى أَنْ تَكُونَ الْوَاقِعَةُ تَاسِعَ رَجَبٍ، وَأَرْسَلَ الْوَاسِطِيُّونَ إِلَى الْبُرْسُقِيِّ يَطْلُبُونَ مِنْهُ الْمَدَدَ، فَأَمَدَّهُمْ بِجَيْشٍ مِنْ عِنْدِهِ، وَعَجَّلَ مُهَلْهَلٌ فِي عَسْكَرِ دُبَيْسٍ، وَلَمْ يَنْتَظِرِ الْمُظَفَّرَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ بِمُفْرَدِهِ يَنَالُ مِنْهُمْ مَا أَرَادَ، وَيَنْفَرِدُ بِالْفَتْحِ، فَالْتَقَى هُوَ وَالْوَاسِطِيُّونَ، ثَامِنَ رَجَبٍ، فَانْهَزَمَ مُهَلْهَلٌ وَعَسْكَرُهُ، وَظَفِرَ الْوَاسِطِيُّونَ، وَأُخِذَ مُهَلْهَلٌ أَسِيرًا وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الْعَسْكَرِ، وَقُتِلَ مَا يَزِيدُ عَلَى أَلْفِ قَتِيلٍ، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنَ الْوَاسِطِيِّينَ غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ. وَأَمَّا الْمُظَفَّرُ بْنُ أَبِي الْجَبْرِ فَإِنَّهُ أَصْعَدَ مِنَ الْبَطِيحَةِ وَنَهَبَ وَأَفْسَدَ، وَجَرَى مِنْ أَصْحَابِهِ الْقَبِيحُ، فَلَمَّا قَارَبَ وَاسِطًا سَمِعَ بِالْهَزِيمَةِ، فَعَادَ مُنْحَدِرًا. وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَا أَخَذَ الْعَسْكَرُ الْوَاسِطِيُّ مِنْ مُهَلْهَلٍ تَذْكِرَةٌ بِخَطِّ دُبَيْسٍ يَأْمُرُهُ فِيهَا بِقَبْضِ الْمُظَفَّرِ بْنِ أَبِي الْجَبْرِ وَمُطَالَبَتِهِ بِأَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ أَخَذَهَا مِنَ الْبَطِيحَةِ، فَأَرْسَلُوا الْخَطَّ إِلَى الْمُظَفَّرِ، وَقَالُوا: هَذَا خَطُّ الَّذِي تَخْتَارُهُ، فَلَمَّا جَرَى عَلَى أَصْحَابِ دُبَيْسٍ مِنَ الْوَاسِطِيِّينَ مَا ذَكَرْنَاهُ شَمَّرَ عَنْ سَاعِدِهِ فِي الشَّرِّ، وَبَلَغَهُ أَنَّ السُّلْطَانَ كَحَلَ أَخَاهُ، فَجَزَّ شَعْرَهُ، وَلَبِسَ السَّوَادَ، وَنَهَبَ الْبِلَادَ، وَأَخَذَ كُلَّ مَا لِلْخَلِيفَةِ بِنَهْرِ الْمَلِكِ، فَأَجْلَى النَّاسَ إِلَى بَغْدَاذَ.

стр. 5202

وَسَارَ عَسْكَرُ وَاسِطَ إِلَى النُّعْمَانِيَّةَ، فَأَجْلَوْا عَنْهَا عَسْكَرَ دُبَيْسٍ وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا، وَجَرَى بَيْنَهُمْ هُنَاكَ وَقْعَةٌ كَانَ الظَّفَرُ فِيهَا لِلْوَاسِطِيِّينَ، وَتَقَدَّمَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الْبُرْسُقِيِّ بِالتَّبْرِيزِ إِلَى حَرْبِ دُبَيْسٍ، فَبَرَزَ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ قَتْلِ السُّمِيرَمِيِّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ الْوَزِيرُ الْكَمَالُ أَبُو طَالِبٍ السُّمِيرَمِيُّ، وَزِيرُ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، سَلْخَ صَفَرَ، وَكَانَ قَدْ بَرَزَ مَعَ السُّلْطَانِ لِيَسِيرَ إِلَى هَمَذَانَ، فَدَخَلَ إِلَى الْحَمَّامِ، وَخَرَجَ بَيْنَ يَدَيْهِ الرَّجَّالَةُ وَالْخَيَّالَةُ، وَهُوَ فِي مَوْكِبٍ عَظِيمٍ، فَاجْتَازَ بِسُوقِ الْمَدْرَسَةِ الَّتِي بَنَاهَا خُمَارَتِكِينُ التُّتُشِيُّ، وَاجْتَازَ فِي مَنْفَذٍ ضَيِّقٍ فِيهِ حَظَائِرُ الشَّوْكِ، فَتَقَدَّمَ أَصْحَابُهُ لِضِيقِ الْمَوْضِعِ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ بَاطِنِيٌّ وَضَرَبَهُ بِسِكِّينٍ، فَوَقَعَتْ فِي الْبَغْلَةِ، وَهَرَبَ إِلَى دِجْلَةَ، وَتَبِعَهُ الْغِلْمَانُ، فَخَلَا الْمَوْضِعُ، فَظَهَرَ رَجُلٌ آخَرُ فَضَرَبَهُ بِسِكِّينٍ فِي خَاصِرَتِهِ، وَجَذَبَهُ عَنِ الْبَغْلَةِ إِلَى الْأَرْضِ وَضَرَبَهُ عِدَّةَ ضَرَبَاتٍ. وَعَادَ أَصْحَابُ الْوَزِيرِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلَانِ بَاطِنِيَّانِ، فَانْهَزَمَ مِنْهُمَا، ثُمَّ عَادُوا وَقَدْ ذُبِحَ الْوَزِيرُ مِثْلَ الشَّاةِ، فَحُمِلَ قَتِيلًا وَبِهِ نَيِّفٌ وَثَلَاثُونَ جِرَاحَةً، وَقُتِلَ قَاتِلُوهُ. وَلَمَّا كَانَ فِي الْحَمَّامِ كَانَ الْمُنَجِّمُونَ يَأْخُذُونَ لَهُ الطَّالِعَ لِيَخْرُجَ فَقَالُوا: هَذَا وَقْتٌ جَيِّدٌ، وَإِنْ تَأَخَّرْتَ يَفُتْ طَالِعُ السَّعْدِ، فَأَسْرَجَ وَرَكِبَ، وَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ طَعَامًا، فَمَنَعُوهُ لِأَجْلِ الطَّالِعِ، فَقُتِلَ وَلَمْ يَنْفَعْهُ قَوْلُهُمْ. وَكَانَتْ وِزَارَتُهُ ثَلَاثَ سِنِينَ وَعَشَرَةَ أَشْهُرٍ، وَانْتُهِبَ مَالُهُ، وَأَخَذَ السُّلْطَانُ خِزَانَتَهُ، وَوَزَرَ بَعْدَهُ شَمْسُ الْمُلْكِ، وَكَانَتْ زَوْجَةُ السُّمِيرَمِيِّ قَدْ خَرَجَتْ هَذَا الْيَوْمَ فِي مَوْكِبٍ كَبِيرٍ، مَعَهَا نَحْوُ مِائَةِ جَارِيَةِ، وَجَمْعٌ مِنَ الْخَدَمِ، وَالْجَمِيعُ بِمَرَاكِبِ الذَّهَبِ، فَلَمَّا سَمِعْنَ بِقَتْلِهِ عُدْنَ حَافِيَاتٍ حَاسِرَاتٍ، وَقَدْ تَبَدَّلْنَ بِالْعِزِّ هَوَانًا، وَبِالْمَسَرَّةِ أَحْزَانًا. فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَزُولُ مُلْكُهُ. وَكَانَ السُّمِيرَمِيُّ ظَالِمًا، كَثِيرَ الْمُصَادَرَةِ لِلنَّاسِ، سَيِّءَ السِّيرَةِ، فَلَمَّا قُتِلَ أَطْلَقَ السُّلْطَانُ مَا كَانَ جَدَّدَهُ مِنَ الْمُكُوسِ، وَمَا وَضَعَهُ عَلَى التُّجَّارِ وَالْبَاعَةِ.

стр. 5203

ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى ابْنِ صَدَقَةَ وَزِيرِ الْخَلِيفَةِ وَنِيَابَةِ عَلِيِّ بْنِ طَرَّادٍ فِي جُمَادَى الْأُولَى قَبَضَ الْخَلِيفَةُ عَلَى وَزِيرِهِ جَلَالِ الدِّينِ بْنِ صَدَقَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَبْلُ، وَأُقِيمَ نَقِيبُ النُّقَبَاءِ شَرَفُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ طَرَّادٍ الزَّيْنَبِيُّ فِي نِيَابَةِ الْوِزَارَةِ، فَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَى الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ فِي مَعْنَى الْوِزَارَةِ نِظَامَ الْمُلْكِ أَبِي نَصْرٍ أَحْمَدَ بْنِ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَكَانَ أَخُو شَمْسِ الْمُلْكِ عُثْمَانُ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ وَزِيرَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَاسْتُوزِرَ فِي شَعْبَانَ. وَكَانَ قَدْ وَزَرَ لِلسُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ سَنَةَ خَمْسِمِائَةٍ، ثُمَّ عُزِلَ، وَلَزِمَ دَارًا اسْتَجَدَّهَا بِبَغْدَاذَ إِلَى الْآنِ. فَلَمَّا خُلِعَ عَلَى نِظَامِ الْمُلْكِ، وَجَلَسَ فِي الدِّيوَانِ، طَلَبَ أَنْ يَخْرُجَ ابْنُ صَدَقَةَ عَنْ بَغْدَاذَ، فَلَمَّا عَلِمَ ابْنُ صَدَقَةَ ذَلِكَ طَلَبَ مِنَ الْخَلِيفَةِ أَنْ يَسِيرَ إِلَى حَدِيثَةَ عَانَةَ لِيَكُونَ عِنْدَ الْأَمِيرِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُهَارِشَ، فَأُجِيبَ إِلَى مَا طَلَبَ. وَسَارَ إِلَى الْحَدِيثَةِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ فِي الطَّرِيقِ إِنْسَانٌ مِنْ مُفْسِدِي التُّرْكُمَانِ يُقَالُ لَهُ يُونُسُ الْحَرَامِيُّ، فَأَسَرَهُ وَنَهَبَ أَصْحَابَهُ، فَخَافَ الْوَزِيرُ أَنْ يَعْلَمَ دُبَيْسٌ فَأَرْسَلَ إِلَى يُونُسَ وَبَذَلَ لَهُ مَالًا يَأْخُذُهُ مِنْهُ لِلْعَدَاوَةِ الَّتِي بَيْنَهُمَا، فَقَرَّرَ أَمْرَهُ مَعَ يُونُسَ عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ يُعَجِّلُ مِنْهَا ثَلَاثَمِائَةٍ، وَيُؤَخِّرُ الْبَاقِيَ إِلَى أَنْ يُرْسِلَهُ مِنَ الْحَدِيثَةِ. وَرَاسَلَ عَامِلَ بَلَدِ الْفُرَاتِ فِي تَخْلِيصِهِ، وَإِنْفَاذِ مَنْ يَضْمَنُ الْبَاقِيَ عَلَيْهِ، فَأَعْمَلَ الْعَامِلُ الْحِيلَةَ فِي ذَلِكَ، فَأَحْضَرَ إِنْسَانًا فَلَّاحًا وَأَلْبَسَهُ ثِيَابًا فَاخِرَةً وَطَيْلَسَانًا، وَأَرْكَبَهُ وَسَيَّرَ مَعَهُ غِلْمَانًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى يُونُسَ وَيَدَّعِيَ أَنَّهُ قَاضِي بَلَدِ الْفُرَاتِ، وَيَضْمَنَ الْوَزِيرُ مِنْهُ مَا بَقِيَ مِنَ الْمَالِ، فَسَارَ السَّوَادِيُّ إِلَى يُونُسَ، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَ الْوَزِيرِ وَيُونُسَ احْتَرَمَاهُ، وَضَمِنَ السَّوَادِيُّ الْوَزِيرَ مِنْهُ، وَقَالَ لَهُ: أُقِيمُ عِنْدَكَ إِلَى أَنْ يَصِلَ الْمَالُ مَعَ صَاحِبٍ لَكَ تُنْفِذُهُ مَعَ الْوَزِيرِ، فَاعْتَقَدَ يُونُسُ صِدْقَ ذَلِكَ وَأَطْلَقَ الْوَزِيرَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ الْحَدِيثَةَ قَبَضَ عَلَى مَنْ مَعَهُ مِنْهُمْ، فَأَطْلَقَ يُونُسُ ذَلِكَ السَّوَادِيَّ، وَالْمَالَ الَّذِي أَخَذَهُ، حَتَّى أَطْلَقَ الْوَزِيرُ أَصْحَابَهُ، وَعَلِمَ الْحِيَلَ الَّتِي تَمَّتْ عَلَيْهِ. وَلَمَّا سَارَ الْوَزِيرُ مِنْ عِنْدِ يُونُسَ لَقِيَ إِنْسَانًا أَنْكَرَهُ، فَأَخَذَهُ، فَرَأَى مَعَهُ كِتَابًا مِنْ

стр. 5204

دُبَيْسٍ إِلَى يُونُسَ يَبْذُلُ سِتَّةَ آلَافِ دِينَارٍ لِيُسَلِّمَ الْوَزِيرَ إِلَيْهِ، وَكَانَ خَلَاصُهُ مِنْ أَعْجَبِ الْأَشْيَاءِ. ذِكْرُ قَتْلِ جُيُوشْ بِكْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ جُيُوشْ بِكِ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ الْمَوْصِلِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا خُرُوجَهُ عَلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، وَعَوْدَهُ إِلَى خِدْمَتِهِ، فَلَمَّا رَضِيَ عَنْهُ أَقْطَعَهُ أَذْرَبِيجَانَ وَجَهِلَهُ مُقَدَّمُ عَسْكَرِهِ، فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ مُنَافَرَةٌ وَمُنَازَعَاتٌ، فَأَغْرَوْا بِهِ السُّلْطَانَ، فَقَتَلَهُ فِي رَمَضَانَ عَلَى بَابِ تِبْرِيزَ. وَكَانَ تُرْكِيًّا مِنْ مَمَالِيكِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، عَادِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، وَلَمَّا وَلِيَ الْمَوْصِلَ وَالْجَزِيرَةَ كَانَ الْأَكْرَادُ بِتِلْكَ الْأَعْمَالِ قَدِ انْتَشَرُوا، وَكَثُرَ فَسَادُهُمْ، وَكَثُرَتْ قِلَاعُهُمْ، وَالنَّاسُ مَعَهُمْ فِي ضِيقٍ، وَالطَّرِيقُ خَائِفَةٌ، فَقَصَدَهُمْ، وَحَصَرَ قِلَاعَهُمْ، وَفَتَحَ كَثِيرًا مِنْهَا بِبَلَدِ الْهَكَّارِيَّةِ، وَبَلَدِ الزَّوْزَانِ، وَبَلَدِ الْبَشْنَوِيَّةِ وَخَافَهُ الْأَكْرَادُ، وَتَوَلَّى قَصْدَهُمْ بِنَفْسِهِ، فَهَرَبُوا مِنْهُ فِي الْجِبَالِ وَالشِّعَابِ وَالْمَضَايِقِ، وَأَمِنَتِ الطُّرُقُ، وَانْتَشَرَ النَّاسُ وَاطْمَأَنُّوا، وَبَقِيَ الْأَكْرَادُ لَا يَجْسُرُونَ أَنْ يَحْمِلُوا السِّلَاحَ لِهَيْبَتِهِ. ذِكْرُوَفَاةِ إِيلْغَازِي وَأَحْوَالِ حَلَبَ بَعْدَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، تُوُفِّيَ إِيلْغَازِي بْنُ أُرْتُقَ بِمَيَّافَارِقِينَ، وَمَلَكَ ابْنُهُ حُسَامُ الدِّينِ تَمَرْتَاشُ قَلْعَةَ مَارِدِينَ، وَمَلَكَ ابْنُهُ سُلَيْمَانُ مَيَّافَارِقِينَ، وَكَانَ بِحَلَبَ ابْنُ أَخِيهِ بَدْرُ الدُّوَلَةِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ أُرْتُقَ، فَبَقِيَ بِهَا إِلَى أَنْ أَخَذَهَا ابْنُ عَمِّهِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَقْطَعَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ الْأَمِيرَ آقْسُنْقُرَ الْبُرْسُقِيَّ مَدِينَةَ وَاسِطَ وَأَعْمَالَهَا، مُضَافًا إِلَى وِلَايَةِ الْمَوْصِلِ وَغَيْرِهَا مِمَّا بِيَدِهِ، وَشِحْنَكِيَّةَ الْعِرَاقِ، فَلَمَّا أَقْطَعَهَا الْبُرْسُقِيُّ سَيَّرَ إِلَيْهَا

стр. 5205

عِمَادَ الدِّينِ زِنْكِيَّ بْنَ آقْسُنْقُرَ الَّذِي كَانَ وَالِدُهُ صَاحِبَ حَلَبَ، وَأَمَرَهُ بِحِمَايَتِهَا، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي شَعْبَانَ وَوَلِيَهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَخْبَارَ زِنْكِيٍّ فِي كِتَابِ الْبَاهِرِ فِي ذِكْرِ مُلْكِهِ وَمُلْكِ أَوْلَادِهِ الَّذِينَ هُمْ مُلُوكُنَا الْآنَ، فَيُنْظَرُ مِنْهُ. وَفِيهَا ظَهَرَ مَعْدِنُ نُحَاسٍ بِدِيَارِ بَكْرٍ قَرِيبًا مِنْ قَلْعَةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ. وَفِيهَا زَادَ الْفُرَاتُ زِيَادَةً عَظِيمَةً لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهَا، فَدَخَلَ الْمَاءُ إِلَى رَبَضِ قَلْعَةِ جَعْبَرَ، وَكَانَ الْفُرَاتُ، حِينَئِذٍ، بِالْقُرْبِ مِنْهَا، فَغَرِقَ أَكْثَرُ دُورِهِ وَمَسَاكِنِهِ، وَحَمَلَ فَرَسًا مِنَ الرَّبَضِ وَأَلْقَاهُ مِنْ فَوْقِ السُّورِ إِلَى الْفُرَاتِ. وَفِيهَا بُنِيَتْ مَدْرَسَةٌ بِحَلْبَ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَفِيهَا تُوُفِّيَتِ ابْنَةُ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ زَوْجُ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ. وَفِيهَا، فِي شَعْبَانَ، قَدِمَ إِلَى بَغْدَاذَ الْبُرْهَانُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْغَزْنَوِيُّ وَعَقَدَ مَجْلِسَ الْوَعْظِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ، وَوَرَدَ بَعْدَهُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ يَعْلَى الْعَلَوِيُّ، وَنَزَلَ رِبَاطَ شَيْخِ الشُّيُوخِ، فَوَعَظَ فِي جَامِعِ الْقَصْرِ، وَالتَّاجِيَّةِ، وَرِبَاطِ سَعَادَةٍ، وَصَارَ لَهُ قَبُولٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَحَصَلَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ لِأَنَّهُ أَظْهَرَ مُوَافَقَتَهُمْ. وَوَرَدَ بَعْدَهُ أَبُو الْفُتُوحِ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، وَنَزَلَ بِرِبَاطِ شَيْخِ الشُّيُوخِ أَيْضًا، وَوَعَظَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، وَفِي النِّظَامِيَّةِ، وَأَظْهَرَ مَذْهَبَ الْأَشْعَرِيِّ، فَصَارَ لَهُ قَبُولٌ كَثِيرٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَحَضَرَ مَجْلِسَهُ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ رِبَاطَ الْأُرْجُوَنِيَّةِ، وَالِدَةِ الْمُقْتَدِي بِاللَّهِ، بِدَرْبِ زَاخِي. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ، أَخُو أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَمَوْلِدُهُ بِدِمَشْقَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَنَشَأَ بِبَغْدَاذَ، وَسَمِعَ الصَّرِيفِينِيَّ وَابْنَ النُّقُورِ وَغَيْرَهُمَا، وَسَافَرَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ حَافِظًا لِلْحَدِيثِ عَالِمًا بِهِ.

стр. 5206

وَفِي ذِي الْحِجَّةِ تُوُفِّيَ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْقَادِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ أَبُو طَالِبٍ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْبَرْمَكِيَّ، وَالْجَوْهَرِيَّ، وَالْعُشَارِيَّ، وَكَانَ ثِقَةً، حَافِظًا لِلْحَدِيثِ.

стр. 5207

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ] ٥١٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ مَسِيرِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ لِحَرْبِ دُبَيْسٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ، وَبَيْنَ دُبَيْسِ بْنِ صَدَقَةَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ دُبَيْسًا أَطْلَقَ عَفِيفًا خَادِمَ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَ مَأْسُورًا عِنْدَهُ، وَحَمَّلَهُ رِسَالَةً فِيهَا تَهْدِيدٌ لِلْخَلِيفَةِ بِإِرْسَالِ الْبُرْسُقِيِّ إِلَى قِتَالِهِ، وَتَقْوِيَتِهِ بِالْمَالِ، وَأَنَّ السُّلْطَانَ كَحَلَ أَخَاهُ، وَبَالَغَ فِي الْوَعِيدِ، وَلَبِسَ السَّوَادَ، وَجَزَّ شَعْرَهُ، وَحَلَفَ لَيَنْهَبَنَّ بَغْدَاذَ، وَيُخَرِّبَهَا، فَاغْتَاظَ الْخَلِيفَةُ لِهَذِهِ الرِّسَالَةِ، وَغَضِبَ، وَتَقَدَّمَ إِلَى الْبُرْسُقِيِّ بِالتَّبْرِيزِ إِلَى حَرْبِ دُبَيْسٍ، فَبَرَزَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ. وَتَجَهَّزَ الْخَلِيفَةُ، وَبَرَزَ مِنْ بَغْدَاذَ، وَاسْتَدْعَى الْعَسَاكِرَ، فَأَتَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مُهَارِشَ، صَاحِبُ الْحَدِيثَةِ، فِي عُقَيْلٍ، وَأَتَاهُ قِرْوَاشُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَغَيْرُهُمَا، وَأَرْسَلَ دُبَيْسًا إِلَى نَهْرِ مَلِكٍ فَنَهْبَ، وَعَمِلَ أَصْحَابُهُ كُلَّ عَظِيمٍ مِنَ الْفَسَادِ فَوَصَلَ أَهْلُهُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ فَنُودِيَ بِبَغْدَاذَ: لَا يَتَخَلَّفُ مِنَ الْأَجْنَادِ أَحَدٌ، وَمَنْ أَحَبَّ الْجُنْدِيَّةَ مِنَ الْعَامَّةِ فَلْيَحْضُرْ، فَجَاءَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَفَرَّقَ فِيهِمُ الْأَمْوَالَ وَالسِّلَاحَ. فَلَمَّا عَلِمَ دُبَيْسٌ الْحَالَ كَتَبَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَسْتَعْطِفُهُ وَيَسْأَلُهُ الرِّضَا عَنْهُ، فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، وَأُخْرِجَتْ خِيَامُ الْخَلِيفَةِ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَنَادَى أَهْلُ بَغْدَاذَ: النَّفِيرَ النَّفِيرَ، الْغَزَاةَ الْغَزَاةَ! وَكَثُرَ الضَّجِيجُ مِنَ النَّاسِ، وَخَرَجَ مِنْهُمْ عَالَمٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَبَرَزَ الْخَلِيفَةُ رَابِعَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ، وَعَبَرَ دِجْلَةَ، وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ أَسْوَدٌ، وَعِمَامَةٌ سَوْدَاءُ وَطَرْحَةٌ، وَعَلَى كَتِفِهِ الْبُرْدَةُ، وَفِي يَدِهِ الْقَضِيبُ، وَفِي وَسَطِهِ مِنْطَقَةُ حَدِيدٍ صِينِيِّ، وَنَزَلَ الْخِيَامَ وَمَعَهُ وَزِيرُ نِظَامِ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ نِظَامِ

стр. 5208

الْمُلْكِ، وَنَقِيبُ الطَّالِبِيِّينَ، وَنَقِيبُ النُّقَبَاءِ عَلِيُّ بْنُ طَرَّادٍ، وَشَيْخُ الشُّيُوخِ صَدْرُ الدِّينِ إِسْمَاعِيلُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَعْيَانِ. وَكَانَ الْبُرْسُقِيُّ قَدْ نَزَلَ بِقَرْيَةِ جِهَارِ طَاقَ، وَمَعَهُ عَسْكَرُهُ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ خُرُوجُ الْخَلِيفَةِ عَنْ بَغْدَاذَ عَادُوا إِلَى خِدْمَتِهِ، فَلَمَّا رَأَوُا الشِّمْسَةَ تَرَجَّلُوا بِأَجْمَعِهِمْ، وَقَبَّلُوا الْأَرْضَ بِالْبُعْدِ مِنْهُ. وَدَخَلَتْ هَذِهِ السَّنَةُ، فَنَزَلَ الْخَلِيفَةُ، مُسْتَهَلَّ الْمُحَرَّمِ، بِالْحَدِيثَةِ، بِنَهْرِ الْمَلِكِ، وَاسْتَدْعَى الْبُرْسُقِيَّ وَالْأُمَرَاءَ، وَاسْتَحْلَفَهُمْ عَلَى الْمُنَاصَحَةِ فِي الْحَرْبِ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى النَّيْلِ، وَنَزَلُوا بِالْمُبَارَكَةِ، وَعَبَّأَ الْبُرْسُقِيُّ أَصْحَابَهُ، وَوَقَفَ الْخَلِيفَةُ مِنْ وَرَاءِ الْجَمِيعِ فِي خَاصَّتِهِ، وَجَعَلَ دُبَيْسٌ أَصْحَابَهُ صَفًّا وَاحِدًا، مَيْمَنَةً، وَمَيْسَرَةً، وَقَلْبًا، وَجَعَلَ الرَّجَّالَةَ بَيْنَ يَدَيِ الْخَيَّالَةِ بِالسِّلَاحِ، وَكَانَ قَدْ وَعَدَ أَصْحَابَهُ بِنَهْبِ بَغْدَاذَ، وَسَبْيِ النِّسَاءِ، فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ بَادَرَ أَصْحَابُ دُبَيْسٍ، وَبَيْنَ أَيْدِيهِمِ الْإِمَاءُ يَضْرِبْنَ بِالدُّفُوفِ، وَالْمَخَانِيثُ بِالْمَلَاهِي، وَلَمْ يُرَ فِي عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ غَيْرُ قَارِئٍ، وَمُسَبِّحٍ، وَدَاعٍ، فَقَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ. وَكَانَ مَعَ أَعْلَامِ الْخَلِيفَةِ الْأَمِيرُ كَرَبَاوِيُّ بْنُ خُرَاسَانَ، وَفِي السَّاقَةِ سُلَيْمَانُ بْنُ مُهَارِشَ، وَفِي مَيْمَنَةِ عَسْكَرِ الْبُرْسُقِيِّ الْأَمِيرُ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِلْيَاسَ مَعَ الْأُمَرَاءِ الْبَكْجِيَّةِ، فَحَمَلَ عَنْتَرُ بْنُ أَبِي الْعَسْكَرِ فِي طَائِفَةٍ مِنْ عَسْكَرِ دُبَيْسٍ عَلَى مَيْمَنَةِ الْبُرْسُقِيِّ، فَتَرَاجَعَتْ عَلَى أَعْقَابِهَا، وَقُتِلَ ابْنُ أَخٍ لِلْأَمِيرِ أَبِي بَكْرٍ الْبَكْجِيِّ، وَعَادَ عَنْتَرٌ وَحَمَلَ حَمْلَةً ثَانِيَةً عَلَى هَذِهِ الْمَيْمَنَةِ، فَكَانَ حَالُهَا فِي الرُّجُوعِ عَلَى أَعْقَابِهَا كَحَالِهَا الْأَوَّلِ، فَلَمَّا رَأَى عَسْكَرُ وَاسِطَ ذَلِكَ، وَمُقَدَّمُهُمُ الشَّهِيدُ عِمَادُ الدِّينِ زِنْكِيُّ بْنُ آقْسُنْقُرَ، حَمَلَ وَهُمْ مَعَهُ عَلَى عَنْتَرٍ وَمَنْ مَعَهُ، وَأَتَوْهُمْ مِنْ ظُهُورِهِمْ فَبَقِيَ عَنْتَرٌ فِي الْوَسَطِ، وَعِمَادُ الدِّينِ وَعَسْكَرُ وَاسِطَ مِنْ وَرَائِهِ، وَالْأُمَرَاءُ الْبَكْجِيَّةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأُسِرَ عَنْتَرٌ، وَأُسِرَ مَعَهُ بُرَيْكُ بْنُ زَائِدَةَ وَجَمِيعُ مَنْ مَعَهُمَا وَلَمْ يُفْلِتْ أَحَدٌ. وَكَانَ الْبُرْسُقِيُّ وَاقِفًا عَلَى نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَكَانَ الْأَمِيرُ آقْ بُورِيُّ فِي الْكَمِينِ فِي خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ، فَلَمَّا اخْتَلَطَ النَّاسُ خَرَجَ الْكَمِينُ عَلَى عَسْكَرِ دُبَيْسٍ، فَانْهَزَمُوا جَمِيعُهُمْ وَأَلْقَوْا نُفُوسَهُمْ فِي الْمَاءِ، فَغَرِقَ مِنْهُمْ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ. وَلَمَّا رَأَى الْخَلِيفَةُ اشْتِدَادَ الْحَرْبِ جَرَّدَ سَيْفَهُ وَكَبَّرَ وَتَقَدَّمَ إِلَى الْحَرْبِ، فَلَمَّا انْهَزَمَ عَسْكَرُ دُبَيْسٍ وَحُمِلَتِ الْأَسْرَى إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ أَمَرَ الْخَلِيفَةُ أَنْ تُضْرَبَ أَعْنَاقُهُمْ صَبْرًا. وَكَانَ عَسْكَرُ دُبَيْسٍ عَشَرَةَ آلَافِ فَارِسٍ، وَاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ رَاجِلٍ، وَعَسْكَرُ الْبُرْسُقِيِّ ثَمَانِيَةَ آلَافِ فَارِسٍ، وَخَمْسَةِ آلَافِ رَاجِلٍ، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْ أَصْحَابِ الْخَلِيفَةِ غَيْرُ عِشْرِينَ

стр. 5209

فَارِسًا، وَحَصَلَ نِسَاءُ دُبَيْسٍ وَسَرَارِيِّهِ تَحْتَ الْأَسْرِ سِوَى بِنْتِ إِيلْغَازِي،، وَبِنْتِ عَمِيدِ الدَّوْلَةِ بْنِ جَهِيرٍ فَإِنَّهُ كَانَ تَرَكَهُمَا فِي الْمَشْهَدِ. وَعَادَ الْخَلِيفَةُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَدَخَلَهَا يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَلَمَّا عَادَ الْخَلِيفَةُ إِلَى بَغْدَاذَ ثَارَ الْعَامَّةُ بِهَا، وَنَهَبُوا مَشْهَدَ بَابِ التِّبْنِ، وَقَلَعُوا أَبْوَابَهُ، فَأَنْكَرَ الْخَلِيفَةُ ذَلِكَ، وَأَمَرَ نَظَرَ أَمِيرَ الْحَاجِّ بِالرُّكُوبِ إِلَى الْمَشْهَدِ، وَتَأْدِيبِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَأَخْذِ مَا نُهِبَ، فَفَعَلَ وَأَعَادَ الْبَعْضَ وَخَفِيَ الْبَاقِي عَلَيْهِ. وَأَمَّا دُبَيْسُ بْنُ صَدَقَةَ فَإِنَّهُ لَمَّا انْهَزَمَ بِفَرَسِهِ وَسِلَاحِهِ، وَأَدْرَكَتْهُ الْخَيْلُ فَفَاتَهَا وَعَبَرَ الْفُرَاتَ، فَرَأَتْهُ امْرَأَةٌ عَجُوزٌ وَقَدْ عَبَرَ، فَقَالَتْ لَهُ: دُبَيْرٌ جِئْتَ؟ فَقَالَ: دُبَيْرٌ مَنْ لَمْ يَجِئْ. وَاخْتَفَى خَبَرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأُرْجِفَ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ، ثُمَّ ظَهَرَ أَمْرُهُ أَنَّهُ قَصَدَ غُزَيَّةَ مِنْ عَرَبِ نَجْدٍ، فَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يُحَالِفُوهُ، فَامْتَنَعُوا عَلَيْهِ وَقَالُوا: إِنَّا نُسْخِطُ الْخَلِيفَةَ وَالسُّلْطَانَ، فَرَحَلَ إِلَى الْمُنْتَفَقِ، وَاتَّفَقَ مَعَهُمْ عَلَى قَصْدِ الْبَصْرَةِ وَأَخْذِهَا، فَسَارُوا إِلَيْهَا وَدَخَلُوهَا، وَنَهَبُوا أَهْلَهَا، وَقُتِلَ الْأَمِيرُ سَخْتُ كُمَانُ مُقَدَّمُ عَسْكَرِهَا، وَأُجْلِيَ أَهْلُهَا. فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الْبُرْسُقِيِّ يُعَاتِبُهُ عَلَى إِهْمَالِهِ أَمْرِ دُبَيْسٍ، حَتَّى تَمَّ لَهُ مِنْ أَمْرِ الْبَصْرَةِ مَا أَخَرَبَهَا، فَتَجَهَّزَ الْبُرْسُقِيُّ لِلِانْحِدَارِ إِلَيْهِ، فَسَمِعَ دُبَيْسٌ ذَلِكَ، فَفَارَقَ الْبَصْرَةَ، وَسَارَ عَلَى الْبَرِّ إِلَى قَلْعَةِ جَعْبَرَ، وَالْتَحَقَ بِالْفِرِنْجِ، وَحَضَرَ مَعَهُمْ حِصَارَ حَلَبَ، وَأَطْمَعَهُمْ فِي أَخْذِهَا، فَلَمْ يَظْفَرُوا بِهَا، فَعَادُوا عَنْهَا، ثُمَّ فَارَقَهُمْ وَالْتَحَقَ بِالْمَلِكِ طُغْرَلَ ابْنِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، فَأَقَامَ مَعَهُ، وَحَسَّنَ لَهُ قَصْدَ الْعِرَاقِ، وَسَنَذْكُرُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ حِصْنَ الْأَثَارِبِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرٍ، مَلَكَ الْفِرِنْجُ حِصْنَ الْأَثَارِبِ، مِنْ أَعْمَالِ حَلَبَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَكْثَرُوا قَصْدَ حَلَبَ وَأَعْمَالِهَا بِالْإِغَارَةِ، وَالتَّخْرِيبِ، وَالتَّحْرِيقِ، وَكَانَ بِحَلْبَ حِينَئِذٍ بَدْرُ الدَّوْلَةِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ أُرْتُقَ، وَهُوَ صَاحِبُهَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بِالْفِرِنْجِ قُوَّةٌ، وَخَافَهُمْ، فَهَادَنَهُمْ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ الْأَثَارِبَ وَيَكُفُّوا

стр. 5210

عَنْ بِلَادِهِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَتَسَلَّمُوا الْحِصْنَ، وَتَمَّتِ الْهُدْنَةُ بَيْنَهُمْ، وَاسْتَقَامَ أَمْرُ الرَّعِيَّةِ بِأَعْمَالِ حَلَبَ، وَجُلِبَتْ إِلَيْهِمُ الْأَقْوَاتُ وَغَيْرُهَا، وَلَمْ تَزَلِ الْأَثَارِبُ بِأَيْدِي الْفِرِنْجِ إِلَى أَنْ مَلَكَهَا أَتَابِكُ زِنْكِيُّ بْنُ آقْسُنْقُرَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ مُلْكِ بَلْكَ حَرَّانَ وَحَلَبَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، مَلَكَ بَلْكُ بْنُ بَهْرَامَ مَدِينَةَ حَرَّانَ، وَكَانَ قَدْ حَصَرَهَا، فَلَمَّا مَلَكَهَا سَارَ مِنْهَا إِلَى مَدِينَةِ حَلَبَ. وَسَبَبُ مَسِيرِهِ إِلَيْهَا: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ صَاحِبَهَا بَدْرَ الدَّوْلَةِ قَدْ سَلَّمَ قَلْعَةَ الْأَثَارِبِ إِلَى الْفِرِنْجِ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَعَلِمَ عَجْزَهُ عَنْ حِفْظِ بِلَادِهِ، فَقَوِيَ طَمَعُهُ فِي مُلْكِهَا، فَسَارَ إِلَيْهَا، وَنَازَلَهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَضَايَقَهَا، وَمَنَعَ الْمِيرَةَ عَنْهَا، وَأَحْرَقَ زُرُوعَهَا، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ ابْنُ عَمِّهِ الْبَلَدَ وَالْقَلْعَةَ بِالْأَمَانِ، غِرَّةَ جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ، وَتَزَوَّجَ ابْنَةَ الْمَلِكِ رِضْوَانَ، وَبَقِيَ مَالِكًا لَهَا إِلَى أَنْ قُتِلَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْفِرِنْجِ وَالْمُسْلِمِينَ بِإِفْرِيقِيَّةَ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَمِيرَ عَلِيَّ بْنَ يَحْيَى، صَاحِبَ إِفْرِيقِيَةَ، لَمَّا اسْتَوْحَشَ مِنْ رُجَّارَ صَاحِبِ صِقِلِّيَةَ، جَدَّدَ الْأُسْطُولَ الَّذِي لَهُ، وَكَثَّرَ عَدَدَهُ، وَكَاتَبَ أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ عَلِيَّ بْنَ يُوسُفَ بْنِ تَاشَفِينَ بِمُرَّاكِشَ بِالِاجْتِمَاعِ مَعَهُ عَلَى قَصْدِ جَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ، فَلَمَّا عَلِمَ رُجَّارُ ذَلِكَ كَفَّ عَنْ بَعْضِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ. فَاتَّفَقَ أَنَّ عَلِيًّا مَاتَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَوَلِيَ ابْنُهُ الْحَسَنُ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ. فَلَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ سَيَّرَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ أُسْطُولًا، فَفَتَحُوا نُقُوطَرَةَ بِسَاحِلِ بِلَادِ قِلَّوْرِيَةَ، فَلَمْ يَشُكَّ رُجَّارُ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ سَبَبَ ذَلِكَ، فَجَدَّ فِي تَعْمِيرِ الشَّوَانِي وَالْمَرَاكِبِ، وَحَشَدَ فَأَكْثَرَ، وَمَنَعَ مِنَ السَّفَرِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْغَرْبِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ، قِيلَ: كَانَ ثَلَاثَمِائَةِ قِطْعَةٍ، فَلَمَّا انْقَطَعَتِ الطَّرِيقُ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ تَوَقَّعَ الْأَمِيرُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ خُرُوجَ الْعَدُوِّ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ، فَأَمَرَ بِاتِّخَاذِ الْعُدَدِ،، وَتَجْدِيدِ الْأَسْوَارِ، وَجَمَعَ الْمُقَاتِلَةَ، فَأَتَاهُ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ وَمِنَ الْعَرَبِ جَمْعٌ كَثِيرٌ.

стр. 5211

فَلَمَّا كَانَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ سَارَ الْأُسْطُولُ الْفِرِنْجِيُّ فِي ثَلَاثِمِائَةِ قِطْعَةٍ، فِيهَا أَلْفُ فَرَسٍ وَفَرَسٌ وَاحِدٌ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمَّا سَارُوا مِنْ مَرْسَى عَلِيٍّ فَرَّقَتْهُمُ الرِّيحُ، وَغَرِقَ مِنْهُمْ مَرَاكِبُ كَثِيرَةٌ، وَنَازَلَ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ جَزِيرَةَ قَوْصَرَةَ فَفَتَحُوهَا، وَقَتَلُوا مَنْ بِهَا، وَسَبَوْا وَغَنِمُوا، وَسَارُوا عَنْهَا، فَوَصَلُوا إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَنَازَلُوا الْحِصْنَ الْمَعْرُوفَ بِالدِّيمَاسِ أَوَاخِرَ جُمَادَى الْأُولَى، فَقَاتَلَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا هُنَاكَ وَالدِّيمَاسُ حِصْنٌ مَنِيعٌ، فِي وَسَطِهِ حِصْنٌ آخَرُ، وَهُوَ مُشْرِفٌ عَلَى الْبَحْرِ. وَسَيَّرَ الْحَسَنُ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْجُمُوعِ إِلَى الْفِرِنْجِ، وَأَقَامَ هُوَ بِالْمَهْدِيَّةِ فِي جَمْعٍ آخَرَ يَحْفَظُهَا، وَأَخْذَ الْفِرِنْجُ حِصْنَ الدِّيمَاسِ، وَجُنُودُ الْمُسْلِمِينَ مُحِيطَةٌ بِهِمْ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ لَيَالٍ اشْتَدَّ الْقِتَالُ عَلَى الْحِصْنِ الدَّاخِلِ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ صَاحَ الْمُسْلِمُونَ صَيْحَةً عَظِيمَةً ارْتَجَّتْ لَهَا الْأَرْضُ، وَكَبَّرُوا، فَوَقَعَ الرُّعْبُ فِي قُلُوبِ الْفِرِنْجِ، فَلَمْ يَشُكُّوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَهْجُمُونَ عَلَيْهِمْ، فَبَادَرُوا إِلَى شَوَانِيهِمْ، وَقَتَلُوا بِأَيْدِيهِمْ كَثِيرًا مِنْ خُيُولِهِمْ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا أَرْبَعَمِائَةِ فَرَسٍ، وَلَمْ يَسْلَمْ مَعَهُمْ غَيْرُ فَرَسٍ وَاحِدٍ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعَ مَا تَخَلَّفَ عَنِ الْفِرِنْجِ، وَقَتَلُوا كُلَّ مَنْ عَجَزَ عَنِ الطُّلُوعِ إِلَى الْمَرَاكِبِ. فَلَمَّا صَعِدَ الْفِرِنْجُ إِلَى مَرَاكِبِهِمْ أَقَامُوا بِهَا ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى النُّزُولِ إِلَى الْأَرْضِ، فَلَمَّا أَيِسُوا مِنْ خَلَاصِ أَصْحَابِهِمُ الَّذِينَ فِي الدِّيمَاسِ سَارُوا وَالْمُسْلِمُونَ يُكَبِّرُونَ عَلَيْهِمْ وَيَصِيحُونَ بِهِمْ، وَأَقَامَتْ عَسَاكِرُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حِصْنِ الدِّيمَاسِ فِي أُمَمٍ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، فَحَصَرُوهُ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ فَتْحُهُ لِحَصَانَتِهِ وَقُوَّتِهِ، فَلَمَّا عُدِمَ الْمَاءُ عَلَى مَنْ بِهِ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَضَجِرُوا مِنْ مُوَاصَلَةِ الْقِتَالِ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَتَحُوا بَابَ الْحِصْنِ وَخَرَجُوا، فَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ مُنْتَصَفَ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنَ السَّنَةِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ إِقَامَتِهِمْ فِي الْحِصْنِ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَلَمَّا رَجَعَ الْفِرِنْجُ مَقْهُورِينَ أَرْسَلَ الْأَمِيرُ الْحَسَنُ الْبُشْرَى إِلَى سَائِرِ الْبِلَادِ، وَقَالَ الشُّعَرَاءُ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ فَأَكْثَرُوا، تَرَكْنَا ذَلِكَ خَوْفَ التَّطْوِيلِ. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ الْفِرِنْجِ عَلَى خَرْتَبِرْتَ وَأَخْذِهَا مِنْهُمْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، اسْتَوْلَى الْفِرِنْجُ عَلَى خَرْتَبِرْتَ مِنْ بِلَادِ دِيَارِ بَكْرٍ. وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ بَلْكَ بْنَ بَهْرَامَ بْنِ أُرْتُقَ كَانَ صَاحِبَ خَرْتَبِرْتَ فَحَصَرَ قَلْعَةَ كَرْكَرَ، وَهِيَ تُقَارِبُ خَرْتَبِرْتَ، فَسَمِعَ الْفِرِنْجُ بِالشَّامِ الْخَبَرَ، فَسَارَ بَغْدُوِينُ مَلِكُ الْفِرِنْجِ فِي

стр. 5212

جُمُوعِهِ إِلَيْهِ لِيُرَحِّلَهُ عَنْهَا، خَوْفًا أَنْ يَقْوَى بِمُلْكِهَا، فَلَمَّا سَمِعَ بَلْكُ بِقُرْبِهِ مِنْهُ رَحَلَ إِلَيْهِ، وَالْتَقَيَا فِي صَفَرٍ، وَاقْتَتَلَا، فَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ، وَأُسِرَ مَلِكُهُمْ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ فُرْسَانِهِمْ، وَسَجَنَهُمْ بِقَلْعَةِ خَرْتَبِرْتَ، وَكَانَ بِالْقَلْعَةِ أَيْضًا جُوسُلِينُ، صَاحِبُ الرُّهَا، وَغَيْرُهُ مِنْ مُقَدَّمِي الْفِرِنْجِ كَانَ قَدْ أَسَرَهُمْ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَسَارَ بَلْكُ عَنْ خَرْتَبِرْتَ إِلَى حَرَّانَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَمَلَكَهَا، فَأَعْمَلَ الْفِرِنْجُ الْحِيلَةَ بِاسْتِمَالَةِ بَعْضِ الْجُنْدِ، فَظَهَرُوا وَمَلَكُوا الْقَلْعَةَ. فَأَمَّا الْمَلِكُ بَغْدُوِينُ فَإِنَّهُ اتَّخَذَ اللَّيْلَ جَمَلًا وَمَضَى إِلَى بِلَادِهِ، وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِبَلْكَ صَاحِبِهَا، فَعَادَ فِي عَسَاكِرِهِ إِلَيْهَا وَحَصَرَهَا، وَضَيَّقَ عَلَى مَنْ بِالْقَلْعَةِ، وَاسْتَعَادَهَا مِنَ الْفِرِنْجِ، وَجَعَلَ فِيهَا مِنَ الْجُنْدِ مَنْ يَحْفَظُهَا، وَعَادَ عَنْهَا. ذِكْرُ قَتْلِ وَزِيرِ السُّلْطَانِ وَعَوْدِ بْنِ صَدَقَةَ إِلَى وِزَارَةِ الْخَلِيفَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ عَلَى وَزِيرِهِ شَمْسِ الْمُلْكِ عُثْمَانَ بْنِ نِظَامِ الْمُلْكِ وَقَتَلَهُ. وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّهُ لَمَّا أَشَارَ عَلَى السُّلْطَانِ بِالْعَوْدِ عَنْ حَرْبِ الْكُرْجِ، وَخَالَفَهُ، وَكَانَتِ الْخِيَرَةُ فِي مُخَالَفَتِهِ، تَغَيَّرَ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ أَعْدَاؤُهُ بِالسُّوءِ، وَنَبَّهُوا عَلَى تَهَوُّرِهِ، وَقِلَّةِ تَحْصِيلِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِمَصَالِحِ الدَّوْلَةِ، فَفَسَدَ رَأْيُ السُّلْطَانِ فِيهِ. ثُمَّ إِنَّ الشِّهَابَ أَبَا الْمَحَاسِنِ، وَزِيرَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، كَانَ قَدْ تُوُفِّيَ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي نِظَامِ الْمُلْكِ، وَوَزَرَ بَعْدَهُ أَبُو طَاهِرٍ الْقُمِّيُّ، وَهُوَ عَدُوٌّ لِلْبَيْتِ النِّظَامِيِّ، فَسَعَى مَعَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، حَتَّى أَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ يَأْمُرُهُ بِالْقَبْضِ عَلَى وَزِيرِهِ شَمْسِ الْمُلْكِ، فَصَادَفَ وُصُولَ الرَّسُولِ وَهُوَ مُتَغَيِّرٌ عَلَيْهِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَهُ إِلَى طَغَايَرْكَ، فَبَعَثَهُ إِلَى خَلْخَالَ، فَحَبَسَهُ فِيهَا. ثُمَّ إِنَّ أَبَا نَصْرٍ الْمُسْتَوْفِيَ، الْمُلَقَّبَ بِالْعَزِيزِ، قَالَ لِلسُّلْطَانِ مَحْمُودٍ: لَا نَأْمَنُ أَنْ يُرْسِلَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ يَطْلُبُ الْوَزِيرَ، وَمَتَى اتَّصَلَ بِهِ لَا نَأْمَنُ شَرًّا يَحْدُثُ مِنْهُ. وَكَانَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ، فَأَمَرَ السُّلْطَانُ بِقَتْلِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ السَّيَّافُ لِيَقْتُلَهُ قَالَ: أَمْهِلْنِي حَتَّى

стр. 5213

أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، فَفَعَلَ، فَلَمَّا صَلَّى جَعَلَ يَرْتَعِدُ، وَقَالَ لِلسَّيَّافِ: سَيْفِي أَجْوَدُ مِنْ سَيْفِكَ، فَاقْتُلْنِي بِهِ وَلَا تُعَذِّبْنِي، فَقُتِلَ ثَانِيَ جُمَادَى الْآخِرَةِ. فَلَمَّا سَمِعَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ ذَلِكَ عَزَلَ أَخَاهُ نِظَامَ الدِّينِ أَحْمَدَ مِنْ وِزَارَتِهِ، وَأَعَادَ جَلَالَ الدِّينِ أَبَا عَلِيِّ بْنِ صَدَقَةَ إِلَى الْوِزَارَةِ، وَأَقَامَ نِظَامَ الدِّينِ بِالْمُثَمَّنَةِ الَّتِي فِي الْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَاذَ. وَأَمَّا الْعَزِيزُ الْمُسْتَوْفِي فَإِنَّهُ لَمْ تَطُلْ أَيَّامُهُ حَتَّى قُتِلَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، جَزَاءً لِسَعْيِهِ فِي قَتْلِ الْوَزِيرِ. ذِكْرِ ظَفَرِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ بِالْكُرْجِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اشْتَدَّتْ نِكَايَةُ الْكُرْجِ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ، وَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ، لَا سِيَّمَا أَهْلُ دَرْبَنْدَ شِرْوَانَ، فَسَارَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَعْيَانِهِمْ إِلَى السُّلْطَانِ وَشَكَوْا إِلَيْهِ مَا يَلْقَوْنَ مِنْهُمْ، وَأَعْلَمُوهُ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّعْفِ وَالْعَجْزِ عَنْ حِفْظِ بِلَادِهِمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَالْكُرْجُ قَدْ وَصَلُوا إِلَى شَمَاخِي، فَنَزَلَ السُّلْطَانُ فِي بُسْتَانٍ هُنَاكَ، وَتَقَدَّمَ الْكُرْجُ إِلَيْهِ، فَخَافَهُمُ الْعَسْكَرُ خَوْفًا شَدِيدًا. وَأَشَارَ الْوَزِيرُ شَمَّسُ الْمُلْكِ عُثْمَانُ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ عَلَى السُّلْطَانِ بِالْعَوْدِ مِنْ هُنَاكَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ شِرْوَانَ بِذَلِكَ قَصَدُوا السُّلْطَانَ وَقَالُوا لَهُ: نَحْنُ نُقَاتِلُ مَا دُمْتَ عِنْدَنَا، وَإِنْ تَأَخَّرْتَ عَنَّا ضَعُفَتْ نُفُوسُ الْمُسْلِمِينَ وَهَلَكُوا، فَقَبِلَ قَوْلَهُمْ، وَأَقَامَ بِمَكَانِهِ. وَبَاتَ الْعَسْكَرُ عَلَى وَجَلٍ عَظِيمٍ، وَهُمْ بِنِيَّةِ الْمَصَافِّ، فَأَتَاهُمُ اللَّهُ بِفَرَجٍ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَلْقَى بَيْنَ الْكُرْجِ وَقُفْجَاقَ اخْتِلَافًا وَعَدَاوَةً، فَاقْتَتَلُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَرَحَلُوا شِبْهَ الْمُنْهَزِمِينَ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ، وَأَقَامَ السُّلْطَانُ بِشِرْوَانَ مُدَّةً، ثُمَّ عَادَ إِلَى هَمَذَانَ فَوَصَلَهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْمَغَارِبَةِ وَعَسْكَرِ مِصْرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ لَوَاتَةَ مِنَ الْغَرْبِ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ، فَأَفْسَدُوا فِيهَا وَنَهَبُوهَا، وَعَمِلُوا أَعْمَالًا شَنِيعَةً، فَجَمَعَ الْمَأْمُونُ بْنُ الْبَطَائِحِيِّ، الَّذِي وَزَرَ بِمِصْرَ بَعْدَ الْأَفْضَلِ، عَسْكَرَ مِصْرَ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ فَهَزَمَهُمْ، وَأَسَرَ مِنْهُمْ وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا، وَقَرَّرَ

стр. 5214

عَلَيْهِمْ خَرْجًا مَعْلُومًا كُلَّ سَنَةٍ يَقُومُونَ بِهِ، وَعَادُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَعَادَ الْمَأْمُونُ إِلَى مِصْرَ مُظَفَّرًا مَنْصُورًا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرٍ، أَمَرَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ بِبِنَاءِ سُورِ بَغْدَاذَ، وَأَنْ يُجْبَى مَا يَخْرُجُ عَلَيْهِ مِنَ الْبَلَدِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، وَجُمِعَ مِنْ ذَلِكَ مَالٌ كَثِيرٌ، فَلَمَّا عَلِمَ الْخَلِيفَةُ كَرَاهَةَ النَّاسِ لِذَلِكَ أَمَرَ بِإِعَادَةِ مَا أُخِذَ مِنْهُمْ، فَسُرُّوا بِذَلِكَ، وَكَثُرَ الدُّعَاءُ لَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ الْوَزِيرَ أَحْمَدَ بْنَ نِظَامِ الْمُلْكِ بَذَلَ مِنْ مَالِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَقَالَ: نُقَسِّطُ الْبَاقِيَ عَلَى أَرْبَابِ الدَّوْلَةِ. وَكَانَ أَهْلُ بَغْدَاذَ يَعْمَلُونَ بِأَنْفُسِهِمْ فِيهِ، وَكَانُوا يَتَنَاوَبُونَ الْعَمَلَ: يَعْمَلُ أَهْلُ كُلِّ مَحَلَّةٍ مُنْفَرِدِينَ بِالطُّبُولِ وَالزُّمُورِ، وَزَيَّنُوا الْبَلَدَ، وَعَمِلُوا فِيهِ الْقِبَابَ. وَفِيهَا عُزِلَ نَقِيبُ الْعَلَوِيِّينَ، وَهُدِمَتْ دَارُ عَلِيِّ بْنِ أَفْلَحَ، وَكَانَ الْخَلِيفَةُ يُكْرِمُهُ، فَظَهَرَ أَنَّهُمَا عَيْنٌ لِدُبَيْسٍ يُطَالِعَانِهِ بِالْأَخْبَارِ، وَجَعَلَ الْخَلِيفَةُ نِقَابَةَ الْعَلَوِيِّينَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ طَرَّادٍ، نَقِيبِ الْعَبَّاسِيِّينَ. وَفِيهَا جَمَعَ الْأَمِيرُ بَلْكُ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ إِلَى غَزَاةٍ بِالشَّامِ، فَلَقِيَهُ الْفِرِنْجُ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ وَقُتِلَ مِنْهُمْ وَأُسِرَ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنْ مُقَدَّمِيهِمْ وَرَجَّالَتِهِمْ. وَفِيهَا كَانَ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ غَلَاءٌ شَدِيدٌ، وَكَانَ أَكْثَرُهُ بِالْعِرَاقِ، فَبَلَغَ ثَمَنُ كَارَةِ الدَّقِيقِ الْخُشْكَارِ سِتَّةَ دَنَانِيرَ وَعَشَرَةَ قَرَارِيطَ، وَتَبِعَ ذَلِكَ مَوْتُ كَثِيرٍ، وَأَمْرَاضٌ زَائِدَةٌ هَلَكَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا، فِي صَفَرٍ، تُوُفِّيَ قَاسِمُ بْنُ أَبِي هَاشِمٍ الْعَلَوِيُّ الْحَسَنِيُّ أَمِيرُ مَكَّةَ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو فُلَيْتَةَ، وَكَانَ أَعْدَلَ مِنْهُ، وَأَحْسَنَ السِّيرَةِ، فَأَسْقَطَ الْمُكُوسَ، وَأَحْسَنَ إِلَى النَّاسِ.

стр. 5215

وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ أَبُو نُعَيْمِ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْحَدَّادُ الْأَصْبَهَانِيُّ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ الْمُحَدِّثِينَ، سَافَرَ الْكَثِيرَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا سَارَ طُغْتِكِينُ، صَاحِبُ دِمَشْقَ، إِلَى حِمْصَ، فَهَجَمَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَنَهَبَهَا وَأَحْرَقَ كَثِيرًا مِنْهَا وَحَصَرَهَا، وَصَاحِبُهَا قُرْجَانُ بِالْقَلْعَةِ، فَاسْتَمَدَّ صَاحِبُهَا طُغَانُ أَرْسِلَانَ، فَسَارَ إِلَيْهِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَعَادَ طُغْتِكِينُ إِلَى دِمَشْقَ. وَفِيهَا لَقِيَ أُسْطُولُ مِصْرَ أُسْطُولَ الْبَنَادِقَةِ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَاقْتَتَلُوا، وَكَانَ الظَّفَرُ لِلْبَنَادِقَةِ، وَأُخِذَ مِنْ أُسْطُولِ مِصْرَ عِدَّةُ قِطَعٍ، وَعَادَ الْبَاقِي سَالِمًا. وَفِيهَا سَارَ الْأَمِيرُ مَحْمُودُ بْنُ قُرَاجَةَ، صَاحِبُ حَمَاةَ، إِلَى حِصْنِ أَفَامِيَةَ فَهَجَمَ عَلَى الرَّبَضِ بَغْتَةً، فَأَصَابَهُ سَهْمٌ مِنَ الْقَلْعَةِ فِي يَدِهِ، فَاشْتَدَّ أَلَمُهُ، فَعَادَ إِلَى حَمَاةَ، وَقَلَعَ الزُّجَّ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ عُمِلَتْ عَلَيْهِ، فَمَاتَ مِنْهُ، وَاسْتَرَاحَ أَهْلُ عَمَلِهِ مِنْ ظُلْمِهِ وَجَوْرِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ طُغْتِكِينُ، صَاحِبُ دِمَشْقَ، الْخَبَرَ سَيَّرَ إِلَى حَمَاةَ عَسْكَرًا، فَمَلَكَهَا وَصَارَتْ فِي جُمْلَةِ بِلَادِهِ، وَرَتَّبَ فِيهَا وَالِيًا وَعَسْكَرًا لِحِمَايَتِهَا.

стр. 5216

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ] ٥١٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ قَتْلِ بَلْكَ بْنِ بَهْرَامَ بْنِ أُرْتُقَ وَمُلْكِ تَمَرْتَاشَ حَلَبَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرٍ، قَبَضَ بَلْكُ بْنُ بَهْرَامَ بْنِ أُرْتُقَ، صَاحِبُ حَلَبَ، عَلَى الْأَمِيرِ حَسَّانَ الْبَعْلَبَكِّيِّ، صَاحِبِ مَنْبِجَ، وَسَارَ إِلَيْهَا فَحَصَرَهَا، فَمَلَكَ الْمَدِينَةَ، وَحَصَرَ الْقَلْعَةَ، فَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ، فَسَارَ الْفِرِنْجُ إِلَيْهِ لِيُرَحِّلُوهُ عَنْهَا لِئَلَّا يَقْوَى بِأَخْذِهَا، فَلَمَّا قَارَبُوهُ تَرَكَ عَلَى الْقَلْعَةِ مَنْ يَحْصُرُهَا، وَسَارَ فِي بَاقِي عَسْكَرِهِ إِلَى الْفِرِنْجِ، فَلَقِيَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ، فَكَسَرَهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَعَادَ إِلَى مَنْبِجَ فَحَصَرَهَا، فَبَيْنَمَا هُوَ يُقَاتِلُ مَنْ بِهَا أَتَاهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ، لَا يُدْرَى مَنْ رَمَاهُ، وَاضْطَرَبَ عَسْكَرُهُ وَتَفَرَّقُوا، وَخَلَصَ حَسَّانُ مِنَ الْحَبْسِ، فَكَانَ حُسَامُ الدِّينِ تَمَرْتَاشُ بْنُ إِيلْغَازِي بْنِ أُرْتُقَ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ بَلْكَ، فَحَمَلَهُ مَقْتُولًا إِلَى ظَاهِرِ حَلَبَ، وَتَسَلَّمَهَا فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَزَالَ الْحِصَارُ عَنْ قَلْعَةِ مَنْبِجَ، وَعَادَ إِلَيْهَا صَاحِبُهَا حَسَّانُ، وَاسْتَقَرَّ تَمَرْتَاشُ بِحَلَبَ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا. ثُمَّ إِنَّهُ جَعَلَ فِيهَا نَائِبًا لَهُ يَثِقُ بِهِ، وَرَتَّبَ عِنْدَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ جُنْدٍ وَغَيْرِهِمْ وَعَادَ إِلَى مَارِدِينَ، لِأَنَّهُ رَأَى الشَّامَ كَثِيرَةَ الْحَرْبِ مَعَ الْفِرِنْجِ، وَكَانَ رَجُلًا يُحِبُّ الدَّعَةَ وَالرَّفَاهَةَ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى مَارِدِينَ أُخِذَتْ حَلَبُ مِنْهُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 5217

ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ مَدِينَةَ صُورَ بِالشَّامِ كَانَتْ مَدِينَةُ صُورَ لِلْخُلَفَاءِ الْعَلَوِيِّينَ بِمِصْرَ، وَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَكَانَ بِهَا وَالٍ مِنْ جِهَةِ الْأَفْضَلِ أَمِيرِ الْجُيُوشِ، وَزِيرِ الْآمِرِ بِأَحْكَامِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ، يُلَقَّبُ عِزَّ الْمُلْكِ، وَكَانَ الْفِرِنْجُ قَدْ حَصَرُوهَا، وَضَيَّقُوا عَلَيْهَا، وَنَهَبُوا بَلَدَهَا غَيْرَ مَرَّةٍ، فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةُ سِتٍّ تَجَهَّزَ مَلِكُ الْفِرِنْجِ، وَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ لِيَسِيرَ إِلَى صُورَ، فَخَافَهُمْ أَهْلُ صُورَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى أَتَابِكَ طُغْتِكِينَ، صَاحِبِ دِمَشْقَ، يَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ أَمِيرًا مِنْ عِنْدِهِ يَتَوَلَّاهُمْ وَيَحْمِيهِمْ، وَيَكُونُ الْبَلَدُ لَهُ، وَقَالُوا لَهُ: إِنْ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا وَالِيًا، وَعَسْكَرًا، وَإِلَّا سَلَّمْنَا الْبَلَدَ إِلَى الْفِرِنْجِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا، وَجَعَلَ عِنْدَهُمْ وَالِيًا اسْمُهُ مَسْعُودٌ، وَكَانَ شَهْمًا، شُجَاعًا، عَارِفًا بِالْحَرْبِ وَمَكَايِدِهَا، وَأَمَدَّهُ بِعَسْكَرٍ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ مِيرَةً وَمَالًا فَرَّقَهُ فِيهِمْ. وَطَابَتْ نُفُوسُ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَلَمْ تُغَيَّرِ الْخُطْبَةُ لِلْآمِرِ، صَاحِبِ مِصْرَ، وَلَا السِّكَّةُ، وَكَتَبَ إِلَى الْأَفْضَلِ بِمِصْرَ يُعَرِّفُهُ صُورَةَ الْحَالِ، وَيَقُولُ: مَتَى وَصَلَ إِلَيْهَا مِنْ مِصْرَ مَنْ يَتَوَلَّاهَا، وَيَذُبُّ عَنْهَا، سَلَّمْتُهَا إِلَيْهِ، وَيَطْلُبُ أَنَّ الْأُسْطُولَ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهَا بِالرِّجَالِ وَالْقُوَّةِ. فَشَكَرَهُ الْأَفْضَلُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَوَّبَ رَأْيَهُ فِيمَا فَعَلَهُ، وَجَهَّزَ أُسْطُولًا، وَسَيَّرَهُ إِلَى صُورَ، فَاسْتَقَامَتْ أَحْوَالُ أَهْلِهَا. وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ، بَعْدَ قَتْلِ الْأَفْضَلِ، فَسُيِّرَ إِلَيْهَا أُسْطُولٌ، عَلَى جَارِي الْعَادَةِ، وَأَمَرُوا الْمُقَدَّمَ عَلَى الْأُسْطُولِ أَنْ يُعْمِلَ الْحِيلَةَ عَلَى الْأَمِيرِ مَسْعُودٍ الْوَالِي بِصُورَ مِنْ قِبَلِ طُغْتِكِينَ، وَيَقْبِضَ عَلَيْهِ، وَيَتَسَلَّمَ الْبَلَدَ مِنْهُ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ أَهْلَ صُورَ أَكْثَرُوا الشَّكْوَى مِنْهُ إِلَى الْآمِرِ بِأَحْكَامِ اللَّهِ، صَاحِبِ مِصْرَ، بِمَا يَعْتَمِدُهُ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ، وَالْإِضْرَارِ بِهِمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَسَارَ الْأُسْطُولُ فَأَرْسَى عِنْدَ صُورَ، فَخَرَجَ مَسْعُودٌ إِلَيْهِ لِلسَّلَامِ عَلَى الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا صَعِدَ إِلَى الْمَرْكِبِ الَّذِي فِيهِ الْمُقَدَّمِ اعْتَقَلَهُ، وَنَزَلَ الْبَلَدَ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ وَعَادَ الْأُسْطُولُ إِلَى مِصْرَ، وَفِيهِ الْأَمِيرُ مَسْعُودٌ، فَأُكْرِمَ وَأُحْسِنَ إِلَيْهِ، وَأُعِيدَ إِلَى دِمَشْقَ. وَأَمَّا الْوَالِي مِنْ قِبَلِ الْمِصْرِيِّينَ فَإِنَّهُ طَيَّبَ قُلُوبَ النَّاسِ، وَرَاسَلَ طُغْتِكِينَ يَخْدُمُهُ بِالدُّعَاءِ وَالِاعْتِضَادِ، وَأَنَّ سَبَبَ مَا فَعَلَ هُوَ شَكْوَى أَهْلِ صُورَ مِنْ مَسْعُودٍ، فَأَحْسَنَ طُغْتِكِينُ الْجَوَابَ، وَبَذَلَ مِنْ نَفْسِهِ الْمُسَاعَدَةَ.

стр. 5218

وَلَمَّا سَمِعَ الْفِرِنْجُ بِانْصِرَافِ مَسْعُودٍ عَنْ صُورَ قَوِيَ طَمَعُهُمْ فِيهَا، وَحَدَّثُوا نُفُوسَهُمْ بِمُلْكِهَا، وَشَرَعُوا فِي الْجَمْعِ وَالتَّأَهُّبِ لِلنُّزُولِ عَلَيْهَا وَحَصْرِهَا، فَسَمِعَ الْوَالِي بِهَا لِلْمِصْرِيِّينَ الْخَبَرَ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا قُوَّةَ لَهُ، وَلَا طَاقَةَ عَلَى دَفْعِ الْفِرِنْجِ عَنْهَا، لِقِلَّةِ مَنْ بِهَا مِنَ الْجُنْدِ وَالْمِيرَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْآمِرِ بِذَلِكَ، فَرَأَى أَنْ يَرُدَّ وِلَايَةَ صُورَ إِلَى طُغْتِكِينَ، صَاحِبِ دِمَشْقَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، فَمَلَكَ صُورَ، وَرَتَّبَ بِهَا مِنَ الْجُنْدِ وَغَيْرِهِمْ مَا ظَنَّ فِيهِ كِفَايَةً. وَسَارَ الْفِرِنْجُ إِلَيْهِمْ وَنَازَلُوهُمْ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَضَيَّقُوا عَلَيْهِمْ، وَلَازَمُوا الْقِتَالَ، فَقَلَّتِ الْأَقْوَاتُ، وَسَئِمَ مَنْ بِهَا الْقِتَالَ، وَضَعُفَتْ نُفُوسُهُمْ، وَسَارَ طُغْتِكِينُ إِلَى بَانْيَاسَ لِيَقْرُبَ مِنْهُمْ، وَيَذُبَّ عَنِ الْبَلَدِ، وَلَعَلَّ الْفِرِنْجَ إِذَا رَأَوْا قُرْبَهُ مِنْهُمْ رَحَلُوا، فَلَمْ يَتَحَرَّكُوا، وَلَزِمُوا الْحِصَارَ، فَأَرْسَلَ طُغْتِكِينُ إِلَى مِصْرَ يَسْتَنْجِدُهُمْ، فَلَمْ يُنْجِدُوهُ، وَتَمَادَتِ الْأَيَّامُ، وَأَشْرَفَ أَهْلُهَا عَلَى الْهَلَاكِ، فَرَاسَلَ حِينَئِذٍ طُغْتِكِينُ، صَاحِبُ دِمَشْقَ، وَقَرَّرَ الْأَمْرَ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ الْمَدِينَةَ إِلَيْهِمْ، وَيُمَكِّنُوا مَنْ بِهَا مِنَ الْجُنْدِ وَالرَّعِيَّةِ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهَا بِمَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَرِحَالِهِمْ وَغَيْرِهَا، فَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْبَلَدِ، وَمَلَكَهُ الْفِرِنْجُ، وَفَارَقَهُ أَهْلُهُ، وَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ، وَحَمَلُوا مَا أَطَاقُوا، وَتَرَكُوا مَا عَجَزُوا عَنْهُ، وَلَمْ يَعْرِضِ الْفِرِنْجُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الضَّعِيفُ عَجَزَ عَنِ الْحَرَكَةِ. وَمَلَكَ الْفِرِنْجُ الْبَلَدَ فِي الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ، وَكَانَ فَتْحُهُ وَهَنًا عَظِيمًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ مِنْ أَحْصِنِ الْبِلَادِ وَأَمْنَعِهَا، فَاللَّهُ يُعِيدُهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيُقِرُّ أَعْيُنَ الْمُسْلِمِينَ بِفَتْحِهِ، بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ. ذِكْرُ عَزْلِ الْبُرْسُقِيِّ عَنْ شِحْنَكِيَّةِ الْعِرَاقِ وَوِلَايَةِ يَرْنَقْشَ الزَّكْوِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ الْبُرْسُقِيُّ عَنْ شِحْنَكِيَّةِ الْعِرَاقِ، وَوَلِيَهَا سَعْدُ الدَّوْلَةِ يَرْنَقْشُ الزَّكْوِيُّ.

стр. 5219

وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ الْبُرْسُقِيَّ نَفَرَ عَنْهُ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ يَلْتَمِسُ مِنْهُ أَنْ يَعْزِلَ الْبُرْسُقِيَّ عَنِ الْعِرَاقِ وَيُعِيدَهُ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَأَجَابَهُ السُّلْطَانُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْبُرْسُقِيِّ يَأْمُرُهُ بِالْعَوْدِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَالِاشْتِغَالِ بِجِهَادِ الْفِرِنْجِ، فَلَمَّا عَلِمَ الْبُرْسُقِيُّ الْخَبَرَ شَرَعَ فِي جِبَايَةِ الْأَمْوَالِ، وَوَصَلَ نَائِبُ يَرْنَقْشَ، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْبُرْسُقِيُّ الْأَمْرَ، وَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ وَلَدًا لَهُ صَغِيرًا مَعَ أُمِّهِ إِلَى الْبُرْسُقِيِّ لِيَكُونَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ الصَّغِيرُ إِلَى الْعِرَاقِ خَرَجَتِ الْعَسَاكِرُ وَالْمَوَاكِبُ إِلَى لِقَائِهِ، وَحُمِلَتْ لَهُ الْإِقَامَاتُ، وَكَانَ يَوْمُ دُخُولِهِ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَتَسَلَّمَهُ الْبُرْسُقِيُّ وَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَهُوَ وَوَالِدَتُهُ مَعَهُ. وَلَمَّا سَارَ الْبُرْسُقِيُّ إِلَى الْمَوْصِلِ كَانَ عِمَادُ الدِّينِ زِنْكِيُّ بْنُ آقْسُنْقُرَ بِالْبَصْرَةِ قَدْ سَيَّرَهُ الْبُرْسُقِيُّ إِلَيْهَا لِيَحْمِيَهَا، فَظَهَرَ مِنْ حِمَايَتِهِ لَهَا مَا عَجِبَ مِنْهُ النَّاسُ، وَلَمْ يَزَلْ يَقْصِدُ الْعَرَبَ وَيُقَاتِلُهُمْ فِي حِلَلِهِمْ، حَتَّى أَبْعَدُوا إِلَى الْبَرِّ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْبُرْسُقِيُّ يَأْمُرُهُ بِاللِّحَاقِ بِهِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: قَدْ ضَجِرْنَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ: كُلَّ يَوْمٍ لِلْمَوْصِلِ أَمِيرٌ جَدِيدٌ، وَنُرِيدُ نَخْدُمُهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَسِيرَ إِلَى السُّلْطَانِ فَأَكُونَ مَعَهُ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ بِأَصْبَهَانَ فَأَكْرَمَهُ، وَأَقْطَعَهُ الْبَصْرَةَ وَأَعَادَهُ إِلَيْهَا. ذِكْرُ مُلْكِ الْبُرْسُقِيِّ مَدِينَةَ حَلَبَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْحِجَّةِ، مَلَكَ آقْسُنْقُرُ مَدِينَةَ حَلَبَ وَقَلْعَتَهَا. وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ الْفِرِنْجَ لَمَّا مَلَكُوا مَدِينَةَ صُورَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، طَمِعُوا، وَقَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، وَتَيَقَّنُوا الِاسْتِيلَاءَ عَلَى بِلَادِ الشَّامِ، وَاسْتَكْثَرُوا مِنَ الْجُمُوعِ، ثُمَّ وَصَلَ إِلَيْهِمْ دُبَيْسُ بْنُ صَدَقَةَ، صَاحِبُ الْحِلَّةِ، فَأَطْمَعَهُمْ طَمَعًا ثَانِيًا، لَا سِيَّمَا فِي حَلَبَ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَهْلَهَا شِيعَةٌ، وَهُمْ يَمِيلُونَ إِلَيَّ لِأَجْلِ الْمَذْهَبِ، فَمَتَى رَأَوْنِي سَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَيَّ. وَبَذَلَ لَهُمْ عَلَى مُسَاعَدَتِهِ بُذُولًا كَثِيرَةً، وَقَالَ: إِنَّنِي أَكُونُ هَاهُنَا نَائِبًا عَنْكُمْ وَمُطِيعًا لَكُمْ. فَسَارُوا مَعَهُ إِلَيْهَا وَحَصَرُوهَا، وَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَوَطَّنُوا نُفُوسَهُمْ عَلَى الْمُقَامِ الطَّوِيلِ وَأَنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَهَا حَتَّى يَمْلِكُوهَا، وَبَنَوُا الْبُيُوتَ لِأَجْلِ الْبَرْدِ وَالْحَرِّ. فَلَمَّا رَأَى أَهْلُهَا ذَلِكَ ضَعُفَتْ نُفُوسُهُمْ، وَخَافُوا الْهَلَاكَ، وَظَهَرَ لَهُمْ مِنْ صَاحِبِهِمْ تَمَرْتَاشَ الْوَهَنُ وَالْعَجْزُ، وَقَلَّتِ الْأَقْوَاتُ عِنْدَهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْا مَا دُفِعُوا إِلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ، أَعْمَلُوا الرَّأْيَ فِي طَرِيقٍ يَتَخَلَّصُونَ بِهِ، فَرَأَوْا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ غَيْرُ الْبُرْسُقِيِّ،

стр. 5220

صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَسْتَنْجِدُونَهُ وَيَسْأَلُونَهُ الْمَجِيءَ إِلَيْهِمْ لِيُسَلِّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ. فَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَقَصَدَهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ بِالْبَلَدِ، وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ، يَقُولُ: إِنَّنِي لَا أَقْدِرُ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْكُمْ، وَالْفِرِنْجُ يُقَاتِلُونَكُمْ، إِلَّا إِذَا سَلَّمْتُمُ الْقَلْعَةَ إِلَى نُوَّابِي، وَصَارَ أَصْحَابِي فِيهَا، فَإِنَّنِي لَا أَدْرِي مَا يُقَدِّرُهُ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا أَنَا لَقِيتُ الْفِرِنْجَ، فَإِنِ انْهَزَمْنَا مِنْهُمْ وَلَيْسَتْ حَلَبُ بِيَدِ أَصْحَابِي حَتَّى أَحْتَمِيَ أَنَا وَعَسْكَرِي بِهَا، لَمْ يَبْقَ مِنَّا أَحَدٌ، وَحِينَئِذٍ تُؤْخَذُ حَلَبُ وَغَيْرُهَا. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَسَلَّمُوا الْقَلْعَةَ إِلَى نُوَّابِهِ، فَلَمَّا اسْتَقَرُّوا فِيهَا، وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا، سَارَ فِي الْعَسَاكِرِ الَّتِي مَعَهُ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهَا رَحَلَ الْفِرِنْجُ عَنْهَا، وَهُوَ يَرَاهُمْ، فَأَرَادَ مَنْ فِي مُقَدِّمَةِ عَسْكَرِهِ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ، فَمَنَعَهُمْ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَقَالَ: قَدْ كُفِينَا شَرَّهُمْ، وَحَفَظْنَا بَلَدَنَا مِنْهُمْ، وَالْمَصْلَحَةُ تَرْكُهُمْ حَتَّى يَتَقَرَّرَ أَمْرُ حَلَبَ وَنُصْلِحُ حَالَهَا وَنُكْثِرُ ذَخَائِرَهَا، ثُمَّ حِينَئِذٍ نَقْصِدُهُمْ وَنُقَاتِلُهُمْ. فَلَمَّا رَحَلَ الْفِرِنْجُ خَرَجَ أَهْلُ حَلَبَ وَلَقُوهُ، وَفَرِحُوا بِهِ، وَأَقَامَ عِنْدَهُمْ حَتَّى أَصْلَحَ الْأُمُورَ وَقَرَّرَهَا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْقَطَعَتِ الْأَمْطَارُ فِي الْعِرَاقِ، وَالْمَوْصِلِ، وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ، وَالشَّامِ وَدِيَارِ بَكْرٍ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ، فَقَلَّتِ الْأَقْوَاتُ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ، وَدَامَ إِلَى سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ. وَفِيهَا وَصَلَ مَنْصُورُ بْنُ صَدَقَةَ أَخُو دُبَيْسٍ إِلَى بَغْدَاذَ تَحْتَ الِاسْتِظْهَارِ، فَمَرِضَ بِهَا، فَأَحْضَرَ الْخَلِيفَةُ الْأَطِبَّاءَ وَأَمَرَهُمْ بِمُعَالَجَتِهِ، وَأَحْضَرَهُ عِنْدَهُ، وَجُعِلَ فِي حُجْرَةٍ، وَأُدْخِلَ أَصْحَابُهُ إِلَيْهِ. وَفِيهَا سَارَ دُبَيْسٌ مِنَ الشَّامِ، بَعْدَ رَحِيلِهِ عَنْ حَلَبَ، وَقَصَدَ الْمَلِكَ طُغْرَلَ، فَأَغْرَاهُ بِالْخَلِيفَةِ، وَأَطْمَعَهُ فِي الْعِرَاقِ، وَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِيهَا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، مُقَدَّمُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، صَاحِبُ أَلَمُوتَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ أَخْبَارِهِ مَا يُعْلَمُ بِهِ مَحَلُّهُ مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالرَّأْيِ وَالتَّجْرِبَةِ.
следующие страницы →