Полный текст (6 163 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.
стр. 5916
فَقَدَّرَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّ أَهْلَ مَدِينَةِ أَقْصَرَا وَثَبُوا عَلَى الْوَالِي فَأَخْرَجُوهُ مِنْهَا وَنَادَوْا بِشِعَارِ غِيَاثِ الدِّينِ، فَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ قُونِيَةَ بِمَا فَعَلَهُ أَهْلُ أَقْصَرَا قَالُوا: نَحْنُ أَوْلَى مَنْ فَعَلَ هَذَا، لِأَنَّهُ كَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ فِيهِمْ لَمَّا كَانَ مَالِكَهُمْ، فَنَادَوْا بِاسْمِهِ أَيْضًا، وَأَخْرَجُوا مَنْ عِنْدِهِمْ، وَاسْتَدْعَوْهُ فَحَضَرَ عِنْدَهُمْ، وَمَلَكَ الْمَدِينَةَ وَقَبَضَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ وَمَنْ مَعَهُ، وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ، وَجَمَعَ لَهُ الْبِلَادَ جَمِيعَهَا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَسُبْحَانَ مَنْ إِذَا أَرَادَ أَمْرًا هَيَّأَ أَسْبَابَهُ! .
وَكَانَ أَخُوهُ قَيْصَرُ شَاهِ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ مَلَطْيَةَ، لَمَّا أَخَذَهَا رُكْنُ الدِّينِ مِنْهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] ، خَرَجَ مِنْهَا، وَقَصَدَ الْمَلِكَ الْعَادِلَ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَيُّوبَ ; لِأَنَّهُ كَانَ تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ مُسْتَنْصِرًا بِهِ، فَأَمَرَهُ بِالْمُقَامِ بِمَدِينَةِ الرُّهَا، فَأَقَامَ بِهَا فَلَمَّا سَمِعَ بِمُلْكِ أَخِيهِ غِيَاثِ الدِّينِ سَارَ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ قَبُولًا، إِنَّمَا أَعْطَاهُ شَيْئًا وَأَمَرَهُ بِمُفَارَقَةِ الْبِلَادِ، فَعَادَ إِلَى الرُّهَا وَأَقَامَ بِهَا، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ مُلْكُ [غِيَاثِ الدِّينِ سَارَ إِلَيْهِ الْأَفْضَلُ صَاحِبُ] سُمَيْسَاطَ، (فَلَقِيَهُ بِمَدِينَةِ قَيْسَارِيَةَ) وَقَصَدَهُ أَيْضًا نِظَامُ الدِّينِ صَاحِبُ خَرْتَ بِرْتَ، وَصَارَ مَعَهُ، فَعَظُمَ شَأْنُهُ وَقَوِيَ أَمْرُهُ.
ذِكْرُ حَصْرِ صَاحِبِ آمِدَ خَرْتَ بِرْتَ وَرُجُوعِهِ عَنْهَا
كَانَتْ خَرْتَ بِرْتَ لِعِمَادِ الدِّينِ بْنِ قُرَّا أَرْسِلَانَ، فَمَاتَ، وَمَلَكَهَا بَعْدَهُ ابْنُهُ نِظَامُ الدِّينِ أَبُو بَكْرٍ، وَالْتَجَأَ إِلَى رُكْنِ الدِّينِ بْنِ قِلْج أَرْسِلَانَ، وَبَعْدَهُ إِلَى أَخِيهِ غِيَاثِ الدِّينِ لِيَمْتَنِعَ بِهِ مِنِ ابْنِ عَمِّهِ نَاصِرِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّا أَرْسِلَانَ، فَامْتَنَعَ بِهِ.
وَكَانَ صَاحِبُ آمِدَ مُلْتَجِئًا إِلَى الْمَلِكِ الْعَادِلِ، وَفِي طَاعَتِهِ، وَحَضَرَ مَعَ ابْنِهِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ قِتَالَ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ عَلَى شَرْطِ أَنَّهُ يَسِيرُ مَعَهُ فِي عَسَاكِرِهِ، وَيَأْخُذُ لَهُ خَرْتَ بِرْتَ، وَإِنَّمَا طَمِعَ فِيهَا بِمَوْتِ رُكْنِ الدِّينِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ هَذِهِ السَّنَةُ طَلَبَ مَا كَانَ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، فَسَارَ مَعَهُ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ وَعَسَاكِرُ دِيَارِ الْجَزِيرَةِ مِنْ سِنْجَارَ، وَجَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْمَوْصِلِ، وَغَيْرِهَا، وَكَانَ نُزُولُهُمْ عَلَيْهَا فِي شَعْبَانَ، وَفِي رَمَضَانَ تَسَلَّمُوا
стр. 5917
رَبَضَهَا، وَكَانَ صَاحِبُهَا قَدِ اجْتَمَعَ بِغِيَاثِ الدِّينِ، بَعْدَ أَنْ مَلَكَ الْبِلَادَ الرُّومِيَّةَ، وَصَارَ مَعَهُ فِي طَاعَتِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ صَاحِبُ آمِدَ عَلَى خَرْتَ بِرْتَ خَاطَبَ صَاحِبُهَا غِيَاثَ الدِّينِ يُنْجِدُهُ بِعَسْكَرٍ يُرَحِّلُهُمْ عَنْهُ، فَجَهَّزَ عَسْكَرًا كَثِيرًا عُدْتُهُمْ سِتَّةُ آلَافِ فَارِسٍ، وَسَيَّرَهُمْ [مَعَ] الْمَلِكِ الْأَفْضَلِ عَلِيِّ بْنِ صَلَاحِ الدِّينِ وَهُوَ صَاحِبُ سُمَيْسَاطَ، فَلَمَّا وَصَلَ الْعَسْكَرُ إِلَى مَلَطْيَةَ فَارَقَ صَاحِبُ آمِدَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ خَرْتَ بِرْتَ، وَنَزَلُوا إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَحَصَرُوا الْبُحَيْرَةَ الْمَعْرُوفَةَ بِبُحَيْرَةِ سِمْنِينَ وَبِهَا حِصْنَانِ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِ خَرْتَ بِرْتَ، فَحَصَرَهُ وَزَاحَفَهُ، فَفَتَحَهُ ثَانِيَ ذِي الْحِجَّةِ.
وَوَصَلَ صَاحِبُ خَرْتَ بِرْتَ مَعَ الْعَسْكَرِ الرُّومِيِّ إِلَى خَرْتَ بِرْتَ، فَرَحَلَ صَاحِبُ آمِدَ عَنِ الْبُحَيْرَةِ وَقَوَّى الْحِصْنَ الَّذِي فَتَحَهُ فِيهَا، فَأَزَاحَ عِلَّتَهُ، وَرَحَلَ إِلَى خَلْفِ مَرْحَلَةٍ وَنَزَلَ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ، وَالْعَسْكَرُ الرُّومِيُّ يَطْلُبُ الْبُحَيْرَةَ، وَصَاحِبُ آمِدَ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا طَالَ الْأَمْرُ بَقِيَ الْحِصْنُ بِيَدِ صَاحِبِ آمِدَ، وَانْفَصَلَ الْعَسْكَرَانِ، وَعَادَ كُلُّ فَرِيقٍ إِلَى بِلَادِهِ.
ذِكْرُ الْفِتَنِ بِبَغْدَادَ
فِي سَابِعَ عَشَرَ رَمَضَانَ جَرَتْ فِتْنَةٌ بِبَغْدَادَ بَيْنَ أَهْلِ بَابِ الْأَزَجِ وَأَهْلِ الْمَأْمُونِيَّةِ، وَسَبَبُهَا أَنَّ أَهْلَ بَابِ الْأَزَجِ قَتَلُوا سَبْعًا وَأَرَادُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِ، فَمَنَعَهُمْ أَهْلُ الْمَأْمُونِيَّةِ، فَوَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الْبُسْتَانِ الْكَبِيرِ، فَجُرِحَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ، وَرَكِبَ صَاحِبُ الْبَابِ لِتَسْكِينِ الْفِتْنَةِ، فَجُرِحَ فَرَسُهُ فَعَادَ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ سَارَ أَهْلُ الْمَأْمُونِيَّةِ إِلَى أَهْلِ بَابِ الْأَزَجِ، فَوَقَعَتْ بَيْنَهُمْ فِتْنَةٌ شَدِيدَةٌ وَقِتَالٌ بِالسُّيُوفِ وَالنُّشَّابِ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ، فَنُهِبَتِ الدُّورُ الْقَرِيبَةُ مِنْهُمْ، وَسَعَى الرُّكْنُ بْنُ عَبْدِ الْقَادِرِ وَيُوسُفُ الْعَقَّابُ فِي تَسْكِينِ النَّاسِ، وَرَكِبَ الْأَتْرَاكُ، فَصَارُوا يَبِيتُونَ تَحْتَ الْمَنْظَرَةِ، فَامْتَنَعَ أَهْلُ الْفِتْنَةِ مِنَ الِاجْتِمَاعِ، فَسَكَنُوا.
وَفِي الْعِشْرِينَ مِنْهُ جَرَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ أَهْلِ قَطُفْتَا وَالْقَرْيَةِ، مِنْ مَحَالِّ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، بِسَبَبِ قَتْلِ سَبُعٍ أَيْضًا، أَرَادَ أَهْلُ قَطُفْتَا أَنْ يَجْتَمِعُوا وَيَطُوفُوا بِهِ، فَمَنَعَهُمْ أَهْلُ الْقَرْيَةِ أَنْ يَجُوزُوا بِهِ عِنْدَهُمْ، فَاقْتَتَلُوا، وَقُتِلَ بَيْنَهُمْ عِدَّةُ قَتْلَى، فَأُرْسِلَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرٌ مِنَ الدِّيوَانِ لِتَلَافِي الْأَمْرِ وَمَنْعِ النَّاسِ عَنِ الْفِتْنَةِ، فَامْتَنَعُوا.
стр. 5918
وَفِي تَاسِعِ رَمَضَانَ كَانَتْ فِتْنَةً بَيْنَ أَهْلِ سُوقِ السُّلْطَانِ وَالْجَعْفَرِيَّةِ، مَنْشَأُهَا أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمَحَلَّتَيْنِ اخْتَصَمَا وَتَوَعَّدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْمَحَلَّتَيْنِ وَاقْتَتَلُوا فِي مَقْبَرَةِ الْجَعْفَرِيَّةِ، فَسُيِّرَ إِلَيْهِمْ مِنَ الدِّيوَانِ مَنْ تَلَافَى الْأَمْرَ وَسَكَّنَهُ، فَلَمَّا كَثُرَتِ الْفِتَنُ رُتِّبَ أَمِيرٌ كَبِيرٌ مِنْ مَمَالِيكَ الْخَلِيفَةِ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، فَطَافَ فِي الْبَلَدِ، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِمَّنْ فِيهِ شُبْهَةٌ، فَسَكَنَ النَّاسُ.
ذِكْرُ غَارَةِ الْكُرْجِ عَلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَغَارَتِ الْكُرْجُ عَلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ مِنْ نَاحِيَةِ أَذْرَبِيجَانَ، فَأَكْثَرُوا الْعَيْثَ وَالْفَسَادَ وَالنَّهْبَ وَالسَّبْيَ، ثُمَّ أَغَارُوا عَلَى نَاحِيَةِ خِلَاطَ مِنْ أَرْمِينِيَّةَ، فَأَوْغَلُوا فِي الْبِلَادِ حَتَّى بَلَغُوا مَلَازَكُرْدَ، وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَمْنَعُهُمْ، فَجَاسُوا خِلَالَ الْبِلَادِ يَنْهَبُونَ وَيَأْسِرُونَ وَيَسْبُونَ، وَكُلَّمَا [تَقَدَّمُوا] تَأَخَّرَتْ عَسَاكِرُ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ. ثُمَّ إِنَّهُمْ رَجَعُوا، فَاللَّهُ - تَعَالَى - يَنْظُرُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَيُيَسِّرُ لَهُمْ مَنْ يَحْمِي بِلَادَهُمْ، وَيَحْفَظُ ثُغُورَهُمْ، وَيَغْزُو أَعْدَاءَهُمْ.
وَفِيهَا أَغَارَتِ الْكُرْجُ [عَلَى] بِلَادِ خِلَاطَ، فَأَتَوْا إِلَى أَرْجِيشَ وَنَوَاحِيهَا، فَنَهَبُوا، وَسَبَوْا، وَخَرَّبُوا الْبِلَادَ، وَسَارُوا إِلَى حِصْنِ التِّينِ، مِنْ أَعْمَالِ خِلَاطَ، وَهُوَ مُجَاوِرُ أَرْزَنَ الرُّومِ، فَجَمَعَ صَاحِبُ خِلَاطَ عَسْكَرَهُ وَسَارَ إِلَى وَلَدِ قِلْج أَرْسِلَانَ، صَاحِبِ أَرْزَنَ الرُّومِ، فَاسْتَنْجَدَهُ عَلَى الْكُرْجِ، فَسَيَّرَ عَسْكَرَهُ جَمِيعَهُ مَعَهُ، فَتَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكُرْجِ، فَلَقَوْهُمْ، وَتَصَافُّوا، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتِ الْكُرْجُ، وَقُتِلَ زَكْرِي الصَّغِيرُ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرَ مُقَدَّمِيهِمْ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ مُقَدَّمُ هَذَا الْعَسْكَرِ مِنَ الْكُرْجِ وَالْمُقَاتِلُ بِهِمْ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مَا مَعَهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالسِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَسَرُوا كَذَلِكَ، وَعَادَ إِلَى بِلَادِهِ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ أَمِيرِ مَكَّةَ وَأَمِيرِ الْمَدِينَةِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا كَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْأَمِيرِ قَتَادَةَ الْحَسَنِيِّ، أَمِيرِ مَكَّةَ، وَبَيْنَ
стр. 5919
الْأَمِيرِ سَالِمِ بْنِ قَاسِمٍ الْحُسَيْنِيِّ، أَمِيرِ الْمَدِينَةِ، وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَمْعٌ كَثِيرٌ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَانَتِ الْحَرْبُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ قَتَادَةُ قَدْ قَصَدَ الْمَدِينَةَ لِيَحْصُرَهَا وَيَأْخُذَهَا، فَلَقِيَهُ سَالِمٌ بَعْدَ أَنْ قَصَدَ الْحُجْرَةَ - عَلَى سَاكِنِهَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَصَلَّى عِنْدَهَا وَدَعَا وَسَارَ فَلَقِيَهُ، فَانْهَزَمَ قَتَادَةُ، وَتَبِعَهُ سَالِمٌ إِلَى مَكَّةَ فَحَصَرَهُ بِهَا، فَأَرْسَلَ قَتَادَةُ إِلَى مَنْ مَعَ سَالِمٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَأَفْسَدَهُمْ عَلَيْهِ، فَمَالُوا إِلَيْهِ وَحَالَفُوهُ، فَلَمَّا رَأَى سَالِمٌ ذَلِكَ رَحَلَ عَنْهُ عَائِدًا إِلَى الْمَدِينَةِ وَعَادَ أَمْرُ قَتَادَةَ قَوِيًّا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ رَابِعَ عَشْرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، قُطِعَتْ خُطْبَةُ وَلِيِّ الْعَهْدِ، وَأُظْهِرَ خَطٌّ قُرِئَ بِدَارِ الْوَزِيرِ نَصِيرِ الدِّينِ نَاصِرِ بْنِ مَهْدِيٍّ الرَّازِيِّ وَإِذَا هُوَ خَطُّ وَلِيِّ الْعَهْدِ الْأَمِيرِ أَبِي نَصْرِ ابْنِ الْخَلِيفَةِ إِلَى أَبِيهِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، يَتَضَمَّنُ الْعَجْزَ عَنِ الْقِيَامِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَيَطْلُبُ الْإِقَالَةَ، وَشَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّهُ خَطُّهُ، وَأَنَّ الْخَلِيفَةَ أَقَالَهُ، وَعُمِلَ بِذَلِكَ مَحْضَرٌ شَهِدَ فِيهِ الْقُضَاةُ وَالْعُدُولُ وَالْفُقَهَاءُ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَدَتِ امْرَأَةٌ بِبَغْدَادَ وَلَدًا لَهُ رَأْسَانِ وَأَرْبَعُ أَرْجُلٍ وَيَدَانِ، وَمَاتَ فِي يَوْمِهِ.
وَفِيهَا أَيْضًا وَقَعَ الْحَرِيقُ فِي خِزَانَةِ السِّلَاحِ الَّتِي لِلْخَلِيفَةِ، فَاحْتَرَقَ فِيهَا مِنْهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَبَقِيَتِ النَّارُ يَوْمَيْنِ، وَسَارَ ذِكْرُ هَذَا الْحَرِيقِ فِي الْبُلْدَانِ، فَحَمَلَ الْمُلُوكُ مِنَ السِّلَاحِ إِلَى بَغْدَادَ شَيْئًا كَثِيرًا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَ الثَّلْجُ بِمَدِينَةِ هَرَاةَ أُسْبُوعًا كَامِلًا، فَلَمَّا سَكَنَ جَاءَ بَعْدَهُ سَيْلٌ مِنَ الْجَبَلِ مِنْ بَابِ سَرَا، خَرَّبَ كَثِيرًا مِنَ الْبَلَدِ، وَرَمَى مِنْ حِصْنِهِ قِطْعَةً عَظِيمَةً، وَجَاءَ بَعْدَهُ بَرَدٌ شَدِيدٌ أَهْلَكَ الثِّمَارَ، فَلَمْ يَكُنْ بِهَا تِلْكَ السَّنَةَ شَيْءٌ إِلَّا الْيَسِيرَ.
стр. 5920
وَفِيهَا، فِي شَعْبَانَ، خَرَجَ عَسْكَرٌ مِنَ الْغُورِيَّةِ مُقَدَّمُهُمُ الْأَمِيرُ زِنْكِي بْنُ مَسْعُودٍ إِلَى مَدِينَةِ مَرْوَ، فَلَقِيَهُمْ نَائِبُ خُوَارِزْمَ شَاهْ بِمَدِينَةِ سَرَخْسَ، وَهُوَ الْأَمِيرُ جُقَرُ، وَكَمَّنَ لَهُمْ كَمِينًا، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ هَزَمَهُمْ، وَأَخَذَ وُجُوهَ الْغُورِيَّةِ أَسْرَى، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَأَخَذَ أَمِيرَهُمْ زِنْكِي أَسِيرًا، فَقُتِلَ صَبْرًا، وَعُلِّقَتْ رُءُسُهُمْ بِمَرْوَ أَيَّامًا.
وَفِيهَا، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، سَارَ الْأَمِيرُ عِمَادُ الدِّينِ عُمَرُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْغُورِيُّ، صَاحِبُ بَلْخَ، إِلَى مَدِينَةِ تِرْمِذَ، وَهِيَ لِلْأَتْرَاكِ الْخَطَا، فَافْتَتَحَهَا عَنْوَةً، وَجَعَلَ بِهَا وَلَدَهُ الْأَكْبَرَ، وَقَتَلَ مَنْ بِهَا مِنَ الْخَطَا، وَنَقَلَ الْعَلَوِيِّينَ مِنْهَا إِلَى [بَلْخَ] ، وَصَارَتْ تِرْمِذُ دَارَ إِسْلَامٍ، وَهِيَ مِنْ أَمْنَعِ الْحُصُونِ وَأَقْوَاهَا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ صَدْرُ الدِّينِ السِّجْزِيُّ شَيْخُ خَانْكَاه السُّلْطَانِ بِهَرَاةَ.
وَفِيهَا، فِي صَفَرٍ، تُوُفِّيَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ الشَّاعِرُ الْوَاسِطِيُّ، وَهُوَ مِنَ الشُّعَرَاءِ الْمُجِيدِينَ، وَاجْتَمَعْتُ بِهِ بِالْمَوْصِلِ، وَرَدَهَا مَادِحًا لِصَاحِبِهَا نُورِ الدِّينِ أَرْسِلَانَ شَاهْ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُقَدَّمِينَ، وَكَانَ نِعْمَ الرَّجُلِ، حَسَنَ الصُّحْبَةِ وَالْعِشْرَةِ.
وَفِيهَا اجْتَمَعَ بِبَغْدَادَ رَجُلَانِ أَعْمَيَانِ عَلَى رَجُلٍ أَعْمَى أَيْضًا، وَقَتَلَاهُ بِمَسْجِدٍ طَمَعًا فِي أَنْ يَأْخُذَا مِنْهُ شَيْئًا، فَلَمْ يَجِدَا مَعَهُ مَا يَأْخُذَانِهِ، وَأَدْرَكَهُمَا الصَّبَاحُ، فَهَرَبَا مِنَ الْخَوْفِ يُرِيدَانِ الْمَوْصِلَ، وَرُؤِيَ الرَّجُلُ مَقْتُولًا، وَلَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ، فَاتُّفِقَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ الشِّحْنَةِ اجْتَازَ مِنَ الْحَرِيمِ فِي خُصُومَةٍ جَرَتْ، فَرَأَى الرَّجُلَيْنِ الضَّرِيرَيْنِ، فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَتَلُوا الْأَعْمَى يَقُولُهُ مَزْحًا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: هَذَا وَاللَّهِ قَتَلَهُ، فَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ أَنْتَ قَتَلْتَهُ، فَأُخِذَا إِلَى صَاحِبِ الْبَابِ، فَأَقَرَّا فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا، وَصُلِبَ الْآخَرُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ الَّذِي قَتَلَا فِيهِ الرَّجُلَ.
стр. 5921
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّمِائَة]
٦٠٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّمِائَةٍ
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِهَرَاةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، ثَارَ الْعَامَّةُ بِهَرَاةَ، وَجَرَتْ فِيهِ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ أَهْلِ السُّوقَيْنِ: الْحَدَّادِينَ وَالصَّفَّارِينَ، قُتِلَ فِيهَا جَمَاعَةٌ، وَنُهِبَتِ الْأَمْوَالُ وَخُرِّبَتِ الدِّيَارُ، فَخَرَجَ أَمِيرُ الْبَلَدِ لِيَكُفَّهُمْ، فَضَرَبَهُ بَعْضُ الْعَامَّةِ بِحَجَرٍ نَالَهُ مِنْهُ أَلَمٌ شَدِيدٌ، وَاجْتَمَعَ الْغَوْغَاءُ عَلَيْهِ، فَرُفِعَ إِلَى الْقَصْرِ الْفَيْرُوزِيِّ، وَاخْتَفَى أَيَّامًا إِلَى أَنْ سَكَنَتِ الْفِتْنَةُ ثُمَّ ظَهَرَ.
ذِكْرُ قِتَالِ شِهَابِ الدِّينِ الْغُورِيِّ بَنِي كَوْكَرَ
قَدْ ذَكَرْنَا انْهِزَامَ شِهَابِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ سَامَ الْغُورِيِّ صَاحِبِ غَزْنَةَ مِنَ الْخَطَا الْكُفَّارِ، وَأَنَّ الْخَبَرَ ظَهَرَ بِبِلَادِهِ وَأَنَّهُ عُدِمَ مِنَ الْمَعْرَكَةِ وَلَمْ يَقِفْ أَصْحَابُهُ لَهُ عَلَى خَبَرٍ، فَلَمَّا اشْتُهِرَ هَذَا الْخَبَرُ ثَارَ الْمُفْسِدُونَ فِي أَطْرَافِ الْبِلَادِ، وَكَانَ مِمَّنْ أَفْسَدَ دَانْيَالُ، صَاحِبُ جَبَلِ الْجُودِيِّ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَتَابَعَ بَنِي كَوْكَرَ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ الْخَارِجِينَ عَلَيْهِ بَنُو كَوْكَرَ، وَمَسَاكِنُهُمْ فِي جِبَالٍ بَيْنَ لَهَاوُورَ وَالْمُولِتَانِ حَصِينَةٌ مَنِيعَةٌ، وَكَانُوا قَدْ أَطَاعُوا شِهَابَ الدِّينِ، وَحَمَلُوا لَهُ الْخَرَاجَ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ خَبَرُ عُدْمِهِ ثَارُوا فِيمَنْ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ، وَأَطَاعَهُمْ صَاحِبُ جَبَلِ الْجُودِيِّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْقَاطِنِينَ بِتِلْكَ الْجِبَالِ، وَمَنَعُوا الطَّرِيقَ مِنْ لَهَاوُورَ وَغَيْرِهَا إِلَى غَزْنَةَ.
فَلَمَّا فَرَغَ شِهَابُ الدِّينِ مِنْ قَتْلِ مَمْلُوكِهِ أَيْبَكَ بَاكَ - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ - أَرْسَلَ إِلَى نَائِبِهِ بِلَهَاوُورَ وَالْمُولِتَانِ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ يَأْمُرُهُ بِحَمْلِ الْمَالِ لِسَنَةِ سِتِّمِائَةٍ، وَسَنَةِ
стр. 5922
إِحْدَى وَسِتِّمِائَةٍ، لِيَتَجَهَّزَ بِهِ لِحَرْبِ الْخَطَا، فَأَجَابَ أَنَّ أَوْلَادَ كَوْكَرَ قَدْ قَطَعُوا الطَّرِيقَ، وَلَا يُمْكِنُهُ إِرْسَالُ الْمَالِ، وَحَضَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ التُّجَّارِ، وَذَكَرُوا أَنَّ قَفَلًا كَبِيرًا أَخَذَهُ أَوْلَادُ كَوْكَرَ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيلُ، فَأَمَرَ شِهَابُ الدِّينِ مَمْلُوكَهُ أَيْبَكَ - مُقَدَّمَ عَسَاكِرِ الْهِنْدِ - أَنْ يُرَاسِلَ بَنِي كَوْكَرَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ وَيَتَهَدَّدُهُمْ إِنْ لَمْ يُجِيبُوا إِلَى ذَلِكَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ كَوْكَرَ: لِأَيِّ مَعْنًى لَمْ يُرْسِلِ السُّلْطَانُ إِلَيْنَا رَسُولًا؟ فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ: وَمَا قَدْرُكُمْ أَنْتُمْ حَتَّى يُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا مَمْلُوكُهُ يُبَصِّرُكُمْ رُشْدَكُمْ، وَيُهَدِّدُكُمْ. فَقَالَ ابْنُ كَوْكَرَ: لَوْ كَانَ شِهَابُ الدِّينِ حَيًّا لَرَاسَلَنَا، وَقَدْ كُنَّا نَدْفَعُ الْأَمْوَالَ إِلَيْهِ، فَحَيْثُ عُدِمَ فَقُلْ لِأَيْبَكَ يَتْرُكُ لَنَا لَهَاوُورَ وَمَا وَالَاهَا، وَفَرْشَابُورَ، وَنَحْنُ نُصَالِحُهُ. فَقَالَ الرَّسُولُ: أَنْفِذْ أَنْتَ جَاسُوسًا تَثِقُ بِهِ فَيَأْتِيكَ بِخَبَرِ شِهَابِ الدِّينِ مِنْ فَرْشَابُورَ، فَلَمْ يُصْغِ إِلَى قَوْلِهِ، فَرَدَّهُ، فَعَادَ وَأَخْبَرَ بِمَا سَمِعَ وَرَأَى، فَأَمَرَ شِهَابُ الدِّينِ مَمْلُوكَهُ قُطْبَ الدِّينِ أَيْبَكَ بِالْعَوْدِ إِلَى بِلَادِهِ، وَجَمْعِ الْعَسَاكِرِ، وَقِتَالِ بَنِي كَوْكَرَ، فَعَادَ إِلَى دَهْلِي، وَأَمَرَ عَسَاكِرَهُ بِالِاسْتِعْدَادِ، فَأَقَامَ شِهَابُ الدِّينِ فِي فَرْشَابُورَ إِلَى نِصْفِ شَعْبَانَ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّمِائَةٍ، ثُمَّ عَادَ إِلَى غَزْنَةَ فَوَصَلَهَا أَوَّلَ رَمَضَانَ، وَأَمَرَ بِالنِّدَاءِ فِي الْعَسَاكِرِ بِالتَّجَهُّزِ لِقِتَالِ الْخَطَا، وَأَنَّ الْمَسِيرَ يَكُونُ أَوَّلَ شَوَّالٍ، فَتَجَهَّزُوا لِذَلِكَ.
فَاتُّفِقَ أَنَّ الشِّكَايَاتِ كَثُرَتْ مِنْ بَنِي كَوْكَرَ وَمَا يَتَعَهَّدُونَهُ مِنْ إِخَافَةِ السُّبُلِ وَأَنَّهُمْ قَدْ أَنْفَذُوا شِحْنَةً إِلَى الْبِلَادِ، وَوَافَقَهُمْ أَكْثَرُ الْهُنُودِ، وَخَرَجُوا مِنْ طَاعَةِ أَمِيرِ لَهَاوُورَ وَالْمُولِتَانِ وَغَيْرِهِمَا.
وَوَصَلَ كِتَابُ الْوَالِي يَذْكُرُ مَا قَدْ دَهَمَهُ مِنْهُمْ، وَأَنَّ عُمَّالَهُ قَدْ أَخْرَجَهُمْ بَنُو كَوْكَرَ، وَجَبُوا الْخَرَاجَ، وَأَنَّ ابْنَ كَوْكَرَ مُقَدَّمَهُمْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ لِيَتْرُكَ لَهُ لَهَاوُورَ وَالْبِلَادَ وَالْفِيَلَةَ وَيَقُولُ أَنْ يَحْضُرَ شِهَابٌ وَإِلَّا قَتَلَهُ، وَيَقُولُ: إِنْ لَمْ يَحْضُرِ السُّلْطَانُ شِهَابُ الدِّينِ بِنَفْسِهِ وَمَعَهُ الْعَسَاكِرُ وَإِلَّا خَرَجَتِ الْبِلَادُ مِنْ يَدِهِ.
وَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِكَثْرَةِ مَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْجُمُوعِ، وَمَا لَهُمْ مِنَ الْقُوَّةِ، فَتَغَيَّرَ عَزْمُ شِهَابِ الدِّينِ حِينَئِذٍ عَنْ غَزْوِ الْخَطَا، وَأَخْرَجَ خِيَامَهُ وَسَارَ عَنْ غَزْنَةَ خَامِسَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّمِائَةٍ، فَلَمَّا سَارَ وَأَبْعَدَ انْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُ عَنِ النَّاسِ بِغَزْنَةَ وَفَرْشَابُورَ، حَتَّى أَرْجَفَ النَّاسُ بِانْهِزَامِهِ.
стр. 5923
وَكَانَ شِهَابُ الدِّينِ لَمَّا سَارَ عَنْ فَرْشَابُورَ أَتَاهُ خَبَرُ ابْنِ كَوْكَرَ أَنَّهُ نَازِلٌ فِي عَسَاكِرِهِ مَا بَيْنَ جَيْلَمَ وَسُودَرَةَ، فَجَدَّ السَّيْرَ إِلَيْهِ، فَدَهَمَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يُقَدَّرُ وُصُولُهُ فِيهِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا يَوْمَ الْخَمِيسِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ، مِنْ بُكْرَةٍ إِلَى الْعَصْرِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَبَيْنَمَا هُمْ فِي الْقِتَالِ أَقْبَلَ قُطْبُ الدِّينِ أَيْبَكْ فِي عَسَاكِرِهِ، فَنَادَوْا بِشِعَارِ الْإِسْلَامِ، وَحَمَلُوا حَمْلَةً صَادِقَةً، فَانْهَزَمَ الْكَوْكَرِيَّةُ وَمَنِ انْضَمَّ إِلَيْهِمْ وَقُتِلُوا بِكُلِّ مَكَانٍ، وَقَصَدُوا أَجَمَةً هُنَاكَ، فَاجْتَمَعُوا بِهَا، وَأَضْرَمُوا نَارًا، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: لَا تَتْرُكِ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُونَكَ، ثُمَّ يُلْقِي نَفْسَهُ فِي النَّارِ فَيُلْقِي صَاحِبُهُ نَفْسَهُ بَعْدَهُ فِيهَا، فَعَمَّهُمُ الْفَنَاءُ قَتْلًا وَحَرْقًا، ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] .
وَكَانَ أَهْلُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ مَعَهُمْ لَمْ يُفَارِقُوهَا، فَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، حَتَّى إِنَّ الْمَمَالِيكَ كَانُوا يُبَاعُونَ كُلُّ خَمْسَةٍ بِدِينَارٍ رُكْنِيٍّ وَنَحْوِهِ، وَهَرَبَ ابْنُ كَوْكَرَ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ إِخْوَتُهُ وَأَهْلُهُ.
وَأَمَّا ابْنُ دَانْيَالَ، صَاحِبُ جَبَلِ الْجُودِيِّ، فَإِنَّهُ جَاءَ لَيْلًا إِلَى قُطْبِ الدِّينِ أَيْبَكْ، فَاسْتَجَارَ بِهِ، فَأَجَارَهُ، وَشَفَعَ فِيهِ إِلَى شِهَابِ الدِّينِ، فَشَفَّعَهُ فِيهِ، وَأَخَذَ مِنْهُ قَلْعَةَ الْجُودِيِّ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُمْ سَارَ نَحْوَ لَهَاوُورَ لِيُأَمِّنَ أَهْلَهَا وَيُسَكِّنَ رَوْعَهُمْ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالرُّجُوعِ إِلَى بِلَادِهِمْ وَالتَّجَهُّزِ لِحَرْبِ بِلَادِ الْخَطَا، وَأَقَامَ شِهَابُ الدِّينِ بِلَهَاوُورَ إِلَى سَادِسَ عَشَرَ رَجَبٍ، وَعَادَ نَحْوَ غَزْنَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَهَاءِ الدِّينِ سَامَ، صَاحِبِ بَامِيَانَ، لِيَتَجَهَّزَ لِلْمَسِيرِ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، وَيَعْمَلَ جِسْرًا لِيَعْبُرَ هُوَ وَعَسَاكِرُهُ عَلَيْهِ.
ذِكْرُ الظَّفَرِ بِالتِّيرَاهِيَّةِ
كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْخَارِجِينَ الْمُفْسِدِينَ أَيْضًا عَلَى شِهَابِ الدِّينِ التِّيرَاهِيَّةُ، فَإِنَّهُمْ خَرَجُوا إِلَى حُدُودِ سُورَانَ وَمَكْرَهَانَ لِلْغَارَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ نَائِبُ تَاجِ الدِّينِ أَلْدِزَ، مَمْلُوكُ شِهَابِ الدِّينِ بِتِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَيُعْرَفُ بِالْحَلْحِي، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَحَمَلَ رُءُوسَ الْمَعْرُوفِينَ فَعُلِّقَتْ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ.
وَكَانَتْ فِتْنَةُ هَؤُلَاءِ التِّيرَاهِيَّةِ عَلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ عَظِيمَةً قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَكَانُوا إِذَا
стр. 5924
وَقَعَ بِأَيْدِيهِمْ أَسِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَذَّبُوهُ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ.
وَكَانَ أَهْلُ فَرْشَابُورَ مَعَهُمْ فِي ضُرٍّ شَدِيدٍ لِأَنَّهُمْ يُحِيطُونَ بِتِلْكَ الْوِلَايَةِ مِنْ جَوَانِبِهَا، لَا سِيَّمَا آخِرَ أَيَّامِ بَيْتِ سُبُكْتِكِينَ، فَإِنَّ الْمُلُوكَ ضَعُفُوا وَقَوِيَ هَؤُلَاءِ عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا يُغِيرُونَ عَلَى أَطْرَافِ الْبِلَادِ، وَكَانُوا كُفَّارًا لَا دِينَ لَهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ، وَلَا مَذْهَبَ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا وُلِدَ لِأَحَدِهِمْ بِنْتٌ وَقَفَ عَلَى بَابِ دَارِهِ وَنَادَى: مَنْ يَتَزَوَّجُ هَذِهِ؟ مَنْ يَقْبَلُهَا؟ فَإِنْ أَجَابَهُ أَحَدٌ تَرَكَهَا وَإِلَّا قَتَلَهَا، وَيَكُونُ لِلْمَرْأَةِ عِدَّةُ أَزْوَاجٍ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمْ عِنْدَهَا جَعَلَ مَدَاسَهُ عَلَى الْبَابِ، فَإِذَا جَاءَ غَيْرُهُ مِنْ أَزْوَاجِهَا وَرَأَى مَدَاسَهُ عَادَ.
وَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى أَسْلَمَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ آخِرَ أَيَّامِ شِهَابِ الدِّينِ الْغُورِيِّ، فَكَفُّوا عَنِ الْبِلَادِ.
وَسَبَبُ إِسْلَامِهِمْ أَنَّهُمْ أَسَرُوا إِنْسَانًا مِنْ فَرْشَابُورَ، فَعَذَّبُوهُ فَلَمْ يَمُتْ، وَدَامَتْ أَيَّامُهُ عِنْدَهُمْ، فَأَحْضَرَهُ يَوْمًا مُقَدَّمُهُمْ وَسَأَلَهُ عَنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ: لَوْ حَضَرْتُ أَنَا عِنْدَ شِهَابِ الدِّينِ مَاذَا كَانَ يُعْطِينِي، فَقَالَ لَهُ الْمُعَلِّمُ: كَانَ يُعْطِيكَ الْأَمْوَالَ وَالْأَقْطَاعَ وَيَرُدُّ إِلَيْكَ حُكْمَ جَمِيعِ الْبِلَادِ الَّتِي لَكُمْ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى شِهَابِ الدِّينِ فِي الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، فَأَعَادَهُ وَمَعَهُ رَسُولٌ بِالْخِلَعِ وَالْمَنْشُورِ بِالْأَقْطَاعِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ سَارَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِهِ إِلَى شِهَابِ الدِّينِ، فَأَسْلَمُوا وَعَادُوا، وَكَانَ لِلنَّاسِ بِهِمْ رَاحَةٌ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْفِتْنَةُ وَاخْتَلَفَتِ الْبِلَادُ نَزَلَ أَكْثَرُهُمْ مِنَ الْجِبَالِ، فَلَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الطَّائِفَةِ بِهِمْ قُدْرَةٌ لِيَمْنَعُوهُمْ، فَأَفْسَدُوا وَعَمِلُوا مَا ذَكَرْنَاهُ.
ذِكْرُ قَتْلِ شِهَابِ الدِّينِ الْغُورِيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ شَعْبَانَ قُتِلَ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو الْمُظَفَّرِ مُحَمَّدُ بْنُ سَامَ الْغُورِيُّ مَلِكُ غَزْنَةَ وَبَعْضِ خُرَاسَانَ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنْ لَهَاوُورَ، بِمَنْزِلٍ يُقَالُ لَهُ دُمَيْلٌ، وَقْتَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ.
وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ نَفَرًا مِنَ الْكُفَّارِ الْكَوْكَرِيَّةِ لَزِمُوا عَسْكَرَهُ عَازِمِينَ عَلَى قَتْلِهِ، لِمَا فَعَلَ بِهِمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ وَالسَّبْيِ، فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ تَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَكَانَ قَدْ
стр. 5925
عَادَ وَمَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُحَدُّ، فَإِنَّهُ كَانَ عَازِمًا عَلَى قَصْدِ الْخَطَا، وَالِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَتَفْرِيقِ الْمَالِ فِيهِمْ، وَقَدْ أَمَرَ عَسَاكِرَهُ بِالْهِنْدِ بِاللَّحَاقِ بِهِ، وَأَمَرَ عَسَاكِرَهُ الْخُرَاسَانِيَّةَ بِالتَّجَهُّزِ إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِمْ، فَأَتَاهُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبْ، وَلَمْ يُغْنِ عَنْهُ مَا جَمَعَ مِنْ مَالٍ وَسِلَاحٍ وَرِجَالٍ، لَكِنْ كَانَ عَلَى نِيَّةٍ صَالِحَةٍ مِنْ قِتَالِ الْكُفَّارِ.
فَلَمَّا تَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَبَقِيَ وَحْدَهُ فِي خَرْكَاه، ثَارَ أُولَئِكَ النَّفَرُ، فَقَتَلَ أَحَدُهُمْ بَعْضَ الْحُرَّاسِ بِبَابِ سُرَادِقِ شِهَابِ الدِّينِ، فَلَمَّا قَتَلُوهُ صَاحَ، فَثَارَ أَصْحَابُهُ مِنْ حَوْلِ السُّرَادِقِ لِيَنْظُرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ، فَأَخْلَوْا مَوَاقِفَهُمْ، وَكَثُرَ الزِّحَامُ، فَاغْتَنَمَ الْكَوْكَرِيَّةُ غَفْلَتَهُمْ عَنِ الْحِفْظِ، فَدَخَلُوا عَلَى شِهَابِ الدِّينِ وَهُوَ فِي الْخَرْكَاه، فَضَرَبُوهُ بِالسَّكَاكِينِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ ضَرْبَةً فَقَتَلُوهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، فَوَجَدُوهُ عَلَى مُصَلَّاهُ قَتِيلًا وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَخَذُوا أُولَئِكَ الْكُفَّارَ فَقَتَلُوهُمْ، وَكَانَ فِيهِمُ اثْنَانِ مَخْتُونَانِ.
وَقِيلَ إِنَّمَا قَتَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ لِأَنَّهُمْ خَافُوا خُرُوجَهُ إِلَى خُرَاسَانَ، وَكَانَ لَهُ عَسْكَرٌ يُحَاصِرُ بَعْضَ قِلَاعِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
فَلَمَّا قُتِلَ اجْتَمَعَ الْأُمَرَاءُ عِنْدَ وَزِيرِهِ مُؤَيَّدِ الْمُلْكِ بْنِ خُوجَا سِجِسْتَانَ، فَتَحَالَفُوا عَلَى حِفْظِ الْخِزَانَةِ وَالْمُلْكِ، وَلُزُومِ السَّكِينَةِ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ مَنْ يَتَوَلَّاهُ، وَأَجْلَسُوا شِهَابَ الدِّينِ وَخَيَّطُوا جِرَاحَهُ وَجَعَلُوهُ فِي الْمِحَفَّةِ وَسَارُوا بِهِ، وَرَتَّبَ الْوَزِيرُ الْأُمُورَ، وَسَكَّنَ النَّاسَ بِحَيْثُ لَمْ تُرَقْ مِحْجَمَةُ دَمٍ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي أَحَدٍ شَيْءٌ.
وَكَانَتِ الْمِحَفَّةُ مَحْفُوفَةً بِالْحَشَمِ، وَالْوَزِيرِ، وَالْعَسْكَرِ، وَالشَّمِسَةِ، عَلَى حَالِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَتَقَدَّمَ الْوَزِيرُ إِلَى أَمِيرِ دَاذَ الْعَسْكَرِ بِإِقَامَةِ السِّيَاسَةِ، وَضَبْطِ الْعَسْكَرِ، وَكَانَتِ الْخِزَانَةُ الَّتِي فِي صُحْبَتِهِ أَلْفَيْ حِمْلٍ وَمِائَتَيْ حِمْلٍ، وَشَغِبَ الْغِلْمَانُ الْأَتْرَاكُ الصِّغَارُ لِيَنْهَبُوا الْمَالَ، فَمَنَعَهُمُ الْوَزِيرُ وَالْأُمَرَاءُ الْكِبَارُ مِنَ الْمَمَالِيكِ، وَهُوَ صُونَجُ صِهْرُ أَلْدِزَ وَغَيْرُهُ، وَأَمَرُوا كُلَّ مَنْ لَهُ إِقْطَاعٌ عِنْدَ قُطْبِ الدِّينِ أَيْبَكَ مَمْلُوكِ شِهَابِ الدِّينِ بِبِلَادِ الْهِنْدِ بِالْعَوْدِ إِلَيْهِ، وَفَرَّقُوا فِيهِمْ أَمْوَالًا كَثِيرَةً فَعَادُوا.
стр. 5926
وَسَارَ الْوَزِيرُ وَمَعَهُ مَنْ لَهُ إِقْطَاعٌ وَأَهْلٌ بِغَزْنَةَ، وَعَلِمُوا أَنَّهُ يَكُونُ بَيْنَ غِيَاثِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ غِيَاثِ الدِّينِ أَخِي شِهَابِ الدِّينِ الْأَكْبَرِ، وَبَيْنَ بَهَاءِ الدِّينِ صَاحِبِ بَامِيَانَ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ شِهَابِ الدِّينِ، حُرُوبٌ شَدِيدَةٌ، وَكَانَ مَيْلُ الْوَزِيرِ وَالْأَتْرَاكِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ مَحْمُودٍ، وَكَانَ الْأُمَرَاءُ الْغُورِيَّةُ يَمِيلُونَ إِلَى بَهَاءِ الدِّينِ سَامَ، صَاحِبِ بَامِيَانَ، فَأَرْسَلَ كُلُّ طَائِفَةٍ إِلَى مَنْ يَمِيلُونَ إِلَيْهِ يُعَرِّفُونَهُ قَتْلَ شِهَابِ الدِّينِ وَجَلِيَّةَ الْأُمُورِ.
وَجَاءَ بَعْضُ الْمُفْسِدِينَ مِنْ أَهْلِ غَزْنَةَ، فَقَالَ لِلْمَمَالِيكِ: إِنَّ فَخْرَ الدِّينِ الرَّازِيَّ قَتَلَ مَوْلَاكُمْ لِأَنَّهُ هُوَ أَوْصَلَ مَنْ قَتَلَهُ، بِوَضْعٍ مِنْ خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَثَارُوا بِهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَهَرَبَ، وَقَصَدَ مُؤَيَّدَ الْمُلْكِ الْوَزِيرَ، فَأَعْلَمَهُ الْحَالَ فَسَيَّرَهُ سِرًّا إِلَى مَأْمَنِهِ.
وَلَمَّا وَصَلَ الْعَسْكَرُ وَالْوَزِيرُ إِلَى فَرْشَابُورَ اخْتَلَفُوا، فَالْغُورِيَّةُ يَقُولُونَ نَسِيرُ إِلَى غَزْنَةَ عَلَى طَرِيقِ مَكْرَهَانَ، وَكَانَ غَرَضُهُمْ أَنْ يَقْرُبُوا مِنْ بَامِيَانَ لِيَخْرُجَ صَاحِبُهَا بَهَاءُ الدِّينِ سَامُ فَيَمْلِكُ الْخِزَانَةَ، وَقَالَ الْأَتْرَاكُ بَلْ نَسِيرُ عَلَى طَرِيقِ سُورَانَ، وَكَانَ مَقْصُودُهُمْ أَنْ يَكُونُوا قَرِيبًا مِنْ تَاجِ الدِّينِ أَلْدِزَ مَمْلُوكِ شِهَابِ الدِّينِ، وَهُوَ صَاحِبُ كَرْمَانَ - مَدِينَةٍ بَيْنَ غَزْنَةَ وَلَهَاوُورَ، وَلَيْسَتْ بِكَرْمَانَ الَّتِي تُجَاوِرُ بِلَادَ فَارِسَ - لِيَحْفَظَ أَلْدِزُ الْخِزَانَةَ، وَيُرْسِلُوا مِنْ كَرْمَانَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يَسْتَدْعُونَهُ إِلَى غَزْنَةَ وَيُمَلِّكُونَهُ.
وَكَثُرَ بَيْنَهُمُ الِاخْتِلَافُ، حَتَّى كَادُوا يَقْتَتِلُونَ، فَتَوَصَّلَ مُؤَيَّدُ الْمُلْكِ مَعَ الْغُورِيَّةِ حَتَّى أَذِنُوا لَهُ وَلِلْأَتْرَاكِ بِأَخْذِ الْخِزَانَةِ وَالْمِحَفَّةِ الَّتِي فِيهَا شِهَابُ الدِّينِ وَالْمَسِيرِ عَلَى كَرْمَانَ، وَسَارُوا هُمْ عَلَى طَرِيقِ مَكْرَهَانَ، وَلَقِيَ الْوَزِيرُ وَمَنْ مَعَهُ مَشَقَّةً عَظِيمَةً، وَخَرَجَ عَلَيْهِمُ الْأُمَمُ الَّذِينَ فِي تِلْكَ الْجِبَالِ التِّيرَاهِيَّةُ وَأَوْغَانُ وَغَيْرُهُمْ، فَنَالُوا مِنْ أَطْرَافِ الْعَسْكَرِ إِلَى أَنْ وَصَلُوا إِلَى كَرْمَانَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ تَاجُ الدِّينِ أَلْدِزُ يَسْتَقْبِلُهُمْ، فَلَمَّا عَايَنَ الْمِحَفَّةَ، وَفِيهَا شِهَابُ الدِّينِ مَيِّتًا، نَزَلَ وَقَبَّلَ الْأَرْضَ عَلَى عَادَتِهِ فِي حَيَاةِ شِهَابِ الدِّينِ، وَكَشَفَ عَنْهُ، فَلَمَّا رَآهُ مَيِّتًا مَزَّقَ ثِيَابَهُ وَصَاحَ وَبَكَى فَأَبْكَى النَّاسَ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ أَلْدِزُ
كَانَ أَلْدِزُ مِنْ أَوَّلِ مَمَالِيكِ شِهَابِ الدِّينِ وَأَكْبَرِهِمْ وَأَقْدَمِهِمْ، وَأَكْبَرِهِمْ مَحَلًّا
стр. 5927
عِنْدَهُ، بِحَيْثُ إِنَّ أَهْلَ شِهَابِ الدِّينِ كَانُوا يَخْدِمُونَهُ وَيَقْصِدُونَهُ فِي أَشْغَالِهِمْ، فَلَمَّا قُتِلَ صَاحِبُهُ طَمِعَ أَنْ يَمْلِكَ غَزْنَةَ، فَأَوَّلُ مَا عَمِلَ أَنَّهُ سَأَلَ الْوَزِيرَ مُؤَيَّدَ الْمُلْكِ عَنِ الْأَمْوَالِ وَالسِّلَاحِ وَالدَّوَابِّ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ وَبِالْبَاقِي مَعَهُ، فَأَنْكَرَ الْحَالَ، وَأَسَاءَ أَدَبَهُ فِي الْجَوَابِ، وَقَالَ: إِنَّ الْغُورِيَّةَ قَدْ كَاتَبُوا بَهَاءَ الدِّينِ سَامَ صَاحِبَ بَامِيَانَ لِيُمَلِّكُوهُ غَزْنَةَ، وَقَدْ كَتَبَ إِلَيَّ غِيَاثُ الدِّينِ مَحْمُودٌ، وَهُوَ مَوْلَايَ، يَأْمُرُنِي أَنَّنِي لَا أَتْرُكُ أَحَدًا يَقْرَبُ مِنْ غَزْنَةَ، وَقَدْ جَعَلَنِي نَائِبَهُ فِيهَا وَفِي سَائِرِ الْوِلَايَةِ الْمُجَاوِرَةِ لَهَا لِأَنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِأَمْرِ خُرَاسَانَ.
وَقَالَ لِلْوَزِيرِ: إِنَّهُ قَدْ أَمَرَنِي أَيْضًا أَنْ أَتَسَلَّمَ الْخِزَانَةَ مِنْكَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِامْتِنَاعِ لِمَيْلِ الْأَتْرَاكِ إِلَيْهِ، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، وَسَارَ بِالْمِحَفَّةِ وَالْمَمَالِيكِ وَالْوَزِيرِ إِلَى غَزْنَةَ، فَدَفَنَ شِهَابَ الدِّينِ فِي التُّرْبَةِ بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا وَدَفَنَ ابْنَتَهُ فِيهَا، وَكَانَ وُصُولُهُ إِلَيْهَا فِي الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ.
ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَةِ شِهَابِ الدِّينِ
كَانَ ﵀ شُجَاعًا مِقْدَامًا كَثِيرَ الْغَزْوِ إِلَى بِلَادِ الْهِنْدِ، عَادِلًا فِي رَعِيَّتِهِ، حَسَنَ السِّيرَةِ فِيهِمْ، حَاكِمًا بَيْنَهُمْ بِمَا يُوجِبُهُ الشَّرْعُ الْمُطَهَّرُ، وَكَانَ الْقَاضِي بِغَزْنَةَ يَحْضُرُ دَارَهُ كُلَّ أُسْبُوعٍ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ وَالِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءَ، وَيَحْضُرُ مَعَهُ أَمِيرُ حَاجِبَ، وَأَمِيرُ دَاذَ، وَصَاحِبُ الْبَرِيدِ. فَيَحْكُمُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُ السُّلْطَانِ يُنَفِّذُونَ أَحْكَامَهُ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُ الْخُصُومِ الْحُضُورَ عِنْدَهُ أَحْضَرَهُ وَسَمِعَ كَلَامَهُ، وَأَمْضَى عَلَيْهِ أَوْ لَهُ، حُكْمَ الشَّرْعِ، فَكَانَتِ الْأُمُورُ جَارِيَةً عَلَى أَحْسَنِ نِظَامٍ.
حُكِيَ لِي عَنْهُ أَنَّهُ لَقِيَهُ صَبِيُّ عَلَوِيٌّ عُمْرُهُ نَحْوُ خَمْسِ سِنِينَ فَدَعَا لَهُ، وَقَالَ: لِي خَمْسَةُ أَيَّامٍ مَا أَكَلْتُ شَيْئًا، فَعَادَ مِنَ الرُّكُوبِ لِوَقْتِهِ، وَمَعَهُ الصَّبِيُّ، فَنَزَلَ فِي دَارِهِ وَأَطْعَمَ الْعَلَوِيَّ أَطْيَبَ الطَّعَامِ بِحَضْرَتِهِ، ثُمَّ أَعْطَاهُ مَالًا بَعْدَ أَنْ أَحْضَرَ أَبَاهُ وَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ، وَفَرَّقَ فِي سَائِرِ الْعَلَوِيِّينَ مَالًا عَظِيمًا.
وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّ تَاجِرًا مِنْ مَرَاغَةَ كَانَ بِغَزْنَةَ، وَلَهُ عَلَى بَعْضِ مَمَالِيكِ شِهَابِ الدِّينِ دَيْنٌ مَبْلَغُهُ عَشَرَةُ آلَافِ دِينَارٍ، فَقُتِلَ الْمَمْلُوكُ فِي حَرْبٍ كَانَتْ لَهُ، فَرَفَعَ التَّاجِرُ حَالَهُ،
стр. 5928
فَأَمَرَ بِأَنْ يُقَرَّ إِقْطَاعُ الْمَمْلُوكِ بِيَدِ التَّاجِرِ إِلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ فَفُعِلَ ذَلِكَ.
وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُحْضِرُ الْعُلَمَاءَ بِحَضْرَتِهِ، فَيَتَكَلَّمُونَ فِي الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ يَعِظُ فِي دَارِهِ، فَحَضَرَ يَوْمًا فَوَعَظَ، وَقَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ: يَا سُلْطَانُ، لَا سُلْطَانُكَ يَبْقَى وَلَا تَلْبِيسُ الرَّازِيِّ، وَإِنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ! فَبَكَى شِهَابُ الدِّينِ حَتَّى رَحِمَهُ النَّاسُ لِكَثْرَةِ بُكَائِهِ.
وَكَانَ رَقِيقَ الْقَلْبِ، وَكَانَ شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ مِثْلَ أَخِيهِ.
قِيلَ: وَكَانَ حَنَفِيًّا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ مَسِيرِ بَهَاءِ الدِّينِ سَامَ إِلَى غَزْنَةَ وَمَوْتِهِ
فَلَمَّا مَلَكَ غِيَاثُ الدِّينِ بَامِيَانَ أَقْطَعَهَا ابْنَ عَمِّهِ شَمْسَ الدِّينِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْعُودٍ، وَزَوَّجَهُ أُخْتَهُ، فَأَتَاهُ مِنْهَا وَلَدٌ اسْمُهُ سَامُ، فَبَقِيَ فِيهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْأَكْبَرُ، وَاسْمُهُ عَبَّاسٌ، وَأُمُّهُ تُرْكِيَّةٌ، فَغَضِبَ غِيَاثُ الدِّينِ وَأَخُوهُ شِهَابُ الدِّينِ مِنْ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَا مَنْ أَحْضَرَ عَبَّاسًا عِنْدَهُمَا، فَأَخَذَا الْمُلْكَ مِنْهُ، وَجَعَلَا ابْنَ أُخْتِهِمَا سَامَ مَلِكًا عَلَى بَامِيَانَ، وَتَلَقَّبَ بَهَاءَ الدِّينِ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ وَمَحَلُّهُ، وَجَمَعَ الْأَمْوَالَ لِيَمْلِكَ الْبِلَادَ بَعْدَ خَالَيْهِ، وَأَحَبَّهُ الْغُورِيَّةُ حُبًّا شَدِيدًا وَعَظَّمُوهُ.
فَلَمَّا قُتِلَ خَالُهُ شِهَابُ الدِّينِ سَارَ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ الْغُورِيَّةِ إِلَى بَهَاءِ الدِّينِ سَامَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُهُ كَتَبَ إِلَى مَنْ بِغَزْنَةَ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْغُورِيَّةِ يَأْمُرُهُمْ بِحِفْظِ الْبَلَدِ، وَيُعَرِّفُهُمْ أَنَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ سَائِرٌ إِلَيْهِمْ.
وَكَانَ وَالِي قَلْعَةِ غَزْنَةَ، وَيُعْرَفُ بِأَمِيرِ دَاذَ، قَدْ أَرْسَلَ وَلَدَهُ إِلَى بَهَاءِ الدِّينِ سَامَ يَسْتَدْعِيهِ إِلَى غَزْنَةَ، فَأَعَادَ جَوَابَهُ أَنَّهُ تَجَهَّزَ، وَيَصِلُ إِلَيْهِ، وَيَعِدُهُ الْجَمِيلَ وَالْإِحْسَانَ.
وَكَتَبَ بَهَاءُ الدِّينِ إِلَى عَلَاءِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مَلِكِ الْغَوْرِ يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ، وَإِلَى غِيَاثِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ غِيَاثِ الدِّينِ، وَإِلَى ابْنِ خَرْمِيلَ وَالِي هَرَاةَ، يَأْمُرُهُمَا بِإِقَامَةِ الْخُطْبَةِ لَهُ، وَحِفْظِ مَا بِأَيْدِيهِمَا مِنَ الْأَعْمَالِ، وَلَمْ يَظُنَّ أَنَّ أَحَدًا يُخَالِفُهُ، فَأَقَامَ أَهْلُ غَزْنَةَ يَنْتَظِرُونَ وُصُولَهُ، أَوْ وُصُولَ غِيَاثِ الدِّينِ مَحْمُودٍ، وَالْأَتْرَاكِ وَيَقُولُونَ: لَا نَتْرُكُ غَيْرَ ابْنِ سَيِّدِنَا - يَعْنُونَ غِيَاثَ الدِّينِ - يَدْخُلُ غَزْنَةَ.
وَالْغُورِيَّةُ يَتَظَاهَرُونَ بِالْمَيْلِ إِلَى بَهَاءِ الدِّينِ وَمَنْعِ غَيْرِهِ، فَسَارَ مِنْ بَامِيَانَ إِلَى غَزْنَةَ
стр. 5929
فِي عَسَاكِرِهِ، وَمَعَهُ وَلَدَاهُ عَلَاءُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ وَجَلَالُ الدِّينِ، فَلَمَّا سَارَ عَنْ بَامِيَانَ مَرْحَلَتَيْنِ وَجَدَ صُدَاعًا، فَنَزَلَ يَسْتَرِيحُ، يَنْتَظِرُ خِفَّتَهُ عَنْهُ، فَازْدَادَ الصُّدَاعُ، وَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، فَأَيْقَنَ بِالْمَوْتِ، فَأَحْضَرَ وَلَدَيْهِ، وَعَهِدَ إِلَى عَلَاءِ الدِّينِ، وَأَمَرَهُمَا بِقَصْدِ غَزْنَةَ، وَحِفْظِ مَشَايِخِ الْغُورِيَّةِ، وَضَبْطِ الْمُلْكِ، وَبِالرِّفْقِ بِالرَّعَايَا، وَبَذْلِ الْأَمْوَالِ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُصَالِحَا غِيَاثَ الدِّينِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ خُرَاسَانُ وَبِلَادُ الْغَوْرِ، وَيَكُونُ لَهُمَا غَزْنَةُ وَبِلَادُ الْهِنْدِ.
ذِكْرُ مُلْكِ عَلَاءِ الدِّينِ غَزْنَةَ وَأَخْذِهَا مِنْهُ
لَمَّا فَرَغَ بَهَاءُ الدِّينِ مِنْ وَصِيَّتِهِ تُوُفِّيَ، فَسَارَ وَلَدَاهُ إِلَى غَزْنَةَ، فَخَرَجَ أُمَرَاءُ الْغُورِيَّةِ وَأَهْلُ الْبَلَدِ فَلَقَوْهُمَا، وَخَرَجَ الْأَتْرَاكُ مَعَهُمْ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُمْ، وَدَخَلُوا الْبَلَدَ وَمَلَّكُوهُ، وَنَزَلَ عَلَاءُ الدِّينِ وَجَلَالُ الدِّينِ دَارَ السَّلْطَنَةِ مُسْتَهَلَّ رَمَضَانَ، وَكَانُوا قَدْ وَصَلُوا فِي ضُرٍّ وَقِلَّةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَأَرَادَ الْأَتْرَاكُ مَنْعَهُمْ، فَنَهَاهُمْ مُؤَيَّدُ الْمُلْكِ وَزِيرُ شِهَابِ الدِّينِ لِقِلَّتِهِمْ، وَلِاشْتِغَالِ غِيَاثِ الدِّينِ بِابْنِ خَرْمِيلَ - وَالِي هَرَاةَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ - فَلَمْ يَرْجِعُوا عَنْ ذَلِكَ.
وَلَمَّا اسْتَقَرَّا بِالْقَلْعَةِ، وَنَزَلَا بِدَارِ السُّلْطَانِيَّةِ، رَاسَلَهُمَا الْأَتْرَاكُ بِأَنْ يَخْرُجَا مِنَ الدَّارِ وَإِلَّا قَاتَلُوهُمَا، فَفَرَّقَا فِيهِمْ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَاسْتَحْلَفَاهُمْ فَحَلَفُوا، وَاسْتَثْنَوْا غِيَاثَ الدِّينِ مَحْمُودًا، وَأَنْفَذَا خِلَعًا إِلَى تَاجِ الدِّينِ أَلْدِزَ - وَهُوَ بِإِقْطَاعِهِ - مَعَ رَسُولٍ، وَطَلَبَاهُ إِلَى طَاعَتِهِمَا، وَوَعَدَاهُ بِالْأَمْوَالِ وَالزِّيَادَةِ فِي الْإِقْطَاعِ، وَإِمَارَةِ الْجَيْشِ، وَالْحُكْمِ فِي جَمِيعِ الْمَمَالِكِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَلَقِيَهُ وَقَدْ سَارَ عَنْ كَرْمَانَ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ مِنَ التُّرْكِ وَالْخُلْجِ وَالْغُزِّ وَغَيْرِهِمْ يُرِيدُ غَزْنَةَ، فَأَبْلَغَهُ الرِّسَالَةَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهُمَا أَنْ يَعُودَا إِلَى بَامِيَانَ، وَفِيهَا كِفَايَةٌ، فَإِنِّي قَدْ أَمَرَنِي مَوْلَايَ غِيَاثُ الدِّينِ أَنْ أَسِيرَ إِلَى غَزْنَةَ وَأَمْنَعَهُمَا عَنْهَا، فَإِنْ عَادَا إِلَى بَلَدِهِمَا، وَإِلَّا فَعَلْتُ بِهِمَا وَبِمَنْ مَعَهُمَا مَا يَكْرَهُونَ.
وَرَدَّ مَا مَعَهُمَا مِنَ الْهَدَايَا وَالْخِلَعِ، وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُ أَلْدِز بِهَذَا حِفْظَ بَيْتِ صَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا طَرِيقًا إِلَى مُلْكِ غَزْنَةَ لِنَفْسِهِ.
стр. 5930
فَعَادَ الرَّسُولُ وَأَبْلَغَ عَلَاءَ الدِّينِ رِسَالَةَ أَلْدِزَ، فَأَرْسَلَ وَزِيرَهُ، وَكَانَ قَبْلَهُ وَزِيرَ أَبِيهِ، إِلَى بَامِيَانَ وَبَلْخَ وَتِرْمِذَ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِهِمْ، لِيَجْمَعَ الْعَسَاكِرَ وَيَعُودَ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ أَلْدِزُ إِلَى الْأَتْرَاكِ الَّذِينَ بِغَزْنَةَ يُعَرِّفُهُمْ أَنَّ غِيَاثِ الدِّينِ أَمَرَهُ أَنْ يَقْصِدَ غَزْنَةَ وَيُخْرِجَ عَلَاءَ الدِّينِ وَأَخَاهُ مِنْهَا، فَحَضَرُوا عِنْدَ ابْنِ وَزِيرِ عَلَاءِ الدِّينِ، وَطَلَبُوا مِنْهُ سِلَاحًا، فَفَتَحَ خِزَانَةَ السِّلَاحِ، وَهَرَبَ ابْنُ الْوَزِيرِ إِلَى عَلَاءِ الدِّينِ وَقَالَ لَهُ: قَدْ كَانَ كَذَا وَكَذَا، فَلَمْ يَقْدِرْ [أَنْ] يَفْعَلَ شَيْئًا.
وَسَمِعَ مُؤَيَّدُ الْمُلْكِ - وَزِيرُ شِهَابِ الدِّينِ - فَرَكِبَ وَأَنْكَرَ عَلَى الْخَازِنِ تَسْلِيمَ الْمَفَاتِيحِ، وَأَمَرَهُ فَاسْتَرَدَّ مَا نَهَبَهُ التُّرْكُ جَمِيعَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ مُطَاعًا فِيهِمْ.
وَوَصَلَ أَلْدِزُ إِلَى غَزْنَةَ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ عَلَاءُ الدِّينِ جَمَاعَةً مِنَ الْغُورِيَّةِ وَمِنَ الْأَتْرَاكِ، وَفِيهِمْ صُونَجُ صِهْرُ أَلْدِزَ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ، وَيَنْتَظِرَ الْعَسْكَرَ مَعَ وَزِيرِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَسَيَّرَ الْعَسَاكِرَ، فَالْتَقَوْا خَامِسَ رَمَضَانَ، فَلَمَّا لَقَوْهُ خَدَمَهُ الْأَتْرَاكُ وَعَادُوا مَعَهُ عَلَى عَسْكَرِ عَلَاءِ الدِّينِ فَقَاتَلُوهُمْ فَهَزَمُوهُمْ وَأَسَرُوا مُقَدَّمَهُمْ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حِرْدَونَ، وَدَخَلَ عَسْكَرُ أَلْدِزَ الْمَدِينَةَ فَنَهَبُوا بُيُوتَ الْغُورِيَّةِ وَالْبَامَانِيَّةِ، وَحَصَرَ أَلْدِزُ الْقَلْعَةَ، فَخَرَجَ جَلَالُ الدِّينِ مِنْهَا فِي عِشْرِينَ فَارِسًا، وَسَارَ عَنْ غَزْنَةَ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ تَسْتَهْزِئُ بِهِ: إِلَى أَيْنَ تَمْضِي؟ خُذِ الْجِتْرَ وَالشَّمْسَةَ مَعَكَ! مَا أَقْبَحَ خُرُوجَ السَّلَاطِينِ هَكَذَا! فَقَالَ لَهَا: إِنَّكِ سَتَرَيْنَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَأَفْعَلُ بِكُمْ مِمَّا تُقِرُّونَ بِهِ بِالسَّلْطَنَةِ لِي.
وَكَانَ قَدْ قَالَ لِأَخِيهِ: احْفَظِ الْقَلْعَةَ إِلَى أَنْ آتِيَكَ بِالْعَسَاكِرِ، فَبَقِيَ أَلْدِزُ يُحَاصِرُهَا وَأَرَادَ مَنْ مَعَ أَلْدِزُ نَهْبَ الْبَلَدِ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَأَرْسَلَ إِلَى عَلَاءِ الدِّينِ يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْقَلْعَةِ، وَيَتَهَدَّدُهُ إِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ، فَأَجَابَ إِلَى مُفَارَقَتِهَا وَالْعَوْدِ إِلَى بَلَدِهِ، وَأَرْسَلَ مَنْ حَلَّفَ لَهُ أَلْدِزَ أَنْ لَا يُؤْذِيَهُ، وَلَا يَتَعَرَّضَ لَهُ، وَلَا لِأَحَدٍ مِمَّنْ يَحْلِفُ لَهُ.
وَسَارَ عَنْ غَزْنَةَ، فَلَمَّا رَآهُ أَلْدِزُ وَقَدْ نَزَلَ مِنَ الْقَلْعَةِ عَدَلَ إِلَى تُرْبَةِ شِهَابِ الدِّينِ مَوْلَاهُ، وَنَزَلَ إِلَيْهَا، وَنَهَبَ الْأَتْرَاكُ مَا كَانَ مَعَ عَلَاءِ الدِّينِ، وَأَلْقَوْهُ عَنْ فَرَسِهِ، وَأَخَذُوا ثِيَابَهُ، وَتَرَكُوهُ عُرْيَانًا بِسَرَاوِيلِهِ.
стр. 5931
فَلَمَّا سَمِعَ أَلْدِزُ ذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ بِدَوَابَّ وَثِيَابٍ وَمَالٍ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَأَخَذَ مَا لَبِسَهُ وَرَدَّ الْبَاقِيَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَامِيَانَ لَبِسَ ثِيَابَ سَوَادِيٍّ، وَرَكِبَ حِمَارًا، فَأَخْرَجُوا لَهُ مَرَاكِبَ مُلُوكِيَّةً، وَمَلَابِسَ جَمِيلَةً، فَلَمْ يَرْكَبْ وَلَمْ يَلْبَسْ، وَقَالَ: أُرِيدُ [أَنْ] يَرَانِي النَّاسُ وَمَا صَنَعَ بِي أَهْلُ غَزْنَةَ، حَتَّى إِذَا عُدْتُ إِلَيْهَا وَخَرَّبْتُهَا وَنَهَبْتُهَا لَا يَلُومُنِي أَحَدٌ. وَدَخَلَ دَارَ الْإِمَارَةِ وَشَرَعَ فِي جَمْعِ الْعَسَاكِرِ.
ذِكْرُ مُلْكِ أَلْدِزَ غَزْنَةَ
قَدْ ذَكَرْنَا اسْتِيلَاءَ أَلْدِزَ عَلَى الْأَمْوَالِ وَالسِّلَاحِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ صُحْبَةَ شِهَابِ الدِّينِ وَأَخَذَهُ مِنَ الْوَزِيرِ مُؤَيَّدِ الْمُلْكِ، فَجَمَعَ بِهِ الْعَسَاكِرَ مِنْ أَنْوَاعِ النَّاسِ: الْأَتْرَاكِ وَالْخُلْجِ وَالْغُزِّ وَغَيْرِهِمْ، وَسَارَ إِلَى غَزْنَةَ وَجَرَى لَهُ مَعَ عَلَاءِ الدِّينِ مَا ذَكَرْنَا.
فَلَمَّا خَرَجَ عَلَاءُ الدِّينِ مِنْ غَزْنَةَ أَقَامَ أَلْدِزُ بِدَارِهِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ يُظْهِرُ طَاعَةَ غِيَاثِ الدِّينِ. إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرِ الْخَطِيبَ بِالْخُطْبَةِ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَخْطُبُ لِلْخَلِيفَةِ، وَيَتَرَحَّمُ عَلَى شِهَابِ الدِّينِ الشَّهِيدِ حَسْبُ.
فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ أَحْضَرَ مُقَدَّمِي الْغُورِيَّةِ وَالْأَتْرَاكِ، وَذَمَّ مَنْ كَاتَبَ عَلَاءَ الدِّينِ وَأَخَاهُ، وَقَبَضَ عَلَى أَمِيرِ دَاذَ وَالِي غَزْنَةَ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، وَهُوَ سَادِسَ عَشَرَ رَمَضَانَ، أَحْضَرَ الْقُضَاةَ وَالْفُقَهَاءَ وَالْمُقَدَّمِينَ، وَأَحْضَرَ أَيْضًا رَسُولَ الْخَلِيفَةِ، وَهُوَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ الرَّبِيعِ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ مُدَرِّسُ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ قَدْ وَرَدَ إِلَى غَزْنَةَ رَسُولًا إِلَى شِهَابِ الدِّينِ، فَقُتِلَ شِهَابُ الدِّينِ وَهُوَ بِغَزْنَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ وَإِلَى قَاضِي غَزْنَةَ يَقُولُ لَهُ: إِنَّنِي أُرِيدُ [أَنْ] أَنْتَقِلَ إِلَى دَارِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَأَنْ أُخَاطَبَ بِالْمُلْكِ، وَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِكَ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا أَنْ تَسْتَقِرَّ أُمُورُ النَّاسِ. فَحَضَرَ عِنْدَهُ فَرَكِبَ أَلْدِزُ وَالنَّاسُ فِي خِدْمَتِهِ، وَعَلَيْهِ ثِيَابُ الْحُزْنِ، وَجَلَسَ فِي الدَّارِ فِي غَيْرِ الْمَجْلِسِ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ فِيهِ شِهَابُ الدِّينِ، فَتَغَيَّرَتْ لِذَلِكَ نِيَّاتُ كَثِيرٍ مِنَ الْأَتْرَاكِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُطِيعُونَهُ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ يُرِيدُ الْمُلْكَ لِغِيَاثِ الدِّينِ، فَحَيْثُ رَأَوْهُ يُرِيدُ الِانْفِرَادَ تَغَيَّرُوا عَنْ طَاعَتِهِ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ بَكَى غَيْظًا
стр. 5932
مِنْ فِعْلِهِ، وَأَقْطَعَ الْإِقْطَاعَاتِ الْكَثِيرَةَ، وَفَرَّقَ الْأَمْوَالَ الْجَلِيلَةَ.
وَكَانَ عِنْدَ شِهَابِ الدِّينِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَوْلَادِ مُلُوكِ الْغَوْرِ وَسَمَرْقَنْدَ وَغَيْرِهِمْ، فَأَنِفُوا مِنْ خِدْمَةِ أَلْدِزَ، وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَقْصِدَ خِدْمَةَ غِيَاثِ الدِّينِ، فَأَذِنَ لَهُمْ وَفَارَقَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ وَإِلَى عَلَاءِ الدِّينِ وَأَخِيهِ صَاحِبَيْ بَامِيَانَ، وَأَرْسَلَ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَى أَلْدِزَ يَشْكُرُهُ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ لِإِخْرَاجِ أَوْلَادِ بَهَاءِ الدِّينِ مِنْ غَزْنَةَ، وَسَيَّرَ لَهُ الْخِلَعَ، وَطَلَبَ مِنْهُ الْخُطْبَةَ وَالسِّكَّةَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَأَعَادَ الْجَوَابَ فَغَالَطَهُ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُخَاطِبَهُ بِالْمُلْكِ وَأَنْ يُعْتِقَهُ مِنَ الرِّقِّ لِأَنَّ غِيَاثَ الدِّينِ ابْنَ أَخِي سَيِّدِهِ لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُ، وَأَنْ يُزَوِّجَ ابْنَهُ بِابْنَةِ أَلْدِزَ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ.
وَاتُّفِقَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْغُورِيِّينَ، مِنْ عَسْكَرِ صَاحِبِ بَامِيَانَ، أَغَارُوا عَلَى أَعْمَالِ كَرْمَانَ وَسُورَانَ، وَهِيَ أَقْطَاعُ أَلْدِزَ الْقَدِيمَةُ، فَغَنِمُوا، وَقَتَلُوا، فَأَرْسَلَ صِهْرَهُ صُونَجَ فِي عَسْكَرٍ، فَلَقُوا عَسْكَرَ الْبَامِيَانِ فَظَفِرَ بِهِمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ كَثِيرًا، وَأَنْفَذَ رُءُوسَهُمْ إِلَى غَزْنَةَ فَنُصِبَتْ بِهَا.
وَأَجْرَى أَلْدِزُ فِي غَزْنَةَ رُسُومَ شِهَابِ الدِّينِ، وَفَرَّقَ فِي أَهْلِهَا أَمْوَالًا جَلِيلَةَ الْمِقْدَارِ، وَأَلْزَمَ مُؤَيَّدَ الْمُلْكِ أَنْ يَكُونَ وَزِيرًا لَهُ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ، فَأَجَابَهُ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُ، فَدَخَلَ عَلَى مُؤَيَّدِ الْمُلْكِ صَدِيقٌ لَهُ يُهَنِّئُهُ، فَقَالَ: بِمَاذَا تُهَنِّئُنِي؟ مِنْ بَعْدِ رُكُوبِ الْجَوَادِ بِالْحِمَارِ! وَأَنْشَدَ:
وَمَنْ رَكِبَ الثَّوْرَ بَعْدَ الْجَوَادِ ... أَنْكَرَ إِطْلَاقَهُ وَالْغَبَبْ
بَيْنَا أَلْدِزُ يَأْتِي إِلَى بَابِي أَلْفَ مَرَّةٍ حَتَّى آذَنَ لَهُ فِي الدُّخُولِ أُصْبِحُ عَلَى بَابِهِ! وَلَوْلَا حِفْظُ النَّفْسِ مَعَ هَؤُلَاءِ الْأَتْرَاكِ لَكَانَ لِي حُكْمٌ آخَرُ.
ذِكْرُ حَالِ غِيَاثِ الدِّينِ بَعْدَ قَتْلِ عَمِّهِ
وَأَمَّا غِيَاثُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ غِيَاثِ الدِّينِ فَإِنَّهُ كَانَ فِي إِقْطَاعِهِ، وَهُوَ بُسْتُ وَأَسْفِزَارُ، لَمَّا قُتِلَ عَمُّهُ شِهَابُ الدِّينِ، وَكَانَ الْمَلِكُ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ قَدْ وَلَّاهُ شِهَابُ الدِّينِ بِلَادَ الْغَوْرِ وَغَيْرَهَا مِنْ أَرْضِ الرَّاوِنِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُهُ سَارَ إِلَى
стр. 5933
فَيْرُوزَكُوه خَوْفًا أَنْ يَسْبِقَهُ إِلَيْهَا غِيَاثُ الدِّينِ فَيَمْلِكَ الْبَلَدَ وَيَأْخُذَ الْخَزَائِنَ الَّتِي بِهَا.
وَكَانَ عَلَاءُ الدِّينِ حَسَنَ السِّيرَةِ مِنْ أَكَابِرِ بُيُوتِ الْغُورِيَّةِ، إِلَّا أَنَّ النَّاسَ كَرِهُوهُ لِمَيْلِهِمْ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ، وَأَنِفَ الْأُمَرَاءُ مِنْ خِدْمَتِهِ مَعَ وُجُودِ وَلَدِ غِيَاثِ الدِّينِ سُلْطَانِهِمْ، وَلِأَنَّهُ كَانَ كَرَّامِيًّا مُغَالِيًا فِي مَذْهَبِهِ، وَأَهْلُ فَيْرُوزَكُوه شَافِعِيَّةٌ، وَأَلْزَمَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا الْإِقَامَةَ مَثْنًى، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى فَيْرُوزَكُوه أَحْضَرَ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ مِنْهُمْ: مُحَمَّدٌ الْمَرْغَنِيُّ وَأَخُوهُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ - وَهُمْ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ -، وَحَلَّفَهُمْ عَلَى مُسَاعَدَتِهِ عَلَى قِتَالِ خُوَارِزْمَ شَاهْ وَبَهَاءِ الدِّينِ، صَاحِبِ بَامِيَانَ، وَلَمْ يَذْكُرْ غِيَاثُ الدِّينِ احْتِقَارًا لَهُ فَحَلَفُوا لَهُ وَلِوَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ.
وَكَانَ غِيَاثُ الدِّينِ بِمَدِينَةِ بُسْتَ لَمْ يَتَحَرَّكْ فِي شَيْءٍ انْتِظَارًا لِمَا يَكُونُ مِنْ صَاحِبِ بَامِيَانَ، لِأَنَّهُمَا كَانَا قَدْ تَعَاهَدَا أَيَّامَ شِهَابِ الدِّينِ أَنْ تَكُونَ خُرَاسَانُ لِغِيَاثِ الدِّينِ وَغَزْنَةُ وَالْهِنْدُ لِبَهَاءِ الدِّينِ، وَكَانَ بَهَاءُ الدِّينِ صَاحِبُ بَامِيَانَ بَعْدَ مَوْتِ شِهَابِ الدِّينِ أَقْوَى مِنْهُ، فَلِهَذَا لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ مَوْتِ بَهَاءِ الدِّينِ جَلَسَ عَلَى التَّخْتِ، وَخَطَبَ لِنَفْسِهِ بِالسَّلْطَنَةِ عَاشِرَ رَمَضَانَ، وَحَلَّفَ الْأُمَرَاءَ الَّذِينَ قَصَدُوهُ، وَهُمْ إِسْمَاعِيلُ الْخُلْجِيُّ، وَسُونَجُ أَمِيرُ أَشْكَارَ، وَزِنْكِي بْنُ خَرْجُومَ، وَحُسَيْنٌ الْغُورِيُّ صَاحِبُ تِكْيَابَاذَ وَغَيْرُهُمْ، وَتَلَقَّبَ بِأَلْقَابِ أَبِيهِ " غِيَاثِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ "، وَكَتَبَ إِلَى عَلَاءِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ وَهُوَ بِفَيْرُوزَكُوه يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ، وَيَسْتَعْطِفُهُ لِيُصْدِرَ عَنْ رَأْيِهِ، وَيُسَلِّمَ مَمْلَكَتَهُ إِلَيْهِ، وَكَتَبَ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ خَرْمِيلَ، وَالِي هَرَاةَ، مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَوَعَدَهُ الزِّيَادَةَ فِي الْإِقْطَاعِ.
فَأَمَّا عَلَاءُ الدِّينِ فَأَغْلَظَ لَهُ فِي الْجَوَابِ، وَكَتَبَ إِلَى الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَهُ يَتَهَدَّدُهُمْ، فَرَحَلَ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَى فَيْرُوزَكُوه، فَأَرْسَلَ عَلَاءُ الدِّينِ عَسْكَرًا مَعَ وَلَدِهِ، وَفَرَّقَ فِيهِمْ مَالًا كَثِيرًا، وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ لِيَمْنَعُوا غِيَاثَ الدِّينِ، فَلَقَوْهُ قَرِيبًا مِنْ فَيْرُوزَكُوه، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ كَشَفَ إِسْمَاعِيلُ الْخُلْجِيُّ الْمِغْفَرَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إِذِ الْأَتْرَاكُ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ آبَاءَهُمْ لَمْ يُضَيِّعُوا حَقَّ التَّرْبِيَةِ، وَرَدُّوا ابْنَ مَلِكِ بَامِيَانَ، وَأَنْتُمْ مَشَايِخُ
стр. 5934
الْغُورِيَّةِ الَّذِينَ أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ وَالِدُ هَذَا السُّلْطَانِ وَرَبَّاكُمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْكُمْ كَفَرْتُمُ الْإِحْسَانَ، وَجِئْتُمْ تُقَاتِلُونَ وَلَدَهُ، أَهَذَا فِعْلُ الْأَحْرَارِ؟ فَقَالَ مُحَمَّدٌ الْمَرْغَنِيُّ - وَهُوَ مُقَدَّمُ الْعَسْكَرِ الَّذِينَ يَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِ -: لَا وَاللَّهِ! ثُمَّ تَرَجَّلَ عَنْ فَرَسِهِ، وَأَلْقَى سِلَاحَهُ، وَقَصَدَ غِيَاثَ الدِّينِ، وَقَبَّلَ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَكَى بِصَوْتٍ عَالٍ، وَفَعَلَ سَائِرُ الْأُمَرَاءِ كَذَلِكَ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ عَلَاءِ الدِّينِ مَعَ وَلَدِهِ.
فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ خَرَجَ عَنْ فَيْرُوزَكُوه هَارِبًا نَحْوَ الْغَوْرِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا أَمْشِي أُجَاوِرُ بِمَكَّةَ فَأَنْفَذَ غِيَاثُ الدِّينِ خَلْفَهُ مَنْ رَدَّهُ إِلَيْهِ، فَأَخَذَهُ وَحَبَسَهُ، وَمَلَكَ فَيْرُوزَكُوه، وَفَرِحَ بِهِ أَهْلُ الْبَلَدِ، وَقَبَضَ غِيَاثُ الدِّينِ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ عَلَاءِ الدِّينِ الْكَرَّامِيَّةِ، وَقَتَلَ بَعْضَهُمْ.
وَلَمَّا دَخَلَ غِيَاثُ الدِّينِ فَيْرُوزَكُوه ابْتَدَأَ بِالْجَامِعِ فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى دَارِ أَبِيهِ فَسَكَنَهَا، وَأَعَادَ رُسُومَ أَبِيهِ، وَاسْتَخْدَمَ حَاشِيَتَهُ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَيْرَانِيُّ وَزِيرُ أَبِيهِ، وَاسْتَوْزَرَهُ، وَسَلَكَ طَرِيقَ أَبِيهِ فِي الْإِحْسَانِ وَالْعَدْلِ.
وَلَمَّا فَرَغَ غِيَاثُ الدِّينِ مِنْ عَلَاءِ الدِّينِ لَمْ يَكُنْ لَهُ هِمَّةٌ إِلَّا ابْنَ خَرْمِيلَ بِهَرَاةَ وَاجْتِذَابَهُ إِلَى طَاعَتِهِ، فَكَاتَبَهُ وَرَاسَلَهُ وَاتَّخَذَهُ أَبًا، وَاسْتَدْعَاهُ إِلَيْهِ.
وَكَانَ ابْنُ خَرْمِيلَ قَدْ بَلَغَهُ مَوْتُ شِهَابِ الدِّينِ ثَامِنَ رَمَضَانَ، فَجَمَعَ أَعْيَانَ النَّاسِ مِنْهُمْ: قَاضِي هَرَاةَ صَاعِدُ بْنُ الْفَضْلِ السَّيَّارِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْخَلَّاقِ بْنِ زِيَادٍ مُدَرِّسُ النِّظَامِيَّةِ بِهَرَاةَ، وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ رَئِيسُ هَرَاةَ، وَنَقِيبُ الْعَلَوِيِّينَ وَمُقَدَّمِي الْمَحَالِّ، وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ بَلَغَنِي وَفَاةُ السُّلْطَانِ شِهَابِ الدِّينِ وَأَنَا فِي نَحْرِ خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَأَخَافُ الْحِصَارَ، وَأُرِيدُ أَنْ تَحْلِفُوا لِي عَلَى الْمُسَاعَدَةِ عَلَى كُلِّ مَنْ نَازَعَنِي. فَأَجَابَهُ الْقَاضِي وَابْنُ زِيَادٍ: إِنَّنَا نَحْلِفُ عَلَى كُلِّ النَّاسِ إِلَّا وَلَدَ غِيَاثِ الدِّينِ، فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ غِيَاثِ الدِّينِ خَافَ مَيْلَ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَغَالَطَهُ فِي الْجَوَابِ.
وَكَانَ ابْنُ خَرْمِيلَ قَدْ كَاتَبَ خُوَارِزْمَ شَاهْ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ عَسْكَرًا لِيَصِيرَ فِي طَاعَتِهِ وَيَمْتَنِعَ بِهِ عَلَى الْغُورِيَّةِ، فَطَلَبَ مِنْهُ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِنْفَاذَ وَلَدِهِ رَهِينَةً، وَيُرْسِلُ إِلَيْهِ عَسْكَرًا، فَسَيَّرَ وَلَدَهُ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَكَتَبَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى عَسْكَرِهِ الَّذِينَ
стр. 5935
بِنَيْسَابُورَ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ خُرَاسَانَ يَأْمُرُهُمْ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى هَرَاةَ، وَأَنْ يَكُونُوا يَتَصَرَّفُونَ بِأَمْرِ ابْنِ خَرْمِيلَ وَيَمْتَثِلُونَ أَمْرَهُ.
هَذَا وَغِيَاثُ الدِّينِ يُتَابِعُ الرُّسُلَ إِلَى ابْنِ خَرْمِيلَ، وَهُوَ يَحْتَجُّ بِشَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ انْتِظَارًا لِعَسْكَرِ خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَلَا يُؤِيسُهُ مِنْ طَاعَتِهِ، وَلَا يَخْطُبُ لَهُ، وَيُطِيعُهُ طَاعَةً غَيْرَ مُسْتَوِيَةٍ.
ثُمَّ إِنَّ الْأَمِيرَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي عَلِيٍّ - صَاحِبَ كَالِوِينَ - أَطْلَعَ غِيَاثَ الدِّينِ عَلَى حَالِ ابْنِ خَرْمِيلَ، فَعَزَمَ غِيَاثُ الدِّينِ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَى هَرَاةَ، فَثَبَّطَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَهُ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِانْتِظَارِ آخِرِ أَمْرِهِ وَتَرْكِ مُحَاقَّتِهِ.
وَاسْتَشَارَ ابْنُ خَرْمِيلَ النَّاسَ فِي أَمْرِ غِيَاثِ الدِّينِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْخَلَّاقِ بْنِ زِيَادٍ مُدَرِّسُ النِّظَامِيَّةِ بِهَرَاةَ، وَهُوَ مُتَوَلِّي وُقُوفِ خُرَاسَانَ الَّتِي بِيَدِ الْغُورِيَّةِ جَمِيعِهَا: يَنْبَغِي أَنْ تَخْطُبَ لِلسُّلْطَانِ غِيَاثِ الدِّينِ، وَتَتْرُكَ الْمُغَالَطَةَ، [فَأَجَابَهُ] : إِنَّنِي أَخَافُهُ عَلَى نَفْسِي فَامْضِ أَنْتَ وَتَوَثَّقْ لِي مِنْهُ.
وَكَانَ قَصْدُهُ أَنْ يُبْعِدَهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَمَضَى بِرِسَالَتِهِ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ، وَأَطْلَعَهُ عَلَى مَا يُرِيدُ ابْنُ خَرْمِيلَ بِفِعْلِهِ مِنَ الْغَدْرِ بِهِ وَالْمَيْلِ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَحَثَّهُ عَلَى قَصْدِ هَرَاةَ، وَقَالَ لَهُ: أَنَا أُسَلِّمُهَا إِلَيْكَ سَاعَةَ تَصِلُ إِلَيْهَا، وَوَافَقَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُمْ، وَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا تَتْرُكَ لَهُ حُجَّةً، فَتُرْسِلَ إِلَيْهِ تَقْلِيدًا بِوِلَايَةِ هَرَاةَ فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَسَيَّرَهُ مَعَ ابْنِ زِيَادٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ.
ثُمَّ إِنَّ غِيَاثَ الدِّينِ كَاتَبَ أَمِيرَانَ بْنَ قَيْصَرَ - صَاحِبَ الطَّالْقَانِ - يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ، فَتَوَقَّفَ وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِ مَرْوَ لِيَسِيرَ إِلَيْهِ، فَتَوَقَّفَ أَيْضًا، فَقَالَ لَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ: إِنْ لَمْ تُسَلِّمِ الْبَلَدَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ وَتَتَوَجَّهْ إِلَيْهِ، وَإِلَّا سَلَّمْنَاكَ وَقَيَّدْنَاكَ وَأَرْسَلْنَاكَ إِلَيْهِ، فَاضْطَرَّ إِلَى الْمَجِيءِ إِلَى فَيْرُوزَكُوه. فَخَلَعَ عَلَيْهِ غِيَاثُ الدِّينِ، وَأَقْطَعَهُ إِقْطَاعًا، وَأَقْطَعَ الطَّالْقَانَ سُونْجَ مَمْلُوكَ أَبِيهِ الْمَعْرُوفَ بِأَمِيرِ أَشْكَارَ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ خُوَارِزْمَ شَاهْ عَلَى بِلَادِ الْغُورِيَّةِ بِخُرَاسَانَ
قَدْ ذَكَرْنَا مُكَاتَبَةَ الْحُسَيْنِ بْنِ خَرْمِيلَ - وَالِي هَرَاةَ - خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَمُرَاسَلَتَهُ فِي الِانْتِمَاءِ إِلَيْهِ وَالطَّاعَةِ لَهُ، وَتَرْكِ طَاعَةِ الْغُورِيَّةِ، وَخِدَاعَهُ لِغِيَاثِ الدِّينِ، وَمُغَالَطَتَهُ لَهُ بِالْخُطْبَةِ لَهُ وَالطَّاعَةِ، انْتِظَارًا لِوُصُولِ عَسْكَرِ خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَوُصُولِ رَسُولِ غِيَاثِ الدِّينِ وَابْنِ زِيَادٍ بِالْخِلَعِ إِلَى ابْنِ خَرْمِيلَ، فَلَمَّا وَصَلَتِ الْخِلَعُ إِلَيْهِ لَبِسَهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَطَالَبَهُ
стр. 5936
رَسُولُ غِيَاثِ الدِّينِ بِالْخُطْبَةِ، فَقَالَ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ نَخْطُبُ لَهُ.
فَاتَّفَقَ وَقُرْبَ عَسْكَرِ خُوَارِزْمَ شَاهْ مِنْهُمْ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قِيلَ لَهُ فِي مَعْنَى الْخُطْبَةِ، فَقَالَ: نَحْنُ فِي شُغْلٍ أَهَمَّ مِنْهَا بِوُصُولِ هَذَا الْعَدُوِّ، فَطَالَتِ الْمُجَادَلَاتُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهَا، وَوَصَلَ عَسْكَرُ خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَلَقِيَهُمُ ابْنُ خَرْمِيلَ، وَأَنْزَلَهُمْ عَلَى بَابِ الْبَلَدِ، فَقَالُوا لَهُ: قَدْ أَمَرَنَا خُوَارِزْمُ شَاهْ أَنْ لَا نُخَالِفَ لَكَ أَمْرًا، فَشَكَرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ كُلَّ يَوْمٍ، وَأَقَامَ لَهُمُ الْوَظَائِفَ الْكَثِيرَةَ.
وَأَتَاهُ الْخَبَرُ أَنَّ خُوَارِزْمَ شَاهْ نَزَلَ عَلَى بَلْخَ فَحَاصَرَهَا، فَلَقِيَهُ صَاحِبُهَا، وَقَاتَلَهُ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ، فَلَمْ يَنْزِلْ بِالْقُرْبِ مِنْهَا، فَنَزَلَ عَلَى أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ، فَنَدِمَ ابْنُ خَرْمِيلَ عَلَى طَاعَةِ خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَقَالَ لِخَوَاصِّهِ: لَقَدْ أَخْطَأْنَا حَيْثُ صِرْنَا مَعَ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنَّنِي أَرَاهُ عَاجِزًا.
وَشَرَعَ فِي إِعَادَةِ الْعَسْكَرِ، فَقَالَ لِلْأُمَرَاءِ: إِنَّ خُوَارِزْمَ شَاهْ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يَقُولُ لَهُ: إِنَّنِي عَلَى الْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَنَا، وَأَنَا أَتْرُكُ مَا كَانَ لِأَبِيكَ بِخُرَاسَانَ، وَالْمَصْلَحَةُ أَنْ تَرْجِعُوا حَتَّى نَنْظُرَ مَا يَكُونُ، فَعَادُوا، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الْهَدَايَا الْكَثِيرَةَ.
وَكَانَ غِيَاثُ الدِّينِ حَيْثُ اتَّصَلَ بِهِ وُصُولُ عَسْكَرِ خُوَارِزْمَ شَاهْ إِلَى هَرَاةَ، فَأَخَذَ إِقْطَاعَ ابْنِ خَرْمِيلَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُرْزُبَانَ، وَأَخَذَ كُلَّ مَا لَهُ بِهَا مِنْ مَالٍ، وَأَوْلَادٍ، وَدَوَابَّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَخَذَ أَصْحَابَهُ فِي الْقُيُودِ، وَأَتَاهُ كُتُبُ مَنْ يَمِيلُ إِلَيْهِ مِنَ الْغُورِيَّةِ يَقُولُونَ لَهُ: إِنْ رَآكَ غِيَاثُ الدِّينِ قَتَلَكَ.
وَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ هَرَاةَ بِمَا فَعَلَ غِيَاثُ الدِّينِ بِأَهْلِ ابْنِ خَرْمِيلَ وَمَالِهِ عَزَمُوا عَلَى قَبْضِهِ وَالْمُكَاتَبَةِ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ بِإِنْقَاذِ مَنْ يَتَسَلَّمُ الْبَلَدَ، وَكَتَبَ الْقَاضِي صَاعِدٌ، قَاضِي هَرَاةَ، وَابْنُ زِيَادٍ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ بِذَلِكَ، فَلَمَّا سَمِعَ ابْنُ خَرْمِيلَ بِمَا فَعَلَهُ غِيَاثُ الدِّينِ بِأَهْلِهِ، وَبِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ أَهِلُ هَرَاةَ، خَافَ أَنْ يُعَاجِلُوهُ بِالْقَبْضِ، فَحَضَرَ عِنْدَ الْقَاضِي، وَأَحْضَرَ أَعْيَانَ الْبَلَدِ، وَأَلَانَ لَهُمُ الْقَوْلَ، وَتَقَرَّبَ إِلَيْهِمْ، وَأَظْهَرَ طَاعَةَ غِيَاثِ الدِّينِ، وَقَالَ: قَدْ رَدَدْتُ عَسْكَرَ خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَأُرِيدُ [أَنْ] أُرْسِلَ رَسُولًا إِلَى غِيَاثِ (الدِّينِ بِطَاعَتِي) ، وَالَّذِي أُوثِرُهُ مِنْكُمْ أَنْ تَكْتُبُوا مَعَهُ كِتَابًا بِطَاعَتِي. فَاسْتَحْسَنُوا قَوْلَهُ وَكَتَبُوا
стр. 5937
لَهُ بِمَا طَلَبَ، وَسَيَّرَ رَسُولَهُ إِلَى فَيْرُوزَكُوه، وَأَمَرَهُ، إِذَا جَنَّهُ اللَّيْلُ، أَنْ يَرْجِعَ عَلَى طَرِيقِ نَيْسَابُورَ وَيَلْحَقَ عَسْكَرَ خُوَارِزْمَ شَاهْ وَيَجِدَّ السَّيْرَ، فَإِذَا لَحِقَهُمْ رَدَّهُمْ إِلَيْهِ.
فَفَعَلَ الرَّسُولُ مَا أَمَرَهُ، وَلَحِقَ الْعَسْكَرَ عَلَى يَوْمَيْنِ مِنْ هَرَاةَ، فَأَمَرَهُمْ بِالْعَوْدِ، فَعَادُوا، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ مِنْ سَيْرِ الرَّسُولِ وَصَلُوا إِلَى هَرَاةَ وَالرَّسُولُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَلَقِيَهُمُ ابْنُ خَرْمِيلَ، وَأَدْخَلَهُمُ الْبَلَدَ وَالطُّبُولُ تَضْرِبُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَلَمَّا دَخَلُوا أَخْذَ ابْنَ زِيَادٍ الْفَقِيهَ فَسَمَلَهُ، وَأَخْرَجَ الْقَاضِيَ صَاعِدًا مِنَ الْبَلَدِ، فَسَارَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ بِفَيْرُوزَكُوه، وَأَخْرَجَ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْغُورِيَّةِ، وَكُلَّ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُهُمْ، وَسَلَّمَ أَبْوَابَ الْبَلَدِ إِلَى الْخُوَارِزْمِيَّةِ.
وَأَمَّا غِيَاثُ الدِّينِ فَإِنَّهُ بَرَزَ عَنْ فَيْرُوزَكُوه نَحْوَ هَرَاةَ، وَأَرْسَلَ عَسْكَرًا، فَأَخَذُوا جَشِيرًا كَانَ لِأَهْلِ هَرَاةَ، فَخَرَجَ الْخُوَارِزْمِيَّةُ، فَشَنُّوا الْغَارَةَ عَلَى هَرَاةَ الرُّوذِ وَغَيْرِهَا، فَأَمَرَ غِيَاثُ الدِّينِ عَسْكَرَهُ بِالتَّقَدُّمِ إِلَى هَرَاةَ، وَجَعَلَ الْمُقَدَّمَ عَلَيْهِمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي عَلِيٍّ، وَأَقَامَ هُوَ بِفَيْرُوزَكُوه لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ خُوَارِزْمَ شَاهْ عَلَى بَلْخَ، فَسَارَ الْعَسْكَرُ وَعَلَى يَزَكِهِ الْأَمِيرُ أَمِيرَانُ بْنُ قَيْصَرَ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ الطَّالْقَانِ، وَكَانَ مُنْحَرِفًا عَنْ غِيَاثِ الدِّينِ حَيْثُ أَخَذَ مِنْهُ الطَّالْقَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ خَرْمِيلَ يُعَرِّفُهُ أَنَّهُ عَلَى الْيَزَكِ، وَيَأْمُرُهُ بِالْمَجِيءِ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ، وَحَلَفَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ.
فَسَارَ ابْنُ خَرْمِيلَ فِي عَسْكَرِهِ، فَكَبَسَ عَسْكَرَ غِيَاثِ الدِّينِ، فَلَمْ يَلْحَقُوا يَرْكَبُونَ خُيُولَهُمْ حَتَّى خَالَطُوهُمْ، فَقَتَّلُوا فِيهِمْ، فَكَفَّ ابْنُ خَرْمِيلَ أَصْحَابَهُ عَنِ الْغُورِيَّةِ خَوْفًا أَنْ يَهْلَكُوا، وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ وَأَسَرَ إِسْمَاعِيلَ الْخُلْجِيَّ، وَأَقَامَ بِمَكَانِهِ، وَأَرْسَلَ عَسْكَرَهُ فَشَنُّوا الْغَارَةَ عَلَى الْبِلَادِ بَاذَغِيسَ وَغَيْرِهَا.
وَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى غِيَاثِ الدِّينِ، فَعَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى هَرَاةَ بِنَفْسِهِ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ أَنَّ عَلَاءَ الدِّينِ، صَاحِبَ بَامِيَانَ، قَدْ عَادَ إِلَى غَزْنَةَ - عَلَى مَا نَذْكُرُهُ -، فَأَقَامَ يَنْتَظِرُ مَا يَكُونُ مِنْهُمْ وَمِنْ أَلْدِزَ.
وَأَمَّا بَلْخُ فَإِنَّ خُوَارِزْمَ شَاهْ لَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُ شِهَابِ الدِّينِ أَخْرَجَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْغُورِيِّينَ الَّذِينَ كَانَ أَسَرَهُمْ فِي الْمَصَافِّ عَلَى بَابِ خُوَارِزْمَ، فَخَلَعَ عَلَيْهِمْ، وَأَحْسَنَ
стр. 5938
إِلَيْهِمْ، وَأَعْطَاهُمُ الْأَمْوَالَ، وَقَالَ: إِنَّ غِيَاثَ الدِّينِ أَخِي، وَلَا فَرْقَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمُ الْمُقَامَ عِنْدِي فَلْيُقِمْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهِ فَإِنَّنِي أُسَيِّرُهُ، وَلَوْ أَرَادَ مِنِّي مَهْمَا أَرَادَ نَزَلْتُ لَهُ عَنْهُ.
وَعَهِدَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَشِيرٍ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ الْغُورِيَّةِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَأَقْطَعَهُ اسْتِمَالَةً لِلْغُورِيَّةِ، وَجَعَلَهُ سَفِيرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ بَلْخَ، فَسَيَّرَ أَخَاهُ عَلِيًّا شَاهْ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي عَسْكَرِهِ إِلَى بَلْخَ، فَلَمَّا قَارَبَهَا خَرَجَ إِلَيْهِ عِمَادُ الدِّينِ عُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ الْغُورِيُّ أَمِيرُهَا، فَدَفَعَهُ عَنِ النُّزُولِ عَلَيْهَا، فَنَزَلَ عَلَى أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ عَنْهَا، فَأَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ خُوَارِزْمَ شَاهْ يُعْلِمُهُ قُوَّتَهُمْ، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَلْخَ خَرَجَ صَاحِبُهَا فَقَاتَلَهُمْ، فَلَمْ يَقْوَ بِهِمْ لِكَثْرَتِهِمْ، فَنَزَلُوا فَصَارَ يُوقِعُ بِهِمْ لَيْلًا، فَكَانُوا مَعَهُ عَلَى أَقْبَحِ صُورَةٍ، فَأَقَامَ صَاحِبُ بَلْخَ مُحَاصَرًا، وَهُوَ يَنْتَظِرُ الْمُدَدَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَوْلَادِ بَهَاءِ الدِّينِ، صَاحِبِ بَامِيَانَ، وَكَانُوا قَدِ اشْتَغَلُوا عَنْهُ بِغَزْنَةَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
فَأَقَامَ خُوَارِزْمُ شَاهْ عَلَى بَلْخَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، كُلَّ يَوْمٍ يَرْكَبُ إِلَى الْحَرْبِ، فَيُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِهِ كَثِيرٌ، وَلَا يَظْفَرُ بِشَيْءٍ فَرَاسَلَ صَاحِبَهَا عِمَادَ الدِّينِ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَشِيرٍ الْغُورِيِّ فِي بَذْلٍ بَذَلَهُ لَهُ لِيُسَلِّمَ إِلَيْهِ الْبَلَدَ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: لَا أُسَلِّمُ الْبَلَدَ إِلَّا إِلَى أَصْحَابِهِ، فَعَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى هَرَاةَ، فَلَمَّا سَارَ أَصْحَابُهُ أَوْلَادُ بَهَاءِ الدِّينِ، صَاحِبِ بَامِيَانَ، إِلَى غَزْنَةَ، الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ - عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَسَرَهُمْ تَاجُ الدِّينِ أَلْدِزُ، عَادَ عَنْ ذَلِكَ الْعَزْمِ، وَأَرْسَلَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ بَشِيرٍ إِلَى عِمَادِ الدِّينِ نَائِبِهِ يُعَرِّفُهُ حَالَ أَصْحَابِهِ وَأَسْرَهُمْ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ حُجَّةٌ، وَلَا لَهُ فِي التَّأَخُّرِ عَنْهُ عُذْرٌ، فَدَخَلَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَزَلْ يَخْدَعُهُ، تَارَةً يُرَغِّبُهُ وَتَارَةً يُرَهِّبُهُ حَتَّى أَجَابَ إِلَى طَاعَةِ خُوَارِزْمَ شَاهْ وَالْخُطْبَةِ لَهُ، وَذِكْرِ اسْمِهِ عَلَى السِّكَّةِ، وَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَفِي لِي، فَأَرْسَلَ مَنْ يَسْتَحْلِفُهُ عَلَى مَا أَرَادَ، فَتَمَّ الصُّلْحُ، وَخَرَجَ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَأَعَادَهُ إِلَى بَلَدِهِ، وَكَانَ سَلْخَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّمِائَةٍ.
ثُمَّ سَارَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى كُرْزُبَانَ لِيُحَاصِرَهَا، وَبِهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ، وَأَرْسَلَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ كَانَ قَدْ أَقْطَعَهَا عَمُّكَ لِابْنِ خَرْمِيلَ، فَتَنَزَّلْ عَنْهَا، فَامْتَنَعَ، وَقَالَ: بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ السَّيْفُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ خُوَارِزْمُ شَاهْ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَشِيرٍ
стр. 5939
فَرَغَّبَهُ، وَآيَسَهُ مِنْ نَجْدَةِ غِيَاثِ الدِّينِ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى نَزَلَ عَنْهَا وَسَلَّمَهَا، وَعَادَ إِلَى فَيْرُوزَكُوه، فَأَمَرَ غِيَاثُ الدِّينِ بِقَتْلِهِ، فَشَفَعَ فِيهِ الْأُمَرَاءُ، فَتَرَكَهُ. وَسَلَّمَ خُوَارِزْمُ شَاهْ كُرْزُبَانَ إِلَى ابْنِ خَرْمِيلَ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى عِمَادِ الدِّينِ، صَاحِبِ بَلْخَ يَطْلُبُهُ إِلَيْهِ، وَيَقُولُ: قَدْ حَضَرَ مُهِمٌّ وَلَا غِنَى عَنْ حُضُورِكَ، فَأَنْتَ الْيَوْمَ مِنْ أَخَصِّ أَوْلِيَائِنَا. فَحَضَرَ عِنْدَهُ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَسَيَّرَهُ إِلَى خُوَارِزْمَ، وَمَضَى هُوَ إِلَى بَلْخَ، فَأَخَذَهَا وَاسْتَنَابَ بِهَا جَعْفَرًا التُّرْكِيَّ.
ذِكْرُ مُلْكِ خُوَارِزْمَ شَاهْ تِرْمِذَ وَتَسْلِيمِهَا إِلَى الْخَطَا
لَمَّا أَخَذَ خُوَارِزْمُ شَاهْ مَدِينَةَ بَلْخَ سَارَ عَنْهَا إِلَى مَدِينَةِ تِرْمِذَ مُجِدًّا - وَبِهَا وَلَدُ عِمَادِ الدِّينِ كَانَ صَاحِبَ بَلْخَ - فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ بَشِيرٍ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ أَبَاكَ قَدْ صَارَ مِنْ أَخَصِّ أَصْحَابِي وَأَكَابِرِ أُمَرَاءِ دَوْلَتِي، وَقَدْ سَلَّمَ إِلَيَّ بَلْخَ، وَإِنَّمَا ظَهَرَ لِي مِنْهُ مَا أَنْكَرْتُهُ. فَسَيَّرْتُهُ إِلَى خُوَارِزْمَ مُكَرَّمًا مُحْتَرَمًا، وَأَمَّا أَنْتَ فَتَكُونُ عِنْدِي أَخًا.
وَوَعَدَهُ، وَأَقْطَعَهُ الْكَثِيرَ، فَخَدَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، فَرَأَى صَاحِبُهَا أَنَّ خُوَارِزْمَ شَاهْ قَدْ حَصَرَهُ مِنْ جَانِبِ وَالْخُطَا قَدْ حَصَرُوهُ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، وَأَصْحَابُهُ قَدْ أَسَرَهُمْ أَلْدِزُ بِغَزْنَةَ، فَضَعُفَتْ نَفْسُهُ وَأَرْسَلَ مَنْ يَسْتَحْلِفُ لَهُ خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَحَلَفَ لَهُ، وَتَسَلَّمَ مِنْهُ تِرْمِذَ وَسَلَّمَهَا إِلَى الْخَطَا. فَلَقَدِ اكْتَسَبَ بِهَا خُوَارِزْمُ شَاهْ سُبَّةً عَظِيمَةً، وَذِكْرًا قَبِيحًا فِي عَاجِلِ الْأَمْرِ، ثُمَّ ظَهَرَ لِلنَّاسِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ، أَنَّهُ إِنَّمَا سَلَّمَهَا إِلَيْهِمْ لِيَتَمَكَنَّ بِذَلِكَ مِنْ مُلْكِ خُرَاسَانَ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِمْ فَيَأْخُذُهَا وَغَيْرَهَا مِنْهُمْ، لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ خُرَاسَانَ وَقَصَدَ بِلَادَ الْخَطَا وَأَخَذَهَا وَأَفْنَاهُمْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ خَدِيعَةً وَمَكْرًا - غَفَرَ اللَّهُ لَهُ.
ذِكْرُ عَوْدِ أَوْلَادِ صَاحِبِ بَامِيَانَ إِلَى غَزْنَةَ
قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ وَصُولَ أَلْدِزَ التُّرْكِيِّ إِلَى غَزْنَةَ، وَإِخْرَاجَهُ عَلَاءَ الدِّينِ وَجَلَالَ الدِّينِ وَلَدَيْ بَهَاءِ الدِّينِ سَامَ - صَاحِبِ بَامِيَانَ - مِنْهَا، بَعْدَ أَنْ مَلَكَهَا، وَأَقَامَ هُوَ فِي غَزْنَةَ مِنْ عَاشِرِ رَمَضَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّمِائَةٍ إِلَى خَامِسِ ذِي الْقَعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ. يُحْسِنُ السِّيرَةَ، وَيَعْدِلُ فِي الرَّعِيَّةِ، وَأَقْطَعَ الْبِلَادَ لِلْأَجْنَادِ، فَبَعْضُهُمْ أَقَامَ، وَبَعْضُهُمْ سَارَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ
стр. 5940
بِفَيْرُوزَكُوه، وَبَعْضُهُمْ سَارَ إِلَى عَلَاءِ الدِّينِ - صَاحِبِ بَامِيَانَ - وَلَمْ يَخْطُبْ لِأَحَدٍ، وَلَا لِنَفْسِهِ، وَكَانَ يَعِدُ النَّاسَ بِأَنَّ رَسُولِي عِنْدَ مَوْلَايَ غِيَاثِ الدِّينِ، فَإِذَا عَادَ خَطَبْتُ لَهُ، فَفَرِحَ النَّاسُ بِقَوْلِهِ.
وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَكْرًا وَخَدِيعَةً بِهِمْ وَبِغِيَاثِ الدِّينِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُظْهِرْ ذَلِكَ لَفَارَقَهُ أَكْثَرُ الْأَتْرَاكِ وَسَائِرُ الرَّعَايَا، وَكَانَ حِينَئِذٍ يَضْعُفُ عَنْ مُقَاوَمَةِ صَاحِبِ بَامِيَانَ، فَكَانَ يَسْتَخْدِمُ الْأَتْرَاكَ وَغَيْرَهُمْ بِهَذَا الْقَوْلِ وَأَشْبَاهِهِ.
فَلَمَّا ظَفِرَ بِصَاحِبِ بَامِيَانَ - عَلَى مَا نَذْكُرُهُ - أَظْهَرَ مَا كَانَ يُضْمِرُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي هَذَا أَتَاهُ الْخَبَرُ بِقُرْبِ عَلَاءِ الدِّينِ وَجَلَالِ الدِّينِ وَلَدَيْ بَهَاءِ الدِّينِ - صَاحِبِ بَامِيَانَ - فِي الْعَسَاكِرِ الْكَثِيرَةِ، وَأَنَّهُمْ قَدْ عَزَمُوا عَلَى نَهْبِ غَزْنَةَ، وَاسْتِبَاحَةِ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ، فَخَافَ النَّاسُ خَوْفًا شَدِيدًا، وَجَهَّزَ أَلْدِزُ كَثِيرًا مِنْ عَسْكَرِهِ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى طَرِيقِهِمْ، فَلَقَوْا أَوَائِلَ الْعَسْكَرِ، فَقُتِلَ مِنَ الْأَتْرَاكِ [جَمَاعَةٌ] ، وَأَدْرَكَهُمُ الْعَسْكَرُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ قُوَّةٌ بِهِمْ، فَانْهَزَمُوا وَتَبِعَهُمْ عَسْكَرُ عَلَاءِ الدِّينِ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ، فَوَصَلَ الْمُنْهَزِمُونَ إِلَى غَزْنَةَ فَخَرَجَ عَنْهَا أَلْدِزُ مُنْهَزِمًا يَطْلُبُ بَلَدَهُ كَرْمَانَ، فَأَدْرَكَهُ بَعْضُ عَسْكَرِ بَامِيَانَ، نَحْوُ ثَلَاثَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا فَرَدَّهُمْ عَنْهُ، وَأَحْضَرَ مِنْ كَرْمَانَ مَالًا كَثِيرًا وَسِلَاحًا، فَفَرَّقَهُ فِي الْعَسْكَرِ.
وَأَمَّا عَلَاءُ الدِّينِ وَأَخُوهُ فَإِنَّهُمَا تَرَكَا غَزْنَةَ لَمْ يَدْخُلَاهَا، وَسَارَا فِي أَثَرِ أَلْدِزَ، فَسَمِعَ بِهِمْ، فَسَارَ عَنْ كَرْمَانَ، فَنَهَبَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَمَلْكَ عَلَاءُ الدِّينِ كَرْمَانَ. وَأَمَّنُوا أَهْلَهَا، وَعَزَمُوا عَلَى الْعَوْدِ إِلَى غَزْنَةَ وَنَهْبِهَا، فَسَمِعَ أَهْلُهَا بِذَلِكَ، فَقَصَدُوا الْقَاضِيَ سَعِيدَ بْنَ مَسْعُودٍ وَشَكَوْا إِلَيْهِ حَالَهُمْ، فَمَشَى إِلَى وَزِيرِ عَلَاءِ الدِّينِ الْمَعْرُوفِ بِالصَّاحِبِ، وَأَخْبَرَهُ بِحَالِ النَّاسِ فَطَيَّبَ قُلُوبَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَثِقُونَ بِهِ أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى النَّهْبِ، فَاسْتَعَدُّوا، وَضَيَّقُوا أَبْوَابَ الدُّرُوبِ وَالشَّوَارِعِ، وَأَعَدُّوا الْعَرَّادَاتِ وَالْأَحْجَارَ، وَجَاءَتِ التُّجَّارُ مِنَ الْعِرَاقِ، وَالْمَوْصِلِ، وَالشَّامِ، وَغَيْرِهَا، وَشَكَوْا إِلَى أَصْحَابِ السُّلْطَانِ، فَلَمْ يُشْكِهِمْ أَحَدٌ، فَقَصَدُوا دَارَ مَجْدِ الدِّينِ بْنِ الرَّبِيعِ، رَسُولِ الْخَلِيفَةِ، وَاسْتَغَاثُوا بِهِ، فَسَكَّنَهُمْ، وَوَعَدَهُمُ الشَّفَاعَةَ فِيهِمْ وَفِي أَهْلِ الْبَلَدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَمِيرٍ كَبِيرٍ مِنَ الْغُورِيَّةِ يُقَالُ لَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْسَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا يَرْجِعُونَ
стр. 5941
إِلَى قَوْلِهِ، يُعَرِّفُهُ الْحَالَ، وَيَقُولُ لَهُ لِيَكْتُبَ إِلَى عَلَاءِ الدِّينِ وَأَخِيهِ يَتَشَفَّعُ فِي النَّاسِ. فَفَعَلَ، وَبَالَغَ فِي الشَّفَاعَةِ، وَخَوَّفَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ إِنْ أَصَرُّوا عَلَى النَّهْبِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى الْعَفْوِ عَنِ النَّاسِ بَعْدَ مُرَاجَعَاتٍ كَثِيرَةٍ.
وَكَانُوا قَدْ وَعَدُوا مَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْعَسَاكِرِ بِنَهْبِ غَزْنَةَ، فَعَوَّضُوهُمْ مِنَ الْخِزَانَةِ، فَسَكَنَ النَّاسُ، وَعَادَ الْعَسْكَرُ إِلَى غَزْنَةَ أَوَاخِرَ ذِي الْقَعْدَةِ وَمَعَهُمُ الْخِزَانَةُ الَّتِي أَخَذَهَا أَلْدِزُ مِنْ مُؤَيَّدِ الْمُلْكِ لَمَّا عَادَ وَمَعَهُ شِهَابُ الدِّينِ قَتِيلًا، فَكَانَتْ مَعَ مَا أُضِيفَ إِلَيْهَا مِنَ الثِّيَابِ وَالْعَيْنِ تِسْعَمِائَةِ حِمْلٍ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الثِّيَابِ الْمُمَزَّجِ الْمَنْسُوجِ بِالذَّهَبِ، اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ ثَوْبٍ.
وَعَزَمَ عَلَاءُ الدِّينِ [أَنْ] يَسْتَوْزِرَ مُؤَيَّدَ الْمُلْكِ، فَسَمِعَ أَخُوهُ جَلَالُ الدِّينِ، فَأَحْضَرَهُ وَخَلَعَ عَلَيْهِ، عَلَى كَرَاهَةٍ مِنْهُ لِلْخِلْعَةِ، وَاسْتَوْزَرَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ عَلَاءُ الدِّينِ بِذَلِكَ قَبَضَ عَلَى مُؤَيَّدِ الْمُلْكِ، وَقَيَّدَهُ، وَحَبَسَهُ، فَتَغَيَّرَتْ نِيَّاتُ النَّاسِ، وَاخْتَلَفُوا، ثُمَّ إِنَّ عَلَاءَ الدِّينِ وَجَلَالَ الدِّينِ اقْتَسَمَا الْخِزَانَةَ، وَجَرَى بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُشَاحَنَةِ فِي الْقِسْمَةِ مَا لَا يَجْرِي بَيْنَ التُّجَّارِ، فَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُمَا لَا يَسْتَقِيمُ لَهُمَا حَالٌ لِبُخْلِهِمَا، وَاخْتِلَافِهِمَا، وَنَدِمَ الْأُمَرَاءُ عَلَى مَيْلِهِمْ إِلَيْهِمَا وَتَرْكِهِمْ غِيَاثَ الدِّينِ مَعَ مَا ظَهَرَ مِنْ كَرَمِهِ وَإِحْسَانِهِ.
ثُمَّ إِنَّ جَلَالَ الدِّينِ، وَعَمَّهُ عَبَّاسًا سَارَا فِي بَعْضِ الْعَسْكَرِ إِلَى بَامِيَانَ، وَبَقِيَ عَلَاءُ الدِّينِ بِغَزْنَةَ، فَأَسَاءَ وَزِيرُهُ عِمَادُ الْمُلْكِ السِّيرَةَ مَعَ الْأَجْنَادِ وَالرَّعِيَّةِ، وَنُهِبَتْ أَمْوَالُ الْأَتْرَاكِ، حَتَّى أَنَّهُمْ بَاعُوا أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِمْ وَهُنَّ يَبْكِينَ وَيَصْرُخْنَ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِنَّ.
ذِكْرُ عَوْدِ أَلْدِزَ إِلَى غَزْنَةَ
لَمَّا سَارَ جَلَالُ الدِّينِ عَنْ غَزْنَةَ، وَأَقَامَ بِهَا أَخُوهُ عَلَاءُ الدِّينِ، جَمَعَ أَلْدِزُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَتْرَاكِ عَسْكَرًا كَثِيرًا وَعَادُوا إِلَى غَزْنَةَ، فَوَصَلُوا إِلَى كِلْوَاذَا فَمَلَكُوهَا وَقَتَلُوا جَمَاعَةً مِنَ الْغُورِيَّةِ، وَوَصَلَ الْمُنْهَزِمُونَ مِنْهَا إِلَى كَرْمَانَ، فَسَارَ أَلْدِزُ إِلَيْهِمْ، وَجَعَلَ عَلَى مُقَدَّمِهِ مَمْلُوكًا كَبِيرًا مِنْ مَمَالِيكِ شِهَابِ الدِّينِ، اسْمُهُ أَيْ دِكْزِ الْتَتَرِ، فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ مِنَ الْخُلْجِ وَالْأَتْرَاكِ وَالْغُزِّ وَالْغُورِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.
стр. 5942
وَكَانَ بِكَرْمَانَ عَسْكَرٌ لِعَلَاءِ الدِّينِ مَعَ أَمِيرٍ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْمُؤَيَّدِ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ مِنْهُمْ أَبُو عَلِيِّ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ سَيْسَ وَهُوَ وَأَبُوهُ مِنْ أَعْيَانِ الْغُورِيَّةِ، وَكَانَا مُشْتَغِلَيْنِ بِاللَّعِبِ وَاللَّهْوِ وَالشُّرْبِ، لَا يَفْتُرَانِ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّ عَسْكَرَ الْأَتْرَاكِ قَدْ قَرُبُوا مِنْكُمْ فَلَمْ يَلْتَفِتَا إِلَى ذَلِكَ، وَلَا تَرَكَا مَا كَانَا عَلَيْهِ، فَهَجَمَ عَلَيْهِمْ أَيْ دِكْزُ الْتَتَرِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَتْرَاكِ فَلَمْ يُمْهِلْهُمْ يَرْكَبُونَ خُيُولَهُمْ، فَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ صَبْرًا، وَلَمْ يَنْجُ إِلَّا مَنْ تَرَكَهُ الْأَتْرَاكُ عَمْدًا.
وَلَمَّا وَصَلَ أَلْدِزُ فَرَأَى أُمَرَاءَ الْغُورِيَّةِ كُلَّهُمْ قَتْلَى قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ قَاتَلُونَا؟ فَقَالَ أَيْ دِكْزُ الْتَتَرِ: لَا بَلْ قَتَلْنَاهُمْ صَبْرًا فَلَامَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَوَبَّخَهُ، وَأُحْضِرَ رَأْسُ ابْنِ الْمُؤَيَّدِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَسَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ - تَعَالَى -، وَأَمَرَ بِالْمَقْتُولِينَ فَغُسِّلُوا وَدُفِنُوا، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ الْقَتْلَى أَبُو عَلِيِّ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ سَيْسَ.
وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى غَزْنَةَ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَصَلَبَ عَلَاءُ الدِّينِ الَّذِي جَاءَ بِالْخَبَرِ، فَتَغَيَّمَتِ السَّمَاءُ، وَجَاءَ مَطَرٌ شَدِيدٌ خَرَّبَ بَعْضَ غَزْنَةَ، وَجَاءَ بَعْدَهُ بَرَدٌ كِبَارٌ مِثْلُ بَيْضِ الدَّجَاجِ، فَضَجَّ النَّاسُ إِلَى عَلَاءِ الدِّينِ بِإِنْزَالِ الْمَصْلُوبِ، فَأَنْزَلَهُ آخِرَ النَّهَارِ فَانْكَشَفَتِ الظُّلْمَةُ، وَسَكَنَ مَا كَانُوا فِيهِ.
وَمَلَكَ أَلْدِزُ كَرْمَانَ، وَأَحْسَنَ إِلَى أَهْلِهَا، وَكَانُوا فِي ضُرٍّ شَدِيدٍ مَعَ أُولَئِكَ.
وَلَمَّا صَحَّ الْخَبَرُ عِنْدَ عَلَاءِ الدِّينِ أَرْسَلَ وَزِيرَهُ الصَّاحِبَ إِلَى أَخِيهِ جَلَالِ الدِّينِ فِي بَامِيَانَ يُخْبِرُهُ بِحَالِ أَلْدِزَ، وَيَسْتَنْجِدُهُ، وَكَانَ قَدْ أَعَدَّ الْعَسَاكِرَ لِيَسِيرَ إِلَى بَلْخَ يُرْحِلُ عَنْهَا خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَلَمَّا أَتَاهُ هَذَا الْخَبَرُ تَرَكَ بَلْخَ وَسَارَ إِلَى غَزْنَةَ، وَكَانَ أَكْثَرُ عَسْكَرِهِ مِنَ الْغُورِيَّةِ قَدْ فَارَقُوهُ، وَفَارَقُوا أَخَاهُ، وَقَصَدُوا غِيَاثَ الدِّينِ، فَلَمَّا كَانَ أَوَاخِرُ ذِي الْحِجَّةِ وَصَلَ أَلْدِزُ إِلَى غَزْنَةَ، وَنَزَلَ هُوَ وَعَسْكَرُهُ بِإِزَاءِ قَلْعَةِ غَزْنَةَ، وَحَصَرَ عَلَاءَ الدِّينِ، وَجَرَى بَيْنَهُمْ قِتَالٌ شَدِيدٌ، وَأَمَرَ أَلْدِزُ فَنُودِيَ فِي الْبَلَدِ بِالْأَمَانِ، وَتَسْكِينِ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ وَالْغُورِيَّةِ وَعَسْكَرِ بَامِيَانَ، وَأَقَامَ أَلْدِزُ مُحَاصِرًا لِلْقَلْعَةِ، فَوَصَلَ جَلَالُ الدِّينِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ مِنْ عَسْكَرِ بَامِيَانَ وَغَيْرِهِمْ، فَرَحَلَ أَلْدِزُ إِلَى طَرِيقِهِمْ، وَكَانَ مُقَامُهُ إِلَى أَنْ سَارَ إِلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَلَمَّا سَارَ أَلْدِزُ سَيَّرَ عَلَاءُ الدِّينِ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا أَلْدِزَ مِنْ خَلْفِهِ، وَيَكُونَ أَخُوهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَلَا يَسْلَمُ مِنْ عَسْكَرِهِ أَحَدٌ. فَلَمَّا
стр. 5943
خَرَجُوا مِنَ الْقَلْعَةِ سَارَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْسَ الْغُورِيُّ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ بِفَيْرُوزَكُوه، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ أَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ، وَجَعَلَهُ أَمِيرَ دَاذَ فَيْرُوزَكُوه، وَكَانَ ذَلِكَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّمِائَةٍ.
وَأَمَّا أَلْدِزُ فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى طَرِيقِ جَلَالِ الدِّينِ، فَالْتَقَوْا بِقَرْيَةِ بَلَقَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا صَبَرُوا فِيهِ، فَانْهَزَمَ جَلَالُ الدِّينِ وَعَسْكَرُهُ، وَأُخِذَ جَلَالُ الدِّينِ أَسِيرًا، وَأُتِيَ بِهِ إِلَى أَلْدِزَ، فَلَمَّا رَآهُ تَرَجَّلَ وَقَبَّلَ يَدَهُ، وَأَمَرَ بِالِاحْتِيَاطِ عَلَيْهِ، وَعَادَ إِلَى غَزْنَةَ وَجَلَالُ الدِّينِ مَعَهُ وَأَلْفُ أَسِيرٍ مِنَ الْبَامِيَانِيَّةِ، وَغَنِمَ أَصْحَابُهُ أَمْوَالَهُمْ.
وَلَمَّا عَادَ إِلَى غَزْنَةَ أَرْسَلَ إِلَى عَلَاءِ الدِّينِ يَقُولُ لَهُ لِيُسَلِّمَ الْقَلْعَةَ إِلَيْهِ. وَإِلَّا قَتَلَ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْأَسْرَى، فَلَمْ يُسَلِّمْهَا، فَقَتَلَ مِنْهُمْ أَرْبَعَمِائَةِ أَسِيرٍ بِإِزَاءِ الْقَلْعَةِ، فَلَمَّا رَأَى عَلَاءُ الدِّينِ ذَلِكَ أَرْسَلَ مُؤَيَّدَ الْمُلْكِ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُ أَلْدِزُ، فَلَمَّا خَرَجَ قَبَضَ عَلَيْهِ وَوَكَّلَ بِهِ وَبِأَخِيهِ مَنْ يَحْفَظُهُمَا، وَقَبَضَ عَلَى وَزِيرِهِ عِمَادِ الْمُلْكِ لِسُوءِ سِيرَتِهِ، وَكَانَ هِنْدُوخَانُ بْنُ مَلِكْشَاهْ بْنِ خُوَارِزْمَ شَاهْ تُكُشَ مَعَ عَلَاءِ الدِّينِ بِقَلْعَةِ غَزْنَةَ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْهَا قَبَضَ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَكَتَبَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ بِالْفَتْحِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْأَعْلَامَ وَبَعْضَ الْأَسْرَى.
ذِكْرُ قَصْدِ صَاحِبِ مَرَاغَةَ وَصَاحِبِ إِرْبِلَ أَذْرَبِيجَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اتَّفَقَ صَاحِبُ مَرَاغَةَ - وَهُوَ عَلَاءُ الدِّينِ - هُوَ وَمُظَفَّرُ الدِّينِ كُوكْبِرِي - صَاحِبُ إِرْبِلَ - عَلَى قَصْدِ أَذْرَبِيجَانَ وَأَخْذِهَا مِنْ صَاحِبِهَا أَبِي بَكْرِ بْنِ الْبَهْلَوَانِ، لِاشْتِغَالِهِ بِالشُّرْبِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَتَرْكِهِ النَّظَرَ فِي أَحْوَالِ الْمَمْلَكَةِ، وَحِفْظِ الْعَسَاكِرِ وَالرَّعَايَا، فَسَارَ صَاحِبُ إِرْبِلَ إِلَى مَرَاغَةَ، وَاجْتَمَعَ هُوَ وَصَاحِبُهَا عَلَاءُ الدِّينِ، وَتَقَدَّمَا نَحْوَ تِبْرِيزَ، فَلَمَّا عَلِمَ صَاحِبُهَا أَبُو بَكْرِ الدِّينِ، أَرْسَلَ إِلَى إِيدْغِمْشَ - صَاحِبِ بِلَادِ الْجَبَلِ، هَمَذَانَ وَأَصْفَهَانَ وَالرَّيِّ وَمَا بَيْنَهَا مِنَ الْبِلَادِ - وَهُوَ مَمْلُوكُ أَبِيهِ الْبَهْلَوَانِ، وَهُوَ فِي طَاعَةِ أَبِي بَكْرٍ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ غَلَبَ عَلَى الْبِلَادِ، فَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَنْجِدُهُ، وَيُعَرِّفُهُ الْحَالَ، وَكَانَ حِينَئِذٍ بِبَلَدِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، فَلَمَّا
стр. 5944
أَتَاهُ الْخَبَرُ سَارَ إِلَيْهِ فِي الْعَسَاكِرِ الْكَثِيرَةِ.
فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ أَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِ إِرْبِلَ يَقُولُ لَهُ: إِنَّنَا كُنَّا نَسْمَعُ عَنْكَ أَنَّكَ تُحِبُّ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ وَتُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، فَكُنَّا نَعْتَقِدُ فِيكَ الْخَيْرَ وَالدِّينَ، فَلَمَّا كَانَ الْآنُ ظَهَرَ لَنَا مِنْكَ ضِدَّ ذَلِكَ لِقَصْدِكَ بِلَادَ الْإِسْلَامِ، وَقِتَالَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَهْبَ أَمْوَالِهِمْ، وَإِثَارَةَ الْفِتْنَةِ، فَإِذَا كُنْتَ كَذَلِكَ فَمَا لَكَ عَقْلٌ؛ تَجِيءُ إِلَيْنَا، وَأَنْتَ صَاحِبُ قَرْيَةٍ، وَنَحْنُ لَنَا مِنْ بَابِ خُرَاسَانَ إِلَى خِلَاطَ وَإِلَى إِرْبِلَ، وَاحْسُبْ أَنَّكَ هَزَمْتَ هَذَا، أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ لَهُ مَمَالِيكَ، أَنَا أَحَدُهُمْ؟ ! وَلَوْ أَخَذَ مِنْ كُلِّ قَرْيَةِ شِحْنَةً، أَوْ مِنْ كُلِّ مَدِينَةِ عَشْرَةَ رِجَالٍ، لَاجْتَمَعَ لَهُ أَضْعَافُ عَسْكَرِكَ، فَالْمَصْلَحَةُ أَنَّكَ تَرْجِعُ إِلَى بَلَدِكَ، وَإِنَّمَا أَقُولُ لَكَ هَذَا إِبْقَاءً عَلَيْكَ.
ثُمَّ سَارَ نَحْوَهُ عَقِيبَ هَذِهِ الرِّسَالَةِ، فَلَمَّا سَمِعَهَا مُظَفَّرُ الدِّينِ وَبَلَغَهُ مَسِيرُ إِيدْغِمْشَ عَزَمَ عَلَى الْعَوْدِ، فَاجْتَهَدَ بِهِ صَاحِبُ مَرَاغَةَ لِيُقِيمَ بِمَكَانِهِ، وَيُسَلِّمَ عَسْكَرَهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّنِي قَدْ كَاتَبَنِي جَمِيعُ أُمَرَائِهِ لِيَكُونُوا مَعِي إِذَا قَصَدْتُهُمْ، فَلَمْ يَقْبَلْ مُظَفَّرُ الدِّينِ مِنْ قَوْلِهِ، وَعَادَ إِلَى بَلَدِهِ، وَسَلَكَ الطَّرِيقَ الشَّاقَّةَ، وَالْمَضَايِقَ الصَّعْبَةَ. وَالْعُقَابَ الشَّاهِقَةَ، خَوْفًا مِنَ الطَّلَبِ.
ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَإِيدْغِمْشَ قَصَدَا مَرَاغَةَ وَحَصَرَاهَا، فَصَالَحَهُمَا صَاحِبُهَا عَلَى تَسْلِيمِ قَلْعَةٍ مِنْ حُصُونِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، هِيَ كَانَتْ سَبَبَ الِاخْتِلَافِ، وَأَقْطَعَهُ أَبُو بَكْرٍ مَدِينَتَيْ أُسْتُوَا وَأُرْمِيَةَ وَعَادَ عَنْهُ.
ذِكْرُ إِيقَاعِ إِيدْغِمْشَ بِالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ إِيدْغِمْشَ إِلَى بِلَادِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ الْمُجَاوِرَةِ لِقَزْوِينَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً كَبِيرَةً، وَنَهَبَ وَسَبَى وَحَصَرَ قِلَاعَهُمْ، فَفَتَحَ مِنْهَا خَمْسَ قِلَاعٍ، وَصَمَّمَ الْعَزْمَ عَلَى حَصْرِ أَلْمُوتَ وَاسْتِئْصَالِ أَهْلِهَا، فَاتَّفَقَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَرَكَةِ صَاحِبِ مَرَاغَةَ
стр. 5945
وَصَاحِبِ إِرْبِلَ، وَاسْتَدْعَاهُ الْأَمِيرُ أَبُو بَكْرٍ، فَفَارَقَ بِلَادَهُمْ وَسَارَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
ذِكْرُ وُصُولِ عَسْكَرٍ مِنْ خُوَارِزْمَ إِلَى بَلَدِ الْجَبَلِ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ مِنْ عَسْكَرِ خُوَارِزْمَ طَائِفَةٌ كَبِيرَةٌ نَحْوَ عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ بِأَهْلِيهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ إِلَى بَلَدِ الْجَبَلِ، فَوَصَلُوا إِلَى زِنْكَانَ وَكَانَ إِيدْغِمْشُ صَاحِبُهَا مَشْغُولًا مَعَ صَاحِبِ إِرْبِلَ وَصَاحِبِ مَرَاغَةَ، وَاغْتَنَمُوا خُلُوَّ الْبِلَادِ، فَلَمَّا عَادَ مُظَفَّرُ الدِّينِ إِلَى بَلَدِهِ وَانْفَصَلَ الْحَالُ بَيْنَ إِيدْغِمْشَ وَصَاحِبِ مَرَاغَةَ سَارَ إِيدْغِمْشُ، نَحْوَ الْخُوَارِزْمِيَّةِ فَلَقِيَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ ثُمَّ انْهَزَمَ الْخُوَارِزْمِيُّونَ وَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ وَأُسِرَ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَسُبِيَ سَبَّاؤُهُمْ وَغُنِمَتْ أَمْوَالُهُمْ، وَكَانُوا قَدْ أَفْسَدُوا فِي الْبِلَادِ بِالنَّهْبِ وَالْقَتْلِ فَلَقَوْا عَاقِبَةَ فِعْلِهِمْ.
ذِكْرُ الْغَارَةِ مِنِ ابْنِ لِيُونَ عَلَى أَعْمَالِ حَلَبَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تَوَالَتِ الْغَارَةُ مِنِ ابْنِ لِيُونَ الْأَرْمَنِيِّ، صَاحِبِ الدُّرُوبِ، عَلَى وِلَايَةِ حَلَبَ، فَنَهَبَ وَحَرَقَ، وَأَسَرَ، وَسَبَى ; فَجَمَعَ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ غَازِي بْنُ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ - صَاحِبُ حَلَبَ - عَسَاكِرَهُ، وَاسْتَنْجَدَ غَيْرَهُ مِنَ الْمُلُوكِ، فَجَمَعَ كَثِيرًا مِنَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ، وَسَارَ عَنْ حَلَبَ نَحْوَ ابْنِ لِيُونَ.
وَكَانَ ابْنُ لِيُونَ قَدْ نَزَلَ فِي طَرَفِ بِلَادِهِ مِمَّا يَلِي بَلَدَ حَلَبَ، فَلَيْسَ إِلَيْهِ طَرِيقٌ، لِأَنَّ جَمِيعَ بِلَادِهِ لَا طَرِيقَ إِلَيْهَا إِلَّا مِنْ جِبَالٍ وَعْرَةٍ، وَمَضَايِقَ صَعْبَةٍ، فَلَا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَلَى الدُّخُولِ إِلَيْهَا، لَا سِيَّمَا مِنْ نَاحِيَةِ حَلَبَ، فَإِنَّ الطَّرِيقَ مِنْهَا مُتَعَذَّرٌ جِدًّا، فَنَزَلَ الظَّاهِرُ عَلَى خَمْسَةِ فَرَاسِخَ مِنْ حَلَبَ، وَجَعَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ جَمَاعَةً مِنْ عَسْكَرِهِ مَعَ أَمِيرٍ كَبِيرٍ مِنْ مَمَالِيكِ أَبِيهِ، يُعْرَفُ بِمَيْمُونٍ الْقَصْرِيِّ، يُنْسَبُ إِلَى قَصْرِ الْخُلَفَاءِ الْعَلَوِيِّينَ بِمِصْرَ، لِأَنَّ أَبَاهُ مِنْهُمْ أَخَذَهُ، فَأَنْفَذَ الظَّاهِرُ مِيرَةً وَسِلَاحًا إِلَى حِصْنٍ لَهُ مُجَاوِرٍ لِبِلَادِ ابْنِ لِيُونَ اسْمُهُ دِرِبْسَاكُ، وَأَنْفَذَ إِلَى مَيْمُونٍ لِيُرْسِلَ طَائِفَةً مِنَ الْعَسْكَرِ الَّذِينَ عِنْدَهُ إِلَى طَرِيقِ هَذِهِ الذَّخِيرَةِ لِيَسِيرُوا مَعَهَا إِلَى دِرِبْسَاكَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَسَيَّرَ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنْ عَسْكَرِهِ، وَبَقِيَ فِي قِلَّةٍ،
стр. 5946
فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى ابْنِ لِيُونَ، فَجَدَّ، فَوَافَاهُ وَهُوَ مُخِفٌّ مِنَ الْعَسْكَرِ فَقَاتَلَهُ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ. فَأَرْسَلَ مَيْمُونٌ إِلَى الظَّاهِرِ يُعْلِمُهُ، وَكَانَ بَعِيدًا عَنْهُ، فَطَالَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، وَحَمَى مَيْمُونٌ نَفْسَهُ وَأَثْقَالَهُ عَلَى قِلَّةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَكَثْرَةٍ مِنَ الْأَرْمَنِ، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَنَالَ الْعَدُوُّ مِنْهُمْ، فَقَتَلَ وَأَسَرَ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا فَعَلَ الْمُسْلِمُونَ بِالْأَرْمَنِ مِنْ كَثْرَةِ الْقَتْلِ.
وَظَفِرَ الْأَرْمَنُ بِأَثْقَالِ الْمُسْلِمِينَ فَغَنِمُوهَا وَسَارُوا بِهَا، فَصَادَفَهُمُ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ سَارُوا مَعَ الذَّخَائِرِ (إِلَى دِرِبْسَاكَ) ، فَلَمْ يَشْعُرُوا بِالْحَالِ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا الْعَدُوُّ قَدْ خَالَطَهُمْ وَوَضَعَ السَّيْفَ فِيهِمْ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، ثُمَّ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ أَيْضًا، وَعَادَ الْأَرْمَنُ إِلَى بِلَادِهِمْ بِمَا غَنِمُوا وَاعْتَصَمُوا بِجِبَالِهِمْ وَحُصُونِهِمْ.
ذِكْرُ نَهْبِ الْكُرْجِ أَرْمِينِيَّةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَصَدَتِ الْكُرْجُ فِي جُمُوعِهَا وِلَايَةَ خِلَاطَ مِنْ أَرْمِينِيَّةَ، وَنَهَبُوا وَقَتَلُوا، وَأَسَرُوا وَسَبَوْا أَهْلَهَا كَثِيرًا وَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ آمِنِينَ، وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ مِنْ خِلَاطَ مَنْ يَمْنَعُهُمْ، فَبَقَوْا مُتَصَرِّفِينَ فِي النَّهْبِ وَالسَّبْيِ، وَالْبِلَادُ شَاغِرَةٌ لَا مَانِعَ لَهَا، لِأَنَّ صَاحِبَهَا صَبِيٌّ، وَالْمُدَبِّرَ لِدَوْلَتِهِ لَيْسَتْ لَهُ تِلْكَ الطَّاعَةُ عَلَى الْجُنْدِ.
فَلَمَّا اشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَى النَّاسِ تَذَامَرُوا، وَحَرَّضَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَاجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ الْإِسْلَامِيَّةُ الَّتِي بِتِلْكَ الْوِلَايَةِ جَمِيعِهَا، وَانْضَافَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ كَثِيرٌ، فَسَارُوا جَمِيعُهُمْ نَحْوَ الْكُرْجِ وَهُمْ خَائِفُونَ، فَرَأَى بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ الْأَخْيَارِ الشَّيْخَ مُحَمَّدًا الْبُسْتِيَّ، وَهُوَ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَكَانَ قَدْ مَاتَ، فَقَالَ لَهُ الصُّوفِيُّ: أَرَاكَ هَاهُنَا؟ فَقَالَ: جِئْتُ لِمُسَاعَدَةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَدُوِّهِمْ. فَاسْتَيْقَظَ فَرِحًا بِمَحَلِّ الْبُسْتِيِّ مِنَ الْإِسْلَامِ،
стр. 5947
وَأَتَى إِلَى مُدَبِّرِ الْعَسْكَرِ وَالْقَيِّمِ بِأَمْرِهِ، وَقَصَّ عَلَيْهِ رُؤْيَاهُ، فَفَرِحَ بِذَلِكَ، وَقَوِيَ عَزْمُهُ عَلَى قَصْدِ الْكُرْجِ، وَسَارَ بِالْعَسَاكِرِ إِلَيْهِمْ فَنَزَلَ مَنْزِلًا.
فَوَصَلَتِ الْأَخْبَارُ إِلَى الْكُرْجِ، فَعَزَمُوا عَلَى كَبْسِ الْمُسْلِمِينَ، فَانْتَقَلُوا مِنْ مَوْضِعِهِمْ بِالْوَادِي إِلَى أَعْلَاهُ، فَنَزَلُوا فِيهِ لِيَكْبِسُوا الْمُسْلِمِينَ إِذَا أَظْلَمَ اللَّيْلُ، فَأَتَى الْمُسْلِمِينَ الْخَبَرُ، فَقَصَدُوا الْكُرْجَ وَأَمْسَكُوا عَلَيْهِمْ رَأْسَ الْوَادِي وَأَسْفَلَهُ، وَهُوَ وَادٍ لَيْسَ إِلَيْهِ غَيْرُ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ، فَلَمَّا رَأَى الْكُرْجُ ذَلِكَ أَيْقَنُوا بِالْهَلَاكِ، وَسُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَطَمِعَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِمْ، وَضَايَقُوهُمْ، وَقَاتَلُوهُمْ. فَقَتَلُوا مِنْهُمْ كَثِيرًا، وَأَسَرُوا مِثْلَهُمْ، وَلَمْ يُفْلِتْ مِنَ الْكُرْجِ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُمْ بَعْدَ أَنْ كَانُوا أَشْرَفُوا عَلَى الْهَلَاكِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ طَاشْتِكِينُ مُجِيرُ الدِّينِ، أَمِيرُ الْحَاجِّ. بِتُسْتَرَ وَكَانَ قَدْ وَلَّاهُ الْخَلِيفَةُ عَلَى جَمِيعِ خُوزِسْتَانَ، وَكَانَ أَمِيرَ الْحَاجِّ سِنِينَ كَثِيرَةً، وَكَانَ خَيِّرًا صَالِحًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، كَثِيرَ الْعِبَادَةِ، يَتَشَيَّعُ.
وَلَمَّا مَاتَ وَلَّى الْخَلِيفَةُ عَلَى خُوزِسْتَانَ مَمْلُوكَهُ سَنْجَرَ، وَهُوَ صِهْرُ طَاشْتِكِينَ زَوْجُ ابْنَتِهِ.
[وَفِيهَا قُتِلَ سَنْجَرُ بْنُ مَقْلَدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُهَارِشٍ، أَمِيرُ عِبَادَةَ، بِالْعِرَاقِ. وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ سَعَى بِأَبِيهِ مَقْلَدٍ إِلَى الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ، فَأَمَرَ بِالتَّوْكِيلِ عَلَى أَبِيهِ، (فَبَقِيَ مُدَّةً) ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ الْخَلِيفَةُ، ثُمَّ إِنَّ سَنْجَرَ قَتَلَ أَخًا لَهُ اسْمُهُ. . .
стр. 5948
فَأَوْغَرَ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ صُدُورَ أَهْلِهِ وَإِخْوَتِهِ، فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةُ فِي شَعْبَانَ نَزَلَ بِأَرْضِ الْمَعْشُوقِ، وَرَكِبَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَمَعَهُ إِخْوَتُهُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا انْفَرَدَ عَنْ أَصْحَابِهِ ضَرَبَهُ أَخُوهُ عَلِيُّ بْنُ مَقْلَدٍ بِالسَّيْفِ فَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ، فَنَزَلَ إِخْوَتُهُ إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ.
وَفِيهَا تَجَهَّزَ غِيَاثُ الدِّينِ خِسْرُو شَاهْ صَاحِبُ مَدِينَةِ الرُّومِ، إِلَى مَدِينَةِ طَرَابْزُونَ، وَحَصَرَ صَاحِبَهَا لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ خَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ، فَضَيَّقَ عَلَيْهِ، فَانْقَطَعَتْ لِذَلِكَ الطُّرُقُ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، وَالرُّوسِ، وَقِفْجَاقَ وَغَيْرِهَا، بَرًّا وَبَحْرًا، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَى بِلَادِ غِيَاثِ الدِّينِ، فَدَخَلَ بِذَلِكَ ضَرَرٌ عَظِيمٌ عَلَى النَّاسِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَّجِرُونَ مَعَهُمْ، وَيَدْخُلُونَ بِلَادَهُمْ. وَيَقْصِدُهُمُ التُّجَّارُ مِنَ الشَّامِ، وَالْعِرَاقِ، وَالْمَوْصِلِ، وَالْجَزِيرَةِ وَغَيْرِهَا، فَاجْتَمَعَ مِنْهُمْ بِمَدِينَةِ سِيوَاسَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَحَيْثُ لَمْ يَنْفَتِحِ الطَّرِيقُ تَأَذَّوْا أَذًى كَثِيرًا، فَكَانَ السَّعِيدُ مِنْهُمْ مَنْ عَادَ إِلَى رَأْسِ مَالِهِ.
وَفِيهَا تَزَوَّجَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَهْلَوَانِ، صَاحِبُ أَذْرَبِيجَانَ وَأَرَانَ بِابْنَةِ مَلِكِ الْكُرْجِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْكُرْجَ تَابَعَتِ الْغَارَاتِ مِنْهُمْ عَلَى بِلَادِهِ لِمَا رَأَوْا مِنْ عَجْزِهِ وَانْهِمَاكِهِ فِي الشُّرْبِ وَاللَّعِبِ وَمَا جَانَسَهُمَا، وَإِعْرَاضِهِ عَنْ تَدْبِيرِ الْمُلْكِ وَحِفْظِ الْبِلَادِ، فَلَمَّا رَأَى هُوَ أَيْضًا ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ الْحَمِيَّةِ وَالْأَنَفَةِ مِنْ هَذِهِ الْمَنَاحِسِ، مَا يَتْرُكُ مَا هُوَ مُصِرٌّ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الذَّبِّ عَنِ الْبِلَادِ [بِالسَّيْفِ] ، عَدَلَ إِلَى الذَّبِّ عَنْهَا بِأَيْرِهِ، فَخَطَبَ ابْنَةَ مَلِكِهِمْ، فَتَزَوَّجَهَا، فَكَفَّ الْكُرْجُ عَنِ النَّهْبِ وَالْإِغَارَةِ وَالْقَتْلِ، فَكَانَ كَمَا قِيلَ: أَغْمَدَ سَيْفَهُ، وَسَلَّ أَيْرَهُ.
وَفِيهَا حُمِلَ إِلَى إِرْبِلَ خَرُوفٌ وَجْهُهُ صُورَةُ آدَمِيٍّ وَبَدَنُهُ بَدَنُ خَرُوفٍ، وَكَانَ هَذَا مِنَ الْعَجَائِبِ] .
[الْوَفَيَاتَ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَانَدَايُّ الْوَاسِطِيُّ بِهَا.
وَفِيهَا، فِي شَوَّالٍ، تُوُفِّيَ فَخْرُ الدِّينِ مُبَارَكُ شَاهْ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَرُوذِيُّ، وَكَانَ حَسَنَ الشِّعْرِ بِالْفَارِسِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ، وَلَهُ مَنْزِلَةٌ عَظِيمَةٌ عِنْدَ غِيَاثِ الدِّينِ الْكَبِيرِ صَاحِبِ
стр. 5949
غَزْنَةَ وَهَرَاةَ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ لَهُ دَارُ ضِيَافَةٍ، فِيهَا كُتُبٌ وَشِطْرَنْجٌ، فَالْعُلَمَاءُ يُطَالِعُونَ الْكُتُبَ، وَالْجُهَّالُ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ.
وَفِيهَا، فِي ذِي الْحِجَّةِ، تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعَادَةَ الْفَارِقِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، بِبَغْدَادَ، وَبَقِيَ مُدَّةً طَوِيلَةً مُعِيدًا بِالنِّظَامِيَّةِ، وَصَارَ مُدَرِّسًا بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي أَحْدَثَتْهَا أُمُّ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ، وَكَانَ مَعَ عِلْمِهِ صَالِحًا، طُلِبَ لِلنِّيَابَةِ فِي الْقَضَاءِ بِبَغْدَادَ، فَامْتَنَعَ، فَأُلْزِمُ بِذَلِكَ، فَوَلِيَهُ يَسِيرًا، ثُمَّ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ مَشَى إِلَى جَامِعِ ابْنِ الْمُطَّلِبِ، فَنَزَلَ، وَلَبِسَ مِئْزَرَ صُوفٍ غَلِيظٍ، وَغَيَّرَ ثِيَابَهُ، وَأَمَرَ الْوُكَلَاءَ وَغَيْرَهُمْ بِالِانْصِرَافِ عَنْهُ، وَأَقَامَ بِهِ حَتَّى سَكَنَ الطَّلَبُ عَنْهُ، وَعَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ وِلَايَةٍ.
وَفِيهَا وَقَعَ الشَّيْخُ أَبُو مُوسَى الْمَكِّيُّ، الْمُقِيمُ بِمَقْصُورَةِ جَامِعِ السُّلْطَانِ بِبَغْدَادَ، مِنْ سَطْحِ الْجَامِعِ، فَمَاتَ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا كَثِيرَ الْعِبَادَةِ.
وَفِيهَا أَيْضًا تُوُفِّيَ الْعَفِيفُ أَبُو الْمَكَارِمِ عَرَفَةُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَصْلَا الْبَنْدَنِيجِيُّ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، مُنْقَطِعًا إِلَى الْعِبَادَةِ ﵀.
стр. 5950
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّمِائَة]
٦٠٣ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّمِائَةٍ
ذِكْرُ مُلْكِ عَبَّاسٍ بَامِيَانَ وَعَوْدِهَا إِلَى ابْنِ أَخِيهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ عَبَّاسٌ بَامِيَانَ مِنْ عَلَاءِ الدِّينِ وَجَلَالِ الدِّينِ وَلَدَيْ أَخِيهِ بَهَاءِ الدِّينِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَسْكَرَ بَامِيَانَ لَمَّا انْهَزَمُوا مِنْ أَلْدِزَ، وَعَادُوا إِلَيْهَا، أُخْبِرُوا أَنَّ عَلَاءَ الدِّينِ وَجَلَالَ الدِّينِ أُسِرَا، وَأَنَّ أَلْدِزَ وَمَنْ مَعَهُ غَنِمُوا مَا فِي الْعَسْكَرِ فَأَخَذَ وَزِيرُ أَبِيهِمَا الْمَعْرُوفُ بِالصَّاحِبِ، مِنَ الْأَمْوَالِ كَثِيرًا، وَمِنَ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا مَنِ التُّحَفِ، وَأَخَذَ فِيلًا وَسَارَ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ يَسْتَنْجِدُهُ عَلَى أَلْدِزَ لِيُسَيِّرَ مَعَهُ عَسْكَرًا يَسْتَخْلِصُ بِهِ صَاحِبَيْهِ.
فَلَمَّا فَارَقَ بَامِيَانَ، وَرَأَى عَمُّهُمَا عَبَّاسٌ خُلُوَّ الْبَلَدِ مِنْهُ وَمِنِ ابْنِ أَخِيهِ، جَمَعَ أَصْحَابَهُ وَقَامَ فِي الْبَلَدِ فَمَلَكَهُ، وَصَعِدَ إِلَى الْقَلْعَةِ فَمَلَكَهَا، وَأَخْرَجَ أَصْحَابَ ابْنَيْ أَخِيهِ عَلَاءِ الدِّينِ وَجَلَالِ الدِّينِ مِنْهَا، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْوَزِيرِ السَّائِرِ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَعَادَ إِلَى بَامِيَانَ، وَجَمَعَ الْجُمُوعَ الْكَثِيرَةَ، وَحَصَرَ عَبَّاسًا فِي الْقَلْعَةِ، وَكَانَ مُطَاعًا فِي جَمِيعِ مَمَالِكِ بَهَاءِ الدِّينِ وَوَلَدَيْهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ مُحَاصِرًا، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَقُومُ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، إِنَّمَا كَانَ مَعَهُ مَا أَخَذَهُ لِيَحْمِلَهُ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ.
فَلَمَّا خَلُصَ جَلَالُ الدِّينِ مِنْ أَسْرِ أَلْدِزَ - عَلَى مَا نَذْكُرُهُ - سَارَ إِلَى بَامِيَانَ، فَوَصَلَ إِلَى أَرْصُفَ، وَهِيَ مَدِينَةُ بَامِيَانَ، وَجَاءَ إِلَيْهِ وَزِيرُ أَبِيهِ الصَّاحِبُ، وَاجْتَمَعَ بِهِ، وَسَارُوا إِلَى الْقِلَاعِ، وَرَاسَلُوا عَبَّاسًا الْمُتَغَلِّبَ عَلَيْهَا، وَلَاطَفُوهُ، فَسَلَّمَ الْجَمِيعَ إِلَى جَلَالِ الدِّينِ وَقَالَ: إِنَّمَا حَفِظْتُهَا خَوْفًا أَنْ يَأْخُذَهَا خُوَارِزْمُ شَاهْ، فَاسْتَحْسَنَ فِعْلَهُ، وَعَادَ إِلَى مُلْكِهِ.
стр. 5951
ذِكْرُ مُلْكِ خُوَارِزْمَ شَاهِ الطَّالْقَانِ
لَمَّا سَلَّمَ خُوَارِزْمُ شَاهْ تِرْمِذَ إِلَى الْخَطَا سَارَ عَنْهَا إِلَى مَيْهَنَةَ وَأَنْدَخُوِي [وَكَتَبَ] إِلَى سُونَجَ أَمِيرِ أَشْكَارَ، نَائِبِ غِيَاثِ الدِّينِ مَحْمُودٍ بِالطَّالْقَانِ، يَسْتَمِيلُهُ، فَعَادَ الرَّسُولُ خَائِبًا لَمْ يُجِبْهُ سُونَجُ إِلَى مَا أَرَادَ مِنْهُ، وَجَمَعَ عَسْكَرَهُ وَخَرَجَ يُحَارِبُ خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَالْتَقَوْا بِالْقُرْبِ مِنَ الطَّالْقَانِ.
فَلَمَّا تَقَابَلَ الْعَسْكَرَانِ حَمَلَ سُونَجُ وَحْدَهُ مُجِدًّا حَتَّى قَارَبَ عَسْكَرَ خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ إِلَى الْأَرْضِ، وَرَمَى سِلَاحَهُ عَنْهُ، وَقَبَّلَ الْأَرْضِ، وَسَأَلَ الْعَفْوَ، فَظَنَّ خُوَارِزْمُ شَاهْ أَنَّهُ سَكْرَانُ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ صَاحٍ ذَمَّهُ وَسَبَّهُ، وَقَالَ: مَنْ يَثِقُ بِهَذَا وَأَشْبَاهِهِ! وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، وَأَخَذَ مَا بِالطَّالْقَانِ مِنْ مَالٍ وَسِلَاحٍ وَدَوَابَّ وَأَنْفَذَهُ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ مَعَ رَسُولٍ، وَحَمَّلَهُ رِسَالَةً تَتَضَمَّنُ التَّقَرُّبَ إِلَيْهِ وَالْمُلَاطَفَةَ لَهُ، وَاسْتَنَابَ بِالطَّالْقَانِ بَعْضَ أَصْحَابِهِ، وَسَارَ إِلَى قِلَاعِ كَالُورِينَ وَبِيوَارَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ حُسَامُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ، صَاحِبُ كَالُورِينَ، وَقَاتَلَهُ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ خُوَارِزْمُ شَاهْ يَتَهَدَّدُهُ إِنْ لَمْ يُسَلِّمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَمَمْلُوكٌ، وَأَمَّا هَذِهِ الْحُصُونُ فَهِيَ أَمَانَةٌ بِيَدِي، وَلَا أُسَلِّمُهَا إِلَّا إِلَى صَاحِبِهَا، فَاسْتَحْسَنَ خُوَارِزْمُ شَاهْ مِنْهُ هَذَا، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَمَّ سُونَجَ.
وَلَمَّا بَلَغَ غِيَاثَ الدِّينِ خَبَرُ سُونَجَ، وَتَسْلِيمُهُ الطَّالْقَانَ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ، عَظُمَ عِنْدَهُ وَشَقَّ عَلَيْهِ، فَسَلَّاهُ أَصْحَابُهُ، وَهَوَّنُوا الْأَمْرَ.
وَلَمَّا فَرَغَ خُوَارِزْمُ شَاهْ مِنَ الطَّالْقَانِ سَارَ إِلَى هَرَاةَ، فَنَزَلَ بِظَاهِرِهَا، وَلَمْ يُمَكِّنِ ابْنُ خَرْمِيلَ أَحَدًا مِنَ الْخُوَارِزْمِيِّينَ أَنْ يَتَطَرَّقَ بِالْأَذَى إِلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا كَانُوا يَجْتَمِعُ مِنْهُمُ الْجَمَاعَةُ بَعْدَ الْجَمَاعَةِ، فَيَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ، وَهَذِهِ عَادَةُ الْخُوَارِزْمِيِّينَ.
وَوَصَلَ رَسُولُ غِيَاثِ الدِّينِ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ بِالْهَدَايَا، وَرَأَى النَّاسُ عَجَبًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْخُوَارِزْمِيِّينَ لَا يَذْكُرُونَ غِيَاثَ الدِّينِ الْكَبِيرَ وَالِدَ غِيَاثِ الدِّينِ هَذَا، وَلَا يَذْكُرُونَ أَيْضًا شِهَابَ الدِّينِ أَخَاهُ، وَهُمَا حَيَّانِ، إِلَّا بِالْغُورِيِّ، وَصَاحِبِ غَزْنَةَ، وَكَانَ وَزِيرُ
стр. 5952
خُوَارِزْمَ شَاهِ الْآنَ، مَعَ عِظَمِ شَأْنِهِ وَقِلَّةِ شَأْنِ غِيَاثِ الدِّينِ هَذَا، لَا يَذْكُرُهُ إِلَّا بِمَوْلَانَا السُّلْطَانُ مَعَ ضَعْفِهِ وَعَجْزِهِ وَقِلَّةِ بِلَادِهِ.
وَأَمَّا ابْنُ خَرْمِيلَ فَإِنَّهُ سَارَ مِنْ هَرَاةَ فِي جَمْعٍ مِنْ عَسْكَرِ خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَنَزَلَ عَلَى أَسْفِزَارَ فِي صَفَرٍ، وَكَانَ صَاحِبُهَا قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ فَحَصَرَهَا وَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ بِهَا يُقْسِمُ بِاللَّهِ لَئِنْ سَلَّمُوهَا أَنْ يُؤَمِّنَهُمْ، وَإِنِ امْتَنَعُوا أَقَامَ عَلَيْهِمْ إِلَى أَنْ يَأْخُذَهُمْ، فَإِذَا أَخَذَهُمْ قَهْرًا لَا يُبْقِي عَلَى كَبِيرٍ وَلَا صَغِيرٍ، فَخَافُوا، فَسَلَّمُوهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَأَمَّنَهُمْ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ إِلَى أَهْلِهَا بِسُوءٍ، فَلَمَّا أَخَذَهَا أَرْسَلَ إِلَى حَرْبِ بْنِ مُحَمَّدٍ - صَاحِبِ سِجِسْتَانَ - يَدْعُوهُ إِلَى طَاعَةِ خُوَارِزْمَ شَاهْ وَالْخُطْبَةِ لَهُ بِبِلَادِهِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَكَانَ غِيَاثُ الدِّينِ قَدْ رَاسَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْخُطْبَةِ وَالدُّخُولِ فِي طَاعَتِهِ، فَغَالَطَهُ وَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى مَا طَلَبَ.
وَلَمَّا كَانَ خُوَارِزْمُ شَاهْ عَلَى هَرَاةَ عَادَ إِلَيْهَا الْقَاضِي صَاعِدُ بْنُ الْفَضْلِ الَّذِي كَانَ ابْنُ خَرْمِيلَ قَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ هَرَاةَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي، وَسَارَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ، فَعَادَ الْآنَ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ قَالَ ابْنُ خَرْمِيلَ لِخُوَارِزْمَ شَاهْ: إِنَّ هَذَا يَمِيلُ إِلَى الْغُورِيَّةِ، وَيُرِيدُ دَوْلَتَهُمْ، وَوَقَعَ فِيهِ، فَسَجَنَهُ خُوَارِزْمُ شَاهْ بِقَلْعَةِ زَوْزَنَ، وَوَلَّى الْقَضَاءَ بِهَرَاةَ الصَّفِيَ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدٍ السَرَخْسِيَّ، وَكَانَ يَنُوبُ عَنْ صَاعِدٍ وَابْنِهِ فِي الْقَضَاءِ بِهَرَاةَ.
ذِكْرُ حَالِ غِيَاثِ الدِّينِ مَعَ أَلْدِزَ وَأَيْبَكَ
لَمَّا عَادَ أَلْدِزُ إِلَى غَزْنَةَ، وَأَسَرَ عَلَاءَ الدِّينِ وَأَخَاهُ جَلَالَ الدِّينِ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - كَتَبَ إِلَيْهِ غِيَاثُ الدِّينِ يُطَالِبُهُ بِالْخُطْبَةِ لَهُ، فَأَجَابَهُ جَوَابَ مُدَافِعٍ، وَكَانَ جَوَابُهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ أَشَدَّ مِنْهُ فِيمَا تَقَدَّمَ، فَأَعَادَ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَيْهِ يَقُولُ: إِمَّا أَنْ تَخْطُبَ لَنَا، وَإِمَّا أَنْ تُعَرِّفَنَا مَا فِي نَفْسِكَ، فَلَمَّا وَصَلَ الرَّسُولُ بِهَذَا أَحْضَرَ خَطِيبَ غَزْنَةَ وَأَمَرَهُ [أَنْ] يَخْطُبَ لِنَفْسِهِ بَعْدَ التَّرَحُّمِ عَلَى شِهَابِ الدِّينِ، فَخَطَبَ لِتَاجِ الدِّينِ أَلْدِزَ بِغَزْنَةَ.
فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ ذَلِكَ سَاءَهُمْ، وَتَغَيَّرَتْ نِيَّاتُهُمْ، وَنِيَّاتُ الْأَتْرَاكِ الَّذِينَ مَعَهُ، وَلَمْ يَرَوْهُ أَهْلًا أَنْ يَخْدِمُوهُ، وَإِنَّمَا كَانُوا يُطِيعُونَهُ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ يَنْصُرُ دَوْلَةَ غِيَاثِ الدِّينِ، فَلَمَّا خَطَبَ لَهُ أَرْسَلَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يَقُولُ لَهُ: بِمَاذَا تَشْتَطُّ عَلَيَّ، وَتَتَحَكَّمُ فِي هَذِهِ الْخِزَانَةِ؟ نَحْنُ جَمَعْنَاهَا بِأَسْيَافِنَا، وَهَذَا الْمُلْكُ قَدْ أَخَذْتَهُ، وَأَنْتَ قَدِ اجْتَمَعَ عِنْدَكَ الَّذِينَ هُمْ
стр. 5953
أَسَاسُ الْفِتْنَةِ، وَأَقْطَعْتَهُمُ الْإِقْطَاعَاتِ، وَوَعَدْتَنِي بِأُمُورٍ لَمْ تَقِفْ عَلَيْهَا، فَإِنْ أَنْتَ أَعْتَقْتَنِي خَطَبْتُ لَكَ وَحَضَرْتُ خِدْمَتَكَ.
فَلَمَّا وَصَلَ الرَّسُولُ أَجَابَهُ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَى عِتْقِ أَلْدِزَ، بَعْدَ الِامْتِنَاعِ الشَّدِيدِ، وَالْعَزْمِ عَلَى مُصَالَحَةِ خُوَارِزْمَ شَاهْ عَلَى مَا يُرِيدُ، وَقَصْدِ غَزْنَةَ وَمُحَارَبَتِهِ بِهَا، فَلَمَّا أَجَابَهُ إِلَى الْعِتْقِ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهِ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ أَيْضًا بِعِتْقِ قُطْبِ الدِّينِ أَيْبَكَ، مَمْلُوكِ شِهَابِ الدِّينِ وَنَائِبِهِ بِبِلَادِ الْهِنْدِ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفَ قُبَاءٍ، وَأَلْفَ قَلَنْسُوَةٍ، وَمَنَاطِقَ الذَّهَبِ، وَسُيُوفًا كَثِيرَةً وَجَتْرَيْنِ، وَمِائَةَ رَأْسٍ مِنَ الْخَيْلِ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَسُولًا، فَقَبِلَ أَلْدِزُ الْخِلَعَ، وَرَدَ الْجَتْرَ، وَقَالَ: نَحْنُ عَبِيدٌ وَمَمَالِيكٌ، وَالْجَتْرُ لَهُ أَصْحَابٌ.
وَسَارَ رَسُولُ أَيْبَكَ إِلَيْهِ، وَكَانَ بِفَرْشَابُورَ قَدْ ضَبَطَ الْمَمْلَكَةَ وَحَفِظَ الْبِلَادَ، وَمَنَعَ الْمُفْسِدِينَ مِنَ الْفَسَادِ وَالْأَذَى، وَالنَّاسُ مَعَهُ فِي أَمْنٍ، فَلَمَّا قَرُبَ الرَّسُولُ مِنْهُ لَقِيَهُ عَلَى بُعْدٍ، وَتَرَجَّلَ وَقَبَّلَ حَافِرَ الْفَرَسِ، وَلَبِسَ الْخِلْعَةَ، وَقَالَ: أَمَّا الْجَتْرُ فَلَا يَصْلُحُ لِلْمَمَالِيكِ، وَأَمَّا الْعِتْقُ فَمَقْبُولٌ، وَسَوْفَ أُجَازِيهِ بِعُبُودِيَّةٍ الْأَبَدَ.
وَأَمَّا خُوَارِزْمُ شَاهْ فَإِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَتَصَاهَرَا، وَيَطْلُبُ مِنْهُ ابْنَ خَرْمِيلَ صَاحِبَ هَرَاةَ إِلَى طَاعَتِهِ، وَيَسِيرُ مَعَهُ فِي الْعَسَاكِرِ إِلَى غَزْنَةَ. فَإِذَا مَلَكَهَا مِنْ أَلْدِزَ اقْتَسَمُوا الْمَالَ أَثْلَاثًا: ثُلُثٌ لِخُوَارِزْمَ شَاهْ، وَثُلُثٌ لِغِيَاثِ الدِّينِ، وَثُلُثٌ لِلْعَسْكَرِ فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الصُّلْحُ، فَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ بِمَوْتِ صَاحِبِ مَازَنْدَرَانَ، فَسَارَ عَنْ هَرَاةَ إِلَى مَرْوَ، وَسَمِعَ أَلْدِزُ بِالصُّلْحِ، فَجَزِعَ لِذَلِكَ جَزَعًا عَظِيمًا ظَهَرَ أَثَرُهُ عَلَيْهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ فَقَالَ: حَمَلَنِي عَلَيْهِ عِصْيَانُكَ وَخِلَافُكَ عَلَيَّ. فَسَارَ أَلْدِزُ إِلَى تِكْيَابَاذَ فَأَخَذَهَا، وَإِلَى بُسْتَ، وَتِلْكَ الْأَعْمَالِ فَمَلَكَهَا، وَقَطَعَ خُطْبَةَ غِيَاثِ الدِّينِ مِنْهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِ سِجِسْتَانَ يَأْمُرُهُ بِإِعَادَةِ التَّرَحُّمِ عَلَى شِهَابِ الدِّينِ، وَقَطْعِ خُطْبَةِ خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ خَرْمِيلَ، صَاحِبِ هَرَاةَ، بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَتَهَدَّدَهُمَا بِقَصْدِ بِلَادِهِمَا، فَخَافَهُمَا النَّاسُ.
стр. 5954
ثُمَّ إِنَّ أَلْدِزَ أَخْرَجَ جَلَالَ الدِّينِ، صَاحِبَ بَامِيَانَ، مِنْ أَسْرِهِ، وَسَيَّرَ مَعَهُ خَمْسَةَ آلَافِ فَارِسٍ مَعَ أَيْ دِكْزَ الْتَتَرِ، مَمْلُوكِ شِهَابِ الدِّينِ، إِلَى بَامِيَانَ لِيُعِيدُوهُ إِلَى مُلْكِهِ وَيُزِيلُوا ابْنَ عَمِّهِ عَنْهُ، وَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ، وَسَارَ وَمَعَهُ أَيْ دِكْزُ، فَلَمَّا خَلَا بِهِ وَبَّخَهُ عَلَى لِبْسِهِ خِلْعَةَ أَلْدِزَ وَقَالَ لَهُ: أَنْتُمْ مَا رَضِيتُمْ [أَنْ] تَلْبَسُوا خِلْعَةَ غِيَاثِ الدِّينِ، وَهُوَ أَكْبَرُ سِنًّا مِنْكُمْ، وَأَشْرَفُ بَيْتًا، تَلْبَسُ خِلْعَةَ هَذَا الْمَأْبُونِ! - يَعْنِي أَلْدِزَ -، وَدَعَاهُ إِلَى الْعَوْدِ مَعَهُ إِلَى غَزْنَةَ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ الْأَتْرَاكَ كُلَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى خِلَافِ أَلْدِزَ.
فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَقَالَ أَيْ دِكْزُ: فَإِنَّنِي لَا أَسِيرُ مَعَكَ، وَعَادَ إِلَى كَابُلَ، وَهِيَ إِقْطَاعُهُ، فَلَمَّا وَصَلَ أَيْ دِكْزُ إِلَى كَابُلَ لَقِيَهُ رَسُولٌ مِنْ قُطْبِ الدِّينِ أَيْبَكَ إِلَى أَلْدِزَ يُقَبِّحُ لَهُ فِعْلَهُ، وَيَأْمُرُهُ بِإِقَامَةِ خُطْبَةِ غِيَاثِ الدِّينِ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّهُ قَدْ خَطَبَ لَهُ فِي بِلَادِهِ، وَيَقُولُ لَهُ إِنْ لَمْ يَخْطُبْ لَهُ هُوَ أَيْضًا بِغَزْنَةَ وَيَعُودُ إِلَى طَاعَتِهِ، وَإِلَّا قَصَدَهُ وَحَارَبَهُ.
فَلَمَّا عَلِمَ أَيْ دِكْزُ ذَلِكَ قَوِيَتْ نَفْسُهُ عَلَى مُخَالَفَةِ أَلْدِزَ، وَصَمَّمَ الْعَزْمَ عَلَى قَصْدِ غَزْنَةَ. وَوَصَلَ أَيْضًا رَسُولُ أَيْبَكَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ بِالْهَدَايَا وَالتُّحَفِ، وَيُشِيرُ عَلَيْهِ بِإِجَابَةِ خُوَارِزْمَ شَاهْ إِلَى مَا طَلَبَ الْآنَ، وَعِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَمْرِ غَزْنَةَ تَسْهُلُ أُمُورُ خُوَارِزْمَ شَاهْ وَغَيْرِهِ، وَأَنْفَذَ لَهُ ذَهَبًا عَلَيْهِ اسْمُهُ، فَكَتَبَ أَيْ دِكْزُ إِلَى أَيْبَكَ يُعَرِّفُهُ عِصْيَانَ أَلْدِزَ عَلَى غِيَاثِ الدِّينِ وَمَا فَعَلَهُ فِي الْبِلَادِ، وَأَنَّهُ عَلَى عَزْمِ مُشَاقَّةِ أَلْدِزَ، وَهُوَ يَنْتَظِرُ أَمْرَهُ، فَأَعَادَ أَيْبَكُ جَوَابَهُ يَأْمُرُهُ بِقَصْدِ غَزْنَةَ، فَإِنْ حَصَلَتْ لَهُ الْقَلْعَةُ أَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُ، وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الْقَلْعَةُ وَقَصَدَهُ أَلْدِزُ انْحَازَ إِلَيْهِ، أَوْ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ، أَوْ يَعُودُ إِلَى كَابُلَ.
فَسَارَ إِلَى غَزْنَةَ، وَكَانَ جَلَالُ الدِّينِ قَدْ كَتَبَ إِلَى أَلْدِزَ يُخْبِرُهُ خَبَرَ أَيْ دِكْزَ وَمَا عَزَمَ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ أَلْدِزُ إِلَى نُوَّابِهِ بِقَلْعَةِ غَزْنَةَ يَأْمُرُهُمْ بِالِاحْتِيَاطِ مِنْهُ، فَوَصَلَهَا أَيْ دِكْزُ أَوَّلَ رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ، وَقَدْ حَذِرُوهُ فَلَمْ يُسَلِّمُوا إِلَيْهِ الْقَلْعَةَ، وَمَنَعُوهُ عَنْهَا، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِنَهْبِ الْبَلَدِ، فَنَهَبُوا عِدَّةَ مَوَاضِعَ مِنْهُ، فَتَوَسَّطَ الْقَاضِيَ الْحَالُّ بِأَنْ سَلَّمَ إِلَيْهِ مِنَ الْخِزَانَةِ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ رُكْنِيَّةٍ، وَأَخَذَ لَهُ مِنَ التُّجَّارِ شَيْئًا آخَرَ، وَخَطَبَ أَيْ دِكْزُ بِغَزْنَةَ لِغِيَاثِ الدِّينِ، وَقَطَعَ خُطْبَةَ أَلْدِزَ، فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ.
وَكَانَ مُؤَيَّدُ الْمُلْكِ يَنُوبُ عَنْ أَلْدِزَ بِالْقَلْعَةِ، وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى أَلْدِزَ بِوُصُولِ أَيْ
стр. 5955
دِكْزَ إِلَى غَزْنَةَ، وَوُصُولِ رَسُولِ أَيْبَكَ إِلَيْهِ، فَفُتَّ فِي عَضُدِهِ، وَخَطَبَ لِغِيَاثِ الدِّينِ فِي تِكْيَابَاذَ، وَأَسْقَطَ اسْمَهُ مِنَ الْخُطْبَةِ، فَخَطَبَ لَهُ، وَرَحَلَ إِلَى غَزْنَةَ، فَلَمَّا قَارَبَهَا رَحَلَ أَيْ دِكْزُ عَنْهَا إِلَى بَلَدِ الْغَوْرِ، فَأَقَامَ فِي تَمْرَانَ، وَكَتَبَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يُخْبِرُهُ بِحَالِهِ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ الْمَالَ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَ الْخِزَانَةِ وَمِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ خِلَعًا وَأَعْتَقَهُ، وَخَاطَبَهُ بِمُلْكِ الْأُمَرَاءِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ الْمَالَ الَّذِي كَانَ أَخَذَهُ مِنَ الْخِزَانَةِ، وَقَالَ لَهُ: أَمَّا مَالُ الْخِزَانَةِ فَقَدْ أَعَدْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَهُ، وَأَمَّا أَمْوَالُ التُّجَّارِ وَأَهْلِ الْبَلَدِ فَقَدْ أَرْسَلْتُهُ (مَعَ رَسُولِي لِيُعَادَ) إِلَى أَرْبَابِهِ لِئَلَّا نَفْتَتِحَ دَوْلَتَنَا بِالظُّلْمِ، وَقَدْ عَوَّضْتُكَ عَنْهُ ضِعْفَهُ.
وَأَرْسَلَ أَمْوَالَ النَّاسِ إِلَى غَزْنَةَ، إِلَى قَاضِي غَزْنَةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَالَ (الْمُنْفَذَ) عَلَى أَرْبَابِهِ، فَأَنْهَى الْقَاضِي الْحَالُّ إِلَى أَلْدِزَ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالْخُطْبَةِ لِغِيَاثِ الدِّينِ، وَقَالَ: أَنَا أَسْعَى فِي الْوَصْلَةِ بَيْنَكُمَا وَالصِّهْرِ وَالصُّلْحِ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْقَاضِي يَنْهَاهُ عَنِ الْمَجِيءِ إِلَيْهِ، وَقَالَ: لَا تَسْأَلْ فِي عَبْدٍ أَبَقَ قَدْ بَانَ فَسَادُهُ وَاتَّضَحَ عِنَادُهُ، فَأَقَامَ بِغَزْنَةَ هُوَ وَأَلْدُزُ، وَسَيَّرَ غِيَاثُ الدِّينِ عَسْكَرًا إِلَى أَيْ دِكْزَ الْتَتَرِ، فَأَقَامُوا مَعَهُ، وَسَيَّرَ أَلْدِزُ عَسْكَرًا إِلَى رُوَيْنَ كَانَ، وَهِيَ لِغِيَاثِ الدِّينِ، وَقَدْ أَقْطَعَهَا لِبَعْضِ الْأُمَرَاءِ، فَهَجَمُوا عَلَى صَاحِبِهَا، فَنَهَبُوا مَالَهُ، وَأَخَذُوا أَوْلَادَهُ، فَنَجَا وَحْدَهُ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ، فَاقْتَضَى الْحَالُ أَنْ سَارَ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَى بُسْتَ وَتِلْكَ الْوِلَايَةِ، فَاسْتَرَدَّهَا وَأَحْسَنَ إِلَى أَهْلِهَا، وَأَطْلَقَ لَهُمْ خَرَاجَ سَنَةٍ لِمَا نَالَهُمْ مِنْ أَلْدِزَ مِنَ الْأَذَى.
ذِكْرُ وَفَاةِ صَاحِبِ مَازَنْدَرَانَ وَالْخُلْفِ بَيْنَ أَوْلَادِهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ حُسَامُ الدِّينِ (أَرْدِشِيرُ) ، صَاحِبُ مَازَنْدَرَانَ وَخَلَّفَ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ، فَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْأَكْبَرُ، وَأَخْرَجَ أَخَاهُ الْأَوْسَطَ مِنَ الْبِلَادِ، فَقَصَدَ جُرْجَانَ، وَبِهَا الْمَلِكُ عَلِيٌّ شَاهْ بْنُ خُوَارِزْمَ شَاهْ تُكُشَ، أَخُو خُوَارِزْمَ شَاهْ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ يَنُوبُ عَنْ أَخِيهِ فِيهَا، فَشَكَا إِلَيْهِ مِمَّا صَنَعَ بِهِ أَخُوهُ، مِنْ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْبِلَادِ، (وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُنْجِدَهُ عَلَيْهِ،
следующие страницы →