← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

ذِكْرُ مُلْكِ خُوَارِزْمَ شَاهِ الطَّالْقَانِ لَمَّا سَلَّمَ خُوَارِزْمُ شَاهْ تِرْمِذَ إِلَى الْخَطَا سَارَ عَنْهَا إِلَى مَيْهَنَةَ وَأَنْدَخُوِي [وَكَتَبَ] إِلَى سُونَجَ أَمِيرِ أَشْكَارَ، نَائِبِ غِيَاثِ الدِّينِ مَحْمُودٍ بِالطَّالْقَانِ، يَسْتَمِيلُهُ، فَعَادَ الرَّسُولُ خَائِبًا لَمْ يُجِبْهُ سُونَجُ إِلَى مَا أَرَادَ مِنْهُ، وَجَمَعَ عَسْكَرَهُ وَخَرَجَ يُحَارِبُ خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَالْتَقَوْا بِالْقُرْبِ مِنَ الطَّالْقَانِ. فَلَمَّا تَقَابَلَ الْعَسْكَرَانِ حَمَلَ سُونَجُ وَحْدَهُ مُجِدًّا حَتَّى قَارَبَ عَسْكَرَ خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ إِلَى الْأَرْضِ، وَرَمَى سِلَاحَهُ عَنْهُ، وَقَبَّلَ الْأَرْضِ، وَسَأَلَ الْعَفْوَ، فَظَنَّ خُوَارِزْمُ شَاهْ أَنَّهُ سَكْرَانُ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ صَاحٍ ذَمَّهُ وَسَبَّهُ، وَقَالَ: مَنْ يَثِقُ بِهَذَا وَأَشْبَاهِهِ! وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، وَأَخَذَ مَا بِالطَّالْقَانِ مِنْ مَالٍ وَسِلَاحٍ وَدَوَابَّ وَأَنْفَذَهُ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ مَعَ رَسُولٍ، وَحَمَّلَهُ رِسَالَةً تَتَضَمَّنُ التَّقَرُّبَ إِلَيْهِ وَالْمُلَاطَفَةَ لَهُ، وَاسْتَنَابَ بِالطَّالْقَانِ بَعْضَ أَصْحَابِهِ، وَسَارَ إِلَى قِلَاعِ كَالُورِينَ وَبِيوَارَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ حُسَامُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ، صَاحِبُ كَالُورِينَ، وَقَاتَلَهُ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ خُوَارِزْمُ شَاهْ يَتَهَدَّدُهُ إِنْ لَمْ يُسَلِّمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَمَمْلُوكٌ، وَأَمَّا هَذِهِ الْحُصُونُ فَهِيَ أَمَانَةٌ بِيَدِي، وَلَا أُسَلِّمُهَا إِلَّا إِلَى صَاحِبِهَا، فَاسْتَحْسَنَ خُوَارِزْمُ شَاهْ مِنْهُ هَذَا، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَمَّ سُونَجَ. وَلَمَّا بَلَغَ غِيَاثَ الدِّينِ خَبَرُ سُونَجَ، وَتَسْلِيمُهُ الطَّالْقَانَ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ، عَظُمَ عِنْدَهُ وَشَقَّ عَلَيْهِ، فَسَلَّاهُ أَصْحَابُهُ، وَهَوَّنُوا الْأَمْرَ. وَلَمَّا فَرَغَ خُوَارِزْمُ شَاهْ مِنَ الطَّالْقَانِ سَارَ إِلَى هَرَاةَ، فَنَزَلَ بِظَاهِرِهَا، وَلَمْ يُمَكِّنِ ابْنُ خَرْمِيلَ أَحَدًا مِنَ الْخُوَارِزْمِيِّينَ أَنْ يَتَطَرَّقَ بِالْأَذَى إِلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا كَانُوا يَجْتَمِعُ مِنْهُمُ الْجَمَاعَةُ بَعْدَ الْجَمَاعَةِ، فَيَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ، وَهَذِهِ عَادَةُ الْخُوَارِزْمِيِّينَ. وَوَصَلَ رَسُولُ غِيَاثِ الدِّينِ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ بِالْهَدَايَا، وَرَأَى النَّاسُ عَجَبًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْخُوَارِزْمِيِّينَ لَا يَذْكُرُونَ غِيَاثَ الدِّينِ الْكَبِيرَ وَالِدَ غِيَاثِ الدِّينِ هَذَا، وَلَا يَذْكُرُونَ أَيْضًا شِهَابَ الدِّينِ أَخَاهُ، وَهُمَا حَيَّانِ، إِلَّا بِالْغُورِيِّ، وَصَاحِبِ غَزْنَةَ، وَكَانَ وَزِيرُ

стр. 5952

خُوَارِزْمَ شَاهِ الْآنَ، مَعَ عِظَمِ شَأْنِهِ وَقِلَّةِ شَأْنِ غِيَاثِ الدِّينِ هَذَا، لَا يَذْكُرُهُ إِلَّا بِمَوْلَانَا السُّلْطَانُ مَعَ ضَعْفِهِ وَعَجْزِهِ وَقِلَّةِ بِلَادِهِ. وَأَمَّا ابْنُ خَرْمِيلَ فَإِنَّهُ سَارَ مِنْ هَرَاةَ فِي جَمْعٍ مِنْ عَسْكَرِ خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَنَزَلَ عَلَى أَسْفِزَارَ فِي صَفَرٍ، وَكَانَ صَاحِبُهَا قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ فَحَصَرَهَا وَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ بِهَا يُقْسِمُ بِاللَّهِ لَئِنْ سَلَّمُوهَا أَنْ يُؤَمِّنَهُمْ، وَإِنِ امْتَنَعُوا أَقَامَ عَلَيْهِمْ إِلَى أَنْ يَأْخُذَهُمْ، فَإِذَا أَخَذَهُمْ قَهْرًا لَا يُبْقِي عَلَى كَبِيرٍ وَلَا صَغِيرٍ، فَخَافُوا، فَسَلَّمُوهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَأَمَّنَهُمْ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ إِلَى أَهْلِهَا بِسُوءٍ، فَلَمَّا أَخَذَهَا أَرْسَلَ إِلَى حَرْبِ بْنِ مُحَمَّدٍ - صَاحِبِ سِجِسْتَانَ - يَدْعُوهُ إِلَى طَاعَةِ خُوَارِزْمَ شَاهْ وَالْخُطْبَةِ لَهُ بِبِلَادِهِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَكَانَ غِيَاثُ الدِّينِ قَدْ رَاسَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْخُطْبَةِ وَالدُّخُولِ فِي طَاعَتِهِ، فَغَالَطَهُ وَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى مَا طَلَبَ. وَلَمَّا كَانَ خُوَارِزْمُ شَاهْ عَلَى هَرَاةَ عَادَ إِلَيْهَا الْقَاضِي صَاعِدُ بْنُ الْفَضْلِ الَّذِي كَانَ ابْنُ خَرْمِيلَ قَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ هَرَاةَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي، وَسَارَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ، فَعَادَ الْآنَ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ قَالَ ابْنُ خَرْمِيلَ لِخُوَارِزْمَ شَاهْ: إِنَّ هَذَا يَمِيلُ إِلَى الْغُورِيَّةِ، وَيُرِيدُ دَوْلَتَهُمْ، وَوَقَعَ فِيهِ، فَسَجَنَهُ خُوَارِزْمُ شَاهْ بِقَلْعَةِ زَوْزَنَ، وَوَلَّى الْقَضَاءَ بِهَرَاةَ الصَّفِيَ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدٍ السَرَخْسِيَّ، وَكَانَ يَنُوبُ عَنْ صَاعِدٍ وَابْنِهِ فِي الْقَضَاءِ بِهَرَاةَ. ذِكْرُ حَالِ غِيَاثِ الدِّينِ مَعَ أَلْدِزَ وَأَيْبَكَ لَمَّا عَادَ أَلْدِزُ إِلَى غَزْنَةَ، وَأَسَرَ عَلَاءَ الدِّينِ وَأَخَاهُ جَلَالَ الدِّينِ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - كَتَبَ إِلَيْهِ غِيَاثُ الدِّينِ يُطَالِبُهُ بِالْخُطْبَةِ لَهُ، فَأَجَابَهُ جَوَابَ مُدَافِعٍ، وَكَانَ جَوَابُهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ أَشَدَّ مِنْهُ فِيمَا تَقَدَّمَ، فَأَعَادَ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَيْهِ يَقُولُ: إِمَّا أَنْ تَخْطُبَ لَنَا، وَإِمَّا أَنْ تُعَرِّفَنَا مَا فِي نَفْسِكَ، فَلَمَّا وَصَلَ الرَّسُولُ بِهَذَا أَحْضَرَ خَطِيبَ غَزْنَةَ وَأَمَرَهُ [أَنْ] يَخْطُبَ لِنَفْسِهِ بَعْدَ التَّرَحُّمِ عَلَى شِهَابِ الدِّينِ، فَخَطَبَ لِتَاجِ الدِّينِ أَلْدِزَ بِغَزْنَةَ. فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ ذَلِكَ سَاءَهُمْ، وَتَغَيَّرَتْ نِيَّاتُهُمْ، وَنِيَّاتُ الْأَتْرَاكِ الَّذِينَ مَعَهُ، وَلَمْ يَرَوْهُ أَهْلًا أَنْ يَخْدِمُوهُ، وَإِنَّمَا كَانُوا يُطِيعُونَهُ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ يَنْصُرُ دَوْلَةَ غِيَاثِ الدِّينِ، فَلَمَّا خَطَبَ لَهُ أَرْسَلَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يَقُولُ لَهُ: بِمَاذَا تَشْتَطُّ عَلَيَّ، وَتَتَحَكَّمُ فِي هَذِهِ الْخِزَانَةِ؟ نَحْنُ جَمَعْنَاهَا بِأَسْيَافِنَا، وَهَذَا الْمُلْكُ قَدْ أَخَذْتَهُ، وَأَنْتَ قَدِ اجْتَمَعَ عِنْدَكَ الَّذِينَ هُمْ

стр. 5953

أَسَاسُ الْفِتْنَةِ، وَأَقْطَعْتَهُمُ الْإِقْطَاعَاتِ، وَوَعَدْتَنِي بِأُمُورٍ لَمْ تَقِفْ عَلَيْهَا، فَإِنْ أَنْتَ أَعْتَقْتَنِي خَطَبْتُ لَكَ وَحَضَرْتُ خِدْمَتَكَ. فَلَمَّا وَصَلَ الرَّسُولُ أَجَابَهُ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَى عِتْقِ أَلْدِزَ، بَعْدَ الِامْتِنَاعِ الشَّدِيدِ، وَالْعَزْمِ عَلَى مُصَالَحَةِ خُوَارِزْمَ شَاهْ عَلَى مَا يُرِيدُ، وَقَصْدِ غَزْنَةَ وَمُحَارَبَتِهِ بِهَا، فَلَمَّا أَجَابَهُ إِلَى الْعِتْقِ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهِ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ أَيْضًا بِعِتْقِ قُطْبِ الدِّينِ أَيْبَكَ، مَمْلُوكِ شِهَابِ الدِّينِ وَنَائِبِهِ بِبِلَادِ الْهِنْدِ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفَ قُبَاءٍ، وَأَلْفَ قَلَنْسُوَةٍ، وَمَنَاطِقَ الذَّهَبِ، وَسُيُوفًا كَثِيرَةً وَجَتْرَيْنِ، وَمِائَةَ رَأْسٍ مِنَ الْخَيْلِ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَسُولًا، فَقَبِلَ أَلْدِزُ الْخِلَعَ، وَرَدَ الْجَتْرَ، وَقَالَ: نَحْنُ عَبِيدٌ وَمَمَالِيكٌ، وَالْجَتْرُ لَهُ أَصْحَابٌ. وَسَارَ رَسُولُ أَيْبَكَ إِلَيْهِ، وَكَانَ بِفَرْشَابُورَ قَدْ ضَبَطَ الْمَمْلَكَةَ وَحَفِظَ الْبِلَادَ، وَمَنَعَ الْمُفْسِدِينَ مِنَ الْفَسَادِ وَالْأَذَى، وَالنَّاسُ مَعَهُ فِي أَمْنٍ، فَلَمَّا قَرُبَ الرَّسُولُ مِنْهُ لَقِيَهُ عَلَى بُعْدٍ، وَتَرَجَّلَ وَقَبَّلَ حَافِرَ الْفَرَسِ، وَلَبِسَ الْخِلْعَةَ، وَقَالَ: أَمَّا الْجَتْرُ فَلَا يَصْلُحُ لِلْمَمَالِيكِ، وَأَمَّا الْعِتْقُ فَمَقْبُولٌ، وَسَوْفَ أُجَازِيهِ بِعُبُودِيَّةٍ الْأَبَدَ. وَأَمَّا خُوَارِزْمُ شَاهْ فَإِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَتَصَاهَرَا، وَيَطْلُبُ مِنْهُ ابْنَ خَرْمِيلَ صَاحِبَ هَرَاةَ إِلَى طَاعَتِهِ، وَيَسِيرُ مَعَهُ فِي الْعَسَاكِرِ إِلَى غَزْنَةَ. فَإِذَا مَلَكَهَا مِنْ أَلْدِزَ اقْتَسَمُوا الْمَالَ أَثْلَاثًا: ثُلُثٌ لِخُوَارِزْمَ شَاهْ، وَثُلُثٌ لِغِيَاثِ الدِّينِ، وَثُلُثٌ لِلْعَسْكَرِ فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الصُّلْحُ، فَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ بِمَوْتِ صَاحِبِ مَازَنْدَرَانَ، فَسَارَ عَنْ هَرَاةَ إِلَى مَرْوَ، وَسَمِعَ أَلْدِزُ بِالصُّلْحِ، فَجَزِعَ لِذَلِكَ جَزَعًا عَظِيمًا ظَهَرَ أَثَرُهُ عَلَيْهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ فَقَالَ: حَمَلَنِي عَلَيْهِ عِصْيَانُكَ وَخِلَافُكَ عَلَيَّ. فَسَارَ أَلْدِزُ إِلَى تِكْيَابَاذَ فَأَخَذَهَا، وَإِلَى بُسْتَ، وَتِلْكَ الْأَعْمَالِ فَمَلَكَهَا، وَقَطَعَ خُطْبَةَ غِيَاثِ الدِّينِ مِنْهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِ سِجِسْتَانَ يَأْمُرُهُ بِإِعَادَةِ التَّرَحُّمِ عَلَى شِهَابِ الدِّينِ، وَقَطْعِ خُطْبَةِ خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ خَرْمِيلَ، صَاحِبِ هَرَاةَ، بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَتَهَدَّدَهُمَا بِقَصْدِ بِلَادِهِمَا، فَخَافَهُمَا النَّاسُ.

стр. 5954

ثُمَّ إِنَّ أَلْدِزَ أَخْرَجَ جَلَالَ الدِّينِ، صَاحِبَ بَامِيَانَ، مِنْ أَسْرِهِ، وَسَيَّرَ مَعَهُ خَمْسَةَ آلَافِ فَارِسٍ مَعَ أَيْ دِكْزَ الْتَتَرِ، مَمْلُوكِ شِهَابِ الدِّينِ، إِلَى بَامِيَانَ لِيُعِيدُوهُ إِلَى مُلْكِهِ وَيُزِيلُوا ابْنَ عَمِّهِ عَنْهُ، وَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ، وَسَارَ وَمَعَهُ أَيْ دِكْزُ، فَلَمَّا خَلَا بِهِ وَبَّخَهُ عَلَى لِبْسِهِ خِلْعَةَ أَلْدِزَ وَقَالَ لَهُ: أَنْتُمْ مَا رَضِيتُمْ [أَنْ] تَلْبَسُوا خِلْعَةَ غِيَاثِ الدِّينِ، وَهُوَ أَكْبَرُ سِنًّا مِنْكُمْ، وَأَشْرَفُ بَيْتًا، تَلْبَسُ خِلْعَةَ هَذَا الْمَأْبُونِ! - يَعْنِي أَلْدِزَ -، وَدَعَاهُ إِلَى الْعَوْدِ مَعَهُ إِلَى غَزْنَةَ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ الْأَتْرَاكَ كُلَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى خِلَافِ أَلْدِزَ. فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَقَالَ أَيْ دِكْزُ: فَإِنَّنِي لَا أَسِيرُ مَعَكَ، وَعَادَ إِلَى كَابُلَ، وَهِيَ إِقْطَاعُهُ، فَلَمَّا وَصَلَ أَيْ دِكْزُ إِلَى كَابُلَ لَقِيَهُ رَسُولٌ مِنْ قُطْبِ الدِّينِ أَيْبَكَ إِلَى أَلْدِزَ يُقَبِّحُ لَهُ فِعْلَهُ، وَيَأْمُرُهُ بِإِقَامَةِ خُطْبَةِ غِيَاثِ الدِّينِ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّهُ قَدْ خَطَبَ لَهُ فِي بِلَادِهِ، وَيَقُولُ لَهُ إِنْ لَمْ يَخْطُبْ لَهُ هُوَ أَيْضًا بِغَزْنَةَ وَيَعُودُ إِلَى طَاعَتِهِ، وَإِلَّا قَصَدَهُ وَحَارَبَهُ. فَلَمَّا عَلِمَ أَيْ دِكْزُ ذَلِكَ قَوِيَتْ نَفْسُهُ عَلَى مُخَالَفَةِ أَلْدِزَ، وَصَمَّمَ الْعَزْمَ عَلَى قَصْدِ غَزْنَةَ. وَوَصَلَ أَيْضًا رَسُولُ أَيْبَكَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ بِالْهَدَايَا وَالتُّحَفِ، وَيُشِيرُ عَلَيْهِ بِإِجَابَةِ خُوَارِزْمَ شَاهْ إِلَى مَا طَلَبَ الْآنَ، وَعِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَمْرِ غَزْنَةَ تَسْهُلُ أُمُورُ خُوَارِزْمَ شَاهْ وَغَيْرِهِ، وَأَنْفَذَ لَهُ ذَهَبًا عَلَيْهِ اسْمُهُ، فَكَتَبَ أَيْ دِكْزُ إِلَى أَيْبَكَ يُعَرِّفُهُ عِصْيَانَ أَلْدِزَ عَلَى غِيَاثِ الدِّينِ وَمَا فَعَلَهُ فِي الْبِلَادِ، وَأَنَّهُ عَلَى عَزْمِ مُشَاقَّةِ أَلْدِزَ، وَهُوَ يَنْتَظِرُ أَمْرَهُ، فَأَعَادَ أَيْبَكُ جَوَابَهُ يَأْمُرُهُ بِقَصْدِ غَزْنَةَ، فَإِنْ حَصَلَتْ لَهُ الْقَلْعَةُ أَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُ، وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الْقَلْعَةُ وَقَصَدَهُ أَلْدِزُ انْحَازَ إِلَيْهِ، أَوْ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ، أَوْ يَعُودُ إِلَى كَابُلَ. فَسَارَ إِلَى غَزْنَةَ، وَكَانَ جَلَالُ الدِّينِ قَدْ كَتَبَ إِلَى أَلْدِزَ يُخْبِرُهُ خَبَرَ أَيْ دِكْزَ وَمَا عَزَمَ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ أَلْدِزُ إِلَى نُوَّابِهِ بِقَلْعَةِ غَزْنَةَ يَأْمُرُهُمْ بِالِاحْتِيَاطِ مِنْهُ، فَوَصَلَهَا أَيْ دِكْزُ أَوَّلَ رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ، وَقَدْ حَذِرُوهُ فَلَمْ يُسَلِّمُوا إِلَيْهِ الْقَلْعَةَ، وَمَنَعُوهُ عَنْهَا، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِنَهْبِ الْبَلَدِ، فَنَهَبُوا عِدَّةَ مَوَاضِعَ مِنْهُ، فَتَوَسَّطَ الْقَاضِيَ الْحَالُّ بِأَنْ سَلَّمَ إِلَيْهِ مِنَ الْخِزَانَةِ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ رُكْنِيَّةٍ، وَأَخَذَ لَهُ مِنَ التُّجَّارِ شَيْئًا آخَرَ، وَخَطَبَ أَيْ دِكْزُ بِغَزْنَةَ لِغِيَاثِ الدِّينِ، وَقَطَعَ خُطْبَةَ أَلْدِزَ، فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ. وَكَانَ مُؤَيَّدُ الْمُلْكِ يَنُوبُ عَنْ أَلْدِزَ بِالْقَلْعَةِ، وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى أَلْدِزَ بِوُصُولِ أَيْ

стр. 5955

دِكْزَ إِلَى غَزْنَةَ، وَوُصُولِ رَسُولِ أَيْبَكَ إِلَيْهِ، فَفُتَّ فِي عَضُدِهِ، وَخَطَبَ لِغِيَاثِ الدِّينِ فِي تِكْيَابَاذَ، وَأَسْقَطَ اسْمَهُ مِنَ الْخُطْبَةِ، فَخَطَبَ لَهُ، وَرَحَلَ إِلَى غَزْنَةَ، فَلَمَّا قَارَبَهَا رَحَلَ أَيْ دِكْزُ عَنْهَا إِلَى بَلَدِ الْغَوْرِ، فَأَقَامَ فِي تَمْرَانَ، وَكَتَبَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يُخْبِرُهُ بِحَالِهِ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ الْمَالَ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَ الْخِزَانَةِ وَمِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ خِلَعًا وَأَعْتَقَهُ، وَخَاطَبَهُ بِمُلْكِ الْأُمَرَاءِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ الْمَالَ الَّذِي كَانَ أَخَذَهُ مِنَ الْخِزَانَةِ، وَقَالَ لَهُ: أَمَّا مَالُ الْخِزَانَةِ فَقَدْ أَعَدْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَهُ، وَأَمَّا أَمْوَالُ التُّجَّارِ وَأَهْلِ الْبَلَدِ فَقَدْ أَرْسَلْتُهُ (مَعَ رَسُولِي لِيُعَادَ) إِلَى أَرْبَابِهِ لِئَلَّا نَفْتَتِحَ دَوْلَتَنَا بِالظُّلْمِ، وَقَدْ عَوَّضْتُكَ عَنْهُ ضِعْفَهُ. وَأَرْسَلَ أَمْوَالَ النَّاسِ إِلَى غَزْنَةَ، إِلَى قَاضِي غَزْنَةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَالَ (الْمُنْفَذَ) عَلَى أَرْبَابِهِ، فَأَنْهَى الْقَاضِي الْحَالُّ إِلَى أَلْدِزَ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالْخُطْبَةِ لِغِيَاثِ الدِّينِ، وَقَالَ: أَنَا أَسْعَى فِي الْوَصْلَةِ بَيْنَكُمَا وَالصِّهْرِ وَالصُّلْحِ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْقَاضِي يَنْهَاهُ عَنِ الْمَجِيءِ إِلَيْهِ، وَقَالَ: لَا تَسْأَلْ فِي عَبْدٍ أَبَقَ قَدْ بَانَ فَسَادُهُ وَاتَّضَحَ عِنَادُهُ، فَأَقَامَ بِغَزْنَةَ هُوَ وَأَلْدُزُ، وَسَيَّرَ غِيَاثُ الدِّينِ عَسْكَرًا إِلَى أَيْ دِكْزَ الْتَتَرِ، فَأَقَامُوا مَعَهُ، وَسَيَّرَ أَلْدِزُ عَسْكَرًا إِلَى رُوَيْنَ كَانَ، وَهِيَ لِغِيَاثِ الدِّينِ، وَقَدْ أَقْطَعَهَا لِبَعْضِ الْأُمَرَاءِ، فَهَجَمُوا عَلَى صَاحِبِهَا، فَنَهَبُوا مَالَهُ، وَأَخَذُوا أَوْلَادَهُ، فَنَجَا وَحْدَهُ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ، فَاقْتَضَى الْحَالُ أَنْ سَارَ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَى بُسْتَ وَتِلْكَ الْوِلَايَةِ، فَاسْتَرَدَّهَا وَأَحْسَنَ إِلَى أَهْلِهَا، وَأَطْلَقَ لَهُمْ خَرَاجَ سَنَةٍ لِمَا نَالَهُمْ مِنْ أَلْدِزَ مِنَ الْأَذَى. ذِكْرُ وَفَاةِ صَاحِبِ مَازَنْدَرَانَ وَالْخُلْفِ بَيْنَ أَوْلَادِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ حُسَامُ الدِّينِ (أَرْدِشِيرُ) ، صَاحِبُ مَازَنْدَرَانَ وَخَلَّفَ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ، فَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْأَكْبَرُ، وَأَخْرَجَ أَخَاهُ الْأَوْسَطَ مِنَ الْبِلَادِ، فَقَصَدَ جُرْجَانَ، وَبِهَا الْمَلِكُ عَلِيٌّ شَاهْ بْنُ خُوَارِزْمَ شَاهْ تُكُشَ، أَخُو خُوَارِزْمَ شَاهْ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ يَنُوبُ عَنْ أَخِيهِ فِيهَا، فَشَكَا إِلَيْهِ مِمَّا صَنَعَ بِهِ أَخُوهُ، مِنْ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْبِلَادِ، (وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُنْجِدَهُ عَلَيْهِ،

стр. 5956

وَيَأْخُذَ لَهُ الْبِلَادَ لِيَكُونَ فِي طَاعَتِهِ) ، فَكَتَبَ عَلِيٌّ شَاهْ إِلَى أَخِيهِ خُوَارِزْمَ شَاهْ فِي ذَلِكَ، فَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ مَعَهُ إِلَى مَازَنْدَرَانَ، وَأَخْذِ الْبِلَادِ لَهُ، وَإِقَامَةِ الْخُطْبَةِ لِخُوَارِزْمَ شَاهْ فِيهَا. فَسَارُوا عَنْ جُرْجَانَ، فَاتُّفِقَ أَنَّ حُسَامَ الدِّينِ، صَاحِبَ مَازَنْدَرَانَ، مَاتَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَمَلَكَ الْبِلَادَ بَعْدَهُ أَخُوهُ الْأَصْغَرُ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْقِلَاعِ وَالْأَمْوَالِ، فَدَخَلَ عَلِيٌّ شَاهِ الْبِلَادَ، وَمَعَهُ صَاحِبُ، مَازَنْدَرَانَ، فَنَهَبُوهَا وَخَرَّبُوهَا، وَامْتَنَعَ مِنْهُمُ الْأَخُ الصَّغِيرُ بِالْقِلَاعِ، وَأَقَامَ بِقَلْعَةِ كُورَا، وَهِيَ الَّتِي فِيهَا الْأَمْوَالُ وَالذَّخَائِرُ، وَحَصَرُوهُ فِيهَا بَعْدَ أَنْ مَلَّكُوا أُسَامَةَ الْبِلَادَ مِثْلَ: سَارِيَةَ وَآمُلَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْبِلَادِ وَالْحُصُونِ، وَخُطِبَ لِخُوَارِزْمَ شَاهْ فِيهَا جَمِيعِهَا، فَصَارَتْ فِي طَاعَتِهِ، وَعَادَ عَلِيٌّ شَاهْ إِلَى جُرْجَانَ، وَأَقَامَ ابْنُ مَلْكِ مَازَنْدَرَانَ فِي الْبِلَادِ مَالِكًا لَهَا جَمِيعِهَا، سِوَى الْقَلْعَةِ الَّتِي فِيهَا أَخُوهُ الْأَصْغَرُ، وَهُوَ يُرَاسِلُهُ، وَيَسْتَمِيلُهُ، وَيَسْتَعْطِفُهُ، وَأَخُوهُ لَا يَرُدُّ جَوَابًا، وَلَا يَنْزِلُ عَنْ حِصْنِهِ. ذِكْرُ مُلْكِ غِيَاثِ الدِّينِ كَيْخَسْرُو مَدِينَةَ أَنْطَاكِيَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثَالِثَ شَعْبَانَ، مَلَكَ غِيَاثُ الدِّينِ كَيْخَسْرُو، صَاحِبُ قُونِيَةَ وَبَلَدِ الرُّومِ، مَدِينَةَ أَنْطَاكِيَةَ بِالْأَمَانِ، وَهِيَ لِلرُّومِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ حَصَرَهَا قَبْلَ هَذَا التَّارِيخِ، وَأَطَالَ الْمُقَامَ عَلَيْهَا، وَهَدَمَ عِدَّةَ أَبْرَاجٍ مِنْ سُورِهَا، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا فَتْحُهَا عَنْوَةً، فَأَرْسَلَ مَنْ [بِهَا مِنَ] الرُّومِ إِلَى الْفِرِنْجِ الَّذِينَ بِجَزِيرَةِ قُبْرُسَ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْهَا، فَاسْتَنْجَدُوهُمْ، فَوَصَلَ إِلَيْهَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَئِسَ غِيَاثُ الدِّينِ مِنْهَا، وَرَحَلَ عَنْهَا، وَتَرَكَ طَائِفَةً مِنْ عَسْكَرِهِ بِالْقُرْبِ مِنْهَا، بِالْجِبَالِ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ بِلَادِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِقَطْعِ الْمِيرَةِ مِنْهَا. فَاسْتَمَرَّ الْحَالُ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً حَتَّى ضَاقَ بِأَهْلِ الْبَلَدِ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ، فَطَلَبُوا مِنَ الْفِرِنْجِ الْخُرُوجَ لِدَفْعِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مُضَايَقَتِهِمْ، فَظَنَّ الْفِرِنْجُ أَنَّ الرُّومَ يُرِيدُونَ إِخْرَاجَهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ بِهَذَا السَّبَبِ، فَوَقَعَ الْخُلْفُ بَيْنَهُمْ، فَاقْتَتَلُوا، فَأَرْسَلَ الرُّومُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَطَلَبُوهُمْ لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِمُ الْبَلَدَ، فَوَصَلُوا إِلَيْهِمْ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى قِتَالِ الْفِرِنْجِ، فَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ وَدَخَلُوا الْحِصْنَ فَاعْتَصَمُوا بِهِ، فَأَرْسَلَ الْمُسْلِمُونَ يَطْلُبُونَ غِيَاثَ الدِّينِ، وَهُوَ بِمَدِينَةِ قُونِيَةَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ مُجِدًّا فِي طَائِفَةٍ مِنْ عَسْكَرِهِ، فَوَصَلَهَا ثَانِيَ شَعْبَانَ،

стр. 5957

وَتَقَرَّرَ الْحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرُّومِ، وَتَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ (ثَالِثَةً) ، وَحَصَرَ الْحِصْنَ الَّذِي فِيهِ الْفِرِنْجُ، وَتَسَلَّمَهُ، وَقَتَلَ كُلَ مَنْ كَانَ بِهِ مِنَ الْفِرِنْجِ. ذِكْرُ عَزْلِ وُلِدِ بُكْتُمُرَ صَاحِبِ خِلَاطَ وَمُلْكِ بِلْبَانَ وَمَسِيرِ صَاحِبِ مَارْدِينَ إِلَى خِلَاطَ وَعَوْدِهِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ عَسْكَرُ خِلَاطَ عَلَى صَاحِبِهَا وَلَدِ بُكْتُمُرَ، وَمَلَكَهَا بِلْبَانُ مَمْلُوكُ شَاهْ أَرْمَنَ بْنِ سَكْمَانَ، وَكَتَبَ أَهْلُ خِلَاطَ إِلَى نَاصِرِ الدِّينِ أُرْتُقَ بْنِ إِيلِغَازِي بْنِ الْبِي بْنِ تِمِرْتَاشَ بْنِ إِيلِغَازِي بْنِ أَرْتَقَ يَسْتَدْعُونَهُ إِلَيْهَا. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ وَلَدَ بُكْتُمُرَ كَانَ صَبِيًّا جَاهِلًا، فَقَبَضَ عَلَى الْأَمِيرِ (شُجَاعِ الدِّينِ قُتْلُغَ، مَمْلُوكٍ مِنْ مَمَالِيكِ شَاهْ أَرْمَنَ) ، وَهُوَ كَانَ أَتَابِكَهُ، وَمُدَبِّرَ بِلَادِهِ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ مَعَ الْجُنْدِ وَالرَّعِيَّةِ، فَلَمَّا قَتَلَهُ اخْتَلَفَتِ الْكَلِمَةُ عَلَيْهِ مِنَ الْجُنْدِ وَالْعَامَّةِ، وَاشْتَغَلَ هُوَ بِاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَإِدْمَانِ الشُّرْبِ، فَكَاتَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ عَامَّةِ خِلَاطَ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ جُنْدِ نَاصِرِ الدِّينِ، صَاحِبِ مَارْدِينَ، يَسْتَدْعُونَهُ إِلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا كَاتَبُوهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمُلُوكِ لِأَنَّ أَبَاهُ قُطْبَ الدِّينِ إِيلِغَازِي كَانَ ابْنَ أُخْتِ شَاهْ أَرْمَنَ بْنِ سَكْمَانَ، وَكَانَ شَاهْ أَرْمَنَ قَدْ حَلَفَ لَهُ النَّاسُ فِي حَيَاتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ، فَلَمَّا تَجَدَّدَتْ بَعْدَهُ هَذِهِ الْحَادِثَةُ تَذَاكَرُوا تِلْكَ الْأَيْمَانَ، وَقَالُوا: نَسْتَدْعِيهِ وَنُمَلِّكُهُ، فَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ شَاهْ أَرْمَنَ، فَكَاتَبُوهُ وَطَلَبُوهُ إِلَيْهِمْ. ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ مَمَالِيكِ شَاهْ أَرْمَنَ، اسْمُهُ بِلْبَانُ، وَكَانَ قَدْ جَاهَرَ وَلَدَ بُكْتُمُرَ بِالْعَدَاوَةِ وَالْعِصْيَانِ، سَارَ مِنْ خِلَاطَ إِلَى مَلَازَكُرْدَ وَمَلَكَهَا، وَاجْتَمَعَ الْأَجْنَادُ عَلَيْهِ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَسَارَ إِلَى خِلَاطَ فَحَصَرَهَا، وَاتَّفَقَ وَصُولَ صَاحِبِ مَارْدِينَ إِلَيْهَا، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ، وَيُسَلِّمُونَ إِلَيْهِ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلَ قَرِيبًا مِنْ خِلَاطَ عِدَّةَ أَيَّامٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِلْبَانُ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ أَهْلَ خِلَاطَ قَدِ اتَّهَمُونِي بِالْمَيْلِ إِلَيْكَ، وَهُمْ يَنْفِرُونَ مِنَ الْعَرَبِ، وَالرَّأْيُ أَنَّكَ تَرْحَلُ عَائِدًا مَرْحَلَةً وَاحِدَةً وَتُقِيمُ، فَإِذَا تَسَلَّمَتُ الْبَلَدَ سَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ، لِأَنَّنِي لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَمْلِكَهُ أَنَا.

стр. 5958

فَفَعَلَ صَاحِبُ مَارْدِينَ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَبْعَدَ عَنْ خَلَاطَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: تَعُودُ إِلَى بَلَدِكَ، وَإِلَّا جِئْتُ إِلَيْكَ وَأَوْقَعْتُ بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ. وَكَانَ فِي قِلَّةٍ مِنَ الْجَيْشِ، فَعَادَ إِلَى مَارْدِينَ. وَكَانَ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ مُوسَى بْنُ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ، صَاحِبُ حَرَّانَ وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ، قَدْ أَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِ مَارْدِينَ، لَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ يُرِيدُ قَصْدَ خِلَاطَ، يَقُولُ لَهُ: إِنْ سِرْتَ إِلَى خِلَاطَ قَصَدْتُ بَلَدَكَ، وَإِنَّمَا خَافَ أَنْ يَمْلِكَ خِلَاطَ فَيَقْوَى عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا سَارَ إِلَى خِلَاطَ جَمَعَ الْأَشْرَفُ الْعَسَاكِرَ وَسَارَ إِلَى وِلَايَةِ مَارْدِينَ، فَأَخَذَ دَخْلَهَا، وَأَقَامَ بِدُنَيْسِرَ يَجْبِي الْأَمْوَالَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ عَادَ إِلَى حَرَّانَ، فَكَانَ مَثَلُ صَاحِبِ مَارْدِينَ كَمَا قِيلَ: خَرَجَتِ النَّعَامَةُ تَطْلُبُ قَرْنَيْنِ فَعَادَتْ بِلَا أُذُنَيْنِ. وَأَمَّا بِلْبَانُ فَإِنَّهُ جَمَعَ الْعَسْكَرَ وَحَشَدَ، وَحَصَرَ خِلَاطَ وَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا، وَبِهَا وَلَدُ بُكْتُمُرَ، فَجَمَعَ مَنْ عِنْدَهُ بِالْبَلَدِ مِنَ الْأَجْنَادِ وَالْعَامَّةِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَالْتَقَوْا، فَانْهَزَمَ بِلْبَانُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَعَادَ إِلَى الَّذِي بِيَدِهِ مِنَ الْبِلَادِ، وَهُوَ: مَلَازَكُرْدُ وَأَرْجِيشُ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْحُصُونِ، وَجَمَعَ الْعَسَاكِرِ، وَاسْتَكْثَرَ مِنْهَا، وَعَاوَدَ حِصَارَ خِلَاطَ وَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا، فَاضْطَرَّهُمْ إِلَى خِذْلَانِ وَلَدِ بُكْتُمُرَ لِصِغَرِهِ، وَجَهْلِهِ بِالْمُلْكِ، وَاشْتِغَالِهِ بِلَهْوِهِ وَلَعِبِهِ، ثُمَّ قَبَضُوا عَلَيْهِ فِي الْقَلْعَةِ، وَأَرْسَلُوا إِلَى بِلْبَانَ وَحَلَّفُوهُ عَلَى مَا أَرَادُوا، وَسَلَّمُوا إِلَيْهِ الْبَلَدَ وَابْنَ بُكْتُمُرَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ خِلَاطَ، وَسَجَنَ ابْنَ بُكْتُمُرَ فِي قَلْعَةٍ هُنَاكَ، وَاسْتَقَرَّ مُلْكُهُ، فَسُبْحَانَ مَنْ إِذَا أَرَادَ أَمْرًا هَيَّأَ أَسْبَابَهُ ; بِالْأَمْسِ يَقْصِدُهَا شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ الْبَهْلَوَانُ وَصَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدُهُمَا عَلَيْهَا، وَالْآنَ يَظْهَرُ هَذَا الْمَمْلُوكُ الْعَاجِزُ، الْقَاصِرُ عَنِ الرِّجَالِ وَالْبِلَادِ وَالْأَمْوَالِ، فَيَمْلِكُهَا صَفْوًا عَفْوًا. ثُمَّ إِنَّ نَجْمَ الدِّينِ أَيُّوبَ بْنَ الْعَادِلِ، صَاحِبَ مَيَّافَارِقِينَ، سَارَ نَحْوَ وِلَايَةِ خِلَاطَ وَكَانَ قَدِ اسْتَوْلَى [عَلَى] عِدَّةِ حُصُونٍ مِنْ أَعْمَالِهَا مِنْهَا: حِصْنُ مُوسَى وَمَدِينَتُهُ، فَلَمَّا قَارَبَ خِلَاطَ أَظْهَرَ لَهُ بِلْبَانُ الْعَجْزَ عَنْ مُقَابَلَتِهِ، فَطَمِعَ، وَأَوْغَلَ فِي الْقُرْبِ، فَأَخَذَ عَلَيْهِ بِلْبَانُ الطَّرِيقَ وَقَاتَلَهُ فَهَزَمَهُ، وَلَمْ يُفْلِتْ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَّا الْقَلِيلُ وَهُمْ جَرْحَى، وَعَادَ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ.

стр. 5959

ذِكْرُ مُلْكِ الْكُرْجِ مَدِينَةَ قُرْسَ وَمَوْتِ مَلِكِ الْكُرْجِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ الْكُرْجُ حِصْنَ قُرْسَ، مِنْ أَعْمَالِ خِلَاطَ، وَكَانُوا قَدْ حَصَرُوهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَضَيَّقُوا عَلَى مَنْ فِيهِ، وَأَخَذُوا دَخْلَ الْوِلَايَةِ عِدَّةَ سِنِينَ، وَكُلُّ مَنْ يَتَوَلَّى خِلَاطَ لَا يُنْجِدُهُمْ، وَلَا يَسْعَى فِي رَاحَةٍ تَصِلُ إِلَيْهِمْ. وَكَانَ الْوَالِي بِهَا يُوَاصِلُ رُسُلَهُ فِي طَلَبِ النَّجْدَةِ، وَإِزَاحَةِ مَنْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُرْجِ، فَلَا يُجَابُ لَهُ دُعَاءٌ، فَلَمَّا طَالَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، وَرَأَى أَنْ لَا نَاصِرَ لَهُ، صَالَحَ الْكُرْجَ عَلَى تَسْلِيمِ الْقَلْعَةِ عَلَى مَالٍ كَثِيرٍ وَإِقْطَاعٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ. وَصَارَتْ دَارَ شِرْكٍ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ دَارَ تَوْحِيدٍ - فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ -، وَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُسَهِّلَ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ نَصْرًا مِنْ عِنْدِهِ، فَإِنَّ مُلُوكَ زَمَانِنَا قَدِ اشْتَغَلُوا بِلَهْوِهِمْ وَلَعِبِهِمْ وَظُلْمِهِمْ عَنْ سَدِّ الثُّغُورِ وَحِفْظِ الْبِلَادِ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - نَظَرَ إِلَى قِلَّةِ نَاصِرِ الْإِسْلَامِ، فَتَوَلَّاهُ هُوَ، فَأَمَاتَ مَلِكَةَ الْكُرْجِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَكَفَى اللَّهُ شَرَّهُمْ إِلَى آخِرِ السَّنَةِ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ وَصَاحِبِ لُرُسْتَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَمَضَانَ، سَارَ عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ مِنْ خُوزِسْتَانَ مَعَ مَمْلُوكِهِ سَنْجَرَ - وَهُوَ كَانَ الْمُتَوَلِّيَ لِتِلْكَ الْأَعْمَالِ، وَلِيَهَا بَعْدَ مَوْتِ طَاشْتِكِينَ أَمِيرِ الْحَاجِّ، لِأَنَّهُ زَوْجُ ابْنَةِ طَاشْتِكِينَ - إِلَى جِبَالِ لُرُسْتَانَ، وَصَاحِبُهَا يُعْرَفُ بِأَبِي طَاهِرٍ - وَهِيَ جِبَالٌ مَنِيعَةٌ بَيْنَ فَارِسَ وَأَصْبَهَانَ وَخُوزِسْتَانَ - فَقَاتَلُوا أَهْلَهَا وَعَادُوا مُنْهَزِمِينَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَمْلُوكًا لِلْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ اسْمُهُ قُشْتُمُرُ مِنْ أَكَابِرِ مَمَالِيكِهِ كَانَ قَدْ فَارَقَ الْخِدْمَةَ لِتَقْصِيرٍ رَآهُ مِنَ الْوَزِيرِ نَصِيرِ الدِّينِ (الْعَلَوِيِّ الرَّازِيِّ، وَاجْتَازَ بِخُوزِسْتَانَ، وَأَخَذَ مِنْهَا مَا أَمْكَنَهُ) وَلَحِقَ بِأَبِي طَاهِرٍ صَاحِبِ لُرُسْتَانَ، فَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ وَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ، ثُمَّ تُوُفِّيَ أَبُو طَاهِرٍ فَقَوِيَ أَمْرُ قُشْتُمُرَ، وَأَطَاعَهُ أَهْلُ تِلْكَ الْوِلَايَةِ. فَأَمَرَ سَنْجَرَ بِجَمْعِ الْعَسَاكِرِ وَقَصْدِهِ وَقِتَالِهِ، فَفَعَلَ سَنْجَرُ مَا أُمِرَ بِهِ، وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَسَارَ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ قُشْتُمُرُ يَعْتَذِرُ، وَيَسْأَلُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ وَلَا يَخْرُجُ عَنِ الْعُبُودِيَّةِ،

стр. 5960

فَلَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُ، فَجَمَعَ أَهْلَ تِلْكَ الْأَعْمَالِ، وَنَزَلَ إِلَى الْعَسْكَرِ، فَلَقِيَهُمْ، فَهَزَمَهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِ فَارِسَ ابْنِ دَكْلَا وَشَمْسِ الدِّينِ إِيدْغِمْشَ، صَاحِبِ أَصْبَهَانَ وَهَمَذَانَ وَالرَّيِّ، يُعَرِّفُهُمَا الْحَالَ، وَيَقُولُ: إِنَّنِي لَا قُوَّةَ لِي بِعَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ، وَرُبَّمَا أُضِيفَ إِلَيْهِمْ عَسَاكِرُ أُخْرَى مِنْ بَغْدَادَ وَعَادُوا إِلَى حَرْبِي، وَحِينَئِذٍ لَا أَقْدِرُ بِهِمْ، وَطَلَبَ مِنْهُمَا النَّجْدَةَ، وَخَوَّفَهُمَا مِنْ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ إِنْ مَلَكَ تِلْكَ الْجِبَالَ، فَأَجَابَاهُ إِلَى مَا طَلَبَ، فَقَوِيَ جَنَانُهُ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى حَالِهِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَ صَبِيٌّ صَبِيًّا آخَرَ بِبَغْدَادَ، وَكَانَا يَتَعَاشَرَانِ، وَعُمْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُقَارِبُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: السَّاعَةَ أَضْرِبُكَ بِهَذِهِ السِّكِّينِ، يُمَازِحُهُ بِذَلِكَ، وَأَهْوَى نَحْوَهُ بِهَا، فَدَخَلَتْ فِي جَوْفِهِ فَمَاتَ، فَهَرَبَ الْقَاتِلُ ثُمَّ أُخِذَ وَأُمِرَ بِهِ لِيُقْتَلَ، فَلَمَّا أَرَادُوا قَتْلَهُ طَلَبَ دَوَاةً [وَوَرَقَةً] بَيْضَاءَ، وَكَتَبَ فِيهَا مِنْ قَوْلِهِ: قَدِمْتُ عَلَى الْكَرِيمِ بِغَيْرِ زَادٍ ... مِنَ الْأَعْمَالِ بِالْقَلْبِ السَّلِيمِ وَسُوءُ الظَّنِّ أَنْ تَعْتَدَّ زَادًا ... إِذَا كَانَ الْقُدُومُ عَلَى كَرِيمِ وَفِيهَا حَجَّ بُرْهَانُ الدِّينِ صَدْرُ جِهَانَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَازَّةَ الْبُخَارِيُّ رَأْسُ الْحَنَفِيَّةِ بِبُخَارَى، وَهُوَ كَانَ صَاحِبَهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، يُؤَدِّي الْخَرَاجَ إِلَى الْخَطَا، وَيَنُوبُ عَنْهُمْ فِي الْبَلَدِ، فَلَمَّا حَجَّ لَمْ تُحْمَدْ سِيرَتُهُ فِي الطَّرِيقِ، وَلَمْ يَصْنَعْ مَعْرُوفًا، وَكَانَ قَدْ أُكْرِمَ بِبَغْدَادَ عِنْدَ قُدُومِهِ مِنْ بُخَارَى، فَلَمَّا عَادَ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ لِسُوءِ سِيرَتِهِ مَعَ الْحُجَّاجِ، وَسَمَّاهُ الْحُجَّاجُ صَدْرَ جَهَنَّمَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا، فِي شَوَّالٍ، مَاتَ شَيْخُنَا أَبُو الْحَرَمِ مَكِّيُّ بْنُ رَيَّانَ بْنِ شَبَّةَ النَّحْوِيُّ

стр. 5961

الْمُقْرِئُ بِالْمَوْصِلِ، وَكَانَ عَارِفًا بِالنَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالْقِرَاءَاتِ، لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ مِثْلُهُ، وَكَانَ ضَرِيرًا، وَكَانَ يَعْرِفُ سِوَى هَذِهِ الْعُلُومِ مِنَ الْفِقْهِ وَالْحِسَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَعْرِفَةً حَسَنَةً، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ عِبَادِ اللَّهِ وَصَالِحِيهِمْ، كَثِيرَ التَّوَاضُعِ، لَا يَزَالُ النَّاسُ يَشْتَغِلُونَ عَلَيْهِ مِنْ بُكْرَةٍ إِلَى اللَّيْلِ. [ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ] وَفِيهَا فَارِقَ أَمِيرُ الْحَاجِّ مُظَفَّرُ الدِّينِ سُنْقُرُ مَمْلُوكُ الْخَلِيفَةِ الْمَعْرُوفُ بِوَجْهِ السَّبُعِ الْحَاجَّ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ الْمَرْجُومُ، وَمَضَى فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الشَّامِ، وَسَارَ الْحَاجُّ وَمَعَهُمُ الْجُنْدُ، فَوَصَلُوا سَالِمِينَ، وَوَصَلَ هُوَ إِلَى الْمَلِكِ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ، فَأَقْطَعَهُ إِقْطَاعًا كَثِيرًا بِمِصْرَ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ عَادَ إِلَى بَغْدَادَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّمِائَةٍ فِي جُمَادَى الْأُولَى، فَإِنَّهُ لَمَّا قُبِضَ الْوَزِيرُ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَرْسَلَ يَطْلُبُ الْعَوْدَ، فَأُجِيبَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَصَلَ أَكْرَمَهُ الْخَلِيفَةُ وَأَقْطَعَهُ الْكُوفَةَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، تُوُفِّيَ أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ النَّطْرُونِيِّ، فِي مَارَسْتَانَ بَغْدَادَ، وَكَانَ قَدْ مَضَى إِلَى الْمَايُورْقِيِّ فِي رِسَالَةٍ بِإِفْرِيقِيَّةَ، فَحَصَلَ لَهُ مِنْهُ عَشَرَةُ آلَافِ دِينَارٍ مَغْرِبِيَّةٍ، فَرَّقَهَا جَمِيعَهَا فِي بَلَدِهِ عَلَى مَعَارِفِهِ وَأَصْدِقَائِهِ، وَكَانَ فَاضِلًا خَيِّرًا - نِعْمَ الرَّجُلِ، ﵀، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، وَكَانَ قَيِّمًا بِعِلْمِ الْأَدَبِ، وَأَقَامَ بِالْمَوْصِلِ مُدَّةً، وَاشْتَغَلَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الْحَرَمِ وَاجْتَمَعْتُ بِهِ كَثِيرًا عِنْدَهُ.

стр. 5962

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّمِائَة] ٦٠٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّمِائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ خُوَارِزْمَ شَاهْ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَمَا كَانَ بِخُرَاسَانَ مِنَ الْفِتَنِ وَإِصْلَاحِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبَرَ عَلَاءُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ خُوَارِزْمَ شَاهْ نَهْرَ جَيْحُونَ لِقِتَالِ الْخَطَا. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَطَا كَانُوا قَدْ طَالَتْ أَيَّامُهُمْ بِبِلَادِ تُرْكِسْتَانَ، وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَثَقُلَتْ وَطَأَتُهُمْ عَلَى أَهْلِهَا، وَلَهُمْ فِي كُلِّ مَدِينَةِ نَائِبٌ يَجْبِي إِلَيْهِمُ الْأَمْوَالَ، وَهُمْ يَسْكُنُونَ الْخَرْكَاهَاتِ عَلَى عَادَتِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكُوا، وَكَانَ مُقَامُهُمْ بِنَوَاحِي أُوزْكَنْدَ، وَبَلَاسَاغُونَ، وَكَاشْغَرَ، وَتِلْكَ النَّوَاحِي، فَاتُّفِقَ أَنَّ سُلْطَانَ سَمَرْقَنْدَ وَبُخَارَى، وَيُلَقَّبُ خَانْ خَانَانْ - يَعْنِي سُلْطَانَ السَّلَاطِينِ -. وَهُوَ مِنْ أَوْلَادِ الْخَانِيَّةِ، عَرِيقُ النَّسَبِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْمُلْكِ، أَنِفَ وَضَجِرَ مِنْ تَحَكُّمِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَرْسَلَ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ عَلَيْكَ بِمَا أَعْطَاكَ مِنْ سِعَةِ الْمُلْكِ وَكَثْرَةِ الْجُنُودِ أَنْ تَسْتَنْقِذَ الْمُسْلِمِينَ وَبِلَادَهُمْ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ، وَتُخَلِّصَهُمْ مِمَّا يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ التَّحَكُّمِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَبْشَارِ، وَنَحْنُ نَتَّفِقُ مَعَكَ عَلَى مُحَارَبَةِ الْخَطَا، وَنَحْمِلُ إِلَيْكَ مَا نَحْمِلُهُ إِلَيْهِمْ، وَنَذْكُرُ اسْمَكَ فِي الْخُطْبَةِ وَعَلَى السِّكَّةِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: أَخَافَ أَنَّكُمْ لَا تَفُونَ لِي. فَسَيَّرَ إِلَيْهِ صَاحِبُ سَمَرْقَنْدَ وُجُوهَ أَهْلِ بُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ، بَعْدَ أَنْ حَلَّفُوا صَاحِبَهُمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِمَا تَضَمَّنَهُ، وَضَمِنُوا عَنْهُ الصِّدْقَ وَالثَّبَاتَ عَلَى مَا بَذَلَ، وَجَعَلُوا عِنْدَهُ رَهَائِنَ، فَشَرَعَ فِي إِصْلَاحِ أَمْرِ خُرَاسَانَ، وَتَقْرِيرِ قَوَاعِدِهَا، فَوَلَّى أَخَاهُ عَلِيًّا شَاهْ فِي طَبَرِسْتَانَ مُضَافَةٍ إِلَى جُرْجَانَ، وَأَمَرَهُ بِالْحِفْظِ وَالِاحْتِيَاطِ، وَوَلَّى الْأَمِيرَ كُزْلَكَ خَانْ، وَهُوَ مِنْ أَقَارِبِ أُمِّهِ وَأَعْيَانِ دَوْلَتِهِ، بِنَيْسَابُورَ، وَجَعَلَ مَعَهُ عَسْكَرًا، وَوَلَّى الْأَمِيرَ جُلْدَكَ مَدِينَةَ الْخَامِ، وَوَلَّى الْأَمِيرَ أَمِينَ الدِّينِ أَبَا بَكْرٍ مَدِينَةَ زَوْزَنَ. وَكَانَ أَمِينُ الدِّينِ هَذَا حَمَّالًا، ثُمَّ صَارَ أَكْبَرَ الْأُمَرَاءِ، وَهُوَ الَّذِي مَلَكَ كَرْمَانَ -

стр. 5963

عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَقَرَّ الْأَمِيرَ الْحُسَيْنَ عَلَى هَرَاةَ، وَجَعَلَ مَعَهُ فِيهَا أَلْفَ فَارِسٍ مِنَ الْخُوَارِزْمِيَّةِ، وَصَالَحَ غِيَاثَ الدِّينِ مَحْمُودًا عَلَى مَا بِيَدِهِ مِنْ بِلَادِ الْغَوْرِ، وَكَرْمِسِيرَ وَاسْتَنَابَ فِي مَرْوَ وَسَرَخْسَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ خُرَاسَانَ نُوَّابًا، وَأَمَرَهُمْ بِحُسْنِ السِّيَاسَةِ، وَالْحِفْظِ، وَالِاحْتِيَاطِ، وَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ جَمِيعَهَا، وَسَارَ إِلَى خُوَارِزْمَ، وَتَجَهَّزَ مِنْهَا، وَعَبَرَ جَيْحُونَ، وَاجْتَمَعَ بِسُلْطَانِ سَمَرْقَنْدَ، وَسَمِعَ الْخَطَا، فَحَشَدُوا، وَجَمَعُوا، وَجَاءُوا إِلَيْهِ فَجَرَى بَيْنَهُمْ وَقْعَاتٌ كَثِيرَةٌ وَمُغَاوَرَاتٌ، فَتَارَةً لَهُ وَتَارَةً عَلَيْهِ. ذِكْرُ قَتْلِ ابْنِ خَرْمِيلَ وَحَصْرِ هَرَاةَ ثُمَّ إِنَّ ابْنَ خَرْمِيلَ - صَاحِبَ هَرَاةَ - رَأَى سُوءَ مُعَامَلَةِ عَسْكَرِ خُوَارِزْمَ شَاهْ لِلرَّعِيَّةِ، وَتَعَدِّيهِمْ إِلَى الْأَمْوَالِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِمْ وَحَبَسَهُمْ، وَبَعَثَ رَسُولًا إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ يَعْتَذِرُ، وَيُعَرِّفُهُ مَا صَنَعُوا، فَعَظُمَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ مُحَاقَّتُهُ لِاشْتِغَالِهِ بِقِتَالِ الْخَطَا فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَسْتَحْسِنُ فِعْلَهُ، وَيَأْمُرُهُ بِإِنْفَاذِ الْجُنْدِ الَّذِينَ قَبَضَ عَلَيْهِمْ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّنِي قَدْ أَمَرْتُ عِزَّ الدِّينِ جُلْدَكَ بْنَ طُغْرُلَ - صَاحِبَ الْخَامِ - أَنْ يَكُونَ عِنْدَكَ لِمَا أَعْلَمُهُ مِنْ عَقْلِهِ وَحُسْنِ سِيرَتِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى جُلْدَكَ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى هَرَاةَ، وَأَسَرَّ إِلَيْهِ أَنْ يَحْتَالَ فِي الْقَبْضِ عَلَى حُسَيْنِ بْنِ خَرْمِيلَ وَلَوْ أَوَّلُ سَاعَةٍ يَلْقَاهُ. فَسَارَ جُلْدَكُ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ - وَكَانَ أَبُوهُ طُغْرُلُ أَيَّامَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، وَالِيًا بِهَرَاةَ، فَهَوَى إِلَيْهَا بِالْأَشْوَاقِ يَخْتَارُهَا عَلَى جَمِيعِ خُرَاسَانَ -، فَلَمَّا قَارَبَ هَرَاةَ أَمَرَ ابْنُ خَرْمِيلَ النَّاسَ بِالْخُرُوجِ لِتَلَقِّيهِ، وَكَانَ لِلْحُسَيْنِ وَزِيرٌ يُعْرَفُ بِخَوَاجَه الصَّاحِبِ، وَكَانَ كَبِيرًا قَدْ حَنَّكَتْهُ التَّجَارِبُ، فَقَالَ لِابْنِ خَرْمِيلَ: لَا تَخْرُجْ إِلَى لِقَائِهِ وَدَعْهُ يَدْخُلُ إِلَيْكَ مُنْفَرِدًا، فَإِنَّنِي أَخَافُ أَنْ يَغْدِرَ بِكَ، وَأَنْ يَكُونَ خُوَارِزْمُ شَاهْ أَمَرَ بِذَلِكَ. فَقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْدَمَ مِثْلُ هَذَا الْأَمِيرِ وَلَا أَلْتَقِيهِ، وَأَخَافُ أَنْ يَضْطَغِنَ ذَلِكَ عَلَيَّ خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَمَا أَظُنُّهُ يَتَجَاسَرُ عَلَيَّ.

стр. 5964

فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْحُسَيْنُ بْنُ خَرْمِيلَ، فَلَمَّا بَصُرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ تَرَجَّلَ لِلِالْتِقَاءِ وَكَانَ جُلْدَكُ قَدْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ، فَاخْتَلَطُوا بِهِمَا، وَحَالُوا بَيْنَ ابْنِ خَرْمِيلَ وَأَصْحَابِهِ، وَقَبَضُوا عَلَيْهِ. فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ وَأَخْبَرُوا الْوَزِيرَ بِالْحَالِ، فَأَمَرَ بِإِغْلَاقِ الْبَابِ وَالطُّلُوعِ إِلَى الْأَسْوَارِ، وَاسْتَعَدَّ لِلْحِصَارِ، وَنَزَلَ جُلْدَكُ عَلَى الْبَلَدِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْوَزِيرِ يَتَهَدَّدُهُ، إِنْ لَمْ يُسَلِّمِ الْبَلَدَ، بِقَتْلِ ابْنِ خَرْمِيلَ، فَنَادَى الْوَزِيرُ بِشِعَارِ غِيَاثِ الدِّينِ مَحْمُودٍ الْغُورِيِّ، وَقَالَ لِجُلْدَكَ: لَا أُسَلِّمُ الْبَلَدَ إِلَيْكَ، وَلَا إِلَى الْغَادِرِ ابْنِ خَرْمِيلَ، وَإِنَّمَا هُوَ لِغِيَاثِ الدِّينِ، وَلِأَبِيهِ قَبْلَهُ. فَقَدَّمُوا ابْنَ خَرْمِيلَ إِلَى السُّورِ، فَخَاطَبَ الْوَزِيرَ، وَأَمَرَهُ بِالتَّسْلِيمِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَقُتِلَ ابْنُ خَرْمِيلَ، وَهَذِهِ عَاقِبَةُ الْغَدْرِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ أَخْبَارِهِ عِنْدَ شِهَابِ الدِّينِ الْغُورِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى غَدْرِهِ، وَكُفْرَانِهِ الْإِحْسَانَ مِمَّنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ. فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ خَرْمِيلَ كَتَبَ جُلْدَكُ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ بِجَلِيَّةِ الْحَالِ، فَأَنْفَذَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى كُزْلَكَ خَانْ - وَالِي نَيْسَابُورَ - وَإِلَى أَمِينِ الدِّينِ أَبِي بَكْرٍ - صَاحِبِ زَوْزَنَ - يَأْمُرُهُمَا بِالْمَسِيرِ إِلَى هَرَاةَ وَحِصَارِهَا وَأَخْذِهَا، فَسَارَا فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَنَزَلُوا عَلَى هَرَاةَ، وَرَاسَلُوا الْوَزِيرَ بِالتَّسْلِيمِ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: لَيْسَ لَكُمْ مِنَ الْمَحَلِّ مَا يُسَلِّمُ إِلَيْكُمْ مِثْلَ هَرَاةَ، لَكِنْ إِذَا وَصَلَ السُّلْطَانُ خُوَارِزْمُ شَاهْ سَلَّمْتُهَا إِلَيْهِ. فَقَاتَلُوهُ، وَجَدُّوا فِي قِتَالِهِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ. وَكَانَ ابْنُ خَرْمِيلَ قَدْ حَصَّنَ هَرَاةَ، وَعَمِلَ لَهَا أَرْبَعَةَ أَسْوَارٍ مَحْكَمَةٍ، وَحَفَرَ خَنْدَقَهَا، وَشَحَنَهَا بِالْمِيرَةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ كُلِّ مَا أَرَادَ قَالَ: بَقِيتُ أَخَافُ عَلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ شَيْئًا وَاحِدًا، وَهُوَ أَنْ تُسَكَّرَ الْمِيَاهُ الَّتِي لَهَا أَيَّامًا كَثِيرَةً، ثُمَّ تُرْسَلُ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَتَخْرِقُ أَسْوَارَهَا. فَلَمَّا حَصَرَهَا هَؤُلَاءِ سَمِعُوا قَوْلَ ابْنِ خَرْمِيلَ، فَسَكَّرُوا الْمِيَاهَ حَتَّى اجْتَمَعَتْ كَثِيرًا، ثُمَّ أَطْلَقُوهَا عَلَى هَرَاةَ فَأَحَاطَتْ بِهَا وَلَمْ تَصِلْ إِلَى السُّورِ لِأَنَّ أَرْضَ الْمَدِينَةِ مُرْتَفِعَةٌ، فَامْتَلَأَ الْخَنْدَقُ مَاءً، وَصَارَ حَوْلَهَا وَحْلًا، فَانْتَقَلَ الْعَسْكَرُ عَنْهُمْ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْقِتَالُ لِبُعْدِهِمْ عَنِ الْمَدِينَةِ. وَهَذَا كَانَ قَصْدَ ابْنِ خَرْمِيلَ: أَنْ يَمْتَلِئَ الْخَنْدَقُ مَاءً،

стр. 5965

وَيَمْنَعَ الْوَحْلُ مِنَ الْقُرْبِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَقَامُوا مُدَّةً حَتَّى نَشِفَ الْمَاءُ، فَكَانَ قَوْلُ ابْنِ خَرْمِيلَ مِنْ أَحْسَنِ الْحِيَلِ. وَنَعُودُ إِلَى قِتَالِ خُوَارِزْمَ شَاهِ الْخَطَا وَأَسْرِهِ، وَأَمَّا خُوَارِزْمُ شَاهْ فَإِنَّهُ دَامَ الْقِتَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَطَا، فَفِي بَعْضِ الْأَيَّامِ اقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَدَامَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ هَزِيمَةً قَبِيحَةً، وَأُسِرَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ. وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْرَى خُوَارِزْمُ شَاهْ، وَأُسِرَ مَعَهُ أَمِيرٌ كَبِيرٌ يُقَالُ لَهُ فُلَانُ بْنُ شِهَابِ الدِّينِ [مَسْعُودٍ] أَسَرَهُمَا رَجُلٌ وَاحِدٌ. وَوَصَلَتِ الْعَسَاكِرُ الْإِسْلَامِيَّةُ إِلَى خُوَارِزْمَ، وَلَمْ يَرَوُا السُّلْطَانَ مَعَهُمْ، فَأَرْسَلَتِ أُخْتُ كُزْلَكَ خَانْ - صَاحِبِ نَيْسَابُورَ - وَهُوَ يُحَاصِرُ هَرَاةَ، وَأَعْلَمَتْهُ الْحَالَ، فَلَمَّا أَتَاهُ الْخَبَرُ سَارَ عَنْ هَرَاةَ لَيْلًا إِلَى نَيْسَابُورَ، وَأَحَسَّ بِهِ الْأَمِيرُ أَمِينُ الدِّينِ أَبُو بَكْرٍ - صَاحِبُ زَوْزَنَ - فَأَرَادَ هُوَ وَمَنْ عِنْدِهِ مِنَ الْأُمَرَاءِ مَنْعَهُ، مَخَافَةَ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ يَطْمَعُ بِسَبَبِهَا أَهْلُ هَرَاةَ فِيهِمْ، فَيَخْرُجُونَ إِلَيْهِمْ فَيَبْلُغُونَ مِنْهُمْ مَا يُرِيدُونَهُ، فَأَمْسَكُوا عَنْ مُعَارَضَتِهِ. وَكَانَ خُوَارِزْمُ شَاهْ قَدْ خَرَّبَ سُورَ نَيْسَابُورَ لَمَّا مَلَكَهَا مِنَ الْغُورِيَّةِ، فَشَرَعَ كُزْلَكَ خَانْ يُعَمِّرُهُ، وَأَدْخَلَ إِلَيْهَا الْمِيرَةَ، وَاسْتَكْثَرَ مِنَ الْجُنْدِ، وَعَزَمَ عَلَى الِاسْتِيلَاءِ عَلَى خُرَاسَانَ إِنْ صَحَّ فَقْدُ السُّلْطَانِ. وَبَلَغَ خَبَرُ عَدْمِ السُّلْطَانِ إِلَى أَخِيهِ عَلِيٍّ شَاهْ وَهُوَ بِطَبَرِسْتَانَ، فَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، وَقَطَعَ خُطْبَةَ أَخِيهِ وَاسْتَعَدَّ لِطَلَبِ السَّلْطَنَةِ، وَاخْتَلَطَتْ خُرَاسَانُ اخْتِلَاطًا عَظِيمًا. وَأَمَّا السُّلْطَانُ خُوَارِزْمُ شَاهْ فَإِنَّهُ لَمَّا أُسِرَ قَالَ لَهُ ابْنُ شِهَابِ الدِّينِ مَسْعُودٍ: يَجِبُ أَنْ تَدَعَ السَّلْطَنَةَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَتَصِيرَ خَادِمًا لَعَلِيٍّ أَحْتَالُ فِي خَلَاصِكَ، فَشَرَعَ يَخْدِمُ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَيُقَدِّمُ لَهُ الطَّعَامَ، وَيُخْلِعَهُ ثِيَابَهُ وَخُفَّهُ، وَيُعَظِّمَهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ الَّذِي أَسَرَهُمَا لِابْنِ مَسْعُودٍ: أَرَى هَذَا الرَّجُلَ يُعَظِّمُكَ، فَمَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا فُلَانٌ، وَهَذَا غُلَامِي. فَقَامَ إِلَيْهِ وَأَكْرَمَهُ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ الْقَوْمَ عَرَفُوا بِمَكَانِكَ عِنْدِي لَأَطْلَقْتُكَ، ثُمَّ تَرَكَهُ أَيَّامًا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَرْجِعَ الْمُنْهَزِمُونَ، فَلَا يَرَانِي أَهْلِي مَعَهُمْ فَيَظُنُّونَ أَنِّي قُتِلْتُ، فَيَعْمَلُونَ الْعَزَاءَ وَالْمَأْتَمَ، وَتَضِيقُ صُدُورُهُمْ لِذَلِكَ ثُمَّ

стр. 5966

يَقْتَسِمُونَ مَالِي فَأَهْلِكُ، وَأُحِبُّ أَنْ تُقَرِّرَ عَلَيَّ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ حَتَّى أَحْمِلَهُ إِلَيْكَ، فَقَرَّرَ عَلَيْهِ مَالًا، وَقَالَ لَهُ: أُرِيدُ أَنْ تَأْمُرَ رَجُلًا عَاقِلًا يَذْهَبُ بِكِتَابِي إِلَى أَهْلِي وَيُخْبِرُهُمْ بِعَافِيَتِي، وَيُحْضِرُ مَعَهُ مَنْ يَحْمِلُ الْمَالَ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَكُمْ لَا يَعْرِفُونَ أَهْلَنَا، وَلَكِنَّ هَذَا غُلَامِي أَثِقُ بِهِ، وَيُصَدِّقُهُ أَهْلِي فَأَذِنَ لَهُ الْخُطَائِيُّ بِإِنْفَاذِهِ، فَسَيَّرَهُ وَأَرْسَلَ مَعَهُ الْخُطَائِيُّ فَرَسًا، وَعِدَّةً مِنَ الْفُرْسَانِ يَحْمُونَهُ، فَسَارُوا حَتَّى قَارَبُوا خُوَارِزْمَ، وَعَادَ الْفُرْسَانُ عَنْ خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَوَصَلَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى خُوَارِزْمَ، فَاسْتَبْشَرَ بِهِ النَّاسُ وَضُرِبَتِ الْبَشَائِرُ وَزَيَّنُوا الْبَلَدَ، وَأَتَتْهُ الْأَخْبَارُ بِمَا صَنَعَ كُزْلَكُ بِنَيْسَابُورَ، وَبِمَا صَنَعَ أَخُوهُ عَلِيٌّ شَاهْ بِطَبَرِسْتَانَ. ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ خُوَارِزْمُ شَاهْ بِخُرَاسَانَ لَمَّا وَصَلَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى خُوَارِزْمَ أَتَتْهُ الْأَخْبَارُ بِمَا فَعَلَهُ كُزْلَكُ خَانْ وَأَخُوهُ عَلِيٌّ شَاهْ وَغَيْرُهُمَا، فَسَارَ إِلَى خُرَاسَانَ وَتَبِعَتْهُ الْعَسَاكِرُ، فَتَقَطَّعَتْ، وَوَصَلَ هُوَ إِلَيْهَا فِي الْيَوْمِ السَّادِسِ وَمَعَهُ سِتَّةُ فُرْسَانٍ، وَبَلَغَ كُزْلَكَ خَانْ وُصُولُهُ، فَأَخَذَ أَمْوَالَهُ وَعَسَاكِرَهُ وَهَرَبَ نَحْوَ الْعِرَاقِ، وَبَلَغَ أَخَاهُ عَلِيًّا شَاهْ، فَخَافَهُ، وَسَارَ عَلَى طَرِيقِ قُهِسْتَانَ مُلْتَجِئًا إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ مَحْمُودٍ الْغُورِيِّ، صَاحِبِ فَيْرُوزَكُوه فَتَلَقَّاهُ، وَأَكْرَمَهُ، وَأَنْزَلَهُ عِنْدَهُ. وَأَمَّا خُوَارِزْمُ شَاهْ فَإِنَّهُ دَخَلَ نَيْسَابُورَ، وَأَصْلَحَ أَمْرَهَا، وَجَعَلَ فِيهَا نَائِبًا، وَسَارَ إِلَى هَرَاةَ، فَنَزَلَ عَلَيْهَا مَعَ عَسْكَرِهِ الَّذِينَ يُحَاصِرُونَهُ، وَأَحْسَنَ إِلَى أُولَئِكَ الْأُمَرَاءِ، وَوَثِقَ بِهِمْ لِأَنَّهُمْ صَبَرُوا عَلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَلَمْ يَتَغَيَّرُوا، وَلَمْ يَبْلُغُوا مِنْ هَرَاةَ غَرَضًا بِحُسْنِ تَدْبِيرِ ذَلِكَ الْوَزِيرِ، فَأَرْسَلَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى الْوَزِيرِ يَقُولُ لَهُ: إِنَّكَ وَعَدْتَ عَسْكَرِي أَنَّكَ تُسَلِّمُ الْمَدِينَةَ إِذَا حَضَرْتُ، وَقَدْ حَضَرْتُ فَسَلِّمْ. فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ، لِأَنِّي أَعْرِفُ أَنَّكُمْ غَدَّارُونَ، لَا تُبْقُونَ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا أُسَلِّمُ الْبَلَدَ إِلَّا إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ مَحْمُودٍ. فَغَضِبَ خُوَارِزْمُ شَاهْ مِنْ ذَلِكَ، وَزَحَفَ إِلَيْهِ بِعَسَاكِرِهِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ حِيلَةٌ، فَاتَّفَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ هَرَاةَ وَقَالُوا: هَلَكَ النَّاسُ مِنَ الْجُوعِ وَالْقِلَّةِ، وَقَدْ تَعَطَّلَتْ عَلَيْنَا مَعَايِشُنَا، وَقَدْ مَضَى سَنَةٌ وَشَهْرٌ، وَكَانَ الْوَزِيرُ يَعِدُ بِتَسْلِيمِ الْبَلَدِ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ إِذَا

стр. 5967

وَصَلَ إِلَيْهِ، وَقَدْ حَضَرَ خُوَارَزْم شَاهْ وَلَمْ يُسَلِّمْ، وَيَجِبُ أَنْ نَحْتَالَ فِي تَسْلِيمِ الْبَلَدِ، وَالْخَلَاصِ مِنْ هَذِهِ الشِّدَّةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا. فَانْتَهَى ذَلِكَ إِلَى الْوَزِيرِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ جَمَاعَةً مِنْ عَسْكَرِهِ، وَأَمْرَهُمْ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِمْ، فَمَضَى الْجُنْدُ إِلَيْهِمْ، فَثَارَتْ فِتْنَةٌ فِي الْبَلَدِ عَظُمَ خَطْبُهَا، فَاحْتَاجَ الْوَزِيرُ إِلَى تَدَارُكِهَا بِنَفْسِهِ، فَمَضَى لِذَلِكَ، فَكَتَبَ مِنَ الْبَلَدِ إِلَى خُوَارَزْم شَاهْ بِالْخَبَرِ، وَزَحَفَ إِلَى الْبَلَدِ وَأَهْلُهُ مُخْتَلِطُونَ فَخَرَّبُوا بُرْجَيْنِ مِنَ السُّورِ، وَدَخَلُوا الْبَلَدَ فَمَلَكُوهُ، وَقَبَضُوا عَلَى الْوَزِيرِ فَقَتَلَهُ خُوَارَزْم شَاهْ، وَمَلَكَ الْبَلَدَ، وَذَلِكَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّمِائَةٍ، وَأَصْلَحَ حَالَهُ، وَسَلَّمَهُ إِلَى خَالِهِ أَمِيرِ مُلْكْ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ أُمَرَائِهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِيَدِهِ حَتَّى هَلَكَ خُوَارَزْم شَاهْ. وَأَمَّا ابْنُ شِهَابِ الدِّينِ مَسْعُودٌ فَإِنَّهُ أَقَامَ عِنْدَ الْخَطَا مُدَيْدَةً، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اسْتَأْسَرَهُ يَوْمًا: إِنَّ خُوَارَزْم شَاهْ قَدْ عُدِمَ فَإِيشْ عِنْدَكَ مِنْ خَبَرِهِ؟ فَقَالَ لَهُ: أَمَا تَعْرِفُهُ؟ ! قَالَ: لَا. قَالَ: هُوَ أَسِيرُكَ الَّذِي كَانَ عِنْدَكَ. فَقَالَ: لِمَ لَمْ تُعَرِّفْنِي حَتَّى كُنْتُ أَخْدُمُهُ، وَأَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى مَمْلَكَتِهِ؟ قَالَ: خِفْتُكُمْ عَلَيْهِ. فَقَالَ الْخَطَّائِيُّ: سِرْ بِنَا إِلَيْهِ فَسَارَا إِلَيْهِ، فَأَكْرَمَهُمَا، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمَا، وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ. ذِكْرُ قَتْلِ غِيَاثِ الدِّينِ مَحْمُودٍ لَمَّا سَلَّمَ خُوَارَزْم شَاهْ هَرَاةَ إِلَى خَالِهِ أَمِيرِ مُلْكْ وَسَارَ إِلَى خُوَارَزْمَ، أَمْرَهُ أَنْ يَقْصِدَ غِيَاثَ الدِّينِ مَحْمُودَ بْنَ غِيَاثِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ سَامٍ الْغُورِيَّ، صَاحِبَ الْغُورِ وَفَيْرُوزَكُوهْ، وَأَنْ يَقْبِضَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَخِيهِ عَلِي شَاهْ بْنِ خُوَارَزْم شَاهْ، وَيَأْخُذَ فَيْرُوزَكُوهْ مِنْ غِيَاثِ الدِّينِ. فَسَارَ أَمِيرُ مُلْكٍ إِلَى فَيْرُوزَكُوهْ ; وَبَلَغَ ذَلِكَ إِلَى مَحْمُودٍ، فَأَرْسَلَ يَبْذُلُ الطَّاعَةَ وَيَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَأَعْطَاهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ مَحْمُودٌ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ أَمِيرُ مُلْكْ، وَعَلَى عَلِي شَاهْ أَخُو خُوَارَزْم شَاهْ، فَسَأَلَاهُ أَنْ يَحْمِلَهُمَا إِلَى خُوَارَزْم شَاهْ لِيَرَى فِيهِمَا رَأْيَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى خُوَارَزْم شَاهْ يُعَرِّفُهُ الْخَبَرَ، فَأَمَرَهُ بِقَتْلِهِمَا، فَقُتِلَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَاسْتَقَامَتْ

стр. 5968

خُرَاسَانُ كُلُّهَا لِخُوَارَزْم شَاهْ، وَذَلِكَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّمِائَةٍ أَيْضًا. وَغِيَاثُ الدِّينِ هَذَا هُوَ آخِرُ مُلُوكِ الْغُورِيَّةِ، وَلَقَدْ كَانَتْ دَوْلَتُهُمْ مِنْ أَحْسَنِ الدُّوَلِ سِيرَةً، وَأَعْدَلِهَا وَأَكْثَرِهَا جِهَادًا، وَكَانَ مَحْمُودٌ هَذَا عَادِلًا، حَلِيمًا، كَرِيمًا، مِنْ أَحْسَنِ الْمُلُوكِ سِيرَةً وَأَكْرَمِهِمْ أَخْلَاقًا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ عَوْدِ خُوَارَزْم شَاهْ إِلَى الْخَطَا لَمَّا اسْتَقَرَّ أَمْرُ خُرَاسَانَ لِخُوَارَزْم شَاهْ وَعَبَرَ نَهْرَ جَيْحُونَ، جَمَعَ لَهُ الْخَطَا جَمْعًا عَظِيمًا وَسَارُوا إِلَيْهِ، وَالْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ شَيْخُ دَوْلَتِهِمْ، الْقَائِمُ مَقَامَ الْمَلِكِ فِيهِمْ، الْمَعْرُوفُ بِطَايَنْكُوهْ، وَكَانَ عُمُرُهُ قَدْ جَاوَزَ مِائَةَ سَنَةٍ، وَلَقِيَ حُرُوبًا كَثِيرَةً، وَكَانَ مُظَفَّرًا، حَسَنَ التَّدْبِيرِ وَالْعَقْلِ، وَاجْتَمَعَ خُوَارَزْم شَاهْ وَصَاحِبُ سَمَرْقَنْدَ، وَتَصَافَوْا هُمْ وَالْخَطَا سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّمِائَةٍ، فَجَرَتْ حُرُوبٌ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهَا شِدَّةً وَصَبْرًا، فَانْهَزَمَ الْخَطَا هَزِيمَةً مُنْكَرَةً، وَقُتِلَ مِنْهُمْ وَأُسِرَ خَلْقٌ لَا يُحْصَى. وَكَانَ فِيمَنْ أُسِرَ طَايَنْكُوهْ مُقَدَّمُهُمْ، وَجِيءَ بِهِ إِلَى خُوَارَزْم شَاهْ، فَأَكْرَمَهُ، وَأَجْلَسَهُ عَلَى سَرِيرِهِ، وَسَيَّرَهُ إِلَى خُوَارَزْمَ، ثُمَّ قَصَدَ خُوَارَزْم شَاهْ إِلَى بِلَادِ مَا وَرَاءِ النَّهْرِ، فَمَلَكَهَا مَدِينَةً مَدِينَةً، وَنَاحِيَةً نَاحِيَةً، حَتَّى بَلَغَ إِلَى مَدِينَةِ أُوزْكَنْدَ، وَجَعَلَ نُوَّابَهُ فِيهَا. وَعَادَ إِلَى خُوَارَزْمَ وَمَعَهُ سُلْطَانُ سَمَرْقَنْدَ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صُورَةً، فَكَانَ أَهْلُ خُوَارَزْمَ يَجْتَمِعُونَ حَتَّى يَنْظُرُوا إِلَيْهِ، فَزَوَّجَهُ خُوَارَزْم شَاهْ بِابْنَتِهِ، وَرَدَّهُ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، وَبَعَثَ مَعَهُ شِحْنَةً يَكُونُ بِسَمَرْقَنْدَ عَلَى مَا كَانَ رَسَمَ الْخَطَا. ذِكْرُ غَدْرِ صَاحِبِ سَمَرْقَنْدَ بِالْخُوَارَزْمِيِّينَ لَمَّا عَادَ صَاحِبُ سَمَرْقَنْدَ إِلَيْهَا، وَمَعَهُ شِحْنَةٌ لِخُوَارَزْم شَاهْ، أَقَامَ مَعَهُ نَحْوَ سَنَةٍ فَرَأَى مِنْ سُوءِ سِيرَةِ الْخُوَارَزْمِيِّينَ وَقُبْحِ مُعَامَلَتِهِمْ، مَا نَدِمَ مَعَهُ عَلَى مُفَارَقَةِ الْخَطَا، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلِكِ الْخَطَا يَدْعُوهُ إِلَى سَمَرْقَنْدَ لِيُسَلِّمَهَا إِلَيْهِ، وَيَعُودَ إِلَى طَاعَتِهِ، وَأَمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ مَنْ فِي سَمَرْقَنْدَ مِنَ الْخُوَارَزْمِيَّةِ مِمَّنْ سَكَنَهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَأَخَذَ أَصْحَابَ خُوَارَزْم شَاهْ، فَكَانَ يَجْعَلُ الرَّجُلَ مِنْهُمْ قِطْعَتَيْنِ وَيُعَلِّقُهُمْ فِي الْأَسْوَاقِ كَمَا يُعَلِّقُ الْقَصَّابُ اللَّحْمَ وَأَسَاءَ غَايَةَ الْإِسَاءَةِ، وَمَضَى إِلَى الْقَلْعَةِ لِيَقْتُلَ زَوْجَتَهُ ابْنَةَ خُوَارَزْم

стр. 5969

شَاهْ، فَأَغْلَقَتِ الْأَبْوَابَ وَوَقَفَتْ بِجَوَارِيهَا تَمْنَعُهُ، وَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تَقُولُ: أَنَا امْرَأَةٌ وَقَتْلُ مِثْلِي قَبِيحٌ، وَلَمْ يَكُنْ مِنِّي إِلَيْكَ مَا أَسْتَوْجِبُ بِهِ هَذَا مِنْكَ، وَلَعَلَّ تَرْكِي أَحْمَدُ عَاقِبَةً، فَاتَّقِ اللَّهَ فِيَّ. فَتَرَكَهَا وَوَكَلَ بِهَا مَنْ يَمْنَعُهَا التَّصَرُّفَ فِي نَفْسِهَا. وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى خُوَارَزْم شَاهْ فَقَامَتْ قِيَامَتُهُ، وَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَأَمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ مَنْ بِخُوَارَزْمَ مِنَ الْغُرَبَاءِ، فَمَنَعَتْهُ أُمُّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَتْ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ قَدْ أَتَاهُ النَّاسُ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَلَمْ يَرْضَ كُلُّهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ، فَنَهَتْهُ أُمُّهُ، فَانْتَهَى. وَأَمَرَ عَسَاكِرَهُ بِالتَّجَهُّزِ إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَسَيَّرَهُمْ أَرْسَالًا، كُلَّمَا تَجَهَّزَ جَمَاعَةٌ عَبَرُوا جَيْحُونَ، فَعَبَرَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصَى ثُمَّ عَبَرَ هُوَ بِنَفْسِهِ فِي آخِرِهِمْ، وَنَزَلَ عَلَى سَمَرْقَنْدَ، وَأَنْفَذَ إِلَى صَاحِبِهَا يَقُولُ لَهُ: قَدْ فَعَلْتَ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ مُسْلِمٌ، وَاسْتَحْلَلْتَ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَا لَا يَفْعَلُهُ عَاقِلٌ لَا مُسْلِمٌ وَلَا كَافِرٌ وَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ، فَاخْرُجْ مِنَ الْبِلَادِ، وَامْضِ حَيْثُ شِئْتَ. فَقَالَ: لَا أَخْرُجُ، وَافْعَلْ مَا بَدَا لَكَ. فَأَمَرَ عَسَاكِرَهُ بِالزَّحْفِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ مَعَهُ بِأَنْ يَأْمُرَ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ، إِذَا فَتَحُوا الْبَلَدَ، أَنْ يَقْصِدُوا السِّرْبَ الَّذِي يُسْكُنُهُ التُّجَّارُ فَيَمْنَعُ مِنْ نَهْبِهِ وَالتَّطَرُّقِ إِلَيْهِمْ بِسُوءٍ، فَإِنَّهُمْ غُرَبَاءُ، وَكُلُّهُمْ كَارِهُونَ لِهَذَا الْفِعْلِ. فَأَمَرَ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ بِذَلِكَ وَزَحَفَ، وَنَصَبَ السَّلَالِيمَ عَلَى السُّورِ، فَلَمْ يَكُنْ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ أَخَذُوا الْبَلَدَ، وَأَذِنَ لِعَسْكَرِهِ بِالنَّهْبِ: وَقَتْلِ مَنْ يَجِدُونَهُ مَنْ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ، فَنَهَبَ الْبَلَدَ، وَقَتَلَ أَهْلَهُ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَيُقَالُ إِنَّهُمْ قَتَلُوا مِنْهُمْ مِائَتَيْ أَلْفِ إِنْسَانٍ، وَسَلِمَ ذَلِكَ الدَّرْبُ الَّذِي فِيهِ الْغُرَبَاءُ، فَلَمْ يُعْدَمْ مِنْهُمُ الْفَرْدُ وَلَا الْآدَمِيُّ الْوَاحِدُ. ثُمَّ أَمَرَ بِالْكَفِّ عَنِ النَّهْبِ وَالْقَتْلِ، ثُمَّ زَحَفَ إِلَى الْقَلْعَةِ فَرَأَى صَاحِبُهَا مَا مَلَأَ قَلْبَهُ هَيْبَةً وَخَوْفًا، فَأَرْسَلَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَقَالَ: لَا أَمَانَ لَكَ عِنْدِي فَزَحَفُوا عَلَيْهَا. فَمَسَكُوهَا، وَأَسَرُوا صَاحِبَهَا، وَأَحْضَرُوهُ عِنْدَ خُوَارَزْم شَاهْ، فَقَبَّلَ الْأَرْضَ وَطَلَبَ الْعَفْوَ، فَلَمْ يَعْفُ عَنْهُ، وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ. فَقُتِلَ صَبْرًا، وَقُتِلَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدًا مِمَّنْ نُسِبَ إِلَى الْخَانِيَّةِ، وَرَتَّبَ فِيهَا وَفِي سَائِرِ الْبِلَادِ نُوَّابَهُ، وَلَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ مَعَهُ فِي الْبِلَادِ حُكْمٌ.

стр. 5970

ذِكْرُ الْوَقْعَةِ الَّتِي أَفْنَتِ الْخَطَا لَمَّا فَعَلَ خُوَارَزْم شَاهْ بِالْخَطَا مَا ذَكَرْنَاهُ مَضَى مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ إِلَى مَلِكِهِمْ، فَإِنَّهُ لَمْ يَحْضُرِ الْحَرْبَ فَاجْتَمَعُوا عِنْدَهُ وَكَانَ طَائِفَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ التَّتَرِ قَدْ خَرَجُوا مِنْ بِلَادِهِمْ، حُدُودِ الصِّينِ قَدِيمًا، وَنَزَلُوا وَرَاءَ بِلَادِ تُرْكِسْتَانَ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْخَطَا عَدَاوَةٌ وَحُرُوبٌ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِمَا فَعَلَهُ خُوَارَزْم شَاهْ بِالْخَطَا قَصَدُوهُمْ مَعَ مَلِكِهِمْ كَشْلِي خَانْ. فَلَمَّا رَأَى مَلِكُ الْخَطَا ذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَى خُوَارَزْم شَاهْ يَقُولُ لَهُ: أَمَّا مَا كَانَ مِنْكَ مِنْ أَخْذِ بِلَادِنَا وَقَتْلِ رِجَالِنَا فَعَفْوٌ عَنْهُ، وَقَدْ أَتَى مِنْ هَذَا الْعَدُوِّ مَنْ لَا قِبَلَ لَنَا بِهِ، وَإِنَّهُمْ إِنِ انْتَصَرُوا عَلَيْنَا، وَمَلَكُونَا فَلَا دَافِعَ لَهُمْ عَنْكَ، وَالْمَصْلَحَةُ أَنْ تَسِيرَ إِلَيْنَا بِعَسَاكِرِكَ وَتَنْصُرَنَا عَلَى قِتَالِهِمْ، وَنَحْنُ نَحْلِفُ لَكَ أَنَّنَا إِذَا ظَفِرْنَا بِهِمْ لَا نَتَعَرَّضُ إِلَى مَا أَخَذْتَ مِنَ الْبِلَادِ وَنَقْنَعُ بِمَا فِي أَيْدِينَا. وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ كَشْلِي خَانْ مَلِكُ التَّتَرِ يَقُولُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْخَطَا أَعْدَاؤُكَ وَأَعْدَاءُ آبَائِكَ وَأَعْدَاؤُنَا، فَسَاعِدْنَا عَلَيْهِمْ، وَنَحْلِفُ أَنَّنَا إِذَا انْتَصَرْنَا عَلَيْهِمْ لَا نَقْرَبُ بِلَادَكَ، وَنَقْنَعُ بِالْمَوَاضِعِ الَّتِي يَنْزِلُونَهَا فَأَجَابَ كُلًّا مِنْهُمَا: إِنَّنِي مَعَكَ، وَمُعَاضِدُكَ عَلَى خَصْمِكَ. وَسَارَ بِعَسَاكِرِهِ إِلَى أَنْ نَزَلَ قَرِيبًا مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي تَصَافُّوا فِيهِ، فَلَمْ يُخَالِطْهُمْ مُخَالَطَةً يُعْلَمُ بِهَا أَنَّهُ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَكَانَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَظُنُّ أَنَّهُ مَعَهَا. وَتَوَاقَعَ الْخَطَا وَالتَّتَرُ، فَانْهَزَمَ الْخَطَا هَزِيمَةً عَظِيمَةً، فَمَالَ حِينَئِذٍ خُوَارَزْم شَاهْ، وَجَعَلَ يَقْتُلُ، وَيَأْسِرُ، وَيَنْهَبُ، وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدًا يَنْجُو مِنْهُمْ، فَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ إِلَّا طَائِفَةٌ يَسِيرَةٌ مَعَ مِلْكِهِمْ فِي مَوْضِعٍ مِنْ نَوَاحِي التُّرْكِ يُحِيطُ بِهِ جَبَلٌ لَيْسَ إِلَيْهِ طَرِيقٌ إِلَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، تَحَصَّنُوا فِيهِ وَانْضَمَّ إِلَى خُوَارَزْم شَاهْ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ، وَسَارُوا فِي عَسْكَرِهِ. وَأَنْفَذَ خُوَارَزْم شَاهْ إِلَى كَشْلِي خَانْ مَلِكِ التَّتَرِ يَمُنُّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ حَضَرَ لِمُسَاعَدَتِهِ، وَلَوْلَاهُ لِمَا

стр. 5971

تَمَكَّنَ مِنَ الْخَطَا، فَاعْتَرَفَ لَهُ كَشْلِي خَانْ بِذَلِكَ مُدَّةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَطْلُبُ مِنْهُ الْمُقَاسَمَةَ عَلَى بِلَادِ الْخَطَا، وَقَالَ: كَمَا أَنَّنَا اتَّفَقْنَا عَلَى إِبَادَتِهِمْ يَنْبَغِي أَنْ نَقْتَسِمَ بِلَادَهُمْ. فَقَالَ: لَيْسَ لَكَ عِنْدِي غَيْرُ السَّيْفِ، وَلَسْتُمْ بِأَقْوَى مِنَ الْخَطَا شَوْكَةً، وَلَا أَعَزَّ مُلْكًا، فَإِنْ قَنَعْتَ بِالْمُسَاكَتَةِ، وَإِلَّا سِرْتُ إِلَيْكَ، وَفَعَلْتُ بِكَ شَرًّا مِمَّا فَعَلْتُ بِهِمْ. وَتَجَهَّزَ وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنْهُمْ، وَعَلِمَ خُوَارَزْم شَاهْ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ، فَكَانَ يُرَاوِغُهُ، فَإِذَا سَارَ إِلَى مَوْضِعٍ قَصَدَ خُوَارَزْم شَاهْ أَهْلَهُ وَأَثْقَالَهُمْ فَيَنْهَبُهَا، وَإِذَا سَمِعَ أَنَّ طَائِفَةً سَارَتْ عَنْ مَوْطِنِهِمْ سَارَ إِلَيْهَا فَأَوْقَعَ بِهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ كَشْلِي خَانْ يَقُولُ لَهُ: لَيْسَ هَذَا فِعْلُ الْمُلُوكِ هَذَا فِعْلُ اللُّصُوصِ، وَإِلَّا إِنْ كُنْتَ سُلْطَانًا، كَمَا تَقُولُ، فَيَجِبُ أَنْ نَلْتَقِيَ، فَإِمَّا أَنْ تَهْزِمَنِي وَتَمْلِكَ الْبِلَادَ الَّتِي بِيَدِي، وَإِمَّا أَنْ أَفْعَلَ أَنَا بِكَ ذَلِكَ. فَكَانَ يُغَالِطُهُ وَلَا يُجِيبُهُ إِلَى مَا طَلَبَ، لَكِنَّهُ أَمَرَ أَهْلَ الشَّاشِ، وَفَرْغَانَةَ، وَأَسْفِيجَابَ، وَكَاسَانَ، وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الْمُدُنِ - الَّتِي لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا أَنْزَهُ مِنْهَا وَلَا أَحْسَنُ عِمَارَةً - بِالْجَلَاءِ مِنْهَا، وَاللِّحَاقِ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ خَرَّبَهَا جَمِيعَهَا خَوْفًا مِنَ التَّتَرِ أَنْ يَمْلِكُوهَا. ثُمَّ اتَّفَقَ خُرُوجُ هَؤُلَاءِ التَّتَرِ الْآخَرِ الَّذِينَ خَرَّبُوا الدُّنْيَا وَمَلِكِهِمْ جَنْكِزْخَانْ النَّهْرَجِيِّ عَلَى كَشْلِي خَانْ مَلِكِ التَّتَرِ الْأَوَّلِ، فَاشْتَغَلَ بِهِمْ كَشْلِي خَانْ عَنْ خُوَارَزْم شَاهْ، فَخَلَا وَجْهُهُ، فَعَبَرَ النَّهْرَ إِلَى خُرَاسَانَ. ذِكْرُ مُلْكِ نَجْمِ الدِّينِ ابْنِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ خِلَاطَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ الْمَلِكُ الْأَوْحَدُ نَجْمُ الدِّينِ أَيُّوبُ ابْنُ الْمَلِكِ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ مَدِينَةَ خِلَاطَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بِمَدِينَةِ مَيَّافَارِقِينَ مَعَ أَبِيهِ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ مُلْكِ بُلْبَانَ خِلَاطَ مَا ذَكَرْنَاهُ، قَصَدَ هُوَ مَدِينَةَ مُوشَ، وَحَصَرَهَا وَأَخَذَهَا وَأَخَذَ مَعَهَا مَا يُجَاوِرُهَا. وَكَانَ بُلْبَانُ لَمْ تَثْبُتْ قَدَمُهُ حَتَّى يَمْنَعَهُ، فَلَمَّا مَلَكَهَا طَمِعَ فِي خِلَاطَ فَسَارَ إِلَيْهَا فَهَزَمَهُ بُلْبَانُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا. فَعَادَ إِلَى بَلَدِهِ، وَجَمَعَ وَحَشَدَ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِ أَبُوهُ جَيْشًا، فَقَصَدَ

стр. 5972

خِلَاطَ فَسَارَ إِلَيْهِ بُلْبَانُ فَتَصَافَّا وَاقْتَتَلَا، فَانْهَزَمَ بُلْبَانُ وَتَمَكَّنَ نَجْمُ الدِّينِ مِنَ الْبَلَدِ وَازْدَادَ مِنْهَا. وَدَخَلَ بُلْبَانُ خِلَاطَ وَاعْتَصَمَ بِهَا، وَأَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى مُغِيثِ الدِّينِ طُغْرُل شَاهْ بْنِ قَلْجِ أَرْسِلَان، وَهُوَ صَاحِبُ أَرْزَنِ الرُّومِ، يَسْتَنْجِدُهُ عَلَى نَجْمِ الدِّينِ، فَحَضَرَ بِنَفْسِهِ وَمَعَهُ عَسْكَرُهُ فَاجْتَمَعَا، وَهَزَمَا نَجْمَ الدِّينِ، وَحَصَرَا مُوشَ، فَأَشْرَفَ الْحِصْنُ عَلَى أَنْ يُمْلَكَ، فَغَدَرَ ابْنُ قَلْجِ أَرْسِلَان بِصَاحِبِ خِلَاطَ وَقَتَلَهُ ; طَمَعًا فِي الْبِلَادِ فَلَمَّا قَتَلَهُ سَارَ إِلَى خِلَاطَ. فَمَنَعَهُ أَهْلُهَا عَنْهَا، فَسَارَ إِلَى مَلَازَكُرْدَ، فَرَدَّهَ أَهْلُهَا أَيْضًا وَامْتَنَعُوا عَلَيْهِ. فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْبِلَادِ مَطْمَعًا عَادَ إِلَى بَلَدِهِ. فَأَرْسَلَ أَهْلُ خِلَاطَ إِلَى نَجْمِ الدِّينِ يَسْتَدْعُونَهُ إِلَيْهِمْ لِيُمَلِّكُوهُ، فَحَضَرَ عِنْدَهُمْ وَمَلَكَ خِلَاطَ وَأَعْمَالَهَا سِوَى الْيَسِيرِ مِنْهَا، وَكَرِهَ الْمُلُوكُ الْمُجَاوِرُونَ لَهُ مُلْكَهُ لَهَا ; خَوْفًا مِنْ أَبِيهِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا خَافَهُ الْكَرْجُ وَكَرِهُوهُ، فَتَابَعُوا الْغَارَاتِ عَلَى أَعْمَالِ خِلَاطَ وَبِلَادِهَا، وَنَجْمُ الدِّينِ مُقِيمٌ بِخِلَاطَ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُفَارَقَتِهَا، فَلَقِيَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ أَذًى شَدِيدًا. وَاعْتَزَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ عَسْكَرِ خِلَاطَ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى حِصْنِ وَانٍ، وَهُوَ مَنْ أَعْظَمِ الْحُصُونِ وَأَمْنَعِهَا، وَعَصَوْا عَلَى نَجْمِ الدِّينِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وَمَلَكُوا مَدِينَةَ أَرْجِيشَ، فَأَرْسَلَ نَجْمُ الدِّينِ إِلَى أَبِيهِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ يُعَرِّفُهُ الْحَالَ، وَيَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَمُدَّهُ بِعَسْكَرٍ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ أَخَاهُ الْمَلِكَ الْأَشْرَفَ مُوسَى بْنَ الْعَادِلِ فِي عَسْكَرٍ، فَاجْتَمَعَا فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ وَحَصَرَا قَلْعَةَ وَانٍ وَبِهَا الْخِلَاطِيَّةُ، وَجَدُّوا فِي قِتَالِهِمْ فَضَعُفَ أُولَئِكَ عَنْ مُقَاوَمَتِهِمْ فَسَلَّمُوهَا صُلْحًا وَخَرَجُوا مِنْهَا، وَتَسَلَّمَهَا نَجْمُ الدِّينِ، وَاسْتَقَرَّ مُلْكُهُ بِخِلَاطَ وَأَعْمَالِهَا، وَعَادَ أَخُوهُ الْأَشْرَفُ إِلَى بَلَدِهِ حَرَّانَ وَالرُّهَا. ذِكْرُ غَارَاتِ الْفِرِنْجِ بِالشَّامِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَثُرَ الْفِرِنْجُ الَّذِينَ بِطَرَابُلُسَ وَحِصْنِ الْأَكْرَادِ، وَأَكْثَرُوا الْإِغَارَةَ عَلَى

стр. 5973

بَلَدِ حِمْصَ وَوِلَايَاتِهَا، وَنَازَلُوا مَدِينَةَ حِمْصَ، وَكَانَ جَمْعُهُمْ كَثِيرًا، فَلَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهَا أَسَدِ الدِّينِ شِيرِكُوهْ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شِيرِكُوهْ بِهِمْ قُوَّةٌ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِمْ وَمَنْعِهِمْ، فَاسْتَنْجَدَ الظَّاهِرَ غَازِيَ، صَاحِبَ حَلَبَ، وَغَيْرَهُ مِنْ مُلُوكِ الشَّامِ، فَلَمْ يُنْجِدْهُ إِلَّا الظَّاهِرُ، فَإِنَّهُ سَيَّرَ لَهُ عَسْكَرًا أَقَامُوا عِنْدَهُ، وَمَنَعُوا الْفِرِنْجَ عَنْ وِلَايَتِهِ. ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ الْعَادِلَ خَرَجَ مِنْ مِصْرَ بِالْعَسَاكِرِ الْكَثِيرَةِ، وَقَصَدَ مَدِينَةَ عَكَّا، فَصَالَحَهُ صَاحِبُهَا الْفِرِنْجِيُّ عَلَى قَاعِدَةٍ اسْتَقَرَّتْ مِنْ إِطْلَاقِ أَسْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ سَارَ إِلَى حِمْصَ، فَنَزَلَ عَلَى بُحَيْرَةِ قَدَسَ، وَجَاءَتْهُ عَسَاكِرُ الشَّرْقِ وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ، وَدَخَلَ إِلَى بِلَادِ طَرَابُلُسَ، وَحَاصَرَ مَوْضِعًا يُسَمَّى الْقُلَيْعَاتِ، أَخَذَهُ صُلْحًا وَأَطْلَقَ صَاحِبَهُ، وَغَنِمَ مَا فِيهِ مِنْ دَوَابَّ وَسِلَاحٍ، وَخَرَّبَهُ، وَتَقَدَّمَ إِلَى طَرَابُلُسَ فَنَهَبَ، وَأَحْرَقَ وَسَبَى وَغَنِمَ، وَعَادَ، وَكَانَتْ مُدَّةُ مَقَامِهِ فِي بَلَدِ الْفِرِنْجِ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وَعَادَ إِلَى بُحَيْرَةِ قُدْسَ. وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِرِنْجِ فِي الصُّلْحِ، فَلَمْ تَسْتَقِرَّ قَاعِدَةٌ وَدَخَلَ الشِّتَاءُ، وَطَلَبَتِ الْعَسَاكِرُ الشَّرْقِيَّةُ الْعَوْدَ إِلَى بِلَادِهِمْ قَبْلَ الْبَرْدِ الشَّدِيدِ، فَنَزَلَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَسْكَرِ بِحِمْصَ عِنْدَ صَاحِبِهَا، وَعَادَ إِلَى دِمَشْقَ فَشَتَّى بِهَا، وَعَادَتْ عَسَاكِرُ دِيَارِ الْجَزِيرَةِ إِلَى أَمَاكِنِهَا. وَكَانَ سَبَبُ خُرُوجِهِ مِنْ مِصْرَ بِالْعَسَاكِرِ أَنَّ أَهْلَ قُبْرُسَ مِنَ الْفِرِنْجِ أَخَذُوا عِدَّةَ قِطَعٍ مِنْ أُسْطُولِ مِصْرَ، وَأَسَرُوا مَنْ فِيهَا. فَأَرْسَلَ الْعَادِلُ إِلَى صَاحِبِ عَكَّا فِي رَدِّ مَا أَخَذَ، وَيَقُولُ: نَحْنُ صُلْحٌ فَلِمَ غَدَرْتُمْ بِأَصْحَابِنَا. فَاعْتَذَرَ بِأَنَّ أَهْلَ قُبْرُسَ لَيْسَ لِي عَلَيْهِمْ حُكْمٌ وَأَنَّ مَرْجِعَهُمْ إِلَى الْفِرِنْجِ الَّذِينَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ قُبْرُسَ سَارُوا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ بِسَبَبِ غَلَاءٍ كَانَ عِنْدَهُمْ وَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِمُ الْأَقْوَاتُ، وَعَادَ حُكْمُ قُبْرُسَ إِلَى صَاحِبِ عَكَّا، وَأَعَادَ الْعَادِلُ مُرَاسَلَتَهُ فَلَمْ يَنْفَصِلْ حَالٌ، فَخَرَجَ بِالْعَسَاكِرِ، وَفَعَلَ بِعَكَّا مَا ذَكَرْنَا، فَأَجَابَهُ حِينَئِذٍ صَاحِبُهَا إِلَى مَا طَلَبَ وَأَطْلَقَ الْأَسْرَى. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِخِلَاطَ وَقَتْلِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِهَا لَمَّا تَمَّ مُلْكُ خِلَاطَ وَأَعْمَالِهَا لِلْمَلِكِ الْأَوْحَدِ بْنِ الْعَادِلِ سَارَ عَنْهَا إِلَى مَلَازَكُرْدَ

стр. 5974

لِيُقَرِّرَ قَوَاعِدَهَا أَيْضًا، وَيَفْعَلَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَهُ فِيهَا، فَلَمَّا فَارَقَ خِلَاطَ وَثَبَ أَهْلُهَا عَلَى مَنْ بِهَا مِنَ الْعَسْكَرِ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَعَصَوْا، وَحَصَرُوا الْقَلْعَةَ وَبِهَا أَصْحَابُ الْأَوْحَدِ، وَنَادَوْا بِشِعَارِ شَاهْ أَرْمَنَ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا، يَعْنُونَ بِذَلِكَ رَدَّ الْمُلْكِ إِلَى أَصْحَابِهِ وَمَمَالِيكِهِ. فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمَلِكِ الْأَوْحَدِ، فَعَادَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ وَافَاهُ عَسْكَرٌ مِنَ الْجَزِيرَةِ فَقَوِيَ بِهِمْ، وَحَصَرَ خِلَاطَ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُهَا، فَمَالَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ حَسَدًا لِلْآخَرِينَ، فَمَلَكَهَا، وَقَتَلَ بِهَا خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِهَا، وَأَسَرَ جَمَاعَةً مِنَ الْأَعْيَانِ، فَسَيَّرَهُمْ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ، وَكَانَ كُلَّ يَوْمٍ يُرْسِلُ إِلَيْهِمْ يَقْتَلُ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، فَلَمْ يَسْلَمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَذَلَّ أَهْلُ خِلَاطَ بَعْدَ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ، وَتَفَرَّقَتْ كَلِمَةُ الْفِتْيَانِ، وَكَانَ الْحُكْمُ إِلَيْهِمْ، وَكُفِيَ النَّاسُ شَرَّهُمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ صَارُوا يُقِيمُونَ مَلِكًا وَيَقْتُلُونَ آخَرَ، وَالسَّلْطَنَةُ عِنْدَهُمْ لَا حُكْمَ لَهَا وَإِنَّمَا الْحُكْمُ لَهُمْ وَإِلَيْهِمْ. ذِكْرُ مُلْكِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْبَهْلَوَانِ مَرَاغَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ الْأَمِيرُ نُصْرَةُ الدِّينِ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَهْلَوَانِ، صَاحِبُ أَذْرَبِيجَانَ، مَدِينَةَ مَرَاغَةَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَهَا عَلَاءَ الدِّينِ قَرَاسُنْقُرَ مَاتَ هَذِهِ السَّنَةَ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنٌ لَهُ طِفْلٌ، وَقَامَ بِتَدْبِيرِ دَوْلَتِهِ وَتَرْبِيَتِهِ خَادِمٌ كَانَ لِأَبِيهِ، فَعَصَى عَلَيْهِ أَمِيرٌ كَانَ مَعَ أَبِيهِ وَجَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْخَادِمُ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَقَاتَلَهُمْ ذَلِكَ الْأَمِيرُ، فَانْهَزَمُوا، وَاسْتَقَرَّ مُلْكُ وَلَدِ عَلَاءِ الدِّينِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ تَطُلْ أَيَّامُهُ حَتَّى تُوُفِّيَ فِي أَوَّلِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّمِائَةٍ، وَانْقَرَضَ أَهْلُ بَيْتِهِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ سَارَ نُصْرَةُ الدِّينِ أَبُو بَكْرٍ مِنْ تِبْرِيزَ إِلَى مَرَاغَةَ فَمَلَكَهَا وَاسْتَوْلَى عَلَى جَمِيعِ مَمْلَكَةِ آلِ قَرَاسُنْقُرَ مَا عَدَا قَلْعَةَ رُوِينَ دَزْ فَإِنَّهَا اعْتَصَمَ بِهَا الْخَادِمُ، وَعِنْدَهُ الْخَزَائِنُ وَالذَّخَائِرُ، فَامْتَنَعَ بِهَا عَلَى الْأَمِيرِ أَبِي بَكْرٍ.

стр. 5975

ذِكْرُ عَزْلِ نَصِيرِ الدِّينِ وَزِيرِ الْخَلِيفَةِ كَانَ نَصِيرُ الدِّينِ نَاصِرُ بْنُ مَهْدِيٍّ الْعَلَوِيُّ هَذَا مِنْ أَهْلِ الرَّيِّ مَنْ بَيْتٍ كَبِيرٍ. فَقَدِمَ بَغْدَادَ لَمَّا مَلَكَ مُؤَيَّدُ الدِّينِ بْنُ الْقَصَّابِ وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ الرَّيَّ، وَلَقِيَ مِنَ الْخَلِيفَةِ قَبُولًا، فَجَعَلَهُ نَائِبَ الْوِزَارَةِ، ثُمَّ جَعَلَهُ وَزِيرًا وَحَكَّمَهُ وَجَعَلَ ابْنَهُ صَاحِبَ الْمَخْزَنِ. فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، عُزِلَ وَأُغْلِقَ بَابُهُ وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ أَنَّهُ أَسَاءَ السِّيرَةَ مَعَ أَكَابِرِ مَمَالِيكِ الْخَلِيفَةِ، فَمِنْهُمْ أَمِيرُ الْحَاجِّ مُظَفَّرُ الدِّينِ سُنْقُرُ الْمَعْرُوفُ بِوَجْهِ السَّبُعِ، فَإِنَّهُ هَرَبَ مِنْ يَدِهِ إِلَى الشَّامِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّمِائَةٍ، فَارَقَ الْحَاجَّ بِالْمَرْخُومِ، وَأَرْسَلَ يَعْتَذِرُ مِنْ هَرَبِهِ وَيَقُولُ: إِنَّنِي هَرَبْتُ مِنْ يَدِ الْوَزِيرِ ; ثُمَّ أَتْبَعَهُ الْأَمِيرَ جَمَالَ الدِّينِ قُشْتُمُرَ وَهُوَ أَخَصُّ الْمَمَالِيكِ وَآثَرُهُمْ عِنْدَهُ، وَمَضَى إِلَى لُرِسْتَانَ وَأَرْسَلَ يَعْتَذِرُ وَيَقُولُ: إِنَّ الْوَزِيرَ يُرِيدُ أَنْ لَا يُبْقِيَ فِي خِدْمَةِ الْخَلِيفَةِ أَحَدًا مِنْ مَمَالِيكِهِ. وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَدَّعِيَ الْخِلَافَةَ، وَقَالَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَأَكْثَرُوا وَقَالُوا الشِّعْرَ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: أَلَا مُبْلِغٌ عَنِّي الْخَلِيفَةَ أَحْمَدًا ... تَوَقَّ وُقِيتَ السُّوءَ مَا أَنْتَ صَانِعُ وَزِيرُكُ هَذَا بَيْنَ أَمْرَيْنِ فِيهِمَا ... فَعَالُكَ يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، ضَائِعُ فَإِنْ كَانَ حَقًّا مِنْ سُلَالَةِ أَحْمَدٍ ... فَهَذَا وَزِيرٌ فِي الْخِلَافَةِ طَامِعُ وَإِنْ كَانَ فِيمَا يَدَّعِي غَيْرَ صَادِقٍ ... فَأَضْيَعُ مَا كَانَتْ لَدَيْهِ الصَّنَائِعُ فَعَزَلَهُ، وَقِيلَ فِي سَبَبِ ذَلِكَ غَيْرُهُ، وَلَمَّا عُزِلَ أَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَقُولُ: إِنَّنِي قَدِمْتُ إِلَى هَاهُنَا وَلَيْسَ لِي دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، وَقَدْ حَصَلَ لِي مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَعْلَاقِ النَّفِيسَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا يَزِيدُ عَلَى خَمْسَةِ آلَافِ دِينَارٍ ; وَيَسْأَلُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ الْجَمِيعُ وَيُفْرَجُ عَنْهُ وَيُمَكَّنُ مِنَ الْمَقَامِ بِالْمَشْهَدِ أُسْوَةً بِبَعْضِ الْعَلَوِيِّينَ.

стр. 5976

فَأَجَابَهُ: إِنَّنَا مَا أَنْعَمْنَا عَلَيْكَ بِشَيْءٍ فَنَوَيْنَا اسْتِعَادَتَهُ مِنْكَ، وَلَوْ كَانَ مِلْءَ الْأَرْضِ ذَهَبًا، وَنَفْسُكَ فِي أَمَانِ اللَّهِ وَأَمَانِنَا، وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْكَ مَا تَسْتَوْجِبُ بِهِ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ الْأَعْدَاءَ قَدْ أَكْثَرُوا فِيكَ، فَاخْتَرْ لِنَفْسِكِ مَوْضِعًا تَنْتَقِلُ إِلَيْهِ مَوْفُورًا مُحْتَرَمًا. فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ الِاسْتِظْهَارِ مِنْ جَانِبِ الْخَلِيفَةِ لِئَلَّا يَتَمَكَّنَ مِنْهُ الْعَدُوُّ فَتَذْهَبَ نَفْسُهُ، فَفُعِلَ بِهِ ذَلِكَ. وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ قَرِيبًا إِلَى النَّاسِ، حَسَنَ اللِّقَاءِ لَهُمْ وَالِانْبِسَاطِ مَعَهُمْ، عَفِيفًا عَنْ أَمْوَالِهِمْ، غَيْرَ ظَالِمٍ لَهُمْ، فَلَمَّا قُبِضَ عَادَ أَمِيرُ الْحَاجِّ مِنْ مِصْرَ وَكَانَ فِي الْخِدْمَةِ الْعَادِلِيَّةِ، وَعَادَ أَيْضًا قُشْتُمُرُ، وَأُقِيمَ فِي النِّيَابَةِ فِي الْوِزَارَةِ فَخْرُ الدِّينِ أَبُو الْبَدْرِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَمْسِينَا الْوَاسِطِيُّ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَحَكِّمًا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ وَقْتَ السَّحَرِ، وَكُنْتُ حِينَئِذٍ بِالْمَوْصِلِ، وَلَمْ تَكُنْ بِهَا شَدِيدَةً، وَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ مِنْ كَثِيرٍ مِنِ الْبِلَادِ بِأَنَّهَا زُلْزِلَتْ وَلَمْ تَكُنْ بِالْقَوِيَّةِ. وَفِيهَا أَطْلَقَ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ جَمِيعَ حَقِّ الْبَيْعِ وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَرْبَابِ الْأَمْتِعَةِ مِنَ الْمُكُوسِ مِنْ سَائِرِ الْمَبِيعَاتِ، وَكَانَ مَبْلَغًا كَثِيرًا. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنْ بِنْتًا لِعِزِّ الدِّينِ نَجَاحٍ شَرَابِيِّ الْخَلِيفَةِ تُوُفِّيَتْ، فَاشْتُرِيَ لَهَا بَقَرٌ لِتُذْبَحَ وَيُتَصُدَّقَ بِلَحْمِهَا عَنْهَا، فَرَفَعُوا فِي حِسَابِ ثَمَنِهَا مَئُونَةَ الْبَقَرِ، فَكَانَتْ كَثِيرَةً، فَوَقَفَ الْخَلِيفَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِإِطْلَاقِ الْمَئُونَةِ جَمِيعِهَا. وَفِيهَا، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، أَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِبِنَاءِ دُورٍ فِي الْمَحَالِّ بِبَغْدَادَ لِيُفْطِرَ فِيهَا الْفُقَرَاءُ، وَسُمِّيَتْ دُورَ الضِّيَافَةِ، يُطْبَخُ فِيهَا اللَّحْمُ الضَّأْنُ، وَالْخُبْزُ الْجَيِّدُ، عَمَلَ ذَلِكَ فِي جَانِبَيْ بَغْدَادَ، وَجَعَلَ فِي كُلِّ دَارٍ مَنْ يُوثِقُ بِأَمَانَتِهِ، وَكَانَ يُعْطِي كُلَّ إِنْسَانٍ قَدَحًا مَمْلُوءًا مِنَ الطَّبِيخِ وَاللَّحْمِ، وَمَنًّا مِنَ الْخُبْزِ، فَكَانَ يُفْطِرُ كُلَّ لَيْلَةٍ عَلَى طَعَامِهِ خَلْقٌ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً.

стр. 5977

وَفِيهَا زَادَتْ دِجْلَةُ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَدَخَلَ الْمَاءُ فِي خَنْدَقِ بَغْدَادَ مِنْ نَاحِيَةِ بَابِ كَلْوَاذَى، فَخِيفَ عَلَى الْبَلَدِ مِنَ الْغَرَقِ، فَاهْتَمَّ الْخَلِيفَةُ بِسَدِّ الْخَنْدَقِ، وَرَكِبَ فَخْرُ الدِّينِ نَائِبُ الْوِزَارَةِ وَعِزُّ الدِّينِ الشَّرَابِيُّ وَوَقَفَا ظَاهِرَ الْبَلَدِ، فَلَمْ يَبْرَحَا حَتَّى سُدَّ الْخَنْدَقُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الشَّيْخُ حَنْبَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَرَجِ الْمُكَبِّرُ بِجَامِعِ الرُّصَافَةِ، وَكَانَ عَالِيَ الْإِسْنَادِ، رَوَى عَنِ ابْنِ الْحُصَيْنِ مُسْنَدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَلَهُ إِسْنَادٌ حَسَنٌ، وَقَدِمَ الْمَوْصِلَ، وَحَدَّثَ بِهَا وَبِغَيْرِهَا.

стр. 5978

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّمِائَة] ٦٠٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّمِائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ الْكَرَجِ أَرْجِيشَ وَعَوْدِهِمْ عَنْهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَتِ الْكَرَجُ فِي جُمُوعِهَا إِلَى وِلَايَةِ خِلَاطَ، وَقَصَدُوا مَدِينَةَ أَرْجِيشَ، فَحَصَرُوهَا وَمَلَكُوهَا عَنْوَةً، وَنَهَبُوا جَمِيعَ مَا بِهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَمْتِعَةِ وَغَيْرِهَا، وَأَسَرُوا وَسَبَوْا أَهْلَهَا، وَأَحْرَقُوهَا، وَخَرَّبُوهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَمْ يَبْقَ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا أَحَدٌ ; فَأَصْبَحَتْ خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ. وَكَانَ نَجْمُ الدِّينِ أَيُّوبُ، صَاحِبُ أَرْمِينِيَّةَ، بِمَدِينَةِ خِلَاطَ، وَعِنْدَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعَسَاكِرِ، فَلَمْ يُقْدِمْ عَلَى الْكَرَجِ لِأَسْبَابٍ: مِنْهَا كَثْرَتُهُمْ، وَخَوْفُهُ مِنْ أَهْلِ خِلَاطَ ; لِمَا كَانَ أَسْلَفَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْأَذَى خَافَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا فَلَا يُمَكَّنُ مِنَ الْعَوْدِ إِلَيْهَا، فَلَمَّا لَمْ يَخْرُجْ إِلَى قِتَالِ الْكَرَجِ، عَادُوا إِلَى بِلَادِهِمْ سَالِمِينَ لَمْ يَذْعَرْهُمْ ذَاعِرٌ، وَهَذَا جَمِيعُهُ، وَإِنْ كَانَ عَظِيمًا شَدِيدًا عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، فَإِنَّهُ يَسِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا كَانَ مِمَّا نَذْكُرُهُ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ إِلَى سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ. ذِكْرُ قَتْلِ سَنْجَر شَاهْ وَمُلْكِ ابْنِهِ مَحْمُودٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ سَنْجَر شَاهْ بْنُ غَازِي بْنِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِي بْنِ آقْسُنْقُرَ، صَاحِبُ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ نُورِ الدِّينِ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، قَتَلَهُ ابْنُهُ غَازِي ; وَلَقَدْ سَلَكَ ابْنُهُ فِي قَتْلِهِ طَرِيقًا عَجِيبًا يَدُلُّ عَلَى مَكْرٍ وَدَهَاءٍ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنْ سَنْجَرَ كَانَ سَيِّئَ السِّيرَةِ مَعَ النَّاسِ كُلِّهِمْ مِنَ الرَّعِيَّةِ وَالْجُنْدِ

стр. 5979

وَالْحَرِيمِ وَالْأَوْلَادِ، وَبَلَغَ مِنْ قُبْحِ فِعْلِهِ مَعَ أَوْلَادِهِ أَنَّهُ سَيَّرَ ابْنَيْهِ مَحْمُودًا وَمَوْدُودًا إِلَى قَلْعَةِ فَرَحَ مِنْ بَلَدِ الزَّوَزَانِ، وَأَخْرَجَ ابْنَهُ هَذَا إِلَى دَارٍ بِالْمَدِينَةِ أَسْكَنَهُ فِيهَا، وَوَكَّلَ بِهِ مَنْ يَمْنَعُهُ الْخُرُوجَ. وَكَانَتِ الدَّارُ إِلَى جَانِبِ بُسْتَانٍ لِبَعْضِ الرَّعِيَّةِ، فَكَانَ يَدْخُلُ إِلَيْهِ مِنْهَا الْحَيَّاتُ، وَالْعَقَارِبُ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْحَيَوَانِ الْمُؤْذِي، فَفِي بَعْضِ الْأَيَّامِ اصْطَادَ حَيَّةً وَسَيَّرَهَا فِي مَنْدِيلٍ إِلَى أَبِيهِ لَعَلَّهُ يَرِقُّ لَهُ، فَلَمْ يَعْطِفْ عَلَيْهِ، فَأَعْمَلَ الْحِيلَةَ حَتَّى نَزَلَ مِنَ الدَّارِ الَّتِي كَانَ بِهَا وَاخْتَفَى، وَوَضَعَ إِنْسَانًا كَانَ يَخْدِمُهُ، فَخَرَجَ مِنَ الْجَزِيرَةِ، وَقَصَدَ الْمَوْصِلَ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ غَازِي بْنُ سَنْجَرَ، فَلَمَّا سَمِعَ نُورُ الدِّينِ بِقُرْبِهِ مِنْهَا أَرْسَلَ نَفَقَةً، وَثِيَابًا، وَخَيْلًا، وَأَمَرَهُ بِالْعَوْدِ، وَقَالَ: إِنَّ أَبَاكَ يَتَجَنَّى لَنَا الذُّنُوبَ الَّتِي لَمْ نَعْمَلُهَا، وَيُقَبِّحُ ذِكْرَنَا، فَإِذَا صِرْتَ عِنْدَنَا جَعْلَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً لِلشَّنَاعَاتِ وَالْبَشَاعَاتِ، وَنَقَعُ مَعَهُ فِي صِرَاعٍ لَا يُنَادَى وَلِيَدُهُ ; فَسَارَ إِلَى الشَّامِ. وَأَمَّا غَازِي بْنُ سَنْجَرَ فَإِنَّهُ تَسَلَّقَ إِلَى دَارِ أَبِيهِ، وَاخْتَفَى عِنْدَ بَعْضِ سَرَارِيهِ، وَعَلِمَ بِهِ أَكْثَرُ مَنْ بِالدَّارِ، فَسَتَرَتْ عَلَيْهِ بُغْضًا لِأَبِيهِ، وَتَوَقُّعًا لِلْخَلَاصِ مِنْهُ لِشِدَّتِهِ عَلَيْهِنَّ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ، وَتَرَكَ أَبُوهُ الطَّلَبَ لَهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ بِالشَّامِ فَاتَّفَقَ أَنَّ أَبَاهُ، فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، شَرِبَ الْخَمْرَ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ مَعَ نُدَمَائِهِ، فَكَانَ يَقْتَرِحُ عَلَى الْمُغَنِّينَ أَنْ يُغَنُّوا فِي الْفِرَاقِ وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ، وَيَبْكِي، وَيُظْهِرُ فِي قَوْلِهِ قُرْبَ الْأَجَلِ، وَدُنُوَّ الْمَوْتِ، وَزَوَالَ مَا هُوَ فِيهِ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى آخَرِ النَّهَارِ، وَعَادَ إِلَى دَارِهِ، وَسَكِرَ عِنْدَ بَعْضِ حَظَايَاهُ، فَفِي اللَّيْلِ دَخَلَ الْخَلَاءَ ; وَكَانَ ابْنُهُ عِنْدَ تِلْكَ الْحَظِيَّةِ، فَدَخَلَ إِلَيْهِ دَارَهُ فَضَرَبَهُ بِالسِّكِّينِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ضَرْبَةً، ثُمَّ ذَبَحَهُ، وَتَرَكَهُ مُلْقًى، وَدَخَلَ الْحَمَّامَ، وَقَعَدَ يَلْعَبُ مَعَ الْجَوَارِي، فَلَوْ فَتَحَ بَابَ الدَّارِ وَأَحْضَرَ الْجُنْدَ وَاسْتَحْلَفَهُمْ لِمُلْكِ الْبَلَدِ، لَكِنَّهُ أَمِنَ وَاطْمَأَنَّ، وَلَمْ يَشُكَّ فِي الْمُلْكِ. فَاتَّفَقَ أَنَّ بَعْضَ الْخَدَمِ الصِّغَارِ خَرَجَ إِلَى الْبَابِ وَأَعْلَمَ أُسْتَاذَ دَارِ سَنْجَرَ الْخَبَرَ،

стр. 5980

فَأَحْضَرَ أَعْيَانَ الدَّوْلَةِ وَعَرَّفَهُمْ ذَلِكَ، وَأَغْلَقَ الْأَبْوَابَ عَلَى غَازِي، وَاسْتَحْلَفَ النَّاسَ لِمَحْمُودِ بْنِ سَنْجَر شَاهْ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأَحْضَرَهُ مِنْ فَرَحَ وَمَعَهُ أَخُوهُ مَوْدُودٌ، فَلَمَّا حَلَفَ النَّاسُ وَسَكَنُوا فَتَحُوا بَابَ الدَّارِ عَلَى غَازِي، وَدَخَلُوا عَلَيْهِ لِيَأْخُذُوهُ، فَمَانَعَهُمْ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَتَلُوهُ وَأَلْقَوْهُ عَلَى بَابِ الدَّارِ، فَأَكَلَتِ الْكِلَابُ بَعْضَ لَحْمِهِ، ثُمَّ دُفِنَ بَاقِيهِ. وَوَصَلَ مَحْمُودٌ إِلَى الْبَلَدِ وَمَلَكَهُ، وَلُقِّبَ بِمُعِزِّ الدِّينِ، لَقَبُ أَبِيهِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ أَخَذَ كَثِيرًا مِنَ الْجَوَارِي اللَّوَاتِي لِأَبِيهِ فَغَرَّقَهُنَّ فِي دِجْلَةَ. وَلَقَدْ حَدَّثَنِي صَدِيقٌ لَنَا أَنَّهُ رَأَى بِدِجْلَةَ فِي مِقْدَارِ غَلْوَةِ سَهْمٍ سَبْعَ جَوَارٍ مُغَرَّقَاتٍ، مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ قَدْ أُحْرِقَتْ وُجُوهُهُنَّ بِالنَّارِ، فَلَمْ أَعْلَمْ سَبَبَ ذَلِكَ الْحَرِيقِ حَتَّى حَدَّثَتْنِي جَارِيَةٌ اشْتَرَيْتُهَا بِالْمَوْصِلِ مِنْ جَوَارِيهِ، أَنْ مَحْمُودًا كَانَ يَأْخُذُ الْجَارِيَةَ فَيَجْعَلُ وَجْهَهَا فِي النَّارِ، فَإِذَا أَحْتَرَقَتْ أَلْقَاهَا فِي دِجْلَةَ، وَبَاعَ مَنْ لَمْ يُغْرِقْهُ مِنْهُنَّ، فَتَفَرَّقَ أَهْلُ تِلْكَ الدَّارِ أَيْدِي سَبَا. وَكَانَ سَنْجَر شَاهْ قَبِيحَ السِّيرَةِ، ظَالِمًا، غَاشِمًا، كَثِيرَ الْمُخَاتَلَةِ وَالْمُوَارَبَةِ، وَالنَّظَرِ فِي دَقِيقِ الْأُمُورِ وَجَلِيلِهَا، لَا يَمْتَنِعُ مِنْ قَبِيحٍ يَفْعَلُهُ مَعَ رَعِيَّتِهِ وَغَيْرِهِمْ، مَنْ أَخْذِ الْأَمْوَالِ وَالْأَمْلَاكِ، وَالْقَتْلِ، وَالْإِهَانَةِ، وَسَلَكَ مَعَهُمْ طَرِيقًا وَعْرًا مِنْ قَطْعِ الْأَلْسِنَةِ وَالْأُنُوفِ وَالْآذَانِ، وَأَمَّا اللِّحَى فَإِنَّهُ حَلَقَ مِنْهَا مَا لَا يُحْصَى، وَكَانَ جُلُّ فِكْرِهِ فِي ظُلْمٍ يَفْعَلُهُ. وَبَلَغَ مِنْ شِدَّةِ ظُلْمِهِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا اسْتَدْعَى إِنْسَانًا لِيُحْسِنَ إِلَيْهِ لَا يَصِلُ إِلَّا وَقَدْ قَارَبَ الْمَوْتَ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ ; وَاسْتَعْلَى فِي أَيَّامِهِ السُّفَهَاءُ، وَنَفَقَتْ سُوقُ الْأَشْرَارِ وَالسَّاعِينَ بِالنَّاسِ، فَخَرَبَ الْبَلَدُ، وَتَفَرَّقَ أَهْلُهُ، لَا جَرَمَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَقْرَبَ الْخَلْقِ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ قُتِلَ وَلَدُهُ غَازِي، وَبَعْدَ قَلِيلٍ قَتَلَ وَلَدُهُ مَحْمُودٌ أَخَاهُ مَوْدُودًا، وَجَرَى فِي دَارِهِ مِنَ التَّحْرِيقِ وَالتَّغْرِيقِ وَالتَّفْرِيقِ مَا ذَكَرْنَا بَعْضَهُ، وَلَوْ رُمْنَا شَرْحَ قُبْحِ سِيرَتِهِ لَطَالَ، وَاللَّهُ تَعَالَى بِالْمِرْصَادِ لِكُلِّ ظَالِمٍ.

стр. 5981

[الْوَفَيَاتُ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثَانِي الْمُحَرَّمِ، تُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ وَرَّامُ بْنُ أَبِي فِرَاسٍ الزَّاهِدُ بِالْحِلَّةِ السَّيْفِيَّةِ، وَهُوَ مِنْهَا، وَكَانَ صَالِحًا. وَفِي صَفَرٍ تُوُفِّيَ الشَّيْخُ مُصَدَّقُ بْنُ شَبِيبٍ النَّحْوِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ وَاسِطَ. وَفِي شَعْبَانَ تُوُفِّيَ الْقَاضِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمِنْدَايِ الْوَاسِطِيُّ، بِهَا، وَكَانَ كَثِيرَ الرِّوَايَةِ لِلْحَدِيثِ، وَلَهُ إِسْنَادٌ عَالٍ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ بِمُسْنَدِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنِ ابْنِ الْحُصَيْنِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقِوَامُ أَبُو الْفَوَارِسِ نَصْرُ بْنُ نَاصِرِ بْنِ مَكِّيٍّ الْمَدَائِنِيُّ، صَاحِبُ الْمَخْزَنِ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ أَدِيبًا، فَاضِلًا، كَامِلَ الْمُرُوءَةِ، يُحِبُّ الْأَدَبَ وَأَهْلَهُ، وَيُحِبُّ الشِّعْرَ، وَيُحْسِنُ الْجَوَائِزَ عَلَيْهِ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ وَلِيَ بَعْدَهُ أَبُو الْفُتُوحِ الْمُبَارَكُ ابْنُ الْوَزِيرِ عَضُدِ الدِّينِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ، وَأُكْرِمَ، وَأُعْلِيَ مَحَلُّهُ، فَبَقِيَ مُتَوَلِّيًا إِلَى سَابِعِ ذِي الْقَعْدَةِ وَعُزِلَ لِعَجْزِهِ. [ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ] وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ بِنَيْسَابُورَ وَخُرَاسَانَ، وَكَانَ أَشَدُّهَا بِنَيْسَابُورَ وَخَرَجَ أَهْلُهَا إِلَى الصَّحْرَاءِ أَيَّامًا حَتَّى سَكَنَتْ وَعَادُوا إِلَى مَسَاكِنِهِمْ.

стр. 5982

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّمِائَة] ٦٠٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّمِائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ الْعَادِلِ الْخَابُورَ وَنَصِيبِينَ وَحَصْرِهِ سِنْجَارَ وَعَوْدِهِ عَنْهَا وَاتِّفَاقِ نُورِ الدِّينِ أَرَسْلَان شَاهْ وَمُظَفَّرِ الدِّينِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيُّوبَ بَلَدَ الْخَابُورِ وَنَصِيبِينَ، وَحَصَرَ مَدِينَةَ سِنْجَارَ، وَالْجَمِيعَ مِنْ أَعْمَالِ الْجَزِيرَةِ، وَهُوَ بِيَدِ قُطْبِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ زَنْكِي مَوْدُودٍ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ قُطْبَ الدِّينِ الْمَذْكُورَ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ عَمِّهِ نُورِ الدِّينِ أَرَسْلَان شَاهْ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مَوْدُودٍ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، عَدَاوَةٌ مُسْتَحْكَمَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّمِائَةٍ حَصَلَتْ مُصَاهَرَةٌ بَيْنَ نُورِ الدِّينِ وَالْعَادِلِ، فَإِنَّ وَلَدًا لِلْعَادِلِ تَزَوَّجَ بِابْنَةٍ لِنُورِ الدِّينِ، وَكَانَ لِنُورِ الدِّينِ وُزَرَاءٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَشْتَغِلَ عَنْهُمْ، فَحَسَّنُوا لَهُ مُرَاسَلَةَ الْعَادِلِ وَالِاتِّفَاقَ مَعَهُ عَلَى أَنْ يَقْتَسِمَا بِالْبِلَادِ الَّتِي لَقُطْبِ الدِّينِ، وَبِالْوِلَايَةِ الَّتِي لَوَلَدِ سَنْجَر شَاهْ بْنِ غَازِي بْنِ مَوْدُودٍ، وَهِيَ جَزِيرَةُ ابْنِ عُمَرَ وَأَعْمَالِهَا، فَيَكُونُ مُلْكُ قُطْبِ الدِّينِ لِلْعَادِلِ، وَتَكُونُ الْجَزِيرَةُ لِنُورِ الدِّينِ. فَوَافَقَ هَذَا الْقَوْلُ هَوَى نُورِ الدِّينِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْعَادِلِ فِي الْمَعْنَى، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ مُسْتَبْشِرًا وَجَاءَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَرْجُوهُ ; لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ مَتَى مَلَكَ هَذِهِ الْبِلَادَ أَخَذَ الْمَوْصِلَ وَغَيْرَهَا، وَأَطْمَعَ نُورَ الدِّينِ أَيْضًا فِي أَنْ يُعْطِيَ هَذِهِ الْبِلَادَ، إِذَا مَلَكَهَا، لِوَلَدِهِ الَّذِي هُوَ زَوْجُ ابْنَةِ نُورِ الدِّينِ، وَيَكُونُ مُقَامُهُ فِي خِدْمَتِهِ بِالْمَوْصِلِ، وَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَتَحَالَفَا عَلَيْهَا فَبَادَرَ الْعَادِلُ إِلَى الْمَسِيرِ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى الْفُرَاتِ فِي عَسَاكِرِهِ، وَقَصَدَ الْخَابُورَ فَأَخَذَهُ. فَلَمَّا سَمِعَ نُورُ الدِّينِ بِوُصُولِهِ كَأَنَّهُ خَافَ وَاسْتَشْعَرَ، فَأَحْضَرَ مَنْ يَرْجِعُ إِلَى رَأْيِهِمْ

стр. 5983

وَقَوْلِهِمْ، وَعَرَّفَهُمْ وَصُولَ الْعَادِلِ، وَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَا يَفْعَلُهُ، فَأَمَّا مَنْ أَشَارُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَسَكَتُوا، وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ هَذِهِ الْحَالَ، فَعَظَّمَ الْأَمْرَ، وَأَشَارَ بِالِاسْتِعْدَادِ لِلْحِصَارِ، وَجَمْعِ الرِّجَالِ، وَتَحْصِيلِ الذَّخَائِرِ وَمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ. فَقَالَ نُورُ الدِّينِ: نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ وَخَبَرَّهُ الْخَبَرَ. فَقَالَ: بِأَيِّ رَأْيٍ تَجِيءُ إِلَى عَدُوٍّ لَكَ هُوَ أَقْوَى مِنْكَ، وَأَكْثَرُ جَمْعًا، وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْكَ مَتَى تَحَرَّكَ لِقَصْدِكَ تَعْلَمُ بِهِ، فَلَا يَصِلُ إِلَّا وَقَدْ فَرَغْتَ مِنْ جَمِيعِ مَا تُرِيدُهُ، تَسْعَى حَتَّى يَصِيرَ قَرِيبًا مِنْكَ، وَيَزْدَادَ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِهِ. ثُمَّ إِنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ بَيْنَكُمَا أَنَّهُ لَهُ يَمْلِكُهُ أَوْلًا بِغَيْرِ تَعَبٍ وَلَا مَشَقَّةٍ، وَتَبْقَى أَنْتَ لَا يُمْكِنُكَ أَنْ تُفَارِقَ الْمَوْصِلَ إِلَى الْجَزِيرَةِ وَتَحْصُرَهَا وَالْعَادِلُ هَاهُنَا، هَذَا إِنْ وَفَّى لَكَ بِمَا اسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ أَنْ تُفَارِقَ الْمَوْصِلَ، وَإِنْ عَادَ إِلَى الشَّامِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ لَهُ مُلْكُ خِلَاطَ، وَبَعْضُ دِيَارِ بَكْرٍ، وَدِيَارُ الْجَزِيرَةِ جَمِيعُهَا، وَالْجَمِيعُ بِيَدِ أَوْلَادِهِ مَتَى سِرْتَ عَنِ الْمَوْصِلِ أَمْكَنَهُمْ أَنْ يَحُولُوا بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا، فَمَا زِدْتَ عَلَى أَنْ آذَيْتَ نَفْسَكَ وَابْنَ عَمِّكَ، وَقَوَّيْتَ عَدُوَّكَ، وَجَعَلْتَهُ شِعَارَكَ، وَقَدْ فَاتَ الْأَمْرُ، وَلَيْسَ يَجُوزُ إِلَّا أَنْ تَقِفَ مَعَهُ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ بَيْنَكُمَا لِئَلَّا يَجْعَلَ لَكَ حُجَّةً وَيَبْتَدِئُ بِكَ. هَذَا وَالْعَادِلُ قَدْ مَلَكَ الْخَابُورَ وَنَصِيبِينَ، وَسَارَ إِلَى سِنْجَارَ فَحَصَرَهَا، وَكَانَ فِي عَزْمِ صَاحِبِهَا قُطْبِ الدِّينِ أَنْ يُسَلِّمَهَا إِلَى الْعَادِلِ بِعِوَضٍ يَأْخُذُهُ عَنْهَا، فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ أَمِيرٌ كَانَ مَعَهُ، اسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ يَرْنَقْشَ، مَمْلُوكُ أَبِيهِ زَنْكِي، وَقَامَ بِحِفْظِ الْمَدِينَةِ وَالذَّبِّ عَنْهَا، وَجَهَّزَ نُورُ الدِّينِ عَسْكَرًا مَعَ وَلَدِهِ الْمَلِكِ الْقَاهِرِ لِيَسِيرُوا إِلَى الْمَلِكِ الْعَادِلِ. فَبَيْنَمَا الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إِذْ جَاءَهُمْ أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي حِسَابٍ، وَهُوَ أَنَّ مُظَفَّرَ الدِّينِ كُوكُبْرِي، صَاحِبَ إِرْبَلَ، أَرْسَلَ وَزِيرَهُ إِلَى نُورِ الدِّينِ يَبْذُلُ مِنْ نَفْسِهِ الْمُسَاعِدَةَ عَلَى مَنْعِ الْعَادِلِ عَنْ سِنْجَارَ، وَأَنَّ الِاتِّفَاقَ مَعَهُ عَلَى مَا يُرِيدُهُ، فَوَصَلَ الرَّسُولُ لَيْلًا، فَوَقَفَ مُقَابِلَ دَارِ نُورِ الدِّينِ وَصَاحَ، فَعَبَّرَ إِلَيْهِ سَفِينَةً عَبَرَ فِيهَا، وَاجْتَمَعَ بِنُورِ الدِّينِ لَيْلًا وَأَبْلَغَهُ الرِّسَالَةَ، فَأَجَابَ نُورُ الدِّينِ إِلَى مَا طَلَبَ مِنَ الْمُوَافَقَةِ، وَحَلَفَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَادَ الْوَزِيرُ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَسَارَ مُظَفَّرُ الدِّينِ، وَاجْتَمَعَ هُوَ وَنُورُ الدِّينِ، وَنَزَلَا بِعَسَاكِرِهِمَا بِظَاهِرِ الْمَوْصِلِ. وَكَانَ سَبَبُ مَا فَعَلَهُ مُظَفَّرُ الدِّينِ أَنَّ صَاحِبَ سِنْجَارَ أَرْسَلَ وَلَدَهُ إِلَى مُظَفَّرِ الدِّينِ

стр. 5984

يَسْتَشْفِعُ بِهِ إِلَى الْعَادِلِ لِيُبْقِيَ عَلَيْهِ سِنْجَارَ، وَكَانَ مُظَفَّرُ الدِّينِ يَظُنُّ أَنَّهُ لَوْ شَفَعَ فِي نِصْفِ مُلْكِ الْعَادِلِ لَشَفَّعَهُ، لِأَثَرِهِ الْجَمِيلِ فِي خِدْمَتِهِ، وَقِيَامِهِ فِي الذَّبِّ عَنْ مُلْكِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ كَمَا تَقَدَّمَ ; فَشَفَعَ إِلَيْهِ فَلَمْ يُشَفِّعْهُ الْعَادِلُ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ بَعْدَ اتِّفَاقِهِ مَعَ نُورِ الدِّينِ لَا يُبَالِي بِمُظَفَّرِ الدِّينِ، فَلَمَّا رَدَّ الْعَادِلُ شَفَاعَتَهُ رَاسَلَ نُورَ الدِّينِ فِي الْمُوَافَقَةِ عَلَيْهِ. وَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَاجْتَمَعَ بِنُورِ الدِّينِ، أَرْسَلَا إِلَى الْمَلِكِ الظَّاهِرِ غَازِي بْنِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَهُوَ صَاحِبُ حَلَبَ، وَإِلَى كَيْخَسْرُو بْنِ قَلْجِ أَرَسْلَان، صَاحِبِ بِلَادِ الرُّومِ، بِالِاتِّفَاقِ مَعَهُمَا، فَكِلَاهُمَا أَجَابَ إِلَى ذَلِكَ، فَتَوَاعَدُوا عَلَى الْحَرَكَةِ وَقَصْدِ بِلَادِ الْعَادِلِ إِنِ امْتَنَعَ مِنَ الصُّلْحِ وَالْإِبْقَاءِ عَلَى صَاحِبِ سِنْجَارَ، وَأَرْسَلَا أَيْضًا إِلَى الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ لِيُرْسِلَ رَسُولًا إِلَى الْعَادِلِ فِي الصُّلْحِ أَيْضًا فَقَوِيَتْ حِينَئِذٍ نَفْسُ صَاحِبِ سِنْجَارَ عَلَى الِامْتِنَاعِ وَوَصَلَتْ رُسُلُ الْخَلِيفَةِ، وَهُوَ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنُ الضَّحَّاكِ، أُسْتَاذُ الدَّارِ، وَالْأَمِيرُ آقَ بَاشْ، وَهُوَ مِنْ خَوَاصِّ مَمَالِيكِ الْخَلِيفَةِ وَكِبَارِهِمْ، فَوَصَلَا إِلَى الْمَوْصِلِ، وَسَارَا مِنْهَا إِلَى الْعَادِلِ وَهُوَ يُحَاصِرُ سِنْجَارَ، وَكَانَ مِنْ مَعَهُ لَا يُنَاصِحُونَهُ فِي الْقِتَالِ لَا سِيَّمَا أَسُدُ الدَّيْنِ شِيرِكُوهْ، صَاحِبُ حِمْصَ وَالرَّحْبَةِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُدْخِلُ إِلَيْهَا الْأَغْنَامَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْأَقْوَاتِ ظَاهِرًا، وَلَا يُقَاتِلُ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ. فَلَمَّا وَصَلَتْ رُسُلُ الْخَلِيفَةِ إِلَى الْعَادِلِ أَجَابَ أَوَّلًا إِلَى الرَّحِيلِ، ثُمَّ امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَغَالَطَ، وَأَطَالَ الْأَمْرَ لَعَلَّهُ يَبْلُغُ مِنْهَا غَرَضًا، فَلَمْ يَنَلْ مِنْهَا مَا أَمَّلَهُ، وَأَجَابَ إِلَى الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا أَخَذَ وَتَبَقَى سِنْجَارُ لِصَاحِبِهَا. وَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَتَحَالَفُوا عَلَى هَذَا كُلُّهُمْ، وَعَلَى أَنْ يَكُونُوا يَدًا وَاحِدَةً عَلَى النَّاكِثِ مِنْهُمْ، وَرَحَلَ الْعَادِلُ عَنْ سِنْجَارَ إِلَى حَرَّانَ، وَعَادَ مُظَفَّرُ الدِّينِ إِلَى إِرْبِلَ، وَبَقِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُلُوكِ، وَكَانَ مُظَفَّرُ الدِّينِ عِنْدَ مُقَامِهِ بِالْمَوْصِلِ قَدْ زَوَّجَ ابْنَتَيْنِ لَهُ بِوَلَدَيْنِ لِنُورِ الدِّينِ ; وَهَمَا عِزُّ الدِّينِ مَسْعُودٌ، وَعِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي.

стр. 5985

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، عُزِلَ فَخْرُ الدِّينِ بْنُ أَمْسِينَا عَنْ نِيَابَةِ الْوِزَارَةِ لِلْخَلِيفَةِ، وَأُلْزِمَ بَيْتَهُ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى الْمَخْزَنِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِظْهَارِ عَلَيْهِ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ نِيَابَةَ الْوِزَارَةِ مَكِينُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَرَزَ الْقُمِّيُّ، كَاتِبُ الْإِنْشَاءِ، وَلُقِّبَ مُؤَيِّدَ الدِّينِ، وَنُقِلَ إِلَى دَارِ الْوِزَارَةَ مُقَابِلَ بَابِ النُّوبِيِّ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا، فِي شَوَّالٍ، تُوُفِّيَ مَجْدُ الدِّينِ يَحْيَى بْنُ الرَّبِيعِ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، مُدَرِّسُ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ فُخْرُ الدِّينِ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ خَطِيبِ الرَّيِّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ صَاحِبُ التَّصَانِيفِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ إِمَامَ الدُّنْيَا فِي عَصْرِهِ، وَبَلَغَنِي أَنَّ مَوْلِدَهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. وَفِيهَا، سَلْخِ ذِي الْحِجَّةِ، تُوُفِّيَ أَخِي مَجْدُ الدِّينِ أَبُو السِّعَادَاتِ الْمُبَارَكُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْكَاتِبُ، مَوْلِدُهُ فِي أَحَدِ الرَّبِيعَيْنِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَ عَالِمًا فِي عِدَّةِ عُلُومٍ مُبَرَّزًا فِيهَا، مِنْهَا: الْفِقْهُ، وَالْأُصُولَانِ، وَالنَّحْوُ، وَالْحَدِيثُ، وَاللُّغَةُ، وَلَهُ تَصَانِيفُ مَشْهُورَةٌ فِي التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ، وَالنَّحْوِ، وَالْحِسَابِ، وَغَرِيبِ الْحَدِيثِ، وَلَهُ رَسَائِلُ مُدَوَّنَةٌ، وَكَانَ كَاتِبًا مُفْلِقًا يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ، ذَا دِينٍ مَتِينٍ، وَلُزُومِ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ، فَلَقَدْ كَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الزَّمَانِ، وَلَعَلَّ مَنْ يَقِفُ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ يَتَّهِمُنِي فِي قَوْلِي، وَمَنْ عَرَفَهُ مَنْ أَهْلِ عَصْرِنَا يَعْلَمُ أَنِّي مُقَصِّرٌ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْمَجْدُ الْمُطَرَّزِيُّ، النَّحْوِيُّ الْخُوَارَزْمِيُّ، وَكَانَ إِمَامًا فِي النَّحْوِ، لَهُ فِيهِ تَصَانِيفُ حَسَنَةٌ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْمُؤَيَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ الْإِخْوَةِ بِأَصْفَهَانَ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، ﵀.

стр. 5986

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّمِائَة] ٦٠٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّمِائَةٍ ذِكْرُ عِصْيَانِ سَنْجَرَ مَمْلُوكِ الْخَلِيفَةِ بِخُوزِسْتَانَ وَمَسِيرِ الْعَسَاكِرِ إِلَيْهِ كَانَ قُطْبُ الدِّينِ سَنْجَرُ، مَمْلُوكُ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ، قَدْ وَلَّاهُ الْخَلِيفَةُ خُوزِسْتَانَ بَعْدَ طَاشْتَكِينَ أَمِيرِ الْحَاجِّ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمَّا كَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّمِائَةٍ بَدَا مِنْهُ تَغَيُّرٌ عَنِ الطَّاعَةِ فَرُوسِلَ فِي الْقُدُومِ إِلَى بَغْدَادَ، فَغَالَطَ وَلَمْ يَحْضُرْ، وَكَانَ يُظْهِرُ الطَّاعَةَ وَيُبْطِنُ التَّغَلُّبَ عَلَى الْبِلَادِ، فَبَقِيَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إِلَى رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَتَقَدَّمَ الْخَلِيفَةُ إِلَى مُؤَيِّدِ الدِّينِ، نَائِبِ الْوِزَارَةِ، وَإِلَى عِزِّ الدِّينِ بْنِ نَجَاحٍ الشَّرَابِيِّ، خَاصِّ الْخَلِيفَةِ، بِالْمَسِيرِ بِالْعَسَاكِرِ إِلَيْهِ بِخُوزِسْتَانَ وَإِخْرَاجِهِ عَنْهَا، فَسَارَا فِي عَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ إِلَى خُوزِسْتَانَ، فَلَمَّا تَحَقَّقَ سَنْجَرُ قَصْدَهُمْ إِلَيْهِ، فَارَقَ الْبِلَادَ، وَلَحِقَ بِصَاحِبِ شِيرَازَ، وَهُوَ أَتَابِكْ عِزُّ الدِّينِ سَعْدُ بْنُ دَكْلَا مُلْتَجِئًا إِلَيْهِ، فَأَكْرَمَهُ وَقَامَ دُونَهُ. وَوَصَلَ عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ إِلَى خُوزِسْتَانِ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ بِغَيْرِ مُمَانِعَةٍ، فَلَمَّا اسْتَقَرُّوا فِي الْبِلَادِ رَاسَلُوا سَنْجَرَ يَدْعُونَهُ إِلَى الطَّاعَةِ، فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، فَسَارُوا إِلَى أَرَّجَانَ عَازِمِينَ عَلَى قَصْدِ صَاحِبِ شِيرَازَ، فَأَدْرَكَهُمُ الشِّتَاءُ، فَأَقَامُوا شُهُورًا وَالرُّسُلُ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ صَاحِبِ شِيرَازَ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى تَسْلِيمِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ شَوَّالٌ رَحَلُوا يُرِيدُونَ شِيرَازَ، فَحِينَئِذٍ أَرْسَلَ صَاحِبُهَا إِلَى الْوَزِيرِ وَالشَّرَابِيِّ يَشْفَعُ فِيهِ، وَيَطْلُبُ الْعَهْدَ لَهُ عَلَى أَنْ لَا يُؤْذَى، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَسَلَّمَهُ إِلَيْهِمْ هُوَ وَمَالَهُ وَأَهْلَهُ، فَعَادُوا إِلَى بَغْدَادَ وَسَنْجَرَ مَعَهُمْ تَحْتَ الِاسْتِظْهَارِ، وَوَلَّى الْخَلِيفَةُ بِلَادَ خُوزِسْتَانِ مَمْلُوكَهُ يَاقُوتًا أَمِيرَ الْحَاجِّ.

стр. 5987

وَوَصَلَ الْوَزِيرُ إِلَى بَغْدَادَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّمِائَةٍ هُوَ وَالشَّرَابِيُّ وَالْعَسَاكِرُ، وَخَرَجَ أَهْلُ بَغْدَادَ إِلَى تَلَقِّيهِمْ، فَدَخَلُوهَا وَسَنْجَرُ مَعَهُمْ رَاكِبًا عَلَى بَغْلٍ بِإِكَافٍ، وَفِي رِجْلِهِ سِلْسِلَتَانِ، فِي يَدِ كُلِّ جُنْدِيٍّ سِلْسِلَةٌ، وَبَقِيَ مَحْبُوسًا إِلَى أَنْ دَخَلَ صَفَرٌ، فَجُمِعَ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْأَعْيَانِ إِلَى دَارِ مُؤَيِّدِ الدِّينِ نَائِبِ الْوِزَارَةِ، فَأُحْضِرَ سَنْجَرُ وَقُرِّرَ بِأُمُورٍ نُسِبَتْ إِلَيْهِ مُنْكَرَةٍ، فَأَقَرَّ بِهَا، فَقَالَ مُؤَيِّدُ الدِّينِ لِلنَّاسِ: قَدْ عَرَفْتُمْ مَا تَقْتَضِيهِ السِّيَاسَةُ مِنْ عُقُوبَةِ هَذَا الرَّجُلِ، وَقَدْ عَفَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْهُ، وَأَمَرَ بِالْخِلَعِ عَلَيْهِ، فَلَبِسَهَا وَعَادَ إِلَى دَارِهِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ. وَقِيلَ إِنَّ أَتَابِكْ سَعْدًا نَهَبَ مَالَ سَنْجَرَ وَخِزَانَتَهُ وَدَوَابَّهُ، وَكُلَّ مَا لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ، وَسَيَّرَهُمْ، فَلَمَّا وَصَلَ سَنْجَرُ إِلَى الْوَزِيرِ الشَّرَابِيِّ طَلَبُوا الْمَالَ، فَأَرْسَلَ شَيْئًا يَسِيرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ذِكْرُ وَفَاةِ نُورِ الدِّينِ أَرَسْلَان شَاهْ وَشَيْءٍ مِنْ سِيرَتِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَوَاخِرَ رَجَبٍ، تُوُفِّيَ نُورُ الدِّينِ أَرَسْلَان شَاهْ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِي بْنِ آقْسُنْقُرَ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ مَرَضُهُ قَدْ طَالَ، وَمِزَاجُهُ قَدْ فَسَدَ، وَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ شَهْمًا شُجَاعًا، ذَا سِيَاسَةٍ لِلرَّعَايَا، شَدِيدًا عَلَى أَصْحَابِهِ، فَكَانُوا يَخَافُونَهُ خَوْفًا شَدِيدًا، وَكَانَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ تَعَدِّي بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَكَانَ لَهُ هِمَّةً عَالِيَةً، أَعَادَ نَامُوسَ الْبَيْتِ الْأَتَابِكِيِّ وَجَاهَهُ، وَحُرْمَتَهُ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ قَدْ ذَهَبَتْ وَخَافَهُ الْمُلُوكُ ; وَكَانَ سَرِيعَ الْحَرَكَةِ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَبْرٌ فَلِهَذَا لَمْ يَتَّسِعْ مُلْكُهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْفَضِيلَةِ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا رَحَلَ الْكَامِلُ بْنُ الْعَادِلِ عَنْ مَارِدِينِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، عَفَّ عَنْهَا، وَأَبْقَاهَا عَلَى صَاحِبِهَا، وَلَوْ قَصَدَهَا وَحَصَرَهَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا قُوَّةُ الِامْتِنَاعِ، لِأَنَّ مَنْ كَانُوا بِهَا كَانُوا قَدْ هَلَكُوا وَضَجِرُوا، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ رَمَقٌ، فَأَبْقَاهَا عَلَى صَاحِبِهَا.

стр. 5988

وَلَمَّا مَلَكَ اسْتَغَاثَ بِهِ إِنْسَانٌ مِنَ التُّجَّارِ، فَسَأَلَ عَنْ حَالِهِ، فَقِيلَ إِنَّهُ قَدْ أَدْخَلَ قُمَاشَهُ إِلَى الْبَلَدِ لِيَبِيعَهُ، فَلَمْ يَتِمَّ لَهُ الْبَيْعُ، وَيُرِيدُ إِخْرَاجَهُ، وَقَدْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَنْ مَنَعَهُ فَقِيلَ: ضَامِنٌ الْبَزِّ يُرِيدُ مِنْهُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنَ الْمَكْسِ، وَكَانَ الْقَيِّمُ بِتَدْبِيرِ مَمْلَكَتِهِ مُجَاهِدَ الدِّينِ قَايَمَازَ، وَهُوَ إِلَى جَانِبِهِ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْعَادَةِ كَيْفَ هِيَ فَقَالَ: إِنِ اشْتَرَطَ صَاحِبُهُ إِخْرَاجَ مَتَاعَهُ مُكِّنَ مِنْ إِخْرَاجِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ لَمْ يُخْرَجْ حَتَّى يُؤْخَذَ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَخْذِهِ. فَقَالَ: وَاللَّهُ إِنَّ هَذِهِ الْعَادَةَ مُدَبَّرَةٌ، إِنْسَانٌ لَا يَبِيعُ مَتَاعَهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ مَالُهُ؟ فَقَالَ مُجَاهِدُ الدِّينِ: لَا شَكَّ فِي فَسَادِ هَذِهِ الْعَادَةِ. فَقَالَ: إِذَا قُلْنَا أَنَا وَأَنْتَ إِنَّهَا عَادَةٌ فَاسِدَةٌ، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ تَرْكِهَا. وَتَقَدَّمَ بِإِخْرَاجِ مَالِ الرَّجُلِ، وَأَنْ لَا يُؤْخَذَ إِلَّا مِمَّنْ بَاعَ. وَسَمِعْتُ أَخِي مَجْدَ الدِّينِ أَبَا السِّعَادَاتِ ﵀ وَكَانَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ اخْتِصَاصًا بِهِ يَقُولُ: مَا قُلْتُ لَهُ يَوْمًا فِي فِعْلِ خَيْرٍ فَامْتَنَعَ مِنْهُ بَلْ بَادَرَ إِلَيْهِ بِفَرَحٍ وَاسْتِبْشَارٍ، وَاسْتَدْعَى فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ أَخِي الْمَذْكُورَ، فَرَكِبَ إِلَى دَارِهِ، فَلَمَّا كَانَ بِبَابِ الدَّارِ لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ وَبِيَدِهَا رُقْعَةٌ، وَهِيَ تَشْكُو، وَتَطْلُبُ عَرْضَهَا عَلَى نُورِ الدِّينِ، فَأَخَذَهَا، فَلَمَّا دَخَلَ إِلَيْهِ جَارَاهُ فِي مُهِمٍّ لَهُ، فَقَالَ: قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ تَقِفُ عَلَى هَذِهِ الرُّقْعَةِ، وَتَقْضِي شَغْلَ صَاحِبَتِهَا. فَقَالَ: لَا حَاجَةَ إِلَى الْوُقُوفِ عَلَيْهَا، عَرِّفْنَا إِيشْ فِيهَا. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّنِي رَأَيْتُ امْرَأَةً بِبَابِ الدَّارِ وَهِيَ مُتَظَلِّمَةٌ، شَاكِيَةٌ. فَقَالَ: نَعَمْ عَرَفْتُ حَالَهَا ثُمَّ انْزَعَجَ فَظَهَرَ مِنْهُ الْغَيْظُ وَالْغَضَبُ، وَعِنْدَهُ رَجُلَانِ هُمَا الْقَيِّمَانِ بِأُمُورِ دَوْلَتِهِ، فَقَالَ لِأَخِيهِ: أَبْصِرْ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ قَدْ دَفَعَتْ مَعَ هَذَيْنِ. هَذِهِ الْمَرْأَةُ كَانَ لَهَا ابْنٌ، وَقَدْ مَاتَ مِنْ مُدَّةٍ فِي الْمَوْصِلِ، وَهُوَ غَرِيبٌ، وَخَلَّفَ قُمَاشًا وَمَمْلُوكَيْنِ، فَاحْتَاطَ نُوَّابُ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى الْقُمَاشِ، وَأَحْضَرُوا الْمَمْلُوكَيْنِ إِلَيْنَا، فَبَقِيَا عِنْدَنَا نَنْتَظِرُ حُضُورَ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّرِكَةَ لِيَأْخُذَهَا، فَحَضَرَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ وَمَعَهَا كِتَابٌ، حُكْمِي بِأَنَّ الْمَالَ الَّذِي مَعَ وَلَدِهَا لَهَا، فَتَقَدَّمْنَا بِتَسْلِيمِ مَالِهَا إِلَيْهَا، وَقُلْتُ لِهَذَيْنِ:

стр. 5989

اشْتَرِيَا الْمَمْلُوكَيْنِ مِنْهَا، وَأَنْصِفَاهَا فِي الثَّمَنِ، فَعَادَا وَقَالَا: لَمْ يَتِمَّ بَيْنِنَا بَيْعٌ، لِأَنَّهَا طَلَبَتْ ثَمَنًا كَثِيرًا، فَأَمَرْتُهُمَا بِإِعَادَةِ الْمَمْلُوكَيْنِ إِلَيْهَا مِنْ مُدَّةِ شَهْرَيْنِ وَأَكْثَرَ، وَإِلَى الْآنِ مَا عُدْتُ سَمِعْتُ لَهَا حَدِيثًا، وَظَنَنْتُ أَنَّهَا أَخَذَتْ مَالَهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمَا لَمْ يُسَلِّمَا الْمَمْلُوكَيْنِ إِلَيْهَا، وَقَدِ اسْتَغَاثَتْ بِهِمَا فَلَمْ يُنْصِفَاهَا، فَجَاءَتْ إِلَيْكَ، وَكُلُّ مَنْ رَأَى هَذِهِ الْمَرْأَةَ تَشْكُو وَتَسْتَغِيثُ يَظُنُّ أَنِّي أَنَا مَنَعَتُهَا عَنْ مَالِهَا، فَيَذُمُّنِي، وَيَنْسِبُنِي إِلَى الظُّلْمِ، وَلَيْسَ لِي عِلْمٌ، وَكُلُّ هَذَا فِعْلُ هَذَيْنِ، أَشْتَهِي أَنْ تَتَسَلَّمَ أَنْتَ الْمَمْلُوكَيْنِ، وَتُسَلِّمَهُمَا إِلَيْهَا فَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ مَالَهَا وَعَادَتْ شَاكِرَةً دَاعِيَةً، وَلَهُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ كَثِيرٌ لَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِهِ. ذِكْرُ وِلَايَةِ ابْنِهِ الْمَلِكِ الْقَاهِرِ لَمَّا حَضَرَ نُورَ الدِّينِ الْمَوْتُ أَمَرَ أَنْ يُرَتَّبَ فِي الْمُلْكِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ الْمَلِكُ الْقَاهِرُ عِزُّ الدِّينِ مَسْعُودٌ، وَحَلَّفَ لَهُ الْجُنْدَ وَأَعْيَانَ النَّاسِ، وَكَانَ قَدْ عَهِدَ إِلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِمُدَّةٍ، فَجَدَّدَ الْعَهْدَ لَهُ عِنْدَ وَفَاتِهِ، وَأَعْطَى وَلَدَهُ الْأَصْغَرَ عِمَادَ الدِّينِ زَنْكِي قَلْعَةَ عَقْرِ الْحُمَيْدِيَّةِ، وَقَلْعَةَ شُوشَ، وَوِلَايَتَهُمَا، وَسَيَّرَهُ إِلَى الْعَقْرِ. وَأَمَرَ أَنْ يَتَوَلَّى تَدْبِيرَ مَمْلَكَتِهِمَا وَيَقُومَ بِحِفْظِهِمَا، وَالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِهِمَا، فَأَتَاهُ الْأَمِيرُ بَدْرُ الدِّينِ لُؤْلُؤٌ لَمَّا رَأَى مِنْ عَقْلِهِ وَسِدَادِهِ، وَحُسْنِ سِيَاسَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَكَمَالِ خِلَالِ السِّيَادَةِ فِيهِ، وَكَانَ عُمُرُ الْقَاهِرِ حِينَئِذٍ عَشْرَ سِنِينَ. وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ وَأَيِسَ مِنْ نَفْسِهِ أَمَرَهُ الْأَطِبَّاءُ بِالِانْحِدَارِ إِلَى الْحَامَّةِ الْمَعْرُوفَةِ بِعَيْنِ الْقَيَّارَةِ، وَهِيَ بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَوْصِلِ، فَانْحَدَرَ إِلَيْهَا فَلَمْ يَجِدْ بِهَا رَاحَةً، وَازْدَادَ ضَعْفًا، فَأَخَذَهُ بَدْرُ الدِّينِ وَأَصْعَدَهُ فِي الشَّبَّارَةِ إِلَى الْمَوْصِلِ فَتُوُفِّيَ فِي الطَّرِيقِ لَيْلًا وَمَعَهُ الْمَلَّاحُونَ وَالْأَطِبَّاءُ، بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ سِتْرٌ. وَكَانَ مَعَ بَدْرِ الدِّينِ، عِنْدَ نُورِ الدِّينِ، مَمْلُوكَانِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ نُورُ الدِّينِ قَالَ لَهُمَا: لَا يَسْمَعُ أَحَدٌ بِمَوْتِهِ، وَقَالَ لِلْأَطِبَّاءِ وَالْمَلَّاحِينَ: لَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ، فَقَدْ نَامَ السُّلْطَانُ. فَسَكَتُوا، وَوَصَلُوا إِلَى الْمَوْصِلِ فِي اللَّيْلِ، فَأَمَرَ الْأَطِبَّاءَ وَالْمَلَّاحِينَ بِمُفَارَقَةِ الشَّبَّارَةِ ; لِئَلَّا يَرَوْهُ مَيِّتًا، وَأُبْعِدُوا، فَحَمَلَهُ هُوَ وَالْمَمْلُوكَانِ، وَأَدْخَلَهُ الدَّارَ، وَتَرَكَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي

стр. 5990

كَانَ فِيهِ وَمَعَهُ الْمَمْلُوكَانِ، وَنَزَّلَ عَلَى بَابِهِ مَنْ يَثِقُ بِهِ لَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنَ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، وَقَعَدَ مَعَ النَّاسِ يُمْضِي أُمُورًا كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى إِتْمَامِهَا. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ مَا يُرِيدُهُ أَظْهَرَ مَوْتَهُ وَقْتَ الْعَصْرِ، وَدُفِنَ لَيْلًا بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا مُقَابِلَ دَارِهِ، وَضَبَطَ الْبَلَدَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ ضَبْطًا جَيِّدًا بِحَيْثُ إِنَّ النَّاسَ فِي اللَّيْلِ لَمْ يَزَالُوا مُتَرَدِّدِينَ لَمْ يَعْدَمْ مِنْ أَحَدٍ مَا مِقْدَارُهُ الْحَبَّةُ الْفَرْدُ، وَاسْتَقَرَّ الْمُلْكُ لِوَلَدِهِ، وَقَامَ بَدْرُ الدِّينِ بِتَدْبِيرِ الدَّوْلَةِ وَالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِهَا. ذِكْرُ عَدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ، دَرَّسَ الْقَاضِي أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْمُفَرِّجِ، قَاضِي تَكْرِيتَ، بِالْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ اسْتُدْعِيَ مِنْ تَكْرِيتَ إِلَيْهَا. وَفِيهَا نَقَصَتْ دِجْلَةُ بِالْعِرَاقِ نَقْصًا كَثِيرًا، حَتَّى كَانَ الْمَاءُ يَجْرِي بِبَغْدَادَ فِي نَحْوِ خَمْسَةِ أَذْرُعٍ، وَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ أَنْ يُكْرَى دِجْلَةُ، فَجَمَعَ الْخَلْقَ الْكَثِيرَ، وَكَانُوا كُلَّمَا حَفَرُوا شَيْئًا عَادَ الرَّمْلُ فَغَطَّاهُ، وَكَانَ النَّاسُ يَخُوضُونَ دِجْلَةَ فَوْقَ بَغْدَادَ، وَهَذَا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عَلَاءُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ وَلَدُ الْأَمِيرِ مُجَاهِدِ الدِّينِ يَاقُوتَ أَمِيرِ الْحَاجِّ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ وَلَّاهُ الْخَلِيفَةُ خُوزِسْتَانَ، وَجَعَلَهُ هُوَ أَمِيرَ الْحَاجِّ، وَجَعَلَ مَعَهُ مَنْ يُدَبِّرُ الْحَاجَّ، لِأَنَّهُ كَانَ صَبِيًّا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا، فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ، تُوُفِّيَ ضِيَاءُ الدِّينِ أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَمِيرُ الْبَغْدَادِيُّ بِبَغْدَادَ، وَهُوَ سَبْطُ صَدْرِ الدِّينِ إِسْمَاعِيلَ شَيْخِ الشُّيُوخِ، وَعُمُرُهُ سَبْعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَشُهُورٌ، وَكَانَ صُوفِيًّا، فَقِيهًا، مُحَدِّثًا، سَمِعْنَا مِنْهُ الْكَثِيرَ ﵀ وَكَانَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ وَالصَّلَاحِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ شَيْخُنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُعَمَّرِ بْنِ طَبَرْزَدَ الْبَغْدَادِيُّ، وَكَانَ عَالِيَ الْإِسْنَادِ.
следующие страницы →