← Сира

Сира · id 21713

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Полный текст (2 628 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الْأَمْوَالِ فِي الزَّكَاةِ، بَلْ وَسَطَ الْمَالِ، وَلِهَذَا نَهَى معاذا عَنْ ذَلِكَ. [فَصْلٌ في نهي المتصدق أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَتَهُ] فَصْلٌ. وَكَانَ ﷺ يَنْهَى الْمُتَصَدِّقَ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَتَهُ، وَكَانَ يُبِيحُ لِلْغَنِيِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الصَّدَقَةِ إِذَا أَهْدَاهَا إِلَيْهِ الْفَقِيرُ، وَأَكَلَ ﷺ مِنْ لَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بريرة وَقَالَ: ( «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا مِنْهَا هَدِيَّةٌ» ) . وَكَانَ أَحْيَانًا يَسْتَدِينُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّدَقَةِ، كَمَا جَهَّزَ جَيْشًا فَنَفِدَتِ الْإِبِلُ، فَأَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَنْ يَأْخُذَ مِنْ قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ، ( «وَكَانَ يَسِمُ

стр. 492

إِبِلَ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ، وَكَانَ يَسِمُهَا فِي آذَانِهَا» ) . وَكَانَ إِذَا عَرَاهُ أَمْرٌ اسْتَسْلَفَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَرْبَابِهَا، كَمَا اسْتَسْلَفَ مِنَ العباس ﵁ صَدَقَةَ عَامَيْنِ.

стр. 493

[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ] فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَعَلَى مَنْ يَمُونُهُ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، ذَكَرٍ وَأُنْثَى، حُرٍّ وَعَبْدٍ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. وَرُوِيَ عَنْهُ: أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ، وَرُوِيَ عَنْهُ: نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ. وَالْمَعْرُوفُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَعَلَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ مَكَانَ الصَّاعِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، ذَكَرَهُ أبو داود. وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" أَنَّ معاوية هُوَ الَّذِي قَوَّمَ ذَلِكَ، وَفِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ آثَارٌ مُرْسَلَةٌ وَمُسْنَدَةٌ، يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا.

стр. 494

فَمِنْهَا: حَدِيثُ عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «صَاعٌ مِنْ بُرٍّ أَوْ قَمْحٍ عَلَى كُلِّ اثْنَيْنِ» ) رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وأبو داود. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «بَعَثَ مُنَادِيًا فِي فِجَاجِ مَكَّةَ، أَلَا إِنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ أَوْ سِوَاهُ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ» ) . قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «أَمَرَ عمرو بن حزم فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ بِنِصْفِ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ» ) . وَفِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، وَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: خَطَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي آخِرِ رَمَضَانَ عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ فَقَالَ: أَخْرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمِكُمْ، فَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا. فَقَالَ: مَنْ هَاهُنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؟ قُومُوا إِلَى إِخْوَانِكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ، أَوْ مَمْلُوكٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ» ، فَلَمَّا قَدِمَ علي ﵁ رَأَى رُخْصَ

стр. 495

السِّعْرِ قَالَ: قَدْ أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَلَوْ جَعَلْتُمُوهُ صَاعًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. رَوَاهُ أبو داود وَهَذَا لَفْظُهُ، وَالنَّسَائِيُّ وَعِنْدَهُ: فَقَالَ علي: أَمَّا إِذْ أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا، اجْعَلُوهَا صَاعًا مِنْ بُرٍّ وَغَيْرِهِ. وَكَانَ شَيْخُنَا ﵀ يُقَوِّي هَذَا الْمَذْهَبَ وَيَقُولُ: هُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أحمد فِي الْكَفَّارَاتِ، أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا مِنَ الْبُرِّ نِصْفُ الْوَاجِبِ مِنْ غَيْرِهِ. [وَقْتُ إِخْرَاجِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ] فَصْلٌ. وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ إِخْرَاجُ هَذِهِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَفِي " السُّنَنِ " عَنْهُ: أَنَّهُ قَالَ: ( «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» ) . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ( «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ» ) .

стр. 496

وَمُقْتَضَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَأَنَّهَا تَفُوتُ بِالْفَرَاغِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، فَإِنَّهُ لَا مُعَارِضَ لِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَلَا نَاسِخَ، وَلَا إِجْمَاعَ يَدْفَعُ الْقَوْلَ بِهِمَا، وَكَانَ شَيْخُنَا يُقَوِّي ذَلِكَ وَيَنْصُرُهُ، وَنَظِيرُهُ تَرْتِيبُ الْأُضْحِيَّةِ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ، لَا عَلَى وَقْتِهَا، وَأَنَّ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ لَمْ تَكُنْ ذَبِيحَتُهُ أُضْحِيَّةً بَلْ شَاةَ لَحْمٍ. وَهَذَا أَيْضًا هُوَ الصَّوَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى، وَهَذَا هَدْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. [هَدْيِهِ ﷺ تَخْصِيصُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ للْمَسَاكِينِ] فَصْلٌ وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ تَخْصِيصُ الْمَسَاكِينِ بِهَذِهِ الصَّدَقَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يَقْسِمُهَا عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ قَبْضَةً قَبْضَةً، وَلَا أَمَرَ بِذَلِكَ، وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ، بَلْ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا إِلَّا عَلَى الْمَسَاكِينِ خَاصَّةً، وَهَذَا الْقَوْلُ أَرْجَحُ مِنَ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ قِسْمَتِهَا عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ. [فصل هديه ﷺ في صدقة التطوع] فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ كَانَ ﷺ أَعْظَمَ النَّاسِ صَدَقَةً بِمَا مَلَكَتْ يَدُهُ، وَكَانَ لَا يَسْتَكْثِرُ شَيْئًا أَعْطَاهُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَسْتَقِلُّهُ، وَكَانَ لَا يَسْأَلُهُ أَحَدٌ شَيْئًا عِنْدَهُ إِلَّا أَعْطَاهُ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، وَكَانَ عَطَاؤُهُ عَطَاءَ مَنْ لَا يَخَافُ الْفَقْرَ، وَكَانَ الْعَطَاءُ وَالصَّدَقَةُ أَحَبَّ شَيْءٍ إِلَيْهِ، وَكَانَ سُرُورُهُ وَفَرَحُهُ بِمَا يُعْطِيهِ أَعْظَمَ مِنْ سُرُورِ الْآخِذِ بِمَا يَأْخُذُهُ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، يَمِينُهُ كَالرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. وَكَانَ إِذَا عَرَضَ لَهُ مُحْتَاجٌ آثَرَهُ عَلَى نَفْسِهِ، تَارَةً بِطَعَامِهِ، وَتَارَةً بِلِبَاسِهِ. وَكَانَ يُنَوِّعُ فِي أَصْنَافِ عَطَائِهِ وَصَدَقَتِهِ، فَتَارَةً بِالْهِبَةِ، وَتَارَةً بِالصَّدَقَةِ، وَتَارَةً بِالْهَدِيَّةِ، وَتَارَةً بِشِرَاءِ الشَّيْءِ ثُمَّ يُعْطِي الْبَائِعَ الثَّمَنَ وَالسِّلْعَةَ جَمِيعًا، كَمَا فَعَلَ بِبَعِيرِ

стр. 497

جَابِرٍ. وَتَارَةً كَانَ يَقْتَرِضُ الشَّيْءَ فَيَرُدُّ أَكْثَرَ مِنْهُ وَأَفْضَلَ وَأَكْبَرَ، وَيَشْتَرِي الشَّيْءَ فَيُعْطِي أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ، وَيَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُكَافِئُ عَلَيْهَا بِأَكْثَرَ مِنْهَا أَوْ بِأَضْعَافِهَا، تَلَطُّفًا وَتَنَوُّعًا فِي ضُرُوبِ الصَّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ، وَكَانَتْ صَدَقَتُهُ وَإِحْسَانُهُ بِمَا يَمْلِكُهُ وَبِحَالِهِ وَبِقَوْلِهِ، فَيُخْرِجُ مَا عِنْدَهُ، وَيَأْمُرُ بِالصَّدَقَةِ، وَيَحُضُّ عَلَيْهَا، وَيَدْعُو إِلَيْهَا بِحَالِهِ وَقَوْلِهِ، فَإِذَا رَآهُ الْبَخِيلُ الشَّحِيحُ دَعَاهُ حَالُهُ إِلَى الْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ، وَكَانَ مَنْ خَالَطَهُ وَصَحِبَهُ وَرَأَى هَدْيَهُ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ مِنَ السَّمَاحَةِ وَالنَّدَى. وَكَانَ هَدْيُهُ ﷺ يَدْعُو إِلَى الْإِحْسَانِ وَالصَّدَقَةِ وَالْمَعْرُوفِ، وَلِذَلِكَ كَانَ ﷺ أَشْرَحَ الْخَلْقِ صَدْرًا، وَأَطْيَبَهُمْ نَفْسًا، وَأَنْعَمَهُمْ قَلْبًا، فَإِنَّ لِلصَّدَقَةِ وَفِعْلِ الْمَعْرُوفِ تَأْثِيرًا عَجِيبًا فِي شَرْحِ الصَّدْرِ، وَانْضَافَ ذَلِكَ إِلَى مَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ شَرْحِ صَدْرِهِ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَخَصَائِصِهَا وَتَوَابِعِهَا، وَشَرْحِ صَدْرِهِ حِسًّا وَإِخْرَاجِ حَظِّ الشَّيْطَانِ مِنْهُ. [فَصْلٌ فِي أَسْبَابِ شَرْحِ الصُّدُورِ وَحُصُولِهَا عَلَى الْكَمَالِ لَهُ ﷺ ] فَأَعْظَمُ أَسْبَابِ شَرْحِ الصَّدْرِ: التَّوْحِيدُ، وَعَلَى حَسَبِ كَمَالِهِ وَقُوَّتِهِ وَزِيَادَتِهِ يَكُونُ انْشِرَاحُ صَدْرِ صَاحِبِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] [الزُّمَرِ ٢٢] . وَقَالَ تَعَالَى

стр. 498

: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] [الْأَنْعَامِ ١٢٥] . فَالْهُدَى وَالتَّوْحِيدُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ شَرْحِ الصّدْرِ، وَالشِّرْكُ وَالضَّلَالُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ضِيقِ الصَّدْرِ وَانْحِرَاجِهِ، وَمِنْهَا: النُّورُ الَّذِي يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ، وَهُوَ نُورُ الْإِيمَانِ، فَإِنَّهُ يَشْرَحُ الصَّدْرَ وَيُوَسِّعُهُ وَيُفْرِحُ الْقَلْبَ. فَإِذَا فُقِدَ هَذَا النُّورُ مِنْ قَلْبِ الْعَبْدِ ضَاقَ وَحَرَجَ، وَصَارَ فِي أَضْيَقِ سِجْنٍ وَأَصْعَبِهِ. وَقَدْ رَوَى الترمذي فِي " جَامِعِهِ " عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «إِذَا دَخَلَ النُّورُ الْقَلْبَ انْفَسَحَ وَانْشَرَحَ. قَالُوا: وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ» ) . فَيُصِيبُ الْعَبْدَ مِنِ انْشِرَاحِ صَدْرِهِ بِحَسَبِ نَصِيبِهِ مِنْ هَذَا النُّورِ، وَكَذَلِكَ النُّورُ الْحِسِّيُّ، وَالظُّلْمَةُ الْحِسِّيَّةُ، هَذِهِ تَشْرَحُ الصَّدْرَ، وَهَذِهِ تُضَيِّقُهُ. وَمِنْهَا: الْعِلْمُ، فَإِنَّهُ يَشْرَحُ الصَّدْرَ، وَيُوَسِّعُهُ حَتَّى يَكُونَ أَوْسَعَ مِنَ الدُّنْيَا، وَالْجَهْلُ يُورِثُهُ الضِّيقَ وَالْحَصْرَ وَالْحَبْسَ، فَكُلَّمَا اتَّسَعَ عِلْمُ الْعَبْدِ انْشَرَحَ صَدْرُهُ وَاتَّسَعَ، وَلَيْسَ هَذَا لِكُلِّ عِلْمٍ، بَلْ لِلْعِلْمِ الْمَوْرُوثِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَهُوَ الْعِلْمُ النَّافِعُ، فَأَهْلُهُ أَشْرَحُ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَوْسَعُهُمْ قُلُوبًا، وَأَحْسَنُهُمْ أَخْلَاقًا، وَأَطْيَبُهُمْ عَيْشًا. وَمِنْهَا: الْإِنَابَةُ إِلَى اللَّهِ ، وَمَحَبَّتُهُ بِكُلِّ الْقَلْبِ وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهِ وَالتَّنَعُّمُ بِعِبَادَتِهِ، فَلَا شَيْءَ أَشْرَحُ لِصَدْرِ الْعَبْدِ مِنْ ذَلِكَ. حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ أَحْيَانًا: إِنْ

стр. 499

كُنْتُ فِي الْجَنَّةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَإِنِّي إِذًا فِي عَيْشٍ طَيِّبٍ. وَلِلْمَحَبَّةِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي انْشِرَاحِ الصَّدْرِ وَطِيبِ النَّفْسِ وَنَعِيمِ الْقَلْبِ، لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا مَنْ لَهُ حِسٌّ بِهِ، وَكُلَّمَا كَانَتِ الْمَحَبَّةُ أَقْوَى وَأَشَدَّ كَانَ الصَّدْرُ أَفْسَحَ وَأَشْرَحَ، وَلَا يَضِيقُ إِلَّا عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَطَّالِينَ الْفَارِغِينَ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ، فَرُؤْيَتُهُمْ قَذَى عَيْنِهِ، وَمُخَالَطَتُهُمْ حُمَّى رُوحِهِ. وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ضِيقِ الصَّدْرِ الْإِعْرَاضُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَعَلُّقُ الْقَلْبِ بِغَيْرِهِ، وَالْغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِهِ، وَمَحَبَّةُ سِوَاهُ، فَإِنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا غَيْرَ اللَّهِ عُذِّبَ بِهِ، وَسُجِنَ قَلْبُهُ فِي مَحَبَّةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ، فَمَا فِي الْأَرْضِ أَشْقَى مِنْهُ، وَلَا أَكْسَفُ بَالًا، وَلَا أَنْكَدُ عَيْشًا، وَلَا أَتْعَبُ قَلْبًا، فَهُمَا مَحَبَّتَانِ، مَحَبَّةٌ هِيَ جَنَّةُ الدُّنْيَا، وَسُرُورُ النَّفْسِ، وَلَذَّةُ الْقَلْبِ، وَنَعِيمُ الرُّوحِ وَغِذَاؤُهَا وَدَوَاؤُهَا، بَلْ حَيَاتُهَا وَقُرَّةُ عَيْنِهَا، وَهِيَ مَحَبَّةُ اللَّهِ وَحْدَهُ بِكُلِّ الْقَلْبِ، وَانْجِذَابُ قُوَى الْمَيْلِ وَالْإِرَادَةِ، وَالْمَحَبَّةُ كُلُّهَا إِلَيْهِ. وَمَحَبَّةٌ هِيَ عَذَابُ الرُّوحِ، وَغَمُّ النَّفْسِ، وَسِجْنُ الْقَلْبِ، وَضِيقُ الصَّدْرِ، وَهِيَ سَبَبُ الْأَلَمِ وَالنَّكَدِ وَالْعَنَاءِ، وَهِيَ مَحَبَّةُ مَا سِوَاهُ سُبْحَانَهُ. وَمِنْ أَسْبَابِ شَرْحِ الصَّدْرِ دَوَامُ ذِكْرِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَفِي كُلِّ مَوْطِنٍ، فَلِلذِّكْرِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي انْشِرَاحِ الصَّدْرِ وَنَعِيمِ الْقَلْبِ، وَلِلْغَفْلَةِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي ضِيقِهِ وَحَبْسِهِ وَعَذَابِهِ. وَمِنْهَا: الْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ وَنَفْعُهُمْ بِمَا يُمْكِنُهُ مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالنَّفْعِ بِالْبَدَنِ وَأَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ، فَإِنَّ الْكَرِيمَ الْمُحْسِنَ أَشْرَحُ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَطْيَبُهُمْ نَفْسًا، وَأَنْعَمُهُمْ قَلْبًا، وَالْبَخِيلُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِحْسَانٌ أَضْيَقُ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَنْكَدُهُمْ عَيْشًا، وَأَعْظَمُهُمْ همًّا وَغَمًّا. وَقَدْ ( «ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّحِيحِ مَثَلًا لِلْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيُنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، كُلَّمَا هَمَّ الْمُتَصَدِّقُ بِصَدَقَةِ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ وَانْبَسَطَتْ حَتَّى يَجُرَّ ثِيَابَهُ وَيُعْفِيَ أَثَرَهُ، وَكُلَّمَا هَمَّ الْبَخِيلُ

стр. 500

بِالصَّدَقَةِ لَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا وَلَمْ تَتَّسِعْ عَلَيْهِ» ) فَهَذَا مَثَلُ انْشِرَاحِ صَدْرِ الْمُؤْمِنِ الْمُتَصَدِّقِ، وَانْفِسَاحِ قَلْبِهِ، وَمَثَلُ ضِيقِ صَدْرِ الْبَخِيلِ، وَانْحِصَارِ قَلْبِهِ. وَمِنْهَا الشَّجَاعَةُ، فَإِنَّ الشُّجَاعَ مُنْشَرِحُ الصَّدْرِ، وَاسِعُ الْبِطَانِ، مُتَّسِعُ الْقَلْبِ، وَالْجَبَانُ أَضْيَقُ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَحْصَرُهُمْ قَلْبًا، لَا فَرْحَةٌ لَهُ وَلَا سُرُورٌ، وَلَا لَذَّةٌ لَهُ، وَلَا نَعِيمٌ إِلَّا مِنْ جِنْسِ مَا لِلْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ، وَأَمَّا سُرُورُ الرُّوحِ وَلَذَّتُهَا وَنَعِيمُهَا وَابْتِهَاجُهَا فَمُحَرَّمٌ عَلَى كُلِّ جَبَانٍ، كَمَا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَى كُلِّ بَخِيلٍ، وَعَلَى كُلِّ مُعْرِضٍ عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، غَافِلٍ عَنْ ذِكْرِهِ، جَاهِلٍ بِهِ وَبِأَسْمَائِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَدِينِهِ، مُتَعَلِّقِ الْقَلْبِ بِغَيْرِهِ. وَإِنَّ هَذَا النَّعِيمَ وَالسُّرُورَ يَصِيرُ فِي الْقَبْرِ رِيَاضًا وَجَنَّةً، وَذَلِكَ الضِّيقُ وَالْحَصْرُ يَنْقَلِبُ فِي الْقَبْرِ عَذَابًا وَسِجْنًا. فَحَالُ الْعَبْدِ فِي الْقَبْرِ كَحَالِ الْقَلْبِ فِي الصَّدْرِ نَعِيمًا وَعَذَابًا، وَسِجْنًا وَانْطِلَاقًا، وَلَا عِبْرَةَ بِانْشِرَاحِ صَدْرِ هَذَا لِعَارِضٍ، وَلَا بِضِيقِ صَدْرِ هَذَا لِعَارِضٍ، فَإِنَّ الْعَوَارِضَ تَزُولُ بِزَوَالِ أَسْبَابِهَا، وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي قَامَتْ بِالْقَلْبِ تُوجِبُ انْشِرَاحَهُ وَحَبْسَهُ، فَهِيَ الْمِيزَانُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَمِنْهَا بَلْ مِنْ أَعْظَمِهَا: إِخْرَاجُ دَغَلِ الْقَلْبِ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ الَّتِي

стр. 501

تُوجِبُ ضِيقَهُ وَعَذَابَهُ، وَتَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حُصُولِ الْبُرْءِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَتَى الْأَسْبَابَ الَّتِي تَشْرَحُ صَدْرَهُ، وَلَمْ يُخْرِجْ تِلْكَ الْأَوْصَافَ الْمَذْمُومَةَ مِنْ قَلْبِهِ، لَمْ يَحْظَ مِنَ انْشِرَاحِ صَدْرِهِ بِطَائِلٍ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَادَّتَانِ تَعْتَوِرَانِ عَلَى قَلْبِهِ، وَهُوَ لِلْمَادَّةِ الْغَالِبَةِ عَلَيْهِ مِنْهُمَا. وَمِنْهَا: تَرْكُ فُضُولِ النَّظَرِ وَالْكَلَامِ وَالِاسْتِمَاعِ وَالْمُخَالَطَةِ وَالْأَكْلِ وَالنَّوْمِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْفُضُولَ تَسْتَحِيلُ آلَامًا وَغُمُومًا وَهُمُومًا فِي الْقَلْبِ، تَحْصُرُهُ وَتَحْبِسُهُ وَتُضَيِّقُهُ وَيَتَعَذَّبُ بِهَا، بَلْ غَالِبُ عَذَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْهَا، فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَا أَضْيَقَ صَدْرَ مَنْ ضَرَبَ فِي كُلِّ آفَةٍ مِنْ هَذِهِ الْآفَاتِ بِسَهْمٍ، وَمَا أَنْكَدَ عَيْشَهُ، وَمَا أَسْوَأَ حَالَهُ، وَمَا أَشَدَّ حَصْرِ قَلْبِهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَا أَنْعَمَ عَيْشَ مَنْ ضَرَبَ فِي كُلِّ خَصْلَةٍ مِنْ تِلْكَ الْخِصَالِ الْمَحْمُودَةِ بِسَهْمٍ، وَكَانَتْ هِمَّتُهُ دَائِرَةً عَلَيْهَا، حَائِمَةً حَوْلَهَا، فَلِهَذَا نَصِيبٌ وَافِرٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] [الِانْفِطَارِ ١٣] ، وَلِذَلِكَ نَصِيبٌ وَافِرٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] [الِانْفِطَارِ ١٤] ، وَبَيْنَهُمَا مَرَاتِبُ مُتَفَاوِتَةٌ لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللَّهُ ﵎. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَكْمَلَ الْخَلْقِ فِي كُلِّ صِفَةٍ يَحْصُلُ بِهَا انْشِرَاحُ الصَّدْرِ، وَاتِّسَاعُ الْقَلْبِ، وَقُرَّةُ الْعَيْنِ، وَحَيَاةُ الرُّوحِ، فَهُوَ أَكْمَلُ الْخَلْقِ فِي هَذَا الشَّرْحِ وَالْحَيَاةِ وَقُرَّةِ الْعَيْنِ مَعَ مَا خُصَّ بِهِ مِنَ الشَّرْحِ الْحِسِّيِّ، وَأَكْمَلُ الْخَلْقِ مُتَابَعَةً لَهُ، أَكْمَلُهُمُ انْشِرَاحًا وَلَذَّةً وَقُرَّةَ عَيْنٍ، وَعَلَى حَسَبِ مُتَابَعَتِهِ يَنَالُ الْعَبْدُ مِنَ انْشِرَاحِ صَدْرِهِ وَقُرَّةِ عَيْنِهِ وَلَذَّةِ رُوحِهِ مَا يَنَالُ، فَهُوَ ﷺ فِي ذُرْوَةِ الْكَمَالِ مِنْ شَرْحِ الصَّدْرِ وَرَفْعِ الذِّكْرِ وَوَضْعِ الْوِزْرِ، وَلِأَتْبَاعِهِ مِنْ ذَلِكَ بِحَسَبِ نَصِيبِهِمْ مِنَ اتِّبَاعِهِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَهَكَذَا لِأَتْبَاعِهِ نَصِيبٌ مِنْ حِفْظِ اللَّهِ لَهُمْ، وَعِصْمَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَدِفَاعِهِ عَنْهُمْ، وَإِعْزَازِهِ لَهُمْ، وَنَصْرِهِ لَهُمْ، بِحَسَبِ نَصِيبِهِمْ مِنَ الْمُتَابَعَةِ، فَمُسْتَقِلٌّ وَمُسْتَكْثِرٌ. فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ. وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا

стр. 502

نَفْسَهُ. [فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الصِّيَامِ] [الْمَقْصُودُ مِنَ الصِّيَامِ وَفَوَائِدُهُ] فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الصِّيَامِ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنَ الصِّيَامِ حَبْسَ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَفِطَامَهَا عَنِ الْمَأْلُوفَاتِ، وَتَعْدِيلَ قُوَّتِهَا الشَّهْوَانِيَّةِ، لِتَسْتَعِدَّ لِطَلَبِ مَا فِيهِ غَايَةُ سَعَادَتِهَا وَنَعِيمِهَا، وَقَبُولِ مَا تَزْكُو بِهِ مِمَّا فِيهِ حَيَاتُهَا الْأَبَدِيَّةُ، وَيَكْسِرُ الْجُوعُ وَالظَّمَأُ مِنْ حِدَّتِهَا وَسَوْرَتِهَا، وَيُذَكِّرُهَا بِحَالِ الْأَكْبَادِ الْجَائِعَةِ مِنَ الْمَسَاكِينِ. وَتُضَيَّقُ مَجَارِي الشَّيْطَانِ مِنَ الْعَبْدِ بِتَضْيِيقِ مَجَارِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَتُحْبَسُ قُوَى الْأَعْضَاءِ عَنِ اسْتِرْسَالِهَا لِحُكْمِ الطَّبِيعَةِ فِيمَا يَضُرُّهَا فِي مَعَاشِهَا وَمَعَادِهَا، وَيُسَكِّنُ كُلَّ عُضْوٍ مِنْهَا وَكُلَّ قُوَّةٍ عَنْ جِمَاحِهِ وَتُلْجَمُ بِلِجَامِهِ، فَهُوَ لِجَامُ الْمُتَّقِينَ، وَجُنَّةُ الْمُحَارِبِينَ، وَرِيَاضَةُ الْأَبْرَارِ وَالْمُقَرَّبِينَ، وَهُوَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَعْمَالِ، فَإِنَّ الصَّائِمَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يَتْرُكُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِ مَعْبُودِهِ، فَهُوَ تَرْكُ مَحْبُوبَاتِ النَّفْسِ وَتَلَذُّذَاتِهَا إِيثَارًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَمَرْضَاتِهِ، وَهُوَ سِرٌّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ سِوَاهُ، وَالْعِبَادُ قَدْ يَطَّلِعُونَ مِنْهُ عَلَى تَرْكِ الْمُفْطِرَاتِ الظَّاهِرَةِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ تَرَكَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِ مَعْبُودِهِ، فَهُوَ أَمْرٌ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَشَرٌ، وَذَلِكَ حَقِيقَةُ الصَّوْمِ.

стр. 503

وَلِلصَّوْمِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي حِفْظِ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ وَالْقُوَى الْبَاطِنَةِ، وَحِمْيَتِهَا عَنِ التَّخْلِيطِ الْجَالِبِ لَهَا الْمَوَادَّ الْفَاسِدَةَ الَّتِي إِذَا اسْتَوْلَتْ عَلَيْهَا أَفْسَدَتْهَا، وَاسْتِفْرَاغِ الْمَوَادِّ الرَّدِيئَةِ الْمَانِعَةِ لَهَا مِنْ صِحَّتِهَا، فَالصَّوْمُ يَحْفَظُ عَلَى الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ صِحَّتَهَا، وَيُعِيدُ إِلَيْهَا مَا اسْتَلَبَتْهُ مِنْهَا أَيْدِي الشَّهَوَاتِ، فَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى التَّقْوَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] [الْبَقَرَةِ ١٨٣] . وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ( «الصَّوْمُ جُنَّةٌ» ) . وَأَمَرَ مَنِ اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ شَهْوَةُ النِّكَاحِ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ بِالصِّيَامِ، وَجَعَلَهُ وِجَاءَ هَذِهِ الشَّهْوَةِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَصَالِحَ الصَّوْمِ لَمَّا كَانَتْ مَشْهُودَةً بِالْعُقُولِ السَّلِيمَةِ وَالْفِطَرِ الْمُسْتَقِيمَةِ، شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ رَحْمَةً بِهِمْ، وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ وَحِمْيَةً لَهُمْ وَجُنَّةً. وَكَانَ هَدْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ أَكْمَلَ الْهَدْيِ، وَأَعْظَمَ تَحْصِيلٍ لِلْمَقْصُودِ، وَأَسْهَلَهُ عَلَى النُّفُوسِ.

стр. 504

وَلَمَّا كَانَ فَطْمُ النُّفُوسِ عَنْ مَأْلُوفَاتِهَا وَشَهَوَاتِهَا مِنْ أَشَقِّ الْأُمُورِ وَأَصْعَبِهَا، تَأَخَّرَ فَرْضُهُ إِلَى وَسَطِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، لَمَّا تَوَطَّنَتِ النُّفُوسُ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالصَّلَاةِ، وَأَلِفَتْ أَوَامِرَ الْقُرْآنِ، فَنُقِلَتْ إِلَيْهِ بِالتَّدْرِيجِ. [متى فرض الصِّيَامِ] وَكَانَ فَرْضُهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ صَامَ تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ، وَفُرِضَ أَوَّلًا عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، ثُمَّ نُقِلَ مِنْ ذَلِكَ التَّخْيِيرِ إِلَى تَحَتُّمِ الصَّوْمِ، وَجُعِلَ الْإِطْعَامُ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ إِذَا لَمْ يُطِيقَا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُمَا يُفْطِرَانِ وَيُطْعِمَانِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَرُخِّصَ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ أَنْ يُفْطِرَا وَيَقْضِيَا، وَلِلْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا كَذَلِكَ، فَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا زَادَتَا مَعَ الْقَضَاءِ إِطْعَامَ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ، فَإِنَّ فِطْرَهُمَا لَمْ يَكُنْ لِخَوْفِ مَرَضٍ، وَإِنَّمَا كَانَ مَعَ الصِّحَّةِ فَجُبِرَ بِإِطْعَامِ

стр. 505

الْمِسْكِينِ كَفِطْرِ الصَّحِيحِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ. وَكَانَ لِلصَّوْمِ رُتَبٌ ثَلَاثٌ، إِحْدَاهَا: إِيجَابُهُ بِوَصْفِ التَّخْيِيرِ. وَالثَّانِيَةُ: تَحَتُّمُهُ، لَكِنْ كَانَ الصَّائِمُ إِذَا نَامَ قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ إِلَى اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ، فَنُسِخَ ذَلِكَ بِالرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ، وَهِيَ الَّتِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهَا الشَّرْعُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. [إِكْثَارُ الْعِبَادَاتِ فِي رَمَضَانَ] فَصْلٌ وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ الْإِكْثَارُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ، فَكَانَ جِبْرِيلُ يُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَ إِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ( «وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي

стр. 506

رَمَضَانَ» ) يُكْثِرُ فِيهِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَالِاعْتِكَافِ. [النهي عن الوصال] وَكَانَ يَخُصُّ رَمَضَانَ مِنَ الْعِبَادَةِ بِمَا لَا يَخُصُّ غَيْرَهُ بِهِ مِنَ الشُّهُورِ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ لَيُوَاصِلُ فِيهِ أَحْيَانًا لِيُوَفِّرَ سَاعَاتِ لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَكَانَ يَنْهَى أَصْحَابَهُ عَنِ الْوِصَالِ، فَيَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، فَيَقُولُ: ( «لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ - وَفِي رِوَايَةٍ: إِنِّي أَظَلُّ - عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي» ) . وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ طَعَامٌ وَشَرَابٌ حِسِّيٌّ لِلْفَمِ، قَالُوا: وَهَذِهِ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ، وَلَا مُوجِبَ لِلْعُدُولِ عَنْهَا. الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يُغَذِّيهِ اللَّهُ بِهِ مِنْ مَعَارِفِهِ، وَمَا يَفِيضُ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ لَذَّةِ مُنَاجَاتِهِ، وَقُرَّةِ عَيْنِهِ بِقُرْبِهِ، وَتَنَعُّمِهِ بِحُبِّهِ، وَالشَّوْقِ إِلَيْهِ، وَتَوَابِعِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ الَّتِي هِيَ غِذَاءُ الْقُلُوبِ، وَنَعِيمُ الْأَرْوَاحِ، وَقُرَّةُ الْعَيْنِ، وَبَهْجَةُ النُّفُوسِ وَالرُّوحِ وَالْقَلْبِ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ غِذَاءً وَأَجْوَدُهُ وَأَنْفَعُهُ، وَقَدْ يُقَوِّي هَذَا الْغِذَاءُ حَتَّى يُغْنِيَ عَنْ غِذَاءِ الْأَجْسَامِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ كَمَا قِيلَ: لَهَا أَحَادِيثُ مِنْ ذِكْرَاكَ تَشْغَلُهَا ... عَنِ الشَّرَابِ وَتُلْهِيهَا عَنِ الزَّادِ لَهَا بِوَجْهِكَ نُورٌ تَسْتَضِيءُ بِهِ ... وَمِنْ حَدِيثِكَ فِي أَعْقَابِهَا حَادِي إِذَا شَكَتْ مِنْ كَلَالِ السَّيْرِ أَوْعَدَهَا ... رُوحُ الْقُدُومِ فَتَحْيَا عِنْدَ مِيعَادِ وَمَنْ لَهُ أَدْنَى تَجْرِبَةٍ وَشَوْقٍ يَعْلَمُ اسْتِغْنَاءَ الْجِسْمِ بِغِذَاءِ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْغِذَاءِ الْحَيَوَانِيِّ، وَلَا سِيَّمَا الْمَسْرُورُ الْفَرْحَانُ الظَّافِرُ بِمَطْلُوبِهِ الَّذِي قَدْ

стр. 507

قَرَّتْ عَيْنُهُ بِمَحْبُوبِهِ، وَتَنْعَمُ بِقُرْبِهِ، وَالرِّضَى عَنْهُ، وَأَلْطَافُ مَحْبُوبِهِ وَهَدَايَاهُ، وَتُحَفُهُ تَصِلُ إِلَيْهِ كُلَّ وَقْتٍ، وَمَحْبُوبُهُ حَفِيٌّ بِهِ، مُعْتَنٍ بِأَمْرِهِ، مُكْرِمٌ لَهُ غَايَةَ الْإِكْرَامِ مَعَ الْمَحَبَّةِ التَّامَّةِ لَهُ، أَفَلَيْسَ فِي هَذَا أَعْظَمُ غِذَاءً لِهَذَا الْمُحِبِّ؟ فَكَيْفَ بِالْحَبِيبِ الَّذِي لَا شَيْءَ أَجَلُّ مِنْهُ، وَلَا أَعْظَمُ وَلَا أَجْمَلُ وَلَا أَكْمَلُ، وَلَا أَعْظَمُ إِحْسَانًا إِذَا امْتَلَأَ قَلْبُ الْمُحِبِّ بِحُبِّهِ، وَمَلَكَ حُبُّهُ جَمِيعَ أَجْزَاءِ قَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ، وَتَمَكَّنَ حُبُّهُ مِنْهُ أَعْظَمَ تَمَكُّنٍ، وَهَذَا حَالُهُ مَعَ حَبِيبِهِ، أَفَلَيْسَ هَذَا الْمُحِبُّ عِنْدَ حَبِيبِهِ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ لَيْلًا وَنَهَارًا؟ وَلِهَذَا قَالَ: ( «إِنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي» ) . وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ طَعَامًا وَشَرَابًا لِلْفَمِ لَمَا كَانَ صَائِمًا فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مُوَاصِلًا، وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي اللَّيْلِ لَمْ يَكُنْ مُوَاصِلًا، وَلَقَالَ لِأَصْحَابِهِ - إِذْ قَالُوا لَهُ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ -: " لَسْتُ أُوَاصِلُ ". وَلَمْ يَقُلْ: " لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ "، بَلْ أَقَرَّهُمْ عَلَى نِسْبَةِ الْوِصَالِ إِلَيْهِ، وَقَطَعَ الْإِلْحَاقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ بِمَا بَيَّنَهُ مِنَ الْفَارِقِ، كَمَا فِي " صَحِيحِ مسلم " مِنْ حَدِيثِ عبد الله بن عمر ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاصَلَ فِي رَمَضَانَ فَوَاصَلَ النَّاسُ، فَنَهَاهُمْ فَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ تُوَاصِلُ. فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى» ) . وَسِيَاقُ الْبُخَارِيِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ. قَالَ: (إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى» ) . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُوَاصِلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَأَيُّكُمْ مِثْلِي، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» ) . وَأَيْضًا: «فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نَهَاهُمْ عَنِ الْوِصَالِ فَأَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ فَقَالَ: لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ. كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ

стр. 508

حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ» . وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: ( «لَوْ مُدَّ لَنَا الشَّهْرُ لَوَاصَلْنَا وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ، إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، أَوْ قَالَ: إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِثْلِي، فَإِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» ) فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُطْعَمُ وَيُسْقَى مَعَ كَوْنِهِ مُوَاصِلًا، وَقَدْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ مُنَكِّلًا بِهِمْ مُعَجِّزًا لَهُمْ، فَلَوْ كَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ لَمَا كَانَ ذَلِكَ تَنْكِيلًا وَلَا تَعْجِيزًا، بَلْ وَلَا وِصَالًا، وَهَذَا بِحَمْدِ اللَّهِ وَاضِحٌ. وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لِلْأُمَّةِ، وَأَذِنَ فِيهِ إِلَى السَّحَرِ، وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ( «لَا تُوَاصِلُوا فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إِلَى السَّحَرِ» ) . فَإِنْ قِيلَ: فَمَا حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهَلِ الْوِصَالُ جَائِزٌ أَوْ مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ؟ قِيلَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ جَائِزٌ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عبد الله بن الزبير وَغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ، وَكَانَ ابن الزبير يُوَاصِلُ الْأَيَّامَ، وَمِنْ حُجَّةِ أَرْبَابِ هَذَا الْقَوْلِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاصَلَ بِالصَّحَابَةِ مَعَ نَهْيِهِ لَهُمْ عَنِ الْوِصَالِ، كَمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ «نَهَى عَنِ الْوِصَالِ وَقَالَ: (إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ) فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا» ، فَهَذَا وِصَالُهُ بِهِمْ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنِ الْوِصَالِ، وَلَوْ كَانَ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ لَمَا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا، وَلَمَا أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالُوا: فَلَمَّا فَعَلُوهُ بَعْدَ نَهْيِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ وَيُقِرُّهُمْ، عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ الرَّحْمَةَ بِهِمْ وَالتَّخْفِيفَ عَنْهُمْ،

стр. 509

وَقَدْ قَالَتْ عائشة: ( «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: لَا يَجُوزُ الْوِصَالُ، مِنْهُمْ مالك وأبو حنيفة وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ ﵏، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَدْ حَكَاهُ عَنْهُمْ: إِنَّهُمْ لَمْ يُجِيزُوهُ لِأَحَدٍ، قُلْتُ: الشَّافِعِيُّ ﵀ نَصَّ عَلَى كَرَاهَتِهِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ هَلْ هِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَاحْتَجَّ الْمُحَرِّمُونَ بِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالُوا: وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. قَالُوا: وَقَوْلُ عائشة: " رَحْمَةً لَهُمْ " لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّحْرِيمِ، بَلْ يُؤَكِّدُهُ، فَإِنَّ مِنْ رَحْمَتِهِ بِهِمْ أَنْ حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ سَائِرُ مَنَاهِيهِ لِلْأُمَّةِ رَحْمَةٌ وَحِمْيَةٌ وَصِيَانَةٌ. قَالُوا: وَأَمَّا مُوَاصَلَتُهُ بِهِمْ بَعْدَ نَهْيِهِ فَلَمْ يَكُنْ تَقْرِيرًا لَهُمْ، كَيْفَ وَقَدْ نَهَاهُمْ، وَلَكِنْ تَقْرِيعًا وَتَنْكِيلًا، فَاحْتَمَلَ مِنْهُمُ الْوِصَالَ بَعْدَ نَهْيِهِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ النَّهْيِ فِي تَأْكِيدِ زَجْرِهِمْ، وَبَيَانِ الْحِكْمَةِ فِي نَهْيِهِمْ عَنْهُ بِظُهُورِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي نَهَاهُمْ لِأَجْلِهَا، فَإِذَا ظَهَرَتْ لَهُمْ مَفْسَدَةُ الْوِصَالِ وَظَهَرَتْ حِكْمَةُ النَّهْيِ عَنْهُ كَانَ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى قَبُولِهِمْ وَتَرْكِهِمْ لَهُ، فَإِنَّهُمْ إِذَا ظَهَرَ لَهُمْ مَا فِي الْوِصَالِ وَأَحَسُّوا مِنْهُ الْمَلَلَ فِي الْعِبَادَةِ وَالتَّقْصِيرَ فِيمَا هُوَ أَهَمُّ وَأَرْجَحُ مِنْ وَظَائِفِ الدِّينِ مِنَ الْقُوَّةِ فِي أَمْرِ اللَّهِ، وَالْخُشُوعِ فِي فَرَائِضِهِ، وَالْإِتْيَانِ بِحُقُوقِهَا الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ - وَالْجُوعُ الشَّدِيدُ يُنَافِي ذَلِكَ وَيَحُولُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَهُ - تَبَيَّنَ لَهُمْ حِكْمَةُ النَّهْيِ عَنِ الْوِصَالِ، وَالْمَفْسَدَةُ الَّتِي فِيهِ لَهُمْ دُونَهُ. قَالُوا: وَلَيْسَ إِقْرَارُهُ لَهُمْ عَلَى الْوِصَالِ لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ بِأَعْظَمَ مِنْ إِقْرَارِ الْأَعْرَابِيِّ عَلَى الْبَوْلِ فِي الْمَسْجِدِ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ، وَلِئَلَّا يُنَفَّرَ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَلَا بِأَعْظَمَ مِنْ إِقْرَارِهِ

стр. 510

الْمُسِيءَ فِي صَلَاتِهِ عَلَى الصَّلَاةِ الَّتِي أَخْبَرَهُمْ ﷺ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ، وَأَنَّ فَاعِلَهَا غَيْرُ مُصَلٍّ، بَلْ هِيَ صَلَاةٌ بَاطِلَةٌ فِي دِينِهِ، فَأَقَرَّهُ عَلَيْهَا لِمَصْلَحَةِ تَعْلِيمِهِ وَقَبُولِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ، فَإِنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ. قَالُوا: وَقَدْ قَالَ ﷺ : ( «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ» ) . قَالُوا: وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوِصَالَ مِنْ خَصَائِصِهِ. فَقَالَ: ( «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ» ) وَلَوْ كَانَ مُبَاحًا لَهُمْ لَمْ يَكُنْ مِنْ خَصَائِصِهِ. قَالُوا: وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» ) . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى. قَالُوا: فَجَعَلَهُ مُفْطِرًا حُكْمًا بِدُخُولِ وَقْتِ الْفِطْرِ وَإِنْ لَمْ يُفْطِرْ، وَذَلِكَ يُحِيلُ الْوِصَالَ شَرْعًا. قَالُوا: وَقَدْ قَالَ ﷺ : ( «لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ، أَوْ لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» ) .

стр. 511

وَفِي " السُّنَنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ: ( «لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ، إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ» ) . وَفِي " السُّنَنِ " عَنْهُ قَالَ: قَالَ اللَّهُ : ( «أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا» ) . وَهَذَا يَقْتَضِي كَرَاهَةَ تَأْخِيرِ الْفِطْرِ، فَكَيْفَ تَرْكُهُ، وَإِذَا كَانَ مَكْرُوهًا لَمْ يَكُنْ عِبَادَةً، فَإِنَّ أَقَلَّ دَرَجَاتِ الْعِبَادَةِ أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَبَّةً. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ: أَنَّ الْوِصَالَ يَجُوزُ مِنْ سَحَرٍ إِلَى سَحَرٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْ أحمد وإسحاق، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إِلَى السَّحَرِ» ) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَهُوَ أَعْدَلُ الْوِصَالِ وَأَسْهَلُهُ عَلَى الصَّائِمِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ بِمَنْزِلَةِ عَشَائِهِ إِلَّا أَنَّهُ تَأَخَّرَ، فَالصَّائِمُ لَهُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَكْلَةٌ، فَإِذَا أَكَلَهَا فِي السَّحَرِ كَانَ قَدْ نَقَلَهَا مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى آخِرِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ في ثُبُوتُ رَمَضَانَ] فَصْلٌ وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ إِلَّا بِرُؤْيَةٍ مُحَقَّقَةٍ، أَوْ بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ، كَمَا صَامَ بِشَهَادَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَصَامَ مَرَّةً بِشَهَادَةِ

стр. 512

أَعْرَابِيٍّ، وَاعْتَمَدَ عَلَى خَبَرِهِمَا، وَلَمْ يُكَلِّفْهُمَا لَفْظَ الشَّهَادَةِ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ إِخْبَارًا، فَقَدِ اكْتَفَى فِي رَمَضَانَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَ شَهَادَةً، فَلَمْ يُكَلِّفِ الشَّاهِدَ لَفْظَ الشَّهَادَةِ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُؤْيَةٌ وَلَا شَهَادَةٌ أَكْمَلَ عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا. [بحث في صوم يوم الشك] وَكَانَ إِذَا حَالَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ دُونَ مَنْظَرِهِ غَيْمٌ أَوْ سَحَابٌ أَكْمَلَ عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَهُ. وَلَمْ يَكُنْ يَصُومُ يَوْمَ الْإِغْمَامِ وَلَا أَمَرَ بِهِ، بَلْ أَمَرَ بِأَنْ تُكَمَّلَ عِدَّةُ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ إِذَا غُمَّ، وَكَانَ يَفْعَلُ كَذَلِكَ، فَهَذَا فِعْلُهُ وَهَذَا أَمْرُهُ، وَلَا يُنَاقِضُ هَذَا قَوْلَهُ: ( «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» ) فَإِنَّ الْقَدْرَ هُوَ الْحِسَابُ الْمُقَدَّرُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِكْمَالُ كَمَا قَالَ: ( «فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ» ) ، وَالْمُرَادُ بِالْإِكْمَالِ إِكْمَالُ عِدَّةِ الشَّهْرِ الَّذِي غُمَّ، كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: ( «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ» ) . وَقَالَ ( «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ» ) . وَالَّذِي أَمَرَ بِإِكْمَالِ عِدَّتِهِ هُوَ الشَّهْرُ الَّذِي يُغَمُّ، وَهُوَ

стр. 513

عِنْدَ صِيَامِهِ وَعِنْدَ الْفِطْرِ مِنْهُ، وَأَصْرَحُ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ: ( «الشَّهْرُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ» ) . وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى أَوَّلِ الشَّهْرِ بِلَفْظِهِ وَإِلَى آخِرِهِ بِمَعْنَاهُ، فَلَا يَجُوزُ إِلْغَاءُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ، وَاعْتِبَارُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى. وَقَالَ: ( «الشَّهْرُ ثَلَاثُونَ، وَالشَّهْرُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ» ) . وَقَالَ: ( «لَا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضَانَ، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَتْ دُونَهُ غَمَامَةٌ فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ» ) . وَقَالَ: ( «لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ» ) . وَقَالَتْ عائشة ﵂: ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَحَفَّظُ مِنْ هِلَالِ شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ صَامَ» ) . صَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ.

стр. 514

وَقَالَ: ( «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا ثَلَاثِينَ» ) . وَقَالَ: ( «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» ) . وَقَالَ: ( «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ. وَفِي لَفْظٍ: لَا تَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صِيَامًا فَلْيَصُمْهُ» ) . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ يَوْمَ الْإِغْمَامِ دَاخِلٌ فِي هَذَا النَّهْيِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ: ( «لَا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضَانَ، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَتْ دُونَهُ غَمَامَةٌ فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ» ) . ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ". فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ صَوْمَ يَوْمِ الْإِغْمَامِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ وَلَا إِكْمَالِ ثَلَاثِينَ صَوْمٌ قَبْلَ رَمَضَانَ. وَقَالَ: ( «لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ إِلَّا أَنْ تَرَوُا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ» ) .

стр. 515

وَقَالَ: ( «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابٌ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ، وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا» ) . قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي النَّسَائِيِّ: مِنْ حَدِيثِ يونس، عَنْ سماك، عَنْ عكرمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ: ( «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صُومُوا، وَلَا تَصُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابٌ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ عِدَّةَ شَعْبَانَ» ) . وَقَالَ سماك: عَنْ عكرمة: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ( «تَمَارَى النَّاسُ فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْيَوْمَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: غَدًا. فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ أَنَّهُ رَآهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ: صُومُوا ". ثُمَّ قَالَ: " صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صُومُوا، وَلَا تَصُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا» ) . وَكُلُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ صَحِيحَةٌ، فَبَعْضُهَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، وَبَعْضُهَا فِي " صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ " والحاكم وَغَيْرِهِمَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ أُعِلَّ بَعْضُهَا بِمَا لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِمَجْمُوعِهَا، وَتَفْسِيرِ بَعْضِهَا بِبَعْضِ، وَاعْتِبَارِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَكُلُّهَا يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَالْمُرَادُ مِنْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ هَذَا هَدْيَهُ ﷺ فَكَيْفَ خَالَفَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، ومعاوية، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، والحكم بن أيوب الغفاري، وعائشة وأسماء ابْنَتَا أبي بكر،

стр. 516

وَخَالَفَهُ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ومجاهد، وطاووس، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، وَمُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، وَبَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، وَكَيْفَ خَالَفَهُ إِمَامُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَنَحْنُ نُوجِدُكُمْ أَقْوَالَ هَؤُلَاءِ مُسْنَدَةً؟ فَأَمَّا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: أَخْبَرَنَا ثَوْبَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مكحول، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَصُومُ إِذَا كَانَتِ السَّمَاءُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مُغَيَّمَةً، وَيَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِالتَّقَدُّمِ وَلَكِنَّهُ التَّحَرِّي. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ علي ﵁ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عَنْ أُمِّهِ فاطمة بنت حسين، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَفِي كِتَابِ عبد الرزاق: أَخْبَرَنَا معمر، عَنْ أيوب، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: (كَانَ إِذَا كَانَ سَحَابٌ أَصْبَحَ صَائِمًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَحَابٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا) وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، وَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» ) . زَادَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ نافع قَالَ: كَانَ عبد الله إِذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا يَبْعَثُ مَنْ يَنْظُرُ، فَإِنْ رَأَى فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يَرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتْرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتْرٌ أَصْبَحَ صَائِمًا.

стр. 517

وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ أنس ﵁ فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إسماعيل بن إبراهيم، حَدَّثَنَا يحيى بن أبي إسحاق قَالَ: رَأَيْتُ الْهِلَالَ إِمَّا الظُّهْرَ وَإِمَّا قَرِيبًا مِنْهُ، فَأَفْطَرَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ، فَأَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَأَخْبَرْنَاهُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَبِإِفْطَارِ مَنْ أَفْطَرَ، فَقَالَ: هَذَا الْيَوْمُ يَكْمُلُ لِي أَحَدٌ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الحكم بن أيوب أَرْسَلَ إِلَيَّ قَبْلَ صِيَامِ النَّاسِ إِنِّي صَائِمٌ غَدًا، فَكَرِهْتُ الْخِلَافَ عَلَيْهِ فَصُمْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ يَوْمِي هَذَا إِلَى اللَّيْلِ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ معاوية فَقَالَ أحمد: حَدَّثَنَا المغيرة، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: حَدَّثَنِي مكحول، وَيُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسَ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ كَانَ يَقُولُ: لَأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. فَقَالَ أحمد: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عبد الله بن هبيرة، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ الْيَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ مِنْ رَمَضَانَ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا معاوية بن صالح، عَنْ أبي مريم مولى أبي هريرة، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لَأَنْ أَتَعَجَّلَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَأَخَّرَ، لِأَنِّي إِذَا تَعَجَّلْتُ لَمْ يَفُتْنِي، وَإِذَا تَأَخَّرْتُ فَاتَنِي. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عائشة ﵂، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا أبو عوانة، عَنْ يزيد بن خمير، عَنِ الرَّسُولِ الَّذِي أَتَى عائشة فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ مِنْ رَمَضَانَ قَالَ: قَالَتْ عائشة: لَأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ.

стр. 518

وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ أسماء بنت أبي بكر ﵄ فَقَالَ سعيد أَيْضًا: حَدَّثَنَا يعقوب بن عبد الرحمن، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فاطمة بنت المنذر قَالَتْ: مَا غُمَّ هِلَالُ رَمَضَانَ إِلَّا كَانَتْ أسماء مُتَقَدِّمَةً بِيَوْمِ وَتَأْمُرُ بِتَقَدُّمِهِ. وَقَالَ أحمد: حَدَّثَنَا روح بن عباد، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فاطمة، عَنْ أسماء أَنَّهَا كَانَتْ تَصُومُ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ مِنْ رَمَضَانَ. وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ أحمد، فَمِنْ مَسَائِلِ الفضل بن زياد عَنْهُ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الأثرم: إِذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ سَحَابَةٌ أَوْ عِلَّةٌ أَصْبَحَ صَائِمًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، وَكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ ابْنَاهُ صالح، وعبد الله، والمروزي، والفضل بن زياد، وَغَيْرُهُمْ. فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ فِيمَا ذَكَرْتُمْ عَنِ الصَّحَابَةِ أَثَرٌ صَالِحٌ صَرِيحٌ فِي وُجُوبِ صَوْمِهِ حَتَّى يَكُونَ فِعْلُهُمْ مُخَالِفًا لِهَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّمَا غَايَةُ الْمَنْقُولِ عَنْهُمْ صَوْمُهُ احْتِيَاطًا، وَقَدْ صَرَّحَ أنس بِأَنَّهُ إِنَّمَا صَامَهُ كَرَاهَةً لِلْخِلَافِ عَلَى الْأُمَرَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ: النَّاسُ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ فِي صَوْمِهِ وَإِفْطَارِهِ، وَالنُّصُوصُ الَّتِي حَكَيْنَاهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فِعْلِهِ وَقَوْلِهِ إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ صَوْمُ يَوْمِ الْإِغْمَامِ، وَلَا تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، فَمَنْ أَفْطَرَهُ أَخَذَ بِالْجِوَازِ، وَمَنْ صَامَهُ أَخَذَ بِالِاحْتِيَاطِ. الثَّانِي: أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ بَعْضُهُمْ يَصُومُهُ كَمَا حَكَيْتُمْ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ لَا يَصُومُهُ، وَأَصَحُّ وَأَصْرَحُ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ صَوْمُهُ عبد الله بن عمر، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَإِلَى قَوْلِهِ ذَهَبَ طاووس اليماني، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عائشة وأسماء ابْنَتَيْ أبي بكر، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا ذَهَبَ مَذْهَبَ ابْنِ عُمَرَ غَيْرَهُمْ. قَالَ: وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ كَرَاهَةُ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ

стр. 519

مَسْعُودٍ، وحذيفة، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵃. قُلْتُ: الْمَنْقُولُ عَنْ علي وعمر وعمار وحذيفة وَابْنِ مَسْعُودٍ الْمَنْعُ مِنْ صِيَامِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ تَطَوُّعًا، وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ عمار: مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ . فَأَمَّا صَوْمُ يَوْمِ الْغَيْمِ احْتِيَاطًا عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ فَرْضُهُ وَإِلَّا فَهُوَ تَطَوُّعٌ. فَالْمَنْقُولُ عَنِ الصَّحَابَةِ يَقْتَضِي جِوَازَهُ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ ابْنُ عُمَرَ وعائشة. هَذَا مَعَ رِوَايَةِ عائشة «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا غُمَّ هِلَالُ شَعْبَانَ عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ» . وَقَدْ رُدَّ حَدِيثُهَا هَذَا بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمَا خَالَفَتْهُ، وَجُعِلَ صِيَامُهَا عِلَّةً فِي الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَإِنَّهَا لَمْ تُوجِبْ صِيَامَهُ، وَإِنَّمَا صَامَتْهُ احْتِيَاطًا، وَفَهِمَتْ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمْرِهِ أَنَّ الصِّيَامَ لَا يَجِبُ حَتَّى تَكْمُلَ الْعِدَّةُ، وَلَمْ تَفْهَمْ هِيَ وَلَا ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَبِهِ تَجْتَمِعُ الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ معمر، عَنْ أيوب، عَنْ نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِهِلَالِ رَمَضَانَ: (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا» ) . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ عَنْ نافع عَنْهُ: ( «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» ) . وَقَالَ مالك وعبيد الله عَنْ نافع عَنْهُ: ( «فَاقْدُرُوا لَهُ» ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَفْهَمْ مِنَ الْحَدِيثِ وُجُوبَ إِكْمَالِ الثَّلَاثِينَ، بَلْ جَوَازَهُ، فَإِنَّهُ إِذَا صَامَ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ فَقَدْ أَخَذَ بِأَحَدِ الْجَائِزَيْنِ احْتِيَاطًا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ ﵁ لَوْ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : ( «اقْدُرُوا لَهُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ثُمَّ صُومُوا» ) كَمَا يَقُولُهُ الْمُوجِبُونَ

стр. 520

لِصَوْمِهِ، لَكَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ أَهْلَهُ وَغَيْرَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ يَقْتَصِرُ عَلَى صَوْمِهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَلَا يَأْمُرُ بِهِ، وَلَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى النَّاسِ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ لَا يَصُومُهُ، وَيَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ ﷺ : ( «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» ) . وَذَكَرَ مالك فِي " مُوَطَّئِهِ " هَذَا بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، كَأَنَّهُ جَعَلَهُ مُفَسِّرًا لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَوْلِهِ: ( «فَاقْدُرُوا لَهُ» ) . «وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: عَجِبْتُ مِمَّنْ يَتَقَدَّمُ الشَّهْرَ بِيَوْمِ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِيَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ» ) كَأَنَّهُ يُنْكِرُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ. وَكَذَلِكَ كَانَ هَذَانِ الصَّاحِبَانِ الْإِمَامَانِ أَحَدُهُمَا يَمِيلُ إِلَى التَّشْدِيدِ وَالْآخَرُ إِلَى التَّرْخِيصِ، وَذَلِكَ فِي غَيْرِ مَسْأَلَةٍ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ كَانَ يَأْخُذُ مِنَ التَّشْدِيدَاتِ بِأَشْيَاءَ لَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهَا الصَّحَابَةُ، فَكَانَ يَغْسِلُ دَاخِلَ عَيْنَيْهِ فِي الْوُضُوءِ حَتَّى عَمِيَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ أَفْرَدَ أُذُنَيْهِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ، وَكَانَ يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِ الْحَمَّامِ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَهُ اغْتَسَلَ مِنْهُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتَيَمَّمُ بِضَرْبَتَيْنِ، ضَرْبَةٍ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٍ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا عَلَى الْكَفَّيْنِ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُخَالِفُهُ وَيَقُولُ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتَوَضَّأُ مِنْ قُبْلَةِ امْرَأَتِهِ وَيُفْتِي بِذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا قَبَّلَ أَوْلَادَهُ تَمَضْمَضَ ثُمَّ صَلَّى، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: مَا أُبَالِي قَبَّلْتُهَا أَوْ شَمَمْتُ رَيْحَانًا. وَكَانَ يَأْمُرُ مَنْ ذَكَرَ أَنَّ عَلَيْهِ صَلَاةً وَهُوَ فِي أُخْرَى أَنْ يُتِمَّهَا ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلَاةَ الَّتِي ذَكَرَهَا ثُمَّ يُعِيدُ الصَّلَاةَ الَّتِي كَانَ فِيهَا، وَرَوَى أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا مَرْفُوعًا فِي " مُسْنَدِهِ "، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ. قَالَ البيهقي: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا وَلَا يَصِحُّ، قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا وَلَا يَصِحُّ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ عبد الله بن عمر كَانَ يَسْلُكُ طَرِيقَ التَّشْدِيدِ وَالِاحْتِيَاطِ.

стр. 521

وَقَدْ رَوَى معمر، عَنْ أيوب، عَنْ نافع عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً أَضَافَ إِلَيْهَا أُخْرَى، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا فَعَلَهُ غَيْرَهُ. قُلْتُ: وَكَأَنَّ هَذَا السُّجُودَ لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْجُلُوسِ عَقِيبَ الرَّكْعَةِ، وَإِنَّمَا مَحَلُّهُ عَقِيبَ الشَّفْعِ. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَصُومُوا هَذَا الْيَوْمَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَأَنْ نَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ نُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْيَوْمُ مِنْ رَمَضَانَ حَتْمًا عِنْدَهُمْ لَقَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَلَا يَجُوزُ لَنَا فِطْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ إِنَّمَا صَامُوهُ اسْتِحْبَابًا وَتَحَرِّيًا مَا رُوِيَ عَنْهُمْ مِنْ فِطْرِهِ بَيَانًا لِلْجَوَازِ، فَهَذَا ابْنُ عُمَرَ قَدْ قَالَ حنبل فِي " مَسَائِلِهِ ": حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سفيان، عَنْ عبد العزيز بن حكيم الحضرمي، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: لَوْ صُمْتُ السَّنَةَ كُلَّهَا لَأَفْطَرْتُ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ. قَالَ حنبل: وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد العزيز بن حكيم قَالَ: سَأَلُوا ابْنَ عُمَرَ. قَالُوا: نَسْبِقُ قَبْلَ رَمَضَانَ حَتَّى لَا يَفُوتَنَا مِنْهُ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: أُفٍّ أُفٍّ، صُومُوا مَعَ الْجَمَاعَةِ، فَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَتَقَدَّمَنَّ الشَّهْرَ مِنْكُمْ أَحَدٌ، وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «صُومُوا لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا» ) . وَكَذَلِكَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا.

стр. 522

فَهَذِهِ الْآثَارُ إِنْ قُدِّرَ أَنَّهَا مُعَارِضَةٌ لِتِلْكَ الْآثَارِ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْهُمْ فِي الصَّوْمِ فَهَذِهِ أَوْلَى لِمُوَافَقَتِهَا النُّصُوصَ الْمَرْفُوعَةَ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهَا لَا تَعَارُضَ بَيْنَهَا فَهَاهُنَا طَرِيقَتَانِ مِنَ الْجَمْعِ، إِحْدَاهُمَا: حَمْلُهَا عَلَى غَيْرِ صُورَةِ الْإِغْمَامِ أَوْ عَلَى الْإِغْمَامِ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، كَمَا فَعَلَهُ الْمُوجِبُونَ لِلصَّوْمِ. وَالثَّانِيَةُ: حَمْلُ آثَارِ الصَّوْمِ عَنْهُمْ عَلَى التَّحَرِّي وَالِاحْتِيَاطِ اسْتِحْبَابًا لَا وُجُوبًا، وَهَذِهِ الْآثَارُ صَرِيحَةٌ فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ أَقْرَبُ إِلَى مُوَافَقَةِ النُّصُوصِ وَقَوَاعِدِ الشَّرْعِ، وَفِيهَا السَّلَامَةُ مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ يَوْمَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الشَّكِّ، فَيُجْعَلُ أَحَدُهُمَا يَوْمَ شَكٍّ، وَالثَّانِي يَوْمَ يَقِينٍ، مَعَ حُصُولِ الشَّكِّ فِيهِ قَطْعًا، وَتَكْلِيفُ الْعَبْدِ اعْتِقَادَ كَوْنِهِ مِنْ رَمَضَانَ قَطْعًا، مَعَ شَكِّهِ هَلْ هُوَ مِنْهُ أَمْ لَا؟ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَتَفْرِيقٌ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ ثُبُوتُ شَوَّالٍ] فَصْلٌ وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَمْرُ النَّاسَ بِالصَّوْمِ بِشَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ الْمُسْلِمِ، وَخُرُوجِهِمْ مِنْهُ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ. وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ إِذَا شَهِدَ الشَّاهِدَانِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الْعِيدِ أَنْ يُفْطِرَ وَيَأْمُرَهُمْ بِالْفِطْرِ، وَيُصَلِّيَ الْعِيدَ مِنَ الْغَدِ فِي وَقْتِهَا.

стр. 523

وَكَانَ يُعَجِّلُ الْفِطْرَ وَيَحُضُّ عَلَيْهِ، وَيَتَسَحَّرُ وَيَحُثُّ عَلَى السُّحُورِ، وَيُؤَخِّرُهُ وَيُرَغِّبُ فِي تَأْخِيرِهِ. [فصل في هديه ﷺ في الفطر] وَكَانَ يَحُضُّ عَلَى الْفِطْرِ بِالتَّمْرِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى الْمَاءِ، هَذَا مِنْ كَمَالِ شَفَقَتِهِ عَلَى أُمَّتِهِ وَنُصْحِهِمْ، فَإِنَّ إِعْطَاءَ الطَّبِيعَةِ الشَّيْءَ الْحُلْوَ مَعَ خُلُوِّ الْمَعِدَةِ أَدْعَى إِلَى قَبُولِهِ وَانْتِفَاعِ الْقُوَى بِهِ، وَلَا سِيَّمَا الْقُوَّةُ الْبَاصِرَةُ، فَإِنَّهَا تَقْوَى بِهِ، وَحَلَاوَةُ الْمَدِينَةِ التَّمْرُ، وَمُرَبَّاهُمْ عَلَيْهِ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ قُوتٌ وَأُدْمٌ وَرُطَبُهُ فَاكِهَةٌ. وَأَمَّا الْمَاءُ فَإِنَّ الْكَبِدَ يَحْصُلُ لَهَا بِالصَّوْمِ نَوْعُ يُبْسٍ. فَإِذَا رُطِّبَتْ بِالْمَاءِ كَمُلَ انْتِفَاعُهَا بِالْغِذَاءِ بَعْدَهُ. وَلِهَذَا كَانَ الْأَوْلَى بِالظَّمْآنِ الْجَائِعِ أَنْ يَبْدَأَ قَبْلَ الْأَكْلِ بِشُرْبِ قَلِيلٍ مِنَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَأْكُلَ بَعْدَهُ، هَذَا مَعَ مَا فِي التَّمْرِ وَالْمَاءِ مِنَ الْخَاصِّيَّةِ الَّتِي لَهَا تَأْثِيرٌ فِي صَلَاحِ الْقَلْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا أَطِبَّاءُ الْقُلُوبِ. وَكَانَ ﷺ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، وَكَانَ فِطْرُهُ عَلَى رُطَبَاتٍ إِنْ وَجَدَهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ.

стр. 524

وَيُذْكَرُ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ «كَانَ يَقُولُ عِنْدَ فِطْرِهِ: (اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ، فَتَقَبَّلْ مِنَّا، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» ) . وَلَا يَثْبُتُ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ( «اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ» ) . ذَكَرَهُ أبو داود عَنْ معاذ بن زهرة أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ «كَانَ يَقُولُ إِذَا أَفْطَرَ: (ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» ) . ذَكَرَهُ أبو داود مِنْ حَدِيثِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ مروان بن سالم المقفع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَيُذْكَرُ عَنْهُ ﷺ : ( «إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ دَعْوَةً مَا تُرَدُّ» ) . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

стр. 525

وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» ) . وَفُسِّرَ بِأَنَّهُ قَدْ أَفْطَرَ حُكْمًا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ، وَبِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ وَقْتُ فِطْرِهِ كَأَصْبَحَ وَأَمْسَى، وَنَهَى الصَّائِمَ عَنِ الرَّفَثِ وَالصَّخَبِ وَالسِّبَابِ وَجَوَابِ السِّبَابِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ سَابَّهُ: (إِنِّي صَائِمٌ) فَقِيلَ: يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ وَهُوَ أَظْهَرُ، وَقِيلَ: بِقَلْبِهِ تَذْكِيرًا لِنَفْسِهِ بِالصَّوْمِ، وَقِيلَ: يَقُولُهُ فِي الْفَرْضِ بِلِسَانِهِ، وَفِي التَّطَوِّعِ فِي نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنِ الرِّيَاءِ. [فصل في الصوم في السفر] فصل وَسَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ وَأَفْطَرَ، وَخَيَّرَ الصَّحَابَةَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِالْفِطْرِ إِذَا دَنَوْا مِنْ عَدُوِّهِمْ لِيَتَقَوَّوْا عَلَى قِتَالِهِ. فَلَوِ اتَّفَقَ مِثْلُ هَذَا فِي الْحَضَرِ وَكَانَ فِي الْفِطْرِ قُوَّةً لَهُمْ عَلَى لِقَاءِ عَدُوِّهِمْ فَهَلْ لَهُمُ الْفِطْرُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا دَلِيلًا: أَنَّ لَهُمْ ذَلِكَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابن تيمية، وَبِهِ أَفْتَى الْعَسَاكِرَ الْإِسْلَامِيَّةَ لَمَّا لَقُوا الْعَدُوَّ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْفِطْرَ

стр. 526

لِذَلِكَ أَوْلَى مِنَ الْفِطْرِ لِمُجَرَّدِ السَّفَرِ، بَلْ إِبَاحَةُ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ تَنْبِيهٌ عَلَى إِبَاحَتِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَإِنَّهَا أَحَقُّ بِجِوَازِهِ، لِأَنَّ الْقُوَّةَ هُنَاكَ تَخْتَصُّ بِالْمُسَافِرِ، وَالْقُوَّةَ هُنَا لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّ مَشَقَّةَ الْجِهَادِ أَعْظَمُ مِنْ مَشَقَّةِ السَّفَرِ، وَلِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْحَاصِلَةَ بِالْفِطْرِ لِلْمُجَاهِدِ أَعْظَمُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ بِفِطْرِ الْمُسَافِرِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] [الْأَنْفَالِ ٦٠] . وَالْفِطْرُ عِنْدَ اللِّقَاءِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْقُوَّةِ. وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ فَسَّرَ الْقُوَّةَ بِالرَّمْيِ. وَهُوَ لَا يَتِمُّ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُهُ إِلَّا بِمَا يُقَوِّي وَيُعِينُ عَلَيْهِ مِنَ الْفِطْرِ وَالْغِذَاءِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلصَّحَابَةِ لَمَّا دَنَوْا مِنْ عَدُوِّهِمْ: ( «إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ» ) . وَكَانَتْ رُخْصَةً ثُمَّ نَزَلُوا مَنْزِلًا آخَرَ فَقَالَ: ( «إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوَّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا» ) فَكَانَتْ عَزْمَةً [فَأَفْطَرْنَا] ، فَعَلَّلَ بِدُنُوِّهِمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ وَاحْتِيَاجِهِمْ إِلَى الْقُوَّةِ الَّتِي يَلْقَوْنَ بِهَا الْعَدُوَّ، وَهَذَا سَبَبٌ آخَرُ غَيْرُ السَّفَرِ، وَالسَّفَرُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي تَعْلِيلِهِ وَلَا أَشَارَ إِلَيْهِ، فَالتَّعْلِيلُ بِهِ اعْتِبَارًا لِمَا أَلْغَاهُ الشَّارِعُ فِي هَذَا الْفِطْرِ الْخَاصِّ، وَإِلْغَاءُ

стр. 527

وَصْفِ الْقُوَّةِ الَّتِي يُقَاوَمُ بِهَا الْعَدُوُّ، وَاعْتِبَارُ السَّفَرِ الْمُجَرَّدِ إِلْغَاءٌ لِمَا اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ وَعَلَّلَ بِهِ. وَبِالْجُمْلَةِ. فَتَنْبِيهُ الشَّارِعِ وَحِكْمَتُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْفِطْرَ لِأَجْلِ الْجِهَادِ أَوْلَى مِنْهُ لِمُجَرَّدِ السَّفَرِ، فَكَيْفَ وَقَدْ أَشَارَ إِلَى الْعِلَّةِ وَنَبَّهَ عَلَيْهَا وَصَرَّحَ بِحُكْمِهَا، وَعَزَمَ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يُفْطِرُوا لِأَجْلِهَا. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ شعبة، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: «سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: (إِنَّهُ يَوْمُ قِتَالٍ فَأَفْطِرُوا» ) تَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ شعبة. فَعَلَّلَ بِالْقِتَالِ وَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْأَمْرَ بِالْفِطْرِ بِحَرْفِ الْفَاءِ، وَكُلُّ أَحَدٍ يَفْهَمُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّ الْفِطْرَ لِأَجْلِ الْقِتَالِ. وَأَمَّا إِذَا تَجَرَّدَ السَّفَرُ عَنِ الْجِهَادِ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي الْفِطْرِ: ( «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ» ) . وَسَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ فِي أَعْظَمِ الْغَزَوَاتِ وَأَجَلِّهَا فِي غَزَاةِ بَدْرٍ وَفِي غَزَاةِ الْفَتْحِ. قَالَ ( «عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ غَزْوَتَيْنِ، يَوْمَ بَدْرٍ وَالْفَتْحِ، فَأَفْطَرْنَا فِيهِمَا» ) . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ ( «عائشة قَالَتْ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي عُمْرَةٍ فِي رَمَضَانَ فَأَفْطَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصُمْتُ، وَقَصَرَ وَأَتْمَمْتُ» ) فَغَلَطٌ إِمَّا عَلَيْهَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ، أَوْ مِنْهَا وَأَصَابَهَا فِيهِ مَا أَصَابَ ابْنَ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ:

стр. 528

( «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَجَبٍ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ أبا عبد الرحمن، مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا وَهُوَ مَعَهُ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ» ) . وَكَذَلِكَ أَيْضًا عُمَرُهُ كُلُّهَا فِي ذِي الْقَعَدَةِ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَمَضَانَ قَطُّ. [وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ تَقْدِيرُ الْمَسَافَةِ الَّتِي يُفْطِرُ فِيهَا الصَّائِمُ بِحَدٍّ] فَصْلٌ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ تَقْدِيرُ الْمَسَافَةِ الَّتِي يُفْطِرُ فِيهَا الصَّائِمُ بِحَدٍّ، وَلَا صَحَّ عَنْهُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ. ( «وَقَدْ أَفْطَرَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ فِي سَفَرِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، وَقَالَ لِمَنْ صَامَ: قَدْ رَغِبُوا عَنْ هَدْيِ مُحَمَّدٍ ﷺ » ) . وَكَانَ الصَّحَابَةُ حِينَ يُنْشِئُونَ السَّفَرَ يُفْطِرُونَ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مُجَاوَزَةِ الْبُيُوتِ، وَيُخْبِرُونَ أَنَّ ذَلِكَ سُنَّتُهُ وَهَدْيُهُ ﷺ ، كَمَا قَالَ ( «عبيد بن جبر: رَكِبْتُ مَعَ أبي بصرة الغفاري صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفِينَةٍ مِنَ الْفُسْطَاطِ فِي رَمَضَانَ، فَلَمْ يُجَاوِزِ الْبُيُوتَ حَتَّى دَعَا بِالسُّفْرَةِ. قَالَ: اقْتَرِبْ. قُلْتُ: أَلَسْتَ تَرَى الْبُيُوتَ؟ قَالَ أبو بصرة: أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ) ؟ رَوَاهُ أبو داود وأحمد. وَلَفْظُ أحمد: ( «رَكِبْتُ مَعَ أبي بصرة مِنَ الْفُسْطَاطِ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي سَفِينَةٍ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَرْسَاهَا أَمَرَ بِسُفْرَتِهِ فَقُرِّبَتْ، ثُمَّ دَعَانِي إِلَى الْغَدَاءِ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ. فَقُلْتُ: يَا أبا بصرة وَاللَّهِ مَا تَغَيَّبَتْ عَنَّا مَنَازِلُنَا بَعْدُ؟ قَالَ أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقُلْتُ: لَا. قَالَ: فَكُلْ. قَالَ: فَلَمْ نَزَلْ مُفْطِرِينَ حَتَّى بَلَغْنَا» ) . «وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أَتَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا وَقَدْ رُحِّلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ، وَقَدْ لَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ، فَقُلْتُ لَهُ: سُنَّةٌ؟

стр. 529

قَالَ: سُنَّةٌ، ثُمَّ رَكِبَ» . قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِيهِ: فَأَكَلَ وَقَدْ تَقَارَبَ غُرُوبُ الشَّمْسِ. وَهَذِهِ الْآثَارُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ مَنْ أَنْشَأَ السَّفَرَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ فَلَهُ الْفِطْرُ فِيهِ. [لَا حَرَجَ فِي اغْتِسَالِ الْجُنُبِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَفِي تَقْبِيلِ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ] فَصْلٌ وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَنْ يُدْرِكَهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَيَغْتَسِلُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَيَصُومُ. ( «وَكَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ» )

стр. 530

وَشَبَّهَ قُبْلَةَ الصَّائِمِ بِالْمَضْمَضَةِ بِالْمَاءِ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أبو داود عَنْ مصدع بن يحيى، عَنْ عائشة، أَنَّ النَّبِيّ ﷺ ( «كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ وَيَمُصُّ لِسَانَهَا» ) فَهَذَا الْحَدِيثُ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَضَعَّفَهُ طَائِفَةٌ بمصدع هَذَا، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، قَالَ السعدي: زَائِغٌ جَائِرٌ عَنِ الطَّرِيقِ، وَحَسَّنَهُ طَائِفَةٌ وَقَالُوا: هُوَ ثِقَةٌ صَدُوقٌ، رَوَى لَهُ مسلم فِي " صَحِيحِهِ "، وَفِي إِسْنَادِهِ محمد بن دينار الطاحي البصري، مُخْتَلَفٌ فِيهِ أَيْضًا، قَالَ يحيى: ضَعِيفٌ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: صَدُوقٌ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: قَوْلُهُ: وَيَمُصُّ لِسَانَهَا لَا يَقُولُهُ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ، وَفِي إِسْنَادِهِ أَيْضًا سعد بن أوس مُخْتَلَفٌ فِيهِ أَيْضًا، قَالَ يحيى: بَصْرِيٌّ ضَعِيفٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ثِقَةٌ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ. . . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أحمد وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ ميمونة مولاة النبي ﷺ قَالَتْ: " «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَجُلٍ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا صَائِمَانِ، فَقَالَ: قَدْ أَفْطَرَ» " فَلَا يَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَفِيهِ أبو يزيد الضني، رَوَاهُ عَنْ ميمونة، وهي بنت سعد، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَيْسَ بِمَعْرُوفِ، وَلَا يَثْبُتُ هَذَا، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هَذَا لَا أُحَدِّثُ بِهِ، هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وأبو يزيد رَجُلٌ مَجْهُولٌ. وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ ﷺ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الشَّابِّ وَالشَّيْخِ، وَلَمْ يَجِئْ مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ،
следующие страницы →