← Сира

Сира · id 21713

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Полный текст (2 628 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

لِذَلِكَ أَوْلَى مِنَ الْفِطْرِ لِمُجَرَّدِ السَّفَرِ، بَلْ إِبَاحَةُ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ تَنْبِيهٌ عَلَى إِبَاحَتِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَإِنَّهَا أَحَقُّ بِجِوَازِهِ، لِأَنَّ الْقُوَّةَ هُنَاكَ تَخْتَصُّ بِالْمُسَافِرِ، وَالْقُوَّةَ هُنَا لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّ مَشَقَّةَ الْجِهَادِ أَعْظَمُ مِنْ مَشَقَّةِ السَّفَرِ، وَلِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْحَاصِلَةَ بِالْفِطْرِ لِلْمُجَاهِدِ أَعْظَمُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ بِفِطْرِ الْمُسَافِرِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] [الْأَنْفَالِ ٦٠] . وَالْفِطْرُ عِنْدَ اللِّقَاءِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْقُوَّةِ. وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ فَسَّرَ الْقُوَّةَ بِالرَّمْيِ. وَهُوَ لَا يَتِمُّ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُهُ إِلَّا بِمَا يُقَوِّي وَيُعِينُ عَلَيْهِ مِنَ الْفِطْرِ وَالْغِذَاءِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلصَّحَابَةِ لَمَّا دَنَوْا مِنْ عَدُوِّهِمْ: ( «إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ» ) . وَكَانَتْ رُخْصَةً ثُمَّ نَزَلُوا مَنْزِلًا آخَرَ فَقَالَ: ( «إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوَّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا» ) فَكَانَتْ عَزْمَةً [فَأَفْطَرْنَا] ، فَعَلَّلَ بِدُنُوِّهِمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ وَاحْتِيَاجِهِمْ إِلَى الْقُوَّةِ الَّتِي يَلْقَوْنَ بِهَا الْعَدُوَّ، وَهَذَا سَبَبٌ آخَرُ غَيْرُ السَّفَرِ، وَالسَّفَرُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي تَعْلِيلِهِ وَلَا أَشَارَ إِلَيْهِ، فَالتَّعْلِيلُ بِهِ اعْتِبَارًا لِمَا أَلْغَاهُ الشَّارِعُ فِي هَذَا الْفِطْرِ الْخَاصِّ، وَإِلْغَاءُ

стр. 527

وَصْفِ الْقُوَّةِ الَّتِي يُقَاوَمُ بِهَا الْعَدُوُّ، وَاعْتِبَارُ السَّفَرِ الْمُجَرَّدِ إِلْغَاءٌ لِمَا اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ وَعَلَّلَ بِهِ. وَبِالْجُمْلَةِ. فَتَنْبِيهُ الشَّارِعِ وَحِكْمَتُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْفِطْرَ لِأَجْلِ الْجِهَادِ أَوْلَى مِنْهُ لِمُجَرَّدِ السَّفَرِ، فَكَيْفَ وَقَدْ أَشَارَ إِلَى الْعِلَّةِ وَنَبَّهَ عَلَيْهَا وَصَرَّحَ بِحُكْمِهَا، وَعَزَمَ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يُفْطِرُوا لِأَجْلِهَا. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ شعبة، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: «سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: (إِنَّهُ يَوْمُ قِتَالٍ فَأَفْطِرُوا» ) تَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ شعبة. فَعَلَّلَ بِالْقِتَالِ وَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْأَمْرَ بِالْفِطْرِ بِحَرْفِ الْفَاءِ، وَكُلُّ أَحَدٍ يَفْهَمُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّ الْفِطْرَ لِأَجْلِ الْقِتَالِ. وَأَمَّا إِذَا تَجَرَّدَ السَّفَرُ عَنِ الْجِهَادِ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي الْفِطْرِ: ( «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ» ) . وَسَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ فِي أَعْظَمِ الْغَزَوَاتِ وَأَجَلِّهَا فِي غَزَاةِ بَدْرٍ وَفِي غَزَاةِ الْفَتْحِ. قَالَ ( «عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ غَزْوَتَيْنِ، يَوْمَ بَدْرٍ وَالْفَتْحِ، فَأَفْطَرْنَا فِيهِمَا» ) . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ ( «عائشة قَالَتْ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي عُمْرَةٍ فِي رَمَضَانَ فَأَفْطَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصُمْتُ، وَقَصَرَ وَأَتْمَمْتُ» ) فَغَلَطٌ إِمَّا عَلَيْهَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ، أَوْ مِنْهَا وَأَصَابَهَا فِيهِ مَا أَصَابَ ابْنَ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ:

стр. 528

( «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَجَبٍ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ أبا عبد الرحمن، مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا وَهُوَ مَعَهُ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ» ) . وَكَذَلِكَ أَيْضًا عُمَرُهُ كُلُّهَا فِي ذِي الْقَعَدَةِ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَمَضَانَ قَطُّ. [وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ تَقْدِيرُ الْمَسَافَةِ الَّتِي يُفْطِرُ فِيهَا الصَّائِمُ بِحَدٍّ] فَصْلٌ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ تَقْدِيرُ الْمَسَافَةِ الَّتِي يُفْطِرُ فِيهَا الصَّائِمُ بِحَدٍّ، وَلَا صَحَّ عَنْهُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ. ( «وَقَدْ أَفْطَرَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ فِي سَفَرِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، وَقَالَ لِمَنْ صَامَ: قَدْ رَغِبُوا عَنْ هَدْيِ مُحَمَّدٍ ﷺ » ) . وَكَانَ الصَّحَابَةُ حِينَ يُنْشِئُونَ السَّفَرَ يُفْطِرُونَ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مُجَاوَزَةِ الْبُيُوتِ، وَيُخْبِرُونَ أَنَّ ذَلِكَ سُنَّتُهُ وَهَدْيُهُ ﷺ ، كَمَا قَالَ ( «عبيد بن جبر: رَكِبْتُ مَعَ أبي بصرة الغفاري صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفِينَةٍ مِنَ الْفُسْطَاطِ فِي رَمَضَانَ، فَلَمْ يُجَاوِزِ الْبُيُوتَ حَتَّى دَعَا بِالسُّفْرَةِ. قَالَ: اقْتَرِبْ. قُلْتُ: أَلَسْتَ تَرَى الْبُيُوتَ؟ قَالَ أبو بصرة: أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ) ؟ رَوَاهُ أبو داود وأحمد. وَلَفْظُ أحمد: ( «رَكِبْتُ مَعَ أبي بصرة مِنَ الْفُسْطَاطِ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي سَفِينَةٍ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَرْسَاهَا أَمَرَ بِسُفْرَتِهِ فَقُرِّبَتْ، ثُمَّ دَعَانِي إِلَى الْغَدَاءِ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ. فَقُلْتُ: يَا أبا بصرة وَاللَّهِ مَا تَغَيَّبَتْ عَنَّا مَنَازِلُنَا بَعْدُ؟ قَالَ أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقُلْتُ: لَا. قَالَ: فَكُلْ. قَالَ: فَلَمْ نَزَلْ مُفْطِرِينَ حَتَّى بَلَغْنَا» ) . «وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أَتَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا وَقَدْ رُحِّلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ، وَقَدْ لَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ، فَقُلْتُ لَهُ: سُنَّةٌ؟

стр. 529

قَالَ: سُنَّةٌ، ثُمَّ رَكِبَ» . قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِيهِ: فَأَكَلَ وَقَدْ تَقَارَبَ غُرُوبُ الشَّمْسِ. وَهَذِهِ الْآثَارُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ مَنْ أَنْشَأَ السَّفَرَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ فَلَهُ الْفِطْرُ فِيهِ. [لَا حَرَجَ فِي اغْتِسَالِ الْجُنُبِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَفِي تَقْبِيلِ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ] فَصْلٌ وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَنْ يُدْرِكَهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَيَغْتَسِلُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَيَصُومُ. ( «وَكَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ» )

стр. 530

وَشَبَّهَ قُبْلَةَ الصَّائِمِ بِالْمَضْمَضَةِ بِالْمَاءِ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أبو داود عَنْ مصدع بن يحيى، عَنْ عائشة، أَنَّ النَّبِيّ ﷺ ( «كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ وَيَمُصُّ لِسَانَهَا» ) فَهَذَا الْحَدِيثُ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَضَعَّفَهُ طَائِفَةٌ بمصدع هَذَا، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، قَالَ السعدي: زَائِغٌ جَائِرٌ عَنِ الطَّرِيقِ، وَحَسَّنَهُ طَائِفَةٌ وَقَالُوا: هُوَ ثِقَةٌ صَدُوقٌ، رَوَى لَهُ مسلم فِي " صَحِيحِهِ "، وَفِي إِسْنَادِهِ محمد بن دينار الطاحي البصري، مُخْتَلَفٌ فِيهِ أَيْضًا، قَالَ يحيى: ضَعِيفٌ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: صَدُوقٌ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: قَوْلُهُ: وَيَمُصُّ لِسَانَهَا لَا يَقُولُهُ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ، وَفِي إِسْنَادِهِ أَيْضًا سعد بن أوس مُخْتَلَفٌ فِيهِ أَيْضًا، قَالَ يحيى: بَصْرِيٌّ ضَعِيفٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ثِقَةٌ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ. . . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أحمد وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ ميمونة مولاة النبي ﷺ قَالَتْ: " «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَجُلٍ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا صَائِمَانِ، فَقَالَ: قَدْ أَفْطَرَ» " فَلَا يَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَفِيهِ أبو يزيد الضني، رَوَاهُ عَنْ ميمونة، وهي بنت سعد، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَيْسَ بِمَعْرُوفِ، وَلَا يَثْبُتُ هَذَا، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هَذَا لَا أُحَدِّثُ بِهِ، هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وأبو يزيد رَجُلٌ مَجْهُولٌ. وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ ﷺ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الشَّابِّ وَالشَّيْخِ، وَلَمْ يَجِئْ مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ،

стр. 531

وَأَجْوَدُ مَا فِيهِ حَدِيثُ أبي داود عَنْ نصر بن علي، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ: حَدَّثَنَا إسرائيل، عَنْ أبي العنبس، عَنِ الأغر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ( «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ، فَرَخَّصَ لَهُ، وَأَتَاهُ آخَرُ فَسَأَلَهُ فَنَهَاهُ، فَإِذَا الَّذِي رَخَّصَ لَهُ شَيْخٌ، وَإِذَا الَّذِي نَهَاهُ شَابٌّ» ) وإسرائيل وَإِنْ كَانَ الْبُخَارِيُّ ومسلم قَدِ احْتَجَّا بِهِ وَبَقِيَّةُ السِّتَّةِ، فَعِلَّةُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأغر فِيهِ أبا العنبس العدوي الكوفي، واسمه الحارث بن عبيد، سَكَتُوا عَنْهُ. [صِحَّةُ صِيَامِ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا] فَصْلٌ وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ إِسْقَاطُ الْقَضَاءِ عَمَّنْ أَكَلَ وَشَرِبَ نَاسِيًا، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ، فَلَيْسَ هَذَا الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ يُضَافُ إِلَيْهِ فَيُفْطِرُ بِهِ، فَإِنَّمَا يُفْطِرُ بِمَا فَعَلَهُ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ فِي نَوْمِهِ، إِذْ لَا تَكْلِيفَ بِفِعْلِ النَّائِمِ، وَلَا بِفِعْلِ النَّاسِي. [الْمُفْطِرَاتُ] فَصْلٌ وَالَّذِي صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّ الَّذِي يَفْطُرُ بِهِ الصَّائِمُ: الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ

стр. 532

وَالْحِجَامَةُ وَالْقَيْءُ، وَالْقُرْآنُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْجِمَاعَ مُفْطِرٌ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، لَا

стр. 533

يُعْرَفُ فِيهِ خِلَافٌ، وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ فِي الْكُحْلِ شَيْءٌ. وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْهُ، أَنَّهُ ( «كَانَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ صَائِمٌ» ) . وَكَانَ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَمَنَعَ الصَّائِمَ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ. وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ أَنَّهُ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " قَالَ أحمد: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: لَمْ يَسْمَعِ الحكم حَدِيثَ مقسم فِي الْحِجَامَةِ فِي الصِّيَامِ، يَعْنِي حَدِيثَ سعيد، عَنِ الحكم، عَنْ مقسم، «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ» .

стр. 534

قَالَ مُهَنَّا: وَسَأَلْتُ أحمد عَنْ حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ» . فَقَالَ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ، قَدْ أَنْكَرَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، إِنَّمَا كَانَتْ أَحَادِيثُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ خَمْسَةَ عَشَرَ حَدِيثًا. وَقَالَ الأثرم: سَمِعْتُ أبا عبد الله ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فَضَعَّفَهُ، وَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْتُ أحمد عَنْ حَدِيثِ قبيصة، عَنْ سفيان، عَنْ حماد، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ( «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَائِمًا مُحْرِمًا» ) فَقَالَ: هُوَ خَطَأٌ مِنْ قِبَلِ قبيصة، وَسَأَلْتُ يحيى عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ عُقْبَةَ، فَقَالَ: رَجُلُ صِدْقٍ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ سفيان، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ خَطَأٌ مِنْ قِبَلِهِ. قَالَ أحمد فِي كِتَابِ الأشجعي: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلًا ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» ) ، وَلَا يَذْكُرُ فِيهِ صَائِمًا. قَالَ مُهَنَّا: وَسَأَلْتُ أحمد عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ» ) ؟ فَقَالَ: لَيْسَ فِيهِ " صَائِمٌ "، إِنَّمَا هُوَ مُحْرِمٌ، ذَكَرَهُ سفيان، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُوسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ( «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ» ) وَرَوَاهُ عبد الرزاق، عَنْ معمر، عَنِ ابن خثيم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ( «احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ» ) . وروح، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عطاء وطاووس، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» ) ، وَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يَذْكُرُونَ " صَائِمًا ". وَقَالَ حنبل: حَدَّثَنَا أبو عبد الله، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ ياسين الزيات، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أنس، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «احْتَجَمَ فِي رَمَضَانَ بَعْدَ مَا قَالَ: " أَفْطَرَ الْحَاجِمُ

стр. 535

وَالْمَحْجُومُ» ) قَالَ أبو عبد الله: الرَّجُلُ أُرَاهُ أبان بن أبي عياش، يَعْنِي: وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَقَالَ الأثرم: قُلْتُ لأبي عبد الله: رَوَى محمد بن معاوية النيسابوري، عَنْ أبي عوانة، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أنس، ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» ) فَأَنْكَرَ هَذَا، ثُمَّ قَالَ: السُّدِّيُّ عَنْ أنس؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَعَجِبَ مِنْ هَذَا. قَالَ أحمد: وَفِي قَوْلِهِ: ( «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» ) غَيْرُ حَدِيثِ ثابت. وَقَالَ إسحاق: قَدْ ثَبَتَ هَذَا مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَا صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى الصَّائِمَ عَنِ السِّوَاكِ أَوَّلَ النَّهَارِ وَلَا آخِرَهُ، بَلْ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهُ. وَيُذْكَرُ عَنْهُ ( «مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ» ) ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ مجالد وَفِيهِ ضَعْفٌ. [الِاكْتِحَالُ لِلصَّائِمِ] فَصْلٌ وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ اكْتَحَلَ وَهُوَ صَائِمٌ» ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ ( «خَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي رَمَضَانَ وَعَيْنَاهُ مَمْلُوءَتَانِ مِنَ الْإِثْمِدِ» ) ، وَلَا يَصِحُّ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ «قَالَ فِي الْإِثْمِدِ: (لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ) » وَلَا يَصِحُّ. قَالَ أبو داود: قَالَ لِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.

стр. 536

[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي صِيَامِ التَّطَوُّعِ] ( «كَانَ ﷺ يَصُومُ حَتَّى يُقَالَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى يُقَالَ: لَا يَصُومُ، وَمَا اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ غَيْرَ رَمَضَانَ، وَمَا كَانَ يَصُومُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِمَّا يَصُومُ فِي شَعْبَانَ» ) . وَلَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ عَنْهُ شَهْرٌ حَتَّى يَصُومَ مِنْهُ. وَلَمْ يَصُمِ الثَّلَاثَةَ الْأَشْهُرَ سَرْدًا كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَلَا صَامَ رَجَبًا قَطُّ، وَلَا اسْتَحَبَّ صِيَامَهُ، بَلْ رُوِيَ عَنْهُ النَّهْيُ عَنْ صِيَامِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَكَانَ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُفْطِرُ أَيَّامَ الْبِيضِ فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ» ) ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ. (وَكَانَ يَحُضُّ عَلَى صِيَامِهَا) . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ

стр. 537

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» ) ذَكَرَهُ أبو داود وَالنَّسَائِيُّ. وَقَالَتْ عائشة: ( «لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ الشَّهْرِ صَامَهَا» ) ذَكَرَهُ مسلم، وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ هَذِهِ الْآثَارِ. وَأَمَّا صِيَامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ فَقَدِ اخْتُلِفَ، فَقَالَتْ عائشة: «مَا رَأَيْتُهُ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ» ، ذَكَرَهُ مسلم. وَقَالَتْ حفصة: ( «أَرْبَعٌ لَمْ يَكُنْ يَدَعَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَالْعَشْرِ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ» ) . ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀.

стр. 538

وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ ( «كَانَ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَصُومُ عَاشُورَاءَ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ، أَوِ الِاثْنَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ وَالْخَمِيسَ» ) وَفِي لَفْظٍ: الْخَمِيسَيْنِ. وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي إِنْ صَحَّ. وَأَمَّا صِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ فَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «صِيَامُهَا مَعَ رَمَضَانَ يَعْدِلُ صِيَامَ الدَّهْرِ» ) ". [صِيَامُ عَاشُورَاءَ] وَأَمَّا صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَإِنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّى صَوْمَهُ عَلَى سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَ الْيَهُودَ تَصُومُهُ وَتُعَظِّمُهُ فَقَالَ: ( «نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ ". فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، وَذَلِكَ قَبْلَ فَرْضِ رَمَضَانَ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ قَالَ: مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» ) . وَقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ النَّاسِ هَذَا وَقَالَ: إِنَّمَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَكَيْفَ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ؟

стр. 539

وَفِيهِ إِشْكَالٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ عائشة أَنَّهَا قَالَتْ: ( «كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَصُومُهُ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ شَهْرُ رَمَضَانَ قَالَ: مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» ) . وَإِشْكَالٌ آخَرُ، وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " ( «أَنَّ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ دَخَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ يَتَغَدَّى، فَقَالَ: يَا أبا محمد ادْنُ إِلَى الْغَدَاءِ. فَقَالَ: أَوَلَيْسَ الْيَوْمُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ؟ فَقَالَ: وَهَلْ تَدْرِي مَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ؟ قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: إِنَّمَا هُوَ يَوْمٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ تَرَكَهُ» ) . وَقَدْ رَوَى مسلم فِي " صَحِيحِهِ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ» ) فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَهَذَا فِيهِ أَنَّ صَوْمَهُ وَالْأَمْرَ بِصِيَامِهِ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ وَحَدِيثُهُ الْمُتَقَدِّمُ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَخْبَرَ أَنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ تُرِكَ بِرَمَضَانَ، وَهَذَا يُخَالِفُهُ حَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: تُرِكَ فَرْضُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُفْرَضْ، لِمَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ( «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ،

стр. 540

وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ» ) . ومعاوية إِنَّمَا سَمِعَ هَذَا بَعْدَ الْفَتْحِ قَطْعًا. وَإِشْكَالٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ مسلما رَوَى فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ( «لَمَّا قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، قَالَ: إِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التّاسِعَ، فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْقَابِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » ) ، ثُمَّ رَوَى مسلم فِي " صَحِيحِهِ " عَنِ الحكم بن الأعرج قَالَ: ( «انْتَهَيْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ فِي زَمْزَمَ، فَقُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ. فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ وَأَصْبِحْ يَوْمَ التّاسِعِ صَائِمًا، قُلْتُ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ» ) . وَإِشْكَالٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ صَوْمَهُ إِنْ كَانَ وَاجِبًا مَفْرُوضًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِقَضَائِهِ، وَقَدْ فَاتَ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ لَهُ مِنَ اللَّيْلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَرْضًا فَكَيْفَ أَمَرَ بِإِتْمَامِ الْإِمْسَاكِ مَنْ كَانَ أَكَلَ؟ كَمَا فِي " الْمُسْنَدِ " وَالسُّنَنِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، أَنَّهُ عَلَيْهِ

стр. 541

السَّلَامُ ( «أَمَرَ مَنْ كَانَ طَعِمَ فِيهِ أَنْ يَصُومَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ» ) وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْوَاجِبِ، وَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ عَاشُورَاءُ، وَاسْتِحْبَابُهُ لَمْ يُتْرَكْ؟ وَإِشْكَالٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ جَعَلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَوْمَ التَّاسِعِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ هَكَذَا كَانَ يَصُومُهُ ﷺ ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " ( «صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَخَالِفُوا الْيَهُودَ، صُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ» ) ذَكَرَهُ أحمد. وَهُوَ الَّذِي رَوَى: ( «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَوْمِ عَاشُورَاءَ يَوْمَ الْعَاشِرِ» ) . ذَكَرَهُ الترمذي. فَالْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْإِشْكَالَاتِ بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَأْيِيدِهِ وَتَوْفِيقِهِ: أَمَّا الْإِشْكَالُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ يَوْمَ قُدُومِهِ وَجَدَهُمْ يَصُومُونَهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا قَدِمَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ثَانِي عَشْرَةَ، وَلَكِنَّ أَوَّلَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ بِوُقُوعِ الْقِصَّةِ فِي الْعَامِ الثَّانِي الَّذِي كَانَ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمُدِينَةَ، وَلَمْ يَكُنْ وَهُوَ بِمَكَّةَ هَذَا، إِنْ كَانَ حِسَابُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي صَوْمِهِ بِالْأَشْهُرِ الْهِلَالِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ بِالشَّمْسِيَّةِ زَالَ الْإِشْكَالُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيَكُونُ الْيَوْمُ الَّذِي نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى هُوَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنْ أَوَّلِ الْمُحَرَّمِ، فَضَبَطَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ بِالشُّهُورِ الشَّمْسِيَّةِ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَقْدَمَ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَصَوْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ إِنَّمَا هُوَ بِحِسَابِ سَيْرِ الشّمْسِ، وَصَوْمُ الْمُسْلِمِينَ إِنَّمَا هُوَ بِالشَّهْرِ الْهِلَالِيِّ، وَكَذَلِكَ

стр. 542

حَجُّهُمْ، وَجَمِيعُ مَا تُعْتَبَرُ لَهُ الْأَشْهُرُ مِنْ وَاجِبٍ أَوْ مُسْتَحَبٍّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ( «نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ» ) . فَظَهَرَ حُكْمُ هَذِهِ الْأَوْلَوِيَّةِ فِي تَعْظِيمِ هَذَا الْيَوْمِ وَفِي تَعْيِينِهِ، وَهُمْ أَخْطَئُوا تَعْيِينَهُ لِدَوَرَانِهِ فِي السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، كَمَا أَخْطَأَ النَّصَارَى فِي تَعْيِينِ صَوْمِهِمْ بِأَنْ جَعَلُوهُ فِي فَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ تَخْتَلِفُ فِيهِ الْأَشْهُرُ. وَأَمَّا الْإِشْكَالُ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تُعَظِّمُ هَذَا الْيَوْمَ، وَكَانُوا يَكْسُونَ الْكَعْبَةَ فِيهِ، وَصَوْمُهُ مِنْ تَمَامِ تَعْظِيمِهِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا كَانُوا يَعُدُّونَ بِالْأَهِلَّةِ، فَكَانَ عِنْدَهُمْ عَاشِرَ الْمُحَرَّمِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَجَدَهُمْ يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَيَصُومُونَهُ، فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ فَقَالُوا: هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ مِنْ فِرْعَوْنَ، فَقَالَ ﷺ : ( «نَحْنُ أَحَقُّ مِنْكُمْ بِمُوسَى» ) فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ تَقْرِيرًا لِتَعْظِيمِهِ وَتَأْكِيدًا، وَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّهُ وَأُمَّتَهُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنَ الْيَهُودِ، فَإِذَا صَامَهُ مُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ كُنَّا أَحَقَّ أَنْ نَقْتَدِيَ بِهِ مِنَ الْيَهُودِ، لَا سِيَّمَا إِذَا قُلْنَا: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يُخَالِفْهُ شَرْعُنَا. فَإِنْ قِيلَ: مِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّ مُوسَى صَامَهُ؟ قُلْنَا: ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا سَأَلَهُمْ عَنْهُ فَقَالُوا: يَوْمٌ عَظِيمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ وَأَغْرَقَ فِيهِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ، فَنَحْنُ نَصُومُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ ". فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ» ) فَلَمَّا أَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُكَذِّبْهُمْ عُلِمَ أَنَّ مُوسَى صَامَهُ شُكْرًا لِلَّهِ، فَانْضَمَّ هَذَا الْقَدْرُ إِلَى التَّعْظِيمِ الَّذِي كَانَ لَهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، فَازْدَادَ تَأْكِيدًا حَتَّى بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي الْأَمْصَارِ بِصَوْمِهِ وَإِمْسَاكِ مَنْ كَانَ أَكَلَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَتَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَأَوْجَبَهُ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ. وَأَمَّا الْإِشْكَالُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ قَبْلَ

стр. 543

أَنْ يَنْزِلَ فَرْضُ رَمَضَانَ، فَلَمَّا نَزَلَ فَرْضُ رَمَضَانَ تَرَكَهُ، فَهَذَا لَا يُمْكِنُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ إِلَّا بِأَنَّ صِيَامَهُ كَانَ فَرْضًا قَبْلَ رَمَضَانَ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْمَتْرُوكُ وُجُوبَ صَوْمِهِ لَا اسْتِحْبَابَهُ، وَيَتَعَيَّنُ هَذَا وَلَا بُدَّ، لِأَنَّهُ ﵇ قَالَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ: إِنَّ الْيَهُودَ يَصُومُونَهُ: ( «لَئِنْ عِشْتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» ) أَيْ مَعَهُ، وَقَالَ: ( «خَالِفُوا الْيَهُودَ وَصُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ» ) ، أَيْ: مَعَهُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، وَأَمَّا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَكَانَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ، فَعُلِمَ أَنَّ اسْتِحْبَابَهُ لَمْ يُتْرَكْ. وَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ: إِنَّ صَوْمَهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَقُولَ بِتَرْكِ اسْتِحْبَابِهِ، فَلَمْ يَبْقَ مُسْتَحَبًّا، أَوْ يَقُولَ: هَذَا قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ بِرَأْيِهِ وَخَفِيَ عَلَيْهِ اسْتِحْبَابُ صَوْمِهِ، وَهَذَا بَعِيدٌ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَثَّهُمْ عَلَى صِيَامِهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ صَوْمَهُ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ، وَاسْتَمَرَّ الصَّحَابَةُ عَلَى صِيَامِهِ إِلَى حِينِ وَفَاتِهِ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ حَرْفٌ وَاحِدٌ بِالنَّهْيِ عَنْهُ وَكَرَاهَةِ صَوْمِهِ، فَعُلِمَ أَنَّ الَّذِي تُرِكَ وُجُوبُهُ لَا اسْتِحْبَابُهُ. فَإِنْ قِيلَ: حَدِيثُ معاوية الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ فَرْضِيَّتِهِ وَإِنَّهُ لَمْ يُفْرَضْ قَطُّ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ حَدِيثَ معاوية صَرِيحٌ فِي نَفْيِ اسْتِمْرَارِ وُجُوبِهِ، وَأَنَّهُ الْآنَ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَلَا يَنْفِي وُجُوبًا مُتَقَدِّمًا مَنْسُوخًا، فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ وَاجِبًا وَنُسِخَ وُجُوبُهُ: إِنّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهُ عَلَيْنَا. وَجَوَابٌ ثَانٍ: أَنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ النَّفْيُ عَامًّا فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ، فَيُخَصُّ بِأَدِلَّةِ الْوُجُوبِ فِي الْمَاضِي وَتَرْكِ النَّفْيِ فِي اسْتِمْرَارِ الْوُجُوبِ. وَجَوَابٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا نَفَى أَنْ يَكُونَ فَرْضُهُ وَوُجُوبُهُ مُسْتَفَادًا مِنْ

стр. 544

جِهَةِ الْقُرْآنِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ " إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهُ عَلَيْنَا " وَهَذَا لَا يَنْفِي الْوُجُوبَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ، هُوَ مَا أَخْبَرَهُمْ بِأَنَّهُ كَتَبَهُ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] [الْبَقَرَةِ: ١٨٣] فَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَاشُورَاءَ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي هَذَا الْمَكْتُوبِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِيمَا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا، فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْأَمْرِ السَّابِقِ بِصِيَامِهِ الَّذِي صَارَ مَنْسُوخًا بِهَذَا الصِّيَامِ الْمَكْتُوبِ. يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ معاوية إِنَّمَا سُمِعَ هَذَا مِنْهُ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَاسْتِقْرَارِ فَرْضِ رَمَضَانَ، وَنَسْخِ وُجُوبِ عَاشُورَاءَ بِهِ. وَالَّذِينَ شَهِدُوا أَمْرَهُ بِصِيَامِهِ وَالنِّدَاءِ بِذَلِكَ، وَبِالْإِمْسَاكِ لِمَنْ أَكَلَ، شَهِدُوا ذَلِكَ قَبْلَ فَرْضِ رَمَضَانَ عِنْدَ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ، وَفَرْضُ رَمَضَانَ كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ صَامَ تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ، فَمَنْ شَهِدَ الْأَمْرَ بِصِيَامِهِ شَهِدَهُ قَبْلَ نُزُولِ فَرْضِ رَمَضَانَ، وَمَنْ شَهِدَ الْإِخْبَارَ عَنْ عَدَمِ فَرْضِهِ شَهِدَهُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ بَعْدَ فَرْضِ رَمَضَانَ، وَإِنْ لَمْ يَسْلُكْ هَذَا الْمَسْلَكَ تَنَاقَضَتْ أَحَادِيثُ الْبَابِ وَاضْطَرَبَتْ. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَكُونُ فَرْضًا وَلَمْ يَحْصُلْ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ مِنَ اللَّيْلِ وَقَدْ قَالَ: ( «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» ) . فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ:

стр. 545

هَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ مِنْ قَوْلِ حفصة وعائشة؟ فَأَمَّا حَدِيثُ حفصة: فَأَوْقَفَهُ عَلَيْهَا معمر، وَالزُّهْرِيُّ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَرَفَعَهُ بَعْضُهُمْ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ: الْمَوْقُوفُ أَصَحُّ، قَالَ الترمذي: وَقَدْ رَوَاهُ نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَوْلَهُ، وَهُوَ أَصَحُّ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَحِّحُ رَفْعَهُ لِثِقَةِ رَافِعِهِ وَعَدَالَتِهِ، وَحَدِيثُ عائشة أَيْضًا: رُوِيَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَاخْتُلِفَ فِي تَصْحِيحِ رَفْعِهِ. فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ رَفْعُهُ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ ثَبَتَ رَفْعُهُ فَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا قَالَهُ بَعْدَ فَرْضِ رَمَضَانَ، وَذَلِكَ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْأَمْرِ بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَذَلِكَ تَجْدِيدُ حُكْمٍ وَاجِبٍ وَهُوَ التَّبْيِيتُ وَلَيْسَ نَسْخًا لِحُكْمٍ ثَابِتٍ بِخِطَابٍ، فَإِجْزَاءُ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ كَانَ قَبْلَ فَرْضِ رَمَضَانَ وَقَبْلَ فَرْضِ التَّبْيِيتِ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ نُسِخَ وُجُوبُ صَوْمِهِ بِرَمَضَانَ وَتَجَدَّدَ وُجُوبُ التَّبْيِيتِ فَهَذِهِ طَرِيقَةٌ. وَطَرِيقَةٌ ثَانِيَةٌ: هِيَ طَرِيقَةُ أَصْحَابِ أبي حنيفة أَنَّ وُجُوبَ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ تَضَمَّنَ أَمْرَيْنِ: وُجُوبَ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَإِجْزَاءَ صَوْمِهِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ، ثُمَّ نُسِخَ تَعْيِينُ الْوَاجِبِ بِوَاجِبٍ آخَرَ فَبَقِيَ حُكْمُ الْإِجْزَاءِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ غَيْرَ مَنْسُوخٍ. وَطَرِيقَةٌ ثَالِثَةٌ: وَهِيَ أَنَّ الْوَاجِبَ تَابِعٌ لِلْعِلْمِ، وَوُجُوبُ عَاشُورَاءَ إِنَّمَا عُلِمَ مِنَ النَّهَارِ وَحِينَئِذٍ فَلَمْ يَكُنِ التَّبْيِيتُ مُمْكِنًا، فَالنِّيَّةُ وَجَبَتْ وَقْتَ تَجَدُّدِ الْوُجُوبِ وَالْعِلْمِ بِهِ وَإِلَّا كَانَ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. قَالُوا: وَعَلَى هَذَا إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ أَجْزَأَ صَوْمُهُ بِنِيَّةٍ مُقَارِنَةٍ لِلْعِلْمِ بِالْوُجُوبِ، وَأَصْلُهُ صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ شَيْخِنَا، وَهِيَ كَمَا تَرَاهَا أَصَحُّ الطُّرُقِ وَأَقْرَبُهَا إِلَى مُوَافَقَةِ أُصُولِ الشَّرْعِ وَقَوَاعِدِهِ، وَعَلَيْهَا تَدُلُّ

стр. 546

الْأَحَادِيثُ وَيَجْتَمِعُ شَمْلُهَا الَّذِي يُظَنُّ تَفَرُّقُهُ وَيُتَخَلَّصُ مِنْ دَعْوَى النَّسْخِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَغَيْرُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ قَاعِدَةٍ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ أَوْ مُخَالَفَةِ بَعْضِ الْآثَارِ. وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ أَهْلَ قُبَاءٍ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ الَّتِي صَلَّوْا بَعْضَهَا إِلَى الْقِبْلَةِ الْمَنْسُوخَةِ إِذْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ وُجُوبُ التَّحَوُّلِ، فَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ وُجُوبُ فَرْضِ الصَّوْمِ أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْعِلْمِ بِسَبَبِ وُجُوبِهِ، لَمْ يُؤْمَرْ بِالْقَضَاءِ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ تَرَكَ التَّبْيِيتَ الْوَاجِبَ، إِذْ وُجُوبُ التَّبْيِيتِ تَابِعٌ لِلْعِلْمِ بِوُجُوبِ الْمُبَيَّتِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الظُّهُورِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ أَصَحُّ مِنْ طَرِيقَةِ مَنْ يَقُولُ: كَانَ عَاشُورَاءُ فَرْضًا، وَكَانَ يُجْزِئُ صِيَامُهُ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ، ثُمَّ نُسِخَ الْحُكْمُ بِوُجُوبِهِ فَنُسِخَتْ مُتَعَلِّقَاتُهُ، وَمِنْ مُتَعَلِّقَاتِهِ إِجْزَاءُ صِيَامِهِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَاتِهِ تَابِعَةٌ لَهُ، وَإِذَا زَالَ الْمَتْبُوعُ زَالَتْ تَوَابِعُهُ وَتَعَلُّقَاتُهُ، فَإِنَّ إِجْزَاءَ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ لَمْ يَكُنْ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ خُصُوصِ هَذَا الْيَوْمِ، بَلْ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ، وَالصَّوْمُ الْوَاجِبُ لَمْ يَزُلْ، وَإِنَّمَا زَالَ تَعْيِينُهُ فَنُقِلَ مِنْ مَحَلٍّ إِلَى مَحَلٍّ، وَالْإِجْزَاءُ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ وَعَدَمِهِ مِنْ تَوَابِعِ أَصْلِ الصَّوْمِ لَا تَعْيِينِهِ. وَأَصَحُّ مِنْ طَرِيقَةِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَاشُورَاءَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا قَطُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ الْأَمْرُ بِهِ، وَتَأْكِيدُ الْأَمْرِ بِالنِّدَاءِ الْعَامِّ، وَزِيَادَةُ تَأْكِيدِهِ بِالْأَمْرِ لِمَنْ كَانَ أَكَلَ بِالْإِمْسَاكِ، وَكُلُّ هَذَا ظَاهِرٌ، قَوِيٌّ فِي الْوُجُوبِ، وَيَقُولُ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّهُ ( «لَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ عَاشُورَاءُ» ) . وَمَعْلُومٌ أَنَّ اسْتِحْبَابَهُ لَمْ يُتْرَكْ بِالْأَدِلَّةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ وَغَيْرِهَا فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ وُجُوبَهُ، فَهَذِهِ خَمْسُ طُرُقٍ لِلنَّاسِ فِي ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْإِشْكَالُ الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» ) ، وَأَنَّهُ تُوُفِّيَ قَبْلَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ. وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ التَّاسِعَ، فَابْنُ عَبَّاسٍ رَوَى هَذَا وَهَذَا، وَصَحَّ عَنْهُ هَذَا وَهَذَا، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا إِذْ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَصُومَ التَّاسِعَ وَيُخْبِرَ أَنَّهُ إِنْ بَقِيَ إِلَى الْعَامِ الْقَابِلِ صَامَهُ أَوْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَخْبَرَ عَنْ فِعْلِهِ مُسْتَنِدًا إِلَى مَا عَزَمَ عَلَيْهِ،

стр. 547

وَوَعَدَ بِهِ، وَيَصِحُّ الْإِخْبَارُ عَنْ ذَلِكَ مُقَيَّدًا أَيْ: كَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ لَوْ بَقِيَ، وَمُطْلَقًا إِذَا عُلِمَ الْحَالُ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الِاحْتِمَالَيْنِ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ. وَأَمَّا الْإِشْكَالُ الْخَامِسُ: فَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُهُ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ. وَأَمَّا الْإِشْكَالُ السَّادِسُ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: اعْدُدْ، وَأَصْبِحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا. فَمَنْ تَأَمَّلَ مَجْمُوعَ رِوَايَاتِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَبَيَّنَ لَهُ زَوَالُ الْإِشْكَالِ، وَسِعَةُ عِلْمِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ عَاشُورَاءَ هُوَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ بَلْ قَالَ لِلسَّائِلِ: صُمِ الْيَوْمَ التَّاسِعَ، وَاكْتَفَى بِمَعْرِفَةِ السَّائِلِ أَنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ هُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ الَّذِي يَعُدُّهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَأَرْشَدَ السَّائِلَ إِلَى صِيَامِ التَّاسِعِ مَعَهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصُومُهُ كَذَلِكَ. فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِعْلُ ذَلِكَ هُوَ الْأَوْلَى، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ حَمْلُ فِعْلِهِ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ، وَعَزْمِهِ عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي رَوَى: ( «صُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ» ) ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى: ( «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يَوْمَ الْعَاشِرِ» ) . وَكُلُّ هَذِهِ الْآثَارِ عَنْهُ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَيُؤَيِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا. فَمَرَاتِبُ صَوْمِهِ ثَلَاثَةٌ أَكْمَلُهَا: أَنْ يُصَامَ قَبْلَهُ يَوْمٌ وَبَعْدَهُ يَوْمٌ، وَيَلِي ذَلِكَ أَنْ يُصَامَ التَّاسِعُ وَالْعَاشِرُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ، وَيَلِي ذَلِكَ إِفْرَادُ الْعَاشِرِ وَحْدَهُ بِالصَّوْمِ. وَأَمَّا إِفْرَادُ التَّاسِعِ فَمِنْ نَقْصِ فَهْمِ الْآثَارِ، وَعَدَمِ تَتَبُّعِ أَلْفَاظِهَا وَطُرُقِهَا، وَهُوَ بَعِيدٌ مِنَ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.

стр. 548

وَقَدْ سَلَكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مَسْلَكًا آخَرَ فَقَالَ: قَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْقَصْدَ مُخَالَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ مَعَ الْإِتْيَانِ بِهَا، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا بِنَقْلِ الْعَاشِرِ إِلَى التَّاسِعِ، أَوْ بِصِيَامِهِمَا مَعًا. وَقَوْلُهُ: ( «إِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ صُمْنَا التَّاسِعَ» ) يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ. فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَنَا مُرَادُهُ، فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ صِيَامَ الْيَوْمَيْنِ مَعًا، وَالطَّرِيقَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا أَصْوَبُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَمَجْمُوعُ أَحَادِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَيْهَا تَدُلُّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ أحمد: ( «خَالِفُوا الْيَهُودَ، صُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ» ) وَقَوْلَهُ فِي حَدِيثِ الترمذي: ( «أُمِرْنَا بِصِيَامِ عَاشُورَاءَ يَوْمَ الْعَاشِرِ» ) يُبَيِّنُ صِحَّةَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي سَلَكْنَاهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ] فَصْلٌ وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ إِفْطَارُ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ، ثَبَتَ عَنْهُ ذَلِكَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ". وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ ( «نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ» ) ، رَوَاهُ عَنْهُ أَهْلُ السُّنَنِ. وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّ ( «صِيَامَهُ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ» ) ، ذَكَرَهُ مسلم. وَقَدْ ذُكِرَ لِفِطْرِهِ بِعَرَفَةَ عِدَّةُ حِكَمٍ. مِنْهَا أَنَّهُ أَقْوَى عَلَى الدُّعَاءِ.

стр. 549

وَمِنْهَا: أَنَّ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ فِي فَرْضِ الصَّوْمِ فَكَيْفَ بِنَفْلِهِ. وَمِنْهَا: أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَدْ ( «نَهَى عَنْ إِفْرَادِهِ بِالصَّوْمِ» ) فَأَحَبَّ أَنْ يَرَى النَّاسُ فِطْرَهُ فِيهِ تَأْكِيدًا لِنَهْيِهِ عَنْ تَخْصِيصِهِ بِالصَّوْمِ، وَإِنْ كَانَ صَوْمُهُ لِكَوْنِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ لَا يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَكَانَ شَيْخُنَا ﵀ يَسْلُكُ مَسْلَكًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ لِأَهْلِ عَرَفَةَ لِاجْتِمَاعِهِمْ فِيهِ، كَاجْتِمَاعِ النَّاسِ يَوْمَ الْعِيدِ، وَهَذَا الِاجْتِمَاعُ يَخْتَصُّ بِمَنْ بِعَرَفَةَ دُونَ أَهْلِ الْآفَاقِ. قَالَ: وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى هَذَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ: ( «يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ مِنًى، عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ» ) . وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَوْنَهُ عِيدًا هُوَ لِأَهْلِ ذَلِكَ الْجَمْعِ لِاجْتِمَاعِهِمْ فِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [صَوْمُ يَوْمَيِ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ] فَصْلٌ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَصُومُ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ كَثِيرًا، يَقْصِدُ بِذَلِكَ مُخَالَفَةَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَا فِي " الْمُسْنَدِ " وَ" سُنَنِ النَّسَائِيِّ " عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ( «أَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى أم سلمة أَسْأَلُهَا؟ أَيُّ الْأَيَّامِ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَهَا صِيَامًا؟ قَالَتْ: يَوْمُ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا عِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ» ) . وَفِي صِحَّةِ هَذَا

стр. 550

الْحَدِيثِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وَقَدِ اسْتَنْكَرَ بَعْضَ حَدِيثِهِ. وَقَدْ قَالَ عبد الحق فِي " أَحْكَامِهِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عباس بن عبد الله بن عباس عَنْ عَمِّهِ الفضل، «زَارَ النَّبِيُّ ﷺ عباسا فِي بَادِيَةٍ لَنَا» . ثُمَّ قَالَ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: هُوَ كَمَا ذُكِرَ ضَعِيفٌ، وَلَا يُعْرَفُ حَالُ محمد بن عمر. وَذُكِرَ حَدِيثُهُ هَذَا عَنْ أم سلمة فِي صِيَامِ يَوْمِ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ، وَقَالَ سَكَتَ عَنْهُ عبد الحق مُصَحِّحًا لَهُ، ومحمد بن عمر هَذَا لَا يُعْرَفُ حَالُهُ، وَيَرْوِيهِ عَنْهُ ابْنُهُ عبد الله بن محمد بن عمر وَلَا يُعْرَفُ أَيْضًا حَالُهُ، فَالْحَدِيثُ أَرَاهُ حَسَنًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وأبو داود عَنْ عبد الله بن بسر السلمي، عَنْ أُخْتِهِ الصماء، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ عِنَبَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ» ) . فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ. فَقَالَ مالك ﵀: هَذَا كَذِبٌ، يُرِيدُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، ذَكَرَهُ عَنْهُ أبو داود، قَالَ الترمذي: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَالَ أبو داود: هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أم سلمة، فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْ صَوْمِهِ إِنَّمَا هُوَ عَنْ إِفْرَادِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ تَرْجَمَ أبو داود فَقَالَ: بَابُ النَّهْيِ أَنْ يُخَصَّ يَوْمُ السَّبْتِ بِالصَّوْمِ، وَحَدِيثُ صِيَامِهِ إِنَّمَا هُوَ مَعَ يَوْمِ الْأَحَدِ. قَالُوا:

стр. 551

وَنَظِيرُ هَذَا أَنَّهُ ( «نَهَى عَنْ إِفْرَادِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ، إِلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ» ) ، وَبِهَذَا يَزُولُ الْإِشْكَالُ الَّذِي ظَنَّهُ مَنْ قَالَ: إِنَّ صَوْمَهُ نَوْعُ تَعْظِيمٍ لَهُ، فَهُوَ مُوَافَقَةٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ فِي تَعْظِيمِهِ وَإِنْ تَضَمَّنَ مُخَالَفَتَهُمْ فِي صَوْمِهِ، فَإِنَّ التَّعْظِيمَ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا أُفْرِدَ بِالصَّوْمِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَجِئْ بِإِفْرَادِهِ، وَأَمَّا إِذَا صَامَهُ مَعَ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَعْظِيمٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ صِيَامُ الدَّهْرِ] فَصْلٌ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ سَرْدُ الصَّوْمِ وَصِيَامُ الدَّهْرِ، بَلْ قَدْ قَالَ: ( «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ» ) وَلَيْسَ مُرَادُهُ بِهَذَا مَنْ صَامَ الْأَيَّامَ الْمُحَرَّمَةَ فَإِنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ جَوَابًا لِمَنْ قَالَ: أَرَأَيْتَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ؟ وَلَا يُقَالُ فِي جَوَابِ مَنْ فَعَلَ الْمُحَرَّمَ: لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ، فَإِنَّ هَذَا يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ سَوَاءٌ فِطْرُهُ وَصَوْمُهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ، وَلَا يُعَاقَبُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَنْ فَعَلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّيَامِ، فَلَيْسَ هَذَا جَوَابًا مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ عَنِ الْمُحَرَّمِ مِنَ الصَّوْمِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا عِنْدَ مَنِ اسْتَحَبَّ صَوْمَ الدَّهْرِ قَدْ فَعَلَ مُسْتَحَبَّا وَحَرَامًا، وَهُوَ عِنْدَهُمْ قَدْ صَامَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَيَّامِ الِاسْتِحْبَابِ وَارْتَكَبَ مُحَرَّمًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَيَّامِ التَّحْرِيمِ وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا لَا يُقَالُ: " لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ ". فَتَنْزِيلُ قَوْلِهِ عَلَى ذَلِكَ غَلَطٌ ظَاهِرٌ. وَأَيْضًا فَإِنَّ أَيَّامَ التَّحْرِيمِ مُسْتَثْنَاةٌ بِالشَّرْعِ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلصَّوْمِ شَرْعًا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ اللَّيْلِ شَرْعًا وَبِمَنْزِلَةِ أَيَّامِ الْحَيْضِ فَلَمْ يَكُنِ الصَّحَابَةُ لِيَسْأَلُوهُ عَنْ صَوْمِهَا، وَقَدْ عَلِمُوا عَدَمَ قَبُولِهَا لِلصَّوْمِ وَلَمْ يَكُنْ لِيُجِيبَهُمْ لَوْ لَمْ يَعْلَمُوا التَّحْرِيمَ بِقَوْلِهِ: (لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ) فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ لِلتَّحْرِيمِ.

стр. 552

فَهَدْيُهُ لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ صِيَامَ يَوْمٍ وَفِطْرَ يَوْمٍ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِ الدَّهْرِ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ. وَسَرْدُ صِيَامِ الدَّهْرِ مَكْرُوهٌ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَكْرُوهًا لَزِمَ أَحَدُ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ مُمْتَنِعَةٍ: أَنْ يَكُونَ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ وَفِطْرِ يَوْمٍ، وَأَفْضَلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ عَمَلٍ، وَهَذَا مَرْدُودٌ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ( «إِنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ» ) وَإِنَّهُ لَا أَفْضَلَ مِنْهُ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا فِي الْفَضْلِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ أَيْضًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا مُتَسَاوِيَ الطَّرَفَيْنِ لَا اسْتِحْبَابَ فِيهِ، وَلَا كَرَاهَةَ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، إِذْ لَيْسَ هَذَا شَأْنُ الْعِبَادَاتِ، بَلْ إِمَّا أَنْ تَكُونَ رَاجِحَةً أَوْ مَرْجُوحَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ( «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتَّةَ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ» ) . «وَقَالَ فِيمَنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ: (إِنَّ ذَلِكَ يَعْدِلُ صَوْمَ الدَّهْرِ) » ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ أَفْضَلُ مِمَّا عُدِلَ بِهِ، وَأَنَّهُ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ، وَثَوَابُهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ الصَّائِمِينَ، حَتَّى شَبَّهَ بِهِ مَنْ صَامَ هَذَا الصِّيَامَ. قِيلَ: نَفْسُ هَذَا التَّشْبِيهِ فِي الْأَمْرِ الْمُقَدَّرِ لَا يَقْتَضِي جَوَازَهُ فَضْلًا عَنِ اسْتِحْبَابِهِ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ بِهِ فِي ثَوَابِهِ لَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ صِيَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ بِمَنْزِلَةِ صِيَامِ الدَّهْرِ، إِذِ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُ مَنْ صَامَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا حَرَامٌ قَطْعًا، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ حُصُولُ هَذَا الثَّوَابِ عَلَى

стр. 553

تَقْدِيرِ مَشْرُوعِيَّةِ صِيَامِ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ، إِنَّهُ يَعْدِلُ مَعَ صِيَامِ رَمَضَانَ السَّنَةَ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] [الْأَنْعَامِ: ١٦٠] ، فَهَذَا صِيَامُ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا تَعْدِلُ صِيَامَ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ بِالِاتِّفَاقِ، بَلْ قَدْ يَجِيءُ مِثْلُ هَذَا فِيمَا يَمْتَنِعُ فِعْلُ الْمُشَبَّهِ بِهِ عَادَةً، بَلْ يَسْتَحِيلُ، وَإِنَّمَا شَبَّهَ بِهِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ إِمْكَانِهِ، كَقَوْلِهِ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ: ( «هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ، وَأَنْ تَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ» ) ؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ عَادَةً، كَامْتِنَاعِ صَوْمِ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا شَرْعًا، وَقَدْ شَبَّهَ الْعَمَلَ الْفَاضِلَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا يَزِيدُهُ وُضُوحًا: أَنَّ أَحَبَّ الْقِيَامِ إِلَى اللَّهِ قِيَامُ دَاوُدَ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ كُلِّهِ بِصَرِيحِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَقَدْ مَثَّلَ ( «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، وَالصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ، بِمَنْ قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ» ) . فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: ( «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ حَتَّى تَكُونَ هَكَذَا وَقَبَضَ كَفَّهُ» ) وَهُوَ فِي " مُسْنَدِ أحمد "؟ . قِيلَ قَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ. فَقِيلَ: ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ حَصْرًا لَهُ فِيهَا، لِتَشْدِيدِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَحَمْلِهِ عَلَيْهَا، وَرَغْبَتِهِ عَنْ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاعْتِقَادِهِ أَنَّ غَيْرَهُ أَفْضَلُ مِنْهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ، فَلَا يَبْقَى لَهُ فِيهَا مَوْضِعٌ،

стр. 554

وَرَجَّحَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ هَذَا التَّأْوِيلَ، بِأَنَّ الصَّائِمَ لَمَّا ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ مَسَالِكَ الشَّهَوَاتِ وَطُرُقَهَا بِالصَّوْمِ ضَيَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ، فَلَا يَبْقَى لَهُ فِيهَا مَكَانٌ، لِأَنَّهُ ضَيَّقَ طُرُقَهَا عَنْهُ، وَرَجَّحَتِ الطَّائِفَةُ الْأُولَى تَأْوِيلَهَا بِأَنْ قَالَتْ: لَوْ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى لَقَالَ: ضُيِّقَتْ عَنْهُ، وَأَمَّا التَّضْيِيقُ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ إِلَّا وَهُوَ فِيهَا. قَالُوا: وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُوَافِقٌ لِأَحَادِيثِ كَرَاهَةِ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَأَنَّ فَاعِلَهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَصُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فصل في حكم صوم المتطوع] فَصْلٌ ( «وَكَانَ ﷺ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِهِ فَيَقُولُ: " هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ " فَإِنْ قَالُوا: لَا. قَالَ: " إِنِّي إِذًا صَائِمٌ " فَيُنْشِئُ النِّيَّةَ لِلتَّطَوُّعِ مِنَ النَّهَارِ» ) وَكَانَ أَحْيَانًا يَنْوِي صَوْمَ التَّطَوُّعِ ثُمَّ يُفْطِرُ بَعْدُ، أَخْبَرَتْ عَنْهُ عائشة ﵂ بِهَذَا وَهَذَا، فَالْأَوَّلُ فِي " صَحِيحِ مسلم "، وَالثَّانِي: فِي " كِتَابِ النَّسَائِيِّ ". وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي فِي " السُّنَنِ " عَنْ عائشة: ( «كُنْتُ أَنَا وحفصة صَائِمَتَيْنِ، فَعَرَضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ،

стр. 555

فَأَكَلْنَا مِنْهُ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَدَرَتْنِي إِلَيْهِ حفصة، وَكَانَتِ ابْنَةَ أَبِيهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّا كُنَّا صَائِمَتَيْنِ، فَعَرَضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ، فَقَالَ: اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ» ) فَهُوَ حَدِيثٌ مَعْلُولٌ. قَالَ الترمذي: رَوَاهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، ومعمر، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عائشة مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنْ عروة، وَهَذَا أَصَحُّ. وَرَوَاهُ أبو داود، وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ حيوة بن شريح، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ زميل مولى عروة، عَنْ عروة، عَنْ عائشة مَوْصُولًا، قَالَ النَّسَائِيُّ: زميل لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يُعْرَفُ لزميل سَمَاعٌ مِنْ عروة، وَلَا ليزيد بن الهاد مِنْ زميل، وَلَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ. وَكَانَ ﷺ إِذَا كَانَ صَائِمًا وَنَزَلَ عَلَى قَوْمٍ أَتَمَّ صِيَامَهُ وَلَمْ يُفْطِرْ، كَمَا ( «دَخَلَ عَلَى أم سليم، فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ، فَقَالَ: أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ، وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ، فَإِنِّي صَائِمٌ» ) . وَلَكِنَّ أم سليم كَانَتْ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي " الصَّحِيحِ ": عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: ( «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» ) .

стр. 556

وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، والبيهقي، عَنْ عائشة ﵂ تَرْفَعُهُ ( «مَنْ نَزَلَ عَلَى قَوْمٍ فَلَا يَصُومَنَّ تَطَوُّعًا إِلَّا بِإِذْنِهِمْ» ) ، فَقَالَ الترمذي: هَذَا الْحَدِيثُ مُنْكَرٌ لَا نَعْرِفُ أَحَدًا مِنَ الثِّقَاتِ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. [كَرَاهِيَةُ تَخْصِيصِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ] فَصْلٌ وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ كَرَاهَةُ تَخْصِيصِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ فِعْلًا مِنْهُ وَقَوْلًا. فَصَحَّ النَّهْيُ عَنْ إِفْرَادِهِ بِالصَّوْمِ، مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وجويرية بنت الحارث، وعبد الله بن عمرو، وجنادة الأزدي وَغَيْرِهِمْ. وَشَرِبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، يُرِيهِمْ أَنَّهُ لَا يَصُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَعَلَّلَ الْمَنْعَ مِنْ صَوْمِهِ بِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ، فَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ، فَلَا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيَامِكُمْ إِلَّا أَنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ» ) . فَإِنْ قِيلَ: فَيَوْمُ الْعِيدِ لَا يُصَامُ مَعَ مَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ. قِيلَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ مُشَبَّهًا بِالْعِيدِ أَخَذَ مِنْ شَبَهِهِ النَّهْيَ عَنْ تَحَرِّي صِيَامِهِ، فَإِذَا صَامَ مَا قَبْلَهُ أَوْ

стр. 557

مَا بَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ تَحَرَّاهُ وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ صَوْمِ الشَّهْرِ أَوِ الْعُشْرِ مِنْهُ أَوْ صَوْمِ يَوْمٍ وَفِطْرِ يَوْمٍ أَوْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ إِذَا وَافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ صَوْمُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَصْنَعُونَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؟ قَالَ: ( «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ» ) ، رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ. قِيلَ: نَقْبَلُهُ إِنْ كَانَ صَحِيحًا، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى صَوْمِهِ مَعَ مَا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَنَرُدُّهُ إِنْ لَمْ يَصِحَّ، فَإِنَّهُ مِنَ الْغَرَائِبِ. قَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [فَصْل فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الِاعْتِكَافِ] فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الِاعْتِكَافِ لَمَّا كَانَ صَلَاحُ الْقَلْبِ وَاسْتِقَامَتُهُ عَلَى طَرِيقِ سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، مُتَوَقِّفًا عَلَى جَمْعِيِّتِهِ عَلَى اللَّهِ، وَلَمِّ شَعَثِهِ بِإِقْبَالِهِ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ شَعَثَ الْقَلْبِ لَا يَلُمُّهُ إِلَّا الْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ فُضُولُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَفُضُولُ مُخَالَطَةِ الْأَنَامِ، وَفُضُولُ الْكَلَامِ، وَفُضُولُ الْمَنَامِ، مِمَّا يَزِيدُهُ شَعَثًا، وَيُشَتِّتُهُ فِي كُلِّ وَادٍ وَيَقْطَعُهُ عَنْ سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ يُضْعِفُهُ أَوْ يَعُوقُهُ وَيُوقِفُهُ، اقْتَضَتْ رَحْمَةُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ بِعِبَادِهِ أَنْ شَرَعَ لَهُمْ مِنَ الصَّوْمِ مَا يُذْهِبُ فُضُولَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَيَسْتَفْرِغُ مِنَ الْقَلْبِ أَخْلَاطَ الشَّهَوَاتِ الْمُعَوِّقَةِ لَهُ عَنْ سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَشَرْعِهِ بِقَدْرِ الْمَصْلَحَةِ، بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بَهِ الْعَبْدُ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، وَلَا يَضُرُّهُ وَلَا يَقْطَعُهُ عَنْ مَصَالِحِهِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ. وَشَرَعَ لَهُمُ الِاعْتِكَافَ الَّذِي مَقْصُودُهُ وَرُوحُهُ عُكُوفُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَجَمْعِيَّتُهُ عَلَيْهِ، وَالْخَلْوَةُ بِهِ، وَالِانْقِطَاعُ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِالْخَلْقِ، وَالِاشْتِغَالُ بِهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ ذِكْرُهُ وَحُبُّهُ، وَالْإِقْبَالُ

стр. 558

عَلَيْهِ فِي مَحَلِّ هُمُومِ الْقَلْبِ وَخَطَرَاتِهِ، فَيَسْتَوْلِي عَلَيْهِ بَدَلَهَا، وَيَصِيرُ الْهَمُّ كُلُّهُ بِهِ، وَالْخَطَرَاتُ كُلُّهَا بِذِكْرِهِ، وَالتَّفَكُّرُ فِي تَحْصِيلِ مَرَاضِيهِ وَمَا يُقَرِّبُ مِنْهُ فَيَصِيرُ أُنْسُهُ بِاللَّهِ بَدَلًا عَنْ أُنْسِهِ بِالْخَلْقِ، فَيَعُدُّهُ بِذَلِكَ لِأُنْسِهِ بِهِ يَوْمَ الْوَحْشَةِ فِي الْقُبُورِ حِينَ لَا أَنِيسَ لَهُ، وَلَا مَا يَفْرَحُ بِهِ سِوَاهُ، فَهَذَا مَقْصُودُ الِاعْتِكَافِ الْأَعْظَمِ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَقْصُودُ إِنَّمَا يَتِمُّ مَعَ الصَّوْمِ، شُرِعَ الِاعْتِكَافُ فِي أَفْضَلِ أَيَّامِ الصَّوْمِ وَهُوَ الْعَشْرُ الْأَخِيرُ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ اعْتَكَفَ مُفْطِرًا قَطُّ، بَلْ قَدْ قَالَتْ عائشة: ( «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ» ) . وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الِاعْتِكَافَ إِلَّا مَعَ الصَّوْمِ، وَلَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مَعَ الصَّوْمِ. فَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ فِي الدَّلِيلِ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ: أَنَّ الصَّوْمَ شَرْطٌ فِي الِاعْتِكَافِ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُرَجِّحُهُ شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية. وَأَمَّا الْكَلَامُ، فَإِنَّهُ شُرِعَ لِلْأُمَّةِ حَبْسُ اللِّسَانِ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ. وَأَمَّا فُضُولُ الْمَنَامِ، فَإِنَّهُ شُرِعَ لَهُمْ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ مَا هُوَ مِنْ أَفْضَلِ السَّهَرِ وَأَحْمَدِهِ عَاقِبَةً، وَهُوَ السَّهَرُ الْمُتَوَسِّطُ الَّذِي يَنْفَعُ الْقَلْبَ وَالْبَدَنَ، وَلَا يَعُوقُ عَنْ مَصْلَحَةِ الْعَبْدِ، وَمَدَارُ رِيَاضَةِ أَرْبَابِ الرِّيَاضَاتِ وَالسُّلُوكِ عَلَى هَذِهِ الْأَرْكَانِ

стр. 559

الْأَرْبَعَةِ، وَأَسْعَدُهُمْ بِهَا مَنْ سَلَكَ فِيهَا الْمِنْهَاجَ النَّبَوِيَّ الْمُحَمَّدِيَّ، وَلَمْ يَنْحَرِفِ انْحِرَافَ الْغَالِينَ، وَلَا قَصَّرَ تَقْصِيرَ الْمُفَرِّطِينَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَدْيَهُ ﷺ فِي صِيَامِهِ وَقِيَامِهِ وَكَلَامِهِ، فَلْنَذْكُرْ هَدْيَهُ فِي اعْتِكَافِهِ. كَانَ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ، وَتَرَكَهُ مَرَّةً، فَقَضَاهُ فِي شَوَّالٍ. وَاعْتَكَفَ مَرَّةً فِي الْعَشْرِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ الْأَوْسَطِ، ثُمَّ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ، فَدَاوَمَ عَلَى اعْتِكَافِهِ حَتَّى لَحِقَ بِرَبِّهِ . وَكَانَ يَأْمُرُ بِخِبَاءٍ فَيُضْرَبُ لَهُ فِي الْمَسْجِدِ يَخْلُو فِيهِ بِرَبِّهِ . وَكَانَ إِذَا أَرَادَ الِاعْتِكَافَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَهُ، فَأَمَرَ بِهِ مَرَّةً، فَضُرِبَ فَأَمَرَ أَزْوَاجُهُ بِأَخْبِيَتِهِنَّ، فَضُرِبَتْ، فَلَمَّا صَلَّى الْفَجْرَ نَظَرَ فَرَأَى تِلْكَ الْأَخْبِيَةَ، فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ، وَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ. وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ سَنَةٍ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا، وَكَانَ يُعَارِضُهُ جِبْرِيلُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ

стр. 560

عَارَضَهُ بِهِ مَرَّتَيْنِ وَكَانَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ أَيْضًا فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً فَعَرَضَ عَلَيْهِ تِلْكَ السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ. وَكَانَ إِذَا اعْتَكَفَ دَخَلَ قُبَّتَهُ وَحْدَهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ بَيْتَهُ فِي حَالِ اعْتِكَافِهِ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَى بَيْتِ عائشة، فَتُرَجِّلُهُ، وَتَغْسِلُهُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهِيَ حَائِضٌ، وَكَانَتْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ تَزُورُهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ. فَإِذَا قَامَتْ تَذْهَبُ قَامَ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلًا، وَلَمْ يُبَاشِرِ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ لَا بِقُبْلَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَكَانَ إِذَا اعْتَكَفَ طُرِحَ لَهُ فِرَاشُهُ، وَوُضِعَ لَهُ سَرِيرُهُ فِي مُعْتَكَفِهِ، وَكَانَ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ مَرَّ بِالْمَرِيضِ وَهُوَ عَلَى طَرِيقِهِ، فَلَا يَعْرُجْ عَلَيْهِ وَلَا يَسْأَلْ عَنْهُ. وَاعْتَكَفَ مَرَّةً فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ، وَجَعَلَ عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرًا، كُلُّ

стр. 561

هَذَا تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِ الِاعْتِكَافِ وَرُوحِهِ، عَكْسُ مَا يَفْعَلُهُ الْجُهَّالُ مِنِ اتِّخَاذِ الْمُعْتَكَفِ مَوْضِعَ عِشْرَةٍ وَمَجْلَبَةٍ لِلزَّائِرِينَ، وَأَخْذِهِمْ بِأَطْرَافِ الْأَحَادِيثِ بَيْنَهُمْ، فَهَذَا لَوْنٌ، وَالِاعْتِكَافُ النَّبَوِيُّ لَوْنٌ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. [فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي حَجِّهِ وَعُمَرِهِ] [الْعُمُرَاتُ الَّتِي اعْتَمَرَهَا ﷺ وَأَنَّهَا كَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ] فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي حَجِّهِ وَعُمَرِهِ اعْتَمَرَ ﷺ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَرْبَعَ عُمَرٍ كُلُّهُنُّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ. الْأُولَى: عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهِيَ أُولَاهُنُّ سَنَةَ سِتٍّ، فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْبَيْتِ، فَنَحَرَ الْبُدْنَ حَيْثُ صُدَّ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَحَلَقَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ رُءُوسَهُمْ، وَحَلُّوا مِنْ إِحْرَامِهِمْ، وَرَجَعَ مِنْ عَامِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ. الثَّانِيَةُ: عُمْرَةُ الْقَضِيَّةِ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، دَخَلَ مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ إِكْمَالِ عُمْرَتِهِ، وَاخْتُلِفَ: هَلْ كَانَتْ قَضَاءً لِلْعُمْرَةِ الَّتِي صُدَّ عَنْهَا فِي الْعَامِ الْمَاضِي، أَمْ عُمْرَةً مُسْتَأْنَفَةً؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ: وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، إِحْدَاهُمَا: أَنَّهَا قَضَاءٌ وَهُوَ مَذْهَبُ أبي حنيفة ﵀. وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَتْ بِقَضَاءٍ، وَهُوَ قَوْلُ مالك ﵀، وَالَّذِينَ قَالُوا: كَانَتْ قَضَاءً، احْتَجُّوا بِأَنَّهَا سُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ، وَهَذَا الِاسْمُ تَابِعٌ لِلْحُكْمِ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْقَضَاءُ هُنَا مِنَ الْمُقَاضَاةِ، لِأَنَّهُ قَاضَى أَهْلَ مَكَّةَ عَلَيْهَا، لَا أَنَّهُ مِنْ قَضَى قَضَاءً. قَالُوا: وَلِهَذَا سُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ. قَالُوا: وَالَّذِينَ صُدُّوا عَنِ الْبَيْتِ، كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مَعَهُ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، وَلَوْ كَانَتْ قَضَاءً لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ مَنْ كَانَ مَعَهُ بِالْقَضَاءِ.

стр. 562

الثَّالِثَةُ: عُمْرَتُهُ الَّتِي قَرَنَهَا مَعَ حَجَّتِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ قَارِنًا لِبِضْعَةَ عَشَرَ دَلِيلًا، سَنَذْكُرُهَا عَنْ قَرِيبٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. الرَّابِعَةُ: عُمْرَتُهُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ، لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، فَاعْتَمَرَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ دَاخِلًا إِلَيْهَا. فَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ( «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، إِلَّا الَّتِي كَانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَةٌ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ أَوْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةٌ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةٌ مِنَ الْجِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةٌ مَعَ حَجَّتِهِ» ) . وَلَمْ يُنَاقِضْ هَذَا مَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: ( «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ» ) ، لِأَنَّهُ أَرَادَ الْعُمْرَةَ الْمُفْرَدَةَ الْمُسْتَقِلَّةَ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُمَا اثْنَتَانِ، فَإِنَّ عُمْرَةَ الْقِرَانِ لَمْ تَكُنْ مُسْتَقِلَّةً وَعُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ صُدَّ عَنْهَا، وَحِيلَ بَيْنَهُ

стр. 563

وَبَيْنَ إِتْمَامِهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ( «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ. عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَةُ الْقَضَاءِ مِنْ قَابِلٍ، وَالثَّالِثَةُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ، وَالرَّابِعَةُ مَعَ حَجَّتِهِ» ) ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ حَدِيثِ أنس: أَنَّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إِلَّا الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ، وَبَيْنَ قَوْلِ عائشة، وَابْنِ عَبَّاسٍ: «لَمْ يَعْتَمِرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا فِي ذِي الْقَعْدَةِ» ؛ لِأَنَّ مَبْدَأَ عُمْرَةِ الْقِرَانِ كَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَنِهَايَتُهَا كَانَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مَعَ انْقِضَاءِ الْحَجِّ، فعائشة وَابْنُ عَبَّاسٍ أَخْبَرَا عَنِ ابْتِدَائِهَا، وأنس أَخْبَرَ عَنِ انْقِضَائِهَا. فَأَمَّا قَوْلُ عبد الله بن عمر: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ أَرْبَعًا، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ» ، فَوَهْمٌ مِنْهُ ﵁. «قَالَتْ عائشة لَمَّا بَلَغَهَا ذَلِكَ عَنْهُ: يَرْحَمُ اللَّهُ أبا عبد الرحمن، مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمْرَةً قَطُّ إِلَّا وَهُوَ شَاهِدٌ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ» . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، ( «عَنْ عائشة قَالَتْ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي عُمْرَةٍ فِي رَمَضَانَ فَأَفْطَرَ وَصُمْتُ، وَقَصَرَ وَأَتْمَمْتُ، فَقُلْتُ بِأَبِي وَأُمِّي، أَفْطَرْتَ وَصُمْتُ، وَقَصَرْتَ وَأَتْمَمْتُ، فَقَالَ: أَحْسَنْتِ يَا عائشة» ) فَهَذَا الْحَدِيثُ غَلَطٌ،

стр. 564

فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي رَمَضَانَ قَطُّ، وَعُمَرُهُ مَضْبُوطَةُ الْعَدَدِ وَالزَّمَانِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ قَطُّ، وَقَدْ قَالَتْ عائشة ﵂: «لَمْ يَعْتَمِرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا فِي ذِي الْقَعْدَةِ» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ. وَلَا خِلَافَ أَنَّ عُمَرَهُ لَمْ تَزِدْ عَلَى أَرْبَعٍ، فَلَوْ كَانَ قَدِ اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ لَكَانَتْ خَمْسًا، وَلَوْ كَانَ قَدِ اعْتَمَرَ فِي رَمَضَانَ لَكَانَتْ سِتًّا، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: بَعْضُهُنَّ فِي رَجَبٍ، وَبَعْضُهُنَّ فِي رَمَضَانَ، وَبَعْضُهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَهَذَا لَمْ يَقَعْ، وَإِنَّمَا الْوَاقِعُ اعْتِمَارُهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ كَمَا قَالَ أنس ﵁، وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵁، وعائشة ﵂. وَقَدْ رَوَى أبو داود فِي " سُنَنِهِ " عَنْ عائشة: ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ فِي شَوَّالٍ» ) . وَهَذَا إِذَا كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّهُ فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ حِينَ خَرَجَ فِي شَوَّالٍ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَحْرَمَ بِهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ. وَلَمْ يَكُنْ فِي عُمَرِهِ عُمْرَةٌ وَاحِدَةٌ خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ عُمَرُهُ كُلُّهَا دَاخِلًا إِلَى مَكَّةَ، وَقَدْ أَقَامَ بَعْدَ الْوَحْيِ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ اعْتَمَرَ خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ أَصْلًا. فَالْعُمْرَةُ الَّتِي فَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَشَرَعَهَا، هِيَ عُمْرَةُ الدَّاخِلِ إِلَى مَكَّةَ، لَا عُمْرَةُ مَنْ كَانَ بِهَا فَيَخْرُجُ إِلَى الْحِلِّ لِيَعْتَمِرَ، وَلَمْ يَفْعَلْ هَذَا عَلَى عَهْدِهِ أَحَدٌ قَطُّ إِلَّا عائشة وَحْدَهَا بَيْنَ سَائِرِ مَنْ كَانَ مَعَهُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ أَهَلَّتْ بِالْعُمْرَةِ فَحَاضَتْ،

стр. 565

فَأَمَرَهَا، فَأَدْخَلَتِ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَصَارَتْ قَارِنَةً، وَأَخْبَرَهَا أَنَّ طَوَافَهَا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَدْ وَقَعَ عَنْ حَجَّتِهَا وَعُمْرَتِهَا، فَوَجَدَتْ فِي نَفْسِهَا أَنْ يَرْجِعَ صَوَاحِبَاتُهَا بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ مُسْتَقِلَّيْنِ فَإِنَّهُنَّ كُنَّ مُتَمَتِّعَاتٍ وَلَمْ يَحِضْنَ وَلَمْ يَقْرِنَّ، وَتَرْجِعُ هِيَ بِعُمْرَةٍ فِي ضِمْنِ حَجَّتِهَا، فَأَمَرَ أَخَاهَا أَنْ يُعَمِّرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا، وَلَمْ يَعْتَمِرْ هُوَ مِنَ التَّنْعِيمِ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ تَقْرِيرٍ لِهَذَا وَبَسْطٍ لَهُ عَنْ قَرِيبٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [فصل في كون عمر الرسول ﷺ كلها كَانَتْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ] فَصْلٌ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ سِوَى الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَإِنَّهُ وَصَلَ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ، وَصُدَّ عَنِ الدُّخُولِ إِلَيْهَا، أَحْرَمَ فِي أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ مِنَ الْمِيقَاتِ لَا قَبْلَهُ، فَأَحْرَمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَخَلَهَا الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ، فَقَضَى عُمْرَتَهُ وَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ خَرَجَ، ثُمَّ دَخَلَهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إِلَى حُنَيْنٍ، ثُمَّ دَخَلَهَا بِعُمْرَةٍ مِنَ الْجِعْرَانَةِ وَدَخَلَهَا فِي هَذِهِ الْعُمْرَةِ لَيْلًا، وَخَرَجَ لَيْلًا، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْجِعْرَانَةِ لِيَعْتَمِرَ كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ مَكَّةَ الْيَوْمَ وَإِنَّمَا أَحْرَمَ مِنْهَا فِي حَالِ دُخُولِهِ إِلَى مَكَّةَ، وَلَمَّا قَضَى عُمْرَتَهُ لَيْلًا، رَجَعَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى الْجِعْرَانَةِ، فَبَاتَ بِهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَزَالَتِ الشَّمْسُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ سَرِفٍ حَتَّى جَامَعَ الطَّرِيقَ [طَرِيقَ جَمْعٍ بِبَطْنِ سَرِفٍ] ، وَلِهَذَا خَفِيَتْ هَذِهِ الْعُمْرَةُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ عُمَرَهُ كُلَّهَا كَانَتْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مُخَالِفَةً لِهَدْيِ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَقُولُونَ: هِيَ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاعْتِمَارَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي رَجَبٍ بِلَا شَكٍّ. وَأَمَّا الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاعْتِمَارِ فِي رَمَضَانَ، فَمَوْضِعُ نَظَرٍ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ
следующие страницы →