← Сира

Сира · id 21713

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Полный текст (2 628 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

هَذَا تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِ الِاعْتِكَافِ وَرُوحِهِ، عَكْسُ مَا يَفْعَلُهُ الْجُهَّالُ مِنِ اتِّخَاذِ الْمُعْتَكَفِ مَوْضِعَ عِشْرَةٍ وَمَجْلَبَةٍ لِلزَّائِرِينَ، وَأَخْذِهِمْ بِأَطْرَافِ الْأَحَادِيثِ بَيْنَهُمْ، فَهَذَا لَوْنٌ، وَالِاعْتِكَافُ النَّبَوِيُّ لَوْنٌ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. [فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي حَجِّهِ وَعُمَرِهِ] [الْعُمُرَاتُ الَّتِي اعْتَمَرَهَا ﷺ وَأَنَّهَا كَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ] فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي حَجِّهِ وَعُمَرِهِ اعْتَمَرَ ﷺ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَرْبَعَ عُمَرٍ كُلُّهُنُّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ. الْأُولَى: عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهِيَ أُولَاهُنُّ سَنَةَ سِتٍّ، فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْبَيْتِ، فَنَحَرَ الْبُدْنَ حَيْثُ صُدَّ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَحَلَقَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ رُءُوسَهُمْ، وَحَلُّوا مِنْ إِحْرَامِهِمْ، وَرَجَعَ مِنْ عَامِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ. الثَّانِيَةُ: عُمْرَةُ الْقَضِيَّةِ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، دَخَلَ مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ إِكْمَالِ عُمْرَتِهِ، وَاخْتُلِفَ: هَلْ كَانَتْ قَضَاءً لِلْعُمْرَةِ الَّتِي صُدَّ عَنْهَا فِي الْعَامِ الْمَاضِي، أَمْ عُمْرَةً مُسْتَأْنَفَةً؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ: وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، إِحْدَاهُمَا: أَنَّهَا قَضَاءٌ وَهُوَ مَذْهَبُ أبي حنيفة ﵀. وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَتْ بِقَضَاءٍ، وَهُوَ قَوْلُ مالك ﵀، وَالَّذِينَ قَالُوا: كَانَتْ قَضَاءً، احْتَجُّوا بِأَنَّهَا سُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ، وَهَذَا الِاسْمُ تَابِعٌ لِلْحُكْمِ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْقَضَاءُ هُنَا مِنَ الْمُقَاضَاةِ، لِأَنَّهُ قَاضَى أَهْلَ مَكَّةَ عَلَيْهَا، لَا أَنَّهُ مِنْ قَضَى قَضَاءً. قَالُوا: وَلِهَذَا سُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ. قَالُوا: وَالَّذِينَ صُدُّوا عَنِ الْبَيْتِ، كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مَعَهُ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، وَلَوْ كَانَتْ قَضَاءً لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ مَنْ كَانَ مَعَهُ بِالْقَضَاءِ.

стр. 562

الثَّالِثَةُ: عُمْرَتُهُ الَّتِي قَرَنَهَا مَعَ حَجَّتِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ قَارِنًا لِبِضْعَةَ عَشَرَ دَلِيلًا، سَنَذْكُرُهَا عَنْ قَرِيبٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. الرَّابِعَةُ: عُمْرَتُهُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ، لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، فَاعْتَمَرَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ دَاخِلًا إِلَيْهَا. فَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ( «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، إِلَّا الَّتِي كَانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَةٌ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ أَوْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةٌ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةٌ مِنَ الْجِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةٌ مَعَ حَجَّتِهِ» ) . وَلَمْ يُنَاقِضْ هَذَا مَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: ( «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ» ) ، لِأَنَّهُ أَرَادَ الْعُمْرَةَ الْمُفْرَدَةَ الْمُسْتَقِلَّةَ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُمَا اثْنَتَانِ، فَإِنَّ عُمْرَةَ الْقِرَانِ لَمْ تَكُنْ مُسْتَقِلَّةً وَعُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ صُدَّ عَنْهَا، وَحِيلَ بَيْنَهُ

стр. 563

وَبَيْنَ إِتْمَامِهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ( «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ. عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَةُ الْقَضَاءِ مِنْ قَابِلٍ، وَالثَّالِثَةُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ، وَالرَّابِعَةُ مَعَ حَجَّتِهِ» ) ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ حَدِيثِ أنس: أَنَّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إِلَّا الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ، وَبَيْنَ قَوْلِ عائشة، وَابْنِ عَبَّاسٍ: «لَمْ يَعْتَمِرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا فِي ذِي الْقَعْدَةِ» ؛ لِأَنَّ مَبْدَأَ عُمْرَةِ الْقِرَانِ كَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَنِهَايَتُهَا كَانَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مَعَ انْقِضَاءِ الْحَجِّ، فعائشة وَابْنُ عَبَّاسٍ أَخْبَرَا عَنِ ابْتِدَائِهَا، وأنس أَخْبَرَ عَنِ انْقِضَائِهَا. فَأَمَّا قَوْلُ عبد الله بن عمر: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ أَرْبَعًا، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ» ، فَوَهْمٌ مِنْهُ ﵁. «قَالَتْ عائشة لَمَّا بَلَغَهَا ذَلِكَ عَنْهُ: يَرْحَمُ اللَّهُ أبا عبد الرحمن، مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمْرَةً قَطُّ إِلَّا وَهُوَ شَاهِدٌ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ» . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، ( «عَنْ عائشة قَالَتْ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي عُمْرَةٍ فِي رَمَضَانَ فَأَفْطَرَ وَصُمْتُ، وَقَصَرَ وَأَتْمَمْتُ، فَقُلْتُ بِأَبِي وَأُمِّي، أَفْطَرْتَ وَصُمْتُ، وَقَصَرْتَ وَأَتْمَمْتُ، فَقَالَ: أَحْسَنْتِ يَا عائشة» ) فَهَذَا الْحَدِيثُ غَلَطٌ،

стр. 564

فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي رَمَضَانَ قَطُّ، وَعُمَرُهُ مَضْبُوطَةُ الْعَدَدِ وَالزَّمَانِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ قَطُّ، وَقَدْ قَالَتْ عائشة ﵂: «لَمْ يَعْتَمِرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا فِي ذِي الْقَعْدَةِ» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ. وَلَا خِلَافَ أَنَّ عُمَرَهُ لَمْ تَزِدْ عَلَى أَرْبَعٍ، فَلَوْ كَانَ قَدِ اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ لَكَانَتْ خَمْسًا، وَلَوْ كَانَ قَدِ اعْتَمَرَ فِي رَمَضَانَ لَكَانَتْ سِتًّا، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: بَعْضُهُنَّ فِي رَجَبٍ، وَبَعْضُهُنَّ فِي رَمَضَانَ، وَبَعْضُهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَهَذَا لَمْ يَقَعْ، وَإِنَّمَا الْوَاقِعُ اعْتِمَارُهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ كَمَا قَالَ أنس ﵁، وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵁، وعائشة ﵂. وَقَدْ رَوَى أبو داود فِي " سُنَنِهِ " عَنْ عائشة: ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ فِي شَوَّالٍ» ) . وَهَذَا إِذَا كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّهُ فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ حِينَ خَرَجَ فِي شَوَّالٍ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَحْرَمَ بِهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ. وَلَمْ يَكُنْ فِي عُمَرِهِ عُمْرَةٌ وَاحِدَةٌ خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ عُمَرُهُ كُلُّهَا دَاخِلًا إِلَى مَكَّةَ، وَقَدْ أَقَامَ بَعْدَ الْوَحْيِ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ اعْتَمَرَ خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ أَصْلًا. فَالْعُمْرَةُ الَّتِي فَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَشَرَعَهَا، هِيَ عُمْرَةُ الدَّاخِلِ إِلَى مَكَّةَ، لَا عُمْرَةُ مَنْ كَانَ بِهَا فَيَخْرُجُ إِلَى الْحِلِّ لِيَعْتَمِرَ، وَلَمْ يَفْعَلْ هَذَا عَلَى عَهْدِهِ أَحَدٌ قَطُّ إِلَّا عائشة وَحْدَهَا بَيْنَ سَائِرِ مَنْ كَانَ مَعَهُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ أَهَلَّتْ بِالْعُمْرَةِ فَحَاضَتْ،

стр. 565

فَأَمَرَهَا، فَأَدْخَلَتِ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَصَارَتْ قَارِنَةً، وَأَخْبَرَهَا أَنَّ طَوَافَهَا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَدْ وَقَعَ عَنْ حَجَّتِهَا وَعُمْرَتِهَا، فَوَجَدَتْ فِي نَفْسِهَا أَنْ يَرْجِعَ صَوَاحِبَاتُهَا بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ مُسْتَقِلَّيْنِ فَإِنَّهُنَّ كُنَّ مُتَمَتِّعَاتٍ وَلَمْ يَحِضْنَ وَلَمْ يَقْرِنَّ، وَتَرْجِعُ هِيَ بِعُمْرَةٍ فِي ضِمْنِ حَجَّتِهَا، فَأَمَرَ أَخَاهَا أَنْ يُعَمِّرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا، وَلَمْ يَعْتَمِرْ هُوَ مِنَ التَّنْعِيمِ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ تَقْرِيرٍ لِهَذَا وَبَسْطٍ لَهُ عَنْ قَرِيبٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [فصل في كون عمر الرسول ﷺ كلها كَانَتْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ] فَصْلٌ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ سِوَى الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَإِنَّهُ وَصَلَ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ، وَصُدَّ عَنِ الدُّخُولِ إِلَيْهَا، أَحْرَمَ فِي أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ مِنَ الْمِيقَاتِ لَا قَبْلَهُ، فَأَحْرَمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَخَلَهَا الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ، فَقَضَى عُمْرَتَهُ وَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ خَرَجَ، ثُمَّ دَخَلَهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إِلَى حُنَيْنٍ، ثُمَّ دَخَلَهَا بِعُمْرَةٍ مِنَ الْجِعْرَانَةِ وَدَخَلَهَا فِي هَذِهِ الْعُمْرَةِ لَيْلًا، وَخَرَجَ لَيْلًا، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْجِعْرَانَةِ لِيَعْتَمِرَ كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ مَكَّةَ الْيَوْمَ وَإِنَّمَا أَحْرَمَ مِنْهَا فِي حَالِ دُخُولِهِ إِلَى مَكَّةَ، وَلَمَّا قَضَى عُمْرَتَهُ لَيْلًا، رَجَعَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى الْجِعْرَانَةِ، فَبَاتَ بِهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَزَالَتِ الشَّمْسُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ سَرِفٍ حَتَّى جَامَعَ الطَّرِيقَ [طَرِيقَ جَمْعٍ بِبَطْنِ سَرِفٍ] ، وَلِهَذَا خَفِيَتْ هَذِهِ الْعُمْرَةُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ عُمَرَهُ كُلَّهَا كَانَتْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مُخَالِفَةً لِهَدْيِ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَقُولُونَ: هِيَ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاعْتِمَارَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي رَجَبٍ بِلَا شَكٍّ. وَأَمَّا الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاعْتِمَارِ فِي رَمَضَانَ، فَمَوْضِعُ نَظَرٍ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ

стр. 566

أَنَّهُ أَمَرَ أُمَّ مَعْقِلٍ لَمَّا فَاتَهَا الْحَجُّ مَعَهُ أَنْ تَعْتَمِرَ فِي رَمَضَانَ، وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حِجَّةً. وَأَيْضًا: فَقَدِ اجْتَمَعَ فِي عُمْرَةِ رَمَضَانَ أَفْضَلُ الزَّمَانِ، وَأَفْضَلُ الْبِقَاعِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَخْتَارَ لِنَبِيِّهِ ﷺ فِي عُمَرِهِ إِلَّا أَوْلَى الْأَوْقَاتِ وَأَحَقَّهَا بِهَا، فَكَانَتِ الْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ نَظِيرَ وُقُوعِ الْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ، وَهَذِهِ الْأَشْهُرُ قَدْ خَصَّهَا اللَّهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَجَعَلَهَا وَقْتًا لَهَا، وَالْعُمْرَةُ حَجٌّ أَصْغَرُ، فَأَوْلَى الْأَزْمِنَةِ بِهَا أَشْهُرُ الْحَجِّ وَذُو الْقَعْدَةِ أَوْسَطُهَا، وَهَذَا مِمَّا نَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهِ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ عِلْمٍ فَلْيَرْشُدْ إِلَيْهِ. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَشْتَغِلُ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْعِبَادَاتِ بِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنَ الْعُمْرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُ الْجَمْعُ بَيْنَ تِلْكَ الْعِبَادَاتِ وَبَيْنَ الْعُمْرَةِ، فَأَخَّرَ

стр. 567

الْعُمْرَةَ إِلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ وَوَفَّرَ نَفْسَهُ عَلَى تِلْكَ الْعِبَادَاتِ فِي رَمَضَانَ مَعَ مَا فِي تَرْكِ ذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ بِأُمَّتِهِ وَالرَّأْفَةِ بِهِمْ، فَإِنَّهُ لَوِ اعْتَمَرَ فِي رَمَضَانَ لَبَادَرَتِ الْأُمَّةُ إِلَى ذَلِكَ، وَكَانَ يَشُقُّ عَلَيْهَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالصَّوْمِ وَرُبَّمَا لَا تَسْمَحُ أَكْثَرُ النُّفُوسِ بِالْفِطْرِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ حِرْصًا عَلَى تَحْصِيلِ الْعُمْرَةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ، فَتَحْصُلُ الْمَشَقَّةُ، فَأَخَّرَهَا إِلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَقَدْ كَانَ يَتْرُكُ كَثِيرًا مِنَ الْعَمَلِ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ. وَلَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ خَرَجَ مِنْهُ حَزِينًا، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: ( «إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّتِي» ) ، وَهَمَّ أَنْ يَنْزِلَ يَسْتَسْقِي مَعَ سُقَاةِ زَمْزَمَ لِلْحَاجِّ، فَخَافَ أَنْ يُغْلَبَ أَهْلُهَا عَلَى سِقَايَتِهِمْ بَعْدَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [لَمْ يَعْتَمِرْ ﷺ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً] فَصْلٌ وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَمْ يَعْتَمِرْ فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ، وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ، وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ أبو داود فِي " سُنَنِهِ " عَنْ عائشة، ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، اعْتَمَرَ عُمْرَتَيْنِ: عُمْرَةً فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً فِي شَوَّالٍ» ) قَالُوا: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا ذِكْرَ مَجْمُوعِ مَا اعْتَمَرَ، فَإِنَّ أنسا،

стр. 568

وعائشة، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَغَيْرَهُمْ قَدْ قَالُوا: إِنَّهُ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، فَعُلِمَ أَنَّ مُرَادَهَا بِهِ أَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَمَرَّةً فِي شَوَّالٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ وَهْمٌ، وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا عَنْهَا، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَقَعْ قَطُّ، فَإِنَّهُ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ بِلَا رَيْبٍ: الْعُمْرَةُ الْأُولَى كَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ لَمْ يَعْتَمِرْ إِلَى الْعَامِ الْقَابِلِ، فَاعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى فَتَحَهَا سَنَةَ ثَمَانٍ فِي رَمَضَانَ، وَلَمْ يَعْتَمِرْ ذَلِكَ الْعَامَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ فِي سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ وَهَزَمَ اللَّهُ أَعْدَاءَهُ، فَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، وَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ كَمَا قَالَ أنس، وَابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَتَى اعْتَمَرَ فِي شَوَّالٍ؟ وَلَكِنْ لَقِيَ الْعَدُوَّ فِي شَوَّالٍ وَخَرَجَ فِيهِ مِنْ مَكَّةَ، وَقَضَى عُمْرَتَهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَمْرِ الْعَدُوِّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ لَيْلًا، وَلَمْ يَجْمَعْ ذَلِكَ الْعَامَ بَيْنَ عُمْرَتَيْنِ وَلَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ وَمَنْ لَهُ عِنَايَةٌ بِأَيَّامِهِ ﷺ وَسِيرَتِهِ وَأَحْوَالِهِ لَا يَشُكُّ وَلَا يَرْتَابُ فِي ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يَسْتَحِبُّونَ الْعُمْرَةَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا إِذَا لَمْ يُثْبِتُوا ذَلِكَ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ ؟ قِيلَ: قَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ مالك: أَكْرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي السَّنَةِ أَكْثَرَ مِنْ عُمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَخَالَفَهُ مطرف مِنْ أَصْحَابِهِ، وَابْنُ الْمَوَّازِ، قَالَ مطرف: لَا بَأْسَ بِالْعُمْرَةِ فِي السَّنَةِ مِرَارًا، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ، وَقَدِ اعْتَمَرَتْ عائشة مَرَّتَيْنِ فِي شَهْرٍ، وَلَا أَرَى أَنْ يُمْنَعَ أَحَدٌ مِنَ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ بِشَيْءٍ مِنَ الطَّاعَاتِ، وَلَا مِنَ الِازْدِيَادِ مِنَ الْخَيْرِ فِي مَوْضِعٍ، وَلَمْ يَأْتِ بِالْمَنْعِ مِنْهُ نَصٌّ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، اسْتَثْنَى خَمْسَةَ أَيَّامٍ لَا يُعْتَمَرُ فِيهَا: يَوْمَ عَرَفَةَ، وَيَوْمَ النَّحْرِ، وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ. وَاسْتَثْنَى أبو يوسف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ خَاصَّةً، وَاسْتَثْنَتِ الشَّافِعِيَّةُ: الْبَائِتَ بِمِنًى لِرَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَاعْتَمَرَتْ عائشة فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ. فَقِيلَ للقاسم: لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا أَحَدٌ؟ فَقَالَ: أَعَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؟ وَكَانَ أنس إِذَا حَمَّمَ رَأْسَهُ

стр. 569

خَرَجَ فَاعْتَمَرَ. وَيُذْكَرُ عَنْ علي ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَمِرُ فِي السَّنَةِ مِرَارًا، وَقَدْ قَالَ ﷺ : ( «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» ) . وَيَكْفِي فِي هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْمَرَ عائشة مِنَ التَّنْعِيمِ سِوَى عُمْرَتِهَا الَّتِي كَانَتْ أَهَلَّتْ بِهَا، وَذَلِكَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَلَا يُقَالُ: عائشة كَانَتْ قَدْ رَفَضَتِ الْعُمْرَةَ، فَهَذِهِ الَّتِي أَهَلَّتْ بِهَا مِنَ التَّنْعِيمِ قَضَاءً عَنْهَا ; لِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَا يَصِحُّ رَفْضُهَا. وَقَدْ قَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ ( «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» ) وَفِي لَفْظٍ ( «حَلَلْتِ مِنْهُمَا جَمِيعًا» ) . فَإِنْ قِيلَ قَدْ ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ": ( «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهَا: ارْفُضِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي» ) ، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ ( «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي» ) وَفِي لَفْظٍ ( «أَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ» ) ، فَهَذَا صَرِيحٌ فِي رَفْضِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ ارْفُضِيهَا وَدَعِيهَا، وَالثَّانِي: أَمْرُهُ لَهَا بِالِامْتِشَاطِ. قِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ ارْفُضِيهَا: اتْرُكِي أَفْعَالَهَا وَالِاقْتِصَارَ عَلَيْهَا، وَكُونِي فِي حَجَّةٍ مَعَهَا، وَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: (حَلَلْتِ مِنْهُمَا جَمِيعًا) لَمَّا قَضَتْ أَعْمَالَ الْحَجِّ. وَقَوْلُهُ: ( «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» ) ، فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ إِحْرَامَ الْعُمْرَةِ لَمْ يُرْفَضْ، وَإِنَّمَا رُفِضَتْ أَعْمَالُهَا وَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا، وَأَنَّهَا بِانْقِضَاءِ

стр. 570

حَجِّهَا انْقَضَى حَجُّهَا وَعُمْرَتُهَا، ثُمَّ أَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا، إِذْ تَأْتِي بِعُمْرَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ كَصَوَاحِبَاتِهَا، وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ إِيضَاحًا بَيِّنًا، مَا رَوَى مسلم فِي " صَحِيحِهِ "، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عروة، عَنْهَا ( «قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللِّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَحِضْتُ، فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهِلَّ إِلَّا بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِالْحَجِّ، وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ، قَالَتْ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا قَضَيْتُ حَجِّي، بَعَثَ مَعِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مِنَ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي أَدْرَكَنِي الْحَجُّ وَلَمْ أُهِلَّ مِنْهَا» ) فَهَذَا حَدِيثٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ وَالصَّرَاحَةِ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْ مِنْ عُمْرَتِهَا، وَأَنَّهَا بَقِيَتْ مُحْرِمَةً حَتَّى أَدْخَلَتْ عَلَيْهَا الْحَجَّ، فَهَذَا خَبَرُهَا عَنْ نَفْسِهَا، وَذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهَا، كُلٌّ مِنْهُمَا يُوَافِقُ الْآخَرَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَفِي قَوْلِهِ ﷺ : ( «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» ) دَلِيلٌ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي التَّكْرَارِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ لَوْ كَانَتِ الْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ لَا تُفْعَلُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً لَسَوَّى بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُفَرِّقْ. وَرَوَى الشَّافِعِيُّ ﵀، (عَنْ علي ﵁، أَنَّهُ قَالَ: اعْتَمِرْ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً) وَرَوَى وَكِيعٌ، عَنْ إسرائيل عَنْ سويد بن أبي ناجية، عَنْ أبي جعفر قَالَ، (قَالَ علي ﵁: اعْتَمِرْ فِي الشَّهْرِ إِنْ أَطَقْتَ مِرَارًا) وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سفيان بن أبي حسين، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أنس، (أَنَّ أنسا كَانَ إِذَا كَانَ بِمَكَّةَ فَحَمَّمَ رَأْسَهُ، خَرَجَ إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرَ) .

стр. 571

[فَصْلٌ فِي سِيَاقِ هَدْيِهِ ﷺ فِي حَجَّتِهِ] فَصْلٌ فِي سِيَاقِ هَدْيِهِ ﷺ فِي حَجَّتِهِ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ هِجْرَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ سِوَى حَجَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ حَجَّةُ الْوَدَاعِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ عَشْرٍ. وَاخْتُلِفَ: هَلْ حَجَّ قَبْلَ الْهِجْرَةِ؟ فَرَوَى الترمذي، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: ( «حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَ حِجَجٍ: حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، وَحَجَّةً بَعْدَمَا هَاجَرَ مَعَهَا عُمْرَةٌ» ) . قَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ سفيان. قَالَ وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - عَنْ هَذَا، فَلَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُعَدُّ هَذَا الْحَدِيثُ مَحْفُوظًا. وَلَمَّا نَزَلَ فَرْضُ الْحَجِّ، بَادَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحَجِّ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، فَإِنَّ فَرْضَ الْحَجِّ تَأَخَّرَ إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ أَوْ عَشْرٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [الْبَقَرَةِ: ١٩٦] ، فَإِنَّهَا وَإِنْ نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَيْسَ فِيهَا فَرْضِيَّةُ الْحَجِّ وَإِنَّمَا فِيهَا الْأَمْرُ بِإِتْمَامِهِ وَإِتْمَامِ الْعُمْرَةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الِابْتِدَاءِ فَإِنْ قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ تَأْخِيرُ نُزُولِ فَرْضِهِ إِلَى التَّاسِعَةِ أَوِ الْعَاشِرَةِ؟ قِيلَ: لِأَنَّ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ نَزَلَ عَامَ الْوُفُودِ، وَفِيهِ قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَالَحَهُمْ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَالْجِزْيَةُ إِنَّمَا نَزَلَتْ عَامَ تَبُوكَ سَنَةَ تِسْعٍ وَفِيهَا نَزَلَ صَدْرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَنَاظَرَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَدَعَاهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ وَالْمُبَاهَلَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ وَجَدُوا فِي نُفُوسِهِمْ عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنَ التِّجَارَةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] [التَّوْبَةِ: ٢٨] ، فَأَعَاضَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ بِالْجِزْيَةِ. وَنُزُولُ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَالْمُنَادَاةُ بِهَا، إِنَّمَا كَانَ فِي سَنَةِ

стр. 572

تِسْعٍ، وَبَعَثَ الصِّدِّيقَ يُؤَذِّنُ بِذَلِكَ فِي مَكَّةَ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ، وَأَرْدَفَهُ بعلي ﵁، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَدْ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فصل في وصف حجة النبي] فَصْلٌ وَلَمَّا عَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْحَجِّ أَعْلَمَ النَّاسَ أَنَّهُ حَاجٌّ، فَتَجَهَّزُوا لِلْخُرُوجِ مَعَهُ وَسَمِعَ ذَلِكَ مَنْ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، فَقَدِمُوا يُرِيدُونَ الْحَجَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَافَاهُ فِي الطَّرِيقِ خَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ، فَكَانُوا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ مَدَّ الْبَصَرِ، وَخَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ نَهَارًا بَعْدَ الظُّهْرِ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الظُّهْرَ بِهَا أَرْبَعًا، وَخَطَبَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ خُطْبَةً عَلَّمَهُمْ فِيهَا الْإِحْرَامَ وَوَاجِبَاتِهِ وَسُنَنَهُ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَكَانَ خُرُوجُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ خُرُوجَهُ كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَاحْتَجَّ ابْنُ حَزْمٍ عَلَى قَوْلِهِ بِثَلَاثِ مُقَدِّمَاتٍ، إِحْدَاهَا: أَنَّ خُرُوجَهُ كَانَ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ اسْتِهْلَالَ ذِي الْحِجَّةِ كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ. وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاحْتَجَّ عَلَى أَنَّ خُرُوجَهُ كَانَ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، بِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ بَعْدَمَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ. . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ: وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَقَدْ نَصَّ ابْنُ عُمَرَ عَلَى أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ، كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ التَّاسِعُ، وَاسْتِهْلَالَ ذِي الْحِجَّةِ بِلَا شَكٍّ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ، فَآخِرُ ذِي الْقَعْدَةِ يَوْمُ

стр. 573

الْأَرْبِعَاءِ، فَإِذَا كَانَ خُرُوجُهُ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، إِذِ الْبَاقِي بَعْدَهُ سِتُّ لَيَالٍ سِوَاهُ. وَوَجْهُ مَا اخْتَرْنَاهُ أَنَّ الْحَدِيثَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ خَرَجَ لِخَمْسٍ بَقِينَ وَهِيَ يَوْمُ السَّبْتِ، وَالْأَحَدِ، وَالِاثْنَيْنِ، وَالثُّلَاثَاءِ، وَالْأَرْبِعَاءِ، فَهَذِهِ خَمْسٌ، وَعَلَى قَوْلِهِ يَكُونُ خُرُوجُهُ لِسَبْعٍ بَقِينَ. فَإِنْ لَمْ يُعَدَّ يَوْمُ الْخُرُوجِ كَانَ لِسِتٍّ وَأَيُّهُمَا كَانَ فَهُوَ خِلَافُ الْحَدِيثِ. وَإِنِ اعْتَبَرَ اللَّيَالِيَ، كَانَ خُرُوجُهُ لِسِتٍّ لَيَالٍ بَقِينَ لَا لِخَمْسٍ فَلَا يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَ خُرُوجِهِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَبَيْنَ بَقَاءِ خَمْسٍ مِنَ الشَّهْرِ الْبَتَّةَ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْخُرُوجُ يَوْمَ السَّبْتِ، فَإِنَّ الْبَاقِيَ بِيَوْمِ الْخُرُوجِ خَمْسٌ بِلَا شَكٍّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ لَهُمْ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى مِنْبَرِهِ شَأْنَ الْإِحْرَامِ، وَمَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ بِالْمَدِينَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ جَمَعَهُمْ وَنَادَى فِيهِمْ لِحُضُورِ الْخُطْبَةِ، وَقَدْ شَهِدَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ هَذِهِ الْخُطْبَةَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى مِنْبَرِهِ. وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ ﷺ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ إِذَا حَضَرَ فِعْلُهُ، فَأَوْلَى الْأَوْقَاتِ بِهِ الْجُمُعَةُ الَّتِي يَلِيهَا خُرُوجُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْجُمُعَةَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بَعْضُ يَوْمٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْخَلْقُ وَهُوَ أَحْرَصُ النَّاسِ عَلَى تَعْلِيمِهِمُ الدِّينَ، وَقَدْ حَضَرَ ذَلِكَ الْجَمْعُ الْعَظِيمُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ مُمْكِنٌ بِلَا تَفْوِيتٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا عَلِمَ أبو محمد ابن حزم، أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ وعائشة ﵂: خَرَجَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، لَا يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ أَوَّلَهُ: بِأَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّ انْدِفَاعَهُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ كَانَ لِخَمْسٍ، قَالَ: وَلَيْسَ بَيْنَ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ إِلَّا أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ فَقَطْ، فَلَمْ تُعَدَّ هَذِهِ الْمَرْحَلَةُ الْقَرِيبَةُ لِقِلَّتِهَا، وَبِهَذَا تَأْتَلِفُ جَمِيعُ الْأَحَادِيثِ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ خُرُوجُهُ مِنَ الْمَدِينَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ لِذِي الْقَعْدَةِ، لَكَانَ خُرُوجُهُ بِلَا شَكٍّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُصَلَّى أَرْبَعًا، وَقَدْ ذَكَرَ أنس، أَنَّهُمْ ( «صَلَّوُا الظُّهْرَ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا» ) قَالَ: وَيَزِيدُهُ

стр. 574

وُضُوحًا، ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ، حَدِيثَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: ( «قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ فِي سَفَرٍ إِذَا خَرَجَ إِلَّا يَوْمَ الْخَمِيسِ» ) ، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ» ) ، فَبَطَلَ خُرُوجُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمَا ذَكَرْنَا عَنْ أنس، وَبَطَلَ خُرُوجُهُ يَوْمَ السَّبْتِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ خَارِجًا مِنَ الْمَدِينَةِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ. قَالَ: وَأَيْضًا قَدْ صَحَّ مَبِيتُهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ اللَّيْلَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ مِنْ يَوْمِ خُرُوجِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَكُونُ انْدِفَاعُهُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ يَوْمَ الْأَحَدِ، يَعْنِي: لَوْ كَانَ خُرُوجُهُ يَوْمَ السَّبْتِ، وَصَحَّ مَبِيتُهُ بِذِي طُوَى لَيْلَةَ دُخُولِهِ مَكَّةَ، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ دَخَلَهَا صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ مُدَّةُ سَفَرِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ خَارِجًا مِنَ الْمَدِينَةِ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ لِذِي الْقَعْدَةِ، وَاسْتَوَى عَلَى مَكَّةَ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَفِي اسْتِقْبَالِ اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةِ، فَتِلْكَ سَبْعُ لَيَالٍ لَا مَزِيدَ وَهَذَا خَطَأٌ بِإِجْمَاعٍ وَأَمْرٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ، فَصَحَّ أَنَّ خُرُوجَهُ كَانَ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وَائْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا، وَانْتَفَى التَّعَارُضُ عَنْهَا بِحَمْدِ اللَّهِ انْتَهَى. قُلْتُ: هِيَ مُتَآلِفَةٌ مُتَوَافِقَةٌ، وَالتَّعَارُضُ مُنْتَفٍ عَنْهَا مَعَ خُرُوجِهِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَيَزُولُ عَنْهَا الِاسْتِكْرَاهُ الَّذِي أَوَّلَهَا عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ. وَأَمَّا قَوْلُ أبي محمد ابن حزم: لَوْ كَانَ خُرُوجُهُ مِنَ الْمَدِينَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ لَكَانَ خُرُوجُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى آخِرِهِ فَغَيْرُ لَازِمٍ، بَلْ يَصِحُّ أَنْ يَخْرُجَ لِخَمْسٍ، وَيَكُونُ خُرُوجُهُ يَوْمَ السَّبْتِ، وَالَّذِي غَرَّ أبا محمد أَنَّهُ رَأَى الرَّاوِيَ قَدْ حَذَفَ التَّاءَ مِنَ الْعَدَدِ وَهِيَ إِنَّمَا تُحْذَفُ مِنَ الْمُؤَنَّثِ فَفَهِمَ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ الْخُرُوجُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَلَوْ كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ لَكَانَ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ بَقِينَ، وَهَذَا بِعَيْنِهِ يَنْقَلِبُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ

стр. 575

خُرُوجُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ لَمْ يَكُنْ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لِسِتِّ لَيَالٍ بَقِينَ، وَلِهَذَا اضْطُرَّ إِلَى أَنْ يُؤَوَّلَ الْخُرُوجَ الْمُقَيَّدَ بِالتَّارِيخِ الْمَذْكُورِ بِخَمْسٍ عَلَى الِانْدِفَاعِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ لَهُ إِلَى ذَلِكَ، إِذْ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَكُونَ شَهْرُ ذِي الْقَعْدَةِ كَانَ نَاقِصًا، فَوَقَعَ الْإِخْبَارُ عَنْ تَارِيخِ الْخُرُوجِ بِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْهُ بِنَاءً عَلَى الْمُعْتَادِ مِنَ الشَّهْرِ، وَهَذِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ وَالنَّاسِ فِي تَوَارِيخِهِمْ، أَنْ يُؤَرِّخُوا بِمَا بَقِيَ مِنَ الشَّهْرِ بِنَاءً عَلَى كَمَالِهِ، ثُمَّ يَقَعُ الْإِخْبَارُ عَنْهُ بَعْدَ انْقِضَائِهِ وَظُهُورِ نَقْصِهِ كَذَلِكَ لِئَلَّا يَخْتَلِفَ عَلَيْهِمُ التَّارِيخُ فَيَصِحُّ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: يَوْمَ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ كُتِبَ لِخَمْسٍ بَقِينَ، وَيَكُونُ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْبَاقِيَ كَانَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ بِلَا شَكٍّ بِيَوْمِ الْخُرُوجِ، وَالْعَرَبُ إِذَا اجْتَمَعَتِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ فِي التَّارِيخِ غَلَّبَتْ لَفْظَ اللَّيَالِي لِأَنَّهَا أَوَّلُ الشَّهْرِ، وَهِيَ أَسْبَقُ مِنَ الْيَوْمِ، فَتَذْكُرُ اللَّيَالِيَ وَمُرَادُهَا الْأَيَّامُ، فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: لِخَمْسٍ بَقِينَ بِاعْتِبَارِ الْأَيَّامِ، وَيُذَكَّرُ لَفْظُ الْعَدَدِ بِاعْتِبَارِ اللَّيَالِي، فَصَحَّ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُ لِخَمْسٍ بَقِينَ وَلَا يَكُونُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَأَمَّا حَدِيثُ كعب فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ قَطُّ إِلَّا يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَكْثَرَ خُرُوجِهِ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَقَيَّدُ فِي خُرُوجِهِ إِلَى الْغَزَوَاتِ بِيَوْمِ الْخَمِيسِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ لَوْ خَرَجَ يَوْمَ السَّبْتِ، لَكَانَ خَارِجًا لِأَرْبَعٍ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ لَا بِاعْتِبَارِ اللَّيَالِي، وَلَا بِاعْتِبَارِ الْأَيَّامِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهُ بَاتَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ اللَّيْلَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ مِنْ يَوْمِ خُرُوجِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى آخِرِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ خُرُوجِهِ يَوْمَ السَّبْتِ أَنْ تَكُونَ مُدَّةُ سَفَرِهِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، فَهَذَا عَجِيبٌ مِنْهُ، فَإِنَّهُ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الشَّهْرِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ وَدَخَلَ مَكَّةَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَبَيْنَ خُرُوجِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ وَدُخُولِهِ مَكَّةَ تِسْعَةُ أَيَّامٍ، وَهَذَا غَيْرُ مُشْكِلٍ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَإِنَّ الطَّرِيقَ الَّتِي سَلَكَهَا إِلَى مَكَّةَ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَبَيْنَهَا هَذَا الْمِقْدَارُ، وَسَيْرُ الْعَرَبِ أَسْرَعُ مِنْ سَيْرِ الْحَضَرِ بِكَثِيرٍ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ عَدَمِ الْمَحَامِلِ وَالْكَجَّاوَاتِ وَالزَّوَامِلِ الثِّقَالِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 576

عُدْنَا إِلَى سِيَاقِ حَجِّهِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ بِالْمَسْجِدِ أَرْبَعًا، ثُمَّ تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ، وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، وَخَرَجَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَنَزَلَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَصَلَّى بِهَا الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ بَاتَ بِهَا (وَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ وَالظُّهْرَ، فَصَلَّى بِهَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ، وَكَانَ نِسَاؤُهُ كُلُّهُنَّ مَعَهُ، وَطَافَ عَلَيْهِنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا أَرَادَ الْإِحْرَامَ اغْتَسَلَ غُسْلًا ثَانِيًا لِإِحْرَامِهِ غَيْرَ غُسْلِ الْجِمَاعِ الْأَوَّلِ) وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ اغْتَسَلَ غَيْرَ الْغُسْلِ الْأَوَّلِ لِلْجَنَابَةِ، وَقَدْ تَرَكَ بَعْضُ النَّاسِ ذِكْرَهُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَرَكَهُ عَمْدًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَرَكَهُ سَهْوًا مِنْهُ، وَقَدْ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إِنَّهُ رَأَى ( «النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ» ) ، قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [حَجَّ النبي ﷺ قَارِنًا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ] َ وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ عائشة قَالَتْ: ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ غَسَلَ رَأْسَهُ بِخِطْمِيٍّ وَأُشْنَانٍ. ثُمَّ طَيَّبَتْهُ عائشة بِيَدِهَا بِذَرِيرَةٍ وَطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ فِي بَدَنِهِ وَرَأْسِهِ، حَتَّى كَانَ وَبِيصُ الْمِسْكِ يُرَى فِي مَفَارِقِهِ وَلِحْيَتِهِ، ثُمَّ اسْتَدَامَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ، ثُمَّ لَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي مُصَلَّاهُ» ) ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى لِلْإِحْرَامِ رَكْعَتَيْنِ غَيْرَ فَرْضِ الظُّهْرِ.

стр. 577

( «وَقَلَّدَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بُدُنَهُ نَعْلَيْنِ، وَأَشْعَرَهَا فِي جَانِبِهَا الْأَيْمَنِ، فَشَقَّ صَفْحَةَ سَنَامِهَا، وَسَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا» ) . وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ أَحْرَمَ قَارِنًا لِبَضْعَةٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا صَحِيحَةً صَرِيحَةً فِي ذَلِكَ. أَحَدُهَا: مَا أَخْرَجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ( «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَأَهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ» ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَثَانِيهَا: مَا أَخْرَجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَيْضًا، عَنْ عروة، عَنْ عائشة أَخْبَرَتْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ سَوَاءٌ. وَثَالِثُهَا: مَا رَوَى مسلم فِي " صَحِيحِهِ "، مِنْ حَدِيثِ قتيبة، عَنِ الليث، عَنْ نافع، عَنِ ( «ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَرَنَ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » ) . وَرَابِعُهَا: مَا رَوَى أبو داود، عَنِ النفيلي، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا إسحاق، عَنْ مجاهد: «سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ: كَمِ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: مَرَّتَيْنِ. فَقَالَتْ عائشة: لَقَدْ عَلِمَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَمَرَ ثَلَاثًا سِوَى الَّتِي قَرَنَ بِحَجَّتِهِ» .

стр. 578

وَلَمْ يُنَاقِضْ هَذَا قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ: ( «إِنَّهُ ﷺ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ» ) ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ الْعُمْرَةَ الْكَامِلَةَ الْمُفْرَدَةَ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُمَا عُمْرَتَانِ: عُمْرَةُ الْقَضَاءِ، وَعُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ، وعائشة ﵂ أَرَادَتِ الْعُمْرَتَيْنِ الْمُسْتَقِلِّتَيْنِ، وَعُمْرَةَ الْقِرَانِ، وَالَّتِي صُدَّ عَنْهَا، وَلَا رَيْبَ أَنَّهَا أَرْبَعٌ. وَخَامِسُهَا: مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : ( «حَجَّ ثَلَاثَ حِجَجٍ: حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، وَحَجَّةً بَعْدَمَا هَاجَرَ مَعَهَا عُمْرَةٌ» ) . رَوَاهُ الترمذي وَغَيْرُهُ. وَسَادِسُهَا: مَا رَوَاهُ أبو داود، عَنِ النفيلي وقتيبة قَالَا: حَدَّثَنَا داود بن عبد الرحمن العطار، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عكرمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ( «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ: عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ، وَالثَّانِيَةُ حِينَ تَوَاطَئُوا عَلَى عُمْرَةٍ مِنْ قَابِلٍ، وَالثَّالِثَةُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ، وَالرَّابِعَةُ الَّتِي قَرَنَ مَعَ حَجَّتِهِ» ) . وَسَابِعُهَا: مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ: ( «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي ، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» ) . وَثَامِنُهَا: مَا رَوَاهُ أبو داود عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: ( «كُنْتُ مَعَ علي ﵁ حِينَ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْيَمَنِ، فَأَصَبْتُ مَعَهُ أَوَاقِيَّ مِنْ ذَهَبٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَجَدْتُ فاطمة

стр. 579

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَدْ لَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغَاتٍ، وَقَدْ نَضَحَتِ الْبَيْتَ بِنَضُوحٍ، فَقَالَتْ: مَا لَكَ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَحَلُّوا، قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: إِنِّي أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لِي: كَيْفَ صَنَعْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ» ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَتَاسِعُهَا: مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عمران بن يزيد الدمشقي، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ مسلم البطين، عَنْ علي بن الحسين، عَنْ (مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عثمان، فَسَمِعَ عليا ﵁ يُلَبِّي بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، فَقَالَ: أَلَمْ تَكُنْ تَنْهَى عَنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلَى، لَكِنِّي «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي بِهِمَا جَمِيعًا» ، فَلَمْ أَدَعْ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِكَ) . وَعَاشِرُهَا: مَا رَوَاهُ مسلم فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ شعبة، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: سَمِعْتُ مطرفا قَالَ: قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهِ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (جَمَعَ بَيْنَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ، وَلَمْ يَنْزِلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ» ) . وَحَادِي عَشْرِهَا: مَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عبد الله بن أبي قتادة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ( «إِنَّمَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَحُجُّ بَعْدَهَا» ) وَلَهُ طُرُقٌ صَحِيحَةٌ إِلَيْهِمَا.

стр. 580

وَثَانِي عَشْرِهَا: مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ سراقة بن مالك قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: وَقَرَنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» ) إِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. وَثَالِثُ عَشْرِهَا: مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ» ) وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِيهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ. وَرَابِعُ عَشْرِهَا: مَا رَوَاهُ أحمد مِنْ حَدِيثِ الْهِرْمَاسِ بْنِ زِيَادٍ الْبَاهِلِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (قَرَنَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ» ) . وَخَامِسُ عَشْرِهَا: مَا رَوَاهُ البزار بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ ابْنَ أَبِي أَوْفَى قَالَ: ( «إِنَّمَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَحُجُّ بَعْدَ عَامِهِ ذَلِكَ» ) ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ يزيد بن عطاء أَخْطَأَ فِي إِسْنَادِهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا سَبِيلَ إِلَى تَخْطِئَتِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. وَسَادِسُ عَشْرِهَا: مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ،

стр. 581

«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا» ) ، وَرَوَاهُ الترمذي، وَفِيهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَحَدِيثُهُ لَا يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ مَا لَمْ يَنْفَرِدْ بِشَيْءٍ أَوْ يُخَالِفُ الثِّقَاتِ. وَسَابِعُ عَشْرِهَا: مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أم سلمة قَالَتْ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (أَهِلُّوا يَا آلَ مُحَمَّدٍ بِعُمْرَةٍ فِي حَجٍّ» ) . وَثَامِنُ عَشْرِهَا: مَا أَخْرَجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَاللَّفْظُ لمسلم، «عَنْ حفصة قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: (إِنِّي قَلَّدْتُ هَدْيِي، وَلَبَّدْتُ رَأْسِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَى أَحِلَّ مِنَ الْحَجِّ» ) ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي عُمْرَةٍ مَعَهَا حَجٌّ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنَ الْعُمْرَةِ حَتَّى يَحِلَّ مِنَ الْحَجِّ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِ مالك وَالشَّافِعِيِّ أَلْزَمُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَمِرَ عُمْرَةً مُفْرَدَةً لَا يَمْنَعُهُ عِنْدَهُمَا الْهَدْيُ مِنَ التَّحَلُّلِ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُهُ عُمْرَةُ الْقِرَانِ، فَالْحَدِيثُ عَلَى أَصْلِهِمَا نَصٌّ. وَتَاسِعُ عَشْرِهَا: مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، أَنَّهُ «سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ عَامَ حَجَّ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُمَا يَذْكُرَانِ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَقَالَ الضحاك: لَا يَصْنَعُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ، فَقَالَ سعد: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أَخِي. قَالَ الضحاك: فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ نَهَى عَنْ

стр. 582

ذَلِكَ، قَالَ سعد: قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ» ، قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَمُرَادُهُ بِالتَّمَتُّعِ هُنَا بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ: أَحَدُ نَوْعَيْهِ، وَهُوَ تَمَتَّعُ الْقِرَانِ فَإِنَّهُ لُغَةُ الْقُرْآنِ، وَالصَّحَابَةُ الَّذِينَ شَهِدُوا التَّنْزِيلَ وَالتَّأْوِيلَ شَهِدُوا بِذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَبَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ» ، وَكَذَلِكَ قَالَتْ عائشة، وَأَيْضًا: فَإِنَّ الَّذِي صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ مُتْعَةُ الْقِرَانِ بِلَا شَكٍّ، كَمَا قَطَعَ بِهِ أحمد، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهُوَ الَّذِي قَالَ لمطرف: أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهِ، «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ» ) ، ثُمَّ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ. وَهُوَ فِي " صَحِيحِ مسلم " فَأَخْبَرَ عَنْ قِرَانِهِ بِقَوْلِهِ: تَمَتَّعَ، وَبِقَوْلِهِ: ( «جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ» ) . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا، مَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: «اجْتَمَعَ علي وعثمان بِعُسْفَانَ، فَقَالَ: كَانَ عثمان يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ أَوِ الْعُمْرَةِ، فَقَالَ علي: مَا تُرِيدُ إِلَى أَمْرٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَنْهَى عَنْهُ؟ قَالَ عثمان: دَعْنَا مِنْكَ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدَعَكَ، فَلَمَّا أَنْ رَأَى علي ذَلِكَ، أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا» . هَذَا لَفْظُ مسلم، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: اخْتَلَفَ ( «علي وعثمان بِعُسْفَانَ فِي الْمُتْعَةِ، فَقَالَ علي: مَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَنْهَى عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ، أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا» ) . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَحْدَهُ مِنْ «حَدِيثِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: شَهِدْتُ عثمان

стр. 583

وعليا، وعثمان يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا رَأَى علي ذَلِكَ أَهَلَّ بِهِمَا: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَدَعَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِ أَحَدٍ» . فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، كَانَ مُتَمَتِّعًا عِنْدَهُمْ، وَأَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ وَافَقَهُ عثمان عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ: مَا تُرِيدُ إِلَى أَمْرٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَنْهَى عَنْهُ، لَمْ يَقُلْ لَهُ: لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَوْلَا أَنَّهُ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ لَأَنْكَرَهُ، ثُمَّ قَصَدَ عَلِيٌّ إِلَى مُوَافَقَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي ذَلِكَ، وَبَيَانُ أَنَّ فِعْلَهُ لَمْ يُنْسَخْ، وَأَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا تَقْرِيرًا لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ وَمُتَابَعَتِهِ فِي الْقِرَانِ، وَإِظْهَارًا لِسُنَّةٍ نَهَى عَنْهَا عثمان مُتَأَوِّلًا، وَحِينَئِذٍ فَهَذَا دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ تَمَامَ الْعِشْرِينَ. الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ مَا رَوَاهُ مالك فِي " الْمُوَطَّأِ "، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عروة، عَنْ عائشة أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» ) . وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَهُوَ أَوْلَى مَنْ بَادَرَ إِلَى مَا أُمِرَ بِهِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَنَذْكُرُهَا. وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى إِيجَابِ الْقِرَانِ عَلَى مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَالتَّمَتَّعِ بِالْعُمْرَةِ الْمُفْرَدَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ، فَعِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَمَّا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ، فَإِنَّهُ قَرَنَ وَسَاقَ الْهَدْيَ وَأَمَرَ كُلَّ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ بِالْفَسْخِ إِلَى عُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ، فَالْوَاجِبُ أَنْ نَفْعَلَ كَمَا فَعَلَ أَوْ كَمَا أَمَرَ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ

стр. 584

مَنْ حَرَّمَ فَسْخَ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ سَنَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: مَا أَخْرَجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، عَنْ أبي قلابة، عَنْ ( «أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، فَبَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ [وَكَبَّرَ] ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ» ) ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا، أَمَرَ النَّاسَ فَحَلُّوا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَيْضًا: عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ أنس قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا، قَالَ بكر: فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: (لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ) فَلَقِيتُ أنسا، فَحَدَّثْتُهُ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ أنس: مَا تَعُدُّونَنَا إِلَّا صِبْيَانًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» ) . وَبَيْنَ أنس وَابْنِ عُمَرَ فِي السِّنِّ سَنَةٌ أَوْ سَنَةٌ وَشَيْءٌ. وَفِي " صَحِيحِ مسلم "، عَنْ يحيى بن أبي إسحاق وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، وحميد، أَنَّهُمْ سَمِعُوا أنسا قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (أَهَلَّ بِهِمَا لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» ) . وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أنس قَالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (لَبَّيْكَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ مَعًا) » .

стр. 585

وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أبي أسماء، عَنْ أنس قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُلَبِّي بِهِمَا. وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ أنس «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ) » . وَرَوَى البزار، مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ أنس، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ) » . وَمِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أنس كَذَلِكَ، وَعَنْ أبي قدامة عَنْ أنس مِثْلَهُ. وَذَكَرَ وَكِيعٌ: حَدَّثَنَا مصعب بن سليم قَالَ: سَمِعْتُ أنسا مِثْلَهُ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أنس مِثْلَهُ، وَذَكَرَ الخشني: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شعبة، عَنْ أبي قزعة، عَنْ أنس مِثْلَهُ. وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ "، عَنْ قتادة، عَنْ أنس، «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ» ، فَذَكَرَهَا وَقَالَ: وَعُمْرَةٌ مَعَ حَجَّتِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَذَكَرَ عبد الرزاق: حَدَّثَنَا معمر، عَنْ أيوب، عَنْ أبي قلابة وَحُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أنس مِثْلَهُ، فَهَؤُلَاءِ سِتَّةَ عَشَرَ نَفْسًا مِنَ الثِّقَاتِ، كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَنْ أنس، أَنَّ لَفْظَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ إِهْلَالًا بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ مَعًا، وَهُمُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وأبو قلابة، وَحُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، وحميد بن عبد الرحمن الطويل، وقتادة، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، وَبَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، ويحيى بن أبي إسحاق، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، ومصعب بن سليم، وأبو أسماء، وأبو قدامة عاصم بن حسين، وأبو قزعة وهو سويد بن حجر الباهلي.

стр. 586

فَهَذِهِ أَخْبَارُ أنس عَنْ لَفْظِ إِهْلَالِهِ ﷺ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ، وَهَذَا علي والبراء يُخْبِرَانِ عَنْ إِخْبَارِهِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ بِالْقِرَانِ، وَهَذَا عَلِيٌّ أَيْضًا، يُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَهُ، وَهَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ رَبَّهُ أَمَرَهُ بِأَنْ يَفْعَلَهُ وَعَلَّمَهُ اللَّفْظَ الَّذِي يَقُولُهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَهَذَا عَلِيٌّ أَيْضًا يُخْبِرُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي بِهِمَا جَمِيعًا، وَهَؤُلَاءِ بَقِيَّةُ مَنْ ذَكَرْنَا يُخْبِرُونَ عَنْهُ بِأَنَّهُ فَعَلَهُ، وَهَذَا هُوَ ﷺ يَأْمُرُ بِهِ آلَهُ، وَيَأْمُرُ بِهِ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ. وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ رَوَوُا الْقِرَانَ بِغَايَةِ الْبَيَانِ: عائشة أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بِإِقْرَارِهِ لعلي وَتَقْرِيرِ علي لَهُ، وَعِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وحفصة أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وأبو قتادة، وَابْنُ أَبِي أَوْفَى، وأبو طلحة وَالْهِرْمَاسُ بْنُ زِيَادٍ وأم سلمة، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَهَؤُلَاءِ هُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا ﵃ مِنْهُمْ مَنْ رَوَى فِعْلَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَى لَفْظَ إِحْرَامِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَى خَبَرَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَى أَمْرَهُ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَجْعَلُونَ مِنْهُمُ ابْنَ عُمَرَ وجابرا، وعائشة، وَابْنَ عَبَّاسٍ؟ وَهَذِهِ عائشة تَقُولُ: «أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ» وَفِي لَفْظٍ: ( «أَفْرَدَ الْحَجَّ» ) وَالْأَوَّلُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، وَالثَّانِي فِي مسلم وَلَهُ لَفْظَانِ، هَذَا أَحَدُهُمَا وَالثَّانِي: ( «أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا» ) وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: ( «لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ» ) ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ» رَوَاهُ مسلم

стр. 587

وَهَذَا جابر يَقُولُ: ( «أَفْرَدَ الْحَجَّ» ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. قِيلَ: إِنْ كَانَتِ الْأَحَادِيثُ عَنْ هَؤُلَاءِ تَعَارَضَتْ وَتَسَاقَطَتْ، فَإِنَّ أَحَادِيثَ الْبَاقِينَ لَمْ تَتَعَارَضْ، فَهَبْ أَنَّ أَحَادِيثَ مَنْ ذَكَرْتُمْ لَا حُجَّةَ فِيهَا عَلَى الْقِرَانِ، وَلَا عَلَى الْإِفْرَادِ لِتَعَارُضِهَا، فَمَا الْمُوجِبُ لِلْعُدُولِ عَنْ أَحَادِيثِ الْبَاقِينَ مَعَ صَرَاحَتِهَا وَصِحَّتِهَا؟ فَكَيْفَ وَأَحَادِيثُهُمْ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهَا، وَإِنَّمَا ظَنَّ مَنْ ظَنَّ التَّعَارُضَ لِعَدَمِ إِحَاطَتِهِ بِمُرَادِ الصَّحَابَةِ مِنْ أَلْفَاظِهِمْ، وَحَمْلِهَا عَلَى الِاصْطِلَاحِ الْحَادِثِ بَعْدَهُمْ. وَرَأَيْتُ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ فَصْلًا حَسَنًا فِي اتِّفَاقِ أَحَادِيثِهِمْ نَسُوقُهُ بِلَفْظِهِ، قَالَ: وَالصَّوَابُ أَنَّ الْأَحَادِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ مُتَّفِقَةٌ لَيْسَتْ بِمُخْتَلِفَةٍ إِلَّا اخْتِلَافًا يَسِيرًا يَقَعُ مِثْلُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ ثَبَتَ عَنْهُمْ أَنَّهُ تَمَتَّعَ، وَالتَّمَتُّعُ عِنْدَهُمْ يَتَنَاوَلُ الْقِرَانَ، وَالَّذِينَ رُوِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُ أَفْرَدَ رُوِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُ تَمَتَّعَ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: «اجْتَمَعَ علي وعثمان بِعُسْفَانَ، وَكَانَ عثمان يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ أَوِ الْعُمْرَةِ، فَقَالَ علي ﵁: مَا تُرِيدُ إِلَى أَمْرٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَنْهَى عَنْهُ؟ فَقَالَ عثمان: (دَعْنَا مِنْكَ) فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدَعَكَ. فَلَمَّا رَأَى علي ﵁ ذَلِكَ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا» . فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا كَانَ مُتَمَتِّعًا عِنْدَهُمْ وَأَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَوَافَقَهُ عثمان عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ لَكِنْ كَانَ النِّزَاعُ بَيْنَهُمَا، هَلْ ذَلِكَ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّنَا أَمْ لَا؟ وَهَلْ شُرِعَ فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ فِي حَقِّنَا كَمَا تَنَازَعَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ؟ فَقَدِ اتَّفَقَ علي وعثمان عَلَى أَنَّهُ تَمَتَّعَ وَالْمُرَادُ بِالتَّمَتُّعِ عِنْدَهُمُ الْقِرَانُ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ مطرف قَالَ: قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ، ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يَنْزِلْ فِيهِ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ» ) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ ( «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 588

وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ» ) . فَهَذَا عمران وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ أَخْبَرَ أَنَّهُ تَمَتَّعَ وَأَنَّهُ ( «جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ» ) وَالْقَارِنُ عِنْدَ الصَّحَابَةِ مُتَمَتِّعٌ، وَلِهَذَا أَوْجَبُوا عَلَيْهِ الْهَدْيَ، وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [الْبَقَرَةِ: ١٩٦] ، وَذَكَرَ حَدِيثَ عمر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» ) . قَالَ: فَهَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، عمر، وعثمان، وعلي، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، رُوِيَ عَنْهُمْ بِأَصَحِّ الْأَسَانِيدِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَنَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، وَكَانُوا يُسَمُّونَ ذَلِكَ تَمَتُّعًا، وَهَذَا أنس يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا. وَمَا ذَكَرَهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ( «لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ» ) فَجَوَابُهُ: أَنَّ الثِّقَاتِ الَّذِينَ هُمْ أَثْبَتُ فِي ابْنِ عُمَرَ مِنْ بكر مِثْلَ سالم ابْنِهِ، ونافع رَوَوْا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ» ، وَهَؤُلَاءِ أَثْبَتُ فِي ابْنِ عُمَرَ مِنْ بكر. فَتَغْلِيطُ بكر عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَوْلَى مِنْ تَغْلِيطِ سالم ونافع عَنْهُ، وَأَوْلَى مِنْ تَغْلِيطِهِ هُوَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَيُشْبِهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لَهُ: ( «أَفْرَدَ الْحَجَّ» ) فَظَنَّ أَنَّهُ قَالَ: لَبَّى بِالْحَجِّ، فَإِنَّ إِفْرَادَ الْحَجِّ كَانُوا يُطْلِقُونَهُ وَيُرِيدُونَ بِهِ إِفْرَادَ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَذَلِكَ رَدٌّ مِنْهُمْ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّهُ قَرَنَ قِرَانًا طَافَ فِيهِ طَوَافَيْنِ، وَسَعَى فِيهِ سَعْيَيْنِ، وَعَلَى مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ حَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ، فَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ ( «أَفْرَدَ الْحَجَّ» ) تَرُدُّ عَلَى هَؤُلَاءِ، يُبَيِّنُ هَذَا مَا رَوَاهُ مسلم فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا» ، وَفِي رِوَايَةٍ ( «أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا» ) . فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ إِذَا قِيلَ: إِنَّ مَقْصُودَهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ بِحَجٍّ مُفْرِدًا، قِيلَ فَقَدْ ثَبَتَ بِإِسْنَادٍ أَصَحَّ مِنْ ذَلِكَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى

стр. 589

الْحَجِّ، وَأَنَّهُ بَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَهَذَا مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سالم عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَمَا عَارَضَ هَذَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ غَلَطًا عَلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ مُوَافِقًا لَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَحِلَّ ظَنَّ أَنَّهُ أَفْرَدَ كَمَا وَهِمَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ، وَكَانَ ذَلِكَ نِسْيَانًا مِنْهُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمَّا لَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَكَانَ هَذَا حَالَ الْمُفْرِدِ ظَنَّ أَنَّهُ أَفْرَدَ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ عَنْ سالم، عَنْ أَبِيهِ، تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَدِيثَ. وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ: وَحَدَّثَنِي عروة، عَنْ عائشة بِمِثْلِ حَدِيثِ سالم عَنْ أَبِيهِ قَالَ: فَهَذَا مِنْ أَصَحِّ حَدِيثٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ أَعْلَمِ أَهْلِ زَمَانِهِ بِالسُّنَّةِ، عَنْ سالم، عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ مِنْ أَصَحِّ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وعائشة. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عائشة ﵂ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، الرَّابِعَةُ مَعَ حَجَّتِهِ» ) وَلَمْ يَعْتَمِرْ بَعْدَ الْحَجِّ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مُتَمَتِّعًا تَمَتُّعَ قِرَانٍ أَوِ التَّمَتَّعَ الْخَاصَّ. وَقَدْ صَحَّ عَنِ ( «ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » ) ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي " الصَّحِيحِ ". قَالَ: وَأَمَّا الَّذِينَ نُقِلَ عَنْهُمْ إِفْرَادُ الْحَجِّ فَهُمْ ثَلَاثَةٌ: عائشة، وَابْنُ عُمَرَ، وجابر، وَالثَّلَاثَةُ نُقِلَ عَنْهُمِ التَّمَتُّعُ، وَحَدِيثُ عائشة وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِهِمَا، وَمَا صَحَّ فِي ذَلِكَ عَنْهُمَا، فَمَعْنَاهُ إِفْرَادُ أَعْمَالِ الْحَجِّ أَوْ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ مِنْهُ غَلَطٌ كَنَظَائِرِهِ، فَإِنَّ أَحَادِيثَ التَّمَتُّعِ مُتَوَاتِرَةٌ رَوَاهَا أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ كعمر، وعثمان، وعلي، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَرَوَاهَا أَيْضًا: عائشة، وَابْنُ عُمَرَ، وجابر، بَلْ رَوَاهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ.

стр. 590

قُلْتُ: وَقَدِ اتَّفَقَ أنس، وعائشة، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، عَلَى «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ) » وَإِنَّمَا وَهِمَ ابْنُ عُمَرَ فِي كَوْنِ إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، وَكُلُّهُمْ قَالُوا: وَعُمْرَةٌ مَعَ حَجَّتِهِ، وَهُمْ سِوَى ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالُوا: إِنَّهُ (أَفْرَدَ الْحَجَّ) وَهُمْ سِوَى أنس قَالُوا: تَمَتَّعَ. فَقَالُوا هَذَا، وَهَذَا، وَهَذَا، وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ أَقْوَالِهِمْ، فَإِنَّهُ تَمَتَّعَ تَمَتُّعَ قِرَانٍ، وَأَفْرَدَ أَعْمَالَ الْحَجِّ، وَقَرَنَ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ، وَكَانَ قَارِنًا بِاعْتِبَارِ جَمْعِهِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ، وَمُفْرِدًا بِاعْتِبَارِ اقْتِصَارِهِ عَلَى أَحَدِ الطَّوَافَيْنِ وَالسَّعْيَيْنِ، وَمُتَمَتِّعًا تَرَفُّهَهُ بِتَرْكِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ. وَمَنْ تَأَمَّلَ أَلْفَاظَ الصَّحَابَةِ، وَجَمَعَ الْأَحَادِيثَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَاعْتَبَرَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، وَفَهِمَ لُغَةَ الصَّحَابَةِ، أَسْفَرَ لَهُ صُبْحُ الصَّوَابِ، وَانْقَشَعَتْ عَنْهُ ظُلْمَةُ الِاخْتِلَافِ وَالِاضْطِرَابِ، وَاللَّهُ الْهَادِي لِسَبِيلِ الرَّشَادِ وَالْمُوَفِّقُ لِطَرِيقِ السَّدَادِ. فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ وَأَرَادَ بِهِ أَنَّهُ أَتَى بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، ثُمَّ فَرَغَ مِنْهُ وَأَتَى بِالْعُمْرَةِ بَعْدَهُ مِنَ التَّنْعِيمِ أَوْ غَيْرِهِ، كَمَا يَظُنُّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَهَذَا غَلَطٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا التَّابِعِينَ، وَلَا الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ. وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ حَجَّ حَجًّا مُفْرَدًا لَمْ يَعْتَمِرْ مَعَهُ كَمَا قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، فَوَهِمَ أَيْضًا، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ تَرُدُّهُ كَمَا تَبَيَّنَ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى أَعْمَالِ الْحَجِّ وَحْدَهُ وَلَمْ يُفْرِدْ لِلْعُمْرَةِ أَعْمَالًا فَقَدْ أَصَابَ، وَعَلَى قَوْلِهِ تَدُلُّ جَمِيعُ الْأَحَادِيثِ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ قَرَنَ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ طَافَ لِلْحَجِّ طَوَافًا عَلَى حِدَةٍ، وَلِلْعُمْرَةِ طَوَافًا عَلَى حِدَةٍ، وَسَعَى لِلْحَجِّ سَعْيًا، وَلِلْعُمْرَةِ سَعْيًا، فَالْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ تَرُدُّ قَوْلَهُ. وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ قَرَنَ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ وَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، وَسَعَى لَهُمَا سَعْيًا وَاحِدًا، فَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَشْهَدُ لِقَوْلِهِ، وَقَوْلُهُ هُوَ الصَّوَابُ. وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ تَمَتَّعَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ تَمَتَّعَ تَمَتُّعًا حَلَّ مِنْهُ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ

стр. 591

إِحْرَامًا مُسْتَأْنَفًا، فَالْأَحَادِيثُ تَرُدُّ قَوْلَهُ وَهُوَ غَلَطٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ تَمَتَّعَ تَمَتُّعًا لَمْ يَحِلَّ مِنْهُ، بَلْ بَقِيَ عَلَى إِحْرَامِهِ لِأَجْلِ سَوْقِ الْهَدْيِ، فَالْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ تَرُدُّ قَوْلَهُ أَيْضًا، وَهُوَ أَقَلُّ غَلَطًا، وَإِنْ أَرَادَ تَمَتُّعَ الْقِرَانِ فَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ وَيَأْتَلِفُ بِهِ شَمْلُهَا، وَيَزُولُ عَنْهَا الْإِشْكَالُ وَالِاخْتِلَافُ. [غَلَطُ النَّاسِ فِي عُمَرِهِ ﷺ ] فَصْلٌ غَلِطَ فِي عُمَرِ النَّبِيِّ ﷺ خَمْسُ طَوَائِفَ. إِحْدَاهَا: مَنْ قَالَ: إِنَّهُ اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ، وَهَذَا غَلَطٌ، فَإِنَّ عُمَرَهُ مَضْبُوطَةٌ مَحْفُوظَةٌ، لَمْ يَخْرُجْ فِي رَجَبٍ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا الْبَتَّةَ. الثَّانِيَةُ: مَنْ قَالَ: إِنَّهُ اعْتَمَرَ فِي شَوَّالٍ وَهَذَا أَيْضًا وَهْمٌ، وَالظَّاهِرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ غَلِطَ فِي هَذَا، وَأَنَّهُ اعْتَكَفَ فِي شَوَّالٍ فَقَالَ: اعْتَمَرَ فِي شَوَّالٍ، لَكِنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ، وَقَوْلَهُ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ عُمَرٍ: عُمْرَةً فِي شَوَّالٍ، وَعُمْرَتَيْنِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ» ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ أَوْ مَنْ دُونَهَا، إِنَّمَا قَصَدَ الْعُمْرَةَ. الثَّالِثَةُ: مَنْ قَالَ: إِنَّهُ اعْتَمَرَ مِنَ التَّنْعِيمِ بَعْدَ حَجِّهِ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا يَظُنُّهُ الْعَوَامُّ، وَمَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِالسُّنَّةِ. الرَّابِعَةُ: مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي حَجَّتِهِ أَصْلًا، وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ رَدُّهَا تُبْطِلُ هَذَا الْقَوْلَ. الْخَامِسَةُ: مَنْ قَالَ: إِنَّهُ اعْتَمَرَ عُمْرَةً حَلَّ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْرَمَ بَعْدَهَا بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تُبْطِلُ هَذَا الْقَوْلَ وَتَرُدُّهُ.

стр. 592

[غلط الناس في حجه ﷺ ] فَصْلٌ وَوَهِمَ فِي حَجِّهِ خَمْسُ طَوَائِفَ. الطَّائِفَةُ الْأُولَى: الَّتِي قَالَتْ: حَجَّ حَجًّا مُفْرَدًا لَمْ يَعْتَمِرْ مَعَهُ. الثَّانِيَةُ: مَنْ قَالَ: حَجَّ مُتَمَتِّعًا تَمَتُّعًا حَلَّ مِنْهُ، ثُمَّ أَحْرَمَ بَعْدَهُ بِالْحَجِّ، كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أبو يعلى وَغَيْرُهُ. الثَّالِثَةُ: مَنْ قَالَ: حَجَّ مُتَمَتِّعًا تَمَتُّعًا لَمْ يَحِلَّ مِنْهُ لِأَجْلِ سَوْقِ الْهَدْيِ وَلَمْ يَكُنْ قَارِنًا، كَمَا قَالَهُ أبو محمد بن قدامة صَاحِبُ " الْمُغْنِي " وَغَيْرُهُ. الرَّابِعَةُ: مَنْ قَالَ: حَجَّ قَارِنًا قِرَانًا طَافَ لَهُ طَوَافَيْنِ، وَسَعَى لَهُ سَعْيَيْنِ. الْخَامِسَةُ: مَنْ قَالَ: حَجَّ حَجًّا مُفْرَدًا، وَاعْتَمَرَ بَعْدَهُ مِنَ التَّنْعِيمِ. [غلط الناس في إحرامه ﷺ ] فَصْلٌ وَغَلِطَ فِي إِحْرَامِهِ خَمْسُ طَوَائِفَ. إِحْدَاهَا: مَنْ قَالَ: لَبَّى بِالْعُمْرَةِ وَحْدَهَا، وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهَا. الثَّانِيَةُ: مَنْ قَالَ: لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ، وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ. الثَّالِثَةُ مَنْ قَالَ لَبَّى بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ. الرَّابِعَةُ: مَنْ قَالَ: لَبَّى بِالْعُمْرَةِ وَحْدَهَا، ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ فِي ثَانِي الْحَالِ. الْخَامِسَةُ: مَنْ قَالَ: أَحْرَمَ إِحْرَامًا مُطْلَقًا لَمْ يُعَيِّنْ فِيهِ نُسُكًا، ثُمَّ عَيَّنَهُ بَعْدَ إِحْرَامِهِ.

стр. 593

وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا مِنْ حِينِ أَنْشَأَ الْإِحْرَامَ، وَلَمْ يَحِلَّ حَتَّى حَلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، وَسَعَى لَهُمَا سَعْيًا وَاحِدًا. وَسَاقَ الْهَدْيَ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ الْمُسْتَفِيضَةُ الَّتِي تَوَاتَرَتْ تَوَاتُرًا يَعْلَمُهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي أَعْذَارِ الْقَائِلِينَ بِهَذِهِ الْأَقْوَالِ وَبَيَانِ مَنْشَأِ الْوَهْمِ وَالْغَلَطِ] فَصْلٌ فِي أَعْذَارِ الْقَائِلِينَ بِهَذِهِ الْأَقْوَالِ وَبَيَانِ مَنْشَأِ الْوَهْمِ وَالْغَلَطِ أَمَّا عُذْرُ مَنْ قَالَ: اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ، فَحَدِيثُ عبد الله بن عمر ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَدْ غَلَّطَتْهُ عائشة وَغَيْرُهَا، كَمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " «عَنْ مجاهد، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ فَإِذَا عبد الله بن عمر جَالِسًا إِلَى حُجْرَةِ عائشة، وَإِذَا نَاسٌ يُصَلُّونَ فِي الْمَسْجِدِ صَلَاةَ الضُّحَى، قَالَ: فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صَلَاتِهِمْ. فَقَالَ: بِدْعَةٌ. ثُمَّ قُلْنَا لَهُ: كَمِ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: (أَرْبَعًا. إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَكَرِهْنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِ) » قَالَ: وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ عائشة أم المؤمنين فِي الْحُجْرَةِ، فَقَالَ عروة: يَا أُمَّهْ، أَوْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَا تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أبو عبد الرحمن؟ قَالَتْ: مَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ. قَالَتْ يَرْحَمُ اللَّهُ أبا عبد الرحمن، مَا اعْتَمَرَ عُمْرَةً قَطُّ إِلَّا وَهُوَ شَاهِدٌ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ» ) وَكَذَلِكَ قَالَ أنس، وَابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ عُمَرَهُ كُلَّهَا كَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. [عُذْرُ مَنْ قَالَ اعْتَمَرَ ﷺ فِي شَوَّالٍ] فَصْلٌ وَأَمَّا مَنْ قَالَ: اعْتَمَرَ فِي شَوَّالٍ، فَعُذْرُهُ مَا رَوَاهُ مالك فِي " الْمُوَطَّأِ "، عَنْ

стр. 594

هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «لَمْ يَعْتَمِرْ إِلَّا ثَلَاثًا، إِحْدَاهُنَّ فِي شَوَّالٍ وَاثْنَتَيْنِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ» ) . وَلَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُرْسَلٌ، وَهُوَ غَلَطٌ أَيْضًا، إِمَّا مِنْ هشام، وَإِمَّا مِنْ عروة أَصَابَهُ فِيهِ مَا أَصَابَ ابْنَ عُمَرَ. وَقَدْ رَوَاهُ أبو داود مَرْفُوعًا عَنْ عائشة، وَهُوَ غَلَطٌ أَيْضًا لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَيْسَ رِوَايَتُهُ مُسْنَدًا مِمَّا يُذْكَرُ عَنْ مالك فِي صِحَّةِ النَّقْلِ. قُلْتُ: وَيَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِهِ عَنْ عائشة أَنَّ عائشة وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالُوا: (لَمْ يَعْتَمِرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا فِي ذِي الْقَعْدَةِ) وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، فَإِنَّ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ وَعُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ، كَانَتَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةَ الْقِرَانِ إِنَّمَا كَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ أَيْضًا كَانَتْ فِي أَوَّلِ ذِي الْقَعْدَةِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاشْتِبَاهُ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ فِي شَوَّالٍ لِلِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَفَرَغَ مِنْ عَدُوِّهِ، وَقَسَمَ غَنَائِمَهُمْ، وَدَخَلَ مَكَّةَ لَيْلًا مُعْتَمِرًا مِنَ الْجِعْرَانَةِ، وَخَرَجَ مِنْهَا لَيْلًا، فَخَفِيَتْ عُمْرَتُهُ هَذِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَكَذَلِكَ قَالَ محرش الكعبي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [عُذْرُ مَنْ قَالَ اعْتَمَرَ ﷺ مِنَ التَّنْعِيمِ بَعْدَ الْحَجِّ] فَصْلٌ وَأَمَّا مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ اعْتَمَرَ مِنَ التَّنْعِيمِ بَعْدَ الْحَجِّ، فَلَا أَعْلَمُ لَهُ عُذْرًا، فَإِنَّ هَذَا خِلَافُ الْمَعْلُومِ الْمُسْتَفِيضِ مِنْ حَجَّتِهِ، وَلَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ قَطُّ، وَلَا قَالَهُ إِمَامٌ، وَلَعَلَّ ظَانَّ هَذَا سَمِعَ أَنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ، وَرَأَى أَنَّ كُلَّ مَنْ أَفْرَدَ الْحَجَّ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ بَعْدَهُ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَنَزَّلَ حَجَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا عَيْنُ الْغَلَطِ.

стр. 595

[عذر مَنْ قَالَ لَمْ يَعْتَمِرْ ﷺ فِي حَجَّتِهِ أَصْلًا] فَصْلٌ وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي حَجَّتِهِ أَصْلًا، فَعُذْرُهُ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ، وَعَلِمَ يَقِينًا أَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ بَعْدَ حَجَّتِهِ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ اكْتِفَاءً مِنْهُ بِالْعُمْرَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَالْأَحَادِيثُ الْمُسْتَفِيضَةُ الصَّحِيحَةُ تَرُدُّ قَوْلَهُ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ وَجْهًا، وَقَدْ قَالَ: ( «هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا» ) وَقَالَتْ حفصة: مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ وَقَالَ سراقة بن مالك: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وعائشة، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَصَرَّحَ أنس، وَابْنُ عَبَّاسٍ وعائشة أَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي حَجَّتِهِ وَهِيَ إِحْدَى عُمَرِهِ الْأَرْبَعِ. [اعْتَمَرَ ﷺ عُمْرَةً حَلَّ مِنْهَا] فَصْلٌ وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ اعْتَمَرَ عُمْرَةً حَلَّ مِنْهَا، كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَمَنْ وَافَقَهُ، فَعُذْرُهُمْ مَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وعائشة، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَغَيْرِهِمْ «أَنَّهُ ﷺ تَمَتَّعَ» ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَمَتُّعٌ حَلَّ مِنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ، فَلَمَّا أَخْبَرَ معاوية أَنَّهُ قَصَّرَ عَنْ رَأْسِهِ بِمِشْقَصٍ عَلَى الْمَرْوَةِ، وَحَدِيثُهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " دَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي غَيْرِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّ معاوية إِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَكُنْ زَمَنَ الْفَتْحِ مُحْرِمًا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ لِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ " وَذَلِكَ فِي حَجَّتِهِ ". وَالثَّانِي: أَنَّ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (وَذَلِكَ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ) وَهَذَا إِنَّمَا كَانَ فِي حَجَّتِهِ، وَحَمَلَ هَؤُلَاءِ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى أَنَّ الْمُتْعَةَ كَانَتْ لَهُ خَاصَّةً

стр. 596

عَلَى أَنَّ طَائِفَةً مِنْهُمْ خُصُّوا بِالتَّحْلِيلِ مِنَ الْإِحْرَامِ مَعَ سَوْقِ الْهَدْيِ دُونَ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ آخَرُونَ، مِنْهُمْ شَيْخُنَا أبو العباس. وَقَالُوا: مَنْ تَأَمَّلَ الْأَحَادِيثَ الْمُسْتَفِيضَةَ الصَّحِيحَةَ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَحِلَّ لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ سَاقَ الْهَدْيَ. [فصل فِي أَعْذَارِ الَّذِينَ وَهِمُوا فِي صِفَةِ حَجَّتِهِ] فَصْلٌ فِي أَعْذَارِ الَّذِينَ وَهِمُوا فِي صِفَةِ حَجَّتِهِ أَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ حَجَّ حَجًّا مُفْرَدًا، لَمْ يَعْتَمِرْ فِيهِ، فَعُذْرُهُ مَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عائشة، أَنَّهَا قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ» . وَقَالُوا: هَذَا التَّقْسِيمُ وَالتَّنْوِيعُ صَرِيحٌ فِي إِهْلَالِهِ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ. ولمسلم عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا» ) . وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ» ) . وَفِي " صَحِيحِ مسلم "، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ بِالْحَجِّ» . وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ "، عَنْ جابر، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (أَفْرَدَ الْحَجَّ» ) . وَفِي " صَحِيحِ مسلم " عَنْهُ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ» .

стр. 597

وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ "، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْنِي عائشة (أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ [ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ] ، ثُمَّ حَجَّ أبو بكر ﵁، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ عمر ﵁ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عثمان فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ معاوية، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا عُمْرَةً، وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ، فَلَا يَسْأَلُونَهُ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حِينَ يَضَعُونَ أَقْدَامَهُمْ أَوَّلَ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ، وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي وَخَالَتِي حِينَ تَقْدَمَانِ لَا تَبْدَآنِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنَ الْبَيْتِ تَطُوفَانِ بِهِ، ثُمَّ إِنَّهُمَا لَا تَحِلَّانِ، وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا والزبير، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، بِعُمْرَةٍ فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا» ) . وَفِي" سُنَنِ أبي داود ": حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَوُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائشة قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَالَ: (مَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ» ) ثُمَّ انْفَرَدَ وهيب فِي حَدِيثِهِ بِأَنْ قَالَ عَنْهُ ﷺ : ( «فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ» ) . وَقَالَ الْآخَرُ: ( «وَأَمَّا أَنَا فَأُهِلُّ بِالْحَجِّ» ) فَصَحَّ بِمَجْمُوعِ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ (أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا) . فَأَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ عُذْرُهُمْ ظَاهِرٌ كَمَا تَرَى، وَلَكِنْ مَا عُذْرُهُمْ فِي حُكْمِهِ وَخَبَرِهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَخْبَرَ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ، وَخَبَرُ مَنْ هُوَ تَحْتَ بَطْنِ نَاقَتِهِ، وَأَقْرَبُ إِلَيْهِ حِينَئِذٍ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ يَسْمَعُهُ

стр. 598

يَقُولُ: ( «لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ» ) ، وَخَبَرُ مَنْ هُوَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ عَنْهُ ﷺ ، عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، حِينَ يُخْبِرُ أَنَّهُ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا، وَلَبَّى بِهِمَا جَمِيعًا، وَخَبَرُ زَوْجَتِهِ حفصة فِي تَقْرِيرِهِ لَهَا عَلَى أَنَّهُ مُعْتَمِرٌ بِعُمْرَةٍ لَمْ يَحِلَّ مِنْهَا، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهَا، بَلْ صَدَّقَهَا، وَأَجَابَهَا بِأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ حَاجٌّ، وَهُوَ ﷺ لَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ يَسْمَعُهُ أَصْلًا، بَلْ يُنْكِرُهُ. وَمَا عُذْرُهُمْ عَنْ خَبَرِهِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ بِالْوَحْيِ الَّذِي جَاءَهُ مِنْ رَبِّهِ، يَأْمُرُهُ فِيهِ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ فِي عُمْرَةٍ، وَمَا عُذْرُهُمْ عَنْ خَبَرِ مَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ قَرَنَ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَحُجُّ بَعْدَهَا، وَخَبَرِ مَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ وَلَيْسَ مَعَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَتَّةَ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْهُ: إِنِّي أَفْرَدْتُ، وَلَا أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي يَأْمُرُنِي بِالْإِفْرَادِ، وَلَا قَالَ أَحَدٌ: مَا بَالُ النَّاسِ حَلُّوا، وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ حَجَّتِكَ، كَمَا حَلُّوا هُمْ بِعُمْرَةٍ، وَلَا قَالَ أَحَدٌ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ الْبَتَّةَ، وَلَا بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، وَلَا قَالَ أَحَدٌ: إِنَّهُ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ الرَّابِعَةَ بَعْدَ حَجَّتِهِ، وَقَدْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ قَارِنٌ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى دَفْعِ ذَلِكَ إِلَّا بِأَنْ يُقَالَ: لَمْ يَسْمَعُوهُ. وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ تَطَرُّقَ الْوَهْمِ وَالْغَلَطِ إِلَى مَنْ أَخْبَرَ عَمَّا فَهِمَهُ هُوَ مِنْ فِعْلِهِ يَظُنُّهُ كَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ تَطَرُّقِ التَّكْذِيبِ إِلَى مَنْ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَذَا وَكَذَا وَإِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ فَإِنَّ هَذَا لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ إِلَّا التَّكْذِيبُ، بِخِلَافِ خَبَرِ مَنْ أَخْبَرَ عَمَّا ظَنَّهُ مِنْ فِعْلِهِ وَكَانَ وَاهِمًا، فَإِنَّهُ لَا يُنْسَبُ إِلَى الْكَذِبِ، وَلَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ عَلِيًّا، وَأَنَسًا، وَالْبَرَاءَ، وَحَفْصَةَ عَنْ أَنْ يَقُولُوا: سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: كَذَا وَلَمْ يَسْمَعُوهُ وَنَزَّهَهُ رَبُّهُ ﵎، أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ: أَنِ افْعَلْ كَذَا وَكَذَا وَلَمْ يَفْعَلْهُ، هَذَا مِنْ أَمْحَلِ الْمُحَالِ وَأَبْطَلِ الْبَاطِلِ، فَكَيْفَ وَالَّذِينَ ذَكَرُوا الْإِفْرَادَ عَنْهُ لَمْ يُخَالِفُوا هَؤُلَاءِ فِي مَقْصُودِهِمْ، وَلَا نَاقَضُوهُمْ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا إِفْرَادَ الْأَعْمَالِ، وَاقْتِصَارَهُ عَلَى عَمَلِ الْمُفْرَدِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي عَمَلِهِ زِيَادَةٌ عَلَى عَمَلِ الْمُفْرَدِ. وَمَنْ رَوَى عَنْهُمْ مَا يُوهِمُ خِلَافَ هَذَا، فَإِنَّهُ عَبَّرَ بِحَسَبِ مَا فَهِمَهُ كَمَا سَمِعَ بكر بن عبد الله بن عمر يَقُولُ: أَفْرَدَ الْحَجَّ، فَقَالَ (لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ) فَحَمَلَهُ عَلَى الْمَعْنَى. وَقَالَ سَالِمٌ ابْنُهُ عَنْهُ وَنَافِعٌ مَوْلَاهُ. إِنَّهُ تَمَتَّعَ، فَبَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ

стр. 599

بِالْحَجِّ، فَهَذَا سَالِمٌ يُخْبِرُ بِخِلَافِ مَا أَخْبَرَ بِهِ بَكْرٌ، وَلَا يَصِحُّ تَأْوِيلُ هَذَا عَنْهُ بِأَنَّهُ أُمِرَ بِهِ، فَإِنَّهُ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: وَبَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَكَذَا الَّذِينَ رَوَوُا الْإِفْرَادَ عَنْ عائشة ﵂، فَهُمَا: عروة، والقاسم، وَرَوَى الْقِرَانَ عَنْهَا عروة، ومجاهد، وأبو الأسود يَرْوِي عَنْ عروة الْإِفْرَادَ، وَالزُّهْرِيُّ يَرْوِي عَنْهُ الْقِرَانَ. فَإِنْ قَدَّرْنَا تَسَاقُطَ الرِّوَايَتَيْنِ، سَلِمَتْ رِوَايَةُ مجاهد، وَإِنْ حُمِلَتْ رِوَايَةُ الْإِفْرَادِ عَلَى أَنَّهُ أَفْرَدَ أَعْمَالَ الْحَجِّ، تَصَادَقَتِ الرِّوَايَاتُ وَصَدَّقَ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَلَا رَيْبَ أَنَّ قَوْلَ عائشة وَابْنِ عُمَرَ (أَفْرَدَ الْحَجَّ) ، مُحْتَمِلٌ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: الْإِهْلَالُ بِهِ مُفْرَدًا. الثَّانِي: إِفْرَادُ أَعْمَالِهِ. الثَّالِثُ أَنَّهُ حَجَّ حَجَّةً وَاحِدَةً لَمْ يَحُجَّ مَعَهَا غَيْرَهَا، بِخِلَافِ الْعُمْرَةِ فَإِنَّهَا كَانَتْ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُمَا: تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَبَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَحَكَيَا فِعْلَهُ، فَهَذَا صَرِيحٌ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَعْنًى وَاحِدٍ، فَلَا يَجُوزُ رَدُّهُ بِالْمُجْمَلِ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ وعمرة عَنْ عائشة أَنَّهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مَا يُنَاقِضُ رِوَايَةَ مجاهد وعروة عَنْهَا أَنَّهُ قَرَنَ، فَإِنَّ الْقَارِنَ حَاجٌّ مُهِلٌّ بِالْحَجِّ قَطْعًا، وَعُمْرَتُهُ جُزْءٌ مِنْ حَجَّتِهِ، فَمَنْ أَخْبَرَ عَنْهَا أَنَّهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَهُوَ غَيْرُ صَادِقٍ. فَإِنْ ضُمَّتْ رِوَايَةُ مجاهد إِلَى رِوَايَةِ عمرة والأسود ثُمَّ ضُمَّتَا إِلَى رِوَايَةِ عروة تَبَيَّنَ مِنْ مَجْمُوعِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا، وَصَدَّقَ بَعْضُهَا بَعْضًا، حَتَّى لَوْ لَمْ يَحْتَمِلْ قَوْلُ عائشة وَابْنِ عُمَرَ إِلَّا مَعْنَى الْإِهْلَالِ بِهِ مُفْرَدًا، لَوَجَبَ قَطْعًا أَنْ يَكُونَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ، وَقَوْلِ عائشة أَوْ عروة: إِنَّهُ ﷺ (اعْتَمَرَ فِي شَوَّالٍ) ، إِلَّا أَنَّ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ لَا سَبِيلَ أَصْلًا إِلَى تَكْذِيبِ رُوَاتِهَا، وَلَا تَأْوِيلِهَا وَحَمْلِهَا عَلَى غَيْرِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَقْدِيمِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُجْمَلَةِ الَّتِي قَدِ اضْطَرَبَتْ عَلَى رُوَاتِهَا، وَاخْتُلِفَ عَنْهُمْ فِيهَا، وَعَارَضَهُمْ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُمْ أَوْ مِثْلُهُمْ عَلَيْهَا.

стр. 600

وَأَمَّا قَوْلُ جابر: إِنَّهُ (أَفْرَدَ الْحَجَّ) ، فَالصَّرِيحُ مِنْ حَدِيثِهِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا، وَإِنَّمَا فِيهِ إِخْبَارُهُ عَنْهُمْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَنْوُونَ إِلَّا الْحَجَّ فَأَيْنَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَبَّى بِالْحَجِّ مُفْرَدًا. وَأَمَّا حَدِيثُهُ الْآخَرُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : (أَفْرَدَ الْحَجَّ) » ، فَلَهُ ثَلَاثُ طُرُقٍ: أَجْوَدُهَا: طَرِيقُ الدراوردي عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، وَهَذَا يَقِينًا مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَمَرْوِيٌّ بِالْمَعْنَى، وَالنَّاسُ خَالَفُوا الدراوردي فِي ذَلِكَ. وَقَالُوا: أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: فِيهَا مطرف بن مصعب، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جعفر ومطرف قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: هُوَ مَجْهُولٌ، قُلْتُ: لَيْسَ هُوَ بِمَجْهُولٍ، وَلَكِنَّهُ ابْنُ أُخْتِ مالك رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، وَبِشْرُ بْنُ مُوسَى، وَجَمَاعَةٌ. قَالَ أبو حاتم: صَدُوقٌ مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ، هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: يَأْتِي بِمَنَاكِيرَ، وَكَأَنَّ أبا محمد بن حزم رَأَى فِي النُّسْخَةِ مطرف بن مصعب فَجَهِلَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مطرف أبو مصعب، وَهُوَ مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار. وَمِمَّنْ غَلِطَ فِي هَذَا أَيْضًا، محمد بن عثمان الذهبي فِي كِتَابِهِ " الضُّعَفَاءِ " فَقَالَ: مطرف بن مصعب المدني عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. قُلْتُ: وَالرَّاوِي عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، والدراوردي، ومالك هُوَ مطرف أبو مصعب المدني، وَلَيْسَ بِمُنْكَرِ الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا غَرَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَدِيٍّ يَأْتِي بِمَنَاكِيرَ، ثُمَّ سَاقَ لَهُ مِنْهَا ابْنُ عَدِيٍّ جُمْلَةً لَكِنْ هِيَ مِنْ رِوَايَةِ أحمد بن داود بن صالح عَنْهُ، كَذَّبَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَلَاءُ فِيهَا مِنْهُ. وَالطَّرِيقُ الثَّالِثُ: لِحَدِيثِ جابر فِيهَا محمد بن عبد الوهاب يُنْظَرُ فِيهِ مَنْ هُوَ وَمَا حَالُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، إِنْ كَانَ الطَّائِفِيُّ فَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ ابْنِ مَعِينٍ، ضَعِيفٌ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: سَاقِطٌ الْبَتَّةَ وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فِيهِ لِغَيْرِهِ، وَقَدِ اسْتَشْهَدَ بِهِ مسلم، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَلَا أَدْرِي مَنْ هُوَ؟ قُلْتُ: لَيْسَ بِغَيْرِهِ بَلْ هُوَ الطَّائِفِيُّ يَقِينًا. وَبِكُلِّ حَالٍ فَلَوْ صَحَّ هَذَا عَنْ جابر لَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَرْوِيِّ عَنْ عائشة وَابْنِ عُمَرَ وَسَائِرِ الرُّوَاةِ الثِّقَاتِ، إِنَّمَا قَالُوا: (أَهَلَّ
следующие страницы →