← Сира

Сира · id 21713

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Полный текст (2 628 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

عَلَى أَنَّ طَائِفَةً مِنْهُمْ خُصُّوا بِالتَّحْلِيلِ مِنَ الْإِحْرَامِ مَعَ سَوْقِ الْهَدْيِ دُونَ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ آخَرُونَ، مِنْهُمْ شَيْخُنَا أبو العباس. وَقَالُوا: مَنْ تَأَمَّلَ الْأَحَادِيثَ الْمُسْتَفِيضَةَ الصَّحِيحَةَ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَحِلَّ لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ سَاقَ الْهَدْيَ. [فصل فِي أَعْذَارِ الَّذِينَ وَهِمُوا فِي صِفَةِ حَجَّتِهِ] فَصْلٌ فِي أَعْذَارِ الَّذِينَ وَهِمُوا فِي صِفَةِ حَجَّتِهِ أَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ حَجَّ حَجًّا مُفْرَدًا، لَمْ يَعْتَمِرْ فِيهِ، فَعُذْرُهُ مَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عائشة، أَنَّهَا قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ» . وَقَالُوا: هَذَا التَّقْسِيمُ وَالتَّنْوِيعُ صَرِيحٌ فِي إِهْلَالِهِ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ. ولمسلم عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا» ) . وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ» ) . وَفِي " صَحِيحِ مسلم "، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ بِالْحَجِّ» . وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ "، عَنْ جابر، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (أَفْرَدَ الْحَجَّ» ) . وَفِي " صَحِيحِ مسلم " عَنْهُ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ» .

стр. 597

وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ "، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْنِي عائشة (أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ [ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ] ، ثُمَّ حَجَّ أبو بكر ﵁، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ عمر ﵁ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عثمان فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ معاوية، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا عُمْرَةً، وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ، فَلَا يَسْأَلُونَهُ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حِينَ يَضَعُونَ أَقْدَامَهُمْ أَوَّلَ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ، وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي وَخَالَتِي حِينَ تَقْدَمَانِ لَا تَبْدَآنِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنَ الْبَيْتِ تَطُوفَانِ بِهِ، ثُمَّ إِنَّهُمَا لَا تَحِلَّانِ، وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا والزبير، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، بِعُمْرَةٍ فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا» ) . وَفِي" سُنَنِ أبي داود ": حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَوُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائشة قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَالَ: (مَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ» ) ثُمَّ انْفَرَدَ وهيب فِي حَدِيثِهِ بِأَنْ قَالَ عَنْهُ ﷺ : ( «فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ» ) . وَقَالَ الْآخَرُ: ( «وَأَمَّا أَنَا فَأُهِلُّ بِالْحَجِّ» ) فَصَحَّ بِمَجْمُوعِ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ (أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا) . فَأَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ عُذْرُهُمْ ظَاهِرٌ كَمَا تَرَى، وَلَكِنْ مَا عُذْرُهُمْ فِي حُكْمِهِ وَخَبَرِهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَخْبَرَ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ، وَخَبَرُ مَنْ هُوَ تَحْتَ بَطْنِ نَاقَتِهِ، وَأَقْرَبُ إِلَيْهِ حِينَئِذٍ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ يَسْمَعُهُ

стр. 598

يَقُولُ: ( «لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ» ) ، وَخَبَرُ مَنْ هُوَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ عَنْهُ ﷺ ، عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، حِينَ يُخْبِرُ أَنَّهُ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا، وَلَبَّى بِهِمَا جَمِيعًا، وَخَبَرُ زَوْجَتِهِ حفصة فِي تَقْرِيرِهِ لَهَا عَلَى أَنَّهُ مُعْتَمِرٌ بِعُمْرَةٍ لَمْ يَحِلَّ مِنْهَا، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهَا، بَلْ صَدَّقَهَا، وَأَجَابَهَا بِأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ حَاجٌّ، وَهُوَ ﷺ لَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ يَسْمَعُهُ أَصْلًا، بَلْ يُنْكِرُهُ. وَمَا عُذْرُهُمْ عَنْ خَبَرِهِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ بِالْوَحْيِ الَّذِي جَاءَهُ مِنْ رَبِّهِ، يَأْمُرُهُ فِيهِ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ فِي عُمْرَةٍ، وَمَا عُذْرُهُمْ عَنْ خَبَرِ مَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ قَرَنَ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَحُجُّ بَعْدَهَا، وَخَبَرِ مَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ وَلَيْسَ مَعَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَتَّةَ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْهُ: إِنِّي أَفْرَدْتُ، وَلَا أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي يَأْمُرُنِي بِالْإِفْرَادِ، وَلَا قَالَ أَحَدٌ: مَا بَالُ النَّاسِ حَلُّوا، وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ حَجَّتِكَ، كَمَا حَلُّوا هُمْ بِعُمْرَةٍ، وَلَا قَالَ أَحَدٌ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ الْبَتَّةَ، وَلَا بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، وَلَا قَالَ أَحَدٌ: إِنَّهُ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ الرَّابِعَةَ بَعْدَ حَجَّتِهِ، وَقَدْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ قَارِنٌ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى دَفْعِ ذَلِكَ إِلَّا بِأَنْ يُقَالَ: لَمْ يَسْمَعُوهُ. وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ تَطَرُّقَ الْوَهْمِ وَالْغَلَطِ إِلَى مَنْ أَخْبَرَ عَمَّا فَهِمَهُ هُوَ مِنْ فِعْلِهِ يَظُنُّهُ كَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ تَطَرُّقِ التَّكْذِيبِ إِلَى مَنْ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَذَا وَكَذَا وَإِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ فَإِنَّ هَذَا لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ إِلَّا التَّكْذِيبُ، بِخِلَافِ خَبَرِ مَنْ أَخْبَرَ عَمَّا ظَنَّهُ مِنْ فِعْلِهِ وَكَانَ وَاهِمًا، فَإِنَّهُ لَا يُنْسَبُ إِلَى الْكَذِبِ، وَلَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ عَلِيًّا، وَأَنَسًا، وَالْبَرَاءَ، وَحَفْصَةَ عَنْ أَنْ يَقُولُوا: سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: كَذَا وَلَمْ يَسْمَعُوهُ وَنَزَّهَهُ رَبُّهُ ﵎، أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ: أَنِ افْعَلْ كَذَا وَكَذَا وَلَمْ يَفْعَلْهُ، هَذَا مِنْ أَمْحَلِ الْمُحَالِ وَأَبْطَلِ الْبَاطِلِ، فَكَيْفَ وَالَّذِينَ ذَكَرُوا الْإِفْرَادَ عَنْهُ لَمْ يُخَالِفُوا هَؤُلَاءِ فِي مَقْصُودِهِمْ، وَلَا نَاقَضُوهُمْ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا إِفْرَادَ الْأَعْمَالِ، وَاقْتِصَارَهُ عَلَى عَمَلِ الْمُفْرَدِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي عَمَلِهِ زِيَادَةٌ عَلَى عَمَلِ الْمُفْرَدِ. وَمَنْ رَوَى عَنْهُمْ مَا يُوهِمُ خِلَافَ هَذَا، فَإِنَّهُ عَبَّرَ بِحَسَبِ مَا فَهِمَهُ كَمَا سَمِعَ بكر بن عبد الله بن عمر يَقُولُ: أَفْرَدَ الْحَجَّ، فَقَالَ (لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ) فَحَمَلَهُ عَلَى الْمَعْنَى. وَقَالَ سَالِمٌ ابْنُهُ عَنْهُ وَنَافِعٌ مَوْلَاهُ. إِنَّهُ تَمَتَّعَ، فَبَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ

стр. 599

بِالْحَجِّ، فَهَذَا سَالِمٌ يُخْبِرُ بِخِلَافِ مَا أَخْبَرَ بِهِ بَكْرٌ، وَلَا يَصِحُّ تَأْوِيلُ هَذَا عَنْهُ بِأَنَّهُ أُمِرَ بِهِ، فَإِنَّهُ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: وَبَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَكَذَا الَّذِينَ رَوَوُا الْإِفْرَادَ عَنْ عائشة ﵂، فَهُمَا: عروة، والقاسم، وَرَوَى الْقِرَانَ عَنْهَا عروة، ومجاهد، وأبو الأسود يَرْوِي عَنْ عروة الْإِفْرَادَ، وَالزُّهْرِيُّ يَرْوِي عَنْهُ الْقِرَانَ. فَإِنْ قَدَّرْنَا تَسَاقُطَ الرِّوَايَتَيْنِ، سَلِمَتْ رِوَايَةُ مجاهد، وَإِنْ حُمِلَتْ رِوَايَةُ الْإِفْرَادِ عَلَى أَنَّهُ أَفْرَدَ أَعْمَالَ الْحَجِّ، تَصَادَقَتِ الرِّوَايَاتُ وَصَدَّقَ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَلَا رَيْبَ أَنَّ قَوْلَ عائشة وَابْنِ عُمَرَ (أَفْرَدَ الْحَجَّ) ، مُحْتَمِلٌ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: الْإِهْلَالُ بِهِ مُفْرَدًا. الثَّانِي: إِفْرَادُ أَعْمَالِهِ. الثَّالِثُ أَنَّهُ حَجَّ حَجَّةً وَاحِدَةً لَمْ يَحُجَّ مَعَهَا غَيْرَهَا، بِخِلَافِ الْعُمْرَةِ فَإِنَّهَا كَانَتْ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُمَا: تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَبَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَحَكَيَا فِعْلَهُ، فَهَذَا صَرِيحٌ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَعْنًى وَاحِدٍ، فَلَا يَجُوزُ رَدُّهُ بِالْمُجْمَلِ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ وعمرة عَنْ عائشة أَنَّهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مَا يُنَاقِضُ رِوَايَةَ مجاهد وعروة عَنْهَا أَنَّهُ قَرَنَ، فَإِنَّ الْقَارِنَ حَاجٌّ مُهِلٌّ بِالْحَجِّ قَطْعًا، وَعُمْرَتُهُ جُزْءٌ مِنْ حَجَّتِهِ، فَمَنْ أَخْبَرَ عَنْهَا أَنَّهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَهُوَ غَيْرُ صَادِقٍ. فَإِنْ ضُمَّتْ رِوَايَةُ مجاهد إِلَى رِوَايَةِ عمرة والأسود ثُمَّ ضُمَّتَا إِلَى رِوَايَةِ عروة تَبَيَّنَ مِنْ مَجْمُوعِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا، وَصَدَّقَ بَعْضُهَا بَعْضًا، حَتَّى لَوْ لَمْ يَحْتَمِلْ قَوْلُ عائشة وَابْنِ عُمَرَ إِلَّا مَعْنَى الْإِهْلَالِ بِهِ مُفْرَدًا، لَوَجَبَ قَطْعًا أَنْ يَكُونَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ، وَقَوْلِ عائشة أَوْ عروة: إِنَّهُ ﷺ (اعْتَمَرَ فِي شَوَّالٍ) ، إِلَّا أَنَّ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ لَا سَبِيلَ أَصْلًا إِلَى تَكْذِيبِ رُوَاتِهَا، وَلَا تَأْوِيلِهَا وَحَمْلِهَا عَلَى غَيْرِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَقْدِيمِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُجْمَلَةِ الَّتِي قَدِ اضْطَرَبَتْ عَلَى رُوَاتِهَا، وَاخْتُلِفَ عَنْهُمْ فِيهَا، وَعَارَضَهُمْ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُمْ أَوْ مِثْلُهُمْ عَلَيْهَا.

стр. 600

وَأَمَّا قَوْلُ جابر: إِنَّهُ (أَفْرَدَ الْحَجَّ) ، فَالصَّرِيحُ مِنْ حَدِيثِهِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا، وَإِنَّمَا فِيهِ إِخْبَارُهُ عَنْهُمْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَنْوُونَ إِلَّا الْحَجَّ فَأَيْنَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَبَّى بِالْحَجِّ مُفْرَدًا. وَأَمَّا حَدِيثُهُ الْآخَرُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : (أَفْرَدَ الْحَجَّ) » ، فَلَهُ ثَلَاثُ طُرُقٍ: أَجْوَدُهَا: طَرِيقُ الدراوردي عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، وَهَذَا يَقِينًا مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَمَرْوِيٌّ بِالْمَعْنَى، وَالنَّاسُ خَالَفُوا الدراوردي فِي ذَلِكَ. وَقَالُوا: أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: فِيهَا مطرف بن مصعب، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جعفر ومطرف قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: هُوَ مَجْهُولٌ، قُلْتُ: لَيْسَ هُوَ بِمَجْهُولٍ، وَلَكِنَّهُ ابْنُ أُخْتِ مالك رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، وَبِشْرُ بْنُ مُوسَى، وَجَمَاعَةٌ. قَالَ أبو حاتم: صَدُوقٌ مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ، هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: يَأْتِي بِمَنَاكِيرَ، وَكَأَنَّ أبا محمد بن حزم رَأَى فِي النُّسْخَةِ مطرف بن مصعب فَجَهِلَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مطرف أبو مصعب، وَهُوَ مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار. وَمِمَّنْ غَلِطَ فِي هَذَا أَيْضًا، محمد بن عثمان الذهبي فِي كِتَابِهِ " الضُّعَفَاءِ " فَقَالَ: مطرف بن مصعب المدني عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. قُلْتُ: وَالرَّاوِي عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، والدراوردي، ومالك هُوَ مطرف أبو مصعب المدني، وَلَيْسَ بِمُنْكَرِ الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا غَرَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَدِيٍّ يَأْتِي بِمَنَاكِيرَ، ثُمَّ سَاقَ لَهُ مِنْهَا ابْنُ عَدِيٍّ جُمْلَةً لَكِنْ هِيَ مِنْ رِوَايَةِ أحمد بن داود بن صالح عَنْهُ، كَذَّبَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَلَاءُ فِيهَا مِنْهُ. وَالطَّرِيقُ الثَّالِثُ: لِحَدِيثِ جابر فِيهَا محمد بن عبد الوهاب يُنْظَرُ فِيهِ مَنْ هُوَ وَمَا حَالُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، إِنْ كَانَ الطَّائِفِيُّ فَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ ابْنِ مَعِينٍ، ضَعِيفٌ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: سَاقِطٌ الْبَتَّةَ وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فِيهِ لِغَيْرِهِ، وَقَدِ اسْتَشْهَدَ بِهِ مسلم، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَلَا أَدْرِي مَنْ هُوَ؟ قُلْتُ: لَيْسَ بِغَيْرِهِ بَلْ هُوَ الطَّائِفِيُّ يَقِينًا. وَبِكُلِّ حَالٍ فَلَوْ صَحَّ هَذَا عَنْ جابر لَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَرْوِيِّ عَنْ عائشة وَابْنِ عُمَرَ وَسَائِرِ الرُّوَاةِ الثِّقَاتِ، إِنَّمَا قَالُوا: (أَهَلَّ

стр. 601

بِالْحَجِّ) فَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ حَمَلُوهُ عَلَى الْمَعْنَى، وَقَالُوا: (أَفْرَدَ الْحَجَّ) وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعُمْرَةَ إِذَا دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ فَمَنْ قَالَ: (أَهَلَّ بِالْحَجِّ) ، لَا يُنَاقِضُ مَنْ قَالَ: أَهَلَّ بِهِمَا، بَلْ هَذَا فَصَّلَ وَذَاكَ أَجْمَلَ. وَمَنْ قَالَ: (أَفْرَدَ الْحَجَّ) يَحْتَمِلُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ، وَلَكِنْ هَلْ قَالَ أَحَدٌ قَطُّ عَنْهُ: إِنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: " لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ مُفْرَدَةٍ "، هَذَا مَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، حَتَّى لَوْ وُجِدَ ذَلِكَ لَمْ يُقَدَّمْ عَلَى تِلْكَ الْأَسَاطِينِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَالَّتِي لَا سَبِيلَ إِلَى دَفْعِهَا الْبَتَّةَ، وَكَانَ تَغْلِيطُ هَذَا أَوْ حَمْلُهُ عَلَى أَوَّلِ الْإِحْرَامِ وَأَنَّهُ صَارَ قَارِنًا فِي أَثْنَائِهِ مُتَعَيِّنًا، فَكَيْفَ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جابر ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «قَرَنَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» . رَوَاهُ زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ، عَنْ عبد الله بن أبي زياد القطواني، عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، عَنْ سفيان. وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ: أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَفْرَدَ بِالْحَجِّ وَلَبَّى بِالْحَجِّ كَمَا تَقَدَّمَ. [التَّرْجِيحُ لِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى الْقِرَانَ] فَصْلٌ فَحَصَلَ التَّرْجِيحُ لِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى الْقِرَانَ لِوُجُوهٍ عَشَرَةٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ أَكْثَرُ كَمَا تَقَدَّمَ. الثَّانِي: أَنَّ طُرُقَ الْإِخْبَارِ بِذَلِكَ تَنَوَّعَتْ كَمَا بَيَّنَّاهُ. الثَّالِثُ: أَنَّ فِيهِمْ مَنْ أَخْبَرَ عَنْ سَمَاعِهِ وَلَفْظِهِ صَرِيحًا، وَفِيهِمْ مَنْ أَخْبَرَ عَنْ إِخْبَارِهِ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَفِيهِمْ مَنْ أَخْبَرَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ لَهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَجِئْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْإِفْرَادِ. الرَّابِعُ: تَصْدِيقُ رِوَايَاتِ مَنْ رَوَى أَنَّهُ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ لَهَا. الْخَامِسُ: أَنَّهَا صَرِيحَةٌ لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ بِخِلَافِ رِوَايَاتِ الْإِفْرَادِ. السَّادِسُ: أَنَّهَا مُتَضَمِّنَةٌ زِيَادَةً سَكَتَ عَنْهَا أَهْلُ الْإِفْرَادِ أَوْ نَفَوْهَا، وَالذَّاكِرُ

стр. 602

الزَّائِدُ مُقَدَّمٌ عَلَى السَّاكِتِ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي. السَّابِعُ: أَنَّ رُوَاةَ الْإِفْرَادِ أَرْبَعَةٌ: عائشة، وَابْنُ عُمَرَ، وجابر، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْأَرْبَعَةُ رَوَوُا الْقِرَانَ، فَإِنْ صِرْنَا إِلَى تَسَاقُطِ رِوَايَاتِهِمْ، سَلِمَتْ رِوَايَةُ مَنْ عَدَاهُمْ لِلْقِرَانِ عَنْ مُعَارِضٍ، وَإِنْ صِرْنَا إِلَى التَّرْجِيحِ، وَجَبَ الْأَخْذُ بِرِوَايَةِ مَنْ لَمْ تَضْطَرِبِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، وَلَا اخْتَلَفَتْ كالبراء، وأنس، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وحفصة، وَمَنْ مَعَهُمْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ. الثَّامِنُ: أَنَّهُ النُّسُكُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ مِنْ رَبِّهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِيَعْدِلَ عَنْهُ. التَّاسِعُ: أَنَّهُ النُّسُكُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ كُلُّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَلَمْ يَكُنْ لِيَأْمُرَهُمْ بِهِ إِذَا سَاقُوا الْهَدْيَ، ثُمَّ يَسُوقُ هُوَ الْهَدْيَ وَيُخَالِفُهُ. الْعَاشِرُ: أَنَّهُ النُّسُكُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ آلَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَاخْتَارَهُ لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَخْتَارَ لَهُمْ إِلَّا مَا اخْتَارَ لِنَفْسِهِ. وَثَمَّتَ تَرْجِيحٌ حَادِي عَشَرَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ( «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ) ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا قَدْ صَارَتْ جُزْءًا مِنْهُ، أَوْ كَالْجُزْءِ الدَّاخِلِ فِيهِ، بِحَيْثُ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ، وَإِنَّمَا تَكُونُ مَعَ الْحَجِّ كَمَا يَكُونُ الدَّاخِلُ فِي الشَّيْءِ مَعَهُ. وَتَرْجِيحٌ ثَانِي عَشَرَ: وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ للصبي بن معبد وَقَدْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ، أَوْ سلمان بن ربيعة، فَقَالَ لَهُ عمر: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَهَذَا يُوَافِقُ رِوَايَةَ عمر عَنْهُ ﷺ أَنَّ الْوَحْيَ جَاءَهُ مِنَ اللَّهِ بِالْإِهْلَالِ بِهِمَا جَمِيعًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقِرَانَ سُنَّتُهُ الَّتِي فَعَلَهَا، وَامْتَثَلَ أَمْرَ اللَّهِ لَهُ بِهَا. وَتَرْجِيحٌ ثَالِثَ عَشَرَ: أَنَّ الْقَارِنَ تَقَعُ أَعْمَالُهُ عَنْ كُلٍّ مِنَ النُّسُكَيْنِ، فَيَقَعُ

стр. 603

إِحْرَامُهُ وَطَوَافُهُ وَسَعْيُهُ عَنْهُمَا مَعًا، وَذَلِكَ أَكْمَلُ مِنْ وُقُوعِهِ عَنْ أَحَدِهِمَا، وَعَمَلِ كُلِّ فِعْلٍ عَلَى حِدَةٍ. وَتَرْجِيحٌ رَابِعَ عَشَرَ: وَهُوَ أَنَّ النُّسُكَ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَى سَوْقِ الْهَدْيِ أَفْضَلُ بِلَا رَيْبٍ مِنْ نُسُكٍ خَلَا عَنِ الْهَدْيِ. فَإِذَا قَرَنَ، كَانَ هَدْيُهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ النُّسُكَيْنِ، فَلَمْ يَخْلُ نُسُكٌ مِنْهُمَا عَنْ هَدْيٍ، وَلِهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بِقَوْلِهِ: " «إِنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ» ". وَتَرْجِيحٌ خَامِسَ عَشَرَ: وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِفْرَادِ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا: أَنَّهُ ﷺ أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَيْهِ، وَمُحَالٌ أَنْ يَنْقُلَهُمْ مِنَ الْفَاضِلِ إِلَى الْمَفْضُولِ الَّذِي هُوَ دُونَهُ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ تَأَسَّفَ عَلَى كَوْنِهِ لَمْ يَفْعَلْهُ بِقَوْلِهِ: ( «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً» ) . وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ كُلَّ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْحَجَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ وَفِعْلُ أَصْحَابِهِ الْقِرَانُ لِمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَالتَّمَتُّعُ لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، وَلِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ غَيْرِ هَذِهِ، وَالْمُتَمَتِّعُ إِذَا سَاقَ الْهَدْيَ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ مُتَمَتِّعٍ اشْتَرَاهُ مِنْ مَكَّةَ، بَلْ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: لَا هَدْيَ إِلَّا مَا جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْقَارِنُ السَّائِقُ أَفْضَلُ مِنْ مُتَمَتِّعٍ لَمْ يَسُقْ، وَمِنْ مُتَمَتِّعٍ سَاقَ الْهَدْيَ لِأَنَّهُ قَدْ سَاقَ مِنْ حِينِ أَحْرَمَ، وَالْمُتَمَتِّعُ إِنَّمَا يَسُوقُ الْهَدْيَ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ مُفْرِدٌ لَمْ يَسُقْ هَدْيًا، أَفْضَلَ مِنْ مُتَمَتِّعٍ سَاقَهُ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ؟ فَكَيْفَ إِذَا جُعِلَ أَفْضَلَ مِنْ قَارِنٍ سَاقَهُ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَهَذَا بِحَمْدِ اللَّهِ وَاضِحٌ. [عُذْرُ مَنْ قَالَ حَجَّ ﷺ مُتَمَتِّعًا تَمَتُّعًا حَلَّ فِيهِ مِنْ إِحْرَامِهِ] فَصْلٌ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ حَجَّ مُتَمَتِّعًا تَمَتُّعًا حَلَّ فِيهِ مِنْ إِحْرَامِهِ، ثُمَّ أَحْرَمَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ بِالْحَجِّ مَعَ سَوْقِ الْهَدْيِ. فَعُذْرُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ معاوية، أَنَّهُ قَصَّرَ عَنْ

стр. 604

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ فِي الْعَشْرِ، وَفِي لَفْظٍ: وَذَلِكَ فِي حَجَّتِهِ. وَهَذَا مِمَّا أَنْكَرَهُ النَّاسُ عَلَى معاوية، وَغَلَّطُوهُ فِيهِ، وَأَصَابَهُ فِيهِ مَا أَصَابَ ابْنَ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ، فَإِنَّ سَائِرَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ مِنَ الْوُجُوهِ الْمُتَعَدِّدَةِ كُلَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ إِلَّا يَوْمَ النَّحْرِ، وَلِذَلِكَ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ( «لَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ» ) ، وَقَوْلِهِ: ( «إِنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ فَلَا أُحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» ) . وَهَذَا خَبَرٌ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَا يَدْخُلُهُ الْوَهْمُ وَلَا الْغَلَطُ، بِخِلَافِ خَبَرِ غَيْرِهِ عَنْهُ، لَا سِيَّمَا خَبَرًا يُخَالِفُ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَخْبَرَ عَنْهُ بِهِ الْجَمُّ الْغَفِيرُ، أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا، لَا بِتَقْصِيرٍ وَلَا حَلْقٍ، وَأَنَّهُ بَقِيَ عَلَى إِحْرَامِهِ حَتَّى حَلَقَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَعَلَّ معاوية قَصَّرَ عَنْ رَأْسِهِ فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ، فَإِنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ قَدْ أَسْلَمَ، ثُمَّ نَسِيَ، فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْعَشْرِ، كَمَا نَسِيَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَهُ كَانَتْ كُلُّهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ. وَقَالَ: كَانَتْ [إِحْدَاهُنَّ] فِي رَجَبٍ، وَقَدْ كَانَ مَعَهُ فِيهَا، وَالْوَهْمُ جَائِزٌ عَلَى مَنْ سِوَى الرَّسُولِ ﷺ . فَإِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، صَارَ وَاجِبًا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ معاوية لَعَلَّهُ قَصَّرَ عَنْ رَأْسِهِ بَقِيَّةَ شَعْرٍ لَمْ يَكُنِ اسْتَوْفَاهُ الْحَلَّاقُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَأَخَذَهُ معاوية عَلَى الْمَرْوَةِ، ذَكَرَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ، وَهَذَا أَيْضًا مِنْ وَهْمِهِ، فَإِنَّ الْحَلَّاقَ لَا يُبْقِي غَلَطًا شَعْرًا يُقَصِّرُ مِنْهُ، ثُمَّ يُبْقِي مِنْهُ بَعْدَ التَّقْصِيرِ بَقِيَّةً يَوْمَ النَّحْرِ، وَقَدْ قَسَمَ شَعْرَ رَأْسِهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، فَأَصَابَ أبا طلحة أَحَدَ الشِّقَّيْنِ، وَبَقِيَّةُ الصَّحَابَةِ اقْتَسَمُوا الشِّقَّ الْآخَرَ، الشَّعْرَةَ وَالشَّعْرَتَيْنِ وَالشَّعَرَاتِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمْ يَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا سَعْيًا وَاحِدًا وَهُوَ سَعْيُهُ الْأَوَّلُ، لَمْ يَسْعَ عَقِبَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَلَا اعْتَمَرَ بَعْدَ الْحَجِّ قَطْعًا، فَهَذَا وَهْمٌ مَحْضٌ. وَقِيلَ: هَذَا

стр. 605

الْإِسْنَادُ إِلَى معاوية وَقَعَ فِيهِ غَلَطٌ وَخَطَأٌ، أَخْطَأَ فِيهِ الحسن بن علي، فَجَعَلَهُ عَنْ معمر، عَنِ ابن طاووس، وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ هشام بن حجير، عَنِ ابن طاووس، وهشام ضَعِيفٌ. قُلْتُ: وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ معاوية، «قَصَّرْتُ عَنْ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ» وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، وَالَّذِي عِنْدَ مسلم: «قَصَّرْتُ عَنْ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ عَلَى الْمَرْوَةِ» . وَلَيْسَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " غَيْرُ ذَلِكَ. وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى " فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ " فَلَيْسَتْ فِي الصَّحِيحِ، وَهِيَ مَعْلُولَةٌ، أَوْ وَهْمٌ مِنْ معاوية. قَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ: رَاوِيهَا عَنْ عطاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ، وَالنَّاسُ يُنْكِرُونَ هَذَا عَلَى معاوية. وَصَدَقَ قيس، فَنَحْنُ نَحْلِفُ بِاللَّهِ: إِنَّ هَذَا مَا كَانَ فِي الْعَشْرِ قَطُّ. وَيُشْبِهُ هَذَا وَهْمُ معاوية فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أبو داود، عَنْ قتادة، عَنْ أبي شيخ الهنائي، أَنَّ معاوية قَالَ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : «هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ كَذَا، وَعَنْ رُكُوبِ جُلُودِ النُّمُورِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؟ قَالُوا: أَمَّا هَذِهِ فَلَا. فَقَالَ: أَمَا إِنَّهَا مَعَهَا وَلَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ» . وَنَحْنُ نَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّ هَذَا وَهْمٌ مِنْ معاوية، أَوْ كَذِبٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَنْهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ قَطُّ، وأبو شيخ شَيْخٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الثِّقَاتِ الْحُفَّاظِ الْأَعْلَامِ، وَإِنْ رَوَى عَنْهُ قتادة وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ. وَاسْمُهُ خيوان بن خلدة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ.

стр. 606

[الرد على من زعم أنه ﵌ حج متمتعا] فَصْلٌ وَأَمَّا مَنْ قَالَ: حَجَّ مُتَمَتِّعًا تَمَتُّعًا لَمْ يَحِلَّ مِنْهُ لِأَجْلِ سَوْقِ الْهَدْيِ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ " الْمُغْنِي " وَطَائِفَةٌ، فَعُذْرُهُمْ قَوْلُ عائشة وَابْنِ عُمَرَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَوْلُ حفصة: مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ، وَقَوْلُ سعد فِي الْمُتْعَةِ: قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ، «وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ: هِيَ حَلَالٌ، فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: إِنَّ أَبَاكَ قَدْ نَهَى عَنْهَا، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ أَبِي نَهَى عَنْهَا، وَصَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌، أَأَمْرَ أَبِي تَتْبَعُ، أَمْ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: بَلْ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَقَالَ: (لَقَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ » . قَالَ هَؤُلَاءِ: وَلَوْلَا الْهَدْيُ لَحَلَّ كَمَا يَحِلُّ الْمُتَمَتِّعُ الَّذِي لَا هَدْيَ مَعَهُ، وَلِهَذَا قَالَ: " «لَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ» "، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمَانِعَ لَهُ مِنَ الْحِلِّ سَوْقُ الْهَدْيِ، وَالْقَارِنُ إِنَّمَا يَمْنَعُهُ مِنَ الْحِلِّ الْقِرَانُ لَا الْهَدْيُ. وَأَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ قَدْ يُسَمُّونَ هَذَا الْمُتَمَتِّعَ قَارِنًا، لِكَوْنِهِ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنَ الْعُمْرَةِ وَلَكِنَّ الْقِرَانَ الْمَعْرُوفَ أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعًا، أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ قَبْلَ الطَّوَافِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ السَّائِقِ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: مِنَ الْإِحْرَامِ، فَإِنَّ الْقَارِنَ هُوَ الَّذِي يُحْرِمُ بِالْحَجِّ قَبْلَ الطَّوَافِ، إِمَّا فِي ابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ، أَوْ فِي أَثْنَائِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَارِنَ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا سَعْيٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ أَتَى بِهِ أَوَّلًا، وَإِلَّا سَعَى عَقِيبَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَالْمُتَمَتِّعُ عَلَيْهِ سَعْيٌ ثَانٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَعَنْ أحمد

стр. 607

رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ يَكْفِيهِ سَعْيٌ وَاحِدٌ كَالْقَارِنِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَسْعَ سَعْيًا ثَانِيًا عَقِيبَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، وَلَا يَتَوَجَّهُ الْإِلْزَامُ، وَلَهَا وَجْهٌ قَوِيٌّ مِنَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ مسلم فِي " صَحِيحِهِ "، عَنْ جابر قَالَ: «لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا» . طَوَافَهُ الْأَوَّلَ هَذَا، مَعَ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا مُتَمَتِّعِينَ. وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ: حَلَفَ طَاوُوسٌ: مَا طَافَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ لِحَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا. قِيلَ: الَّذِينَ نَظَرُوا أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا تَمَتُّعًا خَاصًّا، لَا يَقُولُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ، بَلْ يُوجِبُونَ عَلَيْهِ سَعْيَيْنِ، وَالْمَعْلُومُ مِنْ سُنَّتِهِ ﵌ أَنَّهُ لَمْ يَسْعَ إِلَّا سَعْيًا وَاحِدًا، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَرَنَ، وَقَدِمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَا قَصَّرَ، وَلَا حَلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَنَحَرَ وَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌. وَمُرَادُهُ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَضَى بِهِ حَجَّهُ وَعُمْرَتَهُ: الطَّوَافُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بِلَا رَيْبٍ. وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ عطاء ونافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وجابر: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، إِنَّمَا طَافَ لِحَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ طَوَافًا وَاحِدًا، وَسَعَى سَعْيًا وَاحِدًا، ثُمَّ قَدِمَ مَكَّةَ، فَلَمْ يَسْعَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الصَّدَرِ» . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ، وَلَا بُدَّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَارِنًا،

стр. 608

وَهُوَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ مَنْ أَوْجَبَ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ سَعْيَيْنِ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهُ، وَإِمَّا أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يَكْفِيهِ سَعْيٌ وَاحِدٌ، وَلَكِنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي بَيَانِ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ، فَلَا يُعْدَلُ عَنْهَا. . فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى شعبة، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ مطرف عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ ( «طَافَ طَوَافَيْنِ، وَسَعَى سَعْيَيْنِ» ) . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابن صاعد: حَدَّثَنَا محمد بن يحيى الأزدي، حَدَّثَنَا عبد الله بن داود، عَنْ شعبة. قِيلَ: هَذَا خَبَرٌ مَعْلُولٌ وَهُوَ غَلَطٌ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: يُقَالُ: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى حَدَّثَ بِهَذَا مِنْ حِفْظِهِ، فَوَهِمَ فِي مَتْنِهِ، وَالصَّوَابُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ» ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ غَلَطٌ. وَأَظُنُّ أَنَّ الشَّيْخَ أبا محمد بن قدامة، إِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ كَانَ مُتَمَتِّعًا، لِأَنَّهُ رَأَى الْإِمَامَ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَانِ، وَرَأَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَكُنْ لِيَخْتَارَ لِرَسُولِهِ إِلَّا الْأَفْضَلَ، وَرَأَى الْأَحَادِيثَ قَدْ جَاءَتْ بِأَنَّهُ تَمَتَّعَ، وَرَأَى أَنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ، فَأَخَذَ مِنْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ الْأَرْبَعِ أَنَّهُ تَمَتَّعَ تَمَتُّعًا خَاصًّا لَمْ يَحِلَّ مِنْهُ، وَلَكِنَّ أحمد لَمْ يُرَجِّحِ التَّمَتُّعَ؛ لِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ حَجَّ مُتَمَتِّعًا، كَيْفَ وَهُوَ الْقَائِلُ: لَا أَشُكُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ كَانَ قَارِنًا، وَإِنَّمَا اخْتَارَ التَّمَتُّعَ لِكَوْنِهِ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ الصَّحَابَةَ أَنْ يَفْسَخُوا حَجَّهُمْ إِلَيْهِ وَتَأَسَّفَ عَلَى فَوْتِهِ. وَلَكِنْ نَقَلَ عَنْهُ المروزي، أَنَّهُ إِذَا سَاقَ الْهَدْيَ، فَالْقِرَانُ أَفْضَلُ، فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ جَعَلَ هَذَا رِوَايَةً ثَانِيَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْمَسْأَلَةَ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَأَنَّهُ إِنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَالْقِرَانُ أَفْضَلُ، وَإِنْ لَمْ يَسُقْ فَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ شَيْخِنَا، وَهِيَ

стр. 609

الَّتِي تَلِيقُ بِأُصُولِ أحمد، وَالنَّبِيُّ ﵌ لَمْ يَتَمَنَّ أَنَّهُ كَانَ جَعَلَهَا عُمْرَةً مَعَ سَوْقِهِ الْهَدْيَ، بَلْ وَدَّ أَنَّهُ كَانَ جَعَلَهَا عُمْرَةً وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ. بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: فَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَفْضَلُ، أَنْ يَسُوقَ وَيُقْرِنَ، أَوْ يَتْرُكَ السَّوْقَ وَيَتَمَتَّعَ كَمَا وَدَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ. قِيلَ: قَدْ تَعَارَضَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَمْرَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ﷺ قَرَنَ وَسَاقَ الْهَدْيَ، وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِيَخْتَارَ لَهُ إِلَّا أَفْضَلَ الْأُمُورِ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ جَاءَهُ الْوَحْيُ بِهِ مِنْ رَبِّهِ تَعَالَى، وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُهُ ﷺ . وَالثَّانِي قَوْلُهُ: ( «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً» ) . فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا الْوَقْتُ الَّذِي تَكَلَّمَ فِيهِ هُوَ وَقْتَ إِحْرَامِهِ، لَكَانَ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، لِأَنَّ الَّذِي اسْتَدْبَرَهُ هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ، وَمَضَى فَصَارَ خَلْفَهُ، وَالَّذِي اسْتَقْبَلَهُ هُوَ الَّذِي لَمْ يَفْعَلْهُ بَعْدُ، بَلْ هُوَ أَمَامَهُ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْتَقْبِلًا لَمَا اسْتَدْبَرَهُ، وَهُوَ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ دُونَ هَدْيٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَخْتَارُ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنِ الْأَفْضَلِ إِلَى الْمَفْضُولِ، بَلْ إِنَّمَا يَخْتَارُ الْأَفْضَلَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ تَرْجِيحُ التَّمَتُّعِ. وَلِمَنْ رَجَّحَ الْقِرَانَ مَعَ السَّوْقِ أَنْ يَقُولَ: هُوَ ﷺ لَمْ يَقُلْ هَذَا؛ لِأَجْلِ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ مَفْضُولٌ مَرْجُوحٌ، بَلْ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ شَقَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِهِمْ مَعَ بَقَائِهِ هُوَ مُحْرِمًا، وَكَانَ يَخْتَارُ مُوَافَقَتَهُمْ لِيَفْعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ مَعَ انْشِرَاحٍ وَقَبُولٍ وَمَحَبَّةٍ، وَقَدْ يَنْتَقِلُ عَنِ الْأَفْضَلِ إِلَى الْمَفْضُولِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُوَافَقَةِ وَتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ، كَمَا (قَالَ لعائشة: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ» ) ، فَهَذَا تَرْكُ مَا هُوَ الْأَوْلَى لِأَجْلِ الْمُوَافَقَةِ وَالتَّأْلِيفِ، فَصَارَ هَذَا هُوَ الْأَوْلَى

стр. 610

فِي هَذِهِ الْحَالِ، فَكَذَلِكَ اخْتِيَارُهُ لِلْمُتْعَةِ بِلَا هَدْيٍ. وَفِي هَذَا جَمَعَ بَيْنَ مَا فَعَلَهُ وَبَيْنَ مَا وَدَّهُ وَتَمَنَّاهُ، وَيَكُونُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا: بِفِعْلِهِ لَهُ، وَالثَّانِي: بِتَمَنِّيهِ وَوُدِّهِ لَهُ، فَأَعْطَاهُ أَجْرَ مَا فَعَلَهُ، وَأَجْرَ مَا نَوَاهُ مِنَ الْمُوَافَقَةِ وَتَمَنَّاهُ، وَكَيْفَ يَكُونُ نُسُكٌ يَتَخَلَّلُهُ التَّحَلُّلُ وَلَمْ يَسُقْ فِيهِ الْهَدْيَ أَفْضَلَ مِنْ نُسُكٍ لَمْ يَتَخَلَّلْهُ تَحَلُّلٌ، وَقَدْ سَاقَ فِيهِ مِائَةَ بَدَنَةٍ، وَكَيْفَ يَكُونُ نُسُكٌ أَفْضَلَ فِي حَقِّهِ مِنْ نُسُكٍ اخْتَارَهُ اللَّهُ لَهُ، وَأَتَاهُ بِهِ الْوَحْيُ مِنْ رَبِّهِ. فَإِنْ قِيلَ: التَّمَتُّعُ وَإِنْ تَخَلَّلَهُ تَحَلُّلٌ، لَكِنْ قَدْ تَكَرَّرَ فِيهِ الْإِحْرَامُ، وَإِنْشَاؤُهُ عِبَادَةٌ مَحْبُوبَةٌ لِلرَّبِّ، وَالْقِرَانُ لَا يَتَكَرَّرُ فِيهِ الْإِحْرَامُ؟ قِيلَ: فِي تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ بِسَوْقِ الْهَدْيِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِذَلِكَ مِنَ الْفَضْلِ مَا لَيْسَ فِي مُجَرَّدِ تَكَرُّرِ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ إِنَّ اسْتِدَامَتَهُ قَائِمَةٌ مَقَامَ تَكَرُّرِهِ، وَسَوْقُ الْهَدْيِ لَا مُقَابِلَ لَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَأَيُّمَا أَفْضَلُ، إِفْرَادٌ يَأْتِي عَقِيبَهُ بِالْعُمْرَةِ، أَوْ تَمَتُّعٌ يَحِلُّ مِنْهُ ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ عَقِيبَهُ؟ قِيلَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَظُنَّ أَنَّ نُسُكًا قَطُّ أَفْضَلُ مِنَ النُّسُكِ الَّذِي اخْتَارَهُ اللَّهُ لِأَفْضَلِ الْخَلْقِ، وَسَادَاتِ الْأُمَّةِ، وَأَنْ نَقُولَ فِي نُسُكٍ لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ حَجُّوا مَعَهُ، بَلْ وَلَا غَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِ: إِنَّهُ أَفْضَلُ مِمَّا فَعَلُوهُ بِأَمْرِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَجٌّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَفْضَلَ مِنَ الْحَجِّ الَّذِي حَجَّهُ النَّبِيُّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأُمِرَ بِهِ أَفْضَلُ الْخَلْقِ، وَاخْتَارَهُ لَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِفَسْخِ مَا عَدَاهُ مِنَ الْأَنْسَاكِ إِلَيْهِ، وَوَدَّ أَنَّهُ كَانَ فَعَلَهُ لَا حَجَّ قَطُّ أَكْمَلُ مِنْ هَذَا. وَهَذَا وَإِنْ صَحَّ عَنْهُ الْأَمْرُ لِمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ بِالْقِرَانِ، وَلِمَنْ لَمْ يَسُقْ بِالتَّمَتُّعِ، فَفِي جَوَازِ خِلَافِهِ نَظَرٌ، وَلَا يُوحِشْكَ قِلَّةُ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ ذَلِكَ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْبَحْرَ الَّذِي لَا يُنْزَفُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وَجَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَالسُّنَّةُ هِيَ الْحَكَمُ بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

стр. 611

[عُذْرُ مَنْ قَالَ حَجَّ ﷺ قَارِنًا طَافَ لَهُمَا طَوَافَيْنِ وَسَعَى لَهُمَا سَعْيَيْنِ] فَصْلٌ وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ حَجَّ قَارِنًا قِرَانًا طَافَ لَهُ طَوَافَيْنِ، وَسَعَى لَهُ سَعْيَيْنِ، كَمَا قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ، فَعُذْرُهُ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ مجاهد، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ مَعًا، وَقَالَ: سَبِيلُهُمَا وَاحِدٌ، قَالَ: وَطَافَ لَهُمَا طَوَافَيْنِ، وَسَعَى لَهُمَا سَعْيَيْنِ. وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ» . «وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَطَافَ لَهُمَا طَوَافَيْنِ، وَسَعَى لَهُمَا سَعْيَيْنِ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ» . وَعَنْ علي ﵁ أَيْضًا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قَارِنًا، فَطَافَ طَوَافَيْنِ، وَسَعَى سَعْيَيْنِ» . وَعَنْ علقمة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ طَوَافَيْنِ، وَسَعَى سَعْيَيْنِ، وأبو بكر، وعمر، وعلي، وَابْنُ مَسْعُودٍ» . وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ طَوَافَيْنِ، وَسَعَى سَعْيَيْنِ» . وَمَا أَحْسَنَ هَذَا الْعُذْرَ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ صَحِيحَةً، بَلْ لَا يَصِحُّ مِنْهَا حَرْفٌ وَاحِدٌ. أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَفِيهِ الحسن بن عمارة، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَمْ يَرْوِهِ عَنِ الحكم غَيْرُ الحسن بن عمارة، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ.

стр. 612

وَأَمَّا حَدِيثُ علي ﵁ الْأَوَّلُ، فَيَرْوِيهِ حفص بن أبي داود. وَقَالَ أحمد ومسلم: حفص مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ خِرَاشٍ: هُوَ كَذَّابٌ يَضَعُ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، ضَعِيفٌ. وَأَمَّا حَدِيثُهُ الثَّانِي: فَيَرْوِيهِ عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي. حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: عيسى بن عبد الله يُقَالُ لَهُ مُبَارَكٌ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَأَمَّا حَدِيثُ علقمة عَنْ عبد الله، فَيَرْوِيهِ أبو بردة عمرو بن يزيد، عَنْ حماد عَنْ إبراهيم، عَنْ علقمة. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وأبو بردة ضَعِيفٌ، وَمَنْ دُونَهُ فِي الْإِسْنَادِ ضُعَفَاءُ انْتَهَى. وَفِيهِ عبد العزيز بن أبان، قَالَ يحيى: هُوَ كَذَّابٌ خَبِيثٌ. وَقَالَ الرازي وَالنَّسَائِيُّ: مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَأَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، فَهُوَ مِمَّا غَلِطَ فِيهِ محمد بن يحيى الأزدي، وَحَدَّثَ بِهِ مِنْ حِفْظِهِ، فَوَهِمَ فِيهِ، وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ عَلَى الصَّوَابِ مِرَارًا، وَيُقَالُ: إِنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذِكْرِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ الدراوردي، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ قَرَنَ بَيْنَ حَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ، أَجْزَأَهُ لَهُمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ» ) . وَلَفْظُ الترمذي: ( «مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ طَوَافٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ عَنْهُمَا، حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» ) . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ (عَنْ عائشة ﵂ قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ

стр. 613

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ: " مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا» ) . وَصَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لعائشة: ( «إِنَّ طَوَافَكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، يَكْفِيكِ لِحَجَّكِ وَعُمْرَتِكِ» ) . وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عطاء، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا لِحَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ» . وعبد الملك: أَحَدُ الثِّقَاتِ الْمَشْهُورِينَ، احْتَجَّ بِهِ مسلم، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ. وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الْمِيزَانُ، وَلَمْ يُتَكَلَّمْ فِيهِ بِضَعْفٍ وَلَا جُرْحٍ، وَإِنَّمَا أُنْكِرَ عَلَيْهِ حَدِيثُ الشُّفْعَةِ. وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْهُ عَارُهَا وَقَدْ رَوَى الترمذي عَنْ جابر ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا» ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، فَقَدْ رَوَى عَنْهُ سفيان، وشعبة، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وعبد الرزاق، وَالْخَلْقُ عَنْهُ. قَالَ الثَّوْرِيُّ: وَمَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْرَفُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِهِ مِنْهُ، وَعِيبَ عَلَيْهِ التَّدْلِيسُ، وَقَلَّ مَنْ سَلِمَ مِنْهُ. وَقَالَ أحمد: كَانَ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَهُوَ صَدُوقٌ يُدَلِّسُ. وَقَالَ أبو حاتم: إِذَا قَالَ حَدَّثَنَا، فَهُوَ صَادِقٌ لَا نَرْتَابُ فِي صِدْقِهِ وَحِفْظِهِ. وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ، مِنْ حَدِيثِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عطاء، وطاووس، ومجاهد، عَنْ جابر، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ

стр. 614

يَطُفْ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا لِعُمْرَتِهِمْ وَحَجِّهِمْ» ، وَلَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، احْتَجَّ بِهِ أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَاسْتَشْهَدَ بِهِ مسلم، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: كَانَ صَاحِبَ سُنَّةٍ، وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا عَلَيْهِ الْجَمْعَ بَيْنَ عطاء وطاووس ومجاهد حَسْبُ، وَقَالَ عبد الوارث: كَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ، وَقَالَ أحمد: مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ، وَلَكِنْ حَدَّثَ عَنْهُ النَّاسُ، وَضَعَّفَهُ النَّسَائِيُّ، ويحيى فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَمِثْلُ هَذَا حَدِيثُهُ حَسَنٌ. وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الصِّحَّةِ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ جابر قَالَ: ( «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عائشة، ثُمَّ وَجَدَهَا تَبْكِي فَقَالَ: " مَا يُبْكِيكِ؟ "، فَقَالَتْ: قَدْ حِضْتُ وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ، وَلَمْ أَحِلَّ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَقَالَ: " اغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلِّي فَفَعَلَتْ، ثُمَّ وَقَفَتِ الْمَوَاقِفَ حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ، طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ قَالَ: " قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكَ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا» ) . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهَا كَانَتْ قَارِنَةً، وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَارِنَ يَكْفِيهِ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ. وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ تِلْكَ الْعُمْرَةِ الَّتِي حَاضَتْ فِيهَا، ثُمَّ أَدْخَلَتْ عَلَيْهَا الْحَجَّ، وَأَنَّهَا لَمْ تَرْفُضْ إِحْرَامَ الْعُمْرَةِ بِحَيْضِهَا، وَإِنَّمَا رَفَضَتْ أَعْمَالَهَا وَالِاقْتِصَارَ عَلَيْهَا، وعائشة لَمْ تَطُفْ أَوَّلًا طَوَافَ الْقُدُومِ، بَلْ لَمْ تَطُفْ إِلَّا بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَسَعَتْ مَعَ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيُ بَعْدُ يَكْفِي الْقَارِنَ، فَلِأَنْ يَكْفِيَهُ طَوَافُ الْقُدُومِ مَعَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَالسَّعْيُ بَعْدُ يَكْفِي الْقَارِنَ، فَلِأَنْ يَكْفِيَهُ طَوَافُ الْقُدُومِ مَعَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَسَعْيٌ وَاحِدٌ مَعَ أَحَدِهِمَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، لَكِنَّ عائشة تَعَذَّرَ عَلَيْهَا الطَّوَافُ الْأَوَّلُ، فَصَارَتْ قِصَّتُهَا حُجَّةً، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي يَتَعَذَّرُ عَلَيْهَا الطَّوَافُ الْأَوَّلُ، تَفْعَلُ كَمَا فَعَلَتْ عائشة، تُدْخِلُ

стр. 615

الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَتَصِيرُ قَارِنَةً، وَيَكْفِيهَا لَهُمَا طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيُ عَقِيبَهُ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَطُفْ طَوَافَيْنِ، وَلَا سَعَى سَعْيَيْنِ. قَوْلُ عائشة ﵂: وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَوْلُ جابر: «لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا، طَوَافَهُ الْأَوَّلَ» . رَوَاهُ مسلم. وَقَوْلُهُ لعائشة: ( «يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» ) رَوَاهُ مسلم. وَقَوْلُهُ لَهَا فِي رِوَايَةِ أبي داود: ( «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَكْفِيكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا» ) . وَقَوْلُهُ لَهَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ لَمَّا طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ: " «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا» "، قَالَ: وَالصَّحَابَةُ الَّذِينَ نَقَلُوا حَجَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّهُمْ نَقَلُوا أَنَّهُمْ لَمَّا طَافُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَمَرَهُمْ بِالتَّحْلِيلِ إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ إِلَّا يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ طَافَ وَسَعَى، ثُمَّ طَافَ وَسَعَى. وَمِنَ الْمَعْلُومِ، أَنَّ مِثْلَ هَذَا مِمَّا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ. فَلَمَّا لَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ. وَعُمْدَةُ مَنْ قَالَ بِالطَّوَافَيْنِ وَالسَّعْيَيْنِ، أَثَرٌ يَرْوِيهِ الْكُوفِيُّونَ، عَنْ علي وَآخَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵄. وَقَدْ رَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ علي ﵁ أَنَّ الْقَارِنَ يَكْفِيهِ طَوَافٌ وَاحِدٌ، وَسَعْيٌ وَاحِدٌ، خِلَافَ مَا رَوَى أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَمَا رَوَاهُ الْعِرَاقِيُّونَ، مِنْهُ مَا هُوَ مُنْقَطِعٌ، وَمِنْهُ مَا رِجَالُهُ مَجْهُولُونَ أَوْ مَجْرُوحُونَ، وَلِهَذَا طَعَنَ عُلَمَاءُ النَّقْلِ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: كُلُّ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ، لَا يَصِحُّ مِنْهُ وَلَا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ. وَقَدْ نُقِلَ فِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا هُوَ مَوْضُوعٌ بِلَا رَيْبٍ. وَقَدْ حَلَفَ طَاوُوسٌ: مَا طَافَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ ﷺ لِحَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا، وَقَدْ ثَبَتَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وجابر، وَغَيْرِهِمْ ﵃، وَهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يُخَالِفُوهَا، بَلْ هَذِهِ الْآثَارُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُمْ لَمْ يَطُوفُوا بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً.

стр. 616

وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ، هَلْ عَلَيْهِمَا سَعْيَانِ أَوْ سَعْيٌ وَاحِدٌ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فِي مَذْهَبِ أحمد وَغَيْرِهِ. أَحَدُهَا: لَيْسَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَّا سَعْيٌ وَاحِدٌ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أحمد فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عبد الله. قَالَ عبد الله: قُلْتُ لِأَبِي: الْمُتَمَتِّعُ كَمْ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ قَالَ: إِنْ طَافَ طَوَافَيْنِ، فَهُوَ أَجْوَدُ. وَإِنْ طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا، فَلَا بَأْسَ. قَالَ شَيْخُنَا: وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. الثَّانِي: الْمُتَمَتِّعُ عَلَيْهِ سَعْيَانِ، وَالْقَارِنُ عَلَيْهِ سَعْيٌ وَاحِدٌ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي فِي مَذْهَبِهِ، وَقَوْلُ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَصْحَابِ مالك وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَالثَّالِثُ: إِنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَعْيَيْنِ، كَمَذْهَبِ أبي حنيفة ﵀، وَيَذْكُرُ قَوْلًا فِي مَذْهَبِ أحمد ﵀، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالَّذِي تَقَدَّمَ، هُوَ بَسْطُ قَوْلِ شَيْخِنَا وَشَرْحُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [عُذْرُ مَنْ قَالَ حَجَّ ﷺ مُفْرِدًا اعْتَمَرَ عَقِيبَهُ مِنَ التَّنْعِيمِ] فَصْلٌ وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهُ حَجَّ حَجًّا مُفْرَدًا اعْتَمَرَ عَقِيبَهُ مِنَ التَّنْعِيمِ، فَلَا يُعْلَمُ لَهُمْ عُذْرٌ الْبَتَّةَ إِلَّا مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ، وَأَنَّ عَادَةَ الْمُفْرِدِينَ أَنْ يَعْتَمِرُوا مِنَ التَّنْعِيمِ، فَتَوَهَّمُوا أَنَّهُ فَعَلَ كَذَلِكَ. [فصل فيمن غلط في إهلاله ﷺ ] فَصْلٌ وَأَمَّا الَّذِينَ غَلِطُوا فِي إِهْلَالِهِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَبَّى بِالْعُمْرَةِ وَحْدَهَا وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهَا، فَعُذْرُهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَمَتَّعَ، وَالْمُتَمَتِّعُ عِنْدَهُ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ

стр. 617

مُفْرَدَةٍ بِشُرُوطِهَا. وَقَدْ قَالَتْ لَهُ حَفْصَةُ ﵂: مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ وَكُلُّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَالَ: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ، وَلَمْ يَنْقُلْ هَذَا أَحَدٌ عَنْهُ الْبَتَّةَ، فَهُوَ وَهْمٌ مَحْضٌ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ فِي لَفْظِهِ فِي إِهْلَالِهِ تُبْطِلُ هَذَا. [عُذْرُ مَنْ قَالَ لَبَّى ﷺ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ] فَصْلٌ وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، فَعُذْرُهُ مَا ذَكَرْنَا عَمَّنْ قَالَ: أَفْرَدَ الْحَجَّ وَلَبَّى بِالْحَجِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ قَطُّ: إِنَّهُ قَالَ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ مُفْرَدَةٍ، وَإِنَّ الَّذِينَ نَقَلُوا لَفْظَهُ، صَرَّحُوا بِخِلَافِ ذَلِكَ. [عُذْرُ مَنْ قَالَ لَبَّى ﷺ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ] فَصْلٌ وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ، ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ، وَظَنَّ أَنَّهُ بِذَلِكَ تَجْتَمِعُ الْأَحَادِيثُ، فَعُذْرُهُ أَنَّهُ رَأَى أَحَادِيثَ إِفْرَادِهِ بِالْحَجِّ صَحِيحَةً، فَحَمَلَهَا عَلَى ابْتِدَاءِ إِحْرَامِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَتَاهُ آتٍ مِنْ رَبِّهِ تَعَالَى فَقَالَ: قُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ، فَأَدْخَلَ الْعُمْرَةَ حِينَئِذٍ عَلَى الْحَجِّ، فَصَارَ قَارِنًا؛ وَلِهَذَا قَالَ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: " «إِنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ» "، فَكَانَ مُفْرِدًا فِي ابْتِدَاءِ إِحْرَامِهِ، قَارِنًا فِي أَثْنَائِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يَقُلْ إِنَّهُ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، وَلَا لَبَّى بِالْعُمْرَةِ، وَلَا أَفْرَدَ الْعُمْرَةَ، وَلَا قَالَ: خَرَجْنَا لَا نَنْوِي إِلَّا الْعُمْرَةَ، بَلْ قَالُوا: أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَلَبَّى بِالْحَجِّ، وَأَفْرَدَ الْحَجَّ، وَخَرَجْنَا لَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ وَقَعَ أَوَّلًا بِالْحَجِّ، ثُمَّ جَاءَهُ الْوَحْيُ مِنْ رَبِّهِ تَعَالَى بِالْقِرَانِ، فَلَبَّى بِهِمَا فَسَمِعَهُ أنس يُلَبِّي بِهِمَا، وَصَدَقَ وَسَمِعَتْهُ عائشة، وَابْنُ عُمَرَ، وجابر يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَحْدَهُ أَوَّلًا وَصَدَقُوا. قَالُوا: وَبِهَذَا تَتَّفِقُ الْأَحَادِيثُ، وَيَزُولُ عَنْهَا الِاضْطِرَابُ. وَأَرْبَابُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ لَا يُجِيزُونَ إِدْخَالَ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ، وَيَرَوْنَهُ لَغْوًا،

стр. 618

وَيَقُولُونَ: إِنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ. قَالُوا: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ، وأنس قَالَ: أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا، وَكِلَاهُمَا صَادِقٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِهْلَالُهُ بِالْقِرَانِ سَابِقًا عَلَى إِهْلَالِهِ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَحْرَمَ قَارِنًا، لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُحْرِمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، وَيَنْقُلَ الْإِحْرَامَ إِلَى الْإِفْرَادِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، فَسَمِعَهُ ابْنُ عُمَرَ، وعائشة، وجابر، فَنَقَلُوا مَا سَمِعُوهُ، ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ، فَأَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا لَمَّا جَاءَهُ الْوَحْيُ مِنْ رَبِّهِ، فَسَمِعَهُ أنس يُهِلُّ بِهِمَا، فَنَقَلَ مَا سَمِعَهُ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ قَرَنَ، وَأَخْبَرَ عَنْهُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْقِرَانِ، فَاتَّفَقَتْ أَحَادِيثُهُمْ، وَزَالَ عَنْهَا الِاضْطِرَابُ وَالتَّنَاقُضُ. قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ عائشة: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ) . قَالَتْ عائشة: فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَجٍّ وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ مَعَهُ» . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا فِي ابْتِدَاءِ إِحْرَامِهِ، فَعُلِمَ أَنَّ قِرَانَهُ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ فِي هَذَا الْقَوْلِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَدَعْوَى التَّخْصِيصِ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِإِحْرَامٍ لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ مَا يَرُدُّهُ وَيُبْطِلُهُ، وَمِمَّا يَرُدُّهُ أَنَّ أنسا قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ بِالْبَيْدَاءِ، ثُمَّ رَكِبَ، وَصَعِدَ جَبَلَ الْبَيْدَاءِ، وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ» . وَفِي حَدِيثِ عمر، أَنَّ الَّذِي جَاءَهُ مِنْ رَبِّهِ قَالَ لَهُ: " «صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» ". فَكَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَالَّذِي رَوَى عمر أَنَّهُ أُمِرَ بِهِ، وَرَوَى أنس أَنَّهُ فَعَلَهُ سَوَاءٌ، فَصَلَّى الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ قَالَ: " لَبَّيْكَ حَجًّا وَعُمْرَةً ". [هَلْ يَجُوزُ إِدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ] وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي جَوَازِ إِدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَهُمَا

стр. 619

رِوَايَتَانِ عَنْ أحمد، أَشْهَرُهُمَا: إِنَّهُ لَا يَصِحُّ وَالَّذِينَ قَالُوا بِالصِّحَّةِ، كأبي حنيفة وَأَصْحَابِهِ ﵏، بَنَوْهُ عَلَى أُصُولِهِمْ، وَأَنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ، وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ، فَإِذَا أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ، فَقَدِ الْتَزَمَ زِيَادَةَ عَمَلٍ عَلَى الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ، وَمَنْ قَالَ: يَكْفِيهِ طَوَافٌ وَاحِدٌ، وَسَعْيٌ وَاحِدٌ، قَالَ: لَمْ يُسْتَفَدْ بِهَذَا الْإِدْخَالِ إِلَّا سُقُوطُ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، وَلَمْ يَلْتَزِمْ بِهِ زِيَادَةَ عَمَلٍ، بَلْ نُقْصَانَهُ، فَلَا يَجُوزُ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ. [عُذْرُ مَنْ قَالَ أَحْرَمَ ﷺ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ] فَصْلٌ وَأَمَّا الْقَائِلُونَ: إِنَّهُ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ، فَعُذْرُهُمْ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَأَهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ أَحْرَمَ أَوَّلًا بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمَّا حَجَّ زَمَنَ ابن الزبير أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ: «أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي، وَأَهْدَى هَدْيًا اشْتَرَاهُ بِقَدِيدٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ يُهِلُّ بِهِمَا جَمِيعًا حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْحَرْ، وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يُقَصِّرْ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرَمَ مِنْهُ حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَنَحَرَ وَحَلَقَ، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ. وَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » . فَعِنْدَ هَؤُلَاءِ، أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا فِي ابْتِدَاءِ إِحْرَامِهِ، قَارِنًا فِي أَثْنَائِهِ، وَهَؤُلَاءِ أَعْذَرُ مِنَ الَّذِينَ قَبْلَهُمْ، وَإِدْخَالُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ جَائِزٌ بِلَا نِزَاعٍ يُعْرَفُ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عائشة ﵂ بِإِدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ، فَصَارَتْ قَارِنَةً، وَلَكِنْ سِيَاقُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، يَرُدُّ عَلَى أَرْبَابِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ.

стр. 620

فَإِنَّ أنسا أَخْبَرَ أَنَّهُ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا، وَفِي " الصَّحِيحِ " (عَنْ عائشة قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ "، قَالَتْ: وَكَانَ مِنَ الْقَوْمِ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَقَالَتْ: فَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ» ) ، وَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ رَوَاهُ مسلم. فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يُهِلَّ إِذْ ذَاكَ بِعُمْرَةٍ، فَإِذَا جَمَعْتَ بَيْنَ قَوْلِ عائشة هَذَا، وَبَيْنَ قَوْلِهَا فِي " الصَّحِيحِ ": «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» ، وَبَيْنَ قَوْلِهَا وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ، وَالْكُلُّ فِي " الصَّحِيحِ "، عَلِمْتَ أَنَّهَا إِنَّمَا نَفَتْ عُمْرَةً مُفْرَدَةً، وَأَنَّهَا لَمْ تَنْفِ عُمْرَةَ الْقِرَانِ، وَكَانُوا يُسَمُّونَهَا تَمَتُّعًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَاقِضُ إِهْلَالَهُ بِالْحَجِّ، فَإِنَّ عُمْرَةَ الْقِرَانِ فِي ضِمْنِهِ، وَجُزْءٌ مِنْهُ، وَلَا يُنَافِي قَوْلَهَا: أَفْرَدَ الْحَجَّ، فَإِنَّ أَعْمَالَ الْعُمْرَةِ لَمَّا دَخَلَتْ فِي أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَأَفْرَدَتْ أَعْمَالَهُ، كَانَ ذَلِكَ إِفْرَادًا بِالْفِعْلِ. وَأَمَّا التَّلْبِيَةُ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، فَهُوَ إِفْرَادٌ بِالْقَوْلِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَمَتَّعَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ» ، مَرْوِيٌّ بِالْمَعْنَى مِنْ حَدِيثِهِ الْآخَرِ، وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ هُوَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ عَامَ حَجِّهِ فِي فِتْنَةِ ابن الزبير، وَأَنَّهُ بَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ قَالَ: مَا شَأْنُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي، فَأَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَإِنَّمَا أَرَادَ اقْتِصَارَهُ عَلَى طَوَافٍ وَاحِدٍ، وَسَعْيٍ وَاحِدٍ، فَحُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى، وَرُوِيَ بِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَإِنَّمَا الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، وَهَذَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ، بَلْ مُتَعَيَّنٌ، فَإِنَّ عائشة قَالَتْ عَنْهُ: " «لَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ» " وأنس قَالَ عَنْهُ: إِنَّهُ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، أَوْجَبَ حَجًّا وَعُمْرَةً؛ وعمر ﵁ أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّ الْوَحْيَ جَاءَهُ مِنْ رَبِّهِ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ.

стр. 621

فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَصْنَعُونَ بِقَوْلِ الزُّهْرِيِّ: إِنَّ عروة أَخْبَرَهُ عَنْ عائشة بِمِثْلِ حَدِيثِ سالم عَنِ ابْنِ عُمَرَ؟ قِيلَ: الَّذِي أَخْبَرَتْ بِهِ عائشة مِنْ ذَلِكَ، هُوَ أَنَّهُ ﷺ طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا عَنْ حَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِرِوَايَةِ عروة عَنْهَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، «وَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا» ، فَهَذَا مِثْلُ الَّذِي رَوَاهُ سالم عَنْ أَبِيهِ سَوَاءٌ. وَكَيْفَ تَقُولُ عائشة: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَقَدْ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ» "، وَقَالَتْ: «وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ» ؟ فَعُلِمَ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُهِلَّ فِي ابْتِدَاءِ إِحْرَامِهِ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [عُذْرُ مَنْ قَالَ أَحْرَمَ ﷺ إِحْرَامًا مُطْلَقًا لَمْ يُعَيِّنْ فِيهِ نُسُكًا ثُمَّ عَيَّنَهُ بَعْدَ إِحْرَامِهِ] فَصْلٌ وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهُ أَحْرَمَ إِحْرَامًا مُطْلَقًا، لَمْ يُعَيِّنْ فِيهِ نُسُكًا، ثُمَّ عَيَّنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَّا جَاءَهُ الْقَضَاءُ وَهُوَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ ﵀ نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ " اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ ". قَالَ: وَثَبَتَ أَنَّهُ خَرَجَ يَنْتَظِرُ الْقَضَاءَ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ مَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَهَلَّ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَجْعَلَهُ عُمْرَةً، ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ وَصَفَ انْتِظَارَ النَّبِيِّ ﷺ الْقَضَاءَ، إِذْ لَمْ يَحُجَّ مِنَ الْمَدِينَةِ بَعْدَ نُزُولِ الْفَرْضِ طَلَبًا لِلِاخْتِيَارِ فِيمَا وَسَّعَ اللَّهُ مِنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَحْفَظَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُتِيَ بِالْمُتَلَاعِنَيْنِ، فَانْتَظَرَ الْقَضَاءَ، كَذَلِكَ حُفِظَ عَنْهُ فِي الْحَجِّ يَنْتَظِرُ الْقَضَاءَ. وَعُذْرُ أَرْبَابِ هَذَا الْقَوْلِ مَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عائشة ﵂، قَالَتْ: ( «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا نَذْكُرُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً "، وَفِي لَفْظٍ: " يُلَبِّي لَا يَذْكُرُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً» ) ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: ( «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا مِنْ

стр. 622

مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ» ) ، وَقَالَ طَاوُوسٌ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ لَا يُسَمِّي حَجًّا وَلَا عُمْرَةً يَنْتَظِرُ الْقَضَاءَ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً» . .. الْحَدِيثَ. وَقَالَ جابر فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي سِيَاقِ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ وَهُوَ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، فَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ. وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ» ) ، فَأَخْبَرَ جابر أَنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَضَافَ إِلَيْهَا حَجًّا وَلَا عُمْرَةً، وَلَا قِرَانًا، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْذَارِ مَا يُنَاقِضُ أَحَادِيثَ تَعْيِينِهِ النُّسُكَ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَأَنَّهُ الْقِرَانُ. فَأَمَّا حَدِيثُ طَاوُوسٍ، فَهُوَ مُرْسَلٌ لَا يُعَارِضُ بِهِ الْأَسَاطِينَ الْمُسْنَدَاتِ، وَلَا يُعْرَفُ اتِّصَالُهُ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ وَلَا حَسَنٍ. وَلَوْ صَحَّ، فَانْتِظَارُهُ لِلْقَضَاءِ كَانَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِيقَاتِ، فَجَاءَهُ الْقَضَاءُ وَهُوَ بِذَلِكَ الْوَادِي، ( «أَتَاهُ آتٍ مِنْ رَبِّهِ تَعَالَى فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» ) ، فَهَذَا الْقَضَاءُ الَّذِي انْتَظَرَهُ، جَاءَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، فَعَيَّنَ لَهُ الْقِرَانَ. وَقَوْلُ طَاوُوسٍ: نَزَلَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، هُوَ قَضَاءٌ آخَرُ غَيْرُ الْقَضَاءِ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ بِإِحْرَامِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ بِوَادِي الْعَقِيقِ، وَأَمَّا الْقَضَاءُ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَهُوَ قَضَاءُ الْفَسْخِ

стр. 623

الَّذِي أَمَرَ بِهِ الصَّحَابَةَ إِلَى الْعُمْرَةِ، فَحِينَئِذٍ أَمَرَ كُلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ مِنْهُمْ أَنْ يَفْسَخَ حَجَّهُ إِلَى عُمْرَةٍ، وَقَالَ: ( «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً» ) ، وَكَانَ هَذَا أَمْرَ حَتْمٍ بِالْوَحْيِ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا تَوَقَّفُوا فِيهِ قَالَ: " «انْظُرُوا الَّذِي آمُرُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوهُ» ". فَأَمَّا قَوْلُ عائشة: خَرَجْنَا لَا نَذْكُرُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً، فَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا عَنْهَا، وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مَا قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَإِلَّا نَاقَضَ سَائِرَ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ عَنْهَا، أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ عِنْدَ الْمِيقَاتِ بِحَجٍّ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَأَنَّهَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ. وَأَمَّا قَوْلُهَا: نُلَبِّي لَا نَذْكُرُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً، فَهَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ، وَلَمْ تَقُلْ: إِنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ إِلَى مَكَّةَ، هَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا فَإِنَّ الَّذِينَ سَمِعُوا إِحْرَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا أَهَلَّ بِهِ، شَهِدُوا عَلَى ذَلِكَ، وَأَخْبَرُوا بِهِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى رَدِّ رِوَايَاتِهِمْ. وَلَوْ صَحَّ عَنْ عائشة ذَلِكَ، لَكَانَ غَايَتُهُ أَنَّهَا لَمْ تَحْفَظْ إِهْلَالَهُمْ عِنْدَ الْمِيقَاتِ، فَنَفَتْهُ وَحَفِظَهُ غَيْرُهَا مِنَ الصَّحَابَةِ فَأَثْبَتَهُ، وَالرِّجَالُ بِذَلِكَ أَعْلَمُ مِنَ النِّسَاءِ. وَأَمَّا قَوْلُ جابر ﵁: وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّوْحِيدِ، فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا إِخْبَارُهُ عَنْ صِفَةِ تَلْبِيَتِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيٌ لِتَعْيِينِهِ النُّسُكَ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ. وَبِكُلِّ حَالٍ، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ صَرِيحَةً فِي نَفْيِ التَّعْيِينِ، لَكَانَتْ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ أَوْلَى بِالْأَخْذِ مِنْهَا؛ لِكَثْرَتِهَا، وَصِحَّتِهَا، وَاتِّصَالِهَا، وَأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ مُبَيِّنَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِزِيَادَةٍ خَفِيَتْ عَلَى مَنْ نَفَى، وَهَذَا بِحَمْدِ اللَّهِ وَاضِحٌ؛ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [عود إلى سِيَاقِ حَجَّتِهِ ﷺ ] فَصْلٌ وَلْنَرْجِعْ إِلَى سِيَاقِ حَجَّتِهِ ﷺ ( «وَلَبَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ بِالْغِسْلِ» ) ، وَهُوَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى وَزْنِ كِفْلٍ

стр. 624

وَهُوَ مَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنْ خِطْمِيِّ وَنَحْوِهِ يُلَبَّدُ بِهِ الشَّعْرُ حَتَّى لَا يَنْتَشِرَ، وَأَهَلَّ فِي مُصَلَّاهُ، ثُمَّ رَكِبَ عَلَى نَاقَتِهِ، وَأَهَلَّ أَيْضًا، ثُمَّ أَهَلَّ لَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أَوْجَبَ فِي مُصَلَّاهُ، وَأَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ، وَأَهَلَّ حِينَ عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ. وَكَانَ يُهِلُّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ تَارَةً، وَبِالْحَجِّ تَارَةً؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ جُزْءٌ مِنْهُ، فَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: قَرَنَ، وَقِيلَ: تَمَتَّعَ، وَقِيلَ: أَفْرَدَ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الظُّهْرِ بِيَسِيرٍ، وَهَذَا وَهْمٌ مِنْهُ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَهَلَّ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ قَطُّ: إِنَّ إِحْرَامَهُ كَانَ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ لَهُ هَذَا. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: ( «مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الشَّجَرَةِ حِينَ قَامَ بِهِ بَعِيرُهُ» ) ، وَقَدْ قَالَ أنس: إِنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ) ، وَالْحَدِيثَانِ فِي " الصَّحِيحِ ". فَإِذَا جَمَعْتَ أَحَدَهُمَا إِلَى الْآخَرِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ إِنَّمَا أَهَلَّ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ لَبَّى فَقَالَ: ( «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» ) ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِهَذِهِ التَّلْبِيَةِ حَتَّى سَمِعَهَا أَصْحَابُهُ، وَأَمَرَهُمْ

стр. 625

بِأَمْرِ اللَّهِ لَهُ أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ. وَكَانَ حَجُّهُ عَلَى رَحْلٍ، لَا فِي مَحْمِلٍ، وَلَا هَوْدَجٍ وَلَا عَمَّارِيَّةٍ، وَزَامِلَتُهُ تَحْتَهُ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ رُكُوبِ الْمُحْرِمِ فِي الْمَحْمِلِ، وَالْهَوْدَجِ وَالْعَمَّارِيَّةِ وَنَحْوِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ، هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، أَحَدُهُمَا: الْجَوَازُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وأبي حنيفة. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ وَهُوَ مَذْهَبُ مالك. [تَخْيِيرُهُ ﷺ لِأَصْحَابِهِ بَيْنَ الْأَنْسَاكِ الثَّلَاثَةِ] فَصْلٌ ثُمَّ إِنَّهُ ﷺ خَيَّرَهُمْ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بَيْنَ الْأَنْسَاكِ الثَّلَاثَةِ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ عِنْدَ دُنُوِّهِمْ مِنْ مَكَّةَ إِلَى فَسْخِ الْحَجِّ وَالْقِرَانِ إِلَى الْعُمْرَةِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، ثُمَّ حَتَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الْمَرْوَةِ. «وَوَلَدَتْ أسماء بنت عميس زَوْجَةُ أبي بكر ﵄ بِذِي الْحُلَيْفَةِ محمد بن أبي بكر، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ، وَتَسْتَثْفِرَ بِثَوْبٍ وَتُحْرِمَ وَتُهِلَّ» . وَكَانَ فِي قِصَّتِهَا ثَلَاثُ سُنَنٍ، إِحْدَاهَا: غُسْلُ الْمُحْرِمِ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْحَائِضَ تَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهَا، وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ الْإِحْرَامَ يَصِحُّ مِنَ الْحَائِضِ.

стр. 626

ثُمَّ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُلَبِّي بِتَلْبِيَتِهِ الْمَذْكُورَةِ، وَالنَّاسُ مَعَهُ يَزِيدُونَ فِيهَا وَيَنْقُصُونَ، وَهُوَ يُقِرُّهُمْ وَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ. وَلَزِمَ تَلْبِيَتَهُ، «فَلَمَّا كَانُوا بِالرَّوْحَاءِ رَأَى حِمَارَ وَحْشٍ عَقِيرًا، فَقَالَ: (دَعُوهُ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُهُ "، فَجَاءَ صَاحِبُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! شَأْنُكُمْ بِهَذَا الْحِمَارِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بكر فَقَسَمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ» ) . وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْمُحْرِمِ مِنْ صَيْدِ الْحَلَالِ إِذَا لَمْ يَصِدْهُ لِأَجْلِهِ، وَأَمَّا كَوْنُ صَاحِبِهِ لَمْ يُحْرِمْ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يَمُرَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَهُوَ كأبي قتادة فِي قِصَّتِهِ. وَتَدُلُّ هَذِهِ الْقِصَّةُ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى لَفْظِ: وَهَبْتُ لَكَ، بَلْ تَصِحُّ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا، وَتَدُلُّ عَلَى قِسْمَتِهِ اللَّحْمَ مَعَ عِظَامِهِ بِالتَّحَرِّي، وَتَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّيْدَ يُمْلَكُ بِالْإِثْبَاتِ، وَإِزَالَةِ امْتِنَاعِهِ، وَأَنَّهُ لِمَنْ أَثْبَتَهُ لَا لِمَنْ أَخَذَهُ، وَعَلَى حِلِّ أَكْلِ لَحْمِ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ، وَعَلَى التَّوْكِيلِ فِي الْقِسْمَةِ، وَعَلَى كَوْنِ الْقَاسِمِ وَاحِدًا. فَصْلٌ ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْأُثَايَةِ بَيْنَ الرُّوَيْثَةِ وَالْعَرْجِ، إِذَا ظَبْيٌ حَاقِفٌ فِي ظِلٍّ فِيهِ سَهْمٌ، فَأَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ لَا يَرِيبُهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى يُجَاوِزُوا.

стр. 627

وَالْفَرْقُ بَيْنَ قِصَّةِ الظَّبْيِ وَقِصَّةِ الْحِمَارِ أَنَّ الَّذِي صَادَ الْحِمَارَ كَانَ حَلَالًا، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ أَكْلِهِ، وَهَذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ حَلَالٌ وَهُمْ مُحْرِمُونَ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ فِي أَكْلِهِ، وَوَكَّلَ مَنْ يَقِفُ عِنْدَهُ، لِئَلَّا يَأْخُذَهُ أَحَدٌ حَتَّى يُجَاوِزُوهُ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَتْلَ الْمُحْرِمِ لِلصَّيْدِ يَجْعَلُهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ فِي عَدَمِ الْحِلِّ، إِذْ لَوْ كَانَ حَلَالًا لَمْ تَضِعْ مَالِيَّتُهُ. فَصْلٌ ثُمَّ ( «سَارَ حَتَّى إِذَا نَزَلَ بِالْعَرْجِ، وَكَانَتْ زِمَالَتُهُ وَزِمَالَةُ أبي بكر وَاحِدَةً، وَكَانَتْ مَعَ غُلَامٍ لأبي بكر، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبو بكر إِلَى جَانِبِهِ، وعائشة إِلَى جَانِبِهِ الْآخَرِ، وأسماء زَوْجَتُهُ إِلَى جَانِبِهِ، وأبو بكر يَنْتَظِرُ الْغُلَامَ وَالزِّمَالَةَ، إِذْ طَلَعَ الْغُلَامُ لَيْسَ مَعَهُ الْبَعِيرُ، فَقَالَ: أَيْنَ بَعِيرُكَ؟ فَقَالَ: أَضْلَلْتُهُ الْبَارِحَةَ، فَقَالَ أبو بكر: بَعِيرٌ وَاحِدٌ تُضِلُّهُ. قَالَ: فَطَفِقَ يَضْرِبُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَبَسَّمُ، وَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ، وَمَا يَزِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ وَيَتَبَسَّمَ» ) . وَمِنْ تَرَاجِمِ أبي داود عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ، بَابٌ " الْمُحْرِمُ يُؤَدِّبُ غُلَامَهُ ". [بحث في لحم الصيد للمحرم] فَصْلٌ ثُمَّ «مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْأَبْوَاءِ، (أَهْدَى لَهُ الصعب بن جثامة عَجُزَ حِمَارٍ وَحْشِيٍّ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» ) . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": " أَنَّهُ ( «أَهْدَى لَهُ حِمَارًا وَحْشِيًّا» ) ، وَفِي لَفْظٍ لمسلم (لَحْمَ حِمَارِ وَحْشٍ) .

стр. 628

وَقَالَ الحميدي: كَانَ سفيان يَقُولُ فِي الْحَدِيثِ: ( «أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَحْمُ حِمَارِ وَحْشٍ» ) ، وَرُبَّمَا قَالَ سفيان: يَقْطُرُ دَمًا، وَرُبَّمَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، وَكَانَ سفيان فِيمَا خَلَا رُبَّمَا قَالَ: حِمَارُ وَحْشٍ، ثُمَّ صَارَ إِلَى لَحْمٍ حَتَّى مَاتَ. وَفِي رِوَايَةٍ: شِقُّ حِمَارِ وَحْشٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: رِجْلُ حِمَارِ وَحْشٍ. وَرَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ جعفر، عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الصعب ( «أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ عَجُزَ حِمَارِ وَحْشٍ وَهُوَ بِالْجُحْفَةِ، فَأَكَلَ مِنْهُ وَأَكَلَ الْقَوْمُ» ) . قَالَ البيهقي: وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا، فَكَأَنَّهُ رَدَّ الْحَيَّ وَقَبِلَ اللَّحْمَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: فَإِنْ كَانَ الصعب بن جثامة أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ الْحِمَارَ حَيًّا، فَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ ذَبْحُ حِمَارِ وَحْشٍ، وَإِنْ كَانَ أَهْدَى لَهُ لَحْمَ الْحِمَارِ، فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّهُ صِيدَ لَهُ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، وَإِيضَاحُهُ فِي حَدِيثِ جابر. قَالَ: وَحَدِيثُ مالك أَنَّهُ أَهْدَى لَهُ حِمَارًا أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ مَنْ حَدَّثَ لَهُ مِنْ لَحْمِ حِمَارٍ. قُلْتُ: أَمَّا حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ جعفر، فَغَلَطٌ بِلَا شَكٍّ، فَإِنَّ الْوَاقِعَةَ وَاحِدَةٌ، وَقَدِ اتَّفَقَ الرُّوَاةُ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، إِلَّا هَذِهِ الرِّوَايَةَ الشَّاذَّةَ الْمُنْكَرَةَ.

стр. 629

وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي كَوْنِ الَّذِي أَهْدَاهُ حَيًّا، أَوْ لَحْمًا، فَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى لَحْمًا أَوْلَى لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ رَاوِيَهَا قَدْ حَفِظَهَا، وَضَبَطَ الْوَاقِعَةَ حَتَّى ضَبَطَهَا: أَنَّهُ يَقْطُرُ دَمًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى حِفْظِهِ لِلْقِصَّةِ حَتَّى لِهَذَا الْأَمْرِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ. الثَّانِي: أَنَّ هَذَا صَرِيحٌ فِي كَوْنِهِ بَعْضَ الْحِمَارِ، وَأَنَّهُ لَحْمٌ مِنْهُ، فَلَا يُنَاقِضُ قَوْلَهُ: أَهْدَى لَهُ حِمَارًا، بَلْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى لَحْمًا، تَسْمِيَةً لِلَّحْمِ بِاسْمِ الْحَيَوَانِ، وَهَذَا مِمَّا لَا تَأْبَاهُ اللُّغَةُ. الثَّالِثُ: أَنَّ سَائِرَ الرِّوَايَاتِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّهُ بَعْضٌ مِنْ أَبْعَاضِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ، هَلْ هُوَ عَجُزُهُ، أَوْ شِقُّهُ، أَوْ رِجْلُهُ، أَوْ لَحْمٌ مِنْهُ؟ وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الشِّقُّ هُوَ الَّذِي فِيهِ الْعَجُزُ، وَفِيهِ الرِّجْلُ، فَصَحَّ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِهَذَا وَهَذَا، وَقَدْ رَجَعَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ قَوْلِهِ: " حِمَارًا "، وَثَبَتَ عَلَى قَوْلِهِ: " لَحْمَ حِمَارٍ " حَتَّى مَاتَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَهْدَى لَهُ لَحْمًا لَا حَيَوَانًا، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ أَكْلِهِ لَمَّا صَادَهُ أَبُو قَتَادَةَ، فَإِنَّ قِصَّةَ أبي قتادة كَانَتْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ، وَقِصَّةُ الصعب قَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهَا كَانَتْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، مِنْهُمُ: المحب الطبري فِي كِتَابِ " حَجَّةِ الْوَدَاعِ " لَهُ. أَوْ فِي بَعْضِ عُمْرِهِ وَهَذَا مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ. وَفِي قِصَّةِ الظَّبْيِ وَحِمَارٍ يزيد بن كعب السلمي البهزي، هَلْ كَانَتْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، أَوْ فِي بَعْضِ عُمْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ؟ فَإِنَّ حَمْلَ حَدِيثِ أبي قتادة عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِدْهُ لِأَجْلِهِ، وَحَدِيثِ الصعب عَلَى أَنَّهُ صِيدَ لِأَجْلِهِ، زَالَ الْإِشْكَالُ، وَشَهِدَ لِذَلِكَ حَدِيثُ جابر الْمَرْفُوعُ: " «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادُ لَكُمْ» "

стр. 630

وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ قَدْ أُعِلَّ بِأَنَّ الْمُطَّلِبَ بْنَ حَنْطَبٍ رَاوِيهِ عَنْ جابر لَا يُعْرَفُ لَهُ سَمَاعٌ مِنْهُ قَالَهُ النَّسَائِيُّ. قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لَهُ: فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ اصْطَادَ أَبُو قَتَادَةَ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا، فَأَحَلَّهُ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ بَعْدَ أَنْ سَأَلَهُمْ: هَلْ أَمَرَهُ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِشَيْءٍ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ؟ وَهَذَا وَهْمٌ مِنْهُ ﵀، فَإِنَّ قِصَّةَ أبي قتادة إِنَّمَا كَانَتْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، هَكَذَا رُوِيَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ عبد الله ابْنِهِ عَنْهُ قَالَ: ( «انْطَلَقْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ أُحْرِمْ» ) ، فَذَكَرَ قِصَّةَ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ. فَصْلٌ فَلَمَّا مَرَّ بِوَادِي عُسْفَانَ، قَالَ: ( «يَا أبا بكر! أَيَّ وَادٍ هَذَا "؟ قَالَ وَادِي عُسْفَانَ. قَالَ لَقَدْ مَرَّ بِهِ هُودٌ وَصَالِحٌ عَلَى بَكْرَيْنِ أَحْمَرَيْنِ خُطُمُهُمَا اللِّيفُ وَأُزُرُهُمُ الْعَبَاءُ، وَأَرْدِيَتُهُمُ النِّمَارُ، يُلَبُّونَ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ» ) ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " الْمُسْنَدِ ". [بَحْثٌ فِي إِحْرَامِ عَائِشَةَ وَهِيَ حَائِضٌ] ( «فَلَمَّا كَانَ بِسَرِفٍ، حَاضَتْ عَائِشَةُ ﵂، وَقَدْ كَانَتْ أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ

стр. 631

فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي، قَالَ: مَا يُبْكِيكِ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: هَذَا شَيْءٌ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» ) . وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي قِصَّةِ عَائِشَةَ: هَلْ كَانَتْ مُتَمَتِّعَةً أَوْ مُفْرِدَةً؟ فَإِذَا كَانَتْ مُتَمَتِّعَةً، فَهَلْ رَفَضَتْ عُمْرَتَهَا، أَوِ انْتَقَلَتْ إِلَى الْإِفْرَادِ وَأَدْخَلَتْ عَلَيْهَا الْحَجَّ وَصَارَتْ قَارِنَةً، وَهَلِ الْعُمْرَةُ الَّتِي أَتَتْ بِهَا مِنَ التَّنْعِيمِ كَانَتْ وَاجِبَةً أَمْ لَا؟ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً، فَهَلْ هِيَ مُجْزِئَةٌ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ أَمْ لَا؟ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي مَوْضِعِ حَيْضِهَا، وَمَوْضِعِ طُهْرِهَا، وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْبَيَانَ الشَّافِيَ فِي ذَلِكَ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَسْأَلَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى قِصَّةِ عائشة، وَهِيَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَحْرَمَتْ بِالْعُمْرَةِ، فَحَاضَتْ وَلَمْ يُمْكِنْهَا الطَّوَافُ قَبْلَ التَّعْرِيفِ، فَهَلْ تَرْفُضُ الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ، وَتُهِلُّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، أَوْ تُدْخِلُ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَتَصِيرُ قَارِنَةً؟ فَقَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ فُقَهَاءُ الْكُوفَةِ، مِنْهُمْ أبو حنيفة وَأَصْحَابُهُ، وَبِالثَّانِي: فُقَهَاءُ الْحِجَازِ، مِنْهُمُ: الشَّافِعِيُّ ومالك، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَتْبَاعِهِ. قَالَ الْكُوفِيُّونَ: ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، عَنْ عروة ( «عَنْ عائشة أَنَّهَا قَالَتْ: " أَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَقَالَ انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ. قَالَتْ: فَفَعَلْتُ فَلَمَّا قَضَيْتُ الْحَجَّ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ مِنْهُ. فَقَالَ: " هِذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ» ) . قَالُوا: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُتَمَتِّعَةً، وَعَلَى

стр. 632

أَنَّهَا رَفَضَتْ عُمْرَتَهَا وَأَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : " دَعِي عُمْرَتَكِ "، وَلِقَوْلِهِ: ( «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي» ) . وَلَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً عَلَى إِحْرَامِهَا، لَمَا جَازَ لَهَا أَنْ تَمْتَشِطَ، وَلِأَنَّهُ قَالَ لِلْعُمْرَةِ الَّتِي أَتَتْ بِهَا مِنَ التَّنْعِيمِ: " هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ ". وَلَوْ كَانَتْ عُمْرَتُهَا الْأُولَى بَاقِيَةً لَمْ تَكُنْ هَذِهِ مَكَانَهَا، بَلْ كَانَتْ عُمْرَةً مُسْتَقِلَّةً. قَالَ الْجُمْهُورُ: لَوْ تَأَمَّلْتُمْ قِصَّةَ عائشة حَقَّ التَّأَمُّلِ، وَجَمَعْتُمْ بَيْنَ طُرُقِهَا وَأَطْرَافِهَا، لَتَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّهَا قَرَنَتْ، وَلَمْ تَرْفُضِ الْعُمْرَةَ، فَفِي " صَحِيحِ مسلم ": عَنْ جابر ﵁ قَالَ: ( «أَهَلَّتْ عائشة بِعُمْرَةٍ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِسَرِفٍ عَرَكَتْ، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عائشة فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ: " مَا شَأْنُكِ "؟ قَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ وَقَدْ أَحَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَحِلَّ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الْآنَ، قَالَ: إِنَّ هَذَا أَمْرٌ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ "، فَفَعَلَتْ وَوَقَفَتِ الْمَوَاقِفَ كُلَّهَا، حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. ثُمَّ قَالَ: " قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ "، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَجَجْتُ. قَالَ: " فَاذْهَبْ بِهَا يَا عبد الرحمن فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ» ) . وَفِي " صَحِيحِ مسلم ": مِنْ حَدِيثِ طَاوُوسٍ عَنْهَا: ( «أَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، وَقَدِمْتُ وَلَمْ أَطُفْ حَتَّى حِضْتُ، فَنَسَكْتُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّفْرِ: يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» ) . فَهَذِهِ نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ، أَنَّهَا كَانَتْ فِي حَجٍّ وَعُمْرَةٍ لَا فِي حَجٍّ مُفْرَدٍ، وَصَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْقَارِنَ يَكْفِيهِ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ، وَصَرِيحَةٌ فِي أَنَّهَا لَمْ تَرْفُضْ إِحْرَامَ الْعُمْرَةِ، بَلْ بَقِيَتْ فِي إِحْرَامِهَا كَمَا هِيَ لَمْ تَحِلَّ مِنْهُ. وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ

стр. 633

الْحَدِيثِ: ( «كُونِي فِي عُمْرَتِكِ، فَعَسَى أَنَّ اللَّهَ يَرْزُقُكِيهَا» ) ، وَلَا يُنَاقِضُ هَذَا قَوْلَهُ: " دَعِي عُمْرَتَكِ ". فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ رَفْضَهَا وَتَرْكَهَا، لَمَا قَالَ لَهَا: ( «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» ) ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ دَعِي أَعْمَالَهَا لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ رَفْضَ إِحْرَامِهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ( «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي» ) ، فَهَذَا مِمَّا أَعْضَلَ عَلَى النَّاسِ، وَلَهُمْ فِيهِ أَرْبَعَةُ مَسَالِكَ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى رَفْضِ الْعُمْرَةِ كَمَا قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ. الْمَسْلَكُ الثَّانِي: إِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَمْشُطَ رَأْسَهُ، وَلَا دَلِيلَ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إِجْمَاعٍ عَلَى مَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ وَلَا تَحْرِيمِهِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ. الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ: تَعْلِيلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَرَدُّهَا بِأَنَّ عروة انْفَرَدَ بِهَا، وَخَالَفَ بِهَا سَائِرَ الرُّوَاةِ، وَقَدْ رَوَى حَدِيثَهَا طَاوُوسٌ والقاسم والأسود وَغَيْرُهُمْ، فَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ. قَالُوا: وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة حَدِيثَ حَيْضِهَا فِي الْحَجِّ، فَقَالَ فِيهِ: حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا: ( «دَعِي عُمْرَتَكِ وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي» ) ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ. .. قَالُوا: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عروة لَمْ يَسْمَعْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ عائشة. الْمَسْلَكُ الرَّابِعُ: أَنَّ قَوْلَهُ " دَعِي الْعُمْرَةَ "، أَيْ دَعِيهَا، بِحَالِهَا لَا تَخْرُجِي مِنْهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَرْكَهَا، قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: ( «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» ) . الثَّانِي: قَوْلُهُ: " كُونِي فِي عُمْرَتِكِ ". قَالُوا: وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى رَفْضِهَا لِسَلَامَتِهِ مِنَ التَّنَاقُضِ. قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلُهُ: " هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ فعائشة أَحَبَّتْ أَنْ تَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ، فَأَخْبَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ طَوَافَهَا وَقَعَ عَنْ حَجَّتِهَا وَعُمْرَتِهَا، وَأَنَّ

стр. 634

عُمْرَتَهَا قَدْ دَخَلَتْ فِي حَجِّهَا، فَصَارَتْ قَارِنَةً، فَأَبَتْ إِلَّا عُمْرَةً مُفْرَدَةً كَمَا قَصَدَتْ أَوَّلًا، فَلَمَّا حَصَلَ لَهَا ذَلِكَ، قَالَ: " هِذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ ". وَفِي " سُنَنِ الأثرم "، عَنِ الأسود، قَالَ: قُلْتُ لعائشة: اعْتَمَرْتِ بَعْدَ الْحَجِّ؟ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا كَانَتْ عُمْرَةً، مَا كَانَتْ إِلَّا زِيَارَةً زُرْتُ الْبَيْتَ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إِنَّمَا أَعْمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عائشة حِينَ أَلَحَّتْ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: يَرْجِعُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ، وَأَرْجِعُ بِنُسُكٍ؟ فَقَالَ: " يَا عبد الرحمن؛ أَعْمِرْهَا "، فَنَظَرَ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ، فَأَعْمَرَهَا مِنْهُ. [مَا أَحْرَمَتْ بِهِ عَائِشَةَ أَوَّلًا] فَصْلٌ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا أَحْرَمَتْ بِهِ عائشة أَوَّلًا عَلَى قَوْلَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عُمْرَةٌ مُفْرَدَةٌ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ. وَفِي " الصَّحِيحِ " عَنْهَا، ( «قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلْيُهِلَّ، فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ ". قَالَتْ: وَكَانَ مِنَ الْقَوْمِ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، قَالَتْ: فَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ» ) ، وَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ. .. " وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: " دَعِي الْعُمْرَةَ وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ "، قَالَهُ لَهَا بِسَرِفٍ قَرِيبًا مِنْ مَكَّةَ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ إِحْرَامَهَا كَانَ بِعُمْرَةٍ. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا أَحْرَمَتْ أَوَّلًا بِالْحَجِّ وَكَانَتْ مُفْرِدَةً، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وعمرة كُلُّهُمْ عَنْ عائشة، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُحْرِمَةً بِحَجٍّ لَا بِعُمْرَةٍ، مِنْهَا: حَدِيثُ عمرة عَنْهَا: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ، وَحَدِيثُ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ مِثْلُهُ، وَحَدِيثُ القاسم: " «لَبَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ» ". قَالَ وَغَلَّطُوا عروة فِي قَوْلِهِ عَنْهَا: " كُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ". قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ: قَدِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ، يَعْنِي الأسود والقاسم وعمرة، عَلَى الرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَا، فَعَلِمْنَا بِذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَاتِ

стр. 635

الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ عروة غَلَطٌ، قَالَ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْغَلَطُ، إِنَّمَا وَقَعَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُمْكِنْهَا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَأَنْ تَحِلَّ بِعُمْرَةٍ كَمَا فَعَلَ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَتْرُكَ الطَّوَافَ، وَتَمْضِيَ عَلَى الْحَجِّ، فَتَوَهَّمُوا بِهَذَا الْمَعْنَى أَنَّهَا كَانَتْ مُعْتَمِرَةً، وَأَنَّهَا تَرَكَتْ عُمْرَتَهَا، وَابْتَدَأَتْ بِالْحَجِّ. قَالَ أبو عمر: وَقَدْ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهَا كَانَتْ مُهِلَّةً بِعُمْرَةٍ، كَمَا رَوَى عَنْهَا عروة. قَالُوا: وَالْغَلَطُ الَّذِي دَخَلَ عَلَى عروة، إِنَّمَا كَانَ فِي قَوْلِهِ: ( «انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَدَعِي الْعُمْرَةَ، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ» ) . وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا: ( «دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ» ) . فَبَيَّنَ حماد أَنَّ عروة لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ عائشة. قُلْتُ: مِنَ الْعَجَبِ رَدُّ هَذِهِ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي لَا مَدْفَعَ لَهَا، وَلَا مَطْعَنَ فِيهَا، وَلَا تَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا الْبَتَّةَ بِلَفْظٍ مُجْمَلٍ لَيْسَ ظَاهِرًا فِي أَنَّهَا كَانَتْ مُفْرِدَةً، فَإِنَّ غَايَةَ مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ مُفْرِدَةً، قَوْلُهَا: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ. فَيَا لَلَّهِ الْعَجَبُ! أَيُظَنُّ بِالْمُتَمَتِّعِ أَنَّهُ خَرَجَ لِغَيْرِ الْحَجِّ، بَلْ خَرَجَ لِلْحَجِّ مُتَمَتِّعًا، كَمَا أَنَّ الْمُغْتَسِلَ لِلْجَنَابَةِ إِذَا بَدَأَ فَتَوَضَّأَ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ: خَرَجْتُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ وَصَدَقَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ إِذْ كَانَتْ لَا تَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ حَتَّى أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ، بِأَمْرِهِ ﷺ ، وَكَلَامُهَا يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وَأَمَّا قَوْلُهَا: لَبَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ، فَقَدْ قَالَ جابر عَنْهَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": إِنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ طَاوُوسٌ عَنْهَا فِي " صَحِيحِ مسلم "، وَكَذَلِكَ قَالَ مجاهد عَنْهَا، فَلَوْ تَعَارَضَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْهَا، فَرِوَايَةُ الصَّحَابَةِ عَنْهَا أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا مِنْ رِوَايَةِ التَّابِعِينَ، كَيْفَ وَلَا تَعَارُضَ فِي ذَلِكَ الْبَتَّةَ، فَإِنَّ الْقَائِلَ فَعَلْنَا كَذَا، يَصْدُقُ ذَلِكَ مِنْهُ بِفِعْلِهِ، وَبِفِعْلِ أَصْحَابِهِ. وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ
следующие страницы →