Полный текст (2 628 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
وَفِي " السُّنَنِ " عَنْهُ أَيْضًا: ( «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ. وَمَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَنًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ وَيُجْزِئُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرَ اللَّبَنِ» ) حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنَّهُ: ( «كَانَ إِذَا شَرِبَ فِي الْإِنَاءِ تَنَفَّسَ ثَلَاثَةَ أَنْفَاسٍ، وَيَحْمَدُ اللَّهَ فِي كُلِّ نَفَسٍ، وَيَشْكُرُهُ فِي آخِرِهِنَّ» )
[فَصْلٌ في أَحْكَامُ الطَّعَامِ]
فَصْلٌ ( «وَكَانَ ﷺ إِذَا دَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ رُبَّمَا يَسْأَلُهُمْ هَلْ عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟ وَمَا عَابَ طَعَامًا قَطُّ، بَلْ كَانَ إِذَا اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ وَسَكَتَ» ) وَرُبَّمَا قَالَ: ( «أَجِدُنِي أَعَافُهُ، إِنِّي لَا أَشْتَهِيهِ» )
стр. 842
وَكَانَ يَمْدَحُ الطَّعَامَ أَحْيَانًا، كَقَوْلِهِ لَمَّا سَأَلَ أَهْلَهُ الْإِدَامَ فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُ وَيَقُولُ: ( «نِعْمَ الْأُدْمُ الْخَلُّ» ) وَلَيْسَ فِي هَذَا تَفْضِيلٌ لَهُ عَلَى اللَّبَنِ وَاللَّحْمِ وَالْعَسَلِ وَالْمَرَقِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَدْحٌ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ الَّتِي حَضَرَ فِيهَا، وَلَوْ حَضَرَ لَحْمٌ أَوْ لَبَنٌ كَانَ أَوْلَى بِالْمَدْحِ مِنْهُ، وَقَالَ هَذَا جَبْرًا وَتَطْيِيبًا لِقَلْبِ مَنْ قَدَّمَهُ، لَا تَفْضِيلًا لَهُ عَلَى سَائِرِ أَنْوَاعِ الْإِدَامِ.
«وَكَانَ إِذَا قُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ وَهُوَ صَائِمٌ قَالَ: (إِنِّي صَائِمٌ» ) وَأَمَرَ مَنْ قُرِّبَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ وَهُوَ صَائِمٌ أَنْ يُصَلِّيَ أَيْ يَدْعُو لِمَنْ قَدَّمَهُ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ.
وَكَانَ إِذَا دُعِيَ لِطَعَامٍ وَتَبِعَهُ أَحَدٌ، أَعْلَمَ بِهِ رَبَّ الْمَنْزِلِ وَقَالَ: ( «إِنَّ هَذَا تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ وَإِنْ شِئْتَ رَجَعَ» ) وَكَانَ يَتَحَدَّثُ عَلَى طَعَامِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْخَلِّ، وَكَمَا قَالَ لِرَبِيبِهِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ يُؤَاكِلُهُ: ( «سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» ) .
стр. 843
وَرُبَّمَا كَانَ يُكَرِّرُ عَلَى أَضْيَافِهِ عَرْضَ الْأَكْلِ عَلَيْهِمْ مِرَارًا، كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْكَرَمِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هَرِيرَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي قِصَّةِ شُرْبِ اللَّبَنِ وَقَوْلِهِ لَهُ مِرَارًا: اشْرَبْ "، فَمَا زَالَ يَقُولُ اشْرَبْ حَتَّى قَالَ: ( «وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا» )
وَكَانَ إِذَا أَكَلَ عِنْدَ قَوْمٍ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يَدْعُوَ لَهُمْ فَدَعَا فِي مَنْزِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، فَقَالَ: ( «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ» ) ذَكَرَهُ مسلم. وَدَعَا فِي مَنْزِلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ: ( «أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ» ) وَذَكَرَ أبو داود عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ «لَمَّا دَعَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَأَكَلُوا، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ: (أَثِيبُوا أَخَاكُمْ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا إِثَابَتُهُ؟ قَالَ: " إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا دُخِلَ بَيْتُهُ فَأُكِلَ طَعَامُهُ وَشُرِبَ شَرَابُهُ فَدَعَوْا لَهُ فَذَلِكَ إِثَابَتُهُ» ) . وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ دَخَلَ مَنْزِلَهُ لَيْلَةً فَالْتَمَسَ طَعَامًا فَلَمْ يَجِدْهُ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي، وَاسْقِ مَنْ سَقَانِي) » .
стр. 844
وَذُكِرَ عَنْهُ «أَنَّ عمرو بن الحمق سَقَاهُ لَبَنًا فَقَالَ: (اللَّهُمَّ أَمْتِعْهُ بِشَبَابِهِ) فَمَرَّتْ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ سَنَةً لَمْ يَرَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ» .
وَكَانَ يَدْعُو لِمَنْ يُضِيفُ الْمَسَاكِينَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِمْ، فَقَالَ مَرَّةً: أَلَا رَجُلٌ يُضِيفُ هَذَا ﵀، وَقَالَ لِلْأَنْصَارِيِّ وَامْرَأَتِهِ اللَّذَيْنِ آثَرَا بِقُوتِهِمَا وَقُوتِ صِبْيَانِهِمَا ضَيْفَهُمَا: ( «لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ» )
وَكَانَ لَا يَأْنَفُ مِنْ مُؤَاكَلَةِ أَحَدٍ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، أَعْرَابِيًّا أَوْ مُهَاجِرًا، حَتَّى لَقَدْ رَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْهُ «أَنَّهُ أَخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ فَوَضَعَهَا مَعَهُ فِي الْقَصْعَةِ فَقَالَ (كُلْ بِسْمِ اللَّهِ ثِقَةً بِاللَّهِ، وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ» )
وَكَانَ يَأْمُرُ بِالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ وَيَنْهَى عَنِ «الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ» وَيَقُولُ ( «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» ) وَمُقْتَضَى هَذَا تَحْرِيمُ الْأَكْلِ بِهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ الْآكِلَ بِهَا، إِمَّا شَيْطَانٌ وَإِمَّا مُشَبَّهٌ بِهِ. وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ «قَالَ لِرَجُلٍ أَكَلَ
стр. 845
عِنْدَهُ فَأَكَلَ بِشِمَالِهِ ("كُلْ بِيَمِينِكَ"، فَقَالَ لَا أَسْتَطِيعُ فَقَالَ " لَا اسْتَطَعْتَ ") فَمَا رَفَعَ يَدَهُ إِلَى فِيهِ بَعْدَهَا» فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا، لَمَا دَعَا عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ وَإِنْ كَانَ كِبْرُهُ حَمَلَهُ عَلَى تَرْكِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ فَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْعِصْيَانِ وَاسْتِحْقَاقِ الدُّعَاءِ عَلَيْهِ.
( «وَأَمَرَ مَنْ شَكَوْا إِلَيْهِ أَنَّهُمْ لَا يَشْبَعُونَ أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِهِمْ وَلَا يَتَفَرَّقُوا، وَأَنْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يُبَارَكُ لَهُمْ فِيهِ» ) وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ يَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ يَحْمَدُهُ عَلَيْهَا» ) وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «أَذِيبُوا طَعَامَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ، وَلَا تَنَامُوا عَلَيْهِ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ» ) وَأَحْرَى بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا وَالْوَاقِعُ فِي التَّجْرِبَةِ يَشْهَدُ بِهِ.
стр. 846
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ] [ هَدْيِهِ ﷺ فِي السَّلَامِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ
ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ أَفْضَلَ الْإِسْلَامِ وَخَيْرَهُ إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَأَنْ تَقْرَأَ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفْ» . وَفِيهِمَا «أَنَّ آدَمَ ﵊ لَمَّا خَلَقَهُ اللَّهُ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ بِهِ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ " وَرَحْمَةُ اللَّهِ".»
وَفِيهِمَا أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ إِذَا أَفْشَوُا السَّلَامَ بَيْنَهُمْ تَحَابُّوا، وَأَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يُؤْمِنُوا، وَلَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يَتَحَابُّوا. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " قَالَ عمار: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ: الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالِمِ، وَالْإِنْفَاقُ مِنَ
стр. 847
الْإِقْتَارِ.
وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ أُصُولَ الْخَيْرِ وَفُرُوعَهُ، فَإِنَّ الْإِنْصَافَ يُوجِبُ عَلَيْهِ أَدَاءَ حُقُوقِ اللَّهِ كَامِلَةً مُوَفَّرَةً، وَأَدَاءَ حُقُوقِ النَّاسِ كَذَلِكَ، وَأَنْ لَا يُطَالِبَهُمْ بِمَا لَيْسَ لَهُ، وَلَا يُحَمِّلَهُمْ فَوْقَ وُسْعِهِمْ، وَيُعَامِلَهُمْ بِمَا يُحِبُّ أَنْ يُعَامِلُوهُ بِهِ، وَيُعْفِيَهُمْ مِمَّا يُحِبُّ أَنْ يُعْفُوهُ مِنْهُ، وَيَحْكُمَ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ بِمَا يَحْكُمُ بِهِ لِنَفْسِهِ وَعَلَيْهَا، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا إِنْصَافُهُ نَفْسَهُ مِنْ نَفْسِهِ، فَلَا يَدَّعِي لَهَا مَا لَيْسَ لَهَا، وَلَا يُخْبِثُهَا بِتَدْنِيسِهِ لَهَا، وَتَصْغِيرِهِ إِيَّاهَا، وَتَحْقِيرِهَا بِمَعَاصِي اللَّهِ وَيُنَمِّيهَا وَيُكَبِّرُهَا وَيَرْفَعُهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ وَحُبِّهِ وَخَوْفِهِ وَرَجَائِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ وَإِيثَارِ مَرْضَاتِهِ وَمَحَابِّهِ عَلَى مَرَاضِي الْخَلْقِ وَمَحَابِّهِمْ، وَلَا يَكُونُ بِهَا مَعَ الْخَلْقِ وَلَا مَعَ اللَّهِ بَلْ يَعْزِلُهَا مِنَ الْبَيْنِ كَمَا عَزَلَهَا اللَّهُ، وَيَكُونُ بِاللَّهِ لَا بِنَفْسِهِ فِي حُبِّهِ وَبُغْضِهِ وَعَطَائِهِ وَمَنْعِهِ وَكَلَامِهِ وَسُكُوتِهِ وَمَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ، فَيُنْجِي نَفْسَهُ مِنَ الْبَيْنِ، وَلَا يَرَى لَهَا مَكَانَةً يَعْمَلُ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ مِمَّنْ ذَمَّهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٥] [الْأَنْعَامِ: ١٣٥]
فَالْعَبْدُ الْمَحْضُ لَيْسَ لَهُ مَكَانَةٌ يَعْمَلُ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ مُسْتَحَقُّ الْمَنَافِعِ وَالْأَعْمَالِ لِسَيِّدِهِ، وَنَفْسُهُ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ فَهُوَ عَامِلٌ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى سَيِّدِهِ
стр. 848
مَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ لَهُ عَلَيْهِ، لَيْسَ لَهُ مَكَانَةٌ أَصْلًا، بَلْ قَدْ كُوتِبَ عَلَى حُقُوقٍ مُنَجَّمَةٍ، كُلَّمَا أَدَّى نَجْمًا حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ آخَرُ، وَلَا يَزَالُ الْمُكَاتَبُ عَبْدًا، مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ إِنْصَافَهُ مِنْ نَفْسِهِ يُوجِبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةَ رَبِّهِ، وَحَقَّهُ عَلَيْهِ، وَمَعْرِفَةَ نَفْسِهِ، وَمَا خُلِقَتْ لَهُ، وَأَنْ لَا يُزَاحِمَ بِهَا مَالِكَهَا، وَفَاطِرَهَا وَيَدَّعِيَ لَهَا الْمَلَكَةَ وَالِاسْتِحْقَاقَ، وَيُزَاحِمُ مُرَادَ سَيِّدِهِ، وَيَدْفَعَهُ بِمُرَادِهِ هُوَ، أَوْ يُقَدِّمَهُ وَيُؤْثِرَهُ عَلَيْهِ، أَوْ يَقْسِمَ إِرَادَتَهُ بَيْنَ مُرَادِ سَيِّدِهِ وَمُرَادِهِ، وَهِيَ قِسْمَةٌ ضِيزَى، مِثْلَ قِسْمَةِ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦] [الْأَنْعَامِ: ١٣٦] .
стр. 849
فَلْيَنْظُرِ الْعَبْدُ لَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقِسْمَةِ بَيْنَ نَفْسِهِ وَشُرَكَائِهِ وَبَيْنَ اللَّهِ لِجَهْلِهِ وَظُلْمِهِ وَإِلَّا لُبِّسَ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ ظَلُومًا جَهُولًا، فَكَيْفَ يَطْلُبُ الْإِنْصَافَ مِمَّنْ وَصْفُهُ الظُّلْمُ وَالْجَهْلُ؟ وَكَيْفَ يُنْصِفُ الْخَلْقَ مَنْ لَمْ يُنْصِفِ الْخَالِقَ؟ كَمَا فِي أَثَرٍ إِلَهِيٍّ «يَقُولُ اللَّهُ : ابْنَ آدَمَ مَا أَنْصَفْتَنِي، خَيْرِي إِلَيْكَ نَازِلٌ وَشَرُّكَ إِلَيَّ صَاعِدٌ، كَمْ أَتَحَبَّبُ إِلَيْكَ بِالنِّعَمِ، وَأَنَا غَنِيٌّ عَنْكَ، وَكَمْ تَتَبَغَّضُ إِلَيَّ بِالْمَعَاصِي وَأَنْتَ فَقِيرٌ إِلَيَّ، وَلَا يَزَالُ الْمَلَكُ الْكَرِيمُ يَعْرُجُ إِلَيَّ مِنْكَ بِعَمَلٍ قَبِيحٍ» .
وَفِي أَثَرٍ آخَرَ: " «ابْنَ آدَمَ مَا أَنْصَفْتَنِي، خَلَقْتُكَ وَتَعْبُدُ غَيْرِي، وَأَرْزُقُكَ وَتَشْكُرُ سِوَايَ» ".
ثُمَّ كَيْفَ يُنْصِفُ غَيْرَهُ مَنْ لَمْ يُنْصِفْ نَفْسَهُ وَظَلَمَهَا أَقْبَحَ الظُّلْمِ وَسَعَى فِي ضَرَرِهَا أَعْظَمَ السَّعْيِ، وَمَنَعَهَا أَعْظَمَ لَذَّاتِهَا مِنْ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّهُ يُعْطِيهَا إِيَّاهَا، فَأَتْعَبَهَا كُلَّ التَّعَبِ وَأَشْقَاهَا كُلَّ الشَّقَاءِ مِنْ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّهُ يُرِيحُهَا وَيُسْعِدُهَا، وَجَدَّ كُلَّ الْجِدِّ فِي حِرْمَانِهَا حَظَّهَا مِنَ اللَّهِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يُنِيلُهَا حُظُوظَهَا، وَدَسَّاهَا كُلَّ التَّدْسِيَةِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يُكَبِّرُهَا وَيُنَمِّيهَا، وَحَقَّرَهَا كُلَّ التَّحْقِيرِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يُعَظِّمُهَا، فَكَيْفَ يُرْجَى الْإِنْصَافُ مِمَّنْ هَذَا إِنْصَافُهُ لِنَفْسِهِ؟ إِذَا كَانَ هَذَا فِعْلَ الْعَبْدِ بِنَفْسِهِ فَمَاذَا تَرَاهُ بِالْأَجَانِبِ يَفْعَلُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ قَوْلَ عمار ﵁: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ: الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالِمِ، وَالْإِنْفَاقُ مِنَ الْإِقْتَارِ، كَلَامٌ جَامِعٌ لِأُصُولِ الْخَيْرِ وَفُرُوعِهِ.
وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالِمِ يَتَضَمَّنُ تَوَاضُعَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَتَكَبَّرُ عَلَى أَحَدٍ، بَلْ يَبْذُلُ السَّلَامَ لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، وَمَنْ يَعْرِفْهُ وَمَنْ لَا يَعْرِفُهُ، وَالْمُتَكَبِّرُ
стр. 850
ضِدُّ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ السَّلَامَ عَلَى كُلِّ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ كِبْرًا مِنْهُ وَتِيهًا، فَكَيْفَ يَبْذُلُ السَّلَامَ لِكُلِّ أَحَدٍ.
وَأَمَّا الْإِنْفَاقُ مِنَ الْإِقْتَارِ فَلَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ قُوَّةِ ثِقَةٍ بِاللَّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ يُخْلِفُهُ مَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ قُوَّةِ يَقِينٍ، وَتَوَكُّلٍ، وَرَحْمَةٍ، وَزُهْدٍ فِي الدُّنْيَا، وَسَخَاءِ نَفْسٍ بِهَا، وَوُثُوقٍ بِوَعْدِ مَنْ وَعَدَهُ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا، وَتَكْذِيبًا بِوَعْدِ مَنْ يَعِدُهُ الْفَقْرَ، وَيَأْمُرْ بِالْفَحْشَاءِ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
[السَّلَامُ عَلَى الصِّبْيَانِ وَالنِّسْوَانِ]
فَصْلٌ
وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ ( «مَرَّ بِصِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ» ) ذَكَرَهُ مسلم.
وَذَكَرَ الترمذي فِي " جَامِعِهِ " عَنْهُ ﷺ ( «مَرَّ يَوْمًا بِجَمَاعَةِ نِسْوَةٍ فَأَلْوَى بِيَدِهِ بِالتَّسْلِيمِ» ) .
وَقَالَ أبو داود: عَنْ أسماء بنت يزيد ( «مَرَّ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ فِي نِسْوَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا» ) وَهِيَ رِوَايَةُ حَدِيثِ الترمذي، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ وَأَنَّهُ سَلَّمَ عَلَيْهِنَّ بِيَدِهِ.
стр. 851
وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ": ( «أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَنْصَرِفُونَ مِنَ الْجُمُعَةِ فَيَمُرُّونَ عَلَى عَجُوزٍ فِي طَرِيقِهِمْ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهَا، فَتُقَدِّمُ لَهُمْ طَعَامًا مِنْ أُصُولِ السَّلْقِ وَالشَّعِيرِ» ) وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي مَسْأَلَةِ السَّلَامِ عَلَى النِّسَاءِ يُسَلِّمُ عَلَى الْعَجُوزِ وَذَوَاتِ الْمَحَارِمِ دُونَ غَيْرِهِنَّ.
[آداب السلام]
فَصْلٌ
وَثَبَتَ عَنْهُ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " وَغَيْرِهِ ( «تَسْلِيمُ الصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارِّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالرَّاكِبِ عَلَى الْمَاشِي، وَالْقَلِيلِ عَلَى الْكَثِيرِ» )
وَفِي " جَامِعِ الترمذي " عَنْهُ: ( «يُسَلِّمُ الْمَاشِي عَلَى الْقَائِمِ» ) .
وَفِي " مُسْنَدِ البزار " عَنْهُ ( «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ وَالْمَاشِيَانِ أَيُّهُمَا بَدَأَ فَهُوَ أَفْضَلُ» )
وَفِي " سُنَنِ أبي داود " عَنْهُ: ( «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ» )
стр. 852
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ السَّلَامُ عِنْدَ الْمَجِيءِ إِلَى الْقَوْمِ، وَالسَّلَامُ عِنْدَ الِانْصِرَافِ عَنْهُمْ، وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيُسَلِّمْ، وَإِذَا قَامَ فَلْيُسَلِّمْ وَلَيْسَتِ الْأُولَى أَحَقَّ مِنَ الْآخِرَةِ» )
وَذَكَرَ أبو داود عَنْهُ ( «إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ صَاحِبَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ ثُمَّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ أَيْضًا» ) .
وَقَالَ أنس: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَمَاشَوْنَ، فَإِذَا اسْتَقْبَلَتْهُمْ شَجَرَةٌ أَوْ أَكَمَةٌ تَفَرَّقُوا يَمِينًا وَشِمَالًا، وَإِذَا الْتَقَوْا مِنْ وَرَائِهَا، سَلَّمَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
وَمِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَنَّ الدَّاخِلَ إِلَى الْمَسْجِدِ يَبْتَدِئُ بِرَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ يَجِيءُ فَيُسَلِّمُ عَلَى الْقَوْمِ فَتَكُونُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ قَبْلَ تَحِيَّةِ أَهْلِهِ، فَإِنَّ تِلْكَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالسَّلَامُ عَلَى الْخَلْقِ هُوَ حَقٌّ لَهُمْ وَحَقُّ اللَّهِ فِي مِثْلِ هَذَا أَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ بِخِلَافِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ، فَإِنَّ فِيهَا نِزَاعًا مَعْرُوفًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا حَاجَةُ الْآدَمِيِّ
стр. 853
وَعَدَمُ اتِّسَاعِ الْحَقِّ الْمَالِيِّ لِأَدَاءِ الْحَقَّيْنِ، بِخِلَافِ السَّلَامِ.
وَكَانَتْ عَادَةُ الْقَوْمِ مَعَهُ هَكَذَا، يَدْخُلُ أَحَدُهُمُ الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَجِيءُ فَيُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيثِ رفاعة بن رافع «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمًا، قَالَ رفاعة: وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ كَالْبَدَوِيِّ، فَصَلَّى، فَأَخَفَّ صَلَاتَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (وَعَلَيْكَ فَارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ) . . . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ تَأْخِيرَ السَّلَامِ عَلَيْهِ ﷺ إِلَى مَا بَعْدَ الصَّلَاةِ.
وَعَلَى هَذَا: فَيُسَنُّ لِدَاخِلِ الْمَسْجِدِ إِذَا كَانَ فِيهِ جَمَاعَةٌ ثَلَاثُ تَحِيَّاتٍ مُتَرَتِّبَةٍ: أَنْ يَقُولَ عِنْدَ دُخُولِهِ: بِسْمِ اللَّهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ. ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ. ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى الْقَوْمِ.
[السَّلَامُ قَبْلَ السؤال]
فَصْلٌ
( «وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ بِاللَّيْلِ، يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لَا يُوقِظُ النَّائِمَ. وَيُسْمِعُ الْيَقْظَانَ» ) ، ذَكَرَهُ مسلم.
فَصْلٌ
وَذَكَرَ الترمذي عَنْهُ ﵇ ( «السَّلَامُ قَبْلَ الْكَلَامِ» ) .
стр. 854
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: ( «لَا تَدْعُوا أَحَدًا إِلَى الطَّعَامِ حَتَّى يُسَلِّمَ» ) .
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ إِسْنَادُهُ وَمَا قَبْلَهُ ضَعِيفًا، فَالْعَمَلُ عَلَيْهِ.
وَقَدْ رَوَى أبو أحمد بِإِسْنَادٍ أَحْسَنَ مِنْهُ حَدِيثَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «السَّلَامُ قَبْلَ السُّؤَالِ، فَمَنْ بَدَأَكُمْ بِالسُّؤَالِ قَبْلَ السَّلَامِ فَلَا تُجِيبُوهُ» )
وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَأْذَنُ لِمَنْ لَمْ يَبْدَأْ بِالسَّلَامِ. وَيُذْكَرُ عَنْهُ: ( «لَا تَأْذَنُوا لِمَنْ لَمْ يَبْدَأْ بِالسَّلَامِ» ) .
وَأَجْوَدُ مِنْهَا مَا رَوَاهُ الترمذي، عَنْ كلدة بن حنبل: ( «أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ بَعَثَهُ بِلَبَنٍ وَلِبَأٍ وَجِدَايَةٍ وَضَغَابِيسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّبِيُّ ﷺ بِأَعْلَى الْوَادِي، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَلَمْ أُسَلِّمْ، وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ارْجِعْ، فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟» ) قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
стр. 855
( «وَكَانَ إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ، فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمُ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» )
[فَصْلٌ تَحْمِيلُ السَّلَامِ لِلْغَائِبِينَ]
فَصْلٌ
( «وَكَانَ يُسَلِّمُ بِنَفْسِهِ عَلَى مَنْ يُوَاجِهُهُ، وَيُحَمِّلُ السَّلَامَ لِمَنْ يُرِيدُ السَّلَامَ عَلَيْهِ مِنَ الْغَائِبِينَ عَنْهُ، وَيَتَحَمَّلُ السَّلَامَ لِمَنْ يُبَلِّغُهُ إِلَيْهِ» ) كَمَا تَحَمَّلَ السَّلَامَ مِنَ اللَّهِ عَلَى صِدِّيقَةِ النِّسَاءِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂ لَمَّا قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: ( «هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْكَ بِطَعَامٍ، فَاقْرَأْ [عَلَيْهَا] السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا، [وَمِنِّي] وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ» )
وَقَالَ لِلصِّدِّيقَةِ الثَّانِيَةِ بِنْتِ الصِّدِّيقِ عَائِشَةَ ﵂: ( «هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ "، فَقَالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، يَرَى مَا لَا أَرَى» )
стр. 856
[فَصْلٌ صِيغَةُ السَّلَامِ]
فَصْلٌ
وَكَانَ هَدْيُهُ انْتِهَاءَ السَّلَامِ إِلَى " وَبَرَكَاتُهُ " فَذَكَرَ النَّسَائِيُّ عَنْهُ ( «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَقَالَ: " عَشْرَةٌ "، ثُمَّ جَلَسَ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَقَالَ: " عِشْرُونَ "، ثُمَّ جَلَسَ وَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: " ثَلَاثُونَ» ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَحَسَّنَهُ.
وَذَكَرَهُ أبو داود مِنْ حَدِيثِ معاذ بن أنس، وَزَادَ فِيهِ ( «ثُمَّ أَتَى آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ، فَقَالَ: " أَرْبَعُونَ "، فَقَالَ: هَكَذَا تَكُونُ الْفَضَائِلُ» ) . وَلَا يَثْبُتُ هَذَا الْحَدِيثُ. فَإِنَّ لَهُ ثَلَاثَ عِلَلٍ إِحْدَاهَا: أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أبي مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ.
الثَّانِيَةُ: إِنَّ فِيهِ أَيْضًا سهل بن معاذ وَهُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ.
الثَّالِثَةُ: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي مَرْيَمَ أَحَدَ رُوَاتِهِ لَمْ يَجْزِمْ بِالرِّوَايَةِ، بَلْ قَالَ: أَظُنُّ أَنِّي سَمِعْتُ نافع بن يزيد.
стр. 857
وَأَضْعَفُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثُ الْآخَرُ عَنْ أنس: «كَانَ رَجُلٌ يَمُرُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: (السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَيَقُولُ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : " وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ وَرِضْوَانُهُ "، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُسَلِّمُ عَلَى هَذَا سَلَامًا مَا تُسَلِّمُهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِكَ؟ فَقَالَ: " وَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَنْصَرِفُ بِأَجْرِ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَكَانَ يَرْعَى عَلَى أَصْحَابِهِ» )
[فَصْلٌ السَّلَامُ ثَلَاثًا]
فَصْلٌ
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَنْ يُسَلِّمَ ثَلَاثًا كَمَا فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنْ أنس ﵁ قَالَ: ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ ثَلَاثًا» ) وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ هَدْيَهُ فِي السَّلَامِ عَلَى الْجَمْعِ الْكَثِيرِ الَّذِينَ لَا يَبْلُغُهُمْ سَلَامٌ وَاحِدٌ، أَوْ هَدْيَهُ فِي إِسْمَاعِ السَّلَامِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، إِنْ ظَنَّ أَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ الْإِسْمَاعُ كَمَا سَلَّمَ لَمَّا «انْتَهَى إِلَى مَنْزِلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ثَلَاثًا، فَلَمَّا لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ رَجَعَ» وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ هَدْيُهُ الدَّائِمُ التَّسْلِيمَ ثَلَاثًا لَكَانَ أَصْحَابُهُ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، وَكَانَ يُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَقِيَهُ ثَلَاثًا، وَإِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ ثَلَاثًا، وَمَنْ تَأَمَّلَ هَدْيَهُ عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَنَّ تَكْرَارَ السَّلَامِ كَانَ مِنْهُ أَمْرًا عَارِضًا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 858
[فَصْلٌ رَدُّ السَّلَامِ]
فَصْلٌ
وَكَانَ يَبْدَأُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلَامِ، وَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، رَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ تَحِيَّتِهِ أَوْ أَفْضَلَ مِنْهَا عَلَى الْفَوْرِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، إِلَّا لِعُذْرٍ مِثْلِ حَالَةِ الصَّلَاةِ، وَحَالَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ.
وَكَانَ يُسْمِعُ الْمُسْلِمَ رَدَّهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ يَرُدُّ بِيَدِهِ وَلَا رَأْسِهِ وَلَا أُصْبُعِهِ إِلَّا فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ إِشَارَةً، ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ، وَلَمْ يَجِئْ عَنْهُ مَا يُعَارِضُهَا إِلَّا بِشَيْءٍ بَاطِلٍ لَا يَصِحُّ عَنْهُ، كَحَدِيثٍ يَرْوِيهِ أبو غطفان رَجُلٌ مَجْهُولٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ ﷺ ( «مَنْ أَشَارَ فِي صَلَاتِهِ إِشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ فَلْيُعِدْ صَلَاتَهُ» ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: قَالَ لَنَا ابن أبي داود: أبو غطفان هَذَا رَجُلٌ مَجْهُولٌ.
وَالصَّحِيحُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ ( «كَانَ يُشِيرُ فِي الصَّلَاةِ» ) رَوَاهُ أنس، وجابر، وَغَيْرُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
[فَصْلٌ كَرَاهِيَةُ قَوْلِ الْمُبْتَدِئِ عَلَيْكَ السَّلَامُ]
فَصْلٌ
وَكَانَ هَدْيُهُ فِي ابْتِدَاءِ السَّلَامِ أَنْ يَقُولَ: " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، " وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الْمُبْتَدِئُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ.
( «قَالَ أبو جري الهجيمي: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: لَا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلَامُ، فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى» ) حَدِيثٌ
стр. 859
صَحِيحٌ.
وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى طَائِفَةٍ، وَظَنُّوهُ مُعَارَضًا لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ فِي السَّلَامِ عَلَى الْأَمْوَاتِ بِلَفْظِ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) بِتَقْدِيمِ السَّلَامِ، فَظَنُّوا أَنَّ قَوْلَهُ ( «فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى» ) إِخْبَارٌ عَنِ الْمَشْرُوعِ، وَغَلِطُوا فِي ذَلِكَ غَلَطًا أَوْجَبَ لَهُمْ ظَنَّ التَّعَارُضِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ( «فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى» ) إِخْبَارٌ عَنِ الْوَاقِعِ، لَا الْمَشْرُوعِ، أَيْ: إِنَّ الشُّعَرَاءَ وَغَيْرَهُمْ يُحَيُّونَ الْمَوْتَى بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ كَقَوْلِ قَائِلِهِمْ
عَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ قيس بن عاصم ... وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا
فَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ وَاحِدٍ ... وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا
فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُحَيَّى بِتَحِيَّةِ الْأَمْوَاتِ، وَمِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ لَمْ يَرُدَّ عَلَى الْمُسَلِّمِ بِهَا.
стр. 860
[بَحْثٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُسَلِّمِ بِـ وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ]
وَكَانَ يَرُدُّ عَلَى الْمُسَلِّمِ " وَعَلَيْكَ السَّلَامُ " بِالْوَاوِ، وَبِتَقْدِيمِ " عَلَيْكَ " عَلَى لَفْظِ السَّلَامِ.
وَتَكَلَّمَ النَّاسُ هَاهُنَا فِي مَسْأَلَةٍ، وَهِيَ لَوْ حَذَفَ الرَّادُّ " الْوَاوَ " فَقَالَ: " عَلَيْكَ السَّلَامُ "، هَلْ يَكُونُ صَحِيحًا؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ المتولي وَغَيْرُهُ: لَا يَكُونُ جَوَابًا، وَلَا يَسْقُطُ بِهِ فَرْضُ الرَّدِّ، لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ الرَّدِّ، وَلِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ هَلْ هُوَ رَدٌّ، أَوِ ابْتِدَاءُ تَحِيَّةٍ؟ فَإِنَّ صُورَتَهُ صَالِحَةٌ لَهُمَا، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، فَقُولُوا: " وَعَلَيْكُمْ» ) فَهَذَا تَنْبِيهٌ مِنْهُ عَلَى وُجُوبِ الْوَاوِ فِي الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ
стр. 861
الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ " الْوَاوَ " فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ تَقْتَضِي تَقْرِيرَ الْأَوَّلِ وَإِثْبَاتَ الثَّانِي، فَإِذَا أُمِرَ بِالْوَاوِ فِي الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ ( «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، فَقُولُوا: " وَعَلَيْكُمْ» ) فَذِكْرُهَا فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى إِلَى أَنَّ ذَلِكَ رَدٌّ صَحِيحٌ، كَمَا لَوْ كَانَ بِالْوَاوِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ، وَاحْتَجَّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [الذاريات: ٢٤] (الذَّارِيَاتِ: ٢٤) ، أَيْ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، لَا بُدَّ مِنْ هَذَا، وَلَكِنْ حَسُنَ الْحَذْفُ فِي الرَّدِّ، لِأَجْلِ الْحَذْفِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ، قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، فِإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَزَادُوهُ: " وَرَحْمَةُ اللَّهِ» ) فَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ هَذِهِ تَحِيَّتُهُ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِهِ، قَالُوا: وَلِأَنَّ الْمُسَلَّمَ عَلَيْهِ مَأْمُورٌ أَنْ يُحَيِّيَ الْمُسَلِّمَ بِمِثْلِ تَحِيَّتِهِ عَدْلًا، وَبِأَحْسَنَ مِنْهَا فَضْلًا، فَإِذَا رَدَّ عَلَيْهِ بِمِثْلِ سَلَامِهِ، كَانَ قَدْ أَتَى بِالْعَدْلِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ( «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» ) فَهَذَا الْحَدِيثُ قَدِ اخْتُلِفَ فِي لَفْظَةِ " الْوَاوِ " فِيهِ، فَرُوِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: بِالْوَاوِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ:
стр. 862
كَذَلِكَ رَوَاهُ مالك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، فَقَالَ فِيهِ: (فَعَلَيْكُمْ) وَحَدِيثُ سفيان فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ بِإِسْقَاطِ " الْوَاوِ "، وَفِي لَفْظٍ لمسلم وَالنَّسَائِيِّ: فَقُلْ (عَلَيْكَ) بِغَيْرِ وَاوٍ.
وَقَالَ الخطابي: عَامَّةُ الْمُحَدِّثِينَ يَرْوُونَهُ (وَعَلَيْكُمْ) بِالْوَاوِ وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَرْوِيهِ (عَلَيْكُمْ) بِحَذْفِ الْوَاوِ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا حَذَفَ الْوَاوَ صَارَ قَوْلُهُمُ الَّذِي قَالُوهُ بِعَيْنِهِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ، وَبِإِدْخَالِ الْوَاوِ يَقَعُ الِاشْتِرَاكُ مَعَهُمْ، وَالدُّخُولُ فِيمَا قَالُوا، لِأَنَّ الْوَاوَ حَرْفٌ لِلْعَطْفِ وَالِاجْتِمَاعِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَمْرِ الْوَاوِ لَيْسَ بِمُشْكِلٍ، فَإِنَّ " السَّامَ " الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ الْمَوْتُ، وَالْمُسَلِّمُ وَالْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ مُشْتَرِكُونَ فِيهِ فَيَكُونُ فِي الْإِتْيَانِ بِالْوَاوِ بَيَانٌ لِعَدَمِ الِاخْتِصَاصِ، وَإِثْبَاتِ الْمُشَارَكَةِ، وَفِي حَذْفِهَا إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُسَلِّمَ أَحَقُّ بِهِ وَأَوْلَى مِنَ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ الْإِتْيَانُ بِالْوَاوِ هُوَ الصَّوَابَ وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ حَذْفِهَا، كَمَا رَوَاهُ مالك وَغَيْرُهُ، وَلَكِنْ قَدْ فُسِّرَ السَّامُ بِالسَّآمَةِ، وَهِيَ الْمَلَالَةُ وَسَآمَةُ الدِّينِ، قَالُوا: وَعَلَى هَذَا فَالْوَجْهُ حَذْفُ الْوَاوِ وَلَا بُدَّ، وَلَكِنَّ هَذَا خِلَافُ الْمَعْرُوفِ مِنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي اللُّغَةِ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ( «إِنَّ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ» ) وَلَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ الْمَوْتُ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَحَذْلِقِينَ
стр. 863
إِلَى أَنَّهُ يَرُدُّ ﵈ بِكَسْرِ السِّينِ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ، جَمْعُ سَلِمَةٍ، وَرَدُّ هَذَا الرَّدِّ مُتَعَيِّنٌ.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ]
صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «لَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِ الطَّرِيقِ» ) لَكِنْ قَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا كَانَ فِي قَضِيَّةٍ خَاصَّةٍ لَمَّا سَارُوا إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ: ( «لَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ» ) فَهَلْ هَذَا حُكْمٌ عَامٌّ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ مُطْلَقًا، أَوْ يَخْتَصُّ بِمَنْ كَانَتْ حَالُهُ بِمِثْلِ حَالِ أُولَئِكَ؟ هَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ، وَلَكِنْ قَدْ رَوَى مسلم فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ» ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ عَامٌّ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: لَا يُبْدَءُونَ بِالسَّلَامِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى جَوَازِ ابْتِدَائِهِمْ كَمَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وأبي أمامة، وابن محيريز، وَهُوَ وَجْهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَكِنْ صَاحِبُ هَذَا الْوَجْهِ قَالَ: يُقَالُ لَهُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ فَقَطْ بِدُونِ ذِكْرِ الرَّحْمَةِ، وَبِلَفْظِ الْإِفْرَادِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَجُوزُ الِابْتِدَاءُ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ مِنْ حَاجَةٍ تَكُونُ لَهُ إِلَيْهِ، أَوْ خَوْفٍ مِنْ أَذَاهُ، أَوْ لِقَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا، أَوْ لِسَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وعلقمة.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إِنْ سَلَّمْتَ فَقَدْ سَلَّمَ الصَّالِحُونَ، وَإِنْ تَرَكْتَ فَقَدْ تَرَكَ الصَّالِحُونَ.
стр. 864
وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوبِهِ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ، كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ وَأَوْلَى، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَالْفَرْقُ أَنَّا مَأْمُورُونَ بِهَجْرِ أَهْلِ الْبِدَعِ تَعْزِيرًا لَهُمْ وَتَحْذِيرًا مِنْهُمْ، بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
فَصْلٌ
وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ ( «مَرَّ عَلَى مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَالْيَهُودِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ» ) .
وَصَحَّ عَنْهُ «أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى هرقل وَغَيْرِهِ (السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى» )
[هَلْ رَدُّ السَّلَامِ فَرْضُ كِفَايَةٍ]
فَصْلٌ
وَيُذْكَرُ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ ( «يُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ وَيُجْزِئُ عَنِ الْجُلُوسِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ» ) فَذَهَبَ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ: إِنَّ
стр. 865
الرَّدَّ فَرْضُ كِفَايَةٍ يَقُومُ فِيهِ الْوَاحِدُ مَقَامَ الْجَمِيعِ، لَكِنْ مَا أَحْسَنَهُ لَوْ كَانَ ثَابِتًا، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ أبو داود مِنْ رِوَايَةِ سعيد بن خالد الخزاعي المدني.
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ: مَدَنِيٌّ ضَعِيفٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: ضَعِيفُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
[رَدُّ السَّلَامِ عَلَى الْمُرْسِلِ وَالْمُبَلِّغِ]
فَصْلٌ
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ إِذَا بَلَّغَهُ أَحَدٌ السَّلَامَ عَنْ غَيْرِهِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُبَلِّغِ، كَمَا فِي " السُّنَنِ " ( «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: إِنَّ أَبِي يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، فَقَالَ لَهُ: عَلَيْكَ وَعَلَى أَبِيكَ السَّلَامُ» )
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ تَرْكُ السَّلَامِ ابْتِدَاءً وَرَدًّا عَلَى مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا حَتَّى يَتُوبَ مِنْهُ، كَمَا ( «هَجَرَ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ، وَكَانَ كعب يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَلَا يَدْرِي هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟» ) .
стр. 866
( «وَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَقَدْ خَلَّقَهُ أَهْلُهُ بِزَعْفَرَانٍ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَاغْسِلْ هَذَا عَنْكَ» ) . ( «وَهَجَرَ زينب بنت جحش شَهْرَيْنِ وَبَعْضَ الثَّالِثِ لَمَّا قَالَ لَهَا: أَعْطِي صفية ظَهْرًا لَمَّا اعْتَلَّ بَعِيرُهَا فَقَالَتْ: أَنَا أُعْطِي تِلْكَ الْيَهُودِيَّةَ؟» ) ذَكَرَهُمَا أبو داود.
[هَدْيِهِ ﷺ فِي الاسْتِئْذَانِ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الِاسْتِئْذَانِ
وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ وَإِلَّا فَارْجِعْ» ) .
وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» )
وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ ، «أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَفْقَأَ عَيْنَ الَّذِي نَظَرَ إِلَيْهِ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجْرَتِهِ،
стр. 867
وَقَالَ: (إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» ) .
وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ» )
وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «مَنِ اطَّلَعَ عَلَى قَوْمٍ فِي بَيْتِهِمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ» ) .
وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَفَقَئُوا عَيْنَهُ فَلَا دِيَةَ لَهُ وَلَا قِصَاصَ» )
وَصَحَّ عَنْهُ: التَّسْلِيمُ قَبْلَ الِاسْتِئْذَانِ فِعْلًا وَتَعْلِيمًا، ( «وَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ أَأَلِجُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ: اخْرُجْ إِلَى هَذَا، فَعَلِّمْهُ الِاسْتِئْذَانَ ". فَقَالَ لَهُ: قُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ» ) .
( «وَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ عمر ﵁ وَهُوَ فِي مَشْرُبَتِهِ مُؤْلِيًا مِنْ نِسَائِهِ، قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَيَدْخُلُ عمر؟» ) .
стр. 868
وَقَدْ تَقَدَّمَ «قَوْلُهُ ﷺ لكلدة بن حنبل لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُسَلِّمْ (ارْجِعْ فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟» )
وَفِي هَذِهِ السُّنَنِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: وَيُقَدَّمُ الِاسْتِئْذَانُ عَلَى السَّلَامِ، وَرَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنْ وَقَعَتْ عَيْنُهُ عَلَى صَاحِبِ الْمَنْزِلِ قَبْلَ دُخُولِهِ بَدَأَ بِالسَّلَامِ، وَإِنْ لَمْ تَقَعْ عَيْنُهُ عَلَيْهِ، بَدَأَ بِالِاسْتِئْذَانِ، وَالْقَوْلَانِ مُخَالِفَانِ لِلسُّنَّةِ.
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ إِذَا اسْتَأْذَنَ ثَلَاثًا وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، انْصَرَفَ، وَهُوَ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إِنْ ظَنَّ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا، زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ، وَرَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: يُعِيدُهُ بِلَفْظٍ آخَرَ، وَالْقَوْلَانِ مُخَالِفَانِ لِلسُّنَّةِ.
[ذِكْرُ الْمُسْتَأْذِنِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ]
فَصْلٌ
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ أَنَّ الْمُسْتَأْذِنَ إِذَا قِيلَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ يَقُولُ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، أَوْ يَذْكُرُ كُنْيَتَهُ أَوْ لَقَبَهُ، وَلَا يَقُولُ: أَنَا، كَمَا قَالَ جِبْرِيلُ لِلْمَلَائِكَةِ فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ لَمَّا اسْتَفْتَحَ بَابَ السَّمَاءِ فَسَأَلُوهُ: مَنْ؟ فَقَالَ جِبْرِيلُ. وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ سَمَاءٍ.
وَكَذَلِكَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " ( «لَمَّا جَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْبُسْتَانِ، وَجَاءَ أبو بكر ﵁، فَاسْتَأْذَنَ فَقَالَ: مَنْ؟ قَالَ: أبو بكر، ثُمَّ جَاءَ عمر، فَاسْتَأْذَنَ فَقَالَ مَنْ؟ قَالَ: عمر، ثُمَّ عثمان كَذَلِكَ» )
стр. 869
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ "، ( «عَنْ جابر، أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَدَقَقْتُ الْبَابَ، فَقَالَ " مَنْ ذَا؟ " فَقُلْتُ: أَنَا، فَقَالَ " أَنَا أَنَا "، كَأَنَّهُ كَرِهَهَا» ) .
( «وَلَمَّا اسْتَأْذَنَتْ أم هانئ، قَالَ لَهَا: " مَنْ هَذِهِ؟ " قَالَتْ: أم هانئ، فَلَمْ يَكْرَهْ ذِكْرَهَا الْكُنْيَةَ» )
وَكَذَلِكَ ( «لَمَّا قَالَ لأبي ذر: " مَنْ هَذَا؟ " قَالَ: أبو ذر» ) . وَكَذَلِكَ ( «لَمَّا قَالَ لأبي قتادة: " مَنْ هَذَا؟ " قَالَ: أَبُو قَتَادَةَ» )
[رَسُولُ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ إِذْنُهُ]
فَصْلٌ
وَقَدْ رَوَى أبو داود عَنْهُ ﷺ مِنْ حَدِيثِ قتادة، عَنْ أبي رافع، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ( «رَسُولُ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ إِذْنُهُ» ) ، وَفِي لَفْظٍ ( «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ، ثُمَّ جَاءَ مَعَ الرَّسُولِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِذْنٌ لَهُ» )
وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ مَقَالٌ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُئِيُّ:
стр. 870
سَمِعْتُ أبا داود يَقُولُ: قتادة لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أبي رافع. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ ": وَقَالَ سعيد: عَنْ قتادة، عَنْ أبي رافع، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " هُوَ إِذْنُهُ "، فَذَكَرَهُ تَعْلِيقًا لِأَجْلِ الِانْقِطَاعِ فِي إِسْنَادِهِ.
وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اعْتِبَارَ الِاسْتِئْذَانِ بَعْدَ الدَّعْوَةِ وَهُوَ حَدِيثُ مجاهد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( «دَخَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدْتُ لَبَنًا فِي قَدَحٍ، فَقَالَ اذْهَبْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ إِلَيَّ " قَالَ فَأَتَيْتُهُمْ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا، فَاسْتَأْذَنُوا، فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا» ) وَقَدْ قَالَتْ طَائِفَةٌ: بِأَنَّ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى حَالَيْنِ، فَإِنْ جَاءَ الدَّاعِي عَلَى الْفَوْرِ مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى اسْتِئْذَانٍ، وَإِنْ تَرَاخَى مَجِيئُهُ عَنِ الدَّعْوَةِ وَطَالَ الْوَقْتُ، احْتَاجَ إِلَى اسْتِئْذَانٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنْ كَانَ عِنْدَ الدَّاعِي مَنْ قَدْ أَذِنَ لَهُ قَبْلَ مَجِيءِ الْمَدْعُوِّ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى اسْتِئْذَانٍ آخَرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَنْ قَدْ أَذِنَ لَهُ، لَمْ يَدْخُلْ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ إِلَى مَكَانٍ يُحِبُّ الِانْفِرَادَ فِيهِ، أَمَرَ مَنْ يُمْسِكُ الْبَابَ، فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنٍ.
[اسْتِئْذَانُ الْمَمَالِيكِ وَمَنْ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ فِي الْعَوْرَاتِ الثَّلَاثِ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا الِاسْتِئْذَانُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ الْمَمَالِيكَ، وَمَنْ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ فِي الْعَوْرَاتِ الثَّلَاثِ: قَبْلَ الْفَجْرِ، وَوَقْتَ الظَّهِيرَةِ، وَعِنْدَ النَّوْمِ، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِهِ، وَيَقُولُ: تَرَكَ النَّاسُ الْعَمَلَ بِهَا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ وَلَمْ تَأْتِ بِحُجَّةٍ.
стр. 871
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَمْرُ نَدْبٍ وَإِرْشَادٍ، لَا حَتْمٍ وَإِيجَابٍ، وَلَيْسَ مَعَهَا مَا يَدُلُّ عَلَى صَرْفِ الْأَمْرِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمَأْمُورُ بِذَلِكَ النِّسَاءُ خَاصَّةً، وَأَمَّا الرِّجَالُ، فَيَسْتَأْذِنُونَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ، فَإِنَّ جَمْعَ " الَّذِينَ " لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُؤَنَّثُ، وَإِنْ جَازَ إِطْلَاقُهُ عَلَيْهِنَّ مَعَ الذُّكُورِ تَغْلِيبًا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ عَكْسَ هَذَا: إِنَّ الْمَأْمُورَ بِذَلِكَ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، نَظَرًا إِلَى لَفْظِ " الَّذِينَ " فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَلَكِنْ سِيَاقُ الْآيَةِ يَأْبَاهُ فَتَأَمَّلْهُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَانَ الْأَمْرُ بِالِاسْتِئْذَانِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِلْحَاجَةِ، ثُمَّ زَالَتْ، وَالْحُكْمُ إِذَا ثَبَتَ بِعِلَّةٍ زَالَ بِزَوَالِهَا، فَرَوَى أبو داود فِي " سُنَنِهِ " ( «أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالُوا لِابْنِ عَبَّاسٍ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! كَيْفَ تَرَى هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي أُمِرْنَا فِيهَا بِمَا أُمِرْنَا، وَلَا يَعْمَلُ بِهَا أَحَدٌ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٥٨] الْآيَةَ [النُّورِ: ٥٨] . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ رَحِيمٌ بِالْمُؤْمِنِينَ، يُحِبُّ السِّتْرَ، وَكَانَ النَّاسُ لَيْسَ لِبُيُوتِهِمْ سُتُورٌ وَلَا حِجَالٌ، فَرُبَّمَا دَخَلَ الْخَادِمُ، أَوِ الْوَلَدُ أَوْ يَتِيمَةُ الرَّجُلِ، وَالرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ بِالِاسْتِئْذَانِ فِي تِلْكَ الْعَوْرَاتِ، فَجَاءَهُمُ اللَّهُ بِالسُّتُورِ وَالْخَيْرِ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَعْمَلُ بِذَلِكَ بَعْدُ» )
وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ ثُبُوتَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَطَعَنَ فِي عكرمة، وَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، وَطَعَنَ فِي عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ صَاحِبَا الصَّحِيحِ، فَإِنْكَارُ هَذَا تَعَنُّتٌ وَاسْتِبْعَادٌ لَا وَجْهَ لَهُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ عَامَّةٌ لَا مُعَارِضَ لَهَا وَلَا دَافِعَ، وَالْعَمَلُ بِهَا وَاجِبٌ، وَإِنْ تَرَكَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ.
стр. 872
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ هُنَاكَ مَا يَقُومُ مَقَامَ الِاسْتِئْذَانِ مِنْ فَتْحِ بَابٍ فَتْحُهُ دَلِيلٌ عَلَى الدُّخُولِ، أَوْ رَفْعِ سِتْرٍ، أَوْ تَرَدُّدِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ وَنَحْوِهِ، أَغْنَى ذَلِكَ عَنِ الِاسْتِئْذَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، فَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَالْحُكْمُ مُعَلَّلٌ بِعِلَّةٍ قَدْ أَشَارَتْ إِلَيْهَا الْآيَةُ، فَإِذَا وُجِدَتْ، وُجِدَ الْحُكْمُ، وَإِذَا انْتَفَتِ انْتَفَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي أَذْكَارِ الْعُطَاسِ]
ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ ( «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللَّهَ، كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ، فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ» ) ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَثَبَتَ عَنْهُ فِي " صَحِيحِهِ ": ( «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ: فَلْيَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» )
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أنس: «أَنَّهُ عَطَسَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ، فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا، وَلَمْ يُشَمِّتِ الْآخَرَ، فَقَالَ الَّذِي لَمْ يُشَمِّتْهُ: عَطَسَ فُلَانٌ فَشَمَّتَّهُ، وَعَطَسْتُ فَلَمْ تُشَمِّتْنِي، فَقَالَ (هَذَا حَمِدَ اللَّهَ، وَأَنْتَ لَمْ تَحْمَدِ اللَّهَ)
»
стр. 873
وَثَبَتَ عَنْهُ فِي " صَحِيحِ مسلم ": ( «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ، فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ، فَلَا تُشَمِّتُوهُ» )
وَثَبَتَ عَنْهُ فِي " صَحِيحِهِ ": مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ( «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ: إِذَا لَقِيتَهُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ وَحَمِدَ اللَّهَ، فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ» )
وَرَوَى أبو داود عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: ( «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلْيَقُلْ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلْيَقُلْ هُوَ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» )
وَرَوَى الترمذي، «أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: (وَأَنَا أَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَيْسَ هَكَذَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَكِنْ عَلَّمَنَا أَنْ نَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» )
стр. 874
وَذَكَرَ مالك، عَنْ نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ( «كَانَ إِذَا عَطَسَ فَقِيلَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، قَالَ: يَرْحَمُنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ، وَيَغْفِرُ لَنَا وَلَكُمْ» )
فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمَبْدُوءِ بِهِ: أَنَّ التَّشْمِيتَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ الْعَاطِسَ يَحْمَدُ اللَّهَ، وَلَا يُجْزِئُ تَشْمِيتُ الْوَاحِدِ عَنْهُمْ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَاخْتَارَهُ ابن أبي زيد، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيَّانِ، وَلَا دَافِعَ لَهُ.
وَقَدْ رَوَى أبو داود: ( «أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَعَلَى أُمِّكَ " ثُمَّ قَالَ: " إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ " قَالَ: فَذَكَرَ بَعْضَ الْمَحَامِدِ، وَلْيَقُلْ لَهُ مَنْ عِنْدَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلْيَرُدَّ - يَعْنِي عَلَيْهِمْ - يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ» )
وَفِي السَّلَامِ عَلَى أُمِّ هَذَا الْمُسَلِّمِ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ، وَهِيَ إِشْعَارُهُ بِأَنَّ سَلَامَهُ قَدْ وَقَعَ فِي غَيْرِ مَوْقِعِهِ اللَّائِقِ بِهِ، كَمَا وَقَعَ هَذَا السَّلَامُ عَلَى أُمِّهِ، فَكَمَا أَنَّ سَلَامَهُ هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ كَذَلِكَ سَلَامُهُ هُوَ.
وَنُكْتَةٌ أُخْرَى أَلْطَفُ مِنْهَا، وَهِيَ تَذْكِيرُهُ بِأُمِّهِ وَنَسَبِهِ إِلَيْهَا، فَكَأَنَّهُ أُمِّيٌّ مَحْضٌ
стр. 875
مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمِّ، بَاقٍ عَلَى تَرْبِيَتِهَا لَمْ تُرَبِّهِ الرِّجَالُ، وَهَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي الْأُمِّيِّ، أَنَّهُ الْبَاقِي عَلَى نِسْبَتِهِ إِلَى الْأُمِّ.
وَأَمَّا النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ: فَهُوَ الَّذِي لَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ وَلَا يَقْرَأُ الْكِتَابَ.
وَأَمَّا الْأُمِّيُّ الَّذِي لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ، فَهُوَ الَّذِي لَا يُصَحِّحُ الْفَاتِحَةَ، وَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِعُلُومٍ كَثِيرَةٍ.
وَنَظِيرُ ذِكْرِ الْأُمِّ هَاهُنَا ذِكْرُ هَنِ الْأَبِ لِمَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيُقَالُ لَهُ: اعْضُضْ هَنَ أَبِيكَ، وَكَانَ ذِكْرُ هَنِ الْأَبِ هَاهُنَا أَحْسَنَ تَذْكِيرًا لِهَذَا الْمُتَكَبِّرِ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ بِالْعُضْوِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، وَهُوَ هَنُ أَبِيهِ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَعَدَّى طَوْرَهُ، كَمَا أَنَّ ذِكْرَ الْأُمِّ هَاهُنَا أَحْسَنُ تَذْكِيرًا لَهُ بِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى أُمِّيَّتِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ رَسُولِهِ ﷺ .
وَلَمَّا كَانَ الْعَاطِسُ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ بِالْعُطَاسِ نِعْمَةٌ وَمَنْفَعَةٌ بِخُرُوجِ الْأَبْخِرَةِ الْمُحْتَقِنَةِ فِي دِمَاغِهِ الَّتِي لَوْ بَقِيَتْ فِيهِ أَحْدَثَتْ لَهُ أَدْوَاءً عَسِرَةً، شُرِعَ لَهُ حَمْدُ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ مَعَ بَقَاءِ أَعْضَائِهِ عَلَى الْتِئَامِهَا وَهَيْئَتِهَا بَعْدَ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ الَّتِي هِيَ لِلْبَدَنِ كَزَلْزَلَةِ الْأَرْضِ لَهَا، وَلِهَذَا يُقَالُ: سَمَّتَهُ وَشَمَّتَهُ بِالسِّينِ وَالشِّينِ فَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، قَالَهُ أبو عبيدة وَغَيْرُهُ.
قَالَ: وَكُلُّ دَاعٍ بِخَيْرٍ، فَهُوَ مُشَمِّتٌ وَمُسَمِّتٌ. وَقِيلَ: بِالْمُهْمَلَةِ دُعَاءٌ لَهُ بِحُسْنِ السَّمْتِ، وَبِعَوْدِهِ إِلَى حَالَتِهِ مِنَ السُّكُونِ وَالدَّعَةِ، فَإِنَّ الْعُطَاسَ يُحْدِثُ فِي الْأَعْضَاءِ حَرَكَةً وَانْزِعَاجًا. وَبِالْمُعْجَمَةِ: دُعَاءٌ لَهُ بِأَنْ يَصْرِفَ اللَّهُ عَنْهُ مَا يُشَمِّتُ بِهِ أَعْدَاءَهُ، فَشَمَّتَهُ: إِذَا أَزَالَ عَنْهُ الشَّمَاتَةَ، كَقَرَّدَ الْبَعِيرَ: إِذَا أَزَالَ
стр. 876
قُرَادَهُ عَنْهُ. وَقِيلَ: هُوَ دُعَاءٌ لَهُ بِثَبَاتِهِ عَلَى قَوَائِمِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّوَامِتِ وَهِيَ الْقَوَائِمُ.
وَقِيلَ: هُوَ تَشْمِيتٌ لَهُ بِالشَّيْطَانِ، لِإِغَاظَتِهِ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى نِعْمَةِ الْعُطَاسِ، وَمَا حَصَلَ لَهُ بِهِ مِنْ مَحَابِّ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ، فَإِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ اللَّهَ وَحَمِدَهُ، سَاءَ ذَلِكَ الشَّيْطَانَ مِنْ وُجُوهٍ:
مِنْهَا: نَفْسُ الْعُطَاسِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَحَمْدُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَدُعَاءُ الْمُسْلِمِينَ لَهُ بِالرَّحْمَةِ، وَدُعَاؤُهُ لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ، وَإِصْلَاحُ الْبَالِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ غَائِظٌ لِلشَّيْطَانِ، مُحْزِنٌ لَهُ، فَتَشْمِيتُ الْمُؤْمِنِ بِغَيْظِ عَدُوِّهِ وَحُزْنِهِ وَكَآبَتِهِ، فَسُمِّيَ الدُّعَاءُ لَهُ بِالرَّحْمَةِ تَشْمِيتًا لَهُ، لِمَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ شَمَاتَتِهِ بِعَدُوِّهِ، وَهَذَا مَعْنًى لَطِيفٌ إِذَا تَنَبَّهَ لَهُ الْعَاطِسُ وَالْمُشَمِّتُ انْتَفَعَا بِهِ وَعَظُمَتْ عِنْدَهُمَا مَنْفَعَةُ نِعْمَةِ الْعُطَاسِ فِي الْبَدَنِ وَالْقَلْبِ، وَتَبَيَّنَ السِّرُّ فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ الَّذِي هُوَ أَهْلُهُ كَمَا يَنْبَغِي لِكَرِيمِ وَجْهِهِ وَعِزِّ جَلَالِهِ.
[فَصْلٌ آدَابُ الْعُطَاسِ]
فَصْلٌ
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ فِي الْعُطَاسِ مَا ذَكَرَهُ أبو داود، وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا عَطَسَ وَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ عَلَى فِيهِ، وَخَفَضَ أَوْ غَضَّ بَهْ صَوْتَهُ» ) قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَيُذْكَرُ عَنْهُ ﷺ : ( «إِنَّ التَّثَاؤُبَ الشَّدِيدَ، وَالْعَطْسَةَ الشَّدِيدَةَ مِنَ الشَّيْطَانِ» )
وَيُذْكَرُ عَنْهُ ( «إِنَّ اللَّهَ يَكْرَهُ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالتَّثَاؤُبِ وَالْعُطَاسِ» ) .
стр. 877
وَصَحَّ عَنْهُ: ( «إِنَّهُ عَطَسَ عِنْدَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: " يَرْحَمُكَ اللَّهُ ". ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَى، فَقَالَ: الرَّجُلُ مَزْكُومٌ» ) . هَذَا لَفْظُ مسلم أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا الترمذي: فَقَالَ فِيهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ: ( «عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا شَاهِدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " يَرْحَمُكَ اللَّهُ "، ثُمَّ عَطَسَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هَذَا رَجُلٌ مَزْكُومٌ» ) .
قَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رَوَى أبو داود عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ (شَمِّتْ أَخَاكَ ثَلَاثًا، فَمَا زَادَ، فَهُوَ زُكَامٌ)
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ سعيد، قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنَّهُ رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَاهُ. قَالَ أبو داود: رَوَاهُ أبو نعيم، عَنْ موسى بن قيس، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سعيد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى. وموسى بن قيس هَذَا الَّذِي رَفَعَهُ هُوَ الحضرمي الكوفي يعرف بعصفور الجنة. قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: ثِقَةٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ.
وَذَكَرَ أبو داود، عَنْ عبيد بن رفاعة الزرقي، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «تُشَمِّتُ الْعَاطِسَ ثَلَاثًا، فَإِنْ شِئْتَ فَشَمِّتْهُ، وَإِنْ شِئْتَ فَكُفَّ» ) ، وَلَكِنْ لَهُ عِلَّتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: إِرْسَالُهُ فَإِنَّ عبيدا هَذَا لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ فِيهِ أبا خالد يزيد بن عبد الرحمن الدالاني، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ.
стр. 878
وَفِي الْبَابِ حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ ( «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيُشَمِّتْهُ جَلِيسُهُ فَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَهُوَ مَزْكُومٌ، وَلَا تُشَمِّتْهُ بَعْدَ الثَّلَاثِ» ) وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ حَدِيثُ أبي داود الَّذِي قَالَ فِيهِ: رَوَاهُ أبو نعيم، عَنْ موسى بن قيس، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سعيد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ بَهْ زُكَامٌ، فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُدْعَى لَهُ مِمَّنْ لَا عِلَّةَ بِهِ؟ قِيلَ: يُدْعَى لَهُ كَمَا يُدْعَى لِلْمَرِيضِ، وَمَنْ بِهِ دَاءٌ وَوَجَعٌ.
وَأَمَّا سُنَّةُ الْعُطَاسِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَهُوَ نِعْمَةٌ، وَيَدُلُّ عَلَى خِفَّةِ الْبَدَنِ، وَخُرُوجِ الْأَبْخِرَةِ الْمُحْتَقِنَةِ، فَإِنَّمَا يَكُونُ إِلَى تَمَامِ الثَّلَاثِ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا يُدْعَى لِصَاحِبِهِ بِالْعَافِيَةِ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: (الرَّجُلُ مَزْكُومٌ) تَنْبِيهٌ عَلَى الدُّعَاءِ لَهُ بِالْعَافِيَةِ؛ لِأَنَّ الزَّكْمَةَ عِلَّةٌ، وَفِيهِ اعْتِذَارٌ مِنْ تَرْكِ تَشْمِيتِهِ بَعْدَ الثَّلَاثِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهُ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ لِيَتَدَارَكَهَا وَلَا يُهْمِلَهَا، فَيَصْعُبُ أَمْرُهَا، فَكَلَامُهُ ﷺ كُلُّهُ حِكْمَةٌ وَرَحْمَةٌ، وَعِلْمٌ وَهُدًى.
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَسْأَلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الْعَاطِسَ إِذَا حَمِدَ اللَّهَ فَسَمِعَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ دُونَ بَعْضٍ، هَلْ يُسَنُّ لِمَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ تَشْمِيتُهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُشَمِّتُهُ إِذَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ سَمَاعَ الْمُشَمِّتِ لِلْحَمْدِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ نَفْسُ حَمْدِهِ، فَمَتَى تَحَقَّقَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ التَّشْمِيتُ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمُشَمِّتُ أَخْرَسَ وَرَأَى حَرَكَةَ شَفَتَيْهِ بِالْحَمْدِ. ( «وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: فَإِنْ حَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتُوهُ» ) هَذَا هُوَ الصَّوَابُ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا تَرَكَ الْحَمْدَ فَهَلْ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَضَرَهُ أَنْ يُذَكِّرَهُ الْحَمْدَ؟ قَالَ ابن العربي: لَا يُذَكِّرُهُ، قَالَ: وَهَذَا جَهْلٌ مِنْ فَاعِلِهِ. وَقَالَ النووي: أَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ
стр. 879
ذَلِكَ، بَلْ يُذَكِّرُهُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ. قَالَ: وَهُوَ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَظَاهِرُ السُّنَّةِ يُقَوِّي قَوْلَ ابن العربي لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُشَمِّتِ الَّذِي عَطَسَ، وَلَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ، وَلَمْ يُذَكِّرْهُ وَهَذَا تَعْزِيرٌ لَهُ وَحِرْمَانٌ لِبَرَكَةِ الدُّعَاءِ لَمَّا حَرَمَ نَفْسَهُ بَرَكَةَ الْحَمْدِ، فَنَسِيَ اللَّهَ، فَصَرَفَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْسِنَتَهُمْ عَنْ تَشْمِيتِهِ وَالدُّعَاءِ لَهُ، وَلَوْ كَانَ تَذْكِيرُهُ سُنَّةً، لَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْلَى بِفِعْلِهَا وَتَعْلِيمِهَا، وَالْإِعَانَةِ عَلَيْهَا.
فَصْلٌ
وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ ( «أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَهُ، يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَكَانَ يَقُولُ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» )
[أنواع أخرى من الأذكار]
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي أَذْكَارِ السَّفَرِ وَآدَابِهِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي أَذْكَارِ السَّفَرِ وَآدَابِهِ
صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي، وَعَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاقْدُرْهُ لِي، وَيَسِّرْهُ لِي، وَبَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُهُ شَرًّا لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي، وَعَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ،
стр. 880
ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ " قَالَ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ» ) ، قَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَعَوَّضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّتَهُ بِهَذَا الدُّعَاءِ، عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ زَجْرِ الطَّيْرِ وَالِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ الَّذِي نَظِيرُهُ هَذِهِ الْقُرْعَةُ الَّتِي كَانَ يَفْعَلُهَا إِخْوَانُ الْمُشْرِكِينَ، يَطْلُبُونَ بِهَا عِلْمَ مَا قُسِمَ لَهُمْ فِي الْغَيْبِ، وَلِهَذَا سُمِّيَ ذَلِكَ اسْتِقْسَامًا، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْقَسْمِ، وَالسِّينُ فِيهِ لِلطَّلَبِ وَعَوَّضَهُمْ بِهَذَا الدُّعَاءِ الَّذِي هُوَ تَوْحِيدٌ وَافْتِقَارٌ، وَعُبُودِيَّةٌ، وَتَوَكُّلٌ، وَسُؤَالٌ لِمَنْ بِيَدِهِ الْخَيْرُ كُلُّهُ الَّذِي لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا هُوَ، وَلَا يَصْرِفُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا هُوَ الَّذِي إِذَا فَتَحَ لِعَبْدِهِ رَحْمَةً لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ حَبْسَهَا عَنْهُ، وَإِذَا أَمْسَكَهَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ إِرْسَالَهَا إِلَيْهِ مِنَ التَّطَيُّرِ وَالتَّنْجِيمِ وَاخْتِيَارِ الطَّالِعِ وَنَحْوِهِ. فَهَذَا الدُّعَاءُ، هُوَ الطَّالِعُ الْمَيْمُونُ السَّعِيدُ، طَالِعُ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَالتَّوْفِيقِ، الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنَى، لَا طَالِعُ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالشَّقَاءِ وَالْخِذْلَانِ، الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.
فَتَضَمَّنَ هَذَا الدُّعَاءُ الْإِقْرَارَ بِوُجُودِهِ سُبْحَانَهُ، وَالْإِقْرَارَ بِصِفَاتِ كَمَالِهِ مِنْ كَمَالِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، وَالْإِقْرَارَ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَتَفْوِيضَ الْأَمْرِ إِلَيْهِ، وَالِاسْتِعَانَةَ بِهِ، وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ، وَالْخُرُوجَ مِنْ عُهْدَةِ نَفْسِهِ، وَالتَّبَرِّي مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إِلَّا بِهِ، وَاعْتِرَافَ الْعَبْدِ بِعَجْزِهِ عَنْ عِلْمِهِ بِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَيْهَا، وَإِرَادَتِهِ لَهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِيَدِ وَلِيِّهِ وَفَاطِرِهِ وَإِلَهِهِ الْحَقِّ.
وَفِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَةُ اللَّهِ وَرِضَاهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ
следующие страницы →