← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21715

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط بولاق

القسطلاني

Полный текст (4 743 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

(ثم قال من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين) قيراطين (فأنتم هم فغضبت اليهود والنصارى) أي الكفار منهم (فقالوا) وفي التوحيد فقال أهل التوراة: (ما لنا أكثر عملاً) ممن عمل من العصر إلى الغروب (وأقل عطاء) منهم لأن الوقت من الصبح إلى الظهر أكبر وأكثر وأقل بالنصب على الحال كقوله تعالى: ﴿فما لهم عن التذكرة معرضين﴾ [المدثر: ٤٩] أو خبر كان أي ما لنا كنّا أكثر وما لنا كنا أقل، وفي الفرع بالرفع فيهما خبر مبتدأ محذوف أي ما لنا نحن أكثر وما لنا نحن أقل وعملاً نصب على التمييز (قال) الله تعالى: (هل نقصتكم من حقكم) زاد في الرواية الآتية شيئًا (قالوا لا) لم تنقصنا (قال فذلك فضلي أُوتيه من أشاء) من عبادي وأراد المصنف ﵀ بهذا إثبات صحة الإجارة بأجر معلوم إلى أجل معلوم من جهة ضرب الشارع المثل بذلك. ٩ - باب الإِجَارَةِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ (باب الإجارة إلى صلاة العصر). ٢٢٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالاً فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ثُمَّ عَمِلَتِ النَّصَارَى عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغَارِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ. فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلاً وَأَقَلُّ عَطَاءً، قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. فَقَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ». وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن أبي أُويس) واسمه عبد الله بن عبد الله بن أويس بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله ابن أُخت الإمام مالك (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن عبد الله بن دينار مولى عبد الله بن عمر عن) مولاه (عبد الله به عمر بن الخطاب ﵄ أن رسول الله ﷺ قال): (إنما مثلكم) مع نبيكم (واليهود والنصارى) مع أنبيائهم بالخفض عطفًا على الضمير المخفوض في مثلكم بدون إعادة الجار وهو ممنوع عند البصريين إلا يونس وقطربا والأخفش وجوّزه الكوفيون قاطبة، والحديث مما يشهد لهم ويجوز الرفع وكلاهما في اليونينية والتقدير ومثل اليهود على حذف المضاف وإعطاء المضاف إليه إعرابه، ونقل الحافظ ابن حجر وجدانه مضبوطًا بالنصب في أصل أبي ذر ووجهه على إرادة المعية (كرجل استعمل عمالاً فقال من يعمل لي) أي من أول النهار (إلى نصف النهار على قيراط قيراط) مرتين. (فعملت اليهود) أي إلى نصف النهار (على قيراط قيراط) مرتين أيضًا. قال الطيبي: هذه حالة من حالات المشبه أدخلها في حالات المشبه به وجعلت من حالاته اختصارًا إذ الأصل قال الرجل من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعمل قوم إلى نصف النهار إلى آخره كذلك قال الله تعالى للأمم: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط فعملت اليهود إلى آخره ونظيره قوله تعالى: ﴿كمثل الذي استوقد نارًا﴾ إلى قوله: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ [البقرة: ١٧] فقوله ذهب الله بنورهم وصف للمنافقين وضع موضع وصف المستوقد اختصارًا. (ثم عملت النصارى) أي ثم قال من يعمل لي إلى صلاة العصر على قيراط فعملت النصارى (على قيراط قيراط ثم أنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغارب الشمس) بلفظ الجمع كما في رواية مالك ولعله باعتبار الأزمنة المتعددة باعتبار الطوائف المختلفة الأزمنة (على قيراطين قيراطين فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملاً) أي باعتبار مجموع عمل الطائفتين (وأقل عطاء قال) الله تعالى: (هل ظلمتكم) أي نقصتكم كما في رواية نافع في الباب السابق وإنما لم يكن ظلمًا لأنه تعالى شرط معهم شرطًا وقبلوا أن يعملوا به (من حقكم شيئًا؟ قالوا: لا. فقال) تعالى ولأبي ذر قال: (فذلك فضلي أُوتيه من أشاء). قال الطيبي: وما ذكر من المقاولة والمكالمة لعله تخييل وتصوير ولم يكن حقيقة لأنه لم يكن ثمة اللهم إلا أن يحمل ذلك على حصوله عند إخراج الذر فيكون حقيقة. ١٠ - باب إِثْمِ مَنْ مَنَعَ أَجْرَ الأَجِيرِ (باب إثم من منع أجر الأجير). ٢٢٧٠ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ». وبه قال: (حدّثنا يوسف بن محمد) العصفري الخراساني نزيل البصرة قال: (حدّثني) بالإفراد (يحيى بن سليم) بضم السين وفتح اللام الطائفي نزيل مكة صدوق سيئ الحفظ ولم يخرّج له المؤلّف سوى هذا الحديث وله أصل عنده من غير هذا الوجه واحتج به الباقون (عن إسماعيل بن أمية) بن عمرو بن سعيد بن العاصي الأموي (عن سعيد بن أبي سعيد) المقبري (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (قال الله تعالى ثلاثة) من الناس (أنا خصمهم يوم

стр. 1577

القيامة رجل أعطى بي) أي أعطى العهد باسمي (ثم غدر) أي نقض العهد (ورجل باع حرًّا) عالمًا متعمدًا (فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه) العمل (ولم يعطه أجره). وهذا الحديث سبق في كتاب البيع في باب إثم من باع حرًّا. ١١ - باب الإِجَارَةِ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ (باب الإجارة من العصر) من أول وقته (إلى) أول دخول (الليل). ٢٢٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلاً يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ عَلَى أَجْرٍ مَعْلُومٍ، فَعَمِلُوا لَهُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ الَّذِي شَرَطْتَ لَنَا وَمَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ. فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَفْعَلُوا، أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ وَخُذُوا أَجْرَكُمْ كَامِلاً، فَأَبَوْا وَتَرَكُوا، وَاسْتَأْجَرَ أَجِيرَيْنِ بَعْدَهُمْ فَقَالَ: أَكْمِلَا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمَ هَذَا وَلَكُمَا الَّذِي شَرَطْتُ لَهُمْ مِنَ الأَجْرِ فَعَمِلُوا، حَتَّى إِذَا كَانَ حِينُ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالوا: لَكَ مَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ، وَلَكَ الأَجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فِيهِ. فَقَالَ لَهُم: أَكْمِلَا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمَا فَإِنَّ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ شَىْءٌ يَسِيرٌ، فَأَبَوا، وَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا أَنْ يَعْمَلُوا لَهُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ، فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا، فَذَلِكَ مَثَلُهُمْ وَمَثَلُ مَا قَبِلُوا مِنْ هَذَا النُّورِ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن العلاء) بفتح العين والمد أبو كريب الهمداني الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد) بضم الموحدة وفتح الراء وسكون التحتية (عن أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء عامر (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قومًا) هم اليهود وهو من باب القلب أي كمثل قوم استأجرهم رجل أو هو من باب تشبيه المركب بالمركب لا تشبيه المفرد بالمفرد فلا اعتبار إلا بالمجموعين إذ التقدير مثل الشارع معكم كمثل رجل مع آخر (يعملون له عملاً يومًا إلى الليل على أجر معلوم) أي على قيراطين (فعملوا له إلى نصف النهار فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا) إشارة إلى أنهم كفروا وتولوا واستغنى الله عنهم وهذا من إطلاق القول وإرادة لازمه ترك العمل المعبر به عن ترك الإيمان (وما عملنا باطل) إشارة إلى إحباط عملهم بكفرهم بعيسى إذ لا ينفعهم الإيمان بموسى وحده بعد بعثة عيسى (فقال لهم: لا تفعلوا) إبطال وترك الأجر المشروط (أكملوا) وللأبوين فقال أكملوا (بقية عملكم وخذوا أجركم كاملاً فأبوا وتركوا واستأجروا آخرين) بخاء معجمة فراء مكسورة وهم النصارى (بعدهم فقال) لهم (أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت لهم) أي لليهود (من الأجر) وهو القيراطان (فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر) بنصب حين على أنه خبر كان الناقصة واسمها ضمير مستتر فيها يعود على انتهاء عملهم المفهوم من السياق وبالرفع على أنه فاعل كان التامة (قالوا: لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه) فكفروا وتولوا وحبط عملهم كاليهود (فقال لهم: أكملوا بقية عملكم فإن ما بقي من النهار شيء يسير) بالنسبة لما مضى منه، والمراد ما بقي من الدنيا (فأبوا) أن يعملوا وتركوا أجرهم، وفي رواية غير أبوي ذر والوقت: واستأجر أجيرين بجيم مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فراء مفتوحة على التثنية فقال لهما أكملا بقية يومكما هذا ولكما الذي شرطت لهم من الأجر فعملا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالا لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه فقال لهما أكملا بقية عملكما فإن ما بقي من النهار شيء يسير فأبيا. وفي حديث ابن عمر السابق أنه استأجر اليهود من أول النهار إلى نصفه والنصارى منه إلى العصر فبين الحديثين مغايرة. وأجيب: بأن ذلك بالنسبة إلى من عجز عن الإيمان بالموت قبل ظهور دين آخر، وهذا بالنسبة إلى من أدرك دين الإسلام ولم يؤمن به والظاهر أنهما قضيتان، وقد قال ابن رشيد ما حاصله: إن حديث ابن عمر سيق مثالاً لأهل الأعذار لقوله فعجزوا فأشار إلى أن من عجز عن استيفاء العمل من غير أن يكون له صنيع في ذلك أن الأجر يحصل له تامًّا بفضل الله قال: وذكر حديث أبي موسى مثالاً لمن أخّر لغير عذر وإلى ذلك الإشارة بقوله عنهم لا حاجة لنا إلى أجرك فأشار بذلك إلى أن من أخّر عامدًا لا يحصل له ما حصل لأهل الأعذار انتهى. ووقع في رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه الماضية في باب من أدرك ركعة من العصر الآتية إن شاء الله تعالى في التوحيد ما يوافق رواية أبي موسى ولفظها: فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا، وقال في أهل الإنجيل؛ فعملوا إلى صلاة العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا فهو يدل على أن مبلغ الأجرة لليهود لعمل النهار كله قيراطان، وأجر النصارى للنصف الباقي قيراطان فلما عجزوا عن العمل قبل تمامه لم يصيبوا إلا قدر عملهم وهو قيراط. (واستأجر) بالواو ولأبي ذر: فاستأجر بالفاء (قومًا) هم المسلمون (أن يعملوا له بقية يومهم

стр. 1578

فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين) اليهود والنصارى (كليهما) بإيمانهم بالأنبياء الثلاثة محمد وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم وحكى السفاقسي أن في روايته كلاهما بالألف وهو على لغة من يجعل المثنى في الأحوال الثلاثة بالألف (فذلك مثلهم) أي المسلمين (ومثل ما قبلوا من هذا النور) المحمدي وللإسماعيلي فذلك مثل المسلمين الذين قبلوا هدى الله وما جاء به رسوله ومثل اليهود والنصارى تركوا ما أمرهم الله به، واستدلّ به على أن بقاء هذه الأمة يزيد على الألف لأنه يقتضي أن مدة اليهود نظير مدتي النصارى والمسلمين، وقد اتفق أهل النقل على أن مدة اليهود إلى البعثة المحمدية كانت أكثر من ألفي سنة ومدة النصارى من ذلك ستمائة سنة وقيل أقل فتكون مدة المسلمين أكثر من ألف سنة قطعًا قاله في الفتح. ١٢ - باب مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَتَرَكَ أَجْرَهُ، فَعَمِلَ فِيهِ الْمُسْتَأْجِرُ فَزَادَ أَوْ مَنْ عَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ فَاسْتَفْضَلَ (باب من استأجر أجيرًا فترك أجره) وللكشميهني فترك الأجير أجره (فعمل فيه المستأجر) بالتجارة والزراعة (فزاد) فيه أي ربح (أو من) وفي بعض النسخ ومن (عمل في مال غيره فاستفضل) بالضاد المعجمة أي أفضل وليست السين للطلب وهو من باب عطف العام على الخاص. ٢٢٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوُا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمُ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلاً وَلَا مَالاً، فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَىْءٍ يَوْمًا فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ، وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلاً أَوْ مَالاً، فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَىَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا، فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَىَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّي، حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ، حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ: لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّهِ، فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهْيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَىَّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ، غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَىَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ. فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَسْتَهْزِئْ بِي. فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا. اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ. فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ". وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (سالم بن عبد الله أن) أباه (عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول): (انطلق ثلاثة رهط) قال الجوهري والرهط ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة قال تعالى: ﴿وكان في المدينة تسعة رهط﴾ [النمل: ٤٨] فجمع وليس له واحد من لفظه مثل ذود (ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت) بقصر الهمزة كرموا والمبيت موضع البيتوتة (إلى غار) كهف في جبل (فدخلوه فانحدرت) هبطت (صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار فقالوا إنه لا ينجيكم) بضم الياء من الإنجاء أي لا يخلصكم (من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم) بسكون واو تدعوا وأصله تدعون فسقطت النون لدخول أن. (فقال) بالفاء ولأبي الوقت قال (رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران) هو من باب التغليب إذ المراد الأب والأم (وكنت لا أغبق قبلهما) بفتح الهمزة وإسكان الغين المعجمة وكسر الموحدة آخره قاف من الثلاثي كذا في الفرع فى نسخة أغبق بضم الموحدة وللأصيلي كما في الفتح أغبق بضم الهمزة من الرباعي وخطؤوه والغبوق شرب العشي أي ما كنت أقدّم عليهما في شرب نصيبهما من اللبن (أهلاً) أقارب (ولا مالاً) رقيقًا (فنأى) كسعى أي بعد (بي) ولكريمة والأصيلي كما في الفتح فناء بمد بعد النون بوزن جاء وهو بمعنى الأول (في طلب شيء) بعد (يومًا فلم أرح) بضم الهمزة وكسر الراء من أراح رباعيًّا أي لم أرجع (عليهما) أي على أبويّ (حتى ناما فحلبت) وللحموي والمستملي فحملت بالميم (لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين وكرهت) بالواو ولأبوي ذر والوقت: فكرهت (أن أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً فلبثت والقدح) أي والحال أن القدح (على يدي) بتشديد آخره على التثنية (أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر) بفتح الراء أي ظهر ضياؤه (فاستيقظا فشربا غبوقهما اللهم وإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة) بفاءين مفتوحتين فراء مكسورة مشدّدة (فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج) منه. (قال النبي ﷺ وقال الآخر اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إليّ فأردتها عن نفسها) أي بسبب نفسها أو من جهتها وللحموي والمستملي: على نفسها أي مستعلية عليها وهو كناية عن طلب الجماع (فامتنعت مني حتى ألمت) بتشديد الميم وللكشميهني ألممت أي نزلت (بها سنة من السنين) المقحطة فأحوجتها (فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار) وفي البيوع مائة دينار والتخصيص بالعدد لا ينافي الزيادة أو المائة كانت بالتماسها والعشرين تبرّعًا منه كرامة لها (على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت)

стр. 1579

ذلك (حتى إذا قدرت عليها) وفي الرواية السابقة فلما قعدت بين رجليها (قالت لا أحلّ لك) بفتح الهمزة فى اليونينية وفي غيرها أحل بضمها من الإحلال (أن تفضّ الخاتم إلا بحقه) أي لا يحل لك إزاله البكارة إلا بالحلال وهو النكاح الشرعي المسوّغ للوطء (فتحرجت) أي تجنبت واحترزت من الإثم الناشئ (من الوقوع عليها) بغير حق (فانصرفت عنها وهي أحب الناس إليّ وتركت الذهب الذي أعطيتها) قال العيني وفي رواية أبي ذر: التي أعطيتها والذهب يذكّر ويؤنّث (اللهم وإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج) بهمزة وصل وضم الراء (عنّا ما نحن فيه) أي من هذه الصخرة وقول الزركشي إنه في البخاري بقطع الهمزة وكسر الراء أي اكشف وفي رواية غير البخاري بهمزة وصل وضم الراء لم أره فيما وقفت عليه من نسخ البخاري المعتمدة كما قال بل في كلها بهمزة الوصل فالله أعلم (فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها). (قال النبي ﷺ : وقال الثالث اللهم إني استأجرت أُجراء) بضم الهمزة وفتح الجم والراء جمع أجير وسقط لفظ إني لأبي الوقت (فأعطيتهم أجرهم) بفتح الهمزة وسكون الجيم (غير رجل واحد) منهم (ترك) أجره (الذي له وذهب فثمرت) أي كثّرت (أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدّي إليّ أجري) بياء ثابتة بعد الدال والصواب حذفها (فقلت له كل ما ترى) برفع كل والخبر قوله (من أجرك) وللكشميهني من أجلك باللام بدل الراء (من الإبل والبقر والغنم والرقيق) بيان لقوله ما ترى ولا منافاة بين قوله في السابقة بقرًا وراعيها (فقال يا عبد الله لا تستهزئ بي) بسكون الهمزة مجزومًا على الأمر (فقلت) له (إني لا أستهزئ بك فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئًا اللهم فإن) بالفاء قبل الهمزة (كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنّا) بالوصل وضم الراء (ما نحن فيه) أي من هذه الصخرة (فانفرجت الصخرة فخرجوا) من الغار (يمشون) وقد تعقب المهلب المصنف بأنه ليس في الحديث دليل لما ترجم له فإن الرجل إنما اتّجر في أجر أجيره ثم أعطاه له على سبيل التبرع فإنه إنما كان يلزمه قدر العمل خاصة. وهذا الحديث قد سبق في كتاب البيوع وتأتي بقية مباحثه في أواخر أحاديث الأنبياء إن شاء الله تعالى بعون الله ومنّته. ١٣ - باب مَنْ آجَرَ نَفْسَهُ لِيَحْمِلَ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهِ، وَأُجْرَةِ الْحَمَّالِ (باب من آجر نفسه) لغيره (ليحمل) له متاعه (على ظهره ثم تصدق به) أي بأجره وللكشميهني: ثم تصدق منه (و) باب (أجرة الحمال) بالحاء المهملة، ولأبى ذر: وأجر بغير هاء. ٢٢٧٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القُرَشيّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلُ، فَيُصِيبُ الْمُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ لَمِائَةَ أَلْفٍ. قَالَ: مَا نُرَاهُ إِلاَّ نَفْسَهُ". وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (سعيد بن يحيى بن سعيد) أي ابن أبان بن سعيد بن العاصي الأموي (القرشي) البغدادي وسقط لغير أبي ذر القرشي قال: (حدّثنا أبي) يحيى بن سعيد قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (عن شقيق) أبي وائل (عن أبي مسعود) عقبة بن عامر (الأنصاري) البدري (﵁) أنه (قال): (كان رسول الله ﷺ إذا أمر بالصدقة) ولأبي ذر: إذا أمرنا بالصدقة (انطلق أحدنا) لما يسمعه من الأجر الجزيل فيها (إلى السوق فيحامل) بضم التحتية وكسر الميم من باب المفاعلة الكائنة من اثنين أي يعمل صنعة الحمالين فيحمل ويأخذ الأجرة من الآخر ليكتسب ما يتصدق به (فيصيب المد) من الطعام أجرة عما حمله وعند النسائي من طريق منصور عن أبي وائل ينطلق أحدنا إلى السوق فيحمل على ظهره (وإن لبعضهم) أي اليوم (لمائة ألف) من الدنانير أو الدراهم واللام للتأكيد وهي ابتدائية لدخولها على اسم أن وتقدم الخبر زاد النسائي وما كان له يومئذ درهم أي في اليوم الذي كان يحمل فيه بالأجرة لأنهم كانوا فقراء حينئذ واليوم هم أغنياء. (قال) أبو وائل (ما نراه) بفتح النون وضمها أي ما أظن أبا مسعود عقبة بن عامر أراد بذلك البعض (إلا نفسه) وفي نسخة بالفرع وأصله ما نراه يعني إلا نفسه. وهذا الحديث سبق في باب اتقوا النار ولو بشق تمرة من كتاب الزكاة. ١٤ - باب أَجْرِ السَّمْسَرَةِ وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَالْحَسَنُ بِأَجْرِ السِّمْسَارِ بَأْسًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ بِعْ هَذَا الثَّوْبَ، فَمَا زَادَ عَلَى كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لَكَ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِذَا قَالَ بِعْهُ بِكَذَا، فَمَا كَانَ مِنْ رِبْحٍ فَهْوَ لَكَ أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ». (باب) حكم (أجر السمسرة) بفتح السينين المهملتين

стр. 1580

بينهما ميم ساكنة أي الدلالة (ولم ير ابن سيرين) محمد (وعطاء) هو ابن أبي رباح (وإبراهيم) النخعي فيما وصله ابن أبي شيبة عنهم (والحسن) البصري (بأجر السمسار بأسًا. وقال ابن عباس) ﵄ مما وصله ابن أبي شيبة (لا بأس أن يقول) للسمسار (بع هذا الثوب فما زاد على كذا وكذا فهو لك) وهذه أجرة سمسرة أيضًا لكنها مجهولة ولذلك لم يجزها الجمهور بل قالوا: إن باع على ذلك فله أجر مثله. (وقال ابن سيرين) محمد مما وصله ابن أبي شيبة أيضًا: (إذا قال بعه بكذا فما كان من ربح فهو لك) ولأبوي ذر والوقت: فلك (أو بيني وبينك فلا بأس به) وهذا أشبه بصورة المقارض من السمسار. (وقال النبي ﷺ : المسلمون عند شروطهم) أي الجائزة شرعًا وهذا روي من حديث عمرو بن عوف المزني عند إسحاق في مسنده ومن حديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود والحاكم. ٢٢٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَلَا يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. قُلْتُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا". وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال: (حدّثنا معمر) هو ابن راشد (عن ابن طاوس) عبد الله (عن أبيه) طاوس (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: نهى النبي ﷺ أن يتلقى) بضم التحتية وفي بعض النسخ فوقية مبنيًا للمفعول (الركبان) بالرفع نائب عن الفاعل (ولا يبيع) بالنصب على أن لا زائدة (حاضر لبادٍ). قال طاوس (قلت يا ابن عباس ما قوله) أي: ما معنى قوله إلا يبيع حاضر لبادٍ؟ قال: لا يكون له سمسارًا). وهذا موضع الترجمة فإن مفهومه جواز أن يكون سمسارًا في بيع الحاضر لكن شرط الجمهور أن تكون الأجرة معلومة. وهذا الحديث سبق في باب النهي عن تلقي الركبان في كتاب البيوع. ١٥ - باب هَلْ يُؤَاجِرُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ مِنْ مُشْرِكٍ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ؟ هذا (باب) بالتنوين (هل يؤاجر الرجل) المسلم (نفسه من مشرك في أرض الحرب) وهي دار الكفر. ٢٢٧٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ حَدَّثَنَا خَبَّابٌ قَالَ: "كُنْتُ رَجُلاً قَيْنًا، فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، فَاجْتَمَعَ لِي عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ فَلَا. قَالَ: وَإِنِّي لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لِي ثَمَّ مَالٌ وَوَلَدٌ، فَأَقْضِيكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا﴾. وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث بن طلق النخعي قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (عن مسلم) هو ابن صبيح بضم الصاد مصغرًا أبي الضحى (عن مسروق) هو ابن الأجدع قال: (حدّثنا خباب) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى ابن الأرت التميمي من السابقين إلى الإسلام (﵁ قال: كنت رجلاً قينًا) بفتح القاف وسكون التحتية حدادًا (فعملت) أي سيفًا (للعاصي بن وائل) السهمي والد عمرو بن العاصي الصحابيّ المشهور وكان له قدر في الجاهلية ولكنه لم يوفق للإسلام وكان عمله ذلك له بمكة وهي إذ ذاك دار حرب وخباب مسلم، (فاجتمع لي عنده) زاد الإمام أحمد بن دراهم (فأتيته أتقاضاه) أي أطلب الدراهم أجرة عمل السيف (فقال) أي العاص: (لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: أما) بتخفيف الميم حرف تنبيه (والله) لا أكفر (حتى تموت ثم تبعث) مفهومه غير مراد لأن الكفر لا يتصوّر بعد البعث فكأنه قال: لا أكفر أبدًا (فلا) أي فلا أكفر والفاء لا تدخل في جواب القسم فهو مفسّر للمقدّر الذي حذقه. قال الكرماني: ويروى أما بالتشديد وتقديره أما أنا فلا أكفر والله وأما غيري فلا أعلم حاله (قال) العاصي: (وإني) بحذف همزة الاستفهام والتقدير أو أني (لميت ثم مبعوث)؟ قال خباب: (قلت) له (نعم. قال: فإنه سيكون لي ثم) بفتح المثلثة أي هناك (مال وولد فأقضيك) حقك (فأنزل الله ﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالاً وولدًا﴾ [مريم: ٧٧]. وموضع الترجمة منه قوله: فعملت الخ … ووجه الدلالة أن العاصي كان مشركًا وكان خباب إذ ذاك مسلمًا ومكة حينئذ دار حرب، واطّلع عليه النبي ﷺ وأقرّه، لكن يحتمل أن يكون الجواز مقيدًا بالضرورة وقبل الإذن بقتال المشركين والأمر بعدم إذلال المؤمن نفسه. قال ابن المنير: والذي استقرت عليه المذاهب أن الصناع في حوانيتهم كالقين والخياط ونحوهما يجوز أن تعمل لأهل الذمة ولا يعدّ ذلك ذلّة بخلاف خدمته في منزله وبطريق التبعية له كالمكاري والبلان في الحمام ونحو ذلك. وهذا الحديث سبق في باب ذكر

стр. 1581

القين والحدّاد من كتاب البيع ويأتي إن شاء الله تعالى في تفسير سورة مريم. ١٦ - باب مَا يُعْطَى فِي الرُّقْيَةِ عَلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ». وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَا يَشْتَرِطُ الْمُعَلِّمُ، إِلاَّ أَنْ يُعْطَى شَيْئًا فَلْيَقْبَلْهُ. وَقَالَ الْحَكَمُ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا كَرِهَ أَجْرَ الْمُعَلِّمِ وَأَعْطَى الْحَسَنُ دَرَاهِمَ عَشَرَةً. وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ بِأَجْرِ الْقَسَّامِ بَأْسًا. وَقَالَ: كَانَ يُقَالُ السُّحْتُ الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ، وَكَانُوا يُعْطَوْنَ عَلَى الْخَرْصِ. (باب) حكم (ما يُعطى) بضم أوله وفتح ثالثه (في الرقية) بضم الراء وسكون القاف أي العوذة (على أحياء العرب) بفتح الهمزة طائفة مخصوصة (بفاتحة الكتاب) وعورض المؤلّف في قوله على أحياء العرب لأن الحكم لا يختلف باختلاف الأمكنة والأجناس، وأجاب في فتح الباري: بأنه ترجم بالواقع ولم يتعرض لنفي غيره واعترضه في عمدة القاري بأن هذا الجواب غير مقنع لأن القيد شرط إذا انتفى ينتفي المشروط انتهى وقد شطب عليه في الفرع وأصله. (وقال ابن عباس) ﵄ مما وصله في الطب (عن النبي ﷺ أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله)، وبهذا تمسك الجمهور في جواز الأجرة على تعليم القرآن ومنع ذلك الحنفية في التعليم لأنه عبادة والأجر فيها على الله تعالى وأجازوه في الرقى لهذا الخبر. وبقية مبحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى بعون الله في باب التزويج على تعليم القرآن. (وقال الشعبي) عامر بن شراحيل فيما وصله ابن أبي شيبة: (لا يشترط المعلم) على من يعلمه أجرة (إلا أن يعطى شيئًا فليقبله) بالجزم على الأمر وفتح همزة أن والاستثناء منقطع أي لكن الإعطاء بدون الاشتراط جائز فيقبله. قال الكرماني: وفي بعضها إن بكسر الهمزة أي لكن إن يعط شيئًا بدون الشرط فليقبله. (وقال الحكم) بفتحتين ابن عتيبة بفتح المثناة والموحدة مصغر الكندي الكوفي مما وصله البغوي في الجعديات (لم أسمع أحدًا) من الفقهاء (كره أجر المعلم، وأعطى الحسن) البصري (دراهم عشرة) أجرة المعلم وصله ابن سعد في الطبقات، (ولم ير ابن سيرين) محمد (بأجر القسام) بفتح القاف وتشديد المهملة من القسم وهو القاسم (بأسًا) أي إذا كان بغير اشتراط أما مع الاشتراط فكان يكرهه كما أخرجه عنه موصولاً ابن سعد بل روى عنه الكراهة من غير تقييد عبد بن حميد من طريق يحيى بن عتيق عن محمد بن سيرين ولفظه: أنه كان يكره أجور القسام ويقول كان يقال السحت الرشوة على الحكم وأرى هذا حكمًا يؤخذ عليه الأجر. (وقال) ابن سيرين (كان يقال السحت الرشوة في الحكم) بكسر الراء أخرجه ابن جرير بأسانيده عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت من قولهم، وأخرجه من وجه آخر مرفوعًا برجال ثقات لكنه مرسل ولفظه: "كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به" قيل: يا رسول الله وما السحت؟ قال: "الرشوة في الحكم". (وكانوا يعطون) الأجرة بفتح الطاء (على الخرص) لخارص الثمرة ومناسبة ذكر القسام والخارص الاشتراك في أن كلاًّ منهما يفصل التنازع بين المتخاصمين. ٢٢٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: "انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَىٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَىِّ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَىْءٍ، لَا يَنْفَعُهُ شَىْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَىْءٌ. فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَىْءٍ لَا يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَىْءٍ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ وَاللَّهِ، إِنِّي لأَرْقِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضِيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلاً. فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ. فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ. قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ. فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اقْسِمُوا. فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا. فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمُ، اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ". وَقَالَ أَبُو عَبْدُ اللهِ وَقَالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ سَمِعْتُ أَبَا الْمُتَوَكِّلِ … بِهَذَا. [الحديث ٢٢٧٦ - أطرافه في: ٥٠٠٧، ٥٧٣٦، ٥٧٤٩]. وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري (عن أبي بشر) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة جعفر بن أبي وحشية واسمه إياس (عن أبي المتوكل) عليّ بن داود ويقال ابن دؤاد بضم الدال بعدها واو بهمزة الناجي بالنون والجيم البصري (عن أبي سعيد) سعد بن مالك الخدري (﵁) أنه (قال: انطلق نفر) هو ما بين الثلاثة إلى العشرة من الرجال، لكن عند ابن ماجة أنهم كانوا ثلاثين وكذا عند الترمذي ولم يسمّ أحد منهم، وفي رواية سليمان بن قية بفتح القاف وتشديد التحتية عند الإمام أحمد،: بعثنا رسول الله ﷺ ثلاثين رجلاً (من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها) أي في سرية عليها أبو سعيد الخدري كما عند الدارقطني ولم يعينها أحد من أهل المغازي فيما وقف عليه الحافظ ابن حجر (حتى نزلوا) أي ليلاً كما في الترمذي (على حيٍّ من أحياء العرب) قال في الفتح: ولم أقف على تعيين الحيّ الذي نزلوا بهم من أي القبائل هم (فاستضافوهم) أي طلبوا منهم الضيافة (فأبوا أن يضيفوهم) بفتح الضاد المعجمة وتشديد التحتية ويروى يضيفوهم بكسر الضاد والتخفيف (فلدغ) بضم اللام وكسر الدال المهملة لا المعجمة وسها الزركشي وبالغين المعجمة مبنيًّا

стр. 1582

للمفعول أي لسع (سيد ذلك الحي) أي بعقرب كما في الترمذي ولم يسم سيد الحي (فسعوا له بكل شيء) مما جرت العادة أن يتداووا به من لدغة العقرب، وللكشميهني: فشفوا بفتح الشين المعجمة والفاء وسكون الواو أي طلبوا له الشفاء أي عالجوه بما يشفيه وقد زعم السفاقسي أنها تصحيف (لا ينفعه شيء فقال بعضهم) لبعض: (لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا) عندكم (لعله) وللكشميهني: لعل بإسقاط الهاء (أن يكون عند بعضهم شيء) يداويه (فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا) وللكشميهني: وشفينا (له بكل شيء لا ينفعه) في رواية معبد بن سيرين أن الذي جاءهم جارية منهم فيحمل على أنه كان معها غيرها (فهل عند أحد منكم من شيء) زاد أبو داود من هذا الوجه: ينفع صاحبنا، وزاد البزار فقالوا لهم: قد بلغنا أن صاحبكم جاء بالنور والشفاء. قالوا: نعم (فقال بعضهم) هو أبو سعيد الراوي كما في بعض روايات مسلم (نعم والله أني لأرقى) بفتح الهمزة وكسر القاف (ولكن) بالتخفيف (والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً) بضم الجيم وسكون العين ما يعطى على العمل (فصالحوهم) أي وافقوهم (على قطيع من الغنم). وفي رواية النسائي ثلاثون شاة وهو مناسب لعدد السرية كما مرّ فكأنهم اعتبروا عددهم فجعلوا لكل واحد شاة، (فانطلق) الراقي إلى الملدوغ وجعل (يتفل عليه) بفتح المثناة التحتية وسكون الفوقية وكسر الفاء وتضم ينفخ نفخًا معه أدنى بزاق. قال العارف بالله عبد الله بن أبي جمرة في بهجة النفوس: محل التفل في الرقية بعد القراءة لتحصل بركة الريق في الجوارح التي يمرّ عليها فتحصل البركة في الريق الذي يتفله (ويقرأ الحمد لله رب العالمين) الفاتحة إلى آخرها، وفي رواية الأعمش عند. . . . . (١). . . . . سبع مرات، وفي حديث جابر ثلاث مرات والحكم للزائد (فكأنما نشط) بضم النون وكسر الشين المعجمة من الثلاثي المجرد أي حل (من عقال) بكسر العين المهملة وبعدها قاف حبل يشد به ذراع البهيمة، لكن قال الخطابي: إن المشهور أن يقال في الحلّ أنشط بالهمزة وفي العقد نشط، وقال ابن الأثير وكثيرًا ما يجيء في الرواية كأنما نشط من عقال وليس بصحيح يقال: نشطت العقدة إذا عقدتها وأنشطتها إذا حللتها. وفي القاموس كالصحاح والحبل كنصر عقده كنشطه وأنشطه حلّه، ونقل في المصابيح عن الهروي أنه رواه كأنما أنشط من عقال. وعن السفاقسي أنه كذلك في بعض الروايات هاهنا، (فانطلق) الملدوغ حال كونه (يمشي وما به قلبة) بحركات أي علة وسمي بذلك لأن الذي تصيبه يتقلب من جنب إلى جنب ليعلم موضع الداء منه، ونقل عن خط الدمياطي أنه داء مأخوذ من القلاب يأخذ البعير فيشتكي منه قلبه فيموت من يومه. (قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه) وهو الثلاثون شاة (فقال بعضهم: اقسموا فقال الذي رقى) بفتح الراء والقاف (لا تفعلوا) ما ذكرتم من القسمة (حتى نأتي النبي ﷺ فنذكر له) بنصب نذكر عطفًا على نأتي المنصوب بأن المضمرة بعد حتى (الذي كان) من أمرنا هذا (فننظر) نصب عطفًا على المنصوب (ما يأمرنا) به فنتبعه وفي رواية الأعمش فلما قبضنا الغنم عرض في أنفسنا منها شيء (فقدموا على رسول الله ﷺ ¬) المدينة (فذكروا له) القصة (فقال) ﵊ للراقي: (وما يدريك أنها) أي الفاتحة (رقية) بضم الراء وإسكان القاف. قال الداودي: معناه وما أدراك؟ قال: ولعله المحفوظ لأن ابن عيينة قال: إذا قيل وما يدريك فلم يدره وما قيل فيه وما أدراك فقد علمه. وأجاب ابن التين: بأن ابن عيينة إنما قال ذلك فيما وقع في القرآن وإلاّ فلا فرق بينهما في اللغة وعند الدارقطني وما علمك أنها رقية قال حق ألقي إليّ في روعي. (ثم قال) ﵊ (قد أصبتم) في الرقية أو في توقفكم عن التصرف في الجعل حتى استأذنتموني أو أعمّ من ذلك (اقسموا) الجعل بينكم (واضربوا) اجعلوا (لي معكم) منه (سهمًا) أي نصيبًا

стр. 1583

والأمر بالقسمة من باب مكارم الأخلاق وإلاّ فالجميع للراقي وإنما قال اضربوا تطييبًا لقلوبهم ومبالغة في أنه حلال لا شبهة فيه (فضحك رسول الله) ولأبوي ذر والوقت: النبي (¬ ﷺ ¬). (قال أبو عبد الله) البخاري (وقال شعبة) بن الحجاج فيما وصله الترمذي والمؤلّف في الطب لكن بالعنعنة: (حدّثنا أبو بشر) جعفر بن أبي وحشية السابق قال: (سمعت أبا المتوكل) الناجي (بهذا) الحديث السابق، وفائدة ذكره هذا تصريح أبي بشر بالسماع ومتابعة شعبة لأبي عوانة على الإسناد، وقد تابع أبا عوانة أيضًا هشيم كما في مسلم والنسائي وخالفهم الأعمش فرواه عن جعفر بن أبي وحشية عن أبي نضرة عن أبي سعيد فجعل بدل أبي المتوكل أبا نضرة أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة، وليس الحديث مضطربًا بل الطريقان محفوظان قاله في الفتح وقد سقط قوله قال أبو عبد الله الخ … في رواية الحموي، وثبت للمستملي والكشميهني. ومباحث هذا الحديث وما يستنبط منه تأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الطب، ومطابقته للترجمة واضحة وفيه أن رجاله كلهم مذكورون. بالكنى وهو غريب جدًّا وكلهم بصريون غير أبي عوانة فواسطي، وأخرجه المؤلّف في الطب أيضًا وكذا مسلم، وأخرجه أبو داود فيه وفي البيوع والترمذي فيه وكذا النسائي وابن ماجة في التجارات. ١٧ - باب ضَرِيبَةِ الْعَبْدِ، وَتَعَاهُدِ ضَرَائِبِ الإِمَاءِ (باب) حكم (ضريبة العبد) بفتح الضاد المعجمة فعيلة بمعنى مفعولة ما يقرره السيد على عبده في كل يوم (و) بيان (تعاهد ضرائب الأماء). ٢٢٧٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَكَلَّمَ مَوَالِيَهُ فَخَفَّفَ عَنْ غَلَّتِهِ أَوْ ضَرِيبَتِهِ". وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي بكسر الموحدة البخاري قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن حميد الطويل) أبي عبيدة البصري (عن أنس بن مالك ﵁) أنه (قال: حجم أبو طيبة) اسمه نافع على الصحيح (النبي ﷺ فأمر له بصاع أو صاعين من طعام) شك الراوي، وفي باب ذكر الحجام من كتاب البيوع فأمر له بصاع من تمر (وكلم مواليه) هم بنو حارثة على الصحيح ومولاه منهم محيصة بن مسعود، وإنما جمع الوالي مجازًا كما مر (فخفّف) بفتح الخاء المعجمة وفي نسخة فخفّف بضمها مبنيًّا للمفعول (عن غلته) بفتح الغين المعجمة وتشديد اللام (أو) قال (ضريبته) وهما بمعنى والشك من الراوي. ومناسبته للترجمة واضحة وأما ضرائب الإماء فبالقياس واختصاصها بالتعاهد لكونها مظنة لتطرق الفساد في الأغلب، وإلاّ فكما يخشى من اكتساب الأمة بفرجها يخشى من اكتساب العبد بالسرقة مثلاً والحديث سبق في البيع. ١٨ - باب خَرَاجِ الْحَجَّامِ (باب خراج الحجام). ٢٢٧٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ". وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري البصري قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد الباهلي البصري قال: (حدّثنا ابن طاوس) عبد الله (عن أبيه) طاوس (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: احتجم النبي ﷺ وأعطى الحجّام) أبا طيبة نافعًا (أجره) بفتح الهمزة أي صاعًا من تمر وزاد في البيع ولو كان حرامًا لم يعطه ونحوه في الحديث اللاحق وهو نص في إباحتها، وإليه ذهب الجمهور وحملوا ما ورد في الزجر عنه على التنزيه وذهب الإمام أحمد وغيره إلى الفرق بين الحر والعبد فكرهوا للحر الاحتراف بالحجامة ومنعوه الإنفاق منها على نفسه وأباحوا إنفاقها على عبده ودابته وأباحوها للعبد مطلقًا لحديث محيصة عند مالك وأحمد وأصحاب السنن ورجاله ثقات أنه سأل النبي ﷺ عن كسب الحجام فنهاه فذكر له الحاجة فقال له اعلفه نواضحك. ٢٢٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَلَوْ عَلِمَ كَرَاهِيَةً لَمْ يُعْطِهِ". وبه قال: (حدّثنا مسدد) بفتح السين وتشديد الدال الأولى المهملات الأسدي البصري قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بتقديم الزاي على الراء مصغرًا البصري (عن خالد) الحذاء (عن عكرمة عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: احتجم النبي ﷺ وأعطى الحجام) أبا طيبة (أجره) صاعًا من تمر (ولو علم) ﵊ (كراهية) في أجر الحجام (لم يعطه) أجره. ٢٢٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْتَجِمُ، وَلَمْ يَكُنْ يَظْلِمُ أَحَدًا أَجْرَهُ". وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين آخره

стр. 1584

راء ابن كدام (عن عمرو بن عامر) بفتح العين وسكون الميم الأنصاري وليس له رواية في البخاري إلاّ عن أنس ولا له في البخاري إلا حديثان هذا وآخر سبق في الطهارة أنه (قال: سمعت أنسًا) هو ابن مالك (﵁ يقول: كان النبي ﷺ يحتجم) التعبير بكان يُشعِر بالمواظبة على القول بأن كان تقتضي التكرار (ولم يكن يظلم أحدًا أجره) أي لم يكن ينقص من أجر أحد ولا يردّه بغير أجر وهو أعم من أجر الحجام وغيره ممن يستعمله في عمل. ١٩ - باب مَنْ كَلَّمَ مَوَالِيَ الْعَبْدِ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ (باب من كلم موالي العبد أن يخففوا عنه من خراجه). ٢٢٨١ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "دَعَا النَّبِيُّ ﷺ غُلَامًا حَجَّامًا فَحَجَمَهُ وَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ، أَوْ مُدٍّ أَوْ مُدَّيْنِ، وَكَلَّمَ فِيهِ فَخُفِّفَ مِنْ ضَرِيبَتِهِ". وبه قال: (حدّثنا آدم) ابن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن حميد الطويل عن أنس بن مالك ﵁) أنه (قال: دعا النبي ﷺ غلامًا حجّامًا فحجمه) وسقط قوله حجامًا في رواية أبوي ذر والوقت، والظاهر أنه أبو طيبة وإن كان حجمه أبو هند مولى بني بياضة كما عند ابن منده وأبي داود لأنه ليس في حديثه عندهما ما في حديث أبي طيبة قوله: (وأمر له بصاع أو صاعين أو مدّ أو مدّين) أي من تمر والشك من شعبة (وكلم) ﵊ بالواو وللحموي والمستملي: فكلم (فيه) مولاه محيصة بن مسعود، وإنما جمع في الترجمة كالحديث السابق على طريق المجاز أو كان مشتركًا بين جماعة من بني حارثة منهم محيصة (فخفف من ضريبته) بضم الخاء المعجمة مبنيًّا للمفعول. وفي حديث عمر عند ابن أبي شيبة أن خراجه كان ثلاثة آصع والله أعلم. ٢٠ - باب كَسْبِ الْبَغِيِّ وَالإِمَاءِ وَكَرِهَ إِبْرَاهِيمُ أَجْرَ النَّائِحَةِ وَالْمُغَنِّيَةِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿فَتَيَاتِكُمْ﴾: إِمَاؤُكُمْ. (باب) حكم (كسب البغي) بفتح الموحدة وكسر الغين المعجمة وتشديد التحتية أي الزانية (و) حكم كسب (الإماء) البغايا والممنوع كسب الأمة بالفجور لا بالصنائع الجائزة. (وكره إبراهيم) النخعي فيما وصله ابن أبي شيبة (أجر النائحة والمغنية) من حيث أن كلاًّ منهما معصية وإجارته باطلة كمهر البغيّ. (وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على كسب أو بالرفع على الناسشاف (﴿ولا تكرهوا فتياتكم﴾) أي إماءكم (﴿على البغاء﴾) أي الزنا. وكان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت، فلما جاء الإسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك، وكان سبب نزول هذه الآية ما رواه الطبري أن عبد الله بن أُبيّ أمر أمة له بالزنا فجاءت ببرد فقال ارجعي فازني على آخر فقالت ما أنا براجعة فنزلت. وهذا أخرجه مسلم من طريق أبي سفيان عن جابر مرفوعًا وروى أبو داود والنسائي من طريق أبي الزبير سمع جابرًا قال: جاءت مسيكة أمة لبعض الأنصار فقالت: إن سيدي يُكرِهني على البغاء فنزلت والظاهر أنها نزلت فيهما وسمّاها الزهري معاذة (﴿إن أردن تحصنًا﴾). قال في الكشاف، فإن قلت: لِمَ أقحم قوله: "إن أردن تحصنًا" قلت: لأن الإكراه لا يتأتى إلا مع إرادة التحصّن وآمر المؤاتية للبغاء لا يسمى مكرهًا ولا أمره إكراهًا وكلمة إن وإيثارها على إذا إيذانًا بأن الباغيات كنّ يفعلن ذلك برغبة وطواعية منهنّ وأن ما وجد من معاذة ومسيكة من حيز الشاذ النادر (﴿لتبتغوا عرض الحياة الدنيا﴾) من خراجهنّ وأولادهن (﴿ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن﴾) لهنّ (﴿غفور رحيم﴾) [النور: ٣٣] وقال الترمذي: لهم أو لهنّ أو لهم ولهنّ إن تابوا وأصلحوا. وقال أبو حيان في البحر: فإن الله من بعد إكراههنّ غفور رحيم جواب الشرط، والصحيح أن التقدير غفور لهم ليكون جواب الشرط فيه ضمير يعود على من الذي هو اسم الشرط ويكون ذلك مشروطًا بالتوبة، ولما غفل الزمخشري وابن عطية وأبو البقاء عن هذا الحكم قدّروا فإن الله غفور رحيم لهن أي للمكرهات فعريت جملة جواب الشرط من ضمير يعود على اسم الشرط وقد ضعف ما قلناه أبو عبد الله الرازي فقال: فيه وجهان. أحدهما: فإن الله غفور رحيم لهن لأن الإكراه يزيل الإثم والعقوبة عن المكره فيما فعل، والثاني: فإن الله غفور رحيم للمكره بشرط التوبة وهذا ضعيف لأنه على التفسير الأول لا حاجة لهذا الإضمار وعلى الثاني يحتاج إليه انتهى. وكلامهم كلام من لم يمعن في لسان العرب.

стр. 1585

فإن قلت: قوله بعد إكراههنّ مصدر أضيف إلى المفعول وفاعل المصدر محذوف والمحذوف كالملفوظ به والتقدير من بعد إكراههم إياهنّ والربط يحصل بهذا المحذوف المقدر فلتجز هذه المسألة. قلت: لم يعدّوا في الرابط الفاعل المحذوف تقول هند عجبت من ضربها زيدًا فتجوز المسألة. ولو قلت: هند عجبت من ضرب زيدًا لم تجز ولما قدّر الزمخشري في أحد تقديراته لهنّ أورد سؤالاً فقال: فإن قلت: لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهنّ لأن المكرهة على الزنا بخلاف المكره عليه في أنها غير آثمة. قلت: لعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة من إكراه بقتل أو بما يخاف منه التلف أو ذهاب العضو من ضرب عنيف وغيره حتى تسلم من الإثم وربما قصرت عن الحد الذي تعذّر فيه فتكون آثمة انتهى. وهذا السؤال والجواب مبنيان على تقدير لهنّ انتهى. وقد حكى ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس أنه قال: فإن فعلتم فإن الله لهنّ غفور رحيم وإثمهنّ على مَن أكرههنّ قال: وكذا قال عطاء الخراساني ومجاهد والأعمش وقتادة وعن الزهري قال غفر لهنّ ما أكرههنّ عليه، وعن زيد بن أسلم قال غفور رحيم للمكرهات حكاهنّ ابن المنذر في تفسيره قال: وعند ابن أبي حاتم قال في قراءة عبد الله بن مسعود فإن الله من بعد إكراههنّ لهنّ غفور رحيم وإثمهنّ على من أكرههنّ انتهى. وهذا يرجح قول القائل إن الضمير يعود على المكرهات. (وقال مجاهد) في تفسير (فتياتكم) أي (إماءكم) أخرجه عبد بن حميد والطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء قال إماءكم على الزنا، وهذا ساقط في رواية غير المستملي ثابت في روايته ولفظ رواية أبي ذر ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنًا﴾ إلى قوله: ﴿غفور رحيم﴾. ٢٢٨٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ". وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) بكسر العين (عن مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام عن أبي مسعود الأنصاري) هو عقبة بن عامر (﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن) أكل (ثمن الكلب) مطلقًا (و) عن (مهر البغي) بكسر الغين المعجمة وتشديد الياء وفي الفرع بسكون الغين والذي في اليونينية كسرها وإطلاق المهر فيه مجاز، والمراد ما تأخذه على الزنا لأنه حرام بالإجماع فالمعاوضة عليه لا تحل لأنه ثمن عن محرم (و) عن (حلوان الكاهن) بضم الحاء وهو ما يعطاه على كهانته. وهذا الحديث قد سبق في أواخر البيوع. ٢٢٨٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَسْبِ الإِمَاءِ". [الحديث ٢٢٨٣ - طرفه في: ٥٣٤٨]. وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن محمد بن جحادة) بجيم مضمومة فحاء مهملة مفتوحة وبعد الألف دال مهملة الأيامي بفتح الهمزة وتخفيف التحتية الكوفي (عن أبي حازم) بالخاء المهملة والزاي المعجمة المكسورة سلمان الأشجعي (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: نهى النبي ﷺ عن كسب الإماء) بالفجور لا ما تكتسبه بالصنعة والعمل. ٢١ - باب عَسْبِ الْفَحْلِ (باب) النهي عن (عسب الفحل) بفتح العين المهملة وسكون السين آخره موحدة والفحل الذكر من كل حيوان. ٢٢٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ". وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد (وإسماعيل بن إبراهيم) أمه علية (عن عليّ بن الحكم) بفتحتين البناني بضم الموحدة وتخفيف النونين (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: نهى النبي ﷺ عن) كراء (عسب الفحل) حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه والمشهور في كتب الفقه أن عسب الفحل ضرابه وقيل أجرة ضرابه وقيل ماؤه، فعلى الأول والثالث تقديره بدل عسب الفحلِ، وفي رواية الشافعي ﵀ نهى عن ثمن عسب الفحل، والحاصل أن بذل المال عوضًا عن الضراب إن كان بيعًا فباطل قطعًا لأن ماء الفحل غير متقوّم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه، وكذا إن كان إجارة على الأصح، ويجوز أن يعطي صاحب الأنثى صاحب الفحل شيئًا على سبيل الهدية لما روى الترمذي وقال: حسن غريب من حديث

стр. 1586

أنس أن رجلاً من كلاب سأل رسول الله ﷺ عن عسب الفحل. فقال: يا رسول الله إنّا نطرق الفحل فنكرم فرخص في الكرامة، وهذا مذهب الشافعي. قال المالكية: حمله أهل المذهب على الإجارة المجهولة وهو أن يستأجر منه فحله ليضرب الأنثى حتى تحمل، ولا شك في جهالة ذلك لأنها قد تحمل من أول مرة فيغبن صاحب الأنثى. وقد لا تحمل من عشرين مرة فيغبن صاحب الفحل فإن استأجره على نزوات معلومة ومدّة معلومة جاز. وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة في البيوع. ٢٢ - باب إِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ لَيْسَ لأَهْلِهِ أَنْ يُخْرِجُوهُ إِلَى تَمَامِ الأَجَلِ. وَقَالَ الْحَكَمُ وَالْحَسَنُ وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: تُمْضَى الإِجَارَةُ إِلَى أَجَلِهَا. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ جَدَّدَا الإِجَارَةَ بَعْدَ مَا قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ . هذا (باب) بالتنوين (إذا استأجر) أحد (أرضًا) من آخر (فمات أحدهما) أي أحد المتآجرين هل تنفسخ الإجارة أم لا؟ (وقال) بالواو لأبي الوقت قال (ابن سيرين) محمد (ليس لأهله) أي أهل الميت (أن يخرجوه) أي المستأجر (إلى تمام الأجل) الذي وقع العقد عليه وقول البرماوي كالكرماني لأهله أي لورثته أن يخرجوه من عقد الإجارة ويتصرفوا في منافع المستأجر. قال العيني: هو بيان لعود المنصوب في أن يخرجوه إلى عقد الاستئجار قال وهذا لا معنى له بل الضمير يعود على المستأجر ولكن لم يتقدم ذكر للمستأجر فكيف يعود إليه، وكذلك الضمير في أهله ليس مرجعه مذكورًا ففيهما إضمار قبل الذكر، ولا يجوز أن يقال مرجع الضميرين يفهم من لفظ الترجمة وضعت بلا ريب قبل قول ابن سيرين، فالوجه أن يقال: إن مرجع الضميرين محذوف والقرينة تدل عليه فهو في حكم الملفوظ وأصل الكلام في أصل الوضع هكذا سئل محمد بن سيرين في رجل استأجر من رجل أرضًا فمات أحدهما هل لورثة الميت أن يخرجوا يد المستأجر من تلك الأرض أم لا؟ فأجاب بقوله ليس لأهله أي لأهل الميت أن يخرجوا المستأجر إلى تمام الأجل أي أجل الإجارة. (وقال الحكم) بن عتيبة أحد فقهاء الكوفة (والحسن) البصري (وإياس بن معاوية) بن قرة المزني (تمضى الإجارة) بضم الفوقية وفتح الضاد ولأبي ذر بفتحها وكسر الضاد (إلى أجلها) وصله ابن أبي شيبة من طريق حميد عن الحسن وإياس بن معاوية ومن طريق أيوب عن ابن سيرين نحوه، والحاصل أن الإجارة لا تنفسخ عندهم بموت أحد المتآجرين وهو مذهب الجمهور وذهب الكوفيون والليث إلى الفسخ واحتجوا بأن الوارث ملك الرقبة والمنفعة تبع لها فارتفعت يد المستأجر عنها بموت الذي آجره. (وقال ابن عمر) ﵄ مما أخرجه مسلم (أعطى النبى ﷺ خيبر بالشطر) أي بأن يكون النصف للزراع والنصف له ﷺ (فكان ذلك) مستمرًا (على عهد النبي) ولأبي ذر: على عهد رسول الله (¬ ﷺ و) عهد (أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر) ﵄ (ولم يذكر أن أبا بكر وعمر جدّدا الإجارة) ولأبي ذر: ولم يذكر أن أبا بكر جدّد الإجارة (بعدما قبض النبي- ﷺ ¬) فدلّ على أن عقد الإجارة لم ينفسخ بموت أحد المتآجرين. ٢٢٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: "أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ الْمَزَارِعَ كَانَتْ تُكْرَى عَلَى شَىْءٍ سَمَّاهُ نَافِعٌ لَا أَحْفَظُهُ". [الحديث ٢٢٨٥ - أطرافه في: ٢٣٢٨، ٢٣٢٩، ٢٣٣١، ٢٣٣٨، ٢٤٩٩، ٢٧٢٠، ٣١٥٢، ٤٢٤٨]. وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) قال: (حدّثنا جويرية بن أسماء عن نافع عن عبد الله) أي ابن عمر (﵁) وعن أبيه أنه (قال: أعطى رسول الله ﷺ خيبر) زاد أبوا ذر والوقت اليهود (أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها). (وأن ابن عمر) عطف على سابقه أي عن نافع عن ابن عمر ﵄ (حدّثه) أيضًا (أن المزارع) بفتح الميم (كانت تكرى على شيء) من حاصلها قال جويرية (سمّاه) لم سمى (نافع) مقدار ذلك الشيء (لا أحفظه). ٢٢٨٦ - وَأَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ حَدَّثَ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ". وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ "حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ". [الحديث ٢٢٨٥ - أطرافه في: ٢٣٢٧، ٢٣٣٢، ٢٣٤٤، ٢٧٢٢]. (وأن رافع بن خديج) بفتح الخاء المعجمة (حدّث) بإثبات الضمير في الأول وحذفه في هذا لأن ابن عمر ﵄ حدّث نافعًا بخلاف رافع فإنه لم يحدّث له خصوصًا (أن النبي ﷺ نهى عن كراء المزارع) بفتح الميم. (وقال عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (عن نافع عن ابن عمر) ﵄ (حتى أجلاهم عمر)

стр. 1587

﵁ وهذا وصله مسلم ولفظه أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع ورواه أيضًا من وجوه أخرى وفي آخره قال لهم رسول الله ﷺ نقرّكم بها على ذلك ما شئنا فقروا بها حتى أجلاهم عمر ﵁ إلى تيماء وأريحاء. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣٨ - كتاب الحوالات (بسم الله الرحمن الرحيم). (الحوالات) بالجمع وفتح الحاء وقد تكسر وهي نقل دين من ذمة إلى ذمة أخرى وفي رواية أبي ذر عن المستملي كما في الفرع وأصله كتاب الحوالات بسم الله الرحمن الرحيم. وقال الحافظ ابن حجر: بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الحوالة كذا للأكثر وزاد النسفيّ والمستملي بعد البسملة كتاب الحوالة. ١ - باب فِي الْحَوَالَةِ. وَهَلْ يَرْجِعُ فِي الْحَوَالَةِ وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: إِذَا كَانَ يَوْمَ أَحَالَ عَلَيْهِ مَلِيًّا جَازَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَتَخَارَجُ الشَّرِيكَانِ وَأَهْلُ الْمِيرَاثِ فَيَأْخُذُ هَذَا عَيْنًا وَهَذَا دَيْنًا، فَإِنْ تَوِيَ لأَحَدِهِمَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ. هذا (باب) بالتنوين (في الحوالة وهل يرجع) المحيل (في الحوالة) أم لا فإن قلنا إنها عقد لازم لا يرجع. ولها ستة أركان محيل ومحتال ومحال عليه ودين للمحتال على المحيل ودين للمحيل على المحال عليه وصيغة. وهي بيع دين بدين جوّز للحاجة ولهذا لم يشترط التقابض في المجلس وإن كان الدينان ربويين فهي بيع لأنها إبدال مال بمال فإن كلاًّ من المحيل والمحتال يملك بها ما لم يملكه قبلها لا استيفاء لحق بأن يقدر أن المحتال استوفى ما كان له على المحيل وأقرضه المحال عليه. وشروطها رضا المحيل والمحتال لأن للمحيل إيفاء الحق من حيث شاء فلا يلزم بجهة وحق المحتال في ذمة المحيل فلا ينتقل إلا برضاه ومعرفة رضاهما بالصيغة ولا يشترط رضا المحال عليه لأنه محل الحق والتصرف كالعبد المبيع ولأن الحق للمحيل فله أن يستوفيه بغيره كما لو وكل غيره بالاستيفاء والإيجاب والقبول كما في البيع وأن تكون الحوالة بدين لازم فلو أحال على من لا دين عليه لم تصح الحوالة ولو رضي بها لعدم الاعتياض إذ ليس عليه شيء يجعله عوضًا عن حق المحتال فإن تطوّع بأداء دين المحيل كان قاضيًا دين غيره وهو جائز ويشترط أيضًا اتفاق الدينين جنسًا وقدرًا وحلولاً وتأجيلاً وصحة وتكسيرًا وجودة ورداءة وقال المالكية ولا يشترط رضا المحال عليه على المشهور خلافًا لابن شعبان وعلى المشهور فيشترط في ذلك السلامة من العداوة وهو قول مالك، وحقيقتها أن تكون على أصل دين فإن لم تكن على أصل دين انقلبت حمالة ولو كانت بلفظ الحوالة واشتراط الحنفية رضا المحال عليه لتفاوت الناس في الاقتضاء فلعل المحال عليه أعسر وأفلس فيشترط رضاه دفعًا للضرر عنه. وقال الحنابلة: ولا يعتبر رضا محتال إن كان المحال عليه مليًّا ولو ميتًا قاله في الرعاية. (وقال الحسن) البصري (وقتادة) مما وصله ابن أبي شيبة والأثرم واللفظ له وقد سئلا عن رجل أحال على رجل فأفلس فقالا: (إذا كان) المحال عليه (يوم أحال عليه مليًّا) أصله مليئًا بالهمزة بعد الياء الساكنة فأبدلت الهمزة ياء وأدغمت الياء في الياء أي غنيًّا وجواب إذا قوله: (جاز) أي الفعل وهو الحوالة وليس له أي للمحتال أن يرجع على المحيل ومفهومه: أنه إذا كان مفلسًا يوم الحوالة له الرجوع ومذهب الشافعي أن المحتال لا يرجع بحال حتى لو أفلس المحال عليه ومات أو لم يمت أو جحد وحلف لم يكن للمحتال الرجوع على المحيل كما لو تعوّض عن الدين ثم تلف الدين في يده وكذا لو بان المحال عليه عبدًا لغير المحيل بل يطالبه بعد العتق. وقال الحنابلة: يرجع على المحيل إذا شرط ملاءة المحال عليه فتبين مفلسًا، وقال المالكية يرجع عليه فيما إذا حصل منه غرور بأن يكون إفلاس المحال عليه مقترنًا بالحوالة وهو جاهل به مع علم المحيل به، وقال الحنفية: يرجع عليه إذا توى حقه والتوى عند أبي حنيفة إما أن يجحد الحوالة ويحلف ولا بيّنة عليه أو يموت مفلسًا. وقال محمد وأبو يوسف يحصل التوي بأمر ثالث وهو أن يحكم الحاكم بإفلاسه في حال حياته. (وقال ابن عباس) ﵄ مما وصله ابن أبي شيبة بمعناه: (يتخارج الشريكان) إذا كان لهما دين على إنسان فأفلس أو مات أو جحد وحلف حيث لا بيّنة يخرج هذا الشريك مما وقع في نصيب صاحبه وذلك الآخر كذلك في القسمة بالتراضي بغير قرعة مع استواء الدين (و) كذا يتخارج (أهل الميراث فيأخذ هذا عينًا وهذا دينًا فإن توي) بفتح المثناة الفوقية وكسر الواو على

стр. 1588

وزن قوي من توي المال يتوى من باب علم يعلم إذا هلك أي فإن هلك (لأحدهما) شيء مما أخذه (لم يرجع على صاحبه) لأنه رضي بالدين عوضًا فتوي في ضمانه كما لو اشترى عينًا فتلفت في يده وقد ألحق المؤلّف الحوالة بذلك وكذلك الحكم بين الورثة كما أشار إليه بقوله وأهل الميراث. ٢٢٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ». [الحديث ٢٢٨٧ - طرفاه في: ٢٢٨٨، ٢٤٠٠]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال): (مطل) المديان (الغني) القادر على وفاء الدين ربه بعد استحقاقه (ظلم) محرم عليه وخرج بالغني العاجز عن الوفاء، والمطل أصله المدّ تقول مطلت الحديدة أو مطلها إذا مددتها لتطول، والمراد هنا تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر ولفظ المطل يشعر بتقدم الطلب فيؤخذ منه أن الغني لو أخّر الدفع مع عدم طلب صاحب الحق له لم يكن ظالمًا، وقد حكى أصحابنا وجهين في وجوب الأداء مع القدرة من غير طلب من رب الدين فقال إمام الحرمين في الوكالة من النهاية وأبو المظفر السمعاني في القواطع في أصول الفقه والشيخ عز الدّين بن عبد السلام في القواعد الكبرى لا يجب الأداء إلا بعد الطلب وهو مفهوم تقييد النووي في التفليس بالطلب، والجمهور على أن قوله "مطل الغني ظلم" من باب إضافة المصدر للفاعل كما سبق تقريره، وقيل هو من إضافة المصدر للمفعول والمعنى أنه يجب وفاء الدين وإن كان مستحقه غنيًّا ولا يكون سببًا لتأخيره عنه، وإذا كان كذلك في حق الغني فهو في حق الفقير أولى. قال الحافظ زين الدين العراقي: وهذا فيه تعسف وتكلف ولو لم يكن له مال لكنه قادر على التكسب فهل يجب عليه ذلك لوفاء الدين؟ أطلق أكثر أصحابنا ومنهم الرافعي والنووي أنه ليس عليه ذلك، وفصل الفراوي فيما حكاه ابن الصلاح في فوائد الرحلة بين أن يلزمه الدين بسبب هو به عاصٍ فيجب عليه الاكتساب لوفائه أو غير عاصٍ فلا. قال الأسنوي: وهو واضح لأن التوبة مما فعله واجبة وهي متوقفة في حقوق الآدميين على الردّ انتهى. قال ابن العراقي: ولو قيل بوجوب التكسُّب مطلقًا لم يبعد كالتكسب لنفقة الزوجة وكما أن القدرة على الكسب كالمال في منع أخذ الزكاة يبقى النظر في أن لفظ هذا الحديث هل يتناوله إن فسّرنا الغنى بالمال فلا وإن فسّرناه بالقدرة على وفاء الدين فنعم وكلامهم فيمن ماله غائب يوافق الثاني، وفي رواية ابن عيينة عن أبي الزناد عند النسائي وابن ماجة المطل ظلم والمعنى أنه من الظلم وأطلق ذلك للمبالغة في التنفير عن المطل. (فإذا أتبع أحدكم) بضم الهمزة وسكون المثناة الفوقية وكسر الموحدة مبنيًّا للمفعول (على ملي) بتشديد المثناة التحتية وضبطها الزركشي بالهمزة وقال الغنيّ من الملاءة. وقال في المصابيح: وظاهره أن الرواية كذلك فينبغي تحريرها ولم أظفر بشيء انتهى. والذي في الفرع وجميع ما وقفت عليه من الأصول المعتمدة بدون الهمزة وهو الذي رويناه وذكر هذه الجملة عقب ما قبلها يشعر بأن الأمر بقبول الحوالة معلل بكون مطل الغني ظلمًا. قال ابن دقيق العيد: ولعل السبب فيه أنه إذا تقرر كونه ظلمًا والظاهر من حال المسلم الاحتراز عنه فيكون ذلك سببًا للأمر بقبول الحوالة عليه لأن به يحصل المقصود من غير ضرر المطل، ويحتمل أن يكون ذلك لأن المليّ لا يتعذر استيفاء الحق منه عند الامتناع بل يأخذه الحاكم قهرًا ويوفيه ففي قبول الحوالة عليه يحصل الغرض من غير مفسدة في الحق قال: والمعنى الأول أرجح لما فيه من بقاء معنى التعليل بكون المطل ظلمًا وعلى هذا المعنى الثاني تكون العلة عدم وفاء الحق لا الظلم انتهى. والمعنى الأول هو الذي اقتصر عليه الرافعي، وقال ابن الرفعة في المطلب وهذا إذا كان الوصف بالغنى يعود إلى من عليه الدين، وقد قيل إنه يعود إلى من له الدّين وعلى هذا لا يحتاج أن يذكر في التقديرين الغني انتهى. قال البرماوي: وقد يدعى أن في كلٍّ منهما بقاء للتعليل بكون المطل ظلمًا لأنه لا بدّ في كلٍّ منهما من حذف بذكره يحصل

стр. 1589

الارتباط فيقدر في الأول مطل الغني ظلم والمسلم في الظاهر يجتنبه فمن أتبع على مليّ فينبغي أن يتبعه وفي الثاني مطل الغني ظلم والظلم تزيله الحكام ولا تقره فمن اتبع على مليّ فليتبع ولا يخش من المطل ويشبه كما قال الأذرعي أنه يعتبر في استحباب قبولها على مليّ كونه وفيًّا وكون ماله طيبًا ليخرج المماطل ومن في ماله شبهة (فليتبع) بفتح التحتية وسكون الفوقية أي إذا أحيل بالدين الذي له على موسر فليحتل ندبًا وقوله ظلم يشعر بكونه كبيرة والجمهور على أن فاعله يفسق لكن هل يثبت فسقه بمرة واحدة أم لا. قال النووي مقتضى مذهبنا التكرار ورده السبكي في شرح المنهاج بأن مقتضى مذهبنا عدمه واستدلّ بأن منع الحق بعد طلبه وانتفاء العذر عن أدائه كالغصب والغصب كبيرة والكبيرة لا يشترط فيها التكرار لكن لا يحكم عليه بذلك إلا بعد أن يظهر عدم عذره انتهى. ويدخل في المطل كل من لزمه حق كالزوج لزوجته والسيد لعبده والحاكم لرعيته والعكس، واستدلّ به على اعتبار رضا المحيل والمحتال دون المحال عليه لكونه لم يذكر في الحديث وبه قال الجمهور كما مرّ. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الحوالة ومسلم في البيوع وكذا النسائي والترمذي وابن ماجة. ٢ - باب إِذَا أَحَالَ عَلَى مَلِيٍّ فَلَيْسَ لَهُ رَدٌّ هذا (باب) بالتنوين (إذا أحال) من عليه دين رب الدين بدينه (على مليّ فليس له ردّ). ٢٢٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتَّبِعْ". وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن ابن ذكوان) عبد الله (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (مطل الغني ظلم ومن أتبع على مليّ فليتبع) بتشديد التاء كما في الفرع. وقال النووي المشهور في الرواية واللغة التخفيف، وقال الخطابي أكثر المحدّثين يقولونه بالتشديد والصواب التخفيف والمعنى جعل تابعًا له بدينه وهو معنى أحيل في الرواية الأخرى في مسند الإمام أحمد بلفظ: وإذا أحيل أحدكم على مليّ فليحتل ولهذا عدّى أتبع بعلى لأنه ضمن معنى أحيل. وعند ابن ماجة من حديث ابن عمر: فإذا أحلت على مليّ فاتبعه بتشديد التاء بلا خلاف وجمهور العلماء على أن هذا الأمر للندب، وقال أهل الظاهر وجماعة من الحنابلة بالوجوب فأوجبوا قبولها على المليء كما حكيناه فى الباب السابق عن الرعاية من كتبهم وإليه مال البخاري حيث قال فليس له ردّ وهو ظاهر الحديث، وعلى الأول فالصارف للأمر عن حقيقته وهي الوجوب إلى الندب أنه راجع لمصلحة دنيوية فيكون أمر إرشاد أشار إليه ابن دقيق العيد بقوله لما فيه من الإحسان إلى المحيل بتحصيل مقصوده من تحويل الحق عنه وترك تكليفه التحصيل بالطلبة انتهى. وقد يقال الإحسان قد يكون واجبًا كإنظار المعسر والدنيوي إنما هو في جانب المحيل أما قبول المحتال الحوالة فلأمر أخروي، وقيل الصارف كونه أمر أبعد حظر وهو بيع الكالئ بالكالئ فيكون للإباحة أو الندب على المرجح في الأصول ومن أتبع بالواو وحينئذٍ فلا تعلق للجملة الثانية بالأولى بخلاف الحديث السابق حيث عبر بالفاء فإذا أتبع وقد مرّ ما في ذلك. وهذا الباب ثابت في نسخة الفربري ساقط من نسخ الباقين. ٣ - باب إِنْ أَحَالَ دَيْنَ الْمَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ جَازَ هذا (باب) بالتنوين (إذا أحال) رجل (دين الميت على رجل جاز) هذا الفعل. ٢٢٨٩ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: "كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. فَصَلَّى عَلَيْهِ. ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيْهَا. قَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا: ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ. فَصَلَّى عَلَيْهَا. ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا. قَالَ: هَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ. قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ. قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَىَّ دَيْنُهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ". [الحديث ٢٢٨٩ - طرفه في: ٢٢٩٥]. وبه قال: (حدّثنا المكي بن إبراهيم) بن بشير بن فرقد البلخي قال: (حدّثنا يزيد بن أبي عبيد) بالتصغير مولى سلمة بن الأكوع (عن سلمة بن الأكوع) واسمه سنان المدني شهد بيعة الرضوان (﵁) أنه (قال كنا جلوسًا عند النبي ﷺ إذ أتي) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (بجنازة فقالوا: صلّ عليها) يا رسول الله ولم يسم صاحب الجنازة ولا الذي قال صلّ عليها، وفي حديث جابر عند الحاكم: مات رجل فغسّلناه وكفّناه وحنّطناه ووضعناه حيث توضع الجنازة عند مقام جبريل ثم آذنًا رسول الله ﷺ به (فقال: هل عليه) أي الميت (دين) لأنه ﵇ كان قبل أن تفتح عليه الفتوح إذا أُتي بمدين لا وفاء لدينه قال لأصحابه صلّوا عليه ولا يصلّي هو عليه تحذيرًا عن الدين وزجرًا

стр. 1590

عن المماطلة (قالوا لا) دين عليه (قال فهل ترك شيئًا؟ قالوا لا) لم يترك شيئًا (فصلّى عليه) زاده الله شرفًا لديه (ثم أُتي بجنازة أخرى فقالوا يا رسول الله صلّ عليها قال) ﵊: (هل عليه دين؟ قيل: نعم) عليه دين قال: (فهل ترك شيئًا) لدينه؟ (قالوا) ترك (ثلاثة دنانير) وللحاكم من حديث جابر ديناران وعند الطبراني من حديث أسماء بنت يزيد كانا دينارين وشطرًا وجمع الحافظ ابن حجر بين هذا بأن من قال ثلاثة جبر الكسر. ومن قال دينارين ألغاه أو كان أصلهما ثلاثة فوفى قبل موته دينارًا وبقي عليه ديناران فمن قال ثلاثة فباعتبار الأصل ومن قال ديناران فباعتبار ما بقي (فصلّى عليها) ولعله ﵊ على أن هذه الدنانير الثلاثة تفي بدينه بقرائن الحال أو بغيرها (ثم أُتي با) لجنازة ا (لثالثة فقالوا صلّ عليها) يا رسول الله (قال: هل ترك) الميت (شيئًا قالوا لا قال فهل عليه دين قالوا) نعم (عليه دنانير قال: صلوا على صاحبكم) (قال أبو قتادة) الحرث بن ربعي الأنصاري (صلِّ عليه يا رسول الله وعليّ دينه فصلّى عليه) ﷺ . وفي رواية ابن ماجة من حديث أبي قتادة نفسه فقال أبو قتادة أنا أتكفل به زاد الحاكم في حديث جابر فقال هما عليك، وفي مالك، والميت منهما بريء. قال: نعم فصلّى عليه فجعل رسول الله ﷺ إذا لقي أبا قتادة يقول ما صنعت الديناران حتى كان آخر ذلك أن قال قد قضيتهما يا رسول الله. قال: الآن حين بردت عليه جلده، وقد ذكر في هذا الحديث ثلاثة أحوال وترك الرابع وهو من لا دين عليه وله مال وحكم هذا أنه كان يصلّي عليه ولعله إنما لم يذكر لكونه كان كثيرًا لا لكونه لم يقع ولم يسم أحد من الموتى الثلاثة. ومطابقته للترجمة ظاهرة من قول أبي قتادة عليّ دينه وفي الرواية الأخرى أنا أتكفل به. وقوله ﵊ هما عليك وفي مالك والميت منهما بريء، وإلى هذا ذهب الجمهور فصححوا هذه الكفالة من غير رجوع في مال الميت وعن مالك له أن يرجع إن قال ضمنت لأرجع، فإن لم يكن للميت مال وعلم الضامن بذلك فلا رجوع له، وعن أبي حنيفة إن ترك الميت وفاء جاز الضمان بقدر ما ترك وإن لم يترك وفاء لم يصح وصلاته ﵊ عليه وإن كان الدين باقيًا في ذمة الميت، لكن صاحب الحق عاد إلى الرجاء بعد اليأس واطمأن بأن دينه صار في مأمن فخفّ سخطه وقرب من الرضاء. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الكفالة وهو سابع ثلاثياته، وأخرجه النسائي أيضًا في الجنائز. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣٩ - كتاب الكفالة (بسم الله الرحمن الرحيم). ١ - باب الْكَفَالَةِ فِي الْقَرْضِ وَالدُّيُونِ بِالأَبْدَانِ وَغَيْرِهَا (باب الكفالة في القرض والدّيون) من عطف العام على الخاص والكفالة في العرف كما قاله الماوردي تكون في النفوس والضمان في الأموال والحمالة في الدّيات والزعامة في الأموال العظام. قال ابن حبان في صحيحه: والزعيم لغة أهل المدينة والحميل لغة أهل مصر والكفيل لغة أهل العراق وهي التزام حق ثابت في ذمة الغير أو إحضار من هو عليه أو عين مضمونة (بالأبدان وغيرها) أي الكفالة بالأموال والجار والمجرور يتعلق بالكفالة وسقطت البسملة لأبي ذر. ٢٢٩٠ - وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ "أَنَّ عُمَرَ ﵁ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا، فَوَقَعَ رَجُلٌ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، فَأَخَذَ حَمْزَةُ مِنَ الرَّجُلِ كَفِيلاً حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ جَلَدَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَصَدَّقَهُمْ، وَعَذَرَهُ بِالْجَهَالَةِ". وَقَالَ جَرِيرٌ وَالأَشْعَثُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُرْتَدِّينَ: اسْتَتِبْهُمْ وَكَفِّلْهُمْ، فَتَابُوا وَكَفَلَهُمْ عَشَائِرُهُمْ. وَقَالَ حَمَّادٌ إِذَا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ فَمَاتَ فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْحَكَمُ يَضْمَنُ. (وقال أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن محمد بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي (ابن عمرو) بفتح العين (الأسلمي عن أبيه) حمزة (أن عمر ﵁ بعثه مصدقًا) بتشديد الدال المكسورة أي آخذًا للصدقة عاملاً عليها (فوقع رجل على جارية امرأته) لم يسم أحد منهم وهذا مختصر من قصة أخرجها الطحاوي ولفظه كما رأيته في شرح معاني الآثار له أن عمر بن الخطاب بعثه مصدقًا على سعد هذيم فأُتي حمزة بمال ليصدقه فإذا رجل يقول لامرأته أدّي صدقة مال مولاك وإذا المرأة تقول له بل أنت فأدّ صدقة مال ابنك فسأل حمزة عن أمرهما وقولهما فأخبر أن ذلك الرجل زوج تلك المرأة وأنه وقع على جارية لها فولدت ولدًا فأعتقته المرأة ثم ورث من أمه مالاً فقالوا: هذا المال لابنه من جاريته. قال حمزة للرجل: لأرجمنّك بأحجارك فقيل له إن أمره رفع

стр. 1591

إلى عمر فجلده مائة ولم يرَ عليه رجمًا قال (فأخذ حمزة) ﵁ (من الرجل كفيلاً) ولأبي ذر كفلاء بالجمع (حتى قدم على عمر وكان عمر) ﵁ (قد جلده مائة جلدة) كما سبق وسقط قوله جلدة لأبوي ذر والوقت (فصدقهم) بالتشديد في الفرع وغيره من الأصول المعتمدة أي صدق القائلين بما قالوا (و) إنما درأ عمر عنه الرجم لأنه (عذره بالجهالة) وفي بعض الأصول فصدقهم بالتخفيف أي صدق الرجل القوم واعترف بما وقع منه لكن اعتذر بأنه لم يكن عالمًا بحرمة وطء جارية امرأته أو بأنها جاريتها لأنها التبست واشتبهت بجارية نفسه أو بزوجته ولعل اجتهاد عمر اقتضى أن يجلد بالحرمة وإلا فالواجب الرجم فإذا سقط بالعذر لم يجلد واستنبط من هذه القصة مشروعية الكفالة بالأبدان فإن حمزة صحابي وقد فعله ولم ينكره عليه عمر مع كثرة الصحابة حينئذٍ. (وقال جرير) بفتح الجيم وكسر الراء ابن عبد الله البجلي (والأشعث) بن قيس الكندي الصحابي (لعبد الله بن مسعود في المرتدين) وهذا أيضًا مختصر من قصة أخرجها البيهقي بطولها من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال: صليت الغداة مع عبد الله بن مسعود فلما سلم قام رجل فأخبره أنه انتهى إلى مسجد بني حنيفة فسمع مؤذن عبد الله ابن النوّاحة يشهد أن مسيلمة رسول الله فقال عبد الله: عليّ بابن النواحة وأصحابه فجيء بهم فأمر قرظة بن كعب فضرب عنق ابن النواحة ثم استشار الناس في أولئك النفر فأشار عليه عديّ بن حاتم بقتلهم فقام جرير والأشعث فقالا: لا بل (استتبهم وكفلهم) أي ضمنهم وكانوا مائة وسبعين رجلاً كما رواه ابن أبي شيبة (فتابوا وكفلهم) ضمنهم (عشائرهم). قال البيهقي في المعرفة: والذي روي عن ابن مسعود وجرير والأشعث في قصة ابن النوّاحة في استتابتهم وتكفيلهم عشائرهم كفالة بالبدن في غير مال. وقال ابن المنير: أخذ البخاري الكفالة بالأبدان في الدّيون من الكفالة بالأبدان في الحدود بطريق الأولى والكفالة بالنفس قال بها الجمهور ولم يختلف من قال بها أن المكفول بحد أو قصاص إذا غلب أو مات أن لا حدّ على الكفيل بخلاف الدين والفرق بينهما أن الكفيل إذا أدّى المال وجب له على صاحب المال مثله، وفرق الشافعية والحنفية بين كفالة من عليه عقوبة لآدمي كقصاص وحدّ قذف ومن عليه عقوبة لله فصححوها في الأولى لأنها حق لازم كالمال ولأن الحضور مستحق عليه دون الثانية لأن حقه تعالى مبني على الدرء. قال الأذرعي: ويشبه أن يكون محل المنع حيث لا يتحتم استيفاء العقوبة فإن تحتم وقلنا لا يسقط بالتوبة فيشبه أن يحكم بالصحة. (وقال حماد) هو ابن أبي سليمان واسمه مسلم الأشعري الكوفي الفقيه أحد مشايخ الإمام أبي حنيفة (إذا تكفل بنفس فمات فلا شيء عليه) سواء كان المتعلق بتلك النفس حدًا أو قصاصًا أو مالاً من دين وغيره. قال في عيون المذاهب: وتبطل أي الكفالة بموته إلا عند مالك وبعض الشافعية يلزمه ما عليه وبموت الكفيل لا الطالب بالإجماع انتهى. والذي رأيته في شرح مختصر الشيخ خليل للشيخ بهران عند قوله ولا يسقط بإحضاره أن حكم لا إن أثبت موته أو عدمه في غيبته ولو بغير بلده ورجع به مراده أن يشير إلى ما وقع من الخلاف والتفصيل في هذه المسألة، ونصها عند ابن زرقون ولو مات الغريم سقطت الحمالة بالوجه وقاله في المدونة قال: وهذا إذا مات ببلده قبل أن يلتزم الغريم قبل الأجل أو بعده وأما إن مات بغير البلد فقال أشهب لا أبالي مات غائبًا أو في البلد أي يبرأ الحميل وهو مذهب المدونة. وقال ابن القاسم يغرم الحميل إن كان الدين حالاً قربت غيبته أو بعدت وإن كان مؤجلاً فمات قبله بمدة طويلة لو خرج إليها لجاء قبل الأجل فلا شئ عليه وإن كان على مسافة لا يمكنه أن يجيء إلا بعد الأجل ضمن. (وقال الحكم) بن عتيبة (يضمن) أي ما يقبل ترتبه في الذمة وهو المال وهذا وصله الأثرم من طريق شعبة عن حماد والحكم. ٢٢٩١ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ "عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا. قَالَ: فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلاً. قَالَ: صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ فَسَأَلَنِي كَفِيلاً فَقُلْتُ كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلاً، فَرَضِيَ بِكَ. وَسَأَلَنِي شَهِيدًا فَقُلْتُ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، فَرَضِيَ بِكَ. وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا. فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهْوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ، فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَأَتَى بِالأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لآتِيَكَ بِمَالِكَ فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ. قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَىَّ بِشَىْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا". (قال أبو عبد الله) البخاري، (وقال الليث) بن سعد وسبق في باب التجارة في البحر أن أبا ذر عن المستملي وصله فقال حدّثني

стр. 1592

عبد الله بن صالح قال حدّثني الليث وعبد الله هذا هو كاتب الليث وكذا وصله أبو الوقت فيما قاله في الفتح كذلك وسقط في رواية أبي ذر قوله أبو عبد الله وكذا في رواية أبي الوقت واقتصرا على قوله وقال الليث، (حدّثني) بالإفراد (جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل بن حسنة القرشي المصري (عن عبد الرحمن بن هرمز) الأعرج (عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ¬): (أنه ذكر رجلاً من بني اسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم) على ذلك (فقال كفى بالله شهيدًا. قال فائتني بالكفيل قال كفى بالله كفيلاً قال: صدقت) وفي رواية أبي سلمة فقال سبحان الله نعم (فدفعها) أي الألف دينار (إليه) وفي رواية أبي سلمة فعدّ له ستمائة دينار. قال ابن حجر ﵀: والأول أرجح لموافقته حديث عبد الله بن عمرو (إلى أجل مسمى فخرج) الذي استلف (في البحر فقضى حاجته) وفي رواية أبي سلمة فركب البحر بالمال يتجر فيه (ثم التمس مركبًا) بفتح الكاف أي سفينة (يركبها) حال كونه (يقدم عليه) أي على الذي أسلفه ودال يقدم مفتوحة (للأجل الذي أجله فلم يجد مركبًا) زاد في رواية أبي سلمة وغدا ربّ المال إلى الساحل يسأل عنه ويقول اللهم اخلفني وإنما أعطيت لك (فأخذ) الذي استلف (خشبة فنقرها) أي حفرها (فأدخل فيها) في الخشبة وللكشميهني فيه أي في المكان المنقور من الخشبة (ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه) الذي استلف منه ولأبي الوقت وصحيفة فيه، وفي رواية لأبي سلمة وكتب إليه صحيفة من فلان إلى فلان إني دفعت مالك إلى وكيل توكل بي (ثم زجج موضعها) بزاي وجيمين. قال القاضي عياض: سمرها بمسامير كالزج أو حشا شقوق لصاقها بشيء ورقعه بالزج، وقال الخطابي: سوّى موضع النقر وأصلحه وهو من تزجيج الحواحب وهو حذف زوائد الشعر، ويحتمل أن يكون مأخوذًا من الزج وهو النصل كأن يكون النقر في طرف الخشبة فشد عليه زجًّا يمسكه ويحفظ ما فيه، وقال السفاقسي: أصلح موضع النقر، (ثم أتى بها) أي بالخشبة (إلى البحر فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانًا ألف دينار). قال ابن حجر كالزركشي كذا وقع فيه هنا تسلفت فلانًا والمعروف تعديته بحرف الجرّ، وزاد ابن حجر كما وقع في رواية الإسماعيلي استسلفت من فلان، وتعقبه العيني بأن تنظيره باستسلفت غير موجه لأن تسلفت من باب التفعّل واستسلفت من باب الاستفعال وتفعل يأتي للمتعدي بلا حرف الجرّ كتوسدت التراب واستسلفت معناه طلبت منه السلف ولا بدّ من حرف الجرّ انتهى. وسقط قوله: كنت في رواية أبي ذر (فسألني كفيلاً فقلت كفى بالله كفيلاً فرضي بك وسألني شهيدًا فقلت كفى بالله شهيدًا فرضي بك) ولأبي ذر عن الكشميهني: فرضي بذلك. وقال العيني كالحافظ ابن حجر قوله فرضي بذلك للكشميهني ولغيره فرضي به أي بالهاء، وفي رواية الإسماعيلي فرضي بك أي بالكاف انتهى. والذي في الفرع وغيره من الأصول المعتمدة التي وقفت عليها بك لغير الكشميهني وبذلك له على أن في المتن الذي ساقه العيني بك بالكاف في الموضعين فالله أعلم. (وإني جهدت) بفتح الجيم والهاء (أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له) في ذمتي (فلم أقدر) على تحصيلها (وإني أستودعكها) بكسر الدال وضم العين ولأبوي ذر والوقت استودعتكها بفتح الدال وسكون العين وبعدها مثناة فوقية (فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه) بتخفيف اللام أي دخلت في البحر (ثم انصرف وهو) أي والحال أنه (في ذلك يلتمس) أي يطلب (مركبًا يخرج إلى بلده) أي إلى بلد الذي أسلفه (فخرج الرجل الذي كان أسلفه) حال كونه (ينظر لعل مركبًا قد جاء بماله) الذي أسلفه للرجل (فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله) يجعلها (حطبًا) للإيقاد (فلما نشرها) أي قطعها بالمنشار (وجد المال) الذي له (والصحيفة) التي كتبها الرجل إليه بذلك (ثم قدم)

стр. 1593

الرجل (الذي كان أسلفه فأتى بالألف دينار) ذكر ابن مالك فيه ثلاثة أوجه. أحدها: أن يكون أراد بالألف ألف دينار على البدل وحذف المضاف وأبقى المضاف إليه على حاله من الجر. قال ابن الدماميني المضاف هنا مجرور فلِمَ لم يقل أن المضاف إليه أقيم مقام المضاف. الثاني: أن يكون أصله بالألف الدينار ثم حذف من الخط لصيرورتها بالإدغام دالاً فكتبت على اللفظ. قال في مصابيح الجامع: لكن الرواية بتنوين دينار ولو ثبت عدم تنوينه برواية معتبرة تعين هذا الوجه وكثيرًا ما يعتمد هو وغيره التوجيه باعتبار الخط ويلغون تحقيق الرواية. الثالث: أن يكون الألف مضافًا إلى دينار والألف واللام زائدتان فلم يمنعا الإضافة ذكره أبو علي الفارسي. (فقال) بالفاء ولأبي الوقت: وقال للذي أسلفه (والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه قال) الذي أسلفه (هل كنت بعثت إليّ بشيء) وللحموي والمستملي: إليّ شيئًا (قال أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل الذي جئت فيه) وللحموي والمستملي: جئت به (قال فإن الله قد أدّى عنك) المال (الذي) وللحموي والمستملي: التي أي الألف التي (بعثت) بها أو به (في الخشبة) ولأبوي الوقت وذر عن الكشميهني: بعثت والخشبة نصب على المفعولية (فانصرف) بكسر الراء والجزم على الأمر (بالألف الدينار) التي أتيت بها صحبتك حال كونك (راشدًا) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم هذا الرجل لكن رأيت في مسند الصحابة الذين نزلوا مصر لمحمد بن الربيع الجيزي بإسناد له فيه مجهول عن عبد الله بن عمرو بن العاصي يرفعه أن رجلاً جاء إلى النجاشي فقال أسلفني ألف دينار إلى أجل فقال من الحميل بك قال الله فأعطاه الألف دينار فضرب بها الرجل أي سافر بها في تجارة، فلما بلغ الأجل أراد الخروج إليه فحبسه الريح فعمل تابوتًا فذكر الحديث نحو حديث أبي هريرة فاستفدنا منه أن الذي أقرض هو النجاشي فيجوز أن تكون نسبته إلى بني إسرائيل بطريق الاتباع لهم لا أنه من نسلهم انتهى. وتعقبه العيني فقال هذا الكلام في البعد إلى حدّ السقوط لأن السائل والمسؤول منه كلاهما من بني إسرائيل على ما صرّح به ظاهر الكلام وبين الحبشة وبين بني إسرائيل بعد عظيم في النسبة وفي الأرض، ويبعد أن يكون ذلك الانتساب إلى بني إسرائيل بطريق الاتباع وهذا يأباه من له نظر تام في تصرفه في وجوه معاني الكلام على أن الحديث المذكور ضعيف لا يعمل به انتهى. وأجاب في انتقاض الاعتراض بأن المراد بالاتباع الاتباع في الدين فيستوي بعيد الأرض وقريبها وبعيد النسب وقريبه وكان جمع من أهل اليمن دخلوا في دين بني إسرائيل وهي اليهودية ثم دخل من يقابل أهل اليمن من الحبشة في دين بني إسرائيل أيضًا وهي النصرانية وكان النجاشي ممن تحقق ذلك الدين ودان به قبل التبديل والملك لما بلغه دعوة الإسلام بادر إلى الإجابة لما عنده من العلم حتى قال لما سمع قوله تعالى: ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم﴾ [النساء: ١٧١] الآية لا يزيد عيسى على هذا. وهذا الحديث أخرجه أيضًا مختصرًا في الاستقرار واللقطة والاستئذان والشروط وسبق في البيع والزكاة. ٢ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (باب قول الله تعالى: (﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾) مبتدأ ضمن معنى الشرط فوقع خبره مع الفاء وهو قوله: (﴿فآتوهم نصيبهم﴾) [النساء: ٣٣] ويجوز أن يكون منصوبًا على قولك زيدًا فاضربه ويجوز أن يعطف على الولدان ويكون الضمير في فآتوهم للموالي، والمراد بالذين عاقدت أيمانكم موالي الموالاة كان الرجل يعاقد الرجل فيقول دمي دمك وثأري ثأرك وحربي حربك وسلمي سلمك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتعقل عني وأعقل عنك فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف فنسخ بقوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ [الأحزاب: ٦] ووجه دخول هذا الباب هنا كما قاله ابن المنير أن الحلف كان في أول الإسلام يقتضي استحقاق الميراث فهو مال أوجبه عقد التزام على وجه التبرع فلزم وكذلك الكفالة إنما هي التزام مال بغير عوض تطوّعًا فلزم. ٢٢٩٢ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ إِدْرِيسَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قَالَ: وَرَثَةً ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قَالَ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرُ الأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ، لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نَسَخَتْ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إِلاَّ النَّصْرَ وَالرِّفَادَةَ وَالنَّصِيحَةَ -وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ- وَيُوصِي لَهُ". [الحديث ٢٢٩٢ - طرفاه في: ٤٥٨٠، ٦٧٤٧]. وبه قال

стр. 1594

(حدّثنا الصلت بن محمد) بفتح الصاد المهملة وسكون اللام آخره مثناة فوقية ابن عبد الرحمن الخاركي بخاء معجمة البصري قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن إدريس) بن يزيد من الزيادة ابن عبد الرحمن الأودي بفتح الهمزة وسكون الواو وبالدال المهملة (عن طلحة بن مصرف) بكسر الراء المشددة ابن عمرو بن كعب اليامي بالتحتية الكوفي (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄) أنه قال في قوله تعالى: (﴿ولكلًّ جعلنا موالي﴾) [النساء: ٣٣] (قال): تفسير موالي (ورثة) وبه قال مجاهد وقتادة وزيد بن سلم والسدي والضحاك ومقاتل بن حيان (﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾) أي عاقدت ذوو أيمانكم ذوي أيمانهم، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي عقدت بغير ألف أسند الفعل إلى الإيمان وحذف المفعول أي عقدت أيمانكم عهودهم فحذف العهود وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه كما حذف في الأولى. (قال) أي ابن عباس (كان المهاجرون لما قدموا) زاد أبو ذر على النبي ﷺ (المدينة يرث) فعل مضارع ولأبي ذر عن الكشميهني: ورث (المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه) أقربائه (للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم) بين المهاجرين والأنصار (فلما نزلت ﴿ولكلٍّ جعلنا موالي﴾ نسخت) أي آية الوالي آية المعاقدة (ثم قال) ابن عباس في قوله تعالى (﴿والذين عقدت أيمانكم﴾ إلا النصر والرفادة) بكسر الراء أي المعاونة (والنصيحة) مستثنى من الأحكام المقدرة في الآية المنسوخة أي نسخت تلك الآية حكم نصيب الإرث لا النصر وما بعده، والاستثناء منقطع أي لكن النصر باقٍ ثابت (وقد ذهب الميراث) بين المعاقدين (ويوصى له) بفتح الصاد مبنيًّا للمفعول والضمير للذي كان يرث بالأخوة وهذا الحديث أخرجه البخاري في التفسير والفرائض وأبو داود والنسائي جميعًا في الفرائض. ٢٢٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَآخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ". وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا إسماعيل بن جعفر) الأنصاري الزرقي أبو إسحاق القاري (عن حميد) الطويل (عن أنس ﵁) أنه (قال: قدم علينا عبد الرحمن بن عوف) الزهري أحد العشرة ﵁ (فآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع) الأنصاري الخزرجي أحد نقباء الأنصار. وهذا حديث مختصر من حديث طويل سبق في البيوع والغرض منه إثبات الحلف في الإسلام. ٢٢٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ: "قُلْتُ لأَنَسٍ ﵁: أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ؟ فَقَالَ: قَدْ حَالَفَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِي". [الحديث ٢٢٩٤ - طرفاه في: ٦٠٨٣، ٧٣٤٠]. وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدّثني (محمد بن الصباح) بالمهملة والموحدة المشددة وبعد الألف حاء مهملة الدولابي البغدادي قال: (حدّثنا إسماعيل بن زكريا) الخلقاني بالخاء المعجمة المضمومة واللام الساكنة بعدها قاف وبعد الألف نون الكوفي قال: (حدّثنا عاصم) هو ابن سليمان المعروف بالأحول (قال: قلت لأنس) ولأبي ذر زيادة ابن مالك (﵁ أبلغك) بهمزة الاستفهام الاستخباري (أن النبي ﷺ قال): (لا حلف) بكسر الحاء المهملة وسكون اللام آخره فاء أي لا عهد (في الإسلام) على الأشياء التي كانوا يتعاهدون عليها في الجاهلية (فقال) أنس له (قد حالف) آخى (النبي ﷺ بين قريش والأنصار فى داري) أي بالمدينة على الحق والنصرة والأخذ على يد الظالم كما قال ابن عباس ﵄ إلا النصر والنصيحة والرفادة ويوصى له وقد ذهب الميراث. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الاعتصام ومسلم في الفضائل وأبو داود في الفرائض. ٣ - باب مَنْ تَكَفَّلَ عَنْ مَيِّتٍ دَيْنًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ (باب من تكفل عن ميت دينًا فليس له أن يرجع) عن الكفالة لأنها لازمة له واستقر الحق في ذمته (وبه) أي بعدم الرجوع (قال الحسن) البصري وهو قول الجمهور. ٢٢٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟ قَالُوا: لَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ. ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ مَنْ دَيْنٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ. قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: عَلَىَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ". وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك النبيل الشيباني البصري (عن يزيد بن أبي عبيد) بضم العين مصغرًا من غير إضافة الأسلمي مولى سلمة بن الأكوع (عن سلمة بن الأكوع) هو ابن عمرو بن الأكوع (﵁ أن النبي ﷺ أُتِيَ بجنازة) بضم الهمزة (ليصلّي عليها فقال): (هل عليه) أي الميت (من دين. فقالوا: لا. فصلّى عليه) زاد في

стр. 1595

باب: إن أحال دين الميت على رجل جاز قال: (ثم أُتي بجنازة أخرى فقال: هل عليه من دين؟ قالوا نعم) عليه دين زاد في الرواية السابقة ثلاثة دنانير (قال: صلوا) ولأبي ذر: فصلوا (على صاحبكم. قال أبو قتادة) الحرث بن ربعي الأنصاري (عليّ دينه) ولابن ماجة: أنا أتكفل به (يا رسول الله فصلّى عليه) صلوات الله وسلامه عليه واقتصر في هذه الطريق على اثنين من الأموات الثلاثة المذكورة في الرواية السابقة. ووجه المطابقة هنا أنه لو كان لأبي قتادة أن يرجع لما صلّى عليه النبي ﷺ حتى يوفي أبو قتادة الدين لاحتمال أن يرجع فيكون قد صلّى على مديان دينه باقٍ عليه فدلّ على أنه ليس له أن يرجع. ٢٢٩٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵃ قَالَ: "قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا، فَلَمْ يَجِئْ مَالُ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ فَنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا، فَحَثَى لِي حَثْيَةً، فَعَدَدْتُهَا، فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ وَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا". [الحديث ٢٢٩٦ - أطرافه في: ٢٥٩٨، ٢٦٨٣، ٣١٣٧، ٣١٦٤، ٤٣٨٣]. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عمرو) هو ابن دينار أنه (سمع محمد بن علي) أي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب (عن جابر بن عبد الله) الأنصارى (¬﵃¬) أنه (قال: قال النبي ﷺ : لو قد جاء مال البحرين) موضع بين البصرة وعمان أي لو تحقق المجيء (قد أعطيتك هكذا وهكذا) زاد في غير رواية أبي الوقت وهكذا زاد في الشهادات فبسط يديه ثلاث مرات فيه اقتران الماضي الوافع جوابًا "للو" بقد. قال ابن هشام وهو غريب كقول جرير: لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة … تدع الصوادي لا يجدن غليلا يقال: نقع الماء العطش سكنه والذي وقع هنا يؤيده كحديث ابن عباس عند البخاري في باب: رجم الحبلى من الزنا الذي فيه ذكر البيعة بعد وفاة النبي ﷺ . قال عبد الرحمن بن عوف: لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول لو قد مات عمر لقد بايعت فلانًا ففيه كالذي قبله ورود جواب لو وشرطها جميعًا مقترنين بقد، وفلان المشار إليه بالبيعة هو طلحة بن عبيد كما في فوائد البغوي (فلم يجيء مال البحرين حتى قبض النبي ﷺ ، فلما جاء مال البحرين أمر أبو بكر) الصديق ﵁ رجلاً (فنادى من كان له عند النبي ﷺ عدة) أي وعد (أو دين فليأتنا) قال جابر: (فأتيته فقلت) له: (إن النبي ﷺ قال لي كذا وكذا فحثا لي) أبو بكر ﵁ (حثية) بفتح الحاء المهملة وبالثاء المثلثة فيهما. قال ابن قتيبة: هي الحفنة. وقد ابن فارس ملء الكفّين (فعددتها فإذا هي خمسمائة وقال: خذ مثليها) أي مثلي خمسمائة فالجملة ألف وخمسمائة وذلك لأن جابرًا لما قال: إن النبي ﷺ قال لي كذا وكذا ثلاث مرات حثا له أبو بكر حثية فجاءت خمسمائة فقال خذ مثليها لتصير ثلاث مرات كما وعده ﷺ وكان من خلقه الوفاء بالوعد، فنفذه أبو بكر بعد وفاته ﵊. ومطابقته للترجمة من جهة أن أبا بكر ﵁ لما قام مقام النبي ﷺ تكفل بما كان عليه من واجب أو تطوع، فلما التزم لزمه أن يوفي جميع ما عليه من دين أو عدّة. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الخمس والمغازي والشهادات ومسلم في فضائل النبي ﷺ . ٤ - باب جِوَارِ أَبِي بَكْرٍ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَقْدِهِ (باب جوار أبي بكر) الصديق ﵁ أي أمانه قال تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره﴾ [التوبة: ٦] أي أمنه وجيم جوار بالكسر ويجوز الضم (في عهد النبي ﷺ ¬) أي في زمنه (وعقده) أي وعقد أبي بكر. ٢٢٩٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: "لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَىَّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ". وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَىَّ قَطُّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلاَّ يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرَفَىِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً. فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا قِبَلَ الْحَبَشَةِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ، وَهْوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي، فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الأَرْضِ فَأَعْبُدَ رَبِّي. قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: إِنَّ مِثْلَكَ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ. فَإِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، وَأَنَا لَكَ جَارٌ. فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلَادِكَ، فَارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ فَرَجَعَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَطَافَ فِي أَشْرَافِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلَا يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلاً يُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الْكَلَّ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ؟ فَأَنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جِوَارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ، وَآمَنُوا أَبَا بَكْرٍ، وَقَالُوا لاِبْنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ وَلَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ، وَلَا يَسْتَعْلِنْ بِهِ، فَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا. قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الدَّغِنَةِ لأَبِي بَكْرٍ، فَطَفِقَ أَبُو بَكْرٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِالصَّلَاةِ وَلَا الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ دَارِهِ. ثُمَّ بَدَا لأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَبَرَزَ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلاً بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَإِنَّهُ جَاوَزَ ذَلِكَ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَأَعْلَنَ الصَّلَاةَ وَالْقِرَاءَةَ، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، فَأْتِهِ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى إِلاَّ أَنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ، فَإِنَّا كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ، وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لأَبِي بَكْرٍ الاِسْتِعْلَانَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّ إِلَىَّ ذِمَّتِي؛ فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ، وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ - وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، رَأَيْتُ سَبْخَةً ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ، وَهُمَا الْحَرَّتَانِ. فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْضُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ. وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ". وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) نسبه لجده لشهرته به وأبوه عبد الله المخزومي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد أنه قال: (قال ابن شهاب) محمد بن مسلم (فأخبرني) الفاء عاطفة على محذوف تقديره أخبرني فلان بكذا فأخبرني (عروة بن الزبير) بن العوام (أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: لم أعقل) بكسر القاف أي لم أعرف (أبوي) أبا بكر وأم رومان، وزاد أبو ذر عن الكشميهني هنا قط بتشديد الطاء المضمومة للنفي في الماضي

стр. 1596

(إلا وهما يدينان الدين) بكسر الدال المهملة والنصب على نزع الخافض أي يدينان بدين الإسلام. (وقال أبو صالح) سليمان بن صالح المروزي، وفي نسخة بالفرع وأصله سلموية بفتح المهملة واللام وضم الميم وسكون الواو وفتح التحتية آخره تاء تأنيث. قال الحافظ ابن حجر: وهذا التعليق قد سقط مني رواية أبي ذر: وساق الحديث عن عقيل وحده (حدّثني) بالإفراد (عبد الله) بن المبارك (عن يونس) بن يزيد (عن الزهري قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ قالت: لم أعقل أبوي قطّ إلا وهما بدينان الدين ولم يمر علينا يومًا إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية) تفسير لقوله طرفي النهار وهو منصوب على الظرف، (فلما ابتلي المسلمون) بأذى المشركين وأذن ﷺ لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة (خرج أبو بكر) ﵁ حال كونه (مهاجرًا قبل الحبشة) بكسر القاف وفتح الموحدة أي إلى جهة الحبشة ليلحق بمن سبقه من المسلمين فسار (حتى إذا بلغ برك الغماد) بفتح الموحدة وسكون الراء بعدها كاف والغماد بكسر الغين المعجمة وتخفيف الميم، ولأبي ذر: برك بكسر الموحدة. قال في المطالع: وبكسر الموحدة وقع للأصيلي وِالمستملي والحموي قال: وهو موضع بأقاصي هجر، وقيل اسم موضع باليمن، وقيل وراء مكة بخمس ليال (لقيه ابن الدغنة) بفتح الدال المهملة وكسر الغين المعجمة وفتح النون المخففة ولأبي ذر: الدغنة بضم الدال والغين وتشديد النون كذا في الفرع وأصله لأبي ذر، وعند المروزي الدغنة بفتح الدال والغين والنون المخففة. قال الأصيلي: وكذا رواه لنا المروزي، وقيل إن ذلك كان لاسترخاء في لسانه والصواب فيه الكسر وهو اسم أمه واسمه الحرث بن يزيد كما عند البلاذري. وحكى السهيلي مالك وعند الكرماني أن ابن إسحاق سماه ربيعة بن رفيع وهو وهم من الكرماني لأن ربيعة المذكور آخر يقال له ابن الدغنة أيضًا لكنه سلمي والذي هنا من القارة فافترقا (وهو سيد القارة) بالقاف وتخفيف الراء قبيلة مشهورة من بني الهون بضم الهاء وسكون الواو ويوصفون بجودة الرمي، واسم ابن الدغنة قال مغلطاي اسمه مالك، وعند البلاذري في حديث الهجرة أنه الحرث بن يزيد. قال الحافظ ابن حجر: وهو أولى ووهم من زعم أنه ربيعة بن رفيع (فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر) ﵁: (أخرجني قومي) أي تسببوا في إخراجي (فأنا أريد أن أسيح) بفتح الهمزة وسين مهملة مكسورة وبعد التحتية حاء مهملة أي أسير (في الأرض). فإن قلت: حقيقة السياحة أن لا يقصد موضعًا بعينه ومعلوم أنه قصد التوجّه إلى أرض الحبشة. أجيب: بأنه عمي عن ابن الدغنة جهة مقصده لكونه كان كافرًا، ومن المعلوم أنه لا يصل إليها من الطريق التي قصدها حتى يسير في الأرض وحده زمانًا فيكون سائحًا. (فأعبد) بالفاء، ولأبي ذر: وأعبد (ربي: قال ابن الدغنة: إن مثلك لا يخرج ولا يخُرج) بفتح أوّل الأوّل وضم أوّل الثاني مبنيًّا للفاعل والثاني للمفعول (فإنك تكسب المعدوم) بفتح المثناة الفوقية أي تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك. قيل: والصواب المعدم بدون الواو أي الفقير لأن المعدوم لا يكسب. وأجيب: بأنه لا يمتنع أن يطلق على المعدم المعدوم لأنه كالمعدم الميت الذي لا تصرف له. وقال الزركشي: وتكسب العديم أي الفقير فعيل بمعنى فاعل وهذا أحسن من الرواية السابقة أول الكتاب في حديث خديجة تكسب المعدوم انتهى. ولم أقف على شيء من النسخ كما ادّعاه ولعله وقف عليها في نسخة كذلك. (وتصل الرحم) أي القرابة (وتحمل الكل) بفتح الكاف وتشديد اللام الذي لا يستقل بأمره أو الثقل بكسر المثلثة وسكون القاف (وتقري الضيف) بفتح المثناة الفوقية من الثلاثي أي تهيئ له طعامه ونزله (وتعين على نوائب الحق) أي حوادثه وإنما قال نوائب الحق لأنها تكون في الحق والباطل، وهذا كقول خديجة ﵂ للنبي ﷺ لما أخبرها بأول مجيء الملك له (وأنا لك

стр. 1597

جار) أي مجير لك مؤمنك ممن أخافك منهم. (فارجع فاعبد ربك ببلادك فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر) استشكل بأن القياس أن يقال رجع أبو بكر معه عكس المذكور كما لا يخفى. وأجيب: بأنه من باب إطلاق الرجوع وإرادة لازمه الذي هو المجيء أو هو من قبيل المشاكلة لأن أبا بكر كان راجعًا أو أطلق الرجوع باعتبار ما كان قبله بمكة، وفي باب الهجرة فرجع أي أبو بكر وارتحل معه ابن الدغنة وهو الأصل، والمراد في الروايتين كما قال ابن حجر مطلق الصاحبة. (فطاف) أي ابن الدغنة (في أشراف كفار قريش) أي ساداتهم (فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله) بفتح أوّله وضم ثالثه مبنيًّا للفاعل ولأبي ذر لا يخرج بضم أوّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (ولا يخُرج) بضم أو وفتح ثالثه ولأبي ذر بفتح أوله وضم ثالثه (أتخرجون رجلاً) بضم التاء وكسر الراء والهمزة للاستفهام الإنكاري (يكسب المعدوم) بفتح الياء وضمها كما في الفرع وأصله والجملة في محل نصب صفة لرجلاً وما بعده عطف عليه (ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق فأنفذت قريش) بالذال المعجمة بعد الفاء أي أمضوا (جوار ابن الدغنة) ورضوا به (وآمنوا) بمدّ الهمزة وفتح الميم المخففة أي جعلوا (أبا بكر) في أمن ضد الخوف (وقالوا لابن الدغنة: مُر أبا بكر فليعبد ربه في داره) دخلت الفاء على شيء محذوف. قال الكرماني تقديره ليعبد ربه فليعبد ربه قال العيني: لا معنى لما ذكره لأنه لا يفيد زيادة شيء بل تصلح الفاء أن تكون جزاء شرط تقديره مر أبا بكر إذا قيل ما يشترط عليه فليعبد ربه في داره (فليصلّ) بالفاء، وفي نسخة بالفرع وأصله: وليصل (وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك) إشارة إلى ما ذكر من الصلاة والقراءة (ولا يستعلن) لا يجهر (به فإنا قد خشينا أن يفتن) بفتح التحتية وكسر الفوقية أي يخرج (أبناءنا ونساءنا) من دينهم إلى دينه (قال ذلك) الذي شرطه كفار قريش (ابن الدغنة لأبي بكر فطفق) بكسر الفاء أي جعل وفي الهجرة فلبث (أبو بكر) ﵁ (يعبد ربه في داره ولا يستعلن بالصلاة ولا القراءة في غير داره ثم بدا) أي ظهر (لأبي بكر) ﵁ رأي في أمره بخلاف ما كان يفعله (فابتنى مسجدًا بفناء داره) بكسر الفاء ممدودًا ما امتد من جوانبها وهو أول مسجد بني في الإسلام (وبرز) ظهر أبو بكر (فكان يصلّي فيه ويقرأ القرآن فيتقصف) بالمثناة الفوقية بعد التحتية وللكشميهني فينقصف بالنون الساكنة بدل الفوقية وتخفيف الصاد (عليه نساء المشركين وأبناؤهم) أي يزدحمون عليه حتى يسقط بعضهم على بعض فيكاد ينكسر وأطلق يتقصف مبالغة (يعجبون) زاد الكشميهني منه (وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلاً بكّاءً) بتشديد الكاف أي كثير البكاء (لا يملك دمعه) وفي الهجرة لا يملك عينيه أي لا يملك إسكانهما عن البكاء من رقة قلبه (حين يقرأ القرآن فأفزع) بالفاء الساكنة وبعدها زاي أي أخاف (ذلك أشراف قريش من المشركين) لما يعلمون من رقة قلوب النساء والشباب أن يميلوا دين الإسلام (فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا له: إنّا كنّا أجرنا) بالراء الساكنة، وللكشميهني: أجرنا بالزاي بدل الراء (أبا بكر على أن يعبد ربه في داره وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره وأعلن الصلاة والقراءة وقد خشينا أن يفتن) بفتح أوله وكسر ثالثه (أبناءنا ونساءنا) ولأبي ذر: أن يفتن بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول أبناؤنا ونساؤنا بالرفع نائبًا عن الفاعل (فائته فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبي) امتنع (إلا أن يعلن ذلك) المذكور من الصلاة والقراءة أي يجهر (فسله) بسكون اللام من غير همز فعل أمر (أن يردّ إليك ذمتك) عهدك له (فإنّا كرهنا أن نخفرك) بضم النون وسكون الخاء المعجمة وكسر الفاء وفتح الراء أي ننقض عهدك (ولسنا مقرّين لأبي بكر الاستعلان) أي لا نسكت على الإنكار عليه خوف نسائنا وأبنائنا. (قالت عائشة) ﵂ (فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال) له (قد علمت الذي

стр. 1598

عقدت لك عليه) مع أشراف قريش (فإما أن تقتصر على ذلك) الذي شرطوه (وإما أن تردّ إليّ ذمتي) عهدي (فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت) مبنيًا للمفعول أي غدرت (في رجل عقدت له. قال أبو بكر) الصديق ﵁: (إني) ولأبي ذر: فإني (أردّ إليك جوارك وأرضى بجوار الله) أي بأمانة الله وحمايته وفيه قوّة يقين الصدّيق ﵁ (ورسول الله ﷺ يومئذٍ بمكة فقال رسول الله ﷺ ¬): (قد أريت) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (دار هجرتكم رأيت سبخة) بفتح السين المهملة والخاء المعجمة بينهما موحدة ساكنة، ولأبي ذر سبخة بفتح الموحدة أرضًا يعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر. قال في المصابيح كالتنقيح: وإذا وصفت به الأرض كسرت الباء (ذات نخل بين لابتين) بموحدة مخففة تثنية لابة (وهما الحرّتان) بتشديد الراء بعد الحاء المفتوحة المهملة والحرة أرض بها حجارة سود، وهذا مدرج من تفسير الزهري. (فهاجر) بالفاء ولأبي الوقت: وهاجر (من هاجر) من المسلمين (قبل المدينة) لكسر القاف وفتح الموحدة (حين ذكر ذلك رسول الله ﷺ رجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة وتجهز أبو بكر) ﵁ حال كونه (مهاجرًا) أي طالبًا للهجرة من مكة (فقال له رسول الله ﷺ : على رسلك) بكسر الراء وسكون السين المهملة أي على مهلك من غير عجلة (فإني أرجو أن يؤذن لي) بضم الياء مبنيًّا للمفعول في الهجرة. (قال أبو بكر: هل ترجو ذلك بأبي أنت) مبتدأ خبره بأبي أي مفدّى بأبي أو أنت تأكيد لفاعل ترجو وبأبي قسم (قال) ﵊ (نعم) أرجو ذلك (فحبس أبو بكر نفسه) أي منعها من الهجرة (على رسول الله ﷺ ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر) بفتح السين المهملة وضم الميم زاد في الهجرة وهو الخبط وهو مدرج فيه من تفسير الزهري (أربعة أشهر). ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن المجير ملتزم للمجار أن لا يؤذى من جهة من أجار منه وكأنه ضمن أن لا يؤذي وأن تكون العهدة عليه في ذلك، وقد ساق المؤلّف الحديث هنا على لفظ يونس عن الزهري، وساقه في الهجرة على لفظ عقيل كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقد سبق صدر هذا الحديث في أبواب المساجد في باب المسجد يكون في الطريق والله أعلم. ٥ - باب الدَّيْنِ (باب) بيان حكم (الدين) سقط الباب وترجمته لأبوي ذر والوقت والحديث الآتي إن شاء الله تعالى من رواية المستملي وعند النسفيّ وابن شبويه باب بغير ترجمة. ٢٢٩٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلاً؟ فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاءً صَلَّى، وَإِلاَّ قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ. فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَىَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ". [الحديث ٢٢٩٨ - أطرافه في: ٢٣٩٨، ٢٣٩٩، ٤٧٨١، ٥٣٧١، ٦٧٣١، ٦٧٤٥، ٦٧٦٣]. وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) المخزومي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد (عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة ﵁): (أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى) بفتح الفاء المشددة أي الميت حال كونه (عليه الدين فيسأل) ﵊ (هل ترك لدينه فضلاً) أي قدرًا زائدًا على مؤونة تجهيزه، وللكشميهني: قضاء بدل فضلاً وكذا هو عند مسلم وأصحاب السُّنن وهو أولى بدليل قوله (فإن حدّث) بضم الحاء مبنيًّا للمفعول (أنه ترك لدينه وفاء) أي ما يوفي به دينه (صلّى) عليه (وإلا) بأن لم يترك وفاء (قال للمسلمين صلّوا على صاحبكم فلما فتح الله عليه الفتوح) من الغنائم وغيرها (قال أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي من المؤمنين فترك دينًا) وزاد مسلم أو ضيعة (فعليّ قضاؤه) مما أفاء الله عليّ (ومن ترك مالاً فلورثته) واستنبط منه التحريض على قضاء دين الإنسان في حياته والتوصل إلى البراءة منه ولو لم يكن أمر الدين شديدًا لما ترك ﵊ على المديون وهل كانت صلاته على المديون حرامًا أو جائزة؟ وجهان. قال النووي: الصواب الجزم بجوازها مع وجود الضامن كما في حديث مسلم، وفي حديث ابن عباس عند الحازمي أن النبي ﷺ لما امتنع من الصلاة على من عليه دين جاءه جبريل

стр. 1599

فقال إنما الظالم في الدّيون التي حملت في البغي والإسراف فأما المتعفف ذو العيال فأنا ضامن له أؤدّي عنه فصلّى عليه النبي ﷺ وقال بعد ذلك: "من ترك ضياعًا" الحديث. قال الحافظ ابن حجر: وهو حديث ضعيف، وقال الحازمي: لا بأس به في المتابعات ففيه أنه السبب فى قوله ﵊: من ترك دينًا فعلي فهو ناسخ لتركه الصلاة على من مات وعليه دين. حديث الباب أخرجه أيضًا في النفقات، ومسلم في الفرائض، والترمذي في الجنائز. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٠ - كتاب الوكالة (بسم الله الرحمن الرحيم). (كتاب الوكالة) بفتح الواو ويجوز كسرها وهي في اللغة التفويض وفي الشرع تفويض شخص أمره إلى آخر فيما يقبل النيابة والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه﴾ [الكهف: ١٩] وقوله تعالى: ﴿اذهبوا بقميصي هذا﴾ [يوسف: ٩٣] وهو شرع من قبلنا وورد في شرعنا ما يقرره كقوله تعالى: ﴿فابعثوا حكمًا من أهله﴾ [النساء: ٣٥] الآية وفي رواية أبي ذر تقديم كتاب على البسملة. ١ - باب وَكَالَةُ الشَّرِيكِ الشَّرِيكَ فِي الْقِسْمَةِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ أَشْرَكَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا فِي هَدْيِهِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِقِسْمَتِهَا هذا (باب) بالتنوين (في وكالة الشريك) ولأبي ذر: سقوط الباب وحرف الجر ولفظه كتاب الوكالة وكالة الشريك. قال الحافظ ابن حجر: وللنسفي كتاب الوكالة ووكالة الشريك بواو العطف ولغيره باب بدل الواو (الشريك في القسمة) بدل من الشريك الأول، وفي نسخة الشريك بالرفع على الاستئناف وفي أخرى الشريك بالنصب (وغيرها) أي والشريك في غير القسمة. (وقد أشرك النبي ﷺ عليًّا) هو ابن أبي طالب (في هديه) وهذا وصله المؤلّف في الشركة من حديث جابر بلفظ أن النبي ﷺ أمر عليًّا أن يقيم على إحرامه وأشركه في الهدي (ثم أمره بقسمتها) أي الهدايا. وهذا وصله أيضًا في الحج من حديث عليّ بلفظ أن النبي ﷺ أمره أن يقوم على بدنه وأن يقسم بدنه كلها. ٢٢٩٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: "أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِجِلَالِ الْبُدْنِ الَّتِي نُحِرَتْ وَبِجُلُودِهَا". وبه قال: (حدّثنا قبيصة) بن عقبة العامري الكوفي السوائي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن ابن أبي نجيح) عبد الله (عن مجاهد) هو ابن جبر الإمام في التفسير (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري المدني (عن علي ﵁) أنه (قال): (أمرني رسول الله ﷺ أن أتصدق بجلال البدن) بسكون الدال المهملة بعد الموحدة المضمومة جمع بدنة والجلال بكسر الجيم جمع جلّ ما تلبسه الدابة (التي نحرت وبجلودها) بضم النون وكسر الحاء وفتح الراء وسكون التاء على البناء للمفعول والتاء للتأنيث ويجوز فتح النون والحاء وسكون الراء وضم التاء مبنيًا للفاعل والضمير للفاعل، والمراد به عليّ ﵁. ومطابقته للترجمة من كونه ﵊ أشركه. وهذا الحديث قد سبق في الحج وذكر هنا طرفًا منه. ٢٣٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ، فَبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ضَحِّ أَنْتَ". [الحديث ٢٣٠٠ - أطرافه في: ٢٥٠٠، ٥٥٤٧، ٥٥٥٥]. وبه قال: (حدّثنا عمرو بن خالد) بفتح العين ابن فرّوخ الحرّاني الجزري نزيل مصر قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يزيد) بن أبي حبيب (عن أبي الخير) مرثد بن عبد الله بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة وآخره دال مهملة (عن عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ أعطاه غنمًا) للضحايا (يقسمها على صحابته) بعد أن وهب جملتها لهم (فبقي عتود) بفتح العين المهملة وضم المثناة الفوقية وبعد الواو الساكنة دال مهملة الصغير من المعز إذا قوي أو إذا أتى عليه حول (فذكره للنبي ﷺ فقال: ضحّ أنت) ولأبي ذر: ضحّ به أنت وعلم منه أنه كان من جملة من كان له نصيب من هذه القسمة فكأنه كان شريكًا لهم وهو الذي تولى القسمة بينهم، لكن استشكله ابن المنير باحتمال أن يكون ﷺ وهب لكل واحد من المقسوم فيهم ما صار إليه فلا تتجه الشركة. وأجاب بأنه سيأتي الحديث في الأضاحي من طريق أخرى بلفظ أنه قسم بينهم ضحايا قال فدلّ على أنه عيّن تلك الغنم للضحايا فوهب لهم جملتها ثم أمر عقبة بقسمتها فيصح الاستدلال به لما ترجم له. قال في المصابيح: ينبغي أن يضاف إلى ذلك أن عقبة كان وكيلاً على القسم بتوكيل شركائه في تلك الضحايا التي قسمها حتى يتوجه إدخال حديثه في ترجمة وكالة الشريك

стр. 1600

لشريكه في القسم. وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الضحايا والشركة، ومسلم في الضحايا، والترمذي والنسائي وابن ماجة فيها أيضًا. ٢ - باب إِذَا وَكَّلَ الْمُسْلِمُ حَرْبِيًّا فِي دَارِ الْحَرْبِ -أَوْ فِي دَارِ الإِسْلَامِ- جَازَ هذا (باب) بالتنوين (إذا وكل المسلم حربيًّا في دار الحرب أو) وكل المسلم حربيًّا كائنًا (في دار الإسلام) بأمان (جاز). ٢٣٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: "كَاتَبْتُ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كِتَابًا بِأَنْ يَحْفَظَنِي فِي صَاغِيَتِي بِمَكَّةَ وَأَحْفَظَهُ فِي صَاغِيَتِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا ذَكَرْتُ "الرَّحْمَنَ" قَالَ: لَا أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، كَاتِبْنِي بِاسْمِكَ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَاتَبْتُهُ "عَبْدُ عَمْرٍو". فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ خَرَجْتُ إِلَى جَبَلٍ لأُحْرِزَهُ حِينَ نَامَ النَّاسُ، فَأَبْصَرَهُ بِلَالٌ، فَخَرَجَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا أُمَيَّةُ. فَخَرَجَ مَعَهُ فَرِيقٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي آثَارِنَا، فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُونَا خَلَّفْتُ لَهُمُ ابْنَهُ لأَشْغَلَهُمْ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَبَوْا حَتَّى يَتْبَعُونَا -وَكَانَ رَجُلاً ثَقِيلاً- فَلَمَّا أَدْرَكُونَا قُلْتُ لَهُ: ابْرُكْ، فَبَرَكَ، فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ نَفْسِي لأَمْنَعَهُ، فَتَخَلَّلُوهُ بِالسُّيُوفِ مِنْ تَحْتِي حَتَّى قَتَلُوهُ، وَأَصَابَ أَحَدُهُمْ رِجْلِي بِسَيْفِهِ. وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يُرِينَا ذَلِكَ الأَثَرَ فِي ظَهْرِ قَدَمِهِ قال أبو عبد الله: سمع يوسف صالحًا وسمع إبراهيم أباه. [الحديث ٢٣٠١ - طرفه في: ٣٩٧١]. وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن يحيى القرشي العامري الأويسي المدني الأعرج (قال: حدّثني) بالإفراد (يوسف بن الماجشون) بكسر الجيم وتفتح وبضم الشين المعجمة وبعد الواو الساكنة نون مكسورة ومعناه المورّد واسمه يعقوب بن عبد الله بن أي سلمة المدني (عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف) القرشي (عن أبيه) إبراهيم (عن جدّه عبد الرحمن بن عوف) أحد العشرة المبشرة بالجنة (﵁) أنه (قال: كاتبت أمية بن خلف) بضم الهمزة وتخفيف الميم المفتوحة وتشديد التحتية أي كتبت إليه (كتابًا بأن يحفظني في صاغيتي بمكة) بصاد مهملة وغين معجمة مالي أو حاشيتي أو أهلي ومن يصغي إليه أي يميل (وأحفظه في صاغيته بالمدينة، فلما ذكرت الرحمن قال لا أعرف الرحمن) قال ابن حجر: أي لا أعترف بتوحيده، وتعقبه العيني فقال: هذا لا يقتضيه قوله لا أعرف الرحمن وإنما معناه أنه لما كتب له ذكر اسمه بعبد الرحمن فقال: ما أعرف الرحمن الذي جعلت نفسك عبدًا له ألا ترى أنه قال: (كاتبني بأسمك الذي كان في الجاهلية فكاتبته عبد عمرو) بفتح العين ورفع عبد كذا في الفرع وفي غيره عبد بالنصب على المفعولية، (فلما كان في يوم) غزوة (بدر) في رمضان في السنة الثانية من الهجرة وسقط الجار لأبي ذر (خرجت إلى جبل لأحرزه) بضم الهمزة أي لأحفظه والضمير المنصوب لأمية وفي نسخة: لأحذره (حين نام الناس) أي حين غفلتهم بالنوم لأصون دمه (فأبصره) أي أمية بن خلف (بلال) المؤذن وكان أمية يعذب بلالاً بمكة لأجل إسلامه عذابًا شديدًا (فخرج) بلال (حتى وقف على مجلس من الأنصار) ولأبي ذر: على مجلس الأنصار فأسقط حرف الجر (فقال): دونكم أو الزموا (أمية بن خلف) وفي الفرع وأصله تضبيب على أمية، ولأبي ذر: أمية بن خلف بالرفع أي هذا أمية بن خلف (لا نجوت وإن نجا أمية فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه) عليًّا (لأشغلهم) بفتح الهمزة وقيل بضمها من الإشغال، ولأبي ذر: لنشغلهم بنون الجمع، وفي نسخة الميدومي: يشغلهم بإسقاط اللام وبالياء بدل النون أو الهمزة عن أمية بابنه (فقتلوه) أي الابن والذي قتله قيل هو عمار بن ياسر (ثم أبوا) بالموحدة أي امتنعوا، وفي نسخة أتوا بالمثناة الفوقية من الإتيان (حتى يتبعونا وكان) أمية (رجلاً ثقيلاً) ضخم الجثة (فلما أدركونا قلت له) لأمية (ابرك فبرك فألقيت عليه نفسي لأمنعه) منهم، وإنما فعل عبد الرحمن ذلك لأنه كان بينه وبين أمية بمكة صداقة وعهد فقصد أن يفي بالعهد (فتخللوه) بالخاء المعجمة (بالسيوف) أي أدخلوا أسيافهم خلاله حتى وصلوا إليه وطعنوا بها (من تحتي) من قولهم خللته بالرمح وأخللته إذا طعنته به، ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي: فتحللوه بالحاء المهملة كما في الفرع وأصله، وفي رواية: فتجللوه بالجيم أي غشوه بالسيوف، ونسب هذه في فتح الباري، للأصيلي وأبي ذر قال ولغيرهما بالخاء المعجمة قال: ووقع في رواية المستملي فتخلوه بلام واحدة مشددة انتهى. والأولى أظهر من جهة المعنى لقول عبد الرحمن بن عوف فألقيت عليه نفسي فكأنهم أدخلوا سيوفهم من تحته كما مرّ. (حتى قتلوه) والذي قتله رجل من الأنصار من بني مازن. وقال ابن هشام ويقال قتله معاذ بن عفراء وخارجة بن زيد وخبيب بن أساف اشتركوا في قتله. وفي مستخرج الحاكم ما يدل على أن رفاعة بن رافع الزرقي من جملة المشاركين في قتله، وفي مختصر الاستيعاب أن قاتله بلال. (وأصاب أحدهم) أي الذين باشروا قتل أمية (رجلي بسيفه) وكان الذي أصاب رجله الحباب بن المنذر كما عند

стр. 1601

البلاذري (وكان عبد الرحمن بن عوف يرينا ذلك الأثر في ظهر قدمه). (قال أبو عبد الله) البخاري: (سمع يوسف) بن الماجشون (صالحًا) هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، (و) سمع (إبراهيم أباه). وفائدة ذلك تحقيق السماع وسقط قوله قال أبو عبد الله إلى آخره في رواية غير المستملي. ورجال هذا الحديث مدنيون، وأخرجه أيضًا في المغازي مختصرًا. ٣ - باب الْوَكَالَةِ فِي الصَّرْفِ وَالْمِيزَانِ وَقَدْ وَكَّلَ عُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ فِي الصَّرْفِ (باب) حكم (الوكالة في الصرف) يعني في بيع النقد بالنقد (و) الوكالة في (الميزان) أي في الموزون، (وقد وكل عمر) بن الخطاب (وابن عمر) فيما وصله سعيد بن منصور عنهما (في الصرف). ٢٣٠٢ و ٢٣٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلاً عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُمْ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ: أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ. فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا. وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ". وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال (أخبرنا مالك) الإمام (عن عبد المجيد) بميم مفتوحة قبل الجيم (ابن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف) الزهري المدني وسهيل مصغر (عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً) قيل هو سواد بن غزية بفتح السين المهملة والواو المخففة وغزية بغين مفتوحة وزاي مكسورة معجمتين وتحتية مشددة، وقيل مالك بن صعصعة (على خيبر فجاءهم بتمر جنيب) بفتح الجيم وكسر النون وبعد التحتية الساكنة موحدة الكبيس أو الطيب أو الذي أخرج منه حشفه ورديئه (فقال) له ﵊ ولأبي الوقت: قال: (أكل تمر خيبر هكذا فقال) الرجل (إنّا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين) سقط في رواية أبي ذر من هذا وفي نسخة بصاعين منكرًا (والصاعين بالثلاثة، فقال) ﵊ له (لا تفعل بع الجمع) أي التمر الذي يقال له الجمع وهو تمر غير مرغوب فيه لرداءته (وبالدراهم ثم ابتع) أي اشتر (بالدراهم) تمرًا (جنيبًا وقال) ﵊ (في الميزان) أي الموزون (مثل ذلك) أي لا يباع رطل برطلين بل بع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم. ومطابقته للترجمة من قوله ﵊ لعامل خيبر: بع الجمع بالدراهم إلى آخره لأنه فوّض أمر ما يكال ويوزن إلى غيره فهو في معنى الوكيل عنه ويلتحق به الصرف. وهذا الحديث قد سبق في باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه من كتاب البيوع ويأتي إن شاء الله تعالى في المغازي والاعتصام. ٤ - باب إِذَا أَبْصَرَ الرَّاعِي أَوِ الْوَكِيلُ شَاةً تَمُوتُ أَوْ شَيْئًا يَفْسُدُ ذَبَحَ وَأَصْلَحَ مَا يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ هذا (باب) بالتنوين (إذا أبصر الراعي) للغنم (أو الوكيل) أي أبصر الوكيل (شاة) من الغنم (تموت) أي أشرفت على الموت (أو) أبصر الوكيل (شيئًا يفسد) أي أشرف على الفساد (ذبح) الراعي الشاة لئلا تذهب مجانًا (أو أصلح) الوكيل (ما يخاف عليه الفساد) بإبقائه كما إذا كان تحت يده فاكهة مثلاً أو غيرها مما يخاف عليه الفساد ولأبوي ذر والوقت: أو أصلح ما يخاف الفساد، وعزاها العيني كابن حجر لأبي ذر والنسفيّ. قال في الفتح: وعليه جرى الإسماعيلي، ولابن شبويه فأصلح بدل أو أصلح والفاء عاطفة على أبصر وجواب الشرط محذوف تقديره جاز ونحو ذلك قال: في شرح ابن التين بحذف أو فصار الجواب أصلح ما يخاف الفساد وأما الأصيلي فعنده أو شيئًا يفسد ذبح أو أصلح انتهى. ٢٣٠٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ سَمِعَ الْمُعْتَمِرَ أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا، فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَأْكُلُوا حَتَّى أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ -أَوْ أُرْسِلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَنْ يَسْأَلُهُ- وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَاكَ -أَوْ أَرْسَلَ- فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا". قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَيُعْجِبُنِي أَنَّهَا أَمَةٌ وَأَنَّهَا ذَبَحَتْ. تَابَعَهُ عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. [الحديث ٢٣٠٤ - أطرافه في: ٥٥٠١، ٥٥٠٢، ٥٥٠٤]. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه أنه (سمع المعتمر) بن سليمان يقول (أنبأنا عبيد الله) بالتصغير ابن عمر العمري واستعمل الانباء بصيغة الجمع ولا فرق عنده كآخرين بين لفظ أنبأنا وأخبرنا وحدّثنا وخصّ المتأخرون الأول بالإجازة كما مرّ تفصيله في أوائل الكتاب (عن نافع) مولى ابن عمر (أنه سمع ابن كعب بن مالك) عبد الله كما جزم به المزي أو هو أخوه عبد الرحمن قال ابن حجر كالكرماني أنه الظاهر لأنه روى طرفًا من هذا الحديث كما عند ابن وهب عن أسامة بن زيد عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك (يحدّث عن أبيه) كعب بن مالك الأنصاري أحد الثلاثة الذين تِيبَ عليهم (أنه) أي أن الشأن (كانت لهم) بضمير الجمع ولأبي ذر عن الحموي والمستملي له بضمير الإفراد (غنم) شامل للضأن والمعز (ترعى بسلع) بفتح السين المهملة وبعد اللام الساكنة عين مهملة جبل بطيبة (فأبصرت جارية لنا) لم يعرف اسمها (بشاة من غنمنا موتًا)

стр. 1602

بنون الجمع، وللكشميهني: من غنمها أي غنم الجارية التي ترعاها فالإضافة ليست للملك (فكسرت حجرًا) يجرح كالسكين (فذبحتها به) فيه جواز ذبيحة الحرة والأمة والذبح بكل جارح إلا السن والظفر فورد استثناؤهما كما سيأتي إن شاء الله تعالى في بابهما. (فقال لهم) كعب: (لا تأكلوا) منها شيئًا (حتى أسأل النبي) ولأبي ذر: رسول الله (¬ ﷺ أو) قال حتى (أرسل إلى النبي ﷺ من يسأله) عن ذلك شك الراوي (وأنه سأل النبي ﷺ عن ذاك) أي عن ذبح الشاة وفي نسخة عن ذلك باللام (أو أرسل) إلى النبي ﷺ من يسأله فسأله (فأمره) ﵊ (بأكلها. قال عبيد الله) بن عمر العمري راوي الحديث بالإسناد المذكور إليه (فيعجبني أنها أمة وأنها ذبحت). (تابعه) أي تابع المعتمر بن سليمان (عبدة) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة ابن سليمان الكوفي في روايته (عن عبيد الله) المذكور وهذه المتابعة وصلها المؤلّف ﵀ في كتاب الذبائح. وفي هذا الحديث تصديق الراعي والوكيل فيما ائتمن عليه حتى يظهر عليه دليل الخيانة والكذب. قال في عمدة القاري: وهو قول مالك وجماعة. وقال ابن القاسم: إذا خاف الموت على شاة فذبحها لم يضمن ويصدق إن جاء بها مذبوحة، وقال غيره: يضمن حتى يبين ما قال، وقال ابن القاسم: إذا أنزى على إناث الماشية بغير إذن مالكها فهلكت فلا ضمان عليه لأنه من صلاح المال ونمائه، وقال أشهب: عليه الضمان. ومطابقة الترجمة للحديث في مسألة الراعي لأن الجارية كانت راعية للغنم فلما رأت شاة منها تموت ذبحتها، ولما رفع أمرها إلى النبي ﷺ أمر بأكلها ولم ينكر على من ذبحها، وأما مسألة الوكيل فملحقة بها لأن يد كل من الراعي والوكيل يد أمانة فلا يعملان إلا بما فيه مصلحة ظاهرة ولا يمنع من ذلك كون الجارية كانت ملكًا لصاحب الغنم لأن الكلام في جواز الذبح الذي تضمنته الترجمة لا في الضمان. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الذبائح وكذا ابن ماجة. ٥ - باب وَكَالَةُ الشَّاهِدِ وَالْغَائِبِ جَائِزَةٌ وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو إِلَى قَهْرَمَانِهِ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ أَنْ يُزَكِّيَ عَنْ أَهْلِهِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ. هذا (باب) بالتنوين (وكالة الشاهد) أي الحاضر (والغائب جائزة وكتب عبد الله بن عمرو) هو ابن العاصي (إلى قهرمانه) بفتح القاف والراء بينهما هاء ساكنة خازنه القائم بقضاء حوائجه ولم يعرف اسمه (وهو) أي والحال أنه (غائب عنه) أي عن عبد الله (أن يزكي) بالزاي (عن أهله الصغير والكبير) زكاة الفطر. ٢٣٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سِنٌّ مِنَ الإِبِلِ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ فَقَالَ: أَعْطُوهُ، فَطَلَبُوا سِنَّهُ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلاَّ سِنًّا فَوْقَهَا، فَقَالَ: أَعْطُوهُ، فَقَالَ: أَوْفَيْتَنِي أَوْفَى اللَّهُ بِكَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً". [الحديث ٢٣٠٥ - أطرافه في: ٢٣٠٦، ٢٣٩٠، ٢٣٩٢، ٢٣٩٣، ٢٤٠١، ٢٦٠٦، ٢٦٠٩]. وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن سلمة) ولأبوي ذر والوقت: زيادة ابن كهيل بضم الكاف وفتح الهاء (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: كان لرجل على النبي ﷺ جمل) له (سن) معين (من الإبل فجاءه) أي جاء الرجل النبي ﷺ (يتقاضاه) أي يطلب أن يقضيه الجمل المذكور (فقال) ﵊: (أعطوه) بفتح الهمزة زاد في الباب اللاحق سنًّا مثل سنّه، وفيه جواز توكيل الحاضر بالبلد بغير عذر وهو مذهب الجمهور ومنعه أبو حنيفة إلا بعذر مرض أو سفر أو برضا الخصم، واستثنى مالك من بينه وبين الخصم عداوة. وهذا موضع الترجمة لأن هذا توكيد منه ﵊ لمن أمره بالقضاء عنه، ولم يكن ﵊ مريضًا ولا غائبًا، وأما قول الحافظ ابن حجر: وموضع الترجمة منه لوكالة الحاضر واضح وأما لغائب فيستفاد منه بطريق الأولى، فتعقبه العيني بأنه ليس فيه شيء يدل على حكم الغائب فضلاً عن الأولوية. وأجاب في انتقاض الاعتراض بأن وجه الأولوية أن وكالة الحاضر إذا جازت مع إمكان مباشرة الموكل بنفسه فجوازها للغائب مع الاحتياج إليه أولى فمن لا يدرك هذا القدر كيف يتصدى للاعتراض. (فطلبوا سنّه فلم يجدوا له إلا سنًّا فوقها) والمخاطب بذلك أبو رافع مولى رسول الله ﷺ كما أخرجه مسلم من حديثه (فقال) ﵊: (أعطوه فقال) الرجل له عليه

стр. 1603

الصلاة والسلام (أوفيتني) أي أعطيتني وافيًا (أوفى الله بك) وحرف الجر في المفعول زائد للتوكيد لأن الأصل أن يقول أوفاك الله (قال النبي ﷺ : إن خياركم أحسنكم قضاء) نصب على التمييز وأحسنكم خبر لقوله خياركم. لكن استشكل كون المبتدأ بلفظ الجمع والخبر بالإفراد والأصل التطابق بين المبتدأ والخبر في الإفراد وغيره. وأجيب: باحتمال أن يكون مفردًا بمعنى المختار وحينئذ فالمطابقة حاصلة أو أن أفعل التفضيل المضاف المقصود به الزيادة يجوز فيه الإفراد والمطابقة لمن هو له، والمراد الخيرية في المعاملات أو أن من مقدرة كما في الرواية الأخرى. وفي هذا الحديث رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، وأخرجه أيضًا في الاستقراض والوكالة والهبة ومسلم في البيوع وكذا الترمذي والنسائي، وأخرجه ابن ماجة في الأحكام. ٦ - باب الْوَكَالَةِ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ (باب) حكم (الوكالة في قضاء الدّيون). ٢٣٠٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً. ثُمَّ قَالَ: أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا نَجِدُ إِلاَّ أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ. فَقَالَ: أَعْطُوهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً". وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سلمة بن كهيل) الحضرمي الكوفي أنه (قال: سمعت أبا سلمة) عبد الله أو إسماعيل (بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني (عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً أتى النبي ﷺ ¬) حال كونه (يتقاضاه) أي يطلب منه قضاء دين وهو بعير له سنّ معين كما مرّ قريبًا، (فأغلظ) للنبي ﷺ لكونه كان يهوديًا أو كان مسلمًا وشدّد في المطالبة من غير قدر زائد يقتضي كفرًا بل جرى على عادة الأعراب من الجفاء في المخاطبة وهذا أولى، ويدل له ما رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق عن سفيان جاء أعرابي يتقاضى النبي ﷺ بعيرًا، ووقع في ترجمة بكر بن سهل من المعجم الأوسط للطبراني عن العرباض بن سارية ما يفهم أنه هو، لكن روى النسائي والحاكم الحديث المذكور وفيه ما يقتضي أنه غيره وكأن القصة وقعت للأعرابي ووقع للعرباض نحوها. (فهمّ به أصحابه) ﵊ و-﵃ أي أرادوا أن يؤذوا الرجل المذكور بالقول أو بالفعل لكنهم لم يفعلوا ذلك أدبًا معه ﵊ (فقال رسول الله ﷺ ¬): (دعوه) أي اتركوه ولا تتعرضوا له وهذا من حسن خلقه ﵊ وكرمه وقوّة صبره على الجفاة مع قدرته على الانتقام منهم (فإن لصاحب الحق مقالاً) أي صولة الطلب وقوّة الحجة لكنه على من يمطله أو يسيء المعاملة لكن مع رعاية الأدب المشروع (ثم قال) ﵊: (أعطوه سنًّا مثل سنّه قالوا يا رسول الله لا نجد) سنًّا (إلا أمثل) أي أفضل (من سنّه) وسقط في الفرع وأصله لا نجد فصار لفظه قالوا: يا رسول الله إلا أمثل من سنّه (فقال) ﵊ ولأبي الوقت قال: (أعطوه فإن خيركم) ولأبي ذر عن الكشميهني: فإن من خيركم (أحسنكم قضاء) ومطابقته للترجمة ظاهرة. ٧ - باب إِذَا وَهَبَ شَيْئًا لِوَكِيلٍ أَوْ شَفِيعِ قَوْمٍ جَازَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِوَفْدِ هَوَازِنَ حِينَ سَأَلُوهُ الْمَغَانِمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نَصِيبِي لَكُمْ. هذا (باب) بالتنوين (إذا وهب) أحد (شيئًا لوكيل) بالتنوين أي لوكيل قوم (أو) وهب شيئًا (شفيع قوم) وجواب الشرط قوله (جاز لقول النبي ﷺ لوفد هوازن) قبيلة من قيس والوفد قوم يجتمعون ويردون البلاد (حين سألوه) أن يردّ إليهم (المغانم) التي أصابها منهم (فقال النبي ﷺ نصيبي) منها (لكم) وهذا طرف من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي أخرجه ابن إسحاق في المغازي وظاهره كما قال ابن المنير: يوهم أن الموهبة وقعت للوسائط الذين جاؤوا شفعاء في قومهم وليس كذلك بل المقصود هبة لكل من غاب منهم ومن حضر فيدل على أن الألفاظ تنزل على المقاصد لا على الصور وأن من شفع لغيره في هبة فقال المشفوع عنده للشفيع: قد وهبتك ذلك فليس للشفيع أن يتعلق بظاهر اللفظ ويخص بذلك نفسه بل الهبة للمشفوع له. ٢٣٠٧ و ٢٣٠٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: وَزَعَمَ عُرْوَةُ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَىَّ أَصْدَقُهُ فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ. وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ -وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ- فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلاَّ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ. فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُمْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ، فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا". [الحديث ٢٣٠٧ - أطرافه في: ٢٥٣٩، ٢٥٨٤، ٢٦٠٧، ٣١٣١، ٤٣١٨، ٧١٧٦]. [الحديث ٢٣٠٨ - أطرافه في: ٢٥٤٠، ٢٥٨٣، ٢٦٠٨، ٣١٣٢، ٤٣١٩، ٧١٧٧]. وبه قال (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم العين المهملة وفتح الفاء اسم جده واسم أبيه كثير ونسبه لجده لشهرته به (قال: حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه

стр. 1604

(قال: وزعم عروة) بن الزبير بن العوّام والواو عطف على محذوف، وقول الحافظ ابن حجر أنه معطوف على قصة الحديبية لم أعرف له وجهًا فلينظر، والزعم هنا بمعنى القول المحقق كما قاله الكرماني، وفي كتاب الأحكام عن موسى بن عقبة قال ابن شهاب: حدّثني عروة بن الزبير (أن مروان بن الحكم) بن أبي العاص الأموي ابن عمّ عثمان بن عفان ﵁ ولد بعد الهجرة بسنتين أو بأربع. قال ابن أبي داود: لا ندري أسمع من النبي ﷺ شيئًا أم لا. قال في الإصابة: ولم ير من جزم بصحبته فكأنه لم يكن حينئذ مميزًا ولم يثبت له أزيد من الرؤية، وأرسل عن النبي ﷺ . (والمسور بن مخرمة) بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو ومخرمة بفتح الميم والراء بينهما خاء معجمة ساكنة ابن نوفل الزهري وكان مولده بعد الهجرة بسنتين فيما قاله يحيى بن بكير وقدم المدينة في ذي الحجة بعد الفتح سنة ثمان وهو ابن ست سنين. وقال البغوي: حفظ عن النبي ﷺ أحاديث وحديثه عن النبي ﷺ في خطبة عليّ لابنة أبي جهل في الصحيحين وغيرهما (أخبراه أن رسول الله ﷺ ¬) ظاهره أن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة حضرا ذلك، لكن مروان لا يصح له سماع من النبي ﷺ ولا صحبة، وأما المسور فقد صحّ سماعه منه لكنه إنما قدم مع أبيه وهو صغير بعد الفتح وكانت هذه القصة بعده لكنه كان في غزوة حنين مميزًا فقد ضبط في ذلك الأوان قصة خطبة عليّ لابنة أبي جهل (قام حين جاءه وفد هوازن) حال كونهم (مسلمين) وكان فيهم تسعة نفر من أشرافهم (فسألوه أن يردّ اليهم أموالهم وسبيهم) وعند الواقدي كان فيهم أبو برقان السعدي فقال: يا رسول الله إن في هذه الحظائر إلا أمهاتك وخالاتك وحواضنك ومرضعاتك فامنن علينا منّ الله عليك (فقال لهم رسول الله ﷺ ¬): (أحب الحديث إليّ أصدقه) رفع قوله أحب (فاختاروا) أن أردّ إليكم (احدى الطائفتين إما السبي وإما المال وقد) بالواو ولأبوي ذر والوقت: فقد (كنت استأنيت) بهمزة ساكنة لكن موضع الهمزة في الفرع سكون فقط من غير همز أي انتظرت (بكم) ولأبي ذر: بهم (وقد كان رسول الله ﷺ انتظرهم) ليحضروا (بضع عشرة ليلة) لم يقسم النبي وتركه بالجعرانة (حين قفل) بفتح القاف والفاء أي رجع (من الطائف) إلى الجعرانة فقسم الغنائم بها وكان توجه إلى الطائف فحاصرها ثم رجع عنها فجاءه وفد هوازن بعد ذلك فبيّن أنه أخّر القسم ليحضروا فأبطأوا، (فلما تبين لهم) ظهر لوفد هوازن (أن رسول الله ﷺ غير رادّ إليهم إلا إحدى الطائفتين) المال أو السبي (قالوا: فإنّا نختار سبينا) وفي مغازي ابن عقبة قالوا: خيّرتنا يا رسول الله بين المال والحسب فالحسب أحب إلينا ولا نتكلم في شاة ولا بعير، (فقام رسول الله ﷺ في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء) وفد هوازن (قد جاؤونا) حال كونهم (تائبين وإني قد رأيت أن أردّ إليهم سبيهم) هذا موضع الترجمة، لأن الوفد كانوا وكلاء شفعاء في ردّ سبيهم (فمن أحب منكم أن يطيب بذلك) بضم أوله وفتح الطاء وتشديد المثناة التحتية المكسورة مضارع طيب يطيب تطيبًا من باب التفعيل، ولأبي ذر: يطيب بفتح أوله وكسر ثانيه وسكون ثالثه من الثلاثي من طاب يطيب، والمعنى من أحب أن يطيب بدفع السبي إلى هوازن نفسه مجانًا من غير عوض (فليفعل) جواب من المتضمنة معنى الشرط فلذا دخلت الفاء فيه (ومن أحب منكم أن يكون على حظه) أي نصيبه من السبي (حتى نعطيه إياه) أي عوضه (من أول ما يفيء الله علينا فليفعل) بضم حرف المضارعة من أفاء يفيء والفيء ما يحصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد وأصل الفيء الرجوع كأنه كان في الأصل لهم فرجع إليهم

стр. 1605

ومنه قيل للظل الذي بعد الزوال فيء لأنه يرجع من جانب المغرب إلى جانب الشرق (فقال الناس: قد طيبنا ذلك) بتشديد التحتية أي جعلناه طيبًا من حيث كونهم رضوا بذلك وطابت نفوسهم به (لرسول الله) أي لأجله (¬ ﷺ لهم) ولأبي الوقت قد طيبنا ذلك يا رسول الله لهم وسقط لأبي ذر لفظة لهم (فقال رسول الله ﷺ : إنّا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفعوا) بالواو على لغة أكلوني البراغيث، وللكشميهني: حتى يرفع (إلينا عرفاؤكم أمركم) جمع عريف وهو الذي يعرف أمور القوم وهو النقيب ودون الرئيس، وأراد عليه الصلاة والسلام بذلك التقصي عن أمرهم استطابة لنفوسهم (فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم) في ذلك فطابت نفوسهم به (ثم رجعوا) أي العرفاء (إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم) أي القوم (قد طيبوا) ذلك (وأذنوا) لرسول الله ﷺ أن يردّ السبي إليهم، وفيه أنّ إقرار الوكيل عن موكله مقبول لأن العرفاء بمنزلة الوكلاء فيما أقيموا له من أمرهم، وبهذا قال أبو يوسف وقيده أبو حنيفة ومحمد بالحاكم، وقال الشافعية: لا يصح إقرار الوكيل عن موكله بأن يقول: وكّلتك لتقرّ عني لفلان بكذا فيقول الوكيل أقررت عنه بكذا أو جعلته مقرًّا بكذا لأنه إخبار عن حق فلا يقبل التوكيل كالشهادة لكن التوكيل فيه إقرار من الموكل لإشعاره بثبوت الحق عليه، وقيل ليس بإقرار كما أن التوكيل بالإبراء ليس بإبراء ومحل الخلاف إذا قال وكّلتك لتقرّ عني لفلان بكذا، فلو قال أقرّ عني لفلان بألف له علي كان إقرارًا مطلقًا، ولو قال أقرّ له عليّ بألف لم يكن إقرارًا قطعًا صرّح به صاحب التعجيز، وليس في الحديث حجة لجواز الإقرار في الوكيل لأن العرفاء ليسوا وكلاء، وإنما هم كالأمراء عليهم فقبول قولهم في حقهم بمنزلة قبول قول الحاكم في حق من هو حاكم عليه. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الخمس والمغازي والعتق والهبة والأحكام، وأخرجه أبو داود في الجهاد والنسائي في السير بقصة العرفاء مختصرًا. ٨ - باب إِذَا وَكَّلَ رَجُلٌ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ يُعْطِي، فَأَعْطَى عَلَى مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا وكّل رجل) زاد أبو ذر: رجلاً (أن يعطي) شخصًا (شيئًا ولم يبين) الموكل (كم يعطي فأعطى) أي الوكيل ذلك الشخص (على ما يتعارفه الناس) أي في هذه الصورة فهو جائز. ٢٣٠٩ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَغَيْرِهِ -يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَمْ يُبَلِّغْهُ كُلُّهُمْ، رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ- عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ إِنَّمَا هُوَ فِي آخِرِ الْقَوْمِ، فَمَرَّ بِي النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: مَا لَكَ؟ قُلْتُ: إِنِّي عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ. قَالَ: أَمَعَكَ قَضِيبٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَعْطِنِيهِ، فَأَعْطَيْتُهُ فَضَرَبَهُ فَزَجَرَهُ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ مِنْ أَوَّلِ الْقَوْمِ. قَالَ: بِعْنِيهِ، قُلْتُ: بَلْ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: بِعْنِيهِ قَدْ أَخَذْتُهُ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ. فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ أَخَذْتُ أَرْتَحِلُ، قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً قَدْ خَلَا مِنْهَا. قَالَ: فَهَلاَّ جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ قُلْتُ: إِنَّ أَبِي تُوُفِّيَ وَتَرَكَ بَنَاتٍ فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْكِحَ امْرَأَةً قَدْ جَرَّبَتْ خَلَا مِنْهَا. قَالَ: فَذَلِكَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ قَالَ: يَا بِلَالُ اقْضِهِ وَزِدْهُ. فَأَعْطَاهُ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ وَزَادَهُ قِيرَاطًا. قَالَ جَابِرٌ: لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يَكُنِ الْقِيرَاطُ يُفَارِقُ جِرَابَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ". وبه قال: (حدّثنا المكي بن إبراهيم) بن بشير التميمي البلخي أبو السكن قال: (حدّثنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن عطاء بن أبي رباح) بفتح الراء والموحدة وبعد الألف حاء مهملة (وغيره) بالجر عطفًا على سابقه حال كون الغير (يزيد بعضهم على بعض) أي ليس جميع الحديث عند واحد منهم بعينه بل عند بعضهم ما ليس عند الآخر (و) الحال أنه (لم يبلغه) بضم أوله وفتح ثانيه وكسر ثالثه مشددًا أي لم يبلغ الحديث (كلهم) بل بلغه (رجل واحد منهم عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄). قال في الفتح: وقد وقفت من تسمية من روى ابن جريج عنه هذا الحديث عن جابر على أبي الزبير، وقد تقدم في الحج شيء من ذلك. وتعقبه العيني بأنه ليس في الحج شيء من ذلك وإنما الذي تقدم في كتاب البيوع في باب شراء الدواب والحمير، وأجاب في انتقاض الاعتراض بأن العيني ظن أن المراد قصة جمل جابر وليس كذلك، وإنما المراد اللفظ الواقع في السند الذي وقع الاختلاف فيه فإنه قد تقدم في الحج بمتن آخر يتعلق بالحج قال: ولكن هذا المعترض يهجم بالإنكار قبل أن يتأمل انتهى. وكذا قال في المقدمة في كتاب الوكالة أنه أبو الزبير وإنه تقدم في الحج وقد استوعبت ما ذكره في المقدمة في الحج فلم أجد لذلك ذكرًا فالله أعلم. (قال) أي جابر (كنت مع النبي ﷺ في سفر) في غزوة الفتح كما مرّ في البيع (فكنت) راكبًا (على جمل ثفال) بمثلثة مفتوحة وكسرها هنا خطأ ففاء خفيفة فألف غلام صفة الجمل أي بطيء السير (إنما هو في آخر القوم فمرّ بي النبي ﷺ فقال): (من هذا)؟ المتأخر عن الناس (فقلت: جابر بن عبد الله قال) عليه الصلاة

стр. 1606

والسلام (ما لك) تأخرت (قلت: إني على جمل ثقال. قال): ﵊ (أمعك قضيب؟ قلت: نعم، قال: أعطنيه فأعطيته فضربه) به (فزجره فكان) الجمل (من ذلك المكان) الذي ضربه ﵊ فيه (من أول القوم) ببركته ﵊ حيث تبدّل ضعفه بالقوة (قال) ﷺ (بعنيه) أي الجمل (قلت): ولأبي ذر: قال بدل فقلت (بل هو لك يا رسول الله) عطية من غير ثمن (قال بعنيه) بالثمن ولأبي ذر قال بل بعنيه (قد أخذته) وللكشميهني قال قد أخذته (بأربعة دنانير) وفي البيع فاشتراه مني بأوقية فتحمل أربعة الدنانير على أنها كانت يومئذ أوقية، وقد اختلفت الروايات في قدر الثمن الذي وقع به البيع واضطربت في ذلك اضطرابًا لا يقبل التلفيق وتكلف الجمع بينها بعيد عن التحقيق وقد تقدم شيء من مباحث ذلك في البيع قال العيني: وبل للإضراب عن قول جابر خذه بلا ثمن (ولك ظهره) أي ركوبه (إلى المدينة) إعارة (فلما دنونا) قربنا (من المدينة أخذت أرتحل قال) ﵊: (أين تريد؟ قلت تزوجت امرأة) اسمها سيهلة (قد خلا منها) أي ذهب منها بعض شبابها ومضى من عمرها ما جربت به الأمور. قال القاضي عياض: ورواه بعضهم بالمدّ فصحف قاله في المصابيح كالتنقيح وفي نسخة قد خلا منها زوجها أي مات وعليها شرح العيني كالكرماني. (قال) ﵊: (فهلا) تزوّجت (جارية) بكرًا (تلاعبها وتلاعبك) وفي رواية: فهلا تزوّجت بكرًا تضاحكك وتضاحكها وتلاعبك وتلاعبها (قلت: إن أبي) عبد الله (توفي وترك بنات) كن تسعًا كما في مسلم ولم يسمين (فأردت أن أنكح امرأة) بفتح الهمزة (قد جربت) حوادث الدهر وصارت ذات تجربة تقدر على تعهّد أخواتي وتفقّد أحوالهن (قد خلا منها) بعض شبابها أو مات زوجها كما مرّ (قال) ﵊: (فذلك) مبتدأ حذف خبره تقديره مبارك ونحوه. (فلما قدمنا المدينة قال)، ﷺ (يا بلال اقضه) ثمن جمله (وزده) على ثمنه (فأعطاه) أي أعطى بلال جابرًا (أربعة دنانير) ثمن الجمل (وزاده قيراطًا). وهذا موضع الترجمة فإنه لم يذكر قدر ما يعطيه عند أمره بإعطاء الزيادة فاعتمد بلال على العرف في ذلك فزاده قيراطًا. (قال جابر: لا تفارقني زيادة رسول الله ﷺ ¬) قال عطاء: (فلم يكن القيراط يفارق جراب جابر بن عبد الله) بكسر الجيم من جراب، ولأبي ذر عن الكشميهني، وعزاها في فتح الباري، لأبي ذر والنسفيّ: قراب بكسر القاف أي قراب سيفه، وقد زاد مسلم في آخر هذا الحديث من وجه آخر فأخذه أهل الشام يوم الحرّة. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الشروط ومسلم في البيوع. ٩ - باب وَكَالَةِ الْمَرْأَةِ الإِمَامَ فِي النِّكَاحِ (باب وكالة الامرأة) بهمزة مكسورة بعد اللام الساكنة فميم ساكنة فراء مفتوحة، ولأبي ذر: المرأة أي حكم توكيل المرأة (الإمام) بالنصب على المفعولية (في) عقد (النكاح). ٢٣١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: "جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ لَكَ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا. قَالَ: قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ". [الحديث ٢٣١٠ - أطرافه في: ٥٠٢٩، ٥٠٣٠، ٥٠٨٧، ٥١٢١، ٥١٢٦، ٥١٣٢، ٥١٣٥، ٥١٤١، ٥١٤٩، ٥١٥٠، ٥٨٧١، ٧٤١٧]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار الأعرج (عن سهل بن سعد) بسكون الهاء في الأول والعين في الثاني ابن مالك الأنصاري الساعدي أنه (قال: جاءت امرأة) لم تسمّ. قال الحافظ ابن حجر: ووهم من زعم أنها أم شريك (إلى رسول الله ﷺ ¬) وهو في المسجد (فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت لك من نفسي) بزيادة من للتوكيد. واستشكل بأنهم اشترطوا للزيادة ثلاثة شروط. أحدها: تقدم نفي أو نهي أو استفهام بهل نحو: ﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها﴾ [الأنعام: ٥٩] ونحو: إلا يقم من أحد ونحو ﴿فارجع البصر هل ترى من فطور﴾ [الملك: ٣]. الثاني: تنكير مجرورها. الثالث: كونه فاعلاً أو مفعولاً به أو مبتدأ والشرطان الأولان مفقودان هنا. وأجيب: بأن الأخفش لم يشترطهما مستدلاً بنحو ﴿ولقد جاءك من نبأ المرسلين﴾ [الأنعام: ٣٤] ﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾ [نوح: ٤] ﴿يحلون فيها من أساور﴾ [الكهف: ٣١] وكذا لم يشترط الكوفيون الأول. وقال العيني كالكرماني: ويروى وهبت لك نفسي بدون كلمة من انتهى.

стр. 1607

وفي الفرع علامة السقوط لأبوي ذر والوقت على قولها لك فالله أعلم. وفي قولها: قد وهبت لك نفسي حذف مضاف تقديره أمر نفسي أو نحوه وإلاّ فالحقيقة غير مرادة لأن رقبة الحرّ لا تملك فكأنها قالت: أتزوّجك من غير عوض، (فقال رجل): لم يسمّ نعم في رواية معمر والثوري عند الطبراني فقام رجل أحسبه من الأنصار وفي رواية زائدة عنده فقال رجل من الأنصار (زوّجنيها) زاد في باب السلطان ولي من كتاب النكاح إن لم يكن لك بها حاجة قال: هل عندك من شيء تصدقها؟ قال: ما عندي إلا إزاري. فقال: إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك. قال فالتمس شيئًا قال: ما أجد شيئًا؟ فقال التمس ولو خاتمًا من حديد فلم يجد. قال: أمعك من القرآن شيء؟ قال: نعم سورة كذا وسورة كذا السور سماها (قال) ﵊: (قد زوّجناكها بما معك من القرآن) الباء للتعويض كهي في نحو بعتك العبد بألف فظاهره جواز كون الصداق تعليم القرآن وليست هي للسبب أي لأجل ما معك من القرآن، وفي رواية مسلم اذهب فعلمها من القرآن وفي أخرى له علّمها عشرين آية ويحتج به من يجيز في الصداق أن يكون منافع، ومنعه أبو حنيفة في الحر وأجازه في العبد، وذهب الطحاوي وغيره إلى أن الباء للسبب وأن ذلك جائز له دون غيره لأنه لما جازت له الموهوبة جاز له أن يهبها ولذلك ملكها له ولم يشاورها وهذا يحتاج إلى دليل. ولئن سلمنا أنها للسبب فقد يكون الصداق مسكوتًا عنه لأنه أصدق عنه كما كفر عن الذي وطئ في رمضان إذ لم يكن عنده شيء أو أنكحه إياها نكاح تفويض وأبقى الصداق في ذمته حتى يكتسبه ويكون قوله بما معك من القرآن حضًّا له على تعلمه وتكرمه لأهله، وقد تعقب الداودي المصنف بأنه ليس في الحديث ما ترجم له فإنه لم يذكر فيه أنه ﷺ استأذنها ولا أنها وكّلته وإنما زوّجها للرجل بقول الله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ [الأحزاب: ٦] انتهى. قال في فتح الباري: وكأن المصنف أخذ ذلك من قولها قد وهبت نفسي لك ففوّضت أمرها إليه، وقال الذي خطبها زوّجنيها إن لم يكن لك بها حاجة فلم تنكر هي ذلك بل استمرّت على الرضا فكأنها فوّضت أمرها إليه بتزويجها أو يزوّجها لمن رأى. وفي حديث أبي هريرة عند النسائي وأبي داود أن النبي ﷺ قال للمرأة: "إني أريد أن أزوجك هذا إن رضيت" فقالت: ما رضيت ليس فقد رضيت. ولم يرد أن الرجل قال بعد قوله ﵊: "زوّجتكها" قبلت نكاحها. وأجاب المهلب بأن بساط الكلام في هذه القصة أغنى عن القبول لما تقدم من الطلب والمعاودة في ذلك فمن كان في مثل حال هذا الرجل الراغب لم يحتج إلى تصريح منه بالقبول لسبق العلم برغبته بخلاف غيره ممن لم تقم القرائن على رضاه انتهى فليتأمل. ومباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في محالها بعون الله وقوّته. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في التوحيد والنكاح، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي في النكاح وابن ماجه فيه وفي فضائل القرآن. ١٠ - باب إِذَا وَكَّلَ رَجُلاً فَتَرَكَ الْوَكِيلُ شَيْئًا فَأَجَازَهُ الْمُوَكِّلُ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ أَقْرَضَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى جَازَ هذا (باب) بالتنوين (إذا وكل) رجل (رجلاً) بحذف الفاعل وفي نسخة إذا وكّل رجل بحذف المفعول (فترك الوكيل شيئًا) مما وكّل فيه (فأجازه) وفي نسخة: فأجابه (الموكل فهو جائز وإن أقرضه) أي وإن أقرض الوكيل شيئًا مما وكلّ فيه (إلى أجل مسمى جاز) أي إذا أجازه الموكل. ٢٣١١ - وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو عَمْرٍو حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَىَّ عِيَالٌ، وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ. قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ. فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالاً، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ. فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَىَّ عِيَالٌ، لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالاً، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ. فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ. قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا. قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: مَا هِيَ؟ قُلْتُ: قَالَ لِي إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، وَكَانُوا أَحْرَصَ شَىْءٍ عَلَى الْخَيْرِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: ذَاكَ شَيْطَانٌ". [الحديث ٢٣١١ - طرفاه في: ٣٢٧٥، ٥٠١٠]. (وقال عثمان بن الهيثم) بفتح الهاء والمثلثة بينهما تحتية ساكنة آخره ميم (أبو عمرو) المؤذن وقد ساقه المؤلّف من غير أن يصرح بالتحديث، وكذا ذكره في قصة إبليس وفضائل القرآن لكن مختصرًا ووصله النسائي والإسماعيلي وأبو نعيم من طرق إلى عثمان هذا قال: (حدّثنا عوف) بالفاء ابن أبي جميلة بالجيم المفتوحة الأعرابي العبدي البصري رمي بالقدر والتشيع لكن احتج به الجماعة وهو من صغار التابعين (عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: وكّلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة) الفطر

стр. 1608

من (رمضان فأتاني آتٍ) كقاضٍ (فجعل يحثو) بحاء مهملة ومثلثة أي يأخذ بكفّيه (من الطعام). وفي رواية أبي المتوكل عن أبي هريرة عند النسائي أنه كان على تمر الصدقة فوجد أثر كفّ قد أخذ منه، ولابن الضريس من هذا الوجه فإذا التمر قد أخذ منه ملء كفّ (فأخذته) أي الذي حثا من الطعام، وزاد في رواية أبي المتوكل أن أبا هريرة شكا إلى رسول الله ﷺ أوّلاً فقال له: إن أردت أن تأخذه فقل سبحان من سخرك لمحمد. قال فقلتها فإذا أنا به قائم بين يدي فأخذته (وقلت والله لأرفعنّك) من رفع الخصم إلى الحاكم أي لأذهبن بك (إلى رسول الله ﷺ ¬) ليحكم عليك بقطع اليد لأنك سارق، وسقط قوله: والله في رواية أبي ذر (قال: إني محتاج) لما آخذه (وعليّ عيال) أي نفقة عيال أو "عليّ" بمعنى "لي" وفي رواية أبي المتوكل فقال إنما أخذته لأهل بيت فقراء من الجن (ولي) وللكشميهني وبي بالموحدة بدل اللام (حاجة شديدة. قال) أبو هريرة (فخلّيت عنه فأصبحت فقال النبي ﷺ ¬) لما أتيته: (يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة)؟ سمي أسيرًا لأنه كان ربطه بسير لأن عادة العرب يربطون الأسير بالقدّ. قال الداودي: وفيه اطّلاعه ﷺ على المغيبات وفي حديث معاذ بن جبل عند الطبراني أن جبريل جاء إلى النبي ﷺ فأعلمه بذلك (قال) أبو هريرة (قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله قال) ﷺ : (أما) بالتخفيف حرف استفتاح (إنه) بكسر الهمزة وفتحها في اليونينية والفتح على جعل أما بمعنى حقًّا (قد كذبك) بتخفيف الذال في قوله إنه محتاج (وسيعود) إلى الأخذ (فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ إنه سيعود فرصدته) أي ترقبته (فجاء) ولأبي ذر عن الحموي فجعل بدل فجاء (يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ قال: دعني فإني محتاج) للأخذ (وعليّ عيال لا أعود فرحمته فخلّيت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ ¬) بإثبات لي هنا وإسقاطها في السابق والتعبير بالنبي بدل الرسول: (يا أبا هريرة ما فعل أسيرك)؟ سقط هنا قوله في السابق البارحة (قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله قال) ﵊ (أما أنه) بالتخفيف وكسر الهمزة وفتحها (قد كذبك وسيعود) لم يقال هنا فعرفت أنه سيعود الخ (فرصدته) المرة (الثالثة فجاء) ولأبي ذر عن الحموي: فجعل (يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ وهذا آخر ثلاث مرات أنك) بفتح الهمزة (تزعم لا تعود) صفة لثلاث مرات على أن كل مرة موصوفة بهذا القول الباطل ولأبي ذر إنك بكسر الهمزة وفي نسخة مقروءة على الميدومي إنك تزعم أنك لا تعود (ثم تعود. قال: دعني) وفي رواية أبي المتوكل: خل عني (أعلمك) بالجزم (كلمات) نصب بالكسرة (ينفعك الله بها) بجزم ينفعك. قال الطيبي: وهو مطلق لم يعلم منه أي النفع فيحمل على المقيد في حديث علي عن رسول الله ﷺ من قرأها يعني آية الكرسي حين يأخذ مضجعه آمنه الله تعالى على داره ودار جاره وأهل دويرات حوله رواه البيهقي في شعب الإيمان انتهى. وفي رواية أبي المتوكل إذا قلتهن لم يقربك ذكر ولا أنثى من الجن (قلت: ما هو) أي الكلام وللحموي والمستملي ما هن أي الكلمات (قال: إذا أويت) أتيت (إلى فراشك) للنوم وأخذت مضجعك (فاقرأ آية الكرسي (لا إله إلاّ هو الحيّ القيوم﴾ حتى تختم الآية) [البقرة: ٢٥٥] زاد معاذ بن جبل في روايته عند الطبراني وخاتمة سورة البقرة آمن الرسول إلى آخرها (فإنك لن يزال عليك من الله) أي من عند الله أو من جهة أمر الله أو من قدرته أو من بأس الله ونقمته (حافظ) يحفظك (ولا يقربنك) بفتح الراء والموحدة ونون التوكيد الثقيلة كذا في اليونينية وفي غيرها ولا يقربك بإسقاط النون ونصب الموحدة عطفًا على السابق المنصوب بلن (شيطان) وفي

стр. 1609

نسخة الشيطان (حتى تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ ¬): (ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت) ولأبي الوقت: فقلت (يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال) ﵊ (ما هي) الكلمات (قلت) ولأبي الوقت قال بدل قلت (قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أوّلها حتى تختم) زاد أبو ذر: الآية (﴿الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم﴾) [البقرة: ٢٥٥] (وقال لي لمن يزال) وللكشميهني: لم يزل (عليك من الله حافظ) وسقط قوله لي من رواية أبي ذر (ولا يقربك شيطان) بفتح الراء والموحدة ولأبي ذر: ولا يقربك بضم الموحدة من غير نون فيهما كذا في الفرع وأصله. قال البرماوي كالكرماني بعد أن ذكرا فتح الراء والموحدة وأصله يقربنك بالنون المؤكدة. قال في المصابيح: لا أدري ما دعاه إلى ارتكاب مثل هذا الأمر الضعيف مع ظهور الصواب في خلافه وذلك أنه قال فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فعندنا فعل منصوب بلن وهو قوله يزال والآخر من يقربك منصوب بالعطف على المنصوب المتقدم ولا زائدة لتأكيد النفي مثلها في قولك: لمن يقوم زيد ولا يضحك وأجريناهاعلى طريقتهم في إطلاق الزيادة على لا هذه وإن كان التحقيق أنها ليست بزائدة دائمًا ألا ترى أنه إذا قيل ما جاءني زيد وعمرو، احتمل نفي مجيء كلٍّ منهما على كل حال ونفي اجتماعهما في المجيء فإذا جيء بلا كان الكلام نصًّا في المعنى الأول. نعم هي زائدة في مثل قولك لا يستوي زيد ولا عمرو انتهى. ولأبي ذر: ولا يقربك الشيطان (حتى تصبح وكانوا) أي الصحابة (أحرص شيء على) تعلم (الخير) وفعله وكان الأصل أن يقول وكنا لكنه على طريق الالتفات وقيل هو مدرج من كلام بعض رواته، وبالجملة فهو مسوق للاعتذار عن تخلية سبيله بعد المرة الثالثة حرصًا على تعلّم ما ينفع (فقال النبي ﷺ أما إنه) بالتخفيف وفتح الهمزة وكسرها كما مرّ (قد صدقك) بتخفيف الدال في نفع آية الكرسي، ولما أثبت له الصدق أوهم المدح فاستدركه بصيغة تفيد المبالغة في الذم بقوله (وهو كذوب) وفي حديث معاذ بن جبل صدق الخبيث وهو كذوب (تعلم من تخاطب منذ) بالنون، وللحموي والمستملي: مذ (ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة؟ قال لا) أعلم (قال) ﵊: (ذاك شيطان) من الشياطين. قال في شرح المشكاة ونكر لفظ الشيطان بعد سبق ذكره منكرًا في قوله: لا يقربك شيطان ليؤذن بأن الثاني غير الأوّل، وأن الأول مطلق شائع في جنسه، والثاني فرد من أفراد ذلك الجنس، فلو عرف لأوهم المقصود لأنه إما أن يشار إلى السابق أو إلى المعروف والمشهور بين الناس وكلاهما غير مراد، وكان من الظاهر أن يقال شيطانًا بالنصب لأن السؤال في قوله من تخاطب عن المفعول فعدل إلى الجملة الاسمية وشخصه باسم الإشارة لمزيد التعيين ودوام الاحتراز عن كيده ومكره. فإن قلت: قد سبق في الصلاة أنه ﷺ قال: "إن شيطانًا تفلت عليّ البارحة" الحديث. وفيه "ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطًا بسارية". وفي حديث الباب أن أبا هريرة أمسك الشيطان الذي رآه. أجيب: باحتمال أن الذي همّ به النبي ﷺ أن يوثقه رأس الشياطين الذي يلزم من التمكن منه التمكن من الشياطين فيضاهي حينئذٍ سليمان في تسخيرهم، والمراد بالشيطان في حديث أبي هريرة هذا شيطانه بخصوصه أو غيره في الجملة فلا يلزم من تمكه منه استتباع غيره من الشياطين في ذلك التمكّن أو الشيطان الذي همّ به النبي ﷺ تبدّى له في صفته التي خلق عليها، وكذلك كانوا في خدمة سليمان ﵊ على هيئتهم، والذي تبدّى لأبي هريرة في حديث الباب كان على هيئة الآدميين فلم يكن في إمساكه مضاهاة لملك سليمان، وقد وقع لأُبيّ بن كعب عند النسائي وأبي أيوب الأنصاري عند الترمذي وأبي أسيد الأنصاري عند الطبراني وزيد بن

стр. 1610

ثابت عند ابن أبي الدنيا قصص في ذلك إلاّ أنه ليس فيها ما يشبه قصة أبي هريرة إلا قصة معاذ وهو محمول على التعدّد. وموضع الترجمة قوله: فخليت سبيله لأن أبا هريرة ترك الرجل الذي حثا الطعام لما شكا الحاجة فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فأجازه. قال الزركشي كغيره: وفيه نظر لأن أبا هريرة لم يكن وكيلاً بالعطاء بل بالحفظ خاصة. قال في المصابيح: النظر ساقط لأن المقصود انطباق الترجمة على الحديث وهي كذلك لأن أبا هريرة وإن لم يكن وكيلاً في الإعطاء فهو وكيل في الجملة ضرورة أنه وكيل بحفظ الزكاة وقد ترك مما وكل بحفظه شيئًا، وأجاز ﵊ فعله فقد طابقته الترجمة قطعًا نعم في أخذ إقراض الوكيل إلى أجل مسمى من هذا الحديث نظر، وقد قرر بعضهم وجه الأخذ بأن أبا هريرة لما ترك السارق الذي حثا من الطعام كان ذلك الأجل ولا يخفى ما في ذلك من التكلف والضعف. ١١ - باب إِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ شَيْئًا فَاسِدًا فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ هذا (باب) بالتنوين (إذا باع الوكيل شيئًا) مما وكل فيه بيعًا (فاسدًا فبيعه مردود) يعني يُردّ. ٢٣١٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - هُوَ ابْنُ سَلاَّمٍ - عَنْ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ: "جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ قَالَ بِلَالٌ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِيطْعِمَ النَّبِيَّ ﷺ . فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: أَوَّهْ أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ". وبه قال: (حدّثنا إسحاق) هو ابن راهويه كما جزم به أبو نعيم أو ابن منصور كما جزم به أبو علي الجياني لأن مسلمًا أخرج هذا الحديث بعينه عن إسحاق بن منصور، لكن قال في الفتح وليس ذلك بلازم قال: (حدّثنا يحيى بن صالح) الوحاظي قال: (حدّثنا معاوية هو ابن سلام) بتشديد اللام (عن يحيى) بن أبي كثير أنه (قال: سمعت عقبة بن عبد الغافر) العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالذال المعجمة (أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁ قال جاء بلال) المؤذن (إلى النبي ﷺ بتمر برنيّ) بفتح الموحدة وسكون الراء وكسر النون وتشديد التحتية. قال في الصحاح: ضرب من التمر. قال الراجز: المطعمان اللحم بالعشج … وبالغداة فلق البرنجّ فأبدل من الياء جيمًا، وزاد في المحكم أنه أصفر مدوّر وهو أجود التمر، وفي مسند أحمد مرفوعًا: خير تمركم البرني يذهب الداء (فقال له النبي ﷺ ¬): (من أين هذا) التمر البرني (قال بلال: كان عندنا) وللحموي والمستملي: عندي (تمر رديّ) بتشديد المثناة التحتية في الفرع وأصله وفي غيره رديء بالهمزة على وزن فعيل على الأصل من ردؤ الشيء يردؤ رداءة فهو رديء أي فاسد وأردأته أفسدته قاله الجوهري فخفف بقلب الهمزة ياء لانكسار ما قبلها وأدغمت الياء في الياء فصار رديّ بتشديد الياء كما مرّ (فبعت منه صاعين بصاع ليطعم) بلال (النبي ﷺ ¬) كذا في الفرع وأصله ليطعم بضم المثناة التحتية وكسر العين، وفي بعض الأصول لنطعم بالنون بدل التحتية والنبي نصب على الروايتين على المفعولية. قال العيني كابن حجر: وهذه رواية أبي ذر وغيره ليطعم بفتح التحتية والعين من طعم يطعم والنبي رفع به، وقول البرماوي كالكرماني: وفي بعضها المطعم بالميم أي مفتوحة كالعين والنبي خفض بالإضافة لم أقف عليه في شيء من نسخ البخاري. نعم هو في صحيح مسلم كذلك. (فقال النبي ﷺ عند ذلك) القول الصادر من بلال (أوّه أوّه) هذا (عين الربا) هذا (عين الربا لا تفعل) بتكرير كلٍّ من عين الربا وأوّه مرتين وأوّه بفتح الهمزة وتشديد الواو وسكون الهاء بمعنى التحزّن. قال السفاقسي: وإنما تأوّه ليكون أبلغ في الزجر وقاله، إما للتألم من هذا الفعل وإما من سوء الفهم زاد مسلم من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد في نحو هذه القصة فردّوه، ومعلوم أن بيع الربا مما يجب ردّه (ولكن إذا أردت أن تشتري) التمر الجيد (فبع التمر) الرديء (ببيع آخر ثم اشتر) الجيد (به) أي بثمن الرديء حتى لا تقع في الربا، ولغير أبي ذر: ثم اشتره أي التمر الجيد. وهذا الحديث أخرجه مسلم في البيوع وكذا النسائي. ١٢ - باب الْوَكَالَةِ فِي الْوَقْفِ وَنَفَقَتِهِ، وَأَنْ يُطْعِمَ صَدِيقًا لَهُ وَيَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ (باب الوكالة في الوقف ونفقته) أي الوكيل (وأن يطعم صديقًا له ويأكل بالمعروف) أي وإطعام الوكيل صديقه وأكله بما يتعارفه الوكلاء فيه لأنه حبس نفسه لتصرف موكله والقيام بأمره قياسًا على وليّ اليتيم.

стр. 1611

٢٣١٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، قَالَ فِي صَدَقَةِ عُمَرَ ﵁: "لَيْسَ عَلَى الْوَلِيِّ جُنَاحٌ أَنْ يَأْكُلَ وَيُؤْكِلَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالاً. فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ هُوَ يَلِي صَدَقَةَ عُمَرَ، يُهْدِي لِلنَّاسِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ". [الحديث ٢٣١٣ - أطرافه في: ٢٧٣٧، ٢٧٦٤، ٢٧٧٢، ٢٧٧٣، ٢٧٧٧]. وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) بكسر العين قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار أنه (قال في صدقة عمر) بن الخطاب (﵁) لم يدرك ابن دينار عمر فهو مرسل غير موصول. وقال الحافظ ابن حجر: قوله في صدقة عمر أي في روايته لها عن ابن عمر كما جزم بذلك المزي في الأطراف ويوضحه رواية الإسماعيلي من طريق ابن أبي عمر عن سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عمر، وتعقبه العيني: بأن المزي لم يذكر هذا في الأطراف أصلاً وإنما قال بعد العلامة بحرف الخاء المعجمة حديث عمرو بن دينار إلى آخر ما ذكره البخاري ثم قال موقوف، ثم قال العيني: والتقدير الذي قدّره هذا القائل يعني ابن حجر خلاف الأصل ولا ثمة داعٍ يدعوه إلى ذلك قال: وأما قوله ويوضحه رواية الإسماعيلي الخ … فلا يستلزم ما ذكره من التقدير المذكور بالتعسف انتهى. - قال في الانتقاض: وما نفاه عن المزي هو المدعى وهو أنه جزم أن المروي في هذا الأثر بهذا السند كلام ابن عمر فهو الذي عبّر المزي عنه بقوله موقوف، ومن لا يدري بأن معنى قول المحدث موقوف أن الصحابيّ لا يصرح بنسبته إلى النبي ﷺ مثل ما في هذا الطريق فما باله والاعتراض على أهل الفن بكلام غير أهل الفن. وصدقة مضاف لعمر في الفرع وغيره مما وقفت عليه من الأصول، لكن قال الكرماني في صدقة بالتنوين عمر بالرفع فاعل وفي بعضها بالإضافة وفي بعضها عمرو بالواو فالقائل هو ابن دينار أي قال ابن دينار في الوقف العمري ذلك (ليس على الولي) الذي يتولى أمر الوقف (جناح) إثم (أن يأكل) منه (ويؤكل) منه (صديقًا) زاد أبو ذر له أي للولي وهو في محل نصب صفة لصديقًا حال كونه (غير متأثل) بميم مضمومة فمثناة فوقية مفتوحة وبعد الهمزة مثلثة مشددة مكسورة أي غير جامع (مالاً فكان ابن عمر) ﵄. قال ابن حجر: هو موصول بالإسناد المذكور كما هو في رواية الإسماعيلي. قال العيني: قد صرّح الكرماني بأنه مرسل فكيف يكون المعطوف على المرسل موصولاً انتهى. قال في الانتقاض مجيبًا عن هذا الاعتراض ليس بينهما مانعية جمع (هو يلي صدقة عمر يهدي للناس) بضم أوله من الرباعي من صدقة عمر ولأبي ذر: لناس (من أهل مكة) هم آل عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العاصي (كان) ابن عمر (ينزل عليهم) أي على الناس، وإنما كان ابن عمر يهدي منه أخذًا بالشرط المذكور وهو أن يؤكل صديقًا له أو من نصيبه الذي جعل له أن يأكل منه بالمعروف فكان يوفره ليهدي لأصحابه منه. ١٣ - باب الْوَكَالَةِ فِي الْحُدُودِ (باب) جواز (الوكالة في الحدود) كسائر الحقوق بل يتعين التوكيل في قصاص الطرف وحد القذف كما سيأتي في موضعهما إن شاء الله تعالى. ٢٣١٤ و ٢٣١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا». [الحديث ٢٣١٤ - أطرافه في: ٢٦٤٩، ٢٦٩٦، ٢٧٢٥، ٦٦٣٤، ٦٨٢٨، ٦٨٣١، ٦٨٤٣، ٦٨٦٠، ٧١٩٤، ٧٢٥٩، ٧٢٧٩]. [الحديث ٢٣١٥ - أطرافه في: ٢٦٩٥، ٢٧٢٤، ٦٦٣٣، ٦٨٢٧، ٦٨٣٣، ٦٨٣٥، ٦٨٤٢، ٦٨٥٩، ٧١٩٣، ٧٢٥٨، ٧٢٦٠، ٧٢٧٨]. وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (أخبرنا) ولأبي الوقت: حدّثنا (الليث) بن سعد الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بالتصغير، ولأبي ذر زيادة ابن عبد الله أي ابن عتبة (عن زيد بن خالد) الجهني الصحابي (وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (واغد يا أنيس) بصيغة التصغير ابن الضحاك الأسلمي واغد أمر من غدا بالغين المعجمة أي اذهب وهو عطف على شيء سبق وساقه هنا مقتصرًا على القدر المحتاج إليه، ولفظه كما أخرجه في باب الاعتراف بالزنا في كتاب المحاربين: كنا عند النبي ﷺ فقام رجل فقال أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه وكان أفقه منه فقال: اقضِ بيننا بكتاب الله وائذن لي قال: قل قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم ثم سألت رجالاً من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وعلى امرأته الرجم، فقال النبي ﷺ . "والذي نفسي ييده لأقضيّن بينكما بكتاب الله المائة شاة والخادم ردّ عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس" (على) وللكشميهني: إلى (امرأة هذا فإن اعترفت) بالزنا (فارجمها) وإنما خصّه من بين الصحابة قصدًا إلى

стр. 1612

أنه لا يؤمّر في القبيلة إلا رجل منهم لنفورهم عن حكم غيرهم وكانت المرآة أسلمية. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في النذور والمحاربين والصلح والأحكام والشروط والاعتصام وخبر الواحد والشهادات، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة في الحدود والنسائي في القضاء والرجم والشروط. ٢٣١٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: "جِيءَ بِالنُّعَيْمَانِ -أَوِ ابْنِ النُّعَيْمَانِ- شَارِبًا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوا، قَالَ فَكُنْتُ أَنَا فِيمَنْ ضَرَبَهُ، فَضَرَبْنَاهُ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ". [الحديث ٢٣١٦ - طرفاه في: ٦٧٧٤، ٦٧٧٥]. وبه قال: (حدّثنا ابن سلام) بالتخفيف، ولأبي ذر: سلام بالتشديد البيكندي قال: (أخبرنا عبد الوهاب الثقفي عن أيوب) السختياني (عن ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبيد الله (عن عقبة بن الحرث) بن عامر القرشي النوفلي المكي له صحبة أسلم يوم الفتح، وله في البخاري ثلاثة أحاديث أنه (قال: جيء بالنعيمان) بضم النون مصغرًا ولغير أبي ذر النعمان بالتكبير (أو ابن النعيمان) بالتصغير أيضًا والشّك من الراوي، ووقع عند الإسماعيلي الشك في تصغيره وتكبيره. وللإسماعيلي أيضًا في رواية: جئت بالنعيمان بغير شك فيستفاد منه تسمية الذي حضر به وهو عقبة والنعيمان بن عمرو بن رفاعة بن الحرث بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري ممن شهد بدرًا وكان مزاحًا حال كونه (شاربًا) مسكرًا أي متّصفًا بالشرب لأنه حين جيء به لم يكن شاربًا حقيقة بل كان سكران، ويدل له ما في الحدود بلفظ: هو سكران. (فأمر رسول الله ﷺ من كان في البيت أن يضربوا) بحذف الضمير المنصوب وفي نسخة يضربوه بإثباته (قال) عقبة بن الحرث: (فكنت أنا فيمن ضربه فضربناه بالنعال والجريد). وموضع الترجمة منه قوله فيه فأمر من كان في البيت أن يضربوه فإن الإمام لما لم يتولّ إقامة الحدّ بنفسه وولاّه غيره كان ذلك بمنزلة توكيله لهم في إقامته، ولا يصح عند الشافعية التوكيل في إثبات الحدود لبنائها على الدرء. نعم قد يقع إثباتها بالوكالة تبعًا بأن يقذف شخص آخر فيطالبه بحد القذف فله أن يدرأه عن نفسه بإثبات زناه بالوكالة، فإذا ثبت أقيم عليه الحد ويستفاد من الحديث كما قال الخطابي: إن حدّ الخمر لا يستأنى به الإفاقة كحد الحامل لتضع حملها. ١٤ - باب الْوَكَالَةِ فِي الْبُدْنِ وَتَعَاهُدِهَا (باب) حكم (الوكالة في) أمر (البدن) التي تهدى (و) حكم (تعاهدها). ٢٣١٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: "قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَدَىَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَىْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ". وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) الأويسي المدني ابن أخت الإمام مالك (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) هو ابن أنس إمام دار الهجرة (عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي (عن) خالته (عمرة بنت عبد الرحمن) الأنصارية (أنها أخبرته قالت عائشة) ﵂: (أنا فتلت قلائد هدي رسول الله- ﷺ بيدي) بتشديد الياء على التثنية. وهذا الحديث ساقه هنا مختصرًا، وفي باب من قلد القلائد بيده من كتاب الحج أطول من هذا ولفظه: عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة ﵂ أن عبد الله بن عباس ﵄ قال: من أهدى هديًا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه. قالت عمرة فقالت عائشة ﵂: ليس كما قال ابن عباس أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيديّ. (ثم قلدها رسول الله ﷺ بيديه) بالتثنية (ثم بعث) ﷺ (بها) أي بالهدي وأنّث الضمير باعتبار البدنة لأن هديه ﷺ الذي بعث به كان بدنة (مع أبي) أبي بكر الصديق ﵁ سنة تسع عام حج أبو بكر ﵁ بالناس (فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحلّه الله له حتى نحر الهدي) بضم النون مبنيًا للمجهول والهدي رفع نائب عن الفاعل أي حتى نحره أبو بكر ﵁، والحديث ظاهر فيما ترجم له من الوكالة في البدن وأما تعاهدها فيحتمل أن يكون من مباشرة النبي ﷺ إياها بنفسه حتى قلدها بيده. ١٥ - باب إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِوَكِيلِهِ: ضَعْهُ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ وَقَالَ الْوَكِيلُ: قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا قال الرجل لوكيله) الذي وكّله (ضعه) أي الشيء الموكل فيه (حيث أراك الله وقال الوكيل قد سمعت ما قلت) أي فوضعه حيث أراد جاز. ٢٣١٨ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: "كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالاً، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بِيْرُ حَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَىَّ بِيْرُ حَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْتَ. فَقَالَ: بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَائِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَائِحٌ. . قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا، وَأَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ. قَالَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ". تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ رَوْحٌ عَنْ مَالِكٍ "رَابِحٌ". وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (يحيى بن

стр. 1613

يحيى) بن بكر بن زياد التميمي الحنظلي (قال: قرأت على مالك) الإمام (عن إسحاق بن عبد الله) بن أبي طلحة (أنه سمع) عمه (أنس بن مالك ﵁ يقول: كان أبو طلحة) زيد بن سهل الأنصاري (أكثر الأنصار) ولأبي ذر: أكثر أنصاريّ قال البرماوي كالكرماني وهو من التفضيل على التفصيل أي أكثر من كل واحد واحد من الأنصار ولذا لم يقل أكثر الأنصار (بالمدينة مالاً) نصب على التمييز أي من حيث المال (وكان أحب أمواله إليه بيرحاء) بكسر الموحدة وسكون التحتية وضم الراء وبعد الحاء المهملة همزة مفتوحة ممدودًا ولأبي ذر: بيرحا من غير همز وفيها وجوه أخرى ذكرتها في الزكاة. (وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب) بالجر صفة لماء، (فلما نزلت) هذه الآية: (﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾) من الصدقة (قام أبو طلحة) منتهيًا (إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢] (وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء) بكسر الموحدة وضمُّ الراء مهموزًا مع الفتح والمد في الفرع لأبي ذر (وإنها صدقة لله أرجو برّها) خيرها (وذخرها) بالذال المضمومة والخاء الساكنة المعجمتين أي أقدمها فأذخرها لأجدها (عند الله فضعها يا رسول الله حيث شئت فقال) ﵊: (بخ) بفتح الموحدة وسكون الخاء المعجمة وبتنوينها وبالتخفيف والتشديد فيهما فهي أربعة كلمة تقال عند مدح الشيء والرضا به (ذلك مال رائح) بالهمز والخاء المهملة في الفرع وأصله (ذلك مال رائح) بالتكرار مرتين أي ذاهب فإذا ذهب في الخير فهو أولى (قد) بغير واو قبل القاف (سمعت ما قلت فيها وأرى أن تجعلها في الأقربيين قال) أبو طلحة (أفعل يا رسول الله) بهمزة قطع على أنه فعل مستقبل مرفوع (فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه) من باب عطف الخاص على العامّ. (تابعه) أي تابع يحيى بن يحيى (إسماعيل) بن أبي أويس (عن مالك) فيما وصله المؤلّف في تفسير سورة آل عمران. (وقال روح) بفتح الراء وسكون الواو وبالحاء المهملة ابن عبادة في روايته (عن مالك) أيضًا (رابح) بالموحدة فيما وصله الإمام أحمد عنه وفي غير الفرع وأصله من الأصول في رواية يحيى رابح بالموحدة أي يربح فيه صاحبه، وقال العيني: رائج بالجيم من الرواج فليتأمل. وموضع الترجمة من الحديث قول أبي طلحة للنبي ﷺ إنها صدقة الخ … فإنه ﷺ لم ينكر عليه ذلك وإن كان ما وضعها بنفسه بل أمره أن يضعها في الأقربين، لكن الحجة فيه تقريره ﵊ على ذلك. وهذا الحديث قد سبق في باب الزكاة على الأقارب من كتاب الزكاة. ١٦ - باب وَكَالَةِ الأَمِينِ فِي الْخِزَانَةِ وَنَحْوِهَا (باب وكالة الأمين في الخزانة) بكسر الخاء المعجمة اسم للموضع الذي يخزن فيه (ونحوها). ٢٣١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْخَازِنُ الأَمِينُ الَّذِي يُنْفِقُ -وَرُبَّمَا قَالَ: الَّذِي يُعْطِي- مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلاً مُوَفَّرًا طَيِّبًا نَفْسُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ». وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن العلاء) أبو كريب الهمداني قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الليثي (عن بريد بن عبد الله) بضم الموحدة وفتح الراء مصغرًا (عن أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء اسمه عامر أو الحرث (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (الخازن الأمين الذي ينفق وربما قال الذي يعطي ما أمر به) بضم الهمزة وكسر الميم مبنيًّا للمفعول أي ما أمره به سيده من الصدقة حال كونه (كاملاً موفورًا) بفتح الفاء المشددة (طيب نفسه) مبتدأ وخبره مقدم وفي الزكاة طيب به نفسه، ولأبي ذر والأصيلي: طيبًا بالنصب على الحال (إلى الذي أمر به) لا لغيره (أحد المتصدقين) خبر قوله الخازن والمتصدقين بفتح القاف بلفظ التثنية. ومطابقته للترجمة من جهة أن الخازن الأمين مفوّض إليه الإنفاق والإعطاء بحسب أمر الآمر به. وهذا الحديث سبق في باب أجر الخادم من كتاب الزكاة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤١ - كتاب الحرث والمزارعة (بسم الله الرحمن الرحيم). (كتاب الحرث) أي الزرع (والمزارعة) وهي المعاملة على الأرض

стр. 1614

ببعض ما يخرج منها ويكون البذر من مالكها فإن كان من العامل فهي مخابرة وهما إن أفردتا عن المساقاة باطلتان للنهي عن المزارعة في مسلم وعن المخابرة في الصحيحين، ولأن تحصيل منفعة الأرض ممكنة بالإجارة فلم يجز العمل عليها ببعض ما يخرج منها كالمواشي بخلاف الشجر فإنه لا يمكن عقد الإجارة عليها فجوّزت المساقاة، واختار في الروضة تبعًا لابن المنذر وابن خزيمة والخطابي صحتهما وحمل أخبار النهي على ما إذا شرط لأحدهما زرع قطعة معينة وللآخر أخرى وعلى الأوّل فيشترط تقديم المساقاة على المزارعة بأن يقول: ساقيتك وزارعتك، فلو قال: زارعتك وساقيتك أو فصل بينهما لم يصح لانتفاء التبعية فإن خابره تبعًا لم يصح كما لو أفردها وفارقت المزارعة بأن المزارعة أشبه بالمساقاة وورد الخبر بصحتها بخلاف المخابرة. ١ - باب فَضْلِ الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ إِذَا أُكِلَ مِنْهُ. وَقَوْلِهِ الله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٥] (باب فضل الزرع والغرس) قال في القاموس: زرع كمنع طرح البذر كازدرع وأصله ازترع أبدلوها دالاً لتوافق الزاي والله أنبت وغرس الشجر أثبته في الأرض كأغرسه والغرس المغروس (إذا كل منه) قيد في فضيلة كل منهما ولأبي ذر كتاب الحرث بفح الحاء وسكون الراء المهملتين آخره مثلثة وله عن الحموي في الحرث وإسقاط كتاب، وله أيضًا عن الكشميهني كتاب المزارعة مع تأخير البسملة فيها وسقط له قوله ما جاء في الحرث والمزارعة، وقوله باب وما بعده ثابت عنده وحينئذٍ فيكون قوله فضل الزرع مرفوعًا على ما لا يخفى، وهذا ما في الفرع وأصله وفي فتح الباري، عن النسفيّ كالكشميهني باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه بسم الله الرحمن الرحيم. وزاد النسفيّ فقال: باب ما جاء في الحرث والمزارعة وفضل الزرع، ومثله للأصيلي وكريمة إلا أنهما حذفا لفظ كتاب المزارعة، وللمستملي: كتاب الحرث، وقدم الحموي البسملة وقال في الحرث بدل كتاب الحرث. (وقوله تعالى) بالجرّ عطفًا على السابق، ولأبي ذر وقول الله تعالى بالرفع على الاستئناف: (﴿أفرأيتم ما تحرثون﴾) تبذرون حبه (﴿أأنتم تزرعونه﴾) تنبتونه (﴿أم نحن الزارعون﴾) المنبتون (﴿لو نشاء لجعلناه حطامًا﴾) [الواقعة: ١٦] هشيمًا وإنما نسب الحرث إلينا والزرع إليه ﷻ ، وإن كانت الأفعال كلها له سبحانه حرثًا وبذرًا وغير ذلك لأن المراد بالزرع هنا الإنبات لا البذر وذلك خصائص القدرة القديمة، ووجه الاستدلال بهذه الآية على إباحة الحرث أن الله تعالى امتنّ علينا بإنبات ما نحرثه فدلّ على أن الحرث جائز إذ لا يمتنّ بممنوع. ٢٣٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ح. وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ». وقال لنا مسلمٌ حدثنا أبانُ حدثنا قتادة حدثنا أنسٌ عن النبي ﷺ . [الحديث ٢٣٢٠ - طرفه في: ٦٠١٢]. وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري (ح) مهملة وينطق بها كذلك علامة لتحويل السند قال المؤلّف بالسند: (وحدّثني عبد الرحمن بن المبارك) بن عبد الله العيشي بعين مهملة مفتوحة فتحتية ساكنة فشين معجمة منسوب إلى بني عائش قال: (حدّثنا أبو عوانة عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) ولأبي ذر: أنس بن مالك (﵁) أنه (قال: قال رسول الله) ولأبي ذر: النبي (¬ ﷺ ¬): (ما من مسلم يغرس غرسًا) بمعنى المغروس أي شجرًا (أو يزرع زرعًا) مزروعًا وأو للتنويع لأن الزرع غير الغرس (فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) بالرفع اسم كان والتعبير بالمسلم يخرج الكافر فيختص الثواب في الآخرة بالمسلم دون الكافر لأن القرب إنما تصح من المسلم فإن تصدق الكافر أو فعل شيئًا من وجوه البر لم يكن له أجر في الآخرة. نعم ما أكل من زرع الكافر يثاب عليه في الدنيا كما ثبت دليله، وأما من قال يخفف عنه بذلك من عذاب الآخرة فيحتاج إلى دليل. وفي حديث عائشة عند مسلم قلت: يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه؟ قال: "لا ينفعه إن لم يقل يومًا ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين" يعني لم يكن مصدقًا بالبعث ومن لم يصدق به كافر ولا ينفعه عمل. ونقل عياض الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب، لكن بعضهم أشد عذابًا من بعضهم بحسب جرائمهم. وأما حديث أبي

стр. 1615

أيوب الأنصاري عند أحمد مرفوعًا: ما من رجل يغرس غرسًا وحديث ما من عبد فظاهرهما يتناول المسلم والكافر لكن يحمل المطلق على المقيد والمراد بالمسلم الجنس فتدخل المرأة المسلمة. (وقال لنا مسلم) هو ابن إبراهيم الفراهيدي البصري قال العيني كابن حجر: كذا بإثبات لنا للأصيلي وكريمة وأبي ذر وفي رواية النسفيّ وآخرين وقال مسلم بدون لفظة لنا (حدّثنا أبان) ابن يزيد العطار قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة قال: (حدّثنا أنس) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) لم يسق متن هذا السند لأن غرضه منه التصريح بالتحديث من قتادة عن أنس، وقد أخرجه مسلم عن عبد بن حميد عن مسلم بن إبراهيم المذكور بلفظ: أن نبي الله ﷺ رأى نخلاً لأم مبشر امرأة من الأنصار فقال: "من غرس هذا النخل أمسلم أم كافر"؟ قالوا: مسلم بنحو حديثهم كذا عند مسلم فأحال به على ما قبله، وقد بيّنه أبو نعيم في المستخرج من وجه آخر عن مسلم بن إبراهيم، وباقيه: لا يغرس مسلم غرسًا فيأكل منه إنسان أو طير أو دابّة إلا كان له صدقة، وقد أخرج مسلم هذا الحديث من طرق عن جابر قال في بعضها فيأكل منه سبع أو طائر أو شيء إلا كان له فيه أجر، وفي أخرى: فيأكل منه إنسان ولا دابّة ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة. ومقتضاه أن ثواب ذلك مستمر ما دام الغرس أو الزرع مأكولاً منه ولو مات غارسه أو زارعه ولو انتقل ملكه إلى غيره. قال ابن العربي: في سعة كرم الله أن يثيب على ما بعد الحياة كما كان يثيب ذلك في الحياة وذلك في ستة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو غرس، أو زرع، أو رباط فللمرابط ثواب عمله إلى يوم القيامة انتهى. ونقل الطيبي عن محيي السُّنّة أنه روى أن رجلاً مرّ بأبي الدرداء وهو يغرس جوزة فقال: أتغرس هذه وأنت شيخ كبير وهذه لا تطعم إلا في كذا وكذا عامًا. قال: ما عليّ أن يكون لي أجرها ويأكل منها غيري. قال: وذكر أبو الوفاء البغدادي أنه مرّ أنو شروان على رجل يغرس شجر الزيتون فقال له: ليس هذا أوان غرسك الزيتون وهو شجر بطيء الأثمار، فأجابه غرس من قبلنا فأكلنا ونغرس ليأكل من بعدنا. فقال أنو شروان: زه أي أحسنت، وكان إذا قال زه يعطي من قيلت له أربعة آلاف درهم فقال: أيها الملك كيف تعجب من شجري وإبطاء ثمره فما أسرع ما أثمر. فقال: زه فزيد أربعة آلاف درهم أخرى. فقال: كل شجر يثمر في العام مرة وقد أثمرت شجرتي في ساعة مرتين. فقال: زه فزيد مثلها فمضى أنو شروان فقال: إن وقفنا عليه لم يكفه ما في خزائننا. ثم إن حصول هذه الصدقة المذكورة يتناول حتى من غرسه لعياله أو لنفقته لأن الإنسان يُثاب على ما سرق له وإن لم ينوِ ثوابه ولا يختصّ حصول ذلك بمن يباشر الغراس أو الزراعة بل يتناول من استأجر لعمل ذلك والصدقة حاصلة حتى فيما عجز عن جمعه كالسنبل المعجوز عنه بالحصيدة فيأكل منه حيوان فإنه مندرج تحت مدلول الحديث. واستدلّ به على أن الزراعة أفضل المكاسب وقال به كثيرون، وقيل الكسب باليد، وقيل التجارة، وقد يقال كسب اليد أفضل من حيث الحلّ والزرع من حيث عموم الانتفاع، وحينئذٍ فينبغي أن يختلف ذلك باختلاف الحال فحيث احتيج إلى الأقوات أكثر تكون الزراعة أفضل للتوسعة على الناس، وحيث احتيج إلى المتجر لانقطاع الطرق تكون التجارة أفضل، وحيث احتيج إلى الصنائع تكون أفضل والله أعلم. وهذا الحديث أخرجه المصنف أيضًا في الأدب والترمذي في الأحكام. ٢ - باب مَا يُحْذَرُ مِنْ عَوَاقِبِ الاِشْتِغَالِ بِآلَةِ الزَّرْعِ، أَوْ مُجَاوَزَةِ الْحَدِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ (باب) بيان (ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع) يحذر بضم أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه مخففًا، ولأبي ذر: يحذر بالتشديد (أو مجاوزة الحد) قال الحافظ ابن حجر: كذا للأصيلي وكريمة ولابن شبويه أو يجاوز بالمثناة التحتية بدل الميم، ولأبي ذر والنسفيّ: جاوز الحد، وفي رواية بالفرع: أو جاز الحد (الذي أمر به) سواء كان واجبًا أو مندوبًا. ٢٣٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ الْحِمْصِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الأَلْهَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ -وَرَأَى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ فَقَالَ- سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلاَّ أُدْخِلَهُ الذُّلُّ» قَالَ مُحَمَّدٌ: وَاسْمُ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيٌّ بْنُ عَجلانَ. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا عبد الله بن سالم الحمصي) أبو يوسف قال: (حدّثنا محمد بن زياد الألهاني) بفتح الهمزة وسكون اللام بعدها هاء فألف
следующие страницы →