Полный текст (4 743 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
طلبًا شديدًا وتحب اللبن حبًا شديدًا (﴿أخذ بناصيتها﴾) [هود: ٥٦] في قوله تعالى: ﴿ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها﴾ أي (في ملكه) بضم الميم في غير اليونينية والذي في اليونينية كسرها (وسلطانه) قاله أبو عبيدة. (يقال ْ ﴿صافات﴾) أي (بسط) بضم الموحدة والمهملة مرفوع منوّن (أجنحتهن) بنصب التاء (﴿يقبضن﴾) أي (يضربن بأجنحتهن). قاله أبو عبيدة أيضًا في قوله تعالى: ﴿أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن﴾ [الملك: ١٩].
٣٢٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالأَبْتَرَ، فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَلَ".
[الحديث ٣٢٩٧ - أطرافه في: ٣٣١٠، ٣٣١٢، ٤٠١٦].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا هشام بن يوسف) الصنعاني قال: (حدّثنا معمر، هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سالم عن ابن عمر ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يخطب على المنبر يقول):
(اقتلوا الحيات واقتلوا ذا الطفيتين) بضم الطاء المهملة وسكون الفاء تثنية طفية، وهو الذي على ظهره خطان أبيضان (والأبتر) الذي لا ذنب له أو قصيره أو الأفعى التي قدر شبر أو أكثر قليلاً (فإنهما يطمسان البصر) أي يمحوان نوره (ويستسقطان) بسينين مهملتين ساكنتين بينهما فوقية مفتوحة وضبب عليها في الفرع، وفي نسخة به: ويسقطان (الحبل). بفتح الحاء المهملة والموحدة أي الولد إذا نظرت إليهما الحامل. ومن الحيات نوع إذا وقع نظره على إنسان مات من ساعته وآخر إذا سمع صوته مات وإنما أمر بقتل ذي الطفيتين والأبتر لأن الشيطان لا يتمثل بهما قاله الداودي وهو متعقب بما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
٣٢٩٨ - "قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَبَيْنَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً لأَقْتُلَهَا، فَنَادَانِي أَبُو لُبَابَةَ: لَا تَقْتُلْهَا فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ. فَقَالَ: إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ، وَهْيَ
الْعَوَامِرُ".
[الحديث ٣٢٩٨ - أطرافه في: ٣٣١١، ٣٣١٣].
(قال عبد الله) بن عمر ﵄ (فبينا) بغير ميم (أنا أطارد) أي أتبع وأطلب (حية لأقتلها) أي لأن اقتلها (فناداني أبو لبابة) بضم اللام وتخفف الموحدة. قال الكرماني: اسمه رفاعة على الأصح بكسر الراء وبالفاء ابن عبد المنذر الأوسي النقيب. وقال الحافظ ابن حجر: صحابي مشهور اسمه بشير بفتح الموحدة وكسر المعجمة، وقيل مصغر، وقيل بتحتية ومهملة مصغرًا وشذ من قال اسمه مروان (لا تقتلها. فقلت) له: (إن رسول الله ﷺ قد أمر بقتل الحيات قال): ولأبي ذر: فقال (إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت) أي اللاتي توجدن في البيوت لأن الجني يتمثل بها، وخصصه مالك ببيوت المدينة، وفي مسلم: إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه. فإنما هو شيطان. قال الزهري: (وهي العوامر). أي سكانها من الجن سمين لطول لبثهن فيها من العمر وهو طول البقاء.
٣٢٩٩ - وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ: فَرَآنِي أَبُو لُبَابَةَ، أَوْ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ. وَتَابَعَهُ يُونُسُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ وَالزُّبَيْدِيُّ. وَقَالَ صَالِحٌ وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ وَابْنُ مُجَمِّعٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: فرَآنِي أَبُو لُبَابَةَ وَزَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ".
(وقال عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (عن معمر) هو ابن راشد أي عن الزهري (فرآني أبو لبابة أو زيد بن الخطاب) أخو عمر على الشك في اسم الذي لقي عبد الله بن عمر. (وتابعه) أي تابع معمرًا (يونس) بن يزيد فيما وصله مسلم (وابن عيينة) سفيان مما وصله أحمد (وإسحاق) بن يحيى (الكلبي) فيما ذكره في نسخته (والزبيدي) بضم الزاي وفتح الموحدة محمد بن الوليد الحمصي فيما وصله مسلم. (وقال صالح) هو ابن كيسان مما وصله مسلم وأبو عوانة (وابن أبي حفصة) محمد البصري مما ذكره في نسخته من طريق أبي أحمد بن عدي موصولة (وابن مجمع) بميم مضمومة فجيم مفتوحة فميم مشدّدة مكسورة إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري المدني مما وصله البغوي وابن السكن في كتاب الصحابة (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن سالم عن ابن عمر: رآني) ولأبي ذر عن المستملي فرآني (أبو لبابة وزيد بن الخطاب). كلاهما من غير شك.
وهذا الحديث أخرجه مسلم.
١٥ - باب خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ
هذا (باب) بالتنوين (خير مال المسلم غنم) اسم جن يشمل المذكور والإناث (يتبع) بسكون الفوقية (بها شعف الجبال) بفتح الشين المعجمة والعين المهملة أعلاها.
٣٣٠٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الرَّجُلِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام الأعظم (عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة) الأنصاري (عن أبيه عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(يوشك) بكسر المعجمة يقرب (أن يكون خير مال الرجل) ولأبي ذر المسلم بدل الرجل (غنم) رفع اسم كان مؤخرًا
стр. 2207
نكرة موصوفة ونصب خير خبرها مقدّمًا. وفي اليونينية في نسخة غنمًا نصب خبرها خير رفع اسمها ويجوز رفعها على الابتداء والخبر ويقدّر في يكون ضمير الشأن (يتبع بها شعف الجبال) رؤوسها (ومواقع القطر)، بطون الأدوية والصحارى أي يتبع بها مواقع العشب والكلأ في شعاف الجبال حال كونه (يفر بدينه من الفتن). طلبًا لسلامته لا لقصد دنيوي والباء للمصاحبة أو للسببية.
وهذا الحديث سبق في باب من الدين الفرار من الفتن.
٣٣٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ، وَالْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ».
[الحديث ٣٣٠١ - أطرافه في: ٣٤٩٩، ٤٣٨٨، ٤٣٨٩، ٤٣٩٠].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(رأس الكفر نحو المشرق)، بنصب نحو لأنه ظرف وهو مستقر في محل رفع خبر المبتدأ، ولأبي ذر عن الكشميهني: قبل المشرق أي أكثر الكفرة من جهة المشرق وأعظم أسباب الكفر منشؤه منه ومنه يخرج الدجال. قال في الفتح: وفي ذلك إشارة إلى شدة كفر المجوس لأن مملكة الفرس ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة وكانوا في غاية القوّة والتكبر والتجبر حتى مزق ملكهم كتاب النبي ﷺ إليه واستمرت الفتن من قبل المشرق (والفخر) بالخاء المعجمة كإعجاب النفس (والخيلاء) بضم الخاء المعجمة وفتح التحتية ممدودًا الكبر واحتقار الغير (في أهل الخيل والإبل والفدّادين) بفتح الفاء والدال المشددة المهملة وحكي تخفيفها وبعد الألف أخرى مخففة مكسورة. قال في القاموس. الفداد مالك المئين من الإبل إلى الألف والمتكبر والجمع الفدادون وهم أيضًا الجمالون والرعيان والبقارون والحمارون والفلاحون وأصحاب الوبر والذين تعلو أصواتهم في حروثهم ومواشيهم والمكثرون من الإبل، وقال الخطابي: إن رؤيته
بتشديد الدال فهو جمع فداد وهو الشديد الصوت وذلك من دأب أصحاب الإبل وإن رويته بتخفيفها فهو جمع الفدان وهو آلة الحرث البقر، وعلى هذا فالمراد أصحاب الفدادين فهو على حذف مضاف وإنما ذم ذلك لأنه يشغل عن أمر الدين ويلهي عن الآخرة وذلك يفضي إلى قساوة القلب، وقال القرطبي: ليس في رواية الحديث إلا التشديد وهو الصحيح على ما قاله الأصمعي وغيره. وقال ابن فارس: في الحديث الجفاء والقسوة في الفدادين أي أصحاب الحروث والمواشي.
(أهل الوبر)، بفتح الواو والموحدة بيان للفدادين أي ليسوا من أهل الحضر. بل من أهل البدو. قال في القاموس: المدر محركة المدن والحضر. (والسكينة) بفتح السين وتخفيف الكاف، وفي الفاموس بكسرها مشددة الطمأنينة. وقال ابن خالويه: السكينة مصدر سكن سكينة وليس في المصادر له شبيه إلا قولهم: عليه ضريبة أي خراج معلوم (في أهل الغنم) لأنهم في الغالب دون أهل الإبل في التوسع والكثرة وهما من سبب الفخر والخيلاء. وفي حديث أم هانئ المروي في ابن ماجه أن النبي ﷺ قال لها "اتخذي الغنم فإن فيها بركة".
٣٣٠٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: "أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ فَقَالَ: الإِيمَانُ يَمَانٍ هَا هُنَا، أَلَا إِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ".
[الحديث ٣٣٠٢ - أطرافه في: ٣٤٩٨، ٤٣٨٧، ٥٣٠٣].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) هو القطان (عن إسماعيل) بن أبي خالد الأحمسي مولاهم البجلي (قال: حدّثني) بالإفراد (قيس) هو ابن أبي حازم البجلي (عن عقبة بن عمرو أبي مسعود) الأنصاري البدري أنه (قال: أشار رسول الله ﷺ بيده نحو اليمن فقال):
(الإيمان يمان) مبتدأ وخبر وأصله يمني بياء النسبة فحذفوا الياء للتخفيف وعوضوا الألف بدلها أي الإيمان منسوب إلى أهل اليمن، وحمله ابن الصلاح على ظاهره وحقيقته لإذعانهم إلى الإيمان من غير كبير مشقة على المسلمين بخلاف غيرهم ومن اتصف بشيء وقوي إيمانه به نسب ذلك الشيء إليه إشعارًا بكمال حاله فيه، فكذا حال أهل اليمن حينئذٍ، وحال الوافدين منهم في حياته وفي أعقابه كأويس القرني وأبي مسلم الخولاني وشبههما ممن سلم قلبه وقوي إيمانه فكانت نسبة الإيمان إليهم بذلك إشعارًا بكمال إيمانهم من غير أن يكون في ذلك
стр. 2208
نفي له عن غيرهم فلا منافاة بينه وبين قوله ﵊ "الإيمان في أهل الحجاز" ثم المراد بذلك الموجودون منهم حينئذٍ لا كل أهل اليمن في كل زمان، فإن اللفظ لا يقتضيه. وصرفه بعضهم عن ظاهره من حيث إن مبدأ الإيمان من مكة ثم من المدينة حرسهما الله تعالى وردّني إليهما ردًّا جميلاً.
وحكى أبو عبيد في ذلك أقوالاً فقيل: مكة لأنها من تهامة وتهامة من أرض اليمن، وقيل: مكة والمدينة، فإنه يروي في الحديث أنه ﷺ قاله وهو بتبوك ومكة والمدينة حينئذٍ بينه وبين اليمن وأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد مكة والمدينة فقال: الإيمان يمان فنسبهما إلى اليمن لكونهما حينئذٍ من ناحية اليمن، وقيل: المراد الأنصار لأنهم يمانيون في الأصل فنسب الإيمان إليهم لكونهم أنصاره وعورض بأن في بعض طرقه عند مسلم: أتاكم أهل اليمن والأنصار من جملة المخاطبين بذلك فهم إذًا غيرهم، وفي قوله في حديث الباب أشار بيده نحو اليمن إشارة إلى أن المراد به أهلها حينئذٍ لا الذين كان أصلهم منها.
(هاهنا ألا) بالتخفيف (أن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين) أي المصوتين (عند أصول أذناب الأبل) عند سوقهم لها (حيث يطلع قرنا الشيطان) بالتثنية جانبا رأسه لأنه ينتصب في محاذاة مطلع الشمس حتى إذا طلعت كانت بين قرني رأسه أي جانبيه فتقع السجدة له حين يسجد عبدة الشمس (في ربيعة ومضر) متعلق بالفدادين. وقال الكرماني: بدل منه. وقال النووي: أي القسوة في ربيعة ومضر الفدادين، والمراد اختصاص المشرق بمزيد من تسلط الشيطان ومن الكفر كما قال في الحديث الآخر: "رأس الكفر نحو المشرق". وكان ذلك في عهده ﷺ حين قال ذلك، ويكون حين يخرج الدجال من المشرق وهو فيما بينهما منشأ الفتن العظيمة ومثار الكفرة الترك العاتية الشديدة البأس.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الطلاق والمناقب والمغازي ومسلم في الإيمان.
٣٣٠٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا الليث) هو ابن سعد الإمام (عن جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل ابن حسنة القرشي (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال):
(إذا سمعتم صياح الديكة) بكسر الدال المهملة وفتح التحتية جمع ديك ويجمع في القلة على أدياك وفي الكثرة على ديوك وديكة (فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكًا) بفتح اللام رجاء تأمينه على دعائكم واستغفاره لكم وشهادته لكم بالتضرع والإخلاص فتحصل الإجابة وفيه استحباب الدعاء عند حضور الصالحين، وأعظم ما في الديك من الخواص العجيبة معرفة الأوقات الليلية فيقسط أصواته عليها تقسيطًا لا يكاد يغادر منه شيئًا سواء طال النهار أو قصر، ويوالي صياحه قبل الفجر وبعده، فسبحان من هداه لذلك، ولهذا أفتى القاضي حسين والمتولي والرافعي بجواز اعتماد الديك المجرب في أوقات الصلوات.
وأخرج الإمام أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان من حديث زيد بن خالد أن النبي ﷺ قال: "لا تسبوا الديك فإنه يدعو إلى الصلاة قال الحليمي: فيه دليل على أن كل من استفيد منه خير لا ينبغي أن يسب ويستهان بل حقه أن يكرم ويشكر ويتلقى بالإحسان، وليس معنى دعاء الديك إلى الصلاة أنه يقول بصراخه صلوا أو حانت الصلاة بل معناه أن العادة جرت أنه يصرخ صرخات متتابعة عند طلوع الفجر وعند الزوال فطرة فطره الله عليها فيذكر الناس بصراخه الصلاة، ولا يجوز لهم أن يصلوا بصراخه من غير دلالة سواها إلا من جرب منه ما لا يخلف فيصير ذلك له إشارة والله الموفق.
(وإذا سمعتم نهيق الحمار) جمعه حمير وحمر وأحمرة (فتعوذوا بالله من الشيطان) من شره وشر وسوسته (فإنه رأى شيطانًا) ولأبي ذر: فإنها رأت شيطانًا.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الدعوات وأبو داود في الأدب والترمذي في الدعوات والنسائي في التفسير واليوم والليلة.
٣٣٠٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ -أَوْ أَمْسَيْتُمْ- فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَحُلُّوهُمْ وَأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا». قَالَ وَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَ مَا أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ وَلَمْ يَذْكُرْ «وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ».
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) هو ابن راهويه كما عند أبي نعيم أو
стр. 2209
ابن منصور بن كوسج المروزي قال: (أخبرنا روح) بفتح الراء بعد الواو الساكنة حاء مهملة ابن عبادة (قال: أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرني) بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي رباح أنه (سمع جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(إذا كان جنح الليل) بضم الجيم وسكون النون ظلامه أو أول ظلامه (أو أمسيتم) بالشك من الراوي أي دخلتم في المساء (فكفوا صبيانكم) عن الانتشار (فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ) وربما يتعلقون بهم فيؤذونهم (فإذا ذهب) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فإذا ذهبت (ساعة من الليل فحلوهم) بالحاء المهملة المضمومة، ولأبي ذر عن المستملي والحموي: فخلوهم بالخاء المعجمة المفتوحة (وأغلقوا الأبواب) بقطع همزة وأغلقوا (واذكروا اسم الله) عليها (فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا). وهذا الحديث سبق في باب: صفة إبليس وجنوده.
(وقال) ابن جريج (وأخبرني) بالإفراد (عمرو بن دينار) أنه (سمع جابر بن عبد الله) يروي هذا الحديث (نحو ما أخبرني) بالإفراد (عطاء و) لكنه (لم يذكر) قوله (واذكروا اسم الله) كما ذكره عطاء في روايته.
٣٣٠٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ، وَإِنِّي لَا أُرَاهَا إِلاَّ الْفَأرَ: إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْ. فَحَدَّثْتُ كَعْبًا فَقَالَ: أَنْتَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ لِي مِرَارًا، فَقُلْتُ: أَفَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟ ".
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم البصري (عن خالد) ولغير أبي ذر حدّثنا خالد هو الحذاء (عن محمد) هو ابن سيرين (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(فقدت) بضم الفاء وكسر القاف مبنيًا للمفعول (أمة) رفع نائبًا عن الفاعل طائفة (من بني إسرائيل لا يدرى) بضم التحتية وفتح الراء (ما فعلت وإني لا أراها) بضم الهمزة لا أظنها (إلا الفأر) بإسكان الهمزة زاد مسلم في طريق أخرى عن ابن سيرين مسخ وآية ذلك (إذا وضع لها ألبان الأبل لم تشرب) لأن لحوم الإبل وألبانها حرمت على بني إسرائيل (وإذا وضع لها ألبان الشاء) أي الغنم (شربت) لأنها حلال لهم كلحمها وهو دليل على المسخ. قال أبو هريرة (فحدثت كعبًا) هو كعب الأحبار بذلك (فقال) لي (أنت سمعت النبي ﷺ يقوله؟) قال أبو هريرة (قلت) له: (نعم). سمعته (قال) ولأبي ذر: فقال أي كعب (لي) أنت سمعته من النبي ﷺ (مرارًا) قال أبو هريرة (فقلت) له (أفاقرأ التوراة؟) بهمزة الاستفهام الإنكاري. وعند مسلم قال: أفأنزلت عليّ التوراة أي أنا لا أقول إلا ما سمعته عن النبي ﷺ ولا أنقل عن التوراة، وقد اختلف في الممسوخ هل يكون له نسل أم لا؟ فذهب أبو إسحاق الزجاج وابن العربي أبو بكر إلى أن الموجود من القردة من نسل الممسوخ تمسكًّا بحديث الباب، وقال الجمهور: لا. وهو المعتمد لحديث ابن مسعود عند مسلم مرفوعًا: إن الله لم يهلك قومًا أو يعذب قومًا فيجعل لهم نسلاً وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك. وأجابوا عن حديث الباب بأنه ﵊ قاله قبل أن يوحى إليه بحقيقة الأمر في ذلك، ولذا لم يجزم به بخلاف النفي فإنه جزم به كما في حديث ابن مسعود.
ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في باب أيام الجاهلية بعون الله. وهذا الحديث أخرجه مسلم في أواخر صحيحه.
٣٣٠٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْوَزَغِ: الْفُوَيْسِقُ. وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ. وَزَعَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِ".
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) هو سعيد بن كثير بن عفير الأنصاري مولاهم البصري نسبه لجده لشهرته به (عن ابن وهب) عبد الله أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (يونس) بن يزيد (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير (يحدث عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال):
(للوزغ) بفتح الواو والزاي جمع وزغة ويجمع أيضًا على أوزاغ ووزغان ووزاغ وأزغان وهي السام الأبرص وسميت بذلك لخفتها وسرعة حركتها واللام في قوله للوزغ بمعنى عن أي قال عن الوزغ (الفويسق) مصغرًا للذم والتحقير، وأصل الفسق الخروج ووصفت هذه بالفسق كالمذكورين في الحديث الآتي قريبًا إن شاء الله تعالى لخروجها عن معظم غيرها من الحشرات بالإيذاء والإفساد. قالت عائشة: (ولم
стр. 2210
أسمعه) ﷺ (أمر بقتله) لا حجة فيه إذ لا يلزم من عدم سماعها عدم وقوعه فقد سمعه غيرها بل جاء عنها من وجه آخر عند الإمام أحمد وابن ماجه أنه كان في بيتها رمح موضوع فسئلت عنه فقالت: نقتل به الوزغ فإن النبي ﷺ أخبرنا أن إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا أطفأت عنه النار إلا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه، فأمر النبي ﷺ بقتلها، لكن قال الحافظ ابن حجر: والذي في الصحيح أصح، ولعل عائشة سمعت ذلك من بعض الصحابة وأطلقت لفظ أخبرنا مجازًا أي أخبر الصحابة. قال عروة أو عائشة أو الزهري.
(وزعم) أي قال (سعد بن أبي وقاص) ﵁ (أن النبي ﷺ أمر بقتله). فعلى القول بأن عروة هو القائل يكون متصلاً لأن عروة سمع من سعد، وعلى الثاني يكون من رواية القرين عن قرينه، وعلى القول بأنه الزهري يكون منقطعًا قاله في الفتح مرجحًا للأخير بأن الدارقطني أخرجه في الغرائب من طريق ابن وهب عن يونس ومالك معًا عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قال: (للوزغ فويسق). وعن ابن شهاب عن سعد بن أبي وقاص: أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الوزغ، وقد أخرج مسلم والنسائي وابن ماجه وابن حبان حديث عائشة من طريق ابن وهب وليس عندهم حديث سعد، وأخرج مسلم وأبو داود وأحمد وابن حبان من طريق معمر عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه أن النبي ﷺ أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقًا، فكان الزهري وصله لمعمر وأرسله ليونس قال: ولم أر من نبه على ذلك من الشراح ولا من أصحاب الأطراف فللَّهِ الحمد اهـ.
ورجح العيني احتمال كون عائشة هي القائلة. وزعم بمقتضى التركيب، ونقل الدميرى أن أصحاب الآثار ذكروا أن الوزغ أصم وأن السبب في صممه ما تقدم من نفخه النار على إبراهيم فصم لذلك وبرص.
وهذا الحديث سبق في باب: ما يقتل من الدواب من كتاب الحج.
٣٣٠٧ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بن الفضلِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أُمَّ شَرِيكٍ أَخْبَرَتْهُ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا بِقَتْلِ الأَوْزَاغِ".
[الحديث ٣٣٠٧ - طرفه في: ٣٣٥٩].
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي وسقط لغير أبي ذر ابن الفضل قال: (أخبرنا
ابن عيينة) سفيان قال: (حدّثنا عبد الحميد بن جبير بن شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة العبدري الحجبي المكي (عن سعيد بن المسيب أن أم شريك) غزية بضم الغين المعجمة وفتح الزاي مصغرًا عامرية قرشية أو أنصارية (أخبرته أن النبي ﷺ أمرها بقتل الوزغ).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في أحاديث الأنبياء ومسلم في الحيوان والنسائي وابن ماجه في الصيد.
٣٣٠٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : «اقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يَطْمِسُ الْبَصَرَ وَيُصِيبُ الْحَبَلَ».
تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنِ سَلَمَةَ: "أَخْبَرَنَا أُسَامَة"
[الحديث ٣٣٠٨ - طرفه في: ٣٣٠٩].
وبه قال: (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) أبو محمد القرشي الهباري الكوفي من ولد هبار بن الأسود القرشي واسمه في الأصل عبد الله وعبيد لقب غلب عليه وعرف به قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵁) أنها (قالت: قال النبي) ولأبوي ذر والوقت: قال رسول الله (¬ ﷺ ¬):
(اقتلوا ذا الطفيتين) بضم المهملة وسكون الفاء من الحيات الذي على ظهره خطان كالخوصتين (فإنه يطمس البصر) يمحو نوره (ويصيب الحبل) أي يسقط الجنين إذا نظرت إليه الحامل (تابعه) أي تابع أبا أسامة (حماد بن سلمة) في روايته عن هشام فيما وصله أحمد عن عفان ولأبي ذر عن الكشميهني تابع حماد بن سلمة قال: (أخبرنا أسامة) وهذه المتابعة ثبتت لأبي ذر عن الحموي والمستملي.
٣٣٠٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِ الأَبْتَرِ وَقَالَ: إِنَّهُ يُصِيبُ الْبَصَرَ وَيُذْهِبُ الْحَبَلَ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن رامك الأسدي البصري قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن هشام) أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: أمر النبي ﷺ بقتل الأبتر) القصير أو الذي لا ذنب له من الحيات (وقال):
(إنه يصيب البصر) أي يعميه (ويذهب الحبل) يسقط الجنين.
٣٣١٠ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ أَبِي يُونُسَ الْقُشَيْرِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْتُلُ الْحَيَّاتِ، ثُمَّ نَهَى قَالَ: "إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَدَمَ حَائِطًا لَهُ فَوَجَدَ فِيهِ سِلْخَ حَيَّةٍ فَقَالَ: انْظُرُوا أَيْنَ هُوَ فَنَظَرُوا فَقَالَ: اقْتُلُوهُ، فَكُنْتُ أَقْتُلُهَا لِذَلِكَ".
٣٣١١ - "فَلَقِيتُ أَبَا لُبَابَةَ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَقْتُلُوا الْجِنَّانَ إِلاَّ كُلَّ أَبْتَرَ ذِي طُفْيَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ الْوَلَدَ وَيُذْهِبُ الْبَصَرَ فَاقْتُلُوهُ".
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم الصيرفي البصري قال: (حدّثنا ابن أبي عدي) محمد
стр. 2211
بن إبراهيم (عن أبي يونس) حاتم بن أبي صغيرة (القشيري) بضم القاف وفتح المعجمة نسبة إلى قشير بن كعب بن ربيعة (عن ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبيد الله (أن ابن عمر) ﵄ (كان يقتل الحيات) لعموم أمره ﷺ بقتلها (ثم نهى) بفتح النون والهاء يعني ابن عمر لسبب يأتي إن شاء الله تعالى (قال: إن النبي ﷺ هدم حائطًا له فوجد فيه سلخ حية) بكسر السين أي جلدها (فقال):
(انظروا أين هو فنظروا. فقال) ﵇: (اقتلوه) قال ابن عمر (فكنت أقتلها لذلك) أي الذي قاله ﵇ (فلقيت) ولأبي ذر: لذاك بغير لام قبل الكاف قال فلقيت (أبا لبابة) بن عبد المنذر الأوسي الصحابي (فأخبرني أن النبي ﷺ قال: لا تقتلوا الجنان) بكسر الجيم وتشديد النون وبعد الألف نون أخرى جمع جان وهو الحية البيضاء أو الصغيرة أو الرقيقة أو الخفيفة (إلا كل أبتر ذي طفيتين) خطين على ظهره (فإنه يسقط الولد) من بطن أمه إذا رأته (ويذهب البصر) يعميه (فاقتلوه).
واستشكل بما سبق اقتلوا ذا الطفيتين والأبتر بالواو إشارة إلى أنهما صنفان وهنا دال على أنه صنف واحد. وأجاب في الكواكب الدراري: بأن الواو للجمع بين الوصفين لا بين الذاتين فمعناه اقتلوا الحية الجامعة بين وصف الأبترية وكونها ذات الطفيتين كقولهم: مررت بالرجل الكريم والنسمة المباركة. قال: وأيضًا لا منافاة بين أن يرد الأمر بقتل ما اتصف بإحدى الصفتين وبقتل ما اتصف بهما معًا لأن الصفتين قد يجتمعان فيها وقد يفترقان اهـ.
قال في الفتح: إن كان الاستثناء في قوله إلّا كل أبتر متصلاً ففيه تعقب على من زعم أن ذا الطفيتين والأبتر ليسا من الجنان، ويحتمل أن يكون منقطعًا أي لكن كل ذي طفيتين فاقتلوه.
٣٣١٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ الْحَيَّاتِ.
وبه قال: (حدّثنا مالك بن إسماعيل) بن زياد بن درهم أبو غسان النهدي الكوفي قال: (حدّثنا جرير بن حازم) بفتح الجيم وحازم بالحاء المهملة والزاي (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) ﵄ (أنه كان يقتل الحيات) أخذًا بعموم قوله ﵇: "اقتلوا الحيات فمن تركهن مخافة ثأرهن فليس مني" رواه أبو داود.
٣٣١٣ - فَحَدَّثَهُ أَبُو لُبَابَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ جِنَّانِ الْبُيُوتِ، فَأَمْسَكَ عَنْهَا".
(فحدثه أبو لبابة أن النبي ﷺ نهى عن قتل جنان البيوت) بكسر الجيم التي تأوي إلى البيوت وتكون فيها (فأمسك) ابن عمر (عنها).
١٦ - بَابَ إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الآخَرِ شِفَاءً وَخَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ
هذا (باب) بالتنوين (إذا وقع الذباب) بالمعجمة واحده ذبابة ولا تقل ذبابة (في شراب أحدكم فليغمسه فإن في أحد جناحيه) ولأبوي ذر والوقت في إحدى جناحيه (داء وفي الآخر) ولهما الأخرى (شفاء وخمس من الدواب) جمع دابة من دب على الأرض يدب دبيبًا (فواسق) صفة المبتدأ وهو خمس وخبره (يقتلن) بضم أوله مبنيًا للمفعول (في الحرم) ففي الحل أولى والتبويب وتاليه ثابت في الفرع لأبي ذر. قال الحافظ ابن حجر وقوله إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثابت في رواية السرخسي ولا معنى لذكره هنا. قال: ووقع عنده أيضًا باب: خمس من الدواب فواسق، وسقط من رواية غيره وهو أولى.
٣٣١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْحُدَيَّا وَالْغُرَابُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي مصغرًا قال: (حدّثنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (عن عائشة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(خمس) أي من الدواب كما في الرواية الآتية (فواسق يقتلن في الحرم) والحل (الفأرة) بالهمز (والعقرب) وهو أصناف الجرارة والطيارة وما له من ذنب كالحربة وما له من ذنب معقف وفيها السود والخضر والصفر ولها ثمانية أرجل وعيناها في ظهرها، ومن عجيب أمرها أنها لا تضرب الميت ولا المغشي عليه ولا النائم إلا أن يتحرك شيء من بدنه فإنها عند ذلك تضربه (والحديا)، بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وتشديد التحتية مقصورًا من غير همز تصغير حدأة كعنبة الطائر المعروف. قيل: وفي طبعها أنها تقف في الطيران وليس ذلك لغيرها من الكواسر (والغراب) وهو
стр. 2212
معروف وسمي بذلك لسواده ومنه قوله تعالى: ﴿وغرابيب سود﴾) [فاطر: ٢٧]. وهما لفظتان بمعنى واحد. والعرب تتشاءم به ولذلك اشتقوا من اسمه الغربة والاغتراب وغراب البين الأبقع. قال صاحب المجالسة: سمي غراب البين لأن بأن عنه نوح ﵇ لما وجهه إلى الماء فذهب ولم يرجع، وقال ابن قتيبة: سمي فاسقًا لتخلفه حين أرسله نوح ﵇ ليأتيه بخبر الأرض فترك أمره ووقع على جيفة. (والكلب العقور) الجارح وهو معروف إذا عقر إنسانًا عرض له أمراض ردئية.
وسبق هذا الحديث في كتاب الحج في باب ما يقتل المحرم من الدواب.
٣٣١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ مَنْ قَتَلَهُنَّ وَهْوَ مُحْرِمٌ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ: الْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَالْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم أبي عبد الرَّحمن المدني مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال):
(خمس من الدواب من قتلهن وهو محرم فلا جناح) لا إثم (عليه) في قتلهن (العقرب، والفأرة، والكلب العقور، والغراب، والحدأة) بكسر الحاء وفتح الدال المهملتين مهموزًا.
٣٣١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ كَثِيرٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ رَفَعَهُ قَالَ: «خَمِّرُوا الآنِيَةَ، وَأَوْكُوا الأَسْقِيَةَ، وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ، وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ المَسَاءِ، فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً، وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا اجْتَرَّتِ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ».
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَحَبِيبٌ عَنْ عَطَاءٍ: "فَإِنَّ لِلشَّيَاطِينِ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) أبو الحسن الأسدي البصري قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم الجهضمي (عن كثير) بالمثلثة ابن شنظير بكسر الشين والظاء المعجمتين بينهما نون ساكنة وبعد التحتية الساكنة راء البصري وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وتوبع عليه كما في آخره وآخر في السلام على المصلي، وله متابع عند مسلم من رواية أبي الزبير عن جابر (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ رفعه) أي إلى النبي ﷺ أنه (قال) قال الكرماني: وإنما قال رفعه لأنه أعم من أن يكون بالواسطة أو بدونها وأن يكون الرفع مقارنًا لرواية الحديث أم لا. فأراد الإشارة إليه. وقال في الفتح: وقع عند الإسماعيلى من وجهين عن حماد بن زيد قال رسول الله ﷺ :
(خمّروا الآنية) بالخاء المعجمة والميم المشددة غطوها (وأوكوا الأسقية) بفتح الهمزة وسكون الواو وضم الكاف من غير همز شدوها بالوكاء وهو الخيط (وأجيفوا الأبواب) بفتح الهمزة وكسر الجيم وبعد التحتية الساكنة فاء أغلقوها (واكفتوا صبيانكم) بهمزة وصل وكسر الفاء بعدها فوقية، وفي بعض النسخ بضم الفاء أي ضموهم (عند العشاء) بكسر العين المهملة وضبب عليها في الفرع كأصله، ولأبوي ذر والوقت: عند المساء (فإن للجن) حينئذ (انتشارًا وخطفة) بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة وفتح الفاء أخذًا للشيء بسرعة (واطفئوا المصابيح) بهمزة قطع
وسكون المهملة وكسر الفاء بعدها همزة مضمومة (عند الرقاد) أي عند إرادة النوم (فإن الفويسقة) الفأرة (ربما اجترت الفتيلة) من المصباح بالجيم الساكنة والفوقية والراء المشددة المفتوحتين (فأحرقت أهل البيت) والأوامر في هذا الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة أو للندبية خصوصًا من ينوي بفعلها الامتثال.
(قال ابن جريج): عبد الملك بن عبد العزيز فيما وصله المؤلّف في أوائل هذا الباب، (وحبيب) بفتح الحاء المهملة المعلم فيما وصله أحمد وأبو يعلى من طريق حماد بن سلمة عنه كلاهما (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (فإن للشيطان) ولأبي ذر: فإن للشياطين بدل قوله فإن للجن ولا تضاد بينهما إذ لا محذور في انتشار المصنفين أو هما حقيقة واحدة يختلفان بالصفات قاله الكرماني.
٣٣١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَارٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ وَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ إِذْ خَرَجَتْ حَيَّةٌ مِنْ جُحْرِهَا، فَابْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَهَا، فَسَبَقَتْنَا فَدَخَلَتْ جُحْرَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا". وَعَنْ إِسْرَائِيلَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ .. مِثْلَهُ. قَالَ: "وَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ رَطْبَةً". وَتَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُغِيرَةَ.
وَقَالَ حَفْصٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ.
وبه قال: (حدّثنا عبدة بن عبد الله) الصفار الخزاعي قال: (أخبرنا يحيى بن آدم) بن سليمان القرشي الكوفي صاحب الثوري (عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس النخعي عم الأسود بن يزيد (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غار) بمنى (فنزلت) عليه (﴿والمرسلات عرفًا﴾) [المرسلات: ١]. (فإنا لنتلقاها من فيهِ) أي من فمه (إذ خرجت حية من جحرها) بتقديم الجيم المضمومة على الحاء
стр. 2213
المهملة الساكنة (فابتدرناها) تسابقنا إليها (لنقتلها فسبقتنا فدخلت جحرها فقال رسول الله ﷺ ¬)
(وقيت شركم كما وقيتم شرها) بضم الواو وتخفيف القاف مكسورة فيهما وشر نصب كلاهما. (و) روى هذا الحديث يحيى بن آدم (عن إسرائيل) بن يونس (عن الأعمش) سليمان بن مهران كما رواه عن منصور بن المعتمر كلاهما (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن عبد الله) بن مسعود (مثله. قال: وإنا لنتلقاها من فيه) ﷺ (رطبة) غضة طرية أوّل ما تلاها.
(وتابعه) أي وتابع إسرائيل (أبو عوانة) الوضاح اليشكري في روايته (عن مغيرة) بن مقسم بكسر الميم فيما وصله في تفسير سورة المرسلات. (وقال حفص): هو ابن غياث مما وصله في الحج (وأبو معاوية) الضرير فيما وصله مسلم (وسليمان بن قرم) بفتح القاف وسكون الراء آخره ميم الضبي مما قال الحافظ ابن حجر لم أقف عليه موصولاً الثلاثة (عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود) بدل علقمة (عن عبد الله) يعني ابن مسعود، وسقط لغير أبي ذر عن عبد الله.
٣٣١٨ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خِشَاشِ الأَرْضِ». قَالَ: وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدّثنا نصر بن علي) الجهضمي الأزدي البصري قال: (أخبرنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي بالسين المهملة البصري قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين وفتح الموحدة (ابن عمر) بن حفص العمري (عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال):
(دخلت امرأة النار) قال في الفتح: لم أقف على اسمها، وفي رواية أنها حميرية، وفي أخرى أنها من بني إسرائيل ولا تضاد بينهما لأن طائفة من حمير دخلوا في اليهودية فنسبت إلى دينها تارة وإلى قبيلتها أخرى (في) أي بسبب (هرة) أنثى السنور وجمعها هرر مثل قربة وقرب (ربطتها) وفي باب: فضل سقي الماء من كتاب الشرب حبستها حتى ماتت جوعًا (فلم تطعمها) الفاء تفصيل وتفسير للربط (ولم تدعها) أي لم تتركها (تأكل من خشاش الأرض) بتثليث الخاء المعجمة في الفرع كأصله وبشينين معجمتين بينهما ألف أي حشراتها كالفأرة، وهذا مما استدركته عائشة على أبي هريرة وقالت له: أتدري ما كانت المرأة، وإن المرأة مع ما فعلت كانت كافرة إن المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه في هرة، فإذا حدثت عن رسول الله ﷺ فانظر كيف تحدث.
(قال) عبد الأعلى السامي: (وحدّثنا عبيد الله) بن عمر العمري (عن سعيد المقبري عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ مثله).
٣٣١٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِجَهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِبَيْتِهَا فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: فَهَلاَّ نَمْلَةً وَاحِدَةً»؟
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن أبي
الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرَّحمن (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(نزل نبي من الأنبياء) عزير أو موسى (تحت شجرة فلدغته) بالدال المهملة والغين المعجمة قرصته (نملة) سميت نملة لتنملها وهو كثرة حركتها وقلة قوائمها (فأمر بجهازه) بفتح الجيم وكسرها أي بمتاعه (فأخرج من تحتها) أي من تحت الشجرة (ثم أمر ببيتها) أي ببيت النملة. وفي الجهاد من طريق الزهري بقرية النمل أي موضع اجتماعها (فأحرق بالنار فأوحى الله) (إليه) إلى ذلك النبي ﷺ (فهلا) أحرقت (نملة واحدة)؟ وهي التي قرصتك دون غيرها إذ لم يقع منها ما يقتضي إحراقها. وقول النووي ولعله كان جائزًا في شريعة ذلك النبي قتل النمل والتعذيب بالنار متعقب بأنه لو كان جائزًا لم يعاتب أصلاً ورأسًا. ولا يجوز عندنا قتل النمل لحديث ابن عباس المروي في السنن: أن النبي ﷺ نهى عن قتل النملة والنحلة، لكن خص الخطابي النهي بالسليماني الكبير أما الصغير المسمى بالذر فقتله جائز، وكره مالك قتل النمل إلا أن يضر ولا يقدر على دفعه إلاّ بالقتل.
وقال الدميري: قوله هلاًّ نملة واحدة دليل على جواز قتل المؤذي وكل قتل كان لنفع أو دفع ضرر فلا بأس به عند العلماء ولم يخص تلك النملة التي لدغت من غيرها لأنه ليس المراد القصاص لأنه لو أراده لقال: هلاًّ نملتك التي لدغتك، ولكن قال: هلاًّ نملة فكأن نملة تعم
стр. 2214
البريء والجاني، وقد ذكر أن لهذه القصة سببًا وهو أن هذا النبي مرّ على قرية أهلكها الله بذنوب أهلها فوقف متعجبًا فقال: يا رب كان فيهم صبيان ودواب ومن لم يقترف ذنبًا ثم نزل تحت شجرة فجرت له هذه القصة فنبهه الله على أن الجنس المؤذي يقتل وإن لم يؤذ، والحاصل أن العقوبة من الله تعم فتصير رحمة على المطيع وطهارة له وشرًّا ونقمة على العاصي.
(لطيفة):
روى الدارقطني والحاكم من حديث أبي هريرة ﵁ مما ذكره في حياة الحيوان أن النبي ﷺ قال: "لا تقتلوا النمل فإن سليمان ﵇ خرج ذات يوم يستسقي فإذا هو بنملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها تقول: اللهم إنّا خلق من خلقك لا غنى لنا عن فضلك. اللهم لا تؤاخذنا بذنوب عبادة الخاطئين واسقنا مطرًا تنبت لنا به شجرًا وأطعمنا ثمرًا. فقال سليمان ﵇ لقومه: ارجعوا فقد كفينا وسقيتم بغيركم".
١٧ - باب إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الأُخْرَى شِفَاءً
هذا (باب) بالتنوين (إذا وقع الذباب) بالذال المعجمة (في شراب أحدكم فليغمسه) أي فيه
(فإن في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى شفاء) كذا لأبي ذر عن الحموي وسقط لغيره وهو أولى إذ لا تعلق للأحاديث اللاحقة بذلك كما ستراه قريبًا إن شاء الله تعالى.
٣٣٢٠ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً».
[الحديث ٣٣٢٠ - طرفه في: ٥٧٨٢].
وبه قال: (حدّثنا خالد بن مخلد) بفتح الميم واللام بينهما خاء معجمة ساكنة البجلي الكوفي قال: (حدّثنا سليمان بن بلال) القرشي التيمي (قال: حدثني) بالإفراد (عتبة بن مسلم) بضم العين المهملة وسكون الفوقية وفتح الموحدة مولى بني تميم (قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد بن حنين) بضم العين والحاء المهملتين مصغرتين مولى زيد بن الخطاب القرشي العدوي (قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: قال النبي ﷺ ¬):
(إذا وقع الذباب في شراب أحدكم) هو شامل لكل مائع وعند ابن ماجه من حديث أبي سعيد فإذا وقع الطعام، وعند أبي داود من حديث أبي هريرة: فإذا وقع في إناء أحدكم، والإناء يكون فيه كل شيء من مأكول ومشروب (فليغمسه) زاد في الطب كله وفيه رفع توهم المجاز في الاكتفاء بغمس بعضه والأمر للإرشاد لمقابلة الداء بالدواء (ثم لينزعه) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ثم لينتزعه بزيادة فوقية قبل الزاي. وفي الطب ثم ليطرحه وفي البزار برجال ثقات أنه يغمس ثلاثًا مع قول بسم الله (فإن في إحدى جناحيه) بكسر الهمزة وسكون الحاء وهو الأيسر كما قيل (داء والأخرى) بضم الهمزة وهو الأيمن (شفاء) والجناح يذكر ويؤنث فإنهم قالوا: في جمعه أجنحة وأجنح فأجنحة جمع المذكر كقذال وأقذلة، وأجنح جمع المؤنث كشمال وأشمل. والحديث هنا جاء على التأنيث وحذف حرف الجر في قوله والأخرى، وفيه شاهد لمن يجيز العطف على معمولي عاملين كالأخفش، وبقية مبحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في الطب بمنّه وكرمه.
واستنبط من الحديث أن الماء القليل لا ينجس بوقوع ما لا نفس له سائلة فيه ووجهه كما نقل عن الشافعي أنه قد يفضي الغمس إلى الموت سيما إذا كان المغموس فيه حارًّا فلو نجسه لما أمر به لكن هذا الإطلاق قيده في المهمات بما إذا لم يتغير الماء به فإن تغير فوجهان. والصحيح أنه ينجس، وحكى في الوسيط عن التقريب قولاً فارقًا بين ما تعم به البلوى كالذباب والبعوض فلا ينجس وبين ما لا تعم كالعقارب والخنافس فينجس. وحكاه الرافعي في الصغير. قال الأسنوي: وهو متعين لا محيد عنه لأن محل النص فيه معنيان مناسبان عدم الدم المتعفن وعموم البلوى فكيف يقاس عليه ما وجد فيه أحدهما بل المتجه اختصاصه بالذباب لأن غمسه لتقديم الداء وهو مفقود في غيره.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الطب وابن ماجه فيه أيضًا.
٣٣٢١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «غُفِرَ لاِمْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ، قَالَ: كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ -فَنَزَعَتْ خُفَّهَا فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا فَنَزَعَتْ لَهُ مِنَ الْمَاءِ، فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ».
[الحديث ٣٣٢١ - طرفه في: ٣٤٦٧].
وبه قال: (حدّثنا الحسن بن الصباح) بتشديد الموحدة أبو عليّ الواسطي قال: (حدّثنا إسحاق) بن يوسف الواسطي (الأزرق) قال: (حدّثنا عوف) الأعرابي (عن الحسن) البصري (وابن سيرين) محمد كلاهما (عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ¬) أنه (قال):
стр. 2215
(غفر) بضم أوّله مبنيًّا للمفعول أي غفر الله (لامرأة) لم تسم (مومسة) بميم مضمومة فواو ساكنة فميم مكسورة فسين مهملة زانية (مرت بكلب على رأس ركيّ) بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد التحتية بئر لم تطو (يلهث) بالمثلثة يخرج لسانه عطشًا (قال: كاد يقتله العطش فنزعت خفّها) من رجلها (فأوثقته بخمارها) بكسر الخاء المعجمة بنصيفها (فنزعت له من الماء) استقت للكلب بخفها من الركية (فغفر لها بذلك) أي بسبب سقيها الكلب.
وفيه أن الله تعالى يتجاوز عن الكبيرة بالعمل اليسير تفضلاً منه. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الطهارة والشرب والنسائي.
٣٣٢٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْتُهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ كَمَا أَنَّكَ هَا هُنَا، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حفظته) أي الحديث (من الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (كما أنك هاهنا)، قال الكرماني: يعني كما لا يشك في كونك في هذا المكان كذلك لا شك في حفظي من قال: (أخبرني) بالإفراد (عبد الله) بضم العين مصغرًا ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود (عن ابن عباس عن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا تدخل الملائكة) غير الحفظة (بيتًا فيه كلب) يحرم اقتناؤه (ولا صورة) لحيوان أو الحكم عام في كل كلب وكل صورة.
وقد سبق هذا الحديث في باب: إذا قال أحدكم آمين.
٣٣٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) هو ابن أنس الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب). وفي مسلم من حديث عبد الله بن مغفل قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب ثم قال: "ما بالهم وبال الكلاب" ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم فحمل الأصحاب الأمر بقتلها على الكلب العقور، واختلفوا في قتل ما لا ضرر فيه منها فقال القاضي حسين وإمام الحرمين والماوردي في باب بيع الكلاب، والنووي في أول البيع من شرحي المهذّب ومسلم، لا يجوز قتلها. وقال في باب: محرمات الإحرام إنه الأصح وإن الأمر بقتلها منسوخ، وعلى الكراهة اقتصر الرافعي في الشرح وتبعه في الروضة وزاد كراهة تنزيه، ولكن قال الشافعي في الأم في باب الخلاف في ثمن الكلب واقتل الكلاب التي لا نفع فيها حيث وجدتها وهذا هو الراجح في المهمات ولا يجوز اقتناء الكلب الذي لا منفعة فيه.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في البيوع والنسائي في الصيد وكذا ابن ماجه.
٣٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ حَدَّثَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا يَنْقُصُ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ، إِلاَّ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة البصري (عن يحيى) هو ابن أبي كثير قال: (حدثني) بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرَّحمن بن عوف (أن أبا هريرة ﵁ حدّثه قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(من أمسك كلبًا ينقص من) أجر (عمله كل يوم قيراط) ولمسلم: قيراطان والحكم للزائد لأنه حفظ ما لم يحفظه الآخر أو يحمل على نوع من الكلاب بعضها أشد أذى من بعض أو لمعنى فيهما أو أنه يختلف باختلاف المواضع فيكون القيراطان في المدائن ونحوها، والقيراط في البوادي أو يكون في زمنين فذكر القيراط أوّلاً ثم زاد التغليظ فذكر القيراطين، والمراد بالقيراط مقدار معلوم عند الله تعالى ينقص من أجر عمله (إلا كل حرث أو ماشية) غنم فيجوز وإلاّ هنا معنى غير صفة لكلب لا استثناء لتعذره، ويجوز أن تنزل النكرة منزلة المعرفة فيكون استثناء لا صفة كأنه قيل من أمسك الكلب قاله الطيبي. وأو للتنويع وقيس عليه إمساكها لحراسة الدور والدواب.
وهذا الحديث سبق في باب اقتناء الكلب للحرث من كتاب المزارعة.
٣٣٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ الشَّنّيَّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ. فَقَالَ السَّائِبُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِيْ وَرَبِّ هَذِهِ الْقِبْلَةِ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي قال: (حدّثنا سليمان) هو ابن بلال (قال: أخبرني) بالإفراد (يزيد بن خصيفة) هو يزيد من الزيادة ابن عبد الله بن خصيفة بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة والفاء مصغرًا الكندي المدني
стр. 2216
ونسبه لجده (قال: أخبرني) بالإفراد (السائب بن يزيد) الكندي صحابي صغير أنه (سمع سفيان بن أبي زهير الشني) بفتح الشين المعجمة وكسر النون المشددة والتحتية المشددة، ولأبي ذر بالتنوين بفتح النون المخففة وزيادة واو مكسورة بعدها وفي نسخة الشنئي بفتح الشين والنون وبهمزة مكسورة نسبة إلى شنوءة (أنه سمع رسول الله ﷺ يقول):
(من اقتنى كلبًا لا يغني عنه زرعًا ولا ضرعًا) أي لا ينفعه من جهة الزرع والضرع وفي القاموس الضرع معروف للظلف والخف أو للشاة والبقرة ونحوهما (نقص من عمله كل يوم قيراط فقال السائب) لسفيان بن أبي زهير: (أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال) سفيان: (إي ورب هذه القبلة). بكسر الهمزة حرف جواب بمعنى نعم، فيكون لتصديق الخبر وإعلام المستخبر ولوعد الطالب وتوصل باليمين ما وقع هنا، ولم يظهر له تعلق بعض هذه الأحاديث بترجمة الباب، وما ذكره الكرماني من قوله: إن هذا آخر كتاب بدء الخلق وإنه ذكر فيه ما ثبت عنده مما يتعلق ببعض المخلوقات فلا يخفى بعده. والله الموفق.
هذا آخر كتاب بدء الخلق وتم في يوم الأربعاء المبارك العشرين من شهر شوّال سنة عشر وتسعمائة، وأستودع الله تعالى نفسي وديني وابنتي وأحبابنا والمسلمين وأن يطيل أعمارنا في طاعته، ويلبسنا أثواب عافيته بمنه ورحمته، ويفرّج كربنا ويحسن عاقبتنا والمسلمين ويرفع هذا الطعن والطاعون والوباء عنا أجمعين، ويمن بإكمال هذا الكتاب على يدي ويجعله لوجهه الكريم وينفعني به والمسلمين والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء
١ - باب خَلْقِ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ
﴿صَلْصَالٌ﴾: طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ، فَصَلْصَلَ كَمَا يُصَلْصِلُ الْفَخَّارُ، وَيُقَالُ مُنْتِنٌ يُرِيدُونَ بِهِ صَلَّ، كَمَا يُقَالُ صَرَّ الْبَابُ وَصَرْصَرَ عِنْدَ الإِغْلَاقِ، مِثْلُ كَبْكَبْتُهُ يَعْنِي كَبَبْتُهُ. ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾: اسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ. ﴿أَنْ لَا تَسْجُدَ﴾: أَنْ تَسْجُدَ. وقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾: إِلاَّ عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴿فِي كَبَدٍ﴾: فِي شِدَّةِ خَلْقٍ. ﴿وَرِيَاشًا﴾: الْمَالُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ وَهْوَ مَا ظَهَرَ مِنَ اللِّبَاسِ. ﴿مَا تُمْنُونَ﴾: النُّطْفَةُ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾: النُّطْفَةُ فِي الإِحْلِيلِ. كُلُّ شَىْءٍ خَلَقَهُ فَهْوَ ﴿شَفْعٌ﴾: السَّمَاءُ شَفْعٌ. ﴿وَالْوِتْرُ﴾: اللَّهُ . ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾: فِي أَحْسَنِ خَلْقٍ، ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: إِلاَّ مَنْ آمَنَ. ﴿خُسْرٍ﴾: ضَلَالٌ، ثُمَّ اسْتَثْنَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ. ﴿لَازِبٍ﴾: لَازِمٌ. ﴿نُنْشِئَكُمْ﴾: فِي أَىِّ خَلْقٍ نَشَاءُ. ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾: نُعَظِّمُكَ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾: فَهْوَ قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾. ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾: فَاسْتَزَلَّهُمَا. وَ ﴿يَتَسَنَّهْ﴾: يَتَغَيَّرْ. ﴿آسِنٌ﴾: مُتَغَيِّرٌ. و ﴿الْمَسْنُونُ﴾ الْمُتَغَيِّرُ. ﴿حَمَإٍ﴾: جَمْعُ حَمْأَةٍ وَهْوَ الطِّينُ الْمُتَغَيِّرُ. ﴿يَخْصِفَانِ﴾: أَخْذُ الْخِصَافِ ﴿مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ وَيَخْصِفَانِ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ. ﴿سَوْآتُهُمَا﴾: كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيهِمَا. ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ هَا هُنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الْحِينُ عِنْدَ الْعَرَبِ: مِنْ سَاعَةٍ إِلَى مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهُ. ﴿قَبِيلُهُ﴾: جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ.
(باب) ذكر (خلق آدم) صلوات الله عليه وسلامه (و) ذكر خلق (ذريته) وفي نسخة صحيحة كما في اليونينية: كتاب الأنبياء وعددهم مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألفًا أرسل منهم ثلاثمائة
وثلاثة عشر كما صححه ابن حبان من حديث أبي ذر مرفوعًا صلوات الله عليهم، وفي أخرى كتاب أحاديث الأنبياء ﵈ باب: خلق آدم صلوات الله عليه وذريته.
(﴿صلصال﴾) [الحجر: ٢٦]. في قوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من صلصال﴾ هو (طين) يابس (خلط برمل فصلصل) أي صوّت (كما يصلصل الفخار) يصوّت إذا نقر (ويقال منتن) بضم الميم (يريدون به صل) فضوعف فاء الفعل فصار صلصل (كما يقال) ولأبي ذر وأبي الوقت كما تقول (صرّ الباب) إذا صوّت (وصرصر عن الإغلاق) فضوعف فيه كذلك (مثل كبكبته) بتضعيف الكاف (يعني كببته) بتخفيف الموحدة الأولى وسكون الثانية.
(﴿فمرّت به﴾) [الأعراف: ١٨٩]. في قوله تعالى: ﴿فلما تغشاها﴾ أي جامع آدم حواء حملت حملاً خفيفًا فمرت به أي (استمر بها الحمل فأتمته) أي وضعته.
(﴿أن لا تسجد﴾) [الأعراف: ١٢]. في قوله تعالى ﴿ما منعك أن لا تسجد﴾ أي (أن تسجد) فلا صلة مثلها في لئلا يعلم مؤكدة معنى الفعل الذي دخلت عليه ومنبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود، وقيل الممنوع عن الشيء مضطرًا إلى خلافه فكأنه قيل ما اضطرك إلى أن لا تسجد قاله في الأنوار.
(باب قول الله تعالى) وسقط لأبي ذر وفي روايته وأبي الوقت وقول الله تعالى: (﴿واذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾) [البقرة: ٣٠]. أي قومًا يخلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرن وجيلاً بعد جيل كما قال تعالى: ﴿هو الذي جعلكم خلائف في الأرض﴾
[الأنعام: ١٦٥]. وأن المراد آدم لأنه خلف الجن وجاء بعدهم أو لأنه خليفة الله في أرضه لإقامة حدوده وتنفيذ قضاياه ورجح القول الأول بأنه لو كان المراد آدم نفسه لما حسن قول الملائكة "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء".
(قال ابن عباس) في قوله تعالى: (﴿لما﴾) بتشديد الميم (﴿عليها حافظ﴾) [الطارق: ٤] أي (إلا عليها حافظ) وهي قراءة عاصم وحمزة وابن عامر فلما بمعنى إلا الاستثنائية وهي لغة هذيل يقولون سألتك بالله لما فعلت بمعنى ألا فعلت، وهذا وصله ابن أبي حاتم وزاد عليها حافظ من الملائكة. وقال قتادة: هم حفظة يحفظون عملك ورزقك وأجلك وقيل هو الله رقيب عليها.
(﴿في كبد﴾) [البلد: ٤].
стр. 2217
أي (في شدة خلق) بفتح الخاء وسكون اللام رواه ابن عيينة في تفسيره عن ابن عباس بإسناد صحيح وأخرجه الحاكم في مستدركه وقيل لأنه يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة، وقيل لم يخلق الله خلفًا يكابد ابن آدم وهو مع ذلك أضعف خلق الله.
(﴿ورياشًا﴾) بفتح الياء وألف بعدها جمع ريش فهو كشع وشعاب وهي قراءة الحسن ولأبي ذر (وريشًا) بسكون الياء وإسقاط الألف وهي القراءة المتواترة في قوله تعالى: ﴿قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم وريشًا﴾ [الأعراف: ٢٦]. قال ابن عباس: الرياش هو (المال). رواه عنه
ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة يقال تريش الرجل إذا تموّل (وقال غيره): غير ابن عباس (الرياش) بالألف (والريش) بإسقاطها (واحد وهو ما ظهر من اللباس) وعن ابن الأعرابي: كل شيء يعيش به الإنسان من متاع أو مال أو مأكول فهو ريش ورياش، وقال ابن السكيت: الرياش مختص بالثياب والأثاث والريش قد يطلق على سائر الأموال.
(﴿ما تمنون﴾) [الواقعة: ٥٨]. قال الفراء هي (النطفة في أرحام النساء). وقرئ تمنون بفتح التاء من منى النطفة بمعنى أمناها وقراءة الجمهور بضمها من أمنى. قال القرطبي: ويحتمل أن يختلف معناهما فيكون أمنى إذا أنزل عن جماع ومنى إذا أنزل عن احتلام.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿أنه على رجعه لقادر﴾) [الطارق: ٨]. هو (النطفة في الإحليل). قادر على أن يردّها فيه والضمير للخالق ويدل عليه خلق وقيل قادر على ردّ الماء في الصلب الذي خرج منه، وسقط لأبي ذر لفظ: إنه ولقادر (كل شيء خلقه فهو ﴿شفع﴾ السماء شفع) يعني أن كل شيء له مقابل يقابله فهو بالنسبة إليه شفع كالسماء والأرض والبر والبحر والجن والإنس ونحو هذا شفع. (﴿والوتر﴾) [الفجر: ٣] (الله وحدّه وهذا وصله الطبري عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿ومن كل شيء خلقنا زوجين﴾ [الذاريات: ٤٩]. بنحوه وعن ابن عباس فيما أخرجه الطبري أيضًا من طرق صحيحة الوتر يوم عرفة والشفع يوم الذبح.
(﴿في أحسن تقويم﴾) قال مجاهد فيما أخرجه الفريابي أي (في أحسن خلق) بفتح الخاء منتصب القامة حسن الصورة (﴿أسفل سافلين﴾) [التين: ٤، ٥]. بأن جعلناه من أهل النار أو كناية عن الهرم والضعف فينقص عمل المؤمن عن زمن الشباب ويكون له أجره لقوله تعالى: ﴿إلا الدين آمنوا﴾ قال مجاهد: (إلا من آمن) أي لكن من آمن فالاستثناء منقطع، والمعنى ثم رددناه أسفل سافلين رددناه إلى أرذل العمر فنقص عمله فنقصت حسناته، لكن من آمن وعمل الصالحات ولازم عليها إلى زمن الهرم والضعف فإنه يكتب له بعدة مثل الذي كان يعمل في الصحة.
(﴿خسر﴾) في قوله تعالى: ﴿إن الإنسان لفي خُسر﴾ [العصر: ٢]. أي (ضلال ثم استثنى فقال: إلا من آمن) فليس في ضلال قال مجاهد فيما أخرجه الفريابي وذكر بالمعنى وإلاّ فالتلاوة ﴿إلا الذين آمنوا﴾ وثبت لأبي ذر لفظ فقال.
(﴿لازب﴾) في قوله تعالى: ﴿إنّا خلقناهم من طين لازب﴾ [الصافات: ١١]. قال أبو عبيدة (لازم) بالميم. قال النابغة:
ولا تحسبون الشرّ ضربة لازب
أي لازم. وعن مجاهد فيما رواه الطبري لازق، وعن ابن عباس من التراب والماء فيصير طينًا يلزق فلعل تفسيره باللازم تفسير بالمعنى وأكثر أهل اللغة على أن الباء في اللازب بدل من الميم فهما بمعنى، وقد قرئ لازم بالميم لأنه يلزم اليد وقيل اللازب المنتن.
(﴿ننشئكم﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وننشئكم فيما لا تعلمون﴾ [الواقعة: ٦١]. أي (في أي خلق نشاء) أي من الصور والهيئات. وقال الحسن: أي نجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بأقوام قبلكم.
(﴿نسبح بحمدك﴾) [البقرة: ٣٠]. يريد قوله: ﴿ونحن نسبح بحمدك﴾ قال مجاهد: أي (نعظمك) بأن نبرئك من كل نقص فنقول: سبحان الله وبحمده. (وقال أبو العالية): رفيع بن مهران الرياحي فيما وصله الطبري بإسناد حسن في قوله تعالى: (﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾) [البقرة: ٣٧]. (فهو قوله) تعالى: (﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾) [الأعراف: ٢٣]. الآية. (﴿فأزلهما﴾) [البقرة: ٣٦]. أي (فاستزلهما) دعاهما إلى الزلة وهي الخطيئة لكنها صغيرة وعبر عنها في طه بقوله (وعصى) تعظيمًا للزلة وزجرًا لأولاده عنها (﴿ويتسنه﴾) في قوله تعالى: ﴿فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه﴾ [البقرة: ٢٥٩]. أي لم (يتغير)
стр. 2218
ولأبي ذر: يتسنه يتغير. (﴿آسن﴾) في قوله تعالى: ﴿من ماء غير آسن﴾ [محمد ﷺ : ١٥]. معناه متغير و (﴿المسنون﴾) في قوله تعالى: ﴿من حمأ مسنون﴾ [الحجر: ٢٦]. معناه (المتغير) من الطين (﴿حمأ﴾) بفتح الميم (جمع حمأة) بسكونها (وهو الطين المتغير) المسود من طول مجاورة الماء. وقوله: ﴿يتسنه﴾ لم يتغير ذكره بطريق التبعية للمسنون وهذا كله تفسير أبي عبيدة لا من تفسير أبي العالية ويحتمل أنه كان في الأصل بعد قوله: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ [الأعراف: ٢٣]. وقال غيره: فأزلهما.
(﴿يخصفان﴾) قال أبو عبيدة هو (أخذ الخصاف) بسكون خاء أخذ وضم الذال والخصاف بكسر الخاء وجر الفاء في الفرع كأصله وفي غيرهما أخذ الخصاف بفتح الخاء والذال وألف التثنية ونصب الفاء على المفعولية ﴿من ورق الجنة﴾ قال ابن عباس: من ورق التين (يؤلفان الورق ويخصفان) يلزقان (بعضه إلى بعض) ليسترا به عورتهما (﴿سوآتهما﴾ كناية عن فرجهما) ولأبي ذر: فرجيهما بفتح الجيم وتحتية ساكنة والضمير لآدم وحواء (﴿ومتاع إلى حين﴾) (الأنبياء: ١١١]. المراد به (هاهنا إلى يوم القيامة، والحين عند العرب: من ساعة إلى ما لا يحص عدده). كذا رواه الطبري عن ابن عباس بنحوه.
(﴿قبيله﴾) في قوله تعالى: ﴿إنه يراكم هو وقبيله﴾ [الأعراف: ٢٧] أي (جيله الذي هو منهم) كذا قاله أبو عبيدة. وعن مجاهد فيما ذكره الطبري الجن والشياطين.
٣٣٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ. فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الآنَ».
[الحديث ٣٣٢٦ - طرفه في: ٦٢٢٧].
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (عن معمر) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة هو ابن راشد (عن همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى هو ابن منبه (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(خلق الله) (آدم) ﵊ زاد عبد الرزاق عن معمر على صورته والضمير لآدم أي أن الله أوجده على الهيئة التي خلقه الله عليها لم ينتقل في النساء أحوالاً ولا تردد في الأرحام أطوارًا بل خلقه كاملاً سويًا، وعورض هذا التفسير بقوله في حديث آخر خلق آدم على صورة الرحمن وهي إضافة تشريف وتكريم لأن الله تعالى خلقه على صورة لم يشاكلها شيء من الصور في الكمال والجمال (وطوله ستون ذراعًا) بقدر ذراع نفسه أو بقدر الذراع المتعارف يومئذ عند المخاطبين، ورجح الأول بأن ذراع كل أحد مثل ربعه فلو كان بالذراع المعهود لكانت يده قصيرة في جنب طول جسده، وزاد أحمد من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا في سبعة أذرع عرضًا (ثم قال) تعالى له (اذهب فسلّم على أولئك من الملائكة فاستمع ما يحيونك) من التحية وهذه (تحيتك وتحية ذريتك) من بعدك. وفي الترمذي من حديث أبي هريرة لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال: الحمد لله فحمد الله بإذنه. الحديث إلى قوله: اذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملأ منهم جلوس، (فقال السلام عليكم. فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله) وهذا أول مشروعية السلام وتخصيصه بالذكر لأنه فتح لباب المودّة وتأليف لقلوب الإخوان المؤدي إلى استكمال الإيمان كما في حديث مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم". (فكل من يدخل الجنة) يدخلها وهو (على صورة آدم) ﵇ في الحسن والجمال والطول ولا يدخلها على صورته من السواد أو بوصف من العاهات (فلم يزل الخلق ينقص) في الجمال والطول (حتى الآن) فانتهى التناقص إلى هذه الأمة فإذا دخلوا الجنة عادوا إلى ما كان عليه آدم من الجمال وطول القامة.
وفي كتاب مثير الغرام في زيارة القدس والخليل ﵇ لتاج الدين التدمري مما نقله عن ابن قتيبة في المعارف: أن آدم ﵇ كان أمرد وإنما نبتت اللحية لولده بعده وكان طوالاً كثير الشعر جعدًا أجمل البرية.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في الاستئذان ومسلم في صفة الجنة وصححه ابن حبان ورواه البزار والترمذي والنسائي من حديث سعيد المقبري وغيره عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن الله
стр. 2219
خلق آدم من تراب فجعله طينًا، ثم ترك حتى إذا كان حمأ مسنونًا خلقه وصوره، ثم تركه حتى إذا كان صلصالاً كالفخار كان إبليس يمرّ به فيقول: خلقت لأمر عظيم ثم نفخ الله فيه من روحه فكان أول ما جرى فيه الروح بصره وخياشيمه فعطس فقال: الحمد لله. فقال الله: يرحمك ربك" الحديث.
وفي حديث أبي موسى أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان مرفوعًا: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض"، ففي هذا أن الله تعالى لما أراد إبراز آدم من العدم إلى الوجود قلبه في ستة أطوار: طور التراب وطور الطين اللازب وطور الحمأ وطور الصلصال وطور التسوية وهو جعل الخزقة التي هي الصلصال عظمًا ولحمًا ودمًا ثم نفخ فيه الروح، وقد خلق الله تعالى الإنسان على أربعة أضرب: إنسان من غير أب ولا أم وهو آدم، وإنسان من أب لا غير وهو حواء، وإنسان من أم لا غير وهو عيسى، وإنسان من أب وأم وهو الذي خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب يعني من صلب الأب وترائب الأم، وهذا الضرب يتم بعد ستة أطوار أيضًا. النطفة ثم العلقة، ثم المضعة، ثم العظام، ثم كسوة العظام لحمًا، ثم نفخ الروح فيه، وقد شرف الله تعالى هذا الإنسان على سائر المخلوقات فهو صفوة العالم وخلاصته وثمرته قال الله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ [الإسراء: ٧٠]. ﴿وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه﴾ [الجاثية: ١٣].
ولا ريب أن من خلقت لأجله وسببه جميع المخلوقات علويها وسفليها خليق بأن يرفل في ثياب الفخر على من عداه، وتمتدّ إلى اقتطاف زهرات النجوم يداه، وقد خلقه الله تعالى واسطة بين شريف وهو الملائكة، ووضيع وهو الحيوان. ولذلك كان فيه قوى العالمين وأهل لسكنى الدارين فهو كالحيوان في الشهوة وكالملائكة في العلم والعقل والعبادة وخصه رتبة النبوة، واقتضت الحكمة أن تكون شجرة النبوّة صنفًا منفردًا ونوعًا واقعًا بين الإنسان والملك ومشاركًا لكل واحد منهما على وجه فإنه كالملائكة في الاطّلاع على ملكوت السماوات والأرض، وكالبشر في أحوال المطعم والمشرب، وإذا طهر الإنسان من نجاسته النفسية وقاذوراته البدنية وجعل في جوار الله كان حينئذٍ أفضل من الملائكة. قال تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب﴾ [الرعد: ٢٣].
وفي الحديث: الملائكة خدم أهل الجنة.
قال ابن كثير: واختلف هل ولد لآدم في الجنة؟ فقيل: لا. وقيل: ولد له فيها قابيل وأخته. قال: وذكروا أنه كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى. وفي تاريخ ابن جرير أن حواء ولدت لآدم أربعين ولدًا في عشرين بطنًا، وقيل مائة وعشرين بطنًا في كل بطن ذكر وأنثى أوّلهم قابيل وأخته أقليمًا، وآخرهم عبد المغيث وأخته أمة المغيث، وقيل: إنه لم يمت حتى رأى من ذريته من ولده وولد ولده أربعمائة ألف نسمة والله أعلم.
وذكر السدي عن ابن عباس وغيره أنه كان يزوّج ذكر كل بطن بأنثى الآخر، وأن هابيل أراد أن يتزوج أخت قابيل فأبى فأمرهما آدم أن يقربا قربانًا فنزلت نار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تتزوج أختي فقال: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ [المائدة: ٢٧]. وضربه فقتله وكانت مدة حياة آدم ألف سنة. وعن عطاء الخراساني مما رواه ابن جرير أنه لما مات آدم بكت الخلائق عليه سبعة أيام.
٣٣٢٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَتْفِلُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ، الأَلنْجُوجُ عُودُ الطِّيبِ، وَأَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي مولاهم البلخي الكوفي قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن عمارة) بضم العين ابن القعقاع (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير البجلي الكوفي (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(إن أول زمرة) أي جماعة (يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر) في الحسن والإضاءة (ثم الذين يلونهم) وفي باب ما جاء في صفة الجنة من طريق الأعرج عن أبي هريرة: ثم الذين على أثرهم (على أشد كوكب دري) بضم الدال وتشديد الراء والتحتية من غير همز (في السماء إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون) بكسر الفاء وفي باب ما جاء في صفة
стр. 2220
الجنة ولا يبصقون بالصاد (ولا يمتخطون أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك) أي عرقهم كالمسك في طيب ريحه (ومجامرهم الألوة) بفتح الهمزة وضم اللام وتشديد الواو وهي (الأنجوج) بهمزة مفتوحة فنون ساكنة وبعد الجيم المضمومة واو ساكنة فجيم أخرى، ولأبي ذر: الألنجوج بلام مفتوحة بين الهمزة والنون وهو (عود الطيب) الذي يبخر به.
فإن قلت: أي حاجة في الجنة إلى الامتشاط ولا تتلبد شعورهم ولا تتسخ وأي حاجة إلى البخور وريحهم أطيب من المسك؟ أجيب: بأن نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم فليس أكلهم عن جوع ولا شربهم عن ظمأ ولا تطيبهم عن نتن وإنما هي لذات متوالية ونعم متتابعة.
(وأزواجهم الحور العين) وهم (على خلق رجل واحد) بفتح الخاء وسكون اللام (على صورة أبيهم آدم) في الطول (ستون ذرعًا في السماء) في العلو والارتفاع.
وهذا موضع الترجمة وسبق هذا الحديث في باب: ما جاء في صفة الجنة.
٣٣٢٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ "عَنْ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ الْغُسْلُ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ. فَضَحِكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ: تَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَبِمَا يُشْبِهُ الْوَلَدُ"؟.
وبه قال: (حدّثنا مسدّد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة) عبد الله المخزومي (عن أم سلمة) أم المؤمنين ﵂ (أن أم سليم) سهلة والدة أنس بن مالك (قالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق)، قالت ذلك اعتذارًا عن تصريحها بما تنقبض عنه النفوس البشرية لا سيما بحضرته ﷺ أي أن الله تعالى بيّن لنا أن الحق ليس مما يستحيا منه وسؤالها هذا كان من الحق (فهل على المرأة الغسل) بفتح الغين في الفرع كأصله (إذا احتلمت)؟ وفي باب: إذا احتلمت المرأة من كتاب الغسل إذا هي احتلمت (قال) ﵊:
(نعم). يجب عليها الغسل (إذا رأت الماء) أي المني بعد استيقاظها من النوم (فضحكت أم سلمة. فقالت: تحتلم المرأة) بغير همزة والواو (فقال رسول الله ﷺ فبما) بألف بعد الميم مع دخول الجار وهو قليل (يشبه الولد)؟ أمه. وقال البيضاوي: هذا استدلال على أن لها منيًّا كما للرجل منيّ والولد مخلوق منهما إذ لو لم يكن لها ماء وكان الولد من مائه المجرد لم يكن يشبهها لأن الشبه بسبب ما بينهما من المشاركة في المزاج الأصلي المعين المعدّ لقبول التشكلات والكيفيات المعينة من مبدعه ﵎، فإن غلب ماء الرجل ماء المرأة وسبق نزع الولد إلى جانبه ولعله يكون ذكرًا، وإن كان العكس نزع الولد إلى جانبه ولعله يكون أنثى.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: فبما يشبه الولد؟ وسبق الحديث في الطهارة.
٣٣٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ مَقْدَمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ نَبِيٌّ، قَالَ مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ وَمِنْ أَىِّ شَىْءٍ يَنْزِعُ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ وَمِنْ أَىِّ شَىْءٍ يَنْزِعُ إِلَى أَخْوَالِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خَبَّرَنِي بِهِنَّ آنِفًا جِبْرِيلُ. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ. وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ وَأَمَّا الشَّبَهُ فِي الْوَلَدِ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَشِيَ الْمَرْأَةَ فَسَبَقَهَا مَاؤُهُ كَانَ الشَّبَهُ به، وَإِذَا سَبَقَ مَاؤُهَا كَانَ الشَّبَهُ لَهَا. قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ، إِنْ عَلِمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ بَهَتُونِي عِنْدَكَ. فَجَاءَتِ الْيَهُودُ، وَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ الْبَيْتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ قَالُوا: أَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا، وَأَخْبَرُنَا وَابْنُ أَخْيَرِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ؟ قَالُوا: أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ. فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا. وَوَقَعُوا فِيهِ".
[الحديث ٣٣٢٩ - أطرافه في: ٣٩١١، ٣٩٣٨، ٤٤٨٠].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سلام) بتخفيف اللام السلمي مولاهم البيكندي قال: (أخبرنا الفزاري) بفتح الفاء والزاي مروان بن معاوية بن الحرث بن أسماء الكوفي نزيل مكة (عن حميد) الطويل (عن أنس ﵁) أنه (قال: بلغ عبد الله بن سلام) بتخفيف اللام الإسرائيلي وعبد الله نصب بقوله (مقدم) وهو رفع على الفاعلية مصدر ميمي بمعنى القدوم (رسول الله) ولأبي ذر: النبي (¬ ﷺ المدينة) نصب على الظرفية (فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث) من المسائل (لا يعلمهن إلاّ نبي. أوّل) ولأبي ذر قال: قال ما أوّل (أشراط الساعة) أي علاماتها (وما أول طعم يأكله أهل الجنة) فيها (ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه) أي يشبه أباه (ومن أي شيء ينزع إلى أخواله) يشبههم (فقال رسول ﷺ ¬):
(خبرني) بتشديد الموحدة (بهن) بالمسائل المذكورة (آنفًا جبريل) ﵇ (قال) أنس (فقال عبد الله) بن سلام (ذاك) يعني جبريل (عدو اليهود من الملائكة، فقال رسول الله ﷺ ¬) مجيبًا له: (أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت) وهي القطعة المنفردة المتعلقة بالكبد وهي أطيبها وهي في غاية اللذة، وقيل هي أهنأ طعام وأمرؤه، وقيل: إن الحوت هو الذي عليه الأرض والإشارة بذلك إلى نفاد الدنيا. (وأما الشبه في الولد فإن الرجل
стр. 2221
إذا غشي المرأة) أي جامعها (فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها) ضبب على قوله ماؤها في الفرع، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: استبقت بهمزة وصل وتسكين السين المهملة وفوقية مفتوحة وبعد القاف تاء تأنيث، ولأبي ذر عن الكشميهني سبقت بفتح السين وإسقاط الألف والفوقية (كان الشبه لها) وفي حديث عائشة عن مسلم: إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أشبه أعمامه وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أشبه أخواله، والمراد بالعلو هنا السبق فقد علا شأنه فهو علو معنوي، وقيل غير ذلك مما يأتي إن شاء الله تعالى بعونه وكرمه قبيل كتاب المغازي.
(قال) ابن سلام: (أشهد أنك رسول الله. ثم قال: يا رسول الله وإن اليهود قوم بُهت) بضم الموحدة وسكون الهاء وتضم جمع بهيت كقضيب وقضب وهو الذي تبهت العقول له بما يفتريه من الكذب أي كذابون ممارون لا يرجعون إلى الحق (إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم) عني (بهتوني) كذبوا علّي (عندك فجاءت اليهود) إلى رسول الله ﷺ (ودخل عبد الله) بن سلام (البيت، فقال رسول الله ﷺ ¬) لليهود: (أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعلمنا وابن أعلمنا وأخيرنا وابن أخيرنا) أفعل تفضيل من الخير وفيه استعمال أفعل التفضيل بلفظ الأخير، ولغير أبي ذر أخبرنا وابن أخيرنا بالموحدة في الأولى من الخبرة وبالتحتية في الثانية، (فقال رسول الله ﷺ ¬): (أفرأيتم) أي أخبرني (إن أسلم عبد الله)؟ تسلموا (قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله) من البيت (إليهم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. فقالوا: شرّنا وابن شرّنا ووقعوا فيه).
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: وأما الشبه لأن الترجمة في خلق آدم وذريته.
٣٣٣٠ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ، يَعْنِي: «لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ، وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا».
وبه قال: (حدّثنا بشر بن محمد) بكسر الموحدة وسكون المعجمة المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن همام) هو ابن منبه (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه) فيه حذف قيل لعله روي قبل هذا عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر، ثم رواه عن بشر بن محمد عن عبد الله عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ثم قال نحوه أي نحو الحديث المذكور ثم فسر ذلك بقوله:
(يعني لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم) بخاء معجمة ساكنة فنون مفتوحة فزاي لم ينتن وأصل ذلك فيما روي عن قتادة أنس بني إسرائيل ادّخروا لحم السلوى وكانوا نهوا عن ذلك فعوقبوا بذلك فاستمر نتن اللحم من ذلك الوقت. (ولولا حواء) بالهمزة ممدودًا (لم تخن أنثى زوجها) حيث زينت لزوجها آدم ﵇ الأكل من الشجرة فسرى في أولادها مثل ذلك فلا تكاد امرأة تسلم من خيانة زوجها بالفعل أو القول.
٣٣٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَمُوسَى بْنُ حِزَامٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ مَيْسَرَةَ الأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَىْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ".
[الحديث ٣٣٣١ - طرفاه في: ٥١٨٤، ٥١٨٦].
وبه قال: (حدّثنا أبو كريب) بضم الكاف مصغرًا محمد بن العلاء (وموسى بن حزام) بالحاء المهملة المكسورة والزاي الترمذي العابد (قالا: حدّثنا حسين بن عليّ) بضم الحاء وفتح السين مصغرًا ابن الوليد الجعفي (عن زائدة) بن قدامة الثقفي (عن ميسرة) ضد الميمنة ابن عمار (الأشجعي) بالشين المعجمة (عن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمان الأشجعي الغطفاني (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(استوصوا) قال البيضاوي: الاستيصاء قبول الوصية والمعنى أوصيكم (بالنساء) خيرًا وقال الطيبي: الأظهر أن السين للطلب مبالغة أي اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهن بخير كما في
قوله تعالى: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون﴾ [البقرة: ٨٩]. قال في الكشاف: السين للمبالغة أي يسألون أنفسهم الفتح عليهم كالسين في استعجب ويجوز أن يكون الخطاب العام أي يستوصي بعضكم من بعض في حق النساه، (فإن المرأة خلقت من ضلع) أي أعوج بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام وتسكن
стр. 2222
واحد الأضلاع استعير للعوج صورة أو معنى أي فلا يتهيأ الانتفاع بها إلا بمداراتها والصبر على اعوجاجها، وقيل: أراد به أن أول النساء حواء أخرجت من ضلع آدم الأيسر، وقيل من القصيرى كما تخرج النخلة من النواة وجعل مكانها لحم، وهذا مروي عن ابن عباس فيما رواه ابن إسحاق في المبتدأ بلفظ: إن حواء خلقت من ضلع آدم الأقصر الأيسر وهو نائم، وكأن المعنى أن النساء خلقن من أصل خلق من شيء معوج، وقوله: أعوج هو أفعل التفضيل فاستعماله في العيوب شاذ، وإنما يمتنع عند الالتباس بالصفة فإذا تميز عنه بالقرينة جاز.
(وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه) ذكره تأكيدًا لمعنى الكسر أو إشارة إلى أنها خلقت من أعوج أجزاء الضلع مبالغة في إثبات هذه الصفة لهن أو ضرب مثلاً لأعلى المرأة لأن أعلاها رأسها وفيه لسانها، وهو الذي يحصل منه الأذى. والأصل التعبير بأعلاها لأن الضلع مؤنثة، وإنما أعاد الضمير مذكرًا على تأويله بالعضو، وقول الزركشي: تأنيثه غير حقيقي فلذا جاز التذكير، تعقبه في المصابيح فقال: هذا غلط لأن معاملة المؤنث غير الحقيقي معاملة المذكر إنما هو بالنسبة إلى ظاهره إذا أسند إليه مثل طلع الشمس، وأما مضمره فحكمه حكم المؤنث الحقيقي في وجوب التأنيث تقول: الشمس طلعت وهي طالعة ولا تقول طلع وهو طالع. نعم قد يؤول في بعض المواضع بالمذكر فينزل منزلته مثل:
فلا مزنة ودقت ودقها … ولا أرض أبقل أبقالها
فأول الأرض بالمكان فذكّر وكذا ما نحن فيه.
(فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته) أي وإن لم تقمه (لم يزل أعوج) فلا يقبل الإقامة وهذا ضرب مثل لما في أخلاق النساء من الاعوجاج فإن أريد منهن الاستقامة ربما أفضى ذلك إلى الطلاق. وفي مسلم من حديث أبي هريرة: إن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها، (فاستوصوا بالنساء) أيها الرجال. وفي الحديث الندب إلى المداراة لاستمالة النفوس وتألف القلوب وفيه سياسة النساء بأخذ العفو عنهن والصبر على عوجهن فإن من رام تقويمهن فاته الانتفاع بهن مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها ويستعين بها على معاشه. وفي صحيح ابن حبان مرفوعًا من حديث أبي هريرة: إن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن أقمتها كسرتها فدارها تعش بها.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في النكاح وعشرة النساء ومسلم في النكاح.
٣٣٣٢ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ: "حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ
يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: فَيُكْتَبُ عَمَلُهُ، وَأَجَلُهُ، وَرِزْقُهُ، وَشَقِيٌّ أَم سَعِيدٌ. ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ. فَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ».
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث بن طلق قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا زيد بن وهب) الجهني قال: (حدّثنا عبد الله) بن مسعود ﵁ قال: (حدّثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق) في قوله (المصدوق) فيما وعده به الله .
(إن أحدكم) بكسر همزة إن في الفرع كأصله على معنى حدّثنا فقال: إن أحدكم أو إن وما بعدها محكيان بحدّثنا على ما عرف من مذهبهم في جواز الحكاية بما فيه من معنى القول لا حروفه، وقول أبي البقاء: لا يجوز إلا الفتح لأن قبله حدّثنا منقوص بما ذكر، ولأبي ذر عن الكشميهني: وإن خلق أحدكم (يجمع) بضم أوله وسكون ثانيه مبنيًّا للمفعول أي يضم (في بطن أمه أربعين يومًا) بلياليها بعد الانتشار، وزاد أبو عوانة نطفة، فبين أن الذي يجمع هو النطفة وهو المني، وذلك أن ماء الرجل إذا لاقى ماء المرأة بالجماع وأراد الله أن يخلق من ذلك الجنين هيّأ أسباب ذلك لأن في رحم المرأة قوتين قوة انبساط عند ورود مني الرجل حتى ينتشر في جسد المرأة وقوة انقباض بحيث لا يسيل من فرجها مع كونه منكوسًا، ومع كون المني ثقيلاً بطبعه وفي مني الرجل قوة الفعل وفي مني المرأة قوة الانفعال فعند الامتزاج يصير مني الرجل كالأنفحة للبن. وفي النهاية يجوز أن يريد بالجمع مكث النطفة في الرحم لتتخمر فيه حتى تتهيأ للتصوير (ثم يكون) أي يصير (علقة) دمًا غليطًا جامدًا (مثل ذلك) الزمان، والمعنى أنها تصير بتلك الصفة مدة الأربعين (ثم يكون)
стр. 2223
يصير (مضغة) قطعة لحم سميت بذلك لأنها بقدر ما يمضعه الماضغ (مثل ذلك) الزمان (ثم يبعث الله إليه) في الطور الرابع حتى يتكامل بنيانه وتتشكل أعضاؤه (ملكًا) وهو الموكّل بالرحم أي يأمره (بأربع كلمات) يكتبها من القضايا المقدرة في الأزل (فيكتب) الملك الكتابة المعهودة في صحيفة أو بين عينيه (عمله) هل هو صالح أو فاسد (وأجله) أهو طويل أو قصير (ورزقه) أهو حلال أو حرام قليل أو كثير والثلاثة نصب بيكتب ولأبي ذر فيكتب بضم التحتية وفتح الفوقية مبنيًّا للمفعول عمله وأجله ورزقه يرفع الثلاثة على النيابة عن الفاعل (و) هو (شقي) باعتبار ما يختم له (أم سعيد) باعتبار ما يختم له. كما دل عليه الحديث، والمراد أن الملك يكتب إحدى الكلمتين كأن يكتب مثلاً عمل هذا الجنين صالح وأجله ثمانون سنة ورزقه حلال وهو سعيد. قال الحافظ ابن حجر: وحديث ابن مسعود بجميع طرقه يدل على أن الجنين يتقلب في مائة وعشرين يومًا في ثلاثة أطوار كل طور منها في أربعين (ثم) بعد تمامها (ينفخ فيه الروح
فإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار) من المعاصي والباء زائدة والأصل يعمل عمل أهل النار لأن قوله عمل إما مفعول مطلق أو مفعول به وكلاهما مستغن عن الحرف فزيادة الباء للتأكيد أو ضمن يعمل معنى يتلبس في عمله بعمل أهل النار (حتى ما يكون) رفع على أن حتى ابتدائية ويجوز النصب بحتى وما نافية غير مانعة لها من العمل (بينه وبينها) أي النار (إلاّ ذراع) تمثيل بقرب حالة الموت وضابط الحسي الغرغرة التي جعلت علامة لعدم قبول التوبة (فيسبق عليه الكتاب) الذي كتبه الملك عليه وهو في بطن أمه عقب ذلك من غير مهلة (فيعمل بعمل أهل الجنة) عند ذلك (فيدخل الجنة) وموضع عليه نصب على الحال أي يسبق المكتوب واقعًا عليه. والمراد بسبق الكتاب سبق ما تضمنه على حذف مضاف أو المراد المكتوب، والمعنى أنه يتعارض عمله في اقتضاء الشقاوة والمكتوب في اقتضاء السعادة فيتحقق مقتضى المكتوب فعبّر عن ذلك بالسبق لأن السابق يحصل مراده دون المسبوق.
(وأن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة) من الطاعات (حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار). وفي الحديث إن الأعمال حسنها وسيئها إمارات وليست بموجبات، وإن مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء وجرى به القدر في الابتداء إلى غير ذلك مما يتعلق بالأصول والفروع مما يأتي إن شاء الله تعالى الإلمام بشيء منه في القدر بعون الله تعالى.
٣٣٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ بْنِ مَالِك عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ فِي الرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُولُ: يَا رَبِّ نُطْفَةٌ، يَا رَبِّ عَلَقَةٌ يَا رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَهَا قَالَ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ يَا رَبِّ شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) اسم جده درهم الأزدي الجهضمي (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا (ابن أبي بكر بن أنس) أبي معاذ (عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إن الله وكّل) بتشديد الكاف (في الرحم ملكًا فيقول) عند وقوع النطفة التماسًّا لإتمام الخلقة (يا رب) بحذف ياء المتكلم هذه (نطفة) أي مني (يا رب) هذه (علقة) قطعة من دم جامدة (يا رب) هذه (مضغة) قطعة لحم مقدار ما يمضع وفائدة ذلك أنه يستفهم هل يتكوّن منها أم لا؟ (فإذا أراد) (أن يخلقها قال) الملك: (يا رب أذكر) هو (يا رب) هو (أنثى يا رب) هو (شقي) عاص لك (أم سعيد) مطيع لك (فما الرزق) الذي يعيش به (فما الأجل)؟ أي مدة حياته إلى وقت موته (فيكتب كذلك) بضم التحتية وفتح الفوقية مبنيًا للمفعول (في بطن أمه). ظرف ليكتب.
وهذا الحديث سبق في الحيض.
٣٣٣٤ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحرثِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ أَنَسٍ يَرْفَعُهُ: «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَىْءٍ كُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَقَدْ سَأَلْتُكَ مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ: أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي. فَأَبَيْتَ إِلاَّ الشِّرْكَ».
[الحديث ٣٣٣٤ - طرفاه في: ٦٥٣٨، ٦٥٥٧].
وبه قال: (حدّثنا قيس بن حفص) الدارمي البصري قال: (حدّثنا خالد بن الحرث) الهجيمي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي عمران) عبد الملك بن حبيب (الجوني) بفتح الجيم بعد الواو الساكنة نون (عن أنس يرفعه) إلى النبي ﷺ .
(إن الله) (يقول) يوم القيامة (لأهون أهل النار عذابًا) قيل هو أبو طالب (لو أن لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به) بالفاء من الافتداء
стр. 2224
وهو خلاص نفسه مما وقع فيه بدفع ما يملكه (قال: نعم. قال) الله تعالى (فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم) حين أخذت الميثاق (أن لا تشرك بي فأبيت) إذ أخرجتك إلى الدنيا. (إلا الشرك).
هذا الحديث أخرجه أيضًا في صفة الجنة والنار أواخر الرقاق ومسلم في التوبة.
٣٣٣٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ».
[الحديث ٣٣٣٥ - طرفاه في: ٦٨٦٧، ٧٣٢١].
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) النخعي الكوفي قال: (حدّثنا أبي) حفص قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان (قال: حدثني) بالإفراد (عبد الله بن مرّة) بضم الميم وتشديد الراء (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عبد الله) هو ابن مسعود (﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لا تقتل نفس) بضم الفوقية الأولى وفتح الثانية مبنيًا للمفعول من بني آدم (ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول) قابيل حيث قتل أخاه هابيل (كفل) بكسر الكاف وإسكان الفاء نصيب (من دمها لأنه أول من سنّ القتل) على وجه الأرض من بني آدم.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إن القاتل قابيل ولد آدم من صلبه فهو داخل في لفظ الذرية في الترجمة، والحديث أخرجه أيضًا في الدّيات والاعتصام، ومسلم في الحدود، والترمذي في العلم، والنسائي في التفسير، وابن ماجه في الدّيات.
٢ - باب الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (الأرواح جنود مجندة) ومناسبته لسابقه من حيث إن بني آدم مركبة من الأجساد والأرواح.
٣٣٣٦ - قَالَ: وقَالَ اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ».
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ بِهَذَا.
(قال) أي المؤلّف فيما وصله في الأدب المفرد عن عبد الله بن صالح. (وقال الليث) بن سعد الإمام (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عمرة) بنت عبد الرَّحمن (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: سمعت النبي ﷺ يقول):
(الأرواح) التي يقوم بها الجسد وتكون بها الحياة (جنود مجندة) أي جموع مجمعة وأنواع مختلفة (فما تعارف منها) توافق في الصفات وتناسب في الأخلاق (ائتلف وما تناكر منها) لم يوافق ولم يناسب (اختلف). والمراد الإخبار عن مبدأ كون الأرواح وتقدمها الأجساد أي أنها خلقت أول خلقتها على قسمين من ائتلاف واختلاف إذا تقابلت وتواجهت، ومعنى تقابلها ما جعله الله عليها من السعادة والشقاوة والأخلاق في مبدأ الخلق، فإذا تلاقت الأجساد التي فيها الأرواح في الدنيا ائتلفت على حسب ما خلقت عليه، ولذا ترى الخيّر يحب الأخيار ويميل إليهم، والشرّير يحب الأشرار ويميل إليهم.
وقال الطيبي: الفاء في فما تعارف للتعقيب أتبعت المجمل بالتفصيل فدلّ قوله: ما تعارف على تقدّم اختلاط في الأزل ثم تفرق بعد ذلك في أزمنة متطاولة ثم ائتلاف بعد التعارف كمن فقد أنيسه وإلفه ثم اتصل به، وهذا التعارف إلهامات يقذفها الله تعالى في قلوب العباد من غير إشعار منهم بالسابقة.
وفي حديث ابن مسعود عند العسكري مرفوعًا "الأرواح جنود مجندة تلتقي فتشامّ كما تشامّ الخيل فما تعارت منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، فلو أن رجلاً مؤمنًا جاء إلى مجلس فيه مائة منافق وليس فيه إلا مؤمن واحد لجاء حتى يجلس إليه، ولو أن منافقًا جاء إلى مجلس فيه مائة مؤمن وليس فيه إلا منافق واحد لجاء حتى يجلس إليه".
وللديلمي بلا سند عن معاذ بن جبل مرفوعًا: "لو أن رجلاً دخل مدينة فيها ألف منافق ومؤمن واحد لشم روحه روح ذلك المؤمن وعكسه".
ولأبي نعيم في الحلية في ترجمة أويس أنه لما اجتمع به هرم بن حيان العبدي ولم يكن لقيه
وخاطبه أويس باسمه قال له هرم: من أين عرفت اسمي واسم أبي فوالله ما رأيتك ولا رأيتني؟ قال: عرفت روحي روحك حين كلمت نفسي نفسك، وإن المؤمنين يتعارفون بروح الله وإن نأت بهم الدار. وقال بعضهم: أقرب القرب مودة القلوب وإن تباعدت الأجسام، وأبعد العبد تنافر التداني. ولبعضهم:
إن القلوب لأجناد مجندة … قول الرسول فمن ذا فيه يختلف
فما تعارف منها فهو مؤتلف … وما تناكر منها فهو مختلف
والآخر:
بيني وبينك في المحبة نسبة … مستورة في سرّ هذا العالم
стр. 2225
نحن الذين تحاببت أرواحنا … من قبل خلق الله طينة آدم
وهذا الحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة في الأدب.
(وقال يحيى بن أيوب) الغافقي البصري مما وصله الإسماعيلي (حدثني) بالإفراد (يحيى بن سعيد) الأنصاري (بهذا) الحديث السابق وليس يحيى بن أيوب من شرط المؤلّف فلذا أخرج له في الاستشهاد، وأورده من الطريقين بلا إسناد فصار أقوى مما لو ساقه بإسناده قاله الإسماعيلي. قال ابن حجر: ويشهد للمتن حديث أبي هريرة عند مسلم.
٣ - باب قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿بَادِئَ الرَّأْيِ﴾: مَا ظَهَرَ لَنَا. ﴿أَقْلِعِي﴾: أَمْسِكِي. ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾: نَبَعَ الْمَاءُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَجْهُ الأَرْضِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿الْجُودِيُّ﴾: جَبَلٌ بِالْجَزِيرَةِ. ﴿دَأْبٌ﴾: مِثْلُ حَالٌ.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ [نوح: ١ - ٢٨]. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
(باب) قول الله (﴿ولقد﴾) جواب قسم محذوف تقديره والله لقد (﴿أرسلنا﴾) أي بعثنا (﴿نوحًا إلى قومه﴾) [الأعراف: ٥٩] وهو ابن خمسين سنة. وقال مقاتل: ابن مائة سنة، وعند ابن جرير ثلاثمائة وخمسين سنة. وقال ابن عباس: سمي نوحًا لكثرة نوحه على نفسه، واختلف في سبب نوحه فقيل لدعوته على قومه بالهلاك، وقيل لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان وهو نوح بن لامك بن متوشلح بن اخنوخ وهو إدريس وهو أول نبي بعثه الله بعد إدريس، وقال القرطبي: أوّل نبي بعثه الله بعد آدم بتحريم البنات والعمات والخالات، وكان مولده فيما ذكره
ابن جرير بعد وفاة آدم بمائة وستة وعشرين عامًا ومات وعمره ألف سنة وأربعمائة سنة ودفن بالمسجد الحرام، وقيل غير ذلك. وعن أبي أمامة أن رجلاً قال: يا رسول الله أنبي كان آدم؟ قال: (نعم). قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: "عشرة قرون". رواه ابن حبان وصححه. قال ابن كثير: وهو على شرط مسلم ولم يخرجوه.
(قال ابن عباس) ﵄ فيما رواه ابن أبي حاتم في قوله تعالى: (﴿بادي الرأي﴾) [هود: ٢٧] أي (ما ظهر لنا). من غير روية وتأمل بل من أوّل وهلة. (﴿أقلعي﴾) قال ابن عباس أي (أمسكي) ومنه اقلعت الحمى وهذا مجاز لأنها موات، وقيل جعل فيها ما تميز به والذي قال إنه مجاز قال لو فتش كلام العرب والعجم ما وجد فيه مثل هذه الآية على حسن نظمها وبلاغة وصفها واشتمال المعاني فيها (﴿وفار التنور﴾) [هود: ٤٠] قال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن طلحة أي (نبع الماء) فيه وارتفع كالقدر يفور، والتنور أشرف موضع في الأرض وأعلاه أو التنور الذي يخبز فيه ابتدأ منه النبوع على خرق العادة، وكان في الكوفة في موضع مسجدها أو في الهند قيل: وكان من حجارة كانت حوّاء تخبز فيه فصار إلى نوح.
(وقال عكرمة) مولى ابن عباس فيما وصله ابن جرير: التنور (وجه الأرض) وهو قول الزهري أيضًا. (وقال مجاهد) فيما وصله ابن أبي حاتم (﴿الجودي﴾) في قوله تعالى: ﴿واستوت على الجوديّ﴾ [هود: ٤٤] هو (جبل بالجزيرة) المعروفة بابن عمر في الشرق فيما بين دجلة والفرات وزاد ابن أبي حاتم تشامخت الجبال يوم الغرق وتواضع هو لله تعالى فلم يغرق وأرسيت عليه سفينة نوح، وروي أنه ركب السفينة عاشر رجب ونزل عاشر المحرم فصام ذلك اليوم وصار سنة، وذكر ابن جرير وغيره أن الطوفان كان في ثالث عشر آب في شدة القيظ.
وقد روي أن نوحًا لما يئس من صلاح قومه دعا عليهم دعوة غضب الله عليهم فلبى دعوته وأجاب طلبته قال تعالى: ﴿ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون﴾ [الصافات: ٧٥] وأمره أن يغرس شجرًا ليعمل منه السفينة فغرسه وانتظره مائة سنة ثم نجره في مائة سنة أخرى وأمره أن يجعل طولها ثمانين ذراعًاً وعرضها خمسين ذراعًا. وقال قتادة: كان طولها ثلاثمائة ذراع في عرض خمسين. وقال الحسن البصري: ستمائة في عرض ثلاثمائة. وعن ابن عباس ألف ومائتا ذراع في عرض ستمائة. وكانت ثلاث طبقات كل واحد عشرة أذرع، فالسفلى للدواب والوحوش والوسطى للناس والعليا للطيور وكان لها غطاء من فوقها مطبق عليها، وفتحت أبواب السماء بماء منهمر وفجرت الأرض عيونًا، وأمره الله تعالى أن يحمل في السفينة من كل زوجين اثنين من الحيوانات وسائر ما له روح من المأكولات وغيرها لبقاء نسلها ومن آمن ومن أهل بيته إلا من كان كافرًا، وارتفع الماء على أعلى جبل في الأرض خمسة عشر ذراعًاً، وقيل: ثمانين ذراعًاً، وعم الأرض
стр. 2226
كلها طولها وعرضها ولم يبق على وجه الأرض أحد واستجاب الله دعوته حيث قال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا﴾ فلم تبق منهم عين تطرف وهذا كما قاله الحافظ
عماد الدين بن كثير يردّ على من زعم من المفسرين وغيرهم أن عوج بن عنق ويقال ابن عناق كان موجودًا من قبل نوح وإلى زمان موسى، ويقولون: كان كافرًا متمرّدًا جبارًا عنيدًا، ويقولون عنق أمه بنت آدم من زنا لأنه كان يأخذ لطوله السمك من قرار البحر ويشويه في عين الشمس، وإنه كان يقول لنوح وهو في السفينة ما هذه القصعة التي بك ويستهزئ به، ويذكرون أن طوله كان ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثًا وثلاثين ذراع إلى غير ذلك من الهذيانات التي لولا أنها مسطرة في كثير من كتب التفاسير وغيرها من التواريخ وغيرها من أيام الناس لما تعرضنا لحكايتها لسقاطتها وركاكتها ثم انها مخالفة للمعقول والمنقول.
أما المعقول: فكيف يسوغ أن الله يهلك ولد نوح لكفره وأبوه نبي الأمة وزعيم أهل الإيمان ولا يهلك عوج بن عنق وهو أظلم وأطعن على ما ذكروا ولا يرحم منهم أحدًا ويترك هذا الجبار العنيد، الفاجر الشديد، الكافر الشيطان المريد على ما ذكروا.
وأما المنقول فقال الله تعالى: ﴿ثم أغرقنا الآخرين﴾ [الشعراء: ٦٦] وقال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا﴾ [نوح: ٢٦] ثم هذا الطول الذي ذكروا مخالف لما في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أن الله تعالى خلق آدم طوله ستون ذراعًاً ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن، فهذا نص الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى وإن هو إلا وحي يوحى أنه لم يزل ينقص حتى الآن أي لم يزل الناس في نقصان طولهم من آدم إلى يوم إخباره وهلم جرًّا إلى يوم القيامة، وهذا يقتضي أنه لم يوجد من ذرية آدم من كان أطول منه، وكيف يترك ويصار إلى قول الكذبة الكفرة من أهل الكتاب الذين بدّلوا كتب الله المنزلة وحرّفوها وأوّلوها ووضعوها على غير مواضعها عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، وما أظن هذا الخبر عن عوج بن عنق إلاّ اختلاقًا من بعض زنادقتهم وكفارهم الذين كانوا أعداء الأنبياء والله أعلم.
(﴿دأب﴾) في قوله تعالى: ﴿مثل دأب قوم نوح﴾ [غافر: ٣٢] قال مجاهد فيما وصله الفريايى هو (مثل حال). ولأبي ذر وابن عساكر: دأب حال فأسقط لفظ مثل (﴿واتل عليهم نبأ نوح﴾) أي خبره مع قومه (﴿إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم﴾) عظم وشق عليكم (﴿مقامي﴾) أي إقامتي بينكم مدة مديدة ألف سنة إلا خمسين عامًا أو قيامي على الدعوة (﴿وتذكيري﴾) إياكم (﴿بآيات الله﴾) بحججه (إلى قوله ﴿من المسلمين﴾) [يونس: ٧١] أي المنقادين لحكمه، وهذه الآية ثبتت في الفرع وعليها رقم أبي ذر وابن عساكر.
(باب قول الله تعالى): سقط هذا لأبي ذر وابن عساكر (﴿إنّا أرسلنا نوحًا إلى قومه أن أنذر﴾) أي بأن أنذر أي بالإنذار أو بأن قلنا له أنذر (﴿قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم﴾) [نوح: ١] عذاب الآخرة أو الطوفان (إلى آخر السورة) وسقط لأبي ذر من قوله (أن أنذر) إلى قوله ﴿أليم﴾.
٣٣٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَالِمٌ: وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: إِنِّي لأُنْذِرُكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَ نُوحٌ قَوْمَهُ، وَلَكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلاً لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ: تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ».
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان العتكي مولاهم المروزي (قال: أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال (قال سالم): هو ابن عبد الله بن عمر (وقال ابن عمر ﵄: قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال) بتشديد الجيم بوزن فعال من أبنية المبالغة الكثير الكذب وهو من الدجل وهو الخلط والتلبيس والتمويه (فقال):
(إني لأنذركموه) أخوّفكموه والجملة مؤكدة بأن واللام وكونها اسمية (وما من نبي إلا أنذره قومه لقد أنذر نوح قومه) خصه بعد التعميم لأنه أوّل نبي أنذر قومه أو أوّل مشرع من الرسل أو أبو البشر الثاني وذريته هم الباقون في الدنيا لا غيرهم (ولكني أقول لكم فيه) سقط لفظ لكم لابن عساكر (قولا لم يقله نبي لقومه) مبالغة في التحذير (تعلمون أنه) أي الدجال (أعور) عين اليمنى أو اليسرى (وإن الله)
стр. 2227
(ليس بأعور). تعالى الله عن كل نقص وجل عن أن يشبه بالمحدثات.
٣٣٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا عَنِ الدَّجَّالِ مَا حَدَّثَ بِهِ نَبِيٌّ قَوْمَهُ: إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّهُ يَجِيءُ مَعَهُ بِمِثَالِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَالَّتِي يَقُولُ إِنَّهَا الْجَنَّةُ هِيَ النَّارُ، وَإِنِّي أُنْذِرُكُمْ كَمَا أَنْذَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ».
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا شيبان) بفتح الشين المعجمة وبعد التحتية الساكنة موحدة مفتوحة ابن عبد الرحمن النحوي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرَّحمن بن عوف أنه قال: (سمعت أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(ألا) بالتخفيف (أحدثكم حديثًا عن الدجال ما حدّث به نبي قومه: إنه) أي الدجال (أعور وإنه يجيء معه) إذا ظهر (بمثال الجنة و) مثال (النار) ولابن عساكر: معه تمثال بمثناة مكسورة بدل الموحدة أي صورة الجنة والنار يبتلي الله تعالى به عباده بما أقدره عليه من مقدوراته كإحياء الميت الذي يقتله وأمره السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم يعجزه الله تعالى فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره فيقتله عيسى ﵇ (فالتي يقول إنها الجنة هي النار) وبالعكس (وإني) بالواو أو لابن عساكر فإني (أنذركم) أخوّفكم منه (كما أنذر به نوح قومه). وكذا غيره من الأنبياء كما مرّ، وذلك لأن فتنته عظيمة جدًا تدهش العقول وتحير
الألباب مع سرعة مروره في الأرض فلا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء دلائل الحدوث والنقص فيصدقون بصدقه في هذه الحالة، فلذا حذرت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قومهم من فتنته ونبهوا عليه.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الفتن.
٣٣٣٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَىْ رَبِّ. فَيَقُولُ لأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ. فَيَقُولُ لِنُوحٍ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتُهُ، فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَهْوَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ».
[الحديث ٣٣٣٩ - طرفاه في: ٤٤٨٧، ٧٣٤٩].
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدّثنا عبد الواحد بن زياد) العبدي مولاهم البصري قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي صالح) ذكوان الزيات (عن أبي سعيد) سعد بن مالك الأنصاري ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(يجيء نوح وأمته) يوم القيامة (فيقول الله تعالى) له (هل بلغت)؟ رسالتي إلى قومك (فيقول: نعم). بلغتها (أي رب. فيقول) (لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا. ما جاءنا من نبيّ. فيقول) تعالى (لنوح: من يشهد لك) أنك بلغتهم (فيقول) يشهد لي (محمد ﷺ وأمته فنشهد) له (أنه قد بلغ) أمته (وهو قوله جل ذكره ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس﴾ [البقرة: ١٤٣] والوسط) هو (العدل). وهذا من نفس الحديث لا مدرج فيه.
وهذا الحديث سيأتي ذكره في تفسير سورة البقرة.
٣٣٤٠ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي دَعْوَةٍ، فَرُفِعت إِلَيْهِ الذِّرَاعُ -وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ. فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً وَقَالَ: أَنَا سَيِّدُ الْقَوْمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. هَلْ تَدْرُونَ بِمَنْ يَجْمَعُ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُبْصِرُهُمُ النَّاظِرُ، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ: أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ، إِلَى مَا بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ: أَبُوكُمْ آدَمُ: فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، وَأَسْكَنَكَ الْجَنَّةَ. أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؟ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ: رَبِّي غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ،
وَنَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ. نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ. فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ؛ وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا. أَمَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا بَلَغَنَا؟ أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ. نَفْسِي نَفْسِي، ائْتُوا النَّبِيَّ ﷺ . فَيَأْتُونِي، فَأَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ: لَا أَحْفَظُ سَائِرَهُ».
[الحديث ٣٣٤٠ - طرفاه في: ٣٣٦١، ٤٧١٢].
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر عن المستملي: حدّثنا (إسحاق بن نصر) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي قال: (حدّثنا محمد بن عبيد) بضم العين مصغرًا الطنافسي الأحدب الكوفي قال: (حدّثنا أبو حيان) بالحاء المهملة وتشديد الياء التحتية يحيى بن سعيد بن حيان التيمي (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو البجلي (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: كنا مع النبي ﷺ في دعوة) بفتح الدال وكسرها في اليونينية طعام مدعوّ إليه ضيافة (فرفع إليه الذراع) بضم الراء مبنيًّا للمفعول قال السفاقسي الصواب رفعت لأن الذراع مؤنثة. قال في المصابيح: وهذا خبط لأن هذا إسناد إلى ظاهر غير الحقيقي فيجوز التأنيث وعدمه، بل أقول: لو كان التأنيث هنا حقيقيًّا لم يجب اقتران الفعل بعلامة التأنيث لوجود الفاصل كقولك قام في الدار هند، (وكانت) أي الذراع (تعجبه) لأنها أعجل نضجًا وأخف على المعدة وأسرع هضمًا مع لذتها وحلاوة مذاقها ولذا اسم فيها (فنهس منها نهسة) بسين مهملة فيهما أخذ لحمها من العظم بأطراف أسنانه، ولأبي ذر والأصيلي فنهش منها نهشة بالشين المعجمة فيهما أخذه بأضراسه (وقال):
(أنا سيد القوم) وضبب على القوم في الفرع أصله وفي الهامش مصححًا عليه سيد الناس (يوم القيامة) خصه بالذكر لارتفاع سؤدده وتسليم الجميع له فيه إذا كان سيدهم في يوم القيامة ففي الدنيا أولى، وقوله: لا تخيروا بين الأنبياء أي تخييرًا يؤدّي إلى تنقيص أو لا تخيروا في ذات النبوّة والرسالة إذ الأنبياء فيهما على حد واحد والتفاضل بأمور أخر أو خصه لأن القصة قصة يوم القيامة (هل تدرون بمن) وللكشميهني بم
стр. 2228
وللحموي والمستملي ثم بالمثلثة بدل الموحدة وتشديد الميم (يجمع الله الأوّلين والآخرين في صعيد واحد) أرض مستوية واسعة (فيبصرهم الناظر) أي يحيط بهم بصر الناظر بحيث لا يخفى عليه منهم شيء لاستواء الأرض وعدم الحجاب (ويسمعهم الداعي) بضم الياء من الإِسماع (وتدنو منهم الشمس) فيبلغهم من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون (فيقول بعض الناس) لبعض: (ألا ترون إلى ما أنتم فيه) من الغم والكرب (إلى ما بلغكم) بدل من قوله إلى ما أنتم فيه (ألا) بالتخفيف كالسابقة للعرض أو التحضيض (تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم)؟ حتى يريحكم من مكانكم هذا (فيقول بعض الناس: أبوكم آدم فيأتونه فيقولون) له: (يا آدم أنت أب البشر) كتب بغير واو بعد الموحدة من أب ولا ذر أبو البشر بإثبات الواو (خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه) الإضافة إليه تعالى إضافة تعظيم للمضاف
وتشريف (وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنة) زاد في رواية همام في التوحيد وعلمك أسماء كل شيء وضع شيء موضع أشياء أي المسميات لقوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ [البقرة: ٣١] أي أسماء المسميات أراد التقصي واحدًا فواحدًا حتى يستغرق المسميات كلها (ألا تشفع لنا إلى ربك. ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا)؟ بفتح الغين من الكرب والعرق (فيقول) آدم ﵇: (ربي غضب) اليوم (غضبًا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله) والمراد من الغضب لازمه وهو إرادة إيصال الشر إلى المغضوب عليه. وقال النووي: المراد ما يظهره تعالى من انتقامه فيمن عصاه وما يشاهده أهل الجمع من الأهوال التي لم تكن ولا يكون مثلها ولا ريب أنه لم يتقدّم قبل ذلك اليوم مثله ولا يكون بعده مثله (ونهاني عن الشجرة) أي عن أكلها (فعصيته) ولأبي ذر فعصيت بحذف الضمير (نفسي نفسي) مرّتين أي نفسي التي تستحق أن يشفع لها لأن المبتدأ والخبر إذا كانا متحدين فالمراد بعض لوازمه أو قوله نفسي مبتدأ والخبر محذوف وعند سعيد بن منصور من رواية ثابت إني أخطأت وأنا في الفردوس فإن يغفر لي اليوم فحسبي (اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح) بيان لقوله اذهبوا إلى غيري (فيأتون نوحًا فيقولون) له: (يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض) استشكلت الأولية هنا بأن آدم نبي مرسل وكذا شيث وإدريس وهم قبل نوح وأجيب بأن الأولية مقيدة بقوله إلى أهل الأرض لأن آدم ومن بعده لم يرسلوا إلى أهل الأرض.
واستشكل بقوله من حديث جابر: أعطيت خمسًا. وفيه: وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة. وأجيب: بأن بعثة نوح إلى أهل الأرض باعتبار الواقع لصدق أنهم قومه بخلاف عموم بعثة نبينا ﷺ لقومه ولغير قومه، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في محاله بعون الله وقوّته.
(وسماك الله) في سورة الإسراء (عبدًا شكورًا) تحمد الله تعالى على مجامع حالاته (أما) بتخفيف الميم ولأبي ذر عن الكشميهني ألا (ترى إلى ما نحن فيه. ألا ترى إلى ما بلغنا). بفتح الغين (ألا تشفع لنا إلى ربك)؟ حتى يريحنا من مكاننا (فيقول) نوح ﵇: (ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله نفسي نفسي) مرتين (ائتوا النبي) محمدًا ﷺ المعروف أن نوحًا يدلهم على إبراهيم وإبراهيم على موسى وموسى على عيسى وعيسى على النبي محمد " ﷺ " قال نبينا ﷺ : (فيأتوني فأسجد تحت العرش): زاد أحمد في مسنده قدر جمعة (فيقال: يا محمد ارفع رأسك واشفع تشفع) أي تقبل شفاعتك (وسل تعطه).
(قال محمد بن عبيد) مصغرًا من غير إضافة لشيء الأحدب: (لا أحفظ سائره) أي باقي الحديث لأنه مطوّل معلوم من رواية غيره.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير، ومسلم في الإِيمان، والترمذي في الزهد والأطعمة، والنسائي في الوليمة مختصرًا وفي التفسير مطوّلاً، وابن ماجه في الأطعمة.
٣٣٤١ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ مِثْلَ قِرَاءَةِ الْعَامَّةِ".
[الحديث ٣٣٤١ - أطرافه في: ٣٣٤٥، ٣٣٧٦، ٤٨٦٩، ٤٨٧٠، ٤٨٧١، ٤٨٧٢، ٤٨٧٣، ٤٨٧٤].
وبه قال: (حدّثنا نصر بن علي
стр. 2229
بن نصر) الجهضمي الأزد البصري وسقط لأبي ذر ابن نصر قال: (أخبرنا أبو أحمد) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمير بن درهم الزبير (عن سفيان) الثور (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن الأسود بن يزيد) النخعي (عن عبد الله) بن مسعود (﵁ أن رسول الله ﷺ قرأ ﴿فهل من مدكر﴾) [القمر: ١٥] بالإدغام والدال المهملة (مثل قراءة العامة). لا بفك الإدغام ولا بالمعجمة كما قريء في الشواذ وأصله مذتكر بذال معجمة مفتعل من الذكر فاجتمع حرفان متقاربان في المخرج والأول ساكن وألفينا الثاني مهموسًا فأبدلناه بمجهور يقاربه في المخرج وهو الدال المهملة ثم قلبت الذال دالاً وأدغمت في الدال المهملة.
فإن قلت: ما وجه المطابقة بين الحديث والترجمة؟ أجيب: من قوله في الآية الثانية وتذكيري بآيات الله والآية في شأن سفينة نوح والضمير في قوله: ﴿ولقد تركناها﴾ [القمر: ١٥] آية يعتبر بها إذ شاع خبرها واستمر، أو تركت حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير وأحاديث الأنبياء، ومسلم في الصلاة، وأبو داود في الحروف، والترمذي في القراءات، والنسائي في التفسير.
٤ - باب ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ -إِلَى- ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٢٣]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُذْكَرُ بِخَيْرٍ. ﴿سَلَامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠]. يُذْكَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ إِلْيَاسَ هُوَ إِدْرِيسُ.
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه قوله تعالى: (﴿وإن إلياس لمن المرسلين﴾) هو إلياس بن ياسين سبط هارون أخي موسى بعث بعده. وقال عبد الله بن مسعود فيما وصله ابن أبي حاتم هو إدريس وفي مصحفه وإن إدريس لمن المرسلين (﴿إذ قال لقومه ألا تتقون﴾) ألا تخافون الله في عبادتكم غيره ﴿أتدعون بعلاً﴾ أي أتعبدون صنمًا أو تطلبون الخير منه ﴿وتذرون أحسن الخالقين الله ربكم ورب آبائكم الأولين﴾ والمستحق للعبادة وحده لا شريك له ﴿فكذبوه فإنهم لمحضرون﴾ للعذاب يوم الحساب ﴿إلا عباد الله المخلصين﴾ من قومه أي الموحدين منهم وهو مستثنى من الواو في فكذبوه وهو استثناء متصل، وفيه دلالة على أن في قومه من لم يكذبه فلذلك استثنوا، ولا
يجوز أن يكون مستثنى من المحضرين لفساد المعنى لأنه يلزم حينئذٍ أن يكونوا مندرجين فيمن كذب، لكنهم لم يحضروا لكونهم عباد الله المخلصين وهو بين الفساد ولا يقال هو مستثنى منه استثناء منقطعًا لأنه يصير المعنى لكن عباد الله المخلصين من غير هؤلاء لم يحضروا ولا حاجة إلى هذا بوجه إذ به يفسد نظم الكلام (﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾) [الصافات: ١٢٣ - ١٢٤ - ١٢٥ - ١٢٦ - ١٢٧ - ١٢٨ - ١٢٩] أي ثناء جميلاً.
(قال ابن عباس) فيما وصله ابن جرير (يذكر بخير) أي في الآخرين، ولأبي ذر بعد قوله: ﴿ألا تتقون﴾ إلى قوله ﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾ إسقاط ﴿أتدعون بعلاً﴾ إلى آخر قوله ﴿المخلصين﴾ (﴿سلام على آل ياسين﴾) بفتح الهمزة ومدها وكسر اللام وفصلها من الياء وهي قراءة نافع وابن عامر ويعقوب أضافوا آل الذي هو بمعنى أهل إلى ياسين كآل إبراهيم، فهي على هذه القراءة كلمتان فيكون ياسين أبا إلياس وقراءة الباقين بكسر الهمزة وسكون اللام ووصلها بالياء كلمة واحدة جمع لإِلياس وجمع باعتبار أصحابه كالمهلبين في المهلب (﴿إنّا كذلك نجزي المحسنين﴾) أي إنما خصصناه بأن يذكر بخير لأجل كونه محسنًا ثم علل كونه محسنًا بقوله: (﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾) [الصافات: ١٣٠ - ١٣١ - ١٣٢].
(يذكر) بضم أوله بصيغة التمريض (عن ابن مسعود) ﵁ فيما وصله عبد بن حميد وابن أبي حاتم بإسناد حسن (وابن عباس) ﵄ فيما وصله ابن جويبر في تفسيره بإسناد ضعيف (إن الياس هو إدريس) فيكون له اسمان، وفي مصحف ابن مسعود ﴿وإن إدريس لمن المرسلين﴾ وسبق أن الياس من ولد هارون أخي موسى ﵈ فعلى هذا فليس إدريس جدًّا لنوح لأنه من بني إسرائيل، والصحيح أن الياس غير إدريس لأن الله تعالى ذكره في سورة الأنعام حيث قال: (ونوحًا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان﴾ إلى أن قال: ﴿وعيسى والياس﴾ [الأنعام: ٨٤ و ٩٥] فدلّ على أن الياس من ذرية نوح وإدريس جد أبي نوح كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
٥ - باب ذِكْرِ إِدْرِيسَ ﵇. وَهوَ جَدُّ أَبِي نُوحٍ، وَيُقَالُ جَدُّ نُوحٍ ﵉ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾
(باب ذكر إدريس عليه) الصلاة و (السلام) بكسر ذال ذكر وضمها في اليونينية وسقط لفظ باب لأبي ذر (وهو جد أبي نوح) لأنه نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس.
стр. 2230
(ويقال جد نوح ﵉ مجازًا لأن جد الأب جد، وقوله: وهو جد وقوله: وهو جد الخ … ثابت لابن عساكر. وكان إدريس ﵇ أول نبي أعطي النبوة بعد آدم وشيث ﵉، وأول من خط بالقلم وأدرك من حياة آدم ثلاثمائة سنة وثمان سنين.
وقال ابن كثير: وقد قالت طائفة أنه المشار إليه في حديث معاوية بن الحكم السلمي لما سأل النبي ﷺ عن الخط بالرمل فقال: "إنه كان نبي يخط بالرمل فمن وافق خطه فذاك". وزعم كثير من المفسرين أنه أول من تكلم في ذلك ويسمونه هرمس الهرامسة ويكذبون عليه في أشياء كثيرة كما كذبوا على غيره من الأنبياء.
(وقول الله) بالجر عطفًا على سابقه المجرور بالإضافة: (﴿ورفعناه مكانًا عليًّا﴾) [مريم: ٥٧] السماء السادسة أو الرابعة أو الجنة أو شرف النبوّة والزلفى وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه رفع إلى السماء ولم يمت كما رفع عيسى. قال في البداية والنهاية: إن أراد أنه لم يمت إلى الآن ففيه نظر وإن أراد أنه رفع حيًّا إلى السماء ثم قبض، فلا ينافي ما ذكره كعب أنه قبض في السماء الرابعة. وعن ابن عباس أنه قبض في السادسة وصحح ابن كثير أنه قبض في الرابعة.
٣٣٤٢ - قَالَ عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ. ح.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ بْن مَالِكٍ: «كَانَ أَبُو ذَرٍّ ﵁ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا جَاءَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ، قَالَ: مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: مَعِيَ مُحَمَّدٌ، قَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَافْتَحْ. فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ إِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، فَقَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ. فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى. ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُ، فَفَتَحَ. قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ إِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يُثْبِتْ لِي كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ. وَقَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِإِدْرِيسَ قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ، فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ. ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. وَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى. ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: عِيسَى. ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ -قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ
لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ صَرِيفَ الأَقْلَامِ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵄: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى فَقَالَ مُوسَى: مَا الَّذِي فُرِضَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: فَرَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَجَعْتُ، فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَوَضَعَ شَطْرَهَا. فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَجَعْتُ فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهْيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي. ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى أَتَى السِّدْرَةَ الْمُنْتَهَى، فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ. ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ».
(قال عبدان): هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي، وهذا التعليق وصله الجوزقي من طريق محمد بن الليث عن عبدان ولأبي ذر: وحدّثنا عبدان، ولابن عساكر: حدّثنا بغير واو قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (ح) لتحويل الإسناد.
(حدّثنا) ولابن عساكر عن الزهري قال أنس بن مالك: وحدّثنا ولأبي ذر وأخبرنا (أحمد بن صالح) أبو جعفر المصري قال: (حدّثنا عنبسة) بفتح العين المهملة وسكون النون وبعد الموحدة المفتوحة سين مهملة ابن خالد قال: (حدّثنا يونس) بن يزيد وهو عم عنبسة (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال): قال أنس ولأبي ذر وابن عساكر (قال أنس بن مالك: كان أبو ذر) جندب بن جنادة (﵁ يحدث أن رسول الله ﷺ قال):
(فرج) بضم الفاء مبنيًا للمفعول أي فتح (سقف بيتي) ولأبي ذر: عن سقف بيتي (وأنا بمكة) جملة حالية (فنزل جبريل) ﵇ من الموضع الذي فتحه من السقف مبالغة في المفاجأة (ففرج) بفتحات أي شق (صدري) في رواية للمصنف إلى مراق البطن (ثم غسله بماء زمزم) لأنه أفضل المياه أو يقوّي القلب (ثم جاء بطست) بسين مهملة مؤنثة (من ذهب) وكان ذلك قبل تحريم الذهب (ممتلئ) صفة لطست وذكر على معنى الإناه (حكمة وإيمانًا) بنصبهما على التمييز تمثيل لينكشف بالمحسوس ما هو معقول وتمثيل المعاني جائز كما أن سورة البقرة تجيء يوم القيامة كأنها ظلة ولابن عساكر الحكمة والإيمان (فافرغها) أي الطست والمراد ما فيها (في صدري ثم أطبقه) وختم عليه حتى لا يجد العدو إليه سبيلاً (ثم أخد بيدي) جبريل (فعرج بي إلى السماء فلما جاء إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء) الدنيا: (افتح) بابها (قال) الخازن: (من هذا)؟ الذي قال افتح (قال: هذا جبريل) ولم يقل أنا لأن قائلها يقع في العناء وسقط لفظ هذا لأبي ذر (قال: معك) ولابن عساكر قال: ما معك (أحد؟ قال): نعم (معي محمد) ﷺ (قال: أرسل إليه) ليعرج به (قال: نعم) أرسل إليه (فافتح فلما علونا السماء) زاد أبو ذر الدنيا وهي صفة للسماء والظاهر
أنه كان معهما غيرهما من الملائكة (إذا رجل عن يمينه أسودة) أشخاص (وعن يساره أسودة) أشخاص أيضًا (فإذا نظر قبل) أي جهة (يمينه ضحك) سرورًا (وإذا نظر قبل شماله بكى) حزنًا (فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح) أي أصبت رحبًا لا ضيقًا أيها النبي التام في نبوته والابن البارّ في بنوّته (قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا آدم وهذه الأسودة) التي (عن يمينه وعن شماله نسم بنيه) بفتح النون والسين المهملة أي أرواحهم (فأهل اليمين منهم أهل الجنة) والجنة فوق السماء السابعة في جهة يمينه (والأسودة التي عن شماله أهل النار). والنار في سجين الأرض
стр. 2231
السابعة في جهة شماله فيكشف له عنهما حتى ينظر إليهم (فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى، ثم عرج به جبريل حتى أتى السماء الثانية فقال لخازنها: افتح) بابها (فقال لها خازنها مثل ما قال الأول ففتح) بابها (قال أنس) ﵁: (فذكر) أبو ذر (أنه) ﷺ (وجد في السماوات إدريس، وموسى، وعيسى وإبراهيم) عليهم الصلاة والسلام (ولم يثبت) أبو ذر (لي كيف منازلهم) أي لم يعين لكل نبي سماء (غير أنه ذكر أنه وجد) ولأبي ذر: أنه قد وجد (آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السادسة وقال أنس: فلما مرّ جبريل بإدريس قال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح) ولم يقل والابن لأنه لم يكن من آبائه (فقلت) لجبريل: (من هذا قال: هذا إدريس) وهذا موضع الترجمة.
وفي حديث مالك بن صعصعة عند الشيخين أن إدريس في السماء الرابعة ولا ريب أنه
موضع عليّ وإن كان غيره من الأنبياء أرفع مكانًا منه. (ثم مررت بموسى. فقال: مرحبًا بالنبي
الصالح والأخ الصالح قلت) أي لجبريل ولأبي ذر فقلت بالفاء قبل القاف وله أيضًا فقال: أي
النبي ﷺ وهو من الالتفات (من هذا؟ قال): ولأبي ذر فقال: (هذا موسى ثم مررت بعيسى
فقال: مرحبًا بالنبي الصالح قلت) لجبريل: (من هذا؟ قال): هذا (عيسى) وليست ثم هنا على بابها
في الترتيب فقد اتفقت الروايات على أن المرور بعيسى كان قبل المرور بموسى (ثم مررت بإبراهيم
فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح قلت من هذا) يا جبريل: (قال: هذا إبراهيم) ﷺ
وقالوا: مرحبًا بالنبي الصالح ولم يقولوا بالنبي الصادق مثلاً لأن لفظ الصالح عام لجميع الخصال
الحميدة، فأرادوا وصفه بما يعم كل الفضائل.
(قال): أي ابن شهاب (وأخبرني) بالإفراد (ابن حزم) بالحاء المهملة المفتوحة وسكون الزاي أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري قاضي المدينة (أن ابن عباس وأبا حيّة الأنصارى) بتشديد المثناة التحتية ولأبي ذر وابن عساكر: وأبا حيّة بالموحدة بدل التحتية وهو الصواب، ورواية ابن حزم عن أبي حيّة منقطعة لأنه استشهد بأحد قبل مولد ابن حزم بمدة كما مرّ ذلك مع زيادة في أول كتاب الصلاة (كانا) أي ابن عباس وأبو حيّة (يقولان: قال النبي ﷺ ثم عرج بي حتى) بضم العين وكسر الراء مبنيًا للمفعول ولأبي ذر: ثم عرج بي جبريل حتى (ظهرت) أي علوت (لمستوى) بفتح الواو أي موضع شرف يستوي عليه وهو المصعد. وقال التوربشتي: اللام للعلة أي علوت لاستعلاء مستوى أو لرؤيته أو لمطالعته، ويحتمل أن يكون متعلقًا بالمصدر أي ظهرت
ظهور المستوى، ويحتمل أن يكون بمعنى، إلى يقال: أوحى لها أي إليها والمعنى أني قمت مقامًا بلغت فيه من رفعة المحل إلى حيث اطلعت على الكوائن وظهر لي ما يراد من أمر الله تعالى وتدبيره في خلقه وهذا والله هو المنتهى الذي لا تقدم لأحد عليه، وللحموي والمستملي بمستوى بالموحدة بدل اللام (أسمع) فيه (صريف الأقلام) أي تصويتها حالة كتابة الملائكة ما يقضيه الله تعالى.
(قال ابن حزم) عن شيخه (وأنس بن مالك) عن أبي ذر: (قال النبي ﷺ : ففرض الله عليّ) بتشديد التحتية أي وعلى أمتي (خمسين صلاة) في كل يوم وليلة (فرجعت بذلك حتى أمر بموسى) بهمزة مفتوحة فميم مضمومة فراء مشدّدة (فقال لي موسى: ما الذي فرض) أي ربك (على أمتك؟ قلت) له: (فرض) ربي (عليهم خمسين صلاة) في كل يوم وليلة، ولأبي ذر وابن عساكر: فرض بضم الفاء مبنيًّا للمفعول في الموضعين خمسون صلاة بالرفع نائبًا عن الفاعل (قال) موسى: (فراجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك) وسقط لفظ ذلك لأبي ذر (فرجعت) من عند موسى (فراجعت ربي فوضع شطرها فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربك فذكر مثله فوضع شطرها) أي جزءًا منها. وفي رواية ثابت أن التخفيف كان خمسًا خمسًا وحمل باقي الروايات عليها متعين على ما لا يخفى (فرجعت إلى موسى فأخبرته) سقط لابن عساكر لفظ
стр. 2232
فأخبرته (فقال) موسى: (راجع ربك) ولابن عساكر فقال ذلك أي راجع ربك ففعلت أي فرجعت فراجعت ربي فوضع شطرها فرجعت إلى موسى فأخبرته بذلك فقال: راجع ربك (فإن أمتك لا تطيق ذلك فراجعت ربي، فقال) جل وعلا: (هي خمس) بحسب الفعل (وهي خمسون) بحسب الثواب ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠] (لا يبدل القول لدي) يحتمل أن يراد أني ساويت بين الخمس والخمسين في الثواب، وهذا القول غير مبدل أو جعلت الخمسين خمسًا ولا تبديل فيه، وإنما وقعت المراجعة للعلم بأن ذلك غير واجب قطعًا لأن ما كان واجبًا قطعًا لا يقبل التخفيف أو الفرض خمسين. ثم نسخها بخمس رحمة لهذه الأمة المحمدية. واستشكل بأنه نسخ قبل البلاغ. وأجيب: بأنه نسخ بعده بالنسبة إلى النبي ﷺ (فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربك. فقلت: قد استحييت من ربي) أن أراجعه بعد قوله تعالى: لا يبدل القول لدي (ثم انطلق) جبريل (حتى أتى السدرة المنتهى) وفي نسخة إلى السدرة المنتهى، ولابن عساكر: حتى أتى بي سدرة المنتهى، ولأبي ذر: بي السدرة المنتهى وهي في أعلى السماوات وسميت بالمنتهى لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد إلا نبينا ﷺ (فغشيها ألوان لا أدري ما هي) هو كقوله تعالى: ﴿إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾ [النجم: ١٦] فالإبهام للتفخيم والتهويل وإن كان معلومًا (ثم أدخلت) ولأبي ذر: ثم أدخلت الجنة (فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ) بفتح الجيم والنون بعدها ألف فموحدة مكسورة فذال معجمة جمع جنبذة وهي القبة (وإذا ترابها المسك). رائحة.
واستنبط من هذا الحديث فوائد كثيرة يأتي إن شاء الله تعالى في سورة هود الإِلمام بشيء منها في بابه بعون الله تعالى، وقد مرّ الحديث أوّل الصلاة.
٦ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [هود: ٥٠] وَقَوْلِهِ: ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢١] فِيهِ عَنْ عَطَاءٍ وَسُلَيْمَانَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ [الحاقة: ٦] شَدِيدَةٍ: ﴿عَاتِيَةٍ﴾. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: عَتَتْ عَلَى الْخُزَّانِ: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ مُتَتَابِعَةً ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾: أُصُولُهَا. ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾: بَقِيَّةٍ
(باب قول الله تعالى) في سورة هود (﴿وإلى عاد أخاهم هودًا﴾) [الأعراف: ٦٥] عطف على قوله: ﴿لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه﴾ [الأعراف: ٥٩] كقولك: ضرب زيد عمرًا وبكر خالدًا وليس هو من باب ما فصل فيه بين حرف العطف والمعطوف بالجار والمجرور نحو ضربت زيدًا وفي السوق عمرًا فيجيء الخلاف المشهور، وقيل بل هو على إضمار فعل أي: وأرسلنا هودًا وهذا أوفق لطول الفصل وهودًا بدل أو عطف بيان لأخيهم، وكان هود أخاهم في النسب لا في الدين لأنه كان من قبيلة عاد وهم قبيلة من العرب بناحية اليمن كما يقال للرجل: يا أخا تميم، والمراد رجل منهم وهو هود بن تارخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح (﴿قال يا قوم اعبدوا الله﴾) [هود: ٥٠] أي وحدوه وسقط قوله قال يا قوم الخ … لأبي ذر.
(وقوله) بالجر عطفًا على المجرور السابق (﴿إذ أنذر قومه بالأحقاف﴾) [الأحقاف: ٢١] جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف الشيء إذا اعوج وكان قوم هود يسكنون بين رمال مشرفة على البحر بالشحر من اليمن، وكانوا كثيرًا ما يسكنون الخيام ذوات الأعمدة الضخام كما قال تعالى: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد﴾ [الفجر: ٦ - ٧] وهي عاد الأولى وأما عاد الثانية فمتأخرة وأما عاد الأولى: فمنهم ﴿عاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد﴾ [الفجر: ٦ - ٧ - ٨] أي مثل قبيلته، وقيل مثل العمد، ومن زعم أن إرم مدينة تدور في الأرض فقد أبعد النجعة وقال ما لا دليل عليه ولا برهان يعول عليه (إلى قوله: ﴿كذلك نجزي القوم المجرمين﴾) [الأحقاف: ٢٥] تخويف لكفار مكة أي ما سبق من قصتهم حكمنا فيمن كذب رسلنا وخالف أمرنا.
(فيه) أي في هذا الباب (عن عطاء) هو ابن أبي رباح فيما وصله المؤلّف في باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿هو الذي أرسل الرياح﴾ [الفرقان: ٤٨] (و) عن (سليمان) بن يسار فيما وصله أيضًا في سورة الأحقاف كلاهما (عن عائشة) ﵂ (عن النبي ﷺ ¬) ولفظ الأولى كان إذا رأى مخيلة أقبل وأدبر وفي آخره ولا أدري لعله كما قال قوم: ﴿فلما رأوه عارضًا مستقبل
أوديتهم﴾ [الأحقاف: ٢٤] الآية. وفي الثانية قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ ضاحكًا حتى أرى منه لهواته إنما كان يتبسم قالت: وكان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عرف في وجهه؛ الحديث.
(وقول الله بالجر عطفًا على السابق ولغير أبي ذر وابن عساكر باب قول الله
стр. 2233
: (﴿وأما عاد﴾) عطف على قوله تعالى: ﴿فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية) وأما عاد (﴿فأهلكوا بريح صرصر﴾ شديدة) أي شديدة الصوت في الهبوب لها صرصرة وقيل باردة (﴿عاتية﴾ قال ابن عيينة) في تفسيره (عتت على الخزان) وما خرج منها إلا مقدار الخاتم وعند ابن أبي حاتم عن علي ﵁ قال لم ينزل الله شيئًا من الريح إلا بوزن على يد ملك إلا يوم عاد فإنه أذن أذن لها دون الخزان فعتت على الخزان أو المراد عتت على عاد فلم يقدروا على ردها عنهم بقوّة ولا حيلة (﴿سخرها﴾) سلطها (﴿عليهم سبع ليال وثمانية أيام﴾) قيل كان أوّلها الجمعة وقيل من صبيحة الأربعاء إلى غروب الأربعاء الآخر وقال وهب: العرب تسميها أيام العجوز لإتيانها في عجز الشتاء وهي ذات برد ورياح شديدة (﴿حسومًا﴾) أي (متتابعة) دائمة ليس لها فتور ولا انقطاع من حسمت الدابة إذا تابعت بين كيّها أو محسمات حسمت كل خير واستأصلته أو قاطعات قطعت دابرهم (﴿فترى القوم﴾) إن كنت حاضرهم (﴿فيها﴾) في تلك الأيام والليالي أو في الليالي أو في مهابها (﴿صرعى﴾) موتى جمع صريع (﴿كأنهم أعجاز نخل خاوية﴾) أي (أصولها) وخاوية أي متأكلة أجوافها شبههم بجذوع نخل خالية الأجواف ليس لها رؤوس وقيل إن الريح أخرجت ما في بطونهم وكانت تحمل الرجل فترفعه في الهواء ثم تلقيه فتشدخ رأسه فيصير جثة بلا رأس (﴿فهل ترى لهم من باقية﴾) [الحاقة: ٦ - ٧ - ٨] أي من (بقية). أو من نفس باقية قيل إنهم لما أصبحوا موتى في اليوم الثامن كما وصفهم الله تعالى حملتهم الريح فألقتهم في البحر فلم يبق منهم أحد.
٣٣٤٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن عرعرة) بن البرند بكسر الموحدة والراء وسكون النون ابن النعمان الناجي السامي بالسين المهملة القرشي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الحكم) بفتحتين ابن عتيبة بضم العين مصغرًا (عن مجاهد) هو ابن جبر (عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(نصرت) يوم الأحزاب (بالصبا) بفتح الصاد المهملة والموحدة مقصورًا أرسلها الله تعالى على الأحزاب لما حاصروا المدينة فسفت التراب في وجوههم وقلعت خيامهم فانهزموا من غير قتال، وعن عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب انطلقي ننصر رسول الله ﷺ فقالت الشمال: إن الحرّة لا تسري فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا رواه ابن جرير. (وأهلكت عاد) قوم هود ﵊ (بالدبور) بفتح الدال الريح التي تجيء من قبل وجهك إذا استقبلت
القبلة فهي تأتي من دبرها. وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما فتح الله على عاد من الريح التي أهلكوا فيها إلا مثل موضع الخاتم فمرّت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم بين السماء والأرض"، فلما رأى أهل الحاضرة من عاد الريح وما فيها قالوا هذا عارض ممطرنا فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة فهلكوا جميعًا، وروي أن هودًا ﵊ لما أحس بالريح خطّ على نفسه وعلى المؤمنين خطًا إلى جنب عين تنبع وكانت الريح التي تصيبهم ريحًا طيبة هادئة والريح التي تصيب قوم عاد ترفعهم من الأرض وتطير بهم إلى السماء وتضربهم على الأرض وأثر المعجزة إنما ظهر في تلك الريح من هذا الوجه.
٣٣٤٤ - قَالَ: وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: "بَعَثَ عَلِيٌّ ﵁ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِذُهَيْبَةٍ، فَقَسَمَهَا بَيْنَ الأَرْبَعَةِ، الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ ثُمَّ الْمُجَاشِعِيِّ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ، وَزَيْدٍ الطَّائِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ، فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ قَالُوا: يُعْطِي صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا. قَالَ: إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ. فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ نَاتِئُ الْجَبِينِ كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقٌ فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ: مَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُ؟ أَيَأْمَنُنِي اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِي؟ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَتْلَهُ -أَحْسِبُهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ- فَمَنَعَهُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا -أَوْ فِي عَقِبِ هَذَا- قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ".
[الحديث ٣٣٤٤ - أطرافه في: ٣٦١٠، ٤٣٥١، ٤٦٦٧، ٥٠٥٨، ٦١٦٣، ٦٩٣١، ٦٩٣٣، ٧٤٣٢، ٥٧٦٢].
(قال) أي المؤلّف ولغير أبي ذر وقال (وقال ابن كثير) العبدي البصري، ووصله في تفسير
براءة فقال: حدّثنا محمد بن كثير (عن سفيان) الثوري (عن أبيه) سعيد بن مسروق الثوري الكوفي (عن أبي نعم) بضم النون وسكون العين المهملة عبد الرَّحمن البجلي الكوفي العابد (عن أبي سعيد) سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري (﵁) أنه (قال: بعث علي) ﵁ أي من اليمن كما عند النسائي (إلى النبي ﷺ بذهيبة) بضم الذال مصغرًا على معنى القطعة من الذهب أو باعتبار الطائفة ورجح لأنها كانت تبرًا (فقسمها) رسول الله ﷺ (بين الأربعة)
стр. 2234
ولأبي ذر وابن عساكر: بين أربعة، ولمسلم: بين أربعة نفر (الأقرع بن حابس) بالحاء المهملة والموحدة المكسورة والسين المهملة (الحنظلي) بالحاء المهملة والظاء المعجمة المفتوحتين بينهما نون ساكنة نسبة إلى حنظلة بن مالك بن زيد مناة (ثم المجاشعي) نسبة إلى مجاشع بن دارم أحد المؤلّفة قلوبهم (وعيينة بن بدر الفزاري) بالفاء والزاء المخففة وبعد الألف راء نسبة إلى فزارة (وزيد الطائي) وكان
في الجاهلية يدعى بزيد الخيل باللام فسماه النبي ﷺ زيد الخير بالراء (ثم أحد بني نبهان) بفتح النون وسكون الموحدة (وعلقمة بن علاثة) بضم العين المهملة وتخفيف اللام وبعد الألف مثلثة ابن عوف الأحوص بن حفص بن كلاب بن ربيعة (العامري) نسبة إلى عامر بن صعصعة بن معاوية (ثم أحد بني كلاب) بكسر الكاف وتخفيف اللام ابن ربيعة (فغضبت قريش والأنصار) سقط والأنصار من رواية مسلم (قالوا: يعطي) رسول الله ﵊ (صناديد أهل نجد) أي رؤساءهم الواحد صنديد بكسر الصاد (ويدعنا) أي يتركنا (قال) ﷺ :
(إنما أتألفهم) بالإعطاء ليثبتوا على الإسلام رغبة فيما يصل إليهم من المال (فأقبل رجل) من بني تميم يقال له ذو الخويصرة واسمه حرقوص بن زهير (غائر العينين) أي داخلهما يقال غارت عيناه إذا دخلتا وهو ضدّ الجاحظ (مشرف الوجنتين) بالشين المعجمة والفاء غليظهما (ناتئ الجبين) بالهمز في رواية أبي ذر مرتفعه. قال النووي: الجبين جانب الجبهة ولكل إنسان جبينان يكتنفان الجبهة (كثّ اللحية) بفتح الكاف وبالثاء المثلثة المشددة كثير شعرها (محلوق) رأسه مخالف لما كانوا عليه من تربية شعر الرأس وفرقه (فقال: اتق الله يا محمد. فقال) ﷺ : (من يطع الله) مجزوم حرك بالكسر لالتقاء الساكنين، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: من يطيع الله بإثبات التحتية بعد الطاء والرفع مصححًا عليه في الفرع كأصله (إذا عصيت) أي إذا عصيته فحذف ضمير النصب (أيأمنني الله على أهل الأرض فلا تأمنوني) ولأبي ذر: ولا بالواو بدل الفاء تأمنونني بنونين (فسأله) ﵊ (رجل قتله أحسبه خالد بن الوليد) وجاء أنه عمر بن الخطاب ولا تنافي بينهما لاحتمال أن يكونا سألاً معًا (فمنعه) ﷺ من قتله تأليفًا لغيره (فلما ولى) الرجل (قال) النبي ﷺ (إن من ضئضيء) بضادين معجمتين مكسورتين بينهما همزة ساكنة آخره همزة ثانية أي من نسل (هذا) وعقبه، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: من صئصيء بصادين مهملتين وهما بمعنى (-أو في عقب هذا- قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم) جمع حنجرة وهي رأس الغلصمة والغلصمة منتهى الحلقوم والحلقوم مجرى الطعام والشراب أي لا يرفع في الأعمال الصالحة (يمرقون) يخرجون (من الدين) الطاعة (مروق السهم) خروجه إذا نفذ من الجهة الأخرى (من الرمية) بفتح الراء وكسر الميم وتشديد التحتية الصيد المرمي وهذا نعت الخوارج الذين لا يدينون للأئمة ويخرجون عليهم (يقتلون أهل الإسلام ويدعون) بفتح الدال يتركون (أهل الأوثان) بالمثلثة جمع وثن كل ما له جثة متخذ من نحو: الحجارة والخشب كصورة الآدمي يعبد. والصنم الصورة بدون جثة أو لا فرق بينهما (لئن أنا أدركتهم) أي الموصوفين بما ذكر (لأقتلنهم قتل عاد) أي لأستأصلنهم بحيث لا أبقي منهم أحدًا كاستئصال عاد، وليس المراد أنه يقتلهم بالآلة التي قتلت بها عاد بعينها فالتشبيه لا عموم له.
وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى، وقد أورد صاحب الكواكب سؤالاً وهو فإن قيل: أليس قال لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم فكيف لم يدع خالدًا أن يقتله وقد أدركه؟ وأجاب: بأنه إنما
أراد به إدراك زمان خروجهم إذا كثروا واعترضوا الناس بالسيف ولم تكن هذه المعاني مجتمعة إذ ذاك فيوجد الشرط الذي علق به الحكم، وإنما أنذر ﷺ أنه سيكون ذلك في الزمان المستقبل وقد كان كما قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 2235
وَسَلَّمَ- فأوّل ما نجم هو في أيام علي ﵁.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير مختصرًا وفي التوحيد بتمامه وفي المغازي ومسلم في الزكاة وأبو داود في السُّنّة والنسائي في الزكاة والتفسير والمحاربة.
٣٣٤٥ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ".
وبه قال: (حدّثنا خالد بن يزيد) أبو الهيثم المقري الكاهلي الكوفي المتوفى سنة بضع عشرة ومائتين قال: (حدّثنا إسرائيل) بن يونس أبو يوسف الكوفي (عن) جده (أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي بفتح المهملة وكسر الموحدة (عن الأسود) بن يزيد النخعي أنه (قال: سمعت عبد الله) يعني ابن مسعود ﵁ (قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ) قوله تعالى: (﴿فهل من مدكر﴾) [القمر: ١٥]. بالدال المهملة المشددة أي: فهل من معتبر بما في هذا القرآن الذي يسر الله تعالى حفظه ومعناه. وقال مطر الوراق فيما علقه المؤلّف بصيغة الجزم: ﴿فهل من مدكر﴾ هل من طالب علم فيعان عليه.
وسبق هذا الحديث في باب قوله تعالى: ﴿إنّا أرسلنا نوحًا﴾ [نوح: ١]. ويأتي إن شاء الله تعالى في التفسير.
٧ - باب قِصَّةِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [الكهف: ٩٤] وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٣] ﴿سَبَبًا﴾: طَرِيقًا. إِلَى قَوْلِهِ: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ وَاحِدُهَا زُبْرَةٌ وَهْيَ الْقِطَعُ. ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾: يُقَالُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْجَبَلَيْنِ. وَ ﴿السُّدَّيْنِ﴾: الْجَبَلَيْنِ. ﴿خَرْجًا﴾: أَجْرًا. ﴿قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾: أَصْبُبْ عَلَيْهِ رَصَاصًا، وَيُقَالُ الْحَدِيدُ. وَيُقَالُ الصُّفْرُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النُّحَاسُ. ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾: يَعْلُوهُ، اسْطَاعَ: اسْتَفْعَلَ مِنْ طُعْتُ لَهُ، فَلِذَلِكَ فُتِحَ أَسْطَاعَ يَسْطِيعُ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: اسْتَطَاعَ يَسْتَطِيعُ. ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾: أَلْزَقَهُ بِالأَرْضِ. وَنَاقَةٌ دَكَّاءُ: لَا سَنَامَ لَهَا، وَالدَّكْدَاكُ مِنَ الأَرْضِ مِثْلُهُ حَتَّى صَلُبَ مِنَ الأَرْضِ وَتَلَبَّدَ. ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ﴿وَهُمْ مِنْ
كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: حَدَبٍ أَكَمَةٍ. "قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : رَأَيْتُ السَّدَّ مِثْلَ الْبُرْدِ الْمُحَبَّرِ. قَالَ: «قَدْ رَأَيْتَهُ».
(باب قصة يأجوج ومأجوج).
قال في الأنوار: قبيلتان من ولد يافث بن نوح ﵇ وقيل يأجوج من الترك ومأجوج من الجيل، وعن قتادة فيما ذكره محيي السنة أن يأجوج ومأجوج اثنتان وعشرون قبيلة بنى ذو القرنين السد على إحدى وعشرين قبيلة وبقيت واحدة فهم الترك سموا بالترك لأنهم تركوا خارج السد.
وعن حذيفة مرفوعًا: إن يأجوج أمة ومأجوج أمة كل أمة أربعمائة ألف لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح. قال: وهم ثلاثة أصناف: صنف منهم مثل الأرز شجر بالشام طوله عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم طوله وعرضه سواء عشرون ومائة ذراع وهؤلاء لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية. وعن علي ﵁ منهم من طوله شبر ومنهم المفرط في الطول.
وفي كتاب الأمم لابن عبد البر: أن مقدار الربع العامر من الدنيا مائة وعشرون سنة وأن تسعين منها ليأجوج ومأجوج وهم أربعون أمة مختلفو الخلق والقدود في كل أمة ملك ولغة، ومنهم من لا يتكلم إلا همهمة.
وذكر الباجي عن عبد الرَّحمن بن ثابت أن الأرض خمسمائة عام منها ثلاثمائة بحور ومائة وتسعون ليأجوج ومأجوج وسبع للحبشة وثلاث لسائر الناس كذا رأيته والعهدة فيه على ناقله، وقد قال الحافظ ابن كثير ذكر ابن جرير هنا عن وهب بن منبه أثرًا فيه ذكر ذي القرنين ويأجوج ومأجوج فيه طول وغرابة ونكارة في أشكالهم وصفاتهم وطولهم وقصر بعضهم وآذانهم، وكذا روى ابن أبي حاتم في ذلك أحاديث لا تصح أسانيدها، وقد قال كعب فيما ذكره محيي السنّة: إن آدم ﵇ احتلم ذات يوم فامتزجت نطفته بالتراب فخلق الله من ذلك الماء يأجوج ومأجوج فهم يتصلون بنا من جهة الأب دون الأم، وحكاه النووي في شرح مسلم. قال ابن كثير: وهذا القول غريب جدًّا ثم لا دليل عليه لا من عقل ولا من نقل ولا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب لما عندهم من الأحاديث المفتعلة والله أعلم.
(وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على المجرور السابق (﴿قالوا يا ذا القرنين﴾) وفي مصحف ابن مسعود قال الذين من دونهم يا ذا القرنين (﴿إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض﴾) [الكهف: ٨٦]. أي في أرضنا بالقتل والتخريب وإتلاف الزرع وسقط قوله قصة الخ ..
(وقول الله) ولابن عساكر باب قول الله (تعالى: ﴿ويسألونك﴾) يا محمد كفار مكة (﴿عن﴾) خبر (﴿ذي القرنين﴾) روى ابن جرير والأموي في مغازيه بسند ضعيف من حديث عقبة بن عامر ﵁ أنه كان شابًّا من الروم وأنه بنى الإسكندرية وأنه علا به ملك في السماء وذهب به إلى السد ورأى أقوامًا مثل وجوه الكلاب. قال ابن كثير: وهو خبر إسرائيلي وفيه من النكارة أنه من الروم وإنما الذي كان من الروم الإسكندر
стр. 2236
الثاني، وأما الإسكندر الأول فقد طاف بالبيت مع الخليل صلوات الله عليه وسلامه أول ما بناه وآمن به واتبعه كما ذكره الأزرقي وكان وزيره الخضر، وأما الثاني فهو الإسكندر اليوناني وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف وكان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة وسمي ذا القرنين لأنه ملك المشرق والمغرب، أو لأنه طاف قرني الدنيا شرقها وغربها، أو لأنه انقرض في أيامه قرنان من الناس، أو لأنه كان له قرنان أي ضفيرتان أو كان لتاجه قرنان، أو لأنه كان في رأسه شبه القرنين، أو لقب بذلك لشجاعته كما يقال الكبش للشجاع كأنه ينطح أقرانه. وعن علي أنه كان عبدًا ناصح الله فناصحه دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات فأحياه الله فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات فأحياه الله فسموه ذا القرنين، واختلف في نبوته مع الاتفاق على إيمانه وصلاحه ﴿قل سأتلو عليكم منه﴾ أي من أخباره ﴿ذكرًا * إنّا مكنّا له في الأرض﴾ أي مكنّا له أمره في التصرف فيها كيف شاء فحذف المفعول ﴿وآتيناه من كل شيء﴾ طلبه وتوجه إليه (﴿سببًا﴾) وصلة توصله إليه من العلم والقدرة. وقال عبد الرَّحمن بن زيد أي تعليم الألسنة كان لا يغزو قومًا إلا كلمهم بلسانهم، وقيل علمًا بالطرق والمسالك فسخرنا له أقطار الأرض كما سخرنا الريح لسليمان ﵇، وقول كعب الأحبار مستدلاً بهذه الآية إن ذا القرنين كان يربط حبله بالثريا أنكره عليه معاوية بن أبي سفيان وهو إنكار صحيح لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك ولا إلى الرقي في أسباب السماوات قاله ابن كثير ﴿فأتبع سببًا﴾ [الكهف: ٨٣ - ٨٥]. أي (طريقًا إلى قوله: ﴿ائتوني﴾) بسكون الهمزة وهي قراءة أبي بكر عن عاصم (﴿زبر الحديد﴾ واحدها زبرة) بضم الزاي وسكون الموحدة (وهي القطع) بكسر القاف وفتح الطاء ويقال كل قطعة زنة قنطار بالدمشقي أو تزيد عليه، وفي رواية أبي ذر بعد قوله: (﴿ويسألونك عن ذي القرنين﴾ إلى قوله: ﴿سببًا﴾ طريقًا إلى قوله: ﴿ائتوني زبر الحديد﴾ واحدها زبرة. ولابن عساكر بعد قوله: ﴿ذكرًا﴾ إلى قوله: (﴿آتوني زبر الحديد * حتى إذا ساوى بين الصدفين﴾) بفتح الصاد والدال ولغير أبي ذر الصدفين بضمهما وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وهي لغة قريش ولأبي بكر ضم الصاد وإسكان الدال.
(يقال عن ابن عباس) مما وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة في قوله تعالى: ﴿بين الصدفين﴾ قال: أي بين (الجبلين) وقيل الصدفان ناحيتا الجبلين، وقال أبو عبيدة: الصدف كل بناء عظيم مرتفع (والسدين): بضم السين ولأبي ذر السدين بفتحها وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحفص لغتان (الجبلين) سد ذو القرنين بينهما بسد وهما جبلا أرمينية وأذربيجان وقيل
جبلان بأواخر الشمال في منقطع أرض الترك منفيان من ورائهما يأجوج ومأجوج، والمعنى أنه وضع بعضه على بعض من الأساس حتى حاذى به رؤوس الجبلين طولاً وعرضًا (خرجًا) أي (أجرًا) عظيمًا نخرجه من أموالنا ﴿قال﴾ للعملة: (﴿انفخوا﴾) في الأكوار والحديد (﴿حتى إذا جعله﴾) أي المنفوخ فيه (﴿نارًا﴾) كالنار بالإحماء (﴿قال آتوني أفرغ عليه قطرًا﴾) أي (أصبب عليه رصاصًا﴾) بفتح الراء وتكسر ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر أصب بموحدة مشددة ولأبي ذر: أصب عليه قطرًا (ويقال الحديد) أي المذاب (ويقال الصفر) بالضم رواه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك وهو النحاس.
(وقال ابن عباس) ﵄ فيما وصله ابن أبي حاتم بإسناد صحيح إلى عكرمة عنه: (النحاس) ورواه من طريق السدي أيضًا قال: القطر النحاس وبناه لهم بالحديد والنحاس، ومن طريق وهب بن منبه قال: شرفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقًا من نحاس أصفر فصار كأنه برد محبر من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد، وحكى الحافظ ابن كثير: أن الخليفة الواثق بعث في دولته بعض أمرائه في جيش لينظروا إلى السد وينعتوه له إذا رجعوا فرأوا بناءه من الحديد والنحاس ورأوا فيه بابًا عظيمًا عليه أقفال عظيمة وبقية اللبن والعمد في برج هناك وذكروا أن عنده حرسًا من الملوك المتاخمة له وأنه عال منيف شاهق.
стр. 2237
(﴿فما اسطاعوا﴾) بحذف التاء حذرًا من تلاقي متقاربين (﴿أن يظهروه﴾) أي أن (يعلوه) بالصعود لارتفاعه وانملاسه واسطاعوا جمع مفرده (استطاع) بالتاء قبل الطاء، ولأبي ذر: اسطاع بحذفها أصله (استفعل من اطعت له) بهمزة مفتوحة وفتح الطاء، ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: من طعت بإسقاط الهمزة وضم الطاء وسكون العين. قال العيني: لأنه مر فعل يفعل كنصر ينصر ولكنه أجوف واوي لأنه من الطوع يقال طاع له وطعت له كقال له وقلت له ولما نقل طاع إلى باب الاستفعال صار استطاع على وزن استفعل ثم حذفت التاء للتخفيف بعد نقل حركتها إلى الهمزة فصار أسطاع بفتح الهمزة وسكون السين وأشار إلى هذه بقوله: (فلذلك فتح اسطاع) أي فلأجل حذف التاء ونقل حركتها إلى الهمزة قيل اسطاع (يسطيع) بفتح الهمزة في الماضي وفتح الياء في المستقبل، (و) لكن (قال بعضهم: استطاع يستطيع) بالمثناة الفوقية فيهما وفتح حرف المضارعة في الثاني في الفرع وغيره مما رأيته من الأصول. وقال العيني كابن حجر كالكرماني بضمه فمن فتح فمن الثلاثي ومن ضم فمن الرباعي. (﴿وما استطاعوا له نقبًا﴾) لثخنه وصلابته. وظاهر هذا أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه لأحكام بنائه وصلابته وشدته، ولا يعارضه حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ المروي عند أحمد: أن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدًا فيعودون إليه فيجدونه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا إن شاء الله ويستثني فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس الحديث.
ورواه ابن ماجه والترمذي وقال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال ابن كثير: وإسناده جيد قوي ولكن متنه في رفعه نكارة لمخالفته الآية. ورواه كعب بنحوه، ولعل أبا هريرة تلقاه من فإنه كثيرًا ما كان يجالسه فحدث به أبو هريرة فتوهم بعض الرواة أنه مرفوع فرفعه.
(﴿قال هذا﴾) السد والاقدار (﴿رحمة من ربي﴾) على عباده (﴿فإذا جاء وعد ربي﴾) وقت وعده بخروج يأجوج ومأجوج (﴿جعله﴾) أي السد (﴿دكاء﴾) أي (ألزقه بالأرض) بالزاي (و) كذلك يقال (ناقة دكاء) بالمد أي (لا سنام لها) مستوية الظهر (والدكداك من الأرض مثله) أي الملزق المستوى بها (حتى صلب من الأرض وتلبد) ولم يرتفع وسقط لأبي ذر وابن عساكر: من الأرض (﴿وكان وعد ربي حقًّا﴾) أي كائنًا لا محالة وهذا آخر حكاية قول ذي القرنين (﴿وتركنا بعضهم يومئذٍ﴾) أي بعض يأجوج ومأجوج حين يخرجون من وراء السد (﴿يموج في بعض﴾) مزدحمين في البلاد أو يموج بعض الخلق في بعض فيضطربون ويختلطون إنسهم وجنهم حيارى (حتى إذا فتحت) ولابن عساكر: باب حتى إذا فتحت (﴿يأجوج ومأجوج﴾) [الكهف: ٩٦ - ٩٨].
قال في الكشاف: حتى متعلقة بحرام يعني في قوله وحرام على قرية وهي غاية له لأن امتناع رجوعهم لا يزول حتى تقوم الساعة وهي حتى التي يحكى بعدها الكلام والكلام المحكى هو الجملة من الشرط والجزاء أعني إذا وما في حيزها وقال الحوفي: هي غاية والعامل فيها ما دل عليه المعنى من تأسفهم على ما فرطوا فيه من الطاعة حين فاتهم الاستدراك. وقال ابن عطية: "حتى" متعلقة بقوله وتقطعوا، ويحتمل على بعض التأويلات المتقدمة أن تتعلق بيرجعون، ويحتمل أن تكون حرف ابتداء وهو الأظهر بسبب إذا لأنها تقتضي جوابًا هو المقصود ذكره قال أبو حيان وكون حتى متعلقة بتقطعوا فيه بعد من حيث كثرة الفصل لكنه من حيث المعنى جيد وهو أنهم لا يزالون مختلفين على دين الحق إلى قرب مجيء الساعة فإذا جاءت الساعة انقطع ذلك كله وتلخص في تعلق "حتى" أوجه:
أحدها: أنها متعلقة بحرام. الثاني: أنها متعلقة بمحذوف دل عليه المعنى وهو
стр. 2238
قول الحوفي. الثالث: أنها متعلقة بتقطعوا. الرابع: أنها متعلقة بيرجعون وتلخص في حتى وجهان:
أحدهما: أنها حرف ابتداء وهو قول الزمخشري وابن عطية فيما اختاره، والثاني: أنها حرف جر بمعنى إلى وفي جواب إذا أوجه:
أحدها: أنه محذوف فقدره أبو إسحاق قالوا يا ويلنا وقدره غيره فحينئذ يبعثون.
وقوله: ﴿فإذا هي شاخصة﴾ (الأنبياء: ٩٧]. عطف على هذا المقدر. والثاني أن جوابها الفاء في قوله: فإذا هي قاله الحوفي والزمخشري وابن عطية. وقوله: يأجوج ومأجوج هو على حذف مضاف أي سد يأجوج ومأجوج (﴿وهم﴾) يعني يأجوج ومأجوج أو الناس كلهم (﴿من
كل حدب﴾) نشر من الأرض سمي به القبر لظهوره على وجه الأرض (﴿ينسلون﴾) [الأنبياء: ٩٦]. يسرعون. (قال قتادة) فيما ذكره عبد الرَّحمن في تفسيره (حدب) أي (أكمة) ولأبي ذر: حدب أكمة برفعهما (قال) ولأبي ذر وقال (رجل) صحابي لم يسم (للنبي ﷺ : رأيت السد) بفتح السين. ولأبي ذر بضمها (مثل البرد المحبر) بضم الميم وفتح الحاء المهملة والموحدة المشددة طريقة حمراء وطريقة سوداء (قال) ﵊: قد (رأيته) وصله ابن أبي عمر.
٣٣٤٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ زَيْنَبَ بْنتِ جَحْشٍ ﵅: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ -وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا- قَالَتْ زَيْنَبُ بْنتُ جَحْشٍ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخُبْثُ".
[الحديث ٣٣٤٦ - أطرافه في: ٣٥٩٨، ٧٠٥٩، ٧١٣٥].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (أن زينب ابنة) ولأبي ذر: بنت (أبي سلمة) المخزومي ربيبة النبي ﷺ (حدثته عن أم حبيبة) رملة (بنت أبي سفيان) صخر بن حرب زوج النبي ﷺ (عن زينب ابنة) ولأبي ذر: بنت (جحش) زوج النبي ﷺ (¬﵅ أن النبي ﷺ دخل عليها) الضمير لزينب حال كونه (فزعًا) بكسر الزاي خائفًا (يقول):
(لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب) قيل: خص العرب بالذكر إشارة إلى ما وقع من قتل عثمان منهم أو أراد ما يقع من مفسدة يأجوج ومأجوج أو من الترك من المفاسد العظيمة في بلاد الإسلام (فتح اليوم) نصب على الظرفية (من ردم يأجوج ومأجوج) أي من سدهما (مثل هذه وحلق) بتشديد اللام وبالقاف ﷺ (بإصبعه) بالإفراد، ولأبي ذر وابن عساكر: بإصبعيه (الإبهام والتي تليها) وللمؤلّف في الفتن من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري وعقد سفيان تسعين أو مائة، ولمسلم من حديث أبي هريرة من طريق وهيب وعقد وهيب بيده تسعين فاختلف في العاقد. وأجاب ابن العربي: بأن العقد مدرج ليس من قوله ﷺ ، وإنما الرواة عبروا عن الإشارة في قوله مثل هذه بذلك (قالت) ولأبي ذر فقالت (زينب ابنة) ولأبي ذر بنت (جحش فقلت يا رسول الله أنهلك) بكسر اللام في اليونينية (وفينا الصالحون؟ قال) ﵊: (نعم إذا كثر الخبث) بفتح الخاء المعجمة والموحدة وبالمثلثة الفسوق والفجور أو الزنا خاصة أو أولاده. قال في الكواكب: والظاهر أنه المعاصي مطلقًا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الفتن، وأخرجه مسلم أيضًا واتفقا على إخراجه من طريق
الزهري، لكن رواه مسلم عن زينب بنت أبي سلمة عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان عن أمها أم حبيبة والبخاري أسقط حبيبة، وفي الإسناد على هذا من الغرائب نادرة عزيزة الوقوع من ذلك رواية الزهري عن عروة وهما تابعيان واجتماع أربع نسوة في سنده كلهن يروي بعضهن عن بعض ثم كل منهن صحابية ثم اثنتان ربيبتان واثنتان زوجتان ﵅.
٣٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فَتَحَ اللَّهُ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ هَذهِ، وَعَقَدَ بِيَدِهِ تِسْعِينَ».
[الحديث ٣٣٤٧ - طرفه في: ٧١٣٦].
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد بن عجلان البصري قال: (حدّثنا ابن طاوس) عبد الله ولابن عساكر عن ابن طاوس (عن أبيه) طاوس (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(فتح الله من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وعقد بيده تسعين) والمراد بالتمثيل التقريب لا حقيقة التحديد، وقد سبق أنهم يحفرون كل يوم حتى لا يبقى بينهم وبين أن يخرقوه إلا يسير
стр. 2239
فيقولن غدًا نأتي فنفرغ منه فيأتون إليه فيجدونه عاد لهيئته، فإذا جاء الوعد قالوا عند المساء غدًا إن شاء الله تعالى فإذا أتوا نقبوه وخرجوا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الفتن وكذا مسلم.
٣٣٤٨ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الأَعْمَشِ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ. فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ قَالَ: أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلاً وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ. ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَكَبَّرْنَا فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَكَبَّرْنَا فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلاَّ كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ».
[الحديث ٣٣٤٨ - أطرافه في: ٤٧٤١، ٦٥٣٠، ٧٤٨٣].
وبه قال: (حدثني) - بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إسحاق بن نصر) نسبه لجده واسم أبيه إبراهيم المروزي وقيل البخاري قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن الأعمش) سليمان بن مهران أنه قال: (حدّثنا أبو صالح) ذكوان الزيات (عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(يقول الله تعالى) زاد في سورة الحج يوم القيامة (يا آدم فيقول) ولأبي ذر عن الكشميهني قال (لبيك) أي إجابة لك بعد إجابة ولزومًا لطاعتك فهو من المصادر المثناة لفظًا ومعناها التكرير بلا حصر ومثله (وسعديك) أي أسعدني إسعادًا بعد إسعاد (والخير في يديك فيقول) الله تعالى له (أخرج) بفتح الهمزة وكسر الراء من الناس (بعث النار) أي مبعوثها وهم أهلها (قال) يا رب (وما بعث النار)؟ أي وما مقدار مبعوث النار (قال) تعالى (من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) نصب قال العيني: على التمييز ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف (فعنده) أي عند قوله تعالى آدم أخرج بعث النار (يشيب الصغير) من شدة الهول لو تصور وجوده لأن الهم يضعف القوي ويسرع بالشيب، أو هو محمول على الحقيقة لأن كل أحد يبعث على ما مات عليه فيبعث الطفل طفلاً فإذا وقع ذلك يشيب الطفل من شدة الهول (وتضع كل ذات حمل حملها) لو فرض وجودها أو أن من ماتت حاملاً بعثت حاملاً فتضع حملها من الفزع (وترى الناس سكارى) من الخوف (وما هم بسكارى) من الشراب، أو المعنى كأنهم سكارى من شدة الأمر الذي أدهش عقولهم وما هم بسكارى على الحقيقة كذا قرره، قال في فتوح الغيب: وهو يؤذن بأن قوله تعالى: ﴿وما هم بسكارى﴾ [الحج: ٢]. بيان لإرادة معنى السكر من قوله ﴿وترى الناس سكارى﴾ فإنه إما أن يراد به التشبيه كما يقال وترى الناس كالسكارى، وشبهوا بالسكارى بسبب ما غشيهم من الخوف فبقوا مسلوبي العقول كالسكران، أو أن يراد الاستعارة كأنه قيل ترى الناس خائفين فوضع موضعه سكارى، ولذا بيّن بقوله من الخوف وصرح وما هم بسكارى من الشراب. ومن علامات المجاز صحة سلبه كما إذا قلت للبليد حمار يصح نفيه وكذا هنا نفي السكر الحقيقي بقوله: وما هم بسكارى مؤكدًا بالباء لأن هذا السكر أمر لم يعهد مثله.
(ولكن عذاب الله شديد) تعليل لإثبات السكر المجازي لما نفى عنهم السكر الحقيقي وهل هذا الخوف لكل أحد أو لأهل النار خاصة. قال قوم: الفزع أكبر وغيره يختص بأهل النار أما أهل الجنة فيحشرون آمنين قال تعالى: ﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾ [الأنبياء: ١٠٣]. وقال آخرون: الخوف عام والله يفعل ما يشاء. (قالوا): أي من حضر من الصحابة (يا رسول الله وأينا ذلك الواحد)؟ ولأبي الوقت ذاك بألف بدل اللام (قال) ﷺ : (أبشروا) بقطع الهمزة وكسر المعجمة (فإن منكم رجل) بالرفع مبتدأ مؤخر وفي أن يقدر ضمير الشأن محذوفًا أي فإنه منكم رجل، ولأبي ذر: رجلاً بالنصب وهو ظاهر (ومن يأجوج ومأجوج ألف) بالرفع ولأبي ذر ألفًا بالنصب كما مرّ في رجل ورجلاً. وفي سورة الحج من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ومنكم واحد الحديث. والحكم للزائد.
(ثم قال) ﵊: (و) الله (الذي نفسي بيده إني أرجو أن تكونوا) أي أمته المؤمنون به (ربع أهل الجنة فكبرنا) سرورًا بهذه البشارة العظيمة (فقال) ﵊: (أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا) سرورًا لذلك (فقال) ﵊ (أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة) ولا يعارض هذا ما في الترمذي وحسنه عن بريدة مرفوعًا: أهل الجنة
عشرون ومائة صف ثمانون منها من هذه الأمة وأربعون منها من سائر الأمم لأنه ليس في حديث الباب الجزم
стр. 2240
بأنهم نصف أهل الجنة فقط، وإنما هو رجاء رجاه لأمته ثم أعلمه الله تعالى بعد ذلك أن أمته ثلثًا أهل الجنة (فكبرنا) سرورًا بما أنعم الله به تعالى وتكريرًا لإعطاء ربعًا ثم نصفًا لأنه أوقع في النفس وأبلغ في الإكرام مع الحمل لهم على تجديد الشكر. (فقال) ﵊: (ما أنتم في الناس) في المحشر (إلا كالشعرة السوداء) بفتح العين (في جلد ثور أبيض) سقط لابن عساكر لفظ جلد (أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود) وأو للتنويع أو شك من الراوي. وهذا في المحشر كما مرّ. وأما في الجنة فهم نصف الناس هناك أو ثلثاهم كما مرّ.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: فإن منكم رجل ومن يأجوج ومأجوج ألف إذ فيه الإِشارة إلى كثرتهم وأن هذه الأمة بالنسبة إليهم نحو عشر العُشر.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير وتأتي بقية مباحثه إن شاء الله تعالى في أواخر الرقاق بعون الله تعالى وقوته.
٨ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: ١٦٥] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لله﴾ [النحل: ١٢٠]
وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]. وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ الرَّحِيمُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ.
(باب قول الله تعالى ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ [النساء: ١٢٥]. الخليل مشتق من الخلة بالفتح وهي الحاجة سميت خلة للاختلال الذي يلحق الإنسان فيها وسمي إبراهيم خليلاً لأنه لم يجعل فقره وفاقته إلا إلى الله تعالى في كل حال، وهذا الفقر أشرف غنى بل أشرف فضيلة يكتسبها الإنسان، ولهذا ورد: اللهم أغنني بالافتقار إليك ولا تفقرني بالاستغناء عنك، وقيل من الخلة بالضم وهي المودّة الخالصة أو من التخلل. قال ثعلب: لأن مودته تتخلل القلب وأنشد:
قد تخللت مسلك الروح مني … وبذا سمي الخليل خليلا
وقال الزجاج: معنى الخليل الذي ليس في محبته خلل، وسمي إبراهيم خليل الله لأنه أحبه محبة كاملة ليس فيها نقص ولا خلل. وقال القرطبي: الخليل فعيل بمعنى فاعل كالعليم بمعنى عالم، وقيل هو بمعنى المفعول كالحبيب بمعنى المحبوب، وقيل الخليل هو الذي يوافقك في خلالك. قال ﵇: تخلقوا بأخلاق الله فلما بلغ إبراهيم في هذا الباب مبلغًا لم يبلغه أحد ممن تقدمه لا جرم خصه الله تعالى بهذا الاسم. وقال الإمام فخر الدين إنما سمي خليلاً لأن محبة الله تخللت في جميع قواه فصار بحيث لا يرى إلا الله ولا يتحرك إلا لله ولا يسكن إلا لله ولا يمشي إلا لله ولا يسمع إلا بالله فكان نور جلال الله قد سرى في جميع قواه الجسمانية وتخلل فيها
وغاص في جواهرها ووغل في ماهيتها. وقال في الكشاف: هو مجاز عن اصطفائه واختصاصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله، والخليل المخالّ وهو الذي يخاللك أي يوافقك في خلالك أو يسايرك في طريقك من الخلط وهو الطريق في الرمل اهـ.
قال في فتوح الغيب قوله تشبه كرامة الخليل بعد قوله مجاز عن اصطفائه إيذان بأن المجاز من باب الاستعارة التمثيلية، واختلف في السبب الذي من أجله ﴿اتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ [النساء: ١٢٥]. فقيل كما ذكره ابن جرير وغيره أنه أصاب الناس أزمة، وكانت الميرة تأتيه من خليل له بمصر فأرسل إبراهيم غلمانه ليمتاروا له منه فقال خليله: لو كان إبراهيم يطلب الميرة لنفسه لفعلت ولكن يريدها للأضياف وقد أصابنا ما أصاب الناس من الأزمة والشدة فرجعوا بغير شيء فاجتازوا ببطحاء لينة فقالوا: لو أنا حملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة فإنا نستحي أن نمرّ بهم وإبلنا فارغة فملأوا تلك الغرائر ثم أتوا إبراهيم فلما أعلموه ساءه ذلك فغلبته عيناه فنام وكانت امرأته سارة نائمة فاستيقظت وقد ارتفع النهار فقالت: سبحان الله ما جاء الغلمان؟ قالوا: بلى. فقامت إلى الغرائر فأخرجت منها أحسن حوّاري فاختبزت وأطعمت واستيقظ إبراهيم فاشتم رائحة الخبز فقال: من أين لكم هذا؟ فقالت: من خليلك المصري. فقال: بل من عند خليلي الله فسماه الله تعالى خليلاً، وعلى هذا فإطلاق اسم الخلة على الله على سبيل المشاكلة لأن جوابه ﵇ بل من عند خليلي الله في مقابلة قولها من خليلك المصري، وقيل لما أراه الله ملكوت السماوات والأرض وحاج قومه في الله ودعاهم إلى توحيده ومنعهم من عبادة النجوم والشمس والقمر والأوثان وبذل نفسه للإلقاء في
стр. 2241
النيران وولده للقربان وماله للضيفان اتخذه الله خليلاً. وقيل غير ذلك. وإبراهيم هو ابن آزر واسمه تارح بفوقية وراء مفتوحة آخره حاء مهملة ابن ناحور بنون ومهملة مضمومة ابن شاروخ بمعجمة وراء مضمومة آخره خاء معجمة ابن راغو بغين معجمة ابن فالخ بفاء ولام مفتوحة بعدها خاء معجمة ابن عيبر، ويقال عابر وهو بمهملة وموحدة ابن شالخ بمعجمتين ابن أرفخشد بن سام بن نوح. قال في الفتح: لا يختلف جمهور أهل النسب ولا أهل الكتاب في ذلك إلا في النطق ببعض هذه الأسماء. نعم ساق ابن حبان في أوّل تاريخه خلاف ذلك وهو شاذ اهـ.
وقال الثعلبي: كان بين مولد إبراهيم ﵇ وبين الطوفان ألف سنة ومائتا سنة وثلاث وستون سنة وذلك بعد خلق آدم ﵇ بثلاثة آلاف سنة وثلاثمائة وسبع وثلاثين سنة. وقال ابن هشام: لم يكن بين نوح وإبراهيم ﵈ إلا هود وصالح، وكان بين إبراهيم وهود ستمائة سنة وثلاثون سنة، وبين نوح وإبراهيم ألف سنة ومائة وثلاث وأربعون سنة.
(وقوله) بالجر عطفًا على المجرور السابق بالإضافة (﴿إن إبراهيم كان أمة﴾) جامعًا للخصال المحمودة. قال ابن هانئ:
ليس على الله بمستنكر … أن يجمع العالم في واحد
أي: إن الله تعالى قادر على أن يجمع في واحد ما في الناس من معاني الفضل والكمال، وقيل فعلة تدل على المبالغة. وقال مجاهد: كان مؤمنًا وحده والناس كلهم كانوا كفارًا فلذا كان وحده أمة (﴿قانتًا لله﴾) [النحل: ١٢٥]. مطيعًا له وثبتت لفظة لله لأبي ذر.
(وقوله) بالجر أيضًا على العطف (﴿إن إبراهيم لأوّاه حليم﴾) [هود: ٧٥]. (وقال) بالواو ولأبي ذر قال (أبو ميسرة) ضد الميمنة عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي فيما وصله وكيع في تفسيره الأواه (الرحيم بلسان الحبشة). ورواه ابن أبي حاتم من طريق ابن مسعود بإسناد حسن قال: الأوّاه الرحيم ولم يقل بلسان الحبشة، ومن طريق عبد الله بن شدّاد أحد كبار التابعين قال: قال رجل يا رسول الله ما الأوّاه؟ قال: "الخاشع المتضرّع في الدعاء" ومن طريق ابن عباس قال: الأواه الموقن. ومن طريق مجاهد المنيب، ومن طريق الشعبي المسبّح، ومن طريق كعب الأحبار قال: كان إذا ذكر النار قال أوّاه من عذاب الله. وقال في اللباب الأوّاه الكثير التأوّه وهو مَن يقول أواه، وقيل مَن يقول أوه وهو أنسب لأن أوه بمعنى أتوجع فالأواه فعال مثال مبالغة من ذلك وقياس فعله أن يكون ثلاثيًّا لأن أمثلة المبالغة إنما تطرد في الثلاثي وإنما وصف الله تعالى خليله بهذين الوصفين بعد قوله: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه﴾ [التوبة: ١١٤]. الآية لأنه تعالى وصفه بشدّة الرقة والشفقة والخوف ومن كان كذلك فإنه تعظم رقته على أبيه، ثم إنه مع هذه الصفات تبرأ من أبيه وغلظ قلبه عليه لما ظهر له إصراره على الكفر.
٣٣٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ. وَإِنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: أَصْحَابِي، أَصْحَابِي. فَيَقالُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿الْحَكِيمُ﴾
[الحديث ٣٣٤٩ - أطرافه في: ٣٤٤٧، ٤٦٢٥، ٤٦٢٦، ٤٧٤٠، ٦٥٢٤، ٦٥٢٥، ٦٥٢٦].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي البصري قال: (أخبرنا سفيان) الثوري قال: (حدّثنا المغيرة بن النعمان) النخعي الكوفي (قال: حدثنى) بالإفراد (سعيد بن جبير عن ابن عباس) ولابن عساكر أراه بضم الهمزة أي أظنه عن ابن عباس (﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إنكم تحشرون) عند الخروج من القبور حال كونكم (حفاة) بضم الحاء المهملة وتخفيف الفاء جمع حاف أي بلا خف ولا نعل (عراة) أي لا ثياب عليهم جميعهم أو بعضهم يحشر عاريًا وبعضهم
كاسيًا لحديث سعيد عند أبي داود وصححه ابن حبان مرفوعًا: "إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها" (غرلاً) بضم الغين المعجمة وإسكان الراء أي غير مختونين والغرلة ما يقطعه الخاتن وهي القلفة (ثم قرأ): ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾ [الأنبياء: ١٠٤] أي نوجده بعينه بعد إعدامه مرة أخرى أو نعيد تركيب أجزائه بعد تفريقها من غير إعدام، والأول أوجه لأنه تعالى شبه الإعادة بالابتداء والابتداء ليس عبارة عن تركيب الأجزاء المتفرقة بل عن الوجود بعد العدم فوجب أن تكون الإعادة كذلك ﴿وعدًا علينا إنّا كنا فاعلين﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. الإعادة والبعث. وقوله:
стр. 2242
(وعدًا) نصب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة المتقدمة فناصبه مضمر أي وعدنا ذلك وعدًا. قال ابن عبد البر: يحشر الآدمي عاريًا ولكل من الأعضاء ما كان له يوم ولد فمن قطع منه شيء يرد إليه حتى الأقلف وقال أبو الوفاء بن عقيل: حشفة الأقلف موفاة بالقلفة فتكون أرق فلما أزالوا تلك القطعة في الدنيا أعادها الله تعالى ليذيقها من حلاوة فضله.
وفي شرح المشكاة، فإن قلت: سياق الآية في إثبات الحشر والنشر لأن المعنى نوجدكم عن العدم ما أوجدناكم أولاً عن العدم فكيف يشتهد بها للمعنى المذكور أي من كونهم غرلاً؟ وأجاب بأن سياق الآية وعبارتها على إثبات الحشر وإشارتها على المعنى المراد من الحديث فهو من باب الإدماج.
(وأول من يكسى) من الأنبياء (يوم القيامة إبراهيم) بعد حشر الناس كلهم عراة أو بعضهم كاسيًا أو بعد خروجهم من قبورهم بأثوابهم التي ماتوا فيها ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر فيحشرون عراة ثم يكون أول من يُكسى من الجنة إبراهيم ﵇ وزاد البيهقي مرفوعًا من حديث ابن عباس: (وأول من يكسى من الجنة إبراهيم يكسى حلة من الجنة ويؤتى بكرسي فيطرح عن يمين العرش ثم يؤتى بي فأكسى حلة من الجنة لا يقوم لها البشر). قيل: والحكمة في كون الخليل أول من يكسى لكونه جرّد حين ألقي في النار ولا يلزم من تخصيص إبراهيم بأولية الكسو هنا أفضليته على نبينا ﷺ لأن حلة نبينا أعلى وأكمل فتجبر بنفاستها ما فات من الأولية، وكم لنبينا ﷺ من فضائل مختصة به لم يسبق إليها ولم يشارك فيها ولو لم يكن سوى خصوصية الشفاعة العظمى لكفى.
(وإن أناسًا) بهمزة مضمومة ولأبي ذر وابن عساكر وإن ناسًا (من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال) وهي جهة النار (فأقول أصحابي أصحابي) أي هؤلاء أصحابي، ولأبي ذر وابن عساكر: أصيحابي أصيحابي مصغرين إشارة إلى قلة عددهم والتكرير للتأكيد (فيقال: إنهم لم) بالميم ولأبي ذر عن الكشميهني لمن (يزالوا مرتدين على أعقابهم) بالكفر (مند فارقتهم) قيل المراد قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدين ممن ارتد بعد موته ﷺ ولا يقدح ذلك في الصحابة المشهورين، فإن أصحابه وإن شاع استعماله عرفًا فيمن لازمه من المهاجرين والأنصار شاع استعماله في كل تبعه أو أدرك حضرته ووفد عليه ولو مرة أو المراد بالارتداد إساءة السيرة والرجوع عما كانوا عليه من الإخلاص وصدق النية (فأقول كما قال العبد الصالح) عيسى ابن
مريم (﴿وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم﴾) أي رقيبًا عليهم أمنعهم من الارتداد ومشاهدًا لأحوالهم من كفر وإيمان؟ إلى قوله (﴿الحكيم﴾) [المائدة: ١١٧، ١١٨]. ولأبي ذر ﴿فلما توفيتني﴾ إلى قولها ﴿العزيز الحكيم﴾.
وهذا الحديث أخرجه في التفسير والرقاق وأحاديث الأنبياء ومسلم في صفة القيامة والتفسير والنسائي في الجنائز والتفسير.
٣٣٥٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَخِي عَبْدُ الْحَمِيدِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَىُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ، فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ».
[الحديث ٣٣٥٠ - طرفاه في: ٤٧٦٨، ٤٧٦٩].
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) بن أبي أويس الأصبحي ابن أخت الإمام مالك (قال: أخبرني) ولأبي ذر حدثني كلاهما بالإفراد (أخي عبد الحميد) أبو بكر الأعشى بن أبي أويس (عن ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرَّحمن (عن سعيد) بن أبي سعيد (المقبري) بضم الموحدة (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة) سواد كالدخان (وغبرة) غبار وتقديم الظرف للاختصاص (فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني) مجزوم على النهي بحذف حرف العلة (فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني) أي لا تهينني ولا تذلني (يوم يبعثون فأيّ خزي أخزى من) خزي (أبي) آزر (الأبعد) من رحمة الله وعبّر بالفعل التفضيل لأن الفاسق بعيد والكافر أبعد منه (فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين) أي وإن أباك كافر فهي حرام عليه (ثم يقال له: يا إبراهيم ما تحت رجليك فينظر فإذا هو بذيخ) بذال وخاء معجمتين بينهما
стр. 2243
تحتية ساكنة ذكر ضبع كثير الشعر والأنثى ذيخة والجمع ذيوخ وأذياخ وذيخة (ملتطخ) بالرجيع أو بالدم صفة لذيخ، وعند الحاكم من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة فيمسخ الله أباه ضبعًا (فيؤخذ بقوائمه) بضم الياء وفتح الخاء مبنيًّا للمفعول (فيلقى في النار).
وعند ابن المنذر: فإذا رآه كذلك تبرأ منه قال: لست أبي؛ الحديث. وكان قبل حملته الرأفة على الشفاعة له فظهر له في هذه الصورة المستبشعة ليتبرأ منه، والحكمة في كونه مسخ ضبعًا دون غيره من الحيوان أن الضبع أحمق الحيوان ومن حمقه أنه يغفل عما يجب التيقظ له، فلما لم يقبل آزر
النصيحة من أشفق الناس عليه وقبل خديعة الشيطان أشبه الضبع الموصوف بالحمق قاله الكمال الدميري.
وفي هذا الحديث دليل على أن شرف الولد لا ينفع الوالد إذا لم يكن مسلمًا. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في تفسير سورة الشعراء.
٣٣٥١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ فَوَجَدَ فِيهِ صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَصُورَةَ مَرْيَمَ فَقَالَ ﷺ : أَمَا هُمْ فَقَدْ سَمِعُوا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ، هَذَا إِبْرَاهِيمُ مُصَوَّرٌ، فَمَا لَهُ يَسْتَقْسِمُ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) أبو سعيد الجعفي الكوفي نزيل مصر وهو من أفراده (قال: حدثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (عمرو) بفتح العين ابن الحرث المصري (أن بكيرًا) بضم الموحدة مصغرًا ابن عبد الله بن الأشج (حدثه عن كريب) بضم الكاف آخره موحدة مصغرًا (مولى ابن عباس عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: دخل النبي ﷺ البيت) العتيق (وجد) ولأبي ذر: فوجد (فيه صورة إبراهيم) الخليل (وصورة مريم) أم عيسى ﵈ (فقال ﷺ ¬):
(أما) بتخفيف الميم (لهم) باللام قبل الهاء، ولأبي ذر وابن عساكر: أما بتشديد الميم ولا تشديد في الفرع كأصله هم بحذف اللام أي قريش (فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة) وقسيم أما قوله (هذا إبراهيم مصوّر فما له) بيده الأزلام (يستقسم) بها وهو كان معصومًا من ذلك.
وقد مرّ هذا الحديث في الحج في باب من كبر في نواحي الكعبة وأخرجه النسائي في الزينة.
٣٣٥٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَأَى الصُّوَرَ فِي الْبَيْتِ لَمْ يَدْخُلْ حَتَّى أَمَرَ بِهَا فَمُحِيَتْ. وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉ بِأَيْدِيهِمَا الأَزْلَامُ فَقَالَ: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، وَاللَّهِ إِنِ اسْتَقْسَمَا بِالأَزْلَامِ قَطُّ».
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) التميمي الفراء الصغير قال: (أخبرنا) ولأبي الوقت: حدّثنا (هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (عن معمر) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد الأزدي مولاهم أبي عروة البصري نزيل اليمن (عن أيوب) السختياني (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄ أن النبي) ولأبي ذر: عن النبي (¬ ﷺ لما رأى الصور) التي
صورها المشركون (في البيت) الحرام (لم يدخل) أي البيت (حتى أمر بها فمحيت) بضم الميم مبنيًّا للمفعول أزيلت ورأى صورة (إبراهيم و) صورة (إسماعيل ﵉ بأيديهما الأزلام) أي القداح واحدها زلم وزلم بفتح الزاي وضمها وإنما سميت القدام بالأزلام لأنها زلمت أي سويت يقال: قدم مزلم وزليم إذا حرر وأجيد قدره وصفته (فقال) ﷺ :
(قاتلهم الله) أي لعنهم الله (والله إن استقسما) بكسر الهمزة وتخفيف النون نافية أي ما استقسما (بالأزلام قط) وكان أحدهم إذا أراد سفرًا أو تجارة أو نكاحًا أو أمرًا ضرب بالقداح المكتوب على بعضها أمرني ربي وعلى بعضها نهاني ربي وبعضها غفل خال عن الكتابة، فإن خرج الأمر أقدم على العمل وإن خرج النهي أمسك وإن خرج الغفل أعاد العمل مرة أخرى، وقيل: غير ذلك مما سبق في كتاب الحج في باب: من كبّر في نواحي الكعبة.
٣٣٥٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَتْقَاهُمْ. فَقَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ. قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونَ؟ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا».
قَالَ أَبُو أُسَامَةَ وَمُعْتَمِرٌ: " عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ".
[الحديث ٣٣٥٣ - أطرافه في: ٣٣٧٤، ٣٣٨٣، ٣٤٩٠، ٤٦٨٩].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (قال: حدثني) بالإفراد (سعيد بن أبي سعيد) المقبري (عن أبيه) كيسان (عن أبي هريرة ﵁ قيل: يا رسول الله) لم يسم السائل (من أكرم الناس)؟ عند الله تعالى (قال) ﵊:
(أتقاهم) أشدّهم لله تقوى (فقالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فيوسف نبي الله ابن نبي الله) يعقوب (ابن نبي الله) إسحاق (ابن خليل الله) إبراهيم أشرفهم والجواب الأول من جهة الشرف بالأعمال
стр. 2244
الصالحة والثاني من جهة الشرف بالنسب الصالح وسقط ابن نبي الله الأخيرة في رواية أبي ذر (قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال) ﵊: (فعن معادن العرب) أي أصولهم التي ينسبون إليها ويتفاخرون بها (تسألون) ولأبي ذر: تسألونني بنونين فتحتية ولابن عساكر تسألوني بإسقاط النون، وإنما جعلت معادن لما فيها من الاستعدادات المتفاوتة فمنها قابلة لفيض الله تعالى على مراتب المعادن ومنها غير قابلة لها (خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام) جملة مبينة بعد التفاوت الحاصل بعد فيض الله تعالى عليها من العلم والحكمة
قال الله تعالى: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أُوتي خيرًا كثيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. شبههم بالمعادن في كونها أوعية للجواهر النفيسة المعنى بها في الإنسان كونه أوعية العلوم والحكمة فالتفاوت في الجاهلية بحسب الأنساب وشرف الآباء وكرم الأصل وفي الإسلام بحسب العلم والحكمة فالشرف الأول موروث والثاني مكتسب قاله الطيبي، وخيارهم يحتمل أن يكون جمع خير وأن يكون أفعل التفضيل تقول في الواحد خير وأخير (إذا فقهوا). بضم القاف من فقه يفقه إذا صار فقيهًا كظرف، ولأبي ذر: إذا فقهوا بكسرها يفقه بالفتح بمعنى فهم فهو متعد والمضموم القاف لازم. قال أبو البقاء: وهو الجيد هنا ثم القسمة كما في الفتح رباعية فإن الأفضل من جمع بين الشرف في الجاهلية والشرف في الإسلام، ثم أرفعهم مرتبة من أضاف إلى ذلك التفقه في الدين ويقابل ذلك من كان مشروفًا في الجاهلية واستمر مشروفًا في الإسلام، فهذا أدنى المراتب. والثالث من شرف الإسلام، وفقه ولم يكن شريفًا في الجاهلية ودونه من كان كذلك لكنه لم يتفقه، والرابع من كان شريفًا في الجاهلية ثم صار مشروفًا في الإسلام فهذا دون الذي قبله. اهـ.
فالإيمان يرفع التفاوت المعتبر في الجاهلية فإذا تحلى الرجل بالعلم والحكمة استجلب النسب الأصلي فيجتمع شرف النسب مع شرف الحسب ومفهومه أن الوضيع المسلم المتحلي بالعلم أرفع منزلة من الشريف المسلم العاطل وما أحسن ما قال الأحنف:
كل عز إن لم يوطد بعلم … فإلى الذل ذات يوم يصير
وقال آخر:
وما الشرف الموروث لا درّ دره … لمحتسب إلا بآخر مكتسب
وقول الآخر:
إن السريّ إذا سرى فبنفسه … وابن السريِّ إذا سرى أسراهما
(قال أبو أسامة) حماد بن أسامة فيما وصله المؤلّف في قصة يوسف (ومعتمر) هو ابن سليمان بن طرخان فيما وصله في قصة يعقوب كلاهما (عن عبيد الله) العمري السابق (عن سعيد) المقبري (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) فأسقطا أبا سعيد كيسان فخالفا يحيى بن سعيد القطان حيث قال: حدّثنا عبيد الله قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة.
٣٣٥٤ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا عَوْفٌ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ حَدَّثَنَا سَمُرَةُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ طَوِيلٍ لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولاً، وَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ﷺ ».
وبه قال: (حدّثنا مؤمل) بالهمزة وتشديد الميم الثانية مفتوحة بصيغة اسم المفعول ابن هشام البصري قال: (حدّثنا إسماعيل) ابن علية قال: (حدّثنا عوف) الأعرابي قال: (حدّثنا أبو رجاء) عمران العطاردي قال: (حدّثنا سمرة) بن جندب ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(أتاني الليلة) في منامي (آتيان) جبريل وميكائيل (فأتينا) أي فذهبا بي حتى أتينا (على رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً) في السماء (وإنه إبراهيم) الخليل " ﷺ " سقطت التصلية لأبي ذر.
وهذا الحديث سبق بتمامه في أواخر الجنائز.
٣٣٥٥ - حَدَّثَنِي بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا النَّضْرُ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ وَذَكَرُوا لَهُ الدَّجَّالَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ أَوْ ك ف ر -قَالَ لَمْ أَسْمَعْهُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: أَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ، وَأَمَّا مُوسَى فَجَعْدٌ آدَمُ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ؛ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ انْحَدَرَ فِي الْوَادِي».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (بيان بن عمرو) بفتح الموحدة وتخفيف التحتية وعمرو بفتح العين أبو محمد البخاري العابد قال: (حدّثنا النضر) بنون مفتوحة فضاد معجمة ساكنة فراء ابن شميل قال: (أخبرنا ابن عون) عبد الله (عن مجاهد) هو ابن جبر الإمام في التفسير (أنه سمع ابن عباس ﵄ وذكروا له الدجال) فقالوا (بين عينيه مكتوب) كتابة حقيقة (كافر أو) هذه الحروف المقطعة
стр. 2245
(ك ف ر) بفتحات تظهر لكل مؤمن كاتبًا أو غير كاتب (قال) ابن عباس (لم أسمعه) ﷺ زاد في باب الجعد من كتاب اللباس قال ذلك (ولكنه قال) ﷺ :
(أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم) يريد رسول الله ﷺ فإنه كان أشبه الناس بإبراهيم (وأما موسى فجعد) بفتح الجيم وسكون العين المهملة مجتمع الجسم وليس المراد جعودة شعره إذ في بعض الروايات أنه رجل الشعر (آدم) من الأدمة وهي السمرة (على جمل أحمر مخطوم) بالخاء المعجمة مزموم (بخلبة) بخاء معجمة مضمومة فلام ساكنة فموحدة مفتوحة ليفة ولأبي ذر: الخلبة الليفة (كأني أنظر إليه) حقيقة كليلة الإسراء أو في المنام ورؤيا الأنبياء وحي (انحدر) وفي الحج إذا انحدر (في الوادي) أي وادي الأزرق وزاد في الحج يلبي.
٣٣٥٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَهْوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُّومِ». تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ.
[الحديث ٣٣٥٦ - طرفه في: ٦٢٩٨].
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء الثقفي مولاهم البغلاني البلخي قال: (حدّثنا
مغيرة بن عبد الرَّحمن القرشي عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله) ولأبي ذر: النبي (¬ ﷺ ¬):
(اختتن إبراهيم ﵊ وهو ابن ثمانين سنة) جملة حالية (بالقدوم) بفتح القاف وتشديد الدال في الفرع وأصله وقال الحافظ ابن حجر: رويناه بالتشديد عن الأصيلي والقابسي، ووقع في رواية غيرهما بالتخفيف. قال النووي: لم تختلف الرواة على مسلم في التخفيف، وأنكر يعقوب بن شبة التشديد أصلاً واختلف في المراد به فقيل هو اسم قرية بالشام أو ثنية بالسراة، وقيل: آلة النجار وهي بالتخفيف، وأما اسم الموضع ففيه الوجهان. قال في القاموس: والقدوم يعني بالتخفيف آلة ينحت بها مؤنثة الجمع قدائم وقدم وقرية بحلب وموضع بنعمان وجبل بالمدينة وثنية بالسراة وموضع اختتن فيه إبراهيم ﵊، وقد تشدّد داله وثنية في جبل ببلاد دوس وحصن باليمن انتهى. فمن رواه بالتشديد أراد الموضع، ومن رواه بالتخفيف فيحتمل القرية والآلة والأكثرون على التخفيف وإرادة الآلة.
وقد روى أبو يعلى من طريق عليّ بن رباح قال: أمر إبراهيم بالختان فاختتن بقدوم فاشتد عليه فأوحى الله إليه عجلت قبل أن نأمرك بآلته. فقال: يا رب كرهت أن أؤخر أمرك.
وعن مالك والأوزاعي فيما قاله عياض أنه اختتن وهو ابن مائة وعشرين سنة وأنه عاش بعد ذلك ثمانين سنة إلا أن مالكًا ومن تبعه وقفوه على أبي هريرة. وحكى الجارودي أنه اختتن وهو ابن سبعين وما في الصحيح أصح.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الاستئذان ومسلم في أحاديث الأنبياء.
٠٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ وَقَالَ: «بِالْقَدُومِ» مُخَفَّفَةً. تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ. وتَابَعَهُ عَجْلَانُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع الحمصي قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة الحمصي قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (وقال بالقدوم مخففة) وعليه الأكثر، والمراد به الآلة كما سبق، وثبت لفظ وقال لأبي ذر (تابعه) أي تابع شعيبًا على التخفيف (عبد الرَّحمن بن إسحاق) بن عبد الله الثقفي فيما وصله مسدد في مسنده (عن أبي الزناد) عبد الله (وتابعه) أي تابع شعيبًا أو عبد الرَّحمن بن إسحاق (عجلان) بفتح العين المهملة وسكون الجيم مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة القرشي والد محمد بن عجلان في التخفيف أيضًا فيما وصله الإمام أحمد عن يحيى القطان عن محمد بن عجلان عن أبيه (عن أبي هريرة).
(ورواه) أي الحديث المذكور (محمد بن عمرو) بفتح العين فيما وصله أبو يعلى في مسنده (عن أبي سلمة) بن عبد الرَّحمن بن عوف عن أبي هريرة، ووقع في رواية أبوي ذر والوقت:
تابعه عبد الرَّحمن بن إسحاق عن أبي الزناد، وتابعه عجلان عن أبي هريرة، ورواه محمد بن عمر، وعن أبي سلمة حدّثنا أبو اليمان فذكر الحديث السابق مؤخرًا عن متابعة عبد الرَّحمن ومتابعة عجلان ورواية محمد بن عمرو، وحينئذٍ فتكون المتابعتان لقتيبة بن سعيد على أن عمر إبراهيم حين اختتن كان ثمانين سنة، وكذا رواية محمد بن عمرو لأنه وقع التصريح في المتابعتين
следующие страницы →