النيران وولده للقربان وماله للضيفان اتخذه الله خليلاً. وقيل غير ذلك. وإبراهيم هو ابن آزر واسمه تارح بفوقية وراء مفتوحة آخره حاء مهملة ابن ناحور بنون ومهملة مضمومة ابن شاروخ بمعجمة وراء مضمومة آخره خاء معجمة ابن راغو بغين معجمة ابن فالخ بفاء ولام مفتوحة بعدها خاء معجمة ابن عيبر، ويقال عابر وهو بمهملة وموحدة ابن شالخ بمعجمتين ابن أرفخشد بن سام بن نوح. قال في الفتح: لا يختلف جمهور أهل النسب ولا أهل الكتاب في ذلك إلا في النطق ببعض هذه الأسماء. نعم ساق ابن حبان في أوّل تاريخه خلاف ذلك وهو شاذ اهـ.
وقال الثعلبي: كان بين مولد إبراهيم ﵇ وبين الطوفان ألف سنة ومائتا سنة وثلاث وستون سنة وذلك بعد خلق آدم ﵇ بثلاثة آلاف سنة وثلاثمائة وسبع وثلاثين سنة. وقال ابن هشام: لم يكن بين نوح وإبراهيم ﵈ إلا هود وصالح، وكان بين إبراهيم وهود ستمائة سنة وثلاثون سنة، وبين نوح وإبراهيم ألف سنة ومائة وثلاث وأربعون سنة.
(وقوله) بالجر عطفًا على المجرور السابق بالإضافة (﴿إن إبراهيم كان أمة﴾) جامعًا للخصال المحمودة. قال ابن هانئ:
ليس على الله بمستنكر … أن يجمع العالم في واحد
أي: إن الله تعالى قادر على أن يجمع في واحد ما في الناس من معاني الفضل والكمال، وقيل فعلة تدل على المبالغة. وقال مجاهد: كان مؤمنًا وحده والناس كلهم كانوا كفارًا فلذا كان وحده أمة (﴿قانتًا لله﴾) [النحل: ١٢٥]. مطيعًا له وثبتت لفظة لله لأبي ذر.
(وقوله) بالجر أيضًا على العطف (﴿إن إبراهيم لأوّاه حليم﴾) [هود: ٧٥]. (وقال) بالواو ولأبي ذر قال (أبو ميسرة) ضد الميمنة عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي فيما وصله وكيع في تفسيره الأواه (الرحيم بلسان الحبشة). ورواه ابن أبي حاتم من طريق ابن مسعود بإسناد حسن قال: الأوّاه الرحيم ولم يقل بلسان الحبشة، ومن طريق عبد الله بن شدّاد أحد كبار التابعين قال: قال رجل يا رسول الله ما الأوّاه؟ قال: "الخاشع المتضرّع في الدعاء" ومن طريق ابن عباس قال: الأواه الموقن. ومن طريق مجاهد المنيب، ومن طريق الشعبي المسبّح، ومن طريق كعب الأحبار قال: كان إذا ذكر النار قال أوّاه من عذاب الله. وقال في اللباب الأوّاه الكثير التأوّه وهو مَن يقول أواه، وقيل مَن يقول أوه وهو أنسب لأن أوه بمعنى أتوجع فالأواه فعال مثال مبالغة من ذلك وقياس فعله أن يكون ثلاثيًّا لأن أمثلة المبالغة إنما تطرد في الثلاثي وإنما وصف الله تعالى خليله بهذين الوصفين بعد قوله: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه﴾ [التوبة: ١١٤]. الآية لأنه تعالى وصفه بشدّة الرقة والشفقة والخوف ومن كان كذلك فإنه تعظم رقته على أبيه، ثم إنه مع هذه الصفات تبرأ من أبيه وغلظ قلبه عليه لما ظهر له إصراره على الكفر.
٣٣٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ. وَإِنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: أَصْحَابِي، أَصْحَابِي. فَيَقالُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿الْحَكِيمُ﴾
[الحديث ٣٣٤٩ - أطرافه في: ٣٤٤٧، ٤٦٢٥، ٤٦٢٦، ٤٧٤٠، ٦٥٢٤، ٦٥٢٥، ٦٥٢٦].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي البصري قال: (أخبرنا سفيان) الثوري قال: (حدّثنا المغيرة بن النعمان) النخعي الكوفي (قال: حدثنى) بالإفراد (سعيد بن جبير عن ابن عباس) ولابن عساكر أراه بضم الهمزة أي أظنه عن ابن عباس (﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إنكم تحشرون) عند الخروج من القبور حال كونكم (حفاة) بضم الحاء المهملة وتخفيف الفاء جمع حاف أي بلا خف ولا نعل (عراة) أي لا ثياب عليهم جميعهم أو بعضهم يحشر عاريًا وبعضهم
كاسيًا لحديث سعيد عند أبي داود وصححه ابن حبان مرفوعًا: "إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها" (غرلاً) بضم الغين المعجمة وإسكان الراء أي غير مختونين والغرلة ما يقطعه الخاتن وهي القلفة (ثم قرأ): ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾ [الأنبياء: ١٠٤] أي نوجده بعينه بعد إعدامه مرة أخرى أو نعيد تركيب أجزائه بعد تفريقها من غير إعدام، والأول أوجه لأنه تعالى شبه الإعادة بالابتداء والابتداء ليس عبارة عن تركيب الأجزاء المتفرقة بل عن الوجود بعد العدم فوجب أن تكون الإعادة كذلك ﴿وعدًا علينا إنّا كنا فاعلين﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. الإعادة والبعث. وقوله:
стр. 2242
(وعدًا) نصب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة المتقدمة فناصبه مضمر أي وعدنا ذلك وعدًا. قال ابن عبد البر: يحشر الآدمي عاريًا ولكل من الأعضاء ما كان له يوم ولد فمن قطع منه شيء يرد إليه حتى الأقلف وقال أبو الوفاء بن عقيل: حشفة الأقلف موفاة بالقلفة فتكون أرق فلما أزالوا تلك القطعة في الدنيا أعادها الله تعالى ليذيقها من حلاوة فضله.
وفي شرح المشكاة، فإن قلت: سياق الآية في إثبات الحشر والنشر لأن المعنى نوجدكم عن العدم ما أوجدناكم أولاً عن العدم فكيف يشتهد بها للمعنى المذكور أي من كونهم غرلاً؟ وأجاب بأن سياق الآية وعبارتها على إثبات الحشر وإشارتها على المعنى المراد من الحديث فهو من باب الإدماج.
(وأول من يكسى) من الأنبياء (يوم القيامة إبراهيم) بعد حشر الناس كلهم عراة أو بعضهم كاسيًا أو بعد خروجهم من قبورهم بأثوابهم التي ماتوا فيها ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر فيحشرون عراة ثم يكون أول من يُكسى من الجنة إبراهيم ﵇ وزاد البيهقي مرفوعًا من حديث ابن عباس: (وأول من يكسى من الجنة إبراهيم يكسى حلة من الجنة ويؤتى بكرسي فيطرح عن يمين العرش ثم يؤتى بي فأكسى حلة من الجنة لا يقوم لها البشر). قيل: والحكمة في كون الخليل أول من يكسى لكونه جرّد حين ألقي في النار ولا يلزم من تخصيص إبراهيم بأولية الكسو هنا أفضليته على نبينا ﷺ لأن حلة نبينا أعلى وأكمل فتجبر بنفاستها ما فات من الأولية، وكم لنبينا ﷺ من فضائل مختصة به لم يسبق إليها ولم يشارك فيها ولو لم يكن سوى خصوصية الشفاعة العظمى لكفى.
(وإن أناسًا) بهمزة مضمومة ولأبي ذر وابن عساكر وإن ناسًا (من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال) وهي جهة النار (فأقول أصحابي أصحابي) أي هؤلاء أصحابي، ولأبي ذر وابن عساكر: أصيحابي أصيحابي مصغرين إشارة إلى قلة عددهم والتكرير للتأكيد (فيقال: إنهم لم) بالميم ولأبي ذر عن الكشميهني لمن (يزالوا مرتدين على أعقابهم) بالكفر (مند فارقتهم) قيل المراد قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدين ممن ارتد بعد موته ﷺ ولا يقدح ذلك في الصحابة المشهورين، فإن أصحابه وإن شاع استعماله عرفًا فيمن لازمه من المهاجرين والأنصار شاع استعماله في كل تبعه أو أدرك حضرته ووفد عليه ولو مرة أو المراد بالارتداد إساءة السيرة والرجوع عما كانوا عليه من الإخلاص وصدق النية (فأقول كما قال العبد الصالح) عيسى ابن
مريم (﴿وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم﴾) أي رقيبًا عليهم أمنعهم من الارتداد ومشاهدًا لأحوالهم من كفر وإيمان؟ إلى قوله (﴿الحكيم﴾) [المائدة: ١١٧، ١١٨]. ولأبي ذر ﴿فلما توفيتني﴾ إلى قولها ﴿العزيز الحكيم﴾.
وهذا الحديث أخرجه في التفسير والرقاق وأحاديث الأنبياء ومسلم في صفة القيامة والتفسير والنسائي في الجنائز والتفسير.
٣٣٥٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَخِي عَبْدُ الْحَمِيدِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَىُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ، فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ».
[الحديث ٣٣٥٠ - طرفاه في: ٤٧٦٨، ٤٧٦٩].
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) بن أبي أويس الأصبحي ابن أخت الإمام مالك (قال: أخبرني) ولأبي ذر حدثني كلاهما بالإفراد (أخي عبد الحميد) أبو بكر الأعشى بن أبي أويس (عن ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرَّحمن (عن سعيد) بن أبي سعيد (المقبري) بضم الموحدة (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة) سواد كالدخان (وغبرة) غبار وتقديم الظرف للاختصاص (فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني) مجزوم على النهي بحذف حرف العلة (فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني) أي لا تهينني ولا تذلني (يوم يبعثون فأيّ خزي أخزى من) خزي (أبي) آزر (الأبعد) من رحمة الله وعبّر بالفعل التفضيل لأن الفاسق بعيد والكافر أبعد منه (فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين) أي وإن أباك كافر فهي حرام عليه (ثم يقال له: يا إبراهيم ما تحت رجليك فينظر فإذا هو بذيخ) بذال وخاء معجمتين بينهما
стр. 2243
تحتية ساكنة ذكر ضبع كثير الشعر والأنثى ذيخة والجمع ذيوخ وأذياخ وذيخة (ملتطخ) بالرجيع أو بالدم صفة لذيخ، وعند الحاكم من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة فيمسخ الله أباه ضبعًا (فيؤخذ بقوائمه) بضم الياء وفتح الخاء مبنيًّا للمفعول (فيلقى في النار).
وعند ابن المنذر: فإذا رآه كذلك تبرأ منه قال: لست أبي؛ الحديث. وكان قبل حملته الرأفة على الشفاعة له فظهر له في هذه الصورة المستبشعة ليتبرأ منه، والحكمة في كونه مسخ ضبعًا دون غيره من الحيوان أن الضبع أحمق الحيوان ومن حمقه أنه يغفل عما يجب التيقظ له، فلما لم يقبل آزر
النصيحة من أشفق الناس عليه وقبل خديعة الشيطان أشبه الضبع الموصوف بالحمق قاله الكمال الدميري.
وفي هذا الحديث دليل على أن شرف الولد لا ينفع الوالد إذا لم يكن مسلمًا. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في تفسير سورة الشعراء.
٣٣٥١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ فَوَجَدَ فِيهِ صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَصُورَةَ مَرْيَمَ فَقَالَ ﷺ : أَمَا هُمْ فَقَدْ سَمِعُوا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ، هَذَا إِبْرَاهِيمُ مُصَوَّرٌ، فَمَا لَهُ يَسْتَقْسِمُ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) أبو سعيد الجعفي الكوفي نزيل مصر وهو من أفراده (قال: حدثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (عمرو) بفتح العين ابن الحرث المصري (أن بكيرًا) بضم الموحدة مصغرًا ابن عبد الله بن الأشج (حدثه عن كريب) بضم الكاف آخره موحدة مصغرًا (مولى ابن عباس عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: دخل النبي ﷺ البيت) العتيق (وجد) ولأبي ذر: فوجد (فيه صورة إبراهيم) الخليل (وصورة مريم) أم عيسى ﵈ (فقال ﷺ ¬):
(أما) بتخفيف الميم (لهم) باللام قبل الهاء، ولأبي ذر وابن عساكر: أما بتشديد الميم ولا تشديد في الفرع كأصله هم بحذف اللام أي قريش (فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة) وقسيم أما قوله (هذا إبراهيم مصوّر فما له) بيده الأزلام (يستقسم) بها وهو كان معصومًا من ذلك.
وقد مرّ هذا الحديث في الحج في باب من كبر في نواحي الكعبة وأخرجه النسائي في الزينة.
٣٣٥٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَأَى الصُّوَرَ فِي الْبَيْتِ لَمْ يَدْخُلْ حَتَّى أَمَرَ بِهَا فَمُحِيَتْ. وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉ بِأَيْدِيهِمَا الأَزْلَامُ فَقَالَ: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، وَاللَّهِ إِنِ اسْتَقْسَمَا بِالأَزْلَامِ قَطُّ».
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) التميمي الفراء الصغير قال: (أخبرنا) ولأبي الوقت: حدّثنا (هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (عن معمر) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد الأزدي مولاهم أبي عروة البصري نزيل اليمن (عن أيوب) السختياني (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄ أن النبي) ولأبي ذر: عن النبي (¬ ﷺ لما رأى الصور) التي
صورها المشركون (في البيت) الحرام (لم يدخل) أي البيت (حتى أمر بها فمحيت) بضم الميم مبنيًّا للمفعول أزيلت ورأى صورة (إبراهيم و) صورة (إسماعيل ﵉ بأيديهما الأزلام) أي القداح واحدها زلم وزلم بفتح الزاي وضمها وإنما سميت القدام بالأزلام لأنها زلمت أي سويت يقال: قدم مزلم وزليم إذا حرر وأجيد قدره وصفته (فقال) ﷺ :
(قاتلهم الله) أي لعنهم الله (والله إن استقسما) بكسر الهمزة وتخفيف النون نافية أي ما استقسما (بالأزلام قط) وكان أحدهم إذا أراد سفرًا أو تجارة أو نكاحًا أو أمرًا ضرب بالقداح المكتوب على بعضها أمرني ربي وعلى بعضها نهاني ربي وبعضها غفل خال عن الكتابة، فإن خرج الأمر أقدم على العمل وإن خرج النهي أمسك وإن خرج الغفل أعاد العمل مرة أخرى، وقيل: غير ذلك مما سبق في كتاب الحج في باب: من كبّر في نواحي الكعبة.
٣٣٥٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَتْقَاهُمْ. فَقَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ. قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونَ؟ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا».
قَالَ أَبُو أُسَامَةَ وَمُعْتَمِرٌ: " عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ".
[الحديث ٣٣٥٣ - أطرافه في: ٣٣٧٤، ٣٣٨٣، ٣٤٩٠، ٤٦٨٩].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (قال: حدثني) بالإفراد (سعيد بن أبي سعيد) المقبري (عن أبيه) كيسان (عن أبي هريرة ﵁ قيل: يا رسول الله) لم يسم السائل (من أكرم الناس)؟ عند الله تعالى (قال) ﵊:
(أتقاهم) أشدّهم لله تقوى (فقالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فيوسف نبي الله ابن نبي الله) يعقوب (ابن نبي الله) إسحاق (ابن خليل الله) إبراهيم أشرفهم والجواب الأول من جهة الشرف بالأعمال
стр. 2244
الصالحة والثاني من جهة الشرف بالنسب الصالح وسقط ابن نبي الله الأخيرة في رواية أبي ذر (قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال) ﵊: (فعن معادن العرب) أي أصولهم التي ينسبون إليها ويتفاخرون بها (تسألون) ولأبي ذر: تسألونني بنونين فتحتية ولابن عساكر تسألوني بإسقاط النون، وإنما جعلت معادن لما فيها من الاستعدادات المتفاوتة فمنها قابلة لفيض الله تعالى على مراتب المعادن ومنها غير قابلة لها (خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام) جملة مبينة بعد التفاوت الحاصل بعد فيض الله تعالى عليها من العلم والحكمة
قال الله تعالى: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أُوتي خيرًا كثيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. شبههم بالمعادن في كونها أوعية للجواهر النفيسة المعنى بها في الإنسان كونه أوعية العلوم والحكمة فالتفاوت في الجاهلية بحسب الأنساب وشرف الآباء وكرم الأصل وفي الإسلام بحسب العلم والحكمة فالشرف الأول موروث والثاني مكتسب قاله الطيبي، وخيارهم يحتمل أن يكون جمع خير وأن يكون أفعل التفضيل تقول في الواحد خير وأخير (إذا فقهوا). بضم القاف من فقه يفقه إذا صار فقيهًا كظرف، ولأبي ذر: إذا فقهوا بكسرها يفقه بالفتح بمعنى فهم فهو متعد والمضموم القاف لازم. قال أبو البقاء: وهو الجيد هنا ثم القسمة كما في الفتح رباعية فإن الأفضل من جمع بين الشرف في الجاهلية والشرف في الإسلام، ثم أرفعهم مرتبة من أضاف إلى ذلك التفقه في الدين ويقابل ذلك من كان مشروفًا في الجاهلية واستمر مشروفًا في الإسلام، فهذا أدنى المراتب. والثالث من شرف الإسلام، وفقه ولم يكن شريفًا في الجاهلية ودونه من كان كذلك لكنه لم يتفقه، والرابع من كان شريفًا في الجاهلية ثم صار مشروفًا في الإسلام فهذا دون الذي قبله. اهـ.
فالإيمان يرفع التفاوت المعتبر في الجاهلية فإذا تحلى الرجل بالعلم والحكمة استجلب النسب الأصلي فيجتمع شرف النسب مع شرف الحسب ومفهومه أن الوضيع المسلم المتحلي بالعلم أرفع منزلة من الشريف المسلم العاطل وما أحسن ما قال الأحنف:
كل عز إن لم يوطد بعلم … فإلى الذل ذات يوم يصير
وقال آخر:
وما الشرف الموروث لا درّ دره … لمحتسب إلا بآخر مكتسب
وقول الآخر:
إن السريّ إذا سرى فبنفسه … وابن السريِّ إذا سرى أسراهما
(قال أبو أسامة) حماد بن أسامة فيما وصله المؤلّف في قصة يوسف (ومعتمر) هو ابن سليمان بن طرخان فيما وصله في قصة يعقوب كلاهما (عن عبيد الله) العمري السابق (عن سعيد) المقبري (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) فأسقطا أبا سعيد كيسان فخالفا يحيى بن سعيد القطان حيث قال: حدّثنا عبيد الله قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة.
٣٣٥٤ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا عَوْفٌ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ حَدَّثَنَا سَمُرَةُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ طَوِيلٍ لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولاً، وَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ﷺ ».
وبه قال: (حدّثنا مؤمل) بالهمزة وتشديد الميم الثانية مفتوحة بصيغة اسم المفعول ابن هشام البصري قال: (حدّثنا إسماعيل) ابن علية قال: (حدّثنا عوف) الأعرابي قال: (حدّثنا أبو رجاء) عمران العطاردي قال: (حدّثنا سمرة) بن جندب ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(أتاني الليلة) في منامي (آتيان) جبريل وميكائيل (فأتينا) أي فذهبا بي حتى أتينا (على رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً) في السماء (وإنه إبراهيم) الخليل " ﷺ " سقطت التصلية لأبي ذر.
وهذا الحديث سبق بتمامه في أواخر الجنائز.
٣٣٥٥ - حَدَّثَنِي بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا النَّضْرُ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ وَذَكَرُوا لَهُ الدَّجَّالَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ أَوْ ك ف ر -قَالَ لَمْ أَسْمَعْهُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: أَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ، وَأَمَّا مُوسَى فَجَعْدٌ آدَمُ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ؛ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ انْحَدَرَ فِي الْوَادِي».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (بيان بن عمرو) بفتح الموحدة وتخفيف التحتية وعمرو بفتح العين أبو محمد البخاري العابد قال: (حدّثنا النضر) بنون مفتوحة فضاد معجمة ساكنة فراء ابن شميل قال: (أخبرنا ابن عون) عبد الله (عن مجاهد) هو ابن جبر الإمام في التفسير (أنه سمع ابن عباس ﵄ وذكروا له الدجال) فقالوا (بين عينيه مكتوب) كتابة حقيقة (كافر أو) هذه الحروف المقطعة
стр. 2245
(ك ف ر) بفتحات تظهر لكل مؤمن كاتبًا أو غير كاتب (قال) ابن عباس (لم أسمعه) ﷺ زاد في باب الجعد من كتاب اللباس قال ذلك (ولكنه قال) ﷺ :
(أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم) يريد رسول الله ﷺ فإنه كان أشبه الناس بإبراهيم (وأما موسى فجعد) بفتح الجيم وسكون العين المهملة مجتمع الجسم وليس المراد جعودة شعره إذ في بعض الروايات أنه رجل الشعر (آدم) من الأدمة وهي السمرة (على جمل أحمر مخطوم) بالخاء المعجمة مزموم (بخلبة) بخاء معجمة مضمومة فلام ساكنة فموحدة مفتوحة ليفة ولأبي ذر: الخلبة الليفة (كأني أنظر إليه) حقيقة كليلة الإسراء أو في المنام ورؤيا الأنبياء وحي (انحدر) وفي الحج إذا انحدر (في الوادي) أي وادي الأزرق وزاد في الحج يلبي.
٣٣٥٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَهْوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُّومِ». تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ.
[الحديث ٣٣٥٦ - طرفه في: ٦٢٩٨].
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء الثقفي مولاهم البغلاني البلخي قال: (حدّثنا
مغيرة بن عبد الرَّحمن القرشي عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله) ولأبي ذر: النبي (¬ ﷺ ¬):
(اختتن إبراهيم ﵊ وهو ابن ثمانين سنة) جملة حالية (بالقدوم) بفتح القاف وتشديد الدال في الفرع وأصله وقال الحافظ ابن حجر: رويناه بالتشديد عن الأصيلي والقابسي، ووقع في رواية غيرهما بالتخفيف. قال النووي: لم تختلف الرواة على مسلم في التخفيف، وأنكر يعقوب بن شبة التشديد أصلاً واختلف في المراد به فقيل هو اسم قرية بالشام أو ثنية بالسراة، وقيل: آلة النجار وهي بالتخفيف، وأما اسم الموضع ففيه الوجهان. قال في القاموس: والقدوم يعني بالتخفيف آلة ينحت بها مؤنثة الجمع قدائم وقدم وقرية بحلب وموضع بنعمان وجبل بالمدينة وثنية بالسراة وموضع اختتن فيه إبراهيم ﵊، وقد تشدّد داله وثنية في جبل ببلاد دوس وحصن باليمن انتهى. فمن رواه بالتشديد أراد الموضع، ومن رواه بالتخفيف فيحتمل القرية والآلة والأكثرون على التخفيف وإرادة الآلة.
وقد روى أبو يعلى من طريق عليّ بن رباح قال: أمر إبراهيم بالختان فاختتن بقدوم فاشتد عليه فأوحى الله إليه عجلت قبل أن نأمرك بآلته. فقال: يا رب كرهت أن أؤخر أمرك.
وعن مالك والأوزاعي فيما قاله عياض أنه اختتن وهو ابن مائة وعشرين سنة وأنه عاش بعد ذلك ثمانين سنة إلا أن مالكًا ومن تبعه وقفوه على أبي هريرة. وحكى الجارودي أنه اختتن وهو ابن سبعين وما في الصحيح أصح.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الاستئذان ومسلم في أحاديث الأنبياء.
٠٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ وَقَالَ: «بِالْقَدُومِ» مُخَفَّفَةً. تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ. وتَابَعَهُ عَجْلَانُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع الحمصي قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة الحمصي قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (وقال بالقدوم مخففة) وعليه الأكثر، والمراد به الآلة كما سبق، وثبت لفظ وقال لأبي ذر (تابعه) أي تابع شعيبًا على التخفيف (عبد الرَّحمن بن إسحاق) بن عبد الله الثقفي فيما وصله مسدد في مسنده (عن أبي الزناد) عبد الله (وتابعه) أي تابع شعيبًا أو عبد الرَّحمن بن إسحاق (عجلان) بفتح العين المهملة وسكون الجيم مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة القرشي والد محمد بن عجلان في التخفيف أيضًا فيما وصله الإمام أحمد عن يحيى القطان عن محمد بن عجلان عن أبيه (عن أبي هريرة).
(ورواه) أي الحديث المذكور (محمد بن عمرو) بفتح العين فيما وصله أبو يعلى في مسنده (عن أبي سلمة) بن عبد الرَّحمن بن عوف عن أبي هريرة، ووقع في رواية أبوي ذر والوقت:
تابعه عبد الرَّحمن بن إسحاق عن أبي الزناد، وتابعه عجلان عن أبي هريرة، ورواه محمد بن عمر، وعن أبي سلمة حدّثنا أبو اليمان فذكر الحديث السابق مؤخرًا عن متابعة عبد الرَّحمن ومتابعة عجلان ورواية محمد بن عمرو، وحينئذٍ فتكون المتابعتان لقتيبة بن سعيد على أن عمر إبراهيم حين اختتن كان ثمانين سنة، وكذا رواية محمد بن عمرو لأنه وقع التصريح في المتابعتين
стр. 2246
والرواية عند من وصلها بذلك، أما على تقديم حديث أبي اليمان عليها فالمتابعتان والرواية لحديثه فى التخفيف كما مرّ فافهم.
٣٣٥٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ الرُّعَيْنِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ ﵇ إِلاَّ ثَلَاثَ كذبات».
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن تليد) بفتح الفوقية وسكون التحتية بينهما لام مكسورة آخره دال مهملة وهو سعيد بن عيسى بن تليد (الرعيني) المصري قال: (أخبرنا) بالجمع ولأبي ذر: أخبرني (ابن وهب) عبد الله المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (جرير بن حازم) بفتح الجيم وحازم بالحاء المهملة والزاي (عن أيوب) السختياني (عن محمد) هو ابن سيرين (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لم يكذب إبراهيم ﵊ إلا ثلاثًا) أي إلا ثلاث كذبات كما في الطريق الثانية.
٣٣٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ ﵇ إِلاَّ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ: ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ : قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وَقَالَ: بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَا هُنَا رَجُلاً مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أُخْتِي. فَأَتَى سَارَةَ قَالَ: يَا سَارَةُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، فَلَا تُكَذِّبِينِي. فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ. فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ. ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ. فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ، فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ. فَأَتَتْهُ هَاجَرَ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَمْ؟ قَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الْكَافِرِ -أَوِ الْفَاجِرِ- فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن محبوب) ضد المبغوض البناني بضم الموحدة وتخفيف النون البصري
قال: (حدّثنا حماد بن زيد) اسم جده درهم الأزدي الجهضمي البصري (عن أيوب) السختياني (عن محمد) هو ابن سيرين (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: لم يكذب إبراهيم ﵊ لم يصرح برفعه في رواية حماد بن زيد هذه إلى رسول الله ﷺ على المعتمد الموافق لرواية النسفيّ وكريمة كما رواه عبد الرزاق عن معمر، والأصل رفعه كما في رواية جرير بن حازم السابقة ورواية هشام بن حسان عند النسائي والبزار وابن حبان.
ورواه البخاري عن الأعرج عن أبي هريرة في البيوع وفي النكاح عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد فصرح برفعه أيضًا في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ولفظه قال: قال رسول الله ﷺ (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات) بسكون الذال عند ابن الحطيئة عن أبي ذر كما في اليونينية. وقال في المصابيح بفتح الذال، وفي فتح الباري عن أبي البقاء أنه الجيد لأنه جمع كذبة بسكون الذال وهو اسم لا صفة تقول كذب كذبة كما تقول ركع ركعة ولو كان صفة لسكن في الجمع، وليس هذا من الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله حاشا وكلا، وإنما أطلق عليه الكذب تجوزًا وهو من باب المعاريض المحتملة للأمرين لمقصد شرعي ديني كما جاء في الحديث المروي عند البخاري في الأدب المفرد من طريق قتادة عن مطرف بن عبد الله عن عمران بن الحصين أن في معاريض الكلام مندوحة عن الكذب، ورواه أيضًا البيهقي في الشعب والطبراني في الكبير ورجاله ثقات، وهو عند ابن السني من طريق الفضل بن سهل مرفوعًا. قال البيهقي ﵀: والموقوف هو الصحيح، وروي أيضًا من حديث علي مرفوعًا وسنده ضعيف جدًّا، وعند ابن أبي حاتم عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : في كلمات إبراهيم الثلاث التي قال ما منها كلمة إلا ما حل بها عن دين الله أي جادل ودافع، وفي حديث ابن عباس عند أحمد: والله إن جادل بهن إلا عن دين الله، وقال ابن عقيل: دلالة العقل تصرف ظاهر إطلاق الكذب عن إبراهيم، وذلك أن العقل قطع بأن الرسول ينبغي أن يكون موثوقًا به ليعلم صدق ما جاء به عن الله ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب منه، وإنما أطلق عليه ذلك لكونه بصورة الكذب عند السامع وعلى كل تقدير فلم يصدر من إبراهيم ﵊ إطلاق الكذب على ذلك أي حيث يقول في حديث الشفاعة: وإني كنت كذبت ثلاث كذبات إلا في حال شدّة الخوف لعلو مقامه وإلاّ فالكذب في مثل تلك المقامات يجوز، وقد يجب لتحمل أخف الضررين دفعًا لأعظمهما، وقد اتفق الفقهاء فيما لو طلب ظالم وديعة عند إنسان ليأخذها غصبًا وجب على المودع عنده أن يكذب بمثل أنه لا يعلم موضعها بل يحلف على ذلك، ولما كان ما صدر من الخليل ﵇ مفهوم ظاهره خلاف باطنه أشفق أن يؤاخذ به لعلو حاله فإن الذي كان يليق بمرتبته في النبوة والخلة أن يصدع بالحق ويصرح بالأمر كيفما كان ولكنه رخص له فقبل الرخصة، ولذا يقول عندما يسأل في الشفاعة: إنما كنت خليلاً من وراء وراء ويستفاد منه أن الخلة لم
стр. 2247
تكن بكمالها إلا لمن صح له في ذلك اليوم المقام المحمود، وأما قول الإمام فخر الدين: لا ينبغي أن ينقل هذا الحديث لأن فيه نسبة الكذب إلى إبراهيم، وقول بعضهم له: فكيف يكذب
الراوي العدل؟ وجواب الإمام له بأنه لما وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبة الكذب إلى الخليل كان من المعلوم بالضرورة أن نسبته إلى الراوي أولى فليس بشيء إذ الحديث صحيح ثابت، وليس فيه نسبة محض الكذب إلى الخليل، وكيف السبيل إلى تخطئة الراوي مع قوله: (﴿إني سقيم﴾) و (﴿بل فعله كبيرهم﴾) (الأنبياء: ٦٣]. هذا. وعن سارة أختي إذ ظاهر هذه الثلاثة بلا ريب غير مراد (ثنتين منهن) أي من الثلاث (في ذات الله) لأجله محضًا من غير حظ لنفسه بخلاف الثالثة وهي قصة سارة فإنها تضمنت حظًّا ونفعًا له.
فالأولى (قوله) تعالى حاكيًا عنه لما طلبه قومه ليخرج معهم إلى معبدهم وكان أحب أن يخلو بآلهتهم ليكسرها ﴿إني سقيم﴾ [الصافات: ٨٩]. مريض القلب بسبب إطباقكم على الكفر والشرك أو سقيم بالنسبة إلى ما يستقبل يعني مرض الموت، واسم الفاعل يستعمل بمعنى المستقبل كثيرًا أو خارج المزاج عن الاعتدال خروجًا قلّ من يخلو منه، وقال سفيان: سقيم أي طعين وكانوا يفرّون من المطعون، وعن ابن عباس في رواية العوفي قالوا له وهو في بيت آلهتهم أخرج فقال: إني مطعون فتركوه مخافة الطاعون. فإنه كان غالب أسقامهم الطاعون وكانوا يخافون العدوى، وأما حكاية قول بعضهم: إنه كان تأتيه الحمى في ذلك الوقت فبعيد لأنه لو كان كذلك لم يكن كذبًا لا تصريحًا ولا تلويحًا.
(و) الثانية (قوله) لما كسر آلهتهم كسرًا وقطعًا إلا كبيرًا لهم فاستبقاه وكانت فيما قيل اثنين وسبعين صنمًا بعضها من ذهب وبعضها من فضة وبعضها من حديد وبعضها من رصاص وحجر وخشب، وكان الكبير من الذهب مرصعًا بالجواهر وفي عينيه ياقوتتان تتقدان وجعل الفأس في عنقه لعلهم إليه يرجعون فيسألونه: ما بال هؤلاء مكسرين وأنت صحيح والفأس في عنقك؟ إذ من شأن المعبود أن يرجع إليه أو المراد أنهم يرجعون إلى إبراهيم لتفرده واشتهاده بعداوة آلهتهم فيحاجهم أو يرجعون إلى توحيد الله عند تحققهم عجز آلهتهم فلما رجعوا من عيدهم إلى بيت آلهتهم ورأوا أصنامهم مكسرة وقالوا لإبراهيم ﴿أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٢]. قال: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ وهذا الإضراب عن جملة محذوفة أي لم أفعله إنما الفاعل حقيقة هو الله وإسناد الفعل إلى كبيرهم من أبلغ المعاريض، وذلك أنهم لما طلبوا منه الاعتراف ليقدموا على إيذائه قلب الأمر عليهم وقال: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ لأنه ﵇ غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة وكان غيظه من كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له فأسند الفعل إليه لأنه هو السبب في استهانته لها والفعل كما يسند إلى مباشره يسند إلى الحامل عليه أو أن إبراهيم ﵇ قصد تقرير الفعل لنفسه على أسلوب تعريضي وليس قصده نسبة الفعل إلى الصنم وهذا كما لو قال لك من لا يحسن الخط فيما كتبته أأنت كتبت هذا فقلت له بل كتبته أنت قاصدًا بذلك تقريره لك مع الاستهزاء لا نفيه عنك وإثباته له ذكرهما الزمخشري، وتعقب الأول منهما صاحب الفرائد بأنه إنما يستقيم إذا كان الفعل دائرًا بين إبراهيم وبين الصنم الكبير لاحتمال أن يكون كسرها غير إبراهيم، والثاني منهما بأنه ضعيف لأن غيظه من عبادة غير
الله يستوي فيه الكبير والصغير. والجواب أنه دل تقديم الفاعل المعنوي في قوله ﴿أأنت فعلت﴾ على أن الكلام ليس في الفعل لأنه معلوم بل في الفاعل كقوله تعالى: ﴿وما أنت علينا بعزيز﴾ [هود: ٩١]. ودل قولهم ﴿سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم﴾ وقولهم ﴿قالوا فأتوا به على أعين الناس﴾ على أنهم لم يشكوا أن الفاعل هو فإذن لا يكون قصدهم في قولهم: ﴿أأنت فعلت هذا﴾ إلا بأن يقرّ بأنه هو فلما رد بقوله: ﴿بل فعله كبيرهم﴾ تعريضًا دار الأمر بين الفاعلين أو المعنى على التقديم والتأخير أي بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون فاسألوهم فجعل النطق شرطًا
стр. 2248
للفعل إن قدروا على النطق قدروا على الفعل فأراهم عجزهم وفي ضمنه أنا فعلت ذلك.
وقال: (بينا) بغير ميم (هو) أي إبراهيم (ذات يوم وسارة) بنت هاران ملك حران زوجته معه وزاد مسلم وكانت من أحسن الناس وجواب بينا قوله (إذ أتى) أي مرّ (على جبار من الجبابرة) اسمه صادوق فيما ذكره ابن قتيبة وهو ملك الأردن أو سنان أو سفيان بن علوان فيما ذكره الطبري أو عمرو بن امرئ القيس بن سبأ وكان على مصر ذكره السهيلي (فقيل له: إن ههنا رجلاً) ولأبي ذر عن الكشميهني هذا رجل (معه امرأة من أحسن الناس فأرسل) الجبار (إليه) أي إلى الخليل (فسأله عنها فقال: من هذه) المرأة (قال) الخليل هي (أختي) أي في الإسلام، ولعله أراد بذلك دفع أحد الضررين بارتكاب أخفهما لأن اغتصاب الملك إياها واقع لا محالة لكن إن علم أن لها زوجًا حملته الغيرة على قتله أو حبسه وإضراره بخلاف ما إذا علم أن لها أخًا فإن المغيرة حينئذٍ تكون من قبل الأخ خاصة لا من قبل الملك فلا يبالي به، وقيل خاف أنه إن علم أنها زوجته ألزمه بطلاقها (فأتى) الخليل (سارة قال): ولأبي ذر: فقال (يا سارة ليس على وجه الأرض) التي وقع بها ذلك (مؤمن غيري وغيرك) بفتح الراء عند ابن الحطيئة عن أبي ذر وتخصيص الأرض بالأرض التي وقع بها ذلك دافع لاعتراض من قال إن لوطًا كان مؤمنًا معه قال تعالى: (﴿فآمن له لوط﴾ وإن هذا) الجبار (سألني) عنك (فأخبرته أنك أختي) في الإيمان (فلا تكذبيني) بقولك هو زوجي (فأرسل) الجبار (إليهما فلما دخلت عليه ذهب) ولأبي ذر عن الكشميهني: وذهب (يتناولها) ولأبي ذر تناولها بإسقاط التحتية بلفظ الماضي (بيده فأخذ) بضم الهمزة وكسر المعجمة مبنيًا للمفعول أي اختنق حتى ركض برجله كأنه مصروع. وعند مسلم أنه لما أرسل إليها قام إبراهيم يصلّي، وفي رواية الأعرج في البيوع في باب: شراء الملوك من الحربي وهبته وعتقه فأرسل بها إليه فقام إليها فقامت تتوضأ وتصلي فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط عليّ الكافر فغطّ حتى ركض برجله، وفي مسلم لما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده فقبضت يده قبضة شديدة (فقال) لها (ادعي الله لي) وعند مسلم ادعي الله أن يطلق يدي (ولا أضرّك) ولأبي ذر: ولا أضرك بفتح الراء (فدعت الله فأطلق ثم تناولها الثانية) ولأبي ذر ثانية بغير ألف ولام (فأخذ) بضم الهمزة (مثلها) أي الأولى (أو أشد) منها (فقال) لها (ادعي الله لي) أن يخلصني (ولا أضرك) بفتح الراء وضمها كالسابقة (فدعت الله فأطلق فدعا بعض حجبته) بفتح الحاء المهملة والجيم جمع حاجب ولمسلم ودعا الذي جاء بها. قال
الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسمه (فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان إنما أتيتموني) ولأبي ذر وابن عساكر إنك لم تأتني بإنسان إنما أتيتني (بشيطان) أي متمرد من الجن وهو مناسب لما وقع له من الصرع زاد الأعرج. أرجعوها إلى إبراهيم (فأخدمها هاجر) أي وهبها لها لتخدمها لأنه أعظمها أن تخدم نفسها وكان أبو هاجر من ملوك القبط (فأتته) أي أتت سارة إبراهيم (وهو قائم يصلّي فأومأ بيده مَهْيَا) بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الياء التحتية مقصور من غير همز أي ما حالك وما شأنك، ولأبي ذر عن الكشميهني: مهيم بالميم بدل الألف، ولابن السكن: مهين بالنون وكلها بمعنى (قالت) سارة (ردّ الله كيد الكافر أو الفاجر في نحره) هو مثل تقوله العرب لمن رام أمرًا باطلاً فلم يصل إليه (وأخدم هاجر) وفي حديث مسلم عن أبي زرعة عن أبي هريرة في حديث الشفاعة الطويل فقال في قصة إبراهيم وذكر كذباته ثم ساقه من طريق أخرى من هذا الوجه وقال في آخره وزاد في قصة إبراهيم وذكر قوله في الكوكب هذا ربي وقوله لآلهتهم ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ [الصافات: ٩١] قال القرطبي فيما قرأته في تفسيره فعلى هذا تكون الكذبات أربعة إلا أن النبي ﷺ نفى تلك بقوله: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وواحدة في شأن سارة"
стр. 2249
ولم يعد عليه قوله في الكوكب هذا ربي كذبة وهي داخلة فيه، لأنه والله أعلم كان حين قوله ذلك في حال الطفولية وليست حالة تكليف انتهى.
وهذا الذي قاله القرطبي نقله عنه في فتح الباري وأقره وقد اتفق أكثر المحققين على فساده محتجين بأنه لا يجوز أن يكون له رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو موحد عابد وبه عارف ومن كل معبود سواه بريء، وكيف يتوهم هذا على من عصمه وطهره وآتاه رشده من قبل وأراه ملكوت السماوات والأرض، أفتراه أراه الملكوت ليوقن فلما أيقن رأى كوكبًا قال هذا ربي معتقدًا، فهذا لا يكون أبدًا. وأيضًا فالقول بربوبية الجماد أيضًا كفر بالإجماع وهو لا يجوز على الأنبياء بالإجماع، أو قاله بعد بلوغه على سبيل الوضع فإن المستدل على فساد قول يحكيه على ما يقول الخصم ثم يكر عليه بالإفساد كما يقول الواحد منا إذا ناظر من يقول بقدم الجسم فيقول الجسم قديم فإن كان كذلك فلم نشاهده مركبًا متغيرًا، فقوله الجسم قديم إعادة لكلام الخصم حتى يلزم المحال عليه، فكذا هنا قال (هذا ربي) حكاية لقول الخصم ثم ذكر عقبه ما يدل على فساده وهو قوله: (لا أحب الآفلين) ويؤيد هذا أنه تعالى مدحه في آخر هذه الآية على هذه المناظرة بقوله: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾ [الأنعام: ٨٣] ولذا لم تعد هذه مع تلك الثلاث المذكورة.
(قال أبو هريرة) ﵁ بالسند السابق يخاطب العرب (تلك) يعني هاجر (أمكم يا بني ماء السماء) لكثرة ملازمتهم الفلوات التي بها مواقع المطر لرعي دوابهم، وقال الخطابي وقيل إنما أراد زمزم أنبعها الله لهاجر فعاشوا بها فصاروا كأنهم أولادها. وذكر ابن حبان في صحيحه إن كل مَن كان من ولد هاجر يقال له ولد ماء السماء لأن إسماعيل ولد هاجر وقد ربي بماء زمزم وهي ماء السماء الذي أكرم الله به إسماعيل حين ولدته هاجر، فأولادها أولاد ماء السماء،
وقيل ماء السماء هو عامر جد الأوس والخزرج سمي بذلك لأنه كان إذا قحط الناس أقام لهم ماله مقام مطر.
وهذا الحديث قد سبق في البيع، وأخرجه في النكاح أيضًا ومسلم في الفضائل.
٣٣٥٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى -أَوِ ابْنُ سَلَامٍ عَنْهُ- أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَقَالَ: كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇».
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله بن موسى) بضم العين مصغرًا ابن باذام العبسي الكوفي (أو) حدّثنا (ابن سلام) محمد (عنه) أي عن عبيد الله بن موسى وكلاهما من مشايخه، والظاهر أن المؤلّف شك في سماعه للحديث الآتي من عبيد الله بن موسى ثم تحقق أنه سمعه من ابن سلام عن عبيد الله فساقه هكذا قال عبيد الله (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن عبد الحميد بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة مصغرًا ابن شيبة بن عثمان الحجبي (عن سعيد بن المسيب عن أم شريك) غزية أو غزيلة العامرية ويقال الأنصارية (﵂ أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الوزغ) بفتح الواو والزاي (وقال) ولأبي ذر قال:
(كان ينفخ) النار (على إبراهيم ﵇ حين ألقي فيها وكل دابة في الأرض كانت تطفئها عنه. وفي حديث عائشة: لما أحرق بيت المقدس كانت الأوزاغ تنفخه ذكره الكمال الدميري، وفي الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا "اقتلوا الوزغ ولو في جوف الكعبة" وفي إسناده عمر بن قيس المكي وهو ضعيف وسقط قوله ﵇ لأبي ذر.
٣٣٦٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ، ﴿لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾: بِشِرْكٍ. أَوَ لَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لاِبْنِهِ: ﴿يَا بُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾».
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) النخعي الكوفي قال: (حدّثنا أبي) حفص قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن الأسود (عن عبد الله) يعني ابن مسعود (﵁) أنه (قال: لما نزلت ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾) [الأنعام: ٨٢] معطوف على الصلة فلا محل لها أو الواو للحال، والجملة بعدها في محل نصب على الحال أي آمنوا غير ملبسين إيمانهم بظلم وهو كقوله تعالى: ﴿أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر﴾ [مريم: ٢٠] (قلنا: يا رسول الله أينا لا يظلم
نفسه)؟ حملوه على العموم لأن قوله بظلم نكرة في سياق النفي فبين لهم الشارع ﷺ أن الظاهر غير
стр. 2250
مراد بل هو من العام الذي أريد به الخاص حيث (قال) ﵊:
(ليس كما تقولون) بل المراد (﴿لم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾) [الأنعام: ٨٢] أي (بشرك) أي لم ينافقوا (أو لم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه) أنعم أو مشكم (﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾) [لقمان: ١٣] لأن التسوية بين من يستحق العبادة ومن لا يستحقها ظلم عظيم لأن وضع العبادة في غير موضعها، وسقط قوله: يا بني لأبي ذر.
فإن قلت: ما وجه مناسبة هذا الحديث لما ترجم به؟ فالجواب أن قوله: ﴿الذين آمنوا﴾ من كلام إبراهيم جوابًا عن السؤال في قوله: فأي الفريقين أو من كلام قومه وإنهم أجابوه بما هو حجة عليهم، وحينئذٍ فالموصول خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين آمنوا فظهرت المناسبة بين الحديث والترجمة، ويكفي أدنى إشارة كما هي عادة المؤلّف ﵀ في دقائق التراجم وفي حديث علي عند الحاكم أنه قرأ ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ وقال: نزلت هذه الآية في إبراهيم وأصحابه ليس في هذه الأمة.
وحديث الباب سبق في الإيمان في باب ظلم دون ظلم وأخرجه أيضًا في التفسير.
٩ - باب يَزِفُّونَ: النَّسَلَانُ فِي الْمَشْيِ
هذا (باب) بالتنوين من غير ذكر ترجمة فهو كالفصل من سابقه (﴿يزفون﴾) في قوله تعالى في سورة الصافات ﴿فأقبلوا إليه﴾ [الصافات: ٩٤] أي إلى إبراهيم لما بلغهم خبر كسر أصنامهم ورجعوا من عيدهم حال كونهم يزفون وهو (النسلان) فيما وصله الطبري عن مجاهد بلفظ الوزيف النسلان وهو بفتح النون وسكون السين المهملة وبعد اللام ألف ونون وعن مجاهد وغيره أي يسرعون (في المشي) ووقع في فرع اليونينية علامة سقوط الباب لأبي ذر وثبوت يزفون النسلان في المشي للحموي والكشميهني وثبوت كل لابن عساكر، وقال ابن حجر سقط ذلك من رواية النسفيّ، وثبت في رواية المستملي باب بغير ترجمة، ووهم من وقع عنده باب يزفون النسلان في المشي فإنه كلام لا معنى له، والذي يظهر ترجيح ما وقع عند المستملي لأن باب بغير ترجمة كالفصل من السابق وتعلقه بما قبله واضح.
٣٣٦١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا بِلَحْمٍ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيُنْفِذُهُمُ الْبَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ مِنْهُمْ - فَذَكَرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ -فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنَ الأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، فَيَقُولُ: -فَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ- نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى». تَابَعَهُ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم بن نصر) السعدي المروزي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن أبي حيان) بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية يحيى بن سعيد التيمي تيم الرباب الكوفي (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: أتي النبي ﷺ ¬) بضم الهمزة وكسر الفوقية مبنيًا للمفعول (يومًا بلحم فقال):
(إن الله يجمع يوم القيامة الأوّلين والآخرين) في باب قول الله تعالى ﴿إنّا أرسلنا نوحًا﴾ قال: كنا مع النبي ﷺ ، في دعوة فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة وقال: أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون بم يجمع الله الأولين والآخرين (في صعيد واحد) أرض مستوية واسعة (فيسمعهم الداعي) بضم الياء من الإسماع (وينفذهم البصر) بضم الياء والذال المعجمة في الفرع وبعضهم فيما حكاه الكرماني فتح الياء، والمعنى أنه يحيط بهم بصر الناظر لا يخفى عليه منهم شيء لاستواء الأرض، وذكر أبو حاتم أنه إنما هو بالدال المهملة وإن المحدثين يروونه بالمعجمة والمعنى يبلغ أولهم وآخرهم حتى يراهم كلهم ويستوعبهم (وتدنو الشمس منهم فذكر حديث الشفاعة) إلى أن قال: (فيأتون إبراهيم فيقولون) له (أنت نبي الله وخليله من الأرض) هذا موضع الترجمة وزاد إسحاق بن راهويه ومن طريقه الحاكم في المستدرك من وجه آخر عن أبي زرعة عن أبي هريرة قد سمع بخلتك أهل السماوات والأرض (اشفع لنا إلى ربك فيقول) بالفاء ولأبي ذر ويقول أي لست هنا كم (فذكر كذباته) بفتح الذال المعجمة التي هي من باب المعاريض وليست من الكذب الحقيقي المذموم بل كانت في ذات الله تعالى وإنما أشفق منها في هذا الحل لعلو مقامه كما مر قريبًا فراجعه (نفسي نفسي) مرتين وزاد أبو ذر ثالثة (اذهبوا إلى موسى) الحديث الخ وسبق في باب قول الله تعالى: ﴿إنّا أرسلنا نوحًا إلى قومه﴾ [نوح: ١] قريبًا
(تابعه) أي تابع أبا هريرة على رواية هذ الحديث (أنس) ﵁ (عن النبي-صَلَّى اللَّهُ
стр. 2251
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-). فيما وصله المؤلّف في التوحيد.
٣٣٦٢ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْلَا أَنَّهَا عَجِلَتْ لَكَانَ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (أحمد بن سعيد أبو عبد الله) الرباطي بضم الراء وتخفيف الموحدة المروزي الأشقر قال: (حدّثنا وهب بن جرير) بفتح الجيم (عن أبيه) جرير بن حازم بن زيد الأزدي البصري (عن أيوب) السختياني (عن عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه) سعيد بن جبير الأزدي الفقيه الورع (عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه (قال):
(يرحم الله أم إسماعيل) هاجر (لولا أنها عجلت) بكسر الجيم لما عطش إسماعيل وجاء جبريل ﵇ فبحث بعقبه حتى ظهر الماء فجعلت تخوّضه وتغرف من الماء في سقائها (لكان زمزم) بغير تاء تأنيث بعد النون (عينًا معينا) بفتح الميم أي سائلاً على وجه الأرض، والقياس أن
يقول معينة فالتذكير حملاً على اللفظ ووزنه مفعل من عانه إذا رآه بعينه وأصله معيون فبقي كمبيع أو فعيل من أمعنت في الشيء إذا بالغت فيه، قال ابن الجوزي: ظهور زمزم نعمة من الله محضة من غير عمل عامل، فلما خالطها تحويض هاجر داخلها كسب البشر فقصرت على ذلك.
٣٣٦٣ - قَالَ الأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَمَّا كَثِيرُ بْنُ كَثِيرٍ فَحَدَّثَنِي قَالَ: "إِنِّي وَعُثْمَانَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ جُلُوسٌ مَعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: مَا هَكَذَا حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: أَقْبَلَ إِبْرَاهِيمُ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ ﵈ -وَهْيَ تُرْضِعُهُ- مَعَهَا شَنَّةٌ لَمْ يَرْفَعْهُ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ".
(قال) ولأبي ذر وقال (الأنصاري) محمد بن عبد الله بن مثنى بن عبد الله بن أنس مما وصله أبو نعيم في مستخرجه (حدّثنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أما) ولأبي ذر قال أما (كثير بن كثير) بالمثلثة فيهما السهمي (فحدّثني) بالإفراد (قال: إني) إن واسمها (وعثمان بن أبي سليمان) عطف على المنصوب ابن جبير بن مطعم القرشي (جلوس) أي جالسان (مع سعيد بن جبير) زاد الأزرقي من طريق مسلم بن خالد الزنجي والفاكهي من طريق محمد بن جعشم كلاهما عن ابن جريج عن كثير بن كثير بأعلى المسجد ليلاً فقال سعيد بن جبير: سلوني قبل أن تروني فسأله القوم فأكثروا فكان مما سئل عنه أن قال له رجل: أحق ما سمعنا في المقام مقام إبراهيم أن إبراهيم حين جاء من الشام حلف لامرأته أن لا ينزل بمكة حتى يرجع فقربت إليه امرأة إسماعيل المقام فوضع رجله عليه حتى لا ينزل. (فقال) سعيد بن جبير (ما هكذا حدثني) بالإفراد (ابن عباس. قال): ولأبي ذر وابن عساكر: ولكنه قال (أقبل إبراهيم بإسماعيل وأمه) هاجر ﵈ مكة (وهي ترضعه) بضم الفوقية وكسر الضاد المعجمة والواو للحال (معها شنَّة) بفتح المعجمة وتشديد النون قربة يابسة (لم يرفعه) أي الحديث. (ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل) وسقط قوله ثم جاء بها الخ لأبي ذر وابن عساكر.
٣٣٦٤ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ -يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ- عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ. وَهْيَ تُرْضِعُهُ -حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَىْءٌ، فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا. فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِذَن لَا يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ. فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ ثُمَّ دَعَا
بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ -حَتَّى بَلَغَ- ﴿يَشْكُرُونَ﴾. وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى -أَوْ قَالَ: يَتَلَبَّطُ- فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الْوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا فَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا؛ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا. فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا فَقَالَتْ: صَهٍ -تُرِيدَ نَفْسَهَا- ثُمَّ تَسَمَّعَتْ أَيْضًا فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ -أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ- حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا وَهْوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ -أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ- لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا. قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ: لَا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ، فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللَّهِ يَبْنِي هَذَا الْغُلَامُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَهْلَهُ. وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ، تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمَ -أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ في جُرْهُمَ مُقْبِلِينَ- مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ، فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ، لَعَهْدُنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ، فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ، فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ، فَأَقْبَلُوا -قَالَ وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الْمَاءِ- فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، وَلَكِنْ لَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ. قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهْيَ تُحِبُّ الإِنْسَ، فَنَزَلُوا، وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ، وَشَبَّ الْغُلَامُ وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ. وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ مَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ. فَشَكَتْ إِلَيْهِ. قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ. فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ. قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَىْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ. قَالَ: ذَاكِ أَبِي، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ. فَطَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى. فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ،
فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا. قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ. فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ: اللَّحْمُ. قَالَ فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ: الْمَاءُ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ، قَالَ: فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلاَّ لَمْ يُوَافِقَاهُ. قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ، وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ. فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ - وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ - فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ. قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَىْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ. قَالَ: ذَاكِ أَبِي، وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ. ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلاً لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ، فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ. ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ. قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ. قَالَ، وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا -وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا- قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي. حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ، فَقَامَ عَلَيْهِ وَهْوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] ".
[الحديث ٣٣٦٤ - أطرافه في: ٢٣٦٨، ٣٣٦٢، ٣٣٦٣، ٣٣٦٥].
قال المؤلّف بالسند: (وحدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن أيوب السختياني) بفتح السين وكسر الفوقية (وكثير بن كثير المطلب) بتشديد الطاء وكسر اللام (ابن أبي وداعة) بفتح الواو وتخفيف الدال (يزيد أحدهما على الآخر عن سعيد بن جبير) سقط ابن جبير لأبي ذر أنه (قال ابن عباس: أول ما اتخذ النساء المنطق) بكسر الميم وفتح الطاء بينهما نون ساكنة ما تشده المرأة على وسطها عند الشغل لئلا تعثر في ذيلها (من قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة من جهة (أم إسماعيل اتخذت منطقًا) وذلك أن سارة وهبتها للخليل ﵇ فحملت منه بإسماعيل فلما وضعته غارت فحلفت لتقطعن منها ثلاثة أعضاء فاتخذت هاجر منطقًا فشدت به وسطها وهربت وجرت ذيلها (لتعفي) بضم الفوقية وفتح العين المهملة وتشديد الفاء المكسورة لتخفي (أثرها) وتمحوه (على سارة). وقال الكرماني: معناه أنها تزيت بزي الخدم إشعارًا بأنها خادمتها لتستميل خاطرها وتصلح ما فسد يقال: عفى على ما كان منه إذا أصلح بعد الفساد اهـ وقيل إن الخليل شفع فيها وقال حللي يمينك بأن تثقبي أذنيها وتخفضيها فكانت أول من فعل ذلك، وعند الإسماعيلي من رواية ابن علية أول ما اتخذت العرب جر الذيول عن أم إسماعيل.
(ثم جاء بها) بهاجر (إبراهيم وبابنها إسماعيل) على
стр. 2252
البراق (وهي ترضعه) الواو للحال (حتى وضعهما) ولأبي ذر عن الكشميهني: فوضعهما (عند) موضع (البيت) الحرام قبل أن يبنيه (عند دوحة) بدال وحاء مفتوحتين مهملتين بينهما واو ساكنة شجرة عظيمة (فوق زمزم) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فوق الزمزم (في أعلى) مكان (المسجد وليس بمكة يومئذٍ أحد) ولا بناء (وليس بها ماء فوضعهما هنا لك ووضع عندهما جرابًا) بكسر الجيم من جلد (فيه تمر وسقاء فيه ماء) بكسر السين قربة صغيرة (ثم قفى إبراهيم) بفتح القاف والفاء المشددة ولّى راجعًا حال كونه (منطلقًا) إلى أهله بالشام وترك إسماعيل وأمه عند موضع البيت، (فتبعته أم إسماعيل فقالت) له (يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا) ولأبي ذر في هذا (الوادي الذي ليس فيه أنس) بكسر الهمزة ضد الجن ولأبي ذر وابن عساكر أنيس (ولا شيء؟ فقالت: له ذلك مرارًا. وجعل) إبراهيم (لا يلتفت إليها فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا)؟ بمدّ همزة الله وسقط لأبي ذر الذي (قال) إبراهيم: (نعم). وفي رواية عمر بن شبة في كتاب مكة من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير أنها نادته ثلاثًا فأجابها في الثالثة فقالت له من أمرك بهذا قال الله (قالت: إذًا لا يضيعنا) وفي رواية ابن جريج فقالت حسبي (ثم رجعت) إلى موضع الكعبة (فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية) بالمثلثة وكسر النون وتشديد التحتية بأعلى مكة حيث دخل النبي ﷺ مكة (حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت) أي موضعه (ثم دعا بهؤلاء الكلمات) ولأبي ذر بهؤلاء الدعوات (ورفع يديه فقال رب) ولأبي ذر عن الكشميهني: ربنا وهو الموافق للتنزيل (إني أسكنت) ذرية (من ذرّيتي) فالجار: صفة لمفعول محذوف أو من مزيدة عند الأخفش والمراد بالذرية إسماعيل ومن ولد منه فإن إسكانه متضمن لإسكانهم (بوادٍ) أي في واد هو مكة (غير ذي زرع) قال في الكشاف: لا يكون فيه شيء من زرع قط كقوله: قرآنًا عربيًّا غير ذي عوج بمعنى لا يوجد فيه اعوجاج ما فيه إلا الاستقامة لا غير اهـ.
قال الطيبي: هذه المبالغة يفيدها معنى الكناية لأن نفي الزرع يستلزم كون الوادي غير صالح للزرع ولأنه نكرة في سياق النفي. (عند بيتك المحرم) الذي يحرم عنده ما لا يحرم عند غيره أو حرمت التعرض له والتهاون به أو لم يزل معظمًا يهابه كل جبارًا وحرم من الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقًا لأنه أعتق من الطوفان أو لأنه موضع البيت حرم يوم خلق السماوات والأرض وحف بسبعة من الملائكة (حتى بلغ يشكرون) أي تلك النعمة.
قال في الكشاف: فأجاب الله دعوة خليله فجعله حرمًا آمنًا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقًا من لدنه ثم فضله في وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب البلاد وأكثرها ثمارًا وفي أي بلد من بلاد الشرق والمغرب ترى الأعجوبة التي يريكها الله بواد غير ذي زرع وهي اجتماع البواكير والفواكه المختلفة الأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد وليس ذلك من آياته بعجب أعادنا الله إلى حرمه بمنّه وكرمه ووفقنا لشكر نعمه وثبت قوله عند بيتك المحرم في رواية أبي ذر.
(وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد) بكسر الفاء أي فرغ (ما في السقاء عطشت وعطش ابنها) إسماعيل بكسر الطاء فيهما، وزاد الفاكهي من حديث أبي جهم فانقطع لبنها، وكان إسماعيل حينئذٍ ابن سنتين (وجعلت) هاجر (تنظر إليه يتلوى) يتقلب ظهرًا لبطن (أو قال يتلبط) بالموحدة المشددة بعد اللام آخره طاء مهملة أي يتمرغ ويضرب بنفسه على الأرض من لبط به إذا صرع. وقال الداودي: يحرك لسانه وشفتيه كأنه يموت، وللكشميهني: يتلمظ بميم وظاء معجمة بدل الموحدة والمهملة. (فانطلقت) هاجر حال كون انطلاقها (كراهية أن تنظر إليه) في هذه الحالة الصعبة (فوجدت الصفا) بالقصر (أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي) حال كونها (تنظر هل ترى أحدًا فلم ترَ فهبطت من الصفا) بفتح الموحدة من هبطت. وعند الفاكهي
стр. 2253
من حديث أبي جهم تستغيث ربها وتدعوه (حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها) بفتح الطاء والراء ودرعها بكسر الدال وسكون الراء أي قميصها لئلا تعثر في ذيله (ثم سعت سعي الإنسان المجهود) أي الذي أصابه الجهد وهو الأمر الشاق (حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت) ولأبي ذر فنظرت بالفاء بدل الواو (هل ترى أحدًا فلم ترَ أحدًا ففعلت ذلك سبع مرات).
(قال ابن عباس قال النبي ﷺ : فلذلك سعي الناس) بسكون العين وجر الناس ولأبي ذر وابن عساكر فلذلك سعي الناس (بينهما) بين الصفا والمروة.
(فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: صه) بفتح الصاد وكسر الهاء منونة في الفرع وفي بعض الأصول بسكونها أي اسكتي (تريد نفسها) لتسمع ما فيه فرج لها (ثم تسمعت) أي تكلفت السماع واجتهدت فيه (فسمعت أيضًا فقالت قد أسمعت) بفتح التاء (إن كان عندك غواث) أي فأغثني فجزاء الشرط محذوف. وغواث بكسر الغين المعجمة وفتح الواو مخففة وبعد الألف مثلث كذا في الفرع وأصله وفيه لأبي ذر غواث بضم الغين. وقال الحافظ ابن حجر: غواث بفتحها للأكثر، وقال في المصابيح: وبذلك قيده ابن الخشاب وغيره من أئمة اللغة. وقال في الصحاح: غوّث الرجل إذا قال واغوثاه والاسم الغوث والغواث والغواث. قال الفراء يقال أجاب الله دعاءه وغوائه. قال: ولم يأت في الأصوات شيء بالفتح غيره، وإنما يأتي بالضم مثل البكاء والدعاء وبالكسر مثل النداء والصياح قال الشاعر:
بعثتك مائرًا فلبثت حولاً … متى يأتي غواثك من تغيث
وقال في القاموس: والاسم الغوث والغواث بالضم وفتحه شاذ واستغاثني فأغثته إغاثة ومغوثة والاسم الغياث بالكسر، (فإذا هي بالملك) جبريل (عند موضع زمزم فبحث) بالمثلثة (بعقبه) أي حفر بمؤخر رجله. قال السهيلي في تفجيره إياها دون أن يفجرها باليد أو غيرها إشارة إلى أنها لعقب إسماعيل وراثة وهو محمد وأمته كما قال تعالى ﴿وجعلها كلمة باقية﴾ [الزخرف: ٢٨] في عقبه أي في أمة محمد ﷺ (أو قال بجناحه) شك من الراوي (حتى ظهر الماء فجعلت) هاجر
(تحوّضه) بالحاء المهملة المفتوحة والواو المشدّدة المكسورة وبالضاد المعجمة أي تصيره كالحوض لئلا يذهب الماء (وتقول بيدها هكذا) هو حكاية فعلها وهو من إطلاق القول على الفعل (وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف) أي ينبع كقوله تعالى: ﴿وفار التنور﴾ [هود: ٤٠].
(قال ابن عباس) بالسند السابق (قال النبي ﷺ يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من الماء) شك من الراوي (لكانت زمزم عينًا معينًا) بفتح الميم جاريًا على وجه الأرض لأنها لما داخلها كسب هاجر قصرت على ذلك (قال: فشربت) هاجر (وأرضعت ولدها فقال لها الملك) جبريل (لا تخافوا الضيعة) بفتح الضاد المعجمة وسكون التحتية الهلاك وعبر بالجمع على القول بأن أقل الجمع اثنان أو هما وذرية إسماعيل أو أعم. وفي حديث أبي جهم لا تخافي أن ينفد الماء وعند الفاكهي من رواية عليّ بن الوازع عن أيوب لا تخافي على أهل هذا الوادي ظمأ فإنها عين يشرب بها ضيفان الله (فإن هاهنا بيت الله) بنصب بيت اسم إن ولأبي ذر عن الحموي والمستملي هذا بيت الله (يبني هذا الغلام وأبوه) بحذف ضمير المفعول وعند الإسماعيلي يبنيه بإثباته (وإن الله لا يضيع أهله) بضم التحتية الأولى وكسر الثانية مشددة بينهما معجمة مفتوحة (وكان البيت) الحرام (مرتفعًا من الأرض كالرابية) بالراء وبعد الألف موحدة ثم تحتية ما ارتفع من الأرض. وعند ابن إسحاق أنه كان مدرة حمراء (تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله فكانت) هاجر (كذلك) تشرب وترضع ولدها، ولعلها كانت تغتذي بماء زمزم فيكفيها عن الطعام والشراب (حتى مرت بهم رفقة) بضم الراء جماعة مختلطون (من جرهم) بضم الجيم والهاء بينهما راء ساكنة غير منصرف
стр. 2254
حيّ من اليمن وكانت جرهم يومئذٍ قريبًا من مكة (أو أهل بيت من جرهم) حال كونهم (مقبلين) متوجهين (من طريق كداء) بفتح الكاف ممدودًا. قال في الفتح: وهو في جميع الروايات كذلك وهو أعلى مكة. نعم في رواية ابن عساكر كما في اليونينية كدى بضم الكاف والقصر، ولعل الحافظ ابن حجر لم يقف عليها. (فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرًا عائفًا) بالعين المهملة والفاء وهو الذي يتردّد على الماء ويحوم حوله ولا يمضي عنه (فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء لعهدنا) بلام مفتوحة للتأكيد (بهذا الوادي) ظرف مستقر لا لغو (وما فيه ماء) الواو للحال (فأرسلوا جريًّا) بجيم مفتوحة وراء مكسورة فتحتية مشدّدة رسولاً واحدًا لينظر هل هناك ماء أم لا (أو جريين) رسولين اثنين وسمى الرسول جريًّا لأنه يجري مجرى مرسله أو يجري مسرعًا في حاجته والشك من الراوي (فإذا هم) الجريّ أو الجريان ومن تبعهما (بالماء فرجعوا) إلى جرهم (فأخبروهم بالماء فأقبلوا) إلى جهة الماء (قال: وأم إسماعيل) كائنة (عند الماء فقالوا) لها: (أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت): ولأبي ذر قالت (نعم) أذنت لكم في النزول (ولكن لا حق لكم في الماء. فقالوا: نعم). لا حق لنا فيه.
(قال ابن عباس) بالسند السابق: (قال النبي ﷺ : فألفى) بهمزة مفتوحة وسكون اللام وفتح الفاء أي وجد (ذلك) الحي الجرهمي (أم إسماعيل) بنصب أم مفعول الحي كما قرره في
الكواكب. وقال في العمدة فاعل فألفى قوله ذلك وأم إسماعيل مفعوله وذلك إشارة إلى استئذان جرهم، والمعنى فألفى استئذان جرهم بالنزول أم إسماعيل (وهي) أي والحال أنها (تحب الأنس) بضم الهمزة ضدّ الوحشة ويجوز كسرها وهو الذي في الفرع كأصله أي تحب جنسها (فنزلوا) عندها (وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم) بمكة (حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلام) إسماعيل بين والدان جرهم (وتعلم العربية منهم) ظاهره يعارض حديث ابن عباس المروي في مستدرك الحاكم أوّل من نطق بالعربية إسماعيل. وأجيب: بأن المعنى أوّل من تكلم بالعربية من ولد إبراهيم إسماعيل، وروى الزبير بن بكار في النسب من حديث علي بإسناد حسن: أوّل من فتق الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل. قال في الفتح: وبهذا القيد يجمع بين الخبرين فتكون أوّليته في ذلك بحسب الزيادة في البيان لا الأوّلية المطلقة، فيكون بعد تعلمه أصل العربية من جرهم ألهمه الله العربية الفصيحة المبينة فنطق بها قال: ويشهد لهذا ما حكى ابن هشام عن الشرقي بن قطامي أن عربية إسماعيل كانت أفصح من عربية يعرب بن قحطان وبقايا حمير وجرهم (وأنفسهم) بفتح الفاء والسين عطف على تعلم أي رغبهم فيه وفي مصاهرته. يقال: أنفسني فلان في كذا أي رغبني فيه. وقال في المصابيح: أي صار نفيسًا فيهم رفيعًا يتنافس في الوصول إليه ويرغبون فيه وفي مصاهرته.
وقوله في الفتح: وأنفسهم بفتح الفاء بلفظ أفعل التفضيل من النفاسة تعقبه في العمدة فقال إنه غلط وليس هو إلاّ فعلاً ماضيًا من الإنفاس والفاعل فيه إسماعيل. (وأعجبهم حين شب فلما أدرك) الحل (زوّجوه امرأة منهم) اسمها عمارة بنت سعد بن أسامة فيما قاله ابن إسحاق أو هي الجداء بنت سعد فيما قاله السهيلي والمسعودي أو حيي بنت أسعد بن عملق فيما قاله عمر بن شبة (وماتت أم إسماعيل) قيل ولها من العمر تسعون سنة ودفنها بالحجر (فجاء إبراهيم) ﵊ (بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته) بكسر الراء أي يتفقد حال ما تركه هناك، واستدل بعضهم بهذا على أن الذبيح إسحاق محتجًا بأن إبراهيم ترك إسماعيل رضيعًا وعاد إليه وقد تزوج لأن الذبح كان في الصغر في حياة أمه قبل تزوجه فلو كان إسماعيل الذبيح لذكره بين زمان الرضاع والتزويج. وأجيب: بأنه ليس في الحديث نفي مجيئه بين الزمانين، وفي حديث أبي جهم أن إبراهيم كان يزور هاجر كل شهر على البراق يغدو غدوة فيأتي مكة ثم يرجع فيقيل في منزله بالشأم. (فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا) أي
стр. 2255
يطلب لنا الرزق (ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت) له (نحن بشرّ نحن في ضيق وشدة فشكت إليه قال) إبراهيم ﵇ لها: (إذا جاء زوجك) إسماعيل (فاقرئي) بفتح الراء ﵇ ولأبي ذر اقرئي بحذف الفاء (وقولي له: يغير بابه) بفتح الغين المهملة والفوقية والموحدة كناية عن المرأة. (فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئًا) بفتح الهمزة الممدودة والنون وفي رواية فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه (فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا) وفي رواية عطاء بن السائب عند عمر بن شبة كالمستخفة بشأنه (فسألنا عنك) بفتح اللام (فأخبرته) أنك خرجت تبتغي لنا
(وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد) بفتح الجيم (وشدة قال) إسماعيل: (فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم. أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول لك غير عتبة بابك. قال: ذاك) بكسر الكاف (أبي) إبراهيم (وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك) بفتح الحاء المهملة (فطلقها وتزوج منهم) أي من جرهم (أخرى) اسمها أسامة بنت مهلهل فيما قاله المسعودي تبعًا للواقدي أو بشامة بموحدة فمعجمة مخففة بنت مهلهل بن سعد بن عوف أو عاتكة وعن ابن إسحاق فيما حكاه ابن سعد رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمية وقيل غير ذلك (فلبث) بكسر الموحدة (عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده) أي لم يجد إسماعيل (فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا) الرزق (قال: كيف أنتم وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة) بفتح المهملة (وأثنت على الله) خيرًا بما هو أهله (فقال) لها: (ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال فما شرابكم؟ قالت: الماء) وزاد في حديث أبي الجهم اللبن (قال) إبراهيم: (اللهم بارك لهم في اللحم والماء قال النبي ﷺ : ولم يكن لهم يومئذٍ حب) حنطة أو نحوها (ولو كان لهم دعا لهم فيه قال: فهما) أي اللحم والماء (لا يخلو عليهما) بالخاء المعجمة وللكشميهني كما في الفتح لا يخلوان بالتثنية وقال ابن القطوية: خلوت بالشيء واختليت به إذا لم أخلط به غيره، ويقال خلى الرجل اللبن إذا شرب غيره. وقال الكرماني أي لا يعتمدهما (أحد) ويداوم عليهما (بغير مكة إلا لم يوافقاه) لما ينشأ عنهما من انحراف المزاج إلا في مكة فإنهما يوافقانه وهذا من جملة بركاتها وأثر دعاء الخليل ﵇.
وفي حديث أبي جهم: ليس أحد يخلو على اللحم والماء بغير مكة إلا اشتكى بطنه، وزاد في حديثه فقالت له: انزل رحمك الله فاطعم واشرب. قال: إني لا أستطيع النزول. قالت: فإني أراك شعثًا أفلا أغسل رأسك وأدهنه؟ قال: بلى إن شئت فجاءته بالمقام وهو يومئذٍ أبيض مثل المهاة وكان في بيت إسماعيل ملقى فوضع قدمه اليمنى وقدم إليها شق رأسه وهو على دابته فغسلت شق رأسه الأيمن، فلما فرغ حوّلت له المقام حتى وضع قدمه اليسرى وقدم إليها برأسه فغسلت شق رأسه الأيسر، فالأثر الذي في المقام من ذلك ظاهر فيه موضع العقب والإصبع.
(قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه¬ السلام ومريه يثبت عتبة بابه) ثم مضى إبراهيم (فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه) خيرًا (فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير) وسعة (قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم. هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك) زاد أبو جهم في حديثه فإنها صلاح المنزل (قال) إسماعيل لها (ذاك أبي) بكسر الكاف (وأنت العتبة أمرني أن أمسكك) زاد أبو جهم ولقد كنت عليّ كريمة ولقد ازددت عليّ كرامة فولدت لإسماعيل عشرة ذكور (ثم لبث عنهم) إبراهيم (ما شاء الله ثم جاء) إليهم (بعد ذلك وإسماعيل يبري) بفتح التحتية وسكون الموحدة وكسر الراء من غير همز (نبلاً له) بفتح النون وسكون الموحدة أي سهمًا قبل أن يركب فيه نصله وريشه وهو السهم العربي (تحت دوحة) بفتح الدال والحاء المهملتين بينهما واو ساكنة شجرة وهي
التي نزل إسماعيل وأمه تحتها أوّل ما قدما مكة كما مرّ (قريبًا من زمزم
стр. 2256
فلما رآه) إسماعيل (قام إليه صنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد) من الاعتناق والمصافحة وتقبيل اليد ونحو ذلك. وفي رواية معمر قال: سمعت رجلاً يقول بكيا حتى أجابهما الطير (ثم قال) إبراهيم ﵇ (يا إسماعيل إن الله) (أمرني بأمر. قال) إسماعيل (فاصنع ما أمرك) به (ربك. قال: وتعينني)؟ عليه (قال: وأعينك) ولأبي ذر عن الكشميهني فأعينك (قال) إبراهيم: (فإن الله أمرني أن ابني هاهنا بيتًا وأشار إلى أكمة) بفتح الهمزة والكاف والميم إلى رابية (مرتفعة على ما حولها قال: فعند ذلك رفعا) إبراهيم وإسماعيل ولأبي ذر رفع بالإفراد أي إبراهيم (القواعد من البيت) جمع قاعدة وهي الأساس صفة غالبة من القعود بمعنى الثبات ورفعها البناء عليها فإنه ينقلها عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع (فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء) زاد أبو جهم وجعل طوله في السماء تسعة أذرع وعرضه في الأرض يعني دوره ثلاثين ذراعًاً كان ذلك بذراعهم (جاء) أي إسماعيل (بهذا الحجر) حجر المقام (فوضعه له) للخليل (فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع﴾) لدعائنا (﴿العليم﴾) ببنائنا (قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾) وقد قيل: ليس في العالم بناء أشرف من الكعبة لأن الآمر بمعمارته رب العالمين، والمبلغ والمهندس جبريل الأمين، والباني هو الخليل والتلميذ المعين إسماعيل.
٣٣٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "لَمَّا كَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَبَيْنَ أَهْلِهِ مَا كَانَ خَرَجَ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّ إِسْمَاعِيلَ، وَمَعَهُمْ شَنَّةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تَشْرَبُ مِنَ الشَّنَّةِ فَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَوَضَعَهَا تَحْتَ دَوْحَةٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاتَّبَعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ حَتَّى لَمَّا بَلَغُوا كَدَاءً نَادَتْهُ مِنْ وَرَائِهِ: يَا إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَنْ تَتْرُكُنَا؟ قَالَ: إِلَى اللَّهِ. قَالَتْ: رَضِيتُ بِاللَّهِ. قَالَ: فَرَجَعَتْ فَجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنَ الشَّنَّةِ وَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا، حَتَّى لَمَّا فَنِيَ الْمَاءُ قَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أَحَدًا. قَالَ: فَذَهَبَتْ فَصَعِدَتِ الصَّفَا فَنَظَرَتْ وَنَظَرَتْ هَلْ تُحِسُّ أَحَدًا؟ فَلَمْ تُحِسَّ أَحَدًا. فَلَمَّا بَلَغَتِ الْوَادِيَ سَعَتْ وَأَتَتِ الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ أَشْوَاطًا، ثُمَّ قَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ مَا فَعَلَ -تَعْنِي الصَّبِيَّ- فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ فَإِذَا هُوَ عَلَى حَالِهِ كَأَنَّهُ يَنْشَغُ لِلْمَوْتِ، فَلَمْ تُقِرَّهَا نَفْسُهَا، فَقَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أَحَدًا، فَذَهَبَتْ فَصَعِدَتِ الصَّفَا فَنَظَرَتْ وَنَظَرَتْ فَلَمْ تُحِسَّ أَحَدًا، حَتَّى أَتَمَّتْ سَبْعًا، ثُمَّ قَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ مَا فَعَلَ، فَإِذَا هِيَ بِصَوْتٍ، فَقَالَتْ: أَغِثْ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ خَيْرٌ، فَإِذَا جِبْرِيلُ، قَالَ: فَقَالَ بِعَقِبِهِ هَكَذَا، وَغَمَزَ عَقِبَهُ عَلَى الأَرْضِ، قَالَ: فَانْبَثَقَ الْمَاءُ، فَدَهَشَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَجَعَلَتْ تَحْفِرُ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: لَوْ تَرَكَتْهُ كَانَ الْمَاءُ ظَاهِرًا، قَالَ: فَجَعَلَتْ
تَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ وَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا. قَالَ فَمَرَّ نَاسٌ مِنْ جُرْهُمَ بِبَطْنِ الْوَادِي فَإِذَا هُمْ بِطَيْرٍ، كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَاكَ، وَقَالُوا: مَا يَكُونُ الطَّيْرُ إِلاَّ عَلَى مَاءٍ، فَبَعَثُوا رَسُولَهُمْ فَنَظَرَ، فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ، فَأَتَاهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ، فَأَتَوْا إِلَيْهَا فَقَالُوا: يَا أُمَّ إِسْمَاعِيلَ أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَكُونَ مَعَكِ، أَوْ نَسْكُنَ مَعَكِ؟ فَبَلَغَ ابْنُهَا فَنَكَحَ فِيهِمُ امْرَأَةً. قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ لأَهْلِهِ: إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي. قَالَ: فَجَاءَ فَسَلَّمَ فَقَالَ: أَيْنَ إِسْمَاعِيلُ؟ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: ذَهَبَ يَصِيدُ. قَالَ: قُولِي لَهُ إِذَا جَاءَ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ. فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ، قَالَ: أَنْتِ ذَاكِ، فَاذْهَبِي إِلَى أَهْلِكِ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ لأَهْلِهِ: إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي. قَالَ فَجَاءَ فَقَالَ: أَيْنَ إِسْمَاعِيلُ؟ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: ذَهَبَ يَصِيدُ، فَقَالَتْ: أَلَا تَنْزِلُ فَتَطْعَمَ وَتَشْرَبَ؟ فَقَالَ: وَمَا طَعَامُكُمْ، وَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتْ: طَعَامُنَا اللَّحْمُ وَشَرَابُنَا الْمَاءُ -قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : بَرَكَةٌ بِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ لأَهْلِهِ: إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي، فَجَاءَ فَوَافَقَ إِسْمَاعِيلَ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ يُصْلِحُ نَبْلاً لَهُ، فَقَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ رَبَّكَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا. قَالَ: أَطِعْ رَبَّكَ. قَالَ: إِنَّهُ أَمَرَنِي أَنْ تُعِينَنِي عَلَيْهِ، قَالَ: إِذًا أَفْعَلَ -أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ: فَقَامَا فَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، وَيَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو) بفتح العين وسكون الميم العقدي (قال: حدّثنا إبراهيم بن نافع) المخزومي المكي (عن كثير بن كثير) بالمثلثة فيهما ابن المطلب بن أبي وداعة (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄¬) أنه (قال: لما كان بين إبراهيم) الخليل (وبين أهله) سارة، وسقط وبين لابن عساكر (ما كان) من جنس الخصومة لما داخل سارة من الغيرة بسبب ولادة هاجر إسماعيل (خرج) إبراهيم (بإسماعيل وأم إسماعيل) إلى مكة (ومعهم شنة) بفتح الشين المعجمة والنون المشددة قربة يابسة (فيها ماء فجعلت أم إسماعيل) هاجر (تشرب من الشنة فيدرّ لبنها) بفتح الياء وكسر الدال المهملة (على صبيها حتى قدم مكة فوضعها) هي وإسماعيل (تحت دوحة) شجرة زاد في الرواية السابقة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذٍ أحد وليس بها ماء (ثم رجع إبراهيم إلى أهله فاتبعته) بتشديد الفوقية (أم إسماعيل) ومعها إسماعيل (حتى لما بلغوا كداء) بفتح الكاف والدال المهملة ممدودًا أعلى مكة ولأبي ذر وابن عساكر كدى بضم الكاف وتنوين الدال مفتوحة من غير همز والذي في اليونينية كدى من غير تنوين (نادته) هاجر (من ورائه يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله). (قالت: رضيت بالله. قال: فرجعت) إلى موضعها الأوّل (فجعلت تشرب من الشنة ويدرّ لبنها على صبيها) أي إسماعيل (حتى لما فني الماء) وانقطع لبنها (قالت: لو ذهبت فنظرت لعلّي أحس أحدًا) أي أشعر به أو أراه (قال: فذهبت) ولأبي ذر إسقاط لفظ قال (فصعدت الصفا) بكسر العين (فنظرت ونظرت هل تحس أحدًا فلم تحس أحدًا) فهبطت من الصفا (فلما بلغت الوادي
سعت) سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي (وأتت) بالواو ولأبي ذر أتت (المروة) فقامت عليها ونظرت هل تحس أحدًا فلم تحس أحدًا (ففعلت) ولأبي ذر وفعلت (ذلك أشواطًا) سبعة (ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل تعني الصبي) إسماعيل (فذهبت فنظرت) إليه (فإذا هو على حاله كأنه ينشغ) بتحتية مفتوحة فنون ساكنة فشين مفتوحة فغين معجمتين يشهق من صدره (للموت) من شدة ما يرد عليه (فلم تقرها نفسها) بضم المثناة الفوقية وكسر القاف وتشديد الراء ونفسها رفع على الفاعلية أي لم تتركها نفسها مستقرّة فتشاهده في حال الموت (فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلّي أحس أحدًا، فذهبت فصعدت الصفا فنظرت ونظرت فلم تحس
стр. 2257
أحدًا حتى أتمت سبعًا ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل) تعني ولدها (فإذا هي بصوت فقالت: أغث إن كان عندك خير فإذا جبريل) عند موضع زمزم، وفي حديث علّي عند الطبري بإسناد حسن: فناداها جبريل، فقال: من أنت؟ قالت: أنا هاجر أم ولد إبراهيم. قال: فإلى من وكلكما؟ قالت: إلى الله. قال: وكلكما إلى كافٍ. (قال فقال بعقبه) أشار بها (هكذا وغمز) بغين وزاي معجمتين (عقبه على الأرض قال فانبثق) بهمزة وصل فنون ساكنة فموحدة فمثلثة مفتوحتين فقاف فانخرق (الماء) وتفجر (فدهشت أم إسماعيل) بفتح الدال والهاء، ولأبي ذر: فدهشت بكسر الهاء (فجعلت تحفر) بكسر الفاء آخره راء وللكشميهني تحفن بنون بدل الراء أي تملأ كفيها من الماء والأولى أوجه، ففي رواية عطاء بن السائب عند عمر بن شبة فعلت تفحص الأرض بيديها (قال فقال أبو القاسم ﷺ ¬):
(لو تركته كان الماء ظاهرًا) على وجه الأرض (قال: فجعلت تشرب من الماء ويدرّ لبنها على صبيها) بفتح الياء وكسر الدال (قال: فمرّ ناس من جرهم ببطن الوادي فإذا هم بطير) عائف (كأنهم أنكروا ذاك وقالوا: ما يكون الطير إلا على ماء) ولم يعهد هنا ماء (فبعثوا رسولهم فنظر) هو ومن معه من أتباعه (فإذا هم بالماء) ولأبي ذر فنظروا فإذا هو بواو الجمع وميمه ولأبي ذر أيضًا فنظر فإذا هو بالإفراد فيهما (فأتاهم فأخبرهم) بوجود الماء (فأتوا إليها فقالوا: يا أم إسماعيل أتأذنين لنا أن نكون معك أو نسكن معك)؟ شك من الراوي، وزاد في الرواية السابقة فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم فنزلوا وأرسلوا إلى أهليم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشبّ الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شبّ (فبلغ ابنها) الفاء فصيحة أي فأذنت فكان كذا فبلغ كما مرّ (فنكح فيهم امرأة) تسمى عمارة بنت سعد أو غيرها كما مر قريبًا (قال: ثم إنه بدا) ظهر (لإبراهيم) التوجه إليهما (فقال لأهله): سارة (إني مطلع) بضم الميم وتشديد الطاء (تركتي) أي ما تركته بمكة وهو إسماعيل وأمه، وعند الفاكهي من وجه آخر عن ابن جريج عن رجل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن سارة داخلتها غيرة فقال لها إبراهيم لا أنزل حتى أرجع إليك (قال فجاء) بعدما تزوّج إسماعيل فلم يجده (فسلم فقال) لامرأته: (أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد) وفي رواية ابن جريج وكان عيش إسماعيل الصيد يخرج فيتصيد وزاد المؤلّف في الرواية السابقة، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بشر نحن في ضيق وشدة فشكت إليه (قال) إبراهيم (قولي له) لإسماعيل (إذا جاء
غيِّر عتبة بابك) ولأبي ذر وابن عساكر بيتك بدل بابك (فلما جاء) إسماعيل (أخبرته) بذلك (قال) ولأبي ذر فقال (أنت ذاك) المراد بالعتبة أمرني بطلاقك (فاذهبي إلى أهلك) زاد في الرواية السابقة فطلقها وتزوج منهم أخرى (قال: ثم إنه بدا لإبراهيم) التوجه إلى إسماعيل بمكة (فقال لأهله) زوجته (إني مطلع تركتي قال فجاء) منزل إسماعيل (فقال أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد فقالت ألا) بالتخفيف (تنزل فتطعم وتشرب فقال) لها: (وما طعامكم وما شرابكم؟ قالت) له: (طعامنا اللحم وشرابنا الماء. قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم قال فقال أبو القاسم ﷺ : بركة) أي في طعام مكة وشرابها بركة ففيه حذف (بدعوة إبراهيم ﷺ ¬) بضمير التثنية أي نبينا وإبراهيم وثبتت التصلية لأبي ذر (قال ثم إنه بدا لإبراهيم) التوجه لمكة (فقال لأهله: إني مطلع تركتي فجاء) لمكة (فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نبلاً له) بفتح النون وسكون الموحدة سهامًا عربية بغير نصل ولا ريش (فقال يا إسماعيل إن ربك أمرني أن أبني له بيتًا) هاهنا (قال) إسماعيل: (أطع ربك. قال: إنه قد أمرني أن تعينني عليه. قال) إسماعيل: (إذن أفعل) نصب (أو كما قال قال فقاما فجعل إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾ [البقرة: ١٢٧] قال حتى ارتفع البناء
стр. 2258
وضعف الشيخ) إبراهيم ﵇ (على) ولأبي ذر عن الكشميهني: عن (نقل الحجارة فقام على حجر المقام فجعل) إسماعيل (يناوله الحجارة ويقولان: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾) وفي حديث عثمان ونزل عليه الركن والمقام، فكان إبراهيم يقوم على المقام يبني عليه ويرفعه إسماعيل، فلما بلغ الموضع الذي فيه الركن وضعه يومئذٍ موضعه وأخذ المقام فجعله لاصقًا بالبيت فلما فرغ إبراهيم من بناء الكعبة جاءه جبريل فأراه المناسك كلها، ثم قام إبراهيم على المقام فقال: يا أيها الناس أجيبوا ربكم فوقف إبراهيم وإسماعيل تلك المواقف وحجه إبراهيم وسارة من بيت المقدس ثم رجع إبراهيم إلى الشام فمات بالشام زاد في نسخة الصغاني هنا لفظ باب وسقط لغيره.
١٠ - باب
٣٣٦٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ ﵁ قَالَ: "قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ. قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَىٌّ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الأَقْصَى قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً. ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ، فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ".
[الحديث ٣٣٦٦ - طرفه في: ٣٤٢٥].
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا إبراهيم التيمي عن أبيه) يزيد بن شريك بن طارق التيمي أنه (قال: سمعت أبا ذر ﵁ قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في
الأرض أوّل)؟ بفتح اللام غير منصرف ولأبي ذر أوّل بضمها ضمة بناء لقطعها عن الإضافة كما بنيت قبل وبعد قال أبو البقاء وهو الوجه والتقدير أوّل كل شيء ويجوز النصب منصرفًا أي أي مسجد وضع أوّلاً للصلاة (قال) ﵊:
(المسجد الحرام قال) أبو ذر: (قلت) يا رسول الله: (ثم أيّ)؟ بالتنوين مشدّدًا أي ثم أي مسجد وضع بعد المسجد الحرام (قال) ﵊: (المسجد الأقصى) مسجد بيت المقدس بني بعده وسمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين الكعبة أو لأنه لم يكن وراءه مسجد أو لبعده عن الأقذار والخبائث (قلت) يا رسول الله: (كم كان (١) بينهما)؟ أي كم بين بناءي المسجدين (قال) ﵊: بينهما (أربعون سنة) استشكل بأن الخليل بنى الكعبة وسليمان بنى الأقصى وبينهما أكثر من أربعين سنة. وأجيب: بأنه لا دلالة في الحديث على أن الخليل وسليمان ابتدآ وضعهما لهما بل إنما جددا ما كان أسسه غيرهما، فليس إبراهيم أول من بنى الكعبة ولا سليمان أول من بنى الأقصى وبناء آدم للكعبة مشهور، فجائز أن يكون لما فرغ آدم من بناء الكعبة وانتشر ولده في الأرض بنى بعضهم المسجد الأقصى، وفي كتاب التيجان لابن هشام: أن آدم بنى الكعبة أمره الله تعالى بالمسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه فبناه ونسك فيه.
(ثم أينما أدركتك الصلاة بعد) أي بعد إدراك وقتها (فصلّه) بهاء السكت وللكشميهني: فصلِّ (فإن الفضل فيه) أي في فعل الصلاة إذا حضر وقتها زاد من وجه آخر عن الأعمش والأرض لك مسجدًا.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في. . . . . . (٢). . . . . . . ومسلم في الصلاة والنسائي فيه وفي التفسير وابن ماجه في الصلاة.
٣٣٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ فَقَالَ: هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا». رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بفتح الميم واللام القعنبي (عن مالك) الإمام الأعظم (عن عمرو بن أبي عمرو) بفتح العين فيهما واسمه ميسرة (مولى المطلب) بن عبد الله بن حنطب القرشي المخزومي (عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ طلع) ظهر (له أُحد) بضم الهمزة والحاء المهملة جبل معروف بالمدينة (فقال):
(هذا جبل يحبنا) حقيقة أو مجازًا أو هو من باب الإضمار أي يحبنا أهله (ونحبه اللهم إن إبراهيم حرم مكة) إسناد التحريم إليه لأنه مبلغه وإلاّ فهي حرام بحرمة الله يوم خلق السماوات
والأرض كما ثبت في حديث آخر عند المؤلّف (وإني أحرم ما بين لابتيها). بتخفيف الموحدة تثنية لابة وهي الحرة الأرض ذات الحجارة السود.
وهذا الحديث مرّ في كتاب الجهاد في باب فضل الخدمة في الغزو (ورواه) أي الحديث المذكور وثبتت الواو لأبي ذر (عبد الله بن زيد) الأنصاري فيما وصله في البيوع في باب بركة صاع النبي ﷺ (عن النبي ﷺ ¬).
هذا آخر المجلدة الأولى من اليونينية كما رأيته بهامش الفرع بخط الشيخ شمس الدين المزي الحريري.
٣٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ ﵃ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقَالَ: لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ إِلاَّ أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ». وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف)
стр. 2259
التنيسي قال: أخبرنا مالك الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سالم بن عبد الله) بن عمر (أن ابن أبي بكر) هو عبد الله بن أبي بكر الصدّيق (أخبر عبد الله بن عمر عن عائشة ﵃ زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال) لها:
(ألم تري أن قومك) قريشًا (بنوا الكعبة) ولأبي ذر عن الكشميهني: لما بنوا الكعبة (اقتصروا عن قواعد إبراهيم) جمع قاعدة وهي الأساس (فقلت يا رسول الله ألا تردّها على قواعد إبراهيم؟ فقال) ﵊ (لولا حدثان قومك) قريش بكسر الحاء وسكون الدال المهملتين وفتح المثلثة مبتدأ خبره محذوف وجوبًا أي موجود أي قرب عهدهم (بالكفر) زاد في الحج: لفعلت: (فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة) ﵂ (سمعت هذا من رسول الله ﷺ ¬) الترديد للتقرير لا للشك والتضعيف (ما أرى) بضم الهمزة ما أظن (أن رسول الله ﷺ ¬) وسقط لغير الحموي والمستملي لفظ أن (ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر) بكسر المهملة وسكون الجيم (إلا أن البيت لم يتمم) ما نقص منه وهو الركن الذي كان في الأصل (على قواعد إبراهيم) ﵇ فالموجود الآن فى جهة الحجر بعض الجدار الذي بنته قريش.
(وقال إسماعيل) بن أبي أويس في روايته لهذا الحديث (عبد الله بن أبي بكر) فبين أن ابن
أبي بكر المذكور في الرواية السابقة هو عبد الله، وقد أورد المؤلّف حديث إسماعيل هذا في التفسير، وقوله وقال إسماعيل الخ ثابت لأبي ذر عن المستملي والكشميهني.
٣٣٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ﵁: «أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
[الحديث ٣٣٦٩ - طرفه في: ٦٣٦٠].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك بن أنس) الإمام الأعظم وسقط ابن أنس لأبي ذر (عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي (عن أبيه) أبي بكر (عن عمرو بن سليم) بفتح العين كالسابق وسليم بضم السين مصغرًا (الزرقي) بضم الزاي وفتح الراء بعدها قاف مكسورة أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو حميد) عبد الرَّحمن (الساعدي ﵁ أنهم) أي الصحابة ﵃ (قالوا) ولأبي الوقت وابن عساكر أنه أي أبا حميد الساعدي قال: (يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله ﷺ ¬):
(قولوا اللهم صلّ على محمد) صلاة تليق به (وأزواجه وذريته) نسله أولاد بنته فاطمة ﵂ صلاة تليق بهم (كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد).
وعند ابن ماجه: كما باركت على آل إبراهيم في العالمين، ولفظ الآل مقحم: والمعنى كما سبقت منك الصلاة على إبراهيم نسألك الصلاة على سيدنا محمد بطريق الأولى، وبهذا التقرير يندفع الإيراد المشهور وهو أن من شرط التشبيه أن يكون المشبه به أقوى، والحاصل من الجواب أن التشبيه هنا ليس من باب إلحاق الكامل بالأكمل بل من باب التهييج ونحوه، والمراد بالبركة النموّ والزيادة من الخير والكرامة أو التطهير من العيوب والتزكية، أو المراد ثبات ذلك ودوامه واستمراره من قولهم: بركت الإبل أي ثبتت على الأرض، وبه جزم أبو اليمن ابن عساكر فيما حكاه شيخنا فقال: وبارك أي فأثبت وأدم لهم ما أعطيتهم من الشرف والكرامة. قال شيخنا: ولم يصرح أحد بوجوب قوله وبارك على محمد فيما عثرنا عليه غير أن ابن حزم ذكر ما يفهم وجوبها في الجملة فقال: على المرء أن يبارك عليه ولو مرة في العمر، وأن يقولها بلفظ خبر ابن مسعود أو حميد أو كعب. وظاهر كلام صاحب المغني من الحنابلة وجوبها في الصلاة فإنه قال: وصفة الصلاة كما ذكرها الخرقي والخرقي إنما ذكر ما اشتمل عليه حديث كعب ثم قال: وإلى هنا انتهى الوجوب.
والظاهر أن أحدًا من الفقهاء لا يوافق على ذلك قاله المجد الشيرازي.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الدّعوات ومسلم في الصلاة وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجه.
٣٣٧٠ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ حَدَّثَنَا أَبُو قُرَّةَ مُسْلِمُ بْنُ سَالِمٍ الْهَمْدَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ: «لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقُلْتُ: بَلَى فَاهْدِهَا لِي، فَقَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ. قَالَ: قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
[الحديث ٣٣٧٠ - طرفاه في: ٤٧٩٧، ٦٣٥٧].
وبه قال: (حدّثنا قيس بن حفص) أبو محمد الدارمي مولاهم البصري
стр. 2260
(وموسى بن إسماعيل) أبو سلمة المنقري (قالا: حدّثنا عبد الواحد بن زياد) العبدي مولاهم البصري قال: (حدّثنا أبو فروة) بالفاء المفتوحة والراء الساكنة بعدها واو (مسلم بن سالم الهمداني) بفتح الهاء وسكون الميم بالدال المهملة ونقل الكرماني عن الغساني أنه قال: يروى عن أحمد أن اسم أبي فروة عروة لا مسلم اهـ.
وفي تقريب التهذيب عروة بن الحرث الكوفي أبو فروة الأكبر ومسلم بن سالم النهدي أبو فروة الأصغر الكوفي ويقال له الجهني لنزوله فيهم فهما اثنان لكن الموافق للهمداني عروة فليتأمل. (قال: حدثني) بالإفراد (عبد الله بن عيسى) بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى أنه (سمع) جده (عبد الرَّحمن بن أبي ليلى) بفتح اللامين الأنصاري المدني ثم الكوفي (قال: لقيني كعب بن عجرة) بضم العين وفتح الراء المهملتين بينهما جيم ساكنة البلوي حليف الأنصار، وعند الطبري وهو يطوف بالبيت (فقال: ألا أهدي) بضم الهمزة (لك هدية سمعتها من النبي ﷺ فقلت) له (بلى فأهدها لي) بقطع الهمزة (فقال: سألنا) بسكون اللام (رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاة) أي كيف لفظ الصلاة عليكم أهل البيت بنصب أهل علي الاختصاص (فإن الله قد علمنا كيف نسلم) زاد الكشميهني عليكم يعني في التشهد وهو قول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، والمعنى علمنا الله كيفية السلام عليك على لسانك وبواسطة بيانك (قال):
(قولوا اللهم) أي يا الله (صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إِبراهيم إنك حميد مجيد) والأمر للوجوب (اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم) ولغير أبي ذر وعلى آل إبراهيم (إنك حميد مجيد) والمرجح أن المراد بآل
محمد هنا من حرمت عليهم الصدقة، وقيل أهل بيته، وقيل أزواجه وذريته لأن أكثر طرق الحديث جاء بلفظ آل محمد. وفي حديث أبي حميد السابق موضعه وأزواجه وذريته فدلّ على أن المراد بالآل الأزواج والذرية. وتعقب بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة كما في حديث أبي هريرة عند أبي داود فلعل بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ غيره، والمراد بالآل في التشهد الأزواج ومن حرمت عليهم الصدقة وتدخل فيهم الذرية فبذلك يجمع بين الأحاديث. وقد أطلق ﷺ على أزواجه آل محمد كما في حديث عائشة ما شبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثة أيام. وقيل: الآل ذرية فاطمة خاصة حكاه النووي في المجموع، وقيل جميع قريش حكاه ابن الرفعة في الكفاية، وقيل جميع أمة الإجابة، ورجحه النووي في شرح مسلم وقيد القاضي حسين بالأتقياء منهم.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الدعوات والتفسير في الصلاة وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
٣٣٧١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْمِنْهَالِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ: إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ».
وبه قال: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة) نسبة لجده واسم أبيه محمد واسم أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد الرازي (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن المنهال) بكسر الميم وسكون النون ابن عمرو الأسدي الكوفي (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: كان النبي ﷺ يعوّذ الحسن والحسين) ابني فاطمة ويعوذ بالذال المعجمة (ويقول) لهما:
(إن أباكما) جدكما الأعلى إبراهيم ﵇ (كان يعوذ بها) بالكلمات الآتية إن شاء الله تعالى، ولأبي الوقت وابن عساكر: بهما بلفظ التثنية (إسماعيل وإسحاق) ابنيه وهي (أعوذ بكلمات الله) كلامه على الإطلاق أو المعوّذتين أو القرآن (التامة) صفة لازمة أي الكاملة أو النافعة أو الشافية أو المباركة (من كل شيطان) إنسي وجني (وهامة) بتشديد الميم واحدة الهوام ذوات السموم (ومن كل عين لامّة) بالتشديد أيضًا التي تصيب بسوء. وقال الخطابي: كل آفة تلم بالإنسان من جنون وخبل ونحوه كذا بالتاء في الثلاثة وبالهاء الساكنة.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في السنة والترمذي في الطب والنسائي في التعوذ وفي
стр. 2261
اليوم والليلة وابن ماجه في الطب.
١١ - باب قَوْلُهُ : ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٥١]
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٦٠]
هذا (باب) بالتنوين في قوله وملحق في اليونينية بعد باب بين الأسطر قوله (﴿ونبئهم﴾) أي وأخبر عبادي (﴿عن ضيف إبراهيم﴾) أي أضيافه جبريل وميكائيل وإسرافيل ودردائيل (﴿إذ دخلوا عليه﴾) [الحجر: ٥١] (الآية) وكانوا دخلوا مشاة في صورة رجال مرد حسان، فلما رآهم سرّ بهم فخرج إلى أهله فجاء بعجل سمين مشوي فقربه إليهم فأمسكوا أيديهم فقال: إنّا منكم وجلون. قالوا: (لا توجل) أي (لا تخف) وإنما خاف منهم لأنهم دخلوا بغير وقت وبغير إذن أو لأنهم امتنعوا من الأكل. فإن قيل: كيف سماهم ضيفًا مع امتناعهم من الأكل؟ أجيب: بأنه لما ظن إبراهيم أنهم إنما دخلوا عليه لطلب الضيافة جاز تسميتهم بذلك وقيل: إن من دخل دار إنسان والتجأ إليه سمي ضيفًا وإن لم يأكل. (﴿وإذ قال إبراهيم: رب أرني كيف تحيي الموتى﴾ إلى قوله ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠]) قال القرطبي: الاستفهام بكيف إنما هو سؤال عن حال شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسؤول نحو قولك كيف علم زيد وكيف نسج الثوب ونحو هذا فكيف في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء والإحياء متقرر اهـ.
وسقط لأبي ذر قوله ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ وثبت له سابقه في فرع اليونينية وفيها. وقال الحافظ ابن حجر بعد قوله باب قوله: ﴿ونبئهم عن ضيف إبراهيم﴾ الآية لا توجل لا تخف كذا اقتصر في هذا الباب على تفسير هذه الكلمة، وبذلك جزم الإسماعيلي وقال: ساق الآيتين بلا حديث، ثم قال الحافظ بعد قوله: ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى﴾ [البقرة: ٢٠٦] كذا وقع هذا الكلام لأبي ذر متصلاً بالباب، ووقع في رواية كريمة بدل قوله ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ وحكى الإسماعيلي أنه وقع عنده باب قوله ﴿وإذا قال إبراهيم﴾ الخ وسقط كل ذلك للنسفي، وصار حديث أبي هريرة تكملة الباب الذي قبله فكملت به الأحاديث عشرين حديثًا وهو متجه اهـ.
٣٣٧٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «نَحْنُ أَحَقُّ بالشَكّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ: أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ: بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ».
[الحديث ٣٣٧٢ - أطرافه في: ٣٣٧٥، ٣٣٨٧، ٤٥٣٧، ٤٦٩٤، ٦٩٩٢].
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن صالح) المصري قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن) بن عوف (وسعيد بن المسيب) كلاهما (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال) على سبيل التواضع.
(نحن أحق من إبراهيم) ولأبي ذر عن الكشميهني: نحن أحق بالشك من إبراهيم (إذ قال) لما رأى جيفة حمار مطروحة على شط البحر فإذا مدّ البحر أكل دواب البحر منها وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت، وإذا ذهبت جاءت الطيور فأكلت وطارت (﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾) أي كيف تجمع أجزاء الحيوان من بطون السباع والطيور ودواب البحر، أو لما ناظر نمروذ حين قال: ربي الذي يحيي ويميت، وقال الملعون: أنا أحيي وأميت وأطلق محبوسًا وأقتل رجلاً. فقال إبراهيم ﵇: إن إحياء الله تعالى برد الروح إلى بدنها. فقال نمروذ، فهل عاينته؟ فلم يقدر أن يقول نعم.
وانتقل إلى تقرير آخر فقال له نمروذ لعنه الله: قل لربك حتى يحيي وإلا قتلتك فسأل الله تعالى ذلك، وقيل: إن الله لما أوحى إليه أني متخذ بشرًا خليلاً فاستعظم إبراهيم ﵇ ذلك فقال: إلهي ما علامة ذلك؟ قال: إنه يحيي الموتى بدعائه فلما عظم مقام إبراهيم في العبودية خطر بباله أنه الخليل فسأل إحياء الموتى (﴿قال أو لم تؤمن﴾) بأني قادر على جمع الأجزاء المتفرقة أو على الإحياء بإعادة التركيب والروح إلى الجسد (﴿قال بلى﴾) آمنت (﴿ولكن﴾) سألت (﴿ليطمئن قلبي﴾) [البقرة: ٢٦٠] ليحصل الفرق بين المعلوم بالبرهان والمعلوم عيانًا أو ليطمئن قلبي بقوة حجتي، إذا قيل لي: أنت عاينت؟ أقول: نعم. أو ليطمئن قلبي بأني خليل لك، فظهر أن سؤال إبراهيم لم يكن شكًّا بل من قبيل زيادة العلم بالعيان فإن العيان يفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال. وعن الشافعي في معنى الحديث الشك يستحيل في حق إبراهيم ﵇ ولو كان الشك متطرقًا إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لكنت الأحق به من إبراهيم وقد علمتم أن إبراهيم لم يشك فإذا لم أشك
стр. 2262
أنا ولم أرتب في القدرة على الإحياء فإبراهيم أولى بذلك. وقال الزركشي وذكر صاحب الأمثال السائرة: إن أفعل تأتي في اللغة لنفي المعنى عن الشيئين نحو: الشيطان خير من زيد أي لا خير فيهما وكقوله تعالى: ﴿أهم خير أم قوم تبع﴾ [الدخان: ٣٧] أي لا خير في الفريقين وعلى هذا فمعنى قوله نحن أحق بالشك من إبراهيم لا شك عندما جميعًا قال وهو أحسن ما يتخرج عليه هذا الحديث اهـ.
وكذا نقله في الفتح، لكن عن بعض علماء العربية قال في المصابيح وهذا غير معروف عند المحققين.
(ويرحم الله لوطًا) اسم أعجمي وصرف مع المعجمة والعلمية لسكون وسطه (لقد كان يأوي) في الشدائد (إلى ركن شديد) إلى الله تعالى. وقال مجاهد إلى العشيرة، ولعله يريد لو أراد لأوى إليها ولكنه أوى إلى الله تعالى. وقال أبو هريرة: ما بعث الله نبيًّا إلا في منعة من عشيرته (ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف) بضع سنين ما بين الثلاث إلى التسع (لأجبت الداعي) لأسرعت الإجابة في الخروج من السجن ولما قدّمت طلب البراءة. قال محيي السنة: وصف ﷺ يوسف بالأناة والصبر حيث لم يبادر إلى الخروج حين جاءه رسول الملك فعل المذنب حين يعفى
عنه مع طول لبثه في السجن بل قال ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ [يوسف: ٥٠] أراد أن يقيم الحجة في حبسهم إياه ظلمًا فقال ﷺ على سبيل التواضع لا أنه ﵊ كان في الأمر منه مبادرة وعجلة لو كان مكان يوسف والتواضع لا يصغر كبيرًا ولا يضع رفيعًا ولا يبطل الذي حق حقًّا لكنه يوجب لصاحبه فضلاً ويكسبه إجلالاً وقدرًا. اهـ.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير ومسلم في الإيمان وفي الفضائل وابن ماجه في الفتن.
١٢ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]
(باب قول الله تعالى ﴿واذكر في الكتاب﴾) في القرآن (﴿إسماعيل إنه كان صادق الوعد﴾) [مريم: ٥٤] قال ابن جريج: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها. قال ابن كثير: يعني ما التزم عبادة قط بنذر إلا قام بها ووفاها حقها. وعند ابن جرير عن سهل بن عقيل أن إسماعيل وعد رجلاً مكانًا أن يأتيه فجاء ونسي الرجل فظل به إسماعيل وبات حتى جاء الرجل من الغد فقال: ما برحت من هاهنا: قال: لا. قال: إني نسيت. قال: لم أكن لأبرح حتى تأتيني فلذلك كان صادق الوعد.
وقال سفيان الثوري: بلغني أنه أقام في ذلك المكان ينتظره حولاً حتى جاءه. وقال ابن شوذب بلغني أنه اتخذ ذلك الموضع مسكنًا، وناهيك أنه وعد الصبر على الذبح حيث قال ستجدني إن شاء الله من الصابرين فوفى به.
٣٣٧٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، ارموا وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ. قَالَ: فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ قَالَ: ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء الثقفي مولاهم البلخي قال: (حدّثنا حاتم) بالحاء المهملة وكسر الفوقية ابن إسماعيل الكوفي (عن يزيد بن أبي عبيد) بضم العين مصغرًا مولى سلمة بن الأكوع (عن سلمة بن الأكوع ﵁) أنه (قال: مرّ النبي) ولأبي ذر: رسول الله (¬ ﷺ على نفر) عدة من رجال من ثلاثة إلى عشرة (من أسلم) القبيلة المعروفة حال كونهم (ينتضلون) بالضاد المعجمة يترامون على سبيل المسابقة (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(ارموا بني إسماعيل) يا بني إسماعيل بن إبراهيم الخليل (فإن أباكم) إسماعيل وأطلق عليه أبا مجازًا لأنه جدهم الأبعد (كان راميًا وأنا مع بني فلان) يعني ابن الأدرع كما في حديث أبي
هريرة عند ابن حبان في صحيحه واسمه محجن كما في الطبراني ولأبي ذر ارموا وأنا مع بني فلان وله عن الحموي والمستملي مع ابن فلان (قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم) عن الرمي (فقال رسول الله ﷺ ما لكم لا ترمون؟ فقالوا: يا رسول الله نرمي وأنت معهم؟ قال) ولأبي الوقت فقال (ارموا وأنا) بالواو (معكم كلكم) بجر اللام تأكيدًا للضمير المجرور.
وهذا الحديث سبق في باب التحريض على الرمي من كتاب الجهاد.
١٣ - باب قِصَّةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ﵉. فِيهِ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -
(باب قصة إسحاق بن إبراهيم ﵉ ولأبي ذر: قصة إسحاق بن إبراهيم النبي ﷺ بإسقاط الباب ورفع قصة ولم يقل وسلم (فيه) أي في الباب (ابن عمر وأبو هريرة عن النبي ﷺ ¬) وكأنه يشير بحديث الأول إلى الآتي إن شاء الله تعالى في قصة يوسف،
стр. 2263
وبالثاني إلى الحديث المذكور في الباب اللاحق كذا قرره في الفتح ثم قال: وأغرب ابن التين فقال: لم يقف البخاري على سنده فأرسله وهو كلام من لم يفهم مقاصد البخاري ونحوه قول الكرماني قوله فيه أي في الباب حديث من رواية ابن عمر في قصة إسحاق بن إبراهيم ﵉ فأشار البخاري إليه إجمالاً ولم يذكره بعينه لأنه لم يكن على شرطه اهـ.
قال وليس الأمر كذلك لما بينته وتعقبه العيني فقال: هذه مناقشة باردة لأن كل من له أدنى فهم يفهم أن ما قاله ابن التين والكرماني هو الكلام الواقع في محله وكلامهما أوجه من كلامه المشتمل على التردد في قوله كأنه يشير الخ … فلينظر المتأمل الحاذق في حديث ابن عمر الذي في قصة يوسف هل يجد لما ذكره من الإشارة إليه وجهًا قريبًا أو بعيدًا؟ وأجاب الحافظ ابن حجر في انتقاض الاعتراض بأنه لما أورد في آخر قصة يوسف حديث ابن عمر الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبرهيم وكان معناه أن من جملة قصته أنه من أنبياء الله وأن النبي ﷺ سوّى بينه وبين من ذكر من آبائه في صفة الكريم فأشار إلى ذلك في قصة والده للتسوية المذكورة.
وأما حديث أبي هريرة الذي في الباب الذي يليه فإنه يشتمل على ما تضمنه حديث ابن عمر مع بيان سبب الحديث وغير ذلك من الزيادة فيه، وإنما قال في حق ابن التين إن كلامه يقتضي أنه ما فهم مقصد البخاري لأنه ادّعى وجود حديث يتعلق بقصة إسحاق بن إبراهيم وجده البخاري ولم يقف على سنده فذكره مرسلاً وليست هذه طريقة البخاري أنه يعتمد على حديث لم يقف على إسناده وأما الكرماني فقوله أقرب من قول ابن التين لأنه يقتضي إثبات وجود الحديث بسنده ومتنه لكنه ليس على شرط البخاري فلذلك علقه ولكنه لم يطرد ذلك من صنيعه لأنه لا
يقتصر في التعليق على ما لم يكن بشرطه بل تارة يكون بشرطه ويكون قد ذكره في مكان آخر وتارة لا يوجد إلا معلقًا وإن كان بشرطه وتارة لا يكون على شرطه اهـ.
١٤ - باب ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت﴾) أم هي المنقطعة والمنقطعة تقدر ببل وهمزة الاستفهام، وبعضهم يقدرها ببل وحدها ومعنى الإضراب انتقال من شيء إلى شيء لا إبطال له، ومعنى الاستفهام الإنكار والتوبيخ فيؤول معناه إلى النفي. أي: بل أكنتم شهداء يعني لم تكونوا حاضرين إذ حضر يعقوب الموت وقال لبنيه ما قال فلم تدعون اليهودية عليه، أو متصلة بمحذوف تقديره: أكنتم غائبين أم كنتم شهداء؟ وقيل: الخطاب للمؤمنين أي ما شهدتم ذلك وإنما علمتموه من الوحي، وقوله: إذ حضر منصوب بشهداء على أنه ظرف لا مفعول به أي شهداء وقت حضور الموت إياه وحضور الموت كناية عن حضور أسبابه ومقدماته ﴿إذ قال لبنيه﴾ [البقرة: ١٣٣] (الآية) إذ بدل من الأولى أو ظرف لحضر. قال عطاء: إن الله لم يقبض نبيًّا حتى يخيره بين الموت والحياة فلما خير يعقوب قال: أنظرني حتى أسأل ولدي وأوصيهم ففعل ذلك به وجمع ولده وولد ولده وقال لهم: قد حضر أجلي فما تعبدون من بعدي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، والعرب تجعل العم أبًا كما تسمي الخالة أمًا قال القفال: وقيل إنه قدم ذكر إسماعيل على إسحاق لأن إسماعيل كان أسنّ من إسحاق. وقوله: إذ قال لبنيه الخ … ثابت لأبي ذر ساقط لغيره وقالوا بعد قوله (﴿إذ حضر يعقوب الموت﴾) إلى قوله: (﴿ونحن له مسلمون﴾) أي مذعنون مخلصون.
٣٣٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ سَمِعَ الْمُعْتَمِرَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَكْرَمُهُمْ أَتْقَاهُمْ. قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ. قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِني؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا».
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه أنه (سمع المعتمر) بن سليمان بن طرخان (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قيل للنبي ﷺ من أكرم الناس)؟ عند الله (قال) ﵊:
(أكرمهم أتقاهم) أي أشدهم لله تقوى (قالوا: يا نبي الله ليس عن هذا نسألك. قال):
(فأكرم الناس يوسف نبي الله
стр. 2264
ابن نبي الله) إسحاق (ابن خليل الله) إبراهيم والمراد أنهم أكرم الناس أصلاً لأنهم سلسلة النبوة (قالوا: ليس عن هذا نسألك قال فعن) ولأبي ذر: أفعن (معادن العرب) أي أصولها التي ينسبون إليها "تسألوني"؟ ولأبي ذر تسألونني بنونين فتحتية (قالوا: نعم. قال فخياركم في الجاهلية خياركم) بالكاف فيهما (في الإسلام إذا فقهوا) بضم القاف ولأبي ذر فقهوا بكسرها وفيه فضل الفقه وأنه يرفع صاحبه على من نسبه أعلى منه.
وهذا الحديث سبق في باب قوله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾.
١٥ - باب ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٨٤ - ٨٨]
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه قوله تعالى في سورة النمل (﴿ولوطا﴾) نصب عطفًا على صالحًا أي وأرسلنا لوطًا أو عطفًا على الذين آمنوا أي وأنجينا لوطًا أو باذكر مضمرة (﴿إذ قال﴾) بدل على اذكر وظرف على أرسلنا. قال الطيبي: ولا يجوز أن يكون بدلاً إذ لا يستقيم أرسلنا وقت قوله: (﴿لقومه أتاتون الفاحشة﴾) الفعلة القبيحة والاستفهام إنكاري (﴿وأنتم تبصرون﴾) جملة حالية من فاعل تأتون أو من الفاحشة والعائد محذوف أي وأنتم تبصرونها لستم عميًا عنها جاهلين بها واقتراف القبائح من العالم بقبحها أقبح، وقيل يرى بعضكم بعضًا وكانوا لا يستترون عتوًّا منهم (﴿أئنكم لتأتون الرجال شهوة﴾) مفعول من أجله وبيان لإتيانهم الفاحشة (﴿من دون النساء﴾) اللاتي خلقن لذلك (﴿بل أنتم قوم تجهلون﴾) عاقبة المعصية أو موضع قضاء الشهوة.
وقول الزمخشري فإن قلت: فسرت تبصرون بالعلم وبعده بل أنتم قوم تجهلون فكيف يكونون علماء جهلاء؟ فالجواب: تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك تعقبه الطيبي فقال: هذا الجواب غير مرضي تأباه كلمة الإضراب، بل أنه تعالى لما أنكر عليهم فعلهم على الإجمال وسماه فاحشة وقيده بالحال المقررة لجهة الاشكال تتميمًا للإنكار بقوله: ﴿وأنتم تبصرون﴾ أراد مزيد ذلك التوبيخ والإنكار فكشف عن حقيقة تلك الفاحشة متصلاً، وصرح بذكر الرجال على بلام الجنس مشيرًا به إلى أن الرجولية منافية لهذه الحالة، وقيده بالشهوة التي هي أخس أحوال البهيمة. وقد تقرر عند ذوي البصائر أن إتيان النساء لمجرد الشهوة مسترذل فكيف بالرجال؟ وضم إليه من دون النساء وآذن بأن ذلك ظلم فاحش ووضع للشيء في غير موضعه، ثم اضرب عن الكل بقوله: ﴿بل أنتم قوم تجهلون﴾ أي كيف يقال لمن يرتكب هذه الشنعاء وأنتم تعلمون فأولى حرف الإضراب ضمير أنتم وجعلهم قومًا جاهلين والتفت في تجهلون موبخًا معيرًا اهـ.
ولما بيّن تعالى جهلهم بين أنهم أجابوا بما لا يصلح أن يكون جوابًا فقال: (﴿فقال كان جواب قومه﴾) خبر متقدم (﴿إلا أن قالوا﴾) في موضع الاسم (﴿أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون﴾) أي يتنزهون عن أفعالنا التي هي إتيان أدبار الرجال قالوه تهكمًا واستهزاء (﴿فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها﴾) قضينا عليها وجعلناها بتقديرنا (﴿من الغابرين﴾) من الباقين في العذاب (﴿وأمطرنا عليهم مطرًا﴾) وهو الحجارة (﴿فساء﴾) فبئس (﴿مطر المنذرين﴾) أي مطرهم فالمخصوص بالذم محذوف وسقط لأبي ذر قوله ﴿وأنتم تبصرون﴾ إلى آخر ﴿وأمطرنا عليهم مطرًا﴾ وقال بعد قوله ﴿أتأتون الفاحشة﴾ إلى قوله ﴿فساء مطر المنذرين﴾.
٣٣٧٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَغْفِرُ اللَّهُ لِلُوطٍ إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال):
(يغفر الله للوط إن كان) أي أنه كان (ليأوي إلى ركن شديد) إلى الله تعالى. وسبق هذا الحديث في باب قوله : ﴿ونبئهم عن ضيف إبراهيم﴾ [الحجر: ٥١].
١٦ - باب ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٢]. ﴿بِرُكْنِهِ﴾: بِمَنْ مَعَهُ لأَنَّهُمْ قُوَّتُهُ: ﴿تَرْكَنُوا﴾: تَمِيلُوا. فَأَنْكَرَهُمْ وَنَكِرَهُمْ وَاسْتَنْكَرَهُمْ وَاحِدٌ. ﴿يُهْرَعُونَ﴾: يُسْرِعُونَ، ﴿دَابِرٌ﴾: آخِرٌ. ﴿صَيْحَةٌ﴾: هَلَكَةٌ. ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾: لِلنَّاظِرِينَ. ﴿لَبِسَبِيلٍ﴾: لَبِطَرِيقٍ.
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى. (﴿فلما جاء آل لوط المرسلون﴾) أي الملائكة المرسلون من عند الله بعذاب قوم مجرمين ولم يعرّفوهم أنهم ملائكة (﴿قال﴾) لهم لوط (﴿إنكم قوم منكرون﴾) [الحجر: ٦١ - ٦٢] لأنهم لما هجموا عليه استنكرهم وخاف من دخولهم لأجل شرّ يوصلونه إليه (﴿بركنه﴾) [الذاريات: ٣٩] في قوله تعالى: ﴿وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان
стр. 2265
مبين فتولى بركنه﴾ [الذاريات: ٣٨ و ٣٩] أي أدبر عن الإيمان (بمن معه) من قومه (لأنهم قوّته) التي كان يتقوى بها كالركن الذي يتقوى به البنيان كقوله تعالى: ﴿أو آوي إلى ركن شديد﴾ [هود: ٨٠] وذكره المؤلّف هنا استطرادًا لقوله في قصة لوط أو آوي إلى ركن شديد (﴿تركنوا﴾) في قوله تعالى: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا﴾ [هود: ١١٣] أي لا (تميلوا) وذكرها استطرادًا أيضًا (فأنكرهم ونكرهم واستنكرهم واحد) في المعنى، وهذا قول أبي عبيدة في قوله تعالى: ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليهم نكرهم﴾ [هود: ٧٠] واعترض هذا بأن الإنكار من
إبراهيم غير الإنكار من لوط لأن إبراهيم أنكرهم لما لم يأكلوا ولوطًا أنكرهم لما لم يبالوا بمجيء قومه إليهم فلا وجه لذكر هذا هنا ﴿يهرعون﴾ في قوله تعالى ﴿وجاءه قومه يهرعون إليه﴾ [هود: ٧٨] أي (يسرعون) ﴿دابر﴾ أي (آخر) يريد قوله تعالى: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع﴾ [الحجر: ٦٦] أي آخرهم مقطوع مستأصل ﴿صيحة﴾ في قوله تعالى ﴿إن كانت إلا صيحة واحدة﴾ [يس: ٥٣] معناه (هلكة) ولا وجه لإيراده هنا. ﴿للمتوسمين﴾ [الحجر: ٧٥] قال الضحاك (للناظرين) وقال مجاهد: للمتفرسين ﴿لبسبيل﴾ قال أبو عبيدة أي (لبطريق).
٣٣٧٦ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: "قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ : ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ".
وبه قال: (حدّثنا محمود) هو ابن غيلان قال: (حدّثنا أبو أحمد) محمد بن عبد الله الزبيري قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن أبي إسحاق) عمرو السبيعي (عن الأسود) بن يزيد (عن عبد الله) بن مسعود (﵁) أنه (قال: قرأ النبي ﷺ : (فهل من مدكر﴾) [القمر: ١٥] بالدال المهملة والأصل مذتكر فأبدلت التاء دالاً مهملة ثم أبدلت المعجمة مهملة لمقاربتها ثم أدغم. وهذا الباب بتفسيره وحديث ثابت في الفرع وأصله لأبي ذر عن الحموي والمستملي، وقال الحافظ ابن حجر: هذه التفاسير وقعت في رواية المستملي وحده.
١٧ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] وَقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾ [الحجر: ٨٠]: الحجرِ: مَوْضِعُ ثَمُودَ. وَأَمَّا ﴿حَرْثٌ حِجْرٌ﴾: حَرَامٌ، وَكُلُّ مَمْنُوعٍ فَهْوَ حِجْرٌ، وَمِنْهُ "حِجْرٌ مَحْجُورٌ"، وَالْحِجْرُ كُلُّ بِنَاءٍ بَنَيْتَهُ، وَمَا حَجَرْتَ عَلَيْهِ مِنَ الأَرْضِ فَهْوَ حِجْرٌ وَمِنْهُ، سُمِّيَ حَطِيمُ الْبَيْتِ حِجْرًا، كَأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ مَحْطُومٍ، مِثْلُ قَتِيلٍ مِنْ مَقْتُولٍ، وَيُقَالُ لِلأُنْثَى مِنَ الْخَيْلِ حِجْرُ، وَيُقَالُ لِلْعَقْلِ: حِجْرٌ. وَحِجًى وَأَمَّا حَجْرُ الْيَمَامَةِ فَهْوَ مَنْزِلٌ.
(باب قول الله تعالى: ﴿وإلى ثمود﴾) قبيلة من العرب سموا باسم أبيهم الأكبر ثمود بن عابر بن إرم بن سام وقيل سموا لقلة مائهم من الثمد وهو الماء القليل وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى (﴿أخاهم صالحًا﴾) [الأعراف: ٧٣] هو ابن عبيد بن ماسخ بن عبيد بن حاذر بن ثمود (﴿كذب أصحاب الحجر﴾) [الحجر: ٨٠] (الحجر) وثبت لأبي ذر لفظ الحجر الثاني (موضع ثمود) قوم صالح وهو بين المدينة والشام (وأما ﴿حرث حجر﴾) [الأنعام: ١٣٨] فمعناه (حرام، وكل) شيء (ممنوع فهو حجر محجور) أي حرام محرم (والحجر كل بناء بنيته) بتاء الخطاب في آخره ولأبي ذر تبنيه بها في أوله (وما حجرت عليه من الأرض) بتخفيف الجيم (فهو حجر، ومنه سمي حطيم البيت) الحرام وهو الحائط المستدير إلى جانبه (حجرًا
كأنه مشتق من محطوم) أي مكسور وكأن الحطيم سمي به لأنه كان في الأصل داخل الكعبة فانكسر بإخراجه منها (مثل قتيل من مقتول، ويقال) ولأبي الوقت وتقول (للأنثى من الخيل الحجر) بلا هاء وجمعه حجورة بإثباتها ولأبوي الوقت وذر وابن عساكر حجر بالتنكير منونًا (ويقال للعقل حجر) قال تعالى: ﴿هل في ذلك قسم لذي حجر﴾ [الفجر: ٥] أي عقل لمنعه صاحبه من الوقوع في المكاره (و) يقال له أيضًا (حجى) بكسر الحاء وفتح الجيم منونة مخففة (وأما حجر اليمامة) بفتح الحاء (فهو منزل) لثمود، ولأبي ذر فهو المنزل.
٣٣٧٧ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ زَمْعَةَ قَالَ: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَذَكَرَ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ -قَالَ: انْتَدَبَ لَهَا رَجُلٌ ذُو عِزٍّ وَمَنَعَةٍ فِي قُوَّةٍ كَأَبِي زَمْعَةَ".
[الحديث ٣٣٧٧ - أطرافه في: ٤٩٤٢، ٥٢٠٤، ٦٠٤٢].
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عبد الله بن زمعة) بفتح الميم وسكونها الأسدي أنه (قال: سمعت النبي ﷺ ¬) يخطب (وذكر) قصة قدار (الذي عقر الناقة) ناقة صالح، وذلك أن ثمود بعد عاد عمّروا بلادهم وخلفوهم وكثروا وعمروا أعمارًا طوالاً لا تفي بها الأبنية، فنحتوا البيوت من الجبال وكانوا في خصب وسعة فعتوا وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم صالحًا من أشرافهم فأنذرهم فسألوه آية. فقال أية آية تريدون؟ قالوا: أخرج معنا إلى عيدنا فتدعو إلهك وندعو ألهتنا فمن استجيب له اتبع، فخرج معهم فدعوا أصنامهم فلم تجبهم ثم أشار سيدهم جندع بن عمرو إلى صخرة منفردة وقال له: أخرج من هذه الصخرة ناقة سوداء حالكة ذات عرف وناصية ووبر، وقيل قال ناقة ذات
стр. 2266
ألوان من أحمر ناصع وأصفر فاقع وأسود حالك وأبيض يقق نظرها كالبرق الخاطف رغاؤها كالرعد القاصف طولها مائة ذراع وعرضها كذلك ذات ضروع أربعة نحلب منها ماء وعسلاً ولبنًا وخمرًا لها تبيع على صفتها حنينها بتوحيد إلهك والإقرار بنبوّتك، فإن فعلت صدقناك فأخذ عليهم صالح مواثيقهم لئن فعلت ذلك لتؤمنن به؟ فقالوا: نعم فصلّى ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها فانصدعت عن ناقة كما وصفوا وهم ينظرون، ثم نتجت ولدًا مثلها في العظم فآمن به جندع في جماعة ومنع الباقين من الإيمان دؤاب بن عمرو، والحباب صاحب أوثانهم، ورباب ابن كاهنهم، فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر وترد الماء غبًا فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب كل ما فيها ثم تتفحج فيحلبون ما شاؤوا حتى تمتلئ أوانيهم فيشربون ويدخرون وكان تصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه وتشتو ببطنه فتهرب مواشيهم إلى ظهره فشق ذلك عليهم فأجمعوا على عقرها (قال) ﷺ :
(فانتدب لها) كذا في الفرع بالفاء فيهما وفي اليونينية قال: انتدب لها بغير فاء فيهما أي أجاب إلى عقرها لما دعي له (رجل) منهم (ذو عزّ ومنعة) بفتح الميم والنون وتسكن قوة (في قوة) ولأبي ذر عن الحموي: في قومه بدل قوله في قوة (كأبي زمعة). الأسود بن المطلب بن أسد بن
عبد العزى وهو جد عبد الله بن زمعة بن الأسود راوي الحديث ومات الأسود كافرًا، وكان ذا عزة ومنعة في قومه كعاقر الناقة وكان عاقر الناقة فيما قاله السهيلي ولد زنا أحمر أشقر أزرق قصيرًا يضرب به المثل في الشؤم فعقرها واقتسموا لحمها فرقي سقبها جبلاً فرغًا ثلاثًا فقال صالح لهم: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب فلم يقدروا عليه إذ انفجت الصخرة بعد رغائه فدخلها فقال لهم صالح: تصبح وجوهكم غدًا مصفرة وبعد غد محمرة واليوم الثالث مسودة ثم يصبحكم العذاب، فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه فأنجاه الله تعالى إلى أرض فلسطين، ولما كانت ضحوة اليوم الرابع تحنطوا وتكفنوا بالانطاع فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في التفسير والأدب والنكاح ومسلم في صفة النار والترمذي في التفسير وكذا النسائي وابن ماجه في النكاح.
٣٣٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ أَبُو الْحَسَنِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ بْنِ حَيَّانَ أَبُو زَكَرِيَّاءَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا نَزَلَ الْحِجْرَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا وَلَا يَسْتَقُوا مِنْهَا، فَقَالُوا: قَدْ عَجَنَّا مِنْهَا وَاسْتَقَيْنَا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ الْعَجِينَ وَيُهَرِيقُوا ذَلِكَ الْمَاءَ». وَيُرْوَى عَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ وَأَبِي الشُّمُوسِ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِإِلْقَاءِ الطَّعَامِ». وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ : «مَنِ اعْتَجَنَ بِمَائِهِ».
[الحديث ٣٣٧٨ - طرفه في: ٣٣٧٩].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مسكين) اليمامي (أبو الحسن) الحراني سكن البصرة قال: (حدّثنا يحيى بن حسان بن حيان) بفتح الحاء المهملة والتحتية المشدّدة (أبو زكريا) التنيسي قال: (حدّثنا سليمان) بن بلال التيمي مولاهم المدني (عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم المدني مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ لما نزل الحجر) منازل ثمود (في غزوة تبوك أمرهم) أي أمر أصحابه (أن لا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها فقالوا: قد عجنا منها واستقينا فأمرهم) ﵊ (أن يطرحوا ذلك العجين) المعجون بمائها (ويهريقوا) بضم الياء وسكون الهاء أي يريقوا (ذلك الماء) خوفًا أن يورثهم شربه قسوة في قلوبهم أو ضررًا في أبدانهم.
(ويروى) ولأبي ذر قال: ويروى (عن سبرة بن معبد) بفتح السين المهملة وسكون الموحدة بعدها راء ومعبد بفتح الميم والموحدة بينهما عين مهملة ساكنة الجهني فيما وصله الطبراني وأبو نعيم (و) عن (أبي الشموس) بفتح الشين المعجمة وضم الميم وبعد الواو سين مهملة البلوي بفتح الموحدة واللام لا يعرف اسمه فيما وصله الطبراني وابن منده (إن النبي ﷺ أمر بإلقاء الطعام وقال أبو ذر) جندب بن جنادة فيما وصله البزار في مسنده (عن النبي ﷺ ¬) أنه أمر (من اعتجن) عجينه (بمائه) أن يلقيه.
٣٣٧٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ "أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْضَ ثَمُودَ، الْحِجْرَ، فَاسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا وَاعْتَجَنُوا بِهِ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِئْارِهَا وَأَنْ يَعْلِفُوا الإِبِلَ الْعَجِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَ تَرِدُهَا النَّاقَةُ". تَابَعَهُ أُسَامَةُ عَنْ نَافِعٍ.
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) أبو إسحاق القرشي الحزامي المدني قال: (حدّثنا أنس بن عياض) المدني الليثي (عن عبيد الله) بضم العين ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (عن نافع) مولى ابن عمر (أن عبد الله بن عمر ﵄ أخبره أن الناس) أي
стр. 2267
الصحابة ﵃ (نزلوا مع رسول الله ﷺ أرض ثمود) بين المدينة والشام (الحجر) نصب بدلاً من أرض (فاستقوا) بالفاء ولأبوي ذر والوقت واستقوا (من بئرها) بسكون الهمزة ولأبي ذر من آبارها بهمزة مفتوحة ممدودة على الجمع (واعتجنوا به) بالماء المأخوذ منها (فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا) بالهاء الساكنة أي يريقوا (ما استقوا من بئرها) بالإفراد، ولأبي ذر: من بئارها بالجمع (وأن يعلفوا الإبل العجين) المعجون بمائها والمراد بالطرح المذكور في السابق ترك اللأكل فلا تعارض بين الحديثين (وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كان) وللكشميهني التي كانت (تردها الناقة تابعه) أي تابع عبيد الله (أسامة) بن زيد بن حارثة الليثي (عن نافع) عن ابن عمر على قوله وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها ناقة صالح وهذه المتابعة وصلهان ابن المقري.
وفي الحديث كراهة الاستقاء من آبار ثمود وهل هي للتحريم أو للتنزيه وعلى الأوّل هل يمنع صحة التطهر بذلك الماء والظاهر أنه لا يمنع، والحديث أخرجه مسلم أيضًا.
٣٣٨٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا مَرَّ بِالْحِجْرِ قَالَ: «لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ. ثُمَّ تَقَنَّعَ بِرِدَائِهِ وَهْوَ عَلَى الرَّحْلِ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (محمد) هو ابن مقاتل قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك (عن معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (سالم بن عبد الله) بن عمر بن الخطاب (عن أبيه) في اليونينية ملحق بين السطور ﵃ (أن النبي ﷺ لما مرّ بالحجر ديار ثمود) ديار ثمود (قال) لمن معه.
(لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم) شامل لمنازل ثمود وغيرهم ممن في معناهم من سائر الأمم الذين نزل بهم العذاب وثبت قوله أنفسهم لأبي ذر عن الكشميهني (إلا أن تكونوا
باكين أن يصيبكم) أي مخافة الإصابة كقولك لا تضرب الأسد أن يفترسك وأن مصدرية وهذا التقدير عند البصريين أو التقدير كما عند الكوفيين لئلا يصيبكم (ما أصابهم) أي من العذاب والبصريون لا يجوّزون الإضمار الثاني (ثم تقنّع) أي تستر ﵊ (بردائه وهو على الرحل). أي رحل البعير وهو أصغر من القتب.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المغازي والنسائي في التفسير.
٣٣٨١ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بن محمدٍ حَدَّثَنَا وَهْبٌ حَدَّثَنَا أَبِي سَمِعْتُ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ -إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ- أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الله بن محمد) المسندي، وسقط لغير أبي ذر ابن محمد قال: (حدّثنا وهب) بفتح الواو وسكون الهاء قال: (حدثنا أبي) جرير بن حازم البصري قال: (سمعت يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سالم أن) أباه (ابن عمر) ﵄ (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم) ثمود أو غيرهم (إلا أن تكونوا باكين) حذر (أن يصيبكم مثل ما أصابهم) وسقط مثل لغير أبي ذر.
والحديث أخرجه مسلم آخر كتابه.
١٨ - باب ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٣٣]
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت﴾) [البقرة: ١٣٣] ثبت الباب. وسياق هذه الآية هنا فى غير رواية الكشميهني في الفرع وأصله، وقد ذكرها المؤلّف قبل ثلاثة أبواب، وسبق تفسيرها ثم وصوّب في الفتح أن حديثها تلو حديث الباب التالي كما لا يخفى.
٣٣٨٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ: يُوسُفُ ابْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ﵈».
[الحديث ٣٣٨٢ - طرفاه في: ٣٣٩٠، ٤٦٨٨].
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن منصور) الكوسج المروزي الحافظ أبو يعقوب قال: (أخبرنا عبد الصمد) بن عبد الوارث قال: (حدّثنا عبد الرَّحمن بن عبد الله عن أبيه) عبد الله بن دينار (عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال):
(الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم) في اليونينية علامة السقوط على ابن الكريم الأخيرة (يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈. وللطبراني بإسناد ضعيف عن ابن عباس قيل يا رسول الله من السيد؟ قال "يوسف بن يعقوب" قالوا: فما في أمتك سيد؟ قال "رجل أعطي مالاً حلالاً ورزق سماحة" نقله صاحب الفتح. وحديث الباب سبق ويأتي في الباب التالي والتفسير إن شاء الله تعالى.
١٩ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]
(باب قول الله تعالى ﴿لقد كان في يوسف وإخوته﴾) أي في قصتهم (﴿آيات﴾) علامات على قدرته تعالى أو على نبوتك (﴿للسائلين﴾) [يوسف: ٧] لمن سأل عن قصتهم أو عبرة
стр. 2268
للمعتبرين فإنها تشتمل على رؤيا يوسف وما حقق الله منها وعلى صبر يوسف عن قضاء الشهوة وعلى الرق والسجن، وما آل إليه أمره من الملك وعلى حزن يعقوب وصبره، وما آل إليه أمره من الوصول إلى المراد، ووصفها الله تعالى بأنها أحسن القصص إذ ليس في القصص غيرها ما فيها من العبر والحكم مع اشتمالها على ذكر الأنبياء والصالحين وسير الملوك والمماليك والتجار والنساء وحيلهن ومكرهن والتوحيد وتعبير الرؤيا والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش، وجمل الفوائد التي تصلح للدين والدنيا، وذكر الحبيب والمحبوب وسيرهما.
٣٣٨٣ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَتْقَاهُمْ لِلَّهِ. قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ. قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟ النَّاسُ مَعَادِنُ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا».
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ بن سلام أَخْبَرَني عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (عبيد بن إسماعيل) بضم العين من غير إضافة لشيء وكان اسمه عبد الله الهباري الكوفي (عن أبي أسامة) حماد بن أسامة (عن عبيد الله) بضم العين ابن عمر العمري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري (عن أبي هريرة ﵁) أنه قال (سئل رسول الله ﷺ من أكرم الناس)؟ عند الله (قال):
أكرمهم (أتقاهم لله) أي أشدهم لله تقوى (قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله) يعقوب (ابن نبي الله) إسحاق (ابن خليل الله) إبراهيم. قال في
الكواكب: وأصل الكرم كثرة الخير، وقد جمع يوسف ﵇ مكارم الأخلاق مع شرف النبوة وكونه ابن ثلاثة أنبياء متناسلين ومع شرف رياسة الدنيا وملكها بالعدل والإحسان (قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فعن معادن العرب) أي أصولها التي ينتسبون إليها (تسألوني)؟ ولأبي ذر: تسألونني بنونين (الناس معادن) زاد الطيالسي وغيره في حديث في الخير والشر والعسكري كمعادن الذهب والفضة (خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) بضم القاف وكسرها كما مرّ فيجتمع لهم شرف النسب مع شرف العلم وسبق في باب قول الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ [النساء: ١٢٥] ما في ذلك فليراجع.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: أخبرنا (محمد بن سلام) البيكندي. وثبت ابن سلام لأبي ذر قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: أخبرني بالإفراد (عبدة) بن سليمان (عن عبيد الله) بضم العين العمري (عن سعيد) المقبري (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ بهذا) الحديث.
٣٣٨٤ - حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «مُرِي أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ. قَالَتْ: إِنَّهُ رَجُلٌ أَسِيفٌ، مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ رَقَّ. فَعَادَ، فَعَادَتْ. قَالَ شُعْبَةُ: فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ -أَوِ الرَّابِعَةِ-: إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ … ».
وبه قال: (حدّثنا بدل بن المحبر) بفتح الموحدة والدال المهملة آخره لام والمحبر بضم الميم وفتح الحاء المهملة والموحدة المشددة ابن منير اليربوعي قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن سعد بن إبراهيم) بسكون العين ابن عبد الرَّحمن بن عوف أنه (قال: سمعت عروة بن الزبير) بن العوام (عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها) في مرض موته:
(مري) بوزن كلي من غير همز (أبا بكر) الصديق (يصلي بالناس) الظهر أو العصر أو العشاء (قالت: إنه رجل أسيف) بفتح الهمزة وكسر السين المهملة وبعد التحتية الساكنة فاء أي شديد الحزن رقيق القلب سريع البكاء (متى يقم مقامك) جزم بحذف الواو بمتى الشرطية ولأبي ذر عن الكشميهني متى يقوم بإثباتها ووجهه ابن مالك بأنها أهملت حملاً على إذا كما عملت إذا حملاً على متى في قوله إذا أخذتما مضاجعكما تكبرًا أربعًا وثلاثين والمعنى متى ما يقم مقامك في الإمامة (رق) قلبه فلا يسمع الناس (فعاد) ﵊ إلى قوله: مري أبا بكر الصديق يصلّي بالناس (فعادت) عائشة إلى قولها إنه رجل أسيف.
(قال شعبة) بن الحجاج بالسند السابق (فقال) ﵊ (في الثالثة أو الرابعة) بالشك من الراوي (إنكن) بلفظ الجمع على إرادة الجنس وكان الأصل أن يقول إنك بلفظ المفردة (صواحب يوسف) تظهرن خلاف ما تبطن كهن، وكان غرض عائشة أن لا يتطير الناس بوقوف أبيها مكان رسول الله ﷺ كإظهار زليخا إكرام النسوة بالضيافة ومقصودها أن ينظرن إلى حسن
يوسف ليعذرنها في محبته (مروا) بصيغة الجمع، ولأبي ذر: مري
стр. 2269
(أبا بكر) … الحديث. وساقه هنا مختصرًا وسبق بتمامه في أبواب الإمامة من كتاب الصلاة.
٣٣٨٥ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ يَحْيَى الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ. فَقَالَتْ عَائِشَةَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ كَذَا-فَقَالَ مِثْلَهُ، فَقَالَتْ مِثْلَهُ- فَقَالَ: مُرُوهُ فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ -فَأَمَّ أَبُو بَكْرٍ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ». وَقَالَ حُسَيْنٌ: عَنْ زَائِدَةَ «رَجُلٌ رَقِيقٌ».
وبه قال: (حدّثنا الربيع) ولأبي ذر ربيع (بن يحيى) الأشناني بضم الهمزة وسكون المعجمة (البصري) سقط البصري لأبي ذر وفي نسخة الصغاني: حدّثنا ربيع بن يحيى، حدّثنا النضر بالنون المفتوحة والضاد المعجمة، حدّثنا زائدة وفي حاشية اليونينية وقع في أصل السماع حدّثنا النضر وهو غلط وتصحيف من البصري حقق ذلك من أصول الحفاظ أبي ذر والأصيلي وأبي القاسم الدمشقي وأصل أبي صادق مرشد وغير ذلك من الأصول قال: (حدّثنا زائدة) بن قدامة الثقفي أبو الصلت الكوفي (عن عبد الملك بن عمير) بضم العين وفتح الميم مصغرًا ابن سويد اللخمي حليف بني عدي الكوفي الفرسي بفتح الفاء والراء بعدها سين مهملة نسبة إلى فرس له سابق (عن أبي بردة) بضم الموحدة عامر (بن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (عن أبيه) أنه (قال: مرض النبي ﷺ ¬) مرضه الذي توفي فيه وحضرت الصلاة (فقال):
(مروا أبا بكر فليصلّ بالناس) فقالت: إن ولأبي ذر (فقالت عائشة: إن أبا بكر رجل كذا) زاد أبو ذر يعني رجل أسيف (فقال) ﵊ (مثله): مروا أبا بكر فليصل بالناس (فقالت مثله) أي رجل أسيف (فقال: مروه) ولأبي ذر: مروا أبا بكر أي فليصل بالناس (فإنكن صواحب يوسف) عبّر بالجمع في إنكن، والمراد عائشة، وفي قوله: صواحب والمراد زليخا (فأمّ أبو بكر) بالناس (في حياة رسول الله) ولأبي ذر في حياة النبي (¬ ﷺ ¬) فقال بالفاء ولأبي ذر: (وقال حسين) هو ابن عليّ الجعفي: (عن زائدة) بن قدامة (رجل رقيق) وهذا وصله المؤلّف في الصلاة.
٣٣٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عن عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): يدعو لرجال من المسلمين يسميهم بأسمائهم فيقول:
(اللهم أنج) بهمزة قطع (عياش بن أبي ربيعة) أخا أبي جهل بن هشام لأمه (اللهم أنج سلمة بن هشام) بفتح اللام وهو أخو أبي جهل (اللهم أنج الوليد بن الوليد) المخزومي أخا خالد بن الوليد وسقط ابن الوليد لأبي ذر (اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين) من عطف العام على الخاص (اللهم اشدد) بهمزة وصل (وطأتك) بفتح الواو وسكون المهملة وفتح الهمزة أي بأسك وعقوبتك (على) كفار قريش أولاد (مضر) بن نزار بن معدّ بن عدنان (اللهم اجعلها) أي الموطأة أو الأيام أو السنين (سنين كسني يوسف) الصدّيق في القحط وسقطت نون سنين للإضافة جريًا على اللغة العالية فيه وهي إجراؤه مجرى جمع المذكر السالم لكنه شاذ لأنه غير عاقل، والمراد من هذا الحديث قوله: كسني يوسف، ومرّ في باب يهوي بالتكبير حين يسجد من كتاب الصلاة.
٣٣٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ ابْنِ أَخِي جُوَيْرِيَةَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ ثُمَّ أَتَانِي الدَّاعِي لأَجَبْتُهُ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد بن أسماء ابن أخي جويرية) بضم الجيم مصغرًا ولأبي ذر هو ابن أخي جويرية قال: (حدّثنا جويرة بن أسماء) الضبعي (عن مالك) الإمام (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (أن سعيد بن المسيب وأبا عبيد) بضم العين مصغرًا سعد بن عبيد مولى عبد الرحمن بن الأزهر (أخبراه عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(يرحم الله لوطًا) بن هاران بن آزر ابن أخي إبراهيم الخليل (لقد كان يأوي إلى ركن شديد) أشار إلى قوله تعالى: ﴿قال لو أن لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد﴾ [هود: ٨٠] قال الطيبي وهذا تمهيد ومقدمة للخطاب المزعج كما في قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ [التوبة: ٤٣] وقال البيضاوي: استعظام لما قاله واستغراب لما بدر منه حيثما أجهده قومه فقال: ﴿أو آوي إلى ركن شديد﴾ [هود: ٨٠] إذ لا ركن أشد من الركن الذي كان يأوي إليه وهو عصمة الله تعالى وحفظه. (ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم أتاني الداعي لأجبته). يريد به قوله تعالى: ﴿فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله﴾ [يوسف: ٥٠] قال التوربشتي وهو
стр. 2270
منبئ عن إحماده صبر يوسف وتركه الاستعجال بالخروج عن السجن مع امتداد مدة الحبس عليه.
وروى ابن حبان عن أبي هريرة مرفوعًا: "رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها: ﴿اذكرني عند ربك ما لبث في السجن﴾ [يوسف: ٤٣] ".
٣٣٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: "سَأَلْتُ أُمَّ رُومَانَ وَهْيَ أُمُّ عَائِشَةَ لمَّا قِيلَ فِيهَا مَا قِيلَ قَالَتْ: بَيْنَمَا أَنَا مَعَ عَائِشَةَ جَالِسَتَانِ، إِذْ وَلَجَتْ عَلَيْنَا امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَهْيَ تَقُولُ: فَعَلَ اللَّهُ بِفُلَانٍ وَفَعَلَ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: لِمَ؟ قَالَتْ:
إِنَّهُ نَمَا ذِكْرَ الْحَدِيثِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَيُّ حَدِيثٍ؟ فَأَخْبَرَتْهَا. قَالَتْ: فَسَمِعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَخَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا، فَمَا أَفَاقَتْ إِلاَّ وَعَلَيْهَا حُمَّى بِنَافِضٍ. فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَا لِهَذِهِ؟ قُلْتُ: حُمَّى أَخَذَتْهَا مِنْ أَجْلِ حَدِيثٍ تُحُدِّثَ بِهِ. فَقَعَدَتْ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَئِنْ حَلَفْتُ لَا تُصَدِّقُونِي، وَلَئِنِ اعْتَذَرْتُ لَا تَعْذِرُونِي، فَمَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ يَعْقُوبَ وَبَنِيهِ، ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ مَا أَنْزَلَ، فَأَخْبَرَهَا فَقَالَتْ: بِحَمْدِ اللَّهِ لَا بِحَمْدِ أَحَدٍ".
[الحديث ٣٣٨٨ - أطرافه في: ٤١٤٣، ٤٦٩١، ٤٧٥١].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سلام) البيكندي قال: (أخبرنا ابن فضيل) محمد وجده غزوان الكوفي قال: (حدّثنا حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين مصغرًا ابن عبد الرحمن (عن شقيق) أبي وائل هو ابن سلمة وفي الفرع وأصله عن سفيان (عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه (قال: سألت أم رومان) بضم الراء بنت عامر (وهي أم عائشة) أم المؤمنين ﵄، وقد قيل إن مسروقًا لم يسمع من أم رومان لتقدم وفاتها فيكون حديثه منقطعًا، وقال أبو نعيم: بقيت بعد النبي ﷺ دهرًا طويلاً. وحينئذٍ فالحديث متصل وهو الراجح. وقول عليّ بن زيد بن جدعان الراوي أن وفاة أم رومان سنة ست ضعيف لا يحتج به، وقول الخطيب الصواب أن يقرأ سئلت أم رومان مبنيًّا للمفعول مردود بقول مسروق في المغازي حدّثتني أم رومان (عما) ولأبي ذر عن الكشميهني لما (قيل فيها) أي في عائشة (ما قيل) من الإفك (قالت: بينما) بالميم (أنا مع عائشة جالستان إذ ولجت) أي دخلت (علينا امرأة من الأنصار) لم تسم (وهي تقول: فعل الله بفلان) مسطح بن أثاثة (وفعل. قالت) أم رومان: (فقلت) للأنصارية (لم)؟ تقولين فعل الله بفلان وفعل (قالت إنه نمى ذكر الحديث) أي حديث الإفك ونمى بتخفيف الميم في الفرع ونسبه في المطالع لأبي ذر: وقال الحربي وغيره مشدد وأكثر المحدّثنين يخففونه يقال نميت الحديث أنمية إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة قلت نميته بالتشديد. (فقالت عائشة: أيّ حديث)؟ نماه قالت أم رومان (فأخبرتها) بقول أهل الإفك (قالت: فسمعه أبو بكر ورسول الله ﷺ قالت) أم رومان: (نعم). سمعاه (فخرّت) عائشة (مغشيًا عليها فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض)، أي ملتبسة بارتعاد (فجاء النبي ﷺ فقال):
(ما لهذه)؟ يعني عائشة قالت أم رومان (قلت: حمى أخذتها من أجل حديث تحدث) بضم الفوقية والحاء المهملة مبنيًّا للمفعول (به) عنها (فقعدت) عائشة (فقالت: والله لئن حلفت) لكم إني لم أفعل ما قيل (لا تصدقوني) ولأبي ذر لا تصدقونني (ولئن اعتذرت لا تعذروني) ولأبي ذر لا تعذرونني (فمثلي ومثلكم) أي صفتي وصفتكم (كمثل يعقوب وبنيه) حيث صبر صبرًا جميلاً وقال: (والله المستعان على ما تصفون) أي على احتمال ما تصفونه، (فانصرف النبي ﷺ فأنزل الله) (ما أنزل) في براءتها (فأخبرها) النبي ﷺ بذلك (فقالت: بحمد الله لا بحمد أحد) قال بعض أصحاب عبد الله بن المبارك له: أنا أستعظم هذا القول. فقال: ولت الحمد أهله ذكره فى
المصابيح، ولعلها تمسكت بظاهر قوله ﵊ لها: "احمدي الله" كما في الرواية الأخرى ففهمت منه أنه أمرها بإفراد الله بالحمد.
٣٣٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: "أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ : أَرَأَيْتِ قَوْلِ اللهِ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا﴾ أَوْ كُذِبُوا؟ قَالَتْ: بَلْ كَذَّبَهُمْ قَوْمُهُمْ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ وَمَا هُوَ بِالظَّنِّ. فَقَالَتْ: يَا عُرَيَّةُ، لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ. قُلْتُ: فَلَعَلَّهَا "أَوْ كُذِبُوا". قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ، لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا، وَأَمَّا هَذِهِ الآيَةُ قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ وَطَالَ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَتْ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ وَظَنُّوا أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ كَذَّبُوهُمْ جَاءَهُمْ نَصْرُ اللَّهِ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ﴿اسْتَيْأَسُوا﴾ اسْتَفْعَلُوا مِنْ يَئِسْتُ، ﴿مِنْهُ﴾ مِنْ يُوسُفَ ﴿لَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ مَعْنَاهُ مِنَ الرَّجَاءُ.
[الحديث ٣٣٨٩ - أطرافه في: ٤٥٢٥، ٤٦٩٥، ٤٦٩٦].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (أنه سأل عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ¬) فقال لها (أرأيت قوله) تعالى أي أخبريني عن قوله ولأبي ذر قول الله (﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا﴾) [يوسف: ١١٠] بالتشديد (أو كذبوا) بالتخفيف (قالت): عائشة ليس الظن على بابه كما فهمت (بل كذبهم قومهم)، بالتشديد فهو بمعنى اليقين وهو سائغ كما في قوله تعالى: ﴿وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾ [التوبة: ١١٨] وقال عروة: (فقلت) لها: (والله لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم) وفي نسخة الصغاني قد كذبوهم (وما هو بالظن: فقالت) عائشة رادّة عليه: (يا عرية) بضم العين وفتح الراء المهملة وتشديد المثناة التحتية تصغير عروة وأصله يا عريوة اجتمعت الياء والواو وسبق الأول
стр. 2271
بالسكون فقلبوا الواو ياء وأدغموا الأول في الثاني وليس التصغير هنا للتحقير (لقد استيقنوا بذلك. قلت: فلعلها أو كذبوا قالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك) أي إخلاف الوعد (بربها، وأما هذه الآية قالت) فالمراد من الظانين فيها (هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم) أي وصدّقوا الرسل (وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأست) أي الرسل (ممن كذبهم من قومهم وظنوا أن أتباعهم كذبوهم وجاءهم نصر الله). وظاهر هذا أن عائشة أنكرت قراءة التخفيف بناء على أن الضمير للرسل ولعلها لم تبلغها، فقد ثبتت في قراءة الكوفيين ووجهت بأن الضمير في وظنوا عائد على المرسل إليهم لتقدمهم في قوله تعالى: ﴿كيف عاقبة الذين من قبلهم﴾ [فاطر: ٤٤] ولأن الرسل تستدعي مرسلاً إليه أي وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم بالدعوة والوعيد، وقيل الأول للمرسل
إليهم، والثاني للرسل أي وظنوا أن الرسل قد كذبوا وأخلفوا فيما وعد لهم من النصر وخلط الأمر عليهم.
قال في الأنوار كالكشاف: وما روي عن ابن عباس ﵄ أن الرسل ظنوا أنهم أخلفوا ما وعدهم من النصر إن صح فقد أراد بالظن ما يهجس في القلب على طريق الوسوسة اهـ. وهذا فيه شيء فإنه لا يجوز أن يقال أراد بالظن ما يهجس في القلب على طريق الوسوسة فإن الوسوسة من الشيطان وهم معصومون منه.
وهذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في التفسير.
(قال أبو عبد الله): البخاري (استيأسوا) وزنه (افتعلوا من يئست) وللأصيلي استفعلوا بالسين والتاء الفوقية وهو الصواب واستفعل هنا بمعنى فعل المجرد يقال يئس واستيأس بمعنى نحو عجب واستعجب وسخر واستسخر والسين والتاء زيدتا للمبالغة (منه) أي (من يوسف) وعند ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق فلما استيأسوا أي لما حصل لهم اليأس من يوسف اهـ. أي أيسوا منه أن يجيبهم إلى ما سألوا. وقال أبو عبيدة: استيأسوا استيقنوا أن الأخ لا يرد إليهم (لا تيأسوا من روح الله معناه الرجاء) ولأبي ذر: من الرجاء. وقال ابن عباس من رحمة الله، وعن قتادة فضل الله، وقرئ من روح الله بضم الراء. قال ابن عطية: كأن معنى هذه القراءة لا تيأسوا من حيّ معه روح الله الذي وهبه فإن من بقي روحه يرجى ومن هذا قول الشاعر:
وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع
وقرأ عبد الله من فضل الله وأبي: من رحمة الله تفسيرًا لا تلاوة. قال ابن عباس: إن المؤمن من الله على خير يرجوه في البلاء ويحمده في الرخاء.
٣٣٩٠ - أَخْبَرَنِي عَبْدَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ﵈».
وبه قال: (أخبرني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عبدة) بفتح العين وسكون الموحدة ابن عبد الله أبو سهل الصفار الخزاعي البصري قال: (حدّثنا عبد الصمد) بن عبد الوارث البصري (عن عبد الرحمن عن أبيه) عبد الله بن دينار (عن ابن عمر ﵄ أن النبي) وفي اليونينية عن النبي (¬ ﷺ قال):
(الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف) الصديق (بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم) الخليل نبي ابن نبيّ ابن نبي ابن نبيّ ﵈. وهذا الحديث قد مرّ في باب ﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت﴾ [البقرة: ١٣٣].
٢٠ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. ﴿ارْكُضْ﴾: اضْرِبْ. ﴿يَرْكُضُونَ﴾: يَعْدُونَ
(باب قول الله تعالى: ﴿وأيوب﴾) أي: واذكر أيوب (﴿إذ نادى ربه أني﴾) أي بأني (﴿مسني الضرّ﴾) المرض في بدني (﴿وأنت أرحم الراحمين﴾) [الأنبياء: ٨٣] ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة وذكر ربه بغاية الرحمة، واكتفى بذلك عن غرض الطلب وكان روميًّا من ولد عيص بن إسحاق استنبأه الله وكثر أهله وماله فابتلاه الله بهلاك أولاده بهدم بيت عليهم وذهاب أمواله والمرض في بدنه، فخرج من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أليات الغنم في سائر بدنه ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه يذكر بهما الله ووقعت فيه حكة لا يملكها فكان يحك بأظفاره حتى سقطت كلها ثم حك بالمسوح الخشنة حتى قطعها ثم بالفخار والحجارة الخشنة حتى تقطع لحمه وتساقط حتى لم يبق إلا العظام والعصب وتغير وأنتن فأخرجه أهل القرية وجعلوه على كناسة ورفضه الناس كلهم
стр. 2272
إلا امرأته رحمة بنت إفراثيم بن يوسف فكانت تصلح أموره وتختلف إليه بما يصلحه وهو في كل ذلك صابر يحمد الله ويحسن الثناء عليه ولذا كان عبرة للصابرين وذكرى للعابدين ومكث في ذلك ثماني عشرة أو ثلاث عشرة سنة أو سبعًا وسبعة أشهر وسبع ساعات ويروى أن امرأته قالت له يومًا لو دعوت الله فقال كم كانت مدّة الرخاء فقالت ثمانين سنة فقال أستحيي من الله أن أدعوه وما بلغت مدّة بلائي رخائي وسقط لأبي ذر قوله إني مسني الضر الخ وقال بعد قوله: ﴿إذ نادى ربه﴾ [ص: ٤١] الآية. (﴿اركض﴾) [ص: ٤٢] أي (اضرب) برجلك الأرض فضربها فنبعت عين فاغتسل منها فرجع صحيحًا (﴿يركضون﴾) [الأنبياء: ١٢] أي (يعدون) بفتح الياء وسكون العين المهملة.
٣٣٩١ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ فَنَادَى رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، وَلَكِنْ لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الله بن محمد الجعفي) المسندي قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد (عن همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى ابن منبه الصنعاني (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(بينما) بالميم (أيوب يغتسل) حال كونه (عريانًا خر) سقط (عليه رجل جراد) بكسر الراء وسكون الجيم أي جماعة من جراد (من ذهب فجعل) أي أيوب (يحثي) بحاء مهملة ساكنة فمثلثة مكسورة يأخذ بيديه جميعًا ويرمي (في ثوبه) من ذلك الجراد (فنادى) ولأبي ذر والأصيلي: فناداه
(ربه) (يا أيوب) يحتمل أن يكون كلمه كموسى أو بواسطة الملك (ألم أكن أغنيتك عما ترى): من الجراد (قال: بلى يا رب) أغنيتني (ولكن لا غنى لي) بكسر الغين المعجمة والقصر من غير تنوين على أن لا لنفي الجنس، ولي باللام، ولأبي ذر: لا غنى بي (عن بركتك) عن خيرك.
وعند ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فقال: "لما عافى الله أيوب أمطر عليه جرادًا من ذهب فجعل يأخذ بيديه ويجعله في ثوبه. قال: فقيل له: يا أيوب أما تشبع؟ قال: يا رب ومن يشبع من رحمتك".
وحديث الباب سبق في باب من اغتسل عريانًا من كتاب الطهارة.
٢١ - باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصًا وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥١] كَلَّمَهُ. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ يُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَلِلاِثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ: نَجِيٌّ. وَيُقَالُ: خَلَصُوا نَجِيًّا اعْتَزَلُوا نَجِيًّا، وَالْجَمِيعُ أَنْجِيَةٌ يَتَنَاجَوْنَ. ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكتُمُ إيمانَه﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨]
هذا (باب) بالتنوين (قول الله) تعالى سقط لفظ باب لأبي ذر وثبت له ما بعده (﴿واذكر في الكتاب﴾) القرآن (﴿موسى﴾) هو ابن عمران بن لاهب بن عازر بن لاوي بن يعقوب (﴿إنه كان مخلصًا﴾) موحدًّا أخلص في عبادته من الشرك والرياء. قال الثوري: عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي أمامة قال الحواريون: يا روح الله أخبرنا عن المخلص لله. قال: الذي يعمل لله لا يحب أن يحمده الناس (﴿وكان رسولاً نبيًّا﴾) أرسله الله تعالى إلى قومه فأنبأهم عنه (﴿وناديناه من جانب الطور الأيمن﴾) صفة قيل للطور وقيل للجانب وقيل لموسى أي من ناحية موسى، والطور: جبل بين مصر ومدين (﴿وقربناه﴾) تقريب تشريف (﴿نجيًّا﴾) مناجيًا حال من أحد الضميرين، وهو معنى قوله (كلمه). وعند ابن جرير عن ابن عباس وقربناه نجيًّا قال: أدني حتى سمع صريف القلم اهـ.
وصريف القلم: صوت جريانه بما يكتبه من أقضية الله ووحيه وما ينسخه من اللوح المحفوظ. وقال ابن كثير: صريف القلم بكتابة التوراة. وقال السدي (وقربناه نجيًّا) قال: أدخل في السماء فكلم.
(﴿ووهبنا له من رحمتنا﴾) من أجل سبق رحمتنا وتقدير تخصيصه بالمواهب الدينية والدنيوية (﴿أخاه﴾) أي مؤازرته إجابة لدعوته حيث قال: واجعل لي وزيرًا من أهلي فإنه كان أسنّ من موسى، فمن ابتدائية أو المعنى ووهبنا له بعض رحمتنا. قال في فتوح الغيب: وهو الوجه لما فيه من التنبيه على سعة رحمة الله تعالى فإن الأنبياء مع جلالتهم ورِفعَة منزلتهم منحوا بعضًا منها وأخاه
مفعول أو بدل بعض من كل لأن موازرته بأخيه بعض المذكورات (﴿هارون﴾) عطف بيان له (﴿نبيًّا﴾) [مريم: ٥١ - ٥٢ - ٥٣] حال منه (يقال للواحد والاثنين) وسقط قوله وكان رسولاً إلى آخر قوله نبيًا إلا قوله كلمه لأبي ذر وقال بعد قوله مخلصًا إلى قوله نبيًّا وزاد المستملي بعد هذا كلمة يعني نجيًّا يقال للواحد والاثنين (والجميع) وزار الكشميهني بعد قوله يقال للواحد والاثنين والجميع نجي، (ويقال
стр. 2273
خلصوا نجيًّا) أي (اعتزلوا نجيًّا)، سقط لفظ نجيًّا لأبي ذر (والجميع أنجية) يريد أن النجي إذا أريد به المفرد فقط يكون جمعه أنجية (يتناجون تلقف) في سورة الأعراف. قال أبو عبيدة. أي (تلقم) بفتح التاء واللام والقاف المشددة.
هذا (باب) بالتنوين (﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون﴾) من أقاربه قبطي اسمه شمعان بالشين المعجمة (﴿يكتم إيمانه﴾) إلى (﴿من هو مسرف﴾) في شركه وعصيانه (﴿كذاب﴾) [غافر: ٢٨] على الله وفيه إشارة إلى الرمز والتعريض بعلوّ شأن موسى يعني أن الله تعالى هدى موسى إلى الإتيان بالمعجزات الباهرات، ومن هداه لذلك لا يكون مسرفًا كذابًا، فدلّ على أن موسى ليس من الكاذبين، أو المراد أن فرعون مسرف في عزمه على قتل موسى كذاب في ادّعائه الألوهية والله لا يهدي مَن هذا شأنه بل يبطله ويهدم أمره، ولغير أبي ذر بعد قوله ﴿من آل فرعون﴾ إلى قوله (مسرف كذاب). وسقط لأبي ذر لفظ باب إلى آخر قوله (كذاب) فلعل له روايتين.
٣٣٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ سَمِعْتُ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: "فَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى خَدِيجَةَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ -وَكَانَ رَجُلاً تَنَصَّرَ، يَقْرَأُ الإِنْجِيلَ بِالْعَرَبِيَّةِ- فَقَالَ وَرَقَةُ -مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، وَإِنْ أَدْرَكَنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا".
النَّامُوسُ: صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي يُطْلِعُهُ بِمَا يَسْتُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (قال: حدّثثي) بالإفراد (عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه قال: (سمعت عروة) بن الزبير بن العوّام (قال: قالت عائشة ﵂ فرجع النبي ﷺ ¬) من غار حراء بعد ما جاءه جبريل بالوحي (إلى خديجة) أم المؤمنين حال كونه (يرجف) يضطرب (فؤاده) قلبه (فانطلقت به) ﵇ خديجة مصاحبة له بعدما أخبرها الخبر وقوله لها: "لقد خشيت على نفسي" وقولها له: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا (إلى ورقة بن نوفل وكان رجلاً تنصّر) في الجاهلية بعد أن ترك عبادة الأوثان وكان (يقرأ الإنجيل) كتاب عيسى (بالعربية) فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك تعني النبي ﷺ (فقال ورقة) للنبي ﷺ : يا ابن أخي (ماذا ترى؟
فأخبره) ﷺ خبر ما رأى (فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله) (على موسى وان أدركني يومك أنصرك) بالجزم جواب الشرط (نصرًا مؤزرًا). بضم الميم وفتح الهمزة وتشديد الزاي بعدها راء قويًا بليغًا وخص بالذكر دون عيسى مع كونه نصرانيًّا، لأن كتاب موسى مشتمل على أكثر الأحوال كالقرآن بخلاف كتاب عيسى إذ كله أمثال ومواعظ أو لغير ذلك مما سبق أول هذا المجموع. وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى.
(الناموس: صاحب السر) أي سر الرجل (الذي يطلعه) على باطن أمره ويخصه (بما يستره عن غيره). أو صاحب سر الخير. وقال ابن دريد: صاحب سر الوحي وأهل الكتاب يسمون جبريل الناموس الأكبر.
٢٢ - باب قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ٩ - ١٢].
﴿آنَسْتُ﴾: أَبْصَرْتُ. ﴿نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ [طه: ١٠] الآيَةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿الْمُقَدَّسُ﴾: الْمُبَارَكُ. ﴿طُوًى﴾: اسْمُ الْوَادِي. ﴿سِيرَتَهَا﴾: حَالَتَهَا. ﴿وَالنُّهَى﴾: التُّقَى. ﴿بِمَلْكِنَا﴾: بِأَمْرِنَا. ﴿هَوَى﴾: شَقِيَ. ﴿فَارِغًا﴾: إِلاَّ مِنْ ذِكْرِ مُوسَى. ﴿رِدْءًا﴾: كَىْ يُصَدِّقَنِي، وَيُقَالُ: مُغِيثًا، أَوْ مُعِينًا. ﴿يَبْطُشُ وَيَبْطِشُ﴾. ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾: يَتَشَاوَرُونَ. وَالْجِذْوَةُ: قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنَ الْخَشَبِ لَيْسَ فِيهَا لَهَبٌ. ﴿سَنَشُدُّ﴾: سَنُعِينُكَ، كُلَّمَا عَزَّزْتَ شَيْئًا فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ عَضُدًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: كُلَّمَا لَمْ يَنْطِقْ بِحَرْفٍ، أَوْ فِيهِ تَمْتَمَةٌ أَوْ فَأْفَأَةٌ فَهْيَ: ﴿عُقْدَةٌ﴾. ﴿أَزْرِي﴾: ظَهْرِي. ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾: فَيُهْلِكَكُمْ. ﴿الْمُثْلَى﴾: تَأْنِيثُ الأَمْثَلِ، يَقُولُ: بِدِينِكُمْ، يُقَالُ: خُذِ الْمُثْلَى خُذِ الأَمْثَلَ. ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ يُقَالُ: هَلْ أَتَيْتَ الصَّفَّ الْيَوْمَ؟ يَعْنِي الْمُصَلَّى الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ. ﴿فَأَوْجَسَ﴾: أَضْمَرَ خَوْفًا، فَذَهَبَتِ الْوَاوُ مِنْ ﴿خِيفَةً﴾ لِكَسْرَةِ الْخَاءِ. ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾: عَلَى جُذُوعِ. ﴿خَطْبُكَ﴾: بَالُكَ. ﴿مِسَاسَ﴾: مَصْدَرُ مَاسَّهُ مِسَاسًا. ﴿لَنَنْسِفَنَّهُ﴾: لَنُذْرِيَنَّهُ. ﴿الضَّحَاءُ﴾: الْحَرُّ. ﴿قُصِّيهِ﴾: اتَّبِعِي أَثَرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ أَنْ نَقُصَّ الْكَلَامَ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾: عَنْ بُعْدٍ، وَعَنْ جَنَابَةٍ وَعَنِ اجْتِنَابٍ وَاحِدٌ. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿عَلَى قَدَرٍ﴾: مَوْعِدٌ ﴿لَا تَنِيَا﴾: لَا تَضْعُفَا: ﴿يَبَسًا﴾: يَابِسًا. ﴿مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾: الْحُلِيِّ الَّذِي اسْتَعَارُوا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ. ﴿فَقَذَفْتُهَا﴾: أَلْقَيْتُهَا. ﴿أَلْقَى﴾: صَنَعَ. ﴿فَنَسِيَ مُوسَى﴾: هُمْ يَقُولُونَهُ أَخْطَأَ الرَّبَّ أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ قَوْلاً فِي الْعِجْلِ.
(باب قول الله : ﴿وهل أتاك﴾) أي وقد أتاك (﴿حديث موسى إذ﴾) أي حين (﴿رأى نارًا﴾) إلى قوله: (﴿بالوادي المقدس طوى﴾) [طه: ١٢] (﴿آنست﴾) [طه: ١٠] أي (أبصرت ﴿نارًا لعلّي آتيكم منها بقبس﴾) [طه: ١٠] (الآية) بشعلة من النار أو بجمرة.
(قال ابن عباس ﴿المقدس﴾) أي: (المبارك. ﴿طوى﴾: اسم الوادي) ونوّنه ابن عامر والكوفيون بتأويل المكان. وعن ابن عباس أيضًا عند الطبري سمي طوى لأن موسى طواه ليلاً، وروي أنه استأذن شعيبًا ﵉ في الخروج إلى أمه وخرج بأهله فلما وافى وادي طوى ولد له ابن في ليلة شاتية مظلمة مثلجة وقد أضل الطريق وتفرقت ماشيته إذ رأى من جانب الطور نارًا. القصة إلى آخرها.
(﴿سيرتها﴾) [طه: ٢١] في قوله تعالى: ﴿سنعيدها سيرتها﴾ أي (حالتها) الأولى وهي فعلة من السير تجوّز بها للطريقة والحالة. (﴿والنهى﴾) في قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات لأولي النهى﴾ [طه: ٥٤] أي (التقى) والنهى جمع نهية.
(﴿بملكنا﴾) في قوله تعالى: ﴿ما أخلفنا موعدك بملكنا﴾ [طه: ٨٧] أي (بأمرنا) وفتح نافع وعاصم ميم ملكنا وضمها حمزة والكسائي.
(﴿هوى﴾) في قوله تعالى: ﴿ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى﴾ [طه: ٨١] أي (شقي) وقيل: تردى، وقيل: هلك، وقيل: وقع في الهاوية وكلها سبب الشقاء (﴿فارغًا﴾) [القصص: ١٠] في قوله : ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا﴾ أي من كل شيء من أمر الدنيا (إلا من ذكر موسى) فلم يخل قلبها منه. (﴿ردءًا﴾) [القصص: ٣٤] في
стр. 2274
قوله تعالى: ﴿فأرسله معي ردءًا﴾ أي معينًا (كي يصدقني) فرعون بأن يلخص بلسانه الفصيح وجوه الدلائل ويجيب عن الشبهات ويجادل به الكفار، وليس المراد أن يقول هارون له صدقت. وقال السدي: التقدير كما يصدقني. (ويقال): في تفسير ردءًا (مغيثًا) بالغين المعجمة والمثلثة من الإغاثة (أو معينًا) بالعين المهملة والنون من الإعانة (﴿يبطش ويبطش﴾) بضم الطاء وكسرها لغتان في قوله تعالى: ﴿فلما أن أراد أن يبطش﴾ [القصص: ١٩] لكن الكسر هو قراءة الجمهور (﴿يأتمرون﴾) في قوله تعالى: ﴿إن الملأ يأتمرون﴾ [القصص: ٢٠] أي (يتشاورون) وإنما سمي التشاور ائتمارًا لأن كلاًّ من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر. (والجذوة) في قوله تعالى: ﴿أو جذوة من النار﴾ [القصص: ٢٩] هي (قطعة غليظة من الخشب ليس لها) كذا في الفرع والذي في أصله فيها (لهب). قال ابن مقبل:
باتت حواطب ليلى يلتمسن لها … جزل الجذا غير خوار ولا دعر
الخوار: الذي يتقصف، والدعر: الذي فيه لهب، وقيل الذي في رأسه نار. قال في اللباب وهو المشهور. قال السلمي:
حمى حب هذي النار حب خليلتي … وحب الغواني فهو دون الحباحب
وبدّلت بعد المسك والبان شقوة … دخان الجذا في رأس أشمط شاحب
وقد ورد ما يقتضي وجود اللهب فيه قال:
وألقى على قيس من النار جذوة … شديدًا عليها حميها والتهابها
وقيل: الجذوة العود الغليظ سواء كان في رأسه نار أو لم يكن، وليس المراد هنا إلا ما في رأسه نار.
(﴿سنشد﴾) [القصص: ٣٥] أي (سنعينك) ونقويك (كلما عززت شيئًا) بعين مهملة وزايين معجمتين الأولى مشددة والأخرى ساكنة (فقد جعلت له عضدًا) يعضده (وقال غيره): غير ابن عباس (كلما لم ينطق بحرف، أو) نطق به و (فيه تمتمة) بفوقيتين وميمين تردّد في النطق بالتاء المثناة الفوقية (أو فأفأة) بالفاءين والهمزتين تردد في النطق بالفاء (فهي ﴿عقدة﴾) أشار به إلى قوله: ﴿واحلل عقدة من لساني﴾ [طه: ٢٧] ﴿يفقهوا قولي﴾ قال في الأنوار: فإنما يحسن التبليغ من البليغ وكان في لسانه رنة من جمرة أدخلها فاه، وذلك أن فرعون حمله يومًا فأخذ لحيته ونتفها فغضب وأمر بقتله فقالت له آسية: إنه صبي لا يفرّق بين الجمر والياقوت فأحضرا بين يديه فأخذ الجمرة ووضعها في فيه، واختلف في زوال العقدة كلها فمن قال به تمسك بقوله تعالى: ﴿قد أوتيت سؤلك يا موسى﴾ ومن لم يقل احتج بقوله تعالى: ﴿هو أفصح مني لسانًا﴾ وقوله تعالى: ﴿لا يكاد يبين﴾ وأجاب عن الأول بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه مطلقًا بل عقدة تمنع الإفهام، ولذلك نكرها، وجعل (يفقهوا) جواب الأمر، ومن لساني يحتمل أن يكون صفة عقدة وأن يكون صلة احلل اهـ.
(﴿أزري﴾) [طه: ٣١] في قوله: ﴿أشدد به أزري﴾ أي ﴿ظهري﴾ قاله أبو عبيدة.
(﴿فيسحتكم﴾) [طه: ٦١] بعذاب أي (فيهلككم) ويستأصلكم به (﴿المثلى﴾) [طه: ٦٣] في قوله تعالى: ﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ (تأنيث الأمثل، يقول: بدينكم) المستقيم الذي أنتم عليه. وقال ابن عباس: بسراة قومكم وأشرافهم، وقيل أهل طريقتكم المثلى وهم بنو إسرائيل (يقال: خذ المثلى) منهما للأُنثيين (خذ الأمثل) منهما إذا كان ذكرًا والمراد بالمثلى الفضلى. (﴿ثم ائتوا صفًّا﴾) [طه: ٦٤] قال أبو عبيدة: أي صفوفًا قال وله معنى آخر (يقال: هل أتيت الصف اليوم؟ يعني المصلّى الذي يصلّى فيه). بفتح اللام المشددة فيهما أي ائتوا المكان الموعود، وقال غيره أي مصطفين لأنه أهيب في صدور الرائين. قيل: كانوا سبعين ألفًا مع كلٍّ منهم حبل وعصًا وأقبلوا عليه إقبالة واحدة (﴿فأوجس﴾) [طه: ٦] في نفسه خيفة أي (أضمر) فيها (خوفًا) من مفاجأته على ما هو مقتضى الجبلة البشرية أو خاف على الناس أن يفتتنوا بسحرهم فلا يتبعوه (فذهبت الواو من ﴿خيفة﴾) [طه: ٦٧] (لكسرة الخاء) فصارت ياء قاله أبو عبيدة
стр. 2275
وعبارة الصرفيين أن يقال أصل خيفة خوفة فقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها (﴿في جذوع النخل﴾) [طه: ٧١] أي (على جذوع). النخل قال الرضي في هنا وفي قول الشاعر:
بطل كأن ثيابه في سرحة
بمعنى على والأولى أنها بمعناها لتمكّن المصلوب في الجذع كتمكّن المظروف في الظرف وهو أوّل من صلب.
(﴿خطبك﴾) [طه: ٩٥] في قوله: ﴿قال فما خطبك يا سامري﴾ أي ما (بالك) وما شأنك ﴿مساس﴾ [طه: ٩٧] في قوله: ﴿فإن لك في الحياة أن لا تقول لا مساس﴾ (هو مصدر ماسه مساسًا). والمعنى أن السامري عوقب على إضلاله بني إسرائيل باتخاذه العجل والدعاء إلى عبادته في الدنيا بالنفي وبأن لا يمسّ أحدًا ولا يمسّه أحد فإن مسّه أحد أصابتهما الحمى معًا لوقتهما.
(﴿لننسفنه﴾) [طه: ٩٧] أي (لنذرينه) رمادًا بعد التحريق بالنار. (﴿الضحاء﴾) بفتح الضاد المعجمة والمد في قوله تعالى: ﴿وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾ [طه: ١١٩] هو (الحر) وهذا في قصة آدم ذكره المؤلّف استطرادًا.
(﴿قصيه﴾) في قوله تعالى: ﴿وقالت لأخته قصيه﴾ [القصص: ١١] أي (اتبعي أثره)، حتى تعلمي خبره (وقد يكون أن يقص الكلام) أي أو أن معنى القص من قص الكلام كما في قوله تعالى: (﴿نحن نقص عليك﴾) [يوسف: ٣] والقاص هو الذي يتتبع الآثار ويأتي بالخبر على وجهه (﴿عن جنب﴾) [القصص: ١١] أي (عن بعد) وهو صفة لمحذوف أي مكان بعيد (وعن جنابة وعن اجتناب واحد) في المعنى وقال أبو عمرو بن العلاء أي عن شوق وهي لغة جذام يقولون جنبت إليه أي اشتقت. (قال مجاهد) فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: (﴿على قدر﴾) [طه: ٤٠] معناه (موعد) أكلمك في وأستنبئك غير مستقدم وقته المعين ولا مستأخر.
(﴿لا تنيا﴾) [طه: ٤٢] أي (لا تضعفا) وهذا وصله الفريابي عن مجاهد أيضًا وعن ابن عباس لا تبطئًا وفي اليونينية وفرعها لا تنيا وأسقط لا تضعفا وكتب بعد لا تنيا صح وزاد في بعض النسخ بعد قوله لا تضعفا مكانًا سوى منصف بينهم بفتح الميم وسكون النون وفتح الصاد وكسرها وفي أخرى منصف بتشديد الصاد مفتوحة.
(﴿يبسًا﴾) [طه: ٧٧] في قوله تعالى. ﴿فاضرب لهم طريقًا في البحر يبسًا﴾ أي (يابسًا) مصدر وصف به (﴿من زينة القوم﴾) [طه: ٨٧] أي (الحلي الذي استعاروا من آل فرعون) حين هموا بالخروج من مصر باسم العرس، وقيل استعاروا لعيد كان لهم ثم لم يردوا عند الخروج مخافة أن يعلموا به.
(﴿فقذفتها﴾) أي فقذفت بها أي (ألقيتها) أي في النار وفي اليونينية فقذفتها ألقيتها فأسقط فقذفت بها وهي ثابتة في فرعه.
(﴿ألقى﴾) في قوله ﴿ألقى السامري﴾ أي (صنع) وصله الفريابي أيضًا (﴿فنسي﴾) [طه: ٨٨] أي (﴿موسى﴾) [طه: ٨٨] (هم) أي السامري وأتباعه (يقولونه) أي (أخطأ) موسى (الرب) الذي هو العجل أن يطلبه هنا وذهب يطلبه عند الطور (أن لا يرجع إليهم قولاً) أي (في العجل) أي أنه لا يرجع إليهم كلامًا ولا يرد عليهم جوابًا.
وهذا التفسير من قوله: ﴿لعلي آتيكم منها بقبس﴾ [طه: ١٠] إلى هنا. ثابت في رواية
المستملي والكشميهني، ومن قوله فذهبت الواو من خيفة إلى آخره مكتوب ثابت في حاشية الفرع وأصله والأول في أصله ولم يذكره جميع رواة البخاري هنا. نعم ذكروا بعضه في تفسير سورة طه، وقول الكرماني في أثناء هذا التفسير، وذكر هذا في هذا الكتاب العظيم الشأن اشتغال بما لا يعنيه فيه ما فيه فقد نبه في الفتح على أن المصنف لمح بهذه التفاسير بما جرى لموسى ﵇ في خروجه إلى مدين، ثم في رجوعه لمصر، ثم في أخباره مع فرعون، ثم في غرق فرعون، ثم في ذهابه الطور، ثم في عبادة بني إسرائيل العجل قال: وكأنه لم يثبت عنده في ذلك من المرفوعات ما هو على شرطه اهـ. فالله تعالى يرحم البخاري ما أدق نظره.
٣٣٩٣ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ، حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ فَإِذَا هَارُونُ، قَالَ: هَذَا هَارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ".
تَابَعَهُ ثَابِتٌ وَعَبَّادُ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا هدبة بن خالد) بضم الهاء وسكون الدال المهملة وفتح الموحدة القيسي من بني قيس بن ثوبان الأزدي البصري قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى بن دينار العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر الذال المعجمة البصري قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن رسول الله) وفي نسخة مصحح عليها أن نبي الله (¬ ﷺ حدثهم عن ليلة)
стр. 2276
بكسر التاء، وفي فرع اليونينية وأصلها ليلة بالنصب والجر مصحح علوها وسفلها (أسري به) فذكر الحديث الآتي بتمامه إن شاء الله تعالى في باب المعراج من السيرة النبوية إلى أن قال:
٢٣ - باب ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتِمُ إِيْمَانَهُ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾
(حتى أتى السماء الخامسة فإذا هارون، قال): جبريل (هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه، فردّ) عليَّ السلام (ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح تابعه) أي تابع قتادة (ثابت) البناني (وعباد بن أبي علي) بفتح العين وتشديد الموحدة البصري في روايتهما (عن أنس عن النبي ﷺ ¬).
في ذكر هارون في السماء الخامسة لا في سائر الحديث بل ولا في الإسناد، فإن رواية ثابت موصولة في مسلم من طريق حماد بن سلمة عنه ليس فيها ذكر مالك بن صعصعة، وكذلك عباد لم يذكر لأنس فيه شيخًا، ووقع هنا في نسخة باب بالتنوين (﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه﴾)؟ إلى قولها (﴿مسرف كذاب﴾) [غافر: ٢٨] وهو ثابت في حاشية فرع اليونينية وحاشية أصلها من غير حديث. قال في الفتح: ولعله أخلى بياضًا في الأصل فوصل كنظائره. وقد سبق ذكر هذه الآية قريبًا.
٢٤ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾
(باب قول الله تعالى ﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾) [النساء: ١٦٤] مصدر مؤكد رافع للمجاز. قال الفراء: العرب تسمي ما يوصل إلى الإنسان كلامًا بأي طريق وصل، ولكن لا تحققه بالمصدر فإذا حقق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام، وقال القرطبي: مصدر معناه التأكيد وهو يدل على بطلان قول من قال خلق الله لنبيه كلامًا في شجرة فسمعه موسى بل هو الكلام الحقيقي الذي يكون به المتكلم متكلمًا. وقال النحاس: أجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازًا وزاد في نسخة وهو الذي في اليونينية لا في فرعها قبل وكلم الله (﴿وهل أتاك حديث موسى﴾) [النازعات: ١٥] أي وقد أتاك كما مرّ قريبًا.
٣٣٩٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ رَأَيْتُ مُوسَى وَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ رَجِلٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ، وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ ﷺ بِهِ. ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ وَفِي الآخَرِ خَمْرٌ فَقَالَ: اشْرَبْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ، فَقِيلَ: أَخَذْتَ الْفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ».
[الحديث ٣٣٩٤ - أطرافه في: ٣٤٣٧، ٤٧٠٩، ٥٥٧٦، ٥٦٠٣].
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) الصنعاني قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سعيد بن المسيب) بن حزن القرشي المخزومي أحد الأعلام الأثبات (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله) ولأبي ذر قال النبي (¬ ﷺ ¬):
(ليلة أسري بي) ولغير أبي ذر به بدل بي (رأيت موسى وإذا رجل) ولأبي ذر: وإذا هو رجل (ضرب) بضاد معجمة مفتوحة فراء ساكنة فموحدة نحيف خفيف اللحم (رجل) بفتح الراء وكسر الجيم دهين الشعر مسترسله أو غير جعد (كأنه) في الطول (من رجال شنوءة) بفتح الشين المعجمة وضم النون وبعد الواو الساكنة همزة مفتوحة ثم هاء تأنيث حي من اليمن ينسبون إلى شنوءة وهو عبد الله بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد لقب بشنوءة لشنآن كان بينه وبين أهله، (ورأيت عيسى) ابن مريم ﵇ (فإذا هو رجل ربعة) بفتح الراء وسكون الموحدة وقد تفتح أي المربوع ومراده أنه ليس بطويل جدًّا ولا قصير جدًّا بل وسط (أحمر كأنما) وفي نسخة بالفرع كأصله كأنه (خرج من ديماس) بكسر الدال المهملة وسكون التحتية وبعد الميم ألف فسين مهملة، وزاد في باب واذكر في الكتاب مريم من رواية عبد الرزاق عن معمر يعني الحمام. وقال في القاموس: الديماس الكن والسرب والحمام وزاد غيره الحمام بلغة الحبشة. وقيل: ولم يكن
لهم يومئذٍ ديماس والحمام من جملة الكن والمراد وصفه بصفاء اللون ونضارة الجسم وكثرة ماء الوجه حتى كأنه كان في موضع كن حتى خرج منه وهو عرقان (وأنا أشبه ولد إبراهيم) الخليل زاد أبو ذر عن الكشميهني ﷺ (به ثم أتيت) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر) قبل تحريم الخمر لأن الإسراء كان بمكة وتحريم الخمر كان بالمدينة (فقال) جبريل: (اشرب أيهما) الخمر أو اللبن (شئت فأخذت اللبن فشربته فقيل): وفي رواية: فقال جبريل (أخذت الفطرة) أي الإسلام والاستقامة (أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك) لأنها أم الخبائث وجالبة لأنواع الشرور
стр. 2277
بالشين المعجمة في الحال والمآل.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الإيمان والترمذي في التفسير.
٣٣٩٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ حَدَّثَنَا ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ -يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى. وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ».
[الحديث ٣٣٩٥ - أطرافه في: ٣٤١٣، ٤٦٣٠، ٧٥٣٩].
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن بشار) بموحدة ومعجمة مشددة العبدي البصري أبو بكر بندار وسقط لأبي ذر ابن بشار قال: (حدّثنا غندر) هو محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (قال: سمعت أبا العالية) رفيعًا الرياحي قال: (حدّثنا ابن عم نبيكم يعني ابن عباس) ﵄ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس) أي ليس لأحد أن يفضل نفسه أو ليس لأحد أن يفضلني على يونس (بن متى) وهذا منه على سبيل التواضع (ونسبه إلى أبيه) وهو بفتح الميم وفتح المثناة الفوقية وبالألف وكان رجلاً صالحًا من أهل بيت النبوّة.
٣٣٩٦ - وَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ فَقَالَ: «مُوسَى آدَمُ طُوَالٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ. وَقَالَ: عِيسَى جَعْدٌ مَرْبُوعٌ، وَذَكَرَ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ، وَذَكَرَ الدَّجَّالَ».
(وذكر النبي ﷺ ليلة أسري به) وللكشميهني: مما ذكره في فتح الباري ليلة أسري به على الحكاية (فقال):
(موسى آدم) بالمد أي أسمر (طوال) بضم الطاء وتخفيف الواو (كأنه من رجال شنوءة) في الطول (وقال) في (عيسى جعد) شعره بفتح الجيم وسكون العين وهو خلاف السبط (مربوع) لا طويل ولا قصير، (وذكر مالكًا خازن النار) وفي اليونينية وفرعها مالك بغير ألف مع المنصب والتنوين مصححًا عليه (وذكر الدجال).
وهذا الحديث أخرجه في باب قول الله تعالى: ﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾ [الصافات: ١٣٩] وفى التفسير والتوحيد ومسلم في أحاديث الأنبياء وأبو داود في السنة، وهو
عند الأكثرين حديث واحد وبعضهم جعله حديثين ما يتعلق بيونس حديثًا والآخر بباقيه.
٣٣٩٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ عَنِ ابْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْمًا -يَعْنِي يومَ عَاشُورَاءَ- فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، وَهْوَ يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى، وَأَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ، فَصَامَ مُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ. فَقَالَ: أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ».
[الحديث ٣٣٩٧ - أطرافه في: ٢٠٠٤، ٣٩٤٣، ٤٦٨٠، ٤٧٣٧].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا أيوب) بن أبي تميمة كيسان (السختياني) بالسين المهملة المفتوحة وسكون الخاء المعجمة وفتح الفوقية والتحتية وبعد الألف نون البصري (عن ابن سعيد بن جبير) عبد الله (عن أبيه) سعيد (عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لما) ولأبي ذر قال لما (قدم المدينة) من مكة مهاجرًا فأقام إلى يوم عاشوراء من السنة الثانية (وجدهم) يعني اليهود (يصومون يومًا يعني عاشوراء) بالمد عاشر المحرم على المشهور فقال ﷺ : "ما هذا الصوم"؟ (فقالوا هذا يوم عظيم وهو يوم) بالتنوين (نجى الله) (فيه موسى) وقومه من عدوّهم (وأغرق آل فرعون) في الميم وفي رواية وأغرق فيه فرعون وقومه (فصام موسى) بإسقاط ضمير النصب (شكرًا لله) وعند المؤلّف في الهجرة: ونحن نصومه تعظيمًا له (فقال) النبي ﷺ :
(أنا أولى بموسى منهم) أي من اليهود (فصامه وأمر) الناس (بصيامه). وقد سبق هذا الحديث في الصيام.
٢٥ - باب
قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ * وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يُقَالُ دَكَّهُ: زَلْزَلَهُ فَدُكَّتَا، فَدُكِكْنَ جَعَلَ الْجِبَالَ كَالْوَاحِدَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ وَلَمْ يَقُلْ كُنَّ رَتْقًا: مُلْتَصِقَتَيْنِ. ﴿أُشْرِبُوا﴾ ثَوْبٌ مُشَرَّبٌ مَصْبُوغٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿انْبَجَسَتْ﴾: انْفَجَرَتْ. ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾: رَفَعْنَا.
(باب قول الله تعالى ﴿وواعدنا﴾) بألف بعد الواو (﴿موسى ثلاثين ليلة﴾) ذا القعدة (﴿وأتممناها بعشر﴾) من ذي الحجة (﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾). روي أن موسى ﵊ وعد بنى إسرائيل بمصر أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتاب من الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك سأل ربه فأمره بصوم ثلاثين فلما أتم أنكر خلوف فمه فتسوّك
فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأمره الله تعالى أن يزيد عليه عشرًا (﴿وقال موسى﴾) لما أراد الانطلاق إلى الجبل (﴿لأخيه هارون اخلفني في قومي﴾) كن خليفتي فيهم (﴿وأصلح﴾) أي ارفق بهم (﴿ولا تتبع سبيل المفسدين﴾) لا تطع من عصى الله ولا توافقه على أمره (﴿ولما جاء موسى لميقاتنا﴾) لوقتنا الذي وقتناه. وقال الطيبي قيل لا بد هنا من تقدير مضاف أي لآخر ميقاتنا أو لانقضاء ميقاتنا (﴿وكلمه ربه﴾) من غير واسطة (﴿قال: رب أرني أنظر إليك﴾) أرني نفسك بأن تمكنني من رؤيتك وهو دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة لأن طلب المستحيل من الأنبياء محال، لا سيما ممن اصطفاه الله تعالى برسالته وخصه بكرامته وشرفه بتكليمه فيجب حمل الآية على أن ما اعتقد موسى جوازه جائز، لكن ظن أن ما اعتقد
стр. 2278
جوازه ناجز فرجع النفي في قوله (﴿قال لن تراني﴾) إلى الإنجاز.
فإن قلت: إن أرني يكفي في الطلب لأنه تعالى إذا أراه نفسه لا بد أن ينظر إليه فما فائدة إردافه بقوله أنظر إليك؟ أجيب: بأن فائدته التوكيد والكشف التام فإنه لما أردفه به أفاد طلب رفع المانع وكشف الحجاب والتمكن من الرؤية بحيث لا يختلف عنه النظر البتة ونحوه قولك نظرت بعيني وقبضت بيدي (إلى قوله ﴿وأنا أول المؤمنين﴾) [الأعراف: ١٤٢ - ١٤٣] قيل: معناه أنا أوّل من آمن بأنك لا ترى في الدنيا وسقط لأبي ذر من قوله: ﴿وأتممناها﴾ إلى آخر ﴿لن تراني﴾ (يقال دكه): يريد تفسير قوله تعالى ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي (زلزله) وقال غيره: جعله مدكوكًا مفتتًا (فدكتا) بفتح الكاف وفي اليونينية بكسرها ولعله سبق قلم في قوله تعالى: ﴿وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة﴾ [الحاقة: ١٤] أي (فدككن) بالجمع لأن الجبال جمع والأرض في حكم الجمع لكنه (جعل الجبال كالواحدة) فلذلك قيل فدكتا بالتثنية (كما قال الله : ﴿إن السماوات والأرض كانتا رتقًا﴾) [الأنبياء: ٣٠] بالتثنية في كانتا (ولم يقل كن رتقًا) بالجمع على القياس بل جعل كل واحدة منهما كواحدة (ملتصقتين ﴿أشربوا﴾) في قوله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ [البقرة: ٩٣] (ثوب مشرب) أي مصبوغ يعني اختلط حب العجل بقلوبهم كما يختلط الصبغ بالثوب. (قال ابن عباس) مما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: (﴿انبجست﴾) أي (انفجرت) وفي قوله تعالى: (﴿وإذ نتقنا الجبل﴾) [الأعراف: ١٧١] أي (رفعنا). الجبل فوقهم روي أن موسى ﵇ لما رجع إلى قومه وقد أتاهم بالتوراة فأبوا أن يقبلوها ويعملوا بها، فأمر الله تعالى جبريل ﵇ أن يقلع جبلاً قدر عسكرهم وكان فرسخًا في فرسخ فرفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة الرجل وكانوا ستمائة ألف وقال: إن لم تقبلوها وإلاً ألقيت عليكم هذا الجبل.
٣٣٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «النَّاسُ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو بن يحيى) بفتح العين (عن أبيه) يحيى بن عمارة المازني الأنصاري (عن أبي سعيد) الخدري (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(الناس يصعقون) يغشى عليهم (يوم القيامة فأكون أول من يفيق) من الغشى (فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور). التي صعقها لما سأل الرؤية فلم يكلف بصعقة أخرى. وفيه فضيلة لموسى لكن لا يلزم من إفاقته قبل نبينا ﷺ أن يكون أفضل منه، بل قيل إن قوله: فلا أدري أفاق قبلي يحتمل أن ﵊ قاله قبل أن يعلم أنه أول من تنشق عنه الأرض.
وتأتي مباحث ذلك إن شاء الله تعالى في محله بعون الله تعالى، وفي نسخة هنا باب بالتنوين.
٣٣٩٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ، وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الله بن محمد الجعفي) المسندي قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) بسكون العين المهملة وفتح الميمين ابن راشد البصري (عن همام) بفتح الهاء وتشديد الميم ابن منبه الصنعاني (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم) بفتح التحتية وسكون الخاء المعجمة وفتح النون بعدها زاي أي لم ينتن قيل لأنهم كانوا أمروا بترك ادّخار السلوى فادخروه حتى أنتن فاستمر نتن اللحم من ذلك الوقت، وقيل لم يكن اللحم يخنز حتى منع بنو إسرائيل عن ادخاره فلما ادخروه اختنز عقوبة لهم (ولولا حوّاء) بالمد (لم تخن أنثى زوجها الدهر). لأنها رغبت آدم في أكل الشجرة بعد وسوسة إبليس فسرى في أولادها مثل ذلك.
وهذا الحديث سبق في أول أحاديث الأنبياء.
٢٦ - باب طُوفَانٍ مِنَ السَّيْلِ. وَيُقَالُ لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ طُوفَانٌ
﴿الْقُمَّلُ﴾: الْحُمْنَانُ يُشْبِهُ صِغَارَ الْحَلَمِ. ﴿حَقِيقٌ﴾ حَقٌّ. ﴿سُقِطَ﴾: كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ.
(طوفان) في قوله تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم الطوفان﴾ أي (من السيل) أي من كثرة الأمطار وفي نسخة باب طوفان من السيل و (يقال للموت الكثير) المتتابع (طوفان) وقيل الطاعون
و (﴿القمل﴾) [الأعراف: ١٣٣] هو (الحمنان) بضم الحاء المهملة وسكون الميم ونونين بينهما ألف (يشبه صغار الحلم) بفتح الحاء المهملة واللام وهو القراد العظيم. (﴿حقيق﴾) [الأعراف: ١٠٥] قال أبو عبيدة أي (حق) وهذا على قراءة
стр. 2279
تشديد عليّ.
(﴿سُقِطَ﴾) في قوله تعالى: ﴿ولما سقط في أيديهم﴾ وفسره بقوله (كل من ندم فقد سقط في يده). قال في القاموس: وسقط في يده وأسقط مضمومتين زل وأخطأ وندم وتحير اهـ.
فإن النادم المتحسر يعض يده غمًا فتصير يده مسقوطًا فيها لأن فاه قد وقع فيها، وقيل من عادة النادم أن يطأطئ رأسه ويضع ذقنه على يده معتمدًا عليها ويصير على هيئة لو نزعت يده لسقط على وجهه فكأن اليد مسقوط فيها، ومعنى في على فمعنى في أيديهم على أيديهم، وهذه اللفظة قد اضطربت أقوال أهل اللغة في أصلها فقال أبو مروان بن سراج اللغوي قول العرب سقط في يده مما أعياني معناه. وقال الواحدي: لم أر لأهل اللغة شيئًا في أصله وحدّه أرتضيه إلا ما ذكره الزجاج أنه بمعنى ندم وأنه نظم لم يسمع قبل القرآن ولم تعرفه العرب ولم يوجد في أشعارهم، ويدل على صحة ذلك أن شعراء الإسلام لما سمعوا هذا النظم واستعملوه في كلامهم خفي عليهم وجه الاستعمال لأن عادتهم لم تجر به قال أبو نواس:
ونشوة سقطت منها في يدي
وأبو نواس هو العالم النحرير فأخطأ في استعمال هذا اللفظ لأن فعلت لا يبنى إلا من فعل متعدّ وسقط لازم لا يتعدى إلا بحرف الصلة لا يقال سقطت كما لا يقال رغبت وغضبت، إنما يقال رغب فيّ وغضب عليّ. وذكر أبو حاتم سقط فلان في يده بمعنى ندم وهو خطأ مثل قول أبي نواس لأنه لو كان كذلك لكان النظم ولما سقطوا في أيديهم وسقط القوم في أيديهم كذا نقله ابن عادل في اللباب.
٢٧ - باب حَدِيثِ الْخَضِرِ مَعَ مُوسَى ﵉ -
(حديث الخضر) ولأبي ذر باب حديث الخضر (مع موسى ﵉.
٣٤٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ: لَا. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى
مُوسَى: بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجُعِلَ لَهُ الْحُوتُ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ يَتْبَعُ الْحُوتَ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. فَقَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغي، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ».
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن محمد) بفتح العين ابن بكير الناقد قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثني) بالإفراد (أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (أن عبيد الله بن عبد الله) بضم عين الأول ابن عتبة (أخبره عن ابن عباس) ﵄ (أنه تمارى) أي تنازع وتجادل (هو والحرّ بن قيس الفزاري) بفتح الفاء (في صاحب موسى) الذي ذهب إليه وقال له هل أتبعك (قال ابن عباس: هو خضر) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين (فمرّ بهما) بالحر وابن عباس (أبي بن كعب) الأنصاري (فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت) تجادلت (أنا وصاحبي هذا) الحر بن قيس (في صاحب موسى الذي سأل السبيل) الطريق (إلى لقيه) بضم اللام وكسر القاف وتشديد التحتية (هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شأنه؟ قال) أبي: (نعم سمعت رسول الله ﷺ ¬) ولأبي ذر يذكر شأنه (يقول):
(بينما) بالميم (موسى في ملإ) بالقصر جماعة (من بني إسرائيل) أولاد يعقوب (جاءه رجل فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال: لا. فأوحى الله) (إلى موسى) ﵇ (بلى عبدنا خضر) أي أعلم منك بشيء مخصوص (فسأل موسى) ربه (السبيل إليه) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: إلى لقيه (فجعل) بضم الجيم مبنيًّا للمفعول (له الحوت آية) علامة على لقيه (وقيل له إذا فقدت الحوت) بفتح الفاء والقاف أي إذا غاب عن عينك (فارجع فإنك ستلقاه) فأخذ حوتًا فجعله في مكتل ثم انطلق معه بفتاه وقال له إذا فقدت الحوت فأخبرني (فكان يتبع الحوت) بسكون الفوقية ولأبي الوقت والأصيلي يتبع أثر الحوث (في البحر) أي ينتظر فقدانه فلما أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فناما فاضطرب الحوت في المكتل فسقط في البحر (فقال لموسى فتاه) يوشع بن نون (أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت) أي فإني نسيت أن أخبرك بخبر الحوت (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) نسبه للشيطان تأدبًا مع الرب تعالى لأن نسبة النقص للنفس والشيطان أليق بمقام الأدب (فقال موسى) ﵇: (ذلك) الذي ذكرته (ما كنا نبغي) بالتحتية بعد الغين ولغير أبي ذر نبغ نطلب إذ هو علامة على لقي الخضر (فارتدّا) رجعا (على آثارهما) يقصان (قصصًا) حتى انتهيا إلى الصخرة (فوجدا خضرًا) نائمًا مسجى ثوبًا في
стр. 2280
جزيرة من جزائر البحر (فكان من شأنهما الذي قص الله) (في كتابه) في سورة الكهف.
وهذا الحديث قد سبق في باب ما ذكر في ذهاب موسى إلى الخضر من كتاب العلم.
٣٤٠١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: «قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ نَوْفًا الْبَكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ، فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: بَلَى، لِيَ عَبْدٌ بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: أَىْ رَبِّ وَمَنْ لِي بِهِ؟ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: أَىْ رَبِّ وَكَيْفَ لِي بِهِ؟ - قَالَ: تَأْخُذُ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ، حَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَهْوَ ثَمَّ -وَرُبَّمَا قَالَ: فَهْوَ ثَمَّهْ- وَأَخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ حَتَّى إذا أَتَيَا الصَّخْرَةَ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا، فَرَقَدَ مُوسَى، وَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فَخَرَجَ فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا، فَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الْحُوتِ جِرْيَةَ الْمَاءِ فَصَارَ مِثْلَ الطَّاقِ -فَقَالَ: هَكَذَا مِثْلُ الطَّاقِ- فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَالَ لِفَتَاهُ. آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا. وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ. قَالَ لَهُ فَتَاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا، فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا وَلَهُمَا عَجَبًا. قَالَ لَهُ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا -رَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا- حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ مُوسَى، فَرَدَّ عَلَيْهِ فَقَالَ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا. قَالَ: يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ لَا تَعْلَمُهُ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ. قَالَ: هَلْ أَتَّبِعُكَ؟ قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿إِمْرًا﴾. فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ كَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ. فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ جَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ، قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: يَا مُوسَى، مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلاَّ مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ الْبَحْرِ، إِذْ أَخَذَ الْفَأْسَ فَنَزَعَ لَوْحًا، قَالَ: فَلَمْ يَفْجَأْ مُوسَى إِلاَّ وَقَدْ قَلَعَ لَوْحًا بِالْقَدُّومِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: مَا صَنَعْتَ؟ قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا. قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ قَالَ: لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ، وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا. فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا. فَلَمَّا خَرَجَا مِنَ الْبَحْرِ مَرُّوا بِغُلَامٍ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَلَعَهُ بِيَدِهِ هَكَذَا -وَأَوْمَأَ سُفْيَانُ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ كَأَنَّهُ يَقْطِفُ شَيْئًا- فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا. قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ قَالَ: إِنْ سَأَلْتُكَ
عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي، قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا. فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ مَائِلاً -أَوْمَأَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ سُفْيَانُ كَأَنَّهُ يَمْسَحُ شَيْئًا إِلَى فَوْقُ، فَلَمْ أَسْمَعْ سُفْيَانَ يَذْكُرُ "مَائِلاً" إِلاَّ مَرَّةً- قَالَ: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، عَمَدْتَ إِلَى حَائِطِهِمْ، لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا. قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ فَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا. قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى لَوْ كَانَ صَبَرَ يُقَصُّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا. وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ. ثُمَّ قَالَ لِي سُفْيَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ. قِيلَ لِسُفْيَانَ: حَفِظْتَهُ قَبْلَ أَنْ تَسْمَعَهُ مِنْ عَمْرٍو أَوْ تَحَفَّظْتَهُ مِنْ إِنْسَانٍ؟ فَقَالَ: مِمَّنْ أَتَحَفَّظُهُ، وَرَوَاهُ أَحَدٌ عَنْ عَمْرٍو غَيْرِي؟ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ".
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عمرو بن دينار) المكي (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن جبير) بضم الجيم مصغرًا الكوفي (قال: قلت لابن عباس أن نوفًا) بفتح النون وسكون الواو وتنوين الفاء ابن فضالة بفتح الفاء والضاد المعجمة أبا يزيد القاص (البكالي) بكسر الموحدة وتخفيف اللام والكاف على الصواب، ونقل عن المهلب والصدفي وأبي الحسن بن سراج نسبة إلى بكال من حمير وضبطه أكثر المحدّثنين فما قاله عياض البكالي بفتح الموحدة وتشديد الكاف قال: وكذا قيدناه عن أبي بحر وابن أبي جعفر عن العذري وقاله أبو ذر نسبة إلى بكال بن دعمى (يزعم أن موسى صاحب الخضر) الذي قص الله عنهما في سورة الكهف (ليس هو موسى بني إسرائيل إنما هو موسى آخر) يسمى موسى بن ميشا بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب وموسى الثاني منوّن للفرق (فقال) ابن عباس: (كذب عدوّ الله) نوف فيما زعم قاله مبالغة في الإنكار والزجر وكان في شدة غضبه لا أنه يعتقد ذلك (حدّثنا أبي بن كعب عن النبي ﷺ ¬):
(إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل فسئل أيّ الناس أعلم) أي منهم (فقال) بحسب اعتقاده (أنا) أعلم الناس وهذا أبلغ من قوله في الرواية السابقة هل تعلم أحدًا أعلم منك: قال: لا. فإنه نفى هناك علمه وفي هذه الرواية على البت (فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه) فيقول نحو الله أعلم (فقال) الله (له: بلى لي عبد) هو خضر (بمجمع البحرين) ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق (هو أعلم منك) أي بشيء مخصوص (قال) موسى (أي) أي يا (رب ومن لي به)؟ أي ومن يتكفل لي برؤيته (وربما قال سفيان) بن عيينة (أي رب وكيف لي به)؟ أي وكيف يتهيأ لي أن أظفر به (قال) تعالى: ﴿تأخذ حوتًا) مملوحًا (فتجعله في مكتل) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الفوقية زنبيل (حيثما فقدت الحوت) بفتح القاف (فهو) أي الخضر (ثم) بفتح المثلثة
وتشديد الميم (وربما قال فهو ثمه) بزيادة هاء السكت الساكنة أي هناك (وأخذ) بالواو موسى (حوتا) مملوحًا (فجعله في مكتل) كما أمر (ثم انطلق هو وفتاه يوشع بن نون) بالصرف كنوح (حتى أتيا) ولأبي ذر حتى إذا أتيا (الصخرة) التي عند ساحل مجمع البحرين ويقال ثمة عين تسمى بعين الحياة "وضعا رؤوسهما فرقد موسى واضطرب الحوت" أي تحرك لأنه أصابه من ماء عين الحياة (فخرج) من المكتل (فسقط في البحر فاتخذ سبيله) طريقه (في البحر سربًا) مسلكًا (فأمسك الله) (عن الحوت جرية الماء فصار) عليه (مثل الطاق) وفي نسخة في مثل الطاق (فقال: هكذا مثل الطاق) أي مثل عقد البناء قال الكرماني: معجزة لموسى والخضر (فانطلقا) موسى وفتاه (يمشيان بقية ليلتهما ويومهما) بنصب اليوم (حتى إذا كان من الغد قال) موسى (لفتاه) يوشع: (آتنا غداءنا) طعامنا الذي نأكله أوّل النهار (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا) تعبًا (ولم يجد موسى النصب حتى جاوز حيث أمره الله) تعالى (قال له فتاه) يوشع: (أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت) أن أخبرك بحياته وانتضاب الماء مثل الطاق وغيره (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) لها بهر العقل من عظيم القدرة (واتخذ سبيله في البحر) سبيلاً (عجبًا) مفعول ثان لاتخذ وهو كونه كالسرب (فكان للحوت) أي لدخول الحوت في الماء (سربًا) مسلكًا (ولهما) لموسى وفتاه (عجبًا) فإنه جمد الماء أو صار صخرًا (قال له موسى ذلك) الذي ذكرته (ما كنا نبغي فارتدّا على آثارهما) يقصان (قصصًا) أي (رجعا) في الطريق الذي جاءا فيه (يقصان آثارهما) قصصًا أي يتبعان آثار مسيرهما اتباعًا (حتى انتهيا إلى الصخرة) فذهبا يلتمسان الخضر (فإذا رجل) نائم (مسجى بثوب) أي مغطى كله به (فسلم موسى)