بكسر التاء، وفي فرع اليونينية وأصلها ليلة بالنصب والجر مصحح علوها وسفلها (أسري به) فذكر الحديث الآتي بتمامه إن شاء الله تعالى في باب المعراج من السيرة النبوية إلى أن قال:
٢٣ - باب ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتِمُ إِيْمَانَهُ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾
(حتى أتى السماء الخامسة فإذا هارون، قال): جبريل (هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه، فردّ) عليَّ السلام (ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح تابعه) أي تابع قتادة (ثابت) البناني (وعباد بن أبي علي) بفتح العين وتشديد الموحدة البصري في روايتهما (عن أنس عن النبي ﷺ ¬).
في ذكر هارون في السماء الخامسة لا في سائر الحديث بل ولا في الإسناد، فإن رواية ثابت موصولة في مسلم من طريق حماد بن سلمة عنه ليس فيها ذكر مالك بن صعصعة، وكذلك عباد لم يذكر لأنس فيه شيخًا، ووقع هنا في نسخة باب بالتنوين (﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه﴾)؟ إلى قولها (﴿مسرف كذاب﴾) [غافر: ٢٨] وهو ثابت في حاشية فرع اليونينية وحاشية أصلها من غير حديث. قال في الفتح: ولعله أخلى بياضًا في الأصل فوصل كنظائره. وقد سبق ذكر هذه الآية قريبًا.
٢٤ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾
(باب قول الله تعالى ﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾) [النساء: ١٦٤] مصدر مؤكد رافع للمجاز. قال الفراء: العرب تسمي ما يوصل إلى الإنسان كلامًا بأي طريق وصل، ولكن لا تحققه بالمصدر فإذا حقق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام، وقال القرطبي: مصدر معناه التأكيد وهو يدل على بطلان قول من قال خلق الله لنبيه كلامًا في شجرة فسمعه موسى بل هو الكلام الحقيقي الذي يكون به المتكلم متكلمًا. وقال النحاس: أجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازًا وزاد في نسخة وهو الذي في اليونينية لا في فرعها قبل وكلم الله (﴿وهل أتاك حديث موسى﴾) [النازعات: ١٥] أي وقد أتاك كما مرّ قريبًا.
٣٣٩٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ رَأَيْتُ مُوسَى وَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ رَجِلٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ، وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ ﷺ بِهِ. ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ وَفِي الآخَرِ خَمْرٌ فَقَالَ: اشْرَبْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ، فَقِيلَ: أَخَذْتَ الْفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ».
[الحديث ٣٣٩٤ - أطرافه في: ٣٤٣٧، ٤٧٠٩، ٥٥٧٦، ٥٦٠٣].
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) الصنعاني قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سعيد بن المسيب) بن حزن القرشي المخزومي أحد الأعلام الأثبات (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله) ولأبي ذر قال النبي (¬ ﷺ ¬):
(ليلة أسري بي) ولغير أبي ذر به بدل بي (رأيت موسى وإذا رجل) ولأبي ذر: وإذا هو رجل (ضرب) بضاد معجمة مفتوحة فراء ساكنة فموحدة نحيف خفيف اللحم (رجل) بفتح الراء وكسر الجيم دهين الشعر مسترسله أو غير جعد (كأنه) في الطول (من رجال شنوءة) بفتح الشين المعجمة وضم النون وبعد الواو الساكنة همزة مفتوحة ثم هاء تأنيث حي من اليمن ينسبون إلى شنوءة وهو عبد الله بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد لقب بشنوءة لشنآن كان بينه وبين أهله، (ورأيت عيسى) ابن مريم ﵇ (فإذا هو رجل ربعة) بفتح الراء وسكون الموحدة وقد تفتح أي المربوع ومراده أنه ليس بطويل جدًّا ولا قصير جدًّا بل وسط (أحمر كأنما) وفي نسخة بالفرع كأصله كأنه (خرج من ديماس) بكسر الدال المهملة وسكون التحتية وبعد الميم ألف فسين مهملة، وزاد في باب واذكر في الكتاب مريم من رواية عبد الرزاق عن معمر يعني الحمام. وقال في القاموس: الديماس الكن والسرب والحمام وزاد غيره الحمام بلغة الحبشة. وقيل: ولم يكن
لهم يومئذٍ ديماس والحمام من جملة الكن والمراد وصفه بصفاء اللون ونضارة الجسم وكثرة ماء الوجه حتى كأنه كان في موضع كن حتى خرج منه وهو عرقان (وأنا أشبه ولد إبراهيم) الخليل زاد أبو ذر عن الكشميهني ﷺ (به ثم أتيت) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر) قبل تحريم الخمر لأن الإسراء كان بمكة وتحريم الخمر كان بالمدينة (فقال) جبريل: (اشرب أيهما) الخمر أو اللبن (شئت فأخذت اللبن فشربته فقيل): وفي رواية: فقال جبريل (أخذت الفطرة) أي الإسلام والاستقامة (أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك) لأنها أم الخبائث وجالبة لأنواع الشرور
стр. 2277
بالشين المعجمة في الحال والمآل.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الإيمان والترمذي في التفسير.
٣٣٩٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ حَدَّثَنَا ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ -يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى. وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ».
[الحديث ٣٣٩٥ - أطرافه في: ٣٤١٣، ٤٦٣٠، ٧٥٣٩].
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن بشار) بموحدة ومعجمة مشددة العبدي البصري أبو بكر بندار وسقط لأبي ذر ابن بشار قال: (حدّثنا غندر) هو محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (قال: سمعت أبا العالية) رفيعًا الرياحي قال: (حدّثنا ابن عم نبيكم يعني ابن عباس) ﵄ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس) أي ليس لأحد أن يفضل نفسه أو ليس لأحد أن يفضلني على يونس (بن متى) وهذا منه على سبيل التواضع (ونسبه إلى أبيه) وهو بفتح الميم وفتح المثناة الفوقية وبالألف وكان رجلاً صالحًا من أهل بيت النبوّة.
٣٣٩٦ - وَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ فَقَالَ: «مُوسَى آدَمُ طُوَالٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ. وَقَالَ: عِيسَى جَعْدٌ مَرْبُوعٌ، وَذَكَرَ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ، وَذَكَرَ الدَّجَّالَ».
(وذكر النبي ﷺ ليلة أسري به) وللكشميهني: مما ذكره في فتح الباري ليلة أسري به على الحكاية (فقال):
(موسى آدم) بالمد أي أسمر (طوال) بضم الطاء وتخفيف الواو (كأنه من رجال شنوءة) في الطول (وقال) في (عيسى جعد) شعره بفتح الجيم وسكون العين وهو خلاف السبط (مربوع) لا طويل ولا قصير، (وذكر مالكًا خازن النار) وفي اليونينية وفرعها مالك بغير ألف مع المنصب والتنوين مصححًا عليه (وذكر الدجال).
وهذا الحديث أخرجه في باب قول الله تعالى: ﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾ [الصافات: ١٣٩] وفى التفسير والتوحيد ومسلم في أحاديث الأنبياء وأبو داود في السنة، وهو
عند الأكثرين حديث واحد وبعضهم جعله حديثين ما يتعلق بيونس حديثًا والآخر بباقيه.
٣٣٩٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ عَنِ ابْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْمًا -يَعْنِي يومَ عَاشُورَاءَ- فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، وَهْوَ يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى، وَأَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ، فَصَامَ مُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ. فَقَالَ: أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ».
[الحديث ٣٣٩٧ - أطرافه في: ٢٠٠٤، ٣٩٤٣، ٤٦٨٠، ٤٧٣٧].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا أيوب) بن أبي تميمة كيسان (السختياني) بالسين المهملة المفتوحة وسكون الخاء المعجمة وفتح الفوقية والتحتية وبعد الألف نون البصري (عن ابن سعيد بن جبير) عبد الله (عن أبيه) سعيد (عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لما) ولأبي ذر قال لما (قدم المدينة) من مكة مهاجرًا فأقام إلى يوم عاشوراء من السنة الثانية (وجدهم) يعني اليهود (يصومون يومًا يعني عاشوراء) بالمد عاشر المحرم على المشهور فقال ﷺ : "ما هذا الصوم"؟ (فقالوا هذا يوم عظيم وهو يوم) بالتنوين (نجى الله) (فيه موسى) وقومه من عدوّهم (وأغرق آل فرعون) في الميم وفي رواية وأغرق فيه فرعون وقومه (فصام موسى) بإسقاط ضمير النصب (شكرًا لله) وعند المؤلّف في الهجرة: ونحن نصومه تعظيمًا له (فقال) النبي ﷺ :
(أنا أولى بموسى منهم) أي من اليهود (فصامه وأمر) الناس (بصيامه). وقد سبق هذا الحديث في الصيام.
٢٥ - باب
قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ * وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يُقَالُ دَكَّهُ: زَلْزَلَهُ فَدُكَّتَا، فَدُكِكْنَ جَعَلَ الْجِبَالَ كَالْوَاحِدَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ وَلَمْ يَقُلْ كُنَّ رَتْقًا: مُلْتَصِقَتَيْنِ. ﴿أُشْرِبُوا﴾ ثَوْبٌ مُشَرَّبٌ مَصْبُوغٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿انْبَجَسَتْ﴾: انْفَجَرَتْ. ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾: رَفَعْنَا.
(باب قول الله تعالى ﴿وواعدنا﴾) بألف بعد الواو (﴿موسى ثلاثين ليلة﴾) ذا القعدة (﴿وأتممناها بعشر﴾) من ذي الحجة (﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾). روي أن موسى ﵊ وعد بنى إسرائيل بمصر أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتاب من الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك سأل ربه فأمره بصوم ثلاثين فلما أتم أنكر خلوف فمه فتسوّك
فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأمره الله تعالى أن يزيد عليه عشرًا (﴿وقال موسى﴾) لما أراد الانطلاق إلى الجبل (﴿لأخيه هارون اخلفني في قومي﴾) كن خليفتي فيهم (﴿وأصلح﴾) أي ارفق بهم (﴿ولا تتبع سبيل المفسدين﴾) لا تطع من عصى الله ولا توافقه على أمره (﴿ولما جاء موسى لميقاتنا﴾) لوقتنا الذي وقتناه. وقال الطيبي قيل لا بد هنا من تقدير مضاف أي لآخر ميقاتنا أو لانقضاء ميقاتنا (﴿وكلمه ربه﴾) من غير واسطة (﴿قال: رب أرني أنظر إليك﴾) أرني نفسك بأن تمكنني من رؤيتك وهو دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة لأن طلب المستحيل من الأنبياء محال، لا سيما ممن اصطفاه الله تعالى برسالته وخصه بكرامته وشرفه بتكليمه فيجب حمل الآية على أن ما اعتقد موسى جوازه جائز، لكن ظن أن ما اعتقد
стр. 2278
جوازه ناجز فرجع النفي في قوله (﴿قال لن تراني﴾) إلى الإنجاز.
فإن قلت: إن أرني يكفي في الطلب لأنه تعالى إذا أراه نفسه لا بد أن ينظر إليه فما فائدة إردافه بقوله أنظر إليك؟ أجيب: بأن فائدته التوكيد والكشف التام فإنه لما أردفه به أفاد طلب رفع المانع وكشف الحجاب والتمكن من الرؤية بحيث لا يختلف عنه النظر البتة ونحوه قولك نظرت بعيني وقبضت بيدي (إلى قوله ﴿وأنا أول المؤمنين﴾) [الأعراف: ١٤٢ - ١٤٣] قيل: معناه أنا أوّل من آمن بأنك لا ترى في الدنيا وسقط لأبي ذر من قوله: ﴿وأتممناها﴾ إلى آخر ﴿لن تراني﴾ (يقال دكه): يريد تفسير قوله تعالى ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي (زلزله) وقال غيره: جعله مدكوكًا مفتتًا (فدكتا) بفتح الكاف وفي اليونينية بكسرها ولعله سبق قلم في قوله تعالى: ﴿وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة﴾ [الحاقة: ١٤] أي (فدككن) بالجمع لأن الجبال جمع والأرض في حكم الجمع لكنه (جعل الجبال كالواحدة) فلذلك قيل فدكتا بالتثنية (كما قال الله : ﴿إن السماوات والأرض كانتا رتقًا﴾) [الأنبياء: ٣٠] بالتثنية في كانتا (ولم يقل كن رتقًا) بالجمع على القياس بل جعل كل واحدة منهما كواحدة (ملتصقتين ﴿أشربوا﴾) في قوله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ [البقرة: ٩٣] (ثوب مشرب) أي مصبوغ يعني اختلط حب العجل بقلوبهم كما يختلط الصبغ بالثوب. (قال ابن عباس) مما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: (﴿انبجست﴾) أي (انفجرت) وفي قوله تعالى: (﴿وإذ نتقنا الجبل﴾) [الأعراف: ١٧١] أي (رفعنا). الجبل فوقهم روي أن موسى ﵇ لما رجع إلى قومه وقد أتاهم بالتوراة فأبوا أن يقبلوها ويعملوا بها، فأمر الله تعالى جبريل ﵇ أن يقلع جبلاً قدر عسكرهم وكان فرسخًا في فرسخ فرفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة الرجل وكانوا ستمائة ألف وقال: إن لم تقبلوها وإلاً ألقيت عليكم هذا الجبل.
٣٣٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «النَّاسُ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو بن يحيى) بفتح العين (عن أبيه) يحيى بن عمارة المازني الأنصاري (عن أبي سعيد) الخدري (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(الناس يصعقون) يغشى عليهم (يوم القيامة فأكون أول من يفيق) من الغشى (فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور). التي صعقها لما سأل الرؤية فلم يكلف بصعقة أخرى. وفيه فضيلة لموسى لكن لا يلزم من إفاقته قبل نبينا ﷺ أن يكون أفضل منه، بل قيل إن قوله: فلا أدري أفاق قبلي يحتمل أن ﵊ قاله قبل أن يعلم أنه أول من تنشق عنه الأرض.
وتأتي مباحث ذلك إن شاء الله تعالى في محله بعون الله تعالى، وفي نسخة هنا باب بالتنوين.
٣٣٩٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ، وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الله بن محمد الجعفي) المسندي قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) بسكون العين المهملة وفتح الميمين ابن راشد البصري (عن همام) بفتح الهاء وتشديد الميم ابن منبه الصنعاني (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم) بفتح التحتية وسكون الخاء المعجمة وفتح النون بعدها زاي أي لم ينتن قيل لأنهم كانوا أمروا بترك ادّخار السلوى فادخروه حتى أنتن فاستمر نتن اللحم من ذلك الوقت، وقيل لم يكن اللحم يخنز حتى منع بنو إسرائيل عن ادخاره فلما ادخروه اختنز عقوبة لهم (ولولا حوّاء) بالمد (لم تخن أنثى زوجها الدهر). لأنها رغبت آدم في أكل الشجرة بعد وسوسة إبليس فسرى في أولادها مثل ذلك.
وهذا الحديث سبق في أول أحاديث الأنبياء.
٢٦ - باب طُوفَانٍ مِنَ السَّيْلِ. وَيُقَالُ لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ طُوفَانٌ
﴿الْقُمَّلُ﴾: الْحُمْنَانُ يُشْبِهُ صِغَارَ الْحَلَمِ. ﴿حَقِيقٌ﴾ حَقٌّ. ﴿سُقِطَ﴾: كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ.
(طوفان) في قوله تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم الطوفان﴾ أي (من السيل) أي من كثرة الأمطار وفي نسخة باب طوفان من السيل و (يقال للموت الكثير) المتتابع (طوفان) وقيل الطاعون
و (﴿القمل﴾) [الأعراف: ١٣٣] هو (الحمنان) بضم الحاء المهملة وسكون الميم ونونين بينهما ألف (يشبه صغار الحلم) بفتح الحاء المهملة واللام وهو القراد العظيم. (﴿حقيق﴾) [الأعراف: ١٠٥] قال أبو عبيدة أي (حق) وهذا على قراءة
стр. 2279
تشديد عليّ.
(﴿سُقِطَ﴾) في قوله تعالى: ﴿ولما سقط في أيديهم﴾ وفسره بقوله (كل من ندم فقد سقط في يده). قال في القاموس: وسقط في يده وأسقط مضمومتين زل وأخطأ وندم وتحير اهـ.
فإن النادم المتحسر يعض يده غمًا فتصير يده مسقوطًا فيها لأن فاه قد وقع فيها، وقيل من عادة النادم أن يطأطئ رأسه ويضع ذقنه على يده معتمدًا عليها ويصير على هيئة لو نزعت يده لسقط على وجهه فكأن اليد مسقوط فيها، ومعنى في على فمعنى في أيديهم على أيديهم، وهذه اللفظة قد اضطربت أقوال أهل اللغة في أصلها فقال أبو مروان بن سراج اللغوي قول العرب سقط في يده مما أعياني معناه. وقال الواحدي: لم أر لأهل اللغة شيئًا في أصله وحدّه أرتضيه إلا ما ذكره الزجاج أنه بمعنى ندم وأنه نظم لم يسمع قبل القرآن ولم تعرفه العرب ولم يوجد في أشعارهم، ويدل على صحة ذلك أن شعراء الإسلام لما سمعوا هذا النظم واستعملوه في كلامهم خفي عليهم وجه الاستعمال لأن عادتهم لم تجر به قال أبو نواس:
ونشوة سقطت منها في يدي
وأبو نواس هو العالم النحرير فأخطأ في استعمال هذا اللفظ لأن فعلت لا يبنى إلا من فعل متعدّ وسقط لازم لا يتعدى إلا بحرف الصلة لا يقال سقطت كما لا يقال رغبت وغضبت، إنما يقال رغب فيّ وغضب عليّ. وذكر أبو حاتم سقط فلان في يده بمعنى ندم وهو خطأ مثل قول أبي نواس لأنه لو كان كذلك لكان النظم ولما سقطوا في أيديهم وسقط القوم في أيديهم كذا نقله ابن عادل في اللباب.
٢٧ - باب حَدِيثِ الْخَضِرِ مَعَ مُوسَى ﵉ -
(حديث الخضر) ولأبي ذر باب حديث الخضر (مع موسى ﵉.
٣٤٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ: لَا. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى
مُوسَى: بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجُعِلَ لَهُ الْحُوتُ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ يَتْبَعُ الْحُوتَ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. فَقَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغي، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ».
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن محمد) بفتح العين ابن بكير الناقد قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثني) بالإفراد (أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (أن عبيد الله بن عبد الله) بضم عين الأول ابن عتبة (أخبره عن ابن عباس) ﵄ (أنه تمارى) أي تنازع وتجادل (هو والحرّ بن قيس الفزاري) بفتح الفاء (في صاحب موسى) الذي ذهب إليه وقال له هل أتبعك (قال ابن عباس: هو خضر) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين (فمرّ بهما) بالحر وابن عباس (أبي بن كعب) الأنصاري (فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت) تجادلت (أنا وصاحبي هذا) الحر بن قيس (في صاحب موسى الذي سأل السبيل) الطريق (إلى لقيه) بضم اللام وكسر القاف وتشديد التحتية (هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شأنه؟ قال) أبي: (نعم سمعت رسول الله ﷺ ¬) ولأبي ذر يذكر شأنه (يقول):
(بينما) بالميم (موسى في ملإ) بالقصر جماعة (من بني إسرائيل) أولاد يعقوب (جاءه رجل فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال: لا. فأوحى الله) (إلى موسى) ﵇ (بلى عبدنا خضر) أي أعلم منك بشيء مخصوص (فسأل موسى) ربه (السبيل إليه) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: إلى لقيه (فجعل) بضم الجيم مبنيًّا للمفعول (له الحوت آية) علامة على لقيه (وقيل له إذا فقدت الحوت) بفتح الفاء والقاف أي إذا غاب عن عينك (فارجع فإنك ستلقاه) فأخذ حوتًا فجعله في مكتل ثم انطلق معه بفتاه وقال له إذا فقدت الحوت فأخبرني (فكان يتبع الحوت) بسكون الفوقية ولأبي الوقت والأصيلي يتبع أثر الحوث (في البحر) أي ينتظر فقدانه فلما أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فناما فاضطرب الحوت في المكتل فسقط في البحر (فقال لموسى فتاه) يوشع بن نون (أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت) أي فإني نسيت أن أخبرك بخبر الحوت (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) نسبه للشيطان تأدبًا مع الرب تعالى لأن نسبة النقص للنفس والشيطان أليق بمقام الأدب (فقال موسى) ﵇: (ذلك) الذي ذكرته (ما كنا نبغي) بالتحتية بعد الغين ولغير أبي ذر نبغ نطلب إذ هو علامة على لقي الخضر (فارتدّا) رجعا (على آثارهما) يقصان (قصصًا) حتى انتهيا إلى الصخرة (فوجدا خضرًا) نائمًا مسجى ثوبًا في
стр. 2280
جزيرة من جزائر البحر (فكان من شأنهما الذي قص الله) (في كتابه) في سورة الكهف.
وهذا الحديث قد سبق في باب ما ذكر في ذهاب موسى إلى الخضر من كتاب العلم.
٣٤٠١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: «قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ نَوْفًا الْبَكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ، فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: بَلَى، لِيَ عَبْدٌ بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: أَىْ رَبِّ وَمَنْ لِي بِهِ؟ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: أَىْ رَبِّ وَكَيْفَ لِي بِهِ؟ - قَالَ: تَأْخُذُ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ، حَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَهْوَ ثَمَّ -وَرُبَّمَا قَالَ: فَهْوَ ثَمَّهْ- وَأَخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ حَتَّى إذا أَتَيَا الصَّخْرَةَ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا، فَرَقَدَ مُوسَى، وَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فَخَرَجَ فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا، فَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الْحُوتِ جِرْيَةَ الْمَاءِ فَصَارَ مِثْلَ الطَّاقِ -فَقَالَ: هَكَذَا مِثْلُ الطَّاقِ- فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَالَ لِفَتَاهُ. آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا. وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ. قَالَ لَهُ فَتَاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا، فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا وَلَهُمَا عَجَبًا. قَالَ لَهُ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا -رَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا- حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ مُوسَى، فَرَدَّ عَلَيْهِ فَقَالَ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا. قَالَ: يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ لَا تَعْلَمُهُ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ. قَالَ: هَلْ أَتَّبِعُكَ؟ قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿إِمْرًا﴾. فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ كَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ. فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ جَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ، قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: يَا مُوسَى، مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلاَّ مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ الْبَحْرِ، إِذْ أَخَذَ الْفَأْسَ فَنَزَعَ لَوْحًا، قَالَ: فَلَمْ يَفْجَأْ مُوسَى إِلاَّ وَقَدْ قَلَعَ لَوْحًا بِالْقَدُّومِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: مَا صَنَعْتَ؟ قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا. قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ قَالَ: لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ، وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا. فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا. فَلَمَّا خَرَجَا مِنَ الْبَحْرِ مَرُّوا بِغُلَامٍ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَلَعَهُ بِيَدِهِ هَكَذَا -وَأَوْمَأَ سُفْيَانُ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ كَأَنَّهُ يَقْطِفُ شَيْئًا- فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا. قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ قَالَ: إِنْ سَأَلْتُكَ
عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي، قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا. فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ مَائِلاً -أَوْمَأَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ سُفْيَانُ كَأَنَّهُ يَمْسَحُ شَيْئًا إِلَى فَوْقُ، فَلَمْ أَسْمَعْ سُفْيَانَ يَذْكُرُ "مَائِلاً" إِلاَّ مَرَّةً- قَالَ: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، عَمَدْتَ إِلَى حَائِطِهِمْ، لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا. قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ فَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا. قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى لَوْ كَانَ صَبَرَ يُقَصُّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا. وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ. ثُمَّ قَالَ لِي سُفْيَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ. قِيلَ لِسُفْيَانَ: حَفِظْتَهُ قَبْلَ أَنْ تَسْمَعَهُ مِنْ عَمْرٍو أَوْ تَحَفَّظْتَهُ مِنْ إِنْسَانٍ؟ فَقَالَ: مِمَّنْ أَتَحَفَّظُهُ، وَرَوَاهُ أَحَدٌ عَنْ عَمْرٍو غَيْرِي؟ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ".
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عمرو بن دينار) المكي (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن جبير) بضم الجيم مصغرًا الكوفي (قال: قلت لابن عباس أن نوفًا) بفتح النون وسكون الواو وتنوين الفاء ابن فضالة بفتح الفاء والضاد المعجمة أبا يزيد القاص (البكالي) بكسر الموحدة وتخفيف اللام والكاف على الصواب، ونقل عن المهلب والصدفي وأبي الحسن بن سراج نسبة إلى بكال من حمير وضبطه أكثر المحدّثنين فما قاله عياض البكالي بفتح الموحدة وتشديد الكاف قال: وكذا قيدناه عن أبي بحر وابن أبي جعفر عن العذري وقاله أبو ذر نسبة إلى بكال بن دعمى (يزعم أن موسى صاحب الخضر) الذي قص الله عنهما في سورة الكهف (ليس هو موسى بني إسرائيل إنما هو موسى آخر) يسمى موسى بن ميشا بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب وموسى الثاني منوّن للفرق (فقال) ابن عباس: (كذب عدوّ الله) نوف فيما زعم قاله مبالغة في الإنكار والزجر وكان في شدة غضبه لا أنه يعتقد ذلك (حدّثنا أبي بن كعب عن النبي ﷺ ¬):
(إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل فسئل أيّ الناس أعلم) أي منهم (فقال) بحسب اعتقاده (أنا) أعلم الناس وهذا أبلغ من قوله في الرواية السابقة هل تعلم أحدًا أعلم منك: قال: لا. فإنه نفى هناك علمه وفي هذه الرواية على البت (فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه) فيقول نحو الله أعلم (فقال) الله (له: بلى لي عبد) هو خضر (بمجمع البحرين) ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق (هو أعلم منك) أي بشيء مخصوص (قال) موسى (أي) أي يا (رب ومن لي به)؟ أي ومن يتكفل لي برؤيته (وربما قال سفيان) بن عيينة (أي رب وكيف لي به)؟ أي وكيف يتهيأ لي أن أظفر به (قال) تعالى: ﴿تأخذ حوتًا) مملوحًا (فتجعله في مكتل) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الفوقية زنبيل (حيثما فقدت الحوت) بفتح القاف (فهو) أي الخضر (ثم) بفتح المثلثة
وتشديد الميم (وربما قال فهو ثمه) بزيادة هاء السكت الساكنة أي هناك (وأخذ) بالواو موسى (حوتا) مملوحًا (فجعله في مكتل) كما أمر (ثم انطلق هو وفتاه يوشع بن نون) بالصرف كنوح (حتى أتيا) ولأبي ذر حتى إذا أتيا (الصخرة) التي عند ساحل مجمع البحرين ويقال ثمة عين تسمى بعين الحياة "وضعا رؤوسهما فرقد موسى واضطرب الحوت" أي تحرك لأنه أصابه من ماء عين الحياة (فخرج) من المكتل (فسقط في البحر فاتخذ سبيله) طريقه (في البحر سربًا) مسلكًا (فأمسك الله) (عن الحوت جرية الماء فصار) عليه (مثل الطاق) وفي نسخة في مثل الطاق (فقال: هكذا مثل الطاق) أي مثل عقد البناء قال الكرماني: معجزة لموسى والخضر (فانطلقا) موسى وفتاه (يمشيان بقية ليلتهما ويومهما) بنصب اليوم (حتى إذا كان من الغد قال) موسى (لفتاه) يوشع: (آتنا غداءنا) طعامنا الذي نأكله أوّل النهار (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا) تعبًا (ولم يجد موسى النصب حتى جاوز حيث أمره الله) تعالى (قال له فتاه) يوشع: (أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت) أن أخبرك بحياته وانتضاب الماء مثل الطاق وغيره (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) لها بهر العقل من عظيم القدرة (واتخذ سبيله في البحر) سبيلاً (عجبًا) مفعول ثان لاتخذ وهو كونه كالسرب (فكان للحوت) أي لدخول الحوت في الماء (سربًا) مسلكًا (ولهما) لموسى وفتاه (عجبًا) فإنه جمد الماء أو صار صخرًا (قال له موسى ذلك) الذي ذكرته (ما كنا نبغي فارتدّا على آثارهما) يقصان (قصصًا) أي (رجعا) في الطريق الذي جاءا فيه (يقصان آثارهما) قصصًا أي يتبعان آثار مسيرهما اتباعًا (حتى انتهيا إلى الصخرة) فذهبا يلتمسان الخضر (فإذا رجل) نائم (مسجى بثوب) أي مغطى كله به (فسلم موسى)
стр. 2281
أي عليه (فردّ عليه) الخضر السلام (فقال): أي الخضر (وأنى) وكيف (بأرضك السلام) وفي رواية وهل بأرضي من سلام قال الخضر: من أنت؟ (قال أنا موسى. قال) الخضر: (موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم) موسى بني إسرائيل قال ما شأنك قال (أتيتك لتعلمني مما علمت رشدًا) مفعول ثان لتعلمني ولم يرد أن يعلمه شيئًا من أمر الدين إذ الأنبياء لا يجعلون ما يتعلق بدينهم الذي تعبدت به أمتهم (قال يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه) جميعه (وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه) جميعه.
وهذا التقدير واجب دافع لمن استدلّ بقوله: إني على علم الخ بأن نبينا ﷺ اختص بجمع الشريعة، والحقيقة ولم يكن لغيره من الأنبياء إلا أحدهما لأنه يلزم منه خلو بعض أولي العزم غير نبينا من الحقيقة وإخلاء الخضر عن علم الشريعة ولا يخفى ما فيه، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في سورة الكهف من التفسير، ولا ريب أن العالم بالعلم الخاص لا يكون أعلم ممن له العلم العام وهو حكم الشرائع والتكاليف فإن ضرورة الناس تدعوهم إلى ذلك.
(قال) موسى للخضر (هل أتبعك؟ قال: إنك لن تستطيع معي صبرًا) لأن موسى لا يصبر على ترك الإنكار إذا رأى ما يخالف الشرع (وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا)؟ أي: وكيف تصبر وأنت نبي على ما أتولى من أمور ظواهرها مناكير وبواطنها لم يحط بها خبرك. وخبرًا تمييز أو مصدر لأن لم تحط به بمعنى لم تخبره (إلى قوله أمرًا) أي ولا أعصى لك أمرًا وفي اليونينية إمرًا
بكسر الهمزة وكانت مفتوحة فكشطها مصححًا عليها (فانطلقا) موسى والخضر (يمشيان على ساحل البحر) ومعهما يوشع (فمرّت بهما سفينة كلموهم) بغير فاء (أن يحملوهم فعرفوا) أي أصحاب السفينة (الخضر فحملوه) وموسى وفتاه (بغير نول) بفتح النون أجرة (فلما ركبا) موسى والخضر (في السفينة جاء عصفور) بضم العين وحكي فتحها "فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة أو نقرتين" قال له (الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله) أي من معلومه (إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر) ولفظ النقص هنا ليس على ظاهره وإنما معناه إن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله تعالى كنسبة ما نقره هذا العصفور إلى ماء البحر فهو على التقريب إلى الأفهام (إذ أخذ) الخضر (الفأس) بالهمز (فنزع لوحًا) من ألواح السفينة (فلم) وفي الفرع كأصله قال: فلم (يفجأ موسى) ﵇ بعد أن صارت السفينة في لجة البحر (إلا وقد قلع) الخضر (لوحًا) من السفينة (بالقدوم) بفتح القاف وتشديد الدال في الفرع وأصله وضبطه الصغاني بالفتح والتخفيف فقال له (موسى): منكرًا عليه بلسان الشرع (ما صنعت)؟ هؤلاء (قوم حملونا) في سفينتهم (بغير نول) أجرة (عمدت) بفتح الميم (إلى سفينتهم فحرقتها لتغرق أهلها) فإن خرقها سبب لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها وقال لتغرق أهلها ولم يقل لتغرقنا. قال السفاقسي: فنسي نفسه واشتغل بغيره في حالة يقول فيها المرء: نفسي نفسي، واللام في لتغرق للعلة أو للصيرورة (لقد جئت شيئًا إمرًا) عظيمًا. (قال) الخضر مذكرًا لموسى بما سبق من الشرط (ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا) استفهام على سبيل الإنكار (قال) موسى للخضر: (لا تؤاخذني بما نسيت) يعني وصيته بأن لا يعترض عليه وهو اعتذار بالنسيان أو أراد بالنسيان الترك أي لا تؤاخذني بما تركت (ولا ترهقني) أي لا تغشني (من أمري عسرًا) مفعول ثان لترهق (فكانت الأولى) وفي الكهف قال أي أبي، وقال رسول الله ﷺ "وكانت الأولى" (من موسى نسيانًا فلما خرجا) أي موسى والخضر (من البحر مروا) موسى والخضر ويوشع (بغلام) وضيء الوجه اسمه جيسون بالجيم المفتوحة والتحتية الساكنة والسين المهملة المضمومة وبعد الواو نون (يلعب مع الصبيان فأخذ الخضر برأسه فقلعه بيده وهكذا وأومأ سفيان) بن عيينة (بأطراف أصابعه) كأنه يقطف بها شيئًا
стр. 2282
(فقال له موسى): منكرًا عليه أشد من الأولى (أقتلت نفسًا زكية) بتشديد الياء من غير ألف وهي قراءة ابن عامر والكوفيين أي طاهرة من الذنوب قاله لأنه لم يرها أذنبت أو صغيرة لم تبلغ الحلم (بغير نفس) متعلق بقتلت (لقد جئت شيئًا نكرًا) منكرًا (قال) الخضر لموسى: (ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا. قال) موسى: (إن سألتك عن شيء بعدها) بعد هذه المرة (فلا تصاحبني) وفارقني (وقد بلغت من لدني عذرًا) متعلق ببلغت، ولدني بضم الدال وتشديد النون ادخلوا نون الوقاية على لدن لتقيها من الكسر محافظة على سكونها (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية) أنطاكية أو غيرها (استطعما أهلها) واستضافوهم (فأبوا أن يضيفوهما)، مفعول به واستطعما جواب إذا وتكرير أهلها قيل للتأكيد وقيل للتأسيس (فوجدا فيها) في القرية (جدارًا يريد أن ينقض) مفعول الإرادة أي (مائلاً) وهذا من مجاز كلام العرب لأن الجدار لا إرادة له فالمعفى أنه دنا من
السقوط (أومأ) الخضر (بيده هكذا وأشار سفيان) بن عيينة (كأنه يمسح شيئًا إلى فوق) بالضم.
قال علي بن عبد الله المديني (فلم أسمع سفيان يذكر مائلاً إلاّ مرة):
(قال) موسى (قوم أتيناهم) فاستطعمناهم واستضفناهم (فلم يطعمونا ولم يضيفونا عمدت) بفتح الميم في اليونينية ليس إلا (إلى حائطهم) المائل فأقمته (لو شئت لاتخذت) بهمزة وصل وتشديد التاء وفتح الخاء وهي قراءة غير المكي والبصري (عليه أجرًا) جعلاً (قال) الخضر: (هذا فراق بيني وبينك) أي الفراق الموعود بقوله فلا تصاحبني أو الاعتراض الثالث أو الوقت أي هذا الاعتراض سبب فراقنا أو هذا الوقت وقته (سأنبئك) سأخبرك (بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا) لكونه منكرًا من حيث الظاهر.
(قال النبي ﷺ : وددنا) بكسر الدال الأولى وسكون الثانية (أن موسى كان صبر فقص الله علينا من خبرهما) ولأبوي ذر والوقت: فقص بضم القاف مبنيًا للمفعول. (قال سفيان) بن عيينة في روايته (قال النبي ﷺ يرحم الله موسى لو كان صبر يقص) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي لقص (علينا من أمرهما) وفي التفسير من طريق الحميد عن سفيان: وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما.
(قال) في التفسير قال سعيد بن جبير وسقط قوله قال من اليونينية وثبت في فرعها (وقرأ ابن عباس أمامهم) بدل قراءة العامة وراءهم (ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين) قال ابن المديني: (ثم قال لي سفيان: سمعته منه) أي من عمرو بن دينار (مرتين وحفظته منه. قيل لسفيان حفظته قبل أن تسمعه من عمرو) أي ابن دينار (أو تحفظته من إنسان)؟ قال الكرماني الشك من علي بن عبد الله. يعني قيل لسفيان حفظته أو تحفظته من إنسان قبل أن تسمعه من عمرو؟ (فقال): سفيان: (ممن أتحفظه. ورواه) أي أرواه (أحد من عمرو غيري) فحذف همزة الاستفهام (سمعته منه) من عمرو (مرتين أو ثلاثًا وحفظته منه).
وهذا الحديث سبق في باب ما يستحب للعالم إذا سئل من كتاب العلم.
٣٤٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الأَصْبَهَانِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ لأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ»: قَالَ الحَمَوِي: قَالَ مُحَمَّدُ بْنِ يُوسُفَ بْنِ مَطَر الفَرْبَرِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنِ خَشرَم عَنْ سُفْيَانَ بطوله.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سعيد) بكسر العين (الأصبهاني) بفتح الهمزة والموحدة وفي نسخة ابن الأصبهاني قال: (أخبرنا ابن المبارك) عبد الله (عن معمر) هو ابن راشد (عن همام بن منبه) بكسر الموحدة المشددة (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إنما سمي الخضر) بفتح الراء وفي اليونينية وبالضم في فرعها خضرًا (أنه) ولأبي الوقت وابن عساكر والأصيلي لأنه أي الخضر (جلس على فروة بيضاء) ليس فيها نبات، والفروة بفتح الفاء وسكون الراء جلدة وجه الأرض (فإذا هي) أي الفروة البيضاء (تهتز من خلفه خضراء) بعد أن كانت جرداء. وعن مجاهد قيل له الخضر لأنه كان إذا صلّى اخضرّ ما حوله، واسمه بليا بفتح الموحدة وسكون اللام وبعد التحتية ألف مقصورًا ابن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. قال في الفتح: فعلى هذا فمولده
стр. 2283
قبل إبراهيم الخليل لأنه يكون ابن عمر جد إبراهيم. وعند الدارقطني في الإفراد من طريق مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس هو ابن آدم لصلبه وهو ضعيف منقطع، وعند أبي حاتم في المعمرين أنه ابن قابيل بن آدم، وعن ابن لهيعة كان ابن فرعون نفسه، وقيل ابن بنت فرعون، وقيل كان أخا إلياس. وعند السهيلي عن قوم أنه كان من الملائكة وليس من بني آدم واختلف في نبوته فقيل نبي واحتج بعضهم لنبوته بقوله: وما فعلته عن أمري.
وأجيب: باحتمال الإيحاء إلى نبي من أنبياء ذلك الزمان أن يأمر الخضر بذلك، والأكثرون كما قاله النووي على حياته بين أظهرنا واتفق عليه سادات الصوفية كابن أدهم وبشر الحافي ومعروف الكرخي وسري السقطي والجنيد، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والذي جزم به البخاري أنه غير موجود، وبه قال إبراهيم الحربي وأبو بكر بن العربي وطائفة من المحدثين، وعمدتهم الحديث المشهور أن النبي ﷺ قال في آخر حياته: "لا يبقى على وجه الأرض بعد مائة سنة ممن هو عليها اليوم أحد". وأجيب بأنه كان حينئذٍ على وجه البحر أو هو مخصوص من الحديث إلى غير ذلك مما سبق أوائل هذا المجموع.
(قال الحموي) بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم المضمومة وبعد الواو المكسورة تحتية عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي بفتح المهملة والراء (قال محمد بن يوسف بن مطر الفربري): بفتح الفاء والراء (حدّثنا علي بن خشرم) بفتح الخاء وسكون الشين المعجمتين وبعد الراء المفتوحة ميم المروزي (عن سفيان) بن عيينة فذكر حديث الخضر وموسى (بطوله) وفي الونينية علامة السقوط على قوله الحموي.
٢٨ - باب
هذ (باب) بالتنوين.
٣٤٠٣ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ، فَبَدَّلُوا فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ وَقَالُوا حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ».
[الحديث ٣٤٠٣ - طرفاه في: ٤٤٧٩، ٤٦٤١].
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إسحاق بن نصر) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي المروزي وقيل البخاري قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (عن معمر) هو ابن راشد الأزدي مولاهم البصري (عن همام بن منبه) بكسر الموحدة المشددة الصنعاني أخي وهب (أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ ¬):
(قيل لبني إسرائيل) لما خرجوا من التيه مع يوشع بن نون بعد أربعين سنة وفتح الله عليهم بيت المقدس (ادخلوا الباب) باب القرية وكان قبل القبلة حال كونهم (سجدًا) منحنين ركوعًا أو خضوعًا شكرًا على تيسير الدخول (وقولوا حطة) بالرفع أي مسألتنا حطة: وعند ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال قيل لهم قولوا مغفرة (فبدلوا) فغيروا السجود بالزحف (فدخلوا يزحفون) بفتح الحاء المهملة (على أستاههم) بفتح الهمزة وسكون السين المهملة أي أوراكهم (وقالوا) بدل حطة (حبة في شعرة) بسكون العين فخالفوا في القول والفعل، فقالوا كلامًا مهملاً غرضهم به المخالفة لما أمروا به من الكلام المستلزم للاستغفار، وحط العقوبة عنهم فعاقبهم الله بالطاعون حتى هلك منهم سبعون ألفًا في ساعة واحدة، وقيل أربعة وعشرون ألفًا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير، ومسلم في أواخر صحيحه، والترمذي في التفسير.
٣٤٠٤ - حَدَّثَنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ وَخِلَاسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلاً حَيِيًّا سِتِّيرًا لَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَىْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ، فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالُوا: مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتُّرَ إِلاَّ مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ: إِمَّا بَرَصٌ وَإِمَّا أُدْرَةٌ، وَإِمَّا آفَةٌ. وَإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى، فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى الْحَجَرِ ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ إِلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا، وَإِنَّ الْحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ، فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ وَطَلَبَ الْحَجَرَ.
فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ. حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَثَرِ ضَرْبِهِ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩].
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: بالجمع (إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه (قال: حدّثنا) ولأبوي الوقت وذر أخبرنا (روح بن عبادة) بفتح الراء وعبادة بضم العين وتخفيف الموحدة البصري قال: (حدّثنا عوف) بفتح العين المهملة وبعد الواو الساكنة فاء ابن أبي جميلة المعروف بالأعرابي (عن الحسن) البصري (ومحمد) أي ابن سيرين (وخلاس) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام آخره مهملة ابن عمرو البصري ثلاثتهم (عن أبي هريرة ﵁) ولم يسمع الحسن من أبي هريرة عند الحفاظ، وما وقع في بعض الروايات مما يخالف ذلك فمحكوم بوهمه عندهم وأما
خلاس فقال أبو داود عن أحمد أنه لم يسمع من أبي هريرة، وأما محمد بن سيرين فسماعه ثابت من أبي هريرة أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(إن موسى) ﵊ (كان رجلاً حَيِيًّا) بفتح الحاء المهملة وكسر التحتية وتشديد الثانية
стр. 2284
أي كثير الحياء (ستيرًا) بكسر السين المهملة والفوقية المشددة أي من شأنه وإرادته حب الستر (لا يُرى) بضم أوله وفتح ثانيه (من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا ما يستتر) موسى (هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص) ولغير أبي ذر برص بالجر (وإما أدرة) بفتح الهمزة وفي الفرع وأصله وسكون الدال وفيهما أيضًا بفتحهما. وقال في الفتح بضم الهمزة وسكون الدال على المشهور وبفتحتين أيضًا فيما حكاه الطحاوي عن بعض مشايخه ورجح الأول وبالرفع لأبي ذر وبالجر لغيره وهو نفخ في الخصيتين (وإما آفة) من عطف العام على الخاص (وإن الله) (أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى) ولأبي ذر عن المستملي: بموسى بالموحدة بدل اللام (فخلا) موسى (يومًا وحده) ليغتسل (فوضع ثيابه) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ثيابًا أي له (على الحجر) الذي كان ثم (ثم اغتسل) وفي رواية علي بن زيد عن أنس عند أحمد في هذا الحديث أن موسى كان إذا أراد أن يدخل الماء لم يلق ثوبه حتى يواري عورته في الماء (فلما فرغ) من غسله (أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا) بالعين المهملة مضى مسرعًا (بثوبه) بالتوحيد على إرادة الجنس (فأخذ موسى عصاه) التي كانت إحدى آياته (وطلب الحجر فجعل يقول ثوبي حجر ثوبي حجر) مرتين أي اعطني ثوبي يا حجر (حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه) حال كونه (عريانًا) حال كونه (أحسن ما خلق الله وأبرأه) تعالى (مما يقولون وقام الحجر فأخذ) موسى (ثوبه) ولأبوي ذر والوقت: بثوبه (فلبسه وطفق) بكسر الفاء أي جعل (بالحجر) يضرب (ضربًا بعصاه فوالله إن بالحجر لندبًا) بفتح النون والمهملة أي أثرًا (من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا) بالشك من الراوي.
وفي الغسل في باب: من اغتسل عريانًا قال أبو هريرة: والله إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة بالشك أيضًا وفيه أن قوله: فوالله الخ من قول أبي هريرة، وفي رواية حبيب بن سالم عن أبي هريرة عند ابن مردويه الجزم بست ضربات قال النووي: فيه معجزتان ظاهرتان لموسى ﵇: مشي الحجر بثوبه وحصول الندب في الحجر بضربه وفيه حصول التمييز في الجماد.
(فذلك) أي ما ذكر من أذى بني إسرائيل موسى (قوله) : (﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى﴾) بنسبة العيب في بدنه (﴿فبرّأه الله مما قالوا﴾) بإبراز جسده لقومه حتى رأوه وعلموا فساد اعتقادهم (﴿وكان عند الله وجيهًا﴾) [الأحزاب: ٦٩] كريمًا ذا جاه.
وقال ابن عباس: كان حظيًّا عند الله لا يسأل شيئًا إلا أعطاه. وقال الحسن: كان مجاب الدعوة، وقيل كان محببًا مقبولاً.
٣٤٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ: سَمِعْتُ
عَبْدَ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ قَسْمًا، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَغَضِبَ حَتَّى رَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ».
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الأعمش) سليمان بن مهران أنه (قال: سمعت أبا وائل) شقيق بن سلمة (قال: سمعت عبد الله) يعني ابن مسعود (﵁ قال: قسم النبي ﷺ قسمًا) بفتح القاف وسكون السين يوم حنين فآثر ناسًا في القسمة أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وعيينة بن حصن مثل ذلك وأعطى أناسًا من أشراف العرب فآثرهم يومئذٍ على غيرهم (فقال رجل): هو معتب بن قشير المنافق (إن هذه) القسمة (لقسمة ما أريد بها وجه الله)، زاد في الجهاد ما عدل فيها (فأتيت) أي قال ابن مسعود فأتيت (النبي ﷺ فأخبرته) بقول الرجل (فغضب) ﵊ (حتى رأيت الغضب) أي أثره (في وجهه) الشريف (ثم قال):
(يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا) الذي أوذيت به (فصبر).
وهذا الحديث سبق في الجهاد في باب: ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلّفة قلوبهم.
٢٩ - باب ﴿يَعْكِفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ﴿مُتَبَّرٌ﴾: خُسْرَانٌ. ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾: يُدَمِّرُوا. ﴿مَا عَلَوْا﴾: مَا غَلَبُوا
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿يعكفون على أصنام لهم﴾) [الأعراف: ١٣٨] أي يقيمون على عبادتها قيل كانت تماثيل بقر، وذلك أول شأن العجل وكانوا من العمالقة الذي أمر موسى بقتالهم.
(﴿متبر﴾) في قوله تعالى: ﴿إن هؤلاء متبر ما هم فيه﴾ [الأعراف: ١٣٩] أي (خسران) أخرجه الطبري عن ابن
стр. 2285
عباس بلفظ: ﴿إن هؤلاء متبر ما هم فيه﴾ [الأعراف: ١٣٩] قال خسران والخسران تفسير التتبير الذي اشتق منه المتبر. وقال في الأنوار: متبر مكسر مدمر يعني أن الله يهدم دينهم الذي هم فيه ويحطم أصنامهم ويجعلها رضاضًا. (﴿وليتبروا﴾) [الإسراء: ٧] أي (يدمروا ﴿ما علوا﴾) أي (ما غلبوا). بفتح الغين المعجمة واللام وذكره استطرادًا.
٣٤٠٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَجْنِي الْكَبَاثَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ مِنْهُ فَإِنَّهُ أَطْيَبُهُ. قَالُوا: أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ؟ قَالَ: وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ وَقَدْ رَعَاهَا».
[الحديث ٣٤٠٦ - طرفه في: ٥٤٥٢].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي مولاهم المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن) بن عوف (أن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ ¬) بمرّ الظهران (نجني الكباث) بكاف فموحدة مفتوحتين وبعد الألف مثلثة ثمر الأراك النضيج (وأن رسول الله ﷺ قال) لمن معه من أصحابه:
(عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه قالوا: أكنت ترعى الغنم)؟ إذ لا يميز بين أنواعه غالبًا إلا من يلازم رعي الغنم (قال) ﷺ : (وهل من نبي) موسى وغيره (إلا وقد رعاها)؟ ليترقى من سياستها إلى سياسة من يرسل إليه ويأخذ نفسه بالتواضع وتصفية القلب بالخلوة، وفيه إشارة إلى أن النبوة لم يضعها الله تعالى في أبناء الدنيا والمترفين منهم، وإنما جعلها في أهل التواضع قاله الخطابي ووقع عند النسائي في التفسير بإسناد رجاله ثقات افتخر أهل الإبل والشاء فقال النبي ﷺ "بعث موسى وهو راعي غنم". ووقع في رواية النسفيّ ذكر باب من غير ترجمة وحينئذٍ فهو كالفصل من باب قول الله تعالى ﴿وواعدنا موسى﴾ [الأعراف: ١٤٢] قيل فتكون مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن فيه حالة من حالات موسى ﵇ لدخوله في عموم قوله: "ما من نبي إلا رعاها" لا سيما. ووقع التصريح بذكر موسى عند النسائي كما سبق.
وقال في فتح الباري: ومناسبة الحديث غير ظاهرة يعني لقوله ﴿يعكفون على أصنام لهم﴾ والذي يهجس في خاطري أنه كان بين التفسير المذكور والحديث بياض أخلاه لحديث يدخل في الترجمة والترجمة تصلح لحديث جابر، ثم وصل كما في نظائره وقيل غير ذلك مما لا يخلو عن تعسف فالله أعلم.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الأطعمة وكذا مسلم وأخرجه النسائي في الوليمة.
٣٠ - باب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ الآيَةَ [البقرة: ٦٧]
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ الْعَوَانُ: النَّصَفُ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالْهَرِمَةِ. ﴿فَاقِعٌ﴾: صَافٍ. ﴿لَا ذَلُولٌ﴾: لَمْ يُذِلَّهَا الْعَمَلُ. ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾: لَيْسَتْ بِذَلُولٍ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلَا تَعْمَلُ فِي الْحَرْثِ. ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: مِنَ الْعُيُوبِ. ﴿لَا شِيَةَ﴾ بَيَاضٌ. ﴿صَفْرَاءُ﴾: إِنْ شِئْتَ سَوْدَاءُ وَيُقَالُ صَفْرَاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿جِمَالَاتٌ صُفْرٌ﴾. ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾: اخْتَلَفْتُمْ.
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وإذا قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾) [البقرة: ٦٧] أول هذه القصة قوله تعالى ﴿وإذ قتلتم نفسًا فادّارأتم فيها﴾.
قال في الكشاف، فإن قلت: فما للقصة لم تقص على ترتيبها وكان حقها أن يقدم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها وأن يقال: ﴿وإذ قتلتم نفسًا فادّارأتم فيها﴾
[البقرة: ٧٢] فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها. وأجاب: بأن كل ما قص من قصص بني إسرائيل إنما قص تعديدًا لما وجد منهم من الجنايات وتقريعًا لهم عليها ولما جدد فيهم من الآيات العظام، وهاتان القصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين، فالأولى: لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك، والثانية: للتقريع على قتل النفس المحرمة وما تبعه من الآيات العظيمة، وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولذهب الغرض في تثنية التقريع.
وحاصل القصة: إنه كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتل ابنه بنو أخيه ليرثوه وطرحوه على باب المدينة، ثم جاؤوا يطالبون بدمه، فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبر بقاتله فعجبوا من ذلك فقالوا: ﴿أتتخذنا هزوًا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض﴾ [البقرة: ٦٧ - ٦٨] يعني لا هرمة ولا بكر يعني ولا صغيرة ﴿عوان بين ذلك﴾ (قال أبو العالية): رفيع الرياحي فيما وصله آدم بن أبي إياس في تفسيره (عوان) وفي اليونينية العوان بالتعريف وفي فرعها بالتنكير أي (النصف) بفتح النون والمهملة (بين البكر والهرمة). وقال الضحاك عن ابن عباس: بين الكبيرة والصغيرة وهي أقوى ما يكون
стр. 2286
من الدواب والبقر وأحسن ما يكون. (﴿فاقع﴾) [البقرة: ٦٩] أي (صاف) لونها وعن ابن عمر كانت صفراء الظلف وزاد سعيد بن جبير والقرن (﴿لا ذلول﴾) أي (لم يذلها العمل) بلام واحدة مشددة بعد المعجمة المكسورة في الحراثة، ولأبي ذر عن الكشميهني: لم يذللها بفتح الذال ولامين أولاهما مشددة والثانية ساكنة ﴿تثير الأرض﴾ أي (ليست بذلول تثير الأرض) تقلبها للزراعة (ولا تعمل في الحرث) بل هي مكرمة حسناء صبيحة (﴿مسلمة﴾) أي (من العيوب). وآثار العمل. وقال عطاء الخراساني. مسلمة القوائم والخلق (﴿لا شية﴾) [البقرة: ٧١] (بياض) بسقوط لا قبل بياض في الفرع كأصله وفي بعضها لاشية لا بياض بإثبات لما فيهما ونصب ما بعدهما وزاد السدي ولا سواد ولا حمرة (﴿صفراء﴾) [البقرة: ٩٩] قال أبو عبيدة (إن شئت سوداء ويقال صفراء) والمعنى هنا أن الصفرة يمكن حملها على معناها المشهور، وعلى معنى السواد (كقولها ﴿جمالات صفر﴾) [المرسلات: ٣٣] قال مجاهد كالإبل السود (﴿فادّارأتم﴾) [البقرة: ٧٢] أي (اختلفتم). وكذا قال مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم.
وقال عطاء الخراساني: اختصمتم فيها. قال في الأنوار: إذ المتخاصمان يدفع بعضهم بعضًا قال ابن عباس فيما رواه ابن أبي حاتم أن أصحاب بقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنة حتى وجدوها عند رجل في بقر له وكانت تعجبه قال: فجعلوا يعطونه بها فيأبى حتى أعطوه ملء مسكها دنانير فذبحوها فضربوه يعني القتيل بعضو منها فقام تشخب أوداجه دمًا فقالوا له: من قتلك؟ قال: فلان. قال ابن كثير: ولم يجيء من طريق صحيح عن معصوم بيان العضو الذي ضربوه به، وعن عكرمة ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير رواه عبد الرزاق بإسناد جيد. قال ابن كثير: والظاهر أنه نقله عن أهل الكتاب وكذا لم يثبت كثرة ثمنها إلا من نقل من بني إسرائيل،
وقال ابن جريج قال عطاء: لو أخذوا أدنى بقرة كفتهم. قال ابن جريج قال رسول الله ﷺ "إنما أمروا بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد الله تعالى عليهم وأيم الله لو أنهم لم يستثنوا ما بينت لهم آخر الأبد".
٣١ - باب وَفَاةِ مُوسَى، وَذِكْرُهُ بَعْدُ
(باب) ذكر (وفاة موسى)، ﷺ (وذكره) بالجر عطفًا على المجرور ولأبي ذر: وذكره بالرفع وسقوط باب (بعد) بضم الدال لقطعه عن الإضافة.
٣٤٠٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵉ فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ. قَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِمَا غَطَّى يَدُهُ بِكُلِّ شَعَرَةٍ سَنَةٌ. قَالَ: أَىْ رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ. قَالَ: فَالآنَ. قَالَ: فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ تَحْتَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ. قَالَ: وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن موسى) المعروف بخت بفتح الخاء المعجمة وتشديد الفوقية قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري مولاهم الصنعاني قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن ابن طاوس) عبد الله (عن أبيه عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: أرسل ملك الموت) أي أرسل الله ملك الموت (إلى موسى ﵉، في صورة آدمي وكان عمر موسى إذ ذاك مائة وعشرين سنة (فلما جاءه) ظنه آدميًّا حقيقة تسوّر عليه منزله بغير إذنه ليوقع به مكروهًا فلما تصوّر ذلك (صكه)، ولأبي الوقت فصكه أي لطمه على عينه التي ركبت في الصورة البشرية دون الصورة الملكية ففقأها. وعند أحمد أن ملك الموت كان يأتي الناس عيانًا فأتى موسى فلطمه ففقأ عينه (فرجع) ملك الموت (إلى ربه فقال): رب (أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت) زاد في باب من أحب الدفن في الأرض المقدّسة من الجنائز فردّ الله عليه عينه، وقيل: المراد بفقء العين هنا المجاز يعني أن موسى ناظره وحاجه فغلبه بالحجة يقال فقأ فلان عين فلان إذا غلبه بالحجة وضعف هذا لقوله فرد الله عليه عينه (قال) له ربه: (ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور) بالمثناة الفوقية في الأولى وبالمثلثة في الثانية أي على ظهر ثور (فله بما غطت) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بما غطى (يده بكل شعرة سنة. قال) موسى: (أي رب ثم ماذا)؟ يكون بعد هذه السنين حياة أو موت (قال) الله (ثم) يكون بعدها (الموت. قال) موسى: (فالآن) يكون الموت.
(قال) أبو هريرة: (فسأل الله) موسى (أن يدنيه) يقربه (من الأرض المقدسة) ليدفن بها لشرفها (رمية بحجر) أي دنوًا لو رمى رام بحجر من ذلك الموضع الذي هو موضع قبره لوصل إلى بيت المقدس، وكان موسى إذ ذاك بالتيه وإنما سأل الإدناء ولم يسأل نفس
стр. 2287
بيت المقدس لأنه خاف أن يشتهر قبره عندهم فيفتنوا به. قال ابن عباس: لو علمت اليهود قبر موسى وهارون لاتخذوهما إلهين من دون الله. (قال أبو هريرة ﵁: فقال رسول الله ﷺ ¬):
(لو) ولأبي ذر: فلو (كنت ثم) أي هناك (لأريتكم قبره إلى) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي من وهي التي في الفرع لا غير (جانب الطريق تحت) وللكشميهني عند (الكثيب الأحمر) بالمثلثة الرمل المجتمع وليس نصًّا في الإعلام بتعيين قبره، وقد اشتهر قبره بأريحاء عند كثيب أحمر أنه قبر موسى. وأريحاء من الأرض المقدسة، وأما ما يرى عند قبره المقدس من أشباح بالقبة المبنية عليه مختلفة الهيئات والأفعال فالله أعلم بحقيقتها، لكن أخبرني شيخ الإسلام البرهان بن أبي شريف: أنه إذا وقع هناك فعل ما لا يجوز تحصل ظلمة واضطراب حتى يزال ذلك فتنجلي، وقد روي عن وهب بن منبه أن الملائكة تولوا دفنه والصلاة عليه.
(قال) أي عبد الرزاق بن همام موصولاً بالإسناد المذكور: (وأخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن همام) هو ابن منبه أنه (قال: حدّثنا أبو هريرة عن النبي ﷺ نحوه). أي نحو الحديث المذكور.
٣٤٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى الْعَالَمِينَ -قَسَمٍ يُقْسِمُ بِهِ- فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ. فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ عِنْدَ ذَلِكَ يَدَهُ فَلَطَمَ الْيَهُودِيَّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ، فَقَالَ: لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ».
وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرَّحمن) بن عوف (وسعيد بن المسيب أن أبا هريرة ﵁ قال: استب رجل من المسلمين) هو أبو بكر الصديق ﵁ (ورجل من اليهود) قيل هو فنحاص بفاء مكسورة ونون ساكنة وبعد الحاء المهملة ألف فصاد مهملة قاله ابن بشكوال وعزاه لابن إسحاق، وتعقب بأن الذي ذكره ابن إسحاق لفنحاص مع أبي بكر الصدّيق في لطمه إياه قصة أخرى في نزول قوله تعالى: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير﴾ [آل عمران: ١٨٠] الآية. قال في الفتح: ولم أقف على اسم هذا اليهودي في هذه القصة (فقال المسلم) أبو بكر الصديق ﵁: (والذي اصطفى محمدًا ﷺ على العالمين قسم يقسم به، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى
على العالمين فرفع المسلم) أبو بكر (عند ذلك) الذي سمعه من قول اليهودي والذي اصطفى موسى على العالمين الشامل لمحمد ﷺ وسائر الأنبياء والمرسلين وغيرهم (يده فلطم اليهودي) عقوبة له على إطلاقه. وفي رواية عبد الله بن الفضل الآتية قريبًا إن شاء الله تعالى وقال يقول: والذي اصطفى موسى على البشر والنبي بين أظهرنا (فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ فأخبره الذي كان من أمره وأمر المسلم) وزاد في رواية إبراهيم بن سعد فدعا النبي ﷺ المسلم فسأله عن ذلك فأخبره (فقال) على سبيل التواضع.
(لا تخيروني على موسى). وفي حديث أبي سعيد عند. . . . . . . (١). . . . . . . . لا تخيروا بين الأنبياء أي من تلقاء أنفسكم فإن ذلك قد يفضي إلى العصبية فينتهز الشيطان عند ذلك فرصة فيدعوكم إلى الإفراط والتفريط فتطرون الفاضل فوق حقه وتبخسون المفضول حقه فتقعون في مهواة الغي فلا تقدموا على ذلك بآرائكم بل ما آتاكم الله من البيان (فإن الناس يصعقون) يوم القيامة (فأكون أوّل من يفيق) بعد النفخة الأخيرة (فإذا موسى باطش) آخذ (بجانب العرش) بقوّة وفي حديث أبي سعيد آخذ بقائمة من قوائم العرش (فلا أدري أكان فيمن) ولأبي ذر: ممن (صعق فأفاق قبلي) ثبت لفظ قبلي في الفرع وسقطت من أصله (وكان ممن استثنى الله) في قوله: ﴿فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ [الزمر: ٦٨] فلم يصعق فحوسب بصعقة الطور فلم يكلف صعقة أخرى.
٣٤٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الْجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قُدِّرَ عَلَىَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى مَرَّتَيْنِ».
[الحديث ٣٤٠٩ - أطرافه في: ٤٧٣٦، ٤٧٣٨، ٦٦١٤، ٧٥١٥].
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهري القرشي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم (عن حميد بن عبد الرَّحمن أن أبا هريرة) ﵁ (قال قال رسول الله ﷺ ¬):
(احتج) أي تحاج (آدم وموسى) بأشخاصهما أو التقت أرواحهما
стр. 2288
في السماء فوقع التحاج بينهما ويحتمل وقوع ذلك في حياة موسى (فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك) وهي أكلك من الشجرة التي نهيت عنها بقوله تعالى ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ [البقرة: ٣٥] (من الجنة. فقال له آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله) اختارك على الناس (برسالاته) يعني بأسفار
التوراة وفيها قصتي (وبكلامه) وبتكليمه إياك (ثم) بالمثلثة المضمومة والميم المشدّدة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بم بموحدة مكسورة فميم مخففة (تلومني على أمر قدّر) بضم القاف وتشديد الدال المكسورة (عليّ قبل أن أخلق) وحكم بأن ذلك كائن لا محالة لعلمه السابق فهل يمكن أن يصدر مني خلاف علم الله، فكيف تغفل عن العلم السابق وتذكر الكسب الذي هو السبب وتنسى الأصل الذي هو القدر وأنت من المصطفين الأخيار الذين يشاهدون سر الله من وراء الأستار؟ (فقال رسول الله ﷺ : فحج) أي غلب (آدم) بالرفع (موسى) بالحجة في دفع اللوم (مرتين) متعلق يقال، والغرض من هذا الحديث شهادة آدم لموسى أن الله اصطفاه.
وقد أخرجه أيضًا في التوحيد ومسلم في القدر.
٣٤١٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا قَالَ: عُرِضَتْ عَلَىَّ الأُمَمُ، وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى فِي قَوْمِهِ».
[الحديث ٣٤١٠ - أطرافه في: ٥٧٠٥، ٥٧٥٢، ٦٤٧٢، ٦٥٤١].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا حصين بن نمير) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ونمير بضم النون وفتح الميم مصغرين الواسطي (عن حصين بن عبد الرَّحمن) بضم الحاء مصغرًا أيضًا السلمي الكوفي (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: خرج علينا النبي) ولأبي ذر: رسول الله (¬ ﷺ يومًا قال) ولأبي ذر: فقال:
(عرضت) بضم العين مبنيًّا للمفعول (عليّ) بتشديد الياء (الأمم) بالرفع مفعولاً ناب عن الفاعل. وعند الترمذي والنسائي من رواية عبثر بن القاسم بموحدة ثم مثلثة بوزن جعفر في روايته عن حصين بن عبد الرَّحمن أن ذلك كان ليلة الإسراء ولفظه: لما أسري بالنبي ﷺ جعل يمرّ بالنبي الحديث. فإن كان هذا محفوظًا ففيه دلالة لمن ذهب إلى تعدّد الإسراء وأن الذي وقع بالمدينة غير الذي وقع بمكة لكن الإسراء الواقع وهو بالمدينة ليس فيه ما وقع بمكة من استفتاح أبواب السماوات بابًا بابًا إلى غير ذلك. (ورأيت سوادًا كثيرًا سدّ الأفق) أي ناحية السماء والسواد ضد البياض هو الشخص الذي يرى من بعيد ووصفه بالكثير إشارة إلى أن المراد الجنس لا الواحد (فقيل: هذا موسى في قومه). وفي حديث ابن مسعود عند أحمد حتى مرّ على موسى في كبكبة أي جماعة من بني إسرائيل فأعجبني فقلت من هؤلاء فقيل هو أخوك موسى معه بنو إسرائيل.
وقد ساق المؤلّف هذا الحديث هنا مختصرًا جدًّا وأخرجه مطوّلاً في الطب والرقاق، وأخرجه مسلم في الإيمان والترمذي في الزهد والنسائي في الطب.
٣٢ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١١]
(باب قول الله تعالى ﴿وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون﴾) [التحريم: ١١]. هذا
مثل ضربه للمؤمنين أنهم لا يضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم بحال آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ومنزلتها عند الله مع أنها كانت تحت أعدى أعداء الله كما قال تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ [آل عمران: ٢٨]. قال قتادة: كان فرعون أغنى أهل الأرض وأكفرهم فوالله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها ليعلموا أن الله حكم عدل لا يؤاخذ أحدًا إلا بذنبه.
وروي أنه لما غلب موسى السحرة قالت آسية: آمنت برب موسى وهارون، فلما تبين لفرعون إسلامها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس. قال سليمان: فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها فقالت: رب ابنِ لي عندك بيتًا في الجنة، فكشف الله لها عن بيتها في الجنة حتى رأته من درة فضحكت حين رأت بيتها وفرعون حاضر فقال: ألا تعجبون من جنونها إنّا نعذبها وهي تضحك ثم أمر بصخرة عظيمة تلقى عليها فانتزعت روحها ثم ألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه فلم تجد ألمًا. وقال الحسن وابن كيسان رفع الله امرأة فرعون إلى الجنة فهي تأكل وتشرب.
(إلى
стр. 2289
قوله ﴿وكانت﴾) أي مريم ابنة عمران (﴿من القانتين﴾) [التحريم: ١٢]. قال القاضي: من عداد المواظبين على الطاعة والتذكير للتغليب والإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال الكاملين حتى عدت من جملتهم أو من نسلهم فتكون من ابتدائية وسقط لأبي ذر (للذين آمنوا امرأة فرعون﴾ وقال إلى قوله: ﴿وكانت من القانتين﴾.
٣٤١١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ».
[الحديث ٣٤١١ - أطرافه في: ٣٤٣٣، ٣٧٦٩، ٥٤١٨].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن جعفر) البيكندي قال: (حدّثنا وكيع) بفتح الواو وكسر الكاف ابن الجراح بن مليح بن عدي الرؤاسي بضم الراء وهمزة ثم سين مهملة العابد الكوفي (عن شعبة) بن الحجاج (عن عمرو بن مرة) بفتح العين ومرة بضم الميم وتشديد الراء المرادي الأعمى الكوفي (عن مرة) بن شراحيل المخضرم (الهمداني) كان يصلّي ألف ركعة في كل يوم (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(كمل) بفتح الميم في الفرع وأصله وتضم وتكسر (من الرجال كثير ولم يكمل) بضم الميم (من النساء إلا آسية امرأة فرعون) قيل: وكانت ابنة عم فرعون، وقيل من العماليق، وقيل من بني إسرائيل من سبط موسى. وقال السهيلي: هي عمة موسى (ومريم بنت عمران) أم عيسى.
وقال في الكواكب ولا يلزم من لفظ الكمال نبوّتها إذ هو مطلق لتمام الشيء وتناهيه في بابه، فالمراد تناهيهما في جميع الفضائل التي للنساء وقد نقل الإجماع على عدم النبوة لهن اهـ.
وهذا معارض بما نقل عن الأشعري: إن من النساء من نبئ وهن ست: حواء وسارة وأم موسى واسمها يوخاند وقيل أباذخا وقيل أباذخت وهاجر وآسية ومريم، والضابط عنده أن من جاءه الملك عن الله بحكم من أمر أو نهي أو بإعلامه شيئًا فهو نبي، وقد ثبت مجيء الملك لهؤلاء بأمور شتى من ذلك من عند الله تعالى، ووقع التصريح بالإيحاء لبعضهن في القرآن قال الله تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ [القصص: ٧] الآية. وقال تعالى بعد أن ذكر مريم والأنبياء بعدها ﴿أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين﴾ [مريم: ٥٨]. فدخلت في عمومه.
وقال القرطبي: الصحيح أن مريم نبية لأن الله أوحى إليها بواسطة الملك، وأما آسية فلم يأت ما يدل على نبوتها، واستدلّ بعضهم لنبوّتها ونبوّة مريم بالحصر في حديث الباب حيث قال: ولم يكمل من النساء إلا آسية ومريم. قال لأن أكمل النوع الإنساني الأنبياء ثم الأولياء والصديقون والشهداء، فلو كانتا غير نبيتين للزم أن لا يكون في النساء ولية ولا صديقة ولا شهيدة، والواقع أن هذه الصفات في كثير منهن موجودة فكأنه قال: لم ينبأ من النساء إلاّ فلانة وفلانة، ولو قال لم تثبت صفة الصديقية أو الولاية أو الشهادة إلا لفلانة وفلانة لم يصح لوجود ذلك في غيرهن إلا أن يكون المراد بالحديث كمال غير الأنبياء فلا يتم الدليل على ذلك لأجل ذلك، واحتج المانعون بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] وأجيب: بأنه لا حجة فيه لأن أحدًا لم يدّع فيهن الرسالة وإنما الكلام في النبوّة فقط.
(وإن فضل عائشة) بنت أبي بكر الصدّيق (على النساء) أي نساء هذه الأمة (كفضل الثريد) بالمثلثة (على سائر الطعام) قيل: إنما مثّل بالثريد لأنه أفضل طعام العرب ولأنه ليس في الشبع أغنى غناء منه، وقيل إنهم كانوا يحملون الثريد فيما طبخ بلحم، وروي سيد الطعام اللحم فكأنها فضلت على النساء كفضل اللحم على سائر الأطعمة، والسر فيه أن الثريد مع اللحم جامع بين الغذاء واللذة والقوة وسهولة التناول وقلة المؤونة في المضغ وسرعة المرور في المريء فضرب به مثلاً ليؤذن بأنها أعطيت مع حسن الخلق حسن الخلق وحلاوة المنطق وفساحة اللهجة وجودة القريحة ورزانة الرأي ورصانة العقل والتحبب إلى البعل فهي تصلح للتبعل والتحدث والاستئناس بها والإصغاء إليها، وحسبك أنها عقلت من النبي ﷺ ما لم يعقل غيرها من النساء، وروت ما لم يرو مثلها من الرجال، ومما يدل على أن الثريد أشهى الأطعمة عندهم وألذها قول شاعرهم:
إذا ما الخبز تأدمه بلحم … فذاك أمانة الله الثريد
стр. 2290
قاله في فتوح الغيب.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في فضل عائشة وفي الأطعمة ومسلم في الفضائل والترمذي في الأطعمة والنسائي في المناقب وعشرة النساء وابن ماجه في الأطعمة.
٣٣ - باب ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ الآيَةَ [القصص: ٧٦] ﴿لَتَنُوءُ﴾: لَتُثْقِلُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾: لَا يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنَ الرِّجَالِ، يُقَالُ: ﴿الْفَرِحِينَ﴾: الْمَرِحِينَ. ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾: مِثْلُ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ يُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ.
هذا ﴿باب﴾ بالتنوين في قوله تعالى: (﴿إن قارون كان من قوم موسى﴾) [القصص: ٧٦] الآية. قال ابن عباس: ابن عمه لأنه قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، وموسى بن عمران بن قاهث. وقال ابن إسحاق: كان قارون عم موسى أخا عمران وهما ابنا يصهر، ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة من قارون وكان يسمى المنوّر لحسن صوته بالتوراة ولكنه نافق كما نافق السامري فأهلكه الله.
(﴿لتنوء﴾) في قوله تعالى: ﴿وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء﴾ أي (لتثقل) بضم الفوقية وكسر القاف المفاتيح (قال ابن عباس): في تفسير قوله تعالى: (﴿أولي القوة﴾) أي (لا يرفعها﴾) أي المفاتيح (﴿العصبة﴾) أي الجماعة الكثيرة (﴿من الرجال﴾) لكثرتها. قال الأعمش عن خيثمة قال: وجدت في الإنجيل أن مفاتيح كنوز قارون من جلود كلّ مثل الأصبع كل مفتاح لكنز، فإذا ركب حملت على ستين بغلاً، وقيل كان يعلم علم الكيمياء علمه له موسى أنزل عليه من السماء وكان ذلك سبب كثرة مال قارون، لكن قال الزجاج: هذا لا يصح لأن الكيمياء علم لا حقيقة له. قال القرطبي: ولعل ذلك كان من قبيل المعجزة (يقال) ﴿الفرحين﴾ [القصص: ٧٦]. أي (المرحين) وقال مجاهد: يعني الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم، وقال بعضهم لا يفرح بالدنيا إلا من اطمأن إليها فأما من يعلم أنه سيفارقها عن قريب لم يفرح وأما أحسن قول المتنبي:
أشد الغم عندي في سرور … تيقن عنه صاحبه انتقالا
(﴿ويكأن الله﴾) قال أبو عبيدة هو (مثل ﴿ألم تر أن الله﴾) [لقمان: ٣٩]. وقال غيره كلمة مستعملة عند التنبيه للخطأ وإظهار التندم، فلما قالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون ثم وشاهدوا الخسف به تنبهوا لخطئهم ثم قالوا: كأنه (﴿يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾) [الروم: ٣٧]. أي (﴿يوسع عليه﴾) بحسب مشيئته وحكمته لا لكرامته عليه (ويضيق). عليه لا لهوان من يضيق عليه بل لحكمته وله الحجة المبالغة.
وهذا الباب وتاليه ثابت في رواية المستملي والكشميهني فقط.
٣٤ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥، ٨٤، العنكبوت: ٣٦] إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ، لأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ، وَمِثْلُهُ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وَاسْأَلِ ﴿الْعِيرَ﴾: يَعْنِي أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَأَهْلَ الْعِيرِ: ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾: لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ. يُقَالُ إِذَا لَمْ تُقْضِ حَاجَتَهُ: ظَهَرَتْ حَاجَتِي، وَجَعَلَتْنِي ظِهْرِيًّا. قَالَ الظِّهْرِيُّ: أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ. ﴿مَكَانَتُهُمْ﴾ وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ. ﴿يَغْنَوْا﴾: يَعِيشُوا ﴿يَأْيَسُ﴾: يَحْزَنُ. ﴿آسَى﴾: أَحْزَنُ. وَقَالَ الْحَسَنُ ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ﴾: يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿لَيْكَةُ﴾: الأَيْكَةُ. ﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾: إِظْلَالُ الْغَمَامِ الْعَذَابَ عَلَيْهِمْ.
(باب قول الله تعالى ﴿وإلى مدين﴾) قيل أعجمي منع من الصرف للعجمة والعلمية وهو مدين بن إبراهيم ﵇ (﴿أخاهم شعيبًا﴾) [هود: ٨٤]. وهو نويب بن مدين بن إبراهيم وقال ابن إسحاق شعيب بن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم أي أرسلنا شعيبًا (إلى أهل مدين) يعني على حذف مضاف (لأن مدين بلد) على بحر القلزم محاذية لتبوك على ست مراحل منها وأنشد الفراء:
رهبان مدين والذين عهدتهم … يبكون من حذر العذاب قعودا
لو يسمعون كما سمعت كلامها … خزوا لعزه ركعًا وسجودا
وهذا عربي فمنعه للعلمية والتأنيث.
(ومثله) في حذف المضاف (﴿واسأل القرية﴾) واسال (﴿العير﴾) [يوسف: ٨٢]. (يعني أهل القرية وأهل العير) ويجوز أن يراد بالمكان ساكنوه. وقيل مدين أعجمي منع للعلمية والعجمة، وكان شعيب يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه وكانوا أهل كفر وبخس للمكيال والميزان.
(﴿وراءكم ظهريًّا﴾) [هود: ٩٢]. بسورة هود أي (لم يتلفتوا إليه) فالضمير في واتخذتموه يعود على الله، وقيل يعود على العصيان أي واتخذتم العصيان عونًا على عداوتي فالظهري على هذا بمعنى المعين المقوي، والظهري هو المنسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب، كقولهم في النسبة إلى الأمس أمسي بكسر الهمزة وإلى الدهر دهري بضم الدال (يقال: إذا لم يقض حاجته) ولأبوي الوقت وذر ويقال إذا لم تقض بالفوقية بدل التحتية (ظهرت) بفتح الظاء المعجمة والهاء وسكون وفتح الفوقية (حاجتي) أي جعلتها وراء ظهرك (و) يقال أيضًا إذا لم يلتفت إليه ولا قضى حاجته
(جعلتني ظهريًّا) أي وراء ظهرك. و (قال) أي البخاري (الظهريّ أن تأخذ معك دابة أو وعاء تستظهر به) أي تتقوى به.
(﴿مكانتهم﴾ ومكانهم واحد) وفي نسخة بجرهما. قال في الفتح: هكذا وقع
стр. 2291
وإنما هو في قصة شعيب ﴿مكانتكم﴾ في قوله: ﴿ويا قوم اعملوا على مكانتكم﴾ [هود: ٩٣]. ثم هو قول أبي عبيدة قال في تفسير يس في قوله: ﴿على مكانتكم﴾ المكان والمكانة واحد.
(﴿يغنوا﴾) في قوله تعالى: ﴿كأن لم يغنوا فيها﴾ [هود: ٦٨]. أي لم (يعيشوا) فيها والمغنى الدار والجمع مغان بالغين المعجمة قاله أبو عبيدة.
(﴿يأيس﴾) بفتح التحتية بعدها همزة ساكنة فتحتية مفتوحة أي (يحزن) وأشار إلى قوله تعالى: ﴿فلا تأس على القوم الكافرين﴾ [المائدة: ٢٦]. ولأبي ذر: تأس بإسقاط التحتية بعد الهمزة تحزن وبالفوقية بدل التحتية بينهما.
(﴿آسى﴾) في قوله: ﴿فكيف آسى﴾ [المرسلات: ٩٣]. أي كيف (أحزن) وأتوجع.
(وقال الحسن) البصري فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله: (﴿إنك لأنت الحليم الرشيد﴾) [هود: ٨٧]. (يستهزئون به) كما يقال للبخيل الخسيس لو رآك حاتم لسجد لك، وقال ابن عباس أرادوا السفيه الغاوي والعرب تصف الشيء بضده فتقول للديغ سليم وللفلاة مفازة.
(وقال مجاهد: ﴿ليكة﴾) بلام مفتوحة من غير ألف وصل قبلها ولا همزة بعدها وهي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر هي (الأيكة) بهمزة وصل وسكون اللام بعدها همزة مفتوحة وهي قراءة الباقين أي الغيضة فيكونان مترادفين، وقيل الأيكة غيضة تنبت ناعم الشجر يريد غيضة بقرب مدين يسكنها طائفة، وقيل شجر ملتف وليكة بغير ألف اسم بلدهم وبقية مباحث ذلك في كتابي الجامع للقراءات الأربع عشرة (﴿يوم الظلة﴾) هو (إظلال العذاب) ولأبي ذر: إظلال الغمام (عليهم) وروي أنه أخذهم حر شديد فكانوا يدخلون الأسراب فيجدونها أشد حرًّا فخرجوا فأظلتهم سحابة وهي الظلة فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا.
٣٥ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٣٩]، -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿وَهوَ مُلِيم﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مُذْنِبٌ. المَشْحُونَ: الُموقِر. ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ الآيَةَ ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالعَرَاءِ﴾ بِوَجْهِ الأَرْضِ ﴿وَهوَ سَقِيمٌ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِين﴾ مِنْ غَيرِ ذَاتِ أَصْل، الدّبّاء وَنَحْوه
﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين﴾ [الصافات: ١٤٧].
﴿ولا تَكُن كصاحبِ الحُوتِ إذْ نادَى وهوَ مكظوم﴾ [القلم: ٤٨]، ﴿كظيم﴾: وهو مغموم.
وهذا الباب كله ثابت في رواية الكشميهني والمستملي فقط كالذي قبله.
(باب قول الله تعالى) الباب ساقط في الفرع ثابت في أصله (﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾) [الصافات: ١٣٩]. أي هو من المرسلين حتى في هذه الحالة (إلى قوله) (﴿وهو مليم﴾) [الصافات: ١٤٢]. حال.
(قال مجاهد): فيما وصله ابن جرير في تفسير (مليم) أي (مذنب) بفعله خلاف الأولى وقيل مليم نفسه (المشحون) أي (الموقر) بفتح القاف المملوء (﴿فلولا أنه كان من المسبحين﴾) [الصافات: ١٤٣] (الآية) أي الذاكرين الله كثيرًا بالتسبيح مدة عمره أو في بطن الحوت وهو قوله ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ [الأنبياء: ٨٧]. للبث في بطنه إلى يوم يبعثون أي حيًّا أو ميّتًا (﴿فنبذناه﴾) طرحناه (﴿بالعراء﴾) أي (بوجه الأرض) قيل على جانب دجلة وقيل بأرض اليمن فالله أعلم وأضاف الله تعالى النبذ إلى نفسه المقدسة مع أنه إنما حصل بفعل الحوت إيذانًا بأن فعل العبد مخلوق له تعالى (﴿وهو سقيم﴾) [الصافات: ١٤٥]. مما حصل له. قيل صار بدنه كبدن الطفل حين يولد. (﴿وأنبتنا عليه شجرة من يقطين﴾) [الصافات: ١٤٦]. أي (من غير ذات أصل) بل تنبسط على وجه الأرض ولا تقوم على ساق (الدباء) بالجر بدلاً أو بيانًا (ونحوه) كالقثاء والبطيخ؛ وقال البغوي: المراد هنا القرع على قول جميع المفسرين (﴿وأرسلناه إلى مائة ألف﴾) هم قومه الذين هرب عنهم وهم أهل نينوى (﴿أو يزيدون﴾) في مرأى الناظر أي إذا نظر إليهم قال هم مائة ألف أو أكثر، والمراد الوصف بالكثرة (﴿فآمنوا﴾) فصدقوا (﴿فمتعناهم إلى حين﴾) [الصافات: ١٤٧]. إلى أجلهم المسمى وسقط لغير أبي ذر قوله: ﴿وهو مليم﴾ إلى آخر قوله (فآمنوا (﴿ولا تكن﴾) يا محمد (﴿كصاحب الحوت﴾) يونس (﴿إذ نادى﴾) في بطن الحوت (﴿وهو مكظوم﴾) [القلم: ٤٨]. أي (كظيم) يعني أن مكظوم بوزن مفعول بمعنى كظيم بوزن فعيل أي (وهو مغموم) وسقط قوله "وهو" لأبي ذر.
وكانت قصة يونس أن الله تعالى بعثه إلى أهل نينوى وهو من أرض الموصل فكذبوه فوعدهم بنزول العذاب في وقت معين ففارقهم إذ لم يتوبوا، فلما دنا الموعد أغامت السماء غيمًا أسود ذا دخان شديد فهبط حتى غشي مدينتهم فهابوا فطلبوا يونس فلم يجدوه فأيقنوا صدقة فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرّقوا بين كل والدة وولدها، فحنّ بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج وأخلصوا التوبة وأظهروا الإيمان وتضرعوا إلى الله فرحمهم وكشف عنهم، وأما يونس
стр. 2292
فإنه لم يعرف الحال فظن أنه كذبهم فغضب من ذلك وذهب فركب مع قوم في سفينة فوقفت فقال لهم يونس: إن معكم عبدًا ابق من ربه وإنها لا تسير حتى تلقوه فاقترعوا فخرجت القرعة عليه فقال: أنا الآبق وزج بنفسه في الماء فأرسل الله من
البحر الأخضر حوتًا فشق البحار حتى جاء فالتقمه وأوحى الله تعالى إلى ذلك الحوت لا تأكل له لحمًا ولا تهشم له عظمًا فإنه ليس رزقًا وإنما بطنك له سجن فنادى في الظلمات ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل ﴿أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وقال عوف الأعرابيّ: لما صار يونس في بطن الحوت ظن أنه قد مات فحرك رجليه فتحركتا فسجد مكانه فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسًّا فقال: ما هذا؟ فأوحى الله إليه هذا تسبيح دواب البحر فسبح فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنّا سمع صوتًا ضعيفًا بأرض غريبة. قال: ذاك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت فشفعوا فيه فأمر الله الحوت فقذفه في الساحل وهو كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش. قال أبو هريرة: وهيأ الله له أروية وحشية تأكل من خشاش الأرض فتتفشخ عليه فترويه من لبنها بكرة وعشية، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين مظلة عليه قيل إنها يبست وبكى عليها فأوحى الله تعالى إليه أتبكي على شجرة ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم.
٣٤١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الأَعْمَشُ ح.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) أي ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيي) بن سعيد القطان (عن سفيان) الثوري أنه (قال: حدثني) بالإفراد (الأعمش) سليمان (ح).
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ» زَادَ مُسَدَّدٌ «يُونُسَ بْنِ مَتَّى».
[الحديث ٣٤١٢ - طرفاه في: ٤٦٠٣، ٤٨٠٤].
(حدّثنا) ولأبي ذر: وحدّثنا (أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن الأعمش عن أبي وائل) بالهمزة شقيق بن سلمة (عن عبد الله) يعني ابن مسعود (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا يقولن أحدكم إني) يريد نفسه الشريفة أو غيره (خير من يونس زاد مسدد) في رواية (يونس بن متى) بفتح الميم والفوقية المشددة قيل وخص يونس بالذكر لما يخشى على من سمع قصته أن يقع في نفسه تنقيص له فبالغ في ذكر فضله لسدّ هذه الذريعة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير وكذا النسائي.
٣٤١٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ».
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) الحوضي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن أبي العالية) رفيع الرياحي (عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(ما ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى ونسبه إلى أبيه) متى وهو يرد على من قال إن متى اسم أمه وقال ذلك ﷺ -تواضعًا إن كان قاله بعد أن علم أنه سيد البشر.
٣٤١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَتَهُ أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا كَرِهَهُ، فَقَالَ: لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَامَ فَلَطَمَ وَجْهَهُ وَقَالَ: تَقُولُ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟ فَذَهَبَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا، فَمَا بَالُ فُلَانٍ لَطَمَ وَجْهِي؟ فَقَالَ: لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟ فَذَكَرَهُ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ، أَمْ بُعِثَ قَبْلِي».
٣٤١٥ - «وَلَا أَقُولُ إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى».
[الحديث ٣٤١٥ - أطرافه في: ٣٤١٦، ٤٦٠٤، ٤٦٣١، ٤٨٠٥].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة مصغرًا (عن الليث) بن سعد الإمام (عن عبد العزيز بن أبي سلمة) بفتح اللام هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون بكسر الجيم بعدها شين معجمة مضمومة المزني نزيل بغداد (عن عبد الله بن الفضل) بفتح الفاء وسكون الضاد المعجمة ابن العباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب الهاشمي المدني (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: بينما) بالميم (يهودي) لم يعرف اسمه أو هو فنحاص وضعف (يعرض سلعته) على الناس ليرغبهم في شرائها (أعطي بها شيئًا) من الثمن بخسًا (كرهه، فقال: لا) أبيعها بهذا الثمن البخس. (والذي اصطفى موسى على البشر فسمعه رجل من الأنصار).
أخرج سفيان بن عيينة في جامعه وابن أبي الدنيا في كتاب البعث من طريقه عن عمرو بن دينار وابن جدعان عن سعيد بن المسيب قال: كان بين رجل من أصحاب النبي ﷺ وبين رجل من اليهود كلام في شيء قال عمرو بن دينار هو أبو بكر الصديق فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على البشر وهذا يعكر على قوله في حديث الباب فسمعه رجل من الأنصار إلا إن كان المراد بالأنصار المعنى الأعم، فإن أبا بكر من أنصار النبي ﷺ قطعًا بل هو رأس من نصره ومقدمهم وسابقهم قاله في الفتح.
(فقام فلطم وجهه وقال:
стр. 2293
تقول: والذي اصطفى موسى على البشر والنبي ﷺ -بين أظهرنا) جمع ظهر ومعناه أنه بينهم على سبيل الاستظهار كأن ظهرًا منهم قدامه وظهرًا وراءه فهو مكنوف من جانبيه إذ قيل بين ظهرانيهم ومن جوانبه إذا قيل بين أظهرهم أو لفظ أظهرنا مقحم كما قال الكرماني (فذهب) اليهودي (إليه) ﷺ (فقال: أبا القاسم) أي يا أبا القاسم (إن لي ذمة وعهدًا) مع المسلمين (فما بال فلان) أبي بكر أخفر ذمتي ونقض عهدي إذ (لطم وجهي) فدعاه النبي ﷺ (فقال) ﵊ له:
(لِمَ لطمت وجهه)؟ مع ما له من الذمة والعهد (فذكره) أي أمره مع اليهودي (فغضب النبي ﷺ ¬) لذلك (حتى رئي) الغضب (في وجهه) الشريف (ثم قال: لا تفضلوا بين أنبياء الله) من قِبل أنفسكم أو تفضيلاً يؤدي إلى تنقيص أو إلى خصومة ونزاع (فإنه ينفخ في الصور) النفخة الأولى (فيصعق) أي يموت بها (من في السماوات ومن في الأرض) ممن كان حيًّا يكون آخر من يموت ملك الموت (إلا من شاء لله) قيل جبريل وميكائيل وإسرافيل فإنهم يموتون بعد وقيل حملة العرش (ثم ينفخ فيه) نفخة (أخرى) للبعث من القبور (فأكون أول من بعث) من قبره بضم الموحدة وكسر العين المهملة وفتح المثلثة مبنيًا للمفعول (فإذا موسى آخذ بالعرش) أي بقائمة من قوائمه كما في حديث أبي سعيد (فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور) لما سأل الرؤية فلم يصعق (أم بُعث) بضم الموحدة وكسر العين ولأبي ذر عن الكشميهني يبعث بالمضارع المبني للمجهول (قبلي). والظاهر أنه ﵊ لم يكن عنده علم ذلك حتى أعلمه الله تعالى فقد أخبر عن نفسه الكريمة أنه أول من ينشق عنه القبر، (ولا أقول أن أحدًا أفضل من يونس بن متى) قاله تواضعًا. قال ابن مالك: استعمل أحدًا في الإثبات لمعنى العموم لأنه في سياق النفي كأنه قيل لا أحد أفضل من يونس والشيء قد يعطى حكم ما هو في معناه وإن اختلفا في اللفظ فمن قوله تعالى: ﴿أوَلم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن﴾ [الأحقاف: ٣٣].
(بقادر) فأجرى في دخول الباء على الخبر مجرى أوليس الذي لأنه بمعناه ومن إيقاع أحد في الإيجاب المؤول بالنفي قول الفرزدق:
ولو سئلت عني نوار وأهلها … إذن أحد لم تنطق الشفتان
فإن أحدًا وإن وقع مثبتًا لكنه في الحقيقة منفي لأنه مؤخر معنى كأنه قال إذن لم ينطق منهم أحد.
٣٤١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى».
وبه قال: (حدثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سعد بن إبراهيم) الزهري أنه (قال: سمعت حميد بن عبد الرَّحمن عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) قال ابن أبي جمرة: يريد بذلك نفي التكييف والتحديد على ما قاله ابن الخطيب لأنه قد وجدت الفضيلة بينهما في عالم الحس، لأن نبينا ﷺ أسري به إلى فوق السبع الطباق؛ ويونس نزل به إلى قعر البحر، وقد قال نبينا ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة" فهذه الفضيلة وجدت بالضرورة، فلم يبق أن يكون قوله ﵊ "لا تفضلوني على يونس بن متى" ولا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس إلا بالنسبة إلى القرب من الله والبعد، فمحمد ﷺ وإن أسري به إلى فوق السبع الطباق واخترق الحجب ويونس وإن نزل به لقعر البحر فهما بالنسبة إلى القرب والبعد من الله على حد واحد انتهى.
٣٦ - باب ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [لأعراف: ١٦٣]: يَتَعَدَّوْنَ، يُجَاوِزُونَ فِي السَّبْتِ ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾. -شَوَارِعَ، إِلَى قَوْلِهِ- ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿واسألهم﴾) بهمزة وصل وسكون السين أي: واسأل
يا محمد اليهود، ولأبي ذر: وسلهم بإسقاط الألف وفتح السين (﴿عن القرية﴾) عن خبر أهلها
(﴿التي كانت حاضرة البحر﴾) أي قريبة منه وهي أيلة قرية بين مدين والطور على شاطئ البحر
وقيل مدين وقيل طبرية (﴿إذ يعدون في السبت﴾) أي (يتعدون) أي (يتجاوزون) وفي اليونينية
стр. 2294
وفرعها يجاوزون بضم التحتية وسقوط الفوقية وكسر الواو (في السبت) حدود الله بالصيد فيه (﴿إذ
تأتيهم حيتانهم﴾) (﴿[الأعراف: ١٦٣]. ظرف ليعدون (﴿يوم سبتهم﴾) يوم تعظيمهم أمر السبت
مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بالتجرد للعبادة.
(﴿شرعًا﴾) أي (شوارع) قاله أبو عبيدة (إلى قولها ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ [البقرة: ١٦٥]. ولأبي ذر: ويوم لا يسبتون إلى قوله: ﴿خاسئين﴾ روى أن الناهين لما أيسوا عن اتعاظ المعتدين كرهوا مساكنتهم فقسموا القرية بجدار وفيه باب مطروق، فأصبحوا يومًا ولم يخرج إليهم أحد من المعتدين فقالوا: إن لهم لشأنًّا فدخلوا عليهم فإذا هم قردة فلم يعرفوا أنسابهم، ولكن القردة تعرفهم فكان القرد يأتي إلى نسيبه فيحتك به فيقول الإنسان أنت فلان فيشير برأسه أي نعم فيقول له: أما حذرتك عقوبة الله أن تصيبك ثم ماتوا بعد ثلاث. قال ابن عباس: ما طعم مسخ قط ولا عاش فوق ثلاث. وعن مجاهد: مسخت قلوبهم لا أبدانهم وروى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس صار شبابهم قردة وشيوخهم خنازير وسقط لأبي ذر: كونوا قردة وزاد بئيس أي شديد فعيل من بؤس يبؤس بأسًا إذا اشتد.
٣٧ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٢، الإسراء: ٥٥] ﴿الزُّبُرُ﴾: الْكُتُبُ وَاحِدُهَا زَبُورٌ. زَبَرْتُ: كَتَبْتُ. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١]: قَالَ مُجَاهِدٌ سَبِّحِي مَعَهُ. ﴿وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾: الدُّرُوعَ. ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾: الْمَسَامِيرِ وَالْحَلَقِ، وَلَا يُدِقَّ الْمِسْمَارَ فَيَتَسَلْسَلَ، وَلَا تُعَظِّمْ فَيَفْصِمَ. ﴿أفرِغْ﴾: أنزِلْ. ﴿بسطةً﴾: زيادةً وفضلاً. ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
(باب قول الله تعالى: ﴿وآتينا داود﴾) هو ابن إيشا بهمزة مكسورة وتحتية ساكنة بعدها شين معجمة ابن عوبد بعين مهملة ثم موحدة بينهما واو ساكنة آخره دال مهملة بوزن جعفر بن باعر بموحدة فألف فعين مهملة مفتوحة فراء ابن سلمون بن رياب بتحتية آخره موحدة ابن رام بن حضرون بمهملة مفتوحة فمعجمة ابن فارص بفاء فألف فراء فصاد مهملة ابن يهوذا بن يعقوب (﴿زبورًا﴾) [النساء: ١٦٣]. (الزبر) هي (الكتب واحدها زبور زبرت) أي (كتبت) وهذا ثابت للكشميهني والمستملي، وكان فيها التحميد والتمجيد والثناء على الله . وقال القرطبي: كان فيه مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم ولا حلال ولا حرام، وإنما هي حكم ومواعظ.
وكان داود حسن الصوت إذا أخذ في قراءة الزبور اجتمع عليه الإنس والجن والوحش والطير لحسن صوته (﴿ولقد آتينا داود منا فضلاً﴾) نبوة وكتابًا أو ملكًا أو جميع ما أوتي من حسن الصوت بحيث إنه كان إذا سبح تسبح معه الجبال الراسيات الصم الشامخات وتقف له الطيور السارحات والغاديات والرائحات وتجاوبه بأنواع اللغات وتليين الحديد وغير ذلك مما خص به (﴿يا جبال﴾) محكي بقول مضمر، ثم إن شئت قدرته مصدرًا ويكون بدلاً من فضلاً على جهة تفسيره به كأنه قيل آتيناه فضلاً قولنا يا جبال وإن شئت قدرته فعلاً، وحينئذ لك وجهان إن شئت جعلته بدلاً من آتيناه معناه آتينا قلنا يا جبال وإن شئت جعلته مستأنفًا وثبت للمستملي والكشميهني قوله: ﴿ولقد آتينا داود﴾ الخ .. (﴿أوّبي معه﴾).
(قال مجاهد): فيما وصله الفريابي أي (سبحي معه) وعن الضحاك هو التسبيح بلغة الحبشة.
قال ابن كثير: وفي هذا انظر فإن التأويب في اللغة هو الترجيع، وقال ابن وهب: نوحي معه وذلك إما بخلق صوت مثل صوته فيها، أو بحملها إياه على التسبيح إذا تأمل ما فيها، وقيل: سيري معه حيث سار والتضعيف للتكثير.
(﴿والطير﴾) نصب في قراءة العامة عطفًا على محل جبال لأنه منصوب تقديرًا ويجوز الرفع به قرأ روح عطفًا على جبال وفي هذا من الفخامة والدلالة على عظمة داود وكبرياء سلطانه ما فيه حيث جعل الجبال والطيور كالعقلاء المنقادين لأمره وليس التأويب منحصرًا في الطير والجبال،
ولكن ذكر الجبال لأن الصخور للجمود والطيور للنفور وكلاهما تستبعد منه الموافقة فإذا وافقته هذه الأشياء فغيرها أولى، وروي أنه كان إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها وعكفت عليه الطيور فصدى الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك، وقيل: كان إذا تخلل الجبال فسبّح الله جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح، وقيل: كان إذا لحقه فتور أسمعه الله تسبيح الجبال تنشيطًا له، وثبت للكشميهني والمستملي سبحي معه.
(﴿وألنا﴾) عطف على آتينا (﴿له الحديد﴾) حتى كان في يده كالشمع والعجين يعمل منه ما يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقة بل كان يفتله بيده مثل
стр. 2295
الخيوط وذلك في قدرة الله يسير وسقط لأبي ذر: والطير إلى الحديد (﴿أن اعمل﴾) بأن اعمل (﴿سابغات) أي (الدروع) الكوامل الواسعات الطوال تسحب في الأرض وذكر الصفة ويعلم منها الموصوف (﴿وقدر في السرد﴾) [سبأ: ١٠، ١١]. أي (المسامير والحلق) أي قدر المسامير وحلق الدروع (ولا تدق) بضم الفوقية وسكر الدال المهملة ولأبي ذر عن الكشميهني: ولا ترق بالراء بدل الدال (المسمار) أي لا تجعل مسمار الدرع دقيقًا أو لا تجعله رقيقًا (فيتسلسل) يقال تسلسل الماء أي جرى، ولأبي ذر عن الكشميهني فيسلس أي فلا يستمسك (ولا تعظم) بضم أوله وكسر ثالثه مشددًا أي المسمار (فيفصم) أي يكسر الخلق اجعله على قدر الحاجة، ولأبي ذر عن الكشميهني فينفصم بزيادة نون ساكنة قبل الفاء، وهذا فيه نظر لأن دروعه لم تكن مسمرة، ويؤيده قوله ﴿وألنا له الحديد﴾ والمعنى قدر في السرد أي في نسجها بحيث يتناسب حلقها. قال قتادة: وهو أول من عملها من الحلق، وإنما كانت قبل صفائح. وعند ابن أبي حاتم أنه كان يرفع كل يوم درعًا فيبيعها بستة آلاف درهم ألفين له ولأهله وأربعة آلاف يطعم بها بني إسرائيل خبز الحواري، وقوله: الزبر إلى هنا ثابت في رواية المستملي والكشميهني.
(﴿أفرغ﴾) بفتح الهمزة وكسر الراء والفاء ساكنة يريد قوله: ﴿ربنا أفرغ علينا صبرًا﴾ [الأعراف: ١٢٦]. أي (أي أنزل ﴿بسطة﴾) في قوله: ﴿إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة﴾ [الأعراف: ٦٩]. أي (زيادة وفضلاً) وكلتا الكلمتين في قصة طالوت وهذا ثابت في رواية أبي ذر عن الكشميهني والوجه إسقاطه كما لا يخفى. (﴿واعملوا﴾) داود وأهله (﴿صالحًا﴾) في الذي أعطاكم من النعم (﴿إني بما تعملون بصير﴾) [المؤمنون: ٥١]. مراقب لكم بصير بأعمالكم وأقوالكم.
٣٤١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ ﵇ الْقُرْآنُ، فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَوَابِّهِ فَتُسْرَجُ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ دَوَابُّهُ، وَلَا يَأْكُلُ إِلاَّ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ». رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن همام) هو ابن منبه (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه قال:
(خفف على داود ﵇ القرآن) قال التوربشتي: أي الزبور وإنما قال القرآن لأنه قصد به إعجازه من طريق القراءة، وقال غيره: قرآن كل نبي يطلق على كتابه الذي أوحي إليه، وقد دل الحديث على أن الله تعالى يطوي الزمان لمن شاء من عباده كما يطوي المكان لهم. قال النووي: إن بعضهم كان يقرأ أربع ختمات بالليل وأربعًا بالنهار. ولقد رأيت أبا الطاهر بالقدس الشريف سنة سبع وستين وثمانمائة وسمعت عنه إذ ذاك أنه يقرأ فيهما أكثر من عشر ختمات، بل قال لي شيخ الإسلام البرهان بن أبي شريف أدام الله النفع بعلومه عنه: أنه كان يقرأ خمس عشرة في اليوم والليلة، وهذا باب لا سبيل إلى إدراكه إلا بالفيض الرباني، ولأبي ذر عن الكشميهني: القراءة بدل القرآن. (فكان يأمر بدوابه) التي كان يركبها ومن معه من أتباعه (فتسرج فيقرأ القرآن) الزبور (قبل أن تسرج دوابه ولا يأكل إلا من عمل يده) من ثمن ما كان يعمل من الدروع ولأبوي ذر والوقت: يديه بالتثنية.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير. (رواه) أي حديث الباب (موسى بن عقبة) فيما وصله المؤلّف في خلق أفعال العباد. (عن صفوان) بن سليم (عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ¬).
٣٤١٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ أَخْبَرَهُ وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: «أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ: وَاللَّهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ؟ قُلْتُ: قَدْ قُلْتُهُ. قَالَ: إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ. فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ. قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ وَهْوَ أعَدْلُ الصِّيَامِ. قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد بن عقيل بفتح العين الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (أن سعيد بن المسيب) بفتح التحتية المشددة (أخبره وأبا سلمة) أي وأخبر أبا سلمة (بن عبد الرَّحمن) بن عوف أيضًا (أن عبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن العاص (رضي الله تعالى
عنهما) أنه (قال: أخبر) بضم الهمزة وكسر الموحدة (رسول الله ﷺ إني أقول والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت) أي مدة حياتي (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(أنت الذي تقول والله لأصومن النهار ولأقومن الليل
стр. 2296
ما عشت) قال عبد الله بن عمرو (قلت قد قلته) زاد في الصيام من طريق أبي اليمان عن شعيب عن الزهري بأبي أنت وأمي (قال) ﵊: (إنك لا تستطيع ذلك) الذي قلته من صيام النهار وقيام الليل لحصول المشقّة (فصُم وأفطر) بهمزة قطع (وقم) متهجدًا في بعض الليل (ونم) في بعضه (وصم من الشهر ثلاثة أيام) لم يعينها (فإن الحسنة بعشر أمثالها) تعليل لكونها ثلاثة (وذلك مثل صيام الدهر) في الثواب.
قال عبد الله: (فقلت إني أطيق أفضل) أكثر (من ذلك) أي صوم ثلاثة أيام من كل شهر (يا رسول الله. قال) ﵊: (فصم يومًا وأفطر يومين) بقطع الهمزة (قال) عبد الله: (قلت: إني أطيق أفضل) أكثر (من ذلك. قال) ﵊: (فصم يومًا وافطر يومًا وذلك صيام داود وهو عدل الصيام) بفتح العين وسكون الدال المهملة، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: أعدل الصيام، وفي الصيام: وهو أفضل الصيام. قال عبد الله: (قلت إني أطيق أفضل) أكثر (منه يا رسول الله. قال) ﵊: (لا أفضل من ذلك). أي بالنسبة لك وذلك لما علم من حاله ومنتهى قوّته وإذا ما هو أكثر من ذلك فإنه يضعفه عن الفرائض ويقعد به عن الحقوق والمصالح، والذي عليه المحققون أن صوم داود أفضل من صوم الدهر، وتحقيق ذلك قد سبق في كتاب الصوم وليس كل عمل صالح إذا زاد العبد منه ازداد تقربًا من ربه تعالى، بل رب عمل صالح إذا زاد منه كثرة ازداد بُعدًا كالصلاة في الأوقات المكروهة.
٣٤١٩ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَمْ أُنَبَّأْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتِ الْعَيْنُ، وَنَفِهَتِ النَّفْسُ، صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ، أَوْ كَصَوْمِ الدَّهْرِ. قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ بِي -قَالَ مِسْعَرٌ: يَعْنِي قُوَّةً- قَالَ: فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ ﵇، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى».
وبه قال: (حدّثنا خلاد بن يحيى) بن صفوان السلمي المقري الكوفي سكن مكة قال: (حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين ابن كدام بكسر أوله وتخفيف ثانيه الهلالي الكوفي قال: (حدّثنا حبيب بن أبي ثابت) بفتح الحاء المهملة واسم أبي ثابت قيس الكوفي (عن أبي العباس) السائب الأعمى الشاعر (عن عبد الله بن عمرو بن العاص) أنه (قال: قال لي رسول الله) ولأبي ذر: النبي (¬ ﷺ ¬):
(ألم أنبأ) بضم الهمزة وفتح النون وتشديد الموحدة (أنك تقوم الليل) كله (وتصوم النهار) ثبت لفظ النهار لأبي ذر عن الكشميهني (فقلت: نعم). سقط لفظ نعم لأبي ذر (فقال) عليه
الصلاة والسلام: (فإنك إذا فعلت ذلك هجمت العين) بفتح الهاء والجيم والميم أي غارت وضعف بصرها (ونفهت النفس) بفتح النون وكسر الفاء تعبت وكلّت (صم من كل شهر ثلاثة أيام) ثالث عشره وتالييه (فذلك صوم الدهر) لأن الحسنة بعشر أمثالها (أو كصوم الدهر) شك الراوي. قال عبد الله (قلت: إني أجد بي. قال مسعر يعني قوة) على ذلك ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: أجدني بالنون بدل الموحدة (قال) ﵊: (فصم صوم داود ﵇ كان يصوم يومًا ويفطر يومًا) وهو أفضل لما فيه من زيادة المشقّة، وأفضل العبادات أشقها بخلاف صوم الدهر فإن الطبيعة تعتاده فيسهل عليها. وفي اليونينية: وكان يصوم بإثبات الواو وأسقطها في الفرع (ولا يفر إذا لاقى) العدوّ لأنه يستعين بيوم فطره على صومه فلا يضعفه ذلك عن لقاء عدوّه.
٣٨ - باب أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ: كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ. وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا قَالَ عَلِيٌّ: وَهْوَ قَوْلُ عَائِشَةَ: "مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلاَّ نَائِمًا"
هذا (باب) بالتنوين وسقط لفظ باب للمستملي والكشميهني (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود) أحب بمعنى المحبوب وهو قليل إذ غالب أفعل التفضيل أن يكون بمعنى الفاعل ومعنى المحبة هنا إرادة الخير لفاعل ذلك (كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه) في الوقت الذي ينادي فيه الرب : هل من سائل هل من مستغفر، (وينام سدسه) الأخير ليستريح من نصب القيام في بقية الليل (ويصوم يومًا ويفطر يومًا) وإنما صار ذلك أحب إلى الله تعالى من أجل الأخذ بالرفق على النفوس التي يخشى منها السآمة التي هي سبب إلى ترك العبادة والله تعالى يحب أن يديم فضله ويوالي إحسانه قال في الكواكب.
(قال علي): غير منسوب. قال في الفتح: وأظنه ابن عبد الله المديني شيخ المؤلّف (وهو) أي قوله وينام سدسه (قول عائشة) -رضي الله
стр. 2297
عنها- (ما ألفاه) بالفاء أي ما وجده ﷺ (السحر) رفع على الفاعلية أي لم يجيء السحر والنبي ﷺ (عندي إلاّ) وجده (نائمًا) بعد القيام وهذا كله ثابت عند المستملي والكشميهني.
٣٤٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا. وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء الثقفي مولاهم البلخي قال: (حدّثنا سفيان) بن
عيينة (عن عمرو بن دينار) المكي (عن عمرو بن أوس الثقفي) الطائفي أنه (سمع عبد الله بن عمرو) يعني ابن العاص (قال: قال لي رسول الله ﷺ ¬):
(أحب الصيام إلى الله صيام داود) ﵇ (كان يصوم يومًا ويفطر يومًا) لما فيه من المشقّة (وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه) لأن النوم بعد القيام يريح البدن ويذهب ضرر السهر.
٣٩ - باب ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ١٧ - ٢٠] قَالَ مُجَاهِدٌ: الْفَهْمُ فِي الْقَضَاءِ. ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾: لَا تُسْرِفْ. ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ -يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ نَعْجَةٌ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا شَاةٌ- ﴿وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ -مِثْلُ ﴿وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءُ﴾: ضَمَّهَا. ﴿وَعَزَّنِي﴾: غَلَبَنِي، صَارَ أَعَزَّ مِنِّي، أَعْزَزْتُهُ: جَعَلْتُهُ عَزِيزًا. ﴿فِي الْخِطَابِ﴾ يُقَالُ الْمُحَاوَرَةُ. ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لِيَبْغِي﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿إِنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اخْتَبَرْنَاهُ. وَقَرَأَ عُمَرُ: ﴿فَتَّنَّاهُ﴾ -بِتَشْدِيدِ التَّاءِ- ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾.
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿واذكر عبدنا داود ذا الأيد﴾) [ص: ١٧]. ذا القوة في العبادة أو الملك (﴿إنه أوّاب﴾) أي رجّاع إلى مرضاة الله (إلى قوله) تعالى (﴿وفصل الخطاب﴾) [ص: ٢٠].
(قال مجاهد): فصل الخطاب (الفهم في القضاء) ليفصل بين الخصوم وهو طلب البيّنة واليمين. قال الإمام فخر الدين: وهذا بعيد لأن فصل الخطاب عبارة عن كونه قادرًا على التعبير عن كل ما يخطر بالبال ويحضر في الخيال بحيث لا يخل شيئًا بشيء، وبحيث يفصل كل مقام عما يخالفه. وهذا معنى عام يتناول فصل الخصومات ويتناول الدعوة إلى الدين الحق، ويتناول جميع الأقسام.
وعن بلال بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى قال: أول من قال أما بعد؛ داود ﵇ وهو فصل الخطاب. رواه ابن أبي حاتم وقال في الأنوار أو هو الكلام الملخص الذي ينبه المخاطب على المقصود من غير التباس يراعي فيه مظان الفصل والوصل والعطف والاستئناف والإضمار والإظهار والحذف والتكرار ونحوها، وإنما سمي به أما بعد لأنه يفصل المقصود عما سبق مقدمة له من الحمد والصلاة، وقيل هو الخطاب الفصل الذي ليس فيه اختصار مخل ولا إشباع ممل كما جاء في وصف كلام رسول الله ﷺ : فصل لا نزر ولا هذر ولأبي ذر: الفهم بالرفع بتقدير هو.
﴿هل أتاك نبأ الخصوم﴾ الخصم في الأصل مصدر والمراد به هنا الجمع بدليل قوله تعالى: ﴿إذ تسوّروا المحراب﴾ إذ دخلوا على داود (إلى) قوله: (﴿ولا تشطط﴾) [ص: ٢٢]. أي (لا تسرف) وإنما فكه على أحد الجائزين كقوله من يرتدد ولغير أبي ذر في القضاء ولا تشطط (﴿واهدنا إلى سواء الصراط﴾) أي طريق الصواب (﴿وإن هذا أخي﴾) على ديني وطريقتي (﴿له تسع وتسعون نعجة﴾ يقال) للمرأة نعجة ويقال لها أيضًا شاة (﴿ولي نعجة واحدة﴾) [ص: ٢٣]. امرأة واحدة والكناية والتمثيل فيما يساق للتعريض أبلغ في المقصود (فقال: أكفلنيها مثل ﴿وكفلها زكريا﴾) [آل عمران: ٣٧]. أي (ضمها) إليه. وقال ابن عباس: أعطنيها (﴿وعزني﴾) أي (غلبني) في مخاطبته إياي محاجة بأن جاء بحجاج لم أقدر على رده حتى (صار أعز مني) أقوى (أعززته جعلته عزيزًا ﴿في الخطاب﴾ يقال المحاورة) بالحاء المهملة (﴿قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه﴾) بسؤال مصدر مضاف لمفعوله والفاعل محذوف أي بأن سأل نعجتك وضمن السؤال معنى الإضافة والانضمام أي بإضافة نعجتك على سبيل السؤال ولذلك عدي بأل وسقط عند أبي ذر قال لقد الخ .. (﴿وإن كثيرًا من الخلطاء﴾) أي (الشركاء ليبغي) ليتعدّى (إلى قوله ﴿إنما فتناه﴾ قال ابن عباس) أي (اختبرناه) وهذا وصله ابن جرير. (وقرأ عمر) بن الخطاب ﵁ (﴿فتناه﴾ بتشديد التاء ﴿فاستغفر ربه وخرّ راكعًا) أي ساجدًا وهذا يدل على حصول الركوع وأما السجود فقد ثبت بالأخبار (﴿وأناب﴾) [ص: ٢٤] أي رجع إلى الله تعالى بالتوبة.
قال في الأنوار: وأقصى ما في هذه القصة الإشعار بأنه ﵊ ودّ أن يكون له ما لغيره وكان له أمثاله فنبهه الله تعالى بهذه القصة فاستغفر وأناب عنه، وأما ما روي أنه وقع بصره على امرأة فعشقها إلى آخره مما ذكره بعض المفسرين والقُصّاص مما أكثره مأخوذ من الإسرائيليات فكذب وافتراء لم يثبت عن
стр. 2298
معصوم، ولذلك قال علي ﵁: من حدّث بحديث داود على ما يرويه القُصّاص جلدته مائة وستين.
٣٤٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَوَّامَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ أَنسْجُدُ فِي ص؟ فَقَرَأَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ -حَتَّى أَتَى- ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: "نَبِيُّكُمْ ﷺ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ".
[الحديث ٣٤٢١ - أطرافه في: ٤٦٣٢، ٤٨٠٦، ٤٨٠٧].
وبه قال: (حدّثنا محمد) هو ابن سلام قال: (حدّثنا سهل بن يوسف) الأنماطي البصري (قال: سمعت العوّام) بفتح العين المهملة وتشديد الواو ابن حوشب الشيباني الواسطي (عن مجاهد) هو ابن جبر أنه (قال: قلت لابن عباس) ﵄ (اسجد) بسكون السين بعد الهمزة ولأبي ذر عن الحموي أنسجد بنون المتكلم ومعه غيره بعد همزة الاستفهام (في) سورة (ص فقرأ) ابن عباس قوله تعالى: (﴿ومن ذريته داود وسليمان﴾) [الأنعام: ٨٤] (حتى أتى ﴿فبهداهم اقتده﴾
فقال نبيكم) ولأبوي الوقت وذر: فقال ابن عباس ﵄ نبيكم (¬ ﷺ ¬):
(ممن أمر أن يقتدي بهم). زاد في التفسير فسجدها رسول الله ﷺ . قال الكرماني: وفي هذا الاستدلال مناقشة إذ الرسول مأمور بالاقتداء بهم في أصول الدين لا في فروعه لأنها هي المتفق عليها بين الأنبياء إذ في المختلفات لا يمكن اقتداء الرسول بكلهم وإلاّ يلزم التناقض.
٣٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "لَيْسَ ص مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا".
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄ قال: ليس) سجدة (ص من عزائم السجود) المأمور بها (ورأيت النبي ﷺ يسجد فيها) موافقة لداود شكرًا لقبول توبته فهي سجدة شكر عند الشافعية تسن عند تلاوتها في غير الصلاة.
٤٠ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠] الرَّاجِعُ: الْمُنِيبُ. وَقَوْلُهُ: ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]. وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ -أَذَبْنَا لَهُ عَيْنَ الْحَدِيدِ- ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾ [سبأ: ١٢] قَالَ مُجَاهِدٌ: بُنْيَانٌ مَا دُونَ الْقُصُورِ ﴿وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ كَالْحِيَاضِ لِلإِبِلِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَالْجَوْبَةِ مِنَ الأَرْضِ ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿الشَّكُورُ * فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ﴾ -الأَرَضَةُ- ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ عَصَاهُ ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤]. ﴿حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ وَعَرَاقِيبَهَا. ﴿الأَصْفَادُ﴾: الْوَثَاقُ. . قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الصَّافِنَاتُ﴾: صَفَنَ الْفَرَسُ رَفَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ حَتَّى تَكُونَ عَلَى طَرَفِ الْحَافِرِ. ﴿الْجِيَادُ﴾: السِّرَاعُ. ﴿جَسَدًا﴾: شَيْطَانًا. ﴿رُخَاءً﴾: طَيِّبَةً. ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: حَيْثُ شَاءَ. ﴿فَامْنُنْ﴾: أَعْطِ. ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: بِغَيْرِ حَرَجٍ.
(باب قول الله تعالى): سقط لفظ باب لأبي ذر فقول رفع على ما لا يخفى (﴿ووهبنا لداود
سليمان نعم العبد﴾) المخصوص بالمدح محذوف أي نعم العبد سليمان (﴿إنه أوّاب﴾) [ص: ٣٠] أي (الراجع المنيب) وقال السدي: هو المسبح (وقوله) (﴿هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾) [ص: ٣٥] لتكون معجزة لي مناسبة لحالي أو لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني كما كان من قصة الجسد الذي ألقي على كرسيه، والصحيح كما قاله ابن كثير أنه سأل ملكًا لا يكون لأحد من البشر مثله كما هو ظاهر سياق الآية.
(وقوله) تعالى: (﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾) أي: واتبعوا كتب السحر التي تقرؤها أو تتبعها الشياطين من الجن أو الإنس أو منهما (﴿على ملك سليمان﴾) [البقرة: ١٠٢] أي عهده وتتلو حكاية حال ماضية قيل كانوا يسترقون السمع ويضمون إلى ما سمعوا أكاذيب ويلقولها إلى الكهنة وهم يدونونها ويعلمون الناس، وفشا ذلك في عهد سليمان ﵇ حتى قيل: إن الجن تعلم الغيب، وإن ملك سليمان تم بهذا العلم وإنه يسخر به الإنس والجن والريح له.
(﴿ولسليمان الريح﴾) سخرناها له (﴿غدوّها ورواحها شهر﴾) أي جريها بالغداة مسيرة شهر وبالعشي كذلك أي كانت تسير به في يوم واحد مسيرة شهرين (﴿وأسلنا له عين القطر﴾) أي (أذبنا له عين الحديد) وقال غير واحد القطر النحاس أساله له من معدنه فنبع منه نبوع الماء من الينبوع ولذلك سماه عينًا وكان ذلك باليمن وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله لسليمان وإنما أسيلت له ثلاثة أيام (﴿ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه﴾) مصدر مضاف لفاعله أي بأمره ﴿ومن يزغ﴾ يعدل ﴿منهم عن أمرنا﴾ الذي أمرناه به من طاعة سليمان ﴿نذقه من عذاب السعير﴾ في الآخرة وقيل في الدنيا فقد قيل إن الله تعالى وكل بهم ملكًا بيده سوط من نار فمن زاغ منهم عن أمر سليمان ضربه أحرقته ﴿يعملون له ما شاء من محاريب﴾ [سبأ: ١٣].
(قال مجاهد): فيما وصله عبد بن حميد (بنيان) سور (ما دون القصور). وقال أبو عبيدة: المحاريب جمع محراب وهو مقدم كل بيت، وقيل: المساجد وكان مما عملوا له بيت المقدس ابتدأه داود ورفعه قامة رجل وكمله سليمان فبناه بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر وعمده بأساطين المها الصافي وسقفه بأنواع الجواهر الثمينة، وفصص حيطانه باللآلي واليواقيت وسائر الجواهر وبسط أرضه بلواح الفيروزج، فلم يكن يومئذ أبهى ولا أنور منه كان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر واتخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه
стр. 2299
عيدًا ولم يزل على ما بناه سليمان حتى غزاه يختنصر وأخذ ما كان في سقفه وحيطانه مما ذكر إلى دار مملكته من أرض العراق.
(﴿وتماثيل﴾) قيل كانوا ينحتون صور الملائكة والأنبياء والصالحين في المساجد ليرها الناس فيزدادوا عبادة وتحريم التصاوير شرع مجدد، وقيل إنهم عملوا أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما رواه ابن أبي حاتم عن كعب في خبر طويل عجيب في صفة الكرسي. (﴿وجفان﴾) أي وصحاف (﴿كالجواب﴾) أي (﴿كالحياض للإبل﴾) قيل: كان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل يأكلون
منها. (وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم: (كالجوبة من الأرض) بفتح الجيم وبعد الواو الساكنة موحدة قال الجوهري: الجوبة الفرجة في السحاب وفي الجبال وانجابت السحابة انكشفت والجوبة موضع ينجاب في الحرة. (﴿وقدور راسيات﴾) ثابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها وكان يصعد إليها بالسلالم ﴿اعملوا آل داود شكرًا﴾ [سبأ: ١٣] أي اعملوا له واعبدوه شكرًا فالنصب على العلة ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ: ١٣] المتوفر على أداء الشكر الباذل وسعه فيه قد شغل قلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته ومع ذلك لا يوفى حقه لأن توفيقه للشكر نعمة تستدعي شكرًا آخر، ولذا قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر قاله في الأنوار. (﴿فلما قضينا عليه الموت﴾) أي على سليمان (﴿ما دلهم على موته إلا دابة الأرض﴾) هي (الأرضة) التي (﴿وتأكل منسأته﴾) أي (عصاه ﴿فلما خر﴾) إلى قوله: (﴿المهين﴾) [سبأ: ١٢ - ١٣ - ١٤] ولأبي ذر إلى ﴿في العذاب المهين﴾ وقوله: بإذن ربه إلى آخر قوله: ﴿من محاريب) ثابت لأبي ذر، وقال غيره بعد قوله: ﴿بين يديه﴾ إلى قوله: ﴿من محاريب﴾ وثبت لأبي ذر أيضًا قوله: ﴿اعملوا آل داود﴾ إلى آخر ﴿الشكور﴾ وكان سليمان لما دنا أجله وأعلم به قال: اللهم عمّ على الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء، ثم دخل محراب بيت المقدس فقام يصلّي متوكئًا على عصاه فمات قائمًا، وكان للمحراب كوى بين يديه وخلفه، فكانت الجن تعمل تلك الأعمال الشاقة وينظرون إلى سليمان فيرونه فيظنونه حيًّا فلا ينكرون خروجه للناس لطول صلاته حتى أكلت الأرضة عصاه فخر ميتًا ثم فتحوا عنه وأرادوا أن يعرفوا وقت موته فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت يومًا وليلة مقدارًا فحسبوا ذلك المقدار فوجدوه قد مات منذ سنة، وكان عمره ثلاثًا وخمسين سنة وملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة وابتدأ عمارة بيت المقدس لأربع مضين من ذلك.
(﴿حب الخير﴾) في قوله تعالى: ﴿إني أحببت حب الخير﴾ [ص: ٣٢] أي الخيل التي شغلتني (﴿عن ذكر﴾) قال قتادة: عن صلاة العصر حتى غابت الشمس (﴿فطفق مسحًا﴾) أي فأخذ يمسح مسحًا (﴿بالسوق والأعناق﴾) أي (يمسح أعراف الخيل وعراقيبها). حبًّا لها، وقيل يمسح بالسيف سوقها وأعناقها يقطعها تقربًا إلى الله تعالى وطلبًا لرضاه حيث اشتغل بها عن طاعته وهذا أوجه.
(﴿الأصفاد﴾) [إبراهيم: ٤٩] في قوله: ﴿وآخرين مقرنين في الأصفاد﴾ أي (الوثاق) أي وآخرين من الشياطين قرن بعضهم مع بعض في الأغلال ليكفوا عن الشر.
(وقال مجاهد ﴿الصافنات﴾) في قوله: ﴿إذ عرض عليه بالعشي الصافنات﴾ هي من قولهم: (صفن الفرس) بفتح الصاد والفاء والنون والفرس رفع فاعل أي (رفع إحدى رجليه حتى يكون على طرف الحافر) وهذا وصله الفريابي، ولكن قال يديه ورجليه، وصوب القاضي عياض ما عند الفريابي، وقال في الأنوار: الصافن من الخيل الذي يقوم على طرف سنبك يد أو رجل وهو من الصفات المحمودة في الخيل ولا يكاد يكون إلا في العراب الخلص، وقال
الزجاج: هو الذي يقف على إحدى يديه ويقف على طرف سنبكه وقد يفعل ذلك بإحدى رجليه قال: وهي علامة الفراهة (﴿الجياد﴾) [ص: ٣٢ - ٣٣ - ٣٤] قال مجاهد فيما وصله الفريابي (السراع) في جريها.
(﴿جسدا﴾) في قوله: ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدًا﴾ أي
стр. 2300
(شيطانًا) قيل: إن سليمان غزا صيدون من الجزائر فقتل ملكها وأصاب ابنته جرادة فأحبها وكان لا يرقأ دمعها حزنًا على أبيها، فأمر الشياطين فمثلوا لها صورته وكان اتخاذ التماثيل جائزًا حينئذٍ فكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدن لها كعادتهن في ملكه، فأخبره آصف بسجودهن فكسر الصورة وضرب المرأة وخرج إلى الفلاة باكيًا متضرّعًا، وكانت له أم ولد تسمى أمينة إذا دخل للطهارة أعطاها خاتمه وكان ملكه فيه فأعطاها يومًا فتمثل لها بصورته شيطان اسمه صخر وأخذ الخاتم فتختم به وجلس على كرسيه فاجتمع عليه الخلق ونفذ حكمه في كل شيء إلا في نسائه، وغيّر سليمان عن هيئته فأتاها يطلب الخاتم فطردته فعرف أن الخطيئة قد أدركته فكان يدور على البيوت يتكلّف حتى مضى أربعون يومًا عدد ما عبدت الصورة في بيته، فطار الشيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة فوقعت في يده فبقر بطنها فوجد الخاتم فتختم به وخر ساجدًا لله تعالى وعاد إليه ملكه والخطيئة تغافله عن حال أهله والسجود للصورة بغير علمه لا يضرّه.
وعن مجاهد فيما رواه الفريابي ﴿وألقينا على كرسيه جسدًا﴾ [ص: ٣٤] قال: شيطانًا يقال له آصف. قال له سليمان: كيف تفتن الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك فأعطاه فقذفه آصف في البحر فساخ فذهب سليمان وقعد آصف على كرسيه ومنعه الله نساء سليمان فلم يقربهن الخبر بنحو ما سبق. قال ابن كثير: وهذا كله من الإسرائيليات، وقال البيضاوي أظهر ما روي في ذلك مرفوعًا أنه قال: "لأطوفن الليلة على تسعين امرأة" الحديث ويأتي قريبًا إن شاء الله تعالى بعون الله.
(﴿رخاء﴾) في قوله تعالى: ﴿فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء﴾ [ص: ٣٦] أي (طيبة) ولأبي ذر عن الكشميهني طيبًا بالتذكير (﴿حيث أصاب﴾) أي (حيث شاء ﴿فامنن﴾) أي (اعط) من شئت أو أمسك أي امنع من شئت (﴿بغير حساب﴾) [ص: ٣٩] أي (بغير حرج).
٣٤٢٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَىَّ صَلَاتِي، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَأَخَذْتُهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ: رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا». عِفْرِيتٌ: مُتَمَرِّدٌ مِنْ إِنْسٍ أَوْ جَانٍّ، مِثْلُ زِبْنِيَةٍ جَمَاعَتُهَا الزَّبَانِيَةُ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشدّدة ابن عثمان العبدي البصري بندار قال: (حدّثنا محمد بن جعفر) غندر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج
(عن محمد بن زياد) القرشي الجمحي مولى آل عثمان بن مظعون (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه قال:
(إن عفريتًا) بكسر العين (من الجن تفلّت) أي تعرض لي فلتة لم بغتة (البارحة) أي الليلة الخالية الزائلة (ليقطع عليّ صلاتي) بتشديد ياء عليّ (فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه) بضم الموحدة (على) كذا في اليونينية وفي فرعها إلى (سارية من سواري المسجد) أسطوانة من أساطينه (حتى تنظروا إليه كلكم فذكرت دعوة أخي) في النبوة (سليمان رب هب لي ملكًا) التلاوة ﴿رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ [ص: ٣٥] من البشر (فرددته) حال كونه (خاسئًا) مطرودًا.
(﴿عفريت﴾) [النمل: ١٣] أي (متمرد من إنس أو جان) وإطلاقه على الإنس على سبيل الاستعارة ولاشتهار هذه الاستعارة قال بعضهم: العفريت من الرجال الخبيث المنكر، وقال ابن عباس: العفريت الداهية، وقال الربيع الغليظ، وقال الفراء: التشديد وصف بكونه من الجن في قوله تعالى ﴿قال عفريت من الجن﴾ [النمل: ٣٩] تمييزًا له. وقيل إن الشيطان أقوى من الجن وإن المردة أقوى من الشياطين وإن العفريت أقوى منهما، وقرأ أبو رجاء العطاردي وأبو السمال بالسين المهملة واللام، ورويت عن أبي بكر الصديق عفرية بكسر العين وسكون الفاء وكسر الراء وفتح التحتية بعدها تاء التأنيث المنقلبة هاء وقفًا، وأنشدوا على ذلك قول ذي الرمة:
كأنه كوكب في اثر عفرية … مسوّم في سواد الليل منقضب
وهذا (مثل زبنية) بكسر الزاي وسكون الموحدة وكسر النون وفتح التحتية آخرها هاء تأنيث (جماعتها الزبانية). ولأبي ذر: جماعته زبانية، والزبانية في الأرض اسم أصحاب الشرط مشتق من الزبن وهو الدفع وسمي بذلك الملائكة لدفعهم أهل النار فيها. وقال بعضهم: وأحدها زبانيّ، وقيل
стр. 2301
زابن، وقيل زبنيت على مثال عفريت. قال: والعرب لا تكاد تعرف هذا وتجعله من الجمع الذي لا واحد له كأبابيل وعباديد.
٣٤٢٤ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأَةٍ فَارِسًا يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمْ يَقُلْ، وَلَمْ تَحْمِلْ شَيْئًا إِلاَّ وَاحِدًا سَاقِطًا إِحْدَى شِقَّيْهِ». فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ قَالَهَا لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ». قَالَ شُعَيْبٌ وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ: «تِسْعِينَ». وَهْوَ أَصَحُّ.
وبه قال: (حدّثنا خالد بن مخلد) بفتح الميم وسكون الخاء البجلي الكوفي قال: (حدّثنا مغيرة بن عبد الرَّحمن) بن عبد الله الحزاميّ بالحاء المهملة والزاي وليس بالمخزومي (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان القرشي (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(قال سليمان بن داود) ﵉ (لأطوفن) أي والله لأطوفن (الليلة على سبعين امرأة) لأجامعهن وفي رواية الحموي والمستملي كما في الفتح لأطيفن بالياء بدل الواو لغتان (تحمل كل امرأة) منهن (فارسًا يجاهد في سبيل الله) (فقال له صاحبه): أي الملك قل (إن شاء الله) فنسي (فلم يقل) بلسانه إن شاء الله فطاف بهن (ولم) بالواو في اليونينية وفي فرعها فلم (تحمل) منهن امرأة (شيئًا إلا) واحدة فولدت (واحدًا ساقطًا إحدى) بكسر الهمزة وسكون الحاء، ولأبي ذر والأصيلي: أحد (شقيه) وفي رواية أيوب عن ابن سيرين ولدت شق غلام، وفي رواية هشام عنه نصف إنسان، وحكى النقاش في تفسيره أن الشق المذكور هو الجسد الذي على كرسيه وكلام البيضاوي يشير إلى تصويبه.
(فقال النبي ﷺ لو قالها) أي إن شاء الله (لجاهدوا في سبيل الله) زاد شعيب فرسانًا أجمعون. (قال شعيب): هو ابن أبي حمزة كما ذكره في الأيمان والنذور (وابن أبي الزناد) عبد الرَّحمن بن عبد الله بن ذكوان (تسعين) بتقديم المثناة الفوقية على السين (وهو أصح) من سبعين بتقديم السين على الموحدة.
وعند النسائي وابن حبان من طريق هشام بن عروة عن أبي الزناد مائة، وفي التوحيد من رواية أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة ستون امرأة، وفي الجهاد من طريق جعفر بن ربيعة عن الأعرج مائة امرأة أو تسع وتسعون على الشك، وجمع بين ذلك بأن الستين كن حرائر وما زاد على ذلك سراري أو بالعكس أو السبعون للمبالغة، وأما التسعون والمائة فكن دون المائة وفوق التسعين، فمن قال تسعين ألغى الكسر، ومن قال مائة جبره، ومن ثم وقع التردد في رواية جعفر.
وعند ابن عساكر من طريق ابن الجوزي عن مقاتل عن أبي الزناد عن أبيه عبد الرَّحمن عن أبي هريرة أن سليمان ﵊ كان له أربعمائة امرأة وستمائة سرية فقال يومًا: لأطوفن الليلة على ألف امرأة فتحمل كل واحدة منهن بفارس يجاهد في سبيل الله تعالى ولم يستثن فطاف عليهن فلم تحمل منهن إلا امرأة جاءت بشق إنسان الحديث.
وعند الحاكم من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب قال: بلغنا أنه كان لسليمان ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة صريحة وسبعمائة سرية.
٣٤٢٥ - حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلُ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ. قُلْتُ: ثُمَّ أَىٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَسْجِدُ الأَقْصَى قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ. ثُمَّ قَالَ: حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ وَالأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (عمر بن حفص) بضم العين الكوفي قال:
(حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا إبراهيم التيمي عن أبيه) يزيد بن شريك (عن أبي ذر) الغفاري (﵁) أنه (قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أوّل)؟ بفتح اللام غير منصرف وبضمها ضمة بناء لقطعها عن الإضافة، وفي باب ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ [النساء: ١٢٥] أي مسجد وضع في الأرض أول (قال) ﵊:
(المسجد الحرام) قال أبو ذر (قلت: ثم أي)؟ أي ثم أي مسجد وضع بعد المسجد الحرام (قال) ﵊: (ثم المسجد الأقصى) وسقط ثم في الفرع وثبت في أصله قال أبو ذر (قلت) يا رسول الله (كم كان بينهما؟ قال) ﵊: (أربعون) أي سنة (ثم قال) ﵊: (حيثما أدركتك الصلاة) أي وقتها وفيه أن إيقاع الصلاة إذا حضرت لا يتوقف على المكان الأفضل (فصلّ والأرض لك مسجد) لا يختص السجود فيها بموضع دون
стр. 2302
آخر، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا "وكان من قبلي إنما يصلون في كنائسهم".
٣٤٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ تَقَعُ فِي النَّارِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن عبد الرَّحمن) بن هرمز الأعرج أنه (حدثه أنه سمع أبا هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول):
(مثلي ومثل الناس) بفتح الميم فيهما أي مثل دعائي الناس إلى الإسلام المنقذ لهم من النار ومثل ما زينت لهم أنفسهم من التمادي على الباطل (كمثل رجل استوقد نارًا) وهي جوهر لطيف مضيء حار محرق (فجعل الفراش) بفتح الفاء دواب مثل البعوض واحدتها فراشة (وهذه الدواب) جمع دابة كالبرغش والبعوض والجندب ونحوها (تقع في النار) خبر جعل لأنها من أفعال المقاربة تعمل عمل كان، والفراشة هي التي تطير وتتهافت في السراج بسبب ضعف بصرها فهي بسبب ذلك تطلب ضوء النهار، فإذا رأت السراج بالليل ظنت أنها في بيت مظلم وأن السراج كوة في البيت المظلم إلى الموضع المضيء ولا تزال تطلب الضوء وترمي بنفسها إلى الكوّة فإذا جاوزتها ورأت الظلام ظنت أنها لم تصب الكوّة ولم تقصدها على السداد فتعود إليها مرة أخرى حتى تحترق.
قال الغزالي: ولعلك تظن أن هذا لنقصانها وجهلها فاعلم أن جهل الإنسان أعظم من جهلها بل صورة الإنسان في الإكباب على الشهوات في التهافت فلا يزال يرمي بنفسه فيها إلى أن ينغمس
فيها ويهلك هلاكًا مؤبدًا فليت جهل الآدمي كان كجهل الفراش فإنها باغترارها بظاهر الضوء إن احترقت تخلصت في الحال والآدمي يبقى في النار أبد الآباد، ولذلك كان رسول الله ﷺ يقول "إنكم تتهافتون في النار تهافت الفراش وأنا آخذ بحجزكم" وقال تعالى: ﴿يوم يكون الناس كالفراش المبثوث﴾ [القارعة: ٤] فشبههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والتطاير إلى الداعي من كل جانب كما يتطاير الفراش.
٣٤٢٧ - «وَقَالَ: كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ صَاحِبَتُهَا إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقَالَتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ. فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا. فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ إِلاَّ يَوْمَئِذٍ، وَمَا كُنَّا نَقُولُ إِلاَّ الْمُدْيَةُ».
[الحديث ٣٤٢٧ - طرفه في: ٦٧٦٩].
(وقال) أي أبو هريرة فهو موقوف، أو النبي ﷺ فهو مرفوع كما عند الطبراني والنسائي (كانت امرأتان) لم تسميا (معهما ابناهما) لم يسميا أيضًا (جاء الذئب بابن إحداهما فقالت صاحبتها إنما ذهب) الذئب (بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك فتحاكما) كذا في الفرع وللكشميهني كما في الفتح وهي التي في اليونينية فتحاكمتا (إلى داود) ﵊ (فقضى به) بالولد الباقي (للكبرى) للمرأة الكبرى منهما لكونه كان في يدها وعجزت الأخرى عن إقامة البيّنة (فخرجتا على سليمان بن داود فأخبرتاه) بالقصة (فقال): قاصدًا استشكاف الأمر (ائتوني بالسكين) بكسر السين (أشقه بينهما. فقالت الصغرى) منهما له: (لا تفعل) ذلك (يرحمك الله هو ابنها فقضى) سليمان (به للصغرى) لما رآه من جزعها الدال على عظيم شفقتها ولم يلتفت إلى إقرارها أنه ابن الكبرى لأنه علم أنها آثرت حياته بخلاف الكبرى.
(قال أبو هريرة): بالإسناد السابق (والله إن) بكسر الهمزة وسكون النون كلمة نفي أي ما (سمعت بالسكين إلا يومئذٍ وما كنا نقول إلا المدية) بضم الميم، ويجوز فتحها وكسرها. وقيل للسكين مدية لأنها تقطع مدى حياة الحيوان والسكين لأنها تسكن حركته.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الفرائض والنسائي في القضاء.
٤١ - باب قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٢ - ١٨]. ﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾: الإِعْرَاضُ بِالْوَجْهِ.
(باب قول الله تعالى): وسقط لفظ باب لأبي ذر فقول الله رفع على ما لا يخفى (﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة﴾) وهو أعجمي منع الصرف للتعريف والعجمة الشخصية أو عربي مشتق من اللفم
وهو حينئذٍ مرتجل لأنه لم يسبق له وضع في النكرات ومنعه حينئذٍ للتعريف وزيادة الألف والنون. قال ابن إسحاق لقمان هو ابن باعوراء بن ناحور بن تارح وهو آزر، كان ابن أخت أيوب، وقال الواقدي: كان قاضيًا في بني إسرائيل ولم يكن نبيًا خلافًا لعكرمة واتفق على أنه كان حكيمًا.
روي أنه كان نائمًا فنودي. هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض فتحكم بين الناس بالحق؟ فأجاب الصوت وقال: إن خيرني
стр. 2303
ربي قبلت العافية ولم أقبل البلاء، وإن عزم عليّ فسمعًا وطاعة فإني أعلم إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني، فقالت الملائكة بصوت لا يراهم: لم يا لقمان؟ قال: لأن الحاكم بأشدّ المنازل وأكدرها يغشاه الظلم من كل مكان، ومن يكون في الدنيا ذليلاً خير من أن يكون شريفًا، فتعجبت الملائكة من حسن منطقه فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه وهو يتكلم بها وكان عبدًا حبشيًّا. والحكمة كما في الأنوار استكمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقته.
(﴿أن اشكر لله﴾) [لقمان: ١٢] أن المفسرة فسر إيتاء الحكمة بقوله أن اشكر لله ثم بين أن الشكر لا ينفع إلا الشاكر (إلى قولها ﴿إن الله لا يحب كل مختال﴾) في مشيه (﴿فخور﴾) [لقمان: ١٨] على الناس بنفسه، وسقط لأبي ذر (أن اشكر) الخ وقال: إلى قوله: ﴿عظيم﴾ يعني ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ ولأبي الوقت: ﴿يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل﴾ إلى قوله ﴿فخور﴾ [لقمان: ١٦] الضمير في أنها للخطيئة، وذلك أن ابن لقمان قال لأبيه: يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله تعالى، فقال: ﴿يا بني﴾ الآية. والفاء في فتكن لإفادة الاجتماع يعني إن كانت صغيرة ومع صغرها تكون خفية في موضع حريز كالصخرة لا تخفى على الله لأن الفاء للاتصال بالتعقيب (﴿ولا تصعر﴾) بتشديد العين وهي لغة تميم، وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالألف والتخفيف وهي لغة الحجاز وهما بمعنى (الإعراض بالوجه). كما يفعله المتكبرون وسقط لأبي ذر (ولا تصعر) الخ.
٣٤٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ : أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس النخعي (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: لما نزلت) كذا في اليونينية (﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا﴾) عطف على الصلة فلا محل لها أو الواو للحال والجملة بعدها في موضع نصب على الحال أي آمنوا غير ملبسين أي مخلطين (﴿إيمانهم بظلم﴾) بشرك فلم ينافقوا (قال أصحاب
النبي ﷺ : أينا لم يلبس إيمانه بظلم)؟ فنزلت (﴿لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾) [لقمان: ١٣] لأنه وضع النفس الشريفة المكرمة في عبادة الخسيس فوضع العبادة في غير موضعها وقوله (بظلم) وهو من العام الذي أريد به الخاص وهو الشرك.
٣٤٢٩ - حَدَّثَنا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهْوَ يَعِظُهُ ﴿يَا بُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إسحاق) هو ابن راهويه قال: (أخبرنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي بفتح السين المهملة وكسر الموحدة قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن عبد الله) بن مسعود (¬﵁¬) أنه (قال: لما نزلت ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾) [الأنعام: ٨٢] (شق ذلك على المسلمين) لأنهم حملوا الظلم على العموم فيشمل جميع أنواعه لأن قوله بظلم نكرة في سياق النفي (فقالوا: يا رسول الله أينا) وفي بعض النسخ فأينا (لا يظلم نفسه؟ قال) ﵊:
(ليس ذلك) كما تظنون (إنما هو الشرك ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه) باران بالموحدة والراء أو أنعم (وهو يعظه) جملة حالية (﴿يا بني لا تشرك بالله﴾) قيل كان كافرًا فلم يزل به حتى أسلم (﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾) [لقمان: ١٣] وليس الإيمان أن تصدق بوجود الصانع الحكيم وتخلط بهذا التصديق الإشراك.
٤٢ - باب ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ الآيَةَ [يس: ١٣] ﴿فَعَزَّزْنَا﴾: قَالَ مُجَاهِدٌ: شَدَّدْنَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿طَائِرُكُمْ﴾ مَصَائِبُكُمْ
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية﴾ الآية) والقرية إنطاكية أي: ومثل لهم من قولهم هذه الأشياء على ضرب واحد أي مثال واحد وهو يتعدى إلى مفعولين لتضمنه معنى الجعل وهما مثلاً أصحاب القرية على حذف مضاف أي اجعل لهم مثل أصحاب القرية مثلاً فترك المثل وأقيم أصحاب مقامه في الإعراب ﴿إذ جاءها المرسلون﴾ أي رسل عيسى وقوله ﴿إذ أرسلنا إليهم اثنين﴾ [يس: ١٣ - ١٤] قال: وهب: يحنا وبولس وقيل غيرهما وقوله فكذبوهما (﴿فعزّزنا﴾ [يس: ١٤] (قال مجاهد) فيما وصله الفريابي أي (شددنا) بتشديد الدال الأولى قوينا بثالث وهو شمعون وقال كعب: الرسولان صادق وصدوق والثالث شلوم.
(وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم
стр. 2304
(﴿طائركم﴾) [يس: ١٩] أي (مصائبكم). ولم يذكر المؤلّف حديثًا مرفوعًا هنا، وعلى الباب وتاليه الخ علامة السقوط فقط في الفرع وأصله من غير عزو.
٤٣ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّاءَ * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٣ - ٧]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِثْلاً. يُقَالُ ﴿رَضِيًّا﴾: مَرْضِيًّا. ﴿عُتِيًّا﴾: عَصِيًّا، عَتَا يَعْتُو. ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ وَيُقَالُ صَحِيحًا ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. ﴿فَأَوْحَى﴾: فَأَشَارَ ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾. ﴿حَفِيًّا﴾: لَطِيفًا. ﴿عَاقِرًا﴾: الذَّكَرُ وَالأُنْثَى سَوَاءٌ.
(باب قول الله تعالى: ﴿ذكر رحمة ربك﴾) خبر سابقه أن أوّل بالسورة أو القرآن فإنه مشتمل عليه أو خبر محذوف أي هذا المتلو ذكر رحمة ربك (﴿عبده﴾) مفعول الرحمة أو الذكر على أن الرحمة فاعله على الاتساع (﴿زكريا﴾) بدل منه أو عطف بيان له (﴿إذ نادى ربه نداء خفيًّا﴾) قال في الكشاف: لأن الجهر والإخفاء عند الله سيان فكان الإخفاء أولى لأنه أبعد من الرياء، وأدخل في الإخلاص. وعن الحسن نداء لا رياء فيه. قال في فتوح الغيب: فيكون الإخفاء ملزومًا للإخلاص الذي هو عدم الرياء لأن الإخفاء أبعد من الرياء ولما عبر عن عدم الرياء بالخفاء علم أن لا اعتبار للظاهر وأن الأمر يدور على الإخلاص حتى أنه لو نادى جهرًا بلا رياء دخل أو نادى سرًا بلا إخلاص خرج منه، وقيل إنما نادى خفيًا لئلا يلام على طلب الولد في إبان الكبر أو لأن ضعف الهرم أخفى صوته واختل في سنه فقيل ستون وخمس وستون وسبعون وخمس وسبعون وخمس وثمانون، ثم فسر النداء بقوله: (﴿قال رب إني وهن العظم مني﴾) ضعف بدني، وإنما كنى عنه بقوله (وهن العظم مني) وخص العظم بالذكر لأنه كالأساس للبدن وكالعمود للبيت، وإذا وقع الخلل في الأس وسقط العمود تداعى الخلل في البناء وسقط البيت، فالكناية مبنية على التشبيه أو أن العظم أصلب ما في الإنسان فيلزم من وهنه وهن جميع الأعضاء بالطريق الأولى فالكناية غير مسبوقة بالتشبيه قاله الطيبي.
(﴿واشتعل الرأس شيبًا﴾) [مريم: ٢ - ٣ - ٤] شبه الشيب في بياضه وإنارته بشواظ النار وانتشاره وفشوّه في الشعر باشتعالها ثم أخرجه مخرج الاستعارة ثم أسند الاشتعال إلى الرأس الذي هو محل الشيب مبالغة وجعله تمييزًا إيضاحًا للمقصود (إلى قوله ﴿لم نجعل له من قبل سميًا﴾) [مريم: ٧] وسقط قوله إذ نادى إلى آخر قوله شيبًا لأبي ذر.
(قال ابن عباس): فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق أبي طلحة أي (مثلاً) أو شبهًا لأنه لم يهم بمعصية قط ولأنه كان سيدًا وحصورًا وعنه أيضًا عنده من طريق عكرمة قال لم يسم باسم يحيى قبله غيره، وأخرجه الحاكم في المستدرك فيه فضيلة ليحيى إذ تولى الله تعالى تسميته باسم لم يسبق إليه ولم يكل ذلك إلى أبويه (يقالا ﴿رضيا﴾) في قوله تعالى ﴿واجعله رب رضيا﴾ [مريم: ٦] أي (مرضيّا) أي ترضاه أنت وعبادك. (﴿عتيًا﴾) [مريم: ٨] في قوله تعالى: ﴿وقد بلغت من الكبر عتيًا﴾ عصيا) بفتح العين وكسر الصاد المهملتين قالوا، والصواب بالسين. وروى الطبراني بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: ما أدري أكان رسول الله ﷺ يقرأ عتيًا أو عسيًا. يقال عتا الشيخ يعتو عتيًا، وعسا يعسو عسيًا إذا انتهى سنه وكبر وشيخ عات وعاس إذا صار إلى حالة اليبس والجفاف (عتا) كذا ولأبي ذر وأبي الوقت وهو ساقط لغيرهما (يعتو). مثل غزا يغزو فهو واوي.
(﴿قال رب أنّى﴾) من أين (﴿يكون﴾) أو كيف يكون ﴿لي غلام وكانت امرأتي عاقرًا﴾ لا تلد ﴿وقد بلغت من الكبر عتيًا﴾ (إلى قوله ﴿ثلاث ليال سويًّا﴾) [مريم: ١٠] أي متتابعات (ويقال صحيحًا) ما بك من خرس ولا بكم، وهذا أصح لأنه لم يقدر أن يتكلم مع الناس إلا بذكر الله وإنما ذكر الليالي هنا والأيام في آل عمران للدلالة على أنه استمر عليه المنع ثلاثة أيام ولياليهن وسقط قوله: ﴿وكانت امرأتي) إلى آخر (عتيًّا) لغير أبي ذر (﴿فخرج﴾) زكريا (﴿على قومه من المحراب﴾) من المصلّى (﴿فأوحى إليهم أن سبحوا﴾) صلوا ونزهوا ربكم (﴿بكرة وعشيًّا﴾) [مريم: ١١] طرفي النهار. وقوله: (﴿فأوحى﴾) أي (فأشار﴾) ببعض الجوارح بعين أو حاجب أو يد، وقيل كانت بالمسبحة لقوله إلا رمزًا وقيل كتب لهم على الأرض (﴿يا يحيى﴾) فيه حذف تقديره ووهبنا له يحيى وقلنا له يا يحيى (﴿خذ الكتاب﴾) هو التوراة (﴿بقوّة﴾) بجدّ (إلى قوله ﴿ويوم يبعث حيًّا﴾) قال الطيبي: وسلام معطوف من حيث المعنى على قوله ﴿وآتيناه الحكم صبيًا﴾ وجعلناه برًّا بوالديه، وسلمناه في تلك المواطن الموحشة فعدل إلى الجملة الاسمية لإرادة الثبات والدوام وهي
стр. 2305
كالخاتمة وهي كالخاتمة للكلام السابق.
(﴿حفيا﴾) في قوله تعالى عن إبراهيم ﴿إنه كان بي حفيًّا﴾ [مريم: ٤٧] أي (لطيفًا) وقال في الأنوار أي بليغًا في البر والإلطاف (﴿عاقرًا﴾ الذكر والأنثى سواء). فيقال للرجل الذي لا يولد له عاقر كالمرأة التي لا تلد.
٣٤٣٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ: «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ: ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا يَحْيَى وَعِيسَى وَهُمَا ابْنَا خَالَةٍ. قَالَ: هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى، فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا، فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّا، ثُمَّ قَالَا: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ».
وبه قال: (حدّثنا هدبة بن خالد) بضم الهاء وبعد الدال المهملة الساكنة موحدة مفتوحة ابن الأسود القيسي قال: (حدّثنا همام بن يحيى) بن دينار العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر الذال المعجمة قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة) الأنصاري (أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به) ثبت به لأبي ذرّ، والحديث المسوق بتمامه بنحوه في باب ذكر الملائكة إلى أن قال:
(ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح قيل من هذا؟ قال: جبريل قال: ومن معك؟ قال: محمد قيل وقد أرسل إليه) للعروج به (قال) جبريل: (نعم فلما خلصت) من الصعود إلى السماء الثانية ووصلت إليها (فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة) وكان اسم أم مريم حنة بمهملة ونون مشدّدة بنت فاقود واسم أختها والدة يحيى إيشاع، وعند ابن أبي حاتم من طريق عبد الرَّحمن بن القاسم سمعت مالك بن أنس يقول: بلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا كان حملهما جميعًا فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك. قال مالك: أراه لفضل عيسى على يحيى (قال) جبريل (هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت) عليهما (فردا) علي السلام (ثم قالا) لي: (مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح) أي أصبت رحبًا لا ضيقًا والصلاح اسم جامع لسائر الخلال المحمودة.
٤٤ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦]. ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٤٥]. ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٣]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَآلُ عِمْرَانَ﴾. الْمُؤْمِنُونَ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ وَآلِ عِمْرَانَ وَآلِ يَاسِينَ وَآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ . يَقُولُ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨] وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَيُقَالُ: ﴿آلُ يَعْقُوبَ﴾ أَهْلُ يَعْقُوبَ. فَإِذَا صَغَّرُوا "آلَ" ثُمَّ رَدُّوهُ إِلَى الأَصْلِ قَالُوا: أُهَيْلٌ.
(باب قول الله تعالى): سقط التبويب لأبي ذر وقال قول بالرفع (﴿واذكر في الكتاب﴾) في القرآن (﴿مريم﴾) أي قصة مريم (﴿إذ انتبذت﴾) إذ اعتزلت (﴿من أهلها مكانًا شرقيًا﴾) [مريم: ١٦] في شرقي بيت المقدس أو شرقي دارها (﴿إذ﴾) ولأبي ذر وإذ (﴿قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة﴾) [آل عمران: ٤٥] عيسى لوجوده بها وذلك قوله كن وهو من إطلاق السبب على المسبب (﴿إن الله اصطفى آدم ونوحًا﴾) اسم أعجمي لا اشتقاق له عند المحققين وهو منصرف وإن كان فيه العلمية والمعجمة خفة بنائه لكونه ثلاثيًا ساكن الوسط (﴿وآل إبراهيم﴾) إسماعيل إسحاق وأولادهما ومحمد ﷺ من آل إبراهيم (﴿وآل عمران﴾). موسى
وهارون ابني عمران يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فالمراد موسى وهارون وأتباعهما من الأنبياء أو المراد عمران بن قامان والد مريم وكان من نسل سليمان بن داود ﵉ قالوا وكان بين العمرانين ألف وثمانمائة سنة (﴿على العالمين﴾) [آل عمران: ٣٣] متعلق باصطفى، واستدلّ القائلون بأن البشر أفضل من الملائكة بهذه الآية. (إلى قوله) تعالى (﴿يرزق من يشاء بغير حساب﴾) [آل عمران: ٣٧] أي بغير تقدير لكثرته أو بغير استحقاق فضلاً منه.
(قال ابن عباس) ﵄ فيما وصله ابن أبي حاتم: (﴿وآل عمران﴾) كآل إبراهيم عام أريد به الخصوص فالمراد المؤمنون من آل إبراهيم (المؤمنون من آل إبراهيم و) المؤمنون من (آل عمران و) المؤمنون من (آل ياسين) في قوله تعالى: (وإن الياس و) المؤمنون من (آل محمد ﷺ يقول) أي ابن عباس (﴿إن أولى الناس بإبراهيم الذين اتبعوه﴾) [آل عمران: ٦٨] (وهم المؤمنون) فمن خالفه ليس من آله (ويقال ﴿آل يعقوب﴾) أصله (أهل يعقوب) فقلبت الهاء همزة (فإذا) ولأبوي الوقت وذر إذا (صغروا آل ثم ردوه إلى الأصل) لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصلها (قالوا: أهيل). وسقط لأبو ذر والوقت لفظ: ثم.
٣٤٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلاَّ يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ، غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا. ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦﴾.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: حدثني) بالإفراد (سعيد بن المسيب قال: قال أبو هريرة ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد) وفي باب صفة إبليس كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه حين يولد (فيستهل
стр. 2306
صارخًا) نصب على المصدر كقولك فم قيامًا (من مس الشيطان) وهذا ابتداء تسليطه (غير مريم وابنها) عيسى صلوات الله وسلامه عليه زاد في باب صفة إبليس ذهب يطعن فطعن في الحجاب أي المشيمة التي فيها الولد قال القرطبي فحفظ الله تعالى مريم وابنها منه ببركة دعوة أمها حنة كما أشير إلى ذلك بقوله (ثم يقول أبو هريرة) مما هو موقوف عليه (﴿وإني أعيذها بك وذريتها﴾) ولم يكن لها ذرية غير عيسى (﴿من الشيطان الرجيم﴾) [آل عمران: ٣٦] المطرود.
وهذا الحديث أخرج نحوه في باب صفة إبليس وأخرجه مسلم أيضًا.
٤٥ - باب ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ * ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٢] يُقَالُ: ﴿يَكْفُلُ﴾: يَضُمُّ. كَفَلَهَا: ضَمَّهَا، مُخَفَّفَةً، لَيْسَ مِنْ كَفَالَةِ الدُّيُونِ وَشِبْهِهَا.
هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة وهو كالفصل من سابقه (﴿وإذ قالت الملائكة﴾) جبريل وحده لدلالة ما في سورة مريم على أن المتكلم معها جبريل حيث قال الله: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ [مريم: ١٧] (﴿يا مريم إن الله اصطفاك﴾) بأن قبلك للنذيرة ولم يقبل أنثى غيرك وتفريغك للعبادة وإغنائك برزق الجنة عن الكسب (﴿وطهّرك﴾) مما يستقذر من النساء (﴿واصطفاك﴾) بالهداية وإرسال جبريل إليك وتخصيصك بالكرامات السنية كالولد من غير أب وتبرئتك مما قذفتك اليهود بإنطاق الطفل (﴿على نساء العالمين﴾) وقد دلت هذه الآية على أنها أفضل من سائر النساء (﴿يا مريم اقنتي لربك﴾) اعبديه ﴿واسجدي﴾ صلي، وتسمية الشيء بأشرف أجزائه مجاز مشهور (﴿واركعي مع الراكعين﴾) لم يقل مع الراكعات لأن الاقتداء بالرجل حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء، وقدم السجود على الركوع إما لكونه كذلك في شريعتهم أو أن الواو لا تقتضي ترتيبًا (﴿ذلك﴾) مبتدأ أي ما ذكر من القصص خبره (﴿من أنباء الغيب﴾) وجملة (﴿نوحيه إليك﴾) مستأنفة والضمير في نوحيه إليك عائد على الغيب أي الأمر والشأن أنا نوحي إليك الغيب ونعلمك به ونظهرك على قصص من تقدمك مع عدم مدارستك لأهل العلم والإخبار، ولذلك أتى بالمضارع في نوحيه (﴿وما كنت لديهم﴾) بحضرتهم (﴿إذ يلقون أقلامهم﴾) أي سهامهم للاقتراع أو أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة تبركًا ينظرون أو يقولون (﴿أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون﴾) [آل عمران: ٤٢ - ٤٣ - ٤٤] تنافسًا في كفالتها إما لأن أباها عمران كان رئيسًا لهم، أو لأن أمها حررتها لعبادة الله تعالى ولخدمة بيته، وسقط لأبي ذر من قوله ﴿وطهرك﴾ إلى آخر قوله ﴿أقلامهم﴾ وقال بعد (اصطفاك) الآية إلى قوله (أيهم).
(يقال: ﴿يكفل﴾) أي (يضم كفلها) أي (ضمها) زكريا إلى نفسه حال كون كفلها (مخففة) وهي قراءة نافع وأبي عمرو وابن كثير وابن عامر، وقراءة الكوفيين بالتشديد أي كفلها الله تعالى ولا مخالفة بين القراءتين لأن الله تعالى لما كفلها إياه كفلها (ليس من كفالة الدّيون) بالجمع وفي نسخة الدين (وشبهها). قال في اللباب: الكفالة الضمان في الأصل ثم يستعار للضم والأخذ يقال منه كفل يكفل وكفل كعلم يعلم كفالة، وكفلاً فهو كافل وكفيل والكافل هو الذي ينفق على إنسان ويهتم بإصلاح حاله.
٣٤٣٢ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ حَدَّثَنَا النَّضْرُ عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ».
[الحديث ٣٤٣٢ - طرفه في: ٣٨١٥].
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (أحمد بن أبي رجاء) بالجيم عبد الله بن أيوب الحنفي الهروي قال: (حدّثنا النضر) بالضاد المعجمة ابن شميل (عن هشام) أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير بن العوّام (قال: سمعت عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب (قال: سمعت عليًا ﵁ يقول: سمعت النبي ﷺ يقول):
(خير نسائها) أي خير نساء أهل الدنيا في زمانها (مريم ابنة عمران) وليس المراد أن مريم خير نسائها لأنه يصير كقولهم: يوسف أحسن إخوته، وقد صرحوا بمنعه لأن أفعل التفضيل إذ أضيف وقصد به الزيادة على من أضيف له اشترط أن يكون منهم مثل: زيد أفضل الناس فإن لم يكن منهم فلا يجوز كما في يوسف أحسن إخوته لخروجه عنهم بإضافتهم إليه.
وقال الزركشي: في قوله هنا خير فيه وجهان. أحدهما: أن يجعل خير بمعنى الخير لا على جهة التفضيل، وثانيهما: وهو الأصح أن الضمير راجع إلى الدنيا كما في زيد أفضل أهل الدنيا، ويجوز
стр. 2307
أن يكون على تقدير مضاف محذوف أي خير نساء زمانها مريم فيعود الضمير على مريم، وإنما جاز أن يرجع الضمير للدنيا وإن لم يجر لها ذكر لأنه يفسره الحال والمشاهدة. وقد رواه النسائي من حديث ابن عباس بلفظ: أفضل نساء أهل الجنة، وحينئذٍ فالمعنى خير نساء أهل الجنة مريم، وفي رواية خير نساء العالمين وهو كقوله تعالى: ﴿واصطفاك على نساء العالمين﴾ [آل عمران: ٤٢] وظاهره: أنها أفضل من جميع النساء، وقول من قال على عالمي زمانها ترك للظاهر.
قال القرطبي: خص الله تعالى مريم بما لم يؤته أحدًا من النساء، وذلك أن روح القدس كلمها وطهرها ونفخ في درعها، وليس هذا لأحد من النساء وصدقت بكلمات ربها ولم تسأل آية عندما بشرت كما سأل زكريا ﵊ عن الآية، ولذلك سماها الله تعالى صديقة فقال: ﴿وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين﴾ [التحريم: ١٢] فشهد لها بالصديقية والتصديق والقنوت، ويحتمل أن يكون المراد كما قال الكرماني نساء بني إسرائيل أو من فيه مضمرة كما قال القاضي عياض:
(وخير نسائها) أي هذه الأمة (خديجة) أم المؤمنين. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في فضل خديجة ومسلم في الفضائل والترمذي والنسائي في المناقب.
٤٦ - باب قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٥ - ٤٨]. ﴿يُبَشِّرُكِ﴾: وَيَبْشُرُكِ وَاحِدٌ. ﴿وَجِيهًا﴾: شَرِيفًا. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْمَسِيحُ: الصِّدِّيقُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ الْكَهْلُ: الْحَلِيمُ. وَالأَكْمَهُ: مَنْ يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ وَلَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَنْ يُولَدُ أَعْمَى.
(باب قول الله تعالى): سقط التبويب لأبي ذر فقول رفع وهو واضح (﴿إذ قالت الملائكة﴾) جبريل ﴿يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه﴾ [آل عمران: ٤٥] هو عيسى لوجوده بها وهو قول كن فهو من باب إطلاق السبب على المسبب ﴿اسمه المسيح﴾ مبتدأ أو خبر ﴿عيسى﴾ بدل أو عطف بيان ﴿ابن مريم﴾ صفة لعيسى على أن عيسى خبر مبتدأ محذوف، وإنما قيل ابن مريم والخطاب لها تنبيهًا على أنه يولد من غير أب إذ الأولاد تنسب إلى الآباء ولا تنسب إلى الأم إلا إذا فقد الأب (إلى قوله) تعالى: ﴿كن فيكون﴾ عقب الأمر من غير مهلة، وثبت قولها ﴿إن الله يبشرك﴾ إلى آخر (فيكون) لأبي ذر، وقال غيره بعد (﴿يا مريم﴾) إلى قوله (﴿فإنما يقول له كن فيكون﴾) [مريم: ٣٥] (﴿يبشرك﴾) مشددة (وبشرك) مخففة (واحد) في المعنى والثاني قراءة حمزة والكسائي والآخر قراءة الباقين. (﴿وجيهًا﴾) أي (شريفًا) في الدنيا بالنبوة وفي الآخرة بالشفاعة.
(وقال إبراهيم) النخعي فيما وصله سفيان الثوري في تفسيره: (المسيح الصدّيق) بكسر الصاد والدال المهملتين المشددتين، وقال غيره هو فعيل بمعنى فاعل فحوّل مبالغة فقيل لأنه يمسح الأرض بالسياحة أي يقطعها، وقيل لأنه يمسح ذا العاهة فيبرأ، وقيل بمعنى مفعول لأنه مسح بالبركة واللام فيه للغلبة.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (الكهل) في قوله تعالى ﴿ويكلم الناس في المهد وكهلاً﴾ [آل عمران: ٤٦] هو (الحليم) باللام وهذا فيه شيء، فقد قال أبو جعفر النحاس: إنه لا يعرف في اللغة. وقال في اللباب: الكهل من بلغ سن الكهولة، وأوّلها ثلاثون أو اثنتان وثلاثون أو ثلاث وثلاثون أو أربعون وآخرها خمسون أو ستون، ثم يدخل في سن الشيخوخة، فلعل مجاهدًا فسّره بلازمه الغالب لأن الكهل غالبًا يكون فيه وقار وسكينة، وهل كهلاً نسق على وجيهًا أو حال من الضمير في يكلم أي يكلمهم حال كونه طفلاً وكهلاً كلام الأنبياء من غير تفاوت؟ قال في الفتح: وعلى الأول يتجه تفسير مجاهد.
(والأكمه) في قوله ﴿وأبرئ الأكمه﴾ [آل عمران: ٤٩] (من يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل) قاله مجاهد فيما وصله الفريابي وهو قول شاذ، والمعروف أن ذلك هو الأعشى. (وقال غيره): غير مجاهد الأكمه (من يولد أعمى) وهذا قول الجمهور، وقال ابن عباس: من ولد مطموس العين، وقال عكرمة: الأعمش.
٣٤٣٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ. كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عمرو بن مرة) المرادي الأعمى أنه (قال: سمعت مرة) بن شراحيل (الهمداني) بفتح الهاء وسكون الميم وبالدال المهملة الكوفي (يحدث عن أبي موسى) عبد الله بن قيس (الأشعري ﵁ قال: قال النبي ﷺ ¬):
(فضل عائشة) بنت الصديق (على النساء) أي نساء هذه الأمة (كفضل الثريد) بالمثلثة (على سائر الطعام) لأنه أفضل طعام العرب لنفعه والشبع منه وسهولة مساغه والالتذاذ
стр. 2308
به وتيسر تناوله (كمل) بفتح الميم وتضم وتكسر (من الرجال كثير ولم يكمل) بضم الميم (من النساء إلا مريم بنت عمران) أم عيسى (وآسية امرأة فرعون) احتج القائلون بنبوتهما بالحصر في قوله: ولم يكمل من النساء إلا مريم وآسية في كلام سبق في باب قول الله تعالى: ﴿وضرب الله مثلاً للذين آمنوا﴾ واحتج المانعون بقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً﴾. وأجاب المجوزون بأنه لا حجة فيه لأن المدعي النبوّة لا الرسالة.
٣٤٣٤ - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «نِسَاءُ قُرَيْشٍ خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ: أَحْنَاهُ عَلَى طِفْلٍ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ». يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ: وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بَعِيرًا قَطُّ.
تَابَعَهُ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
[الحديث ٣٤٣٤ - طرفاه في: ٥٠٨٢، ٥٣٦٥].
(وقال ابن وهب) عبد الله المصري فيما وصله مسلم (أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: حدثني) بالإفراد (سعيد بن المسيب أن أبا هريرة) ﵁ (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(نساء قريش) مبتدأ خبره (خير نساء ركبن الإبل) كناية عن نساء العرب (أحناه على طفل) أي أحنى هذا الجنس يعني أشفقه على ولد بحسن التربية وغيرها، والأصل أن يقول: أحناهن، لكن قالوا: إن العرب لا تتكلم في مثله إلا مفردًا (وأرعاه على زوج في ذات يده) أي في ماله المضاف إليه بالأمانة وحسن التدبير في النفقة وغيرها.
(يقول أبو هريرة على إثر ذلك): بكسر الهمزة وسكون المثلثة أي عقبه (ولم تركب مريم بنت عمران بعيرًا قط) فلم تدخل في الموصوفات بركوب الإبل فهي أفضل النساء مطلقًا. (تابعه) أي تابع يونس الإيلي (ابن أخي بالزهري) محمد بن عبد الله بن مسلم المدني فيما وصله ابن عدي في كامله (وإسحاق) بن يحيى (الكلبي) فيما وصله الذهلي في الزهريات (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب.
٤٧ - باب قَوْلُهُ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ [النساء: ١٧١].
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ﴿كَلِمَتُهُ﴾ كُنْ فَكَانَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾: أَحْيَاهُ فَجَعَلَهُ رُوحًا ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾.
(باب قوله : وفي نسخة: باب قوله تعالى: (﴿يا أهل الكتاب﴾) قال القاضي عياض: وقع في رواية الأصيلي هنا (قل يا أهل الكتاب) ولغيره بحذف (قل) وهو الصواب أي في هذه الآية. نعم ثبت في آية المائدة ﴿قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق﴾ [المائدة: ٧٧] والمراد هنا آية النساء (﴿لا تغلوا في دينكم﴾) الخطاب للنصارى أي لا تجاوزوا الحد في تعظيم المسيح، وذلك أن الملكانية اتخذوه إلهًا، واليعقوبية يقولون: إنه ابن الله، والمرقوسية يقولون: ثالث ثلاثة أو الخطاب مع الفريقين، وذلك أن اليهود بالغوا في الحط حتى قالوا: إنه غير رشيد وذلك في الدين حرام (﴿ولا تقولوا على الله إلاّ الحق﴾) استثناء مفرغ فالنصب على المفعولية لتضمنه معنى القول نحو: قلت خطبة أو نعت مصدر محذوف أي إلا القول الحق. أي نزهوه عن الصاحبة والولد والشريك والحلول والاتحاد (﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم﴾) أوصلها إليها، المسيح مبتدأ وعيسى بدل منه أو عطف بيان وابن مريم صفة ورسول الله خبر المبتدأ وكلمته عطفًا عليه، وألقاها جملة في موضع الحال من الضمير المستتر في كلمته العائد على عيسى (﴿وروح منه﴾) أي وذو روح صدرت منه بأمره لجبريل أن ينفخ في درع مريم فحملت به، أو لأنه كان يحيي الأموات أو القلوب (﴿فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة﴾) خبر مبتدأ مضمر أي لا تقولوا آلهتنا ثلاثة، والجملة في موضع نصب بالقول: ﴿انتهوا﴾ عن التثليث (﴿خيرًا لكم﴾) ثم أكد التوحيد بقوله: (﴿إنما الله إله واحد﴾) بالذات لا تعدد فيه بوجه ما ثم نزه نفسه عن الولد بقوله: (﴿سبحانه أن يكون له ولد﴾) وتقديره من أن يكون أي نزهوه من أن يكون له ولد فإنه يكون لمن يعادله مثل ويتطرق إليه فناء (﴿له ما في السماوات وما في الأرض﴾) ملكًا وخلقًا وعيسى ومريم في جملة ذلك (﴿وكفى بالله وكيلاً﴾) كافيًا في تدبير المخلوقات وحفظ المحدثات لا يحتاج معه إلى آخر يعينه مستغنيًا
عمن يخلفه من ولد أو غيره، وسقط قوله: ﴿ولا تقولوا﴾ الخ لأبي ذر وقال بعد قوله ﴿في دينكم﴾ إلى ﴿وكيلاً﴾.
(قال أبو عبيد) القاسم بن سلام (﴿كلمته﴾) في قوله تعالى: ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته﴾ [النساء: ١٧١] هي قوله جل وعلا: (كن فكان) من غير واسطة أب ولا نطفة. (وقال غيره): غير أبي عبيد القاسم (﴿وروح منه﴾) [النساء: ١٧١] أي (أحياه فجعله روحًا) وهذا قول أبي عبيدة معمر بن المثنى وسبق قريبًا غيره ﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ [النساء: ١٧١] أي
стр. 2309
آلهة ثلاثة الله والمسيح ومريم ويشهد له قوله تعالى: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إليهن من دون الله﴾ [المائدة: ١١٦] أو أنهم يقولون إن الله جوهر واحد وله ثلاثة أقانيم فيجعلون كل أقنوم إلهًا، ويعنون بالأقانيم الوجود والحياة والعلم، وربما يعنون بالأقانيم الأب وابن وروح القدس، ويريدون بالأب الوجود، وبالروح الحياة، وبالمسيح العلم، أو الأب الذات والابن العلم والروح الحياة في كلام لهم فيه تخبيط، ومحصله يؤول إلى التمسك بأن عيسى إليه كان يجري الله تعالى على يديه من الخوارق وقالوا: قد علمنا خروج هذه الأمور عن مقدور البشر، فينبغي أن يكون المقتدر عليها موصوفًا بالإلهية فيقال لهم: لو كان ذلك من مقدوراته وكان مستقلاً به كان تخليصه من أعدائه من مقدوراته وليس كذلك، فإن اعترفوا بذلك سقط استدلالهم وإن لم يسلموا فلا حجة لهم أيضًا لأنهم معارضون بخوارق العادات الجارية على أيدي غيره من الأنبياء كفلق البحر وقلب العصا حيّة لموسى. وبه قال:
٣٤٣٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ عَنْ عُبَادَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ».
(حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (الوليد) بن مسلم الدمشقي (عن الأوزاعي) عبد الرَّحمن أنه قال: (حدثني) بالإفراد (عمير بن هانئ) بضم العين وفتح الميم مصغرًا وهانئ مهموز العنسي بعين وسين مهملتين بينهما نون ساكنة الدمشقي الداراني (قال: حدثني) بالإفراد أيضًا (جنادة بن أمية) بضم الجيم وتخفيف النون الأزدي (عن عبادة) بن الصامت (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله) زاد ابن المديني وابن أمته (ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) ذكر عيسى تعريضًا بالنصارى وإيذانًا بأن إيمانهم مع القول بالتثليث شرك محض لا يخلصهم من النار وأنه رسوله تعريضًا باليهود في إنكارهم رسالته وانتمائهم إلى ما لا يحل من قذفه وقذف أمه وأنه ابن أمته
تعريضًا بالنصارى أيضًا وتقريرًا لعبديته أي هو عبد الله وابن أمته، فكيف ينسبونه إلى الله بالنبوة (والجنة) كذا (حق والنار) كذا (حق) أخبر عنهما بالمصدر مبالغة في الحقية، وأنهما عين الحق كزيد عدل تعريضًا بمنكري داري الثواب والعقاب (أدخله الله الجنة على ما كان من العمل).
فيه أن عصاة أهل القبلة لا يخلدون في النار لعموم قوله: مَن شهد أن لا إله لا الله وأنه تعالى يعفو عن السيئات قبل التوبة واستيفاء العقوبة، لأن قوله على ما كان من العمل حال من قوله أدخله الله الجنة، ولا ريب أن العمل غير حاصل حينئذٍ بل الحاصل حال إدخاله استحقاق ما يناسب عمله من الثواب والعقاب لا يقال إن ما ذكر يستدعي أن لا يدخل أحد من العصاة لأن اللازم منه عموم العفو وهو لا يستلزم عدم دخول النار لجواز أن يعفو عن بعضهم بعد الدخول وقبل استيفاء العذاب.
"وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر".
وحديث الباب أخرجه مسلم في الإيمان والنسائي في التفسير وفي اليوم والليلة.
وقال الطيبي: التعريف في العمل للعهد والإشارة به إلى الكبائر يدل له نحو قوله "وإن زنى وإن سرق" في حديث أبي ذر، وقوله: على ما كان حال، والمعنى من شهد أن لا إله إلا الله يدخل الجنة في حال استحقاقه العذاب بموجب أعماله من الكبائر أي حال هذا مخالف للقياس في دخول الجنة، فإن القياس يقتضي أن لا يدخل الجنة من شأنه هذا كما زعمت المعتزلة: وإلى هذا المعنى ذهب أبو ذر في قوله "وإن زنى وإن سرق"؟ وردّ بقوله
(قال الوليد): هو ابن مسلم بالإسناد السابق (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: وحدّثني (ابن جابر) هو عبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر الأزدي (عن عمير) هو ابن هانئ (عن جنادة) هو ابن أبي أمية بالحديث السابق عن عبادة (وزاد) بعد قوله أدخله الله الجنة على ما كان من العمل (من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء). بنصب أيّ وجره الداخل أو شاء الله تعالى من الباب المعدّ لذلك العمل.
٤٨ - باب قولِ اللهِ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [مريم: ١٦]. نَبَذْنَاهُ: أَلْقَيْنَاهُ. اعْتَزَلَتْ شَرْقِيًّا: مِمَّا يَلِي الشَّرْقَ: فَأَجَاءَهَا: أَفْعَلْتُ مِنْ جِئْتُ، وَيُقَالُ أَلْجَأَهَا: اضْطَرَّهَا. تَسَّاقَطْ: تَسْقُطْ. قَصِيًّا: قَاصِيًا. فَرِيًّا: عَظِيمًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نِسْيًا: لَمْ أَكُنْ شَيْئًا. وَقَالَ غَيْرُهُ النِّسْيُّ: الْحَقِيرُ. وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ: عَلِمَتْ مَرْيَمُ أَنَّ التَّقِيَّ ذُو نُهْيَةٍ حِينَ قَالَتْ: ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾. قَالَ وَكِيعٌ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ ﴿سَرِيًّا﴾: نَهَرٌ صَغِيرٌ بِالسُّرْيَانِيَّةِ.
هذا (باب) بالتنوين (﴿واذكر﴾) ولأبي ذر: باب قول الله تعالى
стр. 2310
واذكر (﴿في الكتاب مريم إذ
انتبذت من أهلها﴾) [مريم: ١٦] قال ابن عباس فيما وصله الطبري في قوله تعالى: ﴿فنبذناه﴾ [الصافات: ١٤٥] في قصة يونس أي (ألقيناه) بالقاف (اعتزلت) ﴿شرقيًّا﴾، قال أبو عبيدة: (مما يلي الشرق) من بيت المقدس أو من دارها للعبادة لا يقال هذا تكرار، فقد سبق باب في قول الله تعالى: ﴿واذكر في الكتاب مريم﴾ لأن هذا الباب معقود لأخبار عيسى والسابق لأخبار أمه مريم (فأجاءها﴾ المخاض من (أفعلت من جئت) أي من مزيد جاء تقول جئت إذا أخبرت عن نفسك ثم إذا أردت تعدي به إلى غيرك تقول: أجأت زيدًا فالضمير هنا يرجع إلى مريم وفاعل أجاء المخاض (ويقال: ألجأها) أي (اضطرها) المخاض وهو الطلق إلى جذع النخلة وكانت يابسة. قال في الكشاف: أجاء منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء.
﴿تساقط﴾ [مريم: ٢٥] بتشديد السين أصله تتساقط فأدغمت التاء الثانية في السين وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر والكسائي أي (تسقط) بفتح أوله وضم ثالثه، وهذا قول أبي عبيد لكنه ضبط تساقط بضم أوله من الرباعي وهي قراءة حفص روي أنها كانت نخلة يابسة ولا رأس لها ولا ثمرة وكان الوقت شتاء فهزته فجعل الله له رأسًا وخوصًا ورطبًا يسليها بذلك لما فيه من المعجزة الدالة على براءة ساحتها.
﴿قصيًا﴾ في قوله تعالى: ﴿فانتبذت به مكانًا قصيًا﴾ [مريم: ٢٢] أي (قاصيًا) قال ابن عباس: أقصى وادي بيت لحم فرارًا من قومها أن يعيِّروها بولادتها من غير زوج (فريًّا) في قوله: ﴿لقد جئت شيئًا فريًّا﴾ [مريم: ٢٧] أي (عظيمًا) وقيل منكرًا (قال ابن عباس: نسيًّا) في قوله تعالى: ﴿يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًّا﴾ [مريم: ٢٣] أي (لم أكن شيئًا وقال غيره) أي غير ابن عباس: (النسي) هو (الحقير) وهذا قول السدي.
(وقال أبو وائل) بالهمزة شقيق بن سلمة: (علمت مريم أن التقي ذو نهية) بضم النون وبعد الهاء الساكنة تحتية مفتوحة. وقال عياض بالضم: الرواية، وقد يقال بفتحها أي عقل لأنه ينهى صاحبه عن القبائح ويقال فيه ذو نهاية حكاه ثابت، وقد تكون النهية من النهي بمعنى الفعلة الواحدة منه والنهية بالفتح واحد النهي مثل ثمرة وتمر أي أن له من نفسه في كل حال زاجرًا ينهاه كما يقال التقي ملجم يقال نهيته ونهوته (حين قالت) لجبريل ﵇ لما أتاها بصورة شاب أمرد سويّ الخلق لتستأنس بكلامه: إني أعوذ بالرحمن منك (﴿إن كنت تقيًّا﴾) أي تتقي الله وتحتفل بالاستعاذة فانته عني.
(وقال) بالواو ولغير أبي ذر قال (وكيع) هو ابن الجراح (عن إسرائيل) بن يونس (عن) جدّه (أبي إسحاق) السبيعي (عن البراء) بن عازب (﴿سريًّا﴾) [مريم: ٢٤] في قوله تعالى: ﴿قد جعل ربك تحتك سريًّا﴾ [مريم: ٢٤] هو: (نهر صغير بالسريانية) رواه ابن أبي حاتم هكذا عن الراء موقوفًا، وفي تفسير ابن مردويه عن ابن عمر مرفوعًا: السريّ في هذه الآية نهر أخرجه الله لمريم لتشرب منه.
٣٤٣٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلاَّ ثَلَاثَةٌ: عِيسَى، وَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ كَانَ يُصَلِّي، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟ فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ، وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقَالَتْ: مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: الرَّاعِي، قَالُوا نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ؟ قَالَ: لَا، إِلاَّ مِنْ طِينٍ. وَكَانَتِ امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنًا لَهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ رَاكِبٌ ذُو شَارَةٍ، فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فَتَرَكَ ثَدْيَهَا وَأَقْبَلَ عَلَى الرَّاكِبِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهَا يَمَصُّهُ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَمَصُّ إِصْبَعَهُ، ثُمَّ مُرَّ بِأَمَةٍ فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ، فَتَرَكَ ثَدْيَهَا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا، فَقَالَتْ: لِمَ ذَاكَ؟ فَقَالَ: الرَّاكِبُ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، وَهَذِهِ الأَمَةُ يَقُولُونَ سَرَقْتِ زَنَيْتِ وَلَمْ تَفْعَلْ».
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي قال: (حدّثنا جرير بن حازم) بالحاء المهملة والزاي ابن زيد الأزدي (عن محمد بن سيرين) الأنصاري (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لم يتكلم في المهد) وهو ما يهيأ للصبي أن يربى فيه (إلا ثلاثة). واستشكل الحصر بما روي من كلام غير الثلاثة. وأجيب: باحتمال أن يكون المعنى لم يتكلم في بني إسرائيل أو قاله قبل أن يعلم الزيادة أو الثلاثة بقيد المهد.
فالأول: (عيسى) ابن مريم ﵉.
(و) الثاني (كان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج) وفي حديث أبي سلمة أنه كان تاجرًا وكان ينقص مرة ويزيد أخرى فقال: ما في هذه التجارة خير لألتمسن تجارة هي خير من هذه فبنى صومعة وترهب فيها. وعند أحمد وكانت أمه تأتيه فتناديه فيشرف عليها فتكلمه و (كان يصلّي) يومًا (جاءته) ولأبي ذر عن الكشميهني فجاءته (أمه فدعته) فقالت يا جريج (فقال) في نفسه: (أجيبها) وأقطع صلاتي (أو أصلي) فآثر الصلاة على إجابتها بعد أن دعته ثلاثًا كما في الرواية الأخرى أنها دعته ثلاثًا (فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات) بضم الميم الأولى وكسر
стр. 2311
الثانية بينهما واو ساكنة الزانيات ولم تدع عليه بوقوع الفاحشة مثلاً رفقًا منها. (وكان جريج في صومعته فتعرضت له امرأة) راعية ترعى الغنم أو كانت بنت ملك القرية (فكلمته) أن يواقعها بالفاء في الفرع وفي اليونينية وكلمته بالواو بدل الفاء (فأبى) أن يفعل ذلك (فأتت راعيًا فأمكنته من
نفسها) فواقعها فحملت منه (فولدت غلامًا) فقيل لها: ممن هذا الغلام؟ (فقالت: من جريج) زاد أحمد فأخذت وكان من زنى منهم قتل، وزاد أبو سلمة في روايته فذهبوا إلى الملك فأخبروه فقال: أدركوه فأتوني به (فأتوه فكسروا) بالفاء ولأبي ذر وكسروا (صومعته) بالفؤوس والمساحي (وأنزلوه) منها (وسبوه) زاد أحمد عن وهب بن جرير وضربوه فقال ما شأنكم قالوا: إنك زنيت بهذه. وعند أحمد أيضًا من طريق أبي رافع أنهم جعلوا في عنقه وعنقها حبلاً وجعلوا يطوفون بهما على الناس، وفي رواية أبي سلمة أن الملك أمر بصلبه (فتوضأ) بالفاء، ولأبي ذر: وتوضأ فيه أن الوضوء لا يختص بهذه الأمة خلافًا لمن زعم ذلك. نعم الذي يختص بها الغرة والتحجيل في الآخرة (وصلّى) في حديث عمران فصلّى ركعتين وزاد وهب بن جرير ودعا (ثم أتى الغلام فقال: من أبوك يا غلام)؟ زاد في رواية وهب بن جرير فطعنه بإصبعه، وفي رواية أبي سلمة فأتي بالمرأة والصبي وفمه في ثديها فقال له جريج: يا غلام من أبوك؟ فنزع الغلام فمه من الثدي (فقال): ولغير أبي ذر قال (الراعي) لم يسم، وزاد في رواية وهب بن جرير فوثبوا إلى جريج فجعلوا يقبلونه. وفي هذا إثبات كرامات الأولياء ووقوع ذلك لهم باختيارهم وطلبهم (قالوا: نبني) لك (صومعتك من ذهب. قال) جريح: (لا إلاّ من طين) كما كانت ففعلوا.
(و) الثالث (كانت امرأة) لم تسم (ترضع ابنًا لها) لم يسم أيضًا (من بني إسرائيل فمر بها رجل راكب) لم يسم (ذو شارة) بالشين المعجمة والراء المخففة صاحب حسن أو هيئة أو ملبس حسن يتعجب منه ويشار إليه (فقالت) المرأة المرضعة: (اللهم اجعل ابني مثله) في الهيئة الجميلة (فترك) المرضع (ثديها وأقبل) بالواو ولأبي ذر فأقبل (على) الرجل (الراكب فقال: اللهم لا تجعلني مثله ثم أقبل على ثديها يمصه) بفتح الميم.
(قال أبو هريرة) بالسند السابق (كأني أنظر إلى النبي ﷺ يمص إصبعه) فيه المبالغة في إيضاح الخبر بتمثيله بالفعل. (ثم مرّ) بضم الميم وتشديد الراء مبنيًا للمفعول (بأمه) زاد وهب بن جرير عند أحمد تضرب (فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه) المرأة (فترك ثديها فقال): ولأبي ذر وقال (اللهم اجعلني مثلها. فقالت): أي الأم لابنها و (لم) قلت (ذاك)؟ ولأبي ذر فقالت له ذلك أي عن سبب ذلك (فقال) الابن: أما (الراكب) هو (جبار من الجبابرة) وفي رواية الأعرج فإنه كافر (و) أما (هذه الأمة) فهم (يقولون سرقت زنيت) بكسر التاء فيهما على المخاطبة للمؤنث، ولأبي ذر: سرقت زنت بسكونها على الخبر (و) الحال أنها (لم تفعل) شيئًا من السرقة والزنا. وفي رواية الأعرج يقولون لها: تزني. وتقول: حسبي الله، ويقولون لها: تسرقي. وتقول: حسبي الله.
والرابع: شاهد يوسف قال تعالى (﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ [يوسف: ٢٦] وفسّر بأنه كان ابن خال زليخا صبيًا تكلم في المهد وهو منقول عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك.
والخامس: الصبي الرضيع الذي قال لأمه وهي ماشطة بنت فرعون لما أراد فرعون إلقاء أمه في النار اصبري يا أماه فإنا على الحق رواهما أحمد والبزار وابن حبان والحاكم من حديث بلفظ: لم
يتكلم في المهد إلا أربعة فذكرها ولم يذكر الثالث الذي هنا، لكنه اختلف في شاهد يوسف فروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد أنه كان ذا لحية. وعن قتادة والحسن أيضًا أنه كان حكيمًا من أهلها، ورجح بأنه لو كان طفلاً لكان مجرد قوله إنها كاذبة كافيًا وبرهانًا قاطعًا لأنه من المعجزات ولما احتيج أن يقول من أهلها فرجح كونه رجلاً لا طفلا وشهادة القريب على قريبه أولى بالقبول من شهادته له.
السادس: ما في قصة الأخدود لما أتي بالمرأة ليلقى بها في النار لتكفر ومعها صبي مرضع فتقاعست فقال لها:
стр. 2312
يا أماه اصبري فإنك على الحق. رواه مسلم من حديث صهيب.
السابع: زعم الضحاك في تفسيره أن يحيى بن زكريا ﵉ تكلم في المهد أخرجه الثعلبي، وفي سيرة الواقدي أن نبينا ﷺ تكلم في أوائل ما ولد. وعن ابن عباس: قال: كانت حليمة تحدّث أنها أول ما فطمت رسول الله ﷺ تكلم فقال: "الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلاً". الحديث رواه البيهقي.
وعن معيقيب اليماني قال: حججت حجة الوداع فدخلت دارًا فيها رسول الله ﷺ ورأيت منه عجبًا جاءه رجل من أهل اليمامة بغلام يوم ولد فقال له رسول الله ﷺ : "يا غلام من أنا"؟ قال: أنت رسول الله. قال: "صدقت بارك الله فيك". ثم إن الغلام لم يتكلم بعد حتى شبّ فكنا نسميه مبارك اليمامة رواه البيهقي من حديث معرض بالضاد المعجمة.
٣٤٣٧ - حَدَّثَنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ مَعْمَرٍ ح. وحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ النبيُّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ: لَقِيتُ مُوسَى، قَالَ فَنَعَتَهُ فَإِذَا رَجُلٌ حَسِبْتُهُ قَالَ مُضْطَرِبٌ رَجِلُ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ. قَالَ: وَلَقِيتُ عِيسَى، فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: رَبْعَةٌ أَحْمَرُ، كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ -يَعْنِي الْحَمَّامَ- وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ. قَالَ: وَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ أَحَدُهُمَا لَبَنٌ وَالآخَرُ فِيهِ خَمْرٌ، فَقِيلَ لِي: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ، فَقِيلَ لِي: هُدِيتَ الْفِطْرَةَ -أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ- أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إبراهيم بن موسى) أبو إسحاق التميمي الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (عن معمر) هو ابن راشد الأزدي (ح) لتحويل السند قال:
(وحدثني) بالإفراد (محمود) هو ابن غيلان قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني ولفظ الحديث هنا لعبد الرزاق قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال:
رسول الله) ولأبي ذر النبي (¬ ﷺ ليلة أسري به) إلى بيت المقدس ولأبي ذر عن الكشميهني بي بدل به.
(لقيت موسى قال فنعته) أي وصفه (فإذا رجل) قال عبد الرزاق بن همام (حسبته) أي معمرًا (قال مضطرب) أي طويل غير شديد أو خفيف اللحم، وفي رواية هشام في قصة موسى بلفظ: ضرب، وفسر بتخفيف اللحم، ورجح القاضي عياض هذه على التي في هذا الباب لما فيها من الشك. قال: وقد وقع في الرواية الأخرى جسيم وهو ضدّ الضرب إلا أن يراد بالجسيم الزيادة في الطول. قال في الفتح: وهذا الذي يتعين المصير إليه ويؤيده قوله في الرواية الآتية بعد هذه إن شاء الله تعالى كأنه من رجال الزط وهم طوال غير غلاظ (رجل) شعر (الرأس) مسترسله، وقال ابن السكيت: شعر رجل، إذا لم يكن شديد الجعودة ولا سبطًا (كأنه) لطوله (من رجال شنوءة) بفتح الشين المعجمة وضم النون وبعد الواو الساكنة همزة مفتوحة ثم هاء تأنيث حيّ من اليمن.
(قال) ﵊: (ولقيت عيسى فنعته) أي وصفه (النبي ﷺ فقال: ربعة) ليس طويلاً ولا قصيرًا والتأنيث على تأويل النفس (أحمر كأنما خرج من ديماس) قال عبد الرزاق (يعني الحمام) ولم يقع ذلك في رواية هشام. (ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به. قال: وأتيت) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (بإناءين أحدهما لبن) كان القياس أن يقول فيه لبن كما قال في اللاحق فيه خمر ولكنه أراد تكثير اللبن فكأن الإناء انقلب لبنًا (والآخر فيه خمر) قبل أن يحرم (فقيل لي) القائل جبريل (خذ أيهما شئت فأخذت اللبن فشربته فقيل لي) القائل هو أيضًا جبريل (هديت الفطرة) الإسلامية (أو أصبت الفطرة) بالشك من الراوي (أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك) لأنها أم الخبائث وجالبة لكل شرّ.
وهذا الحديث قد سبق في باب: وكلم الله موسى تكليمًا. وتأتي بقية مباحثه إن شاء الله تعالى بعون الله في الكلام على الإسراء من السيرة النبوية.
٣٤٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «رَأَيْتُ عِيسَى وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ، فَأَمَّا عِيسَى فَأَحْمَرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ، وَأَمَّا مُوسَى فَآدَمُ جَسِيمٌ سَبْطٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الزُّطِّ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) العبدي البصري قال: (أخبرنا إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق قال: (أخبرنا عثمان بن المغيرة) الثقفي مولاهم الكوفي الأعشى (عن مجاهد) هو ابن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة المخزومي مولاهم المكي الإمام في التفسير (عن ابن عمر ﵄) تعقبه الحافظ أبو ذر كما هو بهامش اليونينية ونقله عنه غير واحد من الأئمة بأن الصواب ابن عباس بدل ابن عمر، فالغلط من الفربري أو البخاري حدث به كذا، وجزم به الغساني
والتيمي وغيرهما وهو المحفوظ، واحتج لذلك
стр. 2313
بأنه في جميع الطرق عن محمد بن كثير وغيره عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(رأيت عيسى وموسى وإبراهيم فأما عيسى فأحمر) اللون وهو عند العرب الشديد البياض مع الحمرة (جعد) بفتح الجيم وسكون العين أي جعد الشعر ضد السبط (عريض الصدر أما موسى فآدم) بالمد أي أسمر كأحسن ما يُرى (جسيم) اعترضه التيمي بأن الجسيم إنما ورد في صفة الدجال. وأجيب: بأن الجسامة تطلق على السمن وعلى الطول والمراد هنا طويل (سبط) بفتح السين وسكون الموحدة وكسرها وفتحها (كأنه من رجال الزط) بضم الزاي وتشديد الطاء المهملة جنس من السودان أو نوع من الهنود طوال الأجساد مع نحافة، وهذا يؤيد أن معنى قوله جسيم طويل.
٣٤٣٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ حَدَّثَنَا مُوسَى عَنْ نَافِعٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا بَيْنَ ظَهْرَىِ النَّاسِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلَا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ».
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) الحزامي المدني قال: (حدّثنا أبو ضمرة) أنس بن عياض المدني قال: (حدّثنا موسى) بن عقبة (عن نافع) مولى ابن عمر أنه قال: (قال عبد الله) بن عمر ﵄: (ذكر النبي ﷺ ¬) بفتح الذال والكاف مبنيًّا للفاعل، والنبيّ فاعل (يومًا) ظرف (بين ظهري الناس) بفتح الظاء المعجمة وسكون الهاء بلفظ التثنية. ولأبي ذرّ: ظهراني الناس؛ بزيادة الألف والنون للتأكيد، أي جالسًا في وسط الناس مستظهرًا لا مستخفيًا (المسيح الدجّال) فعّال من أبنية المبالغة. وأصل الدجل الخلط، يقال: دجّل إذا خلّط وموَّه؛ والدجّال: هو الذي يظهر آخر الزمان ويدّعي الإلهية (فقال):
(إنّ الله ليس بأعور، ألا) بالتخفيف للتنبيه (إنّ المسيح الدجال أعور العين اليمنى) وفي حديث "أنه أعور العين اليسرى". وفي حديث حذيفة عند مسلم "أنه ممسوح العين عليها ظفرة غليظة". وجُمع بأن إحدى عينيه غائرة، والأخرى معيبة؛ فيصح أن يقال لكل واحدة عوراء، إذ الأصل في العَوَر أنه العيب (كأنّ عينه عنبة طافية) بالمثناة التحتية؛ أي بارزة: وهي التي خرجت عن نظائرها في النُّتُوِّ من العنقود. ومَن همزها جعلها فاعلة من طفئت كما يطفأ السراج، أي ذهب نورها.
٣٤٤٠ - «وَأَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فِي الْمَنَامِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحْسَنِ مَا يُرَى مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، رَجِلُ الشَّعَرِ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ وَهْوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ؛ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ. ثُمَّ رَأَيْتُ رَجُلاً وَرَاءَهُ جَعْدًا قَطَطًا أَعْوَرَ عَيْنِ الْيُمْنَى كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ بِابْنِ قَطَنٍ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلٍ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ.
فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ». تَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ.
[الحديث ٣٤٤٠ - أطرافه في: ٣٤٤١، ٥٩٠٢، ٦٩٩٩، ٧٠٢٦، ٧١٢٨].
(وأَراني الليلة) بفتح الهمزة، أي: أرى نفسي في اللّيلة (عند الكعبة في المنام، فإذا رجل آدم) بالمدّ: أسمر (كأحسن ما يرى من أُدْم الرجال) بضم الهمزة وسكون الدال (تضرب لمته بين منكبيه) بكسر اللام وتشديد الميم، وهي الشعر إذا جاوز شحمتي الأذنين وألم بالمنكبين، فإذا جاوز المنكبين فجمّة، وإن قصر عنها فوفرة (رَجِل الشعر) بكسر الجيم: قد سرّحه ودهنه (يقطر رأسه ماء) حقيقة، فيكون من الماء الذي سرح به، أو كنى به عن مزيد النظافة والنضارة حال كونه (واضعًا يديه على منكبي رجلين) لم يسميًا (وهو يطوف بالبيت) الحرام (فقلت: من هذا) الطائف؟ (فقالوا: هذا المسيح) عيسى (ابن مريم) ﵉ (ثم رأيت رجلاً وراءه جعدًا قططًا) بفتح الطاء وكسرها: شديد جعودة الشعر (أعور عين اليمنى) بإضافة (أعور) لتاليه، من إضافة الموصوف إلى صفته. وهو عند الكوفيين ظاهر، وعند البصريين تقديره: عين صفة وجهه اليمنى. ولأبي ذرّ: أعور العين اليمنى. (كأشبه من رأيت) بضم التاء في اليونينية وفرعها؛ وزاد الكرماني فتحها. (بابن قطن) بفتح القاف والطاء المهملة بعدها نون؛ عبد العزّى هلك في الجاهلية. حال كونه (واضعًا يديه على منكبي رجل يطوف بالبيت، فقلت: من هذا) الذي يطوف؟ وضبّب في الفرع وأصله على قوله: "فقلت من هذا". (قالوا) ولأبي ذرّ: فقالوا (المسيح الدجال) وهذا الحديث أخرجه مسلم ففي الإيمان وفي الفتن.
(تابعه) أي تابع موسى بن عقبة (عبيد الله) بضم العين مصغرًا: ابن عمر العمري (عن نافع) عن ابن عمر فيما وصله مسلم في ذكر الدجال فقط إلى قوله: "عنبة طافية" ولم يذكر ما بعده.
٣٤٤١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعِيسَى "أَحْمَرُ" وَلَكِنْ قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً -أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً- فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ. فَذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ جَعْدُ الرَّأْسِ أَعْوَرُ عَيْنِهِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا الدَّجَّالُ. وَأَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ». قَالَ الزُّهْرِيُّ: رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن محمد) بن الوليد (المكي) الأزرقي (قال: سمعت إبراهيم بن سعد) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (فقال: حدّثني) بالإفراد (الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر بن
стр. 2314
الخطاب (قال: لا والله، ما قال النبي ﷺ لعيسى) أي عن عيسى (أحمر) أقسم على غلبة ظنّه أن الوصف اشتبه على الراوي
وأن الموصوف بكونه أحمر إنما هو الدجّال لا عيسى؛ وكأنه سمع ذلك سماعًا جزمًا في وصف عيسى بأنه آدم كما في الحديث السابق، فساغ له الحلف على ذلك لما غلب على ظنه أن من وَصَفه بأنه أحمر فقد وهم. وقد وافق أبو هريرة على أن عيسى أحمر، فظهر أن ابن عمر أنكر ما حفظه غيره. والأحمر عند العرب: الشديد البياض مع الحمرة. والآدم: الأسمر. وجمع بين الوصفين بأنه احمرّ لونه بسبب كالتعب وهو في الأصل أسمر.
(ولكن قال: بينما) بالميم (أنا نائم) رأيت أني (أطوف بالكعبة، فإذا رجل آدم) أسمر (سبط الشعر) أي مسترسل الشعر غير جعد. وفي الحديث السابق في باب قوله تعالى: ﴿وهل أتاك حديث موسى﴾ [طه: ٩] من حديث ابن عباس: "جعد" وهو ضد السبط. وجمع بينهما بأنه سبط الشعر جعد الجسم لا الشعر؛ والمراد اجتماعه واكتنازه؛ قال الجوهري: رجل سبط الشعر وسبط الجسم أي حسن القدّ والاستواء، قال الشاعر:
فجاءَت به سَبْطَ العظامِ كأنَّما … عِمَامَتُهُ بَيْنَ الرِّجالِ لواءُ
(يهادى بين رجلين) بضم الياء وفتح الدال؛ أي يمشي متمايلاً بينهما (ينطف) بضم الطاء المهملة. ولأبي ذرّ: "ينطِف" بكسرها؛ أي يقطر (رأسه ماء) نصب على التمييز (-أو يهراق رأسه ماء-) بضم الياء وفتح الهاء وتسكّن. والشك من الراوي. (فقلت: من هذا؟ قالوا: ابن مريم. فذهبت ألتفت فإذا رجل أحمر) اللّون (جسيم جعد) شعر (الرأس أعور عينه اليمنى) بالإضافة، و"عينه" بالجرّ، و"اليمنى" صفته. وفي ذلك أمران: أحدهما أن قوله: "أعور عينه" من باب الصفة المجردة عن اللام المضافة إلى معمولها المضاف إلى ضمير الموصوف، نحو: حسن وجهه.
وسيبويه وجميع البصريين يجوّزونها على قبح في ضرورة فقط. وأنشد سيبويه للاستدلال على مجيئها في الشعر قول الشمّاخ:
أَقَامَتْ على رَبْعَيهِمَا جَارَتَا صَفًا … كُمَيْت الأَعالي جَوْنَتَا مُصْطَلاهما
فـ "جونتا مصطلاهما" نظير "حسن وجهه". وأجازه الكوفيون في السعة بلا قبح. وهو الصحيح، لوروده في هذا الحديث وفي حديث صفة ﷺ : "شئن الكفّين طويل أصابعه" قال أبو علي -وهو ثقة-: كذا رويته بالخفض. وذكر الهروي وغيره في حديث أم زرع: "صفر وشامها".
ومع جوازه ففيه ضعف لأنه يشبه إضافة الشيء إلى نفسه.
ثانيهما: أن الزجاج ومتأخري المغاربة ذهبوا إلى أنه لا يتبع معمول الصفة المشبهة بصفة؛ مستندين فيه إلى عدم السماع من العرب، فلا يقال: زيد حسن الوجه المشرق، بجر "المشرق" على أنه صفة للوجه. وعلّل بعضهم المنع بأن معمول الفة لما كان سببًا غير أجنبي أشبه الضمير لكونه أبدًا محالاً على الأول وراجعًا إليه، والضمير لا ينعت فكذا ما أشبهه. قال ابن هشام في المغني: ويشكل عليهم الحديث في صفة الدجال أعور عينه اليمنى؛ قال في المصابيح: خرّجه بعضهم على
أن "اليمنى" خبر مبتدأ محذوف لا صفة لعينه، وكأنه لما قيل: أعور عينه، قيل أي عينيه؟ فقيل: اليمنى، أي هي اليمنى. وللأصيلي كما في الفتح: "عينُه" بالرفع، بقطع إضافة "أعور عينه" ويكون بدلاً من قوله "أعور" أو مبتدأ حذف خبره تقديره: عينه اليمنى عوراء، وتكون هذه الجملة صفة كاشفة لقوله: "أعور" قاله في العمدة.
(كأن عينه عنبة طافية) بغير همز: بارزة خرجت عن نظائرها. وضبّب في الفرع على قوله: "عينه" الذي بالتحتية والنون. ولأبي ذرّ والحموي والمستملي: "كأن عنبة طافية" بإسقاط "عينه" واحدة العيون، وإثبات "عنبة" بالموحدة ونصبها كتاليها اسم "كأنّ" والخبر محذوف، أي: كأن في وجهه عنبة طافية، كقوله:
إن مَحَلاًّ وإن مُرْتَحَلاً
أي: إن لنا محلاًّ وإن لنا مرتحلاً. وأعربه الدماميني بأن قوله "اليمنى" مبتدأ، وقوله "كأن عنبة طافية" خبره، والعائد محذوف تقديره: كأن فيها. قال: ويكون هذا وجهًا آخر في دفع ما قاله ابن هشام، يعني من الاستشكال في صفة الدجال السابق قريبًا. ولأبي ذرّ
стр. 2315
عن الكشميهني: "كأنّ عينه طافية" بإسقاط "عنبة" بالموحدة ورفع "طافية" خبر "كأنّ" وهو مما أقيم فيه الظاهر مقام المضمر فيحصل الربط، وقد أجازه الأخفش؛ والتقدير: اليمنى كأنها طافية. قاله في المصابيح.
(قلت) كذا في اليونينية، وفي فرعها: "فقلت" بالفاء (من هذا؟ قالوا: هذا الدجال) استشكل بأن الدجال لا يدخل مكة ولا المدينة. وأجيب بأن المراد لا يدخلهما زمن خروجه ولم يرد بذلك نفي دخوله في الزمن الماضي. (وأقرب الناس به شبهًا ابن قطن) عبد العزّى. (قال الزهري) محمد بن سلم بن شهاب بالسند السابق (رجل من خزاعة هلك في الجاهلية) قبل الإسلام. وهذا الحديث من أفراده.
٣٤٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ، وَالأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلاَّتٍ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ».
[الحديث ٣٤٤٢ - طرفه في: ٣٤٤٣].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة) ولأبي ذرّ: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرَّحمن، أي ابن عوف الزهري. (أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(أنا أولى الناس بابن مريم) زاد في رواية عبد الرَّحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة الآتية قريبًا: "في الدنيا والآخرة". وقال البيضاوي: الموجب لكونه أولى الناس به أنه كان أقرب المرسلين
إليه وأنّ دينه متصل بدينه ليس بينهما نبيّ وأن عيسى ﵊ كان مبشرًا به ممهدًا لقواعد دينه داعي الخلق إلى تصديقه. (والأنبياء) عليهم الصلاة والسلام (أولاد علاّت) بفتح العين وتشديد اللام. والعَلّة: الضرّة؛ مأخوذة من العلل وهي الشربة الثانية بعد الأولى، وكأن الزوج قد عَلَّ منها بعدما كان ناهلاً من الأخرى. وأولاد العلاّت: أولاد الضرّات من رجل واحد. يريد أن الأنبياء أصل دينهم واحد وفروعهم مختلفة، فهم متفقون في الاعتقاديات المسماة بأصول الدين كالتوحيد وسائر علم الكلام، مختلفون في الفروع وهي الفقهيات. وإن عيسى (ليس بيني وبينه نبيّ) وهو كالشاهد لقوله: "أنا أولى الناس بابن مريم". لا يقال إنه ورد أن الرسل الثلاثة الذين أرسلوا إلى أصحاب القرية المذكورة قصتهم في سورة يس كانوا من أتباع عيسى ﵇ وأن جرجيس وخالد بن سنان كانا نبيين وكانا بعد عيسى؛ لأن هذا الحديث الصحيح يضعف ذلك.
وهذا الحديث من إفراد.
٣٤٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ: حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَالأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ». وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سنان) الباهلي البصري قال: (حدّثنا فليح بن سليمان) بضم الفاء مصغرًا، أو فليح لقب واسمه عبد الملك، قال: (حدّثنا هلال بن علي) واسم جده أسامة العامري المدني (عن عبد الرَّحمن بن أبي عمرة) بفتح العين وسكون الميم الأنصاري المدني. ولد في عهده ﷺ . قال ابن أبي حاتم: ليس له صحبة. (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة) لكونه مبشّرًا بي قبل بعثتي وممهدًا لقواعد ملتي في آخر الزمان تابعًا لشريعتي ناصرًا لديني، فكأننا واحد. (والأنبياء إخوة لعلاّت) استئناف فيه دليل على الحكم السابق، وكأن سائلاً سأل عما هو المقتضي لكونه أولى الناس به فأجاب بذلك. (أمهاتهم شتّى ودينهم) في التوحيد (واحد). ومعنى الحديث أن حاصل أمر النبوّة والغاية القصوى من البعثة التي بعثوا جميعًا لأجلها دعوة الخلق إلى معرفة الحق وإرشادهم إلى ما به ينتظم معاشهم ويحسن معادهم، فهم متفقون في هذا الأصل وإن اختلفوا في تفاريع الشرع التي هي كالموصلة المؤدية والأوعية الحافظة له؛ فعبّر عما هو الأصل المشترك بين الكلّ بالأب ونسبهم إليهم، وعبّر عما يختلفون فيه من الأحكام والشرائع المتفاوتة بالصورة المتقاربة في الغرض بالأمهات، وهو معنى قوله: "أمهاتهم شتّى ودينهم واحد". أو أن المراد أن الأنبياء وإن تباينت أعصارهم وتباعدت أيامهم فالأصل الذي هو السبب في
إخراجهم وإبرازهم كلاًّ في عصره أمرّ واحد وهو الدين الحق، فعلى هذا فالمراد بالأمهات الأزمنة التي اشتملت عليهم.
(وقال إبراهيم بن طهمان) بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء، الخراساني،