← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21715

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط بولاق

القسطلاني

Полный текст (4 743 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

ولأبي ذر: أثواب سحول، وهو بضم السين فيهما، جمع: سحل، وهو الثوب الأبيض النقي، أو: بالفتح نسبة إلى سحول قرية باليمن. وقوله: (كرسف) بضم الكاف والسين بينهما راء ساكنة، عطف بيان لسحول، أي: ثلاثة أثواب بيض نقية من قطن (ليس فيها قميص ولا عمامة) يحتمل نفي وجودهما بالكلية، ويحتمل أن يكون المراد نفي المعدود، أي: الثلاثة خارجة عن: القميص والعمامة. والأول أظهر، وبه قال الشافعي وبالثاني قال المالكية. نعم، يجوز التقميص عند الشافعي من غير استحباب، لأن ابن عمر كفن ابنًا له في خمسة أثواب: قميص، وعمامة، وثلاثة لفائف. رواه البيهقي. قال في المهذّب وشرحه: والأفضل أن لا يكون في الكفن قميص ولا عمامة، فإن كان لم يكره، لكنه خلاف الأولى لخبر عائشة السابق اهـ. ١٢٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ". وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو: ابن مسرهد، قال: (حدّثنا يحيى، عن هشام، حدّثني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير بن العوام (عن عائشة ﵂ أن رسول الله، ﷺ ، كفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة). ٢٥ - باب الْكَفَنِ وَلَا عِمَامَةٌ (باب الكفن ولا عمامة) وللحموي والكشميهني: بلا عمامة، بالموحدة بدل الواو، ولأبي ذر، عن المستملي: الكفن في الثياب البيض، والرواية الأولى أولى، وإن كان الحديث شاملاً لهذه، لئلا تتكرر الترجمة من غير فائدة. ١٢٧٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ". وبالسند قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس، عبد الله الأصبحي (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أن رسول الله، ﷺ ، كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية) في طبقات ابن سعد، عن الشعبي إزار ورداء ولفافة. (ليس فيها قميص ولا عمامة). ٢٦ - باب الْكَفَنِ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَقَتَادَةُ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: الْحَنُوطُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يُبْدَأُ بِالْكَفَنِ، ثُمَّ بِالدَّيْنِ، ثُمَّ بِا لْوَصِيَّةِ، وَقَالَ سُفْيَانُ: أَجْرُ الْقَبْرِ وَالْغَسْلِ هُوَ مِنَ الْكَفَنِ هذا (باب) بالتنوين (الكفن من جميع المال) أي من رأسه، لا من الثلث. وهو قول خلاس، وقال طاوس: من الثلث إن قل المال، وهو مقدم وجوبًا على الدّيون اللازمة للميت، لحديث مصعب بن عمير، لما قتل يوم أُحد، ولم يوجد ما يكفن فيه إلا برده، فأمر ﵊ بتكفينه فيه، ولم يسأل. ولا يبعد من حال من ليس له إلا بردة أن يكون عليه دين. نعم، يقدم حق تعلق بعين المال: كالزكاة، والمرهون، والعبد الجاني المتعلق برقبته مال، أو قود، وعفى على مال، والمبيع إذا مات المشتري مفلسًا. (وبه) أي: بأن الكفن من جميع المال (قال عطاء) هو: ابن أبي رباح، مما وصله الدارمي من طريق ابن المبارك، عن ابن جريج عنه (والزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (وعمرو بن دينار، وقتاد) بن دعامة. (وقال: عمرو بن دينار) مما هو جميعه عند عبد الرزاق: (الحنوط من جميع المال) أي: لا من الثلث. (وقال إبراهيم) النخعي، مما وصله الدارمي: (يبدأ بالكفن) أي: ومؤونة التجهيز (ثم بالدين) اللازم له: لله، أو لآدمي لأنه أحوط للميت، (ثم بالوصية) ثم ما بقي للورثة. وأما تقديم الوصية عليه ذكرًا في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]. فلكونها قربة، والدين مذموم غالبًا، ولكونها مشابهة للإرث من جهة أخذها بلا عوض وشاقة على الورثة. والذين نفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فقدمت عليه بعثًا على وجوب إخراجها، والمسارعة إليه. ولهذا عطف بأو للتسوية بينهما في الوجوب عليهم، وليفيد تأخر الإرث عن أحدهما، كما يفيد تأخره عنهما بمفهوم الأولى. (وقال سفيان) الثوري مما وصله الدارمي: (أجر) حفر (القبر و) أجر (الغسل هو من الكفن) أي: من حكم الكفن في كونة من رأس المال لا من الثلث. ١٢٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "أُتِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ يَوْمًا بِطَعَامِهِ، فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ -وَكَانَ خَيْرًا مِنِّي- فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلاَّ بُرْدَةٌ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ -أَوْ رَجُلٌ آخَرُ- خَيْرٌ مِنِّي فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلاَّ بُرْدَةٌ. لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا. ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي". [الحديث ١٢٧٤ - طرفاه في: ١٢٧٥، ٤٠٤٥]. وبالسند قال: (حدّثنا أحمد بن محمد المكي) الأزرقي على الصحيح، ويقال: الزرقي صاحب تاريخ مكة، قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد عن) أبيه (سعد) هو: ابن إبراهيم (عن أبيه) إبراهيم بن عبد الرحمن (قال: أتي) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول (عبد الرحمن) بالرفع نائب عن الفاعل (ابن عوف، ﵁، يومًا بطعامه) بالضمير الراجع إليه، وكان صائمًا (فقال: قتل) بضم القاف مبنيًّا للمفعول (مصعب بن عمير) بضم الميم وسكون الصاد وفتح العين المهملتين، مرفوع نائب عن الفاعل، وعمير بضم العين مصغرًا القرشي العبدري، قال عبد الرحمن بن عوف (-وكان-) مصعب

стр. 912

(خيرًا مني) قاله تواضعًا وهضمًا لنفسه (فلم يوجد له ما يكفن فيه إلاّ برده) بالضمير العائد على مصعب. قال الحافظ ابن حجر: وهو رواية الأكثر قال: ولأبي ذر عن الكشميهني: إلا بردة، بلفظ واحد البرود. اهـ. والذي في الفرع، عن الكشميهني بالضمير، والبرد نمرة كالمئزر. وهذا موضع الترجمة، لأن ظاهره أنه لم يوجد ما يملكه إلا البردة المذكورة. (وقتل حمزة) بن عبد المطلب في غزوة أُحد (-أو رجل آخر-) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه (خير مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة). وللكشميهني كما في الفرع وأصله: إلاّ برده، بالضمير الراجع إليه. قال عبد الرحمن بن عوف: (لقد خشيت أن تكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا) يعني: أصبنا ما كتب لنا من الطيبات في دنيانا، فلم يبق لنا بعد استيفاء حظنا شيء منها. والمراد بالحظ الاستمتاع والتنعم الذي يشغل الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه، حتى يعكف همته على استيفاء اللذات. أما من تمتع بنعم الله، ورزقه الذي خلقه تعالى لعباده، ليتقوى بذلك على دراية العلم والقيام بالعمل، وكان ناهضًا بالشكر فهو عن ذلك بمعزل. (ثم جعل) عبد الرحمن (يبكي) خوفًا من تخلفه عن اللحاق بالدرجات العلى. وشيخ المؤلّف من أفراده، والثلاثة البقية مدنيون، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا المؤلّف في: الجنائز، والمغازي. ٢٧ - باب إِذَا لَمْ يُوجَدْ إِلاَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ هذا (باب) بالتنوين (إذا لم يوجد) للميت (إلاّ ثوب واحد) اقتصر عليه. ١٢٧٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ "أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁ أُتِيَ بِطَعَامٍ -وَكَانَ صَائِمًا- فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ -وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي- كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ. وَأُرَاهُ قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ -وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي- ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ -أَوْ قَالَ أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا- وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا. ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ". وبالسند قال: (حدّثنا ابن مقاتل) محمد المروزي، المجاور بمكة. ولأبي ذر: محمد بن مقاتل، قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي، قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن سعد بن إبراهيم) بسكون العين (عن أبيه إبراهيم). (أن) أباه (عبد الرحمن بن عوف، ﵁، أتي بطعام) بإسقاط هاء الضمير (-وكان) عبد الرحمن يومئذ (صائمًا- فقال: قتل مصعب بن عمير -وهو خير مني- كفن في بردة) ولأبي ذر، عن الحموي والمستملي: في برده بالضمير الراجع إلى مصعب (إن غُطي) بضم الغين مبنيًّا للمفعول (رأسه) بالرفع نائب عن الفاعل، (بدت) ظهرت (رجلاه وإن غطي رجلاه بدا) ظهر (رأسه). قال المهلب وابن بطال: وإنما استحب أن يكفن في هذه البردة لكونه قتل فيها. قال ابن حجر: وفي هذا الجزم نظر، بل الظاهر أنه لم يوجد له غيرها كما هو مقتضى الترجمة. (وأراه) بضم الهمزة، أي: أظنه (قال: وقتل حمزة) عم النبي ﷺ (-وهو خير مني-) وروى الحاكم في مستدركه، من حديث أنس: أن حمزة كفن أيضًا كذلك. (ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط - أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا-) شك من الراوي (وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا) يعني: خفنا أن ندخل في زمرة من قيل في حقه ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]. يعني: من كانت العاجلة همه، ولم يرد غيرها، تفضلنا عليه من منافعها بما نشاء لمن نريد. وقيد المعجل والمعجل له بالمشيئة والإرادة لأنه لا يجد كل متمن ما يتمناه، ولا كل واحد جميع ما يهواه. (ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام) في وقت الإفطار. ٢٨ - باب إِذَا لَمْ يَجِدْ كَفَنًا إِلاَّ مَا يُوَارِي رَأْسَهُ أَوْ قَدَمَيْهِ غَطَّى رَأْسَهُ هذا (باب) بالتنوين (إذا لم يجد) من يتولى أمر الميت (كفنًا إلا ما يواري) يستر (رأسه) مع بقية جسده (أو) يستر (قدميه) مع بقية جسده (غطى) ولأبي ذر: غطي، بضم المعجمة (به) أي: بذلك الكفن (رأسه). ١٢٧٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا شَقِيقٌ حَدَّثَنَا خَبَّابٌ ﵁ قَالَ "هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ: فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا. قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إِلاَّ بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ. فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ". [الحديث ١٢٧٦ - أطرافه في: ٣٨٩٧، ٣٩١٣، ٣٩١٤، ٤٠٤٧، ٤٠٨٢، ٦٤٣٢، ٦٤٤٨]. وبالسند قال: (حدّثنا عمر بن حفص) بضم عين عمر، قال: (حدَّثنا أبي) حفص بن غياث بن طلق قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران، قال: (حدّثنا شقيق) أبو وائل بن سلمة، قال: (حدّثنا خباب) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى، بينهما ألف، ابن الأرت، بفتح الهمزة والراء وتشديد المثناة الفوقية (¬﵁ قال): (هاجرنا مع النبي، ﷺ ¬)، حال كوننا (نلتمس وجه الله) أي ذاته، لا الدنيا. والمراد بالمعية الاشتراك في حكم الهجرة إذ لم يكن معه ﵊ إلا أبو بكر وعامر بن فهيرة (فوقع أجرنا على الله) وفي رواية: وجب أجرنا على الله. أي: وجوبًا شرعيًّا أي: بما وجب

стр. 913

بوعده الصدق، لا عقليًّا إذ لا يجب على الله شيء (فمنا من مات لم يكل من أجره) من الغنائم التي تناولها من أدرك زمن الفتوح (شيئًا) بل قصر نفسه عن شهواتها لينالها متوفرة في الآخرة (منهم: مصعب بن عمير) بضم العين وفتح الميم: ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، يجتمع مع النبي ﷺ وفي قصي (ومنا من أينعت) بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية وفتح النون أي: أدركت ونضجت (له ثمرته) ولأبي ذر: ثمرة (فهو يَهدِبها) بفتح المثناة التحتية وسكون الهاء وتثليث الدال، أي: يجنيها. وعبر بالمضارع ليفيد استمرار الحال الماضية والآتية استحضارًا له في مشاهدة السامع. (قتل) أي: مصعب (يوم أُحد) قتله عبد الله بن قميئة، والجملة استئنافية (فلم نجد له ما نكفنه) زاد أبو ذر: به (إلاّ بردة، إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا) بها (رجليه خرج رأسه) لقصرها، (فأمر النبي، ﷺ ، أن نغطي رأسه) بطرف البردة (وأن نجعل على رجليه من الإذخر) بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الخاء المعجمة والراء، نبت حجازي طيب الرائحة. وفي الحديث من الفوائد: أن الواجب من الكفن ما يستر العورة، قال في المجموع، واحتمال أنه لم يكن له غير النمرة مدفوع بأنه بعيد ممن خرج للقتال، وبأنه لو سلم ذلك لوجب تتميمه من بيت المال، ثم من المسلمين. اهـ. وقد يقال: أمرهم بتتميمه بالإذخر. وهوَ ساتر، ويجاب: بأن التكفين به لا يكفي إلاّ عند تعذر التكفين بالثوب، كما صرح به الجرجاني، لما فيه من الإزراء بالميت، على أنه ورد في أكثر طرق الحديث أنه قتل يوم أُحد، ولم يخلف إلاّ نمرة. وبالجملة، فالأصح أن أقل الكفن ساتر العورة. لكن استشكل الأسنوي الاقتصار على ساتر العورة، بما في النفقات، من أنه لا يحل الاقتصار في كسوة العبد على ساتر العورة، وإن لم يتأذ بحر أو برد، لأنه تحقير وإذلال، فامتناعه في الميت الحر أولى. وأجيب عنه: بأنه لا أولوية، بل ولا تساوي. إذ للغرماء منع الزيادة على الثوب الواحد، والحر المفلس يبقى له ما يجمله لاحتياجه إلى التجمل للصلاة، وبين الناس، ولأن الميت يستر بالتراب عاجلاً بخلاف العبد. والأولى أن يجاب: بأنه لا فرق بين المسألتين إذ عدم الجواز في تلك ليس لكونه حقًا لله تعالى في الستر، بل لكونه حقًا للعبد. حتى إذا أسقطه جاز. وفي الحديث أيضًا بيان فضيلة مصعب بن عمير، وأنه ممن لم ينقص له من ثواب الآخرة شيء. ٢٩ - باب مَنِ اسْتَعَدَّ الْكَفَنَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ (باب من استعد الكفن) أي: أعده، وليست السين للطلب (في زمن النبي ﷺ ، فلم ينكر عليه) بفتح الكاف مبنيًّا للمفعول، كذا في الفرع وأصله، وفي نسخة: فلم ينكر بكسرها على أن فاعل الإنكار النبي ﷺ . ١٢٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ ﵁ "أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا. أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟ قَالُوا: الشَّمْلَةُ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدِي، فَجِئْتُ لأَكْسُوَكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ فَقَالَ: اكْسُنِيهَا مَا أَحْسَنَهَا. قَالَ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لأَلْبَسَهَا، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ". [الحديث ١٢٧٧ - أطرافه في: ٢٠٩٣، ٥٨١٠، ٦٠٣٦]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (قال: حدّثنا ابن أبي حازم) عبد العزيز (عن أبيه) أبي حازم، سلمة بن دينار الأعرج القاص، من عباد أهل المدينة وزهادهم (عن سهل) هو: ابن سعد الساعدي (¬﵁¬): (أن امرأة) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها (جاءت النبي، ﷺ ، ببردة منسوجة فيها حاشيتها) رفع بقوله منسوجة، واسم المفعول يعمل عمل فعله، كاسم الفاعل أي: أنها لم تقطع من ثوب فتكون بلا حاشية، أو أنها جديدة لم يقطع هدبها ولم تلبس بعد. قال سهل:- (أتدرون) بهمزة الاستفهام، ولأبوي ذر، والوقت: تدرون بإسقاطها (ما البردة؟ قالوا: الشملة. قال) سهل: (نعم) هي، وفي تفسيره بها تجوّز لأن البردة كساء، والشملة ما يشتمل به، فهي أعم. لكن لما كان أكثر اشتمالهم بها أطلقوا عليها اسمها. (قالت) أي: المرأة للنبي، ﷺ : (نسجتها) أي: البردة (بيدي) حقيقة أو مجازًا (فجئت لأكسوكها فأخذها النبي ﷺ ¬) حال كونه (محتاجًا إليها) وعرف ذلك بقرينة حال، أو تقدم قول صريح (فخرج) ﵊ (إلينا وإنها إزاره) وفي رواية هشام بن عمار، عن عبد العزيز عند ابن ماجة: فخرج إلينا فيها. وعند الطبراني من رواية هشام بن سعد عن أبي حازم: فاتزر بها ثم خرج (فحسنها) أي نسبها إلى الحسن، وللمصنف في اللباس، من طريق

стр. 914

يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، فجسها بالجيم من غير نون (فلان) هو عبد الرحمن بن عوف كما في الطبراني، فيما ذكره المحب الطبري في الأحكام له، لكن قال صاحب الفتح إنه لم يره في المعجم الكبير، ولا في مسند سهل، ولا عبد الرحمن، أو: هو سعد بن أبي وقاص، أو: هو أعرابي كما في الطبراني من طريق زمعة بن صالح عن أبي حازم، لكن زمعة ضعيف. (فقال: اكسنيها ما أحسنها) بالنصب على التعجب. (وقال القوم: ما أحسنت) نفي للإحسان (لبسها النبي ﷺ ¬) حال كونه (محتاجًا إليها) وفي نسخة عند أبي ذر: محتاج، بالرفع بتقدير: هو (ثم سألته) إياها (وعلمت أنه لا يرد) سائلاً بل يعطيه، ما يطلبه (قال: إني والله ما سألته) ﵊ (لألبسها) أي: لأجل أن ألبسها، وفي نسخة لألبسه، وهو الذي في الفرع وأصله (إنما سألته) إياها (لتكون كفني، قال سهل: فكانت كفنه). وعند الطبراني من طريق هشام بن سعد، قال سهل: فقلت للرجل: لم سألته وقد رأيت حاجته إليها؟ فقال: رأيت ما رأيتم، ولكني أردت أن أخبأها حتى أكفن فيها، فأفاد أن المعاتب له من الصحابة سهل بن سعد، وفي رواية أبي غسان، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي، ﷺ ، وفيه التبرك بآثار الصالحين، وجواز إعداد الشيء قبل وقت الحاجة إليه. لكن، قال أصحابنا: لا يندب أن يعدّ لنفسه كفنًا لئلا يحاسب على اتخاذه أي: لا على اكتسابه، لأن ذلك مختصًّا بالكفن، بل سائر أمواله كذلك، ولأن تكفينه من ماله واجب، وهو يحاسب عليه بكل حال، إلاّ أن يكون من جهة حل، وأثر ذي صلاح، فحسن إعداده كما هنا، لكن لا يجب تكفينه فيه، كما اقتضاه كلام القاضي أبي الطيب وغيره، بل للوارث إبداله لأنه ينتقل للوارث، فلا يجب عليه ذلك. ولو أعدّ له قبرًا يدفن فيه فينبغي أنه لا يكره، لأنه للاعتبار بخلاف الكفن، قاله الزركشي. ورواة الحديث الأربعة مدنيون إلا عبد الله بن مسلمة، سكن البصرة. وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه ابن ماجة في: اللباس. ٣٠ - باب اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ (باب) حكم (اتباع النساء الجنائز) بالجمع، ولأبي ذر: الجنازة. ١٢٧٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: "نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا". وبالسند قال: (حدّثنا قبيصة بن عقبة) بفتح القاف في الأول وضم العين وإسكان القاف في الثاني، السوائي العامري الكوفي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن خالد) ولأبي ذر: عن خالد الحذاء (عن أم الهذيل) بضم الهاء وفتح المعجمة، حفصة بنت سيرين (عن أم عطية) نسيبة (¬﵂ قالت) ولأبي ذر: أنها قالت: (نهينا) بضم النون وكسر الهاء، وعند الإسماعيلي من رواية يزيد بن أبي حكيم، عن الثوري بهذا الإسناد، ورواه ابن شاهين بسند صحيح: نهانا رسول الله (عن اتباع الجنائز) نهي تنزيه لا تحريم، بدليل قولها: (ولم يُعزم علينا) بضم الياء وفتح الزاي مبنيًّا للمفعول، أي: نهيًا غير متحتم، فكأنها قالت: كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم، وهذا قول الجمهور، ورخص فيه مالك، وكرهه للشابة .. وقال أبو حنيفة: لا ينبغي. واستدلّ للجواز بما رواه ابن أبي شيبة، من طريق محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي هريرة، ﵁: أن رسول الله ﷺ كان في جنازة، فرأى عمر ﵁ امرأة، فصاح بها، فقال: دعها يا عمر … الحديث، وأخرجه ابن ماجة من هذا الوجه، ومن طريق أخرى برجال ثقات. وأما ما رواه ابن ماجة أيضًا، وغيره، مما يدل على التحريم فضعيف، ولو صح حمل على ما يتضمن حرامًا. فائدة: روى الطبري من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، عن جدته أم عطية، قالت: لما دخل رسول الله ﷺ جمع النساء في بيت، ثم بعث إلينا عمر، فقال: إني رسول الله ﷺ إليكن؛ بعثني لأبايعكن على أن: لا تسرقن وفي آخره وأمرنا أن نخرج في العيد العواتق، ونهانا أن نخرج في جنازة. قال في الفتح: وهذا يدل على أن رواية أم عطية الأولى من مرسل الصحابة. ٣١ - باب حد الْمَرْأَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا (باب حد المرأة) من مصدر الثلاثي، ولأبي ذر: إحداد المرأة. (على) ميت (غير زوجها) ثلاثة أيام، لما يغلب عليها من لوعة الحزن، ويهجم من ألم الوجد من غير

стр. 915

وجوب سواء كان الميت قريبًا أو أجنبيًّا، وهو لغة المنع، واصطلاحًا ترك التزين بالصبوغ من اللباس والخضاب والتطيب، والمشهور أنه بالحاء المهملة، ويروى الإجداد بالجيم من جددت الشيء قطعته لأنها انقطعت عن الزينة وما كانت عليه. ١٢٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: "تُوُفِّيَ ابْنٌ لأُمِّ عَطِيَّةَ ﵂، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ دَعَتْ بِصُفْرَةٍ فَتَمَسَّحَتْ بِهِ وَقَالَتْ: نُهِينَا أَنْ نُحِدَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ إِلاَّ بِزَوْجٍ". وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) قال (حدّثنا بشر بن المفضل) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة، ابن لاحق، قال: (حدّثنا سلمة بن علقمة) التيمي (عن محمد بن سيرين قال): (توفي ابن لأم عطية) نسيبة (¬﵂، فلما كان اليوم الثالث) ولأبي ذر، عن الحموي والكشميهني: يوم الثالث، بإضافة الصفة إلى الموصوف (دعت بصفرة) بطيب فيه صفرة (فتمسحت به، وقالت: نهينا) ورواه أيوب، مما أخرجه عبد الرزاق، والطبراني، عن ابن سيرين، عن أم عطية، بلفظ: قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول، … فذكر معناه (أن نحد) على ميت (أكثر من ثلاث) بلياليها، ونحد: بضم أوله وكسر ثانيه من الرباعي، وأن، مصدرية. وحكي فتح أوله وكسر ثانيه وضمه من الثلاثي، ولم يعرف الأصمعي إلا الأول (إلا بزوج) أي: بسببه وللكشميهني: إلا لزوج، باللام بدل الموحدة، وفي العدد من طريقه: إلا على زوج، وكلها بمعنى السببية. ورواته بصريون، وفيه التحديث والعنعنة والقول. ١٢٨٠ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قال حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ: "لَمَّا جَاءَ نَعْيُ أَبِي سُفْيَانَ مِنَ الشَّامِ دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ ﵂ بِصُفْرَةٍ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَمَسَحَتْ عَارِضَيْهَا وَذِرَاعَيْهَا وَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عَنْ هَذَا لَغَنِيَّةً لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا". [الحديث ١٢٨٠ - أطرافه في: ١٢٨١، ٥٣٣٤، ٥٣٣٩، ٥٣٤٥]. وبه قال: (حدّثنا الحميدي) بضم الحاء وفتح الميم، عبد الله بن الزبير القرشي، قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدّثنا أيوب بن موسى) بن عمرو بن سعيد بن العاصي الأموي (قال: أخبرني) بالإفراد (حميد بن نافع) بضم الحاء، أبو أفلح، بالفاء والحاء المهملة (عن زينب ابنة) ولأبي ذر: بنت (أبي سلمة) عبد الله بن عبد الأسد المخزومية، ربيبة النبي، ﷺ ، أمها أم المؤمنين: أم سلمة (قالت): (لما جاء نعي) بسكون العين وتخفيف المثناة، ولأبي ذر: نعي: بكسر العين وتشديد المثناة، أي خبر موت (أبي سفيان) صخر بن حرب (من الشام). قال في الفتح: فيه نظر، لأن أبا سفيان مات بالمدينة بلا اختلاف بين العلماء، بالاخبار، والجمهور على أنه مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل سنة ثلاث، قال: ولم أر في شيء من طرق هذا الحديث تقييده بذلك إلا في رواية سفيان بن عيينة هذه، وأظنها وهمًا. وعند ابن أبي شيبة، عن حميد بن نافع؛ جاء نعي لأخي أم حبيبة، أو حميم لها … الحديث، فلا مانع من التعدد. (دعت) بنت أبي سفيان (أم حبيبة) رملة: أم المؤمنين (¬﵂ بصفرة) نوع من الطيب فيه صفرة (في اليوم الثالث، فمسحت عارضيها) هما جانبا الوجه فوق الذقن إلى ما تحت الأذن (وذراعيها، وقالت: إني كنت عن هذا لغنية) فيه إدخال لام الابتداء على خبر كان الواقعة خبرًا لإن (لولا أني سمعت النبي، ﷺ ، يقول): (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر) نفي بمعنى النهي على سبيل التأكيد (أن تحد) بضم أوّله وكسر ثانيه (على ميت فوق ثلاث) أي: ثلاث ليال، كما جاء مصرحًا به في رواية. والوصف بالإيمان فيه إشعار بالتعليل، فإن من آمن بالله ولقائه لا يجترئ على مثله من العظائم (إلا على زوج، فإنها تحد عليه) وجوبًا للإجماع على إرادته (أربعة أشهر وعشرًا) من الأيام بلياليها، سواء في ذلك الصغيرة والكبيرة، والمدخول بها وذات الإقراء وغيرهما، وكذا الذمية. وتقييد المرأة في الحديث بالإيمان بالله واليوم الآخر جرى على الغالب، فإن الذمية كذلك، ومثلها فيما يظهر: المعاهدة والمستأمنة. وهذا مذهب الشافعية، والجمهور. وقال أبو حنيفة، وغيره من الكوفيين، وأبو ثور، وبعض المالكية: لا يجب على الزوجة الكتابية، بل يختص بالمسلمة، لقوله: تؤمن … الخ، وقد خالف أبو حنيفة قاعدته هنا في إنكاره المفاهيم، وكذا التقييد بأربعة أشهر وعشر، خرج على غالب المعتدات وإلاّ فالحامل بالوضع وعليها الإحداد سواء قصرت المدة أو طالت. ورواته الثلاثة الأول مكيون، والرابع مدني، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول. ١٢٨١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: "دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا". وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس، قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) بفتح الحاء وسكون الزاي

стр. 916

وعمرو، بفتح العين (عن حميد بن نافع) هو: أبو أفلح (عن زينب بنت أبي سلمة) أنها (أخبرته، قالت): (دخلت على أم حبيبة، زوج النبي، ﷺ ¬) أي: لما بلغها موت أبيها أبي سفيان، كما مر. (فقالت: سمعت النبي، ﷺ يقول): (لا يحل لامرأة) كبيرة أو صغيرة (تؤمن بالله واليوم الآخر) هو من خطاب التهييج، لأن المؤمن هو الذي ينتفع بخطاب الشارع وينقاد له، فهذا الوصف لتأكيد التحريم لما يقتضيه سياقه، ومفهومه أن خلافه مناف للإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] فإنه يقتضي تأكيد أمر التوكل بربطه بالإيمان، وقوله (تحد) بحذف أن الناصبة ورفع الفعل، مثل: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. (على ميت فوق ثلاث) من الليالي (إلا على زوج) أي: فإنها تحد عليه (بأربعة أشهر وعشرًا). فالظرف متعلق بمحذوف في المستثنى دل عليه الفعل المذكور في المستثنى منه، والاستثناء متصل، إن جعل بيانًا لقوله: فوق ثلاث، فيكون المعنى: لا يحل لامرأة أن تحد أربعة أشهر وعشرًا على ميت إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرًا. وإن جعل معمولاً لتحد مضمرًا، فيكون منقطعًا أي: لكن تحد على ميت زوج أربعة أشهر وعشرًا. ١٢٨٢ - ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ، ثُمَّ قَالَتْ: مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ: لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا". [الحديث ١٢٨٢ - طرفه في: ٥٣٣٥]. قالت زينب بنت أبي سلمة: (ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها) يحتمل، على بعد: أن يكون هو عبيد الله، بالتصغير، الذي مات كافرًا بالحبشة بعد أن أسلم، ولا مانع، أن يحزن المرء على قريبه الكافر، ولا سيما إذا تذكر سوء مصيره. أو هو: أخ لها من أمها، أو: من الرضاع، وليس هو أخوها عبد الله بفتح العين، لأنه استشهد بأُحد، وكانت زينب إذ ذاك صغيرة جدًّا، ولا أخوها: أبو أحمد عبد، بغير إضافة، لأنه مات بعد أخته زينب بسنة، كما جزم به ابن إسحاق وغيره. وقد استشكل التعبير: بثم، المقتضية للعطف على التراخي والتشريك في الحكم والترتيب، في قولها: ثم دخلت على زينب. إذ مقتضاه أن تكون قصة زينب هذه بعد قصة أم حبيبة، وهو غير صحيح، لأن زينب ماتت قبل أبي سفيان بأكثر من عشر سنين على الصحيح. وأجيب: بأن في دلالة: ثم، على الترتيب خلافًا، ولئن سلمنا ضعف الخلاف، فإن ثم هنا لترتيب الأخبار لا لترتيب الحكم، وذلك كما تقول: بلغني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعت أمس أعجب، أي: ثم أخبرك بأن الذي صنعته أمس أعجب. (فدعت) أي: زينب بنت جحش (بطيب فمست) زاد أبو ذر: به، أي: شيئًا من جسدها (ثم قالت: ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ ، على المنبر) زاد أبو ذر: يقول: (لا يحل لامرأة، تؤمن بالله واليوم الآخر، تحد) بحذف أن والرفع (على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا) وهذا الحديث هو العمدة في وجوب الإحداد على الزوج الميت، ولا خلاف فيه في الجملة، وإن اختلف في بعض فروعه. واستشكل بأن مفهومه: إلا على زوج فإنه يحل لها الإحداد، فأين الوجوب؟ وأجيب: بأن الإجماع على الوجوب، فاكتفي به، وأيضًا فإن في حديث أم عطية النهي الصريح عن الكحل، وعن لبس ثوب مصبوغ، وعن الطيب. فلعله سند الإجماع. وفي حديث أم سلمة عند النسائي، وأبي داود، قالت: قال النبي، ﷺ : لا تلبس المتوفى عنها زوجها المعصفر من الثياب … الحديث. وظاهره أنه مجزوم على النهي. وفي رواية لأبي داود: لا تحد المرأة فوق ثلاث إلا على زوج، فإنها تحد أربعة أشهر وعشرًا فهذا أمر بلفظ الخبر إذ ليس المراد معنى الخبر، فهو على حد قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] والمراد به الأمر اتفاقًا والله أعلم. ٣٢ - باب زِيَارَةِ الْقُبُورِ (باب) مشروعية (زيارة القبور) وسقط الباب والترجمة لابن عساكر. ١٢٨٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي. قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي وَلَمْ تَعْرِفْهُ. فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَتَتْ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ. فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى". وبالسند قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس، قال (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا ثابت) البناني (عن أنس بن مالك، ﵁، قال): (مر النبي، ﷺ ، بامرأة تبكي عند قبر) زاد في رواية يحيى بن أبي كثير، عند عبد الرزاق: فسمع منها ما يكره، أي: من نوح أو غيره، ولم تعرف المرأة ولا صاحب القبر، لكن في رواية لمسلم ما يشعر بأنه ولدها، ولفظه تبكي على صبي لها، وصرح به في مرسل يحيى بن أبي كثير المذكور، ولفظه قد أصيبت بولدها. (فقال) لها

стр. 917

يا أمة الله. (اتقي الله واصبري) قال الطيبي: أي: خافي غضب الله إن لم تصبري ولا تجزعي، ليحصل لك الثواب. (قالت: إليك عني) أي: تنح وابعد، فهو من أسماء الأفعال: (فإنك لم تصب بمصيبتي) بضم المثناة الفوقية، وفتح الصاد في تصب مبنيًّا للمفعول، وعند المصنف في الأحكام، من وجه آخر عن شعبة: فإنك خلو من مصيبتي، بكسر الخاء المعجمة وسكون اللام، خاطبته بذلك (و) الحال أنها (لم تعرفه) إذ لو عرفته لم تخاطبه بهذا الخطاب. (فقيل لها:) وللحموي، وللمستملي: لم تصب بمصيبتي فقيل لها (إنه النبي ﷺ ¬) وعند المؤلّف في الأحكام: فأمر بها رجل، فقال لها: إنه رسول الله ﷺ ، وفي رواية أبي يعلى، من حديث أبي هريرة قال: فهل تعرفينه، قالت له: لا. وللطبراني في الأوسط، من طريق عطية، عن أنس: إن الذي سألها هو الفضل بن العباس، وزاد مسلم في رواية له: فأخذها مثل الموت، أي من شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنه رسول الله ﷺ وإنما اشتبه عليها ﷺ لأنه من تواضعه لم يكن يستتبع الناس وراءه إذا مشى كعادة الملوك والكبراء، مع ما كانت فيه من شاغل الوجد والبكاء. (فأتت) باب (النبي ﷺ ، فلم تجد عنده بوابين) يمنعون الناس من الدخول عليه، وفي رواية الأحكام بوابًا بالإفراد. فإن قلت: ما فائدة هذه الجملة؟ أجاب شارح المسماة. بأنه لما قيل لها إنه النبي، ﷺ استشعرت خوفًا وهيبة في نفسها، فتصورت أنه مثل الملوك له حاجب أو بوّاب يمنع الناس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصوّرته. (فقالت) معتذرة عما سبق منها، حيث قالت: إليك عني: (لم أعرفك) فاعذرني من تلك الردة وخشونتها (فقال) لها ﵊: (إنما الصبر) الكامل (عند الصدمة الأولى) الواردة على القلب، أي: دعي الاعتذار فإن من شيمتي أن لا أغضب إلا لله، وانظري، إلى تفويتك من نفسك الجزيل من الثواب بالجزع، وعدم الصبر أوّل فجأة المصيبة، فاغتفر لها ﵊ تلك الجفوة لصدورها منها في حال مصيبتها، وعدم معرفتها به، وبين لها أن حق هذا الصبر أن يكون في أول الحال، فهو الذي يترتب عليه الثواب بخلاف ما بعد ذلك، فإنه على طول الأيام يسلو. كما يقع لكثير من أهل المصائب، بخلاف أوّل وقوع المصيبة، فإنه يصدم القلب بغتة وقد قيل: إن المرء لا يؤجر على المصيبة لأنها ليست من صنعه، وإنما يؤجر على حسن نيته، وجميل صبره. ومبحث ذلك يأتي إن شاء الله تعالى، في موضعه. فإن قلت: من أين تؤخذ مطابقة الحديث للترجمة؟ أجيب: من حيث أنه ﷺ ، لم ينه المرأة المذكورة عن زيارة قبر ميتها، وإنما أمرها بالصبر والتقوى، لما رأى من جزعها، فدلّ على الجواز، واستدلّ به على زيارة القبور، سواء كان الزائر رجلاً أو امرأة، وسواء كان المزور مسلمًا أو كافرًا لعدم الاستفصال في ذلك. قال النووي: وبالجواز قطع الجمهور، وقال صاحب الحاوي، أي: الماوردي: لا تجوز زيارة قبر الكافر وهو غلط. اهـ. وحجة الماوردي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] وفي الاستدلال بذلك نظر لا يخفى. وبالجملة: فتستحب زيارة قبور المسلمين للرجال، لحديث مسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة". وسئل مالك عن زيارة القبور فقال: قد كان نهى عنه، ثم أذن فيه، فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلا خيرًا لم أبي بذلك بأسًا. وعن طاوس: كانوا يستحبون أن لا يتفرقوا عن الميت سبعة أيام، لأنهم يفتنون ويحاسبون في قبورهم، سبعة أيام. وتكره للنساء لجزعهن، وأما حديث أبي هريرة المروي عند الترمذي، وقال حسن صحيح: "لعن الله زوّارات القبور"، فمحمول على ما إذا كانت زيارتهن للتعديد والبكاء والنوح على ما جرت به عادتهن، قال القرطبي: وحمل بعضهم حديث الترمذي في المنع على من تكثر الزيارة لأن زوارات للمبالغة. اهـ. ولو قيل بالحرمة في حقهن، في هذا الزمان، لا سيما نساء مصر، لما بعد لما في خروجهن من الفساد، ولا يكره لهن زيارة قبر النبي ﷺ ، بل تندب وينبغي كما قال ابن الرفعة، والقمولي، أن تكون قبور سائر الأنبياء والأولياء كذلك. وفي الحديث:

стр. 918

التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه في: الجنائز، والأحكام ومسلم في: الجنائز، وكذا أبو داود، والترمذي والنسائي. ٣٣ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ» لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ فَهُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ ﴿ولَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ -ذُنُوبًا- ﴿إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ﴾ وَمَا يُرَخَّصُ مِنَ الْبُكَاءِ فِي غَيْرِ نَوْحٍ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا» وَذَلِكَ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ. (باب قول النبي، ﷺ ¬) فيما وصله المؤلّف في الباب عن ابن عباس عن عمر. (يعذب الميت ببعض بكاء أهله) المتضمن للنوح المنهي عنه (عليه) وليس المراد مع العين لجوازه، وإنما المراد البكاء الذي يتبعه الندب والنوح، فإن ذلك إذا اجتمع سمي بكاء. قال الخليل: من قصر البكاء ذهب به إلى معنى الحزن، ومن مدّه ذهب به إلى معنى الصوت، وقيده بالبعضية تنبيهًا على أن حديث ابن عمر المطلق محمول على حديث ابن عباس عن عمر الآتي كل منهما إن شاء الله تعالى في هذا الباب. (إذا كان) الميت في حال حياته راضيًا بذلك، بأن يكون (النوح من سنته) بضم السين وتشديد النون، أي من طريقته وعادته. وأما قول الزركشي هذا منه أي: من المؤلّف، حمل للنهي عن ذلك، أي: أنه يوصي بذلك، فيعذب بفعل نفسه، فتعقبه صاحب مصابيح الجامع: بأن الظاهر أن البخاري لا يعني الوصية، وإنما يعني العادة. وعليه يدل قوله: من سنته، إذ السنة الطريقة والسيرة يعني: إذا كان الميت قد عود أهله أن يبكوا على من يفقدونه في حياته وينوحوا عليه بما لا يجوز. وأقرّهم على ذلك، فهو داخل في الوعيد، وإن لم يوص. فإن أوصى فهو أشد انتهى. وليس قوله: إذا كان النوح من سنته من المرفوع، بل هو من كلام المؤلّف، قاله تفقهًا (لقول الله تعالى): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (﴿قُوا أَنفُسَكُمْ﴾) بترك المعاصي الشاملة للنوح وغيره (﴿وأهليكم نارًا﴾) [التحريم: ٦] بالنصح والتأديب لهم، فمن علم أن لأهله عادة بفعل منكر من نوح أو غيره، وأهمل نهيهم عنه، فما وقى أهله ولا نفسه من النار. (وقال النبي ﷺ ¬) مما تقدّم موصولاً في حديث ابن عمر في الجمعة: (كلكم راع ومسؤول عن رعيته). فمن ناح ما رعى نفسه ولا رعيته الذين هم أهله لأنهم يقتدون به في سنته. (فإذا لم يكن من سنته) النوح، كمن لا شعور عنده، بأنهم يفعلون شيئًا من ذلك، أو أدّى ما عليه بأن نهاهم (فهو كما قالت عائشة، ﵂¬) مستدلة لما أنكرت على عمر، ﵁، حديثه المرفوع الآتي إن شاء الله تعالى قريبًا: "إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه" بقوله تعالى: (﴿ولا تزر﴾) سقطت الواو، من: ولا تزر لغير أبي ذر، لا تحمل (﴿وازرة﴾) نفس آثمة (﴿وزر﴾) نفس (﴿أخرى﴾) [الأنعام: ١٦٤ والإسراء: ١٥ وفاطر: ١٨ والزمر: ٧] والجملة جواب إذا المتضمنة معنى الشرط، والحاصل أنه: إذا لم يكن من سنته، فلا شيء عليه، كقول عائشة. فالكاف للتشبيه، وما مصدرية، أي: كقول عائشة. (وهو) أي: ما استدلت به عائشة من قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (كقوله: ﴿وإن تدع مثقلة -ذنوبًا- إلى حملها﴾) وليست: ذنوبًا، من التلاوة، وإنما هو في تفسير مجاهد، فنقله المصنف عنه؛ والمعنى: وإن تدع نفس أثقلتها أوزارها أحدًا من الآحاد إلى أن يحمل بعض ما عليها (﴿ولا يحمل منه﴾) أي: من وزره (﴿شيء﴾) [فاطر: ١٨] وأما قوله تعالى: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم﴾ [العنكبوت: ١٣] ففي الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم، وكل ذلك أوزارهم ليس فيها شيء من أوزار غيرهم، وهذه الجملة من قوله، وهو كقوله: ﴿وإن تدع مثقلة﴾ وقعت في رواية أبي ذر وحده، كما أفاده في الفتح. ثم عطف المؤلّف على أول الترجمة قوله: (وما يرخص من البكاء) في المصيبة (من غير نوح). وهو حديث أخرجه ابن أبي شيبة، والطبراني، وصححه الحاكم. لكن ليس على شرط المؤلّف، ولذا اكتفى بالإشارة إليه، واستغنى عنه بأحاديث الباب الدالة على مقتضاه. (وقال النبي، ﷺ ¬) مما وصله المؤلّف في: الدّيات وغيرها، من جملة حديث لابن مسعود: (لا تقتل نفس ظلمًا) أي: من حيث الظلم (إلا كان على ابن آدم الأول) قابيل الذي قتل هابيل ظلمًا وحسدًا (كفل) أي: نصيب (من دمها). (وذلك) أي: كون الكفل على ابن آدم الأول (لأنه أول من سن القتل) ظلمًا، أي فكذلك من كانت طريقته النوح على الميت، لأنه سنّ النياحة في أهله، وفيه

стр. 919

الرد على القائل بتخصيص التعذيب بمن يباشر الذنب بقوله أو فعله، لا بمن كان سببًا فيه، ولا يخفى سقوطه. ١٢٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ وَمُحَمَّدٌ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: "أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِ: إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ، فَأْتِنَا. فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ. فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا. فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ. فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ -قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ: كَأَنَّهَا شَنٌّ- فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ". [الحديث ١٢٨٤ - أطرافه في: ٥٦٥٥، ٦٦٠٢، ٦٦٥٥، ٧٣٧٧، ٧٤٤٨]. وبالسند قال: (حدّثنا عبدان) بفتح العين وإسكان الموحدة، عبد الله بن عثمان (ومحمد) هو: ابن مقاتل (قالا: أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا عاصم بن سليمان) الأحول (عن أبي عثمان) عبد الرحمن النهدي (قال: حدّثني) بالإفراد (أسامة بن زيد ﵄، قال): (أرسلت ابنة) ولأبي ذر: بنت (النبي، ﷺ ¬) زينب، كما عند ابن أبي شيبة وابن بشكوال (إليه: إن ابنًا لي قبض) أي: في حال القبض، ومعالجة الروح فأطلق القبض مجازًا باعتبار أنه في حالة كحالة النزع. قيل: الابن المذكور هو علي بن أبي العاص بن الربيع، واستشكل بأنه عاش حتى ناهز الحلم وأن النبي ﷺ ، أردفه على راحلته يوم الفتح، فلا يقال فيه صبي عرفًا. أو هو عبد الله بن عثمان بن عفان من رقية بنته ﷺ ، لما رواه البلاذري في الأنساب: أنه لما توفي، وضعه النبي ﷺ في حجره، وقال: إنما يرحم الله من عباده الرحماء. أو: هو، محسن، لما روى البزار في مسنده عن أبي هريرة، قال: ثقل ابن لفاطمة ﵂، فبعثت إلى النبي ﷺ ، فذكر نحو حديث الباب، ولا ريب أنه مات صغيرًا. أو: هي أمامة بنت زينب لأبي العاص بن الربيع لما عند أحمد، عن أبي معاوية بسند البخاري. وصوّبه الحافظ ابن حجر، وأجاب عما استشكل من قوله: قبض، مع كون أمامة عاشت بعد النبي ﷺ حتى تزوّجها علي بن أبي طالب، وقتل عنها: بأن الظاهر أن الله أكرم نبيه ﵊، لما سلم لأمر ربه، وصبر ابنته، ولم يملك مع ذلك عينيه من الرحمة والشفقة بأن عافى ابنة ابنته، فخلصت من تلك الشدة، وعاشت تلك المدّة. وقال العيني: الصواب قول من قال: ابني، أي: بالتذكير، لا ابنتي: بالتأنيث. كما نص عليه في حديث الباب. وجمع البرماوي بين ذلك باحتمال تعدّد الواقعة في بنت واحدة أو بنتين، أرسلت زينب في عليّ أو أمامة، أو رقية في عبد الله بن عثمان، أو فاطمة في ابنها محسن بن علي (فأْتنا. فأرسل) ﵊ (يقرئ) عليها¬ (السلام) بضم الياء من يقرئ (ويقول): (إن لله ما أخذ، وله ما أعطى) أي: الذي أراد أن يأخذه هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له، وقدّم الأخذ على الإعطاء، وإن كان متأخرًا في الواقع، لأن المقام يقتضيه. ولفظ: ما، في الموضعين مصدرية أي: إن لله الأخذ والإعطاء أو موصولة، والعائد محذوف وكذا الصلة (١) للدلالة على العموم، فيدخل فيه أخذ الولد وإعطاءه وغيرهما. (وكل عنده) أي: وكل من الأخذ والإعطاء عند الله، أي: في علمه (بأجل مسمى) مقدّر ومؤجل، (فلتصبر ولتحتسب) أي: تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها، ليحسب لها ذلك من عملها الصالح. (فأرسلت إليه) ﷺ حال كونها (تقسم عليه ليأتينها، فقام) ووقع في رواية عبد الرحمن بن عوف أنها راجعته مرتين، وأنه إنما قام في ثالث مرة (ومعه) بإثبات واو الحال، وللحموي والمستملي: معه (سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال) آخرون ذكر منهم في غير هذه الرواية: عبادة بن الصامت، وأسامة، راوي الحديث، فمشوا إلى أن دخلوا بيتها، (فرفع إلى رسول الله، ﷺ ، الصبي) أو: الصبية، ورفع بالراء، وفي رواية حماد: دفع، بالدال. وبين شعبة في روايته أنه وضع في حجره ﵊، (ونفسه تتقعقع) بتاءين في أوّله، أي تضطرب وتتحرك، أي: كلما صار إلى حالة لم يلبث أن ينتقل إلى أخرى لقربه من الموت، والجملة اسمية حالية - (قال: حسبته أنه قال: كأنها شنّ-) بفتح الشين المعجمة وتشديد النون، قربة خلقة يابسة، وجزم به في رواية حماد، ولفظه: ونفسه تتقعقع كأنها في شن (ففاضت) ولأبي ذر: وفاضت (عيناه) ﷺ بالبكاء وهذا موضع الترجمة، لأن البكاء العاري عن النوح لا يؤاخذ به الباكي، ولا الميت. (فقال سعد) هو: ابن عبادة المذكور: (يا رسول الله! ما هذا؟) وفي رواية عبد الواحد، قال سعد بن عبادة: تبكي؟ وزاد أبو نعيم في مستخرجه: وتنهى عن البكاء؟ (فقال) ﵊: (هذه) الدمعة

стр. 920

التي تراها من حزن القلب بغير تعمد ولا استدعاء لا مؤاخذة عليها (رحمة جعلها الله) تعالى (في قلوب عباده، وإنما) بالواو، ولأبي ذر، فإنما (يرحم الله من عباده الرحماء) نصب على أن، ما، في قوله: وإنما، كافة، ورفع على أنها موصولة، أي: إن الذين يرحمهم الله من عباده الرحماء، جمع رحيم من صيغ المبالغة، ومقتضاه أن رحمته تعالى تختص بمن اتصف بالرحمة، وتحقق بها، بخلاف من فيه أدنى رحمة. لكن ثبت في حديث عبد الله بن عمرو، وعند أبي داود وغيره: الراحمون يرحمهم الرحمن، والراحمون: جمع راحم، فيدخل فيه كل من فيه أدنى رحمة. فإن قلت: ما الحكمة في إسناد فعل الرحمة في حديث الباب إلى الله، وإسناده في حديث أبي داود المذكور إلى الرحمن؟. أجاب الخوييّ، بما حاصله: أن لفظ الجلالة دال على العظمة، وقد عرف بالاستقراء أنه حيث ورد يكون الكلام مسوقًا للتعظيم، فلما ذكرها ناسب ذكر من كثرت رحمته وعظمت، ليكون الكلام جاريًا على نسق التعظيم بخلاف الحديث الآخر، فإن لفظ الرحمن دال على العفو، فناسب أن يذكر معه كل ذي رحمة، وإن قلَّت. ورواة الحديث الثلاثة الأول مروزيون، وعاصم وأبو عثمان بصريان، وفيه: التحديث والإخبار والقول، وأخرجه أيضًا في: الطب، والنذور، والتوحيد، ومسلم في: الجنائز، وكذا أبو داود، والنسائي، وابن ماجة. ١٢٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قال حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ قال حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، قَالَ فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، قَالَ فَقَالَ: هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا. قَالَ: فَانْزِلْ. قَالَ فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا". [الحديث ١٢٨٥ - طرفه في: ١٣٤٢]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي (قال: حدّثنا أبو عامر) عبد الملك بن عمرو العقدي، (قال: حدّثنا فليح بن سليمان) الخزاعي (عن هلال بن عليّ) العامري (عن أنس بن مالك ﵁، قال): (شهدنا بنتًا لرسول الله) أي: جنازتها، وكانت سنة تسع، ولأبي ذر: بنتًا للنبي (¬ ﷺ ¬) هي: أم كلثوم زوج عثمان بن عفان، ﵁، لا رقية، لأنها توفيت والنبي، ﷺ ، ببدر فلم يشهد جنازتها (قال: ورسول الله، ﷺ ¬) جملة وقعت حالاً (جالس على) جانب (القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان) بفتح الميم، وهذا موضع الترجمة كما لا يخفى (قال: فقال) ﵊: (هل منكم رجل لم يقارف الليلة؟) بقاف ثم فاء، وزاد ابن المبارك عن فليح، أراه يعني: الذنب. ذكره المصنف تعليقًا في باب: من يدخل قبر المرأة. ووصله الإسماعيلي، وقيل: لم يجامع تلك الليلة، وبه جزم ابن حزم. وفي رواية ثابت عن أنس عند المؤلّف في التاريخ الأوسط: لا يدخل القبر أحد قارف الليلة، فتنحى عثمان. (فقال أبو طلحة) زيد بن سهل الأنصاري: (أنا) لم أقارف الليلة، قيل: والسر في إيثار أبي طلحة على عثمان أن عثمان قد جامع بعض جواريه تلك الليلة، فتلطف النبي ﷺ في منعه من النزول في قبر زوجته، حيث لم يعجبه أنه اشتغل عنها تلك الليلة بذلك، لكن يحتمل أنه طال مرضها، واحتاج عثمان إلى الوقاع، ولم يكن يظن أنها تموت تلك الليلة، وليس في الخبر ما يقتضي أنه واقع بعد موتها، بل ولا حين احتضارها. (قال) ﵊ لأبي طلحة (فانزل) بالفاء (قال: فنزل في قبرها). وفي الحديث: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في: الجنائز. ١٢٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: "تُوُفِّيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ ﵁ بِمَكَّةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃، وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا -أَوْ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا، ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي- فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمَرَ ﵄ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ: أَلَا تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". وبه قال: (حدّثنا عبدان) بفتح العين وسكون الموحدة، عبد الله بن عثمان، قال: (حدّثنا عبد الله) بن المبارك، قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة) بتصغير عبد الثاني، كمليكة، واسمه زهير، (قال): (توفيت ابنة لعثمان ﵁ بمكة) هي: أم أبان، كما صرح به في مسلم (وجئنا لنشهدها، وحضرها ابن عمر) بن الخطاب (وابن عباس ﵃، وإني لجالس بينهما) أي: بين ابن عمر وابن عباس (-أو قال: جلست إلى أحدهما) شك ابن جريج (ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي-) زاد مسلم من طريق أيوب، عن ابن أبي مليكة: فإذا صوت من الدار، وعند الحميدي، من رواية عمرو بن دينار عن ابن أبي مليكة: فبكى النساء. (فقال عبد الله بن عمر، ﵄، لعمرو بن عثمان) أخيها: (ألا تنهى) النساء (عن البكاء؟ فإن رسول الله ﷺ قال): (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) فأرسلها مرسلة، ولمسلم عن عمرة بنت عبد الرحمن، سمعت عائشة، وذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت يعذب ببكاء الحي

стр. 921

عليه … الحديث، أي: سواء كان الباكي من أهل الميت أم لا، فليس الحكم مختصًّا بأهله، وقوله: ببكاء أهله، خرج مخرج الغالب، لأن المعروف أنه إنما يبكي على الميت أهله، ووقع في بعض طرق حديث ابن عمر هذا، عند ابن أبي شيبة: من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة، فيحمل المطلق في حديث الباب على هذا المقيد. ١٢٨٧ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَدْ كَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ قَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ ﵁ مِنْ مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ. قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا صُهَيْبٌ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ادْعُهُ لِي. فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ: وَاأَخَاهُ وَاصَاحِبَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ ﵁: يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِي عَلَىَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ"؟. [الحديث ١٢٨٧ - طرفاه في: ١٢٩٠، ١٢٩٢]. (فقال ابن عباس، ﵄: قد كان عمر) بن الخطاب (¬﵁، يقول، بعض ذلك، ثم حدّث) أي ابن عباس (فقال): (صدرت مع عمر، ﵁، من مكة) قافلاً من حجة (حتى إذا كنا بالبيداء) بفتح الموحدة وسكون المثناة التحتية، مفازة بين مكة والمدينة (إذا هو بركب) أصحاب إبل عشرة، فما فوقها مسافرين فاجأوه (تحت ظل سمرة) بفتح السين المهملة وضم الميم، شجرة عظيمة من العضاه (فقال: اذهب فانظر مَن هؤلاء الركب؟ قال: فنظرت فإذا صهيب) بضم الصاد ابن سنان بن قاسط بالقاف، وكان من السابقين الأوّلين المعذبين في الله (فأخبرته) أي: أخبرت عمر بذلك (فقال: ادعه لي، فرجعت إلى صهيب، فقلت) له: (ارتحل فالحق) بكسر الحاء المهملة في الأول وفتحها في الثاني، أمر من: اللحوق (فأمير المؤمنين) كذا لأبي ذر، عن الكشميهني: بالموحدة قبل الهمزة، ولغيره: فالحق أمير المؤمنين، فلحق به. حتى دخلنا المدينة (فلما أصيب عمر) ﵁ بالجراحة التي مات بها، وكان ذلك عقب حجه المذكور (دخل صهيب) حال كونه (يبكي) حال كونه (يقول: وا أخاه، وا صاحباه) بألف الندبة فيهما لتطويل مدّ الصوت، وليست علامة إعراب في الأسماء الستة، والهاء للسكت لا ضمير، لكن الشرط في المندوب أن يكون معروفًا، فيقدّر أن الأخوة والصاحبية كانا معلومين معروفين حتى يصح وقوعهما للندبة، (فقال عمر، ﵁: يا صهيب أتبكي عليّ) بهمزة الاستفهام الإنكاري (وقد قال رسول الله ﷺ ¬): (إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه؟) قيده ببعض البكاء فحمل على ما فيه نياحة جميعًا بين الأحاديث. ١٢٨٨ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ "فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ﵁ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ: يَرْحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ: حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللَّهُ ﴿هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾. قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَاللَّهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ شَيْئًا". [الحديث ١٢٨٨ - طرفاه في: ١٢٨٩، ٣٩٧٨]. (وقال ابن عباس، ﵄: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة، ﵂، فقالت: يرحم الله عمر) قال الطيبي: هذا من الآداب الحسنة على منوال قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] فاستغربت من عمر ذلك القول، فجعلت قولها: يرحم الله عمر تمهيدًا ودفعًا لما يوحش من نسبته إلى الخطأ. والله ما حدّث رسول الله، ﷺ : (إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه) يحتمل أن يكون جزمهما بذلك، لكونها سمعت صريحًا من النبي، ﷺ اختصاص العذاب بالكافر، أو فهمت ذلك من القرائن (لكن) بإسقاط الواو، ولأبي ذر: ولكن (رسول الله، ﷺ ¬) بإسكان نون لكن، فرسول الله مرفوع وبتشديدها فهو منصوب (قال): (إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه، وقالت: حسبكم القرآن) أي: كافيكم أيها المؤمنون قوله تعالى في القرآن (﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾) [الأنعام: ١٦٤ والإسراء: ١٥ وفاطر: ١٨ والزمر: ٧] أي: لا تؤاخذ نفس بذنب غيرها. (قال ابن عباس ﵄، عند ذلك والله ﴿هو أضحك وأبكى﴾ [النجم: ٤٣] تقرير لنفي ما ذهب إليه ابن عمر من أن الميت يعذب ببكاء أهله، وذلك أن بكاء الإنسان وضحكه وحزنه وسروره من الله، يظهرها فيه، فلا أثر لها في ذلك فعند ذلك سكت ابن عمر. كما (قال ابن أبي مليكة: والله ما قال ابن عمر، ﵄، شيئًا). بعد ذلك، لكن قال الزين بن المنير: سكوته لا يدل على الإذعان، فلعله كره المجادلة. وقال القرطبي ليس سكوته لشك طرأ له بعدما صرح برفع الحديث، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلاً للتأويل، ولم يتعين له محمل يحمله عليه إذ ذاك، أو كان المجلس لا يقبل المماراة، ولم تتعين الحاجة حينيذٍ. وقال الخطابي: الرواية إذا ثبتت لم يكن في دفعها سبيل بالظن، وقد رواه عمر وابنه، وليس فيما حكت عائشة ما يرفع روايتهما. لجواز أن يكون الخبران صحيحين معًا، ولا منافاة بينهما. فالميت إنما تلزمه العقوبة بما تقدم من وصيته إليهم به وقت حياته، وكان ذلك مشهورًا من مذاهبهم، وهو موجود في أشعارهم

стр. 922

كقول طرفة بن العبد: إذا مت فانعيني بما أنا أهله … وشقي عليّ الجيب يا ابنة معبد وعلى ذلك حمل الجمهور قوله: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه، كما مر، وبه قال المزني، وإبراهيم الحربي وآخرون من الشافعية، وغيرهم، فإذا لم يوص به الميت لم يعذب. قال الرافعي: ولك أن تقول: ذنب الميت الأمر بذلك، فلا يختلف عذابه بامتثالهم وعدمه وأجيب: بأن الذنب على السبب يعظم بوجود المسبب، وشاهده حديث: "من سن سنة سيئة" .... وقيل: التعذيب توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله به، كما روى أحمد من حديث أبي موسى مرفوعًا: "الميت يعذب ببكاء الحي إذا قالت النائحة: واعضداه، واناصراه، واكسباه، جبذ الميت وقيل له: أنت عضدها؟ أنت ناصرها؟ أنت كاسبها؟ ". وقال الشيخ أبو حامد: الأصح أنه محمول على الكافر. وغيره من أصحاب الذنوب. ١٢٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ "إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا". وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي، قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه) أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (عن عمرة بنت عبد الرحمن) الأنصارية (أنها أخبرته: أنها سمعت عائشة ﵂، زوج النبي ﷺ ، تقول): أي لما قيل لها: إن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه، فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ، كذا في الموطأ ومسلم (إنما مر رسول الله على يهودية يبكي عليها أهلها، فقال): (إنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها) بكفرها، في حال بكاء أهلها، لا بسبب البكاء. ١٢٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ وَهْوَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ ﵁ جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ: وَاأَخَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ"؟. وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن خليل) الخزاز بزاءين معجمتين، الكوفي، قال المؤلّف: جاءنا نعيه سنة خمس وعشرين ومائتين، قال: (حدثنا عليّ بن مسهر) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء، قال: (حدّثنا أبو إسحاق) سليمان (وهو الشيباني) بفتح الشين المعجمة (عن أبي بردة) الحرث (عن أبيه) أبي موسى، عبد الله بن قيس الأشعري (قال): (لما أصيب عمر، ﵁¬) بالجراحة التي مات منها (جعل صهيب) ﵁ يبكي و (يقول: وا أخاه) بألف الندبة، وهاء السكت ساكنة في اليونينية (فقال عمر) منكرًا عليه بكاءه، لرفعه صوته بقوله: وا أخاه، خوفًا من استصحابه ذلك، أو زيادته عليه بعد موته: (أما علمت أن النبي، ﷺ ، قال): (إن الميت ليعذب ببكاء الحي؟) أي: المقابل للميت، أو المراد بالحي: القبيلة وتكون اللام فيه بدلاً من الضمير، والتقدير: يعذب ببكاء حيه، أي: قبيلته، فيوافق قوله في الرواية الأخرى: ببكاء أهله عليه … وهو صريح في أن الحكم ليس خاصًّا بالكافر، وظاهره أن صهيبًا سمع الحديث من النبي، ﷺ ، وكأنه نسيه، حتى ذكره به عمر ﵄. ورواته كلهم مدنيون، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم في: الجنائز. ٣٤ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَقَالَ عُمَرُ ﵁: دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ، مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ وَالنَّقْعُ: التُّرَابُ عَلَى الرَّأْسِ، وَاللَّقْلَقَةُ: الصَّوْتُ. (باب ما يكره) كراهة تحريم (من النياحة على الميت) و: من، لبيان الجنس، والنياحة، رفع الصوت بالندب قاله في المجموع وقيده غيره بالكلام المسجع. (وقال عمر) بن الخطاب (¬﵁¬) لما مات خالد بن الوليد، ﵁، سنة إحدى وعشرين بحمص، أو ببعض قراها، أو بالمدينة. واجتمع نسوة المغيرة يبكين عليه، فقيل لعمر ﵁: أرسل إليهن فانههن. فقال: (دعهن يبكين على أبي سليمان) هي: كنية خالد (ما لم يكن نقع) بفتح النون وسكون القاف آخره عين مهملة (أو لقلقة) بلامين وقافين. وهذا الأثر وصله المؤلّف في تاريخه الأوسط من طريق الأعمش عن شقيق. قال المؤلّف، كالفراء: (والنقع: التراب) أي: يوضع (على الرأس، واللقلقة الصوت) المرتفع. وقال الإسماعيلي: النقع هنا الصوت العالي، واللقلقة حكاية ترديد صوت النوّاحة، وحكى سعيد بن منصور: أن النقع شق الجيوب، وحكي في مصابيح الجامع، عن الأكثرين: أن النقع رفع الصوت بالبكاء. قال الزركشي: والتحقيق أنه مشترك، يطلق على الصوت وعلى الغبار. ولا يبعد أن يكونا مرادين.

стр. 923

يعني في قوله: ما لم يكن نقع أو لقلقة. لكن حمله على وضع التراب أولى، لأنه قرن به اللقلقة، وهي الصوت، فحمل اللفظ على معنيين أولى من معنى واحد. ١٢٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ كَذِبًا عَلَىَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ». وبالسند قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال حدّثنا سعيد بن عبيد) بكسر العين في الأول وضمها في الثاني مصغرًا غير مضاف، هو: أبو الهذيل الطائي (عن علي بن ربيعة) بفتح الراء، الوالبي، بالموحدة، الأسدي (عن المغيرة) بن شعبة. (¬﵁ قال: سمعت النبي، ﷺ ، يقول): (إن كذبًا عليّ) بفتح الكاف وكسر الذال المعجمة (ليس ككذب على أحد) غيري. قال ابن حجر: معناه أن الكذب على الغير قد ألف واستسهل خطبه، وليس الكذب عليه بالغًا مبلغ ذلك في السهولة، وإذا كان دونه في السهولة، فهو أشهد منه في الإثم، وبهذا التقرير يندفع اعتراض من أورد أن الذي يدخل عليه الكاف أتم، والله أعلم. فإني (من كذب عليّ متعمدًا فبيتبوّأ) فليتخذ (مقعده) مسكنه (من النار) فهو أشد في الإثم من الكذب على غيره، لكونه مقتضيًا شرعًا عامًا باقيًا إلى يوم القيامة. (سمعت النبي ﷺ يقول: من نيح عليه) بكسر النون وسكون التحتية وفتح الحاء، مبنيًّا للمفعول من الماضي. (يعذب) بضم أوله، مبنيًّا للمفعول مجزوم. فمن شرطية وفيه استعمال الشرط بلفظ الماضي، والجزاء بلفظ المضارع، ويروى: يعذب بالرفع، وهو الذي في اليونينية، فمن موصولة أو شرطية على تقدير: فإنه يعذب، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: من يُنح. بضم أوله وفتح النون وجزم المهملة، وللكشميهني: من يناح، بضم أوله وبعد النون ألف على أن من موصولة (بما نيح عليه) بإدخال حرف الجر على: ما، فهي مصدرية غير ظرفية، أي: بالنياحة عليه، والنون مكسورة عند الجميع. قال في الفتح: ولبعضهم: ما نيح، بغير موحدة على أن: ما ظرفية، قال العيني: ما في هذه الرواية للمدة، أي: يعذب مدة النوح عليه، ولا يقال: ما ظرفية. وفي تقديم المغيرة قبل تحديثه بتحريم النوح: أن الكذب عليه ﷺ أشد من الكذب على غيره، إشارة إلى أن الوعيد على ذلك يمنعه أن يخبر عنه بما لم يقل. ورواته الأربعة: كوفيون، وفيه: التحديث والعنعنة والقول والسماع، وأخرجه مسلم في: الجنائز، وكذا الترمذي. ١٢٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ». تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ. وَقَالَ آدَمُ عَنْ شُعْبَةَ «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَىِّ عَلَيْهِ». وبه قال: (حدّثنا عبدان، قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عثمان بن جبلة، بالجيم والموحدة المفتوحتين (عن شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر) بضم العين (عن أبيه) عمر (¬﵄، عن النبي، ﷺ ، قال): (الميت يعذب في قبره بما نيح عليه) بكسر النون وسكون التحتية وفتح المهملة وزيادة لفظه في قبره. (تابعه) أي تابع عبدان (عبد الأعلى) بن حماد، مما وصله أبو يعلى في مسنده، قال (حدّثنا يزيد بن زريع) الأوّل من الزيادة والثاني تصغير زرع (قال حدّثنا سعيد) هو: ابن أبي عروبة قال: (حدّثنا قتادة) يعني: عن سعيد بن المسيب. (وقال آدم) بن أبي إياس (عن شعبة) بإسناد حديث الباب، لكن بغير لفظ متنه، وهو قوله: "الميت يعذب ببكاء الحي عليه" وقد تفرد آدم بهذا اللفظ. ٣٥ - باب هذا (باب) بالتنوين، وهو ثابت في رواية الأصيلي، وهو بمنزلة الفصل من الباب السابق، وسقط لكريمة والهروي. ١٢٩٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ قَدْ مُثِّلَ بِهِ حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ سُجِّيَ ثَوْبًا فَذَهَبْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْشِفَ عَنْهُ فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ ذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْهُ فَنَهَانِي قَوْمِي، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُفِعَ، فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقَالُوا: ابْنَةُ عَمْرٍو -أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو- قَالَ: فَلِمَ تَبْكِي؟ أَوْ لَا تَبْكِي، فَمَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ". وبالسند قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني، قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة، قال: (حدّثنا ابن المنكدر) محمد (قال: سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري (¬﵄، قال): (جيء بأبي) عبد الله (يوم) وقعة (أحد) حال كونه (قد مثل به) بضم الميم وتشديد المثلثة المكسورة، أي: جدع أنفه وأذنه، أو مذاكيره، أو شيء من أطرافه (حتى وضع بين يدي رسول الله، ﷺ ، وقد سجي ثوبًا) بضم السين المهملة وتشديد الجيم، وثوبًا نصب بنزع الخافض، أي: غطي بثوب (فذهبت) حال كوني (أريد أن أكشف عنه) الثوب، وأن: مصدرية. أي: أريد كشفه (فنهاني قومي، ثم ذهبت أكشف عنه) الثوب (فنهاني قومي، فأمر رسول الله) وللكشميهني: فأمر به رسول الله (¬ ﷺ ، فرفع) بضم الراء (فسمع

стр. 924

صوت) امرأة (صائحة فقال): (من هذه) المرأة الصائحة؟ (فقالوا: ابنة عمرو) فاطمة (-أو أخت عمرو-) شك من سفيان، فإن كانت بنت عمرو، وتكون أخت المقتول عمة جابر، وإن كانت أخت عمرو، تكون عمة المقتول، وهو عبد الله (قال) ﵊: (فلم تبكي؟) بكسر اللام وفتح الميم استفهام عن غائبة (أو لا تبكي) شك من الراوي. هل استفهم أو نهى (فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها) وللحموي والمستملي: تظل بأجنحتها (حتى رفع) فلا ينبغي أن يبكى عليه مع حصول هذه المنزلة، بل يفرح له بما صار إليه. ومطابقة هذا الحديث للترجمة السابقة في قوله، ﵊، لما سمع صوت المرأة الصائحة: من هذه؟ لأنه إنكار في نفس الأمر وإن لم يصرح به. ٣٦ - باب لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الْجُيُوبَ هذا (باب) بالتنوين (ليس منا من شق الجيوب). ١٢٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ الْيَامِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ». [الحديث ١٢٩٤ - أطرافه في: ١٢٩٧، ١٢٩٨، ٣٥١٩]. وبالسند قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين، قال: (حدّثنا سفيان) النووي، قال: (حدّثنا زبيد) بزاي مضمومة وموحدة مفتوحة، ابن الحرث بن عبد الكريم، (اليامي) بمثناة تحتية وبميم مخففة، من بني يام، وللحموي والمستملي، وعزاها في الفتح، والعمدة للكشميهني: الأيامي، بزيادة همزة في أوله (عن إبراهيم) النخعي (عن مسروق) هو: ابن الأجدع (عن عبد الله) بن مسعود (¬﵁، قال: قال النبي ﷺ ¬): (ليس منا) أي: من أهل سنتنا، ولا من المهتدين بهدينا، وليس المراد خروجه عن الدين، لأن المعاصي لا يكفر بها عند أهل السنة. نعم، يكفر باعتقاد حلها، وعن سفيان: أنه كره الخوض في تأويله، وقال: ينبغي أن يمسك عنه ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر (من لطم الخدود) كبقية الوجوه، والخدود: جمع خدّ. قال في العمدة: وإنما جمع وإن كان ليس للإنسان إلا خدّان. فقط باْعتبار إرادة الجمع، فيكون من مقابلة الجمع بالجمع، وإما على حد قوله تعالى: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] وقول العرب: شابت مفارقه، وليس إلا مفرق واحد. (وشق الجيوب) بضم الجيم جمع جيب من جابه أي قطعه. قال تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩] وهو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس للبسه، وفي رواية: من الكم، بل كاف كما في اليونينية (ودعا بدعوى) أهل (الجاهلية). وهي زمان الفترة قبل الإسلام، بأن قال في بكائه ما يقولون، مما لا يجوز شرعًا كـ: واجبلاه، واعضداه. وخص الجيب بالذكر في الترجمة، دون أخويه، تنبيهًا على أن النفي الذي حاصله التبري يقع بكل واحد من الثلاثة، ولا يشترط فيه وقوعها معًا، ويؤيده رواية لمسلم بلفظ: أو شق الجيوب، أو دعا … الخ. ولأن شق الجيب أشدّها قبحًا مع ما فيه من خسارة المال في غير وجه. ويستفاد من قوله، في حديث أبي موسى الآتي، إن شاء الله تعالى، بعد باب: أنا بريء ممن برئ منه رسول الله ﷺ ، تفسير النهي هنا به. وأصل البراءة الانفصال من الشيء، فكأنه توعده بأنه لا يدخله في شفاعته، مثلاً. وهذا يدل على تحريم ما ذكر من شق الجيب وغيره، وكأن السبب في ذلك ما تضمنه من عدم الرضا بالقضاء، فإن وقع التصريح باستحلاله مع العلم بتحريم التسخط مثلاً بما وقع، فلا مانع من حمل النفي على الإخراج من الدين، قاله في الفتح. ورواة هذا الحديث كوفيون، وفيه: رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، والتحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في: مناقب قريش، والجنائز ومسلم في: الإيمان، والترمذي في الجنائز، وكذا النسائي وابن ماجة. ٣٧ - باب رَثَى النَّبِيِّ ﷺ سَعْدَ ابْنَ خَوْلَةَ هذا (باب) بالتنوين (رثى النبي ﷺ ¬) بفتح الراء مع القصر بلفظ الماضي، ورفع النبي على الفاعلية، ولأبي ذر، والأصيلي: باب رثاء النبي ﷺ ، بإضافة باب لتاليه، وكسر راء رثاء، وتخفيف المثلثة، والمد وخفض تاليه بالإضافة (سعد بن خولة) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو، نصب على المفعولية. والمراد هنا: توجعه ﵊ وتحزنه على سعد، لكونه مات بمكة بعد الهجرة منها، لا مدح الميت وذكر محاسنه، الباعث على تهييج الحزن، وتجديد اللوعة، إذ الأول مباح، بخلاف الثاني فإنه منهي عنه. وقد أطلق الجوهري الرثاء على عد محاسن الميت مع البكاء، وعلى نظم الشعر فيه. والأوجه حمل النهي على ما فيه تهييج الحزن، كما مر، أو على ما يظهر فيه تبرم، أو على فعله مع الاجتماع

стр. 925

له، أو على الإكثار منه دون ما عدا ذلك، فما زال كثير من الصحابة وغيرهم من العلماء يفعلونه، وقد قالت فاطمة ﵂ بنت النبي ﷺ : ماذا على من شم تربة أحمد … أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت علي مصائب لو أنها … صبت على الأيام عدن لياليا ١٢٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلاَّ بِنْتٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَىْ مَالِي؟ قَالَ: لَا. فَقُلْتُ: بِالشَّطْرِ؟ فَقَالَ: لَا. ثُمَّ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلْثُ كَبِيرٌ -أَوْ كَثِيرٌ- إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلاً صَالِحًا إِلاَّ ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ. يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ". وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي، قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه) سعد (¬﵁، قال): (كان رسول الله ﷺ ، يعودني) بالدال المهملة (عام حجة الوداع) سنة عشر من الهجرة (من وجع) اسم لكل مرض (اشتدّ بي) أي: قوي علي (فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع) الغاية (وأنا ذو مال ولا يرثني) من الولد (إلا بنت) كذا كتب في اليونينية بالتاء المثناة الفوقية المجرورة لا بالهاء. قيل: هي عائشة، وقيل: إنها أم الحكم الكبرى. قيل: ما كانت له عصبة، وقيل، معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض سواها، وقيل: من النساء. وهذا قاله قبل أن يولد له المذكور، (أفأتصدق بثلثي مالي؟) بهمزة الاستفهام على الاستخبار. (قال) ﵊: (لا) تتصدق بالثلثين (فقلت): أتصدق (بالشطر) أي: بالنصف وللحموي والمستملي: فالشطر، بالفاء والرفع بالابتداء والخبر محذوف، تقديره: فالشطر أتصدق به، وقيده الزمحشري في الفائق، بالنصب بفعل مضمر أي: أوجب الشطر، وقال السهيلي في أماليه: الخفض فيه أظهر من النصب، لأن النصب بإضمار أفعل، والخفض معطوف على قوله: بثلثي مالي: (فقال) ﵊: (لا) تتصدق بالشطر، (ثم قال) ﵊: (الثلث) بالرفع، فاعل فعل محذوف، أي: يكفيك الثلث، أو خبر مبتدأ محذوف أي: المشروع الثلث، أو مبتدأ حذف خبره، أي: الثلث كاف. والنصب على الإغراء، أو بفعل مضمر أي: أعط الثلث (والثلث كبير) بالموحدة مبتدأ وخبر - (أو) قال: (كثير) - بالمثلثة (إنك أن تذر) بالذال المعجمة وفتح الهمزة في اليونينية: تترك (ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة) فقراء (يتكففون الناس) يطلبون الصدقة من أكف الناس، أو يسألونهم بأكفهم. و: أن تذر، بفتح الهمزة على أنها مصدرية، فهي وصلتها في محل رفع على الابتداء، والخبر: خير، وبالكسر على أنها شرطية. والأصل كما قاله ابن مالك: إن تركت ورثتك أغنياء فخير، أي: فهو خير لك، فحذف الجواب كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] أي: فالوصية على ما خرجه الأخفش، ثم عطف على قوله: إنك أن تذر … ما هو علة للنهي عن الوصية بأكثر من الثلث. فقال: (وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله) أي: ذاته (إلا أجرت) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (بها) أي: بتلك النفقة (حتى ما تجعل) أي: الذي تجعله (فى في امرأتك) وقول الزركشي، كابن بطال: تجعل، برفع اللام و: ما كافة كفت حتى عن عملها. تعقبه صاحب مصابيح الجامع فقال: ليس كذلك، إذ لا معنى للتركيب حينئذ إن تأملت، بل اسم موصول، وحتى: عاطفة أي: إلا أجرت بتلك النفقة التي تبتغي بها وجه الله، حتى بالشيء الذي تجعله في فم امرأتك. ثم أورد على نفسه سؤالاً، فقال: فإن قلت: يشترط في حتى العاطفة على المجرور أن يعاد الخافض؟ وأجاب: بأن ابن مالك قيده بأن لا تتعين: حتى، للعطف نحو: عجبت من القوم حتى بنيهم. قال ابن هشام: يريد أن الموضع الذي يصح أن تحل: إلى، فيه محل: حتى، العاطفة فهي محتملة للجارة، فيحتاج حينئذ إلى إعادة الجار عند قصد العطف، نحو: اعتكفت في الشهر حتى في آخره بخلاف المثال، وما في الحديث. ثم أورد سؤالاً آخر، فقال: فإن قلت: لا يعطف على الضمير المخفوض، إلا بإعادة الخافض؟ وأجاب: بأن المختار عند ابن مالك، وغيره خلافه، وهو المذهب الكوفي لكثرة شواهده نظمًا ونثرًا، على أنه لو جعل العطف على المنصوب المتقدم، أي: لن تنفق نفقة حتى الشيء الذي تجعله في في امرأتك إلا أجرت. لاستقام. ولم يرد شيء

стр. 926

مما تقدم. وفيه: أن المباح إذا قصد به وجه الله صار طاعة، ويثاب عليه، وقد نبه عليه بأخس الحظوظ الدنيوية التي تكون في العادة عند الملاعبة، وهو وضع اللقمة في فم الزوجة، فإذا قصد بأبعد الأشياء عن الطاعة وجه الله، ويحصل به الأجر فغيره بالطريق الأولى. قال سعد (فقلت): ولأبي ذر، وابن عساكر: قلت: (يا رسول الله أخلف) بضم الهمزة وفتح اللام المشددة مبنيًّا للمفعول، يعني بمكة، بعد أصحابي المنصرفين معك، وللكشميهني: أأخلف بهمزة الاستفهام (بعد أصحابيّ؟ قال) ﵊: (إنك لن) وللكشميهني: أن (تخلف) بعد أصحابك (فتعمل عملاً صالحًا إلا ازددت به) أي: بالعمل الصالح (درجة ورفعة، ثم لعلك أن تخلف) أي: بأن يطول عمرك، أي: إنك لن تموت بمكة، وهذا من إخباره ﵊ بالمغيبات، فإنه عاش حتى فتح العراق. ولعل: للترجي إلا إذا وردت عن الله ورسوله، فإن معناها التحقيق. قال البدر الدماميني: وفيه دخول أن، على خبر لعل، وهو قليل، فيحتاج إلى التأويل (حتى ينتفع بك أقوام) من المسلمين بما يفتحه الله على يديك من بلاد الشرك، ويأخذه المسلمون من الغنائم "ويضر بك آخرون" من المشركين الهالكين على يديك وجندك (اللهم أمض) بهمزة قطع، من الإمضاء وهو الإنفاذ، أي أتتم (لأصحابي هجرتهم) أي: التي هاجروها من مكة إلى المدينة (ولا تردّهم على أعقابهم) بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم، فيخيب قصدهم. قال الزهري، فيما رواه أبو داود الطيالسي، عن إبراهيم بن سعد عنه (لكن البائس) بالموحدة والهمزة آخره سين مهملة، الذي عليه أثر البؤس أي: شدة الفقر والحاجة (سعد بن خولة يرثي له رسول الله ﷺ ¬) بفتح المثناة التحتية وسكون الراء وبالمثلثة من يرثي (أن مات بمكة) بفتح الهمزة أي: لأجل موته بالأرض التي هاجر منها، ولا يجوز الكسر على إرادة الشرط، لأنه كان انقضى وتم؛ وهذا موضع الترجمة. لكن نازع الإسماعيلي المؤلّف بأن هذا ليس من مراثي الوتى، وإنما هو من إشفاق النبي، ﷺ ، من موته بمكة بعد هجرته منها، وكان يهوى أن يموت بغيرها، وكراهة ما حدث عليه من ذلك، كقولك: أن أرثي لك مما جرى عليك، كأنه يتحزن عليه. قال الزركشي: ثم هو بتقدير تسليمه، ليس بمرفوع، وإنما هو مدرج من قول الزهري. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في: المغازي، والدعوات، والهجرة، والطب، والفرائض، والوصايا، والنفقات، ومسلم في: الوصايا، وكذا أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة. ٣٨ - باب مَا يُنْهَى مِنَ الْحَلْقِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ (باب ما ينهى عن الحلق عند المصيبة). ١٢٩٦ - وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: "وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا فَغُشِيَ عَلَيْهِ، وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ". (وقال الحكم بن موسى) القنطري بفتح القاف وسكون النون، البغدادي، مما وصله مسلم في صحيحه، وكذا ابن حبان. ومثل هذا يكون على سبيل المذاكرة لا بقصد التحمل، ولأبوي: ذر، والوقت، كما في الفرع: حدّثنا الحكم. لكن قال الحافظ ابن حجر: إنه وهم، لأن الذين جمعوا رجال البخاري في صحيحه أطبقوا على ترك ذكره في شيوخه، فدلّ على أن الصواب رواية الجماعة بصيغة التعليق، قال: (حدّثنا يحيى بن حمزة) قاضي دمشق (عن عبد الرحمن بن جابر) الأزدي، ونسبه إلى جده، واسم أبيه يزيد (أن القاسم بن مخيمرة) بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية وبعد الميم المكسورة راء مهملة مصغرًا، وهو كوفي سكن البصرة (حدثه قال: حدثني) بالإفراد (أبو بردة) بضم الموحدة، عامر أو الحرث (بن أبي موسى) الأشعري (¬﵁ قال): (وجع) بكسر الجيم، أي: مرض أبي (أبو موسى وجعًا) بفتح الجيم زاد ابن عساكر: شديدًا (فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله) بتثليث حاء حجر كما في القاموس، أي: حضنها. زاد مسلم: فصاحت؛ وله من وجه آخر: أغمي على أبي موسى، فأقبلت امرأته، أم عبد الله، تصيح برنة. وفي النسائي، هي: أم عبد الله بنت أبي دومة، وفي تاريخ البصرة، لعمر بن شبة: أن اسمها صفية بنت دمون. وأن ذلك وقع حيث كان أبو موسى أميرًا على البصرة من قبل عمر بن الخطاب، ﵁؛ والواو في قوله: ورأسه، للحال (فلم يستطع) أبو

стр. 927

موسى (أن يردّ عليها شيئًا، فلما أفاق قال: أنا) وللحموي والمستملي: إني (بريء ممن برئ منه رسول الله) ولأبي ذر: محمد (¬ ﷺ ، إن رسول الله ﷺ بريء من الصالقة) بالصاد المهملة والقاف، الرافعة صوتها في المصيبة (والحالقة) التي تحلق شعرها (والشاقة) التي تشق ثوبها. وموضع الترجمة قوله: والحالقة، وخصها بالذكر دون غيرها لكونها أبشع في حق النساء، وقوله برئ بكسر الراء، يبرأ بالفتح قال القاضي: برئ من فعلهن، أو مما يستوجبن من العقوبة، أو من عهدة ما لزمني من بيانه. وأصل البراءة الانفصال، وليس المراد التبري من الدين والخروج منه، قال النووي: ويحتمل أن يراد به ظاهره، وهو البراءة من فاعل هذه الأمور. ٣٨ - باب لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ هذا (باب) بالتنوين (ليس منا من ضرب الخدود). ١٢٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ». وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد الشين المعجمة، قال: (حدّثنا عبد الرحمن) بن مهدي، قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن عبد الله بن مرة) بضم الميم وتشديد الراء (عن مسروق) هو: ابن الأجدع (عن عبد الله) بن مسعود (¬﵁، عن النبي ﷺ ¬)، أنه (قال): (ليس منا من ضرب الخدود) كبقية الوجوه (وشق الجيوب، ودعا بدعوى) أهل (الجاهلية). من نوح وندبة وغيرهما مما لا يجوز شرعًا. والواو فيهما بمعنى: أو، فالحكم في كل واحد لا المجموع، لأن كلاًّ منهما دال على عدم الرضا والتسليم للقضاء. والنفي في قوله: ليس منا، للتغليظ، لأن المعصية لا تقتضي الخروج عن الدين إلا أن تكون كفرًا أو المعنى: ليس مقتديًا بنا، ولا مستنًا بسنتنا. ٤٠ - باب مَا يُنْهَى مِنَ الْوَيْلِ وَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ (باب: ما ينهى من الويل ودعوى الجاهلية عند المصيبة) ما مصدرية، والويل، أن يقول عند المصيبة: واويلاه، وذكر دعوى الجاهلية بعد ذكر الويل من العام بعد الخاص، وسقط الباب والترجمة والحديث عند الكشميهني. ١٢٩٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ». وبالسند قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص، قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (عن عبد الله بن مرة، عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عبد الله) بن مسعود (¬﵁¬) أنه (قال: قال رسول الله، ﷺ ¬): (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) المستلزم للويل، وقوله: ليس منا، للنهي، وفي بعض طرق الحديث، عند ابن ماجة، وصححه ابن حبان عن أبي أمامة: أن رسول الله، ﷺ ، لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور. ٤١ - باب مَنْ جَلَسَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ (باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن) بضم التحتية وفتح الراء، من يعرف مبنيّا للمفعول ومن موصولة. ١٢٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "لَمَّا جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَابْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ شَقِّ الْبَابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ -وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ- فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ لَمْ يُطِعْنَهُ، فَقَالَ: انْهضْ فانْهَهُنَّ. فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ قَالَ: وَاللَّهِ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَزَعَمَتْ أَنَّهُ قَالَ: فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ. فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ، لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَنَاءِ". [الحديث ١٢٩٩ - طرفاه في: ١٣٠٥، ٤٢٦٣]. وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري الزمن، قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي (قال سمعت يحيى) بن سعيد الأنصاري (قال: أخبرتني) بالإفراد (عمرة) بفتح العين وسكون الميم بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية (قالت: سمعت عائشة ﵂ قالت): (لما جاء النبي) بالنصب على المفعولية (¬ ﷺ ، قتل ابن حارثة) برفع لام قتل على الفاعلية، وهو زيد. وأبوه بالمهملة والمثلثة. وضبب في اليونينية على: ابن من: ابن حارثة، فلينظر (و) قتل (جعفر) هو: ابن أبي طالب (و) قتل (ابن رواحة) عبد الله في غزوة مؤتة، وجواب: لما قوله: (جلس) ﵊، أي: في المسجد، كما في رواية أبي داود (يعرف فيه الحزن). قال في شرح المشكاة: حال، أي: جلس حزينًا، وعدل إلى قوله: يعرف، ليدل على أنه، ﷺ ، كظم الحزن كظمًا. وكان ذلك القدر الذي ظهر فيه من جبلة البشرية. وهذا موضع الترجمة، وهو يدل على الإباحة، لأن إظهاره يدل عليها. نعم، إذا كان معه شيء من اللسان، أو اليد، حرم. قالت عائشة ﵂: (وأنا أنظر) جملة حالية (من صائر الباب) بالصاد المهملة المفتوحة والهمزة بعد الألف، كـ: لابن وتامر، كذا في الرواية. قال المازري: والصواب صير الباب، بكسر الصاد وسكون التحتية، وهو المحفوظ، كما في المجمل والصحاح والقاموس،

стр. 928

وفسرته عائشة، أو من بعدها، بقوله (شق الباب) بفتح الشين المعجمة والخفض، على البدلية أي: الموضع الذي ينظر منه. وفي تجويز الكرماني كسر الشين نظر، لأنه يصير معناه الناحية، وليست بمرادة هنا، كما نبه عليه ابن التين (فأتاه) ﵊ (رجل) لم يقف الحافظ على اسمه (فقال: إن نساء جعفر) امرأته، أسماء بنت عميس الخثعمية، ومن حضر عندها من النساء، من أقارب جعفر وأقاربها، ومن في معناهن، وليس لجعفر امرأة غير أسماء كما ذكره العلماء بالأخبار - (وذكر بكاءهن) - حال من المستتر في: فقال، وحذف خبر إن من القول المحكي لدلالة الحال عليه، أي: يبكين عليه برفع الصوت والنياحة، أو: ينحن. ولو كان مجرّد بكاء لم ينه عنه لأنه رحمة (فأمره) ﵊ (أن ينهاهنّ) عن فعلهن (فذهب) فنهاهن فلم يطعنه لكونه لم يسند النهي للرسول، ﷺ ، (ثم أتاه) أي: أتى الرجل النبي ﷺ المرة (الثانية) فقال: إنهن (لم يطعنه) حكاية قول الرجل أي: نهيتهن فلم يطعنني (فقال) ﵊: (انهض فانههن)، وفي نسخة، وهي التي في اليونينية ليس إلا: انههن، بدل انهض، فذهب فنهاهن، فلم يطعنه، لحملهن ذلك على أنه من قبل نفس الرجل (فأتاه) أي: أتى الرجل النبي ﷺ المرة (الثالثة قال: والله غلبننا يا رسول الله) بلفظ جمع المؤنثة الغائبة، وللكشميهني كما في الفرع وأصله: والله لقد، بزيادة لقد. وقال ابن حجر، وللكشميهني: غلبتنا بلفظ المفردة المؤنثة الغائبة. قالت عمرة (فزعمت) عائشة (أنه) ﵊ (قال) للرجل، لما لم ينتهين: (فاحث) بضم المثلثة، أمر من: حثا يحثو، وبكسرها أيضًا من: حثى يحثي (في أفواههن التراب) ليسد محل النوح، فلا يتمكن منه. أو المراد به المبالغة في الزجر، قالت عائشة (فقلت) للرجل (أرغم الله أنفك) بالراء والغين المعجمة، أي: ألصقه بالرغام، وهو التراب، إهانة وذلاً. ودعت عليه من جنس ما أمر أن يفعله بالنسوة، لفهمها من قرائن الحال أنه أحرج النبي ﷺ بكثرة تردده إليه في ذلك (لم تفعل ما أمرك) به (رسول الله ﷺ ¬) أي: من نهيهن، وإن كان نهاهن لأنه لم يترتب على فعله الامتثال، فكأنه لم يفعله، أو لم يفعل الحثو بالتراب (ولم تترك رسول الله ﷺ من العناء) بفتح العين المهملة والنون والمد أي: المشقّة والتعب. قال النووي: معناه أنك قاصر عما أمرت به، ولم تخبره ﵊ بأنك قاصر حتى يرسل غيرك، ويستريح من العناء. وقول ابن حجر لفظة لم يعبر بها عن الماضي وقولها له ذلك، وقع قبل أن يتوجه، فمن أين علمت أنه لم يفعل، فالظاهر أنها قامت عندها قرينة بأنه لم يفعل، فعبرت عنه بلفظ الماضي مبالغة في نفي ذلك عنه، وفي الرواية الآتية، بعد أربعة أبواب: فوالله ما أنت بفاعل، وكذا لمسلم وغيره، فظهر أنه من تصرف الرواة. تعقبه العيني، فقال: لا يقال لفظة: لم، يعبر بها عن الماضي، وإنما يقال: لم، حرف جزم لنفي المضارع وقلبه ماضيًا. وهذا هو الذي قاله أهل العربية وقوله: فعبرت عنه بلفظ الماضي، ليس كذلك، لأنه غير ماض، بل هو مضارع. ولكن صار معناه معنى الماضي يدخول لم عليه. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الجنائز، والمغازي، ومسلم في: الجنائز، وكذا أبو داود، والنسائي. ١٣٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا حِينَ قُتِلَ الْقُرَّاءُ؛ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ". وبه قال (حدّثنا عمرو بن علي) بفتح العين فيهما، الفلاس الصيرفي، قال: (حدّثنا محمد بن الفضيل) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة مصغرًا، ابن غزوان، بفتح المعجمة وسكون الزاي، الضبي مولاهم الكوفي، قال: (حدّثنا عاصم الأحول، عن أنس) هو: ابن مالك (¬﵁ قال): (قنت رسول الله، ﷺ ، شهرًا حين قتل القراء) وكانوا ينزلون الصفة يتعلمون القرآن، وهم عمار المسجد، وليوث اللاحم، بعثهم رسول الله ﷺ إلى أهل نجد ليقرؤوا عليهم القرآن، ويدعوهم إلى الإسلام، فلما نزلوا ببئر معونة قصدهم عامر بن الطفيل في أحياء من سليم: رعل وذكوان وعصية، فقاتلهم فقتلوا أكثرهم، وذلك في السنة الرابعة من الهجرة (فما رأيت رسول الله ﷺ حزن حزنًا قط، أشد

стр. 929

منه). ٤٢ - باب مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: الْجَزَعُ الْقَوْلُ السَّيِّئُ وَالظَّنُّ السَّيِّئُ وَقَالَ يَعْقُوبُ ﵇ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (باب من لم يظهر حزنه عند) حلول (المصيبة) فترك ما أبيح له من إظهاره قهرًا للنفس بالصبر الذي هو خير، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ ويظهر: بضم أوله، من الرباعي، وحزنه: نصب على المفعولية. (وقال محمد بن كعب القرظي) حليف الأوس: (الجزع: القول السيئ) الذي يبعث الحزن غالبًا (والظن السيئ) هو: اليأس من تعويض الله المصاب في العاجل ما هو أنفع له من الفائت، أو: الاستبعاد لحصول ما وعد به من الثواب على الصبر. ومناسبة هذا لما ترجم له من حيث المقابلة، وهي ذكر الشيء وما يضادّه معه، وذلك أن ترك إظهار الحزن من القول الحسن، والظن الحسن وإظهاره مع الجزع الذي يؤديه إلى ما حظره الشارع، قول سيئ وظن سيئ. (وقال يعقوب ﵇ ﴿إنما أشكو بثي﴾) هو أصعب هم لا يصبر صاحبه على كتمانه، فيبثه وينشره للناس (﴿وَحُزْنِي إِلَى الله﴾) [يوسف: ٨٦] لا إلى غيره. ومناسبته للترجمة من جهة أنه لما ابتلي صبر، ولم يشك إلى أحد ولا بث حزنه إلا إلى الله تعالى. ١٣٠١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: "اشْتَكَى ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ، قَالَ فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ. فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ هَيَّأَتْ شَيْئًا وَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ. فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: كَيْفَ الْغُلَامُ؟ قَالَتْ: قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ. وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ. قَالَ فَبَاتَ. فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِمَا كَانَ مِنْهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا". قَالَ سُفْيَانُ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ. [الحديث ١٣٠١ - طرفه في: ٥٤٧٠]. وبه قال: (حدّثنا بشر بن الحكم) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة والحكم بفتحتين النيسابوري، قال: (حدّثنا سفيان بن عيينة) قال: (أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري ابن أخي أنس (أنه سمع أنس بن مالك، ﵁، يقول): (اشتكى) أي: مرض (ابن لأبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري، وابنه هو: أبو عمير، صاحب النغير، كما قاله ابن حبان في روايته، وغيره، وكان غلامًا صبيحًا، وكان أبو طلحة يحبه حبًّا شديدًا، فلما مرض حزن عليه حزنًا شديدًا حتى تضعضع (قال: فمات، وأبو طلحة خارج، فلما رأت امرأته) أم سليم، وهي أم أنس بن مالك (أنه قد مات هيأت شيئًا) أعدت طعامًا، وأصلحته أو هيأت شيئًا من حالها، وتزينت لزوجها تعريضًا للجماع، أو هيأت أمر الصبي بأن غسلته وكفنته وحنطته، وسجت عليه ثوبًا، كما في بعض طرق الحديث، فهو أولى (ونحته) بفتح النون والحاء المهملة المشدّدة، أي: جعلته (في جانب البيت، فلما جاء أبو طلحة قال) لها: (كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت) أي: سكنت (نفسه) بسكون الفاء واحدة الأنفس. تعني: أن نفسه كانت قلقة منزعجة لعارض المرض، فسكنت بالموت. وظن أبو طلحة أن مرادها: سكنت بالنوم لوجود العافية، ولأبي ذر: هذا بإسقاط التاء، نفسه، بفتح الفاء، واحد الأنفاس، أي سكن. لأن المريض يكون نفسه عاليًا فإذا زال مرضه سكن. وكذا إذا مات. وفي رواية معمر، عن ثابت: أمسى هادئًا (وأرجو أن يكون قد استراح) تعني أم سليم: من نكد الدنيا وتعبها، ولم تجزم بكونه استراح أدبًا، أو: لم تكن عالمة أن الطفل لا عذاب عليه، ففوّضت الأمر إلى الله تعالى، مع وجود رجائها بأنه استراح من نكد الدنيا. قال أنس: (وظن أبو طلحة أنها صادقة) بالنسبة إلى ما فهمه من كلامها وإلا فهي صادقة بالنسبة إلى ما أرادت مما هو في نفس الأمر، ولذا ورد: إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب، والمعاريض هي ما احتمل معنيين، وهذا من أحسنها، فإنها أخبرت بكلام لم تكذب فيه، لكن ورّت به عن المعنى الذي كان يحزنها، ألا ترى أن نفسه قد هدأت، كما قالت بالموت واْنقطاع النفس، وأوهمته أنه استراح من قلقه، وإنما هو: من هم الدنيا. وفيه مشروعية المعاريض الموهمة إذا دعت الضرورة إليها، وشرط جوازها أن لا تبطل حق مسلم. (قال) أنس (فبات) معها أي: جامعها (فلما أصبح اغتسل). وفي رواية أنس بن سيرين: فقربت إليه العشاء، فتعشى، ثم أصاب منها. وفي رواية حماد بن ثابت: ثم تطيبت. وزاد جعفر عن ثابت: فتعرضت له حتى وقع بها، وفي رواية سليمان عن ثابت: ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها. وليس ما صنعته من التنطع، وإنما فعلته إعانة لزوجها على الرضا والتسليم، ولو أعلمته بالأمر في أول الحال لتنكد عليه وقته، ولم يبلغ الغرض الذي أرادته منه، ولعلها عند موت الطفل قضت حقه من البكاء اليسير. (فلما أراد) أبو طلحة (أن يخرج، أعلمته أنه قد مات) قال في الفتح: زاد سليمان بن المغيرة، كما عند مسلم

стр. 930

فقالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قومًا أعاروا أهل بيت عارية، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاْحتسب ابنك. قال: فغضب، وقال: تركتني حتى تلطخت ثم أخبرتني بابني. وفي رواية عبد الله فقالت: يا أبا طلحة، أرأيت قومًا أعاروا متاعًا، ثم بدا لهم فيه فأخذوه، فكأنهم وجدوا في أنفسهم، زاد حماد في روايته عن ثابت: فأبوا أن يردّوها، فقال أبو طلحة: ليس لهم ذلك إن العارية مؤدّاة إلى أهلها، ثم اتفقا، فقالت: إن الله أعارنا غلامًا، ثم أخذه منا. زاد حماد: فاسترجع (فصلّى مع النبي، ﷺ ، ثم أخبر النبي، ﷺ ، بما كان منهما) بالتثنية، وللكشميهني: منها بضمير المؤنثة المفردة (فقال رسول الله ﷺ ¬): (لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما) لعل: هنا، بمعنى: عسى، بدليل دخول أن على خبره، ولأبي ذر، والأصيلي، وابن عساكر: لهما في ليلتهما بضمير الغائب، وفي رواية أنس بن سيرين: اللهم بارك لهما … وفيه تنبيه على أن المراد بقوله: أن يبارك، وإن كان لفظه لفظ الخبر، الدعاء. وزاد في رواية أنس بن سيرين: فولدت غلامًا. وفي رواية عبد الله بن عبد الله: فجاءت بعبد الله بن أبي طلحة. (قال سفيان) بن عيينة بالإسناد المذكور. (فقال رجل من الأنصار) هو: عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج، كما عند البيهقي، وسعيد بن منصور: (فرأيت لها تسعة أولاد، كلهم قد قرأ القرآن). كذا في رواية أبي ذر، والأصيلي، ولابن عساكر ولغيرهم: فرأيت لهما أي: من ولد ولدهما عبد الله الذي حملت به تلك الليلة من أبي طلحة، كما في رواية عباية، عند سعيد بن منصور، ومسدد، والبيهقي، بلفظ: فولدت له غلامًا. قال عباية: فلقد رأيت لذلك الغلام سبعة بنين. قال ابن حجر: ففي رواية سفيان تجوّز في قوله: لهما، أي على رواية ثبوتها، لأن ظاهره أنه من ولدهما، بغير واسطة، وإنما المراد من أولاد ولدهما. وتعقبه العيني بعد أن ذكر عبارته بلفظ: لهما، فقال: لا نسلم التجوز في رواية سفيان، لأنه ما صرح في قوله. قال رجل من الأنصار فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن ولم يقل: رأيت منهما أو: لهما تسعة. اهـ. فاْنظر وتعجب من هذا التعقب. ووقع في رواية سفيان هنا: تسعة أولاد، بتقديم الفوقية على السين. وفي رواية عباية المذكور: سبعة بنين كلهم قد ختم القرآن بتقديم السين على الموحدة فقيل: إحداهما تصحيف، أو أن المراد بالسبعة من ختم القرآن كله، وبالتسعة من قرأ معظمه. وذكر ابن المديني من أسماء أولاد عبد الله بن أبي طلحة، وكذا ابن سعد، وغيره، من أهل العلم بالأنساب، من قرأ القرآن وحمل العلم: إسحاق، وإسماعيل، ويعقوب، وعمير، وعمرو ومحمد، وعبد الله، وزيد والقاسم. وهذا الحديث أخرجه مسلم. ٤٣ - باب الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى. وَقَالَ عُمَرُ ﵁: نِعْمَ الْعِدْلَانِ وَنِعْمَ الْعِلَاوَةُ ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (باب: الصبر عند الصدمة الأولى). (وقال عمر) بن الخطاب (¬﵁¬) مما وصله الحاكم في مستدركه: (نعم العدلان) بكسر العين وسكون الدال المهملتين، ونعم: بكسر النون وسكون العين، كلمة مدح، وتاليها فاعلها (ونعم العلاوة) بكسر العين أيضًا عطف على سابقه، والعدل أصله نصف الحمل على أحد شقي الدابة، والحمل العدلان. والعلاوة ما يجعل بين العدلين، فهو مثل ضرب للجزاء في قوله: (﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة﴾) مما يصيب الإنسان من مكروه (﴿قالوا: إنّا لله﴾) عبيدًا وملكًا (﴿وإنا إليه راجعون﴾) في الآخرة فلا يضيع عمل عامل، وليس الصبر المذكور أول آية الاسترجاع باللسان، بل وبالقلب. بأن يتصور ما خلق له، وأنه راجع إلى ربه، ويتذكر نعمه عليه، ليرى أن ما أبقي عليه أضعاف ما استردّ منه، ليهوّن على نفسه ويستسلم له، والمبشر به محذوف دل عليه قوله: (﴿أولئك عليهم صلوات﴾) مغفرة أو ثناء (﴿من ربهم ورحمة﴾) وهما العدلان. كما قاله المهلب، ورواه الحاكم في روايته المذكورة موصولاً عن عمر بلفظ: أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة نعم العدلان. (﴿وأولئك هم المهتدون﴾) [البقرة: ١٥٦ - ١٥٧] نعم العلاوة. وكذا أخرجه البيهقي عن الحاكم. وأخرجه عبد بن حميد في تفسيره من وجه آخر، قال الزين بن المنير: ويؤيده وقوعها بعد: على المشعرة بالفوقية، المشعرة بالحمل. وهو عند أهل البيان من باب

стр. 931

الترشيح للمجاز، وذلك أنه لما كانت الآية ﴿أولئك عليهم … ﴾ كذا وكذا، ولفظة: على، تعطي الحمل، عبر عمر ﵁ بهذه العبارة، وقيل: العدلان: إنا لله وإنا إليه راجعون، والعلاوة الثواب عليهما وغير ذلك والأولى أولى، كما لا يخفى. واعلم أن الصبر ذكر في القرآن العظيم في: خمسة وتسعين موضعًا، ومن أجمعها هذه الآية ومن آنقها ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤] قرن: هاء الصابر بنون العظمة ومن أبهجها قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]. (وقوله تعالى) بالجر، عطفًا على باب الصبر، أي: وباب قوله: (﴿واستعينوا﴾) على حوائجكم (﴿بالصبر﴾) أي بانتظار النجح والفرج توكلاً على الله تعالى أو بالصوم الذي هو صبر عن المفطرات، لما فيه من كسر الشهوة وتصفية النفس (﴿والصلاة﴾) بالالتجاء إليها، فإنها جامعة لأنواع العبادات النفسانية والبدنية، من الطهارة وستر العورة، وصرف المال فيهما، والتوجه إلى الكعبة، والعكوف للعبادة، وإظهار الخشوع بالجوارح، وإخلاص النية بالقلب، ومجاهدة الشيطان، ومناجاة الحق، وقراءة القرآن، والتكلم بالشهادتين، وكف النفس عن الأطيبين، حتى تجابوا إلى تحصيل المآرب (﴿وإنها﴾) أي: الاستعانة بهما، أو: الصلاة وتخصيصها بردّ الضمير إليها لعظم شأنها، واستجماعها ضروبًا من الصبر (﴿لكبيرة﴾) لثقيلة شاقة (﴿إلا على الخاشعين﴾) [البقرهّ: ٤٥] المخبتين، والخشوع الاخبات. وأخرج أبو داود، بإسناد حسن، عن حذيفة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا حز به أمر صلى. ومن أسرار الصلاة أنها تعين على الصبر لما فيها من الذكر والدعاء والخضوع. ١٣٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى». وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بفتح الموحدة والشين المعجمة المشددة، قال: (حدّثنا غندر) هو لقب محمد بن جعفر، قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن ثابت) البناني (قال: سمعت أنسًا) هو: ابن مالك (¬﵁¬) يقول (عن النبي، ﷺ ، قال): (الصبر) الكثير الثواب، الصبر (عند الصدمة الأولى) فإن مفاجأة المصيبة بغتة لها روعة تزعزع القلب، وتزعجه بصدمتها، فإن صبر للصدمة الأولى انكسرت حدتها، وضعفت قوتها، فهان عليه استدامة الصبر، فأما إذا طالت الأيام على المصاب، وقع السلو وصار الصبر، حينئذ طبعًا، فلا يؤجر عليه مثل ذلك، والصابر على الحقيقة من صبر نفسه، وحبسها عن شهواتها، وقهرها عن الحزن والجزع، والبكاء الذي فيه راحة النفس، وإطفاء نار الحزن، فإذا قابل فيها سورة الحزن وهجومه، بالصبر الجميل، وتحقق أنه لا خروج له عن قضائه تعالى، وأنه يرجع إليه، وعلم يقينًا أن الآجال لا تقديم فيها ولا تأخير، وأن المقادير بيده تعالى ومنه استحق حينئذ جزيل الثواب، فضلاً منه تعالى. وعدّ من الصابرين الذين وعدهم الله بالرحمة والمغفرة. وإذا جزع ولم يصبر، أثم وأتعب نفسه، ولم يرد من قضاء الله شيئًا، ولو لم يكن من فضل الصبر للعبد إلا الفوز بدرجة المعية والمحبة، إن الله مع الصابرين، إن الله يحب الصابرين، لكفى. فنسأل الله العافية والرضا. واعلم أن المصيبة كير العبد الذي يسبك فيه حاله، فإما أن يخرج ذهبًا أحمر، وإما أن يخرج خبثًا كله، كما قيل: سبكناه ونحسبه لجينًا … فأبدى الكير عن خبث الحديد فإن لم ينفعه هذا الكير في الدنيا، فبين يديه الكير الأعظم، فإذا علم العبد أن إدخاله كير الدنيا ومسبكها خير له من ذلك الكير والمسبك، وأنه لا بد له من أحد الكيرين، فليعلم قدر نعمة الله عليه في الكير العاجل، فالعبد إذا امتحنه الله بمصيبة فصبر عند الصدمة الأولى، فليحمد الله تعالى على أن أهلّه لذلك وثبته عليه. وقد اختلف: هل المصائب مكفرات أو مثيبات؟ فذهب الشيخ عز الدّين بن عبد السلام في طائفة، إلى أنه: إنما يثاب على الصبر عليها، لأن الثواب إنما يكون على فعل العبد، والمصائب لا صنع له فيها، وقد يصيب الكافر مثل ما يصيب المسلم، وذهب آخرون إلى أنه يثاب عليها لآية، ولا ينالون من عدوّ نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح. وحديث الصحيحين: والذي نفسي بيده

стр. 932

ما على الأرض مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه، إلا حط الله عنه به خطاياه، كما تحط الشجرة اليابسة ورقها. وفيهما: ما من مصيبة تصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة، إلا كفر الله بها خطاياه. فالغم على المستقبل، والحزن على الماضي، والنصب والوصب المرض. وفيه: حلفه ﷺ تقوية لإيمان الضعيف، ومسمى مسلم وإن قل ولو مذنبًا، ومسمى أذى وإن قل، وذكر خطاياه ولم يقل: منها. طفح الكرم حتى … غفر بمجرد ألم ولو لم يكن للمبتلى … في الصبر قدم ٤٤ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ» (باب قول النبي ﷺ ¬) لابنه إبراهيم (إنّا بك لمحزونون وقال ابن عمر) بضم العين (¬﵄، عن النبى، ﷺ تدمع العين ويحزن القلب) وهذه الجملة كلها من باب إلى آخر قوله: ويحزن القلب ساقطة عند الحموي وثابتة لغيره. ١٣٠٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنَا قُرَيْشٌ هُوَ ابْنُ حَيَّانَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ -وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ-﵇ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ. ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ -وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ- فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَذْرِفَانِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ. ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ ﷺ : إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ". رَوَاهُ مُوسَى عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وبالسند قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدَّثني (الحسن بن عبد العزيز) الجروي بفتح الجيم والراء نسبة إلى جروة، بفتح الجيم وسكون الراء، قرية من قرى تنيس، قال: (حدّثنا يحيى بن حسان) التنيسي، قال: (حدّثنا قريش) بضم القاف وبالشين المعجمة (هو ابن حيان) بفتح الحاء المهملة والمثناة التحتية، العجلي، بكسر العين، البصري (عن ثابت) البناني (عن أنس بن مالك ﵁ قال): (دخلنا مع رسول الله، ﷺ ، على أبي سيف القين) بفتح السين، والقين بالقاف وسكون التحتية آخره نون، صفة له، أي: الحداد، واسمه: البراء بن أوس الأنصاري (وكان ظئرًا) بكسر الظاء المعجمة وسكون الهمزة، أي: زوج المرضعة (لإبراهيم) ابن النبي، ﷺ ، بلبنه، والمرضعة زوجته: أم سيف، هي: أم بردة، واسمها: خولة بنت المنذر الأنصارية النجارية، (فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم، فقبله، وشمه). فيه مشروعية تقبيل الولد وشمه، وليس فيه دليل على فعل ذلك بالميت، لأن هذه إنما وقعت قبل موت إبراهيم، ﵊. نعم، روى أبو داود وغيره: أنه ﷺ ، قبل عثمان بن مظعون بعد موته، وصححه الترمذي وروى البخاري: أن أبا بكر، ﵁، قبل النبي ﷺ بعد موته، فلأصدقائه وأقاربه تقبيله. (ثم دخلنا عليه) أي على: أبي سيف (بعد ذلك، وإبراهيم بجود بنفسه) يخرجها ويدفعها، كما يدفع الإنسان ماله: يجود به (فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان) بالذال المعجمة وكسر الراء وبالفاء أي: يجري دمعهما (فقال له) أي: للنبي، ﷺ (عبد الرحمن بن عوف، ﵁ وأنت) بواو العطف على محذوف تقديره: الناس لا يصبرون عند المصائب، ويتفجعون وأنت (يا رسول الله) تفعل كفعلهم مع حثك على الصبر، ونهيك عن الجزع، فأجابه ﵊ (فقال): (يا ابن عوف إنها) أي: الحالة التي شاهدتها مني (رحمة) ورقة، وشفقة على الولد، تنبعث عن التأمل فيما هو عليه، وليست بجزع وقلة صبر كما توهمت، (ثم أتبعها) ﵊ (بأخرى) أي: أتبع الدمعة الأولى بدمعة أخرى، أو: أتبع الكلمة الأولى الجملة، وهو قوله: إنها رحمة، بكلمة أخرى مفصلة، (فقال ﷺ ¬): (إن العين تدمع والقلب) بالنصب والرفع (يحزن) لرقته من غير سخط لقضاء الله. وفيه جواز الأخبار عن الحزن وإن كان كتمه أولى، وجواز البكاء على الميت قبل موته. نعم، يجوز بعده لأنه، ﷺ ، بكى على قبر بنت له، رواه البخاري. وزار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، رواه مسلم ولكنه قبل الموت أولى بالجواز، لأنه بعد الموت يكون أسفًا على ما فات، وبعد الموت خلاف الأولى. كذا نقله في المجموع عن الجمهور، لكنه نقل في الأذكار عن الشافعي والأصحاب، أنه مكروه لحديث: فإذا وجبت فلا تبكين باكية. قالوا وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: الموت. رواه الشافعي وغيره بأسانيد صحيحة. قال السبكي وينبغي أن يقال: إن كان البكاء لرقة على الميت، وما يخشى عليه من عذاب الله وأهوال يوم القيامة،

стр. 933

فلا يكره، ولا يكون خلاف الأولى، وإن كان للجزع وعدم التسليم للقضاء، فيكره أو يحرم. وهذا كله في البكاء بصوت، أما مجرد دمع العين العاري عن القول والفعل الممنوعين، فلا منع منه. كما قال ﵊: (ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) أضاف الفعل إلى الجارحة تنبيهًا على أن مثل هذا لا يدخل تحت قدرة العبد، ولا يكلف الانكفاف عنه، وكأن الجارحة امتنعت، فصارت هي الفاعلة لا هو. ولهذا قال: وإنا بفراقك لمحزونون. فعبر بصيغة المفعول لا بصيغة الفاعل، أي ليس الحزن من فعلنا، ولكنه واقع بنا من غيرنا، ولا يكلف الإنسان بفعل غيره. والفرق بين دمع العين، ونطق اللسان أن النطق يملك بخلاف الدمع، فهو للعين كالنظر ألا ترى أن العين إذا كانت مفتوحة نظرت شاء صاحبها أو أبى، فالفعل لها. ولا كذلك نطق اللسان، فإنه لصاحب اللسان. قاله ابن المنير. (رواه) أي: أصل الحديث (موسى) بن إسماعيل التبوذكي (عن سليمان بن المغيرة) بضم الميم وكسر الغين المعجمة (عن ثابت) البناني (عن أنس) هو ابن مالك (¬﵁، عن النبي، ﷺ ¬) فيما وصله البيهقي في الدلائل، وفيه: التحديث والعنعنة والقول. ٤٥ - باب الْبُكَاءِ عِنْدَ الْمَرِيضِ (باب البكاء عند المريض) إذا ظهرت عليه علامة مخوفة، وسقط لفظ: باب، عند أبي ذر. ١٣٠٤ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الأَنْصَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵃، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ فَقَالَ: قَدْ قَضَى؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَبَكَى النَّبِيُّ ﷺ . فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بَكَوْا. فَقَالَ: أَلَا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا -وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ. وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَضْرِبُ فِيهِ بِالْعَصَا، وَيَرْمِي بِالْحِجَارَةِ وَيَحْثِي بِالتُّرَابِ. وبالسند قال: (حدّثنا أصبغ) بن الفرج (عن ابن وهب) عبد الله (قال: أخبرني) بالإفراد (عمرو) هو: ابن الحرث المصري (عن سعيد بن الحارث الأنصاري) قاضي المدينة (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب (¬﵄، قال): (اشتكى) أي: مرض (سعد بن عبادة) بسكون العين في الأول، وضمها في الثاني، مع تخفيف الموحدة (شكوى له) بغير تنوين (فأتاه النبي، ﷺ ¬) حال كونه (يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، ﵃، فلما دخل عليه) النبي، ﷺ ومن معه (فوجده في غاشية أهله) بغين وشين معجمتين بينهما ألف الذين يغشونه للخدمة والزيارة، لكن قال في الفتح: وسقط لفظ أهله من أكثر الروايات، والذي في اليونينية سقوطها لابن عساكر فقط، فيجوز أن يكون المراد بالغاشية: الغشية من الكرب، ويقويه رواية مسلم بلفظ: في غشيته. وقال التوربشني في شرح المصابيح: المراد ما يتغشاه من كرب الوجع الذي فيه، لا الموت. لأنه برئ من هذا المرض، وعاش بعده زمانًا (فقال) ﵊: (قد قضى؟) بحذف همزة الاستفهام أي: أقد خرج من الدنيا بأن مات. (قالوا) ولأبي ذر، وابن عساكر: فقالوا (لا يا رسول الله) جواب لما مر مما استفهمه (فبكى النبي ﷺ ، فلما رأى القوم) الحاضرون (بكاء النبي، ﷺ ، بكوا فقال) ﵊: (ألا تسمعون: إن الله) بكسر الهمزة استئنافًا لأن قوله: تسمعون لا يقتضي مفعولاً، لأنه جعل كاللازم فلا يقتضي مفعولاً أي: ألا توجدون السماع؟ كذا قرره البرماوي وابن حجر، كالكرماني، وقد تعقبه العيني فقال: ما المانع أن يكون: أن، بالفتح في محل المفعول لتسمعون. وهو الملائم لمعنى الكلام؟ اهـ. لكن الذي في روايتنا بالكسر (لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا) إن قال سوءًا - (وأشار إلى لسانه- أو يرحم) بهذا إن قال خيرًا (وإن) وللكشميهني: أو يرحم الله، وإن (الميت يعذب ببكاء أهله عليه) بخلاف الحي فلا يعذب ببكاء الحي عليه، وإنما يعذب الميت ببكاء الحي إذا تضمن ما لا يجوز، وكان الميت سببًا فيه. كما مر. (وكان عمر) بن الخطاب (¬﵁¬) فيما هو موصول بالسند السابق إلى ابن عمر (يضرب فيه) في البكاء بالصفة المنهي عنها بعد الموت (بالعصا، ويرمي بالحجارة، ويحثي بالتراب) تأسيًا بأمره ﵊ بذلك في نساء جعفر، كما مرّ. وفي الحديث: التحديث والأخبار والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم. ٤٦ - باب مَا يُنْهَى عَنِ النَّوْحِ وَالْبُكَاءِ، وَالزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ (باب ما ينهى عن النوح) أي باب النهي عنه، فما مصدرية ولأبي ذر، وابن عساكر

стр. 934

من النوح، بمن البيانية بدل عن (والبكاء، والزجر عن ذلك) أي الردع عنه. ١٣٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ "لَمَّا جَاءَ قَتْلُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ -وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ شَقِّ الْبَابِ- فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ -وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ- فَأَمَرَهُ بِأَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، ثُمَّ أَتَى فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، وَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ. فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ، ثُمَّ أَتَى فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبْنَنِي -أَوْ غَلَبْنَنَا، الشَّكُّ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَوْشَبٍ- فَزَعَمَتْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ. فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ، فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ، وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَنَاءِ". وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله بن حوشب) بفتح الحاء المهملة، وسكون الواو، وفتح الشين المعجمة، ثم موحدة، الطائفي نزيل الكوفة، قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي، قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) الأنصاري (قال: أخبرتني) بالإفراد (عمرة) بنت عبد الرحمن (قالت: سمعت عائشة، ﵂، تقول): (لما جاء قتل زيد بن حارثة و) قتل (جعفر) هو: ابن أبي طالب (و) قتل (عبد الله بن رواحة) في غزوة مؤتة إلى النبي، ﷺ (جلس النبي، ﷺ ¬) في المسجد حال كونه (يعرف فيه الحزن وأنا أطلع من شق الباب-) بفتح الشين المعجمة، أي: الموضع الذي ينظر منه (فأتاه رجل) لم يعرف اسمه (فقال: يا رسول الله) ولأبي ذر، فقال: أي رسول الله (إن نساء جعفر) امرأته أسماء بنت عميس، ومن حضر عندها من النسوة. وخبر إن محذوف يدل عليه قوله (-وذكر بكاءهن-) الزائد على القدر المباح (فأمره) النبي، ﷺ (بأن ينهاهن) عما ذكره مما ينهى عنه شرعًا، وللأصيلي: أن ينهاهن، بحذف الموحدة أول أن (فذهب الرجل) إليهن (ثم أتى) النبي، ﷺ (فقال) له: (قد نهيتهن. وذكر أنهن) ولأبي ذر، وابن عساكر: أنه (لم يطعنه) لكونه لم يصرّح لهن بأن النبي، ﷺ ، نهاهن (فأمره) ﵊ المرة (الثانية أن ينهاهن. فذهب) الرجل إليهن (ثم أتى) النبي ﷺ (فقال والله لقد غلبنني -أو غلبننا) بسكون الموحدة فيهما، قال المؤلّف: (الشك من محمد بن حوشب) نسبه لجده، ولأبي ذر: من محمد بن عبد الله بن حوشب، قالت عمرة: (فزعمت) أي: قالت عائشة ﵂: (أن النبي، ﷺ ، قال:) للرجل. (فاحث) بضم المثلثة من حثا يحثو، وبالكسر من: حثى يحثي (في أفواههن التراب) وللمستملي: من التراب، قالت عائشة: (فقلت) للرجل: (أرغم الله أنفك) أي: ألصقه بالرغام وهو التراب، إهانة وذلاًّ (فوالله ما أنت بفاعل) ما أمرك به رسول الله، ﷺ ، من النهي الموجب لانتهائهن (وما تركت رسول الله ﷺ من العناء) بفتح العين والمدّ، وهو التعب. ١٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: "أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ الْبَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ، فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ غَيْرَ خَمْسِ نِسْوَةٍ: أُمِّ سُلَيْمٍ، وَأُمِّ الْعَلَاءِ، وَابْنَةِ أَبِي سَبْرَةَ امْرَأَةِ مُعَاذٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوِ ابْنَةِ أَبِي سَبْرَةَ وَامْرَأَةِ مُعَاذٍ وَامْرَأَةٍ أُخْرَى". [الحديث ١٣٠٦ - طرفاه في: ٤٨٩٢، ٧٢١٥]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب) هو: الحجبي، قال: (حدّثنا حماد بن زيد) وسقط لابن عساكر لفظ: ابن زيد، قال: (حدّثنا أيوب) السختياني، ولابن عساكر: عن أيوب (عن محمد) هو: ابن سيرين (عن أم عطية) نسيبة، (¬﵂ قالت): (أخذ علينا النبي، ﷺ ، عند البيعة) بفتح الموحدة، أي: لما بايعهن على الإسلام (أن لا ننوح) على ميت. و: أن مصدرية، وهذا موضع الترجمة. لأن النوح، لو لم يكن منهيًّا عنه لما أخذ النبي ﷺ عليهن في البيعة تركه. (فما وفت) بتشديد الفاء، ولم يشدّدها في اليونينية (منا امرأة) بترك النوح، أي: ممن بايع معها في الوقت الذي بايعت فيه من النسوة المسلمات، (غير خمس نسوة). وليس المراد أنه لم يترك النياحة من النساء المسلمات غير خمس، و: غير، بالرفع والنصب: (أم سليم) بضم السين وفتح اللام، خبر مبتدأ محذوف أي: إحداهن أم سليم، وبالجر بدل من: خمس نسوة، وكذا يجوز الوجهان فيما بعده مما عطف عليه. واسم أم سليم: سهلة على اختلاف فيه، وهي ابنه ملحان، ووالدة أنس ﵁. (وأم العلاء) بفتح العين والمد الأنصارية (وابنه أبي سبرة) بفتح السين المهملة، وسكون الموحدة، وهي (امرأة معاذ) أي: ابن جبل (وامرأتين) بالجر عطفًا على السابق، إن خفض، ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر: وامرأتان بالرفع، عطفًا عليه إن رفع. فالثلاثة بحسب المعطوف عليه رفعًا وخفضًا (أو ابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ) شك من الراوي هل: ابنة أبي سبرة هي امرأة معاذ أو غيرها؟ قال في الفتح: والذي يظهر لي أن الرواية بواو العطف أصح، لأن امرأة معاذ هي: أم عمرو بنت خلاد بن عمرو السلمية، ذكرها ابن سعد، وعلى هذا فابنة أبي سبرة غيرها (وامرأة أخرى). ورواة الحديث كلهم

стр. 935

بصريون وأخرجه مسلم والنسائي. ٤٧ - باب الْقِيَامِ لِلْجَنَازَةِ (باب القيام للجنازة) إذا مرت على من ليس معها. ١٣٠٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ» قَالَ سُفْيَانُ قَالَ الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . زَادَ الْحُمَيْدِيُّ «حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ». [الحديث ١٣٠٧ - طرفه في: ١٣٠٨]. وبالسند قال: (حدّثنا عليّ بن عبد الله) المديني، قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة، قال (حدّثنا الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سالم، عن أبيه) عبد الله بن عمر بن الخطاب (عن عامر بن ربيعة) صاحب الهجرتين (عن النبي، ﷺ ، قال): (إذا رأيتم الجنازة فقوموا) سواء كانت لمسلم أو ذمي، إعظامًا للذي يقبض الأرواح (حتى تخلفكم) بضم المثناة الفوقية وفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام المكسورة، أي: تترككم وراءها، ونسبة ذلك إليها على سبيل المجاز، لأن المراد: حاملها. (قال سفيان) بن عيينة (قال الزهري) محمد بن مسلم (أخبرني) بالإفراد (سالم، عن أبيه) عبد الله (قال: أخبرنا عامر بن ربيعة، عن النبي ﷺ ¬) وذكر هذه الطريق لبيان أن الأولى: بالعنعنة، وهذه: بلفظ الإخبار، ليفيد التقوية (زاد الحميدي) أبو بكر عبد الله المكي، عن سفيان بن عيينة، مما هو موصول في مسنده، وأخرجه أبو نعيم في مستخرجه (حتى تخلفكم أو توضع) والزائد لفظ: أو توضع فقط، وفيه، أنه ينبغي لمن رأى الجنازة أن يقلق من أجلها، ويضطرب، ولا يظهر منه عدم الاحتفال. وقد اختلف في القيام للجنازة، فذهب الإمام الشافعي إلى أنه غير واجب، كما نقله البيهقي في سننه: هذا إمَّا أن يكون منسوخًا، أو يكون قام لعلة. وأيهما كان فقد ثبت أنه تركه بعد فعله، والحجة في الآخر من أمره: إن كان الأول واجبًا فالآخر من أمره ناسخ، وإن كان مستحبًا فالآخر هو المستحب. وإن كان مباحًا فلا بأس بالقيام والقعود، والقعود أحب إليّ. اهـ. وأشار بالترك إلى حديث عليّ عند مسلم، أنه ﷺ قام للجنازة ثم قعد. قال البيضاوي، فيما نقله عنه صاحب شرح المشكاة: يحتمل قول علي: ثم قعد، أي بعد أن جازت به، وبعدت عنه، ويحتمل أن يريد: كان يقوم في وقت، ثم ترك القيام أصلاً، وعلى هذا يحتمل أن يكون فعله الآخر قرينة في أن المراد بالأمر الوارد في ذلك: الندب، ويحتمل أن يكون نسخًا للوجوب المستفاد من ظاهر الأمر، والأوّل أرجح، لأن احتمال المجاز أولى من دعوى النسخ. اهـ. قال في الفتح والاحتمال الأول يدفعه ما رواه البيهقي في حديث علي: أنه أشار إلى قوم قاموا أن يجلسوا، ثم حدثهم بالحديث. ومن ثم قال بكراهة القيام جماعة منهم: سليم الرازي وغيره من الشافعية. اهـ. وبالكراهة صرح النووي في الروضة، لكن قال المتولي بالاستحباب. قال في المجموع: وهو المختار. فقد صحت الأحاديث بالأمر بالقيام، ولم يثبت في القعود شيء إلا حديث علي، وليس صريحًا في النسخ لاحتمال أن القعود فيه لبيان الجواز، وذكر مثله في شرح مسلم، وفي رواية للبيهقي: إن عليًّا رأى قيامًا ينتظرون الجنازة أن توضع، فأشار إليهم بدرّة معه، أو سوط: أن أجلسوا، فإن رسول الله، ﷺ ، قد جلس بعدما كان يقوم. قال الأذرعي: وفيما اختاره النووي من استحباب القيام نظر، لأن الذي فهمه علي، ﵁، الترك مطلقًا، وهو الظاهر. ولهذا أمر بالقعود من رآه قائمًا واحتج بالحديث. اهـ. وكذا ذهب إلى النسخ: عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، والأسود، وأبو حنيفة، ومالك، وأبو يوسف، ومحمد. وفي حديث الباب رواية تابعي عن تابعي وصحابي عن صحابي في نسق وفيه، أن سفيان (١) والحميدي: مكيان، والزهري وسالم: مدنيان، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. ٤٨ - باب مَتَى يَقْعُدُ إِذَا قَامَ لِلْجَنَازَةِ هذا (باب) بالتنوين (متى يقعد إذا قام للجنازة) سقطت الترجمة والباب عند أبي ذر عن المستملي، كما أشار إليه في اليونينية، وقال في الفتح: سقطا للمستملي وثبتت الترجمة دون الباب لرفيقيه. ١٣٠٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ جَنَازَةً فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا فَلْيَقُمْ حَتَّى يُخَلِّفَهَا أَوْ تُخَلِّفَهُ أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلِّفَهُ». وبالسند قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) قال: (حدّثنا الليث) بن سعد (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر، ﵄، عن عامر بن ربيعة، ﵁، عن النبي ﷺ قال): (إذا رأى أحدكم جنازة) ولابن عساكر: الجنازة، بالتعريف (فإن لم يكن ماشيًا معها فليقم حتى يخلفها أو تخلفه) شك من الراوي، أو من البخاري، أو من قتيبة حين حدثه به

стр. 936

أي: حتى يخلف الرجل الجنازة، أو تخلف الجنازة الرجل (أو توضع) الجنازة على الأرض من أعناق الرجال (من قبل أن تخلفه) فيه بيان للمراد من رواية سالم الماضية، وأو للتقسيم لا للشك. ١٣٠٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فَأَخَذَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ بِيَدِ مَرْوَانَ فَجَلَسَا قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ، فَجَاءَ أَبُو سَعِيدٍ ﵁ فَأَخَذَ بِيَدِ مَرْوَانَ فَقَالَ: قُمْ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَانَا عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ صَدَقَ". [الحديث ١٣٠٩ - طرفه في: ١٣١٠]. وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) التميمى اليربوعي الكوفي، ونسبه لجدّه لشهرته به، واسم أبيه: عبد الله، قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن (عن سعيد المقبري) بضم الموحدة (عن أبيه) كيسان (قال): (كنا في جنازة، فأخذ أبو هريرة، ﵁، بيد مروان) بن الحكم بن أبي العاصي الأموي (فجلسا قبل أن توضع) الجنازة في الأرض (فجاء أبو سعيد) بن مالك الخدري (¬﵁، فأخذ بيد مروان، فقال) أي: أبو سعيد لمروان: (قم فوالله لقد علم هذا) أي: أبو هريرة (أن النبي ﷺ ، نهانا عن ذلك) أي: الجلوس قبل وضع الجنازة (فقال أبو هريرة) ﵁: (صدق) أي: أبو سعيد. ٤٩ - باب مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَا يَقْعُدُ حَتَّى تُوضَعَ عَنْ مَنَاكِبِ الرِّجَالِ، فَإِنْ قَعَدَ أُمِرَ بِالْقِيَامِ (باب من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال، فإن قعد أمر بالقيام). ١٣١٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ -يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ- حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ». وبالسند قال: (حدّثنا مسلم يعني ابن إبراهيم) بن راهويه، وسقط لأبي ذر وابن عساكر لفظ: يعني ابن إبراهيم، قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي، قال: (حدّثنا يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي سعيد الخدري، ﵁، عن النبي، ﷺ ، قال): (إذا رأيتم الجنازة فقوموا) أمر بالقيام لمن كان قاعدًا، أما من كان راكبًا فيقف، لأن الوقوف في حقه كالقيام في حق القاعد (فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع) على الأرض. وأما من مرت به فليس عليه من القيام إلا بقدر ما تمر عليه أو توضع عنده، كأن يكون بالمصلّى مثلاً. وفي حديث أبي هريرة، عند أحمد، مرفوعًا "من صلّى على الجنازة ولم يمش معها فليقم حتى تغيب عنه، وإن مشى معها فلا يقعد حتى توضع". وحديث أبي سعيد الخدري، هذا الذي حدّث به المؤلّف عن مسلم بن إبراهيم، مقدّم في رواية أي ذر وابن عساكر على حديث سعيد المقبري الذي رواه عن أحمد بن يونس، مؤخر عند غيرهما. وعلى التأخير شرح الحافظ ابن حجر، والله الموفق. ٥٠ - باب مَنْ قَامَ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ (باب من قام لجنازة يهودي) أو نصراني. ١٣١١ - حدثنا مُعاذُ بنُ فَضالةَ حدثَنا هِشامٌ عن يحيى عن عُبيدِ اللهِ بنِ مقسِم عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قال: "مَرَّ بنا جنازةٌ فقامَ لها النبيُّ ﷺ وَقُمنا، فقلنا: يا رسولَ اللهِ إنّها جَنازةُ يهوديّ، قال: إذا رأيتمُ الجَنازةَ فقوموا". وبالسند قال: (حدّثنا معاذ بن فضالة) بفتح الفاء والضاد المعجمة، الزهراني قال: (حدّثنا هشام) الدستوائى (عن يحيى) بن أبي كثير (عن عبيد الله) بضم العين وفتح الموحدة (ابن مقسم) بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين المهملة، مولى ابن أبي نمر القرشي (عن جابر بن عبد الله، ﵄، قال): (مر) بفتح الميم في اليونينية، وقال الحافظ ابن حجر بضمها مبنيًّا للمجهول، وللكشميهني: مرت بفتحها وزيادة تاء التأنيث. (بنا جنازة، فقام لها النبي ﷺ ، وقمنا) بالواو ولغير أبي ذر وله: فقمنا، بالفاء. وزاد الأصيلي، وأبو ذر، وابن عساكر، وكريمة: له، والضمير فيه للقيام الدال عليه قوله فقام أي: قمنا لأجل قيامه (فقلنا: يا رسول الله إنها جنازة يهودي! قال) ﵊: (إذا رأيتم الجنازة) أي سواء كانت لمسلم أو ذمي (فقوموا) زاد البيهقى من طريق أبي قلابة الرقاشي، عن معاذ بن فضالة، فيه، فقال: إن الموت فزع. وكذا لمسلم من وجة آخر عن هشام، قال البيضاوي: وهو مصدر جرى مجرى الوصف للمبالغة، أو: فيه تقدير أي: الموت ذو فزع، وفي حديث أبي هريرة عند ابن ماجة. إن للموت فزعًا. وفي حديث الباب: التحديث والعنعنة والقول، ورواته ما بين: بصري ويماني ومدني، وأخرجه مسلم في: الجنائز، وكذا أبو داود والنسائي. ١٣١٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ، فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ -أَىْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ- فَقَالَا: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا"؟. وبه قال (حدّثنا آدم) بن أبي إياس (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثنا عمرو بن مرة) بن عبد الله المرادي الأعمى الكوفي (قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى) بفتح اللامين، واسم أبي ليلى: يسار الكوفي (قال): (كان سهل بن حنيف) بضم الحاء وفتح النون، الأوسي الأنصاري (وقيس بن سعد) بسكون العين، ابن عبادة، بضم العين، الصحابي ابن الصحابي (قاعدين) بالتثنية والنصب، خبر كان (بالقادسية) بالقاف وكسر الدال والسين المهملتين وتشديد التحتية،

стр. 937

مدينة صغيرة ذات نخل ومياه بينها وبين الكوفة مرحلتان أو خمسة عشر فرسخًا (فمروا عليهما) أي: على سهل وقيس، وللحموي والمستملي: عليهم، أي: عليهما ومن كان حينئذٍ معهما، (بجنازة فقاما) أي: سهل وقيس (فقيل لهما إنها) أي الجنازة (من أهل الأرض -أي: من أهل الذمة-) تفسير لأهل الأرض، أي: من أهل الجزية المقرين بأرضهم، لأن المسلمين لما فتحوا البلاد أقروهم على عمل الأرض وحمل الخراج (فقالا: إن النبي، ﷺ ، مرت به جنازة، فقام. فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال): (أليست نفسًا) ماتت؟ فالقيام لها لأجل صعوبة الموت، وتذكرة لا لذات الميت. ١٣١٣ - وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: "كُنْتُ مَعَ قَيْسٍ وَسَهْلٍ ﵄ فَقَالَا: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ". وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى "كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ وَقَيْسٌ يَقُومَانِ لِلْجِنَازَةِ". (وقال أبو حمزة) بالحاء المهملة والزاي، محمد بن ميمونة السكري، مما وصله أبو نعيم في مستخرجه (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن عمرو) بفتح العين، ابن مرة المذكور (عن ابن أبي ليلى) عبد الرحمن المذكور (قال): (كنت مع قيس) هو: ابن سعد (وسهل) هو: ابن حنيف، ولأبي ذر، مع سهل وقيس (¬﵄، فقالا: كنا مع النبي، ﷺ ،) ومراد المؤلّف بهذا التعليق بيان سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى لهذا الحديث من قيس وسهل. (وقال زكرياء) بن أبي زائدة: مما وصله سعيد بن منصور، عن سفيان بن عيينة، عن زكريا (عن الشعبي) عامر بن شراحيل الأنصاري (عن ابن أبي ليلى) عبد الرحمن. (كان أبو مسعود) عقبة بن عمرو الأنصاري (وقيس) هو: ابن سعد المذكور (يقومان للجنازة) قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بين ما وقع فيه من الاختلاف بأن عبد الرحمن بن أبي ليلى ذكر قيسًا وسهلاً مفردين، لكونهما رفعا له الحديث، وذكره مرة أخرى عن قيس وأبي مسعود، لكون أبي مسعود لم يرفعه. والله أعلم. ٥١ - باب حَمْلِ الرِّجَالِ الْجِنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ (باب حمل الرجال الجنازة دون) حمل (النساء) إياها لضعفهن عن مشاهدة الموتى غالبًا، فكيف بالحمل مع ما يتوقع من صراخهن عند حمله، ووضعه، وغير ذلك من وجوه المفاسد. ١٣١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا وُضِعَتِ الْجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ يَا وَيْلَهَا، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَىْءٍ إِلاَّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ». [الحديث ١٣١٤ - طرفاه في: ١٣١٦، ١٣٨٠]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن يحيى القرشي العامري المدني الأعرج، قال (حدّثنا الليث) بن سعد (عن سعيد المقبري عن أبيه) كيسان (أنه سمع أبا سعيد) سعد بن مالك الأنصاري (الخدري، ﵁، أن رسول الله، ﷺ قال): (إذا وضعت الجنازة) أي: الميت على النعش (واحتملها الرجال على أعناقهم) هذا موضع الترجمة لكنه استشكل لكونه إخبارًا، فكيف يكون حجة في منع النساء. وأجيب: بأن كلام الشارع مهما أمكن يحمل على التشريع لا مجرد الإخبار عن الواقع. وفي حديث أنس، عند أبي يعلى، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فرأى نسوة فقال: أتحملنه؟ قلن: لا، قال: أتدفنه؟ قلن: لا، قال: فارجعهن مأزورات غير مأجورات. ولعل المؤلّف أشار إليه بالترجمة ولم يخرجه لكونه على غير شرطه وحينئذٍ، فالحمل خاص بالرجال. وإن كان الميت امرأة لضعف النساء غالبًا، وقد ينكشف منهن شيء لو حملن، كما مر. فيكره لهن الحمل لذلك، فإن لم يوجد غيرهن تعين عليهن. (فإن كانت) أي: الجنازة (صالحة قالت) قولاً حقيقيًّا: (قدّموني) لثواب العمل الصالح الذي عملته، وللكشميهني: قدّموني، مرة ثانية (وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها) أي: يا حزني أحضر هذا أوانك، وكان القياس أن يكون: يا ويلي، لكنه أضيف إلى الغائب حملاً على المعنى، كأنه لما أبصر نفسه غير صالحة نفر عنها وجعلها كأنها غيره، أو كره أن يضيف الويل إلى نفسه، قاله في شرح المشكاة. (أين تذهبون بها) قالته لأنها تعلم لم تقدّم خيرًا، أو أنها تقدم على ما يسوءها، فتكره القدوم عليه (يسمع صوتها) المنكر بذلك الويل (كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه صعق) أي: مات. وللحموي والمستملي: لصعق. قال ابن بطال: وإنما يتكلم روح الجنازة لأن الجسد لا يتكلم بعد خروج الروح منه، إلا أن يردّها الله إليه، وهذا بناء منه على أن الكلام شرطه الحياة، وليس كذلك، إذا كان الكلام الحروف والأصوات، فيجوز أن يخلق في الميت، ويكون الكلام النفسي قائمًا بالروح، وإنما تسمع الأصوات

стр. 938

وهو المراد بالحديث، وهذا الحديث أخرجه النسائي. ٥٢ - باب السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ وَقَالَ أَنَسٌ ﵁ أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ. وَامْشِ بَيْنَ يَدَيْهَا وَخَلْفَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ شِمَالِهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: قَرِيبًا مِنْهَا. (باب السرعة بالجنازة) بعد الحمل. (وقال أنس) ﵁، مما وصله عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، -في كتاب الجنائز له، وابن أبي شيبة بنحوه، عن حميد عن أنس أنه سئل عن المشي في الجنازة فقال: (أنتم مشيعون فامشوا) كذا للكشميهني، والأصيلي: بالجمع، ولغيرهما: وامشِ، بالواو مع الإفراد، ولأبي ذر، والأصيلي، وابن عساكر: فامش، بالفاء والإفراد، والأول أنسب (بين يديها، وخلفها، وعن يمينها، وعن شمالها). قال الزين بن المنير. مطابقة هذا الأثر للترجمة أن الأثر يتضمن التوسعة على المشيعين وعدم التزامهم جهة معينة، وذلك لما علم من تفاوت أحوالهم في المشي، وقضية الإسراع بالجنازة أن لا يلزموا بمكان واحد يمشون فيه، لئلا يشق على بعضهم ممن يضعف في المشي عمن يقوى عليه، ومحصله أن السرعة لا تتفق غالبًا إلا مع عدم التزام المشي في جهة معينة فتناسبا. (وقال غيره) أي: غير أنس: امش (قريبًا منها) أي: من الجنازة، من أي جهة كان، لاحتمال أن يحتاج حاملوها إلى المعاونة، و: الغير، المذكور، قال في الفتح: أظنه عبد الرحمن بن قرط، بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة، وهو صحابي، وكان من أهل الصفة، ثم ذكر حديثًا عن رويم، عنه عند سعيد بن منصور، قال: شهد عبد الرحمن بن قرط جنازة، فرأى ناسًا تقدّموا، وآخرين استأخروا، فأمر بالجنازة فوضعت، ثم رماهم بالحجارة حتى اجتمعوا إليه، ثم أمر بها فحملت، ثم قال: امشوا بين يديها، وخلفها، وعن يسارها، وعن يمينها. وتعقبه العيني: بأن ما ذكره تخمين وحسبان، ولئن سلمنا أنه هو ذلك الغير، فلا نسلم أن هذا مناسب لما ذكره الغير، بل هو بعينه مثل ما قاله أنس، وفي إيراد المؤلّف لأثر أنس المذكور دليل على اختياره لهذا المذهب، وهو: التخيير في المشي مع الجنازة. وهو قول الثوري وغيره، وبه قال: ابن حزم، لكنه قيده بالماشي لحديث المغيرة بن شعبة المروي في السنن الأربعة، وصححه ابن حبان والحاكم مرفوعًا: الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها. والجمهور أن المشي وكونه أمامها أفضل للاتباع، رواه أبو داود بإسناد صحيح، ولأنه شفيع، وحق الشفيع أن يتقدم. وأما ما رواه سعيد بن منصور وغيره عن عليّ موقوفًا: المشي خلفها أفضل، فضعيف، وكونه قريبًا منها بحيث يراها إن التفت إليها أفضل منه بعيدًا بأن لا يراها لكثرة الماشين معها، ولو مشى خلفها حصل له أصل فضيلة المتابعة وفاته كمالها، ويكره ركوبه في ذهابه معها، لحديث الترمذي: أنه ﷺ رأى ناسًا ركبانًا مع جنازة، فقال ألا تستحيون، إن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب. نعم، إن كان له عذر كمرض، أو في رجوعه فلا كراهة فيه. ١٣١٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ». وبالسند قال: (حدّثنا عليّ بن عبد الله) المديني، قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حفظناه) أي الحديث الآتي (من الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب، وللمستملي، عن الزهري بدل من والأوّل: أولى، لأنه يقتضي سماعه منه، بخلاف رواية المستملي. وقد صرّح الحميدي في مسنده بسماع سفيان له من الزهري (عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (أسرعوا بالجنازة) إسراعًا خفيفًا بين المشي المعتاد والخبب، لأن ما فوق ذلك يؤدّي إلى انقطاع الضعفاء، ومشقة الحامل، فيكره. وهذا إن لم يضره الإسراع، فإن ضرّه فالتأني أفضل، فإن خيف عليه تغير أو انفجار أو انتفاخ زيد في الإسراع (فإن تك) أي: الجنازة (صالحة) نصب خبر كان (فخير) أي: فهو خير، خبر مبتدأ محذوف (تقدمونها) زاد العيني كابن حجر: إليه أي: إلى الخير، باعتبار الثواب، أو الإكرام الحاصل له في قبره، فيسرع به ليلقاه قريبًا وفي توضيح ابن مالك: أنه روي: إليها، بالتأنيث، وقال: أنث الضمير الزائد على الخير. وهو مذكر، وكان ينبغي أن يقول: فخير تقدّمونها إليه، لكن المذكر يجوز تأنيثه إذا أوّل بمؤنث كتأويل الخير الذي تقدم إليه النفس الصالحة بالرحمة أو بالحسنى أو بالبشرى، والجار والمجرور مذكرًا ومؤنثًا ساقط من الفرع كأصله (وإن تك) الجنازة (سوى ذلك)

стр. 939

أي: غير صالحة (فشر) أي: فهو شر (تضعونه عن رقابكم) فلا مصلحة لكم في مصاحبتها لأنها بعيدة من الرحمة. وهذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. ٥٣ - باب قَوْلِ الْمَيِّتِ وَهُوَ عَلَى الْجِنَازَةِ: قَدِّمُونِي (باب قول الميت) الصالح (وهو على الجنازة) أي النعش (قدموني). ١٣١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا وُضِعَتِ الْجِنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ. فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ لأَهْلِهَا: يَا وَيْلَهَا، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَىْءٍ إِلاَّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ الإِنْسَانُ لَصَعِقَ». وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي، قال: (حدّثنا الليث) بن سعد (قال: حدّثنا سعيد) المقبري (عن أبيه) كيسان (أنه سمع أبا سعيد) سعد بن مالك (الخدري ﵁، قال: كان النبي ﷺ يقول): (إذا وضعت الجنازة) أي: الميت في النعش، وفي حديث أبي هريرة، عند أبي داود الطيالسي: إذا وضع الميت على سريره (فاحتملها) أي: الجنازة (الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة، قالت) حقيقة بلسان القال، بحروف وأصوات يخلقها الله تعالى فيها (قدموني) لثواب عملي الصالح الذي قدمته (وإن كانت غير صالحة) وللحموي والمستملي: وإن كانت غير ذلك (قالت لأهلها) أي: لأجل أهلها إظهارًا لوقوعها في الهلكة: (يا ويلها) لأن كل من وقع في هلكة دعا بالويل (أين يذهبون) بالتحتية في اليونينية (بها)؟ بضمير الغائب، وكان الأصل أن يقول: بي، فعدل عنه كراهية أن يضيف الويل إلى نفسه. نعم، في رواية أبي هريرة المذكورة قالت: يا ويلتاه أين تذهبون بي، فظهر أن ذلك من تصرف الراوي (يسمع صوتها) المنكر (كل شيء) من الحيوان (إلاّ الإنسان، ولو سمع الإنسان) صوتها بالويل المزعج (لصعق) لغشي عليه، أو يموت من شدة هول ذلك. وهذا في غير الصالح، لأن الصالح من شأنه اللطف والرفق في كلامه، فلا يناسب الصعق من سماع كلامه؛ نعم، يحتمل حصوله من سماع كلام الصالح لكونه غير مألوف. وقد روى هذا الحديث ابن منده في كتاب الأهوال بلفظ: لو سمعه الإنسان لصعق من المحسن والمسيء، قال في الفتح: فإن كان المراد به المفعول، دل على وجود الصعق عند سماع كلام الصالح أيضًا. وهذا الحديث تقدم قريبًا. ٥٤ - باب مَنْ صَفَّ صَفَّيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً عَلَى الْجِنَازَةِ خَلْفَ الإِمَامِ (باب من صف) الناس (صفين أو ثلاثة على الجنازة خلف الإمام). ١٣١٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ". [الحديث ١٣١٧ - أطرافه في: ١٣٢٠، ١٣٣٤، ٣٨٧٧، ٣٨٧٨، ٣٨٧٩]. وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو: أبو الحسن الأسدي البصري الثقة (عن أبي عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري (عن قتادة) بن دعامة (عن عطاء) هو: ابن أبي رباح (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (¬﵄¬): (أن رسول الله، ﷺ ، صلّى على النجاشي) ملك الحبشة، وهو بتشديد الياء وبتخفيفها أفصح، وتكسر نونها، وهو أفصح قاله في القاموس (فكنت في الصف الثاني أو الثالث) لا يقال: لا يلزم من كونه في الصف الثاني أو الثالث، أن يكون ذلك منتهى الصفوف حتى يحصل التطابق بينه وبين الترجمة. لأن الأصل عدم الزيادة. وفي مسلم، عن جابر في هذا الحديث، قال: قمنا فصفنا صفين، فأو: في قوله: أو الثالث شك هل كان هناك صف ثالث أم لا. وفي حديث مالك بن هبيرة المروي في أبي داود والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه على شرط مسلم: ما من مسلم يموت فيصلّي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب، أي: غفر له. كما رواه الحاكم. كذلك فيستحب في الصلاة على الميت ثلاثة صفوف فأكثر، قال الزركشي: قال بعضهم: والثلاثة بمنزلة الصف الواحد في الأفضلية، وإنما لم يجعل الأول أفضل محافظة على مقصود الشارع من الثلاثة. ٥٥ - باب الصُّفُوفِ عَلَى الْجِنَازَةِ (باب الصفوف على الجنازة) قال في المصابيح: هذه الترجمة على أصل الصفوف، والترجمة المتقدمة على عددها، وقال الزين بن المنير: أعاد الترجمة لأن الأولى لم يجزم فيها بالزيادة على الصفين. ١٣١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نَعَى النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ النَّجَاشِيَّ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَفُّوا خَلْفَهُ، فَكَبَّرَ أَرْبَعًا". وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) تصغير زرع، ويزيد من الزيادة قال: (حدّثنا معمر) هو ابن راشد (عن) ابن شهاب (الزهري، عن سعيد) هو: ابن المسيب (عن أبي هريرة، ﵁، قال): (نعى النبي، ﷺ ، إلى أصحابه النجاشي ثم تقدم) زاد ابن ماجة، من طريق عبد الأعلى، عن معمر فخرج بأصحابه إلى البقيع، والمراد بالبقيع: بقيع بطحان (فصفوا خلفه، فكبر أربعًا). فإن

стр. 940

قلت: ليس في هذا الحديث لفظ الجنازة إنما فيه الصلاة على غائب، أو: من في قبر، فلا مطابقة. وأجيب: بأن المراد من الجنازة: الميت سواء كان مدفونًا أو غير مدفون، وإذا شرع الاصطفاف والجنازة غائبة ففي الحاضرة أولى. ١٣١٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ أَتَى عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَصَفَّهُمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا. قُلْتُ: يا أبا عمروٍ مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄". وبه قال: (حدّثنا مسلم) هو: ابن إبراهيم الفراهيدي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا الشيباني) بفتح الشين المعجمة، سليمان بن أبي سليمان فيروز الكوفي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (قال: أخبرني) بالإفراد (من شهد النبي ﷺ ¬) من الصحابة ممن لم يسم، وجهالة الصحابي لا تضر في السند، وسبق في باب: وضوء الصبيان من كتاب الصلاة قبل كتاب الجمعة بلفظ: من مر مع النبي، وللترمذي: حدّثنا الشعبي قال: أخبرني من رأى النبي- ﷺ : (أتى) ولأبي الوقت أنه أتى (على قبر منبوذ) بتنوين قبر، موصوف بمنبوذ، بفتح الميم وسكون النون وضم الموحدة ثم ذال معجمة أي: منفرد عن القبور، ولأبي ذر: قبر منبوذ بغير تنوين على إضافة قبر إلى منبوذ أي: به لقيط منبوذ (فصفهم) على القبر (وكبر أربعًا). قال الشيباني: (قلت) للشعبي (يا أبا عمرو) بفتح العين (من حدثك) بهذا؟ (قال) حدثني (ابن عباس ﵄¬). ووجه مطابقته للترجمة: أن صفهم يدل على صفوف لكثرة الصحابة الملازمين له، ﵊، فلا يكون ذلك لا صفًا ولا صفين. ١٣٢٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «قَدْ تُوُفِّيَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الْحَبَشِ، فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيْهِ. قَالَ: فَصَفَفْنَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ وَنَحْنُ صُفُوفٌ". قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ "كُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي". وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) بن يزيد الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) الصنعاني (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم، قال: أخبرني) بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي رباح (أنه سمع جابر بن عبد الله) الأنصاري (¬﵄، يقول: قال النبي ﷺ ¬): (قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش) بفتح الحاء المهملة والموحدة، قال في القاموس: الحبش والحبشة محركتين، والأحبش بضم الباء، جنس من السودان، ولأبي ذر، والأصيلي: من الحبش بضم المهملة وسكون الموحدة (فهلم) بفتح الميم، أي: تعالوا (فصلوا عليه). (قال: فصففنا) بفاءين (فصلّى النبي ﷺ ونحن صفوف) كذا ثبت في رواية المستملي: ونحن صفوف، وفي الفرع وأصله علامة السقوط على قوله: عليه، وعلى قوله: صفوف للأصيلي، وأبي ذر، وابن عساكر، وزاد أبو الوقت، عن الكشميهني معه، بعد قوله: ونحن. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: فصففنا، وقال ابن حجر: إن زيادة المستملي: ونحن صفوف تصحح مقصود الترجمة. اهـ. وحينئذ فعلى رواية غيره لا مطابقة، فالأحسن قول الكرماني: فصففنا كما مر، والواو في قوله: ونحن صفوف، للحال. (وقال أبو الزبير) بضم الزاي وفتح الموحدة، محمد بن مسلم بن تدرس، بفتح المثناة الفوقية وسكون الدال وضم الراء آخره سين مهملة مما وصله النسائي (عن جابر) قال: (كنت في الصف الثاني) يوم صلّى النبي ﷺ على النجاشي. واستدلّ به على مشروعية الصلاة على الغائب، وبه قال الشافعي ﵀، وأحمد، وجمهور السلف. حتى قال ابن حزم: لم يأت عن أحد من الصحابة منعه. قال الشافعي، مما قرأته في سنن البيهقي: إنما الصلاة دعاء للميت، وهو إذا كان ملففًا ميتًا يصلّى عليه، فكيف لا ندعو له غائبًا أو في القبر بذلك الوجه الذي يدعى له به وهو ملفف؟ وأجاب القائلون بالمنع، وهم الحنفية والمالكية، عن قصة النجاشي: بأنه كان بأرض لم يصل عليه بها أحد، فتعينت عليه الصلاة لذلك، أو أنه خاص بالنجاشي لإرادة إشاعة أنه مات مسلمًا، أو استئلاف قلوب الملوك الذين أسلموا في حياته، فليس ذلك لغيره. أو أنه كشف له، ﷺ ، عنه حتى رآه ولم بره المأمومون، ولا خلاف في جوازها وتعقبه ابن دقيق العيد بأنه يحتاج إلى نقل، ولا يثبت بالاحتمال. اهـ. وقال ابن العربي: قال المالكية: ليس ذلك إلا لمحمد ﷺ قلنا: وما عمل به- ﷺ ، تعمل به أمته، يعني: لأن الأصل عدم الخصوصية. قالوا: طويت له الأرض، وأحضرت الجنازة بين يديه، قلنا: إن ربنا لقادر، وإن نبينا لأهل لذلك. ولكن لا تقولوا إلا ما رأيتم، ولا تخترعوا من عند أنفسكم، ولا تحدثوا إلا بالثابتات.

стр. 941

ودعوا الضعاف فإنها سبيل تلاف إلى ما ليس له تلاف. اهـ. وفي أسباب النزول للواحدي بغير إسناد عن ابن عباس، قال: كشف للنبي ﷺ عن سرير النجاشي حتى رآه وصلّى عليه. ولابن حبان من حديث عمران بن حصين، فقام وصفوا خلفه وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه. وقول المهلب: إنه لم يثبت أنه صلّى على ميت غائب غير النجاشي معارض بقصة معاوية بن معاوية المزني المروية من حديث أنس وأبي أمامة، ومن طريق سعيد بن المسيب، والحسن البصري، مرسلة. فأخرج الطبراني، ومحمد بن الضريس في فضائل القرآن، وسمويه في فوائده، وابن منده والبيهقي في الدلائل، كلهم من طريق محبوب بن هلال، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس بن مالك، قال: نزل جبريل على النبي، ﷺ ، فقال: يا محمد! مات معاوية بن معاوية المزني أتحب أن تصلي عليه؟ قال: نعم، قال: فضرب بجناحيه، فلم تبق أكمة ولا شجرة إلاّ تضعضعت، فرفع سريره حتى نظر إليه، فصلّى عليه وخلفه صفان من الملائكة، كل صف سبعون ألف ملك فقال: يا جبريل بم نال هذه المنزلة؟ قال: بحب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]. وقراءته إياها: جائيًا وذاهبًا وقائمًا وقاعدًا وعلى كل حال. ومحبوب قال أبو حاتم: ليس بالمشهور، وذكره ابن حبان في الثقات، وأول حديث ابن الضريس: كان النبي ﷺ بالشام … ، وأخرجه ابن سنجر في مسنده، وابن الأعرابي، وابن عبد البر، وهو في فوائد حاجب الطوسي كلهم من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا العلاء أبو محمد الثقفي، سمعت أنس بن مالك يقول: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك، فطلعت الشمس يومًا بنور وشعاع وضياء لم نره قبل ذلك، فعجب النبي ﷺ من شأنها، إذ أتاه جبريل فقال: مات معاوية بن معاوية. وذكر نحوه. والعلاء أبو محمد هو: ابن زيد الثقفي واه، وأخرج نحوه ابن منده من حديث أبي أمامة، وأخرجه أبو أحمد والحاكم في فوائده، والطبراني في مسند الشاميين، والخلال في فضائل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وأما طريق سعيد بن المسيب ففي فضائل القرآن لابن الضريس، وأما طريق الحسن البصري فأخرجها البغوي، وابن منده، فهذا الخبر قوي بالنظر إلى مجموع طرقه، وقد يحتج به من يجيز الصلاة على الغائب، لكن يدفعه ما ورد أنه رفعت الحجب حتى شاهد جنازته. وحديث الباب فيه التحديث والإخبار والسماع والقول، وشيخ المؤلّف: رازي، وابن جريج وعطاء: مكيان، وأخرجه أيضًا في: هجرة الحبشة، ومسلم في: الجنائز، والنسائي في: الصلاة. ٥٦ - باب صُفُوفِ الصِّبْيَانِ مَعَ الرِّجَالِ عَلَى الْجَنَائِزِ (باب صفوف الصبيان مع الرجال) عند إرادة الصلاة (على الجنائز) وللحموي، والأصيلي، والمستملي: في الجنائز. ١٣٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَامِرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلاً فَقَالَ: مَتَى دُفِنَ هَذَا؟ قَالُوا الْبَارِحَةَ. قَالَ: أَفَلَا آذَنْتُمُونِي؟ قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ. فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَا فِيهِمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ". وبالسند قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي، قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد العبدي البصري، قال: (حدّثنا الشيباني) سليمان (عن عامر) الشعبي (عن ابن عباس، ﵄¬): (أن رسول الله ﷺ ، مر بقبر دفن) زاد غير أبي الوقت، والأصيلي، وابن عساكر: قد دفن، بضم الدال وكسر الفاء (ليلاً) نصب على الظرفية أي: دفن صاحبه فيه ليلاً، فهو ومن قبيل ذكر المحل وإرادة الحال (فقال: متى دفن هذا) الميت؟ (قالوا) ولأبوي ذر، والوقت: فقالوا بالفاء قبل القاف دفن (البارحة. قال: أفلا آذنتموني)؟ بمد الهمزة أي: أعلمتموني؟ (قالوا: دفناه في ظلمة الليل، فكرهنا أن نوقظك. فقام فصففنا) بفاءين (خلفه. قال ابن عباس: وأنا فيهم، فصلّى عليه) أي: على قبره. وكان ابن عباس في زمنه، ﷺ ، دون البلوغ، لأنه شهد حجة الوداع، وقد قارب الاحتلام، وفيه جواز الدفن في الليل، وقد روى الترمذي عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ دخل قبرًا ليلاً فأسرج له بسراج، فأخذ من القبلة. وقال: رحمك الله إن كنت لأوّاهًا تلاّء للقرآن. وكبر عليه أربعًا. وقد رخص أكثر أهل العلم في الدفن بالليل، ودفن كل من الخلفاء الأربعة ليلاً، بل روى أحمد: أن النبي ﷺ دفن ليلة الأربعاء وما روي من النهي عنه فمحمول على أنه كان أولاً ثم رخص فيه بعد. ٥٧ - باب سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ صَلَّى عَلَى الْجَنَازَةِ». وَقَالَ «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ». وَقَالَ: «صَلُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ». سَمَّاهَا صَلَاةً لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ، وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا، وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُصَلِّي إِلاَّ طَاهِرًا. وَلَا يُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَأَحَقُّهُمْ عَلَى جَنَائِزِهِمْ مَنْ رَضُوهُمْ لِفَرَائِضِهِمْ. وَإِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ عِنْدَ الْجَنَازَةِ يَطْلُبُ الْمَاءَ وَلَا يَتَيَمَّمُ، وَإِذَا انْتَهَى إِلَى الْجَنَازَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ يَدْخُلُ مَعَهُمْ بِتَكْبِيرَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: يُكَبِّرُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ أَرْبَعًا. وقَالَ أَنَسٌ ﵁: تَّكْبِيرَةُ الْوَاحِدَةُ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ. وَقَالَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾. وَفِيهِ صُفُوفٌ وَإِمَامٌ. (باب سنة الصلاة على الجنائز) ولأبي ذر على الجنازة، بالإفراد والمراد بالسنة هنا أعم ن الواجب والمندوب.

стр. 942

(وقال النبي ﷺ ¬) في حديث وصله بعد باب (من صلّى على الجنازة) وهذا لفظ مسلم من وجه عن أبي هريرة، وجواب الشرط محذوف أي: فله قيراط، ولم يذكره لأن القصد الصلاة على الجنازة. (وقال) ﷺ في حديث سلمة بن الأكوع الآتي إن شاء الله تعالى في أوائل الحوالة (صلوا على صاحبكم) أي الميت الذي كان عليه دين لا يفي بماله. (وقال) ﵊، مما سبق موصولاً: (صلوا على النجاشي) لكن لفظه في باب الصفوف على الجنازة: فصلوا عليه (سماها) النبي ﷺ أي: الهيئة الخاصة التي يدعى فيها للميت (صلاة) والحال أنه (ليس فيها ركوع ولا سجود) فهي تفارق الصلاة المعهودة، وإنما لم يكن فيها ركوع، ولا سجود لئلا يتوهم بعض الجهلة أنها عبادة للميت فيضل بذلك. (ولا يتكلم فيها) أي: في صلاة الجنازة، كالصلاة المعهودة (وفيها تكبير) للإحرام مع النية كغيرها، ثم ثلاث تكبيرات أيضًا (و) فيها (تسليم) عن اليمين والشمال بعد التكبيرات، كغيرها. وقال المالكية: تسليمة واحدة خفيفة كسائر الصلوات وفي الرسالة: تسليمة واحدة خفيفة، ويروى: خفية للإمام والمأموم، يسمع الإمام نفسه ومن يليه، ويسمع المأموم نفسه فقط. (وكان ابن عمر) بن الخطاب، مما وصله مالك في موطئه يقول: (لا يصلّي) الرجل على الجنازة (إلاّ طاهرًا) من الحدث الأكبر والأصغر، وفي مسلم، حديث: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور"، ومن النجس المتصل به غير المعفو عنه، ولعل مراد المؤلّف بسياق ذلك الرد على الشعبي حيث أجاز الصلاة على الجنازة بغير طهارة، لأنها دعاء ليس فيها ركوع ولا سجود، لكن الفقهاء من السلف والخلف مجمعون على خلافه، وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم للجنازة مع وجود الماء إذا خاف فواتها بالوضوء، وكان الولي غيره (و) كان ابن عمر أيضًا، مما وصله سعيد بن منصور، (لا يصلّي) على الجنازة، ولغير أبي ذر: ولا تصلّى، بالمثناة فوق وفتح اللام أي: وكان يقول: لا تصلّى صلاة الجنازة (عند طلوع الشمس ولا) عند (غروبها) وإلى هذا القول ذهب: مالك، والكوفيون، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. ومذهب الشافعية عدم الكراهة. "و" كان ابن عمر أيضًا، مما وصله المؤلّف في كتاب: رفع اليدين (يرفع يديه) حذو منكبيه استحبابًا في كل تكبيرة من تكبيرات الجنازة الأربع، ورواه الطبراني في الأوسط من وجه آخر عنه بإسناد ضعيف. وقال الحنفية والمالكية: لا يرفع إلاّ عند تكبيرة الإحرام لحديث الترمذي، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا صلّى على جنازة يرفع يديه في أول تكبيرة". زاد الدارقطني: ثم لا يعود. وعن مالك: أنه كان يعجبه ذلك في كل تكبيرة، وروي عن ابن القاسم أنه لا يرفع في شيء منها، وفي سماع أشهب: إن شاء رفع بعد الأولى وإن شاء ترك. (وقال الحسن) البصري مما قال في الفتح لم أره موصولاً: (أدركت الناس) من الصحابة والتابعين (وأحقهم) بالرفع مبتدأ خبره الموصول بعد الصلاة (على جنائزهم) ولأبي ذر: وأحقهم بالصلاة على جنائزهم (من رضوهم لفرائضهم)، موصول وصلته، وللكشميهني: من رضوه بالإفراد فيه إشارة إلى أنهم كانوا يلحقون صلاة الجنازة بغيرها من الصلوات، ولذا كان أحق بالصلاة على الجنائز من كان يصلّي بهم الفرائض. وعند عبد الرزاق عن الحسن، إن أحق الناس بالصلاة على الجنازة الأب ثم الابن. وقد اختلف في ذلك. ومذهب الشافعية أن أولى الناس بالصلاة على الميت الأب ثم أبوه، وإن علا ثم الابن وابنه وإن سفل. وخالف ذلك ترتيب الإرث لأن معظم الغرض الدعاء للميت، فقدم الأشفق لأن دعاءه أقرب إلى الإجابة، ثم العصبات النسبية على ترتيب الإرث في غير ابني عم أحدهما أخ لأم فيقدم الأخ الشقيق، ثم الأخ للأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ للأب. وهكذا. وتقدم مراهق مميز أجنبي على امرأة قريبة. ولو اجتمع أبناء عم أحدهما أخ من أم قدم لترجحه بالأخوة للأم والأم وإن لم يكن لها دخل في إمامة الرجال، لها مدخل في الصلاة في الجملة، لأنها تصلّى مأمومة ومنفردة وإمامة للنساء عند

стр. 943

فقد الرجال، فقدم بها كما يقدم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب، ثم بعد العصبات النسبية بالمولى، فيقدم المعتق، ثم عصيانه، ثم السلطان، ثم ذوو الأرحام الأقرب فالأقرب، فُيقدم أبو الأم، ثم الأخ للأم ثم الخال، ثم العم للأم، والأخ من الأم، هنا من ذوي الأرحام بخلافه في الإرث. ولا حق للزوج في الصلاة مع غير الأجانب. وكذا المرأة مع الذكر، فالزوج مقدم على الأجانب ولو استوى اثنان في درجة كابنين أو أخوين، وكل منهما أهل للإمامة قدم الأسن في الإسلام، غير الفاسق والرقيق والمبتدع على الأفقه، عكس بقية الصلاة لغرض الدعاء هنا. والأسن أقرب إلى الإجابة وسائر الصلوات محتاجة إلى الفقه، ويقدم الحر العدل على الرقيق، ولو أقرب وأفقه وأسن، لأنه أولى بالإمامة لأنها ولاية كالعم الحر، فإنه مقدم على الأب الرقيق مطلقًا. وكذا يقدم الحر العدل على الرقيق الفقيه، ويقدم الرقيق القريب على الحر الأجنبي، والرقيق البالغ على الحر الصبي، لأنه مكلف فهو أحرص على تكميل الصلاة، ولأن الصلاة خلفه مجمع على جوازها بخلافها خلف الصبي، فإن استووا وتشاحوا أقرع بينهم قطعًا للنزاع، وإن تراضوا بواحد معين قدم أو بواحد منهم غير معين أقرع. والحاصل أنه يقدم فيها القريب والمولى على الوالي كإمام المسجد بخلاف بقية الصلوات لأنها من قضاء حق الميت، كالدفن والتكفين، لأن معظم الغرض منها الدعاء كما تقدم، والقريب والمولى أشفق، وأنهما يقدمان فيها على الموصى له بها لأنها حقهما، ولا تنفذ الوصية فيه بإسقاطها كالإرث ونحوه. وما ورد من أن أبا بكر ﵁ أوصى أن يصلّي عليه عمر، وأن عمر أوصى أن يصلّي عليه صهيب فصلّى، وأن عائشة أوصت أن يصلّي عليها أبو هريرة فصلّى، فمحمول على أن أولياءهم أجازوا الوصية. وقال المالكية الأولى تقديم من أوصى الميت بالصلاة عليه، لأن ذلك من حق الميت إذ هو أعلم بمن يشفع له، إلاّ أن يعلم أن ذلك من الميت كان لعداوة بينه وبين الولي، وإنما أراد بذلك إنكاره فلا تجوز وصيته، فإن لم يكن وصى فالخليفة مقدم على الأولياء، لا نائبه لأنه لا يقدم على الأولياء، إلا أن يكون صاحب الخطبة فيقدم على المشهور، وهو قول ابن القاسم انتهى. (وإذا أحدث يوم العيد أو عند الجنازة يطلب الماء) ويتوضأ (ولا يتمم) وهذا يحتمل أن يكون عطفًا على الترجمة، أو من بقية كلام الحسن، ويقوي الثاني ما روي عنه عند ابن أبي شيبة أنه سئل عن الرجل يكون في الجنازة على غير وضوء، فإن ذهب يتوضأ تفوته، قال: لا يتيمم ولا يصلّي إلا على طهر (و) قال الحسن أيضًا، مما وصله ابن أبي شيبة: (إذا انتهى) الرجل (إلى الجنازة، وهم) أي: والحال أن الجماعة (يصلون، يدخل معهم بتكبيرة) ثم يأتي بعد سلام الإمام بما فاته، ويسن أن لا ترفع الجنازة حتى يتم المسبوق ما عليه، فلو رفعت لم يضر، وتبطل بتخلفه عن إمامه بتكبيرة بلا عذر بأن لم يكبر حتى كبر الإمام المستقبلة، إذ الاقتداء هنا إنما يظهر في التكبيرات، وهو تخلف فاحش يشبه التخلف بركعة. وفي الشرح الصغير احتمال أنه كالتخلف بركن حتى لا تبطل إلا بتخلفه بركنين، وخرج بالتقييد بلا عذر، من عذر ببطء القراءة أو النسيان. أو عدم سماع التكبير، فلا يبطل تخلفه بتكبيرة فقط، بل بتكبيرتين على ما اقتضاه كلامهم. (وقال ابن المسيب) سعيد مما قال الحافظ ابن حجر إنه لم يره موصولاً، وإنما وجد معناه بإسناد قوي عن عقبة بن عامر الصحابي، فيما أخرجه ابن أبي شيبة موقوفًا عليه: (يكبر) الرجل فى صلاة الجنازة سواء كانت (بالليل والنهار، والسفر والحضر، أربعًا) أي: أربع تكبيرات. (وقال أنس) هو: ابن مالك (¬﵁¬) مما وصله سعيد بن منصور: (تكبيرة الواحدة) وللأربعة: التكبيرة الواحدة (استفتاح الصلاة وقال) الله ، مما هو عطف على الترجمة (﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾) [التوبة: ٨٤]. فسماها صلاة، وسقط قوله: ﴿مات أبدًا﴾ عند أبي ذر، وابن عساكر. (وفيه) أي: في المذكور من صلاة الجنازة (صفوف وإمام) وهو يدل على الإطلاق أيضًا. والحاصل أن كل ما ذكره يشهد لصحة الإطلاق المذكور، لكن اعترضه ابن رشيد بأنه إن تمسك بالعرف الشرعي عارضه عدم الركوع

стр. 944

والسجود وإن تمسك بالحقيقة اللغوية عارضته الشرائط المذكورة، ولم يستو التبادر في الإطلاق، فيدعي الاشتراك لتوقف الإطلاق على القيد عند إرادة الجنازة، بخلاف ذات الركوع والسجود فتعين الحمل على المجاز. انتهى. وأجيب بأن المؤلّف لم يستدل على مطلوبه بمجرد تسميتها صلاة، بل بذلك، وبما انضم إليه من وجود جميع الشرائط إلا الركوع، والسجود. وقد سبق ذكر حكمة حذفهما منها، فبقي ما عداهما على الأصل. ١٣٢٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: "أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَأَمَّنَا فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ. فَقُلْنَا: يَا أَبَا عَمْرٍو مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄". وبالسند قال: (حدثنا سليمان بن حرب) الواشحي البصري قاضي مكة (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الشيباني) سليمان الكوفي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (قال): (أخبرني) بالإفراد (من مر مع نبيكم، ﷺ ¬) من أصحابه، ﵃، ممن لم يتسم (على قبر منبوذ) بالذال المعجمة، وتنوين قبر، و: منبوذ، صفة له. أي: قبر منفرد عن القبور، ولأبي ذر: قبر منبوذ بإضافة قبر لتاليه، أي: دفن فيه لقيط (فأمنا فصففنا) بفاءين (خلفه) وهذا موضع الترجمة. لأن الإمامة وتسوية الصفوف من سنة صلاة الجنازة. قال الشيباني (فقلنا) للشعبي: (يا أبا عمرو) بفتح العين (من) ولأبي ذر: ومن (حدثك) بهذا؟ (قال) حدثني: (ابن عباس ﵄¬). فيه رد على من جوّز صلاة الجنازة بغير طهارة معللاً بأنها إنما هي دعاء للميت واستغفار، لأنه لو كان المراد الدعاء وحده لما أخرجهم النبي ﷺ إلى البقيع، ولدعا في المسجد، وأمرهم بالدعاء معه أو التأمين على دعائه، ولما صفهم خلفه كما يصنع في الصلاة المفروضة والمسنونة، وكذا وقوفه في الصلاة، وتكبيره في افتتاحها، وتسليمه في التحلل منها، كل ذلك دال على أنها على الأبدان لا على اللسان وحده، قاله ابن رشيد، نقلاً عن ابن المرابط، كما أفاده في فتح الباري. ٥٨ - باب فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁: إِذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ. وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ: مَا عَلِمْنَا عَلَى الْجَنَازَةِ إِذْنًا، وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَلَهُ قِيرَاطٌ (باب فضل اتباع الجنائز) أي: مع الصلاة عليها، لأن الاتباع وسيلة للصلاة كالدفن، فإذا تجردت الوسيلة عن المقصد لم يحصل المرتب على المقصود، نعم يرجى لفاعل ذلك حصول فضل ما بحسب نيته. (وقال زيد بن ثابت) الأنصاري، كاتب الوحي المتوفى سنة خمس وأربعين بالمدينة (¬﵁¬) مما وصله سعيد بن منصور وابن أبي شيبة: (إذا صليت) على الجنازة (فقد قضيت الذي عليك) من حق الميت من الاتباع، فإن زدت الاتباع إلى الدفن زيد لك في الأجر، ومن لازم الصلاة اتباع الجنازة غالبًا، فحصلت المطابقة. (وقال حميد بن هلال) بضم الحاء المهملة، البصري التابعي، مما قال الحافظ ابن حجر: إنه لم يره موصولاً عنه: (ما علمنا على الجنازة إذنًا) يلتمس من أوليائها للانصراف بعد الصلاة (ولكن من صلّى ثم رجع فله قيراط). فلا يفتقر إلى الإذن، وهذا مذهب الشافعي والجمهور، وقال قوم: لا ينصرف إلا بإذن، وروي عن عمر، وابنه، وأبي هريرة، وابن مسعود، والمسور بن مخرمة، والنخعي، وحكي عن مالك. ١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ: حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵃ يَقُولُ: مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَقَالَك أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا. وبالسند قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي، قال: (حدّثنا جرير بن حازم) بفتح الجيم في الأول، وبالحاء المهملة. والزاي في الثاني (قال: سمعت نافعًا) مولى ابن عمر (يقول: حدث ابن عمر) بن الخطاب، بضم الحاء المهملة، وكسر الدال (أن أبا هريرة ﵃، يقول:) ووقع في مسلم تسمية من حدث ابن عمر بذلك، عن أبي هريرة، ولفظه: من طريق داود بن عامر بن سعد، عن أبيه، أنه كان قاعدًا عند عبد الله بن عمر، إذ طلع خباب، صاحب المقصورة، فقال: يا عبد الله بن عمر، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة … فذكره. موقوفًا. لم يذكر النبي، ﷺ ، كما هنا، وهو كذلك في جميع الطرق، لكن رواه أبو عوانة في صحيحه. فقال: قيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من تبع جنازة) وصلّى عليها (فله قيراط) من الأجر المتعلق بالميت، من: تجهيزه، وغسله، ودفنه، والتعزية به، وحمل الطعام، إلى أهله، وجميع ما يتعلق به، وليس المراد جنس الأجر. لأنه يدخل فيه ثواب الإيمان والأعمال: كالصلاة، والحج، وغيره. وليس في صلاة الجنازة ما يبلغ ذلك، وحينئذ فلم يبق إلا أن يرجع إلى المعهود، وهو الأجر العائد على الميت. قاله أبو الوفاء بن عقيل. ويؤيده

стр. 945

حديث أبي هريرة: من أتى جنازة في أهلها فله قيراط، فإن تبعها فله قيراط، فإن صلّى عليها، فله قيراط، فإن انتظرها حتى تدفن فله قيراط. رواه البزار بسند ضعيف. قال في الفتح: فهذا يدل على أن لكل عمل من أعمال الجنازة قيراطًا، وإن اختلفت مقادير القراريط، ولا سيما بالنسبة إلى مشقة ذلك العمل وسهولته، ومقدار القيراط، ومبحثه، يأتي إن شاء الله تعالى في الباب التالي. (فقال) ابن عمر، ﵄: (أكثر أبو هريرة علينا). لم يتهمه ابن عمر بأنه روى ما لم يسمع بل جوز عليه السهو والاشتباه لكثرة رواياته، أو قال ذلك لأنه لم يرفعه، فظن ابن عمر أنه قاله برأيه اجتهادًا، فأرسل ابن عمر إلى عائشة يسألها عن ذلك. ١٣٢٤ - فَصَدَّقَتْ -يَعْنِي عَائِشَةَ- أَبَا هُرَيْرَةَ وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهُ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ" فَرَّطْتُ: ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ. (فصدقت -يعني عائشة- أبا هريرة) وللمستملي، وأبي الوقت: بقول أبي هريرة (وقالت: سمعت رسول الله، ﷺ يقوله) الضمير المستتر للنبي، ﷺ ، والبارز للحديث أي: يقول رسول الله ﷺ ذلك. (فقال ابن عمر ﵄ لقد فرطنا في قراريط كثيرة) أي: في عدم المواظبة على حضور الدفن، كما وقع مبينًا في حديث مسلم، ولفظه: كان ابن عمر يصلّي على الجنازة ثم ينصرف، فلما بلغه حديث أبي هريرة، قال: فذكره، قال المؤلّف مفسرًا لقوله: لقد فرطنا (فرطت: ضيعت من أمر الله). وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا ومسلم والنسائي وابن ماجة وأبو داود. ٥٩ - باب مَنِ انْتَظَرَ حَتَّى تُدْفَنَ (باب من انتظر) الجنازة (حتى تدفن) واختار لفظ: انتظر، دون لفظ: شهد، لوروده في بعض طرق الحديث، كما في رواية معمر عند البزار من طريق ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة بلفظ: فإن انتظرها حتى تدفن فله قيراط. ١٣٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ . وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (قال: قرأت على ابن أبي ذئب محمد بن عبد الرحمن (عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه) أبي سعيد كيسان (أنه سأل أبا هريرة ﵁، فقال): ولأبي ذر: قال: (سمعت النبي، ﷺ ¬). ووقع هنا في نسخة مسموعة من طريق الخلال وغيره قال أي: المؤلّف: ح. وحدثني بالإفراد عبد الله بن محمد المسندي، قال: حدّثنا هشام، هو: ابن يوسف الصنعاني قال: حدّثنا معمر، بسكون العين، ابن راشد عن ابن شهاب الزهري، عن ابن المسيب: سعيد، عن أبي هريرة، ﵁ أن النبي ﷺ . ١٣٢٥ م - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَها حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ. قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ». قال المؤلّف (وحدّثنا) بالواو، وسقطت لغير أبي ذر (أحمد بن شبيب بن سعيد) بفتح الشين المعجمة وكسر الموحدة الأولى البصري الحبطي، بالحاء المهملة والموحدة المفتوحتين (قال: حدّثني) بالإفراد (أبي) شبيب بن سعيد. قال: (حدّثنا يونس) بن يزيد الأيلي (قال: ابن شهاب) الزهري، حدّثني فلان به (و) عطف على محذوف (حدّثنى) بالإفراد (عبد الرحمن الأعرج) أيضًا (أن أبا هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله- ﷺ ¬): (من شهد الجنازة) في رواية مسلم، من حديث خباب: من خرج مع جنازة من بيتها، ولأحمد من حديث أبي سعيد فمشى معها من أهلها (حتى يصلّي) بكسر اللام وفي رواية الأكثر: بفتحها، وهي محمولة عليها. فإن حصول القيراط متوقف على وجود الصلاة من الذي يشهد، زاد ابن عساكر في نسخة: عليها أي على الجنازة، وللكشميهني: عليه، أي: على الميت (فله قيراط) فلو تعددت الجنائز، واتحدت الصلاة عليها دفعة واحدة، هل تتعدد القراريط بتعددها أو لا تتعدد نظرًا لاتحاد الصلاة؟. قال الأذرعي: الظاهر التعدد، وبه أجاب قاضي حماه البارزي، ومقتضى التقييد بقوله في رواية أحمد وغيرها: فمشى معها من أهلها، أن القيراط يختص بمن حضر من أول الأمر إلى انقضاء الصلاة، لكن ظاهر حديث البزار السابق حصوله أيضًا لمن صلّى فقط، لكن يكون قيراطه دون قيراط من شيع مثلاً وصلّى، ويؤيد ذلك رواية مسلم عن أبي هريرة حيث قال: أصغرهما مثل أحد، ففيه دلالة على أن القراريط تتفاوت. وفي مسلم أيضًا: من صلّى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط، فظاهره حصول القيراط وإن لم يقع اتباع. لكن يمكن حمل الاتباع هنا ما بعد الصلاة، لا سيما وحديث البزار ضعيف. (ومن شهدها حتى تدفن) أي: يفرغ من دفنها، بأن يهال عليها التراب، وعلى ذلك تحمل رواية مسلم: حتى توضع في اللحد (كان له قيراطان)

стр. 946

من الأجر المذكور، وهل ذلك بقيراط الصلاة أو بدونه؟ فيكون: ثلاثة قراريط، فيه احتمال. لكن سبق في كتاب الإيمان التصريح بالأول، وحينئذ فتكون رواية الباب معناها: كان له قيراطان، أي بالأول ويشهد للثاني ما رواه الطبراني مرفوعًا: "من تبع جنازة حتى يقضى دفنها كتب له ثلاثة قراريط". وهل يحصل قيراط الدفن وإن لم يقع اتباع فيه بحث، لكن مقتضى قوله في كتاب الإيمان: وكان معها حتى يصلّى عليها، ويفرغ من دفنها، أن القيراطين إنما يحصلان بمجموع الصلاة والاتباع في جميع الطريق وحضور الدفن، فإن صلّى مثلاً وذهب إلى القبر وحده فحضر الدفن لم يحصل له إلا قيراط واحد، صرح به النووي في المجموع وغيره، لكن له أجر في الجملة. قال في فتح الباري: وما قاله النووي ليس في الحديث ما يقتضيه إلا بطريق المفهوم، فإن ورد منطوق بحصول القيراط بشهود الدفن وحده، كان مقدامًا. ويجمع حينئذ بتفاوت القيراط. والذين أبوا ذلك جعلوه من باب المطلق والمقيد، لكن مقتضى جميع الأحاديث أن من اقتصر على التشييع، ولم يصل، ولم يشهد الدفن، فلا قيراط له إلا على طريقة ابن عقيل السابقة. والقيراط بكسر القاف، قال الجوهري: نصف دانق، والدانق: سدس درهم فعلى هذا يكون القيراط جزء من اثني عشر جزءًا من الدرهم وقال أبو الوفاء بن عقيل: نصف سدس درهم، أو نصف عشر دينار. وقال ابن الأثير: هو نصف عشر الدينار في أكثر البلاد، وفي الشأم جزء من أربعة وعشرين جزءًا، وقال القاضي أبو بكر بن العربي. الذرّة جزء من ألف وأربعة وعشرين جزءًا من حبة، والحبة: ثلث القيراط، والذرة تخرج من النار، فكيف بالقيراط. وقد قرّب النبي، ﷺ ، القيراط للفهم بقوله، لما (قيل) له، وعند أبي عوانة: قال أبو هريرة: قلت يا رسول الله! (وما القيراطان؟ قال): (مثل الجبلين العظيمين) وأخص من ذلك تمثيله القيراط بأحدكما في مسلم. وهذا تمثيل واستعارة. قال الطيبي: قوله: مثل أحد تفسير للمقصود من الكلام، لا للفظ القيراط، والمراد منه أنه يرجع بنصيب كبير من الأجر، وقال الزين بن المنير: أراد تعظيم الثواب، فمثله للعيان بأعظم الجبال خلقًا، وأكثرها إلى النفوس المؤمنة حبًّا، لأنه الذي قال في حقه: "أحد جبل يحبنا ونحبه". ويجوز أن يكون على حقيقته، بأن يجعل الله تعالى عمله يوم القيامة جسمًا قدر أحد ويوزن. وفي حديث واثلة، عند ابن عدي: كتب له قيراطان أخفهما في ميزانه يوم القيامة، أثقل من جبل أُحد. فأفادت هذه الرواية بيان وجه التمثيل بجبل أحد، وأن المراد به زنة الثواب الرتب على ذلك العمل. ورواة حديث الباب ما بين: مدني وبصري وأيلي، وفيه: التحديث، والقراءة على الشيخ، والسؤال، والسماع، والعنعنة، والإخبار، والقول، ورواية الابن عن أبيه. ولم يخرج الطريق الأول غيره من بقية الكتب الستة، والطريق الثاني أخرجه مسلم في الجنائز، وكذا النسائي. ٦٠ - باب صَلَاةِ الصِّبْيَانِ مَعَ النَّاسِ عَلَى الْجَنَائِزِ (باب صلاة الصبيان مع الناس على الجنائز). ١٣٢٦ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَامِرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْرًا فَقَالُوا: هَذَا دُفِنَ -أَوْ دُفِنَتِ- الْبَارِحَةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَصَفَّنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا". وبالسند قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) الدورقي، قال: (حدّثنا يحيى بن أبي بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف، العبدي الكوفي قاضي كرمان، قال (حدّثنا زائدة) بن قدامة قال (حدّثنا أبو إسحاق) سليمان (الشيباني، عن عامر) الشعبي (عن ابن عباس، ﵄، قال): (أتى رسول الله، ﷺ ، قبرًا، فقالوا: هذا دفن -أو دفنت- البارحة) شك ابن عباس (قال ابن عباس، ﵄: فصفنا) بفاء مشددة، ولأبي ذر: فصففنا بفاءين (خلفه، ثم صلّى عليهما). ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: فصفنا خلفه، وأفاد مشروعية صلاة الصبيان على الجنائز، وأن حديثه السابق قبل ثلاثة أبواب دل عليه ضمنًا، لكنه أراد التنصيص عليه. ٦١ - باب الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ بِالْمُصَلَّى وَالْمَسْجِدِ (باب الصلاة على الجنائز بالمصلّى) المتخذ للصلاة عليها فيه (والمسجد). ١٣٢٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ "نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ يَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ". وبالسند قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف مصغرًا، المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد (عن ابن شهاب) الزهري

стр. 947

(عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة) بفتح اللام عبد الرحمن: (أنهما حدثاه عن أبي هريرة، ﵁، قال): (نعى لنا)، ولأبي الوقت: نعانا (رسول الله ﷺ ، النجاشي) نصب مفعول: نعى (صاحب الحبشة) أي: ملكها، وهو منصوب صفة لسابقه (يوم الذي) بالنصب على الظرفية، ويوم نكرة، ولأبي ذر: اليوم الذي (مات فيه فقال): (استغفروا لأخيكم) في الإسلام أصحمة النجاشي. ١٣٢٨ - وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَفَّ بِهِمْ بِالْمُصَلَّى، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا". (وعن ابن شهاب) الزهري بالسند السابق (قال: حدثني) بالإفراد (سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة ﵁ قال): (إن النبي، ﷺ ، صف بهم بالمصلّى، فكبر عليه) أي: على النجاشي (أربعًا). لا دلالة فيه على منع الصلاة على الميت في المسجد، وهو قول الحنفية والمالكية، لأنه ليس فيه صيغة نهي، والممتنع عند الحنفية إدخال الميت المسجد، لا مجرد الصلاة عليه حتى لو كان الميت خارج المسجد جازت الصلاة عليه، ويحتمل أنه ﷺ ، إنما خرج بالمسلمين إلى المصلّى لقصد تكثير الجمع الذين يصلون عليه، ولإشاعة كونه مات مسلمًا. وقد ثبت في صحيح مسلم: أنه ﷺ ، صلّى على سهيل بن بيضاء في المسجد. فكيف يترك هذا الصريح لأمر محتمل؟ وحينئذ فلا كراهة في الصلاة عليه فيه. بل هي فيه أفضل منها في غيره هذا الحديث، ولأن المسجد أشرف من غيره. وأجاب المانعون عن حديث سهيل باحتمال أن يكون سهيل كان خارج المسجد، والمصلون داخله. وذلك جائزًا اتفاقًا، وأجيب بأن عائشة استدلّت بذلك لما أنكروا عليها أمرها بالمرور بجنازة سعد على حجرتها لتصلي عليه، وسلم لها الصحابة، فدلّ على أنها حفظت ما نسوه. وقد روى ابن أبي شيبة وغيره: أن عمر صلّى على أبي بكر في المسجد، وأن صهيبًا صلّى على عمر في المسجد، زاد في رواية: ووضعت الجنازة في المسجد تجاه المنبر. قال في الفتح: وهذا يقتضي الإجماع على جواز ذلك اهـ. وأما حديث من صلّى على جنازة في المسجد فلا شيء له فضعيف والذي في الأصول المعتمدة: فلا شيء عليه، وإن صح وجب حمله على هذا جمعًا بين الروايات، وقد جاء مثله في القرآن كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، أو على نقصان الأجر لأن المصلي عليها في المسجد ينصرف عنها غالبًا، ومن يصلّي عليها في الصحراء يحضر دفنها غالبًا، فيكون التقدير: فلا أجر له كامل، كقوله ﵊: "لا صلاة بحضرة طعام". ووجه المطابقة بين الحديث والترجمة كونه ألحق حكم المصلي بالمسجد بدليل على سبق في العيدين، وفي الحيض من حديث أم عطية: ويعتزل الحيض المصلّى، فدلّ على أن للمصلّى حكم المسجد فيما ينبغي أن يجتنب فيه. ١٣٢٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ". [الحديث ١٣٢٩ - أطرافه في: ٣٦٣٥، ٤٥٥٦، ٦٨١٩، ٦٨٤١، ٧٣٣٢، ٧٥٤٣]. وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) بن عبد الله الحزامي، قال: (حدّثنا أبو ضمرة) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم وبالراء، أنس بن عياض (قال: حدّثنا موسى بن عقبة) بضم العين وسكون القاف (عن نافع) مولى ابن عمر بن الخطاب (عن عبد الله بن عمر، ﵄¬). (أن اليهود) من أهل خيبر (جاؤوا) في السنة الرابعة (إلى النبي، ﷺ ، برجل منهم وامرأة زنيا) قال ابن العربي في أحكام القرآن: اسم المرأة بسرة. كذا حكاه السهيلي والرجل لم يسم. (فأمر بهما) النبي، ﷺ (فرجما قريبًا من موضع الجنائز عند المسجد) بتثليث عين عند، وهي: ظرف في المكان والزمان غير متمكن، والمعنى هنا: في المسجد. ورواة هذا الحديث كلهم مدنيون، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف في: التفسير والاعتصام، والحدود، ومسلم في: الحدود، والنسائي في: الرجم. ٦٢ - باب مَا يُكْرَهُ مِنِ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَلَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵃ ضَرَبَتِ امْرَأَتُهُ الْقُبَّةَ عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً، ثُمَّ رُفِعَتْ، فَسَمِعُوا صَائِحًا يَقُولُ: أَلَا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا؟ فَأَجَابَهُ الآخَرُ: بَلْ يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا. (باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور). (ولما مات الحسن بن الحسن بن علي) بن أبي طالب، بفتح الحاء والسين في الاسمين وهو ممن وافق اسمه اسم أبيه، وكانت وفاته سنة سبع وتسعين، وكان من ثقات التابعين، وله ولد يسمى: الحسن أيضًا، فهم ثلاثة في نسق واحد (¬﵃، ضربت امرأته) فاطمة بنت الحسين بن علي، وهي: ابنة عمه (القبة) أي: الخيمة، كما دل عليه مجيئه في حديث آخر بلفظ: الفسطاط (على قبره سنة، ثم رفعت). قال ابن

стр. 948

المنير: إنما ضربت الخيمة هناك للاستمتاع بقربه، وتعليلاً للنفس، وتخييلاً باستصحاب المألوف من الأنس، ومكابرة للحس، كما يتعلل بالوقوف على الاطلال البالية، ويخاطب المنازل الخالية، فجاءتهم الموعظة (فسمعوا) أي: المرأة ومن معها، ولأبي ذر: فسمعت (صائحًا) من مؤمني الجنّ أو الملائكة (يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا؟) بفتح القاف، وللكشميهني: ما طلبوا؟ (فأجابه) صائح (آخر: بل يئسوا فانقلبوا). ومطابقة الحديث للترجمة من جهة: أن المقيم في الفسطاط لا يخلو من الصلاة فيه، فيستلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة. فتزداد الكراهة، وإذا أنكر الصائح بناء زائلاً، وهو: الخيمة، فالبناء الثابت أجدر، ولكن لا يؤخذ من كلام الصائح حكم، لأن مسالك الأحكام: الكتاب والسنة والقياس والإجماع، ولا وحي بعده ﵊، وإنما هذا وأمثاله تنبيه على انتزاع الأدلة من مواضعها، واستنباطها من مظانها. ١٣٣٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ هِلَالٍ هُوَ الْوَزَّانُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا. قَالَتْ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لأَبْرَزُوا قَبْرَهُ، غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا". وبالسند قال: (حدّثنا عبيد الله بن موسى) العبسي (عن شيبان) بفتح الشين المعجمة ابن عبد الرحمن النحوي (عن هلال: هو) ابن حميد (الوزان، عن عروة) بن الزبير بن العوام (عن عائشة، ﵂ عن النبي ﷺ قال، في مرضه الذي مات فيه): (لعن الله اليهود والنصارى) أي: أبعدهم من رحمته (اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدًا) بالإفراد على إرادة الجنس، وللكشميهني: مساجد (قالت) عائشة، ﵂: (ولولا ذلك) أي: خشية اتخاذ قبره مسجدًا (لأبرزوا قبره) ﵇، بلفظ الجمع، لكن لم يبرزوه أي: لم يكشفوه، بل بنوا عليه حائلاً لوجود خشية الاتخاذ. فامتنع الإبراز، لأن: لولا، امتناع لوجود، ولأبي ذر، وابن عساكر، والأصيلي: لأبرز قبره، بالرفع مفعول ناب عن الفاعل (غير أني أخشى أن يتخذ مسجدًا). وهذا قالته عائشة قبل أن يوسع المسجد، ولذا لما وسع جعلت الحجرة الشريفة رزقنا الله العودة إليها، مثلثة الشكل، محددة، حتى لا يتأتى لأحد أن يصلّي إلى جهة القبر المقدس، مع استقبال القبلة. وفي هذا الحديث: التحديث والعنعنة، وفيه أن شيخ المؤلّف بصري، سكن الكوفة، وشيبان وهلال: كوفيان، وعروة: مدني، وأخرجه في: الجنائز أيضًا والمغازي، ومسلم في: الصلاة. ٦٣ - باب الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ إِذَا مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا (باب الصلاة على النفساء) بضم النون وفتح الفاء والمد، بناء مفرد على غير قياس، أي: المرأة الحديثة العهد بالولادة، (إذا ماتت في) مدة (نفاسها). ١٣٣١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: "صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا". وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو: ابن مسرهد، قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) الأول من الزيادة، والثاني تصغير زرع، قال: (حدّثنا حسين) المعلم، قال: (حدّثنا عبد الله بن بريدة) بضم الموحدة وفتح الراء والدال المهملة، ابن الحصيب بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين آخره موحدة، الأسلمي المروزي التابعي (عن سمرة) بفتح السين المهملة وضم الميم، ولأبي ذر زيادة: ابن جندب، بفتح الدال وضمها (¬﵁ قال): (صليت وراء النبي، ﷺ ¬)، أي: خلفه، وإن كان قد جاء بمعنى قدام، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم وهو ظرف مكان ملازم للإضافة، ونصبه على الظرفية (على امرأة) هي: أم كعب الأنصارية، كما في مسلم (ماتت في نفاسها) في: هنا للتعليل كما في قوله، ﵊: إن امرأة دخلت النار في هرة (فقام عليها، وسطها) بفتح السين أي: محاذيًا لوسطها. وفي نسخة: على وسطها، ولأبي ذر، وابن عساكر، والأصيلي، فقام وسطها. بسكون السين، وإسقاط لفظة: عليها، فمن سكن جعله ظرفًا، ومن فتح جعله اسمًا. والمراد على الوجهين: عجيزتها. وكون هذه المرأة في نفاسها وصف غير معتبر اتفاقًا، وإنما هو حكاية أمر وقع. واختلف في كونها امرأة، فاعتبره الشافعي، والخنثى كالمرأة، فيقف الإمام والمنفرد ندبًا عند عجيزة الأنثى والخنثى، وأما الرجل فعند رأسه لئلا يكون ناظرًا إلى فرجه، بخلاف المرأة، فإنها في القبة، كما هو الغالب، ووقوفه عند وسطها ليسترها عن أعين الناس. وفي حديث أبي داود، والترمذي، وابن ماجة، عن أنس: أنه صلّى على رجل فقام عند رأسه، وعلى امرأة، وعليها نعش أخضر، فقام عند عجيزتها. فقال له العلاء بن زياد: يا أبا حمزة! أهكذا كان رسول الله ﷺ يصلّي على الجنازة؟ قال: نعم. وبذلك قال أحمد وأبو

стр. 949

يوسف. والمشهور عن الحنفية: أن يقوم من الرجل والمرأة حذاء الصدر، وقال مالك: يقوم من الرجل عند وسطه، ومن المرأة عند منكبها. ٦٤ - باب أَيْنَ يَقُومُ مِنَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ؟ (باب أين يقوم) الإمام (من المرأة والرجل؟). ١٣٣٢ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: "صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا". وبه قال: (حدّثنا عمران بن ميسرة) ضدّ الميمنة، قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العبدي، مولاهم، التنوري البصري؛ قال: (حدّثنا حسين) بضم الحاء مصغرًا، المعلم (عن ابن بريدة) عبد الله أنه (قال: حدّثنا سمرة بن جندب، ﵁، قال): (صليت وراء النبي، ﷺ ، على امرأة) هي: أم كعب (ماتت في نفاسها، فقام عليها وسطها) بفتح السين في اليونينية. ٦٥ - باب التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَازَةِ أَرْبَعًا. وَقَالَ حُمَيْدٌ صَلَّى بِنَا أَنَسٌ ﵁ فَكَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ سَلَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ كَبَّرَ الرَّابِعَةَ، ثُمَّ سَلَّمَ (باب التكبير على الجنازة أربعًا). (وقال حميد) الطويل، مما وصله عبد الرزاق: (صلّى بنا أنس) على جنازة (فكبر ثلاثًا) منها تكبيرة الإحرام (ثم سلم)، ثم انصرف ناسيًا (فقيل له:) يا أبا حمزة! إنك كبرت ثلاثًا (فاستقبل القبلة) وصفوا خلفه (ثم كبر) التكبيرة (الرابعة، ثم سلم). ١٣٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ". وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي، قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، ﵁¬): (أن رسول الله، ﷺ ، نعى النجاشي) بتخفيف الجيم (في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلّى، فصف بهم، وكبر عليه أربع تكبيرات) منها تكبيرة الإحرام، وهي من الأركان السبعة. وعدّ الغزالي كل تكبيرة ركنًا، ولا خلاف في المعنى، فلو كبر الإمام والمأموم خمسًا، ولو عمدًا، لم تبطل صلاته لثبوتها في مسلم، ولأنها لا تخل بالصلاة، لكن الأربع أولى لتقرر الأمر عليها. وروى البيهقي، بإسناد حسن إلى أبي وائل، قال: كانوا يكبرون على عهد رسول الله، ﷺ ، سبعًا وخمسًا وستًا أو أربعًا، فجمع عمر الناس على أربع كأطول الصلاة. ١٣٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا". وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَبْدُ الصَّمَدِ عَنْ سَلِيمٍ "أَصْحَمَةَ". وبه قال: (حدّثنا محمد بن سنان) بكسر السن المهملة، العوقيّ الأعمى، قال: (حدّثنا سليم بن حيان) بفتح السين وكسر اللام، في الأوّل، وفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية منصرفًا وغير منصرف، في الثاني، ابن بسطام الهذلي البصري، وليس في الصحيحين: سليم، بفتح السين غيره، قال: (حدّثنا سعيد بن ميناء) بكسر العين في الأوّل، وكسر الميم وسكون التحتية وفتح النون مع المد، ولأبي ذر: مبني، بالقصر، المكي، (عن جابر) هو: ابن عبد الله الأنصاري (¬﵁¬): (أن النبي ﷺ ، صلّى على أصحمة) بفتح الهمزة وسكون الصاد وفتح الحاء المهملتين، ومعناه بالعربية: عطية، وذكر مقاتل، في نوادر التفسير من تأليفه، أن اسمه: مكحول بن صعصعة، وقال في القاموس: أصحمة بن بحر (النجاشي) بتخفيف الجيم، وهو لقب كل من ملك الحبشة (فكبر) ﵊ عليه (أربعًا). (وقال يزيد بن هارون) الواسطي، مما وصله المؤلّف في هجرة الحبشة، عن أبي بكر بن أبي شيبة عنه، (وعبد الصمد) بن عبد الوارث، مما روياه (عن سليم) المذكور بإسناده عن جابر: (أصحمة) ولأبي ذر، عن المستملي، مما في الفتح: وقال يزيد عن سليم أصحمة، وتابعه عبد الصمد فيما وصله الإسماعيلي من طريق أحمد بن سعيد عنه، كل قال: أصحمة بالهمزة وسكون الصاد، كرواية سعيد بن سنان، وكذا هو في نسخة الفرع وغيرها، بل قال الحافظ ابن حجر: إنه الذي اتصل له من جميع طرق البخاري، قال: وفيه نظر، لأن إيراد المصنف يشعر بأن يزيد خالف محمد بن سنان، وأن عبد الصمد تابع يزيد، وفي مصنف ابن أبي شيبة عن يزيد: صحمة، بفتح الصاد وسكون الحاء، وهو المتجه، وصرح كثير من الشراح، كالزركشي، وتبعه الدماميني، أنها في رواية يزيد وعبد الصمد عند البخاري كذلك، بحذف الهمزة. والحاصل أن الرواة اختلفوا في إثبات الألف وحذفها، وقال الكرماني: إن يزيد روى: أصمحة، بتقديم الميم على الحاء، وتابعه على ذلك عبد الصمد بن عبد الوارث، وصوّبه القاضي عياض، لكن قال النووي: إنها شاذة، كرواية صحمة، بحذف الألف وتأخير الميم، وإن الصواب: أصحمة بتقديمها وإثبات الألف. وذكر الكرماني أيضًا: أن في رواية محمد بن سنان في بعض النسخ: أصحبة، بالموحدة بدل الميم مع إثبات

стр. 950

الألف، وحكى الإسماعيلي أن في رواية عبد الصمد: أصخمة بالخاء المعجمة وإثبات الألف. قال: وهو غلط، قال في الفتح: فيحتمل أن يكون هذا محل الاختلاف الذي أشار إليه البخاري. وفي هذا الحديث: التحديث والعنعنة، وشيخه من أفراده، وأخرجه مسلم في: الجنائز. ٦٦ - باب قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى الْجَنَازَةِ وَقَالَ الْحَسَنُ: يَقْرَأُ عَلَى الطِّفْلِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا سَلَفًا وَفَرَطًا وَأَجْرًا. (باب) مشروعية (قراءة فاتحة الكتاب) في الصلاة (على الجنازة) وهي من أركانها، لعموم حديث: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. وبه قال الشافعي وأحمد: وقال مالك والكوفيون: ليس فيها قراءة، قال البدر الدماميني من المالكية: ولنا قول في المذهب باستحباب الفاتحة فيها، واختاره بعض الشيوخ. (وقال الحسن) البصري: مما وصله عبد الوهاب بن عطاء الخفاف في كتاب الجنائز له: (يقرأ) المصلي (على الطفل) الميت (بفاتحة الكتاب، ويقول: اللهم اجعله لنا سلفًا) بالتحريك أي، متقدمًا إلى الجنة لأجلنا (وفَرَطًا) بالتحريك، الذي يتقدم الواردة، فيهيئ لهم المنزل (وأجرًا) الذي في اليونينية: فرطًا وسلفًا وأجرًا. ١٣٣٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قال حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قال حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدٍ عَنْ طَلْحَةَ قَالَ "صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ أخبرنا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: "صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. قَالَ: لِيَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ". وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة، بندار (قال: حدّثنا غندر) بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال وضمها، محمد بن جعفر البصري (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سعد) بسكون العين، هو: ابن إبراهيم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الإسناد الآتي، (عن طلحة) هو: ابن عبد الله، كما سيأتي أيضًا، (قال): (صليت خلف ابن عباس، ﵄¬). (حدّثنا) كذا في الفرع، وفي نسخة غيره: ح وحدّثنا (محمد بن كثير) بالمثلثة (قال: أخبرنا سفيان) الثوري (عن سعد بن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف، المتوفّى سنة خمس وعشرين ومائة (عن طلحة بن عبد الله بن عوف) الزهري، ابن أخي عبد الرحمن (قال): (صليت خلف ابن عباس ﵄ على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب)، ولأبي ذر، وابن عساكر: فقرأ فاتحة الكتاب (قال) ولأبوي: ذر: والوقت، فقال: (ليعلموا) بالمثناة التحتية على الغيبة، ولأبي الوقت في غير اليونينية: لتعلموا، بالفوقية على الخطاب (أنها) أي قراءة الفاتحة في الجنازة (سنة) أي: طريقة، للشارع، فلا ينافي كونها واجبة. وقد علم أن قول الصحابي من السنة، كذا حديث مرفوع عند الأكثر، وليس في حديث الباب بيان محل القراءة، وقد وقع التصريح به في حديث جابر عند البيهقي في سننه، عن الشافعي بلفظ: وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى. وفي النسائي، بإسناد على شرط الشيخين، عن أبي أمامة الأنصاري، قال: السنة في صلاة الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة، نعم، يجوز تأخيرها إلى التكبيرة الثانية، كما ذكره الرافعي والنووي عن حكاية الروياني وغيره له عن النص بعد نقلهما المنع عن الغزالي، وجزم به في المنهاج، والمجموع، ولم يخص الثانية فقال: قلت تجزئ الفاتحة بعد غير الأولى، وعليه، مع ما قالوه من تعين الصلاة في الثانية، والدعاء في الثالثة، يلزم خلو الأولى عن ذكر. والجمع بين ركنين في تكبيرة واحدة. والذي قاله الجمهور تعين الفاتحة في الأولى، وبه جزم النووي في التبيان، وهو ظاهر نصين نقلهما في شرح المهذّب، وقال الأذرعي: وظاهر نصوص الشافعي والأكثرين تعيينها في الأولى. وفي هذا الحديث: التحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواته ما بين: بصري وواسطي ومدني وكوفي، وأخرجه أبو داود والترمذي بمعناه، وقال: حسن صحيح. والنسائي، كلهم في: الجنائز. ٦٧ - باب الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ مَا يُدْفَنُ (باب) جواز (الصلاة على القبر بعد ما يدفن) أي بعد دفن الميت، وإليه ذهب الجمهور ومنعه النخعي ومالك وأبو حنيفة، وعنهم: إن دفن قبل أن يصلّى عليه شرع، وإلا فلا. ١٣٣٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ قَالَ: "أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَأَمَّهُمْ وَصَلَّوْا خَلْفَهُ. قُلْتُ: مَنْ حَدَّثَكَ هَذَا يَا أَبَا عَمْرٍو؟ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄". وبالسند قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) بكسر الميم، قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثني) ولأبي الوقت: أخبرني بالإفراد، ولأبي ذر أخبرنا (سليمان الشيباني، قال: سمعت الشعبي) عامر بن شراحيل (قال): (أخبرني) بالإفراد (من مر مع النبي، ﷺ ، على قبر منبوذ) بتنوين قبر، ومنبوذ صفة له أي: في ناحية عن القبور، ولأبي ذر: قبر منبوذ بغير تنوين على الإضافة، أي:
следующие страницы →