← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21715

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط بولاق

القسطلاني

Полный текст (4 743 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

من الأجر المذكور، وهل ذلك بقيراط الصلاة أو بدونه؟ فيكون: ثلاثة قراريط، فيه احتمال. لكن سبق في كتاب الإيمان التصريح بالأول، وحينئذ فتكون رواية الباب معناها: كان له قيراطان، أي بالأول ويشهد للثاني ما رواه الطبراني مرفوعًا: "من تبع جنازة حتى يقضى دفنها كتب له ثلاثة قراريط". وهل يحصل قيراط الدفن وإن لم يقع اتباع فيه بحث، لكن مقتضى قوله في كتاب الإيمان: وكان معها حتى يصلّى عليها، ويفرغ من دفنها، أن القيراطين إنما يحصلان بمجموع الصلاة والاتباع في جميع الطريق وحضور الدفن، فإن صلّى مثلاً وذهب إلى القبر وحده فحضر الدفن لم يحصل له إلا قيراط واحد، صرح به النووي في المجموع وغيره، لكن له أجر في الجملة. قال في فتح الباري: وما قاله النووي ليس في الحديث ما يقتضيه إلا بطريق المفهوم، فإن ورد منطوق بحصول القيراط بشهود الدفن وحده، كان مقدامًا. ويجمع حينئذ بتفاوت القيراط. والذين أبوا ذلك جعلوه من باب المطلق والمقيد، لكن مقتضى جميع الأحاديث أن من اقتصر على التشييع، ولم يصل، ولم يشهد الدفن، فلا قيراط له إلا على طريقة ابن عقيل السابقة. والقيراط بكسر القاف، قال الجوهري: نصف دانق، والدانق: سدس درهم فعلى هذا يكون القيراط جزء من اثني عشر جزءًا من الدرهم وقال أبو الوفاء بن عقيل: نصف سدس درهم، أو نصف عشر دينار. وقال ابن الأثير: هو نصف عشر الدينار في أكثر البلاد، وفي الشأم جزء من أربعة وعشرين جزءًا، وقال القاضي أبو بكر بن العربي. الذرّة جزء من ألف وأربعة وعشرين جزءًا من حبة، والحبة: ثلث القيراط، والذرة تخرج من النار، فكيف بالقيراط. وقد قرّب النبي، ﷺ ، القيراط للفهم بقوله، لما (قيل) له، وعند أبي عوانة: قال أبو هريرة: قلت يا رسول الله! (وما القيراطان؟ قال): (مثل الجبلين العظيمين) وأخص من ذلك تمثيله القيراط بأحدكما في مسلم. وهذا تمثيل واستعارة. قال الطيبي: قوله: مثل أحد تفسير للمقصود من الكلام، لا للفظ القيراط، والمراد منه أنه يرجع بنصيب كبير من الأجر، وقال الزين بن المنير: أراد تعظيم الثواب، فمثله للعيان بأعظم الجبال خلقًا، وأكثرها إلى النفوس المؤمنة حبًّا، لأنه الذي قال في حقه: "أحد جبل يحبنا ونحبه". ويجوز أن يكون على حقيقته، بأن يجعل الله تعالى عمله يوم القيامة جسمًا قدر أحد ويوزن. وفي حديث واثلة، عند ابن عدي: كتب له قيراطان أخفهما في ميزانه يوم القيامة، أثقل من جبل أُحد. فأفادت هذه الرواية بيان وجه التمثيل بجبل أحد، وأن المراد به زنة الثواب الرتب على ذلك العمل. ورواة حديث الباب ما بين: مدني وبصري وأيلي، وفيه: التحديث، والقراءة على الشيخ، والسؤال، والسماع، والعنعنة، والإخبار، والقول، ورواية الابن عن أبيه. ولم يخرج الطريق الأول غيره من بقية الكتب الستة، والطريق الثاني أخرجه مسلم في الجنائز، وكذا النسائي. ٦٠ - باب صَلَاةِ الصِّبْيَانِ مَعَ النَّاسِ عَلَى الْجَنَائِزِ (باب صلاة الصبيان مع الناس على الجنائز). ١٣٢٦ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَامِرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْرًا فَقَالُوا: هَذَا دُفِنَ -أَوْ دُفِنَتِ- الْبَارِحَةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَصَفَّنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا". وبالسند قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) الدورقي، قال: (حدّثنا يحيى بن أبي بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف، العبدي الكوفي قاضي كرمان، قال (حدّثنا زائدة) بن قدامة قال (حدّثنا أبو إسحاق) سليمان (الشيباني، عن عامر) الشعبي (عن ابن عباس، ﵄، قال): (أتى رسول الله، ﷺ ، قبرًا، فقالوا: هذا دفن -أو دفنت- البارحة) شك ابن عباس (قال ابن عباس، ﵄: فصفنا) بفاء مشددة، ولأبي ذر: فصففنا بفاءين (خلفه، ثم صلّى عليهما). ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: فصفنا خلفه، وأفاد مشروعية صلاة الصبيان على الجنائز، وأن حديثه السابق قبل ثلاثة أبواب دل عليه ضمنًا، لكنه أراد التنصيص عليه. ٦١ - باب الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ بِالْمُصَلَّى وَالْمَسْجِدِ (باب الصلاة على الجنائز بالمصلّى) المتخذ للصلاة عليها فيه (والمسجد). ١٣٢٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ "نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ يَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ". وبالسند قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف مصغرًا، المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد (عن ابن شهاب) الزهري

стр. 947

(عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة) بفتح اللام عبد الرحمن: (أنهما حدثاه عن أبي هريرة، ﵁، قال): (نعى لنا)، ولأبي الوقت: نعانا (رسول الله ﷺ ، النجاشي) نصب مفعول: نعى (صاحب الحبشة) أي: ملكها، وهو منصوب صفة لسابقه (يوم الذي) بالنصب على الظرفية، ويوم نكرة، ولأبي ذر: اليوم الذي (مات فيه فقال): (استغفروا لأخيكم) في الإسلام أصحمة النجاشي. ١٣٢٨ - وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَفَّ بِهِمْ بِالْمُصَلَّى، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا". (وعن ابن شهاب) الزهري بالسند السابق (قال: حدثني) بالإفراد (سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة ﵁ قال): (إن النبي، ﷺ ، صف بهم بالمصلّى، فكبر عليه) أي: على النجاشي (أربعًا). لا دلالة فيه على منع الصلاة على الميت في المسجد، وهو قول الحنفية والمالكية، لأنه ليس فيه صيغة نهي، والممتنع عند الحنفية إدخال الميت المسجد، لا مجرد الصلاة عليه حتى لو كان الميت خارج المسجد جازت الصلاة عليه، ويحتمل أنه ﷺ ، إنما خرج بالمسلمين إلى المصلّى لقصد تكثير الجمع الذين يصلون عليه، ولإشاعة كونه مات مسلمًا. وقد ثبت في صحيح مسلم: أنه ﷺ ، صلّى على سهيل بن بيضاء في المسجد. فكيف يترك هذا الصريح لأمر محتمل؟ وحينئذ فلا كراهة في الصلاة عليه فيه. بل هي فيه أفضل منها في غيره هذا الحديث، ولأن المسجد أشرف من غيره. وأجاب المانعون عن حديث سهيل باحتمال أن يكون سهيل كان خارج المسجد، والمصلون داخله. وذلك جائزًا اتفاقًا، وأجيب بأن عائشة استدلّت بذلك لما أنكروا عليها أمرها بالمرور بجنازة سعد على حجرتها لتصلي عليه، وسلم لها الصحابة، فدلّ على أنها حفظت ما نسوه. وقد روى ابن أبي شيبة وغيره: أن عمر صلّى على أبي بكر في المسجد، وأن صهيبًا صلّى على عمر في المسجد، زاد في رواية: ووضعت الجنازة في المسجد تجاه المنبر. قال في الفتح: وهذا يقتضي الإجماع على جواز ذلك اهـ. وأما حديث من صلّى على جنازة في المسجد فلا شيء له فضعيف والذي في الأصول المعتمدة: فلا شيء عليه، وإن صح وجب حمله على هذا جمعًا بين الروايات، وقد جاء مثله في القرآن كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، أو على نقصان الأجر لأن المصلي عليها في المسجد ينصرف عنها غالبًا، ومن يصلّي عليها في الصحراء يحضر دفنها غالبًا، فيكون التقدير: فلا أجر له كامل، كقوله ﵊: "لا صلاة بحضرة طعام". ووجه المطابقة بين الحديث والترجمة كونه ألحق حكم المصلي بالمسجد بدليل على سبق في العيدين، وفي الحيض من حديث أم عطية: ويعتزل الحيض المصلّى، فدلّ على أن للمصلّى حكم المسجد فيما ينبغي أن يجتنب فيه. ١٣٢٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ". [الحديث ١٣٢٩ - أطرافه في: ٣٦٣٥، ٤٥٥٦، ٦٨١٩، ٦٨٤١، ٧٣٣٢، ٧٥٤٣]. وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) بن عبد الله الحزامي، قال: (حدّثنا أبو ضمرة) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم وبالراء، أنس بن عياض (قال: حدّثنا موسى بن عقبة) بضم العين وسكون القاف (عن نافع) مولى ابن عمر بن الخطاب (عن عبد الله بن عمر، ﵄¬). (أن اليهود) من أهل خيبر (جاؤوا) في السنة الرابعة (إلى النبي، ﷺ ، برجل منهم وامرأة زنيا) قال ابن العربي في أحكام القرآن: اسم المرأة بسرة. كذا حكاه السهيلي والرجل لم يسم. (فأمر بهما) النبي، ﷺ (فرجما قريبًا من موضع الجنائز عند المسجد) بتثليث عين عند، وهي: ظرف في المكان والزمان غير متمكن، والمعنى هنا: في المسجد. ورواة هذا الحديث كلهم مدنيون، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف في: التفسير والاعتصام، والحدود، ومسلم في: الحدود، والنسائي في: الرجم. ٦٢ - باب مَا يُكْرَهُ مِنِ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَلَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵃ ضَرَبَتِ امْرَأَتُهُ الْقُبَّةَ عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً، ثُمَّ رُفِعَتْ، فَسَمِعُوا صَائِحًا يَقُولُ: أَلَا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا؟ فَأَجَابَهُ الآخَرُ: بَلْ يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا. (باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور). (ولما مات الحسن بن الحسن بن علي) بن أبي طالب، بفتح الحاء والسين في الاسمين وهو ممن وافق اسمه اسم أبيه، وكانت وفاته سنة سبع وتسعين، وكان من ثقات التابعين، وله ولد يسمى: الحسن أيضًا، فهم ثلاثة في نسق واحد (¬﵃، ضربت امرأته) فاطمة بنت الحسين بن علي، وهي: ابنة عمه (القبة) أي: الخيمة، كما دل عليه مجيئه في حديث آخر بلفظ: الفسطاط (على قبره سنة، ثم رفعت). قال ابن

стр. 948

المنير: إنما ضربت الخيمة هناك للاستمتاع بقربه، وتعليلاً للنفس، وتخييلاً باستصحاب المألوف من الأنس، ومكابرة للحس، كما يتعلل بالوقوف على الاطلال البالية، ويخاطب المنازل الخالية، فجاءتهم الموعظة (فسمعوا) أي: المرأة ومن معها، ولأبي ذر: فسمعت (صائحًا) من مؤمني الجنّ أو الملائكة (يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا؟) بفتح القاف، وللكشميهني: ما طلبوا؟ (فأجابه) صائح (آخر: بل يئسوا فانقلبوا). ومطابقة الحديث للترجمة من جهة: أن المقيم في الفسطاط لا يخلو من الصلاة فيه، فيستلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة. فتزداد الكراهة، وإذا أنكر الصائح بناء زائلاً، وهو: الخيمة، فالبناء الثابت أجدر، ولكن لا يؤخذ من كلام الصائح حكم، لأن مسالك الأحكام: الكتاب والسنة والقياس والإجماع، ولا وحي بعده ﵊، وإنما هذا وأمثاله تنبيه على انتزاع الأدلة من مواضعها، واستنباطها من مظانها. ١٣٣٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ هِلَالٍ هُوَ الْوَزَّانُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا. قَالَتْ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لأَبْرَزُوا قَبْرَهُ، غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا". وبالسند قال: (حدّثنا عبيد الله بن موسى) العبسي (عن شيبان) بفتح الشين المعجمة ابن عبد الرحمن النحوي (عن هلال: هو) ابن حميد (الوزان، عن عروة) بن الزبير بن العوام (عن عائشة، ﵂ عن النبي ﷺ قال، في مرضه الذي مات فيه): (لعن الله اليهود والنصارى) أي: أبعدهم من رحمته (اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدًا) بالإفراد على إرادة الجنس، وللكشميهني: مساجد (قالت) عائشة، ﵂: (ولولا ذلك) أي: خشية اتخاذ قبره مسجدًا (لأبرزوا قبره) ﵇، بلفظ الجمع، لكن لم يبرزوه أي: لم يكشفوه، بل بنوا عليه حائلاً لوجود خشية الاتخاذ. فامتنع الإبراز، لأن: لولا، امتناع لوجود، ولأبي ذر، وابن عساكر، والأصيلي: لأبرز قبره، بالرفع مفعول ناب عن الفاعل (غير أني أخشى أن يتخذ مسجدًا). وهذا قالته عائشة قبل أن يوسع المسجد، ولذا لما وسع جعلت الحجرة الشريفة رزقنا الله العودة إليها، مثلثة الشكل، محددة، حتى لا يتأتى لأحد أن يصلّي إلى جهة القبر المقدس، مع استقبال القبلة. وفي هذا الحديث: التحديث والعنعنة، وفيه أن شيخ المؤلّف بصري، سكن الكوفة، وشيبان وهلال: كوفيان، وعروة: مدني، وأخرجه في: الجنائز أيضًا والمغازي، ومسلم في: الصلاة. ٦٣ - باب الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ إِذَا مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا (باب الصلاة على النفساء) بضم النون وفتح الفاء والمد، بناء مفرد على غير قياس، أي: المرأة الحديثة العهد بالولادة، (إذا ماتت في) مدة (نفاسها). ١٣٣١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: "صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا". وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو: ابن مسرهد، قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) الأول من الزيادة، والثاني تصغير زرع، قال: (حدّثنا حسين) المعلم، قال: (حدّثنا عبد الله بن بريدة) بضم الموحدة وفتح الراء والدال المهملة، ابن الحصيب بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين آخره موحدة، الأسلمي المروزي التابعي (عن سمرة) بفتح السين المهملة وضم الميم، ولأبي ذر زيادة: ابن جندب، بفتح الدال وضمها (¬﵁ قال): (صليت وراء النبي، ﷺ ¬)، أي: خلفه، وإن كان قد جاء بمعنى قدام، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم وهو ظرف مكان ملازم للإضافة، ونصبه على الظرفية (على امرأة) هي: أم كعب الأنصارية، كما في مسلم (ماتت في نفاسها) في: هنا للتعليل كما في قوله، ﵊: إن امرأة دخلت النار في هرة (فقام عليها، وسطها) بفتح السين أي: محاذيًا لوسطها. وفي نسخة: على وسطها، ولأبي ذر، وابن عساكر، والأصيلي، فقام وسطها. بسكون السين، وإسقاط لفظة: عليها، فمن سكن جعله ظرفًا، ومن فتح جعله اسمًا. والمراد على الوجهين: عجيزتها. وكون هذه المرأة في نفاسها وصف غير معتبر اتفاقًا، وإنما هو حكاية أمر وقع. واختلف في كونها امرأة، فاعتبره الشافعي، والخنثى كالمرأة، فيقف الإمام والمنفرد ندبًا عند عجيزة الأنثى والخنثى، وأما الرجل فعند رأسه لئلا يكون ناظرًا إلى فرجه، بخلاف المرأة، فإنها في القبة، كما هو الغالب، ووقوفه عند وسطها ليسترها عن أعين الناس. وفي حديث أبي داود، والترمذي، وابن ماجة، عن أنس: أنه صلّى على رجل فقام عند رأسه، وعلى امرأة، وعليها نعش أخضر، فقام عند عجيزتها. فقال له العلاء بن زياد: يا أبا حمزة! أهكذا كان رسول الله ﷺ يصلّي على الجنازة؟ قال: نعم. وبذلك قال أحمد وأبو

стр. 949

يوسف. والمشهور عن الحنفية: أن يقوم من الرجل والمرأة حذاء الصدر، وقال مالك: يقوم من الرجل عند وسطه، ومن المرأة عند منكبها. ٦٤ - باب أَيْنَ يَقُومُ مِنَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ؟ (باب أين يقوم) الإمام (من المرأة والرجل؟). ١٣٣٢ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: "صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا". وبه قال: (حدّثنا عمران بن ميسرة) ضدّ الميمنة، قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العبدي، مولاهم، التنوري البصري؛ قال: (حدّثنا حسين) بضم الحاء مصغرًا، المعلم (عن ابن بريدة) عبد الله أنه (قال: حدّثنا سمرة بن جندب، ﵁، قال): (صليت وراء النبي، ﷺ ، على امرأة) هي: أم كعب (ماتت في نفاسها، فقام عليها وسطها) بفتح السين في اليونينية. ٦٥ - باب التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَازَةِ أَرْبَعًا. وَقَالَ حُمَيْدٌ صَلَّى بِنَا أَنَسٌ ﵁ فَكَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ سَلَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ كَبَّرَ الرَّابِعَةَ، ثُمَّ سَلَّمَ (باب التكبير على الجنازة أربعًا). (وقال حميد) الطويل، مما وصله عبد الرزاق: (صلّى بنا أنس) على جنازة (فكبر ثلاثًا) منها تكبيرة الإحرام (ثم سلم)، ثم انصرف ناسيًا (فقيل له:) يا أبا حمزة! إنك كبرت ثلاثًا (فاستقبل القبلة) وصفوا خلفه (ثم كبر) التكبيرة (الرابعة، ثم سلم). ١٣٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ". وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي، قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، ﵁¬): (أن رسول الله، ﷺ ، نعى النجاشي) بتخفيف الجيم (في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلّى، فصف بهم، وكبر عليه أربع تكبيرات) منها تكبيرة الإحرام، وهي من الأركان السبعة. وعدّ الغزالي كل تكبيرة ركنًا، ولا خلاف في المعنى، فلو كبر الإمام والمأموم خمسًا، ولو عمدًا، لم تبطل صلاته لثبوتها في مسلم، ولأنها لا تخل بالصلاة، لكن الأربع أولى لتقرر الأمر عليها. وروى البيهقي، بإسناد حسن إلى أبي وائل، قال: كانوا يكبرون على عهد رسول الله، ﷺ ، سبعًا وخمسًا وستًا أو أربعًا، فجمع عمر الناس على أربع كأطول الصلاة. ١٣٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا". وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَبْدُ الصَّمَدِ عَنْ سَلِيمٍ "أَصْحَمَةَ". وبه قال: (حدّثنا محمد بن سنان) بكسر السن المهملة، العوقيّ الأعمى، قال: (حدّثنا سليم بن حيان) بفتح السين وكسر اللام، في الأوّل، وفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية منصرفًا وغير منصرف، في الثاني، ابن بسطام الهذلي البصري، وليس في الصحيحين: سليم، بفتح السين غيره، قال: (حدّثنا سعيد بن ميناء) بكسر العين في الأوّل، وكسر الميم وسكون التحتية وفتح النون مع المد، ولأبي ذر: مبني، بالقصر، المكي، (عن جابر) هو: ابن عبد الله الأنصاري (¬﵁¬): (أن النبي ﷺ ، صلّى على أصحمة) بفتح الهمزة وسكون الصاد وفتح الحاء المهملتين، ومعناه بالعربية: عطية، وذكر مقاتل، في نوادر التفسير من تأليفه، أن اسمه: مكحول بن صعصعة، وقال في القاموس: أصحمة بن بحر (النجاشي) بتخفيف الجيم، وهو لقب كل من ملك الحبشة (فكبر) ﵊ عليه (أربعًا). (وقال يزيد بن هارون) الواسطي، مما وصله المؤلّف في هجرة الحبشة، عن أبي بكر بن أبي شيبة عنه، (وعبد الصمد) بن عبد الوارث، مما روياه (عن سليم) المذكور بإسناده عن جابر: (أصحمة) ولأبي ذر، عن المستملي، مما في الفتح: وقال يزيد عن سليم أصحمة، وتابعه عبد الصمد فيما وصله الإسماعيلي من طريق أحمد بن سعيد عنه، كل قال: أصحمة بالهمزة وسكون الصاد، كرواية سعيد بن سنان، وكذا هو في نسخة الفرع وغيرها، بل قال الحافظ ابن حجر: إنه الذي اتصل له من جميع طرق البخاري، قال: وفيه نظر، لأن إيراد المصنف يشعر بأن يزيد خالف محمد بن سنان، وأن عبد الصمد تابع يزيد، وفي مصنف ابن أبي شيبة عن يزيد: صحمة، بفتح الصاد وسكون الحاء، وهو المتجه، وصرح كثير من الشراح، كالزركشي، وتبعه الدماميني، أنها في رواية يزيد وعبد الصمد عند البخاري كذلك، بحذف الهمزة. والحاصل أن الرواة اختلفوا في إثبات الألف وحذفها، وقال الكرماني: إن يزيد روى: أصمحة، بتقديم الميم على الحاء، وتابعه على ذلك عبد الصمد بن عبد الوارث، وصوّبه القاضي عياض، لكن قال النووي: إنها شاذة، كرواية صحمة، بحذف الألف وتأخير الميم، وإن الصواب: أصحمة بتقديمها وإثبات الألف. وذكر الكرماني أيضًا: أن في رواية محمد بن سنان في بعض النسخ: أصحبة، بالموحدة بدل الميم مع إثبات

стр. 950

الألف، وحكى الإسماعيلي أن في رواية عبد الصمد: أصخمة بالخاء المعجمة وإثبات الألف. قال: وهو غلط، قال في الفتح: فيحتمل أن يكون هذا محل الاختلاف الذي أشار إليه البخاري. وفي هذا الحديث: التحديث والعنعنة، وشيخه من أفراده، وأخرجه مسلم في: الجنائز. ٦٦ - باب قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى الْجَنَازَةِ وَقَالَ الْحَسَنُ: يَقْرَأُ عَلَى الطِّفْلِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا سَلَفًا وَفَرَطًا وَأَجْرًا. (باب) مشروعية (قراءة فاتحة الكتاب) في الصلاة (على الجنازة) وهي من أركانها، لعموم حديث: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. وبه قال الشافعي وأحمد: وقال مالك والكوفيون: ليس فيها قراءة، قال البدر الدماميني من المالكية: ولنا قول في المذهب باستحباب الفاتحة فيها، واختاره بعض الشيوخ. (وقال الحسن) البصري: مما وصله عبد الوهاب بن عطاء الخفاف في كتاب الجنائز له: (يقرأ) المصلي (على الطفل) الميت (بفاتحة الكتاب، ويقول: اللهم اجعله لنا سلفًا) بالتحريك أي، متقدمًا إلى الجنة لأجلنا (وفَرَطًا) بالتحريك، الذي يتقدم الواردة، فيهيئ لهم المنزل (وأجرًا) الذي في اليونينية: فرطًا وسلفًا وأجرًا. ١٣٣٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قال حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قال حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدٍ عَنْ طَلْحَةَ قَالَ "صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ أخبرنا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: "صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. قَالَ: لِيَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ". وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة، بندار (قال: حدّثنا غندر) بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال وضمها، محمد بن جعفر البصري (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سعد) بسكون العين، هو: ابن إبراهيم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الإسناد الآتي، (عن طلحة) هو: ابن عبد الله، كما سيأتي أيضًا، (قال): (صليت خلف ابن عباس، ﵄¬). (حدّثنا) كذا في الفرع، وفي نسخة غيره: ح وحدّثنا (محمد بن كثير) بالمثلثة (قال: أخبرنا سفيان) الثوري (عن سعد بن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف، المتوفّى سنة خمس وعشرين ومائة (عن طلحة بن عبد الله بن عوف) الزهري، ابن أخي عبد الرحمن (قال): (صليت خلف ابن عباس ﵄ على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب)، ولأبي ذر، وابن عساكر: فقرأ فاتحة الكتاب (قال) ولأبوي: ذر: والوقت، فقال: (ليعلموا) بالمثناة التحتية على الغيبة، ولأبي الوقت في غير اليونينية: لتعلموا، بالفوقية على الخطاب (أنها) أي قراءة الفاتحة في الجنازة (سنة) أي: طريقة، للشارع، فلا ينافي كونها واجبة. وقد علم أن قول الصحابي من السنة، كذا حديث مرفوع عند الأكثر، وليس في حديث الباب بيان محل القراءة، وقد وقع التصريح به في حديث جابر عند البيهقي في سننه، عن الشافعي بلفظ: وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى. وفي النسائي، بإسناد على شرط الشيخين، عن أبي أمامة الأنصاري، قال: السنة في صلاة الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة، نعم، يجوز تأخيرها إلى التكبيرة الثانية، كما ذكره الرافعي والنووي عن حكاية الروياني وغيره له عن النص بعد نقلهما المنع عن الغزالي، وجزم به في المنهاج، والمجموع، ولم يخص الثانية فقال: قلت تجزئ الفاتحة بعد غير الأولى، وعليه، مع ما قالوه من تعين الصلاة في الثانية، والدعاء في الثالثة، يلزم خلو الأولى عن ذكر. والجمع بين ركنين في تكبيرة واحدة. والذي قاله الجمهور تعين الفاتحة في الأولى، وبه جزم النووي في التبيان، وهو ظاهر نصين نقلهما في شرح المهذّب، وقال الأذرعي: وظاهر نصوص الشافعي والأكثرين تعيينها في الأولى. وفي هذا الحديث: التحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواته ما بين: بصري وواسطي ومدني وكوفي، وأخرجه أبو داود والترمذي بمعناه، وقال: حسن صحيح. والنسائي، كلهم في: الجنائز. ٦٧ - باب الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ مَا يُدْفَنُ (باب) جواز (الصلاة على القبر بعد ما يدفن) أي بعد دفن الميت، وإليه ذهب الجمهور ومنعه النخعي ومالك وأبو حنيفة، وعنهم: إن دفن قبل أن يصلّى عليه شرع، وإلا فلا. ١٣٣٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ قَالَ: "أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَأَمَّهُمْ وَصَلَّوْا خَلْفَهُ. قُلْتُ: مَنْ حَدَّثَكَ هَذَا يَا أَبَا عَمْرٍو؟ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄". وبالسند قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) بكسر الميم، قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثني) ولأبي الوقت: أخبرني بالإفراد، ولأبي ذر أخبرنا (سليمان الشيباني، قال: سمعت الشعبي) عامر بن شراحيل (قال): (أخبرني) بالإفراد (من مر مع النبي، ﷺ ، على قبر منبوذ) بتنوين قبر، ومنبوذ صفة له أي: في ناحية عن القبور، ولأبي ذر: قبر منبوذ بغير تنوين على الإضافة، أي:

стр. 951

قبر لقيط، (فأمّهم) ﵊ (وصلوا خلفه) قال الشيباني: (قلت) للشعبي: (من حدثك هذا) الحديث (يا أبا عمرو؟ قال): حدّثني به (ابن عباس، ﵄¬). وفي الأوسط للطبراني، عن الشيباني: أنه، ﷺ ، صلّى عليه بعد ما دفن بليلتين، وقال: إن إسماعيل بن زكريا تفرد بذلك، ورواه الدارقطني من طريق هريم عن الشيباني، فقال بعد موته بثلاث، ومن طريق بشر بن آدم عن أبي عاصم، عن سفيان الثوري، عن الشيباني، فقال: بعد شهر، قال في فتح الباري: وهذه روايات شاذة، وسياق الطرق الصحيحة يدل على أنه ﷺ ، في صبيحة دفنه. ١٣٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ "أَنَّ أَسْوَدَ -رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً- كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فَمَاتَ، وَلَمْ يَعْلَمِ النَّبِيُّ ﷺ بِمَوْتِهِ، فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: مَا فَعَلَ ذَلِكَ الإِنْسَانُ؟ قَالُوا: مَاتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: أَفَلَا آذَنْتُمُونِي؟ فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ كَذَا -وَكَذَا قِصَّتَهُ- قَالَ فَحَقَرُوا شَأْنَهُ. قَالَ: فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ. فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ". وبه قال: (حدّثنا محمد بن الفضل) السدوسي البصري، الملقب: بعارم، بالعين والراء المهملتين (قال: حدّثنا حماد بن زيد) هو: ابن درهم (عن ثابت) هو البناني (عن أبي رافع، عن أبي هريرة، ﵁¬): (أن أسود - رجلاً) بالنصب بدل من أسود، ويجوز الرفع: خبر مبتدأ محذوف (أو امرأة - كان يقمّ المسجد) أي: يكنسه، ولأبي ذر: كان يقم في المسجد، وللأصيلي، وأبي الوقت، وابن عساكر: يكون في المسجد يقم المسجد (فمات ولم يعلم النبي، ﷺ ، بموته، فذكره ذات يوم) من إضافة المسمى إلى اسمه، أو لفظة: ذات، مقحمة (فقال) ﵊: (ما فعل ذلك الإنسان؟ قالوا) ولأبي ذر، والأصيلي: فقالوا (مات يا رسول الله. قال أفلا آذنتموني) بالمد: أعلمتموني (فقالوا: إنه كان كذا وكذا) زاد أبو ذر: وكذا (-قصته-) بالنصب بتقدير نحو: ذكروا، ويجوز الرفع، خبر مبتدأ محذوف، وسقط: قصته، ولأبي ذر، وابن عساكر، والأصيلي (قال: فحقروا شأنه) لا ينافي ما سبق من التعليل، بأنهم كرهوا أن يوقظوه ﵊ في الظلمة خوف المشقّة، إذ لا ينافي بين التعليلين (قال) ﵊: (فدلوني) بضم الدال (على قبره فأتى قبره فصلّى عليه) أي: على القبر. وهذا موضع الترجمة. وفيه جواز الصلاة على القبر بعد الدفن سواء دفن قبلها أم بعدها. نعم، لا تجوز الصلاة على قبور الأنبياء، ﷺ ، لخبر الصحيحين: عن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. ولحديث البيهقي: الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة، لكنهم يصلون بين يدي الله حتى ينفخ في الصور، وبأنا لم نكن أهلاً للفرض وقت موتهم. وفي دلالة الحديث الأول على المدعى نظر، وأما الثاني فروي بمعناه أحاديث أخر، وكلها ضعيفة. وقد روى عبد الرزاق في مصنفه، عقب بعضها، حديثًا مرفوعًا: مررت بموسى ليلة أسري بي، وهو قائم يصلّي في قبره. قال الحافظ ابن حجر: وأراد بذلك ردّ ما رواه أوّلاً: قال: ومما يقدح في هذه الأحاديث، حديث: "صلاتكم معروضة عليّ" وحديث "أنا أول من تنشق عنه الأرض". وإنما تجوز الصلاة على قبر غيرهم، وعلى الغائب عن البلد، لمن كان من أهل فرض الصلاة عليه وقت موته، ولا يقال: إن الصلاة على القبر من خصائصه، ﵊، لما زاده حماد بن سلمة عن ثابت في روايته، عند ابن حبان، ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينوّرها بصلاتي عليهم، لأن في ترك إنكاره، ﷺ ، على من صلّى معه على القبر بيان جواز ذلك لغيره، وأنه ليس من خصائصه. لكن قد يقال: إن الذي يقع بالتبعية لا ينهض دليلاً للأصالة. ٦٨ - باب الْمَيِّتُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ هذا (باب) بالتنوين (الميت يسمع خفق النعال) بفتح الخاء المعجمة، وسكون الفاء ثم قاف أي: صوت نعال الأحياء من الذين باشروا دفنه، وغيرهم، عند دوسها على الأرض. ١٣٣٨ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ح … وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا ابْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ -حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ- أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا. وَأَمَّا الْكَافِرُ -أَوِ الْمُنَافِقُ- فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ، وَلَا تَلَيْتَ. ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلاَّ الثَّقَلَيْنِ». [الحديث ١٣٣٨ - طرفه في: ١٣٧٤]. وبالسند قال: (حدّثنا عياش) بمثناة تحتية مشددة وشين معجمة، ابن الوليد الرقام، قال: (حدّثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي، بالمهملة، قال: (حدّثنا سعيد) بكسر العين: ابن أبي عروبة. قال المؤلّف: (ح). (وقال لي خليفة) بن خياط، ومثل هذه الصيغة تكون في المذاكرة غالبًا (حدّثنا ابن زريع) بضم الزاي مصغرًا، ولأبي ذر، والأصيلي، وابن عساكر: يزيد بن زريع، من الزيادة، قال: (حدّثنا سعيد) هو السابق (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) بن مالك (¬﵁، عن النبي، ﷺ ،

стр. 952

قال): (العبد) المؤمن المخلص (إذا وُضع في قبره وتولى) بضم الواو وكسر الضاد، من: وضع، وفتح المثناة الفوقية والواو واللام من: تولى، مبنيًّا للفاعل، أي: أدبر (وذهب أصحابه) من باب تنازع العاملين، وقول ابن التين: إنه كرر اللفظ، والمعنى واحد، تعقب أن التولي هو: الإعراض، ولا يلزم منه الذهاب، وفي اليونينية: وتُولّي بضم الفوقية وكسر الواو واللام، مصحح عليهما، وفي غيرها بضم الواو مبنيًا للمفعول، قال الحافظ ابن حجر: إنه رآه كذلك مضبوطًا بخط معتمد، أي: تولي أمره أي: الميت وسيأتي في رواية عياش بلفظ: وتولى عنه أصحابه، وهو الموجود في جميع الروايات، عند مسلم وغيره. (حتى إنه) أي الميت، وهمزة إن مكسورة لوقوعها بعد حتى الابتدائية كقولهم: مرض زيد حتى إنهم لا يرجونه، قاله الزركشي، والبرماوي وغيرهما، وزاد الدماميني أيضًا: وجود لام الابتداء المانع من الفتح في قوله: (ليسمع قرع نعالهم) بفتح القاف وسكون الراء، وهذا موضع الترجمة، لأن الخفق والقرع بمعنى واحد، وإنما ترجم بلفظ: الخفق إشارة إلى وروده بلفظه عند أحمد، وأبي داود من حديث البراء في حديث طويل فيه: وإنه ليسمع خفق نعالهم، زاد في رواية إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، عن أبيه عن أبي هريرة عند ابن حبان في صحيحه: إذا ولوا مدبرين. (أتاه ملكان) بفتح اللام، وهما المنكر والنكير، وسميا بذلك لأنهما لا يشبه خلقهما خلق الآدميين، ولا الملائكة، ولا غيرهم. بل لهما خلق منفرد بديع، لا أنس فيهما للناظر إليهما، أسودان أزرقان، جعلهما الله تعالى تكرمة للمؤمن ليثبته ويبصره، وهتكًا لسر المنافق في البرزخ، من قبل أن يبعث، حتى يحل عليه العذاب الأليم، وأعاذنا الله من ذلك بوجهه الكريم ونبيه الرؤوف الرحيم، (فأقعداه) أي: أجلساه غير فزع، (فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل، محمد) بالجر عطف بيان، أو بدل من سابقه (¬ ﷺ ؟) ولم يقولا: ما تقول في هذا النبي؟ أو غيره من ألفاظ التعظيم، لقصد الامتحان للمسؤول، إذ ربما تلقن تعظيمه من ذلك، ولكن ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] (فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال) أي: فيقول له الملكان المذكوران أو غيرهما: (انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك الله به مقعدًا من الجنة. قال النبي ﷺ : فيراهما جميعًا) أي: المقعدين اللذين أحدهما من الجنة والآخر من النار، أعاذنا الله منها (وأما الكافر -أو المنافق-) شك الراوي، لكن: الكافر لا يقول المقالة المذكورة، فتعين: المنافق (فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس! فيقال) أي: فيقول المنكر والنكير، أو غيرهما: (لا دريت) بفتح الراء (ولا تليت) بالمثناة التحتية الساكنة بعد اللام المفتوحة، وأصله: تلوت، بالواو. يقال: تلا يتلو القرآن، لكنه قال: تليت بالياء للازدواج مع دريت أي: لا كنت داريًا ولا تاليًا. وقال في الفائق: أي: لا علمت بنفسك بالاستدلال، ولا اتبعت العلماء بالتقليد فيما يقولون، أو: لا تلوت القرآن، أي: لم تدر، ولم تتل، أي: لم تنتفع بدرايتك ولا تلاوتك، ولأبي ذر: ولا أتليت، بهمزة مفتوحة وسكون التاء. قال ابن الأنباري: وهو الصواب، دعاء عليه بأن لا تتلى إبله، أي: لا يكون لها أولاد تتلوها أي: تتبعها. وتعقبه ابن السراج: بأنه بعيد في دعاء الملكين. قال: وأي مال للميت. وأجاب عياض باحتمال أن ابن الأنباري رأى أن هذا أصل الدعاء، استعمل في غيره كما استعمل غيره من أدعية العرب، وقال الخطابي، وابن السكيت: الصواب: ائتليت، بوزن: افتعلت، من قولك: ما ألوته، ما استطعته. و: لا آلو كذا بمعنى: لا أستطيعه. قال صاحب اللامع الصبيح: لكن بقاء التاء مع ما قرره، أي الخطابي: آلو بمعنى أستطيع مشكل وقال ابن بري: من روى تليت فأصله ائتليت بهمزة بعد همزة الوصل، فحذفت تخفيفًا، فذهبت همزة الوصل، وسهل ذلك لمزاوجة دريت. (ثم يضرب) الميت بضم أوّل يضرب، وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (بمطرقة) بكسر الميم (من حديد) صفة لمطرقة، و: من، بيانية، أو: حديد، صفة لمحذوف أي: من ضارب حديد، أي: قوي شديد الغضب، والضارب

стр. 953

المنكر أو النكير أو غيرهما. وفي حديث البراء بن عازب، عند أبي داود: ويأتيه الملكان يجلسانه. الحديث، وفيه: ثم يقيض له أعمى أبكم أصم، بيده مرزبة من حديد، لو ضُرب بها جبل لصار ترابًا، قال: فيضربه بها ضربة … الحديث. وفي حديث أنس بن مالك، عند أبي داود، أنه ﷺ ، دخل نخلاً لبني النجار، فسمع صوتًا ففزع … الحديث، وفيه: فيقول له: ما كنت تعبد؟ فيقول: لا أدري! فيقول: لا دريت ولا تليت. فيضربه بمطراق من حديد بين أذنيه، فيصيح فالحديث الأوّل صريح أن الضارب غير منكر ونكير، والثاني أنه الملك السائل له، وهو إما المنكر أو النكير. (ضربه بين أذنيه) أي أذني الميت (فيصيح صيحة يسمعها من يليه) أي: يلي الميت (إلا الثقلين) الجن والإنس، سميا بذلك لثقلهما على الأرض. والحكمة في عدم سماعهما الابتلاء، فلو سمعا لكان الإيمان منهما ضروريًّا، ولا عرضوا عن التدبير والصنائع، ونحوهما مما يتوقف عليه بقاؤهما، ويدخل في قوله: من يليه، الملائكة فقط، لأن: من، للعاقل. وقيل: يدخل غيرهم أيضًا تغليبًا وهو أظهر. فإن قلت: لم منعت الجن سماع هذه الصيحة دون سماع كلام الميت إذا حمل وقال: قدموني قدموني؟. أجيب: بأن كلام الميت إذ ذاك في حكم الدنيا، وهو اعتبار لسامعه وعظة. فأسمعه الله الجن لما فيهم من قوة يثبتون بها عند سماعه، ولا يصعقون بخلاف الإنسان الذي يصعق لو سمعه، وصيحة الميت في القبر عقوبة وجزاء، فدخلت في حكم الآخرة. وفي الحديث جواز المشي بين القبور بالنعال، لأنه ﵊ قاله وأقره، فلو كان مكروهًا لبينه، لكن يعكر عليه احتمال أن يكون المراد بسماعه إياها بعد أن يجاوزوا المقبرة، وحينئذٍ فلا دلالة فيه على الجواز، ويدل على الكراهة حديث بشير بن الخصاصية عند أبي داود والنسائي، وصححه الحاكم: أن النبي، ﷺ ، رأى رجلاً يمشي بين القبور عليه نعلان سبتيان، فقال: يا صاحب السبتيين، ألق نعليك. وكذا يكره الجلوس على القبر، والاستناد إليه، والوطء عليه توقير للميت إلا لحاجة. كأن لا يصل إليه إلا بوطئه، فلا كراهة. وأما حديث مسلم: لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه حتى تخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر ففسره رواية أبي هريرة بالجلوس: للبول والغائط. ورواه ابن وهب أيضًا في مسنده بلفظ: من جلس على قبر يبول أو يتغوط، وبقية ما استنبط من حديث الباب يأتي إن شاء الله تعالى في باب عذاب القبر. ورواة هذا الحديث كلهم بصريون، وفيه: التحديث والعنعنة وأخرجه مسلم، والنسائي، والترمذي، وأبو داود. ٦٩ - باب مَنْ أَحَبَّ الدَّفْنَ فِي الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ أَوْ نَحْوِهَا (باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة) أي: في بيت المقدس، طلبًا للقرب من الأنبياء الذين دفنوا به، تيمنًا بجوارهم، وتعرضًا للرحمة النازلة عليهم، اقتداء بموسى ﵇، أو ليقرب عليه المشي إلى المحشر، وتسقط عنه المشقّة الحاصلة لمن بعد عنه. (أو نحوها) بالنصب عطفًا على الدفن المنصوب على المفعولية: لأحب، أي: أحب الدفن في نحو بيت المقدس. وهو بقية ما تشد إليه الرحال من الحرمين الشريفين، رزقنا الله الدفن بأحدهما، مع الرضا عنا، إنه الجواد الكريم. ١٣٣٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵉ فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ: ارْجِعْ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ. قَالَ: أَيْ رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ. قَالَ: فَالآنَ. فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ، لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ». وبالسند قال: (حدّثنا محمود) هو: ابن غيلان بفتح الغين المعجمة قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام (قال: أخبرنا معمر) بسكون العين وفتح الميمين ابن راشد (عن ابن طاوس) عبد الله (عن أبيه) طاوس بن كيسان (عن أبي هريرة ﵁. قال): (أرسل ملك الموت) بضم الهمزة، مبنيًّا للمفعول، وملك رفع نائب عن الفاعل، أي: أرسل الله ملك الموت (إلى موسى، ﵉ في صورة آدمي اختبارًا وابتلاء كابتلاء الخليل بالأمر بذبح ولده (فلما جاءه) ظنه آدميًّا حقيقة، تسور عليه منزله بغير إذنه ليوقع به مكروهًا، فلما تصوّر ذلك، صلوات الله وسلامه عليه، (صكه) بالصاد المهملة أي: لطمه على عينه التي ركبت في الصورة البشرية التي جاءه فيها، دون الصورة الملكية، ففقأها كما صرح به مسلم في روايته ويدل عليه قوله الآتي هنا: فرد الله عليه عينه، ويحتمل أن موسى ﵊ علم أنه ملك الموت، وأنه دافع عن نفسه الموت باللطمة المذكورة، والأول أولى، ويؤيده أنه جاء إلى قبضه

стр. 954

ولم يخبره، وقد كان موسى، ﵇، علم أنه لا يقبض حتى يخبر، ولهذا لما أخبره في الثانية، قال: الآن. (فرجع) ملك الموت (إلى ربه فقال) رب (أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فردّ الله) (عليه عينه) ليعلم موسى إذا رأى صحة عينه أنه من عند الله، ولأبي ذر: فيردّ الله، بلفظ المضارع إليه عينه بالهمزة قبل اللام بدل العين (وقال) له: (ارجع) إلى موسى (فقل له يضع يده يده على متن ثور) بالمثناة الفوقية في الأولى، وبالمثلثة في الثانية، أي ظهر ثور (فله بكل ما غطت به يده، بكل شعرة سنة. قال) موسى: (أي رب! ثم ماذا) بعد هذه السنين (قال) الله تعالى: (ثم) يكون بعدها (الموت. قال) موسى: (فالآن) يكون الموت، والآن اسم لزمان الحال، وهو الزمان الفاصل بين الماضي والمستقبل، واختار موسى الموت لما خيّر شوقًا إلى لقاء ربه كنبينا، ﷺ ، لما قال: الرفيق الأعلى (فسأل الله) موسى (أن يدنيه) أي: يقربه (من الأرض المقدسة) أي: المطهرة، و: أن، مصدرية في موضع نصب، أي: سأل الله الدنو من بيت المقدس ليدفن فيه (رمية بحجر) أي: دنوًا لو رمى رام حجرًا من ذلك الموضع الذي هو موضع قبره لوصل إلى بيت المقدس. وكان موسى إذ ذاك في التيه، ومعه بنو إسرائيل، وكان أمرهم بالدخول إلى الأرض المقدسة، فامتنعوا فحرم الله عليهم دخولها أبدًا غير: يوشع وكالب، وتيههم في القفار أربعين سنة في ستة فراسخ، وهم ستمائة ألف مقاتل، وكانوا يسيرون كل يوم جادًّين، فإذا أمسوا في الموضع الذي اْرتحلوا عنه، إلى أن أفناهم الموت، ولم يدخل منهم الأرض المقدسة أحد ممن امتنع أوّلاً أن يدخلها إلا أولادهم مع يوشع، ولما لم يتهيأ لموسى ﵊ دخول الأرض المقدسة لغلبة الجبارين عليها، ولا يمكن نبشه بعد ذلك لينقل إليها، طلب القرب منها، لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه". وقيل: إنما طلب موسى الدنو لأن النبي يدفن حيث يموت، وعورض بأن موسى، ﵇، قد نقل يوسف، ﵇، لما خرج من مصر. وأجيب: بأنه إنما نقله بوحي، فتكون خصوصية له، وإنما لم يسأل نفس بيت المقدس، ليعمى قبره، خوفًا من أن يعبده جهال ملته. قال ابن عباس: لو علمت اليهود قبر موسى وهارون لاتخذوهما إلهين من دون الله. وقد اختلف في جواز نقل الميت، ومذهب الشافعية: يحرم نقله من بلد إلى بلد آخر ليدفن فيه، وإن لم يتغير لما فيه من تأخير دفنه المأمور بتعجيله، وتعريضه لهتك حرمته، إلا أن يكون بقرب مكة، أو المدينة، أو بيت المقدس، فيختار أن ينقل إليه لفضل الدفن فيها. والمعتبر في القرب مسافة لا يتغير فيها الميت قبل وصوله. قال الزركشي: ولا ينبغي التخصيص بالثلاثة، بل لو كان بقربه مقابر أهل الصلاح والخير، فالحكم كذلك لأن الشخص يقصد الجار الحسن. اهـ. وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة، وقال وهب: خرج موسى لبعض حاجته، فأمر برهط من الملائكة يحفرون قبرًا لم ير شيئًا قط أحسن منه، فقال لهم: لمن تحفرون هذا القبر؟ قالوا: أتحب أن يكون لك؟ قال: وددت. قالوا: فانزل واضطجع فيه وتوجه إلى ربك. قال: ففعل، ثم تنفس أسهل تنفس، فقبض الله روحه. ثم سوّت عليه الملائكة التراب. وقيل: إن ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة، فشمها، فقبض روحه. (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : فلو كنت ثمّ) بفتح المثلثة، أي: هناك (لأريتكم قبره إلى جانب الطريق، عند الكثيب الأحمر) بالمثلثة أي: الرمل المجتمع، وهذا ليس صريحًا في الاعلام بقبره الشريف، ومن ثم حصل الاختلاف فيه، فقيل: بالتيه، وقيل: بباب لنا ببيت المقدس، أو بدمشق، أو بواد بين بصرى والبلقاء، أو بمدين بين المدينة وبيت المقدس، أو بأريحا، وهي من الأرض المقدسة. وفي هذا الحديث: التحديث والإخبار والعنعنة، وشيخ المؤلّف مروزي، ومعمر بصري، وأخرجه مسلم في: أحاديث الأنبياء، كالمؤلّف مرفوعًا، والنسائي في: الجنائز، وبقية مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في: أحاديث الأنبياء. ٧٠ - باب الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ. وَدُفِنَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لَيْلاً (باب) جواز (الدفن بالليل) وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، والجمهور. وكرهه: قتادة، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وأحمد في رواية عنه. (ودفن) بضم الدال مبنيًّا

стр. 955

للمفعول (أبو بكر) الصديق (¬﵁ ليلاً) كما وصله المؤلّف في أواخر الجنائز في باب: موت يوم الاثنين. ١٣٤٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ بَعْدَ مَا دُفِنَ بِلَيْلَةٍ، قَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ سَأَلَ عَنْهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: فُلَانٌ، دُفِنَ الْبَارِحَةَ. فَصَلَّوْا عَلَيْهِ". وبالسند قال: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة) قال: (حدّثنا جرير عن الشيباني) سليمان (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن ابن عباس، ﵄، قال): (صلّى النبي، ﷺ ، على رجل بعدما دفن) بضم الدال مبنيًّا للمفعول (بليلة، قام) وفي نسخة: فقام (هو وأصحابه، وكان سأل عنه، فقال: من هذا؟ فقالوا) ولأبي ذر، والأصيلي، وابن عساكر: قالوا: (فلان دفن البارحة) قال: أفلا آذنتموني، قالوا: دفناه في ظلمة الليل، فكرهنا أن نوقظك (فصلوا عليه) بصيغة الجمع من الماضي أي: صلّى النبي، ﷺ ، وأصحابه عليه، فهو كالتفصيل لقوله أولاً: صلّى، فلا يكون تكرارًا. وهذا يدل على عدم كراهة الدفن ليلاً لأن النبي، ﷺ ، اطلع عليه ولم ينكره، بل أنكر عليهم عدم إعلامهم بأمره، وصح أن عليًّا دفن فاطمة ليلاً، ورأى ناس نارًا في المقبرة، فأتوها، فإذا رسول الله ﷺ ، في القبر، وإذا هو يقول: ناولوني صاحبكم، وإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر، رواه أبو داود بإسناد على شرط الشيخين. نعم، يستحب الدفن نهارًا لسهولة الاجتماع والوضع في القبر، لكن إن خشي تغيره فلا يستحب تأخيره ليدفن نهارًا. قال الأذرعي وغيره: بل ينبغي وجوب المبادرة به، وأما حديث مسلم: زجر النبي، ﷺ ، أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلّى عليه إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، فالنهي فيه إنما هو عن دفنه قبل الصلاة عليه. ٧١ - باب بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقَبْرِ (باب بناء المساجد على القبر) وفي نسخة: المسجد، بالإفراد، وهو الذي في أحد فروع اليونينية. ١٣٤١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ ﵄ أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا. فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ مِنْهُمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ". وبالسند قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس الأصبحي (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام الأعظم (عن هشام) هو: ابن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام (عن عائشة، ﵂، قالت): (لما اشتكى النبي، ﷺ ،) أي: مرض مرضه الذي مات فيه (ذكرت) ولأبي ذر، والأصيلي: ذكر (بعض نسائه) هما: أم سلمة وأم حبيبة، كما سيأتي (كنيسة) بفتح الكاف، معبد النصارى (رأينها بأرض الحبشة) بنون الجمع في: رأينها، على أن أقل الجمع اثنان، أو معهما غيرهما من النسوة (يقال لها) أي: للكنيسة (مارية) بكسر الراء وتخفيف المثناة التحتية، علم للكنيسة، (وكانت أم سلمة) بفتح اللام، أم المؤمنين: هند بنت أبي أمية المخزومية (وأم حبيبة) بفتح الحاء، أم المؤمنين أيضًا: رملة بنت أبي سفيان (¬﵄، أتتا أرض الحبشة، فذكرتا) بلفظ التثنية للمؤنث من الماضي (من حسنها وتصاوير فيها، فرفع) رسول الله، ﷺ : (رأسه فقال): (أولئك) بكسر الكاف، ويجوز فتحها (إذا مات منهم) وفي نسخة: فيهم (الرجل الصالح وجواب، إذا، قوله: (بنوا على قبره مسجدًا ثم، صوروا فيه) أي: في المسجد (تلك الصورة) التي مات صاحبها، ولأبي الوقت: من غير اليونينية: تلك الصور، بالجمع. قال القرطبي: وإنما صوّر أوائلهم الصور ليتأنسوا بها، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله عند قبورهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور، يعظمونها، فحذر النبي ﷺ عن مثل ذلك، سدًّا للذريعة المؤدية إلى ذلك بقوله: (أولئك) بكسر الكاف وفتحها، ولأبي ذر: وأولئك (شرار الخلق عند الله). وموضع الترجمة قوله: بنوا على قبره مسجدًا، وهو مؤول على مذمة من اتخذ القبر مسجدًا، ومقتضاه التحريم. لا سيما وقد ثبت اللعن عليه، لكن صرح الشافعي، وأصحابه بالكراهة. وقال البندنيجي: المراد أن يسوى القبر مسجدًا، فيصلّى فيه. وقال إنه يكره أن يبنى عنده مسجد فيصلّى فيه إلى القبر، وأما المقبرة الدائرة إذا بني فيها مسجد ليصلّى فيه فلم أر فيه بأسًا، لأن المقابر وقف، وكذا المسجد، فمعناهما واحد. قال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها،

стр. 956

واتخذوها أوثانًا، لعنهم النبي، ﷺ ومنع المسلمين عن مثل ذلك. فأمَّا من اتخذ مسجدًا في جوار صالح، وقصد التبرك بالقرب منه، لا للتعظيم ولا للتوجه إليه، فلا يدخل في الوعيد المذكور. وقد ترجم المؤلّف، قبل ثمانية أبواب، بباب: ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، ويحتاج إلى الفرق بين الترجمين، فقال ابن رشيد: الاتخاذ أعم من البناء، فلذلك أفرده بالترجمة، ولفظها يقتضي أن بعض الاتخاذ لا يكره، فكأنه يفصل بين ما إذا ترتبت على الاتخاذ مفسدة أم لا. وقال الزين بن المنير: كأنه قصد بالترجمة الأولى اتخاذ المساجد لأجل القبور، بحيث لولا تجدّد القبر ما اْتخذ المسجد، وبهذه بناء المسجد في المقبرة على حدته، لئلا يحتاج إلى الصلاة، فيوجد مكان يصلّي فيه سوى المقبرة، فلذلك نحا به منحى الجواز. اهـ. قال في الفتح: والمنع من ذلك إنما هو حال خشية أن يصنع بالقبر كما صنع أولئك الذين لعنوا. وهذا الحديث مضى في باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية؟. ٧٢ - باب مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ الْمَرْأَةِ (باب من يدخل قبر المرأة) لأجل إلحادها. ١٣٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ- فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا. فَقَالَ: فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا. قَالَ فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا فَقَبَرَهَا". قَالَ ابْنُ مُبَارَكِ قَالَ فُلَيْحٌ: أُرَاهُ يَعْنِي الذَّنْبَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ﴿لِيَقْتَرِفُوا﴾ أَي لِيَكْتَسِبُوا. وبه قال: (حدّثنا محمد بن سنان) العوقي، بفتح الواو وبالقاف، الباهلي البصري (قال: حدّثنا فليح بن سليمان) قال: الواقدي: اسمه عبد الملك، وفليح، لقب غلب عليه. وسقط: ابن سليمان، عند أبي ذر، قال: (حدّثنا هلال بن علي) هو: ابن أسامة العامري (عن أنس) هو: ابن مالك (¬﵁، قال): (شهدنا بنت رسول الله، ﷺ ¬)، أم كلثوم زوج عثمان بن عفان (ورسول الله، ﷺ ، جالس على) جانب (القبر) -الجملة اسمية حالية (فرأيت عينيه تدمعان) بفتح الميم، وفيه جواز البكاء حيث لا صياح، ولا غيره. مما ينكر شرعًا، كما سبق (فقال): (هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة) بالقاف والفاء، أي: لم يجامع أهله، ومثله في الكناية قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقد كان من عادة أدب القرآن أن يكني عن الجماع باللمس لبشاعة التصريح، فعكس، فكني عن الجماع بالرفث، وهو أبشع تقبيحًا لفعلهم لينزجروا عنه، وكذلك كني في هذا الحديث عن المباح بالمحظور لصون جانب بنت الرسول عما ينبئ عن الأمر المستهجن (فقال أبو طلحة) زيد بن سهل الأنصاري: (أنا) لم أقارف الليلة (قال) ﵊: (فأنزل في قبرها). ففيه: أنه لا ينزل الميت في قبره إلا الرجال متى وجدوا، وإن كان الميت امرأة، بخلاف النساء لضعفهن عن ذلك غالبًا، ولأنه معلوم أنه كان لبنت النبي ﷺ ، محارم من النساء، كفاطمة، وغيرها. نعم، يندب لهن كما في شرح المهذّب: أن يلين حمل المرأة من مغتسلها إلى النعش، وتسليمها إلى من في القبر، وحل ثيابها فيه. وقد كان عثمان أولى بذلك من أبي طلحة لأن الزوج أحق من غيره بمواراة زوجته، وإن خالط غيرها تلك الليلة، وإن لم يكن له حق في الصلاة، لأن منظوره أكثر. لكن عثمان، ﵁، قارف تلك الليلة، فباشر جارية له، وبنت رسول الله ﷺ محتضرة، فلم يعجبه ﷺ كونه شغل عن المحتضرة بذلك، لصيانة جلالة محل ابنته، ﷺ ، ورضي عنها. قال ابن المنير: ففيه خصوصية. (قال: فنزل) أبو طلحة (في قبرها، فقبرها) أي: لحدها. وسقط قوله: فقبرها، عند الأصيلي، وأبي ذر، وابن عساكر. (قال ابن مبارك) عبد الله. ولأبي ذر: قال ابن المبارك، بالتعريف أي: مما وصله الإسماعيلي: (قال فليح) يعني: ابن سليمان: (أراه) بضم الهمزة، أي أظنه (يعني) بقوله: يقارف (الذنب). لكن المرجح التفسير الأول، ويؤيده ما في بعض الروايات بلفظ: لا يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة. فتنحى عثمان، ﵁، وقد قال ابن حزم: معاذ الله أن يتبجح أبو طلحة عند رسول الله، ﷺ ، بأنه لم يذنب تلك الليلة، لكن أنكر الطحاوي تفسيره: بالجماع، وقال: بل معناه: لم يقاول، لأنهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء. (قال أبو عبد الله) البخاري مؤيدًا لقول ابن المبارك، عن فليح: (﴿ليقترفوا﴾) [الأنعام: ١١٣] معناه: (أي ليكتسبوا). أو أراد المؤلّف بذلك توجيه الكلام المذكور، وأن لفظ: المقارفة في

стр. 957

الحديث أريد به ما هو أخص من ذلك؛ وهو الجماع، وهذا الذي فسر به الآية موافق لتفسير ابن عباس، ومشى عليه البيضاوي وغيره، فقال ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣] وسقط في رواية الحموي والمستملي، وثبت في رواية الكشميهني. ٧٣ - باب الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ (باب) حكم (الصلاة على الشهيد) وهو: المقتول في معركة الكفار، لو كان امرأة، أو رقيقًا، أو صبيًا، أو مجنونًا. وقد خرج بالتقييد: بالمعركة، من جرح وعاش بعد ذلك حياة مستقرة، وخرج من سمي شهيدًا بسبب غير السبب المذكور كالغريق، والمبطون، والمطعون، فتسميتهم شهداء باعتبار الثواب في الآخرة، فقط. ١٣٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ". [الحديث ١٣٤٣ - أطرافه في: ١٣٤٥، ١٣٤٦، ١٣٤٧، ١٣٤٨، ١٣٥٣، ٤٠٧٩]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي، قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الفهمي (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك) الأنصاري السلمي (عن جابر بن عبد الله الأنصاري)، ﵄، قال الحافظ ابن حجر: كذا يقول الليث، عن ابن شهاب عن عبد الرحمن، عن جابر. قال النسائي: لا أعلم أحدًا من ثقات أصحاب ابن شهاب تابع الليث على ذلك، ثم ساقه من طريق عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن ثعلبة. فذكر الحديث مختصرًا. وكذا أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق، والطبراني من طريق عبد الرحمن بن إسحاق وعمرو بن الحرث، كلهم، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن ثعلبة، وعبد الله له رؤية، فحديثه من حيث السماع مرسل. وقد رواه عبد الرزاق عن معمر، فزاد فيه جابرًا، وهو مما يقوي اختيار البخاري، فإن ابن شهاب صاحب حديث، فيحمل على أن الحديث عنده عن شيخين، ولا سيما أن في رواية عبد الرحمن بن كعب ما ليس في رواية عبد الله بن ثعلبة. وعلى ابن شهاب فيه اختلاف آخر، رواه أسامة بن زيد الليثي، عنه، عن أنس، أخرجه أبو داود والترمذي. وأسامة سيئ الحفظ، وقد حكى الترمذي في العلل عن البخاري: أن أسامة غلط في إسناده وأخرجه البيهقي من طريق عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري، عن ابن شهاب، فقال: عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه: وابن عبد العزيز ضعيف. وقد أخطأ في قوله: عن أبيه، وقد ذكر البخاري فيه اختلافًا آخر كما سيأتي بعد بابين اهـ. (قال) أي: جابر: (كان النبي، ﷺ ، يجمع بين الرجلين من قتلى) غزوة (أحد في ثوب واحد) إما بأن يجمعهما فيه، وإما بأن يقطعه بينهما. وقال المظهري قوله: في ثوب واحد، أي في قبر واحد، إذ لا يجوز تجريدهما في ثوب واحد بحيث تتلاقى بشرتاهما، بل ينبغي أن يكون على كل واحد منهما ثيابه الملطخة بالدم، وغيرها. ولكن يضجع أحدهما بجنب الآخر في قبر واحد، (ثم يقول) ﵊: (أيهم) أي: أي القتلى. وللحموي والمستملي: أيهما، أي: أي الرجلين (أكثر أخذًا للقرآن؟) بالنصب على التمييز في: أخذًا (فإذا أشير له) ﵊ (إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال) ﵊ (أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة). قال المظهري: أي: أنا شفيع لهؤلاء، وأشهد لهم بأنهم بذلوا أرواحهم، وتركوا حياتهم لله تعالى. اهـ. وتعقبه الطيبي: بأن هذا الذي قاله لا يساعد عليه تعدية الشهيد بعلى، لأنه لو أريد ما قال لقيل: أنا شهيد لهم، فعدل عن ذلك لتضمين: شهيد، معنى: رقيب وحفيظ، أي: أنا حفيظ عليهم، أراقب أحوالهم وأصونهم من المكاره، وشفيع لهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦ والبروج: ٩] ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧]. (وأمر) ﵊ (بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم) بفتح اللام، أي: لم يفعل ذلك بنفسه، ولا بأمره. وعند أحمد أنه ﷺ ، قال: لا تغسلوهم، فإن كل جرح، أو كلم، أو دم يفوح مسكًا يوم القيامة. ولم يصل عليهم، والحكمة في ذلك إبقاء أثر الشهادة عليهم، والتعظيم لهم، باستغنائهم عن دعاء القوم، وقد اختلف في الصلاة على الشهيد المقتول في المعركة، فمذهب الشافعية، أنها حرام وبه قال مالك، وأحمد، وقال بعض الشافعية: معناه لا تجب عليهم لكن تجوز. وفي هذا الحديث:

стр. 958

التحديث والعنعنة والقول، وشيخ المؤلّف تنيسي، والليث مصري وابن شهاب وشيخه مدنيان، وفيه: رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، وأخرجه أيضًا في: الجنائز، وكذا الترمذي، وقال: صحيح. والنسائي وابن ماجة. ١٣٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ، أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا". [الحديث ١٣٤٤ - أطرافه في: ٣٥٩٦، ٤٠٤٢، ٤٠٨٥، ٦٤٢٦، ٦٥٩٠]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي، قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام، قال (حدّثني) بالإفراد (يزيد بن أبي حبيب) المصري، واسم أبيه سويد (عن أبي الخير) يزيد بن عبد الله اليزني (عن عقبة بن عامر) بضم العين وسكون القاف، الجهني، ﵁. (أن النبي، ﷺ ، خرج يومًا، فصلّى على أهل أحد) الذين استشهدوا في وقعته، في شوّال سنة ثلاث (صلاته على الميت) بنصب صلاته، أي: مثل صلاته على الميت زاد: في غزوة أحد، من طريق حيوة بن شريح، عن يزيد: بعد ثمان سنين، كالمودّع للأحياء والأموات، لكن في قوله: بعد ثمان سنين تجوّز، لأن وقعة أحد كانت في شوّال سنة ثلاث، كما مر. ووفاته ﷺ في ربيع الأول سنة إحدى عشرة وحينئذ فيكون بعد سبع سنين ودون النصف فهو من باب: جبر الكسر. والمراد أنه، ﵊، دعا لهم بدعاء صلاة الميت، وليس المراد صلاة الميت المعهودة، كقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] والإجماع يدل له، لأنه لا يصلّى عليه عندنا، وعند أبي حنيفة، المخالف لا يصلّى على القبر بعد ثلاثة أيام. فإن قلت: حديث جابر لا يحتج به لأنه نفي، وشهادة النفي مردودة مع ما عارضها في خبر الإثبات. أجيب: بأن شهادة النفي إنما تردّ إذا لم يحط بها علم الشاهد، ولم تكن محصورة. وإلاّ فتقبل بالاتفاق. وهذه قضية معينة، أحاط بها جابر وغيره علمًا. وأما حديث الإثبات فتقدم الجواب عنه، وأجاب الحنفية: بأنه تجوز الصلاة على القبر ما لم يتفسخ الميت، والشهداء لا يتفسخون، ولا يحصل لهم تغير، فالصلاة عليهم لا تمتنع أي وقت كان. وأول أبو حنيفة الحديث في ترك الصلاة عليهم يوم أحد على معنى اشتغاله عنهم، وقلة فراغه لذلك، وكان يومًا صعبًا على المسلمين، فعذروا بترك الصلاة عليهم يومئذ. وقال ابن حزم الظاهري: إن صلي على الشهيد فحسن، وإن لم يصل عليه فحسن، واستدلّ بحديثي جابر وعقبة، وقال: ليس يجوز أن يترك أحد الأثرين المذكورين للآخر، بل كلاهما حق مباح، وليس هذا مكان نسخ لأن استعمالهما معًا ممكن في أحوال مختلفة. (ثم انصرف إلى المنبر) ولمسلم، كالمؤلّف في المغازي: ثم صعد المنبر كالمودعّ للأحياء والأموات (فقال: إلي فرط لكم) بفتح الفاء والراء، هو: الذي يتقدم الواردة ليصلح لهم الحياض والدلاء، ونحوهما. أي: أنا سابقكم إلى الحوض، كالمهيئ له لأجلكم. وفيه إشارة إلى قرب وفاته ﵊. وتقدمه على أصحابه، ولذا قال: كالمودع للأحياء والأموات (وأنا شهيد عليكم) أشهد عليكم بأعمالكم، فكأنه باق معهم لم يتقدمهم، بل يبقى بعدهم حتى يشهد بأعمال آخرهم، فهو ﵊ قائم بأمرهم في الدارين، في حال حياته وموته. وفي حديث ابن مسعود عند البزار، بإسناد جيد، رفعه: حياتي خير لكم، ووفاتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شرّ استغفرت الله لكم (وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن) نظرًا حقيقيًّا بطريق الكشف (وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض) شك الراوي، فيه إشارة إلى ما فتح على أمته من الملك والخزائن من بعده (وإني والله أخاف عليكم أن تشركوا بعدي) أي: ما أخاف على جميعكم الإشراك، بل على مجموعكم، لأن ذلك قد وقع من بعض (ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيهم) بإسقاط إحدى تاءي: تنافسوا، والضمير: لخزائن الأرض، المذكورة، أو للدنيا، المصرح بها في مسلم كالمؤلّف في المغازي، بلفظ: ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها، والمنافسة في الشيء الرغبة فيه، والانفراد به. ورواة هذا الحديث كلهم مصريون، وهو من أصح الأسانيد، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي، والتحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلّف أيضًا: في: علامات النبوة، وفي: المغازي،

стр. 959

و: ذكر الحوض، ومسلم في: فضائل النبي، ﷺ ، وأبو داود في: الجنائز وكذا النسائي. ٧٤ - باب دَفْنِ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فِي قَبْرٍ (باب) جواز (دفن الرجلين والثلاثة) فأكثر (في قبر) ولأبي ذر، زيادة: واحد، أي عند الضرورة بأن كثر الموتى، وعسر إفراد كل ميت بقبر واحد. ١٣٤٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَخْبَرَهُ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ". وبالسند قال: (حدّثنا سعيد بن سليمان) الملقب بسعدويه البزار، قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام، قال: (حدّثنا ابن شهاب) الزهري (عن عبد الرحمن بن كعب) بن مالك (أن جابر بن عبد الله) الأنصاري (¬﵄ أخبره): (أن النبي، ﷺ ، كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد) في ثوب واحد، وهو مستلزم للجمع في القبر، فهو دال على الترجمة، لكن ليس فيه لفظ الثلاثة. نعم، في حديث هشام بن عامر الأنصاري، عند أصحاب السنن، مما ليس على شرط المؤلّف جاءت الأنصار إلى رسول الله، ﷺ ، يوم أحد، فقالوا: أصابنا جهد. قال: احفروا، ووسعوا، واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر. فلعل المصنف أشار إلى ذلك. وفي هذا الحديث التصريح بأن ذلك إنما فعل للضرورة، وحينئذ فالمستحب في حال الاختيار أن يدفن كل ميت في قبر واحد، فلو جمع اثنان في قبر، واتحد الجنس: كرجلين وامرأتين، كره عند الماوردي، وحرم عند السرخسي، ونقله عنه النووي في شرح المهذّب مقتصرًا عليه، قال السبكي: لكن الأصح الكراهة، أو نفي الاستحباب، أما التحريم فلا دليل عليه. اهـ. وأما إذا لم يتحد الجنس: كرجل وامرأة، فإن دعت ضرورة شديدة لذلك جاز، وإلا فيحرم، كما في الحياة. ومحل ذلك إذا لم يكن بينهما محرمية، أو زوجية، وإلاّ فيجوز الجمع صرح به ابن الصباغ، وغيره، كما قاله ابن يونس، ويحجز بين الميتين مطلقًا بتراب، ندبًا، والقياس أن الصغير الذي لم يبلغ حد الشهوة كالمحرم، بل وأن الخنثى مع الخنثى، أو غيره كالأنثى مع الذكر مطلقًا. وقال أبو حنيفة ومالك: لا بأس أن يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد. ٧٥ - باب مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ (باب من لم ير غسل الشهداء) ولو كان الشهيد جنبًا، أو حائضًا أو نفساء. ١٣٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ، يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ". وبالسند قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي، قال: (حدّثنا ليث) بلام واحد، هو: ابن سعد الفهمي الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن عبد الرحمن بن كعب) ولأبي ذر، زيادة: ابن مالك، (عن جابر) هو: ابن عبد الله، ﵁، (قال: قال النبي ﷺ ¬): (ادفنوهم) بكسر الفاء والهمزة همزة وصل في اليونينية، أي: المستشهدين (في دمائهم يعني يوم أحد، ولم يغسلهم) إبقاء لأثر الشهادة عليهم، وقوله: يغسلهم، بضم أوّله وفتح ثانيه وتشديد ثالثه، ولأبي ذر: ولم يغسلهم بفتح أوّله وسكون ثانيه وتخفيف ثالثه، واستدلّ بعمومه على أن الشهيد لا يغسل، حتى ولا الجنب، والحائض، وهو الأصح عند الشافعية. وفي حديث أحمد عن جابر أيضًا أنه ﷺ ، قال في قتلى أحد: "لا تغسلوهم فإن كل جرح أو كلم أو دم يفوح مسكًا يوم القيامة" ولم يصل عليهم. فبين الحكمة في ذلك. وفي حديث ابن حبان والحاكم، في صحيحهما: أن حنظلة بن الراهب قتل يوم أحد وهو جنب، ولم يغسله، ﷺ ، وقال: رأيت الملائكة تغسله. فلو كان واجبًا لم يسقط إلا بفعلنا، ولأنه طهر عن حدث فسقط بالشهادة كغسل الميت فيحرم. وقال الحسن البصري وسعيد بن المسيب، فيما رواه ابن أبي شيبة: يغسل الشهيد. ٧٦ - باب مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ وَسُمِّيَ اللَّحْدَ لأَنَّهُ فِي نَاحِيَةٍ وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ. ﴿مُلْتَحَدًا﴾: مَعْدِلاً. وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيمًا كَانَ ضَرِيحًا. (باب من يقدم) من الموتى (في اللحد) وهو بفتح اللام وضمها، يقال: لحدت الميت وألحدت له، وأصله: الميل لأحد الجانبين. قال المؤلّف: (وسمي: اللحد لأنه) شق بعمل (في ناحية) من القبر مائلاً عن استوائه، بقدر ما يوضع فيه الميت في جهة القبلة (وكل جائر ملحد) لأنه مال وعدل ومارى وجادل. وسقط: وكل جائر ملحد، لأبي ذر، وقال المؤلّف أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٧] أي: (معدلاً) قاله أبو عبيدة في كتاب: المجاز، أي: ملتجأ تعدل إليه إن هممت به. (ولو كان) القبر أو الشق (مستقيمًا) غير مائل إلى ناحية (كان) وللحموي والمستملي: لكان (ضريحًا) بالضاد المعجمة، لأن

стр. 960

الضريح شق في الأرض على الاستواء. ١٣٤٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ. وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ". وبالسند قال: (حدّثنا ابن مقاتل) المروزي، ولأبي ذر: محمد بن مقاتل، قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي، قال: (أخبرنا ليث) بلام واحد، ولأبي ذر: الليث (بن سعد) الإمام (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن شهاب) الزهري (عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (¬﵄¬). (أن رسول الله، ﷺ ، كان يجمع بين الرجلين من قتلى) غزوة (أحد في ثوب واحد، ثم يقول: أيهم) أي: أي القتلى (أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد) مما يلي القبلة، وحق لقارئ القرآن الذي خالط لحمه ودمه وأخذ بمجامعه، أن يقدم على غيره في حياته في الإمامة، وفي مماته في القبر. وفيه: تقديم الأفضل، فيقدم الرجل ولو أميًّا، ثم الصبي، ثم الخنثى، ثم المرأة. فإن اتحد النوع قدم بالأفضلية المعروفة في نظائره: كالأفقه والأقرأ، إلا الأب فيقدم على الابن وإن فضله الابن لحرمة الأبوة، وكذا الأم مع البنت. (وقال) ﵊: (أنا شهيد على هؤلاء) أي: حفيظ عليهم، أراقب أحوالهم، وشفيع لهم (وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل) ﵊ (عليهم ولم يغسلهم) بضم أوله وفتح ثانيه، والحكمة في ذلك إبقاء أثر الشهادة عليهم. ولأبي ذر، ولم يغسلهم، بفتح أوله وسكون ثانيه. ١٣٤٨ - قال ابنُ المبارَكِ: وَأَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ: أَيُّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ -وَقَالَ جَابِرٌ- فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ". وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنَا مَنْ سَمِعَ جَابِرًا ﵁. (قال) عبد الله (بن المبارك) ولأبي ذر: وأخبرنا ابن المبارك، وهو بالإسناد الأول: محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله، أخبرنا الأوزاعي عن الزهري. (وأخبرنا الأوزاعي) عبد الرحمن (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن جابر بن عبد الله، ﵄، قال): (كان رسول الله، ﷺ يقول لقتلى أحد: أي هؤلاء) القتلى (أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى رجل قدمه في اللحد قبل صاحبه). وهذا منقطع لأن ابن شهاب لم يسمع من جابر (-وقال جابر-) المذكور: (فكفن أبي) عبد الله بن عمرو بن حرام (وعمي) عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام، وسماه: عمّا تعظيمًا له، وليس هو عمه، بل ابن عمه وزوج أخته، هند بنت عمرو (في نمرة واحدة) بفتح النون وكسر الميم، بردة من صوف أو غيره، مخططة. وذكر الواقدي وابن سعد: أنهما كفنا في نمرتين، فإن صح حمل على أن النمرة الواحدة شقت بينهما نصفين. وفي طبقات ابن سعد: أن ذلك كان بأمر رسول الله، ﷺ ، ولفظه، قالوا: وكان عبد الله بن عمرو بن حرام أول قتيل قتل من المسلمين يوم أحد، قتله سفيان بن عبد شمس. وقال رسول الله، ﷺ : كفنوا عبد الله بن عمرو، وعمرو بن الجموح في نمرة واحدة. لما كان بينهما من الصفاء. وقال: ادفنوا هذين المتحابين في الدنيا في قبر واحد. (وقال سليمان بن كثير) بالمثلثة العبدي، مما وصله الذهلي في الزهريات: (حدّثني الزهري) قال: (حدّثني) بالإفراد فيهما (من سمع جابرًا ﵁¬) هو المسمى في رواية الليث، وهو: عبد الرحمن بن كعب بن مالك. وبهذا التفسير يمكن نفي الاضطراب الذي أطلقه الدارقطني في هذا الحديث عنه، وأما رواية الأوزاعي المرسلة، فتصرف فيها بحذف الواسطة، وإنما أخرجها مع انقطاعها لأن الحديث عنده عن عبد الله بن المبارك، عن الليث، والأوزاعي جميعًا عن الزهري، فأسقط الأوزاعي عبد الرحمن بن كعب، وأثبته الليث. وهما في الزهري سواء. وقد صرحا جميعًا بسماعهما له منه، فقبل زيادة الليث لثقته، ثم قال بعد ذلك: ورواه سليمان بن كثير، عن الزهري، عمن سمع جابرًا. وأراد بذلك إثبات الواسطة بين الزهري وجابر فيه في الجملة، وتأكيد رواية الليث بذلك، وقد رد هذا بأن الاختلاف على الثقات والإبهام مما يورث الاضطراب، ولا يندفع ذلك بما ذكر، والله أعلم. ٧٧ - باب الإِذْخِرِ وَالْحَشِيشِ فِي الْقَبْرِ (باب) استعمال (الإذخر) بكسر الهمزة، وسكون الذال المعجمة، نبت طيب الرائحة (والحشيش) إلحاقًا له بالإذخر في الفرج التي تتخلل بين اللبنات (في القبر) واستعماله فيه بالبسط ونحوه، لا التطيب. ١٣٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ قال حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا لأَحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ: لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُعَرِّفٍ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ ﵁ إِلاَّ الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ: إِلاَّ الإِذْخِرَ». وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا». وَقَالَ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ "سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ " مِثْلَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ "لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ". [الحديث ١٣٤٩ - أطرافه في: ١٥٨٧، ١٨٣٣، ١٨٣٤، ٢٠٩٠، ٢٤٣٣، ٢٧٨٣، ٢٨٢٥، ٣٠٧٧، ٣١٨٩، ٤٣١٣]. وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله بن حوشب) بفتح المهملة والشين المعجمة، بينهما واو ساكنة آخره موحدة. الطائفي (قال: حدّثنا

стр. 961

عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي (قال: حدّثنا خالد) الحذاء (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄، عن النبي، ﷺ ، قال) يوم فتح مكة: (حرم الله مكة) أي: جعلها حرامًا يوم خلق السماوات والأرض، (فلم تحل لأحد قبلي، ولا لأحد) ولأبي الوقت، من غير اليونينية: ولا تحل لأحد (بعدي، أحلت لي) أي: أبيح لي القتال فيها (ساعة من نهار) وهي من ضحوة النهار إلى ما بعد العصر، كما في كتاب الأموال لأبي عبيدة؛ وللحموي والمستملي: أحلت له ساعة من النهار، (لا يختلى) بضم أوله وسكون ثانيه المعجم وفتح لامه (خلاها) بالقصر وفتح الخاء المعجمة، لا يجز ولا يقطع كلؤها الرطب الذي نبت بنفسه. (ولا يعضد) بضم أوّله وفتح ثالثه، أي: لا يكسر (شجرها، ولا ينفر صيدها) أي: لا يزعج من مكانه (ولا تلتقط لقطتها) بفتح القاف وسكونها، أي: لا ترفع ساقطتها (إلا لمعرف) يعرفها، ولا يأخذها للتمليك بخلاف سائر البلدان. (فقال العباس، ﵁: إلا الإذخر لصاغتنا وقبورنا) أي: ليكن هذا استثناء من الكلأ يا رسول الله، (فقال)، ﷺ ، باجتهاد أو وحي إليه في الحال (إلا الإذخر) وسقط: إلا، لابن عساكر. ويجوز أن يكون أوحي إليه قبل ذلك أنه: إن طلب منك أحد استثناء شيء فاستثن. والإذخر بالرفع على البدل، والنصب على الاستثناء لكونه واقعًا بعد النفي. لكن المختار، كما قاله ابن مالك، نصبه. إما لكون الاستثناء متراخيًا عن المستثنى منه، فتفوت المشاكلة بالبدلية، وإما لكون الاستثناء عرض في آخر الكلام، ولم يكن مقصودًا أولاً. (وقال أبو هريرة ﵁¬) مما وصله المؤلّف في كتاب: العلم (عن النبي، ﷺ : لقبورنا وبيوتنا) ولفظه: إن خزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث، عام فتح مكة، بقتيل منهم قتلوه. فأخبر بذلك النبيّ ﷺ ، فركب راحلته، فخطب فقال: إن الله حبس عن مكة القتل أو الفيل … الحديث، وفيه: فقال رجل من قريش إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا أي: لحاجة سقف بيوتنا نجعله فوق الخشب، ولحاجة قبورنا في سد الفرج التي بين اللبنات والفرش، ونحوه. فقال النبي ﷺ : إلا الإذخر. (قال أبان بن صالح) هو: ابن عمير بن عبيد القرشي، مما وصله ابن ماجة من طريقه (عن الحسن بن مسلم) هو: ابن يناق، بفتح التحتية وتشديد النون آخره قاف المكي (عن صفية بنت شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة، العبدرية: (سمعت النبي، ﷺ ، مثله). أي: يذكر البيوت والقبور، وقولها: سمعت بسكون العين، ولأبي ذر: سمعت النبي، ﷺ ، بفتح العين وكسر التاء لالتقاء الساكنين. واختلف في صحبة صفية هذه وأبعد من قال: لا رؤية لها، وقد صرح هنا بسماعها من النبي، ﷺ ، وقد أخرج ابن منده، من طريق محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن ثور، عن صفية بنت شيبة، قالت: والله لكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ ، حين دخل الكعبة … الحديث. (وقال مجاهد، عن طاوس) مما هو موصول في: الحج (عن ابن عباس، ﵄ لقينهم) بفتح القاف وسكون التحتية، أي: فإنه لحاجة حدّادهم (و) حاجة (بيوتهم). أورده لقوله: لقينهم، بدل قوله: لقبورهم، ولعله أشار إلى ترجيح الرواية الأولى لموافقة رواية أبي هريرة وصفية. ٧٨ - باب هَلْ يُخْرَجُ الْمَيِّتُ مِنَ الْقَبْرِ وَاللَّحْدِ لِعِلَّةٍ؟ (باب) بالتنوين (هل يخرج الميت من القبر واللحد) بعد دفنه (لعلة) كأن دفن بلا غسل، أو في كفن مغصوب، أو لحقه بعد الدفن سيل. ١٣٥٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا. قَالَ سُفْيَانُ وَقَالَ أَبُو هَارُونَ: وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَمِيصَانِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلْبِسْ أَبِي قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلْدَكَ. قَالَ سُفْيَانُ: فَيُرَوْنَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ قَمِيصَهُ مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ". وبالسند قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني، قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال عمرو) بفتح العين، هو: ابن دينار: (سمعت جابر بن عبد الله، ﵄، قال): (أتى رسول الله، ﷺ ، عبد الله بن أبي) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد المثناة التحتية (بعدما أدخل حفرته) أي: قبره، وكان رسول الله، ﷺ ، قد عاده في مرضه، فقال له: يا رسول الله، إن مت فاْحضر غسلي وأعطني قميصك الذي يلي جسدك، فكفني فيه، وصلِّ علي واستغفر لي. (فأمر به) رسول الله، -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 962

وَسَلَّمَ-، (فأخرج) من قبره (فوضعه) ﵊ (على ركبتيه) بالتثنية (ونفث عليه) وللحموي والمستملي: ونفث فيه (من ريقه). والنفث، بالمثلثة شبيه بالنفخ. وهو أقل من التفل، قاله في الصحاح، والمحكم، زاد ابن الأثير في نهايته: لأن التفل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق، وقيل: هما سواء أي: يكون معهما ريق. (وألبسه قميصه، فالله أعلم). وفي نسخة: والله أعلم، بالواو، جملة معترضة: أي فالله أعلم بسبب إلباس رسول الله، ﷺ ، إياه قميصه، لأن مثل هذا لا يفعل إلا مع مسلم. وقد كان يظهر من عبد الله هذا ما يقتضي خلاف ذلك، لكنه ﵊، اعتمد ما كان يظهر منه من الإسلام، وأعرض عما كان يتعاطاه، مما يقتضي خلاف ذلك. حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] كما سبق. (وكان) عبد الله (كسا عباسًا) عم النبي، ﷺ (قميصًا) وللكشميهني: قميصه لما أسر في بدر، ولم يجدوا له قميصًا يصلح له، لأنه كان طويلاً، إلا قميص ابن أبي. (قال سفيان) بن عيينة (وقال أبو هريرة) كذا في كثير من الروايات، ومستخرج أبي نعيم وهو تصحيف، وفي رواية أبي ذر وغيرها: وقال أبو هارون، وهو كذلك عند الحميدي، في الجمع بين الصحيحين، وجزم المزي بأنه: موسى بن أبي عيسى الحناط، بمهملة ونون المدني الغفاري، واسم أبيه: ميسرة، وقمِل: هو الغنوي، واسمه إبراهيم بن العلاء من شيوخ البصرة، وكلاهما من أتباع التابعين. فالحديث معضل. (وكان على رسول الله، ﷺ ، قميصان. فقال له) أي للنبي، ﷺ (ابن عبد الله) هو عبد الله أيضًا، سماه به النبي، ﷺ ، وكان اسمه: الحباب: (يا رسول الله، ألبس) بفتح الهمزة وكسر الموحدة (أبي) عبد الله بن أبي (قميصك الذي يلي جلدك). (قال سفيان) بن عيينة مما وصله المؤلّف في كسوة الأسارى من أواخر الجهاد: (فيرون) بضم المثناة التحتية (أن النبي، ﷺ ، ألبس عبد الله) بن أبي (قميصه مكافأة) بغير همزة في اليونينية (لما صنع) مع عمه العباس، فجازاه من جنس فعله. ١٣٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلاَّ مَقْتُولاً فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَىَّ مِنْكَ، غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَإِنَّ عَلَىَّ دَيْنًا، فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا. فَأَصْبَحْنَا، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً، غَيْرَ أُذُنِهِ". [الحديث ١٣٥١ - طرفه في: ١٣٥٢]. وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو: ابن مسرهد قال: (أخبرنا) ولأبي الوقت: حدّثنا (بشر بن المفضل) بكسر الموحدة، وسكون المعجمة في الأول، وضم الميم وفتح الفاء وتشديد الضاد المعجمة في الآخر، قال: (حدّثنا حسين المعلم عن عطاء) هو: ابن أبي رباح (عن جابر) هو: ابن عبد الله (¬﵁¬) كذا أخرجه المؤلّف: عن مسدد، عن بشر بن المفضل، عن حسين. إلا أبا علي بن السكن وحده، فإنه قال في روايته: عن شعبة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن جابر. وأخرجه أبو نعيم من طريق أبي الأشعث، عن بشر بن المفضل، فقال: سعيد بن يزيد عن أبي نضرة، عن جابر. وقال بعده: ليس أبو نضرة من شرط البخاري. قال: وروايته عن حسين، عن عطاء عزيزة جدًّا وأخرجه أبو داود، وابن سعد، والحاكم، والطبراني من طريقه، عن أبي نضرة عن جابر. وأبو نضرة هو: المنذر بن مالك العبدي. ولفظ رواية أبي داود: حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا حماد بن زيد، عن سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة، عن جابر، قال: دفن مع أبي رجل، وكان في نفسي من ذلك حاجة، فأخرجته بعد سبعة أشهر، فما أنكرت منه شيئًا إلا شعرات كن في لحيته مما يلي الأرض. (قال) جابر: (لما حضر أحد) أي: وقعته في سنة ثلاث من الهجرة (دعاني أبي) عبد الله (من الليل، فقال: ما أراني) بضم الهمزة، أي: ما أظنني، أي ما أظن نفسي (إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي، ﷺ ¬)، وفي المستدرك للحاكم، عن الواقدي: أن سبب ظنه ذلك منام رآه، وذلك أنه رأى مبشر بن عبد المنذر، وكان ممن استشهد ببدر يقول له: أنت قادم علينا في هذه الأيام، فقصها على النبي، ﷺ ، فقال هذه شهادة. (وإني لا أترك بعدي أعز علي منك، غير نفس رسول الله، ﷺ ، فإن علي) بالفاء، ولأبوي ذر، والوقت، وإن علي (دينًا فاقض) بحذف ضمير المفعول وفي رواية الحاكم: فاقضه، (واستوص) أي: اطلب الوصية (بأخواتك خيرًا) وكان له تسع أخوات (فأصبحنا، فكان)

стр. 963

أبي (أول قتيل) قتل ودفن (ودفن معه آخر) هو: عمرو بن الجموح بن زيد الأنصاري، وكان صديق عبد الله، والد جابر، ولأبي ذر: ودفنت بفتح الدال أي: دفنته ودفنت معه رجلاً آخر، بالنصب على المفعول (في قبر) واحد، ولأبوي الوقت، وذر: في قبره (ثم لم تطب نفسي أن أتركه) أن مصدرية، أي: لم تطب نفسي بتركه (مع الآخر) وهو: عمرو بن الجموح، كما مر، ولأبي الوقت: مع آخر، بالتنكير (فاستخرجته) من قبره (بعد ستة أشهر) من يوم دفنه (فإذا هو كيوم وضعته) فيه (هنية) بضم الهاء وفتح النون وتشديد المثناة التحتية. قال في القاموس: مصغرة هنة، أي: شيء يسير. قال: ويروى بإبدال الياء هاء. (غير أذنه) قال في المشارق: كذا في رواية أبي ذر، والجرجاني، والمروزي: هنية غير أذنه، بالتقديم والتأخير، وهو تغيير، وصوابه ما جاء في رواية ابن السكن، والنسفي: غير هنية في أذنه بتقديم غير، وزيادة: في. لكن حكى السفاقسي أن بعضهم ضبطه: هيئته، بفتح الهاء وسكون التحتية بعدها همزة ثم مثناة فوقية منصوبة ثم هاء الضمير أي: على حالته. قال: وبعضهم ضبطه بضم الهاء، ثم الياء المشددة تصغير: هنا، أي: قريبًا. قال في المصابيح: وهو وجه يستقيم الكلام به، ولا تقديم ولا تأخير اهـ. وقوله، هو، مبتدأ خبره: كيوم وضعته، والكاف بمعنى: المثل، واليوم بمعنى: الوقت، وانتصاب: هنية على الحال، والمعنى: استخرجت أبي من قبره، فإذا هو مثل الوقت الذي وضعته فيه، لم يتغير فيه شيء غير شيء يسير في أذنه، أسرع إليه البلاء، فتغير عن حاله. وقد أخرجه ابن السكن من طريق شعبة، عن أبي سلمة، بلفظ: غير أن طرف أذن أحدهم تغير، ولابن سعد، من طريق أبي هلال، عن أبي سلمة: إلا قليلاً من شحمة أذنه. ولأبي داود من طريق حماد بن زيد، عن أبي سلمة: إلا شعيرات كن من لحيته مما يلي الأرض. ويجمع بين هذه الرواية وغيرها بأن المراد الشعيرات التي تتصل بشحمة الأذن. ووقع في رواية الكشميهني: كيوم وضعته هنية عند أذنه، بلفظ: عند بالدال بدل: غير، لكن يبقى في الكلام نقص، وبينه ما في رواية ابن أبي خيثمة، والطبراني من طريق غسان بن نصر، عن أبي سلمة بلفظ: وهو كيوم دفنته إلا هنية عند أذنه. وعند أبي نعيم من طريق الأشعث: غير هنية عند أذنه، فجمع بين لفظ: غير، ولفظ: عند، وفي الكواكب، وفي بعضها: هيئة بالهمزة أي صورة. ١٣٥٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ، فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ". وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني، قال: (حدّثنا سعيد بن عامر) الضبعي (عن شعبة، عن ابن أبي نجيح) بفتح النون وكسر الجيم آخره حاء مهملة بينهما مثناة تحتية ساكنة، عبد الله، واسم أبي نجيح: يسار، بمثناة تحتية ومهملة مخففة (عن عطاء) هو: ابن أبي رباح (عن جابر) الأنصاري (¬﵁¬) كذا في رواية الأكثرين، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء. وحكى الجياني: أنه وقع عند ابن السكن: عن مجاهد بدل عطاء، قال: والذي رواه غيره أصح، وكذا رواه النسائي، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن جابر، ﵁ (قال): (دفن مع أبي) عبد الله (رجل) يسمى: عمرو بن الجموح في قبر واحد (فلم تطب نفسي) أن أتركه مع الآخر (حتى أخرجته) من ذلك القبر (فجعلته في قبر على حدة) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الدال المفتوحة بوزن عدة أي: على حياله منفردًا. ٧٩ - باب اللَّحْدِ وَالشَّقِّ فِي الْقَبْرِ (باب اللحد والشق) الكائنين (في القبر). ١٣٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ فَقَالَ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ". وبالسند قال: (حدّثنا عبدان) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة، لقب عبد الله بن عثمان المروزي، قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي، قال: (أخبرنا الليث بن سعد) الإمام (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن شهاب) الزهري (عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد الله، ﵄، قال): (كان النبي ﷺ ، يجمع بين الرجلين) بالتعريف، ولغير أبوي ذر، والوقت: رجلين (من قتلى) غزوة (أُحد) في ثوب واحد، أو يشقه بينهما (ثم يقول: أيهم) أي: أي القتلى (أكثر أخذًا للقرآن فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، فقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة فأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يغسلهم). بضم أوله وتشديد ثالثه، ولأبي ذر:

стр. 964

ولم يغسلهم، بفتح أوله وتخفيف ثالثه، وليس في الحديث ذكر: الشق، فاستشكلت المطابقة بينه وبين الترجمة. وأجيب: بأن قوله: قدمه في اللحد، يدل على الشق، لأن تقديم أحد الميتين يستلزم تأخير الآخر غالبًا في الشق، لمشقة تسوية اللحد، لمكان اثنين، وتقديمه اللحد على الشق في الترجمة يفيد أفضلية اللحد لكونه أستر للميت، ولقول سعد بن أبي وقاص في مرض موته: الحدوا لي لحدًا وانصبوا عليّ اللبن نصبًا، كما فعل برسول الله، ﷺ . رواه مسلم وقد روى السلفي، عن أبي بن كعب، مرفوعا: ألحد آدم وغسل بالماء وترًا وقالت الملائكة: هذه سنة ولده من بعده. وروى أبو داود: اللحد لنا والشق لغيرنا، قال التوربشتي، أي: اللحد، هو الذي نختاره والشق اختيار من كان قبلنا. وقال الزين العراقي: المراد بغيرنا: أهل الكتاب، كما ورد مصرحًا به في بعض طرق حديث جرير في مسند الإمام أحمد، والشق لأهل الكتاب، لكن الحديث ضعيف وليس فيه النهي عن الشق، غايته تفضيل اللحد. نعم، إذا كان المكان رخوًا فالشق أفضل خوف الانهيار، وقد أجمع العلماء، كما قاله في شرح المهذّب، على جوازهما. ٨٠ - باب إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَهَلْ يُعْرَضُ عَلَى الصَّبِيِّ الإِسْلَامُ؟ وَقَالَ الْحَسَنُ وَشُرَيْحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ: إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا فَالْوَلَدُ مَعَ الْمُسْلِمِ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ مَعَ أُمِّهِ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَبِيهِ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ وَقَالَ: الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى. (باب) بالتنوين (إذا أسلم الصبي فمات) قبل البلوغ (هل يصلّى عليه) أم لا؟ (وهل يعرض على الصبي الإسلام). (وقال الحسن) البصري، (وشريح) بضم الشين المعجمة مصغرًا، مما أخرجه البيهقي عنهما (و) قال: (إبراهيم) النخعي (وقتادة)، مما وصله عبد الرزاق عنهما، (إذا أسلم أحدهما) أي: أحد الوالدين (فالولد مع المسلم) منهما. (وكان ابن عباس، ﵄: مع أمه) لبابة بنت الحرث الهلالية (من المستضعفين)، وهذا وصله المؤلّف في الباب، بلفظ: كنت أنا وأمي من المستضعفين، وهم الذين أسلموا بمكة، وصدهم المشركون عن الهجرة، فبقوا بين أظهرهم مستضعفين، يلقون منهم الأذى الشديد. (ولم يكن) أي ابن عباس (مع أبيه على دين قومه) المشركين. وهذا قاله المصنف تفقهًا، وهو مبني على أن إسلام العباس كان بعد وقعة بدر، والصحيح أنه أسلم عام الفتح، وقدم مع النبي، ﷺ ، فشهد الفتح. (وقال: الإسلام يعلو ولا يعلى) مما وصله الدارقطني مرفوعًا، من حديث ابن عباس، فليس هو معطوفًا على ابن عباس. نعم، ذكره ابن حزم في المحلى، من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إذا أسلمت اليهودية أو النصرانية يفرق بينهما، الإسلام يعلو ولا يعلى. ١٣٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي رَهْطٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ -وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ الْحُلُمَ- فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لاِبْنِ صَيَّادٍ: تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ. فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَرَفَضَهُ وَقَالَ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ. فَقَالَ لَهُ: مَاذَا تَرَى؟ قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا. فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُّ. فَقَالَ: اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ. فَقَالَ عُمَرُ ﵁: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ". [الحديث ١٣٥٤ - أطرافه في: ٣٠٥٥، ٦١٧٣، ٦٦١٨]. وبالسند قال: (حدّثنا عبدان) بفتح العين وسكون الموحدة، لقب عبد الله بن عثمان، قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (سالم بن عبد الله). (أن ابن عمر) أباه (¬﵄، أخبره): (أن) أباه (عمر) بن الخطاب (انطلق مع النبي، ﷺ ، في رهط) قال في الصحاح: رهط الرجل: قومه وقبيلته. والرهط: ما دون العشرة من الرجال، ولا يكون فيهم امرأة، (قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: جهة (ابن صياد) بفتح الصاد المهملة وبعد المثناة التحتية المشددة ألف ثم دال مهملة، واسمه: صافي، كقاضي، وقيل: عبد الله، وكان من اليهود، وكانوا حلفاء بني النجار، وكان سبب انطلاق النبي، ﷺ ، إليه ما رواه أحمد من طريق جابر، قال: ولدت امرأة من اليهود غلامًا ممسوحة عينه، والأخرى طالعة ناتئة، فأشفق النبي، ﷺ ، أن يكون هو الدجال. (حتى وجدوه) أي الرسول ومن معه من الرهط، والضمير المنصوب لابن صياد، ولأبي الوقت من غير اليونينية. وجده بالإفراد أي: وجد النبي ﷺ ابن صياد، حال كونه (يلعب مع الصبيان عند أطم بني مغالة) بضم الهمزة والطاء، بناء من حجر كالقصر، وقيل، هو الحصن، ويجمع على آطام وبني مغالة، بفتح الميم والغين المعجمة الخفيفة، قبيلة من الأنصار (وقد قارب ابن صياد الحلم) بضم الحاء واللام، أي: البلوغ (فلم يشعر) أي: ابن صياد (حتى ضرب النبي، ﷺ ، بيده ثم قال لابن صياد): (تشهد أني رسول الله؟)

стр. 965

بحذف همزة الاستفهام، فيه عرض الإسلام على الصبي الذي لم يبلغ، ومفهومه، أنه لم يصح إسلامه لما عرض ﷺ الإسلام على ابن صياد، وهو غير بالغ، ففيه مطابقة الحديث لجزأي الترجمة، كليهما. ولأبي ذر: لابن صائد، بتقديم الألف على التحتية، وكلاهما كان يدعى به (فنظر إليه) ﷺ (ابن صياد فقال: أشهد أنك رسول الأميين) مشركي العرب، وكانوا لا يكتبون. أو: نسبة إلى أم القرى، وفيه إشعار بأن اليهود الذين كان منهم ابن صياد كانوا معترفين ببعثة رسول الله ﷺ ، لكن يدّعون أنها مخصوصة بالعرب، وفساد حجتهم واضح، لأنهم إذا أقروا برسالته استحال كذبه. فوجب تصديقه في دعواه الرسالة إلى كافة الناس. (فقال ابن صياد للنبي، ﷺ : أتشهد) بإثبات همزة الاستفهام (أني رسول الله؟ فرفضه) النبي، ﷺ ، بالضاد المعجمة، أي: ترك سؤاله أن يسلم ليأسه منه، وفي رواية أبي ذر، عن المستملي: فرفصه، بالصاد المهملة. وقال المازري: لعله: رفسه، بالسين المهملة، أي: ضربه برجله، لكن قال القاضي عياض: لم أجد هذه اللفظة بالصاد في جماهير اللغة. وقال الخطابي: فرصه، بحذف الفاء، بعد الراء. وتشديد الصاد المهملة، أي ضعثه حتى ضم بعضه إلى بعض. ومنه: ﴿بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] وللأصيلي، مما في الفتح: فرقصه، بالقاف بدل الفاء، ولعبدوس: فوقصه بالواو والقاف. (وقال) ﵊: (آمنت بالله وبرسله) قال البرماوي، كالكرماني: مناسبة هذا الجواب لقول ابن صياد: أتشهد أني رسول الله، أنه لما أراد أن يظهر للقوم كذبه في دعواه الرسالة، أخرج الكلام مخرج الإنصاف، أي آمنت برسل الله، فإن كنت رسولاً صادقًا غير ملبس عليك الأمر، آمنت بك. وإن كنت كاذبًا وخلط عليك الأمر فلا. لكنك خلط عليك الأمر فاخسأ ثم شرع يسأله عما يرى، (فقال له: ماذا ترى؟) وأراد باستنطاقه إظهار كذبه المنافي لدعواه الرسالة، (قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب) أي أرى الرؤيا ربما تصدق، وربما تكذب. قال القرطبي: كان ابن صياد على طريق الكهنة، يخبر بالخبر فيصح تارة، ويفسد أخرى، وفي حديث جابر عند الترمذي، فقال: أرى حقًّا وباطلاً، وأرى عرشًا على الماء. (فقال) له (النبي ﷺ : خلط عليك الأمر) بضم الخاء المعجمة وتشديد اللام المكسورة، وروي تخفيفها، كما في الفرع وأصله، أي: خلط عليك شيطانك ما يلقي إليك. (ثم قال له النبي ﷺ : إني قد خبأت لك) أي: أضمرت لك في صدري (خبيئًا) بفتح الخاء المعجمة وكسر الموحدة وسكون المثناة التحتية ثم همزة بوزن فعيل، ولأبي ذر: خبئًا، بفتح الخاء وسكون الموحدة، وإسقاط التحتية أي: شيئًا. وفي حديث زيد بن حارثة، عند البزار، والطبراني في الأوسط: كان رسول الله، ﷺ ، خبأ له سورة الدخان، وكأنه أطلق السورة وأراد بعضها. فعند أحمد في حديث الباب: وخبأ له ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]. (فقال ابن صياد: هو الدخ) بضم الدال المهملة ثم خاء معجمة. وفي حديث أبي ذر، عند البزار، وأحمد: فأراد أن يقول: الدخان، فلم يستطع فقال الدخ. اهـ. أي: لم يستطع أن يتم الكلمة، ولم يهتد من الآية الكريمة إلا لهذين الحرفين، على عادة الكهان من اختطاف بعض الكلمات من أوليائهم من الجن، أو من هواجس النفس. (فقال) له ﵊: (اخسأ) بهمزة وصل آخره همزة ساكنة، لفظ يزجر به الكلب، ويطرد أي: اسكت صاغرًا مطرودًا (فلن تعدو قدرك) بنصب تعدو: بلن، وفي بعض النسخ، مما حكاه السفاقسي: لن تعد، بغير واو فقيل: حذفت تخفيفًا، أو أنّ: لن، بمعنى: لا، أو: على لغة من يجزم بلن، وهي لغة حكاها الكسائي، وتعدو بالمثناة الفوقية: فقدرك، نصب أو: بالتحتية، فرفع أي: لا يبلغ قدرك أن تطالع بالغيب من قبل الوحي المخصوص بالأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، ولا من قبل الإلهام الذي يدركه الصالحون، وإنما قال ابن صياد ذلك، من شيء ألقاه أليه الشيطان، إما لكون النبي ﷺ ، تكلم بذلك بينه وبين نفسه، فسمعه الشيطان. أو حدّث ﷺ ، بعض أصحابه، بما أضمره. ويدل لذلك قول

стр. 966

عمر ﵁ وخبأ له رسول الله ﷺ ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]. (فقال عمر) بن الخطاب، (¬﵁: دعني يا رسول الله أضرب عنقه) بجزم أضرب، كما في الفرع جواب الطلب، ويجوز الرفع (فقال النبي، ﷺ ¬). (إن يكنه) كذا للكشميهني: يكنه. بوصل الضمير، وهو خبر كان وضع موضع المنفصل، واسمها مستتر فيه، للباقين إن يكن هو، بانفصاله. وهو الصحيح، لأن المختار في خبر كان الانفصال. تقول: كان إياه، وهذا هو الذي اختاره ابن مالك في التسهيل، وشرحه تبعًا لسيبويه، واختار في ألفيته الاتصال. وعلى رواية الفصل، فلفظ: هو، توكيد للضمير المستتر، وكان تامة أو وضع: هو، موضع إياه، أي: إن يكن إياه. وفي مرسل عروة، عند الحرث بن أبي أسامة: إن يكن هو الدجال (فلن تسلط عليه) بالجزم في الفرع، على لغة من يجزم لن. كما مر وفي غيره بالنصب على الأصل. وفي حديث جابر: فلست بصاحبه، إنما صاحبه عيسى ابن مريم (وإن لم يكنه، فلا خير لك في قتله). فإن قلت: لِمَ لم يأذن ﵊ في قتله مع ادعائه النبوة بحضرته؟ أجيب: بأنه كان غير بالغ، أو من جملة أهل العهد، وأنه لم يصرح بدعوى النبوة، وإنما أوهم أنه يدّعي الرسالة، ولا يلزم من دعوى الرسالة دعوى النبوّة، قال الله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الآية [مريم: ٨٣]. وقد اختلف في أن المسيح الدجال هو: ابن صياد، أو غيره. ويأتي البحث في ذلك، إن شاء الله تعالى في محله. والنافي لكونه هو، يحتج: بأن ابن صياد أسلم، وولد له، ودخل مكة والمدينة، ومات بالمدينة. وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حتى رآه الناس، والله أعلم. ورواة هذا الحديث ما بين: مروزي وأيلي ومدني، وفيه: رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، والتحديث والإخبار، والعنعنة، والقول. وأخرجه أيضًا في: بدء الخلق وأحاديث الأنبياء. ومسلم في: الفتن. ١٣٥٥ - وَقَالَ سَالِمٌ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: "انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ إِلَى النَّخْلِ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ، وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ابْنُ صَيَّادٍ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ، يَعْنِي فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْزَةٌ، أَوْ زَمْرَةٌ -فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فَقَالَتْ لاِبْنِ صَيَّادٍ: يَا صَافِ -وَهْوَ اسْمُ ابْنِ صَيَّادٍ- هَذَا مُحَمَّدٌ ﷺ ، فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ". وَقَالَ شُعَيْبٌ فِي حَدِيثِهِ: فَرَفَصَهُ. رَمْرَمَةٌ، أَوْ زَمْزَمَةٌ. وَقَالَ وعُقَيلٌ: رَمْرَمَةٌ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: رَمْزَةٌ. [الحديث ١٣٥٥ - أطرافه في: ٢٦٣٨، ٣٠٣٣، ٣٠٥٦، ٦١٧٤]. (وقال سالم) أي: ابن عبد الله بن عمر، بالإسناد الأول: (سمعت ابن عمر، ﵄، يقول): ثم (انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ ،) أي: بعد انطلاقه هو وعمر في رهط (وأبي بن كعب) معه (إلى النخل التي فيها ابن صياد، وهو) أي: والحال أنه ﵊ (يختل) بفتح المثناة التحتية وسكون الخاء المعجمة وكسر الفوقية، أي: يستغفل (أن يسمع من ابن صياد شيئًا) من كلامه الذي يقوله في خلوته، ليعلم هو وأصحابه أهو كاهن أو ساحر؟ (قبل أن يراه ابن صياد، فرآه النبي ﷺ ، وهو مضطجع) الواو للحال. (يعني في قطيفة) كساء له خمل، وسقط: يعني في قطيفة، لأبي ذر، الله) أي: لابن صياد (فيها) أي: في القطيفة (رمزة) براء مهملة مفتوحة فميم ساكنة فزاي معجمة (أو زمرة) بالزاي المعجمة ثم الراء المهملة بعد الميم، على الشك في تقديم أحدهما على الآخر ولبعضهم: رمرمة أو زمزمة على الشك، هل هو: براءين مهملتين، أو: بزاءين معجمتين، مع زيادة ميم فيهما. ومعناها كلها متقارب. فالأولى من الرمز وهو الإشارة، والثانية من المزمار، والتي، بالمهملتين والميمين، فأصله من الحركة، وهي هنا بمعنى: الصوت الخفي. وكذا التي بالمعجمتين. وفي القاموس: أنه تراطن العلوج على أكلهم وهم صموت لا يستعملون لسانًا ولا شفة، لكنه صوت تديره في خياشيمها وحلوقها، فيفهم بعضها عن بعض. (فرأت أم ابن صياد رسول الله ﷺ ، وهو) أي والحال أنه (يتقي) أي: يخفي نفسه (بجذوع النخل) بضم الجيم والذال المعجمة، حتى لا تراه أم ابن صياد (فقالت لابن صياد) أمه: (يا صاف) بصاد مهملة وفاء مكسورة (-وهو: اسم ابن صياد- هذا محمد ﷺ فثار ابن صياد) بالثاء المثلثة والراء آخره، أي: نهض من مضجعه بسرعة، وللكشميهني: فثاب، بالموحدة بدل الراء، أي: رجع عن الحالة التي كان فيها (فقال النبي، ﷺ : لو تركته) أمه ولم تعلمه بمجيئنا (بين) أي: أظهر لنا من حاله ما نطلع به على حقيقة أمره. (وقال شعيب) هو: ابن أبي حمزة الحمصي، مما وصله المؤلّف في: الأدب (في حديثه: فرفصه) بفاء بعد الراء

стр. 967

فصاد مهملة، كذا في الفرع، وفي نسخة: فرضه، وكذا في رواية أبي ذر، بحذف الفاء وتشديد الضاد المعجمة، أي: ضعطه وضم بعضه إلى بعض. وقال شعيب في حديثه أيضًا (رمرمة) براءين مهملتين وميمين (أو زمزمة) بمعجمتين على الشك، ولأبي ذر في الأولى: زمزمة بمعجمتين. وسقط في رواية أبي ذر قوله في حديثه: فرفصه وثبت لغيره (وقال عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد الأيلي مما وصله المؤلّف في: الجهاد: (رمرمة) براءين مهملتين وميمين، ولأبي ذر: رمزة بمهملة فميم ساكنة فزاي معجمة، وفي نسخة: وقال إسحاق الكلبي، مما وصله الذهلي في الزهريات، وعقيل المذكور: رمرمة، بمهملتين، وسقطت رواية إسحاق عند المستملي. والكشميهني، وأبي الوقت (وقال معمر) هو ابن راشد: "رمزة" براء مهملة فميم ساكنة فزاي معجمة، ولأبي ذر: (زمرة) بتقديم المعجمة على المهملة. ١٣٥٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ. فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ . فَأَسْلَمَ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ". [الحديث ١٣٥٦ - طرفه في: ٥٦٥٦]. وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي البصري، قال: (حدّثنا حماد، وهو: ابن زيد) بالواو (عن ثابت) البناني (عن أنس، ﵁ قال: كان غلام يهودي) قيل: اسمه عبد القدوس، فيما ذكره ابن بشكوال، عن حكاية صاحب العتبية (يخدم النبي ﷺ ، فمرض، فأتاه النبي، ﷺ ،) حال كونه (يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له) ﵊: (أسلم) فعل أمر من الإسلام. (فنظر) الغلام (إلى أبيه، وهو عنده) وفي رواية أبي داود: عند رأسه (فقال له) أبوه وسقط لأبي ذر لفظة: له (أطع أبا القاسم، ﷺ ، فأسلم) الغلام. وللنسائي، عن إسحاق بن راهويه، عن سليمان المذكور، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله (فخرج النبي ﷺ ¬) من عنده (وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه) بالذال المعجمة، أي: خلصه ونجاه بي (من النار). ولله در القائل: ومريض أنت عائده … قد أتاه الله بالفرج وفيه دليل على: أن الصبي إذا عقل الكفر ومات عليه يعذب. وفيه ما ترجم له، وهو عرض الإسلام على الصغير، ولولا صحته منه ما عرضه عليه. ١٣٥٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: "كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ: أَنَا مِنَ الْوِلْدَانِ، وَأُمِّي مِنَ النِّسَاءِ". [الحديث ١٣٥٧ - أطرافه في: ٤٥٨٧، ٤٥٨٨، ٤٥٩٧]. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: قال عبيد الله) بضم العين مصغرًا، الليثي المكي. ولأبي ذر عبيد الله بن أبي يزيد من الزيادة (سمعت ابن عباس ﵄ يقول): (كنت أنا وأمي) لبابة، أم الفضل (من المستضعفين) من المسلمين الذين بقوا بمكة لصد المشركين، أو ضعفهم عن الهجرة، مستذلين ممتهنين، يلقون من الكفار شديد الأذى (أنا من الولدان) الصبيان (وأمي من النساء). ١٣٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلَامِ، يَدَّعِي أَبَوَاهُ الإِسْلَامَ أَوْ أَبُوهُ خَاصَّةً وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ عَلَى غَيْرِ الإِسْلَامِ، إِذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سِقْطٌ، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ يُحَدِّثُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ»؟ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآيَةَ. [الحديث ١٣٥٨ - أطرافه في: ١٣٥٩، ١٣٨٥، ٤٧٧٥، ٦٥٩٩]. وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع، قال: (أخبرنا شعيب) هو: ابن أبي حمزة الحمصي (قال: ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري. (يصَلى على كل مولودٍ متوفى) بضم الميم وفتح التاء والواو والفاء المشددة، صفة لمولود (وإن كان) أي المولود (لغية) بكسر اللام وفتح الغين المعجمة وقد تكسر وتشديد المثناة التحتية، أي: لأجل غية، مفرد الغي ضد الرشد، وهو أعم من الكفر وغيره، يقال لولد الزنا: ولد الغية، يعني: وإن كان الولد لكافرة أو زانية (من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام) أي ملته (يدعي أبواه الإسلام) جملة حالية (أو أبوه) يدّعي الإسلام (خاصة، وإن كانت أمه على غير) دين (الإسلام) لأنه محكوم بإسلامه تبعًا لأبيه، وهذا مصير من الزهري إلى تسمية الزاني أبًا لمن زنى بأمه، وأنه يتبعه في الإسلام، وهو قول مالك (إذا استهل) أي: صاح عند الولادة (صارخًا) حال مؤكدة من فاعل: استهل، والمراد: العلم بحياته بصياح أو غيره، كاختلاج بعد انفصاله (صُلّي عليه) بضم الصاد، وكسر اللام لظهور أمارة الحياة فيه، والذي في اليونينية، إذا استهل صلي عليه صارخًا (ولا يصلّى) بفتح اللام (على من لا يستهل) أو: لم يتحرك (من أجل أنه سقط) بكسر السين وضمها وتفتح، أي: جنين سقط قبل تمامه. نعم: إن بلغ مائة وعشرين يومًا فأكثر، حد نفخ الروح فيه، وجب غسله

стр. 968

وتكفينه ودفنه، ولا تجب الصلاة عليه، بل لا تجوز لعدم ظهور حياته، وإن سقط لدون أربعة أشهر، وُوري بخرقة ودفن فقط. (فإن أبا هريرة ﵁¬) الفاء للتعليل (كان يحدّث قال النبي، ﷺ : ما من مولود) من بني آدم (إلا يولد على الفطرة) الإسلامية، ومن زائدة و: مولود، مبتدأ، ويولد خبره، أي: ما مولود يوجد على أمر من الأمور إلا على الفطرة (فأبواه) الضمير للمولود، والفاء إما للتعقيب، أو للسببية، أو جزاء شرط مقدر، أي إذا تقرر ذلك، فمن تغير كان سبب تغيره أن أبويه (يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه) إما بتعليمهما إياه وترغيبهما فيه، أو كونه تبعًا لهما في الذين يكون حكمه حكمهما في الدنيا، فإن سبقت له السعادة أسلم، وإلاّ مات كافرًا فإن مات قبل بلوغه الحلم فالصحيح أنه من أهل الجنة، وقيل: لا عبرة بالإيمان الفطري في الدنيا، بل الإيمان الشرعي المكتسب بالإرادة والعقل، فطفل اليهوديين مع وجود الإيمان الفطري محكوم بكفره في الدنيا تبعًا لأبويه (كما تتتج) بمثناتين فوقيتين، أولاهما مضمومة والأخرى مفتوحة، بينهما نون ساكنة ثم جيم، مبنيًّا للمفعول أي: تلد (البهيمة بهيمة) نصب على المفعولية (جمعاء) بفتح الجيم وسكون الميم ممدودًا، نعت لبهيمة، لم يذهب من بدنها شيء سميت بذلك لاجتماع أعضائها (هل تحسون) بضم أوّله وكسر ثانيه أي: هل تبصرون (فيها من جدعاء)؟ بجيم مفتوحة ودال مهملة ساكنة ممدودًا، أي: مقطوعة الأذن أو الأنف أو الأطراف. والجملة صفة أو حال. أي: بهيمة مقولاً فيها هذا القول، أي: كل من نظر إليها قال هذا القول لظهور سلامتها. وكما، في قوله: كما تنتج، في موضع نصب على الحال من الضمير المنصوب في: يهوّدانه، أي: يهوّدان المولود بعد أن خلق على الفطرة، حال كونه شبيهًا بالبهيمة التي جدعت بعد أن خلقت سليمة، أو هو صفة لمصدر محذوف، أي: يغيرانه مثل تغييرهم البهيمة السليمة والأفعال الثلاثة تنازعت في: كما، على التقديرين. (ثم يقول أبو هريرة، ﵁¬) مما أدرجه في الحديث، كما بينه مسلم في رواية حيث قال: ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم (-فطرة الله-) أي: خلقته، نصب على الإغراء، أو: المصدر لما دل عليه ما بعدها ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] أي: خلقهم عليها، وهي: قبول الحق وتمكنهم من إدراكه، أو: ملة الإسلام فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أداهم إليه، لأن حسن هذا الدين ثابت في النفوس، وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية، كالتقليد. وقيل: العهد المأخوذ من آدم وذريته يوم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقد جزم في تفسير سورة الروم بأن الفطرة: الإسلام. قال ابن عبد البر: وهو المعروف عند عامة السلف. وهذا الحديث منقطع، لأن ابن شهاب لم يسمع من أبي هريرة، بل لم يدركه، ولم يذكره المصنف للاحتجاج، بل لاستنباطه منه ما سبق من الحكم. وقد ساقه المؤلّف من طريق أخرى، عنه عن أبي سلمة، فقال بالسند السابق: ١٣٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ»؟ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن) ابن شهاب (الزهري، قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (ما من مولود إلا يولد على الفطرة) ظاهره تعميم الوصف المذكور في جميع المولودين، لكن حكى ابن عبد البر، عن قوم أنه: لا يقتضي العموم، واحتجوا بحديث أبي بن كعب، قال النبي، ﷺ : الغلام الذي قتله الخضر طبعه الله يوم طبعه كافرًا. وبما رواه سعيد بن منصور، يرفعه: إن بني آدم خلقوا طبقات، فمنهم من يولد مؤمنًا ويحيا مؤمنًا ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا ويحيا كافرًا ويموت كافرًا. ومنهم من يولد مؤمنًا ويحيا مؤمنًا ويموت كافرًا ومنهم من يولد كافرًا ويحيا كافرًا ويموت مؤمنًا قالوا: ففي هذا وفي غلام الخضر، ما يدل على أن الحديث ليس على عمومه. وأجيب: بأن حديث سعيد بن منصور فيه: ابن جدعان وهو ضعيف، ويكفي في الرد عليهم حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، عند مسلم: ليس مولود يولد إلا على الفطرة، حتى يعبر عنه لسانه، وأصرح منه رواية جعفر بن ربيعة بلفظ: كل بني آدم

стр. 969

يولد على الفطرة. (فأبواه يهودانه وينصرانه) ولأبي ذر: أو ينصرانه (أو يمجسانه، كما تنتج) بضم أوله وفتح ثالثه، أي: تلد (البهيمة بهيمة جمعاء) بالمد، نعت أي: تامة الأعضاء، وثبت: جمعاء لأبي ذر (هل تحسون فيها من جدعاء؟) بالدال المهملة والمد، مقطوعة الأذن أو الأنف. (ثم يقول أبو هريرة، ﵁¬). زاد مسلم: اقرؤوا إن شئتم ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ قال صاحب الكشاف، أي: الزموا فطرة الله، أو: عليكم فطرة الله، أي خلقهم قابلين للتوحد، ودين الإسلام لكونه على مقتضى العقل والنظر الصحيح، حتى إنهم لو تركوا وطباعهم لما اختاروا عليه دينًا آخر. اهـ. قال البرماوي: ولا يخفى ما فيه من نزعة اعتزالية، وقال أبو حيان في البحر: قوله: أو عليكم فطرة الله، لا يجوز لأن فيه حذف كلمة الإغراء. ولا يجوز حذفها، لأنه قد حذف الفعل، وعوّض عليك منه، فلو جاز حذفه لكان إجحافًا إذ فيه حذف العوض والمعوّض منه (﴿لا تبديل لخلق الله﴾) استشكل هذا مع كون الأبوين يهودانه. وأجيب: بأنه مؤول، فالمراد: ما ينبغي أن تبدل تلك الفطرة، أو: من شأنها أن لا تبدل، أو: الخبر بمعنى النهي (﴿ذلك﴾) إشارة إلى الذين المأمور بإقامة الوجه له، في قوله ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠] أو: الفطرة إن فسرت بالملة ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] المستوي الذي لا عوج فيه. ٨١ - باب إِذَا قَالَ الْمُشْرِكُ عِنْدَ الْمَوْتِ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ هذا (باب) بالتنوين (إذا قال المشرك عند الموت) قبل المعاينة: (لا إله إلاّ الله) ينفعه ذلك. ١٣٦٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ "أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جاءه رسول الله ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَبِي طَالِبٍ: يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَا وَاللَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآيَةَ". [الحديث ١٣٦٠ - أطرافه في: ٣٨٨٤، ٤٦٧٥، ٤٧٧٢، ٦٦٨١]. وبالسند قال: (حدّثنا إسحاق) هو: ابن راهويه، أو: ابن منصور، قال: (أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدَّثني) بالإفراد (أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح) هو: ابن كيسان الغفاري (عن ابن شهاب) الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب) بضم الميم وفتح المهملة والمثناة التحتية المشدّدة، تابعي اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل (عن أبيه) المسيب بن حزن بفتح المهملة وسكون الزاي بعدها نون، وهو وأبوه صحابيان، هاجرا إلى المدينة (أنّه أخبره): (أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة) أي علاماتها قبل النزع، وإلا لما كان ينفعه الإيمان لو آمن، ولهذا كان ما وقع بينهم وبينه من المراجعة. قاله البرماوي كالكرماني، قال في الفتح: ويحتمل أن يكون انتهى إلى النزع، لكن رجا النبي ﷺ ، أنه إذا أقر بالتوحيد، ولو في تلك الحالة، إن ذلك ينفعه بخصوصه، ويؤيد الخصوصية أنه بعد أن امتنع شفع له حتى خفف عنه العذاب بالنسبة لغيره، (جاءه رسول الله، ﷺ ، فوجد عنده أبا جهل بن هشام) مات على كفره (وعبد الله بن أبي أمية) بضم الهمزة (ابن المغيرة) أخا أم سلمة، وكان شديد العداوة للنبي، ﷺ ، ثم أسلم عام الفتح، ويحتمل أن يكون المسيب حضر هذه القصة حال كفره، ولا يلزم من تأخر إسلامه أن لا يكون شهد ذلك، كما شهدها عبد الله بن أبي أمية (قال رسول الله، ﷺ لأبي طالب): (يا عم) ولأبوي ذر، والوقت: أي عم، منادى مضاف، ويجوز إثبات الياء وحذفها: (قل: لا إله إلا الله كلمة) نصب على البدل أو الاختصاص (أشهد لك بها عند الله) أشهد مرفوع، والجملة في موضع نصب صفة لكلمة. (فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب! أترغب) بهمزة الاستفهام الإنكاري، أي: أتعرض (عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله، ﷺ ، يعرضها عليه) بفتح أوّله وكسر الراء، (ويعود بتلك المقالة) أي يترغب عن ملة عبد المطلب (حتى قال أبو طالب، آخر ما كلمهم) بنصب آخر على الظرفية أي: آخر أزمنة تكليمه إياهم (هو على ملة عبد المطلب) أراد بقوله: هو، نفسه أو قال: أنا، فغيّره الراوي أنفة أن يحكي كلام أبي طالب استقباحًا للفظ المذكور، أو: هو من التصرفات الحسنة (وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ ¬): (أما) بالألف بعد الميم المخففة، حرف تنبيه أو بمعنى: حقًّا، ولأبي ذر عن الكشميهني: أم (والله لأستغفرن لك) أي: كما استغفر إبراهيم لأبيه (ما لم أُنْهَ عنك) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول وللحموي والمستملي ما لم

стр. 970

أنه عنه، أي: عن الاستغفار الدال عليه قوله لأستغفرن لك. (فأنزل الله تعالى فيه) أي: في أبي طالب: (﴿ما كان للنبي﴾) [التوبة: ١١٣] (الآية) خبر بمعنى النهي ولأبي ذر: فأنزل الله تعالى فيه الآية، فحذف لفظ ﴿ما كان للنبي﴾. ورواة هذا الحديث، ما بين: مروزي، وهو شيخ المؤلّف ومدني وهو بقيتهم، وفيه رواية الابن عن الأب، والتحديث والإخبار والعنعنة. وأخرجه المؤلّف أيضًا في: سورة القصص. ٨٢ - باب الْجَرِيدِ عَلَى الْقَبْرِ وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِيُّ أَنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَانِ وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: انْزِعْهُ يَا غُلَامُ، فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ. وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ: رَأَيْتُنِي وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ ﵁ وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً الَّذِي يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يُجَاوِزَهُ. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ: أَخَذَ بِيَدِي خَارِجَةُ فَأَجْلَسَنِي عَلَى قَبْرٍ وَأَخْبَرَنِي عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ. وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ﵄ يَجْلِسُ عَلَى الْقُبُورِ. (باب) وضع (الجريد على القبر) ولأبي ذر: الجريدة بالإفراد. قال في القاموس: والجريدة سعفة طويلة رطبة، أو يابسة، أو: التي تقشر من خوصها. وقال في الصحاح: والجريد الذي يجرد عنه الخوص، ولا يسمى جريدًا ما دام عليه الخوص، وإنما سمى سعفًا الواحدة جريدة. (وأوصى بريدة الأسلمي) بضم الموحدة وفتح الراء، ابن الخصيب، بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، مما وصله ابن سعد من طريق مورّق العجلي: (أن يجعل في) وللمستملي: على (قبره جريدان) بغير مثناة فوقية بعد الدال، ولأبي ذر: جريدتان. فعلى رواية في: يحتمل أن يكون بريدة أوصى بجعل الجريدتين داخل قبره، لما في النخلة من البركة، لقوله: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] على رواية: على، أن يكونا على ظاهره اقتداء بفعل النبي، ﷺ ، في وضع الجريدتين على القبر، وهذا الأخير هو الأظهر. وصنيع المؤلّف في إيراده حديث القبرين آخر الباب، يدل عليه، وكأن بريدة حمل الحديث على عمومه ولم يره خاصًّا بذينك الرجلين، لكن الظاهر من تصرف المؤلّف أن ذلك خاص المنفعة بما فعله الرسول، ﵊، ببركته الخاصة به، وأن الذي ينتفع به أصحاب القبور إنما هو الأعمال الصالحة فلذلك عقبه بقوله: (ورأى ابن عمر) بضم العين (¬﵄ فسطاطًا) بتثليث الفاء وسكون السين المهملة وبطاءين مهملتين، وبإبدال الطاءين بمثناتين فوقيتين، وبإبدال أولاهما فقط، وبإبالها وإدغامها في السين. فهي: اثنا عشر فسطاطًا فسطاطًا فسطاطًا، فستاتًا فستاتًا فستاتًا، فستاطًا فستاطًا فستاطًا، فساطًا فساطًا فساطًا، والذي ذكره صاحب القاموس: الفسطاط، والفستاط، والفستات، والفساط. بالطاءين وبإبدال الأولى وبإبدالهما معًا، وبتشديد السين وضم الفاء وكسرها فيهن، هو: الخباء من شعر. وقد يكون من غيره (على قبر عبد الرحمن) بن أبي بكر الصديق، ﵄، كما بينه ابن سعد في روايته له موصولاً، من طريق أيوب بن عبد الله بن يسار، قال: مرّ عبد الله بن عمر على قبر عبد الرحمن بن أبي بكر، أخي عائشة ﵄، وعليه فسطاط مضروب (فقال: انزعه يا غلام، فإنما يظله عمله) لا غيره. (وقال خارجة بن زيد) الأنصاري، أحد الفقهاء السبعة: (رأيتني) بضم المثناة الفوقية، والفاعل والمفعول ضميران لشيء واحد، وهو من خصائص أفعال القلوب، والتقدير: رأيت نفسي (ونحن شبان) بضم الشين المعجمة، وتشديد الموحدة، جمع شاب، والواو للحال (في زمن عثمان) بن عفان في مدة خلافته (¬﵁، وإن أشدنا وثبة) بالمثلثة، أي: طفرة، مصدر من: وثب يثب وثبًا ووثبة. (الذي يثب قبر عثمان بن مظعون) بظاء معجمة ساكنة، ثم عين مهملة (حتى يجاوزه) من ارتفاعه. قيل: ومنسابة ذلك للترجمة من حيث إن وضع الجريد على القبر يرشد إلى جواز وضع ما يرتفع به ظهر القبر عن الأرض، فالذي ينفع الميت عمله الصالح وعلو البناء على القبر لا يضر بصورته. (وقال عثمان بن حكيم) بفتح الحاء المهملة، الأنصاري المدني ثم الكوفي (أخذ بيدي خارجة) بن زيد، ذكر مسدد في مسنده الكبير: سبب ذلك مما وصله فيه عنه من حديث أبي هريرة، أنه قال: لأن أجلس على جمرة فتحرق ما دون لحمي حتى تفضي إلي، أحب إلي من أن أجلس على قبر. قال عثمان: فرأيت خارجة بن زيد في المقابر، فذكرت له ذلك، فأخذ بيدي (فأجلسني على قبر وأخبرني عن عمه يزيد بن ثابت) بالمثلثة أوله، ويزيد من الزيادة أنه (قال: إنما كره ذلك) أي: الجلوس على القبر (لمن أحدث عليه) ما لا يليق من الفحش قولاً أو فعلاً لتأذي الميت بذلك، أو المراد: تغوّط أو بال. (وقال نافع) مولى ابن عمر: (كان ابن عمر، ﵄، يجلس على القبور) أي: يقعد عليها. ويؤيده حديث عمرو بن حزم الأنصاري عند أحمد: لا تقعدوا

стр. 971

على القبور. فالمراد بالجلوس القعود حقيقة، كما هو مذهب الجمهور خلافًا لمالك وأبي حنيفة وأصحابه، وحديث أبي هريرة مرفوعًا، عند الطحاوي: من جلس على قبر يبول أو يتغوط، فكأنما جلس على جمر ضعيف. نعم؛ حديث زيد بن ثابت، عند الطحاوي أيضًا: إنما نهى النبي، ﷺ ، عن الجلوس على القبور لحدث غائط أو بول، رجال إسناده ثقات. فإن قيل: ما وجه المناسبة بين الترجمة وأثر ابن عمر هذا؟ وعثمان بن حكيم الذي قبله؟ أجيب: بأن عموم قول ابن عمر: إنما يظله عمله، يدخل فيه أنه كما لا ينتفع بتظليله، وإن كان تعظيمًا له، لا يتضرر بالجلوس عليه، وإن كان تحقيرًا. وقال ابن رشيد: كأن بعض الرواة كتبهما في غير موضعهما، فإن الظاهر أنهما من الباب التالي لهذا، وهو باب: موعظة المحدّث عند القبر، وقعود أصحابه حوله. ١٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قال حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ: أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ. ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا، مَا لَمْ يَيْبَسَا". وبالسند قال: (حدّثنا يحيى) هو: ابن جعفر البيكندي كما في مستخرج أبي نعيم، أو هو: يحيى بن يحيى، كما جزم به أبو مسعود في الأطراف. أو: هو يحيى بن موسى المعروف بخت، كما وقع في رواية أبي علي بن شبويه، عن الفربري قال الحافظ ابن حجر: وهو المعتمد (قال: حدّثنا أبو معاوية) محمد بن خازم بالخاء والزاي المعجمتين (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن مجاهد) هو: ابن جبر (عن طاوس) هو: ابن كيسان (عن ابن عباس، ﵄، عن النبي، ﷺ ¬): (أنه مر) ولأبي ذر: قال: مر النبي، ﷺ (بقبرين) أي بصاحبيهما من باب تسمية الحال باسم المحل (يعذبان. فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير) إزالته أو دفعه، أو الاحتراز عنه، ويحتمل أن يكون نفي كونه كبيرًا باعتبار اعتقاد الاثنين المعذبين أو اعتقاد مرتكبه مطلقًا، أو باعتبار اعتقاد المخاطبين. أي: ليس كبيرًا عندكم ولكنه كبير عند الله، كما جاء في رواية عند المؤلّف: وما يعذبان في كبير فهو كقوله: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] (أما أحدهما فكان لا يستتر من البول) يحتمل أن يحمل على حقيقته من الاستتار عن الأعين، ويكون العذاب على كشف العورة، أو: على المجاز، والمراد التنزه من البول بعدم ملابسته، ورجح، وإن كان الأصل الحقيقة، لأن الحديث يدل على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية، فالحمل عليه أولى كما مر في الوضوء (أما الآخر فكان يمشي بالنميمة) المحرمة، وخرج به ما كان للنصيحة، أو لدفع مفسدة، والباء للمصاحبة أي: يسير في الناس متصفًا بهذه الصفة، أو: للسببية أي: يمشي بسبب ذلك. (ثم أخذ) ﵊ (جريدة رطبة، فشقها بنصفين) قال الزركشي: دخلت الباء على المفعول زائدة. اهـ. يعني في قوله بنصفين، وقد تعقبه صاحب مصابيح الجامع فقال: لا نسلم شيئًا من ذلك، أما دعواه أن نصفين مفعول، فلأن شق إنما يتعدى لمفعول واحد، وقد أخذه وليس هذا بدلاً منه. وأما دعوى الزيادة فعلى خلاف الأصل وليس هذا من محال زيادتها، ثم قال: والباء للمصاحبة، وهي ومدخولها ظرف مستقر منصوب المحل على الحال، أي: فشقها متلبسة بنصفين، ولا مانع من أن يجتمع الشق وكونها ذات نصفين في حالة واحدة، وليس المراد أن انقسامها إلى نصفين كان ثابتًا قبل الشق، وإنما هو معه وبسبه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ [النحل: ١٢] اهـ. (ثم غرز في كل قبر) منهما (واحدة، فقالوا: يا رسول الله، لِمَ صنعت هذا؟ فقال): (لعله أن يخفف عنهما) العذاب (ما لم ييبسا) بالمثناة التحتية المفتوحة وفتح الموحدة وكسرها في اليونينية، بالتذكير باعتبار عود الضمير إلى: العودين، و: ما، مصدرية زمانية أي: مدة دوامهما إلى زمن اليبس. و: لعل، بمعنى: عسى، فلذا استعمل استعماله في اقترانه بأن، وإن كان الغالب في: لعل، التجرد. وليس في الجريد معنى يخصه، ولا في الرطب معنى ليس في اليابس، وإنما ذلك خاص ببركة يده الكريمة. ومن ثم استنكر الخطابي وضع الناس الجريد ونحوه على القبر، عملاً بهذا الحديث. وكذلك الطرطوشي في سراج الملوك قائلين: بأن ذلك خاص بالنبي ﷺ لبركة يده المقدّسة وبعلمه بما في القبور، وجرى على ذلك ابن الحاج في مدخله. وما تقدم من أن بريدة بن

стр. 972

الحصيب أوصى بأن يجعل في قبره جريدتان، محمول على أن ذلك رأي له لم يوافقه أحد من الصحابة عليه، أو: أن المعنى فيه أنه يسبح ما دام رطبًا، فيحصل التخفيف ببركة التسبيح، وحينئذ فيطرد في كل ما فيه رطوبة من الرياحين والبقول وغيرها، وليس لليابس تسبيح، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] أي: شيء حي، وحياة كل شيء بحسبه، فالخشب ما لم ييبس، والحجر ما لم يقطع من معدنه، والجمهور أنه على حقيقته، وهو قول المحققين، إذ العقل لا يحيله أو: بلسان الحال باعتبار دلالته على الصانع، وأنه منزه. وسبق في باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله من الوضوء، مزيد لما ذكرته هنا. ٨٣ - باب مَوْعِظَةِ الْمُحَدِّثِ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ﴾: الأَجْدَاثُ الْقُبُورُ. ﴿بُعْثِرَتْ﴾: أُثِيرَتْ: بَعْثَرْتُ حَوْضِي: أَىْ جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ. الإِيفَاضُ: الإِسْرَاعُ. وَقَرَأَ الأَعْمَشُ ﴿إِلَى نَصْبٍ﴾: إِلَى شَىْءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ. وَالنُّصْبُ وَاحِدٌ، وَالنَّصْبُ مَصْدَرٌ. يَوْمُ الْخُرُوجِ مِنَ الْقُبُورِ ﴿يَنْسِلُونَ﴾: يَخْرُجُونَ. (باب موعظة المحدث عند القبر) الموعظة مصدر ميمي، والوعظ: النصح والإنذار بالعواقب (و) باب (قعود أصحابه) أي أصحاب المحدث (حوله) عند القبر لسماع الموعظة والتذكير بالموت وأحوال الآخرة. وهذا مع ما ينضم إليه من مشاهدة القبور، وتذكر أصحابها، وما كانوا عليه، وما صاروا إليه من أنفع الأشياء لجلاء القلوب، وينفع الميت أيضًا لما فيه من نزول الرحمة عند قراءة القرآن والذكر. قال ابن المنير: لو فطن أهل مصر لترجمة البخاري هذه لقرت أعينهم بما يتعاطونه من جلوس الوعاظ في المقابر، وهو حسن، إن لم يخالطه مفسدة. اهـ. وقد استطرد المؤلّف بعد الترجمة بذكر تفسير بعض ألفاظ من القرآن مناسبة لما ترجم له على عادته، تكثيرًا لفرائد الفوائد، فقال في قوله تعالى: (﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾) [المعارج: ٤٣] (الأجداث) معناه، فيما وصله ابن أبي حاتم وغيره من طريق قتادة والسدي: (القبور) وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ (بُعْثِرَتْ)﴾ [الانفطار: ٤] معناه: (أثيرت) بالمثلثة بعد الهمزة المضمومة، من الإثارة يقال: (بعثرت حوضي أي: جعلت أسفل أعلاه) قاله أبو عبيدة في المجاز، وقال السديّ، مما رواه ابن أبي حاتم: بعثرت: حركت فخرج ما فيها من الأموات، وعن ابن عباس، فيما ذكره الطبراني: بعثرت: بحثت. وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] (الايفاض) بهمزة مكسورة ومثناة تحتية ساكنة وفاء ثم ضاد معجمة، مصدر من: أوفض يوفض، إيفاضًا معناه: (الإسراع) قال أبو عبيد: يوفضون، أي: يسرعون (وقرأ الأعمش) سلمان بن مهران موافقة لباقي القراء، إلا ابن عامر وحفصًا (إلى نصب) بفتح النون وسكون الصاد، وفي نسخة زيادة ﴿يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] ولأبي ذر: إلى نصب بضم النون وسكون الصاد بالجمع، والأول أصح عن الأعمش: (إلى شيء منصوب) قال أبو عبيدة: العلم الذي نصبوه ليعبدوه (يستبقون إليه) أيهم يستلمه أول (والنصب) بضم النون وسكون الصاد (واحد، والنصب) بالفتح ثم السكون (مصدر) قال في فتح الباري: كذا وقع، والذي في المغازي للفراء: النصب والنصب واحد وهو مصدر، والجمع الأنصاب. فكان التغيير من بعض النقلة. اهـ. وتعقبه العيني فقال: لا تغيير فيه لأن البخاري فرق بين الاسم والمصدر، ولكن من قصرت يده عن علم الصرف لا يفرق بين الاسم والمصدر في مجيئهما على لفظ واحد. اهـ. والأنصاب: حجارة كانت حول الكعبة تنصب، فيهل عليها ويذبح لغير الله. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ (يَوْمُ الْخُرُوجِ)﴾ [ق: ٤٢] أي: خروج أهل القبور (من قبورهم) وقوله تعالى: (﴿يَنْسِلُونَ﴾) [الأنبياء: ٩٦ ويس: ٥١] أي: (يخرجون) زاد الزجاج بسرعة. ١٣٦٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ حَدَّثَنِي جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: "كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَعَدَ، وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ. فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلاَّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلاَّ قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ قَالَ: أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ. ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الآيَةَ". [الحديث ١٣٦٢ - أطرافه في: ٤٩٤٥، ٤٩٤٦، ٤٩٤٧، ٤٩٤٨، ٤٩٤٩، ٦٢١٧، ٦٦٠٥، ٧٥٥٢]. وبالسند قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عثمان) بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، أحد الحفاظ الكبار، وثقه يحيى بن معين وغيره، وذكر الدارقطني في كتاب التصحيف أشياء كثيرة صحفها من القرآن في تفسيره، لأنه ما كان يحفظ القرآن (قال: حدَّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا، بالجمع (جرير) هو: ابن عبد الحميد الضبي (عن منصور) هو: ابن المعتمر (عن سعد بن عبيدة) بسكون العين في الأول، وضمها وفتح الموحدة آخره، هاء تأنيث مصغرًا في الثاني (عن أبي عبد الرحمن) عبد الله بن حبيب، بفتح الحاء المهملة، السلمي (عن علي) هو: ابن أبي طالب (¬﵁، قال): (كنا في جنازة في بقيع الغرقد) بفتح الموحدة وكسر القاف، والغرقد بفتح الغين المعجمة والقاف بينهما راء ساكنة آخره دال مهملة، ما عظم من شجر العوسج، كان ينبت فيه، فذهب الشجر وبقي الاسم لازمًا للمكان. وهو مدفن أهل المدينة،

стр. 973

(فأتانا النبي ﷺ ، فقعد وقعدنا حوله)، هذا موضع الترجمة مع ما بعده (ومعه مخصرة) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة، وبالصاد المهملة، قال في القاموس: ما يتوكأ عليه كالعصا ونحوه، وما يأخذه الملك يشير به إذا خاطب، والخطيب إذا خطب وسميت بذلك لأنها تحمل تحت الخصر غالبًا للاتكاء عليها (فنكس) بتشديد الكاف وتخفيفها، أي خفض رأسه وطأطأ به إلى الأرض على هيئة المهموم المفكر، كما هي عادة من يتفكّر في شيء حتى يستحضر معانيه، فيحتمل أن يكون ذلك تفكرًا منه ﵊، في أمر الآخرة لقرينة حضور الجنازة، أو فيما أبداه بعد ذلك لأصحابه أو نكس المخصرة (فجعل ينكت) بالمثناة الفوقية، أي: يضرب في الأرض (بمخصرته، ثم قال): (ما منكم من أحد) أي (ما من نفس منفوسة) مصنوعة مخلوقة، واقتصر في رواية أبي حمزة، الثوري على قوله: ما منكم من أحد (إلا كتب) بضم الكاف، مبنيًّا للمفعول (مكانها) بالرفع مفعول، ناب عن الفاعل أي: كتب الله مكان تلك النفس المخلوقة (من الجنة والنار) من: بيانية، وفي رواية سفيان إلا وقد كتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار، وكأنه يشير إلى حديث ابن عمر عند المؤلّف الدال على أن لكل مقعدين لكن لفظه في القدر إلا وقد كتب مقعده من النار أو من الجنة. فأو: للتنويع أو هي بمعنى الواو (وإلا قد كتبت) بالتاء آخره، وفي اليونينية بحذفها (شقية أو سعيدة) بالنصب فيهما، كما في الفرع على الحال، أي: وإلاّ كتبت هي، أي، حالها شقية أو سعيدة، ويجوز الرفع، أي: هي شقية أو سعيدة، ولفظ: إلا في المرة الثانية في بعضها بالواو، وفي بعضها بدونها، وهذا نوع من الكلام غريب، وإعادة إلا يحتمل أن يكون: ما من نفس بدلاً من: ما منكم وإلا الثانية بدل من الأولى، وإن يكون من باب اللف والنشر، فيكون فيه تعميم بعد تخصيص إذ الثاني في كل منهما أعم من الأود أشار إليه الكرماني. (فقال رجل) هو: علي بن أبي طالب، ذكره المصنف في التفسير لكن بلفظ: قلنا، أو: هو سراقة بن مالك بن جعشم، كما في مسلم، أو: هو عمر بن الخطاب، كما في الترمذي، أو: هو أبو بكر الصديق، كما عند أحمد والبزار والطبراني، أو هو رجل من الأنصار. وجمع بتعدد السائلين عن ذلك، ففي حديث عبد الله بن عمر فقال أصحابه: (يا رسول الله أفلا نتكل) نعتمد (على كتابنا) أي: ما كتب علينا وقدّر، والفاء في: أفلا معقبة لشيء محذوف أي: أفإذا كان كذلك لا نتكل على كتابنا (وندع العمل) أي: نتركه (فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير) فسيجره القضاء (إلى عمل أهل السعادة) قهرًا، ويكون مآل حاله ذلك بدون اختياره (وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصبر) فسيجره القضاء (إلى عمل أهل الشقاوة) قهرًا؟ (قال) ﵊: (أما أهل السعادة فييسرون لعمل) أهل (السعادة) وفي نسخة: فسييسرون باعتبار معنى الأهل (وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل) أهل (الشقاوة). وحاصل السؤال: ألا نترك مشقة العمل فإنا سنصير إلى ما قدر علينا فائدة في السعي فإنه لا يرد قضاء الله وقدره. وحاصل الجواب: لا مشقة، لأن كل أحد ميسر لما خلق له، وهو يسير على من يسره الله عليه. قال في شرح المشكاة: الجواب من الأسلوب الحكيم منعهم عن الاتكال، وترك العمل، وأمرهم بالتزام ما يجب على العبد من العبودية، يعني: أنتم عبيد، ولا بدّ لكم من العبودية فعليكم إمرتكم، وإياكم والتصرف في أمور الربوبية، لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فلا تجعلوا العبادة وتركها سببًا مستقلاً لدخول الجنة والنار، بل هي علامات فقط. اهـ. (ثم قرأ ﵊ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] الآية. وزاد أبو ذر والوقت ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٦] وساق في رواية سفيان إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] فقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ أي: أعطى الطاعة، واتقى المعصية، وصدق بالكلمة الحسنى، وهي التي دلت على حق، ككلمة التوحيد، وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧] فسنهيئه للخلة التي تؤدي إلى يسر

стр. 974

وراحة كدخول الجنة ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ بما أمر به ﴿وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٨] بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] للخلة الموجبة إلى العسر والشدة كدخول النار. وهذا الحديث أصل لأهل السنة في أن السعادة والشقاوة بتقدير الله القديم واستدلّ به على إمكان معرفة الشقي من السعيد في الدنيا، كمن اشتهر له لسان صدق وعكسه، لأن العمل أمارة على الجزاء على ظاهر هذا الخبر، والحق أن العمل علامة وأمارة، فيحكم بظاهر الأمر. وأمر الباطن إلى الله تعالى، وقال بعضهم: إن الله أمرنا بالعمل فوجب علينا الامتثال، وغيب عنا المقادير لقيام الحجة، ونصب الأعمال علامة على ما سبق في مشيئته، فمن عدل عنه ضل، لأن القدر من أسراره، لا يطلع عليه إلا هو فإذا دخلوا الجنة كشف لهم. ٨٤ - باب مَا جَاءَ فِي قَاتِلِ النَّفْسِ (باب ما جاء) من الحديث (في قاتل النفس). ١٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ». [الحديث ١٣٦٣ - أطرافه في: ٤١٧١، ٤٨٤٣، ٦٠٤٧، ٦١٠٥، ٦٦٥٢]. وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو: ابن مسرهد، قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي، مصغرًا، ويزيد من الزيادة، قال: (حدّثنا خالد) الحذاء (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد (عن ثابت بن الضحاك) الأنصاري الأشهلي (¬﵁، عن النبي ﷺ ، قال): (من حلف بملة غير) ملة (الإسلام) كاليهودية والنصرانية حال كونه (كاذبًا) في تعظيم تلك الملة التي حلف بها، أو: كاذبًا في المحلوف عليه، لكن عورض بكون المحلوف عليه يستوي فيه كونه صادقًا أو كاذبًا، إذا حلف بملة غير ملة الإسلام، فالذم إنما هو من جهة كونه حلف بتلك الملة الباطلة، معظمًا لها، حال كونه (متعمدًا) فيه دلالة لقول الجمهور: إن الكذب: الخبر غير المطابق للواقع، سواء كان عمدًا أو غيره، إذ لو كان شرطه التعمد لما قيد به هنا. (فهو كما قال) أي: فيحكم عليه بالذي نسبه لنفسه، وظاهره الحكم عليه بالكفر إذا قال هذا القول. ويحتمل أن يعلق ذلك بالحنث، لما روى بريدة مرفوعًا: من قال: أنا بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا يرجع إلى الإسلام سالمًا. والتحقيق التفصيل، فإن اعتقد تعظيم ما ذكر كفر، وعليه يحمل قوله: من حلف بغير الله فقد كفر، رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين. وإن قصد حقيقة التعليق، فينظر، فإن كان أراد إن قصد حقيقة التعليق، فينظر، فإن كان أراد أن يكون متصفًا بذلك، كفر. لأن إرادة الكفر كفر، وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك أو يكره تنزيهًا؟ الثاني هو المشهور. وليقل ندبًا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ويستغفر الله. ويحتمل أن يكون المراد به التهديد والمبالغة في الوعيد، لا الحكم بأنه صار يهوديًّا، وكأنه قال: فهو مستحق لمثل عذاب ما قال، ومثله قوله ﵊: من ترك الصلاة فقد كفر، أي: استوجب عقوبة من كفر، وبقية مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في باب: الإيمان بعون الله وقوته. (ومن قتل نفسه بحديدة) بآلة قاطعة: كالسيف، والسكين، ونحوهما. وفي الإيمان: ومن قتل نفسه بشيء وهو أعم (عذب به) أي: بالمذكور، وللكشميهني عذب بها أي: بالحديدة (في نار جهنم) وهذا من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية، ويؤخذ منه: أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم، لأن نفسه ليست ملكًا له مطلقًا، بل هي لله، فلا ينصرف فيها إلا بما أذن له فيه، ولا يخرج بذلك من الإسلام، ويصلّى عليه عند الجمهور، خلافًا لأبي يوسف، حيث قال: لا يصلّى على قاتل نفسه. وفي هذا الحديث: التحديث والعنعنة، وأخرجه أيضًا في: الأدب، والإيمان، ومسلم في الإيمان، وكذا أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة في: الكفارات. ١٣٦٤ - وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنِ الْحَسَنِ "حَدَّثَنَا جُنْدَبٌ ﵁ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ اللَّهُ: بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ". [الحديث ١٣٦٤ - طرفه في: ٣٤٦٣]. وبه قال (وقال حجاج بن منهال) بكسر الميم، الأنماطي السلمي البصري، مما وصله المؤلّف في: ذكر بني إسرائيل، فقال: حدّثنا محمد قال: حدّثنا حجاج بن منهال، ومحمد هو ابن معمر، كذا نسبه ابن السكن عن الفربري

стр. 975

وقيل: هو الذهلي، قال: (حدّثنا جريج بن حازم) الأزدي البصري الثقة، لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه، واختلط في آخر عمره، لكنه لم يسمع أحد منه في حال اختلاطه شيئًا، واحتج به الجماعة، ولم يخرج له المؤلّف عن قتادة إلا أحاديث يسيرة توبع فيها، (عن الحسن) البصري قال: (حدّثنا جندب) هو: ابن عبد الله بن سفيان البجلي (¬﵁، في هذا المسجد) المسجد البصري (فما نسينا) أشار بذلك إلى تحققه لما حدث به، وقرب عهده به، واستمرار ذكره له (وما نخاف أن يكذب جندب عن النبي) ولأبي ذر: على النبي ﷺ وعلى أوضح يقال: كذب عليه، وأما رواية: عن، فعلى معنى النقل، وفيه إشارة إلى أن الصحابة عدول، وأن الكذب مأمون من قبلهم، خصوصًا على النبي ﷺ (قال): (كان برجل) أي فيمن كان قبلكم، قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه (جراح) بكسر الجيم (قتل) ولأبي ذر: فقتل (نفسه) بسبب الجراح (فقال الله) : (بدرني عبدي بنفسه) أي: لم يصبر حتى أقبض روحه من غير سبب له في ذلك، بل استعجل وأراد أن يموت قبل الأجل الذي لم يطلعه الله تعالى عليه، فاستحق المعاقبة المذكورة في قوله: (حرمت عليه الجنة) لكونه مستحلاً لقتل نفسه، فعقوبته مؤبدة، أو حرّمتها عليه في وقت ما، كالوقت الذي يدخل فيه السابقون، أو: الوقت الذي يعذب فيه الموحدون في النار ثم يخرجون، أو: حرمت عليه جنة معينة، كجنة عدن مثلاً، أو ورد على سبيل التغليظ والتخويف، فظاهره غير مراد. قال النووي: أو يكون شرع من مضى أن أصحاب الكبائر يكفرون بها. وهذا الحديث أورده المؤلّف هنا مختصرًا، ويأتي إن شاء الله تعالى في: ذكر بني إسرائيل مبسوطًا. ١٣٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ». [الحديث ١٣٦٥ - طرفه في: ٥٧٧٨]. وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع، قال: (أخبرنا شعيب) هو: ابن أبي حمزة، قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة، ﵁، (قال: قال النبي ﷺ ¬): (الذي يخنق نفسه يخنقها في النار) بضم النون فيهما (والذي يطعنها يطعنها في النار) لأن الجزاء من جنس العمل، وقوله: يطعنها بضم العين فيهما، قال في الفتح: كذا ضبطه في الأصول، وجوّز غيره فيهما الفتح. وهذا الحديث من أفراد المؤلّف من هذا الوجه، وأخرجه في الطب من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مطوّلاً. ٨٥ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَالاِسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . (باب ما يكره من الصلاة على المنافقين، والاستغفار للمشركين). (رواه ابن عمر) بن الخطاب (¬﵄¬) فيما وصله المؤلّف في الجنائز في قصة عبد الله بن أبي (عن النبي ﷺ ¬). ١٣٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵃ أَنَّهُ قَالَ: "لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ ابْنُ سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ. فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَىٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا -أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ- فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ. فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ. لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ فَغُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا. قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلاَّ يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةٌ ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ -إِلَى- ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ قَالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. [الحديث ١٣٦٦ - طرفه في: ٤٦٧١]. وبالسند قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف، نسبه لجده، ولشهرته به واسم أبيه: عبد الله المخزومي مولاهم، المصري، ثقة في الليث، وتكلموا في سماعه من مالك، لكن قال المؤلّف في تاريخه الصغير: ما روى يحيى بن بكير عن أهل الحجاز في التاريخ فإني انتقيته. وهذا يدل على أنه ينتقي في حديث شيوخه، ولذا، ما خرج له عن مالك سوى خمسة أحاديث مشهورة متابعة، (قال: حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف. ابن خالد الأيلي، أحد الإثبات الثقات، وأحاديثه عن الزهري مستقيمة، وأخرج له الجماعة (عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله بن عبد الله) بتصغير الأول: أحد الفقهاء السبعة (عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، ﵃ أنه قال): (لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول) بضم ابن، وإثبات ألفه، صفة لعبد الله، لأن سلول أمه: وهي بفتح السين غير منصرف للعلمية والتأنيث، وأبي بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد المثناة التحتية منوّنًا (دعي له رسول الله ﷺ ¬) بضم دال: دعي، مبنيًا للمفعول، ورفع رسول، نائب عن الفاعل (ليصلّي عليه) بنصب يصلّي (فلما قام رسول الله، ﷺ ، وثبت إليه) بفتح المثلثة وسكون الموحدة، (فقلت: يا رسول الله أتصلّى على ابن أبي؟) بهمزة الاستفهام (وقد قال يوم كذا وكذا، كذا وكذا، أعدد

стр. 976

عليه) ﷺ (قوله) القبيح في حق النبي، ﷺ ، والمؤمنين. (فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال): (أخر عني يا عمر. فلما أكثرت عليه) ﷺ الكلام (قال: إني خيرت) بضم الخاء المعجمة مبنيًّا للمفعول، أي: في قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] الآية. وفي نسخة: إني قد خيرت (فاخترت) الاستغفار. (لو أعلم أني إن زدت) ولأبي ذر: لو زدت (على السبعين فغفر له) ولأبي ذر: يغفر له (لزدت عليها). (قال) عمر: (فصلّى عليه رسول الله، ﷺ ثم انصرف) من صلاته (فلم يمكث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من) سورة (براءة: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إلى: (﴿وَهُمْ﴾) ولأبي ذر: إلى قوله وهم (﴿فاسقون﴾) فنهي عن الصلاة لأن: المراد منها الدعاء للميت والاستغفار له وهو ممنوع في حق الكافر ولذلك رتب النهي على قوله مات أبدًا يعني الموت على الكفر، فإن إحياء الكافر للتعذيب، دون التمتع. وقوله: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ تعليل للنهي. (قال) عمر: (فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله، ﷺ ، يومئذ) في مراجعتي له (والله ورسوله أعلم). ٨٦ - باب ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى الْمَيِّتِ (باب) مشروعية (ثناه الناس) بالأوصاف الحميدة، والخصال الجميلة (على الميت) بخلاف الحي، فإنه منهي عنه إذا أفضى إلى الإطراء خشية الإعجاب. ١٣٦٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ "مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَبَتْ. ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ. أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ". [الحديث ١٣٦٧ - طرفه في: ٢٦٤٢]. وبالسند قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج، قال: (حدّثنا عبد العزيز بن صهيب، قال: سمعت أنس بن مالك ﵁، يقول): (مروا) ولأبي ذر: مرّ، بضم الميم مبنيًا للمفعول (بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا) في رواية النضر بن أنس عند الحاكم، فقالوا: كان يحب الله ورسوله، ويعمل بطاعة الله، ويسعى فيها، (فقال النبي ﷺ : وجبت، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًّا) قال في رواية الحاكم المذكورة: فقالوا: كان يبغض الله ورسوله، ويعمل بمعصية الله ويسعى فيها، (فقال) ﵊: (وجبت). واستعمال الثناء في الشر لغة شاذة، لكنه استعمل هنا للمشاكلة لقوله: فأثنوا عليها خيرًا. وإنما مكنوا من الثناء بالشر مع الحديث الصحيح في البخاري في النهي عن سب الأموات لأن النهي عن سبهم إنما هو في حق غير المنافقين، والكفار، وغير المتظاهر بالفسق، والبدعة. وأما هؤلاء فلا يحرم سبهم، للتحذير من طريقتهم، ومن الاقتداء بآثارهم، والتخلق بأخلاقهم. قاله النووي. (فقال عمر بن الخطاب، ﵁¬) لرسول الله، ﷺ ، مستفهمًا عن قوله: (ما وجبت؟ قال) ﵊: (هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنة. وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار) والمراد بالوجوب: الثبوت، أو هو في صحة الوقوع كالشيء الواجب، والأصل أنه لا يجب على الله شيء، بل الثواب فضله، والعقاب عدله. لا يسأل عما يفعله (أنتم شهداء الله في الأرض) ولفظه في: الشهادات: المؤمنون شهداء الله في الأرض. فالمراد: المخاطبون بذلك من الصحابة، ومن كان على صفتهم من الإيمان. فالمعتبر شهادة أهل الفضل والصدق، لا الفسقة. لأنهم قد يثنون على من كان مثلهم، ولا من بينه وبين الميت عداوة، لأن شهادة العدو لا تقبل. قاله الداودي. وقال المظهري: ليس معنى قوله: أنتم شهداء الله في الأرض، أي: الذي يقولونه في حق شخص يكون كذلك، حتى يصير من يستحق الجنة من أهل النار بقولهم، ولا العكس. بل معناه أن الذي أثنوا عليه خيرًا رأوه منه كان ذلك علامة كونه من أهل الجنة، وبالعكس. وتعقبه الطيبي في شرح المشكاة، بأن قوله: وجبت، بعد ثناء الصحابة، حكم عقب وصفًا مناسبًا، فأشعر بالعلية. وكذا الوصف بقوله: أنتم شهداء الله في الأرض. لأن الإضافة فيه للتشريف بأنهم بمنزلة عالية عند الله، فهو كالتزكية من الرسول، لأمته، وإظهار عدالتهم بعد شهادتهم لصاحب الجنازة، فينبغي أن يكون لها أثر ونفع في حقه. قال: وإلى معنى هذا يومئ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] اهـ. وقال النووي: قال بعضهم: معنى الحديث أن الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل، وكان ذلك مطابقًا للواقع، فهو من أهل الجنة، وإن كان غير مطابق فلا، وكذا عكسه. قال: والصحيح أنه على عمومه، وأن من مات فألهم الله الناس الثناء عليه

стр. 977

بخير كان دليلاً على أنه من أهل الجنة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، فإن الأعمال داخلة تحت المشيئة، وهذا الإلهام يستدل به على تعيينها، أو بهذا تظهر فائدة الثناء اهـ. ١٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: "قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ -وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ- فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ. فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ فَقُلْتُ وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ. فَقُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: وَثَلَاثَةٌ. فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ. ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ". [الحديث ١٣٨٦ - طرفه في: ٢٦٤٣]. وبه قال: (حدّثنا عفان بن مسلم) بكسر اللام المخففة، زاد أبو ذرة هو الصفار، قال (حدّثنا داود بن أبي الفرات) بلفظ النهر، واسمه عمرو الكندي (عن عبد الله بن بريدة) بضم الموحدة وفتح الراء آخره هاء تأنيث (عن أبي الأسود) ظالم بن عمرو بن سفيان الديلي، بكسر الدال المهملة وسكون التحتية، ويقال: الدؤلي بضم الدال بعدها همزة مفتوحة، وهو أول من تكلم في النحو بعد عليّ بن أبي طالب. قال الحافظ ابن حجر: ولم أره من رواية عبد الله بن بريدة عنه، إلا معنعنًا. وقد حكى الدارقطني في كتاب التتبع، عن عليّ بن المديني: أن ابن بريدة إنما يروي عن يحيى بن معمر، عن أبي الأسود، ولم يقل في هذا الحديث: سمعت أبا الأسود. قال الحافظ ابن حجر، وابن بريدة ولد في عهد عمر، فقد أدرك أبا الأسود بلا ريب، لكن البخاري لا يكتفي بالمعاصرة، فلعله أخرجه شاهدًا أو اكتفى للأصل بحديث أنس السابق. (قال) أي: أبو الأسود: (قدمت المدينة) النبوية - (وقد وقع بها مرض) - جملة حالية، زاد في الشهادات: وهم يموتون موتًا ذريعًا. وهو بالذال المعجمة أي سريعًا (فجلست إلى) أي: عند (عمر بن الخطاب، ﵁، فمرت بهم جنازة، فأثني) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (على صاحبها خيرًا) كذا في جميع الأصول بالنصب، ووجهه ابن بطال، بأنه أقام الجار والمجرور، وهو قوله: على صاحبها مقام المفعول الأول وخيرًا مقام الثاني وإن كان الاختيار عكسه. وقال النووي: منصوب بنزع الخافض، أي أثنى عليها بخير. وقال في مصابيح الجامع: على صاحبها، نائب عن الفاعل، وخيرًا: مفعول لمحذوف. فقال المثنون خيرًا. (فقال عمر، ﵁: وجبت ثم مرّ) بضم الميم (بأخرى، فأثني على صاحبها) فقال المثنون: (خيرًا، فقال عمر، ﵁، وجبت ثم مر) بضم الميم (بالثالثة، فأثني على صاحبها) فقال المثنون (شرًّا، فقال) عمر ﵁: (وجبت. فقال أبو الأسود) المذكور بالإسناد السابق، (فقلت وما) معنى قولك لكل منهما (وجبت يا أمير المؤمنين): مع اختلاف الثناء بالخير والشر. (قال) عمر: (قلت كما قال النبي، ﷺ ¬) هو المقول، وحينئذ فيكون قول عمر، ﵁ لكل منهما وجبت، قاله بناء على اعتقاده صدق الوعد المستفاد من قوله، ﷺ : أدخله الله الجنة. (أيما مسلم شهد له أربعة) من المسلمين (بخير، أدخله الله الجنة). (فقلنا) أي عمر وغيره (وثلاثة؟ قال) ﵊: (وثلاثة. فقلنا: واثنان؟ قال) ﵊ (واثنان). (ثم لم نسأله عن الواحد) استبعادًا أن يكتفي في مثل هذا المقام العظيم، بأقل من النصاب. واقتصر على الشق الأول اختصارًا، أو لإحالة السامع على القياس. وفي حديث حماد بن سلمة، عن ثابت عن أنس، عند أحمد، وابن حبان والحاكم مرفوعًا: ما من مسلم يموت، فيشهد له أربعة من جيرانه الادنين، أنهم لا يعلمون منه إلا خيرًا، إلا قال الله تعالى قد قبلت قولكم وغفرت له ما لا تعلمون وهذا يؤيد قول النووي السابق: إن من مات فألهم الله الناس الثناء عليه بخير، كان دليلاً على أنه من أهل الجنة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا. وهذا في جانب الخير واضح، وأما في جانب الشر، فظاهر الأحاديث أنه كذلك، لكن إنما يقع ذلك في حق من غلب شره على خيره، وقد وقع في رواية النضر عند الحاكم: إن لله تعالى ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المؤمن من الخير أو الشر. وهل يختص الثناء الذي ينفع الميت بالرجال، أو يشمل النساء أيضًا. وإذا قلنا إنهن يدخلن، فهل يكتفى باْمرأتين، أو لا بد من رجل واْمرأتين؟ محل نظر. وقد يقال: لا يدخلن، لقصة أم العلاء الأنصارية، لا أثنت على عثمان بن مظعون بقولها: فشهادتي عليك لقد أكرمك الله تعالى. فقال لها النبي، ﷺ ، وما يدريك أن الله أكرمه، فلم يكتف بشهادتها، لكن يجاب بأنه عليه الصلاة والسلام، إنما أنكر عليها القطع بأن الله أكرمه، وذلك مغيب عنها، بخلاف الشهادة للميت

стр. 978

بأفعاله الحسنة التي يتلبس بها في الحياة الدنيا. ورواة هذا الحديث: كلهم بصريون، لكن داود مروزي، تحول إلى البصرة. وهو من أفراد المؤلّف. وفيه: رواية تابعي عن تابعي عن صحابي والتحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في الشهادات، والترمذي في: الجنائز، وكذا النسائي والله أعلم. ٨٧ - باب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] َالْهَوْنُ هُوَ الْهَوَانُ. وَالْهَوَانُ الرِّفْقُ، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥]. (باب ما جاء في عذاب القبر) قد تظاهرت الدلائل من الكتاب والسنة على ثبوته، وأجمع عليه أهل السنة، ولا مانع في العقل أن يعيد الله الحياة في جزء من الجسد، أو في جميعه على الخلاف المعروف، فيثيبه ويعذبه. وإذا لم يمنعه العقل وورد به الشرع وجب قبوله، واعتقاده. ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه، كما يشاهد في العادة، أو أكلته السباع والطيور وحيتان البحر. كما أن الله تعالى يعيده للحشر، وهو ، قادر على ذلك، فلا يستبعد تعلق روح الشخص الواحد في آن واحد بكل واحد من أجزائه المتفرقة في المشارق والمغارب. فإن تعلقه ليس على سبيل الحلول حتى يمنعه الحلول في جزء من الحلول في غيره، قال في مصابيح الجامع: وقد كثرت الأحاديث في عذاب القبر، حتى قال غير واحد: إنها متواترة لا يصح عليها التواطؤ وإن لم يصح مثلها لم يصح شيء من أمر الدين. قال أبو عثمان الحداد وليس في قوله تعالى: إ ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] ما يعارض ما ثبت من عذاب القبر، لأن الله تعالى أخبر بحياة الشهداء قبل يوم القيامة، وليست مرادة بقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] فكذا حياة المقبور قبل الحشر. قال ابن المنير: وأشكل ما في القضية أنه إذا ثبت حياتهم، لزم أن يثبت موتهم بعد هذه الحياة ليجتمع الخلق كلهم في الموت عند قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] ويلزم تعدد الموت، وقد قال تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] الآية، والجواب الواضح عندي أن معنى قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ [الدخان: ٥٦] أي ألم الموت فيكون الموت الذى يعقب الحياة الأخروية بعد الموت الأول لا يذاق ألمه البتة، ويجوز ذلك في حكم التقدير بلا إشكال، وما وضع العرب اسم الموت إلا للمؤلم على ما فهموه لا باعتبار كونه ضدّ الحياة، فعلى هذا يخلق الله لتلك الحياة الثانية ضدًّا يعدمها به لا يسمى ذلك الضد موتًا، وإن كان للحياة ضد، جمعًا بين الأدلة العقلية والنقلية واللغوية. اهـ. وقد ادعى قوم عدم ذكر عذاب القبر في القرآن، وزعموا أنه لم يرد ذكره إلا من أخبار الآحاد، فذكر المصنف آيات تدل لذلك ردًّا عليهم فقال: (وقوله تعالى) بالجر عطفًا على عذاب، أو بالرفع على الاستئناف (﴿إذ الظالمون﴾) ولأبي ذر، وابن عساكر: ﴿ولو ترى إذ الظالمون﴾ جوابه محذوف، أي: ولو ترى زمن غمراتهم لرأيت أمرًا فظيعًا (﴿في غمرات الموت﴾) شدائده (﴿والملائكة باسطو أيديهم﴾) لقبض أرواحهم أو بالعذاب (﴿أخرجوا أنفسكم﴾) أي: يقولون لهم أخرجوها إلينا من أجسادكم تغليطًا وتعنيفًا عليهم، فقد ورد أن أرواح الكفار تتفرق في أجسادهم، وتأبى الخروج فتضربهم الملائكة حتى تخرج (﴿اليوم﴾) يريد وقت الإماتة لما فيه من شدة النزع، أو الوقت الممتد من الإماتة إلى ما لا نهاية له الذي فيه عذاب البرزخ والقيامة (﴿تجزون عذاب الهون﴾) [الأنعام: ٩٣]. وروى الطبري، وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿والملائكة باسطو أيديهم﴾ قال: هذا عند الموت، والبسط الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم (الهون) بالضم، ولأبي ذر: قال أبو عبد الله أي البخاري: الهون (هو الهوان) يريد العذاب المتضمن لشدة وإهانة، وأضافه إلى الهون لتمكنه فيه، (والهون) بالفتح والرفع: (الرفق. وقوله جل ذكره: (﴿سنعذبهم مرتين﴾) بالفضيحة في الدنيا، وعذاب القبر، رواه الطبري وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، عن ابن عباس بلفظ: خطب رسول الله، ﷺ يوم الجمعة، فقال: أخرج يا فلان فإنك منافق … فذكر الحديث. وفيه: ففضح الله المنافقين، فهذا العذاب الأول. والعذاب الثاني، عذاب القبر، أو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، ثم عذاب القبر (﴿ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾) [التوبة: ١٠١] في جهنم. (وقوله تعالى: ﴿وحاق بآل فرعون﴾)

стр. 979

فرعون وقومه، واستغنى بذكرهم عن ذكره للعلم بأنه أولى بذلك (﴿سوء العذاب﴾) الغرق في الدنيا، ثم النقلة منه إلى النار (﴿النار يعرضون عليها غدوًا وعشيًّا﴾) جملة مستأنفة، أو: النار، بدل من سوء العذاب، ويعرضون حال. وروى ابن مسعود: أن أرواحهم في أجواف طير سود تعرض على النار بكرة وعشيًا، فقال لهم: هذه داركم. رواه ابن أبي حاتم، قال القرطبي: الجمهور على أن هذا العرض في البرزخ، وفيه دليل على بقاء النفس، وعذاب القبر (﴿ويوم تقوم الساعة﴾) أي: هذا ما دامت الدنيا، فإذا قامت الساعة قيل لهم: (﴿أدخلوا﴾) ﴿آَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥] عذاب جهنم فإنه أشد مما كانو فيه، أو أشد عذاب جهنم. وهذه الآية المكية أصل في الاستدلال لعذاب القبر، لكن استشكلت مع الحديث المروي في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين: أن يهودية في المدينة كانت تعيذ عائشة من عذاب القبر، فسألت عنه رسول الله، ﷺ ، فقال: كذب يهود، لا عذاب دون القيامة. فلما مضى بعض أيام، نادى رسول الله، ﷺ ، محمرًا عيناه، بأعلى صوته: أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإنه حق. وأجيب: بأن الآية دلت على عذاب الأرواح في البرزخ، وما نفاه أوّلاً ثم أثبته، ﵊، عذاب الجسد فيه. والأولى أن يقال: الآية دلت على عذاب الكفار، وما نفاه، ثم أثبته عذاب القبر للمؤمنين. ففي صحيح مسلم، من طريق ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، ﵂، أن يهودية قالت لها: أشعرت أنكم تفتنون في القبور؟ فلما سمع، ﵊، قولها ارتاع، وقال: إنما تفتن اليهود. ثم قال بعد ليال: أشعرت أنه أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور، وفي الترمذي، عن عليّ قال: ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ - ٢] وفي صحيح ابن حبان، من حديث أبي هريرة مرفوعًا في قوله تعالى: ﴿فإن له معيشة ضنكًا﴾ قال عذاب القبر. ١٣٦٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أُقْعِدَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾. وبالسند قال: (حدّثنا حفص بن عمر) الحوضي، قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن علقمة بن مرثد) بفتح الميم والمثلثة، الحضرمي (عن سعد بن عبيدة) بسكون العين في الأوّل، وضمها وفتح الموحدة مصغرًا آخره هاء تأنيث في الثاني، وصرّح في رواية أبي الوليد الطيالسي، الآتية إن شاء الله تعالى في التفسير بالإخبار بين شعبة وعلقمة، وبالسماع بين علقمة وسعد بن عبيدة (عن البراء بن عازب، ﵄، عن النبي ﷺ قال): (إذا أقعد المؤمن في قبره) بضم همزة أقعد مبنيًا للمفعول، كهمزة (أتي) أي: حال كونه مأتيًّا إليه. والآتي: الملكان منكر ونكير (ثم شهد) بلفظ الماضي: كعلم، وللحموي والكشميهني كما في الفرع، وقال في الفتح، والمستملي بدل الكشميهني: ثم يشهد، بلفظ المضارع، كيعلم (أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله) وفي رواية أبي الوليد المذكورة، المسلم، إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله (فذلك قوله) تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت) الذي ثبت بالحجة عندهم، وهي كلمة التوحيد، وثبوتها تمكنها في القلب، واعتقاد حقيتها، واطمئنان القلب بها. زاد في رواية أبي الوليد ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وتثبيتهم في الدنيا: أنهم إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا عنها، وإن ألقوا في النار ولم يرتابوا بالشبهات. وتثبيتهم في الآخرة: أنهم إذا سئلوا في القبر لم يتوقفوا في الجواب وإذا سئلوا في الحشر، وعند موقف الإشهاد، عن معتقدهم ودينهم، لم تدهشهم أهوال القيامة. وبالجملة، فالمرء على قدر ثباته في الدنيا يكون ثباته في القبر وما بعده وكلما كان أسرع إجابة كان أسرع تخلصًا من الأهوال. والمسؤول عنه في قوله: إذا سئلوا الثابت في رواية أبي الوليد، محذوف أي: عن ربه ونبيه ودينه. وفي هذا الحديث: التحديث والعنعنة، ورواته ما بين: بصري وكوفي، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الجنائز، وفي التفسير، ومسلم في: صفة النار، وأبو داود في: السنة، والترمذي في: التفسير، والنسائي في: الجنائز، وفي التفسير، وابن ماجة في: الزهد. ١٣٦٩ م- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا، وَزَادَ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ. [الحديث ١٣٦٩ م- طرفه في: ٤٦٩٩]. وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بفتح الموحدة والشين المعجمة المشددة، العبدي البصري، ويقال له:

стр. 980

بندار، قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (بهذا) أي: بالحديث السابق (وزاد: ﴿يثبت الله الذين آمنوا﴾) بالقول الثابت (نزلت في عذاب القبر). قال الطيبي في شرح المشكاة: إن قلت: ليس في الآية ما يدل على عذاب المؤمن في القبر، فما معنى نزلت في عذاب القبر؟ قلت لعله سمى أحوال العبد في القبر بعذاب القبر على تغليب فتنة الكافر على فتنة المؤمن ترهيبًا وتخويفًا، ولأن القبر مقام الهول والوحشة، ولأن ملاقاة الملكين مما يهيب المؤمن في العادة. ١٣٧٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ حَدَّثَنِي نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ قَالَ: "اطَّلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَهْلِ الْقَلِيبِ فَقَالَ: وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا. فَقِيلَ لَهُ: أتَدْعُو أَمْوَاتًا؟ فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ". [الحديث ١٣٧٠ - طرفاه في: ٣٩٨٠، ٤٠٢٦]. وبه قال: (حدّثنا عليّ بن عبد الله) المديني، قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) قال: (حدّثني) بالإفراد. ولأبي الوقت: حدّثنا (أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي (عن صالح) هو: ابن كيسان، قال: (حدّثني) بالإفراد (نافع) مولى ابن عمر بن الخطاب (أن ابن عمر، ﵄، أخبره قال): (اطلع النبي، ﷺ ، على أهل القليب) قليب بدر، وهم: أبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وهم يعذبون (فقال) لهم: (وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟) وفي نسخة: ما وعدكم. (فقيل له) ﵊، والقائل عمر بن الخطاب كما في مسلم: (أتدعو) بهمزة الاستفهام، وسقطت من اليونينية، كما في فرعها (أمواتًا؟ فقال) ﵊ (ما أنتم بأسمع منهم) لما أقول (ولكن لا يجيبون): لا يقدرون على الجواب. وهذا يدل على وجود حياة في القبر يصلح معها التعذيب، لأنه لما ثبت سماع أهل القليب كلامه، ﵊، وتوبيخه لهم، دل على إدراكهم الكلام بحاسة السمع، وعلى جواز إدراكهم ألم العذاب ببقية الحواس بل بالذات. ورواة هذا الحديث: مدنيون، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أيضًا في: المغازي مطوّلاً، ومسلم في: الجنائز، وكذلك النسائي. ١٣٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآنَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ حَقٌّ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ". [الحديث ١٣٧١ - طرفاه في: ٣٩٧٩، ٣٩٨١]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) هو: ابن أبي شيبة، قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة، ﵂، قالت): تردّ رواية ابن عمر: ما أنتم بأسمع منهم. (إنما قال النبي ﷺ : إنهم ليعلمون الآن أن ما كنت أقول حق) ولأبوي الوقت، وذر: أن ما كنت أقول لهم حق، ثم استدلت لما نفته بقولها: (وقد قال الله تعالى: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾) قالوا: ولا دلالة فيها على ما نفته، بل لا منافاة بين قوله، ﵊: إنهم الآن يسمعون، وبين الآية. لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فالله تعالى هو الذي أسمعهم، بأن أبلغ صوت نبيه، ﷺ بذلك. وقد قال المفسرون: إن الآية مثل ضربة الله للكفار أي: فكما أنك لا تسمع الموتى، فكذلك لا تفقه كفار مكة، لأنهم كالموتى في عدم الانتفاع بما يسمعون. وقد خالف الجمهور عائشة في ذلك، وقبلوا حديث ابن عمر لموافقة من رواه غيره عليه، ولا مانع أنه ﷺ قال اللفظين معًا، ولم تحفظ عائشة إلا أحدهما، وحافظ غيرها سماعهم بعد إحيائهم. وإذا جاز أن يكونوا عالمين، جاز أن يكونوا سامعين، إما بآذان رؤوسهم، كما هو قول الجمهور، أو بآذان الروح فقط، والمعتمد قول الجمهور، لأنه: لو كان العذاب على الروح فقط، لم يكن للقبر بذلك اختصاص، وقد قال قتادة، كما عند المؤلّف في غزوة بدر: أحياهم الله تعالى حتى أسمعهم توبيخًا أو نقمة. ١٣٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ سَمِعْتُ الأَشْعَثَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَذَكَرَتْ عَذَابَ الْقَبْرِ فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَقَالَ: نَعَمْ، عَذَابُ الْقَبْرِ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلاَّ تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ". وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة، قال: (أخبرني) بالإفراد (أبي) عثمان (عن شعبة) بن الحجاج، قال: (سمعت الأشعث) بالمثلثة في آخره (عن أبيه) أبي الشعثاء، بالمد، سليم بن أسود المحاربي. وفي رواية أبي داود الطيالسي: عن شعبة، عن أشعث سمعت أبي، (عن مسروق) هو: ابن الأجدع (عن عائشة، ﵂¬). (أن يهودية) قال ابن حجر: لم أقف على اسمها (دخلت عليها) أي: على عائشة (فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر. فسألت عائشة) ﵂ (رسول الله ﷺ ، عن عذاب القبر، فقال): (نعم، عذاب القبر) بحذف الخبر، أي: حق، أو: ثابت. وللحموي والمستملي: عذاب القبر حق، بإثبات الخبر، لكن قال

стр. 981

الحافظ ابن حجر: ليس بجيد، لأن المصنف قال عقب هذه الطريق، زاد غندر: عذاب القبر، حق، فبين أن لفظة: حق، ليست في رواية عبدان عن أبيه عن شعبة، وأنها ثابتة في رواية غندر، يعني: عن شعبة. وهو كذلك، وقد أخرج طريق غندر: النسائي والإسماعيلي: كذلك، وكذا أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة. اهـ. وتعقبه العيني، بأن قوله: زاد غندر: عذاب القبر حق، ليس بموجود في كثير من النسخ، ولئن سلمنا وجود هذا، فلا نسلم أنه يستلزم حذف الخبر، مع أن الأصل ذكر الخبر، وكيف ينفي الجودة من رواية المستملي مع كونها على الأصل؟ فماذا يلزم من المحذور إذا ذكر الخبر في الروايات كلها؟ اهـ فليتأمل. (قالت عائشة، ﵂: فما رأيت رسول الله ﷺ بعد) مبني على الضم، أي: بعد سؤالي إياه (صلّى صلاة إلا تعوذ) فيها (من عذاب القبر). وزاد في رواية أبي ذر هنا قوله: وزاد غندر: عذاب القبر حق. ففي هذا الحديث أنه أقر اليهودية على أن عذاب القبر حق، وفي حديثي أحمد ومسلم السابقين، أنه أنكره، حيث قال: كذب يهود، لا عذاب دون عذاب يوم القيامة، وإنما تفتن اليهود. فبين الروايتين مخالفة، لكن قال النووي، كالطحاوي وغيرهما: قضيتان، فأنكر، ﷺ ، قول اليهودية في الأولى، ثم أعلم بذلك ولم يعلم عائشة، فجاءت اليهودية مرة أخرى، فذكرت لها ذلك، فأنكرت عليها مستندة إلى الإنكار الأول، فأعلمها ﵊ بأن الوحي نزل بإثباته اهـ. وفيه إرشاد لأمته، ودلالة على أن عذاب القبر ليس خاصًّا بهذه الأمة، بخلاف المسألة ففيها خلاف، يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. ١٣٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ﵄ تَقُولُ "قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ الَّتِي يَفْتَتِنُ فِيهَا الْمَرْءُ. فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً". وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) أبو سعيد الجعفي الكوفي، نزيل البصرة، قال: (حدَّثنا ابن وهب) عبد الله المصري بالميم (قال: أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري، قال: (أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أنه سمع أسماء بنت أبي بكر) الصديق (¬﵄، تقول): (قام رسول الله ﷺ ¬) حال كونه (خطيبًا، فذكر فتنة القبر التي يفتتن فيها المرء) بفتح المثناة التحتية وكسر المثناة الفوقية الثانية، ولأبي ذر والوقت، من غير اليونينية: يفتن بضم أوّله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول، (فلما ذكر ذلك) بتفاصيله كما يجري على المرء في قبره (ضج المسلمون ضجة) عظيمة، وزاد النسائي من الوجه الذي أخرجه منه البخاري: حالت بيني وبين أن أفهم كلام رسول الله ﷺ فلما سكنت ضجتهم قلت لرجل قريب مني، أي: بارك الله فيك؛ ماذا قال رسول الله ﷺ وفي آخر كلامه؟ قال: قال: قد أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور قريبًا من فتنة المسيح الدجال، أي: فتنة قريبة، يريد: فتنة عظيمة، إذ ليس فتنة أعظم من فتنة الدجال. وهذا الحديث قد سبق في العلم، والكسوف، والجمعة من طريق فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بتمامه. وأورده هنا مختصرًا، ووقع هنا في بعض نسخ البخاري: وزاد غندر: عذاب القبر، بحذف الخبر أي: حق وثبت لأبي الوقت، وكذا هو ثابت في الفرع، لكن رقم عليه علامة السقوط، وفوقها علامة أبي ذر الهروي، ولا يخفى أن هذا إنما هو في آخر حديث عائشة المتقدّم، فذكره في حديث أسماء غلط، لأنه لا رواية لغندر فيه. ١٣٧٤ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ -وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ- أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي الرَّجُلِ؟ لِمُحَمَّدٍ ﷺ . فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا". قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ فِي قَبْرِهِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: "وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ. وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ". وبه قال: (حدّثنا عياش بن الوليد) بفتح العين والمثناة التحتية المشدّدة، آخره شين معجمة، الرقام البصري، قال: (حدّثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي، بالسين المهملة، قال: (حدَّثنا سعيد) هو: ابن أبي عروبة (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك) وسقط لفظة: ابن مالك لأبي ذر (¬﵁، أنه حدثهم أن رسول الله ﷺ ، قال): (إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه) بالواو، والضمير للميت، ولأبي ذر: إنه (ليسمع قرع نعالهم) زاد مسلم: إذا انصرفوا (أتاه ملكان) زاد ابن حبان والترمذي، من حديث أبي هريرة: أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر، وللآخر النكير. والنكير فعيل بمعنى مفعول، والمنكر مفعل من أنكر، وكلاهما ضدّ المعروف، وسميا به لأن الميت لم يعرفهما، ولم ير صورة مثل

стр. 982

صورتهما، وإنما صوّرا كذلك ليخاف الكافر ويتحير في الجواب، وأما المؤمن فيثبته الله بالقول الثابت، فلا يخاف لأن من خاف الله في الدنيا وآمن به وبرسله وكتبه لم يخف في القبر. وزاد الطبراني في الأوسط، من حديث أبي هريرة أيضًا: أعينهما مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرعد. وزاد عبد الرزاق، من مرسل عمرو بن دينار: يحفران بأنيابهما، ويطآن في أشعارهما، معهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل منى لم يقلوها. وذكر بعض الفقهاء أن اسم اللذين يسألان المذنب: منكر ونكير، واسم اللذين يسألان المطيع: مبشر وبشير. كذا نقله في الفتح. (فيقعدانه) فتعاد روحه في جسده، وفي حديث البراء: فيجلسانه، وزاد ابن حبان من حديث أبي هريرة: فإذا كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصوم عن شماله، وفعل المعروف من قبل رجليه، فيقال له: أجلس. فيجلس، وقد مثلث له الشمس عند الغروب: زاد ابن ماجة من حديث جابر: فيجلس يمسح عينيه، ويقول: دعوني أصلي، فانظر كيف يبعث المرء على ما عاش عليه. اعتاد بعضهم أنه كلما انتبه ذكر الله واستاك، وتوضأ وصلّى، فلما مات رئي، فقيل له: ما فعل الله بك. قال: لما جاءني الملكان، وعادت إليّ روحي، حسبت أني انتبهت من الليل، فذكرت الله على العادة، وأردت أن أقوم أتوضأ، فقالا لي: أين تريد تذهب؟ فقلت: للوضوء والصلاة، فقالا: ثم نومة العروس، فلا خوف عليك ولا بؤس. (فيقولان) له: (ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد ﷺ ¬) بيان من الراوي أي: لأجل محمد ﵊، وعبر بذلك امتحانًا، لئلا يتلقن تعظيمه من عبارة القائل. والإشارة في قوله: هذا، للحاضر، فقيل: يكشف للميت حتى يرى النبي ﷺ وهي بشرى عظيمة للمؤمن إن صح ذلك، ولا نعلم حديثًا صحيحًا مرويًّا في ذلك. والقائل به إنما استند لمجرد أن الإشارة لا تكون، إلا لحاضر. لكن يحتمل أن تكون الإشارة لما في الذهن، فيكون مجازًا. وزاد أبو داود في أوّله: ما كنت تعبد؟ فإن الله هداه قال: كنت أعبد الله. فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ (فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله) زاد في حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق، السابق في العلم والطهارة وغيرهما: جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وآمنا واتبعنا. (فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار) ولأبي داود: هذا بيتك كان في النار (قد أبدلك الله مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعًا) فيزداد فرحًا إلى فرحه، ويعرف نعمة الله عليه بتخليصه من النار، وإدخاله الجنة. وفي حديث أبي سعيد، عن سعيد بن منصور: فيقال له: نم نومة عروس، فيكون في أحلى نومة نامها أحد حتى يبعث. وللترمذي من حديث أبي هريرة: ويقال له: نم نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. (قال قتادة: وذكر لنا) بضم الذال، مبنيًا للمفعول (أنه يفسح في قبره) في زائدة، والأصل: يفسح قبره. ولأبوي ذر والوقت: يفسح له في قبره، وزاد ابن حبان: سبعين ذراعًا في سبعين ذراعًا، وعنده من وجه آخر، عن أبي هريرة، ﵁: ويرحب له في قبره سبعين ذراعًا، وينوّر له كالقمر ليلة البدر، وعنده أيضًا: فيزداد غبطة وسرورًا فيعاد الجلد إلى ما بدئ منه، وتجعل روحه في نسم طائر يعلق في شجر الجنة. (ثم رجع) قتادة (إلى حديث أنس، قال): (وأما المنافق والكافر) كذا بواو العطف، وتقدم في باب: خفق النعال، وأما الكافر أو المنافق بالشك (فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟) محمد ﷺ (فيقول لا أدري) وفي رواية أبي داود المذكورة، وإن الكافر إذا وضع في قبره أتاه ملك فينتهره، فيقول له: ما كنت تعبد؟ وفي أكثر الأحاديث: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ وفي حديث البراء: فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه … لا يدري. فيقولان له: ما دينك فيقول: هاه هاه … لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه … لا أدري (كنت أقول ما يقول الناس) المسلمون (فيقال) له: (لا دريت ولا تليت) أصله: تلوت. بالواو، والمحدثون إنما يروونه بالياء للازدواج، أي: لا فهمت ولا قرأت القرآن، أو المعنى: لا دريت ولا اتبعت من يدري، ولأبي

стр. 983

ذر: ولا تليت، بزيادة ألف وتسكين المثناة الفوقية، وصوّبها يونس بن حبيب، فيما حكاه ابن قتيبة كأنه يدعو عليه، بأنه لا يكون له من يتبعه، واستبعد هذا في دعاء الملكين. وأجيب: بأن هذا أصل الدعاء، ثم استعمل في غيره (ويضرب بمطارق من حديد ضربة) بإفراد ضربة، وجمع: مطارق ليؤذن بأن كل جزء من أجزاء تلك المطرقة مطرقة برأسها، مبالغة (فيصيح صيحة يسمعها من يليه) مفهومه: أن من بعُد لا يسمعه، فيكون مقصورًا على الملكين. لكن في حديث البراء: يسمعها ما بين المشرق والمغرب. والمفهوم لا يعارض المنطوق، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد: يسمعه خلق الله كلهم (غير الثقلين) الجنّ والإنس. وغير نصب على الاستثناء. وفي هذا الحديث: إثبات عذاب القبر، وأنه واقع على الكفار، ومن شاء الله من الموحدين. والمسألة، وهل هي واقعة على كل أحد؟ فقيل: إنما تقع على من يدّعي الإيمان إن محقًا وإن مبطلاً لقول عبيد بن عمير، أحد كبار التابعين، فيما رواه عبد الرزاق: إنما يفتن رجلان مؤمن ومنافق، وأما الكافر فلا يسأل عن محمد، ولا يعرفه. والصحيح أنه يسأل، لما ورد في ذلك من الأحاديث المرفوعة الصحيحة الكثيرة الطرق، وبذلك جزم الترمذي الحكيم، وقال ابن القيم في الروح: في الكتاب والسنة دليل على أن السؤال للكافر والمسلم قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وفي حديث أنس، في البخاري: وأما المنافق والكافر، بواو العطف. وهل يسأل الطفل الذي لا يميز؟ جزم القرطبي في تذكرته أنه يسأل، وهو منقول عن الحنفية، وجزم غير واحد من الشافعية بأنه لا يسأل. ومن ثم قالوا: لا يستحب أن يلقن. وقال عبيد بن عمير، مما ذكره الحافظ زين الدين ابن رجب في كتابه، أهوال القبور: المؤمن يفتن سبعًا والكافر أربعين صباحًا. ومن ثم كانوا يستحبون أن يطعم عن المؤمن سبعة أيام من يوم دفنه. وهذا مما انفرد به، لا أعلم أحدًا قاله غيره. نعم، تبعه في ذلك، وفي قوله السابق، بعض العصريين، فلم يصب والله الموفق. وقد صح أن الرابط في سبيل الله لا يفتن، كما في حديث مسلم وغيره، كشهيد المعركة، والصابر في الطاعون الذي لا يخرج من البلد الذي يقع فيه قاصدًا بإقامته ثواب الله، راجيًا صدق موعوده، عارفًا أنه إن وقع له فهو بتقدير الله تعالى، وإن صرف عنه فبتقديره تعالى، غير متضجر به لو وقع، معتمدًا على ربه في الحالتين لحديث البخاري والنسائي، عن عائشة مرفوعًا: فليس من رجل يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما قد كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد. وجه الدليل أن الصابر في الطاعون، المتصف بالصفات المذكورة، نظير المرابط في سبيل الله. وقد صح أن المرابط لا يفتن، ومن مات بالطاعون فهو أولى، وهل السؤال يختص بهذه الأمة المحمدية، أم يعم الأمم قبلها؟ ظاهر الأحاديث التخصيص، وبه جزم الحكيم الترمذي، وجنح ابن القيم إلى التعميم، واحتج بأنه ليس في الأحاديث ما ينفي ذلك، وإنما أخبر النبي ﷺ أمته بكيفية امتحانهم في القبور، قال: والذي يظهر، أن كل نبيّ مع أمته كذلك، فتعذب كفارهم في قبورهم بعد سؤالهم، أقامة الحجة عليهم، كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة عليهم. وهل السؤال باللسان العربي، أم بالسرياني ظاهر قوله: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ إلى آخر الحديث، أنه بالعربي. قال شيخنا: ويشهد له ما رويناه من طريق يزيد بن طريف، قال: مات أخي، فلما ألحد وانصرف الناس عنه، وضعت رأسي على قبره، فسمعت صوتًا ضعيفًا، أعرف أنه صوت أخي، وهو يقول: الله فقال له الآخر: ما دينك؟ قال: الإسلام. ومن طريق العلاء بن عبد الكريم، قال: مات رجل، وكان له أخ ضعيف البصر، قال أخوه: فدفناه، فلما انصرف الناس عنه وضعت رأسي على القبر، فإذا أنا بصوت من داخل القبر، يقول: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فسمعت صوت أخي، وهو يقول: الله. قال الآخر: فما دينك؟ قال: الإسلام، إلى غير ذلك مما يستأنس به لكونه عربيًّا. قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل مع ذلك أن يكون

стр. 984

خطاب كل أحد بلسانه، قال شيخنا: ويستأنس له بإرسال الرسل بلسان قومهم، وعن الإمام البلقيني أنه بالسريانية، والله أعلم. ٨٨ - باب التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ (باب التعوّذ من عذاب القبر). ١٣٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵃ قَالَ: "خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ: يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا". وَقَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَوْنٌ سَمِعْتُ أَبِي سَمِعْتُ الْبَرَاءَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وبالسند قال: (حدَّثنا) بالجمع، ولأبوي ذر، والوقت، حدَّثني (محمد بن المثنى) المعروف بالزمن، قال: (حدَّثنا) بالجمع، وفي نسخة: أخبرنا (يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدَّثنا) ولأبوي ذو، والوقت: أخبرنا (شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثني) بالإفراد (عون بن أبي جحيفة) بضم الجيم وفتح الحاء (عن أبيه) أبي جحيفة: وهب بن عبد الله السوائي الصحابي (عن البراء بن عازب، عن أبى أيوب) الأنصاري (¬﵃، قال): (خرج النبي، ﷺ ¬) من المدينة إلى خارجها (وقد وجبت الشمس) أي: سقطت، يريد: غربت. والجملة حالية (فسمع صوتًا) إما صوت ملائكة العذاب، أو صوت وقع العذاب، أو صوت المعذبين. وفي الطبراني عن عون بهذا السند: أنه ﷺ قال: أسمع صوت اليهود يعذبون في قبورهم (فقال: يهود تعذب في قبورها) يهود مبتدأ، وتعذب خبره. وقال في فتح الباري: يهود خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه يهود، وتعقبه العيني فقال: ظن أن يهود نكرة وليس كذلك، بل هو علم للقبيلة، وتدخله الألف واللام. قال الجوهري: الأصل اليهوديون، فحذفت ياء الإضافة مثل زنجي، ثم عرّف على هذا الحد، فجمع على قياس شعير وشعيرة، ثم عرّف الجمع بالألف واللام، ولولا ذلك لم يجز دخولهما، لأنه معرفة مؤنث، فجرى مجرى القبيلة، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث. اهـ. وهذا نقله في فتح الباري عن الجوهري أيضًا، وزاد في إعراب يهود: أنه مبتدأ خبره محذوف، فكيف يقول العيني: إنه ظن أنه نكرة بعد قوله ذلك؟ فليتأمل. وإذا ثبت أن اليهود تعذب، ثبت تعذيب غيرهم من المشركين، لأن كفرهم بالشرك أشد من كفر اليهود، ومناسبة الحديث للترجمة من حيث أن كل من سمع مثل ذلك الصوت يتعوّذ من مثله، أو: الحديث من الباب السابق وأدخله هنا بعض النساخ. (وقال النضر) بن شميل، مما وصله الإسماعيلي: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج، قال: (حدَّثنا عون) قال: (سمعت أبي) أبا جحيفة (قال: سمعت البراء) بن عازب (عن أبي أيوب) الأنصاري (عن النبي ﷺ ¬). وفائدة ذكر ذلك، تصريح عون فيه بالسماع له من أبيه، وسماع أبيه له من البراء، وهذا ثابت عند أبي ذر، كما نبه عليه في الفرع وأصله. وفي هذا الحديث: ثلاثة من الصحابة في نسق أولهم: أبو جحيفة، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والسماع والقول، وأخرجه مسلم في: صفة أهل النار، والنسائي في: الجنائز. ١٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُعَلًّى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي ابْنَةُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ "أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ". [الحديث ١٣٧٦ - طرفه في: ٦٣٦٤]. به قال: (حدّثنا معلى) بالتنوين، وعند أبي ذر: ابن أسد قال: (حدّثنا وهيب) هو: ابن خالد (عن موسى بن عقبة) الأسدي (قال: حدثتني) بالإفراد مع تاء التأنيث (ابنة خالد بن سعيد بن العاصي) أمة بفتح الهمزة وتخفيف الميم، أم خالد الأموية، ولدت بالحبشة، وتزوّجها الزبير، فولدت له خالدا وعمرًا: (أنها سمعت النبي ﷺ وهو يتعوّذ من عذاب القبر) إرشادًا لأمته ليقتدوا به في ذلك، لينجوا من العذاب. وفي هذا الحديث: التحديث والعنعنة والسماع والقول، وشيخه ووهيب بصريان وموسى مدني. وأخرجه أيضًا في: الدعوات، والنسائي في: التعوّذ. ١٣٧٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ". وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي، قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي، قال: (حدّثنا يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة، ﵁، قال): (كان رسول الله، ﷺ ، يدعو: اللهم) وللكشميهني: يدعو ويقول: اللهم (إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار) تعميم بعد تخصيص، كما أن تاليه تخصيص بعد تعميم، وهو قوله: (ومن فتنة المحيا) الابتلاء مع عدم الصبر، والرضا، والوقوع في الآفات والإصرار على الفساد، وترك متابعة طريق الهدى (و) من فتنة (الممات) سؤال منكر ونكير مع الحيرة والخوف، وعذاب القبر وما فيه من الأهوال والشدائد. قاله الشيخ أبو النجيب السهروردي. والمحيا والممات: مصدران ميميان

стр. 985

مفعل، من الحياة والموت (ومن فتنة المسيح الدجال) بفتح الميم وبالسين والحاء المهملتين، لأن إحدى عينيه ممسوحة، فيكون فعيلاً بمعنى مفعول، أو لأنه يمسح الأرض أي: يقطعها في أيام معدودة، فيكون بمعنى: فاعل وصدور هذا الدعاء منه ﷺ على سبيل العبادة والتعليم. وفي الحديث: رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، ورواية يماني وبصري ومدني، وفيه: التحديث والعنعنة، وأخرجه مسلم في الصلاة. ٨٩ - باب عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْغِيبَةِ وَالْبَوْلِ (باب) بيان (عذاب القبر) الحاصل (من الغيبة) بكسر الغين وهي: ذكر الإنسان في غيبته بسوء، وإن كان فيه (و) باب: بيان عذاب القبر من أجل عدم الاستنزاه من (البول). وخصهما بالذكر لتعظيم أمرهما، لا لنفي الحكم عن غيرهما، نعم، هما أمكن. وقد روى أصحاب السنن الأربعة: استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه. ١٣٧٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ "مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ. ثُمَّ قَالَ: بَلَى، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الآخر فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ. قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا، مَا لَمْ يَيْبَسَا". وبالسند قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد، قال: (حدّثنا جرير) هو: ابن أبي حازم (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن مجاهد) هو: ابن جبر (عن طاوس) هو: ابن كيسان (قال ابن عباس) ولأبي ذر: عن ابن عباس (¬﵄¬): (مر النبي ﷺ على قبرين، فقال: انهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير) دفعه (ثم قال) ﵊: (بلى) إنه كبير من جهة الدين (أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة) المحرمة (وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله) من الاستتار، وهو مجاز عن الاستنزاه. كما مر البحث فيه. (قال) ابن عباس: (ثم أخذ عودًا رطبًا) في غير هذه الرواية: ثم أخذ جريدة رطبة (فكسره) أي العود (باثنتين) بتاء التأنيث، ولأبي ذر: باثنين، بحذفها (ثم غرز كل واحد منهما) أي: من العودين (على قبر) منهما (ثم قال لعله يخفف عنهما) العذاب، وفاء يخفف الأولى مفتوحة (ما لم ييبسا) أي مدة دوامهما إلى زمن يبسهما. وليس للغيبة التي هي أحد جزأي الترجمة ذكر في الحديث. فقيل: لأنهما متلازمان، لأن النميمة مشتملة على نقل كلام المغتاب الذي اغتابه. والحديث عن المنقول عنه بما لا يريده. وعورض بأنه لا يلزم من الوعيد على النميمة ثبوته على الغيبة وحدها، لأن مفسدة النميمة أعظم، فإذا لم تساوها لم يصح الإلحاق، إذ لا يلزم من التعذيب على الأشد التعذيب على الأخف. وأجيب: بأنه لا يلزم من الإلحاق وجود المساواة، والوعيد على الغيبة التي تضمنتها النميمة موجود، فيصح الإلحاق بهذا الوجه. وقد وقع في بعض طرق هذا الحديث بلفظ: الغيبة، فلعل المصنف جرى على عادته في الإشارة في الترجمة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث. ٩٠ - باب الْمَيِّتِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ (باب الميت) بإضافة باب لتاليه، ولأبي ذر: باب، بالتنوين، الميت (يعرض عليه بالغداة) ولأبوي ذر، والوقت؛ مقعده بالغداة (والعشي) أي: وقتهما. لأن الموتى لا صباح عندهم ولا مساء. ١٣٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». [الحديث ١٣٧٩ - طرفاه في: ٣٢٤٠، ٦٥١٥]. وبالسند قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب (زضي الله عنهما، أن رسول الله، ﷺ ، قال): (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي) أي: فيهما، ويحتمل أن يحيا منه جزء ليدرك ذلك، وتصح مخاطبته والعرض عليه أو العرض على الروح فقط، لكن ظاهر الحديث الأول؛ وهل العرض مرة واحدة بالغداة، ومرة أخرى بالعشي فقط؟ أو كل غداة وكل عشي؟ والأول موافق للأحاديث السابقة في سياق المسألة، وعرض المقعدين على كل واحد، (إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة) ظاهره اتحاد الشرط والجزاء، لكنهما متغايران في التقدير، ويحتمل، أن يكون تقديره: فمن مقاعد أهل الجنة. أي: فالمعروض عليه من مقاعد أهل الجنة، فحذف المبتدأ والمضاف المجرور بمن، وأقيم المضاف إليه مقامه. وفي رواية مسلم، بلفظ: إن كان من أهل الجنة فالجنة، وإن كان من أهل النار فالنار. تقديره: فالمعروض الجنة أو المعروض النار، فاقتصر فيها على حذف المبتدأ، فهي أهل حذفًا. أو المعنى: فإن كان من أهل الجنة فسيبشر بما لا يدرك كنهه، ويفوز بما لا يقدر قدره (وإن كان من أهل النار) زاد أبو ذر: فمن أهل النار. أي: فمقعده من مقاعد
следующие страницы →