Полный текст (4 743 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
الحافظ ابن حجر: ليس بجيد، لأن المصنف قال عقب هذه الطريق، زاد غندر: عذاب القبر، حق، فبين أن لفظة: حق، ليست في رواية عبدان عن أبيه عن شعبة، وأنها ثابتة في رواية غندر، يعني: عن شعبة. وهو كذلك، وقد أخرج طريق غندر: النسائي والإسماعيلي: كذلك، وكذا أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة. اهـ.
وتعقبه العيني، بأن قوله: زاد غندر: عذاب القبر حق، ليس بموجود في كثير من النسخ، ولئن سلمنا وجود هذا، فلا نسلم أنه يستلزم حذف الخبر، مع أن الأصل ذكر الخبر، وكيف ينفي الجودة من رواية المستملي مع كونها على الأصل؟ فماذا يلزم من المحذور إذا ذكر الخبر في الروايات كلها؟ اهـ فليتأمل.
(قالت عائشة، ﵂: فما رأيت رسول الله ﷺ بعد) مبني على الضم، أي: بعد سؤالي إياه (صلّى صلاة إلا تعوذ) فيها (من عذاب القبر). وزاد في رواية أبي ذر هنا قوله: وزاد غندر: عذاب القبر حق. ففي هذا الحديث أنه أقر اليهودية على أن عذاب القبر حق، وفي حديثي أحمد ومسلم السابقين، أنه أنكره، حيث قال: كذب يهود، لا عذاب دون عذاب يوم القيامة، وإنما تفتن اليهود. فبين الروايتين مخالفة، لكن قال النووي، كالطحاوي وغيرهما: قضيتان، فأنكر، ﷺ ، قول اليهودية في الأولى، ثم أعلم بذلك ولم يعلم عائشة، فجاءت اليهودية مرة أخرى، فذكرت لها ذلك، فأنكرت عليها مستندة إلى الإنكار الأول، فأعلمها ﵊ بأن الوحي نزل بإثباته اهـ.
وفيه إرشاد لأمته، ودلالة على أن عذاب القبر ليس خاصًّا بهذه الأمة، بخلاف المسألة ففيها خلاف، يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
١٣٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ﵄ تَقُولُ "قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ الَّتِي يَفْتَتِنُ فِيهَا الْمَرْءُ. فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً".
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) أبو سعيد الجعفي الكوفي، نزيل البصرة، قال: (حدَّثنا ابن وهب) عبد الله المصري بالميم (قال: أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري، قال: (أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أنه سمع أسماء بنت أبي بكر) الصديق (¬﵄، تقول):
(قام رسول الله ﷺ ¬) حال كونه (خطيبًا، فذكر فتنة القبر التي يفتتن فيها المرء) بفتح المثناة التحتية وكسر المثناة الفوقية الثانية، ولأبي ذر والوقت، من غير اليونينية: يفتن بضم أوّله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول، (فلما ذكر ذلك) بتفاصيله كما يجري على المرء في قبره (ضج المسلمون ضجة) عظيمة، وزاد النسائي من الوجه الذي أخرجه منه البخاري: حالت بيني وبين أن أفهم كلام رسول الله ﷺ فلما سكنت ضجتهم قلت لرجل قريب مني، أي: بارك الله فيك؛ ماذا قال رسول الله ﷺ وفي آخر كلامه؟ قال: قال: قد أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور قريبًا من فتنة المسيح الدجال، أي: فتنة قريبة، يريد: فتنة عظيمة، إذ ليس فتنة أعظم من فتنة الدجال.
وهذا الحديث قد سبق في العلم، والكسوف، والجمعة من طريق فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بتمامه. وأورده هنا مختصرًا، ووقع هنا في بعض نسخ البخاري: وزاد غندر: عذاب القبر، بحذف الخبر أي: حق وثبت لأبي الوقت، وكذا هو ثابت في الفرع، لكن رقم عليه علامة السقوط، وفوقها علامة أبي ذر الهروي، ولا يخفى أن هذا إنما هو في آخر حديث عائشة المتقدّم، فذكره في حديث أسماء غلط، لأنه لا رواية لغندر فيه.
١٣٧٤ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ -وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ- أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي الرَّجُلِ؟ لِمُحَمَّدٍ ﷺ . فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا". قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ فِي قَبْرِهِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: "وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ
أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ. وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ".
وبه قال: (حدّثنا عياش بن الوليد) بفتح العين والمثناة التحتية المشدّدة، آخره شين معجمة، الرقام البصري، قال: (حدّثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي، بالسين المهملة، قال: (حدَّثنا سعيد) هو: ابن أبي عروبة (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك) وسقط لفظة: ابن مالك لأبي ذر (¬﵁، أنه حدثهم أن رسول الله ﷺ ، قال):
(إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه) بالواو، والضمير للميت، ولأبي ذر: إنه (ليسمع قرع نعالهم) زاد مسلم: إذا انصرفوا (أتاه ملكان) زاد ابن حبان والترمذي، من حديث أبي هريرة: أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر، وللآخر النكير.
والنكير فعيل بمعنى مفعول، والمنكر مفعل من أنكر، وكلاهما ضدّ المعروف، وسميا به لأن الميت لم يعرفهما، ولم ير صورة مثل
стр. 982
صورتهما، وإنما صوّرا كذلك ليخاف الكافر ويتحير في الجواب، وأما المؤمن فيثبته الله بالقول الثابت، فلا يخاف لأن من خاف الله في الدنيا وآمن به وبرسله وكتبه لم يخف في القبر.
وزاد الطبراني في الأوسط، من حديث أبي هريرة أيضًا: أعينهما مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرعد.
وزاد عبد الرزاق، من مرسل عمرو بن دينار: يحفران بأنيابهما، ويطآن في أشعارهما، معهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل منى لم يقلوها. وذكر بعض الفقهاء أن اسم اللذين يسألان المذنب: منكر ونكير، واسم اللذين يسألان المطيع: مبشر وبشير. كذا نقله في الفتح.
(فيقعدانه) فتعاد روحه في جسده، وفي حديث البراء: فيجلسانه، وزاد ابن حبان من حديث أبي هريرة: فإذا كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصوم عن شماله، وفعل المعروف من قبل رجليه، فيقال له: أجلس. فيجلس، وقد مثلث له الشمس عند الغروب: زاد ابن ماجة من حديث جابر: فيجلس يمسح عينيه، ويقول: دعوني أصلي، فانظر كيف يبعث المرء على ما عاش عليه.
اعتاد بعضهم أنه كلما انتبه ذكر الله واستاك، وتوضأ وصلّى، فلما مات رئي، فقيل له: ما فعل الله بك. قال: لما جاءني الملكان، وعادت إليّ روحي، حسبت أني انتبهت من الليل، فذكرت الله على العادة، وأردت أن أقوم أتوضأ، فقالا لي: أين تريد تذهب؟ فقلت: للوضوء والصلاة، فقالا: ثم نومة العروس، فلا خوف عليك ولا بؤس.
(فيقولان) له: (ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد ﷺ ¬) بيان من الراوي أي: لأجل محمد
﵊، وعبر بذلك امتحانًا، لئلا يتلقن تعظيمه من عبارة القائل. والإشارة في قوله: هذا، للحاضر، فقيل: يكشف للميت حتى يرى النبي ﷺ وهي بشرى عظيمة للمؤمن إن صح ذلك، ولا نعلم حديثًا صحيحًا مرويًّا في ذلك. والقائل به إنما استند لمجرد أن الإشارة لا تكون، إلا لحاضر. لكن يحتمل أن تكون الإشارة لما في الذهن، فيكون مجازًا. وزاد أبو داود في أوّله: ما كنت تعبد؟ فإن الله هداه قال: كنت أعبد الله. فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ (فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله) زاد في حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق، السابق في العلم والطهارة وغيرهما: جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وآمنا واتبعنا. (فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار) ولأبي داود: هذا بيتك كان في النار (قد أبدلك الله مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعًا) فيزداد فرحًا إلى فرحه، ويعرف نعمة الله عليه بتخليصه من النار، وإدخاله الجنة. وفي حديث أبي سعيد،
عن سعيد بن منصور: فيقال له: نم نومة عروس، فيكون في أحلى نومة نامها أحد حتى يبعث. وللترمذي من حديث أبي هريرة: ويقال له: نم نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك.
(قال قتادة: وذكر لنا) بضم الذال، مبنيًا للمفعول (أنه يفسح في قبره) في زائدة، والأصل: يفسح قبره. ولأبوي ذر والوقت: يفسح له في قبره، وزاد ابن حبان: سبعين ذراعًا في سبعين ذراعًا، وعنده من وجه آخر، عن أبي هريرة، ﵁: ويرحب له في قبره سبعين ذراعًا، وينوّر له كالقمر ليلة البدر، وعنده أيضًا: فيزداد غبطة وسرورًا فيعاد الجلد إلى ما بدئ منه، وتجعل روحه في نسم طائر يعلق في شجر الجنة.
(ثم رجع) قتادة (إلى حديث أنس، قال):
(وأما المنافق والكافر) كذا بواو العطف، وتقدم في باب: خفق النعال، وأما الكافر أو المنافق بالشك (فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟) محمد ﷺ (فيقول لا أدري) وفي رواية أبي داود المذكورة، وإن الكافر إذا وضع في قبره أتاه ملك فينتهره، فيقول له: ما كنت تعبد؟ وفي أكثر الأحاديث: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ وفي حديث البراء: فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه … لا يدري. فيقولان له: ما دينك فيقول: هاه هاه … لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه … لا أدري (كنت أقول ما يقول الناس) المسلمون (فيقال) له: (لا دريت ولا تليت) أصله: تلوت. بالواو، والمحدثون إنما يروونه بالياء للازدواج، أي: لا فهمت ولا قرأت القرآن، أو المعنى: لا دريت ولا اتبعت من يدري، ولأبي
стр. 983
ذر: ولا تليت، بزيادة ألف وتسكين المثناة الفوقية، وصوّبها يونس بن حبيب، فيما حكاه ابن قتيبة كأنه يدعو عليه، بأنه لا يكون له من يتبعه، واستبعد هذا في دعاء الملكين. وأجيب: بأن هذا أصل الدعاء، ثم استعمل في غيره (ويضرب بمطارق من حديد ضربة) بإفراد ضربة، وجمع: مطارق ليؤذن بأن كل جزء من أجزاء تلك المطرقة مطرقة برأسها، مبالغة (فيصيح صيحة يسمعها من يليه) مفهومه: أن من
بعُد لا يسمعه، فيكون مقصورًا على الملكين. لكن في حديث البراء: يسمعها ما بين المشرق والمغرب. والمفهوم لا يعارض المنطوق، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد: يسمعه خلق الله كلهم (غير الثقلين) الجنّ والإنس. وغير نصب على الاستثناء.
وفي هذا الحديث: إثبات عذاب القبر، وأنه واقع على الكفار، ومن شاء الله من الموحدين. والمسألة، وهل هي واقعة على كل أحد؟ فقيل: إنما تقع على من يدّعي الإيمان إن محقًا وإن مبطلاً لقول عبيد بن عمير، أحد كبار التابعين، فيما رواه عبد الرزاق: إنما يفتن رجلان مؤمن ومنافق، وأما الكافر فلا يسأل عن محمد، ولا يعرفه. والصحيح أنه يسأل، لما ورد في ذلك من الأحاديث المرفوعة الصحيحة الكثيرة الطرق، وبذلك جزم الترمذي الحكيم، وقال ابن القيم في الروح: في الكتاب والسنة دليل على أن السؤال للكافر والمسلم قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وفي حديث أنس، في البخاري: وأما المنافق والكافر، بواو العطف. وهل يسأل الطفل الذي لا يميز؟ جزم القرطبي في تذكرته أنه يسأل، وهو منقول عن الحنفية، وجزم غير واحد من الشافعية بأنه لا يسأل. ومن ثم قالوا: لا يستحب أن يلقن.
وقال عبيد بن عمير، مما ذكره الحافظ زين الدين ابن رجب في كتابه، أهوال القبور: المؤمن يفتن سبعًا والكافر أربعين صباحًا. ومن ثم كانوا يستحبون أن يطعم عن المؤمن سبعة أيام من يوم دفنه. وهذا مما انفرد به، لا أعلم أحدًا قاله غيره. نعم، تبعه في ذلك، وفي قوله السابق، بعض العصريين، فلم يصب والله الموفق.
وقد صح أن الرابط في سبيل الله لا يفتن، كما في حديث مسلم وغيره، كشهيد المعركة، والصابر في الطاعون الذي لا يخرج من البلد الذي يقع فيه قاصدًا بإقامته ثواب الله، راجيًا صدق موعوده، عارفًا أنه إن وقع له فهو بتقدير الله تعالى، وإن صرف عنه فبتقديره تعالى، غير متضجر به لو وقع، معتمدًا على ربه في الحالتين لحديث البخاري والنسائي، عن عائشة مرفوعًا: فليس من رجل يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما قد كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد.
وجه الدليل أن الصابر في الطاعون، المتصف بالصفات المذكورة، نظير المرابط في سبيل الله. وقد صح أن المرابط لا يفتن، ومن مات بالطاعون فهو أولى، وهل السؤال يختص بهذه الأمة المحمدية، أم يعم الأمم قبلها؟ ظاهر الأحاديث التخصيص، وبه جزم الحكيم الترمذي، وجنح ابن القيم إلى التعميم، واحتج بأنه ليس في الأحاديث ما ينفي ذلك، وإنما أخبر النبي ﷺ أمته بكيفية امتحانهم في القبور، قال: والذي يظهر، أن كل نبيّ مع أمته كذلك، فتعذب كفارهم في قبورهم بعد سؤالهم، أقامة الحجة عليهم، كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة عليهم.
وهل السؤال باللسان العربي، أم بالسرياني ظاهر قوله: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ إلى آخر الحديث، أنه بالعربي. قال شيخنا: ويشهد له ما رويناه من طريق يزيد بن طريف، قال: مات أخي، فلما ألحد وانصرف الناس عنه، وضعت رأسي على قبره، فسمعت صوتًا ضعيفًا، أعرف أنه صوت أخي، وهو يقول: الله فقال له الآخر: ما دينك؟ قال: الإسلام.
ومن طريق العلاء بن عبد الكريم، قال: مات رجل، وكان له أخ ضعيف البصر، قال أخوه: فدفناه، فلما انصرف الناس عنه وضعت رأسي على القبر، فإذا أنا بصوت من داخل القبر، يقول: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فسمعت صوت أخي، وهو يقول: الله. قال الآخر: فما دينك؟ قال: الإسلام، إلى غير ذلك مما يستأنس به لكونه عربيًّا.
قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل مع ذلك أن يكون
стр. 984
خطاب كل أحد بلسانه، قال شيخنا: ويستأنس له بإرسال الرسل بلسان قومهم، وعن الإمام البلقيني أنه بالسريانية، والله أعلم.
٨٨ - باب التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ
(باب التعوّذ من عذاب القبر).
١٣٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵃ قَالَ: "خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ: يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا". وَقَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَوْنٌ سَمِعْتُ أَبِي سَمِعْتُ الْبَرَاءَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبالسند قال: (حدَّثنا) بالجمع، ولأبوي ذر، والوقت، حدَّثني (محمد بن المثنى) المعروف بالزمن، قال: (حدَّثنا) بالجمع، وفي نسخة: أخبرنا (يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدَّثنا) ولأبوي ذو، والوقت: أخبرنا (شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثني) بالإفراد (عون بن أبي جحيفة) بضم الجيم وفتح الحاء (عن أبيه) أبي جحيفة: وهب بن عبد الله السوائي الصحابي (عن البراء بن عازب، عن أبى أيوب) الأنصاري (¬﵃، قال):
(خرج النبي، ﷺ ¬) من المدينة إلى خارجها (وقد وجبت الشمس) أي: سقطت، يريد: غربت. والجملة حالية (فسمع صوتًا) إما صوت ملائكة العذاب، أو صوت وقع العذاب، أو صوت المعذبين. وفي الطبراني عن عون بهذا السند: أنه ﷺ قال: أسمع صوت اليهود يعذبون في قبورهم (فقال: يهود تعذب في قبورها) يهود مبتدأ، وتعذب خبره.
وقال في فتح الباري: يهود خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه يهود، وتعقبه العيني فقال: ظن أن يهود نكرة وليس كذلك، بل هو علم للقبيلة، وتدخله الألف واللام. قال الجوهري: الأصل
اليهوديون، فحذفت ياء الإضافة مثل زنجي، ثم عرّف على هذا الحد، فجمع على قياس شعير وشعيرة، ثم عرّف الجمع بالألف واللام، ولولا ذلك لم يجز دخولهما، لأنه معرفة مؤنث، فجرى مجرى القبيلة، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث. اهـ.
وهذا نقله في فتح الباري عن الجوهري أيضًا، وزاد في إعراب يهود: أنه مبتدأ خبره محذوف، فكيف يقول العيني: إنه ظن أنه نكرة بعد قوله ذلك؟ فليتأمل.
وإذا ثبت أن اليهود تعذب، ثبت تعذيب غيرهم من المشركين، لأن كفرهم بالشرك أشد من كفر اليهود، ومناسبة الحديث للترجمة من حيث أن كل من سمع مثل ذلك الصوت يتعوّذ من مثله، أو: الحديث من الباب السابق وأدخله هنا بعض النساخ.
(وقال النضر) بن شميل، مما وصله الإسماعيلي: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج، قال: (حدَّثنا عون) قال: (سمعت أبي) أبا جحيفة (قال: سمعت البراء) بن عازب (عن أبي أيوب) الأنصاري (عن النبي ﷺ ¬). وفائدة ذكر ذلك، تصريح عون فيه بالسماع له من أبيه، وسماع أبيه له من البراء، وهذا ثابت عند أبي ذر، كما نبه عليه في الفرع وأصله.
وفي هذا الحديث: ثلاثة من الصحابة في نسق أولهم: أبو جحيفة، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والسماع والقول، وأخرجه مسلم في: صفة أهل النار، والنسائي في: الجنائز.
١٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُعَلًّى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي ابْنَةُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ "أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ".
[الحديث ١٣٧٦ - طرفه في: ٦٣٦٤].
به قال: (حدّثنا معلى) بالتنوين، وعند أبي ذر: ابن أسد قال: (حدّثنا وهيب) هو: ابن خالد (عن موسى بن عقبة) الأسدي (قال: حدثتني) بالإفراد مع تاء التأنيث (ابنة خالد بن سعيد بن العاصي) أمة بفتح الهمزة وتخفيف الميم، أم خالد الأموية، ولدت بالحبشة، وتزوّجها الزبير، فولدت له خالدا وعمرًا: (أنها سمعت النبي ﷺ وهو يتعوّذ من عذاب القبر) إرشادًا لأمته ليقتدوا به في ذلك، لينجوا من العذاب.
وفي هذا الحديث: التحديث والعنعنة والسماع والقول، وشيخه ووهيب بصريان وموسى مدني. وأخرجه أيضًا في: الدعوات، والنسائي في: التعوّذ.
١٣٧٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ".
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي، قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي، قال: (حدّثنا يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة، ﵁، قال):
(كان رسول الله، ﷺ ، يدعو: اللهم) وللكشميهني: يدعو ويقول: اللهم (إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار) تعميم بعد تخصيص، كما أن تاليه تخصيص بعد تعميم، وهو قوله: (ومن فتنة المحيا) الابتلاء مع عدم الصبر، والرضا، والوقوع في الآفات والإصرار على الفساد، وترك متابعة طريق الهدى (و) من فتنة (الممات) سؤال منكر ونكير مع الحيرة والخوف، وعذاب القبر وما فيه من الأهوال والشدائد. قاله الشيخ أبو النجيب السهروردي. والمحيا والممات: مصدران ميميان
стр. 985
مفعل، من الحياة والموت (ومن فتنة المسيح الدجال) بفتح الميم وبالسين والحاء المهملتين، لأن إحدى عينيه ممسوحة، فيكون فعيلاً بمعنى مفعول، أو لأنه يمسح الأرض أي: يقطعها في أيام معدودة، فيكون بمعنى: فاعل وصدور هذا الدعاء منه ﷺ على سبيل العبادة والتعليم.
وفي الحديث: رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، ورواية يماني وبصري ومدني، وفيه: التحديث والعنعنة، وأخرجه مسلم في الصلاة.
٨٩ - باب عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْغِيبَةِ وَالْبَوْلِ
(باب) بيان (عذاب القبر) الحاصل (من الغيبة) بكسر الغين وهي: ذكر الإنسان في غيبته بسوء، وإن كان فيه (و) باب: بيان عذاب القبر من أجل عدم الاستنزاه من (البول). وخصهما بالذكر لتعظيم أمرهما، لا لنفي الحكم عن غيرهما، نعم، هما أمكن.
وقد روى أصحاب السنن الأربعة: استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه.
١٣٧٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ "مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ. ثُمَّ قَالَ: بَلَى، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الآخر فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ. قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا، مَا لَمْ يَيْبَسَا".
وبالسند قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد، قال: (حدّثنا جرير) هو: ابن أبي حازم (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن مجاهد) هو: ابن جبر (عن طاوس) هو: ابن كيسان (قال ابن عباس) ولأبي ذر: عن ابن عباس (¬﵄¬):
(مر النبي ﷺ على قبرين، فقال: انهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير) دفعه (ثم قال) ﵊: (بلى) إنه كبير من جهة الدين (أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة) المحرمة (وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله) من الاستتار، وهو مجاز عن الاستنزاه. كما مر البحث فيه.
(قال) ابن عباس: (ثم أخذ عودًا رطبًا) في غير هذه الرواية: ثم أخذ جريدة رطبة (فكسره) أي العود (باثنتين) بتاء التأنيث، ولأبي ذر: باثنين، بحذفها (ثم غرز كل واحد منهما) أي: من
العودين (على قبر) منهما (ثم قال لعله يخفف عنهما) العذاب، وفاء يخفف الأولى مفتوحة (ما لم ييبسا) أي مدة دوامهما إلى زمن يبسهما. وليس للغيبة التي هي أحد جزأي الترجمة ذكر في الحديث. فقيل: لأنهما متلازمان، لأن النميمة مشتملة على نقل كلام المغتاب الذي اغتابه. والحديث عن المنقول عنه بما لا يريده.
وعورض بأنه لا يلزم من الوعيد على النميمة ثبوته على الغيبة وحدها، لأن مفسدة النميمة أعظم، فإذا لم تساوها لم يصح الإلحاق، إذ لا يلزم من التعذيب على الأشد التعذيب على الأخف.
وأجيب: بأنه لا يلزم من الإلحاق وجود المساواة، والوعيد على الغيبة التي تضمنتها النميمة موجود، فيصح الإلحاق بهذا الوجه.
وقد وقع في بعض طرق هذا الحديث بلفظ: الغيبة، فلعل المصنف جرى على عادته في الإشارة في الترجمة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث.
٩٠ - باب الْمَيِّتِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ
(باب الميت) بإضافة باب لتاليه، ولأبي ذر: باب، بالتنوين، الميت (يعرض عليه بالغداة) ولأبوي ذر، والوقت؛ مقعده بالغداة (والعشي) أي: وقتهما. لأن الموتى لا صباح عندهم ولا مساء.
١٣٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
[الحديث ١٣٧٩ - طرفاه في: ٣٢٤٠، ٦٥١٥].
وبالسند قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب (زضي الله عنهما، أن رسول الله، ﷺ ، قال):
(إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي) أي: فيهما، ويحتمل أن يحيا منه جزء ليدرك ذلك، وتصح مخاطبته والعرض عليه أو العرض على الروح فقط، لكن ظاهر الحديث الأول؛ وهل العرض مرة واحدة بالغداة، ومرة أخرى بالعشي فقط؟ أو كل غداة وكل عشي؟ والأول موافق للأحاديث السابقة في سياق المسألة، وعرض المقعدين على كل واحد، (إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة) ظاهره اتحاد الشرط والجزاء، لكنهما متغايران في التقدير، ويحتمل، أن يكون تقديره: فمن مقاعد أهل الجنة. أي: فالمعروض عليه من مقاعد أهل الجنة، فحذف المبتدأ والمضاف المجرور بمن، وأقيم المضاف إليه مقامه. وفي رواية مسلم، بلفظ: إن كان من أهل الجنة فالجنة، وإن كان
من أهل النار فالنار. تقديره: فالمعروض الجنة أو المعروض النار، فاقتصر فيها على حذف المبتدأ، فهي أهل حذفًا. أو المعنى: فإن كان من أهل الجنة فسيبشر بما لا يدرك كنهه، ويفوز بما لا يقدر قدره (وإن كان من أهل النار) زاد أبو ذر: فمن أهل النار. أي: فمقعده من مقاعد
стр. 986
أهلها، يعرض عليه، أو: يعلم، بالعكس مما يبشر به أهل الجنة، لأن هذه المنزلة طليعة تباشير السعادة الكبرى، ومقدمة تباريح الشقاوة العظمى، لأن الشرط والجزاء إذا اتحدا، دل الجزاء على الفخامة، وفي ذلك تنعيم لمن هو من أهل الجنة، وتعذيب لمن هو من أهل النار، بمعاينة ما أعد له، وانتظاره ذلك إلى اليوم الموعود (فيقال) له: (هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة) ولمسلم: حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة. بزيادة لفظة: إليه، لكن حكى ابن عبد البر، أن الأكثرين من أصحاب مالك رووه كالبخاري وابن القاسم، كرواية مسلم.
نعم، روى النسائي رواية ابن القاسم كلفظ البخاري، واختلف في الضمير: هل يعود على المقعد أي: هذا مقعدك تستقر فيه حتى تبعث إلى مثله من الجنة أو النار؟ ولمسلم، من طريق الزهري، عن سالم، عن أبيه، ثم يقال: هذا مقعدك الذي تبعث إليه يوم القيامة: أو الضمير يرجع إلى الله تعالى، أي: إلى لقاء الله تعالى، أو إلى المحشر أي: هذا الآن مقعدك إلى يوم المحشر، فيرى عند ذلك كرامة أو هوانًا ينسى عنده هذا المقعد، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٨] قال الزمخشري، أي إنك مذموم مدعوّ عليك باللعنة في السماوات والأرض إلى يوم الدين، فإذا جاء ذلك اليوم عذبت بما تنسى اللعن منه.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في: صفة النار، والنسائي في: الجنائز.
٩١ - باب كَلَامِ الْمَيِّتِ عَلَى الْجَنَازَةِ
(باب كلام الميت) بعد حمله (على الجنازة) أي: النعش.
١٣٨٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ قَدِّمُونِي، قَدِّمُونِي. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَىْءٍ إِلاَّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصَعِقَ».
وبالسند قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن سعيد بن أبي سعيد) بكسر العين فيهما (عن أبيه) أبي سعيد (أنه سمع أبا سعيد الخدري، ﵁. يقول: قال رسول الله ﷺ ¬):
(إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت) أي الجنازة (صالحة قالت: قدّموني قدّموني) مرتين (وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها! أين يذهبون بها؟) بالمثناة التحتية في:
يذهبون، وأضاف الويل إلى ضمير الغائب حملاً على المعنى، وعدل عن حكاية قول الجنازة: يا ويلي، كراهية أن يضيف الويل إلى نفسه. ومعنى النداء فيه: يا حزني، يا هلاكي، يا عذابي أحضر فهذا وقتك وأوانك. وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، وأسند الفعل إلى الجنازة، وأراد الميت، والكلام كما قال ابن بطال: من الروح، وروي مرفوعًا: إن الميت ليعرف من يحمله، ومن يغسله ومن يدليه في قبره، وعن مجاهد: إذا مات الميت فما من شيء إلا وهو يراه عند غسله، وعند حمله، حتى يصير إلى قبره (يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق) أي: لمات.
ومناسبة هذه الترجمة لسابقتها من جهة عرض مقعد الميت عليه، فكأن ابتداءه يكون عند حمل الجنازة، لأنه حينئذٍ يظهر للميت ما يؤول إليه حاله، فعند ذلك يقول: قدّموني قدموني، أو: يا ويلها أين يذهبون بها؟
٩١ - باب مَا قِيلَ فِي أَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ كَانَ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ».
(باب ما قيل في أولاد المسلمين) غير البالغين (قال) ولأبوي: ذر، والوقت: وقال (أبو هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ ¬):
(من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كان له حجابًا من النار) كان بالإفراد، واسمها ضمير يعود على الموت المفهوم مما سبق، أي: كان موتهم له حجابًا، ولأبي ذر، عن الكشميهني: كانوا له حجابًا من النار (أو دخل الجنة). وإذا كانوا سببًا في حجب النار عن الأبوين ودخولهما الجنة، فأولى أن يحجبوا هم عنها، ويدخلوا الجنة. فذلك معلوم من فحوى الخطاب.
وهذا الحديث قال الحافظ ابن حجر: لم أره موصولاً من حديث أبي هريرة على هذا الوجه، لكن عند أحمد عنه مرفوعًا: "ما من مسلمَيْنِ يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما الله وإياهم، بفضل رحمته، الجنة.
ولمسلم عنه أيضًا: أن النبي ﷺ قال لامرأة: دفنت ثلاثة من الولد؟ قالت: نعم. قال: لقد احتظرت بحظار شديد من النار.
١٣٨١ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ».
وبالسند قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) بن كثير الدورقي، قال: (حدّثنا ابن علية) بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد المثناة التحتية، إسماعيل بن إبراهيم البصري، وعلية أمه، قال: (حدّثنا عبد العزيز بن صهيب،
стр. 987
عن أنس بن مالك، ﵁، قال: قال رسول الله، ﷺ ¬):
(ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة لم) ولغير أبي ذر، وابن عساكر: ثلاثة من الولد لم (يبلغوا الحنث، إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم). استدلّ بتعليله ﵊، دخول الآباء الجنة برحمته الأولاد، وشفاعتهم في آبائهم، على أولاد المسلمين في الجنة. وبه قطع الجمهور، وشذت الجبرية، فجعلوهم تحت المشيئة، وهذه السنة تردّ عليهم، وأجمع عليه من يعتدّ به.
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في زيادات السند، عن عليّ، مرفوعًا: إن المسلمين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار. ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ [الطور: ٢١] الآية. وهذا أصح ما ورد في تفسير هذه الآية، وبه جزم ابن عباس. ويستحيل أن يكون الله تعالى يغفر لآبائهم بفضل رحمته إياهم وهم غير مرحومين.
وأما حديث عائشة، ﵂، عند مسلم: توفي صبي من الأنصار، فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء، ولم يدركه. فقال النبي ﷺ ، أو غير ذلك يا عائشة، إن الله تعالى خلق للجنة أهلاً خلقهم لها، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم. فالجواب عنه من وجهين.
أحدهما: أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع على ذلك، كما أنكر على سعد بن أبي وقاص في قوله: إني لأراه مؤمنا. فقال: أو مسلمًا … الحديث.
الثاني: أنه، ﵊، لعله لم يكن حينئذٍ اطلع على أنهم في الجنة، ثم أعلم بعد ذلك.
ومحل الخلاف في غير أولاد الأنبياء، أما أولاد الأنبياء، فقال المازري: الإجماع متحقق على أنهم في الجنة.
١٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاءَ ﵁ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ».
[الحديث ١٣٨٢ - طرفاه في: ٣٢٥٥، ٦١٩٥].
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي، قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عدي بن ثابت) الأنصاري الكوفي التابعي، المشهور. وثقه أحمد، والنسائي، والعجلي، والدارقطني إلا أنه كان يغلو في التشيع، لكن احتج به الجماعة، ولم يخرج له في الصحيح شيئًا مما يقوي بدعته (أنه سمع البراء) بن عازب (¬﵁، قال):
(لما توفي إبراهيم) ابن رسول الله ﷺ ﵇، قال رسول الله ﷺ : إن له مرضعًا في الجنة) بضم الميم، أي: من يتم رضاعه، وعند الإسماعيلي مرضعًا ترضعه في الجنة. قال الخطابي: روي بفتح الميم مصدرًا، أي: رضاعًا، وتحذف الهاء من مرضع إذا كان من شأنها ذلك، وتثبت إذا كان بمعنى تجدد فعلها.
وفي مسند الفريابي: أن خديجة، ﵂، دخل عليها رسول الله ﷺ ، بعد موت القاسم، وهي تبكي، فقالت: يا رسول الله، درت لبينة القاسم، فلو كان عاش حتى يستكمل الرضاعة لهوّن عليّ؟ فقال: إن له مرضعًا في الجنة يستكمل رضاعته، فقالت: لو أعلم ذلك لهوّن علّي، فقال: إن شئت أسمعتك صوته في الجنة. فقالت: بل أصدّق الله ورسوله.
قال السهيلي: وهذا من فقهها، ﵂، كرهت أن تؤمن بهذا الأمر معاينة، فلا يكون لها أجر الإيمان بالغيب، نقله في المصابيح.
٩٣ - باب مَا قِيلَ فِي أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ
(باب ما قيل في أولاد المشركين) غير البالغين.
١٣٨٣ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: "سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: اللَّهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ".
[الحديث ١٣٨٣ - طرفه في: ٦٥٩٧].
وبالسند قال: (حدّثنا حبان) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، ولأبي ذر: حدّثني، بالإفراد، حبان بن موسى المروزي، قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفر بن أبي وحشية (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ﵄، قال):
(سئل رسول الله، ﷺ ، عن أولاد المشركين) لم يعلم ابن حجر اسم السائل، لكن يحتمل أن يكون عائشة، لحديث أحمد وأبي داود، عنها، أنها قالت: قلت: يا رسول الله ذراري المسلمين … الحديث.
وعند عبد الرزاق، بسند ضعيف، عنها أيضًا: أنها قالت: سألت خديجة النبي، ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: هم مع آبائهم. ثم سألته بعد ذلك الحديث. (فقال):
(الله إذ خلقهم) أي: حين خلقهم. قال في المصابيح: وإذ تتعلق بمحذوف، أي: علم ذلك إذ خلقهم. والجملة معترضة بين المبتدأ والخبر، ولا يصح تعلقها بأفعل التفضيل لتقدمها عليه، وقد يقال بجوازه مع
стр. 988
التقدم لأنها ظرف فيتسع فيه (أعلم بما كانوا عاملين) أي أنه علم أنهم لا يعلمون ما يقتضي تعذيبهم ضرورة أنهم غير مكلفين، وقال ابن قتيبة: أي لو أبقاهم فلا تحكموا عليهم بشيء. وقال غيره: قال ذلك قبل أن يعلم أنهم من أهل الجنة، وهذا يشعر بالتوقف.
وقد روى أحمد هذا الحديث من طريق عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، قال: كنت أقول
في أولاد المشركين هم منهم، حتى حدثني رجل عن رجل من أصحاب النبي ﷺ فلقيته، فحدثني عن النبي ﷺ أنه قال: ربهم أعلم بهم، هو خلقهم، وهو أعلم بما كانوا عاملين. فأمسكت عن قولي.
قال في الفتح: فبين أن ابن عباس لم يسمع هذا الحديث من النبي ﷺ .
وفي سند حديث ال باب: التحديث الإخبار والعنعنة، وفيه: مروزيان وواسطيان وكوفي، وأخرجه أيضًا في: القدر، وكذا مسلم، وأبو داود، والنسائي.
١٣٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: "سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ".
[الحديث ١٣٨٤ - طرفاه في: ٦٥٩٨، ٦٦٠٠].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع، قال: (أخبرنا شعيب) هو: ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (عطاء بن يزيد الليثي) بالمثلثة (أنه سمع أبا هريرة، ﵁ يقول):
(سئل رسول الله ﷺ ، عن ذراري المشركين) بالذال المعجمة، وتشديد المثناة التحتية، جمع: ذرية، أي: أولادهم الذين لم يبلغوا الحلم (فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين). وقد احتج بقوله: الله أعلم بما كانوا عاملين، بعض من قال إنهم في مشيئة الله.
ونقل عن ابن المبارك وإسحاق ونقله البيهقي في الاعتقاد، عن الشافعي. قال ابن عبد البر: وهو مقتضى صنيع مالك، وليس عنه في هذه المسألة شيء مخصوص، إلا أن أصحابه صرحوا بأن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار خاصة في المشيئة. قال: والحجة فيه حديث: الله أعلم بما كانوا عاملين. وروى أحمد، من حديث عائشة: سألت رسول الله ﷺ ، عن ولدان المسلمين؟ قال: في الجنة، وعن أولاد المشركين؟ قال في النار. فقلت يا رسول الله لم يدركوا الأعمال! قال: ربك أعلم بما كانوا عاملين، لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار. لكنه حديث ضعيف جدًّا لأن في إسناده أبا عقيل مولى بهية، وهو متروك.
١٣٨٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ، هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ»؟
وبه قال (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن (عن) ابن شهاب (الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(كل مولود) من بني آدم (يولد على الفطرة) الإسلامية (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة) بفتح الميم والمثلثة (تنتج) بضم أوله وفتح ثالثه، مبنيًّا للمفعول أي: تلد (البهيمة) سليمة (هل ترى فيها جدعاء؟) بفتح الجيم وإسكان الدال المهملة والمد، مقطوعة الأذن، وإنما يجدعها أهلها.
وفيه إشعار بأن أولاد المشركين في الجنة، فصدر المؤلّف الباب بالحديث الدال على التوقف حيث قال فيه: الله أعلم بما كانوا عاملين. ثم ثنى بهذا الحديث المرجح لكونهم في الجنة، ثم ثلث بالحديث اللاحق، المصرح بذلك، حيث قال فيه: وأما الصبيان حوله فأولاد الناس. وهو عام يشمل أولاد المسلمين وغيرهم.
وقد اختلف في هذه المسألة فقيل: إنهم في مشيئة الله، ونقله البيهقي في الاعتقاد عن الشافعي: في أولاد الكفار خاصة، وليس عن مالك شيء منصوص في ذلك. نعم، صرح أصحابه بأن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار خاصة في المشيئة.
وقيل: إنهم تبع لآبائهم، فأولاد المسلمين في الجنة وأولاد الكفار في النار. وقيل: إنهم في البرزخ بين الجنة والنار لأنهم لم يعملوا حسنات يدخلون بها الجنة، ولا سيئات يدخلون بها النار.
وقيل: إنهم خدم أهل الجنة لحديث أبي داود وغيره، عن أنس، والبزار من حديث سمرة مرفوعًا: أولاد المشركين خدم الجنة. وإسناده ضعيف. وقيل: يصيرون ترابًا. وقيل: إنهم في النار. حكاه عياض عن الإمام أحمد، وغلطه ابن تيمية بأنه قول لبعض أصحابه، ولا يحفظ عن الإمام شيء أصلاً. وقيل: إنهم يمتحنون في الآخرة بأن يرفع الله لهم نارًا فمن دخلها كانت عليه بردًّا وسلامًا. ومن أبى عذب. أخرجه البزار من حديث أنس، وأبي سعيد، وأخرجه الطبراني من حديث معاذ بن جبل، وتعقب بأن الآخرة ليست دار تكليف، فلا عمل
стр. 989
فيها ولا ابتلاء.
وأجيب: بأن ذلك بعد أن يقع الاستقرار في الجنة أو النار، وأما في عرصات القيامة فلا مانع من ذلك، وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] وقيل إنهم في الجنة. قال النووي: وهو الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون لقوله تعالى: ﴿ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] وقيل بالوقف والله أعلم.
باب
(باب) بالتنوين وهو بمنزلة الفصل من الباب السابق، وهو ساقط في رواية: أبي ذر.
١٣٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ قَالَ: فَإِنْ
رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ. فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخَذَا بِيَدِي فَأَخْرَجَانِي إِلَى الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ -قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى إِنَّهُ: كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ يُدْخِلُهُ فِي شِدْقِهِ- حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ. قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ أَوْ صَخْرَةٍ، فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الْحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا، فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ، عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ. فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ، وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا، فَصَعِدَا بِي فِي الشَّجَرَةِ وَأَدْخَلَانِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ. فَقُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ. قَالَا: نَعَمْ، أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَالَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ. وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُو الرِّبَا. وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ ﵇، وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ، وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ. وَالدَّارُ الأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ. وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ. وَأَنَا جِبْرِيلُ، وَهَذَا مِيكَائِيلُ. فَارْفَعْ رَأْسَكَ. فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ، قَالَا: ذَاكَ مَنْزِلُكَ. قُلْتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي. قَالَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمْرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ".
وبالسند قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي، قال: (حدّثنا جرير بن حازم) بالحاء المهملة والزاي المعجمة، قال: (حدّثنا أبو رجاء) بتخفيف الجيم والمد، عمران بن تيم العطاردي (عن سمرة بن جندب، ﵁، قال: كان النبي ﷺ إذا صلّى صلاة) وللحموي والمستملي: صلاته، وفي رواية يزيد بن هارون: إذا صلّى صلاة الغداة (أقبل علينا بوجهه) الكريم (فقال):
(من رأى منكم الليلة رؤيا؟) مقصور غير منصرف، ويكتب بالألف كراهة اجتماع مثلين. (قال: فإن رأى أحد) رؤيا (قصها) عليه (فيقول ما شاء الله، فسألنا يومًا) بفتح اللام، جملة من الفعل والفاعل والمفعول"، و: يومًا، نصب على الظرفية (فقال):
(هل رأى أحد منكم رؤيا؟ قلنا: لا. قال: لكني رأيت الليلة) بالنصب (رجلين) قال الطيبي: وجه الاستدراك أنه كان يحب أن يعبر لهم الرؤيا، فلما قالوا: ما رأينا، كأنه قال: أنتم ما رأيتم شيئًا، لكني رأيت رجلين. وفي حديث علي عند ابن أبي حاتم: رأيت ملكين (أتياني، فأخذا بيدي، فأخرجاني إلى الأرض المقدسة) وللمستملي: إلى أرض مقدسة، وعند أحمد: إلى أرض فضاء، أو: أرض مستوية. وفي حديث علي: فانطلقا بي إلى السماء، (فإذا رجل جالس) بالرفع ويجوز النصب (ورجل قائم بيده) شيء. فسره المؤلّف بقوله: (-قال بعض أصحابنا) أبهمه لنسيان أو غيره، وليس بقادح، لأنه لا يروي إلا عن ثقة مع شرطه المعروف، قال الحافظ ابن حجر: لم أعرف المراد بالبعض المبهم، إلا أن الطبراني أخرجه في المعجم الكبير، عن العباس بن الفضل الأسفاطي (عن موسى) - ابن إسماعيل التبوذكي (كلوب) بفتح الكاف وتشديد اللام (من حديد) له شعب يعلق بها اللحم، ومن، للبيان (يدخله في شدقه) بكسر الشين المعجمة وسكون الدال المهملة، أي: يدخل الرجل القائم الكلوب في جانب فم الرجل الجالس. وهذا سياق رواية أبي ذر، قال الحافظ ابن حجر: وهو سياق مستقيم، ولغيره: ورجل قائم بيده كلوب من حديد، قال بعض أصحابنا عن موسى إنه أي: ذلك الرجل، يدخل ذلك الكلوب، بنصب على المفعولية في شدقه (حتى يبلغ قفاه) بالموحدة وضم اللام، وفي التعبير فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه أي: يقطعه شقًا. وفي حديث علي: فإذا أنا بملك، وأمامه آدمي، وبيد الملك كلوب من حديد، فيضعه في شدقه الأيمن فيشقه (ثم يفعل بشدقه الآخر) بفتح الخاء المعجمة (مثل ذلك) أي: مثل ما فعل بشدقه الأول (ويلتئم شدقه هذا فيعود). وفي التعبير: فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، فيعود ذلك الرجل (فيصنع مثله) قال، ﵊: (قلت) للملكين: (ما هذا) أي ما حال هذا الرجل؟ وللمستملي من هذا؟ أي: من هذا الرجل؟ (قالا) أي: الملكان: (انطلق) مرة واحدة.
(فاْنطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر) بكسر الفاء وسكون الهاء، حجر ملء الكف، والجملة حالية (أو صخرة) على الشك، وفي التعبير: وإذا آخر قائم عليه بصخرة، من غير شك (فيشدخ به) بفتح التحتية وسكون الشين المعجمة، وفتح الدال المهملة وبالخاء المعجمة، من الشدخ، وهو كسر الشيء الأجوف. والضمير للفهر، ولأبي ذر: بها (رأسه) وفي التعبير: وإذا هو يهوي بالصخر لرأسه، فيثلغ رأسه بفتح الياء وسكون المثلثة وفتح اللام وبالغين المعجمة، أي: يشدخ رأسه (فإذا ضربه تدهده الحجر) بفتح الدالين المهملتين بينهما هاء ساكنة على وزن تفعلل من مزيد الرباعي، أي: تدحرج. وفي حديث علي: فمررت على ملك وأمامه آدمي
وبيد الملك صخرة
стр. 990
يضرب بها هامة الآدمي، فيقع رأسه جانبًا، وتقع الصخرة جانبًا (فانطلق إليه) أي: إلى الحجر (ليأخذه) فيصنع به كما صنع (فلا يرجع إلى هذا) الذي شدخ رأسه (حتى يلتئم رأسه) وفي التعبير: حتى يصح رأسه (وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه، قلت) لهما: (من هذا؟ قالا: انطلق) مرة واحدة.
(فانطلقنا إلى ثقب) بفتح المثلثة وسكون القاف، وللكشميهني: نقب بالنون المفتوحة وسكون القاف، وعزا هذه في المطالع للأصيلي، لكنه قال: بالنون وفتح القاف، وقال: هو بمعنى ثقب، بالمثلثة (مثل التنور) بفتح المثناة الفوقية وضم النون المشددتين آخره راء، ما يخبز فيه (أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد) بفتح الياء (تحته) بنصب التاء الثانية أي: تحت التنور (نارًا) بالنصب على التمييز.
وأسند يتوقد إلى ضمير عائد إلى الثقب. كقولك: مررت بامرأة تتضوع من أردانها طيبًا. أي: يتضوع طيبها من أردانها، فكأنه قال: يتوقد ناره تحته. قاله ابن مالك، قال البدر الدماميني: وهو صريح في أن تحته منصوب لا مرفوع، وقال: إنه رآه في نسخة بضم التاء الثانية، وصحح عليها، قال: وكان هذا بناء على أن تحته فاعل يتوقد، ونصوص أهل العربية تأباه. فقد صرحوا بأن فوق وتحت من الظروف المكانية العادمة التصرف. اهـ.
وقال ابن مالك: ويجوز أن يكون فاعل يتوقد موصولاً بتحته، فحذف، وبقيت صلته دالة عليها لوضوح المعنى، والتقدير: يتوقد الذي تحته، أو: ما تحته نارًا وهو مذهب الكوفيين، والأخفش. واستصوبه ابن مالك، ولأبوي ذر، والوقت: يتوقد تحته نار، بالرفع على أنه فاعل يتوقد.
(فإذا اقترب) بالموحدة آخره، من القرب أي: إذا اقترب الوقود أو الحر الدال عليه قوله: يتوقد. وللكشميهني: فإذا اقترنت بهمزة قطع فقاف فمثناتين فوقيتين بينهما راء، من: القترة أي: التهبت وارتفع نارها، لأن القتر الغبار. وفي رواية ابن السكن والقابسي وعبدوس: فترت، بفاء ومثناة فوقية مفتوحتين وتاء ساكنة بينهما راء، وهو الانكسار والضعف. واستشكل، لأن بعده: فإذا خمدت رجعوا، أو معنى الفتور والخمود واحد، وعند الحميدي، مما عزاه له في شرح المشارق: فإذا ارتقت، من الارتقاء وهو الصعود، قال الطيبي: وهو الصحيح دراية ورواية. كذا قال، وعند أحمد: فإذا أوقدت.
(ارتفعوا) بجواب إذا، والضمير فيه يرجع إلى الناس لدلالة سياق الكلام عليه، (حتى كاد أن يخرجوا) أن: مصدرية، والخبر محذوف، أي: كاد خروجهم يتحقق ولأبوي ذر، والوقت: كادوا يخرجون (فإذا خمدت) بفتح الخاء والميم، أي: سكن لعبها ولم يطفأ حرها (رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة، فقلت) لهما: (من هذا؟) ولأبي الوقت، من غير اليونينية: ما هذا (قالا: انطلق).
(فانطلقنا) ولفظة: فانطلقنا ساقطة عند أبي ذر (حتى أتينا على نهر) بفتح الهاء وسكونها (من دم) وفي التعبير: فأتينا على نهر، حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم (فيه رجل قائم على) ولأبي الوقت: وعلى (وسط النهر رجل) بفتح السين وسكونها، ولأبي ذر، قال يزيد، أي: ابن هارون مما وصله أحمد عنه، ووهب بن جرير مما وصله أبو عوانة في صحيحه، من طريقه، عن جرير بن حازم؛ وعلى شط النهر رجل، بشين معجمة وتشديد الظاء (بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج) من النهر (رمى الرجل) الذي بين يديه الحجارة (بحجر في فيه) أي: في فمه (فرده حيث كان) من النهر (فجعل كلما جاء ليخرج) من النهر (رمى في فيه بحجر، فيرجع كما كان) فيه. كما قال ابن مالك في التوضيح: وقوع خبر جعل التي هي من أفعال المقاربة جملة فعلية مصدرية بكلما، والأصل فيه: أن يكون فعلاً مضارعًا، تقول: جعلت أفعل كذا. هذا هو الاستعمال المطرد، وما جاء بخلافه فهو منبه على أصل متروك، وذلك أن سائر أفعال المقاربة مثل كان في الدخول على مبتدأ وخبر، فالأصل أن يكون خبرها كخبر كان في وقوعه مفردًّا وجملة اسمية، وفعلية، وظرفًا. فترك الأصل والتزم أن يكون الخبر مضارعًا، ثم نبه على الأصل شذوذًا في مواضع (فقلت ما هذا؟ قالا: انطلق).
(فانطلقنا) ولفظة: فانطلقنا، ساقطة عند أبي
стр. 991
ذر (حتى انتهينا إلى روضة خضراء، فيها شجرة عظيمة) زاد في التعبير: فيها من كل لون الربيع (وفي أصلها شيخ وصبيان) وفي التعبير: فإذا بين ظهراني الروضة رجل طويل لا أكاد أرى طولاً في السماء، وإذا حوله من أكثر ولدان رأيتهم قط (وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها) في التعبير: فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه المرآة، كأكره ما أنت راء رجلاً مرآة، وإذا عنده نار يحشها ويسعى حولها (فصعدا بي) بالموحدة "وكسر العين (في الشجرة) التي هي، في الروضة الخضراء (وأدخلاني) بالنون (دارًا لم أر قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب) ولأبي الوقت من غير اليونينية: وشبان، بنون آخره بدل الموحدة وتشديد السابقة (ونساء وصبيان، ثم أخرجاني منها) أي: من الدار (فصعدا بي الشجرة) أيضًا (فأدخلاني) بالفاء، ولابن عساكر، وأدخلاني (دارًا هي أحسن وأفضل) من الأولى (فيها شيوخ وشباب) ولأبي الوقت، من غير اليونينية: وشبان (فقلت) لهما (طوفتماني الليلة) بطاء مفتوحة وواو مشددة ونون قبل الياء، ولأبي الوقت: طوّفتما بي بالموحدة بدل النون (فأخبراني) بكسر الموحدة (عما رأيت؟ قال لا: نعم) نخبرك.
(أما الذي رأيته يشق شدقه)، بضم الياء وفتح الشين مبنيًّا للمفعول، وشدقه بالرفع مفعول ناب عن فاعله (فكذاب يحدث بالكذبة) بفتح الكاف ويجوز كسرها، قال في القاموس: كذب يكذب كذبًا وكذبًا وكذبة وكذبة (فتحمل عنه حتى يبلغ الآفاق) بتخفيف ميم تحمل، و: الفاء، في قوله: فكذاب جواب أما لكن الأغلب في الموصول الذي تدخل الفاء في خبره أن يكون عامًا مثل: من، الشرطية. وصلته مستقبلة، وقد يكون خاصًّا وصلته ماضية، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا
أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦] وكما في هذا الحديث نحو: الذي يأتيني فمكرم، فلو كان المقصود: بالذي معينًا، امتنع دخول الفاء على الخبر، كما يمتنع دخولها على أخبار المبتدءات المقصود بها التعيين، نحو: زيد فمكرم، فمكرم، لم يجز فكذا لا يجوز الذي يأتيني إذا قصدت به معينًا. لكن الذي يأتيني عند قصد التعيين شبيه في اللفظ بالذي يأتيني عند قصد العموم، فجاز دخول الفاء حملاً للشبيه على الشبيه، ونظيره قوله تعالى: ﴿وما أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ الله﴾ [آل عمران: ١٦٦] فإن مدلول: ما، معين ومدلول: أصابكم، ماض. إلا أنه روعي فيه الشبه اللفظي، فشبه هذه الآية بقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] فأجرى: ما، في مصاحبة الفاء مجرى واحد. قاله ابن مالك. قال الطيبي في شرح مشكاته: هذا كلام متين. لكن جواب الملكين تفصيل لتلك الرؤيا المتعددة المبهمة، فلا بد من ذكر كلمة التفصيل، كما في البخاري أو تقديرها، أي: فالفاء جواب أما (فيصنع به ما رأيت) من شق شدقه (إلى يوم القيامة) لما ينشأ عن تلك الكذبة من المفاسد.
(و) أما (الذي رأيته يشدخ رأسه) بضم الياء وفتح الدال من: يشدخ مبنيًّا للمفعول، ورأسه نائب عن الفاعل (فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل) أي: أعرض عن تلاوته (ولم يعمل فيه بالنهار) ظاهره أنه يعذب على ترك تلاوة القرآن بالليل، لكن يحتمل أن يكون التعذيب على مجموع الأمرين: ترك القراءة وترك العمل. (يفعل به) ما رأيت من الشدخ (إلى يوم القيامة) لأن الإعراض عن القرآن بعد حفظه جناية عظيمة، لأنه يوهم أنه رأى فيه ما يوجب الإعراض عنه، فلما أعرض عن أفضل الأشياء عوقب في أشرف أعضائه وهو الرأس.
(و) أما الفريق (الذي رأيته في الثقب) بفتح المثلثة، ولأبي الوقت: في النقب (فهم الزناة) وإنما قدر بقوله: وأما الفريق، لأنه قد يستشكل الأخبار عن الذي بقوله: هم الزناة، لا سيما والعائد على الذي من قوله والذي رأيته لا يخفى مفردًا، فروعي اللفظ تارة، والمعنى أخرى. قاله في المصابيح.
(و) الفريق (الذي رأيته في النهر أكلو الربا، والشيخ) الكائن (في أصل الشجرة إبراهيم) الخليل ﵇ وقدر بالكائن لأن الظاهر كون الظرف، أعني: في الشجرة صفة للشيخ، فيقدر عامله اسمًا معرفًا لذلك رعاية لجانب المعنى، وإن كان المشهور تقديره فعلاً أو اسمًا منكرًا. لكن ذلك إنما
стр. 992
هو حيث لا مقتضى للعدول عن التنكير، والمقتضى هنا قائم، إذ لا يجوز أن يكون ظرفًا لغوًا معمولاً للشيخ إذ لا معنى له أصلاً، ولا أن يكون ظرفًا مستقرًا حالاً من الشيخ إذ الصحيح امتناع وقوع الحال من المبتدأ. قاله العلامة البدر الدماميني. وحذفت الفاء من قوله: آكلو الربا، ومن قوله: إبراهيم، نظرًا إلى أن أما لما حذفت حذف مقتضاها.
(و) أما (الصبيان) الكائنون (حوله) أي إبراهيم (فأولاد الناس) دخلت الفاء على الخبر لأن الجملة معطوفة على مدخول: أما في قوله: أما الرجل الذي رأيته يشق شدقه. وهذا موضع الترجمة،
فإن الناس في قوله: فأولاد الناس عام، يشمل المؤمنين وغيرهم. وفي التعبير: وأما الولدان حوله فكل مولود مات على الفطرة، قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله فأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين. وهذا ظاهر أنه ﵊ ألحقهم بأولاد المسلمين في حكم الآخرة، ولا يعارضه قوله: هم مع آبائهم، لأن ذلك حكم الدنيا.
(والذي يوقد النار: مالك خازن النار، والدار الأولى التي دخلت) فيها (دار عامة المؤمنين، وأما هذه الدار فدار الشهداء) وهذا يدل على أن منازل الشهادة أرفع المنازل، لكن لا يلزم أن يكونوا أرفع درجة من الخليل ﵊ لاحتمال أن تكون إقامته هناك بسبب كفالته الولدان، ومنزلته في الجنة أعلى من منازل الشهداء بلا ريب، كما أن آدم ﵊ في السماء الدنيا، لكونه يرى نسم بنيه من أهل الخير، ومن أهل الشر، فيضحك ويبكي، مع أن منزلته هو في عليين، فإذا كان يوم القيامة استقر كل منهم في منزلته، واكتفى في دار الشهداء بذكر الشيوخ والشباب، لأن الغالب أن الشهيد لا يكون امرأة ولا صبيًّا.
(وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك. فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب) وفي التعبير: مثل الراية البيضاء (قالا: ذاك) ولأبي ذر: (منزلك) ولأبي ذر: منزلتك (قلت: دعاني) أي: اتركاني (أدخل منزلي) قالا: (إنه بقي لك عمر، لم تستكمله، فلو استكملت) عمرك (أتيت منزلك).
وبقية مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى، في: التعبير، بعون الله وقوته، وفيه: التحديث والعنعنة، وأبو رجاء مخضرم أدرك زمن النبي ﷺ ، وأسلم بعد فتح مكة، لكنه لا رؤية له. وأخرجه المؤلّف هنا تامًّا، وكذا في: التعبير، وأخرجه في: الصلاة قبل الجمعة، وفي التهجد، والبيوع، وبدء الخلق، والجهاد، وفي أحاديث الأنبياء، والتفسير، والأدب أطرافًا منه. ومسلم قطعه منه.
٩٤ - باب مَوْتِ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ
(باب) فضل (موت يوم الاثنين).
١٣٨٧ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ: فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ ؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. وَقَالَ لَهَا: فِي أَىِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: يَوْمَ الاِثْنَيْنِ. قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ: يَوْمُ الاِثْنَيْنِ. قَالَ: أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ. فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ، بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ فَكَفِّنُونِي فِيهَا. قُلْتُ إِنَّ هَذَا خَلَقٌ. قَالَ: إِنَّ الْحَىَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنَ الْمَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ. فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ، وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ".
وبالسند قال: (حدّثنا معلى بن أسد) العمى، أخو بهز بن أسد البصري، (حدّثنا وهيب) بالتصغير ابن خالد البصري (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة، ﵂، قالت دخلت على أبي بكر) الصديق (¬﵁¬) في مرض موته (فقال: في كم) أي: كم ثوبًا (كفنتم النبي ﷺ ¬)؟ فيه: وكم الاستفهامية وإن كان لها صدر الكلام، ولكن الجار كالجزء له، فلا يتصدر عليه. (قالت) عائشة: قلت له: كفناه (في ثلاثة أثواب بيض) بكسر الموحدة، جمع أبيض (سحولية) بفتح السين وبالحاء المهملتين، نسبة إلى سحول، قرية باليمن كما مر (ليس فيها قميص، ولا عمامة. وقال لها) أيضًا، ﵄: (في أي يوم توفي النبي- ﷺ ؟ قالت): توفي (يوم الاثنين) بنصب يوم على الظرفية.
واستفهامه لها عما ذكر قيل توطئة لعائشة للصبر على فقده، لأنه لم تكن خرجت من قلبها الحرقة لموت النبي ﷺ لما في بداءته لها بذلك من إدخال الغم العظيم عليها، إذ يبعد أن يكون أبو بكر ﵁ نسي ما سألها عنه مع قرب العهد.
(قال): أبو بكر الصديق، ﵁، (فأي يوم هذا؟ قالت): هو (يوم الاثنين) برفع: يوم، خبر مبتدأ محذوف (قال: أرجو) أي: أتوقع أن تكون وفاتي (فيما بيني) أي: فيما بين ساعتي هذه (وبين الليل) وللحموي والمستملي: وبين الليلة. (فنظر) وفي
стр. 993
نسخة: ثم نظر (إلى ثوب عليه كان يمرّض فيه) بتشديد الراء (به ردع) بفتح الراء وسكون الدال آخره عين مهملتين، لطخ وأثر (من زعفران) لم يعمه، ولأبي الوقت، من غير اليونينية: ردغ، بالغين المعجمة (فقال: اغسلوا ثوبي هذا) وسقط في بعض النسخ لفظ: هذا (وزيدوا عليه ثوبين) زاد ابن سعد، عن أبي معاوية، عن هشام: جديدين (فكفنوني فيها) أي: في الثلاثة، موافقة للنبي ﷺ ولأبي ذر: فيهما، أي في المزيد والمزيد عليه. قالت عائشة: (قلت: إذ هذا) أي: الثوب الذي كان عليه (خلق) بفتح الخاء واللام أي: غير جديد (قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو) أي: الكفن (للمهلة). قال النووي: بتثليث الميم: القيح والصديد.
(فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء) بالهمزة ممدودًا، ويضم. قاله في القاموس، وهو كذلك بالمد مهموزًا في الفرع (ودفن) من ليلته (قبل أن يصبح).
ووقع عند ابن سعد، من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة، أول بدء مرض أبي بكر: أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة، وكان يومًا باردًا، فحم خمسة عشر يومًا، ومات مساء ليلة الثلاثاء، لثمان بقين من جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة. وترجى الصديق، ﵁، أن يموت يوم الاثنين، لقصد التبرك، وحصول الخير، لكونه ﵊ توفي فيه. فله مزية على غيره من الأيام بهذا الاعتبار.
وقد ورد، في فضل الموت يوم الجمعة، حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: ما من مسلم
يموت يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة، إلا وقاه الله فتنة القبر. رواه الترمذي، وفي إسناده ضعف، فلذا لم يخرجه المؤلّف، وعدل عنه إلى ما وافق شرطه وصح لديه، أحسن الله إليه برحمته عليه.
٩٥ - باب مَوْتِ الْفَجْأَةِ الْبَغْتَةِ
(باب موت الفجأة) بفتح الفاء وسكون الجيم وبالهمزة، من غير مد، كذا في الفرع. وروي: الفجاءة بضم الفاء وبعد الجيم مد ثم همزة: الموت من غير سبب مرض (البغتة) بالجر بدل من الفجأة، ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: هي البغتة. وللكشميهني: بغتة بالتنكير.
١٣٨٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبَرَنِي هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ".
[الحديث ١٣٨٨ - طرفه في: ٢٧٦٠].
وبالسند قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو: سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم، قال: (حدّثنا محمد بن جعفر) هو: ابن أبي كثير المدني (قال: أخبرني) بالإفراد (هشام) وفي نسخة: هشام بن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير، ولأبي ذر: عن عروة بدل قوله: عن أبيه (عن عائشة ﵂¬).
(أن رجلاً) هو سعد بن عبادة (قال للنبي، ﷺ : إن أمي) عمرة (افتلتت) بضم المثناة الفوقية وكسر اللام مبنيًّا للمفعول، أي: ماتت فلتة، أي: فجأة (نفسها) بالرفع نائب عن الفاعل، وبالنصب على أنه المفعول الثاني بإسقاط حرف الجر، والأول مضمر وهو القائم مقام الفاعل، أو يضمن: افتلتت، معنى: سلبت فيكون نفسها مفعولاً ثانيًا لا على إسقاط الجار. أو: بالنصب على التمييز، وكانت وفاتها سنة خمس من الهجرة، فيما ذكره ابن عبد البر. (وأظنها لو تكلمت تصدقت. فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟) بكسر همزة إن لأنها شرطية، قال الزركشي: وهي الرواية الصحيحة، ولا يصح قول من فتحها، لأنه إنما سأل عما لم يفعل. لكن قال البدر الدماميني: إن ثبتت لنا رواية بفتح الهمزة من: إن أمكن تخريجها على مذهب الكوفيين في صحة مجيء أن المفتوحة الهمزة شرطية كإن المكسورة، ورجحه ابن هشام، والمعنى حينئذ صحيح بلا شك. (قال) ﵊:
(نعم) لها أجر إن تصدقت عنها. وأشار المؤلّف بهذا إلى أن موت الفجأة ليس بمكروه، لأنه ﵊ لم يظهر منه كراهة لما أخبره الرجل بأن أمه افتلتت نفسها.
ونبه بذلك على أن معاني الأحاديث التي وردت في الاستعاذة من موت الفجأة، كحديث أبي داود بإسناد رجاله ثقات، لكن راويه رفعه مرة، ووقفه أخرى: موت الفجأة أخذة أسف، وأنه لا يوأس من صاحبها، ولا يخرج بها عن حكم الإسلام ورجاء الثواب، وإن كان مستعاذًا منها، لما
يفوت بها من خير الوصية، والاستعداد للمعاد بالتوبة، وغيرها من الأعمال الصالحة، وفي مصنف ابن أبي شيبة، عن عائشة، وابن مسعود: موت الفجأة راحة للمؤمن، وأسف على
стр. 994
الفاجر. ونقل النووي عن بعض القدماء: أن جماعة من الأنبياء والصلحاء ماتوا، كذلك قال النووي، وهو محبوب للمراقبين.
ورواة هذا الحديث مدنيون إلا شيخ المؤلّف فبصري، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول.
٩٦ - باب مَا جَاءَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾. أَقْبَرْتُ الرَّجُلَ: إِذَا جَعَلْتَ لَهُ قَبْرًا. وَقَبَرْتُهُ: دَفَنْتُهُ ﴿كِفَاتًا﴾ يَكُونُونَ فِيهَا أَحْيَاءً، وَيُدْفَنُونَ فِيهَا أَمْوَاتًا
(باب ما جاء في) صفة (قبر النبي ﷺ ¬) صفة قبر (أبي بكر) الصديق (و) صفة قبر (عمر) بن الخطاب (¬﵄¬)، من التسنيم، وغيره.
(﴿فأقبره﴾) [عبس: ٢١] ولأبي ذر: قول الله : ﴿فأقبره﴾ مبتدأ أو خبره ومراده قوله تعالى: ﴿ثم أماته فأقبره﴾ [عبس: ٢١] (أقبرت الرجل) من الثلاثي المزيد من باب الإفعال، زاد أبوا ذر، والوقت: أقبره (إذا جعلت له قبرًا، وقبرته) من الثلاثي المجرد (دفنته) تكرمة له وصيانة عن السباع. وقوله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض (كفاتًا)﴾ [المرسلات: ٢٥] أي: كافته اسم لما تضمه (يكونون فيها ﴿أحياء﴾ ويدفنون فيها ﴿أمواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦].
١٣٨٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ هِشَامٍ ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَتَعَذَّرُ فِي مَرَضِهِ: أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ، أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللَّهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَدُفِنَ فِي بَيْتِي".
وبالسند قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس عبد الله ابن أخت الإمام مالك بن أنس، قال: (حدّثني) بالإفراد (سليمان) بن بلال (عن هشام) هو ابن عروة (ح).
(وحدّثني) بالإفراد (محمد بن حرب) النشائي، بالشين المعجمة، قال: (حدّثنا أبو مروان يحيى بن أبي زكريا) الغساني (عن هشام عن) أبيه (عروة) بن الزبير بن العوام (عن عائشة) ﵂ (قالت):
(إن كان رسول الله، ﷺ ، ليتعذر في مرضه) بالغين المهملة والذال المعجمة، أي: يطلب العذر فيما يحاوله من الانتقال إلى بيت عائشة، وعند القابسي: يتقدر، بالقاف والدال المهملة. أي: يسأل
عن قدر ما بقي إلى يومها، ليهوّن عليه بعض ما يجد، لأن المريض يجد عند بعض أهله ما لا يجده عند بعض من الأنس والسكون.
(أين أنا اليوم؟) أي: لمن النوبة (أين أنا غدًا؟) أي: لمن النوبة غدًا، أي: أي امرأة أكون غدًا عندها (استبطاء ليوم عائشة) اشتياقًا إليها وإلى يومها.
قالت عائشة: (فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري) بفتح أولهما وسكون ثانيهما، تريد: بين جنبي وصدري، والسحر: الرئة، فأطلقت على الجنب مجازًا من باب تسمية المحل باسم الحال فيه، والنحر الصدر: (ودفن في بيتي) وهذا هو المقصود من الحديث، وقولها: فلما كان يومي قبضه الله، تعني: لو روعي الحساب كانت وفاته واقعة في نوبتي المعهودة قبل الاذن.
١٣٩٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ هِلَالٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ. لَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ -أَوْ خُشِيَ- أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا".
وَعَنْ هِلَالٍ قَالَ: كَنَّانِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يُولَدْ لِي.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري، قال: (حدّثنا أبو عوانة) بفتح العين الوضاح (عن هلال) هو: ابن حميد الجهني، زاد أبو ذر، والوقت: هو الوزان (عن عروة) بن الزبير بن العوام (عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله، ﷺ ، في مرضه الذي لم يقم منه): ولابن عساكر: لم يقم فيه.
(لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنببائهم مساجد) في بعض الطرق الاقتصار على لعن اليهود وحينئذ فقوله: قبور أنبيائهم مساجد واضح، فإن النصارى لا يقولون بنبوّة عيسى، بل البنوّة أو الإلهية، أو غير ذلك على اختلاف مللهم الباطلة، بل ولا يزعمون موته، حتى يكون له قبر، وعلى هذا فيشكل قوله اليهود والنصارى. وتعقيبه بقوله: اتخذوا.
وأجيب: بأما أن يكون الضمير يعود على اليهود فقط، بدليل الرواية الأخرى، وأما بأن المراد من أمر بالإيمان بهم من الأنبياء السابقين: كنوح وإبراهيم.
قالت عائشة: (لولا ذلك أبرز قبره) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، وقبره بالرفع نائب الفاعل، ولأبي ذر: أبرز قبره بفتح الهمزة (غير أنه خشي) ﵊ (-أو خشي-) بضم الخاء مبنيًّا للمفعول والفاعل الصحابة، أو عائشة (أن يتخذ) بضم أوله وفتح ثالثه: قبره (مسجدًا).
(و) بالإسناد المذكور (عن هلال) الوزان (قال كناني عروة بن الزبير و) الحال أنه (لم يولد لي) ولد لأن الغالب أن الإنسان لا يكنى إلا باسم أول أولاده، ونبه المؤلّف بذلك على لقي هلال لعروة، واختلف في كنية هلال والمشهور أبو عمرة.
١٣٩٠ م - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا.
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدّثني (محمد بن مقاتل) المروزي، المجاور بمكة، قال (أخبرنا عبد الله) بن المبارك، قال: (أخبرنا أبو بكر بن عياش) بالمثناة التحتة والشين المعجمة (عن سفيان) بن دينار على الصحيح (التمار) بالمثناة الفوقية، من كبار التابعين،
стр. 995
لكنه لم يعرف له رواية عن صحابي.
(أنه حدثه أنه رأى قبر النبي، ﷺ ، مسنمًا) بضم الميم وتشديد النون المفتوحة. أي: مرتفعًا: زاد أبو نعيم في مستخرجه: وقبر أبي بكر، وعمر كذلك. واستدلّ به على أن المستحب تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، والمزني وكثير من الشافعية.
وقال أكثر الشافعية، ونص عليه الشافعي: التسطيح أفضل من التسنيم، لأنه ﷺ سطح قبر إبراهيم، وفعله حجة لا فعل غيره، وقول سفيان التمار لا حجة فيه، كما قال البيهقي: لاحتمال أن قبره ﷺ ، وقبري صاحبيه، لم تكن في الأزمنة الماضية مسلمة.
وقد روى أبو داود بإسناد صحيح، أن القاسم بن محمد بن أبي بكر، قال: دخلت على عائشة فقلت لها: اكشفي لي عن قبر النبي ﷺ وصاحبيه. فكشفت عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء، أي: لا مرتفعة كثيرًا، ولا لاصقة بالأرض. كما بينه في آخر الحديث. يقال لطئ بكسر الطاء، ولطأ بفتحها، أي: لصق. ولا يؤثر في أفضلية التسطيح كونه صار شعارًا للروافض، لأن السنة لا تترك بموافقة أهل البدع فيها، ولا يخالف ذلك قول علي، ﵁: أمرني رسول الله ﷺ أن لا أدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، لأنه لم يرد تسويته بالأرض، وإنما أراد تسطيحه جمعًا بين الأخبار. نقله في المجموع عن الأصحاب.
١٣٩١ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ حَدَّثَنَا عَلِيٌّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمُ الْحَائِطُ فِي زَمَانِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخَذُوا فِي بِنَائِهِ، فَبَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ. فَفَزِعُوا وَظَنُّوا أَنَّهَا قَدَمُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لَهُمْ عُرْوَةُ: لَا وَاللَّهِ، مَا هِيَ قَدَمُ النَّبِيِّ ﷺ ، مَا هِيَ إِلاَّ قَدَمُ عُمَرَ ﵁.
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبوي: ذر، والوقت، حدّثني (فروة) بفتح الفاء وسكون الراء: ابن أبي المغراء، بفتح الميم وسكون الغين المعجمة آخره راء، يمد ويقصر، قال: (حدّثنا علي) ولأبي ذر: علي بن مسهر، بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير، قال:
(لما سقط عليهم) ولأبي ذر، عن الحموي والكشميهني: عنهم (الحائط) أي: حائط حجر
عائشة، ﵂، (في زمان) إمرة (الوليد بن عبد الملك) بن مروان، حين أمر عمر بن عبد العزيز برفع القبر الشريف، حتى لا يصلّي إليه أحد، إذان الناس يصلون إليه (أخذوا في بنائه فبدت) أي: ظهرت (لهم قدم) بساق وركبة، كما رواه: أبو بكر الآجري، من طريق شعيب بن إسحاق، عن هشام: في القبر لا خارجه (ففزعوا، وظنوا أنها قدم النبي ﷺ ¬)، وفي رواية أخرى: ففزع عمر بن عبد العزيز. (فما وجدوا أحدًا يعلم ذلك، حتى قال لهم عروة: لا والله ما هي قدم النبي ﷺ ما هي إلا قدم عمر، ﵁¬). وعند الآجري: هذا ساق عمر وركبته، فسري عن عمر بن عبد العزيز.
١٣٩١ م - وَعَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا أَوْصَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ﵄: لَا تَدْفِنِّي مَعَهُمْ، وَادْفِنِّي مَعَ صَوَاحِبِي بِالْبَقِيعِ، لَا أُزَكَّى بِهِ أَبَدًا.
[الحديث ١٣٩١ - طرفه في: ٧٤٢٧].
(وعن هشام، عن) عروة بن الزبير، بالسند المذكور، وأخرجه المؤلّف في: الاعتصام وجه آخر، عن هشام، (عن أبيه عن عائشة، ﵂¬).
(أنها أوصت) ابن أختها أسماء (عبد الله بن الزبير) ﵄: (لا تدفني معهم) مع: النبي ﷺ وصاحبيه (وادفني مع صواحبي) أمهات المؤمنين (بالبقيع) زاد الإسماعيلي، من طريق عبدة، عن هشام: وكان في بيتها موضع قبرها. (لا أزكى) بضم الهمزة وفتح الزاي والكاف، مبنيًّا للمفعول، أي: لا يُثنى علي (به) أي: بسبب الدفن معهم (أبدًا) حتى يكونا لي بذلك مزية وفضل، وأنا في نفس الأمر يحتمل أن لا أكون كذلك.
وهذا الحديث من قوله: وعن هشام إلى آخر قوله: أبدًا، ضبب عليه في اليونينية، وثبت في غيرها.
١٣٩٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ فَقُلْ: يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلَامَ، ثُمَّ سَلْهَا أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَىَّ. قَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، فَلأُوثِرَنَّهُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي. فَلَمَّا أَقْبَلَ قَالَ لَهُ: مَا لَدَيْكَ؟ قَالَ: أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: مَا كَانَ شَىْءٌ أَهَمَّ إِلَىَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَضْجَعِ، فَإِذَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي، ثُمَّ سَلِّمُوا، ثُمَّ قُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَادْفِنُونِي، وَإِلاَّ فَرُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، إِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَمَنِ اسْتَخْلَفُوا بَعْدِي فَهُوَ الْخَلِيفَةُ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا. فَسَمَّى عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ. وَوَلَجَ عَلَيْهِ شَابٌّ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ
الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ: كَانَ لَكَ مِنَ الْقَدَمِ فِي الإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، ثُمَّ اسْتُخْلِفْتَ فَعَدَلْتَ، ثُمَّ الشَّهَادَةُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ. فَقَالَ: لَيْتَنِي يَا ابْنَ أَخِي وَذَلِكَ كَفَافًا لَا عَلَىَّ وَلَا لِي. أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيْرًا، أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ. وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْرًا، الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ. وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَأَنْ لَا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ".
[الحديث ١٣٩٢ - أطرافه في: ٣٠٥٢، ٣١٦٢، ٣٧٠٠، ٤٨٨٨، ٧٢٠٧].
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد، قال: (حدّثنا جرير بن عبد الحميد) بن قرط، بضم القاف وسكون الراء آخره طاء مهملة، الضبي الكوفي، نزيل الريّ قال: (حدّثنا حصين بن عبد الرحمن) السلمي (عن عمرو بن ميمون) بفتح العين (الأودي) بفتح الهمزة وسكون الواو وبالدال المهملة (قال: أرأيت عمر بن الخطاب، ﵁، قال:) لابنه، بعد أن طعنه أبو لؤلؤة العلج، بالسكين، الطعنة التي مات بها (يا عبد الله بن عمر، اْذهب إلى أم المؤمنين عائشة، ﵂، فقل: يقرأ عمر بن الخطاب عليك السلام، ثم سلها أن أدفن مع صاحبيَّ) بفتح الموحدة وتشديد الياء، مع النبي ﷺ ، وأبي بكر، ﵁، زاد في مناقب عثمان: فسلم
стр. 996
واستأذن ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه (قالت: كنت أريده) أي: الدفن معهما (لنفسي).
فإن قلت قولها: كنت أريده لنفسي يدل على أنه لم يبق إلا ما يسع موضع قبر واحد، فهو يغاير قولها السابق لابن الزبير: لا تدفني معهم، فإنه بقي من الحجرة موضع للدفن.
أجيب: بأنها كانت أولاً تظن أنها كانت لا تسع إلا قبرًا واحدًا، فلما دفن ظهر لها أن هناك وسعًا لقبر آخر.
(فَلأُوثِرَنَّهُ) بالثاء المثلثة أي فلأختاره (اليوم) بالنصب على الظرفية (على نفسي). فإن قيل: قد ورد أن الحظوظ الدينية لا إيثار فيها، كالصف الأول ونحوه، فكيف آثرت عائشة، ﵂؟
أجاب ابن المنير: بأن الحظوظ المستحقة بالسوابق ينبغي فيها إيثار أهل الفضل، فلما علمت عائشة فضل عمر آثرته كما ينبغي لصاحب المنزل إذا كان مفضولاً أن يؤثر بفضل الإمامة من هو أفضل منه إذا حضر منزله، وإن كان الحق لصاحب المنزل. اهـ.
(فلما أقبل) زاد في المناقب، قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه (قال له: ما لديك) أي: ما عندك من الخبر (قال: أذنت لك) بالدفن مع صاحبيك (يا أمير المؤمنين. قال) زاد في المناقب: الحمد لله (ما كان شيء أهم إلي من ذلك المضجع) بفتح الجيم وكسرها في اليونينية (فإذا قبضت) بضم القاف مبنيًّا للمفعول (فاحملوني، ثم سلموا، ثم قل) يا ابن
عمر: (يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فاْدفنوني) بهمزة وصل وكسر الفاء (وإلا) أي: وإن لم تأذن (فردوني إلى مقابر المسلمين) جوّز عمر أن تكون رجعت عن إذنها.
واستنبط منه أن: من وعد بعدة له الرجوع فيها، ولا يقضى عليه بالوفاء لأن عمر لو علم لزوم ذلك لها لم يستاذن ثانيًا. وأجاب من قال بلزوم العدة بحمل ذلك من عمر على الاحتياط، والمبالغة في الورع، ليتحقق طيب نفس عائشة بما أذنت فيه، أولاً ليضاجع أكمل الخلق، ﷺ ، على أكمل الوجوه اهـ.
وهذا كله بناء على القول بأن عائشة كانت تملك أصل رقبة البيت، والواقع بخلافه، لأنها إنما كانت تملك المنفعة بالسكنى والإسكان فيه، ولا يورث عنها. وحكم أزواجه ﵊ كالمعتدات، لأنهن لا يتزوجن بعده، ﵊.
ودخل الرجال على عمر، ﵁. فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف. فقال: (إني لا أعلم أحدًا أحق بهذا الأمر) أمر الخلافة (من هؤلاء النفر، الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض) جملة حالية (فمن استخلفوا) أي: من استخلفه هؤلاء النفر (بعدي فهو الخليفة) المستحق لها (فاسمعوا له وأطيعوا، فسمى) ستة من النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض: (عثمان، وعليًا، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص). ولم يذكر: أبا عبيدة لأنه كان قد مات، ولا سعيد بن زيد، لأنه كان غائبًا. وقال في فتح الباري: لأنه كان ابن عم عمر، فلم يذكره مبالغة في التبري من الأمر. نعم، في رواية المدائني: أن عمر عده فيمن توفي النبي ﷺ وهو عنهم راض إلا أنه استثناه من أهل الشورى لقرابته منه.
(وولج عليه) أي: دخل على عمر (شاب من الأنصار) روى ابن سعد، من رواية سماك الحنفي، أن ابن عباس أثنى على عمر، وأنه قال: نحوًا مما يأتي، من مقالة الشاب، فلولا قوله هنا: إنه من الأنصار لساغ أن يفسر المبهم بابن عباس. لكن، لا مانع من تعدد المثنين عليه، مع اتحاد جواب عمر لهم: (فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله، كان لك من القدم في الإسلام ما قد علمت) بفتح القاف من "القَدم" أي: سابقة خير، ومنزلة رفيعة.
وسميت قدمًا لأن السبق بها، كما سميت النعمة يدًا، لأنها تعطى باليد، وللحموي والمستملي، كما في الفرع، من القدم، بكسر القاف بمعنى: المفتوح. قال في القاموس: القدم: محركة، السابقة في الأمر، كالقدمة بالضم وكعنب. وقال الحافظ ابن حجر: بالفتح بمعنى: الفضل، وبالكسر، بمعنى: اللسبق. اهـ.
وقال البرماوي والعيني
стр. 997
كالكرماني، ولو صح روايته بالكسر لكان المعنى صحيحًا أيضًا. اهـ. فقد صحت الرواية عن الحموي والمستملي، كما ترى وهو مفهوم قول الحافظ ابن حجر السابق.
(ثم استخلفت) بضم التاء الأولى، وكسر اللام مبنيًّا للمفعول (فعدلت) في الرعية (ثم) حصلت لك (الشهادة بعد هذا كله) أي: بقتل فيروز أبي لؤلؤة غلام المغيرة له، بسبب أنه سأل عمر أن يكلم مولاه أن يضع عنه من خراجه، فقال له عمر ﵁: كم خراجك، قال: دينار، فقال: ما أرى أن أفعل، إنك عامل محسن، وما هذا بكثير فغضب، فلما خرج عمر، ﵁، لصلاة الصبح، طعنه بسكين مسمومة، ذات طرفين، فمات منها شهيدًا. وإن لم يكن في معركة الكفار، لأنه قتل ظلمًا. وقد ورد: من قتل دون دينه فهو شهيد.
(فقال) عمر للشاب: (ليتني يا ابن أخي، وذلك) إشارة إلي الخلافة (كفافًا) بالنصب، خبر كان مقدرة. ولأبي ذر: كفاف بالرفع، خبر ذلك (لا) عقاب (عليّ ولا) ثواب (لي) فيه. والجملة: خبر ليتني، وجملة: ذلك كفاف، اعتراض بين ليت وخبرها (أوصي) أنا (الخليفة) بضم الهمزة من: أوصي (من بعدي بالمهاجرين الأولين) الذين هاجروا قبل بيعة الرضوان، أو: الذين صلوا إلى القبلتين، أو: الذين شهدوا بدرًا (خيرًا أن يعرف لهم حقهم، وأن يحفظ لهم حرمتهم) بفتح الهمزة في الموضعين، تفسير لقوله: خيرًا، أو: بيان له (وأوصيه) أنا أيضًا (بالأنصار خيرًا، الذين تبوأوا الدار والأيمان) صفة للأنصار، ولا يضر فصله بخيرًا لأنه ليس أجنبيًا من الكلام أي: جعلوا الإيمان مستقرًا لهم، كما جعلوا المدينة كذلك أي: لزموا المدينة والإيمان، وتمكنوا فيهما. أو: عامله محذوف أي: وأخلصوا الإيمان (أن يقبل من محسنهم) بفتح الهمزة وضم الياء مبنيًا للمفعول، بيان لقوله خيرًا (ويُعفى) مبنيًا للمفعول (عن مسيئهم) ما دون الحدود، وحقوق العباد (وأوصيه) أيضًا (بذمة الله) أي: بعهد الله (وذمة رسوله، ﷺ ¬)، والمراد: أهل الكتاب (أن يوفي لهم بعهدهم) بضم أول: يوفي، وفتح ثالثه مشددًا ومخففًا (وأن يقاتل من ورائهم) بضم أول يقاتل وفتح التاء ومن بكسر الميم أي: من خلفهم، وقد يجيء بمعنى: قدام (وأن لا يكلفوا) بضم أوله وفتح اللام المشددة (فوق طاقتهم) فلا يزاد عليهم على مقدار الجزية.
وبقية مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى، في مناقب عثمان، ﵁، حيث ذكره المؤلّف هناك تامًّا.
٩٧ - باب مَا يُنْهَى مِنْ سَبِّ الأَمْوَاتِ
(باب ما ينهى من سب الأموات) المسلمين.
١٣٩٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا». وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ عَنِ الأَعْمَشِ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ الأَعْمَشِ. تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ وَابْنُ عَرْعَرَةَ وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ.
[الحديث ١٣٩٣ - طرفه في: ٦٥١٦].
وبالسند قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس، قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن مجاهد) هو: ابن جبر المفسر (عن عائشة ﵂، قالت: قال النبي ﷺ ¬):
(لا تسبوا الأموات) أي: المسلمين (فإنهم قد أفضوا) بفتح الهمزة والضاد، أي: وصلوا (إلى ما قدموا) من خير أو شر فيجازى كل بعمله. نعم يجوز ذكر مساوئ، الكفار والفساق للتحذير منهم، والتنفير عنهم، وقد أجمعوا على جواز جرح المجروحين من الرواة أحياء وأمواتًا.
(ورواه) أي: الحديث المذكور (عبد الله بن عبد القدوس) السعدي الرازي (عن الأعمش، ومحمد بن أنس عن الأعمش) أيضًا متابعين لشعبة، وليس لابن عبد القدوس في البخاري غير هذا الموضع.
(تابعه) أي: تابع آدم بن أبي إياس، مما وصله المؤلّف في الرقاق (علي بن الجعد) بفتح الجيم، وسكون العين المهملة. (و) كذا تابعه (ابن عرعرة) بعينين مهملتين مفتوحتين بينهما راء ساكنة وبعد الثانية راء أخرى، واسمه: محمد (و) كذا (ابن أبي عدي) مما ذكره الإسماعيلي (عن شعبة).
٩٨ - باب ذِكْرِ شِرَارِ الْمَوْتَى
(باب ذكر شرار الموتى) ذكره السابق إشارة إلى أن السب المنهي عنه سب غير الأشرار.
١٣٩٤ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ أَبُو لَهَبٍ - عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ - لِلنَّبِيِّ ﷺ : تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ، فَنَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾.
[الحديث ١٣٩٤ - أطرافه في: ٣٥٢٥، ٣٥٢٦، ٤٧٧٠، ٤٨٠١، ٤٩٧١، ٤٩٧٢، ٤٩٧٣].
وبالسند قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث بن طلق النخعي الكوفي، قال (حدّثنا الأعمش) سليمان، قال (حدّثني) بالإفراد (عمرو بن مرة) بضم الميم وتشديد الراء، بفتح العين (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال أبو لهب) عبد العزى بن عبد المطلب، (عليه لعنة الله) ولأبي ذر: لعنه الله
стр. 998
(للنبي ﷺ ¬) لما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] الآية، ورقي ﵊ الصفا، وقال: يا صباحاه، فاجتمعوا فقال: يا بني عبد المطلب إن أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلاً أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم. ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: فإني ﴿نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] فقال أبو لهب (تبًّا لك) أي: هلاكًا، ونصب على أنه مفعول مطلق حذف عامله وجوبًا (سائر اليوم) نصب على الظرفية أي: باقي اليوم ألهذا جمعتنا (فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾) [المسد: ١] أي
خسر، وعبر: باليدين عن النفس كقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] أو إنما خصهما لأنه لما جمعهم النبي ﷺ بعد نزول ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] أخذ أبو لهب حجرًا يرميه به.
ومطابقة الحديث للترجمة في كون ابن عباس ذكر أبا لهب باللعن، وهو من شرار الموتى.
وهذا الحديث، كما لا يخفى، من مراسيل الصحابة، كما جزم به الإسماعيلي، لأن الآية الكريمة نزلت بمكة، وكان ابن عباس إذ ذاك صغيرًا، أو: لم يولد، وكذا رواية أبي هريرة له، الآتية، لأنه إنما أسلم بالمدينة.
وفي الحديث: التحديث والعنعنة، وساقه هنا مختصرًا، ويأتي إن شاء الله تعالى مطوّلاً في: التفسير في الشعراء، وأخرجه مسلم في: الإيمان، والترمذي في: التفسير، وكذا النسائي. والله أعلم
وهذا آخر الجزء الثاني، من شرح العلامة القسطلاني، على صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، تغمدهما الله برحمته، وأسكنهما بحبوحة جنته، إنه على ما يشاء قدير، وبعباده لطيف خبير، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 999
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٢٤ - كتاب الزكاة
قال الحافظ ابن حجر البسملة ثابتة في الأصل.
١ - باب وجوب الزكاة
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣، ٨٣، ١٠٠].
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ ﵁ فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ".
(باب وجوب الزكاة) لفظ باب ثابت لأكثر الرواة ولبعضهم كتاب وفي نسخة: كتاب الزكاة باب وجوب الزكاة، وسقط ذلك لأبي ذر فلم يذكر لفظ باب ولا كتاب.
والزكاة في اللغة هي التطهير والإصلاح والنماء والمدح ومنه: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]. وفي الشرع: اسم لما يخرج عن مال أو بدن على وجه مخصوص سمي بها ذلك لأنها تطهر المال من الخبث وتقيه من الآفات والنفس من رذيلة البخل وتثمر لها فضيلة الكرم ويستجلب بها البركة في المال ومد المخرج عنه.
وهي أحد أركان الإسلام يكفر جاحدها ويقاتل الممتنعون من أدائها وتؤخذ منهم وإن لم يقاتلوا قهرًا كما فعل أبو بكر الصديق ﵁. (وقول الله تعالى): بالجر عطفًا على سابقه وبالرفع مبتدأ حذف خبره أي دليل على ما قلناه من الوجوب. (﴿وأقيموا الصلاة﴾) الخمس بمواقيتها وحدودها (﴿وآتوا الزكاة﴾) أدّوا زكاة أموالكم المفروضة. (وقال ابن عباس ﵄¬) مما سبق موصولاً في قصة هرقل: (حدّثني) بالإفراد (أبو سفيان) صخر بن حرب (¬﵁ فذكر حديث النبي ﷺ ، فقال: يأمرنا بالصلاة) التي هي أم العبادات البدنية (والزكاة) التي هي أم العبادات المالية
(والصلة) للأرحام وكل ما أمر الله به أن يوصل بالبر والإكرام والمراعاة ولو بالسلام (والعفاف) الكف عن المحارم وخوارم المروءة.
١٣٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ".
[الحديث ١٣٩٥ - أطرافه في: ١٤٥٨، ١٤٩٦، ٢٤٤٨، ٤٣٤٧، ٧٣٧١، ٧٣٧٢].
وبالسند قال: (حدّثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام النبيل البصري (عن زكريا بن إسحاق) المكي رمي بالقدر، لكن وثقه ابن معين وأحمد وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وأبو داود وابن البرقي وابن سعد، وله في البخاري عن عبد الله بن صيفي هذا الحديث فقط، وأحاديث يسيرة عن عمرو بن دينار (عن يحيى بن عبد الله بن صيفي) نسبة إلى الصيف (عن أبي معبد) نافد بالنون والفاء والدال المهملة أو المعجمة مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄
стр. 1000
أن النبي ﷺ ، بعث معاذًا إلى اليمن) سنة عشر قبل حجة الوداع كما عند المؤلّف في أواخر المغازي، وقيل: في أواخر سنة تسع عند منصرفه من غزوة تبوك. رواه الواقدي وابن سعد في الطبقات (فقال):
(ادعهم) أولاً (إلى) شيئين (شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا) أي: انقادوا (لذلك) أي الإتيان بالشهادتين (فأعلمهم) بفتح الهمزة من الإعلام (أن الله) بفتح الهمزة لأنها في محل نصب مفعول ثان للإعلام والضمير مفعول أول (افترض) ولابن عساكر: قد افترض (عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة) فخرج الوتر (فإن هم أطاعوا لذلك) بأن أقرّوا بوجوبها أو بادروا إلى فعلها (فأعلمهم أن الله افترض) ولأبي ذر: افترض (عليهم صدقة) أي زكاة (في أموالهم تؤخذ) بضم أوله مبنيًا للمفعول (من) مال (أغنيائهم) المكلفين وغيرهم. (وترد على فقرائهم) بالواو في وترد مع ضم التاء مبنيًا للمفعول، وفي نسخة: وبدأ بالأهم فالأهم وذلك من التلطف في الخطاب لأنه لو طالبهم بالجميع في أول الأمر لنفرت نفوسهم من كثرتها واقتصر على الفقراء من غير ذكر بقية الأصناف لمقابلة الأغنياء لأن الفقراء هم الأغلب، والإضافة في قوله فقرائهم تفيد منع صرف الزكاة للكافر وفيه نقل الزكاة عن بلد المال لأن الضمير في قوله فقرائهم يعود على أهل اليمن، وعورض بأن الضمير إنما يرجع إلى فقراء المسلمين وهم أعم من أن يكونوا فقراء أهل تلك البلد أو غيرهم. وأجيب: بأن المراد فقراء أهل اليمن بقرينة السياق، فلو نقلها عند وجوبها إلى بلد آخر مع وجود الأصناف أو بعضهم لا يسقط الفرض.
وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلّف أيضًا في التوحيد والمظالم والمغازي، ومسلم في الإيمان، وأبو داود في الزكاة وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجة.
١٣٩٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ ابْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ "أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ. قَالَ: مَالَهُ مَالَهُ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَرَبٌ مَالَهُ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ". وَقَالَ بَهْزٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ بِهَذَا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ مَحْفُوظٍ، إِنَّمَا هُوَ عَمْرٌو.
[الحديث ١٣٩٦ - طرفاه في: ٥٩٨٢، ٥٩٨٣].
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) الحوضي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن ابن عثمان) ولأبوي الوقت وذر: عن محمد بن عثمان (بن عبد الله بن موهب) بفتح الميم والهاء بينهما واو ساكنة آخره موحدة (عن موسى بن طلحة) بن عبيد الله القرشي (عن أبي أيوب) خالد بن زيد الأنصاري (¬﵁ أن رجلاً) قيل هو أبو أيوب الراوي ولا مانع أن يبهم نفسه لغرض له، وأما تسميته في حديث أبي هريرة الآتي قريبًا إن شاء الله تعالى بأعرابي فيحمل على التعدد أو هو ابن المنتفق كما رواه البغوي وابن السكن والطبراني في الكبير وأبو مسلم الكجي. وزعم الصريفيني أن ابن المنتفق هذا اسمه لقيط بن صبرة وافد بني المنتفق (قال للنبي ﷺ : أخبرني بعمل يدخلني الجنة) برفع الفعل المضارع والجملة المصدرية به في محل جر صفة لعمل، واستشكل الجزم على جواب الأمر لأنه يصير قوله بعمل غير موصوف والنكرة غير الموصوفة لا تفيد. كذا قاله المظهري في شرح المصابيح.
وأجيب: بأن التنكير في عمل للتفخيم أو النوع أي: بعمل عظيم أو معتبر في الشرع، أو يقال جزاء الشرط محذوف تقديره أخبرني بعمل إن عملته يدخلني الجنة فالجملة الشرطية بأسرها صفة لعمل.
(قال) القوم: (ماله ماله) وهو استفهام والتكرار للتأكيد (وقال النبي ﷺ : (أرب ماله) بفتح الهمزة والراء وتنوين الموحدة مع الضم أي حاجة جاءت وهو خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف أي له ارب، وما: زائدة للتقليل أي له حاجة يسيرة قاله الزركشي وغيره، وتعقبه في المصابيح فقال: ليس مبتدأ محذوف الخبر بل مبتدأ مذكور الخبر وساغ الابتداء به، وإن كان نكرة لأنه موصوف بصفة يرشد إليها ما الزائدة والخبر هو قوله له: وأما قوله أي له حاجة يسيرة وما للتقليل فليس كذلك بل ما الزائدة منبهة على وصف لائق بالمحل، واللائق هنا أن يقدر عظيم لأنه سأل عن عمل يدخله الجنة ولا أعظم من هذا الأمر على أنه يمكن أن يكون له وجه.
وروي أرب بكسر الراء وفتح الموحدة بلفظ الماضي كعلم أي: احتاج فسأل لحاجته أو تفطن لما سأل عنه وعقل. يقال: ارب إذا عقل فهو أريب، وقيل: تعجب من حرصه وحسن فطنته ومعناه لله
دره، وقيل: هو دعاء عليه أي سقطت آرابه وهي أعضاؤه
стр. 1001
كما قالوا تربت يمينه وليس على معنى الدعاء بل على عادة العرب في استعمال هذه الألفاظ. وروي ارب بكسر الراء مع التنوين مثل حذر أي حاذق فطن يسأل عما يعنيه أي هو ارب فحذف المبتدأ ثم قال: ما له أي ما شأنه. قال في الفتح: ولم أقف على صحة هذه الرواية. وروي أرب بفتح الجميع رواه أبو ذر. قال القاضي عياض: ولا وجه له انتهى.
وقد وقعت في الأدب من طريق الكشميهني، كما قاله الحافظ ابن حجر: (تعبد الله ولا تشرك به شيئًا) ولابن عساكر: تعبد الله لا تشرك به شيئًا بإسقاط الواو (وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم) تحسن لقرابتك، وخص هذه الخصلة نظرًا إلى حال السائل كأنه كان قطاعًا للرحم فأمره به لأنه المهم بالنسبة إليه وعطف الصلاة وما بعدها على سابقها من عطف الخاص على العام إذ العبادة تشمل ما بعدها، ودلالة هذا الحديث على الوجوب فيها غموض.
وأجيب: بأن سؤاله عن العمل الذي يدخل الجنة يقتضي أن لا يجاب بالنوافل قبل الفرائض فيحمل على الزكاة الواجبة، وبأن الزكاة قرينة الصلاة المذكورة مقارنة للتوحيد، وبأنه وقف دخول الجنة على أعمال من جملتها أداء الزكاة فيلزم أن من لم يعملها لم يدخل الجنة ومن لم يدخل الجنة دخل النار وذلك يقتضي الوجوب.
(وقال بهز): بفتح الموحدة وسكون الهاء آخره زاي ابن أسد العمي البصري (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثنا محمد بن عثمان وأبوه عثمان بن عبد الله) فبين شعبة أن ابن عثمان اسمه محمد (أنهما سمعا موسى بن طلحة عن أبي أيوب) ولأبي ذر: عن النبي ﷺ (بهذا) الحديث السابق. (قال أبو عبد الله): البخاري (أخشى أن يكون محمد غير محفوظ إنما هو عمرو) أي ابن عثمان والحديث محفوظ عنه ووهم شعبة وقد حدث به عن يحيى بن سعد القطان وإسحاق الأزرق وأبو أسامة وأبو نعيم كلهم عن عمرو بن عثمان. كما قاله الدارقطني وغيره.
وهذا الحديث رواته ما بين كوفي وواسطي ومدني، وأخرجه أيضًا في الأدب، ومسلم في الإيمان، والنسائي في الصلاة والعلم.
١٣٩٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ يَحْيَى ابْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ "أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ: تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ. قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا".
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو زُرْعَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن عبد الرحيم) أبو يحيى البغدادي عرف بصاعقة البزاز بمعجمتين (قال: حدّثنا عفان بن مسلم) بتشديد الفاء الصفار الأنصاري البصري (قال: حدّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد بن عجلان صاحب الكرابيسي (عن يحيى بن سعيد بن حيان) بفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية التيمي تيم الرباب (عن أبي زرعة) هرم بفتح الهاء وكسر الراء ابن عمرو بن جرير البجلي الكوفي (عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابيًّا) بفتح الهمزة من سكن البادية وهل هو السائل في حديث أبي أيوب السابق أو غيره سبق ما فيه ثم (أتى النبي ﷺ فقال):
(دلني) بضم الدال وتشديد اللام المفتوحة (على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال) ﵊: (تعبد الله) وحده (لا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة) غاير بين القيدين كراهة تكرير اللفظ الواحد أو احترز عن صدقة التطوّع لأنها زكاة لغوية أو عن المعجلة قبل الحول فإنها زكاة لكنها ليست مفروضة (وتصوم رمضان) ولم يذكر الحج اختصارًا أو نسيانًا من الراوي. (قال) الأعرابي: (والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا) المفروض أو لا أزيد على ما سمعت منك في تأديته لقومي فإنه كان وافدهم. وزاد مسلم شيئًا أبدًا ولا أنقص منه، (فلما ولى) أي: أدبر (قال النبي ﷺ : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا) الأعرابي أي: إن داوم على فعل ما أمرته به لقوله في حديث أبي أيوب عند مسلم: "إن تمسك بما أمر به دخل الجنة".
وفيه أن المبشر بالجنة أكثر من العشرة كما ورد النص في الحسن والحسين وأمهما وأمهات المؤمنين، فتحمل بشارة العشرة أنهم بشروا دفعة واحدة أو بلفظ بشره بالجنة أو أن العدد لا ينفي الزائد، ولا يقال إن مفهوم الحديث كغيره مما يشبهه يدل على ترك التطوعات أصلاً لأنا نقول: لعل أصحاب هذه القصص كانوا حديثي عهد
стр. 1002
بالإسلام فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم في تلك الحالة لئلا يثقل عليهم ذلك فيملوا فإذا انشرحت صدورهم للفهم عنه والحرص على ثواب المندوبات سهلت عليهم، ولا يخفى أن من داوم على ترك السنن كان نقصًا في دينه فإن تركها تهاونًا بها ورغبة عنها كان ذلك فسقًا لورود الوعيد عليه. قال ﷺ : "من رغب عن سنتي فليس مني" قاله القرطبي.
وبه قال: (حدّثنا مسدد عن يحيى) القطان (عن أبي حيان) هو يحيى بن سعيد بن حيان المذكور في الإسناد السابق ذكره أولاً باسمه وهنا بكنيته (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو زرعة) هرم (عن النبي في بهذا) الحديث السابق عن وهيب، لكن يحيى القطان رواه عن أبي حيان مرسلاً، كما ترى لأن أبا زرعة تابعي ولم يذكر أبا هريرة فخالف وهيبًا. وفي إخراج المؤلّف له عقب حديث وهيب إشعار بأن العلة غير قادحة لأن وهيبًا حافظ فقدم روايته لأن معه زيادة فيما رواه حكاه أبو علي الجياني، وفيه إبطال للتردد الواقع في رواية الأصيلي عن أبي أحمد الجرجاني هنا حيث قال: فيما حكاه أبو علي الجياني عن يحيى بن سعيد بن حيان أو عن يحيى بن سعيد عن أبي حيان وهو خطأ إنما هو
يحيى بن سعيد بن حيان كما لغيره من الرواة، لأن هذه الرواية أفادت تصريح أبي حيان بسماعه له من أبي زرعة فزال التردد.
١٣٩٨ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: "قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا الْحَىَّ مِنْ رَبِيعَةَ قَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، وَلَسْنَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلاَّ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَىْءٍ نَأْخُذُهُ عَنْكَ وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا. قَالَ: آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ. الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ -وَعَقَدَ بِيَدِهِ هَكَذَا- وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ. وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ".
وَقَالَ سُلَيْمَانُ وَأَبُو النُّعْمَانِ عَنْ حَمَّادٍ «الإِيمَانِ بِاللَّهِ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ».
وبه قال: (حدّثنا حجاج) هو ابن منهال السلمي الأنماطي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) قال: (حدّثنا أبو جمرة) بالجيم وسكون الميم وفتح الراء نصر بن عمران الضبعي (قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: قدم وفد عبد القيس) هو أبو قبيلة وكانوا أربعة عشر رجلاً ويروى أربعون وجمع بأن لهم وفادتين أو الأربعة عشر أشرافهم (على النبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله إن هذا الحي) نصب بأن وهو اسم لمنزل القبيلة ثم سميت القبيلة به لأن بعضهم يحيا ببعض، ولأبي ذر: إنّا هذا الحي بألف بعد النون المشددة ونصب الحي على الاختصاص أي أعني هذا الحي، وعلى هذا الوجه يكون خبر إن قوله (من ربيعة) بن نزار بن معد بن عدنان وعلى الأولى خبر إن قوله (قد حالت بيننا وبينك كفار مصر) غير منصرف وهو ابن نزار بن معد بن عدنان أيضًا (ولسنا نخلص) نصل (إليك إلا في الشهر الحرام) جنس يشمل الأربعة الحرم وسميت بذلك لحرمة القتال فيها: (فأمرنا بشيء نأخذه عنك وندعو إليه من وراءنا) من قومنا أو من البلاد النائية أو الأزمنة المستقبلة (قال) ﵊:
(آمركم) بمد الهمزة (بأربع، وأنهاكم عن أربع الإيمان بالله) بالجر (وشهادة أن لا إله إلا الله -وعقد بيده هكذا-) كما يعقد الذي يعدّ واحدة والواو في قوله: وشهادة للعطف التفسيري لقوله الإيمان. وقال ابن بطال: هي مقحمة كهي في فلان حسن وجميل أي حسن جميل (وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) بخفض أقام وإيتاء في اليونينية وهذا موضع الترجمة (وأن تؤدّوا خمُس ما غنمتم) وذكر لهم هذه لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر وكانوا أهل جهاد وغنائم ولم يذكر في هذه الرواية صيام رمضان كما ذكره في باب أداء الخمس من الإيمان أما لغفلة الراوي أو اختصاره وليس ذلك من النبي ﷺ ، ولم يذكر الحج فيهما لشهرته عندهم أو لكونه على التراخي أو غير ذلك مما سبق في باب أداء الخمس من الإيمان. (وأنهاكم عن) الانتباذ في الآنية المتخذة من (الدباء) بضم الدال وتشديد الموحدة القرع اليابس (و) عن الانتباذ في (الحنتم) بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح المثناة الفوقية
الجرار الخضر (و) في (النقير) بفتح النون وكسر القاف جذع ينقر وسطه فيوعى فيه (و) في (المزفت) المطلي بالزفت لأنها تسرع الإسكار فربما شرب منها من لا يشعر بذلك، وهذا منسوخ بما في مسلم: "كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرًا".
(وقال سليمان) بن حرب مما وصله المؤلّف في المغازي (وأبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي مما وصله أيضًا في الخمس
стр. 1003
(عن حماد) وهو ابن زيد (الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله) بدون واو وهو أصوب والإيمان بالجر بدل من قوله في السابق بأربع، وقوله شهادة بالجر على البدلية أيضًا وبالرفع فيهما لأبي ذر مبتدأ وخبر.
١٣٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ".
[الحديث ١٣٩٩ - أطرافه في: ١٤٥٧، ٦٩٢٤، ٧٢٨٤].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان الحكم بن نافع) البهراني الحمصي (قال: أخبرنا شعيب بن أبي حمزة) بالحاء المهملة والزاي الأموي مولاهم الحمصي واسم أبيه دينار (عن) ابن شهاب (الزهري قال: حدّثنا عبيد الله) بالتصغير (ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود) المدني (أن أبا هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول الله ﷺ وكان أبو بكر ﵁¬) خليفة بعده (وكفر من كفر من العرب) بعض بعبادة الأوثان، وبعض بالرجوع إلى اتباع مسيلمة وهم أهل اليمامة وغيرهم، واستمر بعض على الإيمان إلا أنه منع الزكاة وتأول أنها خاصة بالزمن النبوي لأنه تعالى قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] الآية. فغيره ﵊ لا يطهرهم ولا يصلّي عليهم فتكون صلاته سكنًا لهم. (فقال عمر) بن الخطاب ﵁ لأبي بكر ﵁ (كيف تقاتل الناس)؟ وفي حديث أنس: أتريد أن تقاتل العرب (وقد قال: رسول الله ﷺ ¬):
(أمرت) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول أي أمرني الله (أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) وكأن عمر ﵁ لم يستحضر من هذا الحديث إلا هذا القدر الذي ذكره، وإلاَّ فقد وقع في حديث ولده عبد الله زيادة وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن: حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بما جئت به وهذا يعم الشريعة كلها. ومقتضاه أن من جحد شيئًا مما جاء به ﷺ ودعي إليه فامتنع ونصب القتال تجب مقاتلته وقتله إذا أصرّ (فمن قالها) أي كلمة التوحيد مع لوازمها (فقد عصم مني ماله ونفسه) فلا يجوز هدر دمه واستباحة ماله
بسبب من الأسباب (إلا بحقه) أي بحق الإسلام من قتل النفس المحرمة أو ترك الصلاة أو منع الزكاة بتأويل باطل (وحسابه على الله) فيما يسره فيثيب المؤمن ويعاقب المنافق، فاحتج عمر ﵁ بظاهر ما استحضره مما رواه من قبل أن ينظر إلى قوله "إلاَّ بحقه" ويتأمل شرائطه.
١٤٠٠ - "فَقَالَ: وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ. وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ ﵁: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ".
[الحديث ١٤٠٠ - أطرافه في: ١٤٥٦، ٦٩٢٥، ٧٢٨٥].
(فقال) له أبو بكر ﵁: (والله لأقاتلن من فرق) بتشديد الراء وقد تخفف (بين الصلاة والزكاة) أي: قال أحدهما واجب دون الآخر أو منع من إعطاء الزكاة متأولاً كما مر (فإن الزكاة حق المال) كما أن الصلاة حق البدن. أي: فدخلت في قوله إلا بحقه فقد تضمنت عصمة دم ومال معلقة باستيفاء شرائطها والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم، فكما لا تتناول العصمة من لم يؤدّ حق الصلاة كذلك لا تتناول العصمة من لم يؤد حق الزكاة، وإذا لم تتناولهم العصمة بقوا في عموم قوله: "أمرت أن أقاتل الناس" فوجب قتالهم حينئذ، وهذا من لطيف النظر أن يقلب المعترض على المستدل دليله فيكون أحق به، ولذلك فعل أبو بكر فسلم له عمر وقاسه على الممتنع من الصلاة لأنها كانت بالإجماع من رأي الصحابة، فرد المختلف فيه إلى المتفق عليه فاجتمع في هذا الاحتجاج من عمر بالعموم ومن أبي بكر بالقياس فدلّ على أن العموم يخص بالقياس، وفيه دلالة على أن العمرين لم يسمعا من الحديث الصلاة والزكاة كما سمعه غيرهما أو لم يستحضراه إذ لو كان ذلك لم يحتج عمر على أبي بكر، ولو سمعه أبو بكر لردّ به على عمر ولم يحتج إلى الاحتجاج بعموم قوله: إلا بحقه، لكن يحتمل أن يكون سمعه واستظهر بهذا الدليل النظري، ويحتمل كما قال الطيبي: أن يكون عمر ظن أن المقاتلة إنما كانت لكفرهم لا لمنعهم الزكاة فاستشهد بالحديث، وأجابه الصديق: بأني ما أقاتلهم لكفرهم بل لمنعهم الزكاة (والله لو منعوني عناقًا) بفتح العين المهملة الأنثى من المعز (كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. قال عمر ﵁: فوالله ما هو إلا أن قد) سقط لفظة: "قد" في رواية أبي ذر (شرح الله صدر أبي
стр. 1004
بكر ﵁¬) لقتالهم (فعرفت أنه الحق) بما ظهر من الدليل الذي أقامه الصديق نصًّا وإقامة الحجة لا أنه قلده في ذلك لأن المجتهد لا يقلد مجتهد.
وذكر البغوي والطبري وابن شاهين والحاكم في الإكليل من رواية حكيم بن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن فاطمة بنت خشاف السلمية عن عبد الرحمن الظفري وكانت له صحبة قال: بعث رسول الله ﷺ إلى رجل من أشجع أن تؤخذ منه صدقته فأبى أن يعطيها فرده إليه الثانية فأبى ثم ردّه إليه الثالثة وقال: إن أبى فاضرب عنقه اللفظ للطبراني ومداره عندهم على الواقدي عن عبد الرحمن بن
عبد العزيز الإمامي عن حكيم، وذكره الواقدي في أوّل كتاب الردة وقال في آخره قال عبد الرحمن بن عبد العزيز فقلت لحكيم بن حكيم: ما أرى أبا بكر الصديق قاتل أهل الردة إلا على هذا الحديث. قال: أجل. وخشاف: ضبطه ابن الأثير بفتح المعجمة وتشديد الشين المعجمة وآخره فاء وفي الحديث: أن حول النتاج حول الأمهات وإلا لم يجز أخذ العناق. وهذا مذهب الشافعية، وبه قال أبو يوسف. وقال أبو حنيفة ومحمد: لا تجب الزكاة في المسألة المذكورة وحملا الحديث على المبالغة.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في استتابة المرتدين وفي الاعتصام، ومسلم في الإيمان وكذا الترمذي، وأخرجه النسائي أيضًا فيه وفي المحاربة.
٢ - باب الْبَيْعَةِ عَلَى إِيتَاءِ الزَّكَاةِ
﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].
(باب البيعة على إيتاء الزكاة) بفتح الموحدة (﴿فإن تابوا﴾) من الكفر (﴿وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم﴾) فهم إخوانكم (﴿في الدين﴾) لهم ما لكم وعليهم ما عليكم. وساق المؤلّف هذه الآية الشريفة هنا تأكيدًا لحكم الترجمة أي: فكما لا يدخل الكافر في التوبة من الكفر وينال أخوة المؤمنين في الدين إلا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة كذلك بيعة الإسلام لا تتم إلا بإيتاء الزكاة ومانعها ناقض للعهد مبطل لبيعته، لأن كل ما تضمنته بيعته ﵊ فهو واجب.
١٤٠١ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: "قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ".
وبه قال: (حدّثنا ابن نمير) بضم النون وفتح الميم محمد (قال: حدّثني) بالإفراد (أبي) عبد الله بن نمير (قال: حدّثنا إسماعيل) بن أبي خالد الأحمسي البجلي مولاهم الكوفي التابعي (عن قيس) هو ابن أبي حازم واسمه عوف البجلي التابعي المخضرم (قال: قال جرير بن عبد الله) البجلي الأحمسي (¬﵁: بايعت النبي ﷺ ¬) من المبايعة وهي عقد العهد (على إقام الصلاة) بحذف التاء من إقامة لأن المضاف إليه عوض عنها (وإيتاء الزكاة) أي إعطائها (والنصح لكل مسلم) وكافر بإرشاده إلى الإسلام فالتخصيص للغالب، وقوله: والنصح بالجر عطفًا على سابقه، والحديث سبق في آخر كتاب الإيمان.
٣ - باب إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأِنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥].
(باب إثم مانع الزكاة، وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على سابقه وبالرفع على الاستئناف (﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها﴾) الضمير للكنوز الدال عليها يكنزون أو للأموال فإن الحكم عام وتخصيصهما بالذكر لأنهما قانون التموّل أو للفضة لأنها أقرب ويدل على أن حكم الذهب كذلك بطريق الأولى (﴿في سبيل الله﴾) المراد به المعنى الأعم لا خصوص أحد السهام الثمانية، وإلا لاختص بالصرف إليه بمقتضى هذه الآية (﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾) [التوبة: ٣٤] هو الكيّ بهما (﴿يوم يحمى عليها في نار جهنم﴾) يوم توقد النار ذات حمى وحر شديد على الكنوز، وأصله: تحمى بالنار فجعل الإحماء للنار مبالغة، ثم طوى ذكر النار وأسند الفعل للجار والمجرور تنبيهًا على المقصود وانتقل من صيغة التأنيث إلى صيغة التذكير وإنما قال: عليها والمذكور شيئان لأن المراد دنانير ودراهم كثيرة، كما قال عليّ ﵁: فيما قاله الثوري عن أبي حصين عن أبي الضحى عن جعدة بن هبيرة
عنه: أربعة آلاف وما دونها نفقة وما فوقها كنز (﴿فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم﴾) لأنها مجوّفة فتسرع الحرارة إليها أو الكي في الوجه أبشع وأشهر وفي الظهر والجنب أوجع وآلم وقيل: لأن جمعهم وإمساكهم كان لطلب الوجاهة بالغنى والتنعم بالمطاعم الشهية والملابس البهية. وقيل: لأن صاحب الكنز إذا رأى الفقير قبض جبهته وولى ظهره
стр. 1005
وأعرض عنه كشحه. وقيل: إنه لا يوضع دينار على دينار ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل درهم في موضع على حدة.
وروى ابن أبي حاتم مرفوعًا: ما من رجل يموت وعنده أحمر أو أبيض إلا جعل الله بكل صفيحة من نار تكوى بها قدمه إلى ذقنه (﴿هذا ما كنزتم لأنفسكم﴾)، أي يقال لهم ذلك (﴿فذوقوا﴾) وبال (﴿ما كنتم تكنزون﴾) [التوبة: ٣٥] أي كنزكم أو ما تكنزونه، فما: مصدرية أو موصولة. وأكثر السلف أن الآية عامة في المسلمين وأهل الكتاب، وفي سياق المؤلّف لها تلميح إلى تقوية ذلك خلافًا لمن ذهب إلى أنها خاصة بالكفار والوعيد المذكور في كل ما لم تؤدّ زكاته. وفي حديث عمر: أيما مال أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونًا في الأرض وأيما مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن كان على وجه الأرض. وسياق هذه الآية بتمامها في غير رواية أبي ذر وله: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ إلى قوله: ﴿فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾.
١٤٠٢ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَأْتِي الإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَأُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَأْتِي الْغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَأُهُ بِأَظْلَافِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا. قَالَ: وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ. قَالَ: وَلَا يَأْتِي أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارٌ فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ بَلَّغْتُ. وَلَا يَأْتِي بِبَعِيرٍ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاءٌ فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ بَلَّغْتُ».
[الحديث ١٤٠٢ - أطرافه في: ٢٣٧٨، ٣٠٧٣، ٩٦٥٨].
وبه قال: (حدّثنا الحكم بن نافع) أبو اليمان البهراني الحمصي قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة الحمصي قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج) سقط ابن هرمز في بعض النسخ (حدّثه أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال النبي ﷺ ¬):
(تأتي الإبل على صاحبها) يوم القيامة وعثر "بعلى" ليشعر باستعلائها وتسلطها عليه (على خير ما كانت) عنده في القوّة والسمن ليكون أثقل لوطئها وأشد لنكايتها فتكون زيادة في عقوبته: وأيضًا فقد كان يودّ في الدنيا ذلك فيراها في الآخرة أكمل (إذا هو لم يعط فيها حقها) أي زكاتها (تطأه) بألف من غير واو في الفرع وكذا هو عند بعض النحويين لشذوذ هذا الفعل من بين نظائره في التعدّي لأن الفعل إذا كان فاؤه واوًا وكان على فعل مكسور العين كان غير متعد غير هذا الحرف ووسع فلما شذا دون نظائرهما أعطيا هذا الحكم. وقيل: إن أصله توطئ بكسر الاطاء فسقطت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة ثم فتحت الطاء لأجل الهمزة. نبه عليه صاحب العمدة (بأخفافها) جمع خف وهو للإبل كالظلف للغنم والبقر، والحافر للحمار والبغل والفرس، والقدم للآدمي. ولمسلم من طريق أبي صالح عنه: ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها منها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع
قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلاً واحدًا تطأه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مرت عليه أولاها ردّت عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد ويرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. (وتأتي الغنم على صاحبها) يوم القيامة (على خير ما كانت) عنده في القوّة والسمن (وإذا لم يعط فيها حقها) زكاتها وسقط لفظ هو الثابت بعد إذا فيما سبق (تطأه بأظلافها) بالظاء المعجمة (وتنطحه بقرونها) بفتح الطاء. ولأبي الوقت: تنطحه بكسرها على الأشهر، بل قال الزين العراقي: إنه المشهور في الرواية وفيه: إن الله يحيي البهائم ليعاقب بها مانع الزكاة والحكمة في كونها تعاد كلها مع أن حق الله فيها إنما هو في بعضها لأن الحق في جميع المال غير متميز. (قال: ومن حقها) قال ابن بطال: يريد حق الكرم والمواساة وشرف الأخلاق لا أنه فرض (أن تحلب على الماء) يوم ورودها كما زاده أبو نعيم وغيره ليحضرها المساكين النازلون عليه أي الماء ومن لا لبن له فيها فيعطي من ذلك اللبن ولأن فيه رفقًا بالماشية. قال العلماء: وهذا منسوخ بآية الزكاة أو هو من الحق الزائد على الواجب الذي لا عقاب بتركه بل على طريق المواساة وكرم الأخلاق كما قاله ابن بطال فيما مرّ. واستدلّ به من يرى أن في المال حقوقًا غير الزكاة وهو مذهب غير واحد من التابعين.
وفي الترمذي عن فاطمة بنت قيس عنه ﷺ "إن في المال لحقًّا سوى الزكاة". ورواه بعضهم تجلب بالجيم. وجزم ابن دحية بأنه تصحيف، وقد وقع عند أبي داود من طريق أبي عمرو الغداني ما يفهم أن هذه الجملة وهي: ومن حقها الخ .... مدرجة من قول أبي هريرة، لكن في مسلم من حديث
стр. 1006
أبي الزبير عن جابر هذا الحديث وفيه: فقلنا يا رسول الله وما حقها؟ قال: "إطراق فحلها وإعارة دلوها ومنحتها وحلبها على الماء وحمل عليها في سبيل الله". فبين أنها مرفوعة كما نبه عليه في
الفتح، لكن قال الزين العراقي: الظاهر أنها أي هذه الزيادة ليست متصلة كما بينه أبو الزبير في بعض طرق مسلم فذكر الحديث دون الزيادة، ثم قال أبو الزبير: سمعت عبيد الله بن عمير يقول هذا القول ثم سألت جابرًا فقال مثل قول عبيد بن عمير، قال أبو الزبير: وسمعت عبيد بن عمير يقول: قال رجل يا رسول الله ما حق الإبل: قال: "حلبها على الماء". قال الزين العراقي: فقد تبين أن هذه الزيادة إنما سمعها أبو الزبير من عبيد بن عمير مرسلة لا ذكر لجابر فيها انتهى.
لكن قد وقعت هذه الجملة وحدها عند المؤلّف مرفوعة من وجه آخر عن أبي هريرة في الشرب في باب حلب الإبل على الماء بلفظ: حدّثنا إبراهيم بن المنذر، حدّثنا محمد بن فليح قال: حدّثني أبي عن هلال بن عليّ عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من حق الإبل أن تحلب على الماء" وهذا يقوّي قول الحافظ ابن حجر أنها مرفوعة.
(قال) ﵊: (ولا يأتي) خبر بمعنى النهي (أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يعار) بضم المثناة التحتية والعين المهملة؛ أي صوت. قال ابن المنير: ومن لطيف الكلام أن النهي الذي أوّلنا به النفي يحتاج إلى تأويل أيضًا فإن القيامة ليست دار تكليف وليس المراد نهيهم عن أن يأتوا بهذه الحالة إنما المراد لا تمنعوا الزكاة فتأتوا كذلك، فالنهي في الحقيقة إنما باشر سبب الإتيان لا نفس الإتيان. وللمستملي والكشميهني: ثغاء بضم المثلثة وبغين معجمة ممدودة صياح الغنم أيضًا: (فيقول: يا محمد، فأقول) له: (لا أملك لك شيئًا) أي للتخفيف عنك (قد بلغت) إليك حكم الله (ولا يأتي) أحدكم يوم القيامة (ببعير) ذكر الإبل وأنثاه (يحمله على رقبته له رغاء) براء مضمومة وغين معجمة صوت الإبل (فيقول: يا محمد! فأقول) له: (لا أملك لك شيئًا) ولأبي ذر: لك من الله شيئًا (قد بلغت) إليك حكم الله تعالى.
١٤٠٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ -يَعْنِي شِدْقَيْهِ- ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ. ثُمَّ تَلَا ﴿لَا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآيَةَ".
[الحديث ١٤٠٣ - أطرافه في: ٤٥٦٥، ٤٦٥٩، ٦٩٥٧].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا هاشم بن القاسم) بألف قبل الشين أبو النضر التميمي قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه) عبد الله (عن أبي صالح) ذكوان (السمان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(من آتاه) بمد الهمزة أي أعطاه (الله وإلاّ فلم يؤدّ زكاته مُثّل له) بضم الميم مبنيًّا للمفعول أي
صوّر له (يوم القيامة) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: مثل له ماله يوم القيامة أي ماله الذي لم يؤدّ زكاته (شجاعًا) بضم الشين المعجمة والنصب مفعول ثان لمثل والضمير الذي فيه يرجع إلى قوله مالاً وقد نَاب عن المفعول الأوّل، وقال الطيبي: شجاعًا نصب يجري مجرى المفعول الثاني أي صوّر ماله شجاعًا. وقال ابن الأثير: ومثل يتعدّى إلى مفعولين فإذا بني لما لم يسم فاعله يتعدى إلى واحد فلذا قال: مثل له شجاعًا. وقال البدر الدماميني: شجاعًا منصوب على الحال وهو الحية الذكر والذي يقوم على ذنبه ويواثب الرجل والفارس وربما بلغ الفارس (أقرع) لا شعر له على رأسه لكثرة سمه وطول عمره (له زبيبتان) بزاي معجمة مفتوحة فموحدتين بينهما تحتية ساكنة أي زبدتان في شدقيه يقال: تكلم فلان حتى زبب شدقاه أي خرج الزبد عليهما، أو هما نابان يخرجان من فيه، وردّ بعدم وجود ذلك كذلك أو هما النكتتان السوداوان فوق عينيه وهو أوحش ما يكون من الحيات وأخبثه (يطوّقه) بفتح الواو والمشددة والضمير الذي فيه مفعوله الأوّل والضمير البارز مفعوله الثاني وهو يرجع إلى من في قوله "من آتاه الله مالاً" والضمير المستتر يرجع إلى الشجاع أي يجعل طوقًا في عنقه (يوم القيامة ثم يأخذ) الشجاع (بلهزمتيه) بكسر اللام والزاي بينهما هاء ساكنة وبعد الميم فوقية تثنية لهز ولغير أبي ذر: بلهزميه بإسقاط الفوقية وفسرهما بقوله (يعني شدقيه) بكسر الشين المعجمة أي جانبي الفم
стр. 1007
أو لأبي ذر: يعني بشدقيه بزيادة موحدة قبل الشين (ثم يقول): الشجاع له (أنا مالك، أنا كنزك) يخاطبه بذلك ليزداد غصة وتهكمًا عليه (ثم تلا) ﵊: (﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾) [آل عمران: ١٨٠] بالغيب في يحسبن أسنده إلى الذين وقدر مفعولاً دل عليه يبخلون أي: لا يحسبن الباخلون بخلهم خيرًا لهم، وحذف واو ولا وهي ثابتة في القرآن. ولأبي ذر: ولا تحسبن بإثباتها وتحسبن بالخطاب وهي قراءة حمزة والمطوعي عن الأعمش أسنده إلى رسول الله ﷺ ، وقدر مضافًا أي لا تحسبن يا محمد بخل الذين يبخلون هو خيرًا لهم فبخل وخيرًا مفعولاه.
وفي رواية الترمذي قرأ مصداقه سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة وفيه دلالة على أن المراد بالتطويق حقيقته خلافًا لمن قال إن معناه سيطوّقون الإثم. وفي تلاوة الرسول ﷺ الآية عقب ذلك دلالة على أنها نزلت في مانعي الزكاة وعليه أكثر المفسرين. وهذا الحديث جعله أبو العباس الطرقي والذي قبله حديثًا واحدًا. ورواه مالك في موطئه عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح لكن بوقفه على أبي هريرة، وخالفهم عبد العزيز بن أبي سلمة فرواه عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . قال ابن عبد البر: وهو عندي خطأ بيّن في الإسناد لأنه لو كان عند عبد الله بن دينار عن ابن عمر ما رواه عن أبي صالح عن أبي هريرة أصلاً. ورواية مالك وعبد الرحمن بن عبد الله هي الصحيحة وهو مرفوع صحيح.
وقد أخرج حديث الباب المؤلّف أيضًا في التفسير، والنسائي في الزكاة.
٤ - باب مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ»
هذا (باب) بالتنوين (ما أدّي زكاته فليس بكنز) هذا لفظ حديث رواه مالك عن ابن عمر موقوفًا وأبو داود مرفوعًا لكن بمعناه (لقول النبي ﷺ ¬) في الحديث الآتي في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
(ليس فيما دون خمسة) بزيادة التاء وللأصيلي وأبي ذر خمس (أواق) بغير ياء كقاض وجوار، ولأبي ذر: أواقي بإثباتها كأثفية وأثافي ويجوز تخفيف الياء وتشديدها (صدقة) فليس بكنز لأنه لا صدقة فيه فإذا زاد شيء عليها ولم تؤد زكاته فهو كنز.
١٤٠٤ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄. فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: أَخْبِرْنِي قَوْلَ اللَّهِ ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرًا لِلأَمْوَالِ".
[الحديث ١٤٠٤ - طرفه في: ٤٦٦١].
(وقال أحمد بن شبيب بن سعيد) بفتح الشين المعجمة وبموحدتين بينهما تحتية ساكنة. وسعيد بكسر العين الحبطي بالحاء المهملة والموحدة المفتوحتين وبالطاء المهملة نسبة إلى الحبطات من بني تميم البصري من مشايخ المؤلّف وثقه أبو حاتم الرازي وكتب عنه ابن المديني. وقال أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث غير مرضي لكن لا عبرة بقول الأزدي لأنه ضعيف فكيف يعتمد في تضعيف الثقات؟ وتعليقه هذا وصله أبو داود في كتاب الناسخ والمنسوخ عن محمد بن محمد بن يحيى الذهلي عن أحمد بن شبيب، ووقع في رواية أبي ذر عن الكشميهني: حدّثنا أحمد بن شبيب بن سعيد قال: (حدّثنا أبي) شبيب (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن خالد بن أسلم) هو أخو زيد بن أسلم (قال: خرجنا مع عبد الله بن عمر) بن الخطاب (¬﵄ فقال) له (أعرابي أخبرني قول الله) ولأبي ذر عن الكشميهني: عن قول الله (﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾) [التوبة: ٣٤] (قال ابن عمر: من كنزها فلم يؤدّ زكاتها) بإفراد الضمير والسابق اثنان كينفقولها على تأويل الأموال، أو يرجع الضمير إلى الفضة لأنها أكثر انتفاعًا في المعاملات من الذهب، أو اكتفى ببيان حكمها عن حكم الذهب (فويل له) أي حزن وهلاك ومشقة وارتفاع ويل على الابتداء (إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة) قال ابن بطال يريد بما قبل نزول الزكاة قوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ [البقرة: ٢١٩] أي ما فضل عن الكفاية فكانت الصدقة فرضًا بما فضل عن كفايته (فلما أنزلت) أي الزكاة بعد الهجرة في السنة الثانية قبل فرض رمضان كما أشار إليه النووي في باب:
السير من الروضة. وجزم ابن الأثير في التاريخ بأن ذلك كان في التاسعة وفيه نظر يطول استقصاؤه. نعم، بعث العمال لأجل أخذ الصدقات كان في التاسعة وهو يستدعي سبق فرضية الزكاة (جعلها الله طهرًا) أي مطهرة (للأموال) وطهرًا لمخرجيها عن رذائل الأخلاق ونسخ حكم الكنز، لكن قال البرماوي: وإذا حمل لا ينفقونها على لا يؤدّون زكاتها
стр. 1008
فلا نسخ.
ورواة هذا الحديث ما بين بصري وأيلي ومدني وفيه رواية الابن عن الأب وتابعي عن تابعي عن صحابي، والتصدير بالقول والتحديث والعنعنة، وخالد من أفراده وليس له في الصحيح إلا هذا الحديث، وأخرجه المؤلّف أيضًا في التفسير، والنسائي في الزكاة.
١٤٠٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ ﵁ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ».
[الحديث ١٤٠٥ - أطرافه في: ١٤٤٧، ١٤٥٩، ١٤٨٤].
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن يزيد) هو إسحاق بن إبراهيم بن يزيد من الزيادة أبو النضر الأموي مولاهم الفراديسي الشامي قال: (أخبرنا شعيب بن إسحاق) بن عبد الرحمن الأموي مولاهم البصري ثم الدمشقي (قال:) عبد الرحمن (الأوزاعي) ولأبي ذر: أخبرنا الأوزاعي قال: (أخبرني) بالإفراد (يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة. وقد تعقب المؤلّف الدارقطني وأبو مسعود الدمشقي في هذا السند بأن إسحاق بن يزيد شيخ المؤلّف وهم في نسب يحيى بن أبي كثير وإنما هو يحيى بن سعيد مع الاختلاف على الأوزاعي فيه لأن عبد الوهاب بن نجدة رواه عن سعيد عن الأوزاعي قال: حدّثني يحيى بن سعيد. ورواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عبد الرحمن بن اليمان عن يحيى بن سعيد فاتفقا على أن يحيى هو ابن سعيد، وزاد الوليد بن مسلم رجلاً بين الأوزاعي ويحيى بن سعيد، ورواه داود بن رشيد وهشام بن خالد جميعًا عن شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي عن يحيى غير منسوب. وأجاب الحافظ ابن حجر بأن سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي تابع إسحاق بن يزيد عن شعيب بن إسحاق كما أخرجه أبو عوانة والإسماعيلي من طريقه وهو يدل على أنه عند شعيب على الوجهين لكن دلت رواية الوليد بن مسلم على أن رواية الأوزاعي عن يحيى بن سعيد بغير واسطة موهومة أو مدلسة، وأما رواية إسحاق بن يزيد عن شعيب فصحيحة صريحة لأنه قد صرح فيها بأن يحيى أخبره، فلهذا عدل المؤلّف إلى هذا واقتصر على طريق يحيى بن أبي كثير (أن عمرو بن يحيى) بفتح العين (ابن عمارة) بضمها المازني الأنصاري (أخبره عن أبيه يحيى بن عمارة بن أبي الحسن) المازني المدني (أنه سمع أبا سعيد) سعد بن مالك الخدري (¬﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ ¬):
(ليس فيما دون خمس أواق) بغير ياء كجوار من الفضة (صدقة) والأوقية بضم الهمزة وتشديد الياء أربعون درهمًا بالنصوص المشهورة والإجماع كما قاله النووي في شرح المهذّب. وروى الدارقطني بسند فيه ضعف عن جابر برفعه. والوقية: أربعون درهمًا. وعند أبي عمر من حديثه مرفوعًا أيضًا: الدينار أربعة وعشرون قيراطًا قال: وهذا وإن لم يصح سنده ففي الإجماع عليه ما يغني عن إسناده والاعتبار بوزن مكة تحديدًا والمثقال لم يختلف في جاهلية ولا إسلام وهو اثنان وسبعون شعيرة بالموحدة معتدلة بن تقشر وقطع من طرفيها ما دق وطال، وأما الدراهم فكانت مختلفة الأوزان وكان التعامل غالبًا في عصره ﷺ والصدر الأول بعده بالدرهم البغلي نسبة إلى البغل لأنه كان عليها صورته وكان ثمانية دوانق، والدرهم الطبري نسبة إلى طبرية قصبة الأردن بالشام وتسمى بنصيبين وهو أربعة دوانق فجمعا وقسما درهمين كل واحد ستة دوانق، وقيل: إنه فعل زمن بني أمية وأجمع أهل ذلك العصر عليه. وروى ابن سعد في الطبقات: أن عبد اللك بن مروان أول من أحدث ضربها ونقش عليها سنة خمس وسبعين. وقال الماوردي: فعله عمر ومتى زيد على الدرهم ثلاثة أسباعه كان مثقالا ومتى نقص من المثقال ثلاثة أعشاره كان درهمًا وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل وكل عشرة مثاقيل أربعة عشر درهمًا وسُبعان (وليس) ولأبى ذر: ولا (فيما دون خمس ذود) من الإبل (صدقة) وذود بفتح الذال المعجمة وسكون الواو وبالدال المهملة. قال ابن المنير: أضاف خمس إلى ذود وهو مذكر لأنه يقع على المذكر والمؤنث وأضافه إلى الجمع لأنه على المفرد والجمع، وأما قول ابن قتيبة: إنه يقع على الواحد فقط فلا يدفع ما نقله غيره أنه يقع على الجمع. انتهى. والأكثر على أن الذود من الثلاثة إلى العشرة لا واحد له من لفظه، وأنكر ابن قتيبة أن يراد بالذود الجمع، وقال: لا يصح أن يقال خمس ذود كما لا يصح أن يقال خمس ثوب، وغلطه العلماء في ذلك قال أبو حاتم السجستاني: تركوا القياس
стр. 1009
في الجمع فقالوا خمس ذود لخمس من الإبل كما قالوا ثلاثمائة على غير قياس. قال القرطبي: وهذا صريح في أن الذود واحد في لفظه والأشهر ما قاله المتقدمون أنه لا يقصر على الواحد. وقال في القاموس: من ثلاثة أبعرة إلى عشرة أو خمس عشرة أو عشرين أو ثلاثين أو ما بين الثنتين إلى التسع ولا يكون إلا من الإناث وهو واحد وجمع أو جميع لا واحد له أو واحد جمعه أذواد. (وليس فيما دون خمس) بغير تاء، وللأربعة خمسة. (أوسق) من تمر أو حب (صدقة) والأوسق بفتح الهمزة وضم السين جمع وسق بفتح الواو وكسرها وهو ستون صاعًا. والصاع: أربعة أمداد والمد رطل وثلث بالبغدادي فالأوسق الخمسة ألف وستمائة رطل بالبغدادي، ورطل بغداد على الأظهر مائة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم.
١٤٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ سَمِعَ هُشَيْمًا أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: "مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ، فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَرٍّ ﵁، فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلَكَ هَذَا؟ قَالَ: كُنْتُ بِالشَّأْمِ فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ فِي ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَالَ مُعَاوِيَةُ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقُلْتُ: نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ، فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي ذَاكَ، وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ ﵁
يَشْكُونِي، فَكَتَبَ إِلَىَّ عُثْمَانُ أَنِ اقْدَمِ الْمَدِينَةَ، فَقَدِمْتُهَا، فَكَثُرَ عَلَىَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ ذَاكَ لِعُثْمَانَ، فَقَالَ لِي: إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ فَكُنْتَ قَرِيبًا. فَذَاكَ الَّذِي أَنْزَلَنِي هَذَا الْمَنْزِلَ، وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَىَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ".
[الحديث ١٤٠٦ - طرفه في: ٤٦٦٠].
وبه قال: (حدّثنا علي) غير منسوب، ولأبي ذر: علي بن أبي هاشم واسم أبي هاشم عبيد الله الليثي البغدادي ويعرف عبيد الله بالطبراخ بكسر الطاء المهملة وسكون الموحدة وآخره خاء معجمة أنه (سمع هشيمًا) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة ابن بشير بضم الموحدة وفتح الشين ابن القاسم بن دينار قال: (أخبرنا حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين أبو الهذيل (عن زيد بن وهب) بفتح الواو أبو سليمان الهمداني الجهني الكوفي التابعي الكبير أحد المخضرمين (قال: مررت بالربذة) بفتح الراء الموحدة والذال المعجمة موضع على ثلاث مراحل من المدينة به قبر أبي ذر (فإذا أنا بأبي ذر) جندب بن جنادة (¬﵁ فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا)؟ وإنما سأله زيد عن ذلك لأن مبغضي عثمان كانوا يشنعون عليه أنه نفى أبا ذر، وقد بين أبو ذر أن نزوله في ذلك المكان إنما كان باختياره كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. (قال): أبو ذر (كنت بالشأم) أي بدمشق (فاختلفت أنا ومعاوية) بن أبي سفيان وكان إذ ذاك عامل عثمان على دمشق (في) من نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] (قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب) نظرًا إلى سياق الآية فإنها نزلت في الأحبار والرهبان الذين لا يؤتون الزكاة، قال أبو ذر: (فقلت نزلت فينا وفيهم) نظرًا إلى عموم الآية (فكان بيني وبينه في ذلك) وفي نسخة في ذاك نزاع، بل قيل: إنه كان كثير الاعتراض عليه والمنازعة له، وكان جيش معاوية يميل إلى أبي ذر وكان لا يخاف في الله لومة لائم. (وكتب) معاوية ﵁ لما خشي أن يقع بين المسلمين خلاف وفتنة (إلى عثمان ﵁ يشكوني) إما بسبب هذه الواقعة الخاصة أو على العموم (فكتب إلي عثمان) ﵁ (أن أقدم المدينة) بفتح الدال أما فعل مضارع فهمزته همزة قطع أو فعل أمر فتحذف في الوصل (فقدمتها، فكثر علي الناس) أي يسألونه عن سبب خروجه من دمشق وعما جرى بينه وبين معاوية (حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك فذكرت ذلك لعثمان فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريبًا). خشي عثمان على أهل المدينة ما خشيه معاوية على أهل الشأم (فذاك الذي أنزلني هذا المنزل). بالنصب (ولو أمروا علي) عبدًا (حبشيًّا لسمعت) قوله (وأطعت) أمره. وروى الإمام أحمد وأبو يعلى من طريق أبي حرب بن أبي الأسود عن عمه عن أبي ذر أن النبي ﷺ قال له: "كيف تصنع إذ أخرجت منه أي من المسجد النبوي" قال: آتي الشام. قال: "كيف تصنع إذا أخرجت منها" قال: أعود إليه أي إلى المسجد. قال: "كيف تصنع إذا خرجت منه؟ " قال: أضرب بسيفي. قال: "ألا أدلك على ما هو خير لك من ذلك وأقرب رشدًا تسمع وتطيع وتنساق لهم حيث ساقوك".
وفي حديث الباب رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، ومناسبته للترجمة من جهة أن ما أدّي زكاته فليس بكنز ومفهوم الآية كذلك، وأخرجه المؤلّف أيضًا في التفسير وكذا النسائي.
١٤٠٧ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى قَالَ حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ "جَلَسْتُ". ح وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلَاءِ بْنُ الشِّخِّيرِ أَنَّ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: "جَلَسْتُ إِلَى مَلإٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ وَالثِّيَابِ وَالْهَيْئَةِ، حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ يَتَزَلْزَلُ. ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ. وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ وَأَنَا لَا أَدْرِي مَنْ هُوَ، فَقُلْتُ لَهُ: لَا أُرَى الْقَوْمَ إِلاَّ قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلْتَ. قَالَ: إِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا".
وبه قال (حدّثنا عياش) بالتحتية والشين المعجمة ابن الوليد الرقام البصري (قال: حدّثنا عبد الأعلى) هو ابن عبد الأعلى السامي بالمهملة (قال: حدّثنا الجريري) بضم الجيم
стр. 1010
وفتح الراء الأولى سعيد بن أبي إياس (عن أبي العلاء) بفتح العين والهمز ممدودًا يزيد من الزيادة ابن الشخير المعافري (عن الأحنف بن قيس) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة آخره فاء (قال: جلست) قال المؤلّف: (ح).
(وحدّثني) بالإفراد (إسحاق بن منصور) الكوسج المروزي قال: (أخبرنا عبد الصمد) بن عبد الوارث (قال: حدّثنا أبي) عبد الوارث قال: (حدّثنا) سعيد (الجريري) قال: (حدّثنا أبو العلاء بن الشخير) بكسر الشين والخاء المعجمتين (أن الأحنف بن قيس حدثهم) أردف المؤلّف هذا الإسناد بسابقه وإن كان أنزل منه لتصريح عبد الصمد بتحديث أبي العلاء للجريري والأحنف لأبي العلاء. (قال): أي الأحنف (جلست إلى ملأ) أي جماعة (من قريش فجاء رجل خشن الشعر) بفتح الخاء وكسر الشين المعجمتين من الخشونة. وللقابسي: حسن بالمهملتين والأول هو الصحيح (والثياب والهيئة حتى قام) أي وقف (عليهم فسلم ثم قال: بشر الكانزين) ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] ولا يؤدون زكاتها. (برضف) بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة آخره فاء حجارة محماة (يحمى عليه) أي على الرضف. ولأبي ذر: والأصيلي: عليهم (في نار جهنم) بعدم الصرف للعجمة والعلمية أو عربي والمانع العلمية والتأنيث (ثم يوضع) الرضف (على حلمة ثدي أحدهم) بفتح لام حلمة وهي ما نشز من الثدي وطال (حتى يخرج من نغض كتفه) بضم النون وسكون الغين المعجمة آخره ضاد معجمة ويسمى الغضروف وهو العظم الرقيق على طرف الكتف أو هو أعلاه، وأصل النغص الحركة فسمي به الشاخص من الكنف لأنه يتحرك من الإنسان في مشيه وتصرفه وكتفه بالإفراد، (ويوضع) الرضف (على نغص كتفه) بالإفراد (حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل) أي يتحرك ويضطرب الرضف (ثم ولّى) أدبر (فجلس إلى سارية) اسطوانة (وتبعته وجلست إليه وأنا لا أدري من هو فقلت له: لا أرى) بضم الهمزة أي لا أظن (القوم إلا قد كرهوا الذي قلت) لهم بفتح التاء خطاب لأبي ذر (قال) أبو ذر: (إنهم لا يعلقون شيئًا) فسره بجمعهم الدنيا كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
١٤٠٨ - قَالَ لِي خَلِيلِي -قَالَ قُلْتُ: مَنْ خَلِيلُكَ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَبَا ذَرٍّ أَتُبْصِرُ أُحُدًا؟ قَالَ فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ، وَأَنَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ، قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلاَّ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ. وَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ، إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا. لَا وَاللَّهِ، لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ ".
(قال لي خليلي: قال): الأحنف (قلت من) ولأبي ذر: ومن (خليلك) زاد في نسخة يا أبا ذر (قال): أبو ذر: هو أي خليلي (النبي ﷺ ¬) وقوله:
(يا أبا ذر أتبصر أحدًا)؟ الجبل المشهور معمول قال لي خليلي وحينئذ يستقيم الكلام ولا يقال فيه حذف خلافًا لابن بطال والزركشي وغيرهما حيث قالوا: أسقط قال النبي ﷺ في جواب السائل من خليلك، أو قال النبي الثابتة جوابه وسقط قوله قال النبي يا أبا ذر، أو الساقط كما قاله في فتح الباري قال فقط من قوله قال: يا أبا ذر أتبصر؟ قال: وكأن بعض الرواة ظنها مكررة فحذفها ولا بد من إثباتها انتهى. (قال: فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار) قال البرماوي كالكرماني والزركشي والعيني أي أي شيء بقي منه وكأنهم جعلوها استفهامية. قال البدر الدماميني: وليس المعنى عليه إنما المعنى فنظرت إلى الشمس أتعرف القدر الذي بقي من النهار وأنظر الذي بقي منه فهي موصولة (وأنا أرى) بضم الهمزة أي أظن (أن رسول الله ﷺ يرسلني في حاجة له. قلت: نعم) جواب أتبصر أحدًا. (قال: ما أحب أن لي مثل أُحد الجبل المشهور (ذهبًا) مثل اما اسم أن أو حال مقدمة على الخبر وذهبًا تمييز (أنققه) لخاصة نفسي (كله) أي مثل كل أحد ذهبًا (إلا ثلاثة دنانير) قال الكرماني: يحتمل أن هذا المقدار كان دينًا أو مقدار كفاية إخراجات تلك الليلة له ﷺ ، وهذا محمول على الأولوية لأن جمع المال وإن كان مباحًا لكن الجامع مسؤول عنه. وفي المحاسبة خطر فكان الترك أسلم، وما ورد من الترغيب في تحصيله وإنفاقه في حقه محمول على من وثق بأنه يجمعه من الحلال الذي يأمن معه من خطر المحاسبة (وإن هؤلاء لا يعقلون) هو من قول أبي ذر عطفًا على قوله لا يعقلون شيئًا الأول وكرره للتأكيد وربط ما بعده به (إنما يجمعون الدنيا) بيان لعدم عقلهم كما مرّ (لا والله) ولأبي ذر عن الكشميهني: ولا الله (لا أسألهم دنيا) أي شيئًا من متاعها بل
стр. 1011
أقنع بالقليل وأرضى باليسير (ولا أستفتيهم عن دين) اكتفاء بما سمعه من العلم من رسول الله ﷺ (حتى ألقى الله فيه كثرة زهد أبي ذر، وقد كان مذهبه أنه يحرم على الإنسان ادخار ما زاد على حاجته.
وفي هذا الحديث التحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواته كلهم بصريون، وأخرجه مسلم في الزكاة أيضًا.
٥ - باب إِنْفَاقِ الْمَالِ فِي حَقِّهِ
(باب إنفاق المال في حقه).
١٤٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِي قَيْسٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا».
وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) الزمن البصري قال: (حدّثنا يحيى) القطان (عن إسماعيل) بن أبي خالد واسمه سعد الكوفي (قال: حدّثني) بالإفراد (قيس) هو ابن حازم واسمه عوف الأحمسي البجلي (عن ابن مسعود، ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول):
(لا حسد) لا غبطة (إلا في اثنتين) بالتأنيث أي خصلتين (رجل) بالجر بدل من اثنتين على حذف مضاف. ولأبي ذر: رجل بالرفع على إضمار مبتدأ أي أحدهما رجل (آتاه) بالمد أي أعطاه (الله مالاً فسلطه على هلكته) بفتح اللام وفيه مبالغتان التعبير بالتسليط المقتضي للغلبة وبالهلكة المشعرة بفناء الكل (في الحق) أخرج التبذير الذي هو صرف المال فيما لا ينبغي (ورجل) بالجر، ولأبي ذر: ورجل بالرفع (آتاه الله) أعطاه (حكمة) القرآن أو السنة كما قال الإمام الشافعي في الرسالة (فهو يقضي بها ويعلمها).
فإن قلت: كل خير يتمنى مثله شرعًا فما وجه حصر التمني في هاتين الخصلتين؟ أجاب ابن المنير الحصر هنا غير مراد إنما المراد مقابلة ما في الطباع بضده لأن الطباع تحسد على جمع المال وتذم ببذله فبين الشرع عكس الطبع فكأنه قال: لا حسد إلا فيما تذمون عليه ولا مذمة إلا فيما تحسدون عليه، ووجه المؤاخاة بين الخصلتين أن المال يزيد بالإنفاق ولا ينقص لقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] ولقوله ﵊: "ما نقص مال من صدقة" والعلم يزيد أيضًا بالإنفاق منه وهو التعليم فتواخيا.
وهذا الحديث سبق في كتاب العلم في باب الاغتباط.
٦ - باب الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ
لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿الْكَافِرِينَ﴾. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿صَلْدًا﴾: لَيْسَ عَلَيْهِ شَىْءٌ وَقَالَ عِكْرِمَةُ ﴿وَابِلٌ﴾: مَطَرٌ شَدِيدٌ. وَ ﴿الطَّلُّ﴾: النَّدَى.
(باب الرياء في الصدقة لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا﴾ ثواب (﴿صدقاتكم بالمنّ والأذى﴾ إلى قوله: ﴿الكافرين﴾) [البقرة: ٢٦٤] ولأبوي ذر والوقت: إلى قوله: ﴿والله لا يهدي القوم الكافرين﴾ (وقال ابن عباس ﵄¬) مما وصله ابن جرير (﴿صلدًا﴾ ليس عليه شيء. وقال عكرمة): مولى ابن عباس مما وصله عبد بن حميد (﴿وابل﴾) [البقرة: ٢٦٥] (مطر شديد و ﴿الطل﴾
الندى) شبه الذي يبطل صدقته بالمنّ والأذى بالذي ينفق ماله رئاء الناس لأجل مدحتهم وشهرته بالصفات الجميلة مظهرًا أنه يريد وجه الله، ولا ريب أن الذي يرائي في صدقته أسوأ حالاً من المتصدّق بالمن لأنه معلوم أن المشبه به أقوى حالاً من المشبه، ومن ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] ثم ضرب مثل ذلك المرائي بالإنفاق بقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ أي حجر أملس عليه تراب فأصابه مطر كبير القطر فتركه صلدًا أملس نقيًّا من التراب كذلك أعمال المرائين تضمحل عند الله فلا يجد المرائي بالإنفاق يوم القيامة ثواب شيء من نفقته كما لا يحصل النبات من الأرض الصلدة. والضمير في لا يقدرون للذي ينفق باعتبار المعنى لأن المراد به الجنس أو الجمع. أي: ينتفعون بما فعلوا ولا يجدون ثوابه. وفي قوله تعالى: ﴿والله لا يهدي القوم الكافرين﴾ تعريض بأن الرياء والمن والأذى على الإنفاق من صفة الكفار فلا بد للمؤمن أن يجتنبها.
٧ - باب لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ، وَلَا يَقْبَلُ إِلاَّ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾
هذا (باب) بالتنوين (لا يقبل الله صدقة) ولأبي الوقت: الصدقة (من غلول)، بضم الغين المعجمة في المغنم، وللحموي والكشميهني: لا تقبل الصدقة من غلول بضم أول تقبل وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول وهو طرف من حديث الباب أخرجه مسلم. (ولا يقبل إلا من كسب طيب). هذا للمستملي وحده وهو طرف من حديث الباب (لقوله) تعالى: ﴿ويربي الصدقات﴾ زاد أبو ذر: ﴿قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم﴾ [البقرة: ٢٦٣].
٨ - باب الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ
لِقَوْلِهِ: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
(باب الصدقة من كسب طيب لقوله ﴿ويربي الصدقات﴾ يكثرها وينميها. وقوله: ويربي بضم أوّله وسكون ثانيه وتخفيف الموحدة كذا التلاوة. وفي نسخة: ويربي بفتح الراء وتشديد
стр. 1012
الموحدة (﴿والله لا يحب﴾) لا يرتضي (﴿كل كفار﴾) مصر على تحليل الحرام (﴿أثيم﴾) [البقرة: ٢٧٦] فاجر بارتكابه (﴿إن الذين آمنوا﴾) بالله ورسله وبما جاء منه (﴿وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾) عطفهما على الأعم لشرفهما على سائر الأعمال الصالحة (﴿لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم﴾) من آت (﴿ولا هم يحزنون﴾) [البقرة: ٢٧٧]، على فائت. ولغير أبي ذر: ﴿ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم﴾ إلى قوله: ﴿ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ قال ابن
بطال: لما كانت هذه الآية مشتملة على أن الربا يمحقه الله لأنه حرام دل ذلك على أن الصدقة التي تتقبل لا تكون من جنس الممحوق انتهى.
وقال الكرماني: لفظ الصدقات وإن كان أعم من أن يكون من الكسب الطيب ومن غيره لكنه مقيد بالصدقات التي من الكسب الطيب بقرينة سياق ولا تيمموا الخبيث، وبهذا تحصل المناسبة بين قوله: لا تقبل الصدقة إلا من كسب طيب وهذه الآية. والجواب عن قول ابن التين: إن تكثير أجر الصدقة ليس علة لكون الصدقة من كسب طيب وكان الأبين أن يستدل بقوله تعالى: ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ [البقرة: ٢٧٦].
١٤١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ -وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ- وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي، أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ». تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ عَنِ ابْنِ دِينَارٍ. وَقَالَ وَرْقَاءُ عَنِ ابْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَسُهَيْلٌ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
[الحديث ١٤١٠ - طرفه في: ٧٤٣٠].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي الوقت: حدّثني (عبد الله بن منير) بضم الميم وكسر النون أنه (سمع أبا النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة سالم بن أبي أمية قال: (حدّثنا عبد الرحمن -هو ابن عبد الله بن دينار- عن أبيه) عبد الله (عن أبي صالح) ذكوان السمان (عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(من تصدق بعدل تمرة) بمثناة فوقية وسكون الميم العدل عند الجمهور بفتح العين المثل وبالكسر الحمل بكسر الحاء أي بقيمة تمرة (من كسب طيب) حلال (ولا يقبل الله إلا الطيب) جملة معترضة بين الشرط والجزاء تأكيدًا لتقرير المطلوب في النفقة (وإن الله) بالواو، ولأبي الوقت: فإن الله (يتقبلها) بمثناة فوقية بعد التحتية (بيمينه) -قال الخطابي: ذكر اليمين لأنها في العرف لما عز والأخرى لما هان. وقال ابن اللبان: نسبة الأيدي إليه تعالى استعارة لحقائق أنوار علوية يظهر عنها تصرفه وبطشه بدءًا وإعادة، وتلك الأنوار متفاوتة في روح القرب وعلى حسب تفاوتها وسعة دوائرها تكون رتبة التخصيص لما ظهر عنها، فنور الفضل باليمين ونور العدل باليد الأخرى والله متعالٍ عن الجارحة. وعند البزار من حديث عائشة: فيتلقاها الرحمن بيده. (ثم يربيها لصاحبه) وللكشميهني لصاحبها بمضاعفة الأجر أو المزيد في الكمية (كما يربي أحدكم فلوه) بفتح الفاء وضم
اللام وفتح الواو المشددة المهر حين يفطم وهو حينئذ يحتاج إلى تربية غير الأم، والذي في اليونينية:
فلوه بفتح الفاء وسكون اللام وفتح الواو (حتى تكون) بالمثناة الفوقية أي حتى تكون التمرة (مثل الجبل) لتثقل في ميزانه أو المراد الثواب. وفي رواية القاسم عند الترمذي: حتى أن اللقمة لتصير مثل أُحد وضرب المثل بالمهر، لأنه يزيد زيادة بينة ولأن الصدقة نتاج العمل وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية إذا كان فطيمًا فإذا أحسن العناية به انتهى إلى حد الكمال، وكذلك الصدقة فإن العبد إذا تصدق من كسب طيب لا يزال نظر الله إليها يكسبها نعت الكمال حتى تنتهي بالتضعيف إلى نصاب تقع المناسبة بينه وبين ما قدّم نسبة ما بين التمرة إلى الجبل قاله في الفتح.
(تابعه) أي تابع عبد الرحمن (سليمان) بن بلال (عن ابن دينار) عبد الله وهذه المتابعة ذكرها المصنف في التوحيد لكن بمخالفة يسيرة في اللفظ ووصلها أبو عوانة وغيره (وقال) مما وقع له مذاكرة (ورقاء) بن عمر (عن ابن دينار) عبد الله (عن سعيد بن يسار) بالتحتية والمهملة المخففة (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬). وقد خالف ورقاء عبد الرحمن بن سليمان فجعل شيخ ابن دينار فيه سعيد بن يسار بدل أبي صالح. قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على رواية ورقاء هذه موصولة. وقال العيني: وصلها البيهقي في سننه من رواية أبي النضر هاشم بن القاسم حدّثنا ورقاء. وقال الزين العراقي: رويناه في الجزء الرابع من
стр. 1013
فوائد أبي بكر الشافعي قال: حدّثنا محمد يعني ابن غالب حدّثنا عبد الصمد حدّثنا ورقاء. وقال الحافظ ابن حجر في كتاب التوحيد من فتحه وقد ذكرت في الزكاة أني لم أقف على رواية ورقاء هذه المعلقة ثم وجدتها بعد ذلك عند كتابتي هنا فقد وصلها البيهقي.
(ورواه) أي الحديث المذكور (مسلم بن أبي مريم) السلمي المدني مما وصله القاضي يوسف بن يعقوب في كتاب الزكاة (وزيد بن أسلم وسهيل) مما وصله عنهما مسلم (عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬). ووقع في رواية أبي ذر بعد قوله في الترجمة ولا تقبل إلا من كسب طيب لقوله قول معروف أي كلام حسن ورد جميل ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني عن إنفاق كل منفق حليم لا يعجل العقوبة، باب فضل الصدقة من كسب، أي مكسوب، والمراد ما هو أعم من تعاطي التكسب فيدخل الميراث وذكر الكسب لأنه الغالب في تحصيل المال طيب حلال لقوله تعالى: ﴿ويربي الصدقات﴾ وذكر بقية الآية والحديث كما سبق، وعزا الحافظ ابن حجر الباب والترجمة للمستملي والكشميهني، وعلى هذا فتخلو ترجمة لا تقبل صدقة من غلول من حديث وتكون كالتي قبلها في الاقتصار على الآية، ولكن تزيد عليها بالإشارة إلى لفظ الحديث الذي في الترجمة كما وقع التنبيه عليه.
٩ - باب الصَّدَقَةِ قَبْلَ الرَّدِّ
(باب الصدقة قبل الرد) ممن يريد المتصدق أن يتصدق عليه لاستغنائه بما تخرجه الأرض من كنوزها.
١٤١١ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا، فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا، يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا».
[الحديث ١٤١١ - طرفاه في: ١٤٢٤، ٧١٢٠].
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا معبد بن خالد) بفتح الميم والموحدة بينهما عين مهملة ساكنة الجدلي بالجيم والدال المهملة المفتوحتين الكوفي القاص بالقاف والصاد المهملة المشددة العابد (قال: سمعت حارثة بن وهب) بالحاء المهملة والمثلثة ووهب بفتح الواو وسكون الهاء الخزاعي أخا عبد الله بن عمر بن الخطاب لأمه ﵁ (قال: سمعت النبي ﷺ يقول):
(تصدقوا فإنه يأتي عليكم زمان يمشي الرجل) فيه (بصدقته) جملة يمشي في محل رفع على أنها صفة لزمان والعائد محذوف أي فيه (فلا يجد من يقبلها. يقول الرجل): الذي يريد المتصدق أن يعطيه الصدقة (لو جئت بها بالأمس) حيث كنت محتاجًا إليها (لقبلتها. فأما اليوم فلا حاجة لي بها) وللمستملي والحموي: فيها. وفي الحديث الحث على الصدقة والإسراع بها.
فإن قلت: إن الحديث خرج مخرج التهديد على تأخير الصدقة فما وجه التهديد فيه مع أن الذي لا يجد من يقبل صدقته قد فعل ما في وسعه كما فعل الواجد لمن قبل صدقته؟ والجواب: أن التهديد مصروف لمن أخرها عن مستحقها ومطله بها حتى استغنى ذلك الفقير المستحق فغنى الفقير لا يخلص ذمة الغني المماطل في وقت الحاجة قاله ابن المنير.
وهذا الحديث من الرباعيات، ورواته عسقلاني وواسطي وكوفي، وفيه التحديث والسماع والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الفتن، ومسلم في الزكاة.
١٤١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ، فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) ذكوان (عن عبد الرحمن) بن هرمز الأعرج (عن أبي هريرة ﵁ قال، قال النبي ﷺ ¬):
(لا تقوم الساعة حنى يكثر فيكم المال فيفيض) بفتح المثناة التحتية من فاض الإناء فيضًا إذا امتلأ منصوب عطفًا على الفعل المنصوب (حتى يهم رب المال من يقبل صدقته) بضم الياء وكسر الهاء من أهم والهم الحزن. رب نصب كذا في الفرع وغيره وضبطه الأكثرون على وجهين يهم بفتح أوله
وضم الهاء من الهم بفتح الهاء وهو ما يشغل القلب من أمر يهم به، ورب منصوب مفعول يهم، ومن يقبل صدقته في محل رفع على الفاعلية وأسند الفعل إليه لأنه كان سببًا فيما حصل لصاحب المال وبضم الياء وكسر الهاء من أهمه الأمر إذا أقلقه. قال العيني: فعلى هذا أيضًا الإعراب مثل الأول أي في نصب رب على المفعولية لأن كلاًّ من مفتوح الياء ومضمومها متعد. يقال: همه الأمر وأهمه. وقال النووي: ضبطوه بوجهين أشهرهما بضم أوّله وكسر الهاء ورب مفعول والفاعل من يقبل، والمعنى أنه يقلق صاحب المال
стр. 1014
ويحزنه أمر من يأخذ منه زكاة ماله لفقد المحتاج لأخذ الزكاة لعموم الغنى لجميع الناس، والثاني بفتح أوّله وضم الهاء من هم بمعنى قصد ورب فاعل ومن مفعول أي يقصده فلا يجده انتهى. ففرقوا بينهما فجعلوا الأول متعديًا من الإهمام ورب مفعولاً والثاني من الهم القصد ورب فاعلاً. وتعقب الزركشي والبرماوي وغيرهما الثاني فقالوا: هذا ليس بشيء إذ يصير
التقدير يقصد الرجل من يأخذ ماله فيستحيل وليس المعنى إلا على الأول. وأجاب البدر الدماميني: بأنه لا استحالة أصلاً فإنهم قالوا المعنى أنه يقصد من يأخذ ماله فلا يجده، وإذا لم يجد الإنسان طلبته التي هو حريص عليها فلا شك أنه يحزن ويقلق لفوات مقصوده فعاد هذا إلى المعنى الأول انتهى.
ولأبي ذر عن الكشميهني: حتى يهم رب المال من يقبله أي المال صدقة (وحتى يعرضه) بفتح أوله (فيقول الذي يعرضه عليه:) بنصب يقول عطفًا على الفعل المنصوب قبله (لا أرب لي) بفتحات أي لا حاجة لي لاستغنائي عنه. قال الزركشي والكرماني والبرماوي: كأنه سقط من الكتاب كلمة فيه أي بعد قوله "لا أرب لي" قال العيني مشيرًا إلى الكرماني: السقط كأنه كان في نسخته وهو موجود في النسخ انتهى.
والظاهر أن النسخ التي وقف عليها العيني ليست معتمدة فقد راجعت أصولاً معتمدة فلم أجدها مع ما هو مفهوم كلام الحافظ ابن حجر أو منطوقه في شرحه لهذا الموضع حيث قال قوله لا أرب لي: زاد في الفتن به فلو كانت ثابتة في الرواية هنا لما احتاج أن يقول زاد في الفتن به، بل قال البدر الدماميني: إن رواة البخاري متفقون على رواية هذا الحديث بدون هذه اللفظة والمعنى عليها في كلام المتكلم يقول: لا أرب لي بحذف الجار والمجرور لقيام القرينة انتهى.
وقول البرماوي كالكرماني وغيرهما وقد وجد ذلك في زمن الصحابة كان تعرض عليهم الصدقة فيأبون قبولها يشيرون به إلى نحو حكيم بن حزام إذ دعاه الصديق ﵁ ليعطيه عطاء فأبى وعرض عليه عمر بن الخطاب قسمه من الفيء فلم يقبله رواه الشيخان وغيرهما، ولكن هذا إنما كان لزهدهم وإعراضهم عن الدنيا مع قلة المال وكثرة الاحتياج ولم يكن لفيض المال وحينئذ فلا يستشهد به في هذا المقام.
١٤١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ أَخْبَرَنَا سَعْدَانُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُجَاهِدٍ حَدَّثَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ الطَّائِيُّ قَالَ سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ﵁ يَقُولُ "كُنْتُ عِنْدَ
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا يَشْكُو الْعَيْلَةَ، وَالآخَرُ يَشْكُو قَطْعَ السَّبِيلِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَّا قَطْعُ السَّبِيلِ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكَ إِلاَّ قَلِيلٌ حَتَّى تَخْرُجَ الْعِيرُ إِلَى مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ. وَأَمَّا الْعَيْلَةُ فَإِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى يَطُوفَ أَحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ لَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ. ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلَا تُرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ: أَلَمْ أُوتِكَ مَالاً؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى. ثُمَّ لَيَقُولَنَّ: أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولاً؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى. فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلاَّ النَّارَ، ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرَى إِلاَّ النَّارَ. فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ».
[الحديث ١٤١٣ - أطرافه في: ١٤١٧، ٣٥٩٥، ٦٠٢٣، ٦٥٣٩، ٦٥٤٠، ٦٥٦٣، ٧٤٤٣، ٧٥١٢].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا أبو عاصم النبيل) قال: (أخبرنا سعدان بن بشر) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة الجهني قال: (حدّثنا أبو مجاهد) سعد الطائي قال: (حدّثنا محل بن خليفة) بضم الميم وكسر الحاء المهملة وتشديد اللام (الطائي قال: سمعت عدي بن حاتم) الطائي (¬﵁¬) والده الجواد المشهور أسلم سنة تسع أو عشر وتوفي بعد الستين وقد أسن، قيل: بلغ مائة وعشرين، وقيل مائة وثمانين (يقول: كنت عند رسول الله ﷺ فجاءه رجلان) قال الحافظ ابن حجر: لم أعرفهما (أحدهما يشكو العيلة) بفتح العين أي الفقر (والآخر يشكو قطع السبيل) أي الطريق من طائفة يترصدون في المكامن لأخذ مال أو لقتل أو ارعاب مكابرة اعتمادًا على الشوكة مع البعد عن الغوث، (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(أما قطع السيل فإنه لا ويأتي عليك إلا قليل) بالرفع على البدل (حتى تخرج العير) بكسر العين المهملة وسكون المثناة التحتية الإبل تحمل الميرة (إلى مكة بغير خفير) بفتح الخاء المعجمة وكسر الفاء المجير الذي يكون القوم في خفارته وذمته (وأما العيلة فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه) لاستغنائه عنها (ثم ليقفن أحدكم بين يدي الله) (ليس بينه وبينه حجاب) هذا على سبيل التمثيل وإلاّ فالباري لا يحيط به شيء ولا يحجبه حجاب، وإنما يستر تعالى عن أبصارنا بما وضع فيها من الحجب للعجز عن الإدراك في الدنيا فإذا كان يوم القيامة كشفها عن أبصارنا وقوّاها حتى نراه معاينة كما نرى القمر ليلة البدر (ولا ترجمان) بفتح التاء وضمها وضم الجيم (يترجم له ثم ليقولن له: ألم أوتك مالاً؟) زاد أبو الوقت: وولدًا (فليقولن: بلى.
стр. 1015
ثم ليقولن: ألم أرسل إليك رسولاً؟ فليقولن: بلى فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار فليتقين أحدكم) بسكون اللام، وزاد أبو ذر عن الكشميهني: (النار)، وفي نسخة: (ولو بشق تمرة) بكسر الشين المعجمة بنصفها (فإن لم يجد) شيئًا يتصدق به على المحتاج (فبكلمة طيبة) يردّه بها ويطيب قلبه ليكون ذلك سببًا لنجاته من النار.
وفي هذا الحديث التحديث والأخبار والسماع والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في علامات النبوة والنسائي في الزكاة.
١٤١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً يَلُذْنَ بِهِ، مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ».
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي الوقت: حدّثني (محمد بن العلاء) بفتح العين والمد أبو كريب قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الليثى (عن بريد) بضم الموحدة وفتح الراء بن عبد الله (عن) جده (أبي بردة) بضم الباء وسكون الراء عامر أو الحرث بن أبي موسى (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (-رضي الله- عنه عن النبي ﷺ قال):
(ليأتين على الناس زمان) قيل هو زمان عيسى ﵊ (يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب) خصه بالذكر مبالغة في عدم من يقبل الصدقة لأن الذهب أعز الأموال وأشرفها فإذا لم يوجد من يأخذه فغيره بطريق الأولى والقصد عدم حصول القبول مع اجتماع ثلاثة أشياء: طواف الرجل بصدقته، وعرضها على من يأخذها، وكونها من ذهب (ثم لا يجد أحدًا يأخذها منه ويرى الرجل) بضم المثناة التحتية وفتح الراء مبنيًا للمفعول (الواحد) حال كونه (يتبعه أربعون امرأة يلذن به) بضم اللام وسكون الذال المعجمة أي يلتجئن إليه (من قلة الرجال) بسبب كثرة الحروب والقتال الواقع في آخر الزمان لقوله ﵊: يكثر الهرج (وكثرة النساء).
ورواة هذا الحديث كلهم كوفيون وأخرجه مسلم بسند البخاري.
١٠ - باب اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَالْقَلِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ -وَإِلَى قَوْلِهِ- ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾.
هذا (باب) بالتنوين (اتقوا النار ولو بشق تمرة)، هذا لفظ الحديث.
(والقليل من الصدقة) بجر القليل عطفًا على سابقه من عطف العام على الخاص أي اتقوا النار ولو بالقليل من الصدقة (﴿ومثل الذين ينفقون أموالهم﴾) شامل للقليل والكثير (﴿ابتغاء مرضاة الله وتثبيتًا من أنفسهم﴾) [البقرة: ٢٦٥] أي: وتثبيت بعض أنفسهم على الإيمان فإن المال شقيق الروح فمن بذل ماله لوجه الله ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه ثبتها كلها أو تصديقًا وتيقنًا من أصل أنفسهم أن الله سيجزيهم على ذلك، وفيه تنبيه على ذلك، وفيه تنبيه على أن حكمة الانفاق
للمنفق تزكية النفس عن البخل وحب المال (الآية) أي إلى آخرها. ومعناها: أن مثل نفقة هؤلاء في الزكاة كمثل جنة خبر المبتدأ الذي هو مثل الذين ينفقون كمثل بستان بموضع مرتفع من الأرض فإن شجره يكون أحسن منظرًا وأزكى ثمرًا أصاب الجنة مطر عظيم القطر فأعطت ثمرتها ضعفين بالنسبة إلى غيرها من البساتين فإن لم يصبها وابل فطل أي فيصيبها مطر صغير القطر أو فطل يكفيها لكرم منبتها وبرودة هوائها لارتفاع مكانها يعني نفقاتهم زاكية عند الله وإن كانت متفاوتة بحسب أحوالهم كما أن الجنة تثمر قل المطر أو كثر، (إلى قوله) تعالى: (﴿ومن كل الثمرات﴾ [الأعراف: ٥٧] ولأبي ذر: ﴿ومثل الذين ينفقون أموالهم﴾ إلى قوله: ﴿فيها من كل الثمرات﴾ [محمد ﷺ : ١٥] كأن البخاري أتبع الآية الأولى التي ضربت مثلاً بالربوة بالآية الثانية التي تضمنت ضرب المثل لمن عمل عملاً يفقده أحوج ما كان إليه للإشارة إلى اجتناب الرياء في الصدقة، ولأن قوله تعالى: ﴿والله بما
تعملون بصير﴾ [البقرة: ٢٦٥] يشعر بالوعيد بعد الوعد فأوضحه بذكر الآية الثانية، وكأن هذا هو السر في اقتصاره على بعضها اختصارًا.
١٤١٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الْحَكَمُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ اليَمَان عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَىْءٍ كَثِيرٍ، فَقَالُوا: مُرَاءٍ. وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ، فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا. فَنَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ الآيَةَ.
[الحديث ١٤١٥ - أطرافه في: ١٤١٦، ٢٢٧٣، ٤٦٦٨، ٤٦٦٩].
وبالسند قال: (حدّثنا عبيد الله بن سعيد) بتصغير عبد وكسر عين سعيد بن يحيى اليشكري قال: (حدّثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله) ولأبي ذر: هو الحكم بن عبد الله، ولابن عساكر: الحكم هو ابن عبد الله (البصري) قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران الأعمش (عن أبي وائل) بالهمز شقيق بن سلمة (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري مشهور بكنيته، وجزم
стр. 1016
المؤلّف بأنه شهد بدرًا واستخلف مرة على الكوفة وتوفي قبل سنة أربعين أو فيها، وصحح في الإصابة أنه مات بعدها لأنه أدرك إمارة المغيرة على الكوفة. قال: وذلك بعد سنة أربعين قطعًا (﵁ قال: لما نزلت آية الصدقة) هي قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣] (كنا نحامل)، بضم النون وبالحاء المهملة أي نحمل الحمل على ظهورنا بالأجرة. قال الخطابي: يريد نتكلف الحمل لنكسب ما نتصدق به، (فجاء رجل) هو عبد الرحمن بن عوف (فتصدق بشيء كثير)، نصف ماله ثمانية آلاف أو أربعة آلاف ذكره الواقدي، وقيل هو عاصم بن عدي وكان تصدق بمائة وسق (فقالوا) أي المنافقون (مراءٍ، وجاء رجل) هو أبو عقيل بفتح العين الأنصاري (فتصدق بصاع)، من تمر وكان قد آجر نفسه على النزع من البئر بالحبل على صاعين فترك صاعًا له وجاء بالآخر (فقالوا) أي المنافقون (إن الله لغني عن صاع هذا فنزلت: ﴿الذين يلمزون﴾ يعيبون
(﴿المطوعين﴾) أصله المتطوعين فأبدلت التاء طاء وأدغمت التاء في الطاء (﴿من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم﴾ الآية) [التوبة: ٧٩] أي: طاقتهم مصدر جهد في الأمر إذا بالغ فيه فيسخرون منهم سخر الله منهم جازاهم على سخريتهم ولهم عذاب أليم على كفرهم. وذكر الخطيب في المتفق في ترجمة زيد بن أسلم من طريق مغازي الواقدي من اللامزين معتب بن قشير وعبد الرحمن بن نبتل بنون ومثناة فوقية مفتوحتين بينهما موحدة ساكنة ثم لام.
وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والقول، ورواية تابعي عن تابعي عن صحابي، وأخرجه المؤلّف أيضًا في التفسير والزكاة، ومسلم والنسائي في الزكاة، وابن ماجة في الزهد.
١٤١٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَتَحَامَلَ، فَيُصِيبُ الْمُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ الْيَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ".
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن يحيى) البغدادي قال: (حدّثنا أبي) يحيى بن سعيد بن أبان قال: (حدّثنا الأعمش) سلمان بن مهران (عن شقيق) أبي وائل بن سلمة (عن أبي مسعود الأنصاري ﵁) أنه (قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمرنا بالصدقة انطلق أحدنا إلى السوق فيحامل) بضم المثناة التحتية وكسر الميم وضم اللام فعلاً مضارعًا، ولغير أبي ذر: فتحامل بفتح المثناة الفوقية والميم واللام فعلاً ماضيًا أي تكلف الحمل بالأجرة ليكسب ما يتصدق به (فيصيب المدّ) في مقابلة أجرته فيتصدق به (وإن لبعضهم اليوم لمائة ألف) من الدراهم أو الدنانير أو الأمداد فلا يتصدق، واسم إن قوله لمائة والجار والمجرور خبرها فصل بينهما بالظرف وهو متعلق بالظرف المستقر الذي هو الخبر أو بالعامل فيه على الخلاف. وحكى الزركشي رفع لمائة وبيض لتوجيهه: ووجهه البرماوي بأن اسم أن ضمير الشأن ولمائة مبتدأ خبره لبعضهم والجملة خبر إن أي نحو قوله: إن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون، لكن قال البدر الدماميني: يمنع منه اقتران المبتدأ بلام الابتداء وهي مانعة من تقدم الخبر على المبتدأ المقرون بها ودعوى زيادتها ضعيف جدًّا انتهى.
١٤١٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ».
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (قال: سمعت عبد الله بن معقل) بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف أبا الوليد المزني (قال: سمعت عدي بن حاتم) الطائي (-رضي الله- عنه قال: سمعت رسول الله) ولأبي ذر: النبي (¬ ﷺ يقول):
(اتقوا النار ولو) كان الاتقاء (بشق تمرة) واحدة فإنه يفيد والشق بكسر الشين المعجمة أي نصفها أو جانبها فلا يحقر الإنسان ما يتصدق به وإن كان يسيرًا فإنه يستر المتصدق به من النار.
١٤١٨ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "دَخَلَتِ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَىْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ".
[الحديث ١٤١٨ - طرفه في: ٥٩٩٥]
وبه قال: (حدّثنا بشر بن محمد) بكسر الموحدة وسكون المعجمة السجستاني المروزي (قال: أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن) ابن شهاب (الزهري قال: حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن أبي بكر بن حزم) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي المعجمة (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂ قالت: دخلت امرأة) قال الحافظ ابن حجر: لم أعرف اسمها ولا ابنتيها (معها ابنتان) كائنتان (لها) في موضع
стр. 1017
رفع صفة لابنتان حال كونها (تسأل) عطاء (فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة) واحدة (فأعطيتها إياها) لم تردّها خائبة وهي تجد شيئًا امتثالاً لقوله ﷺ لها: "لا يرجع سائل من عندك ولو بشق تمرة". رواه البزار من حديث أبي هريرة (فقسمتها) السائلة (بين ابنتيها ولم تأكل منها) شيئًا لما جعل الله في قلوب الأمهات من الرحمة، (ثم قامت فخرجت فدخل النبي ﷺ علينا فأخبرته) بسكون الراء بشأن السائلة (فقال):
(من ابتلي) وفي رواية أبي ذر: فقال النبي ﷺ : من ابتلى (من هذه البنات) الإشارة إلى أمثال من ذكر الفاقة أو إلى جنس البنات مطلقًا (بشيء) من أحوالهن أو من أنفسهن وسماه ابتلاء لموضع الكراهة لهن (كن له سترًا) لم يقل أستارًا بالجمع لأن المراد الجنس المتناول للقليل والكثير أي حجابًا (من النار) ومناسبة الحديث للترجمة قال ابن المنير وتبعه كثير من الشراح من جهة أم البنتين لأنها لما قسمت التمرة بينهما فقد تصدقت على كل واحدة بشق تمرة. وقال النبي ﷺ في حقها كلامًا عامًّا تندرج فيه حيث قال: "من ابتلي من هذه البنات بشيء كن له سترًا من النار" لكن تعقبه في المصابيح بأن المؤلّف لم ليدخل تحت عهدة الاستدلال بهذا الحديث بعينه على أن الصدقة بشق التمرة تقي من النار حتى يتكلف له مثل هذا فإنه عقد الباب للأمر باتقاء النار ولو بشق تمرة وللقليل من الصدقة وقد وفى بالأمرين معًا. فحديث ابن معقل فيه اتقاء النار ولو بشق تمرة، وحديث عائشة ﵂ فيه الأصدقة بالشيء القليل. كما أن في الأحاديث المتقدمة الإشارة إلى القليل من الصدقة فأي حاجة بعد ذلك إلى التكلف، وليس في حديث عائشة أنه ﷺ تعرض إلى فعلته من قسم التمرة بين البنتين، وإنما فيه الأخبار بأن الابتلاء بشيء من البنات سبب من الستر من النار على أن ما قاله
محتمل، ويحتمل أيضًا أن يكون حديث عائشة مشوقًا للأمرين معًا لقضية بالقليل وهو ما فعلته عائشة من التصدق بالتمرة ولاتقاء النار ولو بشق تمرة وهو ما فعلته أم البنتين.
وفي هذا الحديث التحديث والأخبار والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في الأدب وكذا مسلم، وأخرجه أيضًا الترمذي في البر وقال: حسن صحيح.
١١ - باب أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ وَصَدَقَةُ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ
لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠] الآيَةَ.
وَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٥٤] الآيَةَ.
هذا (باب) بالتنوين (أي الصدقة) من الصدقات (أفضل) وأعظم أجرًا (وصدقة الشحيح) صفة مشبهة من الشح وهو بخل مع حرص (الصحيح) الذي لم يعتره مرض مخوف ينقطع عنده أمله من الحياة (لقوله) تعالى: (﴿وأنفقوا مما رزقناكم﴾) من بعض أموالكم ادخارًا للآخرة (﴿من قبل أن يأتي أحدكم الموت﴾) [المنافقون: ١٠] أي يرى دلائله وفي بعض الأصول إلى خاتمتها بدل قوله الآية. (وقوله) تعالى: (﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم﴾) ما وجب عليكم إنفاقه أو الانفاق في سبيل الخير مطلقًا (﴿من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه﴾) [البقرة: ٢٥٤] أي من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون فيه على تحصيل ما فرّطتم إذ لا بيع فيه فتحصلون ما تنفقون أو تفتدون به من العذاب ولا خلة حتى تعينكم عليه أخلاؤكم ولا شفاعة إلا لمن أذن له الرحمن حتى تتكلوا على شفعاء تشفع لكم في حط ما في ذممكم، فمناسبة الآية للترجمة كما نبه عليه ابن المنير من حيث إن الآية معناها التحذير من التسويف بالانفاق استبعادًا لحلول الأجل واشتغالاً بطول الأمل والترغيب في المبادرة بالصدقة قبل هجوم المنية وفوات الأمنية. ووقع في رواية أبي ذر باب: فضل صدقة الشحيح الصحيح فأسقط الجملة الأولى المسوقة بصيغة الاستفهام المؤذن بالتردد ثم إنه في رواية أبي ذر قدم آية البقرة على آية المنافقون فقال لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ إلى ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وَ ﴿أَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠].
١٤١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ".
[الحديث ١٤١٩ - طرفه في: ٢٧٤٨].
وبالسند قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال: (حدّثنا عمارة بن القعقاع) بضم العين وتخفيف
стр. 1018
الميم والقعقاع بقافين مفتوحتين بينهما عين ساكنة آخره عين مهملتين قال: (حدّثنا أبو زرعة) هرم قال: (حدّثنا أبو هريرة ﵁ قال: جاء رجل) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه. قيل يحتمل أن يكون أبا ذر لأنه ورد في مسند أحمد أنه سأل أي الصدقة أفضل وكذا عند الطبراني، لكنه أجيب جهد من مقل أو سر إلى فقير (إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال): أعظم الصدقة:
(أن تصدق) بتخفيف الصاد وحذف إحدى التاءين أو بإب دال إحدى التاءين صادًا وإدغامها في الصاد وهي في موضع رفع خبر المبتدأ المحذوف (وأنت صحيح) جملة اسمية حالية (شحيح) حال كونك (تخشى الفقر وتأمل الغنى) بضم الميم أي تطمع في الغنى لمجاهدة النفس حينئذ على إخراج المال مع قيام المانع وهو الشح إذ فيه دلالة على صحة القصد وقوة الرغبة في القربة (ولا تمهل) بالجزم على النهي أو بالنصب عطفًا على أن تصدق أو بالرفع وهو الذي في اليونينية (حتى إذا بلغت) الروح أي قاربت (الحلقوم) بضم الحاء المهملة مجرى النفس عند الغرغرة (قلت: لفلان كذا ولفلان كذا)، كناية عن الموصى له والموصى به فيهما (وقد كان لفلان) أي وصار ما أوصى به للوارث فيبطله إن شاء إذا زاد على الثلث أو أوصى به لوارث آخر. والمعنى تصدق في حال صحتك واختصاص المال بك وشح نفسك بأن تقول لا تتلف مالك لئلا تصير فقيرًا لا في حال سقمك وسياق موتك لأن المال حينئذ خرج منك وتعلق بغيرك.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الوصايا، ومسلم والنسائي في الزكاة.
- باب-
هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة فهو كالفصل من سابقه وهو ساقط في رواية أبي ذر فالحديث عنده من الترجمة السابقة.
١٤٢٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ فِرَاسٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا. فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا. فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ، وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ".
وبالسند قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري (عن فراس) بكسر الفاء وتخفيف الراء آخره سين مهملة ابن يحيى الخارفي بالخاء المعجمة والراء والفاء المكتب (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عائشة ﵂ أن بعض أزواج النبي ﷺ قلن) الضمير للبعض الغير العين، لكن عند ابن حبان من طريق
يحيى بن حماد عن أبي عوانة بهذا الإسناد عن عائشة قالت فقلت: (للنبي ﷺ أينا أسرع بك لحوقًا) نصب على التمييز أي يدركك بالموت. وأينا: بضم التحتية المشددة بغير علامة التأنيث لقول سيبويه فيما نقله عنه الزمخشري في سورة لقمان أنها مثل كل في أن لحاق التاء لها غير فصيح وجملة أينا أسرع مبتدأ وخبر (قال): ﵊:
(أطولكن) بالرفع خبر مبتدأ محذوف دل عليه السؤال أي أسرعكن لحوقًا بي أطولكن (يدًا) نصب على التمييز وكان القياس أن يقول طولاكن بوزن فعلى لأن في مثله يجوز الإفراد والمطابقة لن أفعل التفضيل له (فأخذوا قصبة يذرعونها) بالذال المعجمة أي يقدّرونها بذراع كل واحدة كي يعلمن أيهن أطول جارحة، والضمير في قوله: فأخذوا ويذرعون راجع لمعنى الجمع لا لفظ جماعة النساء وإلا لقال: فأخذن قصبة يذرعنها أو عدل إليه تعظيمًا لشأنهن كقوله: وكانت من القانتين، وكقوله:
وإن شئت حرمت النساء سواكم
(فكانت سودة) بفتح السين بنت زمعة كما زاده ابن سعد (أطولهن يدًا) من طريق المساحة (فعلمنا بعد) أي بعد أن تقرر كون سودة أطولهن يدًا بالساحة (أنما) بفتح الهمزة لكونه في موضع المفعول لعلمنا (كانت طول يدها الصدقة) اسم كان وطول يدها خبر مقدم أي علمنا أنه ﷺ لم يرد باليد العضو وبالطول طولها بل أراد العطاء وكثرته، فاليد هنا استعارة للصدقة والطول ترشيح لها لأنه ملائم للمستعار منه (وكانت أسرعنا لحوقًا به) ﵊، (وكانت تحب الصدقة) واستشكل هذا بما ثبت من تقدم موت زينب وتأخر سودة بعدها. وأجاب ابن رشيد: بأن عائشة لا تعني سودة بقولها فعلمنا بعد أي بعد أن أخبرت عن سودة بالطول الحقيقي
стр. 1019
ولم تذكر سببًا للرجوع عن الحقيقة إلى المجاز إلا الموت فتعين الحمل على المجاز انتهى.
وحينئذٍ فالضمير في وكانت في الموضعين عائد على الزوجة التي عناها ﷺ بقوله: أطولكن يدًا وإن كانت لم تذكر إذ هو متعين لقيام الدليل على أنها زينب بنت جحش كما في مسلم من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة بلفظ: فكانت أطولنا يدًا زينب بنت جحش لأنها كانت تعمل وتصدّق مع اتفاقهم على أنها أولهن موتًا، فتعين أن تكون هي المرادة وهذا من إضمار ما لا يصلح غيره كقوله تعالى: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ [ص: ٣٢] وعلى هذا فلم تكن سودة مرادة قطعًا وليس الضمير عائدًا عليها، لكن يعكر على هذا ما وقع من التصريح بسودة عند المؤلّف في تاريخه الصغير عن موسى بن إسماعيل بهذا السند بلفظ: فكانت سودة أسرعنا، وقول بعضهم: إنه يجمع بين روايتي البخاري ومسلم بأن زينب لم تكن حاضرة خطابه ﵊ بذلك، فالأوّلية لسودة باعتبار من حضر إذ ذاك معارض بما رواه ابن حبان من رواية يحيى بن حماد أن نساء النبي ﷺ اجتمعن عنده فلم يغادر منهن واحدة. وأجاب الحافظ ابن حجر بأنه يمكن أن يكون تفسيره بسودة من أبي عوانة لكون غيرها لم يتقدم له ذكر لأن ابن عيينة عن فراس قد خالفه في ذلك.
وروى يونس بن بكير في زيادة المغازي والبيهقي في الدلائل بإسناده عنه عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي التصريح بأن ذلك لزينب، لكن قصر زكريا في إسناده فلم يذكر مسروقًا ولا عائشة ولفظه: فلما توفيت زينب علمن أنها كانت أطولهن يدًا في الخير والصدقة ويؤيده ما رواه الحاكم في المناقب من مستدركه ولفظه قالت عائشة فكنا إذا اجتمعنا في بيت احدانا بعد وفاة النبي ﷺ نمد أيدينا في الجدار نتطاول فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطوّلنا فعرفنا حينئذٍ أن النبي ﷺ إنما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب امرأة صناعة باليد تدبغ وتخرز وتتصدق في سبيل الله. قال الحاكم على شرط مسلم وهي رواية مفسرة مبينة مرجحة لرواية عائشة بنت طلحة في أمر زينب.
وروى ابن أبي خيثمة من طريق القاسم بن معن قال: كانت زينب أول نساء النبي ﷺ لحوقًا به فهذه روايات يعضد بعضها بعضًا ويحصل من مجموعها أن في رواية أبي عوانة وهمًا.
١٢ - باب صَدَقَةِ الْعَلَانِيَةِ
وَقَوْلِهِ : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً) إِلَى قَوْلِهِ (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤].
(باب صدقة العلانية وقوله بالجر عطفًا على سابقه ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراًّ وعلانية﴾ إلى قوله: ﴿ولا هم يحزنون﴾ [البقرة: ٢٧٤] أي يعمرون الأوقات والأحوال بالخيرات.
وروى عبد الرزاق بسند فيه ضعف أنها نزلت في علي بن أبي طالب كان عنده أربعة دراهم فأنفق بالليل واحدًا وبالنهار واحدًا وفي السر واحدًا وفي العلانية واحدًا. وأخرج ابن أبي حاتم من حديث أبي أمامة أنها نزلت في الخيل التي يربطونها في سبيل الله ولم يذكر حديثًا وكأنه لم ير فيه شيئًا على شرطه، وسقطت هذه الترجمة للمستملي.
١٣ - باب صَدَقَةِ السِّرِّ
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ». وَقَولِهِ: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] الآية.
(باب صدقة السر. وقال أبو هريرة ﵁¬) مما وصله المؤلّف من حديث في باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة (عن النبي ﷺ ¬):
(ورجل) الواو حكاية لعطفه على ما ذكر قبله في الحديث (تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت) وللكشميهني ما تنفق (يمينه) وهذا كما قاله ابن بطال مثال ضربه ﵊ في المبالغة في الاستتار بالصدقة لقرب الشمال من اليمين، وإنما أراد أن لو قدر أن لا يعلم من يكون على شماله من الناس نحو: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] لأن الشمال لا توصف بالعلم فهو من مجاز الحذف وألطف منه ما قاله ابن المنير أن يراد لو أمكن أن يخفي صدقته عن نفسه لفعل فكيف لا يخفيها عن غيره؟ والإخفاء عن النفس يمكن باعتبار وهو أن يتغافل المتصدق عن الصدقة ويتناساها حتى ينساها وهذا ممدوح الكرام شرعًا وعرفًا.
(وقوله) : (﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾) فنعم شيئًا إبداؤها (﴿وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء﴾) أي تعطوها مع الإخفاء (﴿فهو خير لكم﴾) [البقرة: ٢٧١] فالإخفاء خير لكم وهذا في التطوع ولمن لم يعرف بالمال فإن إبداء
стр. 1020
الفرض لغيره أفضل لنفي التهم، ولغير أبي ذر: وقال الله تعالى: ﴿وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ ولم يذكر هنا حديثًا إلا المعلق فقط.
وروى ابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾ [البقرة: ٢٧١] نزلت في أبي بكر وعمر ﵄. أما عمر فجاء بنصف ماله حتى دفعه إلى النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : "ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر؟ لما قال: خلفت لهم نصف مالي، وأما أبو بكر فجاء بماله كله فكاد أن يخفيه من نفسه حتى دفعه إلى النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : ما خلفت وراءك يا أبا بكر؟ " فقال: عدة الله وعدة رسوله فبكى عمر وقال: بأبي أنت يا أبا بكر والله ما سبقنا إلى باب خير قط إلا كنت سابقنا.
١٤ - باب إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ
هذا (باب) بالتنوين (إذا تصدق) رجل (على) آخر (غني وهو) أي والحال أنه (لا يعلم) أنه غني فصدقته مقبولة، وسقط لفظ باب في رواية أبي ذر وقال عقب قوله في السابق ﴿فهو خير لكم﴾ الآية وإذا تصدق بواو العطف.
١٤٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَىْ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى زَانِيَةٍ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَىْ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ، وَعَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيٍّ. فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ:
أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ، فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ».
وبالسند قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) ذكوان السمان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(قال رجل) من بني إسرائيل كما عند أحمد من طريق ابن لهيعة عن الأعرج (لأتصدقن بصدقة) هو من باب الالتزام كالنذر مثلاً والقسم فيه مقدر كأنه قال والله لأتصدقن، وزاد في رواية أبي عوانة عن أبي أمية عن أبي اليمان بهذا الإسناد الليلة وكررها في المواضع الثلاثة: وكذا مسلم من طريق موسى بن عقبة، وبذلك تحصل المطابقة بين الحديث وترجمته بصدقة السر على رواية أبي ذر، إذ لو كانت جهزًا لما خفي عليه حال الغني لأنه في الغالب لا يخفى بخلاف الآخرين (فخرج بصدقته) ليضعها في يد مستحق (فوضعها في يد سارق) وهو لا يعلم أنه سارق (فأصبحوا) أي القوم الذين فيهم هذا المتصدق (يتحدثون) في موضع نصب خبر أصبح (تصدق) أي الليلة (على سارق) بضم التاء والصاد مبنيًا للمفعول اخبار بمعنى التعجب أو الإنكار ولابن لهيعة على فلان السارق (فقال): المتصدق (اللهم لك الحمد)، على تصدقي على سارق حيث كان ذلك بإرادتك لا بإرادتي، فإن إرادتك كلها جميلة ولا يحمد على المكروه سواك وقدّم على المبتدأ في قوله: لك الحمد للاختصاص (لأتصدقن) الليلة (بصدقة) على مستحق (فخرج بصدقته) ليضعها في يد مستحق (فوضعها في يد) امرأة (زانية فأصبحوا) أي بنو إسرائيل (يتحدثون تصدق) مبنيًا للمفعول (الليلة على) امرأة (زانية فقال): المتصدق: (اللهم لك الحمد) على تصدقي (على) امرأة (زانية) حيث كان بإرادتك (لأتصدقن) الليلة (بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غنيّ فأصبحوا يتحدثون: تصدق) الليلة (على غني فقال: اللهم لك الحمد على سارق وعلى زانية وعلى غني) زاد الطبراني: فساءه ذلك (فأتي) في منامه (فقيل له: أما صدقتك) زاد أبو أمية: فقد قبلت فأما (على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها) بالقصر كذا في الفرع وغيره. وقال ابن التين: رويناه بالمد، وعند أبي ذر بالقصر. قال الجوهري: بالقصر لأهل الحجاز، قال تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ [الإسراء: ٣٢] والمد لأهل نجد. قال الفرزدق:
أبا حاضر من يزن يعرف زناؤه … ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا
(وأما الغني فلعله يعتبر، فينفق) بالرفع فيهما، ولأبي ذر: أن يعتبر فينفق (مما أعطاه الله) وفيه: أن الصدقة كانت عندهم مختصة بأهل الحاجات من أهل الخير، ولهذا تعجبوا من الصدقة على هؤلاء وأن نيّة المتصدق إذا كانت صالحة قبلت صدقته ولو لم تقع الموقع واستحباب إعادة الصدقة إذا لم تقع الموقع وهذا في صدقة التطوّع، أما الواجبة، فلا تجزئ على غني وإن ظنه فقيرًا خلافًا لأبي حنيفة
следующие страницы →