← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21716

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط العلمية

القسطلاني

Полный текст (8 298 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

٨٨ - باب الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ (باب الخشوع في الصلاة). الصلاة صلة العبد بربه، فمن تحقّق بالصلة في الصلاة لمعت له طوالع التجلي، فيخشع. وقد شهد القرآن بفلاح مُصلِّ خاشع قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢]. أي: خائفون من الله، متذللون له، يلزمون أبصارهم مساجدهم. وعلامة ذلك أن لا يلتفت الصلي يمينًا ولا شمالاً. ولا يجاوز بصره موضع سجوده. صلّى بعضهم في جامع البصرة فسقطت ناحية من المسجد، فاجتمع الناس عليها ولم يشعر هو بها. والفلاح أجمع اسم لسعادة الآخرة، وفقد الخشوع ينفيه، وقد قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. وظاهر الأمر الوجوب، فالغفلة ضد، فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيمًا للصلاة لذكره تعالى، فافهم واعمل، فليقبل العبد على ربه، ويستحضر بين يدي من هو واقف. كان مكتوبًا في محراب داود ﵊، أيها المصلي، من أنت ولمن أنت؟ وبين يدي من أنت، ومن تناجي؟ ومن يسمع كلامك، ومن ينظر إليك؟ وقال الخراز: ليكن إقبالك على الصلاة كإقبالك على الله يوم القيامة، ووقوفك بين يديه وهو مقبل عليك وأنت تناجيه. ٧٤١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَاهُنَا؟ وَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَىَّ رُكُوعُكُمْ وَلَا خُشُوعُكُمْ، وَإِنِّي لأَرَاكُمْ وَرَاءَ ظَهْرِي». وبالسند قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) هو ابن أنس، إمام دار الهجرة (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال): (هل ترون) بفتح التاء، والاستفهام إنكاري أي أتظنون (قبلتي) أي مقابلتي ومواجهتي (هاهنا) فقط؟ (والله ما)، ولأبي ذر عن الحموي: لا (يخفى عليّ ركوعكم ولا خشوعكم) تشبيه لهم على التلبس بالخشوع في الصلاة، لأنه إنما قال لهم ذلك لما رآهم يلتفتون غير ساكنين، وذلك ينافي كمال الصلاة. فيكون مستحبًّا لا واجبًا، إذ لم يأمرهم هنا بالإعادة.

стр. 982

وقد حكى النووي الإجماع على عدم وجوبه، قال في شرح التقريب وفيه نظر، فقد روينا في كتاب الزهد لابن المبارك، عن عمار بن ياسر، قال: لا يكتب للرجل من صلاته ما سها عنه، وفي كلام غير واحد من العلماء ما يقتضي وجوبه انتهى. والخشوع: الخوف أو السكون، أو هو معنى يقوم بالنفس يظهر عنه سكون في الأطراف يلائم مقصود العبادة. وفي مصنف ابن أبي شيبة، عن سعيد بن السيب، أنه رأى رجلاً يلعب بلحيته في الصلاة، فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه. وقد تتحرك اليد مع وجود الخشوع، ففي سنن البيهقي، عن عمرو بن حريث، قال: كان رسول الله ﷺ ربما مسّ لحيته وهو يصلّي. وهذا موضع الترجمة. (وإني لأراكم) بفتح الهمزة، أي: أبصركم (وراء ظهري) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي. من وراء ظهري، أي ببصره العهود إبصارًا انخرقت له فيه العادة أو بغيره كما مرّ. ٧٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي -وَرُبَّمَا قَالَ- مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي إِذَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة (قال: حدّثنا غندر) اسمه محمد بن جعفر البصري (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج، ولابن عساكر: عن شعبة (قال: سمعت قتادة) بن دعامة يقول (عن أنس بن مالك) وسقط لفظ: ابن مالك عند ابن عساكر: (عن النبي ﷺ ، قال): (أقيموا) أي أكملوا (الركوع والسجود، فوالله إني لأراكم) بفتح اللام المؤكدة والهمزة (من بعدي) أي: من خلفي (-وربما قال: من بعد ظهري-) (إذا ركعتم وسجدتم) ولأبي ذرّ: وإذا سجدتم. وأغرب الداودي حيث فسر البعدية هنا بما بعد وفاته ﷺ يعني: إن أعمال أمته تعرض عليه، ولا يخفى بعده لأن سياق الحديث يأباه. ٨٩ - باب مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ (باب ما يقول) وللمستملي وابن عساكر؛ ما يقرأ (بعد التكبير). ٧٤٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ".

стр. 983

وبالسند قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بن الحرث الحوضي (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) وللأصيلي: عن أنس بن مالك (أن النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر) ﵄ (كانوا يفتتحون الصلاة) أي قراءتها، فلا دلالة فيه على دعاء الافتتاح (بالحمد لله ربّ العالمين) بضم الدال على الحكاية، لا يقال: إنه صريح في الدلالة على ترك البسملة أولها، لأن المراد الافتتاح بالفاتحة، فلا تعرض لكون البسملة منها أو لا. ولمسلم لم يكونوا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، وهو محمول على نفي سماعها، فيحتمل إسرارهم بها. ويؤيده رواية النسائي وابن حبّان: فلم يكونوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. فنفي القراءة محمول على نفي السماع، ونفي السماع على نفي الجهر، ويؤيده رواية ابن خزيمة: كانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم. وقد قامت الأدلة والبراهين للشافعي على إثباتها، ومن ذلك، حديث أم سلمة المروي في البيهقي وصحيح ابن خزيمة، أن رسول الله ﷺ قرأ بسم الله الرحمن الرحيم في أول الفاتحة في الصلاة، وعدّها آية. وفي سنن البيهقي عن علي وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم أن الفاتحة هي السبع المثاني، وهي سبع آيات، وأن البسملة هي السابعة. عن أبي هريرة مرفوعًا: إذا قرأتم الحمد لله فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أُم القرآن وأُم الكتاب والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها. قال الدارقطني: رجال إسناده كلهم ثقات. وأحاديث الجهر بها كثيرة عن جماعة من الصحابة، نحو العشرين صحابيًّا كأبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وأبي هريرة، وأُم سلمة. ٧٤٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً -قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ هُنَيَّةً- فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَاىَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَاىَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ». وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي (قال: حدّثنا عبد الواحد بن زياد) العبدي البصري (قال: حدّثنا عمارة بن القعقاع (قال: حدّثنا أبو زرعة) هرم، أو عبد الرحمن، أو عمرو، أو جرير بن عمرو البجلي، (قال: حدّثنا أبو هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يسكت) بفتح

стр. 984

أوله (بين التكبير وبين القراءة إسكاتة) بكسر الهمزة بوزن إفعالة، وهو من المصادر الشاذة إذ القياس سكوتًا، وهو منصوب مفعولاً مطلقًا، أي سكوتًا يقتضي كلامًا بعده. (قال) أبو زرعة (أحسبه) أي أظن أبا هريرة (قال: هنية) بضم الهاء وفتح النون وتشديد المثناة التحتية من غير همز -كذا عند الأكثر أي: يسيرًا وللكشميهني والأصيلي: هنيهة بهاء بعد المثناة الساكنة. وفي نسخة: هنيئة بهمزة مفتوحة بعد المثناة الساكنة، قال عياض والقرطبي: وأكثر رواة مسلم قالوه بالهمز، لكن قال النووي: إنه خطأ، قال: وأصله هنوة، فلما صغرت صارت هنيوة، فاجتمعت واو وياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ثم أدغمت. وتعقب بأنه لا يمنع ذلك إجازة الهمزة، فلقد تقلب الواو همزة. (فقلت بأبي وأمي) أي أنت مفدى أو أفديك بهما (يا رسول الله إسكاتك) بكسر الهمزة وسكون السين والرفع، قال في الفتح: وهو الذي في رواية الأكثرين، وأعربه مبتدأ، لكنه لم يذكر خبره، أو هو منصوب على ما قاله المظهري، أي أسألك إسكاتك، أو في إسكاتك وللمستملي والسرخسي: أسكاتك؟ بفتح الهمزة وضم السين على الاستفهام، ولهما في نسخة أسكوتك؟ (بين التكبير والقراءة) ولأبي ذر، والأصيلي، وأبي الوقت، وابن عساكر: وبين القراءة (ما تقول) فيه؟ (قال) ﵊: (أقول) فيه (اللّهمّ باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت) أي كتبعيدك (بين المشرق والمغرب) هذا من المجاز لأن حقيقة المباعدة إنما هي في الزمان والمكان، أي: امح ما حصل من خطاياي، خل بيني وبين ما يخاف من وقوعه حتى لا يبقى لها مني اقتراب بالكلية. وهذا الدعاء صدر منه ﵊ على سبيل المبالغة في إظهار العبودية، وقيل: إنه على سبيل التعليم لأمته، وعورض بكونه: لو أراد ذلك لجهر به، وأجيب بورود الأمر بذلك في حديث سمرة عند البزار وأعاد لفظ: بين هنا ولم يقل: وبين المغرب لأن العطف على الضمير المخفوض يعاد معه العامل بخلاف الظاهر، كذا قرره الكرماني، لكن يرد عليه قوله: بين التكبير وبين القراءة. (اللهمَّ نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) أي الوسخ وقاف نقني بالتشديد في الموضعين. وهذا مجاز عن إزالة الذنوب ومحو أثرها. وشبه بالثوب الأبيض لأن الدنس فيه أظهر من غيره من الألوان (اللّهمّ اغسل خطاياي بالماء والثلج) بالمثلثة وسكون اللام، وفي اليونينية بفتحها (والبرد) بفتح الراء. وذكر الأخيرين بعد الأول للتأكيد أو لأنهما ماءان لم تمسّهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال قاله الخطابي.

стр. 985

واستدلّ بالحديث على مشروعية دعاء الافتتاح بعد التحرم بالفرض أو النفل خلافًا للمشهور عن مالك. وفي مسلم حديث عليّ: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. زاد ابن حبان: لكن قيده بصلاة الليل. وأخرجه الشافعي وابن خزيمة وغيرهما بلفظ: إذا صلّى المكتوبة، واعتمده الشافعي في الأم. وفي الترمذي وصحيح ابن حبّان من حديث أبي سعيد: الافتتاح بسبحانك اللّهمّ وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك. ونقل الساجي عن الشافعي استحباب الجمع بين التوجيه والتسبيح، وهو اختيار ابن خزيمة وجماعة من الشافعية، ويسنّ الإسرار في السرية والجهرية. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفي وبصري، وفيه التحديث والقول، وأخرجه ابن ماجة. ٩٠ - باب وزاد الأصيلي هنا (باب) بالتنوين من غير ترجمة، وسقط من رواية أبوي ذر والوقت وابن عساكر. ووجه مناسبة الحديث الآتي للسابق في قوله: حتى قلت: أي رب وأنا معهم. لأنه وإن لم يكن فيه دعاء ففيه مناجاة واستعطاف، فيجمعه مع السابق جواز دعاء الله تعالى ومناجاته بكل ما فيه خضوع، ولا يختص بما ورد في القرآن لبعض الحنفية. قاله ابن رشيد فيما نقله في فتح الباري. ٧٤٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ، فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: قَدْ دَنَتْ مِنِّي الْجَنَّةُ حَتَّى لَوِ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا. وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ: أَىْ رَبِّ وَأَنَا مَعَهُمْ؟ فَإِذَا امْرَأَةٌ -حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ- تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ، قُلْتُ: مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالُوا: حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، لَا أَطْعَمَتْهَا، وَلَا أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ -قَالَ نَافِعٌ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ- مِنْ خَشِيشِ أَوْ خُشَاشِ الأَرْضِ. [الحديث ٧٤٥ - طرفه في: ٢٣٦٤].

стр. 986

وبالسند قال: (حدّثنا ابن أبي مريم) سعيد بن محمد بن الحكم الجمحي، مولاهم البصري (قال: أخبرنا نافع بن عمر) بن عبد الله بن جميل الجمحي القرشى، المتوفى سنة تسع وستين ومائة (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن أبي مليكة) عبد الرحمن واسم أبي مليكة، بضم الميم وفتح اللام، زهير بن عبد الله التيمي الأول المكي (عن أسماء بنت أبي بكر) وللأصيلي زيادة: الصديق رضي الله تعال عنهما. (أن النبي ﷺ صلّى صلاة الكسوف) بالكاف. أي صلاة كسوف الشمس (فقام) ﵊ (فأطال القيام ثم ركع فأطال الركوع ثم قام فأطال القيام ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع ثم سجد فأطال السجود، ثم رفع، ثم سجد فأطال السجود، ثم قام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع فأطال القيام) وللأصيلي قال: فأطال القيام (ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع فسجد) وللأصيلي: ثم سجد (فأطال السجود، ثم رفع، ثم سجد فأطال السجود، ثم انصرف. فقال): (قد دنت) أي: قربت (مني الجنة حتى لو اجترأت عليها) أي على الجنة (لجئتكم بقطاف من قطافها). بكسر القاف فيهما أي بعنقود من عناقيدها، أو اسم لكل ما يقطف. قال العيني وأكثر المحدثين يروونه بفتح القاف وإنما هو بالكسر. واجترأت من الجرأءة، وإنما قال ذلك لأنه لأنه لم يكن مأذونًا له من عند الله بأخذه. (ودنت مني النار حتى قلت: أي ربّ أوَ أنا معهم) بهمزة الاستفهام بعدها واو عاطفة، كذا لأبوي الوقت وذر وللأصيلي، ونسبه في الفتح للأكثرين، قال. ولكريمة، وأنا معهم بحذف الهمزة، وهي مقدرة وثبت قوله: رب، ولأبي ذر عن الحموي. (فإذا امرأة) قال نافع بن عمر: (حسبت أنه) أي ابن أبي مليكة (قال): (تخدشها) بفتح المثناة الفوقية وكسر الدال ثم شين معجمة، أي تقشر جلدها (هرة) بالرفع، فاعل لتخدشها (قلت ما شأن هذه) المرأة؟ (قالوا: حبستها حتى ماتت جوعًا لا أطعمتها) أي: لا أطعمت الهرة، ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر: لا هي أطعمتها بالضمير الراجع للمرأة (ولا أرسلتها) وللأصيلي وابن عساكر ولا هي أرسلتها (تأكل) - (قال نافع) الجمحي: (حسبت أنه) أي ابن أبي مليكة وللأصيلي حسبته (قال): (من خشيش) بفتح الخاء المعجمة لا بالمهملة وكسر الشين المعجمة، أي حشرات الأرض (أو) قال: (خشاش)، مثلت الأول. وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني زيادة: الأرض. وفي الحديث أن تعذيب الحيوانات غير جائز، وأن من ظلم منها شيئًا يسلط على ظالمه يوم القيامة. ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين مصري ومكّي، وفيه تابعي عن صحابية، والتحديث بالجمع والإفراد والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الشرب، والنسائي وابن ماجة في الصلاة.

стр. 987

٩١ - باب رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى الإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ: «فَرَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ». (باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة). (قالت عائشة) ﵂، مما هو طرف حديث وصلة المؤلّف في باب: إذا انفلتت الدابة (قال النبي ﷺ في صلاة الكسوف) (فرأيت) بالفاء قبل الراء، ولأبوي الوقت وذر وابن عساكر: رأيت (جهنم يحطم) بكسر الطاء، أي يأكل (بعضها بعضًا حين رأيتموني تأخرت). ٧٤٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: "قُلْنَا لِخَبَّابٍ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْنَا: بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَاكَ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ". [الحديث ٧٤٦ - أطرافه في: ٧٦٠، ٧٦١، ٧٧٧]. وبالسند قال: (حدّثنا موسى) بن إسماعيل التبوذكي (قال: حدّثنا عبد الواحد) وللأصيلي عبد الواحد بن زياد، بكسر الزاي وتخفيف المثناة (قال: حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران، (عن عمارة) بضم العين وتخفيف الميم (بن عمير) تصغير عمر التيمي الكوفي، (عن أبي معمر) بفتح الميمين، عبد الله بن سخبرة الأزدي (قال: قلنا لخباب) بفتح المعجمة، وتشديد الموحدة الأولى، ابن الأرت، بفتح الهمزة والراء وتشديد المثناة الفوقية (أكان رسول الله ﷺ يقرأ في) صلاة (الظهر و) صلاة (العصر)؟ أي غير الفاتحة؟ إذ لا شك في قراءتها (قال: نعم. قلنا) ولأبي ذر: فقلنا، بفاء العطف (بم) بحذف الألف تخفيفًا، (كنتم تعرفون ذاك)؟ أي قراءته، ولابن عساكر والأصيلي: ذلك (قال) أي خباب، (باضطراب لحيته) بكسر اللام أي بتحريكها. ويستفاد منه ما ترجم له، وهو رفع البصر إلى الإمام، ويدل للمالكية حيث قالوا: ينظر إلى الإمام وليس عليه أن ينظر إلى موضع سجوده. ومذهب الشافعية يسن إدامة نظره إلى موضع سجوده لأنه أقرب إلى الخشوع. ورجال هذا الحديث ما بين بصري وكوفي، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الصلاة، وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجة. ٧٤٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يَخْطُبُ قَالَ: "حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ وَكَانَ غَيْرَ كَذُوبٍ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامُوا قِيَامًا حَتَّى يَرَوْنَهُ قَدْ سَجَدَ".

стр. 988

وبه قال: (حدّثنا حجاج) هو ابن منهال، لا حجاج بن محمد، لأن المؤلّف لم يسمع منه (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: أنبأنا) أي أخبرنا، وهو يطلق في الإجازة، بخلاف أخبرنا، فلا يكون إلاّ مع التقييد بأن يقول أخبرنا إجازة (أبو اسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (قال: سمعت عبد الله بن يزيد) من الزيادة، الأنصاري الخطمي الصحابي، وكان أميرًا على الكوفة، حال كونه (يخطب، قال: حدّثنا) وللأصيلي: أخبرنا (البراء) بن عازب، (وكان غير كذوب، أنهم كانوا إذا صلوا مع رسول الله) ولأبي ذر وابن عساكر: مع النبي (¬ ﷺ ، فرفع رأسه) الشريف (من الركوع، قاموا قيامًا) نصب على المصدرية، والجملة جواب إذا (حتى يرونه) بإثبات النون بعد الواو، ولأبي ذر والأصيلي: حتى يره، حال كونه (قد سجد). ورواة هذا الحديث خمسة، وفيه التحديث والإنباء والسماع والقول، ورواية صحابي عن صحابي. ٧٤٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلُ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ. قَالَ: إِنِّي أُرِيتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا». وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) هو ابن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) هو ابن أنس الأصبحي، إمام دار الهجرة (عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار) بالمثناة التحتية والسين المهملة المخففة (عن عبد الله بن عباس) رضي عنهما، (قال: خسفت الشمس) بفتح الخاء المعجمة (على عهد رسول الله) ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر: على عهد النبي (¬ ﷺ ¬). فيه دليل لمن يقول: إن الخسوف يطلق على كسوف الشمس، لكن أكثر على استعماله في القمر، والكاف في الشمس، (فصلى) ﵊ صلاة الخسوف المذكورة في الباب السابق (قالوا) ولأبي ذر: فقالوا: (يا رسول الله! رأيناك تناول) أصله تتناول بمثناتين فوقيتين، فحذفت إحداهما تخفيفًا، وللأصيلي وابن عساكر: تناولت (شيئًا في مقامك) بفتح الميم الأولى (ثم رأيناك تكعكعت) أي تأخرت ورجعت وراءك (قال): ولأبوي ذر والوقت: فقال: (إني أريت) بهمزة مضمومة ثم راء مكسورة وللكشميهني رأيت (الجنة) من غير حائل (فتناولت) أي أردت أن آخذ (منها عنقودًا) بضم العين، وعلى هذا التأويل لا تضادّ بينه وبين قوله: (ولو أخذته) أي العنقود (لأكلتم) بميم الجمع وللكشميهني: لأكلت (منه ما بقيت الدنيا) أي مدة بقاء الدنيا إلى انتهائها، لأن طعام الجنة لا يفنى. فإن قلت: لِمَ لم يأخذ العنقود؟ أجيب بأنه من طعام الجنة الذي لا يفنى، ولا يجوز أن يؤكل في الدنيا إلاّ ما يفنى لأن الله تعالى أوجدها للفناء، فلا يكون فيها شيء مما يبقى. اهـ. واختصر هنا الجواب عن تأخره، وذكر في باقي الروايات: إنه لدنوّ نار جهنم.

стр. 989

ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: رأيناك تكعكعت، لأن رؤية تكعكعه ﵊ تدلّ على أنهم كانوا يراقبونه ﵊. ٧٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ رَقَا الْمِنْبَرَ فَأَشَارَ بِيَدَيْهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ الآنَ -مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلَاةَ- الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِي قِبْلَةِ هَذَا الْجِدَارِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. ثَلَاثًا". وبه قال: (حدّثنا محمد بن سنان) بكسر السين المهملة وتخفيف النون، وبعد الألف نون ثانية، العوفي الباهلي الأعمى، المتوفى سنة ثلاثة وعشرين ومائتين، (قال: حدّثنا فليح) بضم الفاء وفتح اللام، ابن سليمان بن أبي الغيرة الأسلمي المدني، وقيل اسمه عبد الملك (قال: حدّثنا هلال بن علي) بن أسامة العامري المدني وقد نسب إلى جده (عن أنس بن مالك) ﵁، وسقط لابن عساكر لفظ ابن مالك (قال: صلّى لنا) باللام. وفي نسخة: بنا (النبي ﷺ ، ثم رقى) بالألف المقصورة، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: رقي: بكسر القاف وفتح الياء، أي صعد (المنبر، فأشار بيديه) بالتثنية، وللأربعة: بيده (قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي جهة، (قبلة المسجد، ثم قال): (لقد رأيت الآن) اسم للوقت الذي أنت فيه، وهو ظرف غير متمكن، وقد وقع معرفة واللام فيه ليست معرّفة لأنه ليس له ما يشاركه حتى يميز، ولا يشكل عليه أن رأى للماضي، فكيف يجتمع مع الحال لدخول قد، فإنها تقرّبه للحال (منذ) زمان (صلّيت لكم الصلاة الجنة والنار ممثلتين) أي: مصوّرتين (في قبلة هذا الجدار) حقيقة أو عرض على مثالهما، وضرب له ذلك في الصلاة، كأنهما في عرض الحائط (فلم أر) منظرًا (كاليوم) أي مثل نظر اليوم (في) أحوال (الخير والشر). قال ذلك (ثلاثًا). وقوله: صليت لكم بالماضي قطعًا واستشكل اجتماعه مع الآن، وأجيب بأنه إما أن يكون كما قال ابن الحاجب: كل مخبر أو منشئ فقصده الحاضر، فمثل صليت يكون للماضي الملاصق للحاضر، وإما أنه أريد بالآن ما يقال عرفًا أنه الزمان الحاضر، لا اللحظة الحاضرة الغير المنقسمة. ووجه مطابقة الحديث للترجمة أن فيه رفع البصر إلى الإمام. ورواته أربعة، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الصلاة والرقاق، والله أعلم.

стр. 990

٩٢ - باب رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ (باب) كراهية (رفع البصر إلى) جهة (السماء في الصلاة) لأن فيه نوع إعراض عن القبلة، وخروج عن هيئة الصلاة. ٧٥٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ؟ فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ». وبالسند قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني (قال: أخبرنا)، وللأربعة: حدّثنا (يحيى بن سعيد) القطان (قال: حدثنا ابن أبي عروبة) بفتح العين المهملة وتخفيف الراء المضمومة وفتح الموحدة، سعيد بن مهران (قال: حدّثنا قتادة) بن دعامة (أن أنس بن مالك حدّثهم) بميم الجمع، ولأبي ذر: حدّثه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬) أي بعدما صلّى بأصحابه، وأقبل عليهم بوجهه الكريم كما عند ابن ماجة. (ما بال أقوام) أبهم خوف كسر قلب من يعنيه، لأن النصيحة في الملأ فضيحة. وبال: بضم اللام، أي: ما حالهم وشأنهم (يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم) زاد مسلم، من حديث أبي هريرة: عند الدعاء، فإن حمل المطلق على هذا المقيد اقتضى اختصاص الكراهية بالدعاء الواقع في الصلاة. قاله في الفتح وتعقبه العيني فقال: ليس الأمر كذلك، بل المطلق يجري على المقيد، والمقيد على تقييده، والحكم عام في الكراهة، سواء كان رفع بصره في الصلاة عند الدعاء، أو بدون الدعاء، لما رواه الواحدي في باب النزول من حديث أبي هريرة: أن فلانًا كان إذا صلّى رفع رأسه إلى السماء، فنزلت: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ورفع البصر مطلقًا ينافي الخشوع الذي أصله السكون، (فاشتد قوله) ﵊ (في ذلك) أي في رفع البصر، إلى السماء في الصلاة، (حتى قال): والله، (لينتهُنَّ) بفتح أوله وضم الهاء، لتدل على واو الضمير المحذوفة، لأن أصله: لينتهوننّ، وللمستملي والحموي: لينتهين بضم أوله وفتح المثناة الفوقية والهاء والمثناة التحتية آخره نون توكيد ثقيلة فيهما، مبنيًّا للفاعل في الأولى، وللمفعول في الثاني (عن ذلك) أي: عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة (أو) قال ﵊ (لتخطفن) بضم المثناة الفوقية، وسكون الخاء المعجمة وفتح الطاء والفاء، مبنيًّا للمفعول أي: لتعمين (أبصارهم).

стр. 991

وكلمة: أو، للتخيير تهديدًا، وهو خبر بمعنى الأمر، أي: ليكوننّ منكم الانتهاء عن رفع البصر أو تخطف الأبصار عند الرفع من الله، وهو كقوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] أي يكون أحد الأمرين. وفيه النهي الوكيد والوعيد الشديد، وحملوه على الكراهة دون الحرمة للإجماع على عدمها، وأما رفع البصر إلى السماء في غير الصلاة في دعاء ونحوه، فجوّزه أكثرون، لأن السماء قبلة الداعين، كالكعبة قبلة المصلين، وكرهه آخرون. ورواة هذا الحديث كلهم بصريون، وفيه التحديث بالجمع والإفراد والقول، وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة في الصلاة. ٩٣ - باب الاِلْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ (باب) كراهية (الالتفات في الصلاة) لأنه ينافي الخشوع المأمور به أو ينقصه. ٧٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الاِلْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ". [الحديث ٧٥١ - طرفه في: ٣٢٩١]. وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا أبو الأحوص) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الواو وبالصاد المهملة سلام بتشديد اللام، ابن سليم، بضم السين، الحافظ الكوفي (قال: حدّثنا أشعث بن سليم) بضم السين وفتح اللام، وأشعث بالشين المعجمة والعين المهملة ثم مثلثة (عن أبيه) سليم بن الأسود المحاربي الكوفي، أبو الشعثاء (عن مسروق) هو ابن الأجدع الهمداني الكوفي (عن عائشة) ﵂ (قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات) بالرأس يمينًا وشمالاً (في الصلاة فقال) ﵊: (هو اختلاس) أي اختطاف بسرعة (يختلسه الشيطان) بإبراز الضمير المنصوب، وهو رواية الكشميهني، وللأكثر: يختلس الشيطان (من صلاة العبد) فيه الحض على إحضار المصلي قلبه لمناجاة ربه. ولما كان الالتفات فيه ذهاب الخشوع، استعير لذهابه اختلاس الشيطان، تصويرًا لقبح تلك الفعلة بالمختلس، لأن المصلي مستغرق في مناجاة ربه، والله مقبل عليه، والشيطان مراصد له ينتظر فوات ذلك، فإذا التفت المصلي، اغتنم الشيطان الفرصة فيختلسها منه. قاله الطيبي في شرح المشكاة.

стр. 992

والجمهور على كراهة الالتفات فيها للتنزيه. وقال المتولي: حرام إلاّ لضرورة، وهو قول الظاهرية. ومن أحاديث النهي عنه، حديث أنس عند الترمذي مرفوعًا، وقال حسن: يا بني إياك والالتفات في الصلاة، فإن الالتفات في الصلاة هلكة، فإن كان ولا بدّ ففي التطوع لا في الفريضة. وحديث أبي داود والنسائي عنه، وصحّحه الحاكم: لا يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف عنه. وللبزار من حديث جابر بسند فيه الفضل بن عيسى: إذا قام الرجل في الصلاة أقبل الله عليه بوجهه، فإذا التفت، قال: يا ابن آدم إلى من تلتفت؟ إلى من هو خير مني؟ أقبل إليَّ. فإذا التفت الثانية قال مثل ذلك، فإذا التفت الثالثة صرف الله وجهه عنه. ولابن حبان في الضعفاء، عن أنس مرفوعًا: المصلي يتناثر على رأسه الخير من عنان السماء إلى مفرق رأسه. وملك ينادي: لو يعلم العبد من يناجي ما التفت. والمراد بالالتفات المذكور ما لم يستدبر القبلة بصدره أو كله. فإن قلت: لِمَ شرع سجود السهو للمشكوك فيه دون الالتفات، وغيره مما ينقص الخشوع؟ أجيب: بأن السهو لا يؤاخذ به المكلف، فشرع له الجبر دون العمد ليتيقظ العبد فيجتنبه. ورواة هذا الحديث الستة كوفيون إلا شيخ المؤلّف فبصري، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في صفة إبليس اللعين، وأبو داود، والنسائي، في: الصلاة. ٧٥٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ فَقَالَ: شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ، اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةٍ». وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة) ﵂ (أن النبي ﷺ ، صلّى في خميصة) بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم وفتح الصاد المهملة، كساء أسود مربع (لها أعلام، فقال) ﵊: (شغلتني) بمثناة فوقية بعد اللام، وللحموي والسرخسي: شغلني (أعلام هذه) الخميصة (اذهبوا بها) ولأبي ذر: به (إلى الجحيم) بفتح الجيم وسكون الهاء، وللكشميهني: جهيم بالتصغير (وائتوني بأنبجانية) بفتح الهمزة وكسر الموحدة وتشديد المثناة التحتية. وفي نسخة: بأنبجانية، بضمير أبي جهم.

стр. 993

ووجه مطابقته لترجمة من جهة أن أعلام الخميصة إذا لحظها وهي على عاتقه، كان قريبًا من الالتفات، ولذلك خلعها، وعلل بأن أعلامها شغلته، ولا يكون إلاَّ بوقوع بصره عليها، وفي وقوع بصره عليها التفات. وسبق الحديث بمبحثه في باب: إذا صلّى في ثوب له أعلام. ٩٤ - باب هَلْ يَلْتَفِتُ لأَمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ، أَوْ يَرَى شَيْئًا أَوْ بُصَاقًا فِي الْقِبْلَةِ وَقَالَ سَهْلٌ: الْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ هذا (باب) بالتنوين (هل يلتفت) الصلي في صلاته (لأمر ينزل به) كخوف سقوط حائط، أو قصد سبع أو حيّة (أو يرى شيئًا) قدامه، أو من جهة يمينه أو يساره، سواء كان في القبلة أم لا (أو) يرى (بصاقًا) ونحوه (في القبلة) وجواب هل محذوف أي .... (وقال سهل) هو ابن سعد بسكون العين ابن مالك الأنصاري، الصحابي ابن الصحابي ابن الصحابي، مما وصله المؤلّف من حديث في باب: من دخل ليؤمّ الناس: (التفت أبو بكر) الصديق (¬﵁ فرأى النبي) وفي نسخة فرأى: رسول الله (¬ ﷺ ¬) أي فلم يأمره ﵊ بالإعادة، بل أشار إليه أن يتمادى على إمامته، لأن التفاته كان لحاجة. ٧٥٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: "رَأَى النَّبِيُّ ﷺ نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ وَهْوَ يُصَلِّي بَيْنَ يَدَىِ النَّاسِ فَحَتَّهَا، ثُمَّ قَالَ حِينَ انْصَرَفَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ أَحَدٌ قِبَلَ وَجْهِهِ فِي الصَّلَاة". رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ أَبِي رَوَّادٍ عَنْ نَافِعٍ. وبالسند قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدّثني (قتيبة بن سعيد) ولأبي ذر وابن عساكر إسقاط ابن سعيد (قال: حدّثنا ليث) هو ابن سعد إمام الصريين، ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: الليث بلام التعريف (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) بن الخطاب ﵁ (أنه قال: رأى) ولأبي ذر: أرى: ولابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني: أنه قال: رأى (النبي) ولأبي ذر وابن عساكر: رسول الله (¬ ﷺ نخامة) وفي باب: حك البزاق باليد من المسجد: رأى بصاقًا (في قبلة المسجد) المدني (وهو يصلّي بين يدي الناس، فحتها) بمثناة فوقية، أي فحكّها وأزالها وهو داخل الصلاة، كما هو ظاهر هذا الحديث، ولم يبطل ذلك الصلاة لكونه فعلاً قليلاً. وفي رواية مالك السابقة غير مقيد بحال الصلاة، (ثم قال) ﵊ (حين انصرف) من الصلاة: (إن أحدكم إذا كان في الصلاة فإن الله قبل وجهه) بكسر القاف وفتح الموحدة أي يطلع عليه كأنه مقابل لوجهه (فلا يتنخمن) أي: لا يرمين (أحد) النخامة، وللأصيلي: أحدكم (قبل) أي تلقاء

стр. 994

(وجهه في الصلاة) (رواه) أي الحديث المذكور (موسى بن عقبة) الأسدي المديني، مما وصله مسلم من طريقه (و) رواه أيضًا (ابن أبي رواد) بفتح الراء وتشديد الواو آخره دال مهملة، عبد العزيز واسم أبيه ميمون؛ مولى المهلب، أي ابن أبي صفرة العتكي (عن نافع) مما وصله أحمد عن عبد الرزاق عنه. وفيه: أن الحك كان بعد الفراغ من الصلاة. ٧٥٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَنَسٌ قَالَ: "بَيْنَمَا الْمُسْلِمُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ لَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلاَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ صُفُوفٌ، فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ، وَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ لَهُ الصَّفَّ، فَظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ الْخُرُوجَ، وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلَاتِهِمْ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، فَأَرْخَى السِّتْرَ، وَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ". وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة المخزومي المصري (حدّثنا ليث بن سعد) إمام مصر، وللأربعة: الليث بالتعريف (عن عقيل) بضم العين، ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (أنس بن مالك) كذا في رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي لفظ: ابن مالك لغيرهم (قال: بينما) بالميم (المسلمون في صلاة الفجر)، وأبو بكر يؤمهم في مرض موت النبي ﷺ (لم يفجأهم) هو العامل في بينما (إلاّ رسول الله ﷺ ¬) حال كونه (قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم) ﵊ (وهم صفوف) جملة اسمية حالية (فتبسم يضحك) حال مؤكدة، (ونكص) أي رجع (أبو بكر ﵁ على عقبيه ليصل له الصف) نصب بنزع الخافض، أي إلى الصف، وسقط لفظ: له، في رواية ابن عساكر (فظن) أي نكص بسبب ظنه (أنّه يريد الخروج) إلى المسجد، (وهمّ المسلمون) أي قصدوا (أن يفتتنوا) أي يقعوا في الفتنة (في) فساد (صلاتهم) وذهابها فرحًا بصحة رسول الله ﷺ ، وسرورًا برؤيته (فأشار إليهم) ﷺ (أتموا) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: أن أتموا (صلاتكم، فأرخى) بالفاء، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: وأرخى (الستر، وتوفي) ﵊ (من آخر ذلك اليوم). فيه أنهم التفتوا حين كشف الستر، ويدل له قول أنس: فأشار، ولولا التفاتهم لما رأوا إشارته. ٩٥ - باب وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ لِلإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَمَا يُجْهَرُ فِيهَا وَمَا يُخَافَتُ (باب وجوب القراءة) أي الفاتحة اللإمام والمأموم في الصلوات كلها، في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت) أي يسر، والياء في الفعلين مضمومة على البناء للمفعول، وهذا مذهب الجمهور خلافًا للحنفية، حيث قالوا: لا تجب على المأموم، لأن قراءة الإمام قراءة له.

стр. 995

٧٥٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: "شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ ﵁ فَعَزَلَهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أُصَلِّي صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ وَأُخِفُّ فِي الأُخْرَيَيْنِ. قَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ. فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلاً -أَوْ رِجَالاً- إِلَى الْكُوفَةِ فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلاَّ سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا. حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَ قَالَ: أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ. قَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللَّهِ لأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ. وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ". [الحديث ٧٥٥ - طرفاه في: ٧٥٨، ٧٧٠]. وبالسند قال: (حدّثنا موسى) بن إسماعيل المنقري التبوذكي (قال: حدّثنا أبو عوانة) بفتح المهملة، الوضاح، بتشديد الضاد المعجمة بعد الواو المفتوحة آخره مهملة بعد الألف، ابن عبد الله اليشكري، بالمعجمة بعد المثناة التحتية، الواسطي، المتوفى سنة خمس أو ست وسبعين ومائة (قال: حدّثنا عبد الملك بن عمير) بضم العين المهملة مصغرًا، ابن سويد الكوفي، يقال له: الفرسي بفتح الفاء والراء ثم مهملة، نسبة إلى فرس له سابق (عن جابر بن سمرة، بضم الميم، ابن جنادة العامري السوائي، الصحابي ابن الصحابي، وهو ابن أخت سعد بن أبي وقاص (قال: شكا أهل الكوفة سعدًا) هو ابن أبي وقاص، واسم أبي وقاص: مالك بن أهيب، لما كان أميرًا عليهم (إلى عمر) بن الخطاب (¬﵁¬) أي شكاه بعضهم، فهو من باب إطلاق الكل على البعض. ويدل لذلك ما في صحيح أبي عوانة من رواية زائدة، عن عبد الملك: جعل ناس من أهل الكوفة، وسمي منهم عند سيف والطبراني: الجراح بن سنان، وقبيصة، وأربد الأسديون، وذكر العسكري في الأوائل منهم: الأشعث بن قيس، وعند عبد الرزاق عن معمر عن عبد الملك عن جابر بن سمرة، قال: كنت جالسًا عند عمر إذ جاء أهل الكوفة يشكون إليه سعد بن أبي وقاص حتى قالوا: إنه لا يحسن الصلاة، (فعزله) عمر رضي الله تعالى عنه (واستعمل عليهم) في الصلاة (عمارًا) هو ابن ياسر، (فشكوا) منه في كل شيء (حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلّي، فأرسل إليه) عمر ﵁، فوصل إليه الرسول فجاء إلى عمر (فقال) له: (يا أبا إسحاق) وهي كنية سعد، (إن هؤلاء) أي أهل الكوفة (يزعمون أنك لا تحسن تصلي. قال: أبو إسحاق) وسقط: أبو إسحاق، وللأربعة (أما) هم فقالوا وأما (أنا، والله) جواب القسم محذوف، يدل عليه قوله: (فإني) وللأصيلي:

стр. 996

إني (كنت أصلي بهم صلاة رسول الله) أي صلاة مثل صلاته (¬ ﷺ ، ما أخرم) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وكسر الراء، أي ما أنقص (عنها) أي عن صلاته ﷺ ، وفيه المطابقة لقوله في الترجمة: وما يجهر فيها وما يخافت (أصلي صلاة العشاء) صلاة بالإفراد، وفي الباب اللاحق: صلاتي العشي بالتثنية، والعشي بكسر الشين وتشديد الياء وعينها، إما لكونهم شكوه فيها، أو لأنها في وقت الراحة، فغيرها من باب أولى. والأول أظهر لأنه يأتي مثله في الظهر والعصر، لأنهما وقت الاشتغال بالقائلة والمعاش، (فأركد) بضم الكاف، أي أطول القيام حتى تنقضي القراءة (في) الركعتين (الأوليين، وأخف) بضم الهمزة وكسر الخاء المعجمة، وللكشميهني: وأحذف، بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة، أي أحذف التطويل (في) الركعتين (الأخريين) وليس المراد حذف أصل القراءة فكأنه قال: أحدف الركود، والركود يدل على القراءة عادة. وهذا يدل لقوله في الترجمة: وجوب القراءة للإمام، ولا دلالة فيه لوجوب قراءة المأموم، ولا خلاف في وجوب قراءة الفاتحة، وإنما الخلاف في أنها فرض. فإن أراد من القراءة غير الفاتحة فالركود لا يدل على الوجوب، وحينئذ فالإشكال في المطابقة باقٍ. (قال) عمر ﵁ (ذاك) بغير لام، أي: ما تقول، مبتدأ خبره (الظن بك)، ولأبي ذر عن الكشميهني: ذلك الظن بك (يا أبا إسحاق، فأرسل) عمر ﵁ (معه) أي مع سعد (رجلاً) هو محمد بن مسلمة بن خالد الأنصاري، فيما ذكره الطبري (أو رجالاً إلى الكوفة) جمع رجل، فيحتمل أن يكونوا محمد بن مسلمة المذكور، ومليح بن عوف السلمي، وعبد الله بن أرقم، والشك من الراوي. وهذا يقتضي أنه أعاده إلى الكوفة ليحصل الكشف عنه بحضرته، ليكون أبعد من التهمة، (فسأل) بالفاء (عنه) أي عن سعد، وللأربعة: يسأل عنه (أهل الكوفة) كيف حاله بينهم؟ (ولم) بالواو، وللأصيلي وابن عساكر: فلم (يدع) أي: فلم يترك الرجل المرسل (مسجدًا) من مساجد الكوفة (إلاّ سأل عنه) أي عن سعد (و) الحال أن أهل الكوفة (يثنون عليه معروفًا) أي خيرًا (حتى دخل مسجدًا لبني عبس) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة آخره مهملة، قبيلة كبيرة من قي، زاد سيف في روايته، فقال محمد بن مسلمة: أنشد الله رجلاً يعلم حقًا إلاّ قال. (فقام رجل منهم يقال له أسامة بن قتادة يكنى) بضم الياء وسكون الكاف وفتح النون (أبا سعدة) بفتح السين وسكون العين المهملتين (قال) وللأصيلي: فقال: (أما) بتشديد الميم أي: أما غيري فأثنى عليه، وأما نحن (إذ) أي حين (نشدتنا) بفتح الشين، أي سألتنا بالله (فإن سعدًا كان لا يسير) وللأصيلي: فإن سعدًا لا يسير (بالسرية) بفتح السين المهملة وكسر الراء المخففة، القطعة من الجيش والباء للمصاحبة، أي لا يخرج بنفسه معها، فنفى عنه الشجاعة التي هي كمال القوة الغضبية، وفي رواية جرير وسفيان: لا ينفر في السرية (ولا يقسم بالسوية) فنفى عنه العفّة التي هي كمال القوة الشهوانية، (ولا يعدل في القضية) أي الحكومة والقضاء، وفي رواية سيف: ولا يعدل في الرعية، فنفى عنه الحكمة التي هي كمال القوة العقلية، وفيه سلب للعدل عنه بالكلية، وهو قدح في الدين.

стр. 997

(وقال سعد: أما والله) بتخفيف الميم حرف استفتاح (لأدعون) عليك (بثلاث) من الدعوات، واللام كالنون الثقيلة للتوكيد: (اللّهمّ إن كان عبدك هذا كاذبًا) أي فيما نسبني إليه (قام رياء وسمعة) ليراه الناس ويسمعوه فيشهروا ذلك عنه ليذكر به، وعلق الدعاء بشرط كذبه، أو كون الحامل له على ذلك الغرض الدنيوي، فراعى الإنصاف والعدل ﵁ (فأطل عمره) في اليونينية بسكون الميم أي: عمره بحيث يرد إلى أسفل سافلين، ويصير إلى أرذل العمر، ويضعف قواه وينتكس في الخلق، فهو دعاء عليه لا له. (وأطل فقره) وفي نسخة: وأقلل رزقه، وفي رواية جرير: وشدد فقره، وفي رواية سيف: وأكثر عياله. وهذه الحالة بئست الحالة، وهي طول العمر مع الفقر وكثرة العيال، نسأل الله العفو والعافية. (وعرضه بالفتن) بالموحدة، وفي نسخة: للفتن، أي اجعله عرضة لها. وإنما ساغ لسعد أن يدعو على أخيه المسلم بهذه الدعوات لأنه ظلمه بالافتراء عليه. فإن قلت: إن الدعاء بمثل هذا يستلزم تمنّي المسلم وقوع المسلم في المعاصي، أجيب: بأن ذلك جائز من حيث كون ذلك يؤدي إلى نكاية الظالم وعقوبته، كتمني الشهادة المشروع، وإن كان حاصله تمني قتل الكافر للمسلم وهو معصية، ووهن في الدين. لكن الغرض من تمني إلشهادة ثوابها لا نفسها، وقد وجد ذلك في دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كقول نوح: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالاً﴾ [نوح: ٢٤]. وإنما ثلث عليه الدعوة لأنه ثلث في نفي الفضائل عنه، لا سيما الثلاث التي هي أصول الفضائل كما مرّ، والثلاث تتعلق بالنفس والمال والدين، فقابلها بمثلها. فبالنفس، طول العمر، وبالمال: الفقر، وبالدين: الوقوع في الفتن. (قال) عبد الملك بن عمير، كما بينه جرير في روايته (وكان) بالواو، ولأبوي الوقت وذر والأصيلي: فكان (بعد) أي فكان أبو سعدة بعد ذلك (إذا سئل) عن حال نفسه، وفي رواية ابن عيينة: إذا قيل له: كيف أنت؟ (يقول): أنا (شيخ كبير) صفة الخبر المقدر مبتدؤه بأنا (مفتون، أصابتني دعوة سعد) أفرد الدعوة وهي ثلاثة على إرادة الجنس، وفي رواية ابن عيينة: ولا تكون فتنة إلاّ وهو فيها، فإن قلت: لِمَ لَمْ يذكر الدعوة الأخرى، وهي الفقر، أجيب، بأنها داخلة في قوله: أصابتني. لكن وقع التصريح بذلك عند الطبراني، ولفظه: قال عبد الملك، فأنا رأيته يتعرض للإماء في السكك، فإذا سألوه قال: كبير فقير مفتون. (قال عبد الملك) بن عمير: (فأنا) بالفاء، ولأبي الوقت: وأنا (رأيته بعد، قد سقط حاجباه) أي شعرهما (على عينيه من الكبر) بكسر الكاف وفتح الموحدة، (وإنه) أي أبا سعدة (ليتعرض للجواري في الطريق) بالإفراد، لأبي ذر والأصيلي وابن عساكر ولغيرهم: في الطرق (يغمزهن) أي يعصر أعضاءهن بأصابعه. وفيه إشارة إلى الفتنة والفقر، إذ لو كان غنيًّا لما احتاج إلى ذلك. وفي رواية سيف: فعمي واجتمع عنده عشر بنات. وكان إذا سمع بحسّ المرأة تشبث بها، فإذا أنكر عليه، قال: دعوة المبارك سعد، الحديث.

стр. 998

وكان سعد معروفًاً بإجابة الدعوة، لأنه ﵊ دعا له فقال: اللّهمَّ استجب لسعد إذا دعاك. رواه الترمذي وابن حبّان والحاكم. وفي الحديث أن من سعى به من الولاة يسأل عنه في موضع عمله أهل الفضل، وأن الإمام يعزل من شكي وإن كذب عليه إذا رآه مصلحة. قال مالك: قد عزل عمر سعدًا وهو أعدل ممن يأتي بعده إلى يوم القيامة. والحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الصلاة، وكذا مسلم وأبو داود والنسائي. ٧٥٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ». وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني، (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدّثنا الزهري) محمد بن مسلم (عن محمود بن الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة، ابن سراقة الخزرجي الأنصاري (عن عبادة بن الصامت) بضم العين وتخفيف الموحدة، ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال): (لا صلاة لمن لم يقرأ) فيها (بفاتحة الكتاب) أي في كل ركعة منفردًا أو إمامًا أو مأمومًا، سواء أسرّ الإمام أو جهر. قال المازري: اختلف الأصوليون في مثل هذا اللفظ، يعني قوله: لا صلاة إلخ. فقيل: إنه مجمل لأنه حقيقة في نفي الذات، والذات واقعة، والواقع لا يرتفع، فينصرف لنفي الحكم، وهو متردد بين نفي الكمال ونفي الصحة، وليس أحدهما أولى فيلزم الإجمال، وهو خطأ، لأن العرب لم تضعه لنفي الذات، وإنما تورده للمبالغة، ثم تذكر الذات ليحصل ما أرادت من المبالغة. وقيل: هو عامّ مخصوص عامّ في نفي الذات وأحكامها، ثم خصّ بإخراج الذات لأن الرسول لا يكذب. وقيل: هو عامّ غير مخصوص لأن العرب لم تضعه لنفي الذات، بل لنفي كل أحكامها، وأحكامها في مسألتنا الكمال والصحة، وهو عامّ فيهما. وردّه المحققون بأن العموم إنما يحسن إذا لم يكن في تنافٍ، وهو هنا لازم، لأن نفي الكمال يصح معه الإجزاء، ونفي الصحة لا يصح معه الإجزاء، وصار المحققون إلى الوقف، وأنه تردد بين نفي الكمال والإجزاء، فإجماله من هذا الوجه لا مما قاله الأوّلون. وعلى هذا المذهب يتخرّج قوله: لا صلاة.

стр. 999

وتعقبه الأبي فقال: ما رد به الأول لا يرفع الإجمال لأنه وإن سلم أنه لنفي الحكم فالأحكام متعددة، وليس أحدهما أولى كما تقدم. وإنما الجواب ما قيل من أنه لا يمتنع نفي الذات، أي الحقيقة الشرعية، لأن الصلاة في عرف الشرع اسم للصلاة الصحيحة، فإذا فقد شرط صحتها انتفت، فلا بد من تعلق النفي بالمسمى الشرعي، ثم لو سلم عوده إلى الحكم فلا يلزم الإجمال لأنه في نفي الصحة أظهر، لأن مثل هذا اللفظ يستعمل عرفًا لنفي الفائدة، كقولهم: لا علم إلاّ ما نفع، ونفي الصحة أظهر في بيان نفي الفائدة. وأيضًا اللفظ يشعر بالنفي العامّ، ونفي الصحة أقرب إلى العموم من نفي الكمال، لأن الفاسد لا اعتبار له بوجه. ومن قال إنه عامّ مخصوص، فالمخصص عنده الحس، لأن الصلاة قد وقعت كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]. فإن الحس يشهد بأنها لم تدمر الجبال انتهى. وقال في فتح القدير: قوله لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، هو مشترك الدلالة، لأن النفي لا يرد إلا على النسب لا على نفي نفس المفرد، والخبر الذي هو متعلق الجار محذوف، فيمكن تقديره صحيحة، فيوافق رأي الشافعي، أو كاملة فيخالفه. وفيه نظر، لأن متعلق المجرور الواقع خبرًا استقرار عام، فالحاصل: لا صلاة كائنة، وعدم الوجود شرعًا هو عدم الصحة. هذا هو الأصل بخلاف: لا صلاة لجار المسجد إلخ، ولا صلاة للعبد الآبق. فإن قيام الدليل على الصحة أوجب كون المراد كونًا خاصًّا أي كاملة. فعلى هذا يكون من حذف الخبر لا من وقوع الجار والمجرور خبرًا. ثم إن الشافعية يثبتون ركنية الفاتحة لا على معنى الوجوب. عند الحنفية، فإنهم لا يقولون بوجوبها قطعًا بل ظنًّا، غير أنهم لا يخصّون الفرضية والركنية بالقطعي، فلهم أن يقولوا بموجب الوجه المذكور: وإن جوّزنًا الزيادة بخبر الواحد لكنها ليست بلازمة هنا، فإنا إنما قلنا بركنيتها وافتراضها بالمعنى الذي سميتموه وجوبًا، فلا زيادة. واختلف المالكية هل تجب الفاتحة في كل ركعة أو الحل؟ والقولان في المدونة. وشهر ابن شاس الرواية الأولى. قال القاضي عبد الوهاب وهو المشهور من المذهب، والذي رجع إليه، هي الرواية الثانية. قال القرافي: وهو ظاهر المذهب قاله بهرام. وحديث الباب لا دلالة فيه على وجوبها في كل ركعة، بل مفهومه الدلالة على الصحة بقراءتها في ركعة واحدة منها لأن فعلها في ركعة واحدة يقتضي حصول اسم قراءتها في تلك الصلاة، والأصل عدم وجوب الزيادة على المرة الواحدة. نعم يدل للقائلين بوجوبها في كل ركعة وهم الجمهور قوله ﵊: وافعل ذلك في صلاتك كلها بعد أن أمره بالقراءة، وقوله في حديث أحمد وابن حبان. ثم افعل ذلك في كل ركعة.

стр. 1000

ولم يفرضها الحنفية لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. فتجوز الصلاة بأي قراءة كانت. قالوا والزيادة على النص تكون نسخًا لإطلاقه، وذا غير جائز، ولا يجوز أن يجعل بيانًا للآية، لأنه لا إجمال فيها، إذ المجمل ما يتعذر العمل به قبل البيان، والآية ليست كذلك وتعيين الفاتحة إنما ثبت بالحديث، فيكون واجبًا إثم تاركه، وتجزئ الصلاة بدونه. والفرض آية قصيرة عند أبي حنيفة كمدهامتان، وقال صاحباه آية طويلة أو ثلاث آيات، وتتعين ركعتان لفرض القراءة لقوله ﵊، القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين، وتسن في الأخريين الفاتحة خاصة، وإن سبّح فيهما أو سكت جاز لعدم فرضية القراءة فيهما. لنا قوله ﵊: لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، رواه الإسماعيلي بسند حديث الباب من طريق العباس بن الوليد النرسي، أحد شيوخ البخاري، وقوله ﵊: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، رواه ابن خزيمة. واستدلّ من أسقطها عن المأموم مطلقًا كالحنفية بحديث: من صلّى خلف إمام فقراءة الإمام له قراءة. قال في الفتح وهو حديث ضعيف عند الحفاظ. واستدلّ من أسقطها عنه في الجهرية، كالمالكية بحديث: فإذا قرأ فأنصتوا. رواه مسلم، ولا دلالة فيه لإمكان الجمع بين الأمرين، فينصت فيما عدا الفاتحة، أو ينصت إذا قرأ الإمام، ويقرأ إذا سكت. وعلى هذا فيتعين على الإمام السكوت في الجهرية ليقرأ المأموم لئلا يوقعه في ارتكاب النهي، حيث لا ينصت إذا قرأ الإمام. وقد ثبت الإذن بقراءة الفاتحة للمأموم في الجهرية بغير قيد، فيما رواه المؤلّف في جزء القراءة، والترمذي وابن حبان عن عبادة قال: إن النبي ﷺ ثقلت عليه القراءة في الفجر، فلما فرغ قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم. قال ﷺ : فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة إلاّ بها. ورواة حديث الباب ما بين بصري ومكّي، وفيه التحديث والعنعنة والقول أخرجه مسلم في الصلاة أيضًا، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. ٧٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَدَّ وَقَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ (ثَلَاثًا). فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ،

стр. 1001

فَعَلِّمْنِي: فَقَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا". [الحديث ٧٥٧ - أطرافه ٧٩٣، ٦٢٥١، ٦٢٥٢، ٦٦٦٧]. وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة (قال: حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله) بضم العين ابن عمر العمري (قال: حدّثني) بالإفراد، وللأصيلي: حدَّثنا (سعيد بن أبي سعيد) بكسر العين فيهما (عن أبيه) أبي سعيد المقبري. قال الدارقطني: خالف يحيى القطان أصحاب عبيد الله كلهم في هذا الإسناد فإنهم لم يقولوا عن أبيه، ويحيى حافظ، فيشبه أن يكون عبيد الله حدّث به على الوجهين. قال الحافظ ابن حجر: ولكلٍّ من الروايتين وجه يرجح، فأما رواية يحيى فللزيادة من الحافظ، وأما الرواية الأخرى فللكثرة، ولأن سعيدًا لم يوصف بالتدليس، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة، ومن ثم أخرج الشيخان الطريقين، فأخرج البخاري طريق يحيى هنا في باب: وجوب القراءة. وأخرج في: الاستئذان طريق عبيد الله بن نمير، وفي: الإيمان والنذور طريق أبي أسامة، كلاهما عن عبيد الله ليس فيه عن أبيه. وأخرجه مسلم من رواية الثلاثة (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ ، دخل المسجد، فدخل رجل) هو خلاد بن رافع، جدّ علي بن يحيى بن خلاد، (فصلّى) زاد في رواية داود بن قيس عند النسائي: ركعتين (فسلم) وفي رواية: ثم جاء فسلم (على النبي ﷺ ، فرد) ﵊ السلام (وقال) ولأبي ذر، وابن عساكر: فقال: (ارجع فصل)، ولابن عساكر: وصل (فإنك لم تصل) نفي للصحة لأنها أقرب لنفي الحقيقة من نفي الكمال، فهو أولى المجازين كما مر. فإن قلت: التعبير بلم دون لما فيه لبس لأن لم محتملة لاستمرار النفي نحو: ﴿لم يلد ولم يولد﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]. وانقطاعه نحو: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]. لأن المعنى أنه كان بعد ذلك شيئًا بخلاف لما، فإن منفيها مستمر النفي إلى الحال وهو المراد هنا. أجيب: بأنه لما دلت المشاهدة على أن عدم اعتداله كان، واتصل بالحال، كان ذلك قرينة على أن لم وقعت موقع لما، فلا لبس. وفي رواية ابن عجلان: فقال: أعد صلاتك (فرجع يصلّي) بياء المضارعة، على أن الجملة حال منتظرة مقدرة، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: فصلّى بالفاء (كما صلى) أولاً (ثم جاء فسلم على النبي ﷺ ، فقال) له ﵊:

стр. 1002

(ارجع فصل فإنك لم تصل). (ثلاثًا) أي ثلاث مرات (فقال) بزيادة فاء، ولابن عساكر: قال: (والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره، فعلمني) واستشكل كونه ﵊ تركه ثلاث مرات يصلّي صلاة فاسدة. وأجاب التوربشتي بأن الرجل لما رجع ولم يستكشف الحال من مورد الوحي، كأنه اغترّ بما عنده من العدم، فسكت النبي ﷺ عن تعليمه زجرًا له وتأديبًا وإرشادًا إلى استكشاف ما استبهم عليه، فلما طلب كشف الحال من مورده أرشده إليه ﷺ (فقال) ﷺ . وللأصيلي وابن عساكر، قال: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر) أي تكبيرة الإحرام (ثم اقرأ ما) وللكشميهني: بما (تيسر معك من القرآن) وفي حديث أبي داود، في قصة المسيء صلاته، من رواية رفاعة بن رافع، رفعه: إذا قمت وتوجهت، فكبر، ثم اقرأ بأُم القرآن وما شاء الله أن تقرأ، ولأحمد وابن حبان: ثم اقرأ بأُم القرآن ثم اقرأ بما شئت، (ثم اركع حتى تطمئن) حال كونك (راكعًا ثم ارفع حتى تعتدل) حال كونك (قائمًا) وفي رواية ابن ماجة حتى تطمئن قائمًا (ثم اسجد حتى تطمئن) حال كونك (ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن) حال كونك (جالسًا) فيه دليل على إيجاب الاعتدال والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة في الركوع والسجود، فهو حجة على أبي حنيفة ﵀ في قوله، وليس عنه جواب صحيح. (وافعل ذلك) المذكور من: التكبير، وقراءة ما تيسر، وهو الفاتحة، أو ما تيسر من غيرها بعد قراءتها، والركوع، والسجود، والجلوس (في صلاتك كلها) فرضًا ونفلاً. وإنما لم يذكر له ﵊ بقية الواجبات في الصلاة: كالنيّة، والقعود في التشهّد الأخير، لأنه كان معلومًا عنده، أو لعل الراوي اختصر ذلك. وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الصلاة والاستئذان، ومسلم وأبو داود في الصلاة، وكذا النسائي والترمذي وابن ماجة. ٩٦ - باب القراءَةِ في الظُّهرِ (باب القراءة في) صلاة (الظهر). ٧٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ سَعْدٌ: "كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَىِ الْعَشِيِّ لَا أَخْرِمُ عَنْهَا: أَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ وَأَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَيْنِ. فَقَالَ عُمَرُ ﵁: ذَلِكَ الظَّنُّ بِكَ". وبالسند قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي البصري (قال: حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري الواسطي (عن عبد الملك بن عمير) الكوفي (عن جابر بن سمرة) بفتح السين وضم الميم العامري، الصحابي ابن الصحابي: (قال: قال سعد) لعمر بن الخطاب: (كنت)

стр. 1003

ولابن عساكر: قد كنت (أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ، صلاتي العشي) تثنية صلاة. والعشي بفتح العين وكسر الشين المعجمة، أي الظهر والعصر، وهو وجه مطابقة الترجمة، ولابن عساكر: العشاء (لا أخرم) أي لا أنقص (عنها) أي عن صلاته ﵊ (كنت أركد) أي أطول القيام (في) الركعتي (الأوليين وأحذف في) الركعتي (الأخريين). وليس المراد الترك بالكلية لأن الحذف من الشيء نقصه، وللمستملي والحموي: وأخف، بضم الهمزة وكسر الخاء المعجمة، وهو يقوي أن المراد في الترجمة ما بعد الفاتحة، لأن الحذف لا يتصور فيها. واستفيد منه عدم سنية سورة بعد الفاتحة في الثالثة والرابعة وهذا هو الأظهر عند الشافعية. قال الجلال المحلي: ومقابل الأظهر دليله الاتباع في حديث مسلم، وهو في الظهر والعصر، ويقاس عليهما غيرهما، والسورة على الثاني أقصر، كما اشتمل عليه الحديث. ثم في ترجيحهم الأول تقديم النافي على دليل الثاني المثبت، عكس الراجح في الأصول لما قام في ذلك عندهم انتهى. وذلك لأن دليل النافي لقراءة السورة في الأخريين مقدم على حديث إثباتها المذكور لكونه في رواية مسلم والأول من روايتهما معًا. (فقال) ولأبي ذر والأصيلي: قال (عمر) ﵁: (ذلك) باللام، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: ذاك (الظن بك). وهذا الحديث مر في الباب السابق، وهو هنا محذوف في رواية غير أبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر، ثابت في روايتهم كما في الفرع وأصله، ولم يذكره في فتح الباري هنا. ٧٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ يُطَوِّلُ فِي الأُولَى وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ". [الحديث ٧٥٩ - أطرافه في: ٧٦٢، ٧٧٦، ٧٧٨، ٧٧٩]. وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن (عن يحيى) بن أبي كثير (عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه) أبي قتادة الحرث بن ربعي ﵁ (قال: كان النبي) ولأبي ذر: كان رسول الله (¬ ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين) بمثناتين تحتيتين وضم الهمزة تثنية الأولى (من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين) في كل ركعة سورة (يطول في) قراءة الركعة (الأولى ويقصر في) قراءة الركعة (الثانية) لأن النشاط في الأولى يكون أكثر، فناسب التخفيف في الثانية حذرًا من الملل.

стр. 1004

واستدلّ به على استحباب تطويل الأولى على الثانية، وجمع بينه وبين حديث سعد السابق حيث قال: أركد في الأوليين، بأن المراد تطويلهما على الأخريين لا التسوية بينهما في الطول. واستفيد من هذا أفضلية قراءة سورة كاملة ولو قصرت، على قراءة قدرها من طويلة. قال النووي وزاد البغوي: ولو قصرت السورة عن المقروء. (ويسمع الآية أحيانًا) أي في أحيان، جمع حين، وهو يدل على تكرار ذلك منه. وللنسائي من حديث البراء: فنسمع منه الآية من سورة لقمان، والذاريات، ولابن خزيمة ﴿سبّح اسم ربك الأعلى﴾ و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾. فإن قلت: العلم بقراءة السورة في السرية لا يكون إلاّ بسماع كلها، وإنما يفيد يقين ذلك لو كان في الجهرية. أجيب: باحتمال أن يكون مأخوذًا من سماع بعضها مع قيام القرينة على قراءة باقيها، أو أن النبي ﷺ كان يخبرهم عقب الصلاة دائمًا أو غالبًا بقراءة السورتين. وهو بعيد جدًّا، قاله ابن دقيق العيد ﵀. (وكان) ﵊ (يقرأ في) صلاة (العصر بفاتحة الكتاب وسورتين) في كل ركعة سورة واحدة (وكان يطوّل) في قراءة غير الفاتحة (في) الركعة (الأولى) منها، أي ويقصر الثانية، (وكان يطول في) قراءة الركعة (الأولى من صلاة الصبح، وبقصر في الثانية) ويقاس المغرب والعشاء عليها. والسُّنّة عند الشافعية أن يقرأ في الصبح والظهر من طوال المفصل، وفي العصر والعشاء من أوساطه، وفي المغرب من قصاره لأن الظهر وقت القيلولة، فطول ليدرك المتأخر، والعصر وقت إتمام الأعمال فخفف، وأما المغرب فإنها تأتي عند إعياء الناس من العمل وحاجتهم إلى العشاء، لا سيما الصوام. ومحل سنية الطوال والأوساط إذا كان المصلي منفردًا، فإن كان إمامًا وكان المأمومون محصورين، وآثروا التطويل، استحب وإن لم يكونوا محصورين أو كانوا ولكن لم يؤثروا التطويل فلا يسن. هكذا جزم به النووي في شرح المهذّب، فقال: هذا الذي ذكرناه من استحباب طوال المفصل وأوساطه هو فيما إذا آثر المأمومون المحصورون ذلك. وإلاّ خفف. وجزم به أيضًا في التحقيق، وشرح مسلم، وقال الحنابلة: في الصبح من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه. وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا، وكذا مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.

стр. 1005

٧٦٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَارَةُ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: "سَأَلْنَا خَبَّابًا أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْنَا: بِأَىِّ شَىْءٍ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ: قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ". وبالسند قال: (حدّثنا عمر بن حفص) بضم العين، وللأصيلي حذف لفظ: ابن حفص (قال: حدّثني أبي) حفص بن غياث (قال: حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: حدّثني) بالإفراد (عمارة) بن عمير بضم العين فيهما (عن أبي معمر) بميمين مفتوحتين، عبد الله بن سخبرة الأسدي الكوفي (قال: سألنا خبابًا) بفتح الخاء وتشديد الموحدة الأولى ابن الأرت، بالمثناة الفوقية بعد الراء، ﵁ (أكان النبي ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم) كان يقرأ فيهما (قلنا) بنون الجمع، وللحموي والمستملي: قلت (بأي شيء كنتم تعرفون؟ قال) ولأبي ذر: تعرفون ذلك؟ قال: (باضطراب لحيته) بكسر اللام ومثناة فوقية بعد التحتية، وللأصيلي لحييه بفتح اللام ومثناتين تحتيتين. فإن قلت إن اضطراب لحيته الشريفة المستدل به على قراءته يحصل مثله أيضًا بالذكر والدعاء أيضًا، فما وجه تعيين القراءة دونهما؟ أجيب بأنها تعينت بقرينة: والظاهر أنهم نظروه بالجهرية لأن ذلك المحل منها هو محل القراءة لا الذكر والدعاء، وإذا انضم إلى ذلك قول أبي قتادة: كان يسمعنا الآية أحيانًا قوي الاستدلال. ٩٧ - باب الْقِرَاءَةِ فِي الْعَصْرِ (باب القراءة في) صلاة (العصر). ٧٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: "قُلْتُ لِخَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ قُلْتُ بِأَىِّ شَىْءٍ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قِرَاءَتَهُ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ". وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي، بكسر الموحدة وسكون المثناة التحتية وفتح الكاف وسكون النون (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر) عبد الله بن سخبرة (قال: قلت) وللكشميهني والأصيلي: قلنا (لخباب بن الأرت) بفتح الهمزة والراء وتشديد المثناة الفوقة (أكان النبي- ﷺ ¬) بهمزة الاستفهام على سبيل الاستخبار (يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم) كان يقرأ فيهما (قال: قلت: بأي شيء كنتم تعلمون) أي تعرفون، لأنه متعدٍّ لمفعول (قراءته) ﵊؟ (قال): أي خباب (باضطراب لحيته) الكريمة، وفي اليونينية رقم على قوله: قال نعم، علامة السقوط لابن عساكر.

стр. 1006

٧٦٢ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ سُورَةٍ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا". وبه قال: (حدّثنا المكي) بالتعريف، ولأبي ذر والأصيلي: مكي (بن إبراهيم) بن بشير بن فرقد التيمي الحنظلي البلخي (عن هشام) الدستوائي (عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة (عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه) أبي قتادة الحرث بن ربعي (قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الركعتين) الأوليين (من الظهر والعصر) أي من كلٍّ منهما (بفاتحة الكتاب وسورة سورة) بالخفض عطفًا على سابقه، وبالتكرير لأنه موزع على الركعات، يعني يقرأ في كل ركعة من ركعتيهما سورة بعد الفاتحة، (ويسمعنا الآية أحيانًا). ٩٨ - باب الْقِرَاءَةِ فِي الْمَغْرِبِ (باب القراءة في) صلاة (المغرب). ٧٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ أُمَّ الْفَضْلِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ فَقَالَتْ: يَا بُنَىَّ، وَاللَّهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ إِنَّهَا لآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ". [الحديث ٧٦٣ - طرفه في: ٤٤٢٩]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أبي الأصبحي (عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله) بالتصغير (بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إن) أمه (أم الفضل) لبابة بنت الحرث، زوج العباس، أخت ميمونة زوج النبي ﷺ (سمعته وهو) أي ابن عباس (يقرأ ﴿والمرسلات عرفًا﴾) والجملة حالية، وفيه التفات من الحاضر إلى الغائب، لأن القياس أن يقول: سمعتني وأنا أقرأ ﴿والمرسلات عرفًا﴾ (فقالت: يا بني) بضم الموحدة مصغرًا (والله لقد) ولأبي ذر والأصيلي: يا بني لقد (ذكرتني) بتشديد الكاف شيئًا نسيته (بقراءتك) وفي نسخة: بقرآنك بضم القاف وبالنون (هذه السورة) منصوب بقوله: بقراءة عند البصريين، أو بذكرتني عند الكوفيين، (إنها) أي السورة (لآخر ما سمعت) بحذف ضمير المفعول، ولابن عساكر: ما سمعته (من رسول الله ﷺ ¬) حال كونه (يقرأ بها في) صلاة (المغرب) أي في بيته كما رواه النسائي. وأمّا ما في حديث عائشة أنها الظهر، فكانت في المسجد. وأجيب عن قول أم الفضل عند الترمذي: خرج إلينا رسول الله ﷺ وهو عاصب رأسه، بالحمل على أنه خرج إليهم من المكان الذي كان راقدًا فيه إلى الحاضرين في البيت، فصلّى بهم فيه.

стр. 1007

وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في المغازي، ومسلم في الصلاة، وكذا أبو داود وابن ماجة. ٧٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: "قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: مَا لَكَ تَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارٍ، وَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ بِطُولى الطُّولَيَيْنِ". وبه قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدّثني (أبو عاصم) النبيل (عن ابن جريج) عبد الملك (عن ابن أبي مليكة) بضم الميم وفتح اللام زهير بن عبد الله المكي الأحول (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (عن مروان بن الحكم) المدني الأموي (قال: قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار) بتنوين العوض عن المضاف إليه، أي بقصار المفصل، وللكشميهني: بقصار المفصل، ولأبي ذر: يعني المفصل، وهو استفهام على سبيل الإنكار، وكان مروان حينئذٍ أميرًا على المدينة من قبل معاوية، وللنسائي بقصار السور (وقد سمعت) بضم التاء، وفي بعضها بفتحها (النبي ﷺ يقرأ بطولى الطوليين؟) أي بأطول السورتين الطويلتين، وطولى تأنيث أطول، والطوليين بمثناتين تحتيتين تثنية طولى، وهذه رواية الأكثر، وعزاها في الفرع لأبي الوقت والأصيلي، وفي رواية كريمة: بطول الطوليين، بضم الطاء وسكون الواو وباللام فقط. ووجهه البرماوي كالكرماني بأنه أطلق المصدر، وأراد الوصف. أي كان يقرأ بمقدار طول الطوليين اللتين هما البقرة والنساء أو الأعراف. وتعقبه في فتح الباري بأنه يلزم منه أن يكون قرأ بقدر السورتين، وليس هو المراد، ولم يقع تفسير السورتين في رواية البخاري. وفي رواية أبي الأسود، عن عروة، عن زيد بن ثابت، عند النسائي بأطول الطوليين: المص، ولأبي داود: فقلت وما طولى الطوليين؟ قال: الأعراف. لكن بيَّن النسائي في رواية له أن التفسير من قول عروة، وزاد أبو داود قال: يعني ابن جريح، وسألت أنا اين أبي مليكة فقال لي من قبل نفسه: المائدة والأعراف، وعند الجوزقي مثله، إلاّ أنه قال: الأنعام بدل المائدة، وعند الطبراني وأبي نعيم في مستخرجه بدل الأنعام، يونس. وفي تفسير الأخرى ثلاثة أقوال المحفوظ فيها: الأنعام، ولم يرد البقرة. وإلا لقال: طولى الطول. فدلّ على أنه أراد الأطول من بعد البقرة وذلك هو الأعراف، وتعقب بأن النساء هي الأطول بعدها. وأجيب بأن عدد آيات الأعراف أكثر من عدد النساء وغيرها من السبع بعد البقرة، وإن كان كلمات النساء تزيد على كلمات الأعراف.

стр. 1008

وقد جنح ابن المنير إلى أن تسمية الأعراف والأنعام بالطوليين، إنما هو لعرف فيهما، لا أنهما أطول من غيرهما، وجمع ابن المنير بين الآثار المختلفة في إطالة القراءة في المغرب وتخفيفها، بأن تحمل الإطالة على الندرة تنبيهًا على المشروعية، ويحمل التخفيف على العادة تنبيهًا على الأولى، قال: ولذلك قال في الإطالة: سمعته يقرأ، وفي التخفيف كان يقرأ انتهى. وتعقبه في فتح الباري بأنه غفل عمّا في رواية البيهقي من طريق أبي عاصم شيخ المؤلّف فيه بلفظ: لقد كان رسول الله ﷺ يقرأ، ومثله في رواية حجاج بن محمد عن ابن جريج عند الإسماعيلي. واستنبط من الحديث امتداد وقت المغرب إلى غيبوبة الشفق الأحمر، واستشكل بأنه إذا قرأ الأعراف يدخل وقت العشاء قبل الفراغ. وأجيب بجوابين. أحدهما: أنه لا يمتنع إذا أوقع ركعة في الوقت، وتعقب بأن إخراج بعض الصلاة عن الوقت ممنوع، ولو أجزأت فلا يحمل ما ثبت عنه ﷺ على ذلك. الثاني: أنه يحتمل أنه أراد بالسورة بعضها. وليس الحديث نصًّا في أنه أتم السورة كذا. قاله البرماوي والأبي، وفيه نظر، لأنه لو كان قرأ بشيء منها يكون قدر سورة من قصار المفصل لما كان لإنكار زيد معنى. وروى حديث زيد هشام بن عروة عن أبيه، عنه كما عند ابن خزيمة، أنه قال لمروان: إنك تخفف القراءة في الركعتين من المغرب، فوالله لقد كان رسول الله ﷺ يقرأ فيها بسورة الأعراف في الركعتين جميعًا. وما ذكره البرماوي من اشتراط إيقاع الركعة في الوقت هو الذي عليه الأسنوي والأذرعي وابن المقري. وتعقب بإطلاق الشيخين الرافعي والنووي، كغيرهما عدم العصيان، ولم يقيداه بما إذا أتى بركعة في الوقت. وكذا أجاب البغوي في فتاويه بالإطلاق، وجعل التقييد بالإتيان بركعة احتمالاً، فليعتمد الإطلاق. وظاهر كلام الخادم اعتماده، انتهى. والمستحب القراءة في المغرب بقصار المفصل، وهو مذهب أبي حنيفة، وصاحبيه، ومالك، وأحمد، وإسحاق. ويؤيده حديث رافع السابق، في المواقيت: إنهم كانوا ينتضلون بعد صلاة المغرب. فإنه يدل على تخفيف القراءة فيها.

стр. 1009

وعند ابن ماجة بسند صحيح، عن ابن عمر: كان رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ وكان الحسن يقرأ فيها بـ ﴿إذا زلزلت﴾ ﴿والعاديات﴾ ولا يدعهما. ورواة حديث الباب الستة ما بين بصري ومكّي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أبو داود والنسائي في الصلاة. ٩٩ - باب الْجَهْرِ فِي الْمَغْرِبِ (باب) حكم (الجهر) بالقراءة (في) صلاة (الغرب). ٧٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ". [الحديث ٧٦٥ - أطرافه في: ٣٠٥٠، ٤٠٢٣، ٤٨٥٤]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي المصري (قال: أخبرنا مالك) الإمام إمام الأئمة الأصبحي (عن ابن شهاب) الزهري (عن محمد بن جبير بن مطعم) بضم الميم وكسر العين، وقد وقع التصريح بالتحديث من طريق سفيان عن الزهري (عن أبيه) جبير بن مطعم بن عدي (قال: سمعت رسول الله) ولأبي ذر: سمعت النبي (¬ ﷺ قرأ) ولابن عساكر: يقرأ (في) صلاة (المغرب بالطور) أي بسورة الطور كلها. وقول ابن الجوزي يحتمل أن تكون الباء بمعنى من كقوله تعالى: ﴿عينًا يشرب بها عباد الله﴾ يعني فيكون المراد أنه ﵊، قرأ بعض سورة الطور. واستدلال الطحاوي لذلك بما رواه من طريق هشيم، عن الزهري، في حديث جبير بقوله فسمعته يقول: ﴿إن عذاب ربك لواقع﴾ قال: فأخبر أن الذي سمعه من هذه السورة هي هذه الآية خاصة، معارض بما عند المؤلّف في التفسير، حيث قال: سمعته يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ الآيات إلى قوله ﴿المسيطرون﴾ كاد قلبي يطير. وفي رواية أسامة، ومحمد بن عمرو وسمعته يقرأ ﴿والطور وكتاب مسطور﴾ وزاد ابن سعد في رواية: فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد، على أن رواية هشيم عن الزهري بخصوصها مضعفة، وقد كان سماع جبير لقراءته ﵊ لما جاء في أسارى بدر كما عند المؤلّف في الجهاد، وكان ذلك أوّل ما وقر الإسلام في قلبه، كما في المغازي عند المصنف أيضًا.

стр. 1010

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصري ومدني، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والقول والسماع، وأخرجه أيضًا في الجهاد والتفسير، ومسلم وأبو داود في الصلاة، وكذا النسائي فيها وفي التفسير، وابن ماجة فيه. ١٠٠ - باب الْجَهْرِ فِي الْعِشَاءِ (باب الجهر) بالقراءة (في) صلاة (العشاء). ٧٦٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَكْرٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ: سَجَدْتُ خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ". [الحديث ٧٦٦ - أطرافه في: ٧٦٨، ١٠٧٤، ١٠٧٨]. وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل (قال: حدّثنا معتمر عن أبيه) سليمان بن طرخان (عن بكر) بسكون الكاف، ابن عبد الله المزني (عن أبي رافع) بالفاء والعين المهملة، نفيع الصائغ (قال: صلّيت مع أبي هريرة) ﵁ (العتمة) أي صلاة العشاء (فقرأ) فيها بعد الفاتحة (﴿إذا السماء انشقت﴾) [الانشقاق: ١] (فسجد) أي عند محل السجود منها سجدة (فقلت له) أي: سألته عن حكم السجدة (قال: سجدت) زاد في الرواية الآتية في الباب التالي لهذا: بها، وفي رواية هناك بدل بها: فيها (خلف أبي القاسم) رسول الله (¬ ﷺ ¬) في الصلاة (فلا أزال أسجد بها) أي بالسجدة، أو الباء ظرفية، أي فيها يعني السورة ﴿إذا السماء انشقت﴾ (حتى ألقاه) أي حتى موت. فإن قلت: قوله فلا أزال أسجد بها، أعم من أن يكون داخل الصلاة، أو خارجها فلا حجة فيه على الإمام مالك، حيث قال: لا سجدة فيها. وحيث كره في المشهور عنه السجدة في الفريضة، لأنه ليس مرفوعًا. أجيب بأن المكابرة في رفعه مكابرة في المحسوس، إذ كونه مرفوعًا غير خافٍ، ويدل له أيضًا ما أخرجه ابن خزيمة من رواية أبي الأشعث عن معتمر بهذا الإسناد: صليت خلف أبي القاسم فسجد بها، وما أخرجه الجوزقي من طريق يزيد بن هارون، عن سليمان التيمي، بلفظ: صليت مع أبي القاسم فسجد فيها. فهو حجة على مالك ﵀ مطلقًا. ورواة هذا الحديث الستة أربعة منهم بصريون، وأبو رافع مدني، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، والتحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في سجود القرآن، ومسلم وأبو داود والنسائي في الصلاة.

стр. 1011

٧٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ، فَقَرَأَ فِي الْعِشَاءِ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ". [الحديث ٧٦٧ - أطرافه في: ٧٦٩، ٤٩٥٢، ٧٥٤٦]. وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عدي) هو ابن ثابت الأنصاري (قال: سمعت البراء) بن عازب ﵁ (أن النبى) وللأصيلي: أن رسول الله (¬ ﷺ كان في سفر، فقرأ في) صلاة (العشاء، في إحدى الركعتين) في رواية النسائي في الركعة الأولى (﴿بالتين والزيتون﴾) وفي الرواية الآتية: والتين، على الحكاية، وإنما قرأ ﵊ في العشاء بقصار المفصل لكونه كان مسافرًا، والسفر يطلب فيه التخفيف لأنه مظنة المشقة، وحينئذٍ فيحمل حديث أبي هريرة السابق على الحضر، فلذا قرأ فيها بأوساط المفصل. وفي هذا الحديث: التحديث والعنعنة والقول والسماع، وأخرجه المؤلّف أيضًا في التفسير، والتوحيد، والخمسة في الصلاة. ١٠١ - باب الْقِرَاءَةِ فِي الْعِشَاءِ بِالسَّجْدَةِ هذا (باب القراءة في) صلاة (العشاء بالسجدة) أي بالسورة التي فيها سجدة التلاوة. ٧٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنِي التَّيْمِيُّ عَنْ بَكْرٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ، فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ". وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر في نسخة: حدّثني، بالإفراد (مسدد) أي ابن مسرهد (قال: حدّثنا يزيد بن زريع) تصغير زرع (قال: حدّثني) بالإفراد، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: حدّثنا (التيمي) سليمان بن طرخان (عن بكر) بسكون الكاف، ابن عبد الله المزني (عن أبي رافع) نفيع الصائغ (قال: صليت مع أبي هريرة) ﵁ (العتمة فقرأ) فيها بسورة (﴿إذا السماء انشقت﴾ فسجد، فقلت) له: (ما هذه) السجدة؟ (قال: سجدت بها) ولأبوي ذر والوقت: فيها (خلف أبي القاسم، ﷺ ¬) أي في الصلاة (فلا أزال أسجد بها) وفي رواية لأبوى ذر والوقت وابن عساكر: فيها (حتى ألقاه) ﷺ ، وهو كناية عن الموت. ١٠٢ - باب الْقِرَاءَةِ فِي الْعِشَاءِ هذا (باب القراءة في) صلاة (العشاء).

стр. 1012

٧٦٩ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ سَمِعَ الْبَرَاءَ ﵁ قَالَ: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ فِي الْعِشَاءِ، وَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ أَوْ قِرَاءَةً". وبه قال: (حدّثنا خلاد بن يحيى) بن صفوان السلمي الكوفي، المتوفى بمكة قريبًا من سنة ثلاث عشرة ومائتين، (قال: حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون المهملة، ابن كدام الكوفي (قال: حدّثنا عدي بن ثابت) بالمثلثة، ونسبه هنا لأبيه بخلاف الرواية السابقة (سمع) ولأبي الوقت: أنه سمع (البراء ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ) (﴿والتين﴾) بالواو على الحكاية، وفي رواية لأبي ذر: بالتين (﴿والزيتون﴾ في) صلاة (العشاء) ولأبي ذر في نسخة: يقرأ في العشاء (بالتين والزيتون) (وما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه أو) أحسن (قراءة) منه ﷺ شك الراوي. وإنما كرر هذا الحديث لتضمنه ما ترجم له، ولاختلاف بعض الرواة فيه، ولما فيه من زيادة قوله: وما سمعت أحدًا، إلخ … شيخ البخاري فيه من أفراده، وتأتي بقية مباحثه في آخر التوحيد، إن شاء الله تعالى بعون الله وقوّته. ١٠٣ - باب يُطَوِّلُ فِي الأُولَيَيْنِ، وَيَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَيْنِ هذا (باب) بالتنوين (يطوّل) المصلي (في) الركعتين (الأوليين) من العشاء، (ويحذف) يترك القراءة (في) الركعتين (الأخريين) منها. ٧٧٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عَوْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ قَالَ: "قَالَ عُمَرُ لِسَعْدٍ: لَقَدْ شَكَوْكَ فِي كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى الصَّلَاةِ. قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَمُدُّ فِي الأُولَيَيْنِ وَأَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَيْنِ، وَلَا آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ صَدَقْتَ، ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ، أَوْ ظَنِّي بِكَ". وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب، قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي عون)، وللأصيلي زيادة: محمد بن عبد الله الثقفي (قال: سمعت جابر بن سمرة، قال: قال عمر) بن الخطاب (لسعد) أي، ابن أبي وقاص: (لقد) باللام، ولأبي الوقت والأصيلي: قد (شكوك في كل شيء حتى الصلاة) بالجرّ في الفرع وأصله. قال الزركشي: لأن حتى جارّة، وتعقبه البدر الدماميني بأن الجارّة تكون بمعنى إلى وليست هنا كذلك، وإنما هي عاطفة. وللأصيلي: حتى في الصلاة بإعادة حرف الجر، وضبطها العيني بالرفع

стр. 1013

على أن حتى هنا غاية لا قبلها بزيادة، كما في قولهم: مات الناس حتى الأنبياء والمعنى: حتى الصلاة شكوك فيها، فيكون ارتفاعه على الابتداء وخبره محذوف. (قال) سعد: (أما أنا فأمد) بضم الميم أي أطوّل القراءة (في) الركعتين (الأوليين، وأحذف) القراءة (في) الركعتين (الأخريين ولا آلو) بمدّ الهمزة وضم اللام، أي لا أقصر (ما اقتديت به من صلاة رسول الله ﷺ . قال) عمر: (صدقت، ذاك الظن بك، أو) قال: (ظني بك) شك الراوي. وهذا الحديث قد سبق في باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم مطوّلاً، وأخرجه هنا لغرض الترجمة مع ما بينهما من الزيادة والنقص، واختلاف رواة الإسناد. ١٠٤ - باب الْقِرَاءَةِ فِي الْفَجْرِ وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِالطُّورِ. (باب القراءة في) صلاة (الفجر). (وقالت أم سلمة) مما وصله المؤلّف في الحج: طفت وراء الناس، (قرأ النبي ﷺ بالطور) لكن ليس فيه تعيين صلاة الصبح. نعم، روى المؤلّف الحديث من طريق يحيى بن أبي زكريا الغساني، عن هشام بن عروة عن أبيه، أن أم سلمة شكت إلى النبي ﷺ : إني أشتكي الحديث، وفيه فقال: إذا أقيمت الصلاة للصبح فطوفي. وأما حديث ابن خزيمة وهو يقرأ في العشاء فشاذ. ٧٧١ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ قَالَ: "دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ وَيَرْجِعُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ. وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَعْرِفُ جَلِيسَهُ. وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ". وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس: (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثنا سيار بن سلامة) زاد الأصيلي: هو ابن المنهال (قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة) بفتح الموحدة، نضلة بن عبيد (الأسلمي، فسألناه عن وقت الصلوات) المكتوبات، ولأبي ذر والأصيلي: عن وقت الصلاة، بالإفراد (فقال: كان النبي ﷺ يصلّي الظهر حين تزول الشمس و) يصلّي (العصر، ويرجع الرجل إلى أقصى) آخر (المدينة والشمس حيّة) أي باقٍ حرّها لم تتغير، قال أبو النهال: (ونسيت ما قال) أبو برزة (في المغرب، ولا يبالي) ﵊ (بتأخير العشاء إلى ثلث الليل) عطف على قوله:

стр. 1014

يصلّي، كقوله (ولا يحب النوم قبلها، ولا الحديث بعدها)، أي العشاء، (ويصلّي الصبح فينصرف) وللأصيلي وأبي ذر: وينصرف (الرجل فيعرف جليسه) أي مجالسه (وكان يقرأ في الركعتين) اللتين هما الصبح (أو) في (إحداهما ما بين الستين إلى المائة) من آيات القرآن. قال الحافظ ابن حجر: وهذه الزيادة تفرد بها شعبة عن أبي المنهال، والشك فيها منه، وقدّرها في رواية الطبراني بالحاقة ونحوها. وفي رواية لمسلم أنه ﵊: قرأ فيها بالصافات، وللحاكم: بالواقعة، وللسراج بسند صحيح: بأقصر سورتين في القرآن. وهذا الاختلاف وغيره بحسب اختلاف الأحوال. وقد أشار البرماوي، كالكرماني، إلى أن القياس أن يقول: ما بين الستين والمائة، لأن لفظة بين تقتضي الدخول على متعدد، ويحتمل أن يكون التقدير: ويقرأ ما بين الستين وفوقها، فحذف لفظ: فوقها لدلالة الكلام عديه. ٧٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: "فِي كُلِّ صَلَاةٍ يُقْرَأُ، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ. وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْ، وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ". وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم) بن علية (قال: أخبرنا ابن جريج) بضم الجيم الأولى، عبد الملك (قال: أخبرني) بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي رباح (أنّه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: في كل صلاة يقرأ) القرآن وجوبًا، سواء كان سرًا أو جهرًا، ويقرأ بالبناء للمفعول. وللأصيلي وابن عساكر: نقرأ بالنون المفتوحة مبنيًّا للفاعل، أي نحن نقرأ، كذا هو موقوف، لكن روي مرفوعًا عند مسلم من رواية أبي أسامة عن حبيب بن الشهيد، بلفظ: لا صلاة إلا بقراءة. إلا أن الدارقطني أنكره على مسلم وقال: إن المحفوظ عن أبي أسامة وقفه كما رواه أصحاب ابن جريج. وكذا رواه أحمد عن يحيى القطان وأبي عبيد الحداد، كلاهما عن حبيب المذكور، موقوفًا. وأخرجه أبو عوانة من طريق يحيى بن أبي الحجاج عن ابن جريج، كرواية الجماعة، لكن زاد في آخره: وسمعته يقول: لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب، فظاهره أن ضمير سمعته للنبي ﷺ ، فيكون مرفوعًا بخلاف رواية الجماعة. نعم، قوله: (فما أسمَعَنا رسول الله ﷺ ، أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم) يشعر بأن جميع ما ذكر متلقى عن النبي ﷺ ، فيكون للجميع حكم الرفع. وسقط لفظ عنكم للأربعة، وزاد مسلم في روايته عن أبي خيثمة وغيره من إسماعيل: فقال له الرجل: وإن لم أزد؟ قال: (وإن لم تزد

стр. 1015

على أم القرآن أجزأت) من الإجزاء. وهو الأداء الكافي، لسقوط التعبد. وللقابسي: جزت بغير همز ومفهومه أن الصلاة بغير الفاتحة لا تجزئ، فهو حجة على الحنفية. (وإن زدت) عليها (فهو خير) لك. ورواة هذا الحديث خمسة، وفيه التحديث والإخبار والسماع والقول، وأخرجه مسلم، وقد تكلم يحيى بن معين في حديث إسماعيل بن علية عن ابن جريج خاصة، لكن تابعه عليه جماعة، فقوي والله المعين. ١٠٥ - باب الْجَهْرِ بِقِرَاءَةِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: طُفْتُ وَرَاءَ النَّاسِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَيَقْرَأُ بِالطُّورِ. (باب الجهر بقراءة صلاة الفجر) ولأبي ذر: صلاة الصبح. (وقالت أم سلمة) مما وصله المؤلّف في الحج: (طفت) بالكعبة (وراء الناس، والنبي ﷺ يصلّي) أي الصبح (ويقرأ بالطور) وللأصيلي وابن عساكر: يقرأ، بغير واو. ٧٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ. قَالُوا: مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلاَّ شَىْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ بِنَخْلَةَ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهْوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ فَقَالُوا: هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ وَقَالُوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَىَّ﴾ وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ". [الحديث ٧٧٣ - طرفه في: ٤٩٢١]. وبه قال (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا أبو عوانة) الوضاح (عن أبي بشر) بالموحدة المكسورة والمعجمة الساكنة، ولأبي ذر والأصيلي: هو جعفر بن أبي وحشية، كذا في الفرع، واسم أبي وحشية إياس (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس) وللأصيلي، عن عبد الله بن عباس (¬﵄، قال: انطلق النبي ﷺ ¬) قبل الهجرة بثلاث سنين (في طائفة) ما فوق الواحد (من أصحابه) حال كونهم (عامدين) أي قاصدين (إلى سوق عكاظ) بضم المهملة وتخفيف الكاف آخره

стр. 1016

معجمة، بالصرف وعدمه كما في الفرع وأصله، قال السفاقسي: هو من إضافة الشيء إلى نفسه، لأن عكاظ اسم سوق للعرب بناحية مكة، قال في المصابيح: لعل العلم هو مجموع قولنا: سوق عكاظ، كما قالوا في شهر رمضان، وإن قالوا: عكاظ فعلى الحذف، كقولهم: رمضان (وقد حيل) أي حجز (بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب) بضم الهاء جمع شهب، وهو شعلة نار ساطعة ككوكب ينقض (فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟، فقالوا) بالفاء، ولغير أبي ذر: قالوا: (حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب قالوا) أي الشياطين: (ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا) أي سيروا (مشارق الأرض ومغاربها) أي فيهما، فالنصب على الظرفية (فانظروا) وللأصيلي وابن عساكر: وانظروا (ما هذا الذي) بإثبات اسم الإشارة، ولابن عساكر: ما الذي (حال بينكم وبين خبر السماء) ولغير ابن عساكر: حيل، لكنه في اليونينية ضبب عليها وشطب (فانصرف أولئك) الشياطين (الذين توجهوا نحو تهامة) بكسر التاء، مكة. وكانوا من جنّ نصيبين (إلى النبي ﷺ ، وهو بنخلة) بفتح النون وسكون الخاء المعجمة، غير منصرف للعلمية، والتأنيث موضع على ليلة من مكة، حال كونهم (عامدين إلى سوق عكاظ، وهو) ﵊ (يصلّي صلاة الفجر) الصبح (فلما سمعوا القرآن استمعوا له) أي قصدوه وأصغوا إليه، وهو ظاهر في الجهر المترجم له (فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم، وقالوا) بالواو، وفي رواية قالوا: وهو العامل في ظرف المكان ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: فقالوا: بالفاء، وحينئذٍ فالعامل في الظرف: رجعوا، مقدّرًا يفسره المذكور (﴿يا قومنا إنّا سمعنا قرآنًا عجبًا﴾) بديعًا مباينًا لسائر الكتب من حسن نظمه، وصحة معانيه، وهو مصدر وصف به للمبالغة (﴿يهدي إلى الرشد﴾) يدعو إلى الصواب (﴿فآمنا به﴾) أي بالقرآن (﴿ولن نشرك بربنا أحدا﴾) [الجن: ٢٠١] فأنزل الله تعالى على نبيه ﷺ : (﴿قل أوحي إليّ﴾) زاد الأصيلي: ﴿أنه استمع نفر من الجن﴾ (وإنما أوحي إليه قول الجن). وأراد بقول الجن الذي قصه ومفهومه: أنّ الحيلولة بين الشياطين وخبر السماء حدثت بعد نبوّة نبينا محمد ﷺ ، ولذلك أنكرته الشياطين، وضربوا مشارق الأرض ومغاربها ليعرفوا خبره، ولهذا كانت الكهانة فاشية في العرب، حتى قطع بينهم وبين خبر السماء، فكان رميها من دلائل النبوّة. لكن في مسلم ما يعارض ذلك، فمن ثمة وقع الاختلاف، فقيل: لم تزل الشهب منذ كانت الدنيا، وقيل: كانت قليلة فغلظ أمرها وكثرت بعد البعث. وذكر المفسرون أن حراسة السماء والرمي بالشهب كان موجودًا، لكن عند حدوث أمر عظيم من عذاب ينزل بأهل الأرض، أو إرسال رسول إليهم، وقيل كانت الشهب مرئية معلومة، ولكن رمي الشياطين بها وإحراقهم لم يكن إلا بعد النبوّة.

стр. 1017

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصري وواسطي وكوفي، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في التفسير، ومسلم في الصلاة، والترمذي والنسائي في التفسير، وهذا الحديث مرسل صحابي لأن ابن عباس لم يرفعه ولا هو مدرك للقصة. ٧٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا أُمِرَ، وَسَكَتَ فِيمَا أُمِرَ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. وبه قال: (حدّثنا مسدّد) بن مسرهد (قال: حدّثنا إسماعيل) بن علية (قال: حدّثنا أيوب) السختياني (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس) ﵄ (قال: قرأ) أي: جهر (النبي ﷺ فيما أُمِرَ)، أي أسرَّ (فيما أمر) بضم الهمزة فيهما، والآمر الله تعالى. لا يقال معنى سكت: ترك القراءة، لأنه ﵊ لا يزال إمامًا، فلا بدّ من القراءة سرًّا أو جهرًا (﴿وما كان ربك نسيًّا﴾) حيث لم ينزل في بيان أفعال الصلاة قرآنًا يتلى، وإنما وكّل الأمر في ذلك إلى بيان نبيه ﷺ ، الذي شرع لنا الاقتداء به، وأوجب علينا اتباعه في أفعاله التي هي لبيان مجمل الكتاب (﴿ولقد﴾) ولغير أبوي الوقت وذر الأصيلي وابن عساكر: لقد (﴿كان لكم في رسول الله أُسوة﴾) بضم الهمزة وكسرها، أي: قدوة (﴿حسنة﴾) فتجهروا فيما جهر، وتسروا فيما أسر. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصري وكوفي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وهو من أفراده. ١٠٦ - باب الْجَمْعِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ وَالْقِرَاءَةِ بِالْخَوَاتِيمِ، وَبِسُورَةٍ قَبْلَ سُورَةٍ، وَبِأَوَّلِ سُورَةٍ. وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ: "قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُؤْمِنُونَ فِي الصُّبْحِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ أَوْ ذِكْرُ عِيسَى أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ". وَقَرَأَ عُمَرُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ آيَةً مِنَ الْبَقَرَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ الْمَثَانِي. وَقَرَأَ الأَحْنَفُ بِالْكَهْفِ فِي الأُولَى وَفِي الثَّانِيَةِ بِيُوسُفَ أَوْ يُونُسَ. وَذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ ﵁ الصُّبْحَ بِهِمَا. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِأَرْبَعِينَ آيَةً مِنَ الأَنْفَالِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ. وَقَالَ قَتَادَةُ -فِيمَنْ يَقْرَأُ سُورَةً وَاحِدَةً فِي رَكْعَتَيْنِ، أَوْ يُرَدِّدُ سُورَةً وَاحِدَةً فِي رَكْعَتَيْنِ-: كُلٌّ كِتَابُ اللَّهِ.

стр. 1018

(باب) حكم (الجمع بين السورتين في الركعة) الواحدة من الصلاة، ولابن عساكر وأبي ذر: في ركعة (و) حكم (القراءة بالخواتيم) بالمثناة التحتية بعد الفوقية، ولأبي ذر والأصيلي: بالخواتم، أي أواخر السور، (و) القراءة (بسورة). بموحدة، أوّله، ولابن عساكر: وسورة (قبل سورة) مخالفًا ترتيب المصحف العثماني (و) القراءة (بأوّل سورة). (ويذكر) بضم أوّله مبنيًّا للمفعول (عن عبد الله بن السائب) بن أبي السائب، مما وصله مسلم من طريق ابن جريج: (قرأ النبي ﷺ ﴿المؤمنون﴾) بالواو على الحكاية، ولأبي ذر: المؤمنين وللأصيلي ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ (في) صلاة (الصبح) بمكة. (حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون) أيّ قوله تعالى: ﴿ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون﴾ (أو ذكر عيسى) أي ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾ (أخذته) ﷺ (سعلة) بفتح السين وقد تضم، ولابن ماجة: فلما بلغ ذكر عيسى وأمه أخذته سعلة، أو قال: شهقة وفي رواية: شرقة (فركع). قيل فيه جواز قطع القراءة، وجواز القراءة ببعض السورة، وهو يردّ على مالك حيث كره ذلك. وأجيب: بأن الذي كرهه مالك هو أن يقتصر على بعض السورة مختارًا، والمستدل به هنا ظاهر في أنه كان للضرورة، فلا يرد عليه. نعم، الكراهية لا تثبت إلا بدليل، وأدلة الجواز كثيرة، منها حديث زيد بن ثابت: أنه في قرأ الأعراف في الركعتين، ولم يذكر ضرورة. (وقرأ عمر) بن الخطاب ﵁ (في الركعة الأولى) من الصبح (بمائة وعشرين آية من البقرة، وفي) الركعة (الثانية بسورة من المثاني) وهو ما يبلغ مائة آية، أو لم يبلغها، أو ما عدا السبع الطوال إلى المفصل، سمي مثاني لأنها ثنت السبع، أو لكونها قصرت عن المئين وزادت على المفصل، أو ولأن المئتين جعلت مبادي والتي تليها مثاني، ثم الفصل. وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة لكن بلفظ: يقرأ في الصبح بمائة من البقرة، ويتبعها بسورة من المثاني. (وقرأ الأحنف) بالمهملة، ابن قيس بن معد يكرب الكندي الصحابي، ﵁، في صلاة الصبح (بالكهف في) الركعة (الأولى، وفي الثانية بيوسف أو يونس) شك الراوي (وذكر) الأحنف (أنه صلّى مع عمر ﵁¬) أي وراءه (الصبح) فقرأ (بهما) أي بالكهف في الأولى، وبإحدى السورتين في الثانية. وهذا مكروه عند الحنفية، لأن رعاية ترتيب المصحف العثماني مستحبة، وقيل مكروه في الفرائض دون النوافل. وهذا التعليق وصله أبو نعيم في المستخرج، وقال في الثانية يونس ولم يشك.

стр. 1019

(وقرأ ابن مسعود) عبد الله، فيما وصله عبد الرزاق (بأربعين آية من الأنفال) في الركعة الأولى، ولفظ سعيد بن منصور، من وجه آخر: فافتتح الأنفال حتى بلغ ﴿ونعم النصير﴾ وهو رأس الأربعين آية، (وفي) الركعة (الثانية بسورة من المفصل) من سورة القتال، أو الفتح، أو الحجرات، أو ق، إلى آخر القرآن. (وقال قتادة) مما وصله عبد الرزاق (فيمن يقرأ سورة واحدة) ولأبي ذر: بسورة واحدة يفرّقها (في ركعتين) وللأصيلي: في الركعتين، (أو يردّد) أي يكرر (سورة واحدة في ركعتين) بأن يقرأ في الثانية بعين السورة التي قرأها في الأولى، فالتكرير أخف من قسم السورة في ركعتين، قاله ابن المنير. قال في فتح الباري: وسبب الكراهة فيما يظهر أن السورة يرتبط بعضها ببعض، فأي موضع قطع فيه لم يكن كانتهائه إلى آخر السورة، فإنه إن انقطع في وقف غير تام كانت الكراهة ظاهرة، وإن وقف في تام فلا يخفى أنه خلاف الأولى. اهـ. واستنبط جواز جميع ما ذكره في الترجمة من قول قتادة: (كل) أي كل ذلك (كتاب الله) . فعلى أي وجه يقرأ لا كراهة فيه. ويؤيد الصورة الأولى من قول قتادة قراءته ﵊ في المغرب: بآل عمران، فرّقها في ركعتين رواه النسائي. والثاني حديث معاذ بن عبد الله الجهني: أن رجلاً من جهينة أخبره، أنه سمع رسول الله ﷺ يقرأ في الصبح ﴿إذا زلزلت﴾ في الركعتين كلتيهما، فلا أدري أنسي رسول الله ﷺ ، أم قرأ ذلك عمدًا. ولم يذكر المؤلّف في الترجمة ترديد السورة. ٧٧٤ م - وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁: "كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ بِـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَإِمَّا أَنْ تَقْرَأَ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ. وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ -فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ، وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا. فَقَالَ: حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ» ". (وقال عبيد الله) بضم العين مصغرًا، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، مما وصله الترمذي والبزار عن المؤلّف، عن إسماعيل بن أبي أويس، عنه (عن ثابت)

стр. 1020

البناني (عن أنس) ولأبي ذر والأصيلي كما في الفرع وأصله زيادة: ابن مالك: (كان رجل من الأنصار) اسمه كلثوم بضم الكاف، ابن هدم، بكسر الهاء وسكون الدال، (يؤمهم في مسجد قباء، وكان) بالواو، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: فكان (كلما افتتح سورة) ولأبي ذر والأصيلي: بسورة، بموحدة في الأوّل (يقرأ بها لهم في الصلاة، مما يقرأ به) بالضم مبنيًا للمفعول، أي: في الصلوات التي يقرأ فيها جهرًا، ولابن عساكر: مما يقرأ بها وجواب كلما قوله: (افتتح) بعد الفاتحة (بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ حتى يفرغ منها) أي: إذا أراد الافتتاح وإلاّ فهو إذا افتتح سورة لا يكون مفتتحًا بغيرها، (ثم يقرأ سورة) ولأبي ذر: بسورة (أخرى معها) أي مع ﴿قل هو الله أحد﴾ (وكان يصنع ذلك) الذي ذكر من الافتتاح بالإخلاص، ثم بسورة معها (في كل ركعة، فكلمة أصحابه) لأن فعله ذلك بخلاف ما يعهدونه، (فقالوا) بالفاء، ولأبوي ذر والوقت: وقالوا: (إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك) بضم أوّله مع الهمز، كما في الفرع وأصله، من الإجزاء. ويروى: تجزيك بفتحة من جزى، أي لا ترى أنها تكفيك، (حتى تقرأ بأخرى) ولأبي ذر والأصيلي: بالأخرى (فإما أن تقرأ بها) ولغير أبي ذر: فإما تقرأ بها (وإما أن تدعها) تتركها (وتقرأ بأخرى) غير ﴿قل هو الله أحد﴾ (فقال) الرجل (ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم. وكانوا يرون أنه) وللأصيلي: يرونه (من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره) لكونه من أفضلهم، أو لكونه ﵊ هو الذي قرره (فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه) هذا (الخبر) المذكور، فأل للعهد (فقال) له ﵊: (يا فلان! ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به) أي الذي يقوله لك (أصحابك) من قراءة سورة الإخلاص فقط، أو غيرها فقط، وليس هذا أمرًا على الأصطلاح، لأن الأمر هو قول القائل لغيره، افعل كذا. على سبيل الاستعلاء، فالعاري عنه يسمى التماسًا، وإنما جعله أمرًا هنا لأنه لازم التخيير المذكور، وكأنهم قالوا له: الفعل كذا أو كذا. (وما يحملك) أي وما الباعث لك (على لزوم) قراءة (هذه السورة) ﴿قل هو الله أحد﴾. (في كل ركعة) سأله عن أمرين. (فقال) الرجل مجيبًا عن الثاني منهما (إني أحبها) أي أقرأها لمحبتي إياها إذ لا يصح أن يكون جوابًا عن الأول لأن محبتها لا تمنع أن يقرأ بها فقط وهم إنما خيّروه بينها فقط أو غيرها فقط لكنه مستلزم للأول بانضمام شيء آخر وهو إقامة السُّنّة المعهودة من الصلاة بقراءة سوة أخرى فالمانع مركب من المحبة وعهد الصلاة. (فقال) له ﵊: (حبك إياها) أي سورة الإخلاص، والحب مصدر مضاف لفاعله، وارتفاعه بالابتداء والخبر قوله (أدخلك الجنة) لأنها صفة الرحمن تعالى، فحبها يدل على حسن اعتقاده في الدين، وعبر بالماضي، وإن كان دخول الجنة مستقبلاً، لتحقّق الوقوع. وفيه جواز الجمع بين السورتين في ركعة واحدة، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وروي عن عثمان وابن عمر وحذيفة وغيرهم.
следующие страницы →