Полный текст (8 298 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
وعن بعض المالكية هي ربع دينار، وعن أحمد ثلاثة دراهم وثلث (أو نواة من ذهب) شك الراوي، ولأبي الوقت وابن عساكر: أو نواة ذهب بإسقاط حرف الجر والإضافة (فقال له النبي ﷺ : أولم) أي اتخذ وليمة وهي الطعام للعرس ندبًا قياسًا على الأضحية وسائر الولائم وفي قول وجوبًا لظاهر الأمر (ولو بشاة) أي مع القدرة وإلا فقد أولم ﷺ على بعض نسائه بمدّين من شعير كما في البخاري وعلى صفية بتمر وسمن وأقط.
ورواة هذا الحديث كلهم مدنيون وظاهره الإرسال لأنه إن كان الضمير في جده يعود إلى إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن فيكون الجد فيه إبراهيم بن عبد الرحمن، وإبراهيم لم يشهد المؤاخاة لأنه توفي بعد التسعين بيقين وعمره خمس وسبعون سنة، وإن عاد الضمير إلى جد سعد فيكون على هذا سعد روى عن جده عبد الرحمن، وهذا لا يصح لأن عبد الرحمن توفي سنة اثنتين وثلاثين وتوفي سعد سنة ست وعشرين ومائة عن ثلاث وسبعين سنة، ولكن الحديث المذكور متصل لأن إبراهيم قال فيه قال عبد الرحمن بن عوف ويوضح ذلك ما رواه أبو نعيم الحافظ عن أبي بكر الطلحي، حدّثنا أبو حصين الوادعيّ، حدّثنا يحيى بن عبد الحميد، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جدّه، عن عبد الرحمن بن عوف قال: لما قدمنا المدينة الحديث.
٢٠٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ، فَآخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أُقَاسِمُكَ مَالِي نِصْفَيْنِ وَأُزَوِّجُكَ. قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ، فَمَا رَجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمْنًا، فَأَتَى بِهِ أَهْلَ مَنْزِلِهِ. فَمَكَثْنَا يَسِيرًا -أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ- فَجَاءَ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : مَهْيَمْ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: مَا سُقْتَ إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ -أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ- قَالَ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ".
[الحديث ٢٠٤٩ - أطرافه في: ٢٢٩٣، ٣٧٨١، ٣٩٣٧، ٥٠٧٢، ٥١٤٨، ٥١٥٣، ٥١٥٥، ٥١٦٧، ٦٠٨٢، ٦٣٨٦].
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي قال: (حدّثنا زهير) بضم الزاي وفتح الهاء ابن معاوية الجعفي قال: (حدّثنا حميد) الطويل (عن أنس ﵁¬) أنه (قال: قدم) وللكشميهني قال: لما قدم (عبد الرحمن بن عوف ﵁ (المدينة فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري) بفتح الراء وكسر الموحدة وآخى بالمدّ من المؤاخاة (وكان سعد ذا غنى فقال لعبد الرحمن: أقاسمك مالي نصفين وأزوّجك) وفي الحديث السابق: وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها فإذا حلّت تزوّجتها (قال) عبد الرحمن: (بارك الله لك في أهلك ومالك دلّوني على السوق) أي فدلّوه على السوق (فما رجع) منه (حتى استفضل) بالضاد المعجمة أي ربح (أقطًا وسمنًا فأتى به) أي بالذي استفضله (أهل منزله فمكثنا يسيرًا أو ما
стр. 2557
شاء الله فجاء وعليه وضر) بفتح الواو والضاد المعجمة أي لطخ (من صفرة) أي صفرة طيب أو خلوق واستشكل مع مجيء النهي عن التزعفر.
وأجيب: بأنه كان يسيرًا فلم ينكره أو علق به من ثوب امرأته من غير قصد، وعند المالكية جوازه لما روى مالك في الموطأ أن ابن عمر كان يلبس الثوب المصبوغ بالزعفران. قال ابن العربي: وما كان ابن عمر ليكره النبي ﷺ شيئًا ويستعمله قال: والأصفر لم يرد فيه حديث لكنه ورد ممدوحًا في القرآن قال تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] وأسند إلى ابن عباس أنه من طلب حاجة على نعل أصفر قضيت حاجته لأن حاجة بني إسرائيل قضيت بجلد أصفر (فقال له النبي ﷺ ¬):
(مهيم) بفتح الميم الأولى وسكون الأخيرة وبعد الهاء الساكنة مثناة تحتية مفتوحة كلمة يستفهم بها أي ما شأنك (قال: يا رسول الله تزوّجت امرأة من الأنصار) هي ابنة أبي الحيسر أنس بن رافع الأنصاري (قال: ما سقت إليها) من الدراهم صداقًا؟ (قال): سقت إليها (نواة من ذهب) بنصب نواة بتقدير سقت إليها فيكون الجواب مطابقًا للسؤال من حيث أن كلاًّ منهما جملة فعلية، ويجوز الرفع بناء على أن المشاكلة غير لازمة وأن المشاكلة حاصلة بأن يقدر ما سقت إليها جملة اسمية وذلك بأن يكون ما مبتدأ وسقت إليها الخبر والعائد محذوف أي سقته، لكني لم أقف على كونه مرفوعًا في أصل من البخاري واتباع الرواية أولى (أو) قال سقت إليها (وزن نواة من ذهب) اسم لخمسة دراهم كما مرّ قريبًا (قال) عليه السلاة والسلام: (أولم ولو بشاة).
٢٠٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "كَانَتْ عُكَاظٌ وَمِجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ فَكَأَنَّهُمْ تَأَثَّمُوا فِيهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ. قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ".
وبه قال (حدّثنا) بالجمع ولأبوي ذر والوقت: حدّثني (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بفتح العين ابن دينار المكي (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: كانت عكاظ) بضم العين وتخفيف الكاف آخره ظاء معجمة منوّنة، ولأبي ذر: عكاظ بغير تنوين (ومجنة) بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون، ولأبي ذر: ومجنة بفتح الميم (وذو المجاز) بفتح الميم والجيم وبعد الألف زاي (أسواقًا في الجاهلية) فسوق مجنة هو سوق هجر. قال البكري: على أميال يسيرة من مكة بناحية مرّ الظهران وكان سوقه عشرة أيام آخر ذي القعدة والعشرون قبلها سوق عكاظ وذو المجاز يقوم بعد هلال ذي الحجة، (فلما كان الإسلام) أي جاء وكان تامة (فكأنهم تأثموا فيه) أي اجتنبوا الإثم، والمعنى تركوا التجارة في الحج حذرًّا من الإثم، وللكشميهني: "منه" بدل "فيه" (فنزلت ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا﴾) في أن تطلبوا (﴿فضلاً من ربكم﴾) [البقرة: ١٩٨] أي عطاءً ورزقًا منه يريد الربح والتجارة (في مواسم الحج. قرأها ابن عباس) كذلك بزيادة
стр. 2558
في مواسم الحج وهي شاذة، لكن صح إسنادها فهي مما يحتج به وليس بقرآن.
وهذا الحديث قد مضى في الحج في باب التجارة في أيام الموسم والبيع في أسواق الجاهلية: ومطابقته للترجمة من حيث إنهم كانوا يتجرون في الأسواق المذكورة.
٢ - باب الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ
هذا (باب) بالتنوين (الحلال بيّن والحرام بين وبينهما مشبهات) بفتح الشين المعجمة وفتح الموحدة المشدّدة.
٢٠٥١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ح. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي فَرْوَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ح. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي فَرْوَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ح. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي فَرْوَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ. فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ، وَالْمَعَاصِي حِمَى اللَّهِ، مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكْ أَنْ يُوَاقِعَهُ".
وبالسند قال (حدّثني) بالإفراد (محمد بن المثنى) الزمن قال: (حدّثني ابن أبي عدي) بفتح العين وكسر الدال المهملتين إبراهيم مولى بني سليم (عن ابن عون) بفتح المهملة وسكون الواو عبد الله بن أرطبان (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (قال: سمعت النعمان بن بشير ﵁ يقول: سمعت النبي ﷺ وسقط لابن عساكر قوله سمعت النبي ﷺ الخ. ولم يذكر لفظ هذه الرواية وهي عند أبي داود والنسائي وغيرهما بلفظ: إن الحلال بيّن وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات وأحيانًا يقول مشتبهة، وسأضرب لكم في ذلك مثلاً إن الله حمى حمى وإن حمى الله ما حرّمه وإن من يرع حول الحمى يوشك أن يخالطه وإن من يخالط الريبة يوشك أن يجسر.
وبه قال: (ح حدّثنا) ولأبي ذر وابن عساكر: وحدّثنا (علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا ابن عيينة) سفيان (عن أبي فروة) بفتح الفاء وسكون الراء عروة بن الحرث الأكبر، ولأبوي ذر والوقت: حدثنا أبو فروة (عن الشعبي) عامر (قال: سمعت النعمان) زاد في رواية أبوي ذر والوقت وابن عساكر ابن بشير (عن النبي ﷺ ¬) ولأبي ذر قال: سمعت النبي ﷺ وسقط ذلك لابن عساكر كالأوّل.
стр. 2559
وبه قال: (ح حدّثنا) ولأبوي ذر والوقت: وحدّثني بالواو والإفراد، ولابن عساكر: وحدّثنا بالواو والجمع (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا ابن عيينة) سفيان (عن أبي فروة) عروة الأكبر (قال: سمعت الشعبي) عامرًا يقول: (سمعت النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ ¬) ولم يذكر لفظ ابن عيينة عن أبي فروة في الطريقين، ولفظه كما عند ابن خزيمة في صحيحه والإسماعيلي من طريقه: حلال بين وحرام بيّن ومشتبهات بين ذلك فذكره وفي آخره: ولكل ملك حمى وحمى الله في الأرض معاصيه.
وبه قال: (ح حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي البصري قال ابن معين: لم يكن بالثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، ووثقه أحمد بن حنبل وروى عنه البخاري ثلاثة أحاديث في العلم وهذا الحديث والتفسير وقد توبع عليها قال: (أخبرنا سفيان عن أبي فروة عن الشعبي عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال النبي ﷺ ¬):
(الحلال بيّن) واضح لا يخفى حلّه وهو ما علم ملكه يقينًا (والحرام بيّن) واضح لا تخفى حرمته وهو ما علم ملكه لغيره (وبينهما) أي الحلال والحرام الواضحين (أمور مشتبهة) بسكون الشين المعجمة وفتح المثناة الفوقية وكسر الموحدة بلفظ التوحيد أي مشتبهة على بعض الناس لا يدرى أهي من الحلال أم من الحرام لا أنها في نفسها مشتبهة لأن الله تعالى بعث رسوله ﷺ مبيّنًا للأمة جميع ما يحتاجونه في دينهم كذا قرره البرماوي كالكرماني. وقال ابن المنير: فيه دليل على بقاء المجملات بعد النبي ﷺ خلافًا لمن منع ذلك، وتأوّل ذلك من قوله تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ [الأنعام: ٣٨]. وإنما المراد أن أصول البيان في كتاب الله تعالى فلا مانع من الإجمال والاشتباه حتى يستنبط له البيان، ومع ذلك قد يتعذر البيان ويبقى التعارض فلا يطلع على ترجيح، فيكون البيان حينئذٍ الاحتياط والاستبراء للعرض والدين والأخذ بالأشد على قول أو يتخير المجتهد على قول أو يرجع إلى البراءة الأصلية، وكل ذلك بيان يرجع إليه عند الاشتباه من غير أن يجحد الإجمال أو الإشكال. قال ابن حجر الحافظ: وفي الاستدلال بذلك نظر إلا إن أراد به مجمل في حق بعض دون بعض أو أراد الردّ على منكري القياس فيحتمل ما قاله. والله أعلم. فمن ترك ما شبه عليه من الإثم) بضم الشين وكسر الموحدة المشدّدة (كان لما استبان) أي ظهر حرمته (أترك) نصب خبر كان (ومن اجترأ) بالراء من الجراءة (على ما يشك) لفتح أوّله وضم ثانيه، ولأبي ذر: يشك بضم أوله وفتح ثانيه مبنيًّا للمفعول (فيه من الاثم) بهمزة قطع (أوشك) بفتح الهمزة والمعجمة أي قرب (أن يواقع ما استبان) أي ظهر حرمته فينبغي اجتناب ما اشتبه لأنه إن كان في نفس الأمر حرامًا فقد برئ من تبعته وإن كان حلالاً على تركه بهذا القصد الجميل، وزاد في حديث باب: فضل من استبرأ لدينه: "ألا وإن لكل ملك حمى" (والمعاصي) التي حرمها كالقتل والسرقة (حمى الله من يرتع حول الحمى يوشك) بكسر المعجمة أي يقرب (أن يواقعه) أي يقع فيه شبه المكلف بالراعي والنفس البهيمية والأنعام والمشبهات بما حول الحمى والمعاصي بالحمى وتناوله المشبهات
стр. 2560
بالرتع حول الحمى فهو تشبيه بالمحسوس الذي لا يخفى حاله، ووجه التشبيه حصول العقاب بعدم الاحتراز في ذلك كما أن الراعي إذا جرّه رعيه حول الحمى إلى وقوعه استحق العقاب لذلك فكذا من أكثر من الشبهات وتعرض لمقدماتها وقع في الحرام فاستحق العقاب.
قال في فتح الباري: واختلف في حكم المشبهات. فقيل التحريم وهو مردود، وقيل الوقف وهو كالخلاف فيما قبل الشرع وحصل ما فسر به العلماء الشبهات أربعة أشياء.
أحدها: تعارض الأدلة.
ثانيها: اختلاف العلماء وهي منتزعة من الأولى.
ثالثها: أن المراد بها قسم المكروه لأنه يجتذبه جانبًا الفعل والترك.
رابعها: المراد بها المباح ولا يمكن قائل هذا أن يحمله على متساوي الطرفين من كل وجه بل يمكن حمله على ما يكون من قسّم خلاف الأولى بأن يكون متساوي الطرفين باعتبار ذاته راجح الفعل أو الترك باعتبار أمر خارج، وقد كان بعضهم يقول: المكروه عقبة بين العبد والحرام فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام، والمباح عقبة بينه وبين المكروه فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه.
ورواة هذا الحديث ما بين بصري ومكّي وكوفي وبخاري، وإنما كرّر طرقه ردًّا على ابن معين حيث حكى عن أهل المدينة أن النعمان لم يصح له سماع من النبي ﷺ ، وقد أخرج حديثه هذا الحميدي في مسنده عن ابن عيينة فصرح فيه بتحديث أبي فروة له، وبسماع أبي فروة من الشعبي، وبسماع الشعبي من النعمان على المنبر، وبسماع النعمان من رسول الله ﷺ .
٣ - باب تَفْسِيرِ الْمُشَبَّهَاتِ
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَهْوَنَ مِنَ الْوَرَعِ، دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ.
(باب تفسير المشبهات) بفتح الشين المعجمة وتشديد الموحدة المفتوحة، ولابن عساكر: المشتبهات بسكون المعجمة ثم مثناة فوقية مفتوحة وكسر الموحدة، وفي بعض النسخ: الشبهات بضم الشين والموحدة. (وقال حسان بن أبي سنان): بكسر السين البصري أحد العباد في زمن التابعين وليس له في هذا الكتاب غير هذا الموضع (ما رأيت شيئًا أهون من الورع دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) بفتح الياء فيهما من رابه يريبه ويجوز الضم من أرابه يريبه وهو الشك والتردّد، والمعنى هنا إذا شككت في شيء فدعه. وقد روى الترمذي من حديث عطية السعدي مرفوعًا: لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس، وهذا التعليق قد وصله أحمد وأبو نعيم في الحلية ولفظه: اجتمع يونس بن عبيد وحسان بن أبي سنان فقال يونس: ما عالجت شيئًا أشد عليّ من الورع. فقال حسان: ما عالجت شيئًا أهون عليّ منه. قال: كيف؟ قال حسان: تركت ما يريبني
стр. 2561
إلى ما لا يريبني فاسترحت. وقد ورد قوله: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك مرفوعًا أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم من حديث الحسن بن عليّ.
٢٠٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁: "أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ جَاءَتْ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا، فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ وَقَدْ كَانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةُ أَبِي إِهَابٍ التَّمِيمِيِّ".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) العبدي قال: (أخبرنا سفيان) الثوري قال: (أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين) بضم الحاء وفتح السين القرشي المكىِّ قال: (حدّثنا عبد الله بن أبي مليكة) زهير التميمي الأحول ونسبه لجده واسم أبيه عبيد الله مصغرًا (عن عقبة بن الحارث) أبي سروعة (﵁ أن امرأة سوداء) لم تسم (جاءت) في حديث باب الرحلة في المسألة النازلة أن عقبة بن الحارث تزوّج ابنة لأبي إهاب بن عزيز فأتت امرأة (فزعمت أنها أرضعتهما) أي عقبة والتي تزوّج بها واسمها غنية (فذكر) عقبة ذلك (للنبي ﷺ فأعرض عنه وتبسّم) وفي نسخة بالفرع: فتبسم (النبي ﷺ وقال):
(كيف) تباشرها (وقد قيل) إنك أخوها من الرضاع. وعند الترمذي قال: تزوّجت امرأة فجاءتنا امرأة سوداء قالت: إني أرضعتكما فأتيت النبي ﷺ فقلت: تزوّجت فلانة بنت فلان فجاءتنا امرأة سوداء فقالت: إني أرضعتكما وهي كاذبة. قال: فأعرض عني فأتيته من قبل وجهه فقلت إنها كاذبة. قال: وكيف بها وقد زعمت أنها أرضعتكما دعها عنك أي احتياطًا لأنه لما أخبره أعرض عنه فلو كان حرامًا لأجابه بالتحريم (وقد كانت) وللمستملي وكانت (تحته) أي تحت عقبة (ابنة) ولابن عساكر بنت (أبي إهاب التميمي) بكسر الهمزة واسمها غنية كما مرّ.
وهذا الحديث قد سبق في العلم.
٢٠٥٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ. قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عَامَ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَقَالَ: ابْنُ أَخِي، قَدْ عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ. فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ: أَخِي، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَتَسَاوَقَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ أَخِي، كَانَ قَدْ عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ. فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ. ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ. ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : احْتَجِبِي مِنْهُ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ".
[الحديث ٢٠٥٣ - أطرافه في: ٢٢١٨، ٢٤٢١، ٢٥٣٣، ٢٧٤٥، ٤٣٠٣، ٦٧٤٩،
стр. 2562
٦٧٦٥، ٦٨١٧، ٧١٨٢].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن قزعة) بالقاف والعين المهملة المفتوحات قال: (حدّثنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: كان عتبة بن أبي وقاص) هو الذي كسر ثنية النبي ﷺ في وقعة أُحد ومات على شركه، وقد ذكر ابن الأثير في أسد الغابة ما يقتضي أنه أسلم فالله أعلم قاله الحافظ زين الدين العراقي، وقال في الإصابة: لم أرَ من ذكره في الصحابة إلا ابن منده، وقد اشتد إنكار أبي نعيم عليه في ذلك وقال: هو الذي كسر رباعية النبي ﷺ وما علمت له إسلامًا بل روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري وعن عثمان الجزري عن مقسم: أن عتبة لما كسر رباعية النبي ﷺ دعا عليه أن لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرًا فما حال عليه الحول حتى مات كافرًا إلى النار، وحينئذٍ فلا معنى لإيراده في الصحابة، واستند ابن منده في قوله بما لا يدل على إسلامه وهو قوله في هذا الحديث: كان عتبة بن أبي وقاص (عهد) أي أوصى (إلى أخيه سعد بن أبي وقاص) أحد العشرة وهو أوّل من رمى بسهم في سبيل الله وأحد من فداه رسول الله ﷺ بأبيه وأمه (وأن ابن وليدة زمعة) بن قيس العامري أي جاريته ولم تسمّ واسم ولدها صاحب القصة عبد الرحمن، وزمعة بفتح الزاي وسكون الميم، ولأبي ذر: زمعة بفتحهما قال الوقشي وهو الصواب (مني فاقبضه) بهمزة وصل وكسر الموحدة، وأصل هذه القصة أنه كان لهم في الجاهلية إماء يزنين وكانت السادة تأتيهن في خلال ذلك فإذا أتت إحداهن بولد فربما يدّعيه السيد وربما يدّعيه الزاني، فإذا مات السيد ولم يكن ادّعاه ولا أنكره فادّعاه ورثته لحق به إلا أنه لا يشارك مستلحقه في ميراثه إلا أن يستلحقه قبل القسمة وإن كان السيد أنكره لم يلحق به، وكان لزمعة بن قيس والد سودة أم المؤمنين أمة على ما وصف وعليها ضريبة وهو يلم بها فظهر بها حمل كان سيدها يظنُّ أنه من عتبة أخي سعد فعهد عتبة إلى أخيه سعد قبل موته أن يستلحق الحمل الذي بأمة زمعة (قالت) عائشة: (فلما كان عام الفتح أخذه) أي الولد (سعد بن أبي وقاص) وسقط قوله: إن ابن وليدة إلى هنا من رواية ابن عساكر وقال في نسخته: إنه لم يكن في الأصل وهو من رواية الحموي والنعيمي كذا نقل عن اليونينية، (وقال) أي سعد هو (ابن أخي) عتبة (قد عهد إليّ فيه) أن أستلحقه به، وسقط لابن عساكر لفظة: قد (فقام عبد بن زمعة) بغير إضافة ابن قيس بن عبد شمس القرشي العامري أسلم يوم الفتح وهو أخو سودة أم المؤمنين، (فقال): هو (أخي وابن وليدة أبي) أي جاريته (ولد على فراشه فتساوقا) أي فتدافعا بعد تخاصمهما وتنازعهما في الولد (إلى النبي) ولأبي ذر: إلى رسول الله (¬ ﷺ فقال سعد: يا رسول الله) هو (ابن أخي) عتبة (كان قد عهد) ولابن عساكر: كان عهد (إليّ فيه) أن أستلحقه به. (فقال عبد بن زمعة): هو (أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فقال رسول الله): ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: فقال النبي (¬ ﷺ ¬):
(هو) أي الولد (لك يا عبد بن زمعة) بضم الدال على الأصل ونصب نون ابن، ولأبي ذر: يا عبد بفتحها، وسقط في رواية النسائي أداة النداء، واختلف في قوله "لك" على قولين:
стр. 2563
أحدهما: معناه هو أخوك إما بالاستلحاق وإما بالقضاء بعلمه لأن زمعة كان صهره ﵊ والد زوجته، ويؤيده ما في المغازي عند المؤلّف هو لك فهو أخوك يا عبد، وأما ما عند أحمد في مسنده والنسائي في سننه من زيادة ليس لك بأخ فأعلها البيهقي. وقال المنذري: إنها زيادة غير ثابتة.
والثاني: أن معناه هو لك ملكًا لأنه ابن وليدة أبيك من غيره لأن زمعة لم يقرّ به ولا شهد عليه فلم يبق إلا أنه عبد تبعًا لأمه وهذا قاله ابن جرير.
(ثم قال النبي ﷺ : الولد) تابع (للفراش) وهو على حذف مضاف أي: لصاحب الفراش زوجًا أو سيدًا.
وفي كتاب الفرائض عند المؤلّف من حديث أبي هريرة الولد لصاحب الفراش، وترجم عليه وعلى حديث عائشة الولد للفراش حرّة كانت أو أمة وهو لفظ عامّ ورد على سبب خاص وهو معتبر العموم عند الأكثر نظرًا لظاهر اللفظ، وقيل هو مقصور على السبب لوروده فيه، ومثاله حديث الترمذي وغيره عن أبي سعيد الخدري قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" أي مما ذكر وغيره، وقيل مما ذكر وهو ساكت عن غيره.
ثم إن صورة السبب التي ورد عليها العام قطعية الدخول فيه عند الأكثر من العلماء لوروده فيها فلا يخص منه بالاجتهاد. وقال الشيخ تقي الدين السبكي: وهذا عندي ينبغي أن يكون إذا دلّت قرائن حالية أو مقالية على ذلك أو على أن اللفظ العامّ يشمله بطريق لا محالة وإلاّ فقد ينازع الخصم في دخوله وضعًا تحت اللفظ العام ويدّعي أنه قد يقصد المتكلم بالعام إخراج السبب وبيان أنه ليس داخلاً في الحكم، فإن للحنفية القائلين إن ولد الأمة المستفرشة لا يلحق سيدها ما لم يقرّ به نظرًا إلى أن الأصل في اللحاق الإقرار أن يقولوا في قوله ﵊ "الولد للفراش" وإن كان واردًا في أمة فهو وارد لبيان حكم ذلك الولد وبيان حكمه أما بالثبوت أو بالانتفاء فإذا ثبت أن الفراش هي الزوجة لأنها هي التي يتخذ لها الفراش غالبًا وقال: الولد للفراش كان فيه حصر أن الولد للحرة وبمقتضى ذلك لا يكون للأمة فكان فيه بيان الحكمين جميعًا نفي السبب عن المسبب وإثباته لغيره ولا يليق دعوى القطع هاهنا وذلك من جهة اللفظ، وهذا في الحقيقة نزاع في أن اسم الفراش هل هو موضوع للحرة والأمة الموطوءة أو للحرة فقط؟ فالحنفية يدعون الثاني فلا عموم عندهم له في الأمة فتخرج المسألة حينئذٍ من باب أن العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب. نعم قوله ﷺ في هذا الحديث: "هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر" بهذا التركيب يقتضي أنه ألحقه به على حكم السبب فيلزم أن يكون مرادًا من قوله للفراش. فليتنبّه لهذا البحث فإنه نفيس جدًّا. وبالجملة فهذا الحديث أصل في إلحاق الولد بصاحب الفراش وإن طرأ عليه وطء محرم.
стр. 2564
(وللعاهر) أي الزاني (الحجر) أي الخيبة ولا حق له في الولد، والعرب تقول في حرمان الشخص: له الحجر وله التراب، وقيل هو على ظاهره أي الرجم بالحجارة وضعف بأنه ليس كل زانٍ يرجم بل المحصن، وأيضًا فلا يلزم من رجمه نفي الولد والحديث إنما هو في نفيه عنه.
(ثم قال) ﵊ (لسودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ : احتجبي منه) أي من ابن زمعة المتنازع فيه (يا سودة) والأمر للندب والاحتياط وإلاّ فقد ثبت نسبه وأخوّته لها في ظاهر الشرع (لما رأى) ﵊ (من شبهه) أي الولد المتخاصم فيه (بعتبة) بن أبي وقاص (فما رآها) عبد الرحمن المستلحق (حتى لقي الله). أي مات، والاحتياط لا ينافي ظاهر الحكم فيه جواز استلحاق الوارث نسبًا للمورث وإن الشبه وحكم القافة إنما يعتمد إذا لم يكن هناك أقوى منه كالفراش فلذلك لم يعتبر الشبه الواضح.
وهذا موضع الترجمة لأن إلحاقه بزمعة يقتضي أن لا تحتجب منه سودة والشبه بعتبة يقتضي أن تحتجب والمشبهات ما أشبهت الحلال من وجه والحرام من آخر، وبقية مباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في محالها، وقد أخرجه المؤلّف في الفرائض والأحكام والوصايا والمغازي وشراء المملوك من الحربي ومسلم وأخرجه النسائي في الطلاق.
٢٠٥٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: "سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْمِعْرَاضِ، فَقَالَ: إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُرْسِلُ كَلْبِي وَأُسَمِّي، فَأَجِدُ مَعَهُ عَلَى الصَّيْدِ كَلْبًا آخَرَ لَمْ أُسَمِّ عَلَيْهِ، وَلَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَ. قَالَ: لَا تَأْكُلْ، إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى الآخَرِ".
وبه قال (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الله بن أبي السفر) بفتح المهملة والفاء آخره راء الكوفي (عن الشعبي) عامر (عن عدي بن حاتم) الطائي (﵁) أنه (قال: سألت النبي) ولأبي ذر: رسول الله ﷺ (عن المعراض) بكسر الميم وسكون العين المهملة وبعد الراء ألف ثم ضاد معجمة السهم الذي لا ريش عليه أو عصا رأسها محدد أي سألته عن رمي الصيد بالعراض (فقال) ﵊:
(إذا أصاب) المعراض الصيد (بحده فكل وإذا أصاب بعرضه) بفتح العين المهملة (فقتل) الصيد (فلا تأكل) منه (فإنّه وقيذ) بفتح الواو وكسر القاف آخره معجمة بمعنى موقوذ وهو المقتول بغير محدد من عصا أو حجر ونحوهما، وسقط في رواية ابن عساكر قوله: فقتل (قلت يا رسول الله أرسل كلبي) المعلّم (وأُسمي) الله (فأجد معه على الصيد كلبًا آخر لم أسم عليه ولا أدري أيهما أخذ) الصيد (قال) ﵊: (لا تأكل) منه ثم علل بقوله (انما سميت) أي ذكرت الله (على كلبك)
стр. 2565
عند إرساله (ولم تسمّ على) الكلب (الآخر) وظاهره وجوب التسمية حتى لو تركها سهوًا أو عمدًا لا يحل وهو قول أهل الظاهر ومذهب الشافعية سنيتها. وتقدم البحث في ذلك في باب: إذا شرب الكلب من إناء أحدكم فليغسله سبعًا من كتاب الوضوء، ويأتي في الصيد والذبائح إن شاء الله تعالى مزيد لذلك بعون الله وقوّته.
٤ - باب مَا يُتَنَزَّهُ مِنَ الشُّبُهَاتِ
(باب ما يتنزه) بضم أوله أي يجتنب وللكشميهني: ما يكره (من الشبهات).
٢٠٥٥ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ مَسْقُوطَةٍ فَقَالَ: لَوْلَا أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً لأَكَلْتُهَا".
وَقَالَ هَمَّامٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَجِدُ تَمْرَةً سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي».
[الحديث ٢٠٥٥ - طرفه في: ٢٤٣١].
وبه قال (حدّثنا قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة ابن عقبة السوائي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن طلحة) بن مصرف اليامي الكوفي (عن أنس ﵁¬) أنه (قال: مرّ النبي ﷺ بتمرة مسقطة) بضم الميم وسكون السين المهملة وفتح القاف على صيغة المفعول، ولأبي ذر: مسقوطة بفتح الميم وبعد القاف واو أي سافطة ويأتي مفعول بمعنى فاعل كقوله تعالى: ﴿إنه كان وعده ماتيًا﴾ أي آتيًا. ونسب الحافظ ابن حجر الرواية الأولى لكريمة والأخرى للأكثر (فقال) ﵊:
(لولا أن تكون دقة) وفي نسخة: من صدقة (لأكلتها) فتركها تنزّها لأجل الشبهة وهو احتمال كونها من الصدقة.
والحديث رواته كوفيون، وأخرجه أيضًا في المظالم ومسلم في الزكاة والنسائي في اللقطة.
(وقال همام) بفتح الهاء وتشديد الميم ابن منبه مما وصله المؤلّف في اللقطة (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(أجد تمرة ساقطة على فراشي) تمامه: "فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها" وقال: أجد بلفظ المضارع استحضارًا للصورة الماضية، وذكره هنا لما فيه من تعيين المحل الذي رأى فيه التمرة وهو الفراش.
٥ - باب مَنْ لَمْ يَرَ الْوَسَاوِسَ وَنَحْوَهَا مِنَ الْمُشَبَّهَاتِ
(باب من لم ير الوساوس ونحوها) وفي نسخة: الوسواس ونحوه (من المشبهات) بميم
стр. 2566
مضمومة وفتح الشين المعجمة وتشديد الموحدة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: من الشبهات بضم الشين والموحدة من غير ميم، ولابن عساكر: المشتبهات بميم مضمومة وسكون الشين ومثناة فوقية مفتوحة وكسر الموحدة.
٢٠٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: "شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ يَجِدُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا أَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: لَا، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا".
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَفْصَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: لَا وُضُوءَ إِلاَّ فِيمَا وَجَدْتَ الرِّيحَ أَوْ سَمِعْتَ الصَّوْتَ.
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دُكين قال: (حدّثنا ابن عيينة) سفيان (عن الزهري) محمد بن سليم (عن عباد بن تميم) بتشديد الموحدة بعد العين المفتوحة (عن عمه) عبد الله بن زيد بن عاصم المازني (قال: شكي إلى النبي ﷺ ¬) بضم الشين وكسر الكاف (الرجل يجد في الصلاة شيئًا) أي وسوسة في بطلان الوضوء (أيقطع الصلاة؟ قال) ﵊:
(لا) يقطعها (حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) فلا يزول يقين الطهارة بالشك بل يزول بيقين الحدث. (وقال ابن أبي حفصة) هو أبو سلمة محمد بن أبي حفصة ميسرة البصري مما وصله أحمد والسراج في مسنده (عن الزهري) ابن شهاب: (لا وضوء إلا فيما وجدت الريح أو سمعت الصوت).
٢٠٥٧ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ الْعِجْلِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ".
[الحديث ٢٠٥٧ - طرفاه في: ٥٥٠٧، ٧٣٩٨].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبوي ذر والوقت: حدّثنا (أحمد بن المقدام) بكسر الميم وسكون القاف (العجلي) بكسر العين المهملة وسكون الجيم البصري الحافظ قال: (حدّثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي) بضم الطاء المهملة وتخفيف الفاء وكسر الواو قال: (حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂ أن قومًا قالوا: يا رسول الله إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه) عند الذبح (أم لا. فقال رسول الله ﷺ ¬):
(سموا الله عليه وكلوه) ولأبي الوقت وابن عساكر: سموا عليه. واستدلّ به على أن التسمية ليست شرطًا لصحة الذبح. قال في فتح الباري: وغرض المصنف هنا بيان ورع الموسوسين كمن يمتنع من أكل الصيد خشية أن يكون الصيد كان لإنسان ثم انفلت منه وكمن يترك شراء ما يحتاج إليه من مجهول لا يدري أماله حرام أم حلال، وليست هناك علامة تدل على الحرمة، وكمن يترك
стр. 2567
تناول الشيء لخبر ورد فيه متفق على ضعفه وعدم الاحتجاج به ويكون دليل الإباحة قويًا وتأويله ممتنع أو مستبعد.
٦ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]
(باب قول الله تعالى: ﴿وإذا رأوا﴾ ولابن عساكر باب التنوين: وإذا رأوا (﴿تجارة أو لهوًا انفضوا إليها﴾) [الجمعة: ١١].
٢٠٥٨ - حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَالِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ ﵁ قَالَ: "بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، إِذْ أَقْبَلَتْ مِنَ الشَّأْمِ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلاَّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً، فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾.
وبه قال: (حدّثنا طلق بن غنام) بفتح الطاء وسكون اللام وغنام بفتح المعجمة والنون المشدّدة ابن معاوية النخعي الكوفي قال: (حدّثنا زائدة) بن قدامة أبو الصلت الكوفي (عن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرحمن السلمي الكوفي (عن سالم) هو ابن أبي الجعد واسمه رافع الأشجعي الكوفي (قال: حدّثني) بالتوحيد (جابر ﵁ قال بينما) بالميم (نحن نصلي مع النبي ﷺ ¬) أي منتظرين صلاة الجمعة لأن المفارقة كانت في أثناء الخطبة لكن المنتظر للصلاة كالمصلي (اذ أقبلت من الشام عير) بكسر العين وسكون التحتية أي إبل لدحية أو لعبد الرحمن بن عوف (تحمل طعامًا فالتفتوا إليها) أي إلى العير، وفي رواية ابن فضيل: فانفض الناس أي تفرقوا وهو موافق لنص القرآن فالمراد من الالتفات الانصراف (حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلاً) برفع اثنا بالألف ويجوز النصب لأنه استثناء من الضمير في بقي العائد على المصلي، فإنه إذا كان كذلك يجوز الرفع والنصب على ما لا يخفى. وفي رواية خالد الطحان عند مسلم أن جابرًا قال: أنا فيهم، وله في رواية هشيم فيهم أبو بكر وعمر، وروى السهيلي بسند منقطع أن الاثني عشر هم العشرة المبشرة وبلال وابن مسعود، (فنزلت: ﴿إذا رأوا تجارة أو لهوًا انفضوا إليها﴾) تقديره: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوًا انفضوا إليه فحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه أو أعيد الضمير إلى التجارة لأنها كانت أهم إليهم أو أن الضمير أعيد إلى المعنى دون اللفظ أي: انفضوا إلى الرؤية التي رأوها أي مالوا إلى طلب ما رأوه.
وقد أشار المؤلّف بهذه الترجمة إلى أن التجارة وإن كانت ممدوحة باعتبار كونها من مكاسب الحلال فإنها قد تذمّ إذا قدمت على ما يجب تقديمه عليها قاله في الفتح.
стр. 2568
٧ - باب مَنْ لَمْ يُبَالِ مِنْ حَيْثُ كَسَبَ الْمَالَ
(باب من لم يبال من حيث كسب المال).
٢٠٥٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنَ الْحَرَامِ».
[الحديث ٣٠٥٩ - طرفه في: ٢٠٨٣].
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي أياس قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن قال: (حدّثنا سعيد بن المقبري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام) الضمير في منه عائد إلى ما وفيه ذم ترك التحري في المكاسب. وقال السفاقسي: أخبر بهذا ﵊ تحذيرًا من فتنة المال وهو من بعض دلائل نبوّته لإخباره بالأمور التي لم تكن في زمنه، ووجه الذم من جهة التسوية بين الأمرين وإلاّ فأخذ المال من الحلال ليس مذمومًا من حيث هو والله أعلم.
٨ - باب التِّجَارَةِ فِي الْبَرِّ وغيرهِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧].
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ الْقَوْمُ يَتَبَايَعُونَ وَيَتَّجِرُونَ، وَلَكِنَّهُمْ إِذَا نَابَهُمْ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ لَمْ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ.
(باب التجارة في البر) بفتح الموحدة والراء المهملة المشددة، ولأبوي ذر والوقت: في البز بالزاي بدل الراء، وقال الحافظ ابن حجر: عليه الأكثر وليس في الحديث ما يدل عليه بخصوصه بل بطريق عموم المكاسب، وصوّب ابن عساكر الأولى وهو أليق بمواخاة الترجمة للاحقة وهي التجارة في البحر وكذا ضبطها الحافظ الدمياطي، وأما قول البرماوي تبعًا لبعضهم إنه تصحيف فقال في الفتح: إنه خطأ إذ ليس في الآية ولا الحديث ولا الأثر اللاتي أوردها في الباب ما يرجح أحد اللفظين، ولابن عساكر: البرّ بضم الموحدة وبالراء، ونسبها ابن حجر لضبط ابن بطال وغيره فيما قرأه بخط القطب الحلبي وليس في الباب ما يقتضي تعيينه من بين أنواع التجارات، وزاد في رواية أبي الوقت وغيره بالجر عطفًا على السابق. قال الحافظ ابن حجر: ولم يقع في رواية الأكثر وثبتت عند الإسماعيلي وكريمة.
(وقوله تعالى) بالخفض عطفًا على السابق أو بالرفع على الاستئناف (﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾) [النور: ٣٧] قال ابن عباس: يقول عن الصلاة المكتوبة. وقال السدي: عن
стр. 2569
الصلاة في جماعة، وعن مقاتل بن حيان لا يلهيهم ذلك عن حضور الصلاة وأن يقيموها كما أمرهم الله وأن يحافظوا على مواقيتها وما استحفظهم الله فيها، والتجارة صناعة التاجر وهو الذي يبيع ويشتري للربح وعطف البيع على التجارة مع كونها أعم لأن البيع كما في الكشاف أدخل في الإلهاء من قيل أن التاجر إذا اتجهت له بيعة رابحة وهي طلبته الكلية من صناعته ألهته ما لا يلهيه شراء شيء يتوقع فيه الربح في الوقت أو لأن هذا يقين وذاك مظنون، أو أن الشراء يسمى تجارة إطلاقًا لاسم الجنس على النوع أو التجارة لأهل الجلب يقال: تجر فلان في كذا إذا جلبه، واختلف في المعنى فقيل لا تجارة لهم فلا يشتغلون عن الذكر، وقيل لهم تجارة ولكنها لا تشغلهم، وعلى هذا تنزل البخاري فإنما أراد إباحة التجارة وإثباتها لا نفيها، وأراد بقوله في البز وغيره أنه لا يتقيد في تخصيص نوع من البضائع دون غيره، وإنما التقييد في أن لا يشتغل بالتجارة عن الذكر ولم يسق في الباب حديثًا
يقتضي التجارة في البز بعينها من بين سائر أنواع التجارات. قال ابن بطال: غير أن قوله تعالى: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ [النور: ٣٧] يدخل فيه جميع أنواع التجارة من البز وغيره. قال في المصابيح: لا نسلم شمول الآية لكل تجارة بطريق العموم الاستغراقي فإن التجارة والبيع فيها من المطلق لا من العام.
فإن قلت: كيف يتجه هذا وكل من التجارة والبيع في الآية وقع نكرة في سياق النفي؟ وأجاب: بأن ترجمة البخاري مقتضية لإثبات التجارة لا نفيها وأن المعنى لهم تجارة وبيع لا يلهيانهم عن ذكر الله فإذن كل منهما نكرة في سياق الإثبات فلا تعم.
(وقال قتادة كان القوم) أي الصحابة (يتبايعون ويتجرون ولكنهم إذا نابهم) أي عرض لهم (حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع) أي لم تشغلهم الدنيا وزخرفها وملاذها وربحها (عن ذكر الله حتى يؤدّوه إلى الله) الذي هو خالقهم ورازقهم فيقدمون طاعته ومراده ومحبته على مرادهم ومحبتهم وقال ابن بطال ورأيت في تفسير الآية قال كانوا حدادين وخزازين فكان أحدهم إذا رفع المطرقة أو غرز الأشفي لم يرفعه من الغرزة ولم يوقع المطرقة ورمى بها وقام إلى الصلاة وهذا التعليق قال في الفتح لم أره موصولاً عن قتادة نعم روى ابن أبي حاتم وابن جرير فيما ذكره ابن كثير في تفسيره عن ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال ابن عمر: فيهم نزلت الآية وعزاه في فتح الباري لتخريج عبد الرزاق.
٢٠٦٠ و ٢٠٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: "كُنْتُ أَتَّجِرُ فِي الصَّرْفِ، فَسَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ﵁ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ح.
وَحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَعَامِرُ بْنُ مُصْعَبٍ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا الْمِنْهَالِ يَقُولُ: "سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ عَنِ
стр. 2570
الصَّرْفِ فَقَالَا: كُنَّا تَاجِرَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّرْفِ فَقَالَ «إِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ نَسَاءً فَلَا يَصْلُحُ».
[الحديث ٢٠٦٠ - أطرافه في: ٢١٨٠، ٢٤٩٧، ٣٩٣٩].
[الحديث ٢٠٦١ - أطرافه في: ٢١٨١، ٢٤٩٨، ٣٩٤٠].
وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد البصري (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز المكي (قال: أخبرني) بالإفراد (عمرو بن دينار) بفتح العين المكي (عن أبي المنهال) بكسر الميم وسكون النون آخره لام اسمه عبد الرحمن بن مطعم الكوفي (قال: كنت أتجر في الصرف) وهو بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة أو أحدهما بالآخر (فسألت زيد بن أرقم) الأنصاري الكوفي (﵁ فقال النبي ﷺ ¬) قال البخاري (ح).
(وحدّثني) بالتوحيد (الفضل بن يعقوب) الرخامي بضم الراء بعدها خاء معجمة أبو العباس البغدادي الحافظ قال: (حدّثنا الحجاج بن محمد) الأعور الترمذي الأصل سكن المصيصة (قال ابن جريج) عبد الملك: (أخبرني) بالإفراد (عمرو بن دينار وعامر بن مصعب) بضم الميم وفتح العين (أنهما سمعا أبا المنهال) عبد الرحمن بن مطعم (يقول: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف) سقط لفظ ابن عازب (فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله ﷺ فسألنا رسول الله ﷺ عن الصرف فقال):
(إن كان يدًا بيد) أي متقابضين في المجلس (فلا بأس) به (إن كان نساء) بفتح النون والسين المهملة ممدودًا، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: نسيئًا بكسر السين ثم مثناة تحتية ساكنة مهموزًا أي متأخرًا (فلا يصلح) واشتراط القبض في الصرف متفق عليه وإنما الاختلاف في التفاضل بين الجنس الواحد.
ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في محالها، وموضع الترجمة قوله: وكانا تاجرين على عهد النبي ﷺ ، وأخرج المؤلّف الطريق الثانية بنزول رجل لأجل زيادة عامر بن مصعب مع عمرو بن دينار في رواية ابن جريج عنهما عن أبي المنهال المذكور، وليس لعامر بن مصعب في البخاري سوى هذا الموضع الواحد، وروى المؤلّف هذا الحديث في البيوع وهجرة النبي ﷺ ومسلم في البيوع وكذا النسائي.
٩ - باب الْخُرُوجِ فِي التِّجَارَةِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠].
(باب) إباحة (الخروج في التجارة) وفي للتعليل أي لأجل التجارة كقوله تعالى: ﴿ولمسّكم فيما أفضتم﴾ [النور: ١٤] (وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على سابقه (﴿فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾) [الجمعة: ١٠] إطلاق لما حظر عليهم واحتج به من جعل الأمر بعد الحظر للإباحة كما
стр. 2571
في قوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ١٢] والابتغاء من فضل الله هو طلب الرزق وسقط لابن عساكر وأبي ذر: وابتغوا من فضل الله.
٢٠٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ -وَكَأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولاً- فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى، فَفَرَغَ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ؟ ائْذَنُوا لَهُ. قِيلَ: قَدْ رَجَعَ. فَدَعَاهُ: فَقَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ. فَقَالَ: تَأْتِينِي عَلَى ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ. فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسِ الأَنْصَارِ فَسَأَلَهُمْ، فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا إِلاَّ أَصْغَرُنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ. فَذَهَبَ بِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. فَقَالَ عُمَرُ: أَخَفِيَ عَلَىَّ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ. يَعْنِي الْخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ".
[الحديث ٢٠٦٢ - طرفاه في: ٦٢٤٥، ٧٣٥٣].
وبه قال (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدّثني (محمد بن سلام) بتخفيف اللام ابن الفرج البيكندي بكسر الموحدة وسقط في رواية ابن عساكر وأبي ذر لفظ ابن سلام قال: (أخبرنا مخلد بن يزيد) من الزيادة ومخلد بفتح الميم وسكون المعجمة وفتح اللام الحرّاني قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك (قال: أخبرني) بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي رباح (عن عبيد بن عمير) بضم العين فيهما مصغرين ابن قتادة أبو عاصم قاصّ أهل مكة قال مسلم: ولد في زمانه ﷺ ، وقال البخاري: رأى النبي ﷺ (أن أبا موسى) عبد الله بن قيس (الأشعري) ﵁ (استأذن على عمر بن الخطاب ﵁) زاد بسر بن سعيد عن أبي سعيد في الاستئذان أنه استأذن ثلاثًا (فلم يؤذن له) بضم الياء مبنيًّا للمفعول (وكأنه) أي عمر (كان مشغولاً) بأمر من أمور المسلمين (فرجع أبو موسى ففرغ عمر) من شغله (فقال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس) أبي موسى الأشعري (ائذنوا له) بالدخول (قيل قد رجع) أي أبو موسى فبعث عمر وراءه فحضر (فدعاه) فقال: لم رجعت؟ (فقال) أي أبو موسى (كنا نؤمر بذلك) أي بالرجوع حين لم يؤذن للمستاذن قال في رواية الاستئذان المذكورة فأخبرت عمر عن النبي ﷺ بذلك (فقال) أي عمر: (تأتيني) بدون لام التأكيد في أوله وهو خبر أريد به الأمر وفي نسخة: تأتني بحذف التحتية التي بعد الفوقية (على ذلك) أي على الأمر بالرجوع (بالبينة) زاد مالك في موطئه فقال عمر لأبي موسى: أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ ، وحينئذ فلا دلالة في طلبه البيّنة على أنه لا يحتج بخبر الواحد بل أراد سد الباب خوفًا من غير أبي موسى أن يختلق كذبًا على رسول الله ﷺ -عند الرغبة والرهبة، (فانطلق) أي أبو موسى (إلى مجلس الأنصار) بتوحيد مجلس، ولأبي ذر عن الكشميهني: إلى مجالس الأنصار (فسألهم) عن ذلك (فقالوا: لا يشهد لك على هذا) الذي أنكره عمر ﵁ (إلا أصغرنا أبو سعيد) سعد بن مالك (الخدري) أشاروا إلى أنه حديث مشهور بينهم حتى أن أصغرهم سمعه من النبي ﷺ ، (فذهب) أي أبو موسى (بأبي سعيد الخدري) إلى عمر فأخبره أبو سعيد بذلك (فقال عمر
стр. 2572
أخفي عليّ) ولأبوي ذر والوقت عن الحموي: أخفي هذا عليّ (من أمر رسول الله ﷺ ¬) والهمزة في أخفي للاستفهام وياء عليّ مشددة (ألهاني) الذي شغلني (الصفق بالأسواق يعني) عمر رضي عنه بذلك (الخروج إلى تجارةٍ) ولابن عساكر عن الكشميهني: إلى التجارة بالتعريف أي شغله ذلك عن ملازمة رسول الله ﷺ في بعض الأوقات حتى حضر من هو أصغر مني ما لم أحضره من العلم وفيه أن طلب الدنيا يمنع من استفادة العلم، وقد كان احتياج عمر ﵁ إلى السوق لأجل الكسب لعياله والتعفّف عن الناس.
وهذا موضع الترجمة، وفي ذلك ردّ على من يتنطع في التجارة فلا يحضر الأسوا ويتحرّج منها، لكن يحتمل أن تحرّج من يتحرّج لغلبة المنكرات في الأسواق في هذه الأزمنة بخلاف الصدر الأول، وفي الحديث أن قول الصحابي كنا نؤمر بكذا له حكم الرفع.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الاعتصام ومسلم في الاستئذان وأبو داود في الأدب.
١٠ - باب التِّجَارَةِ فِي الْبَحْرِ
وَقَالَ مَطَرٌ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ إِلاَّ بِحَقٍّ ثُمَّ تَلَا: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النحل: ١٤] وَالْفُلْكُ السُّفُنُ، الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ سَوَاءٌ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَمْخَرُ السُّفُنُ الرِّيحَ، وَلَا يَمْخَرُ الرِّيحَ مِنَ السُّفُنِ إِلاَّ الْفُلْكُ الْعِظَامُ.
(باب التجارة في البحر) أي باب إباحة ركوب البحر للتجارة. قال الحافظ ابن حجر: وفي بعض النسخ وغيره (وقال مطر) هو ابن طهمان أبو رجاء الوراق البصري مما وصله ابن أبي حاتم (لا بأس به) أي بركوب البحر (و) يقول (ما ذكره الله) أي ركوب البحر (في القرآن إلا بحق) ولابن عساكر: وما ذكر الله بإسقاط الضمير المنصوب وفي نسخة بالفرع إلا بالحق، ووقع في رواية الحموي وقال مطرف بدل مطر. قال الحافظ ابن حجر وغيره: إنه تصحيف (ثم تلا) مطر (﴿وترى الفلك مواخر فيه﴾) وهذه آية النحل ولأبي ذر: ﴿وترى الفلك فيه مواخر﴾ بتقديم فيه على مواخر وهذه آية سورة فاطر (﴿ولتبتغوا من فضله﴾) [النحل: ١٤] من سعة رزقه تركبونها للتجارة، ووجه حمل مطر ذلك على الإباحة أنه سيقت في مقام الامتنّان لأن الله تعالى جعل البحر لعباده لابتغاء فضله من نعمه التي عددها لهم وأراهم في ذلك عظيم قدرته وسخر الرياح باختلافها لحملهم وترددهم وهذا من عظيم آياته، وهذا يرد على من منع ركوب البحر فى إبّان ركوبه وهو قول يروى عن عمر ﵁. ولما كتب إلى عمرو بن العاص يسأله عن البحرّ فقال: خلف عظيم يركبه خلق ضعيف دود على عود فكتب إليه عمر ﵁ أن لا يركبه أحد طول حياته، فلما كان بعد عمر ﵁ لم يزل يركب حتى كان عمر بن عبد العزيز فاتبع فيه رأي عمر ﵁ وكان منع عمر لشدة شفقته على المسلمين، وأما إذا كان إبان هيجانه وارتجاجه فلا يجوز ركوبه لأنه تعرض للهلاك،
стр. 2573
وقد نهى الله عباده عن ذلك بقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥].
قال البخاري: (والفلك) في الآية هي (السفن) بضم السين والفاء جمع سفينة وسميت سفينة لأنها تسفن وجه الماء أي تقشره فعيلة بمعنى فاعلة والجمع سفائن وسفن وسفين، وقوله: (الواحد والجمع) وسقطت الواو من قوله والفلك لأبي ذر، ولأبي ذر وابن عساكر: والجميع (سواء) يعني في الفلك بدليل قوله تعالى: ﴿في الفلك المشحون﴾ [يس: ٤١] وقوله: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم﴾ [يونس: ٢٢] فذكره في الإفراد والجمع بلفظ واحد.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي في تفسيره وعبد بن حميد من وجه آخر: (تمخر) بفتح التاء وسكون الميم وفتح المعجمة أي تشق (السفن الريح) برفع السفن على الفاعلية ونصب الريح على المفعولية كذا في فرع اليونينية. قال عياض: وهو رواية الأصيلي وهو الصواب ويدل له قوله تعالى: ﴿مواخر فيه﴾ إذ جعل الفعل للسفن وقال الخليل مخرت السفينة الريح إذا استقبلته. وقال أبو عبيد وغيره: هو شقها الماء، وعلى هذا فالسفينة رفع على الفاعلية، ولأبي ذر وابن عساكر: من الريح، وفي نسخة قال عياض: وهي للأكثر تمخر السفن بالنصب الريح بالرفع على الفاعلية لأن الريح هي التي تصرف السفينة في الإقبال والإدبار، (ولا يمخر الريح) شيء (من السفن) بنصب الريح على المفعولية، ولأبي ذر: الريح شيئًا من السفن برفع الريح على الفاعلية (إلا الفلك العظام) بالرفع فيهما بدلاً من المستثنى منه لأنه منفي، ولأبي ذر: إلا الفلك العظام بالنصب فيهما على الاستثناء.
٢٠٦٣ - وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ" وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بِهَذَا.
(وقال الليث) بن سعد الإمام: (حدّثني) بالتوحيد (جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل بن حسنة المصري (عن عبد الرحمن بن هرمز) الأعرج (عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل خرج في البحر) ولأبي ذر إلى البحر (فقضى حاجته وساق الحديث) ويأتي بتمامه في الكفالة إن شاء الله تعالى، وسبق في كتاب الزكاة في باب: ما يستخرج من البحر بصورة التعليق أيضًا ولفظه: أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فدفعها إليه فخرج في البحر فلم يجد مركبًا فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار فرمى بها في البحر فخرج الرجل الذي كان أسلفه فإذا بالخشبة فأخذها لأهله حطبًا فذكر الحديث، فلما نشرها وجد المال والرجل المقرض هو النجاشي كما نقله الحافظ ابن حجر في المقدمة عن كتاب الصحابة لمحمد بن الربيع الجيزي، وفيه بحث يأتي، إن شاء الله تعالى في الكفالة.
стр. 2574
وهذا الحديث قد وصله الإسماعيلي، وكذا هو موصول عند المؤلّف في رواية أبي ذر عن المستملي حيث قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن صالح) كاتب الليث (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (الليث بهذا) الحديث. وأفاد في فتح الباري أن هذا ثابت في رواية أبي الوقت أيضًا، وقال صاحب اللامع وفي بعض النسخ تقديم ذلك على قوله، وقال الليث: ويعزى ذلك لرواية الحموي، ولكن الصواب أن يكون مؤخرًا، فإن البخاري لم يخرج عن عبد الله بن صالح كاتب الليث في الجامع مسندًا ولا حرفًا بل ولا مسلم إلا أن البخاري استشهد به في مواضع، وهذا معنى قول أبي ذر أن كل ما قاله البخاري عن الليث فإنما سمعه من عبد الله بن صالح كاتب الليث في الاستشهاد انتهى.
ووجه تعلقه بالترجمة ظاهر من جهة أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا ما ينسخه لا سيما إذا ذكره ﷺ مقررًا له أو في سياق الثناء على فاعله وما أشبه ذلك، ويحتمل أن يكون مراد المؤلّف بإيراد هذا أن ركوب البحر لم يزل متعارفًا مألوفًا من قديم الزمان فيحمل على أصل الإباحة حتى يرد دليل على المنع والحديث يأتي إن شاء الله تعالى في الكفالة والاستقراض واللقطة والشروط والاستئذان، وأخرجه النسائي في اللقطة.
١١ - باب ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧].
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ الْقَوْمُ يَتَّجِرُونَ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا نَابَهُمْ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ لَمْ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ.
هذا (باب) بالتنوين (﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾) [الجمعة: ١١] (وقوله جلّ ذكره: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾) [النور: ٣٧].
(وقال قتادة: كان القوم) أي الصحابة (يتجرون ولكنهم كانوا إذا نابهم حق من حقوق الله) (لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله) كذا وقع ذلك كله معاذًا في رواية المستملي وحده وسقط لغيره قال الحافظ ابن حجر: إلا النسفيّ فإنه ذكره هنا وحذفه فيما سبق انتهى، وسقط عند المستملي في رواية أبي ذر لفظ "رجال" وعن أبي ذر سقوط قوله "عن ذكر الله" وهذا التعليق قد سبق في باب التجارة في البرّ أنه لم يقف عليه موصولاً مع ما فيه.
٢٠٦٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "أَقْبَلَتْ عِيرٌ وَنَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْجُمُعَةَ، فَانْفَضَّ النَّاسُ إِلاَّ اثْنَىْ عَشَرَ رَجُلاً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ ".
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولابن عساكر: حدّثنا (محمد) هو ابن سلام البيكندي (قال:
стр. 2575
حدّثني) بالإفراد من التحديث ولابن عساكر: أخبرنا بالجمع من الإخبار (محمد بن فضيل) مصغرًا ابن غزوان الضبي الكوفي (عن حصين) مصغرًا ابن عبد الرحمن السلمي الكوفي (عن سالم بن أبي الجعد) بفتح الجيم وسكون العين المهملة الكوفي (عن جابر ﵁ قال: أقبلت ﷺ ونحن نصلي مع النبي ﷺ الجمعة) أي ننتظرها (فانفض الناس) أي فتفرقوا (إلا اثني عشر رجلاً) بنصب اثني بالياء على الاستثناء (فنزلت هذه الآية ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوًا انفضوا إليها وتركوك قائمًا﴾) [الجمعة: ١١] أي في الخطبة.
وهذا الحديث قد سبق في باب التجارة في البر وذكر هنا لكن بتخالف لبعض المتن والسند.
١٢ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]
(باب) تفسير (قول الله تعالى: ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي من خلاله أو جياده وعن مجاهد المراد به التجارة، ولأبي الوقت: كلوا بدل أنفقوا. قال ابن بطال: وهو غلط وأفاد في فتح الباري أنه رأى ذلك في رواية النسفيّ.
٢٠٦٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا».
وبه قال: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة) أخو أبي بكر (قال: حدّثنا جرير) بفتح الجيم وكسر الراء ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي وائل) بالهمز شقيق (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ ¬):
(إذا أنفقت المرأة) على عيال زوجها وأضيافه ونحوهم (من طعام) زوجها الذي في (بيتها) المتصرفة فيه إذا أذن لها في ذلك بالصريح أو بالمفهوم أو علمت رضاه بذلك حال كونها (غير مفسدة) له بأن لم تتجاوز العادة (كان لها) أي للمرأة وأفاد الزركشي أن قوله وكان ثبت بالواو فيحتمل زيادتها ولهذا روي بإسقاطها انتهى، والذي في الفرع وغيره كان بحذف الواو. وقال في المصابيح: لم تثبت زيادة الواو في جواب إذا فالذي ينبغي أن يجعل الجواب محذوفًا والواو عاطفة على المعهود فيها محافظة على إبقاء القواعد وعدم الخروج عنها أي لم تأثم وكان لها (أجرها بما أنفقت) غير مفسدة (ولزوجها) زاد في باب: من أمر خادمه بالصدقة أجره (بما كسب) أي بسبب كسبه وهذا موضع الترجمة (وللخازن) الذي يحفظ الطعام المتصدق منه (مثل ذلك) من الأجر (لا ينقص) بفتح أوله وضم ثالثه (بعضهم أجر بعض) أي من أجر بعض (شيئًا) بالنصب مفعول ينقص.
стр. 2576
وهذا الحديث سبقت مباحثه في الزكاة.
٢٠٦٦ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ».
[الحديث ٢٠٦٦ - أطرافه في: ٥١٩٢، ٥١٩٥، ٥٣٦٠].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (يحيى بن جعفر) أبو زكريا البيكندي قال: (حدّثنا) ولابن عساكر أخبرنا (عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (عن معمر) بفتح الميمين ابن راشد (عن همام) هو ابن منبه أنه (قال: سمعت أبا هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها عن غير أمره) الصريح في ذلك القدر العين فلا يشترط في ذلك الإذن الصريح بل لو فهمت الإذن لها بقرائن حالية دالّة على ذلك جاز لها الاعتماد على ذلك فينزل منزلة صريح الإذن، أو المراد إنفاقها من الذي اختصّها الزوج به فإنه يصدق بأنه من كسبه فيؤجر عليه وكونه بغير أمره، ولا بدّ من الحمل على هذين المعنيين وإلا فلو لم تكن مأذونًا لها فيه أصلاً فهي متعدية فلا أجر لها بل عليها الوزر (فله) أي للزوج، وللكشميهني: فلها أي للمرأة (نصف أجره) محمول على ما إذا لم يكن هناك من يعينها على تنفيذ الصدقة بخلاف حديث عائشة ﵂ ففيه أن للخادم مثل ذلك أو أن معنى النصف أن أجره وأجرها إذا جمعا كان لها النصف من ذلك فلكلِّ منهما أجر كامل وهما اثنان فكأنهما نصفان، وقيل إنه بمعنى الجزء والمراد المشاركة في أصل الثواب وإن كان أحدهما أكثر بحسب الحقيقة. وموضع الترجمة قوله: من كسب
زوجها فإن كسبه من التجارة وغيرها وهو مأمور بأن ينفق من طيبات ما كسب.
وأخرجه المؤلّف أيضًا في النفقات ومسلم في الزكاة وكذا أبو داود.
١٣ - باب مَنْ أَحَبَّ الْبَسْطَ فِي الرِّزْقِ
(باب من أحب البسط) التوسع (في الرزق).
٢٠٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ الْكِرْمَانِيُّ حَدَّثَنَا حَسَّانُ حَدَّثَنَا يُونُسُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».
[الحديث ٢٠٦٧ - طرفه في: ٥٩٨٦].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن أبي يعقوب) إسحاق (الكرماني) بكسر الكاف قال: (حدّثنا حسان) بتشديد المهملة من غير صرف ابن إبراهيم أبو هشام العنزي بالزاي قاضي كرمان قال: (حدّثنا يونس) بن يزيد قال: (حدّثنا محمد) هو ابن مسلم بن شهاب، ولأبي ذر وابن عساكر قال: محمد هو الزهري (عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
стр. 2577
(من سره) أي من أفرحه (أن يبسط له رزقه) بضم المثناة التحتية وسكون الموحدة وفتح المهملة مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذر وابن عساكر: له في رزقه (أو ينسأ) بضم أوّله وسكون النون آخره همزة منصوب عطفًا على أن يبسط أي يؤخر (له في أثره) بفتح الهمزة المقصورة والمثلثة أي في بقية عمره وجواب من قوله (فليصل رحمه) كل ذي رحم محرم أو الوارث أو القريب وقد يكون بالمال وبالخدمة وبالزيارة. واستشكل هذا مع قوله في الحديث الآخر كتب رزقه وأجله في بطن أمه.
وأجيب: بأن معنى البسط في الرزق البركة فيه إذ الصلة صدقة وهي تربي المال وتزيد فيه فينمو بها وفي العمر حصول القوّة في الجسد أو يبقى ثناؤه الجميل على الألسنة فكأنه لم يمت، وبأنه يجوز أن يكتب في بطن أمه إن وصل رحمه فرزقه وأجله كذا وإن لم يصل فكذا.
في كتاب الترغيب والترهيب للحافظ أبي موسى المديني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الإنسان ليصل رحمه وما بقي من عمره إلا ثلاثة أيام فيزيد الله تعالى في عمره ثلاثين سنة وإن الرجل ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاثون سنة فينقص الله تعالى عمره حتى لا يبقي منه إلا ثلاثة أيام" ثم قال: حديث حسن. ومن حديث إسماعيل بن عياش عن داود بن عيسى قال: مكتوب في التوراة صلة الرحم وحسن الخلق وبرّ القرابة يعمر الديار ويكثر الأموال ويزيد في الآجال وإن كان القوم كفارًا. قال أبو موسى: يروى هذا من طريق أبي سعيد الخدري مرفوعًا عن التوراة.
١٤ - باب شِرَاءِ النَّبِيِّ ﷺ بِالنَّسِيئَةِ
(باب شراء النبي ﷺ بالنسيئة) بفتح النون وكسر السين المهملة وفتح الهمزة أي بالأجل.
٢٠٦٨ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: "ذَكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ فِي السَّلَمِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ".
[الحديث ٢٠٦٨ - أطرافه في: ٢٠٩٦، ٢٢٠٠، ٢٢٥١، ٢٢٥٢، ٢٣٨٦، ٢٥٠٩، ٢٥١٣، ٢٩١٦، ٤٤٦٧].
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) بضم الميم وفتح العين المهملة وفتح اللام المشددة أبو الهيثم قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: ذكرنا عند إبراهيم) النخعي (الرهن في السلم) أي في السلف ولم يرد به السلم العرفي الذي هو بيع الدين بالعين (فقال) أي إبراهيم: (حدّثني) بالإفراد (الأسود) بن يزيد وهو خال إبراهيم (عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ اشترى طعامًا) في البخاري من حديث عائشة أنه ثلاثون صاعًا من شعير، وفي أخرى عشرون، وللبزار من طريق ابن عباس: أربعون، وفي مصنف عبد الرزاق: وسق من شعير (من يهودي) هو أبو الشحم كما في مسند الشافعي ومبهمات الخطيب، ورواه البيهقي (إلى
стр. 2578
أجل ورهنه درعًا من حديد) بكسر الدال المهملة ما يلبس في الحرب. قال أبو عبد الله محمد بن أبي بكر التلمساني في كتاب الجوهرة: إن هذه الدرع هي ذات الفضول قيل، وإنما لم يرهنه عند أحد من مياسير الصحابة حتى لا يبقى لأحد عليه منّة لو أبرأه منه.
وفي الحديث جواز البيع إلى أجل ومعاملة اليهود وإن كانوا يأكلون أموال الربا كما أخبر الله تعالى عنهم، ولكن مبايعتهم وأكل طعامهم مأذون لنا فيه بإباحة الله تعالى وفيه معاملة من يظن أن أكثر ماله حرام ما لم يتيقن أن المأخوذ بعينه حرام وجواز الرهن في الحضر وإن كان في التنزيل مقيدًا بالسفر.
وفي هذا الحديث ثلاثة من التابعين على نسق واحد الأعمش وإبراهيم والأسود، وأخرجه المؤلّف في البيوع والاستقراض والرهن والجهاد والمغازي، ومسلم في البيوع، وكذا النسائي، وأخرجه ابن ماجة في الأحكام.
٢٠٦٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ ح.
وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ أَبُو الْيَسَعِ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ عَنْ قَتَادَةَ: "عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ مَشَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ ﷺ دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لأَهْلِهِ. وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا أَمْسَى عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ صَاعُ بُرٍّ وَلَا صَاعُ حَبٍّ، وَإِنَّ عِنْدَهُ لَتِسْعَ نِسْوَةٍ".
[الحديث ٢٠٦٩ - طرفه في: ٢٥٠٨].
وبه قال: (حدّثنا مسلم) هو ابن إبراهيم الفراهيدي القصاب قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن أنس ح) لتحويل السند.
(وحدّثني) بواو العطف والإفراد وسقطت الواو ولغير أبي ذر وابن عساكر (محمد بن عبد الله بن حوشب) بفتح الحاء والشين المعجمة بينهما واو ساكنة آخره موحدة على وزن كوكب قال: (حدّثنا أسباط) بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وبالموحدة وبعد الألف طاء مهملة (أبو اليسع) يفتح المثناة التحتية والسين المهملة (البصري) وليس له في البخاري سوى هذا الموضع قال: (حدّثنا هشام الدستوائي عن قتادة) بن دعامة (عن أنس ﵁ أنه مشى إلى النبي ﷺ بخبز شعير وإهالة) بكسر الهمزة وتخفيف الهاء الألية أو ما أذيب من الشحم أو كل ما يؤتدم به من الأدهان أو الدسم الجامد على المرقة (سنخة) بفتح السين المهملة وكسر النون وفتح الخاء المعجمة أي متغيرة الرائحة من طول المكث، وروي زنخة بالزاي (ولقد رهن النبي ﷺ درعًا له) من حديد تسمى ذات الفضول (بالمدينة عند يهودي) هو أبو الشحم (وأخذ منه شعيرًا) ثلاثين صاعًا أو عشرين
стр. 2579
أو أربعين أو وسقًا واحدًا كما مرّ (لأهله) لأزواجه وكنّ تسعًا. قال أنس: (ولقد سمعته) ﵊ (يقول):
(ما أمسى عند آل محمد ﷺ صاع بر ولا صاع حب) تعميم بعد تخصيص. قال البرماوي: وآل مقحمة (وإن عنده لتسع نسوة) بنصب تسع اسم إن واللام فيه للتأكيد وفيه: ما كان ﵊ من التقلل من الدنيا اختيارًا منه، وهذا من كلام أنسٍ كما مرّ والضمير في سمعته للنبي ﷺ كما مرّ أي قال ذلك لما رهن الدرع عند اليهودي مظهرًا للسبب في شرائه إلى أجل كذا قاله الحافظ ابن حجر قال: وذهل من زعم أنه كلام قتادة وجعل الضمير في سمعته لأنس لأنه إخراج للسياق عن ظاهره بغير دليل انتهى.
وهذا قاله البرماوي كالكرماني وانتصر له العيني متعقبًا لابن حجر فقال: الأوجه في حق النبي ﷺ ما قاله الكرماني لأن في نسبة ذلك إلى النبي ﷺ نوع إظهار بعض الشكوى وإظهار الفاقة على سبيل المبالغة وليس ذلك يذكر في حقه ﷺ .
ورجال هذا الحديث كلهم بصريون، وساقه المؤلّف هنا على لفظ أسباط، وفي الرهن على لفظ مسلم بن إبراهيم مع أن طريق مسلم أعلى وذلك لأن أسباطًا فيه مقال فاحتاج إلى ذكره عقب من يعضده ويتقوّى به، ولأن من عادته غالبًا أن لا يذكر الحديث الواحد في موضعين بإسناد واحد.
١٥ - باب كَسْبِ الرَّجُلِ وَعَمَلِهِ بِيَدِهِ
(باب) بيان فضل (كسب الرجل وعمله بيده) هو من عطف الخاص على العام لأن الكسب أعمّ من أن يكون بعمل اليد أو بغيرها.
٢٠٧٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ قَالَ: لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حِرْفَتِي لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ عَنْ مَئُونَةِ أَهْلِي، وَشُغِلْتُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَسَيَأْكُلُ آلُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَيَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ".
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) الأويسي (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (قال: حدّثني) ولأبوي ذر والوقت: أخبرني بالإفراد فيهما (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن عائشة ﵂ قالت: لما استخلف أبو بكر الصدّيق) ﵁ (قال: لقد علم قومي) قريش أو المسلمون (أن حرفتي) بكسر المهملة وسكون الراء بعدها فاء أي جهة كسبي (لم تكن تعجز) بكسر الجيم (عن مؤنة أهلي وشغلت) بضم المعجمة مبنيًّا للمفعول (بأمر المسلمين) عن الاحترام (فسيأكل آل أبي بكر من هذا
стр. 2580
المال) لأنه لما اشتغل بالنظر في أمور المسلمين لكونه خليفة احتاج أن يأكل هو وأهله من بيت المال.
وقد روى ابن سعد بإسناد مرسل رجاله ثقات قال: لما استخلف أبو بكر أصبح غاديًا إلى السوق على رأسه أثواب يتجر بها فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجرّاح ﵄ فقالا: كيف تصنع هذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ قالوا: نفرض لك ففرضوا له كل يوم شطر شاة. ففيه أن القدر الذي كان يتناوله فرض له باتفاق من الصحابة.
(ويحترف للمسلمين فيه) أي يتجر في أموالهم بأن يعطي المال لمن يتجر فيه ويجعل ربحه للمسلمين في نظير ما يأخذه، وللمستملي والحموي: واحترف بهمزة بدل الياء وهذا تطوّع منه فإنه لا يجب على الإمام الاتجار في أموال المسلمين بقدر مؤنته لأنها فرض في بيت المال، أو المراد من الاحتراف نظره في أمورهم وتمييز مكاسبهم وأرزاقهم أو المعنى يجازيهم يقال: احترف الرجل إذا جازى على خير أو شر.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث أن فيه ما يدل على أن كسب الرجل بيده أفضل، وذلك أن أبا بكر ﵁ كان يحترف أي يكتسب ما يكفي عياله ثم لما اشتغل بأمر المسلمين حين استخلف لم يكن يفرغ للاحترام بيده فصار يحترف للمسلمين وإنه يعتذر عن تركه الاحترام لأهله، فلولا أن الكسب بيده أفضل لم يكن ليعتذر، وقد صوّب النووي أن أطيب الكسب ما كان بعمل اليد.
وهذا الحديث وإن كان ظاهره أنه موقوف لكنه بما اقتضاه من أنه قبل أن يستخلف كان يحترف لتحصيل مؤنة أهله يصير مرفوعًا لأنه كقول الصحابي: كنا نفعل كذا على عهد النبي ﷺ .
٢٠٧١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: "كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانَ يَكُونُ لَهُمْ أَرْوَاحٌ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ". رَوَاهُ هَمَّامٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ.
وبه قال: (حدّثنا محمد) هو ابن إسماعيل المؤلّف قال: (حدّثنا عبد الله بن يزيد) هو المقري مولى عمر بن الخطاب القرشي العدوي شيخ المؤلّف قال: (حدّثنا سعيد) هو ابن أبي أيوب المصري (قال: حدّثني) بالإفراد (أبو الأسود) محمد بن عبد الرحيم يتيم عروة بن الزبير (عن عروة قال: قالت عائشة ﵂: كان أصحاب رسول الله ﷺ عمال أنفسهم) بضم العين وتشديد الميم جمع عامل (وكان) ولأبي ذر وابن عساكر: فكان بالفاء (يكون لهم أرواح) جمع ريح وهو أكثر من أرياح خلافًا لا يقتضيه كلام الصحاح وذلك أن فيه والريح واحدة الرياح والأرياح وقد يجمع على أرواح لأن أصلها الواو وأراح اللحم أنتن، وكان الأولى شأنية واسمها ضمير مستتر فيها ويكون لهم أرواح في محل نصب خبر كان وعبر بيكون المضارع استحضارًا للماضي أو إرادة الاستمرار (فقيل لهم: لو اغتسلتم) لذهبت عنكم تلك الروائح الكريهة. (رواه) أي الحديث المذكور (همام) بفتح
стр. 2581
المهملة وتشديد الميم ابن يحيى بن دينار الشيباني البصري (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) وفي بعض النسخ: وقال همام بدل رواه وقد وصله أبو نعيم في مستخرجه من طريق هدبة عنه بلفظ: كان القوم خدّام أنفسهم فكانوا يروحون إلى الجمعة فأمروا أن يغتسلوا.
٢٠٧٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عِيسَى عَنْ ثَوْرٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنِ الْمِقْدَامِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ».
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) بن يزيد التميمي الفرّاء الرازي الصغير قال: (أخبرنا عيسى بن يونس) الهمداني وسقط لأبوي ذر والوقت وابن عساكر بن يونس (عن ثور) بالمثلثة ابن يزيد من الزيادة الكلاعي الحمصي اتفقوا على تثبته في الحديث لكنه كان قدريًا فأخرج من حمص فأحرقت داره بها فارتحل منها إلى القدس وقدم المدينة فنهى مالك عن مجالسته. وقال ابن معين: كان يجالس قومًا ينالون من عليّ لكنه كان لا يسب، وقد احتج به الجماعة وكان الثوري يقول: خذوا عنه (عن خالد بن معدان) بفتح الميم وسكون العين المهملة بعدها دال مهملة وبعد الألف نون الكلاعي كان يسبّح في اليوم أربعين ألف تسبيحة (عن المقدام) بكسر الميم وسكون القاف ابن معد يكرب الكندي (﵁ عن رسول الله) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: عن النبي (¬ ﷺ ¬) أنه (قال):
(ما أكل أحد طعامًا) وعند الإسماعيلي ما أكل أحد من بني آدم طعامًا (قطّ خيرًا) بالنصب.
قال في المصابيح: يحتمل أن يكون صفة لمصدر محذوف أي أكلاً خيرًا (من أن يأكل من عمل يده) فيكون أكله من طعام ليس من كسب يده منفي التفضيل على أكله من كسب يده وهو واضح ويحتمل أن يكون صفة لطعامًا فيحتاج إلى تأويل أيضًا وذلك لأن الطعام في هذا التركيب مفضل على نفس أكل الإنسان من عمل يده بحسب الظاهر، وليس المراد فيقال في تأويله الحرف المصدري وصلته بمعنى مصدر مراد به المفعول أي من مأكوله من عمل يده فتأمله وعند الإسماعيلي خير بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو خير، وقوله: من عمل يده بالإفراد، وعند الإسماعيلي يديه بالتثنية ووجه الخيرية ما فيه من إيصال النفع إلى المكاسب وإلى غيره وللسلامة عن البطالة المؤدّية إلى الفضول ولكسر النفس به وللتعفّف عن ذل السؤال (وأن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده) في الدروع من الحديد ويبيعه لقوته، وخصّ داود بالذكر لأن اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من الحاجة لأنه كان خليفة في الأرض وإنما ابتغى الأكل من طريق الأفضل، ولهذا أورد النبي ﷺ قصته في مقام الاحتجاج بها على ما قدمه من أن خير الكسب عمل اليد، وقد كان نبينا ﷺ يأكل من سعيه الذي يكسبه من أموال الكفار بالجهاد وهو أشرف المكاسب على الإطلاق لما فيه من إعلاء كلمة الله وخذلان كلمة أعدائه والنفع الأخروي.
стр. 2582
٢٠٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّ دَاوُدَ ﵇ كَانَ لَا يَأْكُلُ إِلاَّ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ".
[الحديث ٢٠٧٣ - طرفاه في: ٣٤١٧، ٤٧١٣].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن موسى) بن عبد ربه البلخي المشهور بختّ قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري الصنعاني ثقة حافظ شهير عمي في آخر عمره فتغير وكان يتشيع، وقد احتجّ به الشيخان في جملة حديث من سمع منه قبل الاختلاط، وقال ابن معين: كان عبد الرزاق أثبت في حديث معمر وروى له الجماعة قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن همام بن منبه) بكسر الموحدة المشدّدة قال: (حدّثنا أبو هريرة) ﵁ (عن رسول الله ﷺ ¬):
(أن داود ﵇ ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: أن داود النبي ﵇ (كان لا يكل إلا من عمل يده) صريح في الحصر بخلاف الذي قبله، وهو طرف من حديث يأتي إن شاء الله تعالى في ترجمة داود من أحاديث الأنبياء، ووقع في المستدرك عن ابن عباس بسند واهٍ: كان داود زرّادًا، وكان آدم حرّاثًا، وكان نوح نجارًا، وكان إدريس خياطًا، وكان موسى راعيًا وفي أن التكسب لا يقدح في التوكل.
٢٠٧٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة مصغرًا قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد الأيلي: (عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي عبيد) بالضم مصغرًا من غير إضافة (مولى عبد الرحمن بن عوف أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لأن) بفتح اللام. قال الزركشي: على جواب قسم مقدر. قال البدر الدماميني: يحتمل كونها لام الابتداء ولا تقدير (يحتطب أحدكم حزمة) بضم الحاء المهملة وسكون الزاي المعجمة فيحملها (على ظهره) فيبيعها فيأكل ويتصدّق (خير من) وللكشميهني وابن عساكر خير له من (أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه) بنصب الفعلين جوابًا للطلب ولا يخفى ما في ذلك من ذلّ السؤال مع ما ينضاف إلى ذلك من ألم الحرمان.
وهذا الحديث قد مضى في الزكاة في باب قول الله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣].
стр. 2583
٢٠٧٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلَهُ … ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن موسى) المشهور بختّ قال: (حدّثنا وكيع) هو ابن الجرّاح الرؤاسي بضم الراء وهمزة ثم مهملة الكوفي قال: (حدّثنا هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام (عن أبيه) عروة (عن الزبير بن العوام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لأن) بفتح اللام (يأخذ أحدكم أحبله) بفتح الهمزة وضم الموحدة جمع حبل كفلس وأفلس أي أخذ الحبل للاحتطاب، ولابن عساكر وأبي ذر عن الحموي والمستملي: خير له من أن يسأل الناس.
وبه قال:
١٦ - باب السُّهُولَةِ وَالسَّمَاحَةِ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ وَمَنْ طَلَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ
(باب) استحباب (السهولة) ضد الصعوبة (والسماحة) أي الجود والسخاء (في الشراء والبيع).
وقول الحافظ ابن حجر: السهولة والسماحة متقاربان في المعنى فعطف أحدهما على الآخر من التأكيد اللفظي تعقبه العيني بأنهما متغايران في أصل الوضع، فلا يصح أن يقال من التأكيد اللفظي لأن التأكيد اللفظي أن يكون المؤكد والمؤكد لفظًا واحدًا من مادة واحدة كما عرف في موضعه، (ومن طلب حقًّا) له ممن عليه (فليطلبه) منه حال كونه (في) ولابن عساكر في نسخة عن (عفاف) بفتح العين الكف عما لا يحل، وهذا القدر أخرجه الترمذي وابن ماجة وابن حبان من حديث نافع عن ابن عمر وعائشة مرفوعًا بلفظ "من طلب حقًا فليطلبه في عفاف وافٍ أو غير وافٍ".
٢٠٧٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى» ".
وبه قال: (حدّثنا عليّ بن عياش) بفتح العين المهملة وتشديد التحتية وبعد الألف شين معجمة الألهاني الحمصي قال: (حدّثنا أبو غسان) بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة وبعد الألف نون (محمد بن مطرف) بكسر الراء على صيغة اسم الفاعل من التطريف (قال: حدّثني) بالإفراد (محمد بن المنكدر) على وزن اسم الفاعل من الانكدار (عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال):
(رحم الله رجلاً سمحًا) بإسكان الميم من السماحة وهي الجود (إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى) أي طلب قضاء حقه بسهولة، وهذا يحتمل الدعاء والخبر، ويؤيد الثاني قوله في حديث
стр. 2584
الترمذي عن زيد بن عطاء بن السائب عن ابن المنكدر في هذا الحديث: غفر الله لرجل كان قبلكم كان سهلاً إذا باع، ولكن قرينة الاستقبال المستفاد من إذا تجعله دعاء وتقديره رجلاً يكون سمحًا وقد يستفاد العموم من تقييده بالشرط قاله البرماوي وغيره كالكرماني، وفي رواية حكاها ابن التين: وإذا قضى أي أعطى الذي عليه بسهولة من غير مطل.
وهذا الحديث أخرجه الترمذي كما مرّ، وكذا أخرجه ابن ماجة في التجارات.
١٧ - باب مَنْ أَنْظَرَ مُوسِرًا
(باب) فضل (من أنظر موسرًا).
٢٠٧٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ أَنَّ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ حَدَّثَهُ أَنَّ حُذَيْفَةَ ﵁ حَدَّثَهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُوسِرِ. قَالَ: قَالَ فَتَجَاوَزُوا عَنْهُ». وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ عَنْ رِبْعِيٍّ: «كُنْتُ أُيَسِّرُ عَلَى الْمُوسِرِ، وَأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ». وَتَابَعَهُ شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ رِبْعِيٍّ. وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ رِبْعِيٍّ: «أُنْظِرُ الْمُوسِرَ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ الْمُعْسِرِ». وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ رِبْعِيٍّ: «فَأَقْبَلُ مِنَ الْمُوسِرِ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ الْمُعْسِرِ».
[الحديث ٢٠٧٧ - طرفاه في: ٢٣٩١، ٣٤٥١].
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي قال: (حدّثنا زهير) بضم الزاي وفتح الهاء مصغرًا ابن معاوية أبو خيثمة الجعفي قال: (حدّثنا منصور) هو ابن المعتمر السلمي (أن ربعي بن حراش) بكسر الراء وسكون الموحدة وبعد العين المهملة المكسورة تحتية مشدّدة وحراش بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وبعد الألف شين معجمة (حدّثه أن حذيفة) بن اليمان (﵁ حدّثه قال: قال النبي ﷺ : تلقت الملائكة) استقبلت (روح رجل ممن كان قبلكم) عند الموت (قالوا) أي الملائكة، ولأبي ذر: فقالوا (أعملت) بهمزة الاستفهام (من الخير شيئًا)؟ زاد في رواية عبد الملك بن عمير عن ربعي في ذكر بني إسرائيل فقال ما أعلم قيل انظر (قال: كنت آمر فتياني) بكسر الفاء جمع فتى وهو الخادم حرًّا كان أو مملوكًا (أن ينظروا) بضم أوله وكسر ثالثه أي يمهلوا (ويتجاوزوا) أي يتسامحوا في الاستيفاء (عن الموسر) كذا في اليونينية ليس فيها ذكر المعسر وكذا فيما وقفت عليه من الأصول المعتمدة، لكن قال الحافظ ابن حجر أنها كذلك ساقطة في رواية أبي ذر والنسفيّ وللباقين إثباتها، والجار والمجرور يتعلق بقوله: ويتجاوزوا، لكنه يخالف الترجمة بمن أنظر موسرًا فيقتضي أن الموسر يتعلق بقوله: ينظروا أيضًا، واختلف في الموسر فقيل من عنده مؤنته ومؤنة من تلزمه نفقته والمرجح أن الإيسار والإعسار يرجعان إلى العرف، فمن كان حاله بالنسبة إلى مثله يعدّ يسارًا فهو موسر وعكسه قال: (قال فتجاوزوا عنه) بفتح الواو في
стр. 2585
الفرع وغيره، وفي رواية فتجاوزوا، بكسر الواو على الأمر فيكون من قول الله تعالى للملائكة. وفي لفظ لمسلم كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى فقال الله : أنا أحق بذا منك تجاوزوا عن عبدي، وللمؤلّف في بني إسرائيل، ومسلم: أن رجلاً كان فيمن كان قبلكم أتاه الملك ليقبض روحه فقيل له هل علمت من خير؟ قال ما أعلم قيل له: انظر. قال: ما أعلم شيئًا غير أني كنت أبايع الناس في الدنيا فأجازيهم فأنظر الموسر وأتجاوز عن المعسر فأدخله الله الجنة. قال المظهري: هذا السؤال منه كان في القبر، وقال الطيبي: يحتمل أن يكون فقيل مسندًا إلى الله تعالى والفاء عاطفة على مقدّر أي أتاه الملك ليقبض روحه فبعثه الله تعالى فقال له فأجابه فأدخله الله الجنة، وعلى قول المظهري فقبض وأدخل القبر فتنازع ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فيه فقيل له ذلك، وينصر هذا قوله في الرواية الأخرى تجاوزوا عن عبدي.
وحديث الباب أخرجه المؤلّف في الاستقراض وفي ذكر بني إسرائيل، ومسلم في البيوع، وابن ماجة في الأحكام.
(وقال أبو مالك) سعد بن طارق الأشجعي الكوفي ولأبوي ذر والوقت قال أبو عبد الله أي البخاري، وقال أبو مالك (عن ربعي) هو ابن حراش: (كنت أيسر على الموسر) بضم الهمزة وتشديد السين من التيسير (وأنظر المعسر) وهذا وصله مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الأشج قال: حدّثنا الأحمر عن أبي مالك عن ربعي عن حذيفة بلفظ: أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالاً فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ قال: ﴿ولا يكتمون الله حديثًا﴾ [النساء: ٤٢] قال: يا رب آتيتني مالاً فكنت أبايع الناس وكان من خلقي الجواز فكنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر، فقال الله تعالى: أنا أحق بذا منك تجاوزوا عن عبدي. قال عقبة بن عامر الجهني وأبو مسعود الأنصاري: هكذا سمعناه من في رسول الله ﷺ .
(وتايعه) أي تابع أبا مالك (شعبة) بن الحجاج (عن عبد الملك) بن عمير (عن ربعي) أي عن حذيفة في قوله: وأنظر المعسر، وهذه المتابعة وصلها ابن ماجة من طريق أبي عامر عن شعبة بهذا اللفظ، ورواها البخاري في الاستقراض عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة بلفظ: فأتجوّز عن الموسر وأخفف عن المعسر.
(وقال أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري مما وصله المؤلّف في ذكر بني إسرائيل (عن عبد الملك عن ربعي: أنظر الموسر وأتجاوز عن المعسر) وهذا موافق للترجمة.
(وقال نعيم بن أبي هند) بضم النون وفتح العين مصغرًا الأشجعي مما وصله مسلم (عن ربعي: فأقبل من الموسر وأتجاوز عن المعسر) قال ابن التين مما نقله في الفتح: رواية من روى وأنظر الموسر أولى من رواية من روى وأنظر المعسر لأن إنظار المعسر واجب. قال في الفتح: ولا يلزم من كونه واجبًا أن لا يؤجر صاحبه عليه أو يكفر عنه بذلك من سيئاته.
стр. 2586
١٨ - باب مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا
(باب) فضل (من أنظر معسرًا) وهو الذي لم يجد وفاء.
٢٠٧٨ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ».
[الحديث ٢٠٧٨ - طرفه في: ٣٤٨٠].
وبه قال: (حدّثنا هشام بن عمار) السلمي قال: (حدّثنا يحيى بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي الحضرمي قاضي دمشق قال: (حدّثنا الزبيدي) بضم الزاي وفتح الموحدة محمد بن الوليد بن عامر (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عبيد الله بن عبد الله) بتصغير الأول ابن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة (أنه سمع أبا هريرة ﵁) يحدّث (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(كان تاجر يداين الناس) وفي رواية أبي صالح عن أبي هريرة عند النسائي أن رجلاً لم يعمل خيرًا قطّ وكان يداين الناس (فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه) لخدّامه (تجاوزوا عنه) وعند النسائي فيقول لرسوله خذ ما تيسر واترك ما عسر وتجاوز (لعل الله أن يتجاوز عنّا فتجاوز الله عنه) وعند النسائي: فلما هلك قال الله تعالى له: هل عملت خيرًا قط؟ قال: لا إلا أنه كان لي غلام وكنت أداين الناس فإذا بعثته يتقاضى قلت له خذ ما تيسر واترك ما عسر وتجاوز لعل الله يتجاوز عنّا. قال الله تعالى: قد تجاوزت عنك. وفي حديث أبي اليسر من أنظر معسرًا أو وضع له أظلّه الله في ظل عرشه وقد أمر الله تعالى بالصبر على المعسر فقال: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠] أي فعليكم تأخير إلى ميسرة لا كفعل الجاهلية إذا حلّ الدين يطالب إما بالقضاء وإما بالربا فمتى علم صاحب الحق عسر المديان حرمت عليه مطالبته وإن لم يثبت عسره عند الحاكم، وقد حكى القرافي وغيره أن إبراءه أفضل من إنظاره وجعلوا ذلك مما استثني من قاعدة كون الفرض أفضل من النافلة وذلك أن إنظاره واجب وإبراءه مستحب، وقد انفصل عنه الشيخ تقيّ الدين السبكي بأن الإبراء يشتمل على الإنظار اشتمال الأخص على الأعم لكونه تأخيرًا للمطالبة فلم يفضل مندوب واجبًا وإنما فضل واجب وهو الإنظار الذي تضمنه الإبراء وزيادة وهو خصوص الإبراء واجبًا آخر وهو مجرد الأنظار، ونازعه ولده التاج في الأشباه والنظائر في ذلك فقال: وقد يقال الإنظار هو تأخير الطلب مع بقاء العلقة والإبراء زوال العلقة فهما قسمان لا يشتمل أحدًا على الآخر، فينبغي أن يقال إن الإبراء يحصل مقصود الإنظار وزيادة قال: وهذا كله بتقدير تسليم أن الإبراء أفضل، وغاية ما استدل به عليه بقوله تعالى: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾ [البقرة: ٢٨٠] وهذا يحتمل أن يكون افتتاح كلام فلا يكون دليلاً على أن الإبراء أفضل ويتطرّق من هذا إلى أن الإنظار أفضل لشدة ما يقاسيه المنظر من ألم الصبر مع تشوّف القلب، وهذا فضل ليس في الإبراء الذي انقطع فيه اليأس فحصلت فيه راحة
стр. 2587
من هذه الحيثية ليست في الإنظار، ومن ثم قال ﷺ : "من أنظر معسرًا كان له بكل يوم صدقة" رواه أحمد. فانظر كيف وزع أجره على الأيام يكثر بكثرتها ويقل بقلتها ولعل سره ما أبديناه فالمنظر ينال كل يوم عوضًا جديدًا ولا يخفى أن هذا لا يقع بالإبراء فإن أجره وإن وافرًا لكنه ينتهي بنهايته انتهى.
١٩ - باب إِذَا بَيَّنَ الْبَيِّعَانِ، وَلَمْ يَكْتُمَا، وَنَصَحَا
وَيُذْكَرُ عَنِ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: كَتَبَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ، لَا دَاءَ وَلَا خِبْثَةَ وَلَا غَائِلَةَ». وَقَالَ قَتَادَةُ: الْغَائِلَةُ الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَالإِبَاقُ.
وَقِيلَ لإِبْرَاهِيمَ: إِنَّ بَعْضَ النَّخَّاسِينَ يُسَمِّي: آرِيَّ خُرَاسَانَ، وَسِجِسْتَانَ. فَيَقُولُ: جَاءَ أَمْسِ مِنْ خُرَاسَانَ، جَاءَ الْيَوْمَ مِنْ سِجِسْتَانَ. فَكَرِهَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً.
وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: لَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يَبِيعُ سِلْعَةً يَعْلَمُ أَنَّ بِهَا دَاءً إِلاَّ أَخْبَرَهُ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا بين البيعان) بفتح الموحدة وتشديد التحتانية المكسورة أي إذا أظهر البائع والمشتري ما في البيع من العيب (ولم يكتما) ما فيه من العيب (ونصحا) من عطف العام على الخاص وجواب إذا محذوف للعلم به وتقديره بورك لهما في بيعهما.
(ويذكر) بضم أوله وفتح ثالثه (عن العدّاء) بفتح العين والدال المشددة المهملتين ممدودًا (ابن خالد) واسم جدّه هوذة بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن صعصعة الصحابي أسلم بعد حنين أنه (قال: كتب لي النبي ﷺ هذا ما اشترى محمد رسول الله ﷺ من العداء بن خالد) قال القاضي عياض هذا مقلوب، والصواب كما في الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن منده موصولاً لأن المشتري العداء من محمد رسول الله ﷺ أو الذي في البخاري صواب غير منافٍ لباقي الروايات لأن اشترى يكون بمعنى باع، وحمله في المصابيح على تعدّد الواقعة وحينئذ فلا تعارض (بيع المسلم المسلم) برفع بيع خبر مبتدأ محذوف أي هو بيع المسلم وبالنصب على أنه مصدر من غير فعله لأن معنى البيع والشراء متقاربان أو منصوب بنزع الخافض أي كبيع المسلم والمسلم الثاني منصوب بالمصدر وهو بيع، وليس المراد به أنه إذا بايع ذميًّا يغشه بل هذا مبايعة المسلمين مطلقًا لا يغش مسلمًا ولا غيره، ولأبي ذر عن الكشميهني من المسلم (لا داء) أي لا عيب والمراد به العيب الباطن سواء ظهر منه شيء أم لا كوجع الكبد والسعال. وقال ابن المنير: قوله لا داء أي يكتمه البائع وإلا فلو كان بالعبد داء وبيّنه البائع لكان من بيع المسلم المسلم ومحصله كما قاله في الفتح إنه لم يرد بقوله لا داء نفي الداء مطلقًا بل نفي داء مخصوص وهو ما لم يطلع عليه، (ولا خبثة) بكسر الخاء المعجمة وضمها وإسكان الموحدة ثم مثلثة مفتوحة أي لا مسببًّا من قوم لهم عهد أو المراد الأخلاق الخبيثة كالإباق أو الحرام كما عبر
стр. 2588
عن الحلال بالطيب وللكشميهني: ولا خبية (ولا غائلة) بالغين المعجمة والهمزة أي لا فجور وأصله من الغول أي الهلاك.
(وقال قتادة) فيما وصله ابن منده من طريق الأصمعي عن سعيد بن أبي عروبة عنه (الغائلة الزنا والسرقة والإباق) قال ابن قرقول في المطالع: الظاهر أن تفسير قتادة يرجع إلى الخبثة والغائلة معًا.
(وقيل لإبراهيم) النخعي (إن بعض النخاسين) بفتح النون والخاء المعجمة المشددة وبعد الألف سين مهملة الدلالين (يسمي) بكسر الميم المشددة وفاعله ضمير يعود على البعض التقدم ومفعوله الأول قوله (آريّ) بفتح الهمزة الممدودة وكسر الراء وتشديد التحتية على المشهور، وفي اليونينية رفع الياء وهو مربط الدابّة أو حبل يدفن في الأرض ويبرز طرفه تشدّ به الدابة. قال القاضي عياض: وأظن أنه سقط من الأصل لفظة دوابه يعني أنه كان الأصل يسمي آري دوابه، ووجهه في المصابيح بأنه من حذف المضاف إليه وإبقاء المضاف على حاله أو على حذف الألف واللام أي يسمي الآريّ أي الإصطبل كأنه كان فيه يسمى آريه، وفي رواية أبي زيد المروزي يسمي أرى بفتح الهمزة والراء من غير مدّ مع قصر آخره كدعا. قال الحافظ ابن حجر: وهو تصحيف، ولأبي ذر الهروي أرى بضم الهمزة وفتح الراء بمعنى أظن والصواب الأول وهو الذي في الفرع وأصله لا غير.
وقد بيّن الصواب في ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال قيل له: إن ناسًا من النخاسين وأصحاب الدواب يسمي أحدهم إصطبل دوابه (خراسان) الإقليم المعروف وهو ثاني مفعول يسمي (وسجستان) بكسر السين الأولى والجيم وسكون الثانية عطف عليه ثم يأتي السوق (فيقول: جاء أمس) بكسر السين اليوم الذي قبل يومك (من خراسان جاء اليوم) ولأبي ذر وابن عساكر: وجاء اليوم، وللحموي والمستملي: أمس (من سجستان فكرهه كراهة شديدة) لما تضمنه من الغش والخداع والتدليس على المشتري لأنه يظن بذلك أنها قريبة الجلب من المحلين المذكورين.
(وقال عقبة بن عامر) الجهني المتوفى بمصر واليًا سنة ثمان وخمسين فيما وصله ابن ماجة بمعناه (لا يحل لامرئ يبيع سلعة يعلم أن بها داء) عيبًا باطنًا كوجع كبد (إلا أخبره) وللكشميهني: إلا أخبر به.
٢٠٧٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَالِحٍ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ رَفَعَهُ إِلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا -أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا- فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا».
[الحديث ٢٠٧٩ - أطرافه في: ٢٠٨٢، ٢١٠٨، ٢١١٠، ٢١١٤].
стр. 2589
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن صالح أبي الخليل) بالخاء المعجمة من الخلة ابن أبي مريم الضبعي (عن عبد الله بن الحرث) بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب الهاشمي وهو مذكور في الصحابة لأنه ولد في عهده ﷺ وحنكه وهو معدود من حيث الرواية في كبار التابعين (رفعه) أي الحديث (إلى حكيم بن حزام) بكسر الحاء المهملة وبالزاي المخففة، وله في البخاري أربعة أحاديث (﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : البيعان) بفتح الموحدة وتشديد المثناة التحتية (بالخيار) في المجلس (ما لم يتفرقا) بتقديم الفوقية على الفاء وتشديد الراء (أو قال حتى يتفرقا) بأبدانهما عن مكانهما الذي تبايعا فيه والشك من الراوي (فإن صدقا) كل واحد منهما عما يتعلق به من الثمن ووصف المبيع ونحو ذلك (وبينا) ما يحتاج إليه بيانه من عيب ونحوه في السلعة والثمن (بورك لهما في بيعهما) أي كثر نفع المبيع والثمن (وإن كتما) أي كتم البائع عيب السلعة والمشتري عيب الثمن (وكذبا) في وصف السلعة والثمن (محقت بركة بيعهما) أي أذهبت زيادته ونماؤه فإن فعله أحدهما دون الآخر محقت بركة بيعه وحده، ويحتمل أن يعود شؤم أحدهما على الآخر بأن تنزع البركة من المبيع إذا وجد الكذب أو الكتم.
وهذا الحديث أخرجه في البيع وكذا مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي فيه وفي الشروط.
٢٠ - باب بَيْعِ الْخِلْطِ مِنَ التَّمْرِ
(باب بيع الخلط من التمر) بكسر المعجمة التمر المجتمع من أنواع متفرقة أو هو نوع رديء.
٢٠٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: "كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الْجَمْعِ، وَهْوَ الْخِلْطُ مِنَ التَّمْرِ، وَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا صَاعَيْنِ بِصَاعٍ وَلَا دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ".
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا شيبان) بن يحيى التميمي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي سعيد) سعد بن مالك الخدري (¬﵁ قال: كنا نرزق) بضم النون مبنيًّا للمفعول أي نعطي (تمر الجمع) بفتح الجيم وسكون الميم (وهو الخلط من التمر) أي من أنواع متفرقة منه، وإنما خلط لرداءته ففيه دفع توهم من يتوهم أن مثل هذا لا يجوز بيعه لاختلاط جيده برديئه لأن هذا الخلط لا يقدح في البيع لأنه متميز ظاهر فلا يعدّ غشًّا بخلاف خلط اللبن بالماء فإنه لا يظهر، (وكنا نبيع صاعين) من التمر (بصاع) واحد منه (فقال النبي ﷺ ¬):
(لا) تبيعوا (صاعين) من التمر (بصاع) منه (ولا) تبيعوا (درهمين بدرهم) ويدخل في معنى التمر جميع الطعام فلا يجوز في الجنس الواحد منه التفاضل ولا النساء.
стр. 2590
وبقية المباحث تأتي إن شاء الله تعالى قريبًا.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في البيوع، وكذا النسائي، وأخرجه ابن ماجة في التجارات.
٢١ - باب مَا قِيلَ فِي اللَّحَّامِ وَالْجَزَّارِ
(باب ما قيل في اللحام) بياع اللحم (والجزار) الذي ينحر الإبل.
٢٠٨١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُكْنَى أَبَا شُعَيْبٍ فَقَالَ لِغُلَامٍ لَهُ قَصَّابٍ: اجْعَلْ لِي طَعَامًا يَكْفِي خَمْسَةً مِنَ النَّاسِ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْجُوعَ، فَدَعَاهُمْ، فَجَاءَ مَعَهُمْ رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ هَذَا قَدْ تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ فَأْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ يَرْجِعَ رَجَعَ. فَقَالَ: لَا، بَلْ قَدْ أَذِنْتُ لَهُ".
[الحديث ٢٠٨١ - أطرافه في: ٢٤٥٦، ٥٤٣٤، ٥٤٦١].
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث النخعي الكوفي قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: حدّثني) بالتوحيد (شقيق) هو ابن سلمة أبو وائل (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو الأنصاري أنه (قال: جاء رجل من الأنصار) لم يعرف اسمه (يكنى) بضم التحتية وسكون الكاف (أبا شعيب) بالجر على الإضافة ووقع في اليونينية ضبطه بالرفع أيضًا (فقال لغلام له قصاب) بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة والجرّ صفة لغلام أي جزار، وفي المظالم من وجه آخر عن الأعمش كان له غلام لحام ولم يسم الغلام (اجعل لي طعامًا يكفي خمسة من الناس)، وفي رواية جرير عن الأعمش عند مسلم: اصنع لي طعامًا لخمسة نفر (فإني أريد أن أدعو النبي ﷺ ¬) حال كونه (خامس خمسة) ويجوز الرفع بتقدير هو خامس خمسة أي أحدهم، يقال خامس خمسة وخامس أربعة بمعنى قال الله تعالى: ﴿ثاني اثنين﴾ [التوبة: ٤٠] و ﴿ثالث ثلاثة﴾ [المائدة: ٧٣] وفي حديث ابن مسعود: رابع أربعة، ومعنى خامس أربعة أي زائد عليهم. قإل المهلب: إنما صنع طعام خمسة لعلمه أنه ﵊ سيتبعه من أصحابه غيره، ويحتمل أن أبا شعيب حين رأى النبي ﷺ وعرف في وجهه الجوع رأى معه جالسين انتهى.
(فإني قد عرفت في وجهه) ﷺ (الجوع فدعاهم) بعد أن صنع الطعام وفي رواية أبي معاوية عن الأعمش عند مسلم والترمذي فدعاه وجلساءه الذين معه وكأنهم كانوا أربعة وهو ﵊ خامسهم، (فجاء معهم رجل) سادس لم يسم أيضًا (فقال النبي ﷺ ¬) لأبي شعيب الأنصاري.
(إن هذا) الرجل (قد تبعنا) بفتح الفوقية وكسر الموحدة وفي رواية أبي عوانة وجرير اتبعنا
стр. 2591
بالتشديد وفي رواية أبي معاوية لم يكن معنا حين دعوتنا (فإن شئت أن تأذن له) في الدخول (فأذن له) وسقط قوله فأذن له في رواية أبي ذر وابن عساكر (وإن شئت أن يرجع رجع فقال) ولأبي الوقت قال (لا) يرجع (بل قد أذنت له) زاد في رواية جرير: يا رسول الله. ولفظ رواية أبي معاوية: فقد أذنا له فليدخل، وإنما توقف ﵊ عن إذنه لهذا الرجل السادس بخلاف طعام أبي طلحة لأن الداعي في هذه القصة حصر العدد بقصده أوّلاً حيث قال: طعام خمسة مع أن له ﵊ التصرف في مال كلٍّ من الأمة بغير حضوره بغير رضاه لكنه لم يفعل ذلك إلا بالإذن تطييبًا لقلوبهم وتشريعًا لأمّته، وفيه أن من تطفل في الدعوة كان لصاحب الدعوة الاختيار في حرمانه فإن دخل بغير إذنه كان له إخراجه، وأن من قصد التطفل لم يمنع ابتداء لأن الرجل تبع النبي ﷺ فلم يردّه لاحتمال أن تطيب نفس صاحب الدعوة بالإذن له وأن الطفيلي يأكل حرامًا، وقد روى أبو داود الطيالسي من حديث أبي هريرة مرفوعًا "من مشى إلى الطعام لم يدع إليه مشى فاسقًا وأكل حرامًا ودخل سارقًا وخرج مغيرًا" وللخطيب البغدادي في أخبار الطفيليين جزء فيه فوائد يأتي منها في كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى طائفة مع بقية المباحث.
وفي حديث الباب علم من أعلام النبوة فإن الأنصاري لم يقل لغلامه طعام خمسة بحضرة الرسول ﷺ فأطلع الله تعالى نبيّه على أنه حجر الدعوة ولم يطلقها، وقد أخرج الحديث أيضًا في المظالم والأطعمة ومسلم في الأطعمة، والترمذي في النكاح، والنسائي في الوليمة.
٢٢ - باب مَا يَمْحَقُ الْكَذِبُ وَالْكِتْمَانُ فِي الْبَيْعِ
(باب) بيان (ما يمحق الكذب) من البائع في مدح سلعته ومن المشتري في التقصير في وفاء الثمن (والكتمان) من البائع عن عيب سلعته ومن المشتري عن وصف الثمن من البركة (في البيع).
٢٠٨٢ - حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْخَلِيلِ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا -أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا- فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا».
وبه قال: (حدّثنا بدل بن المحبر) بفتح الموحدة والمهملة آخره لام ابن المحبر بضم الميم وفتح المهملة وتشديد الموحدة المفتوحة آخره راء ابن منبّه اليربوعي البصري الواسطي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (قال: سمعت أبا الخليل) صالح بن أبي مريم الضبعي (يحدّث عن عبد الله بن الحرث) بن نوفل الهاشمي (عن حكيم بن حزام) بالزاي (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
стр. 2592
(البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) بأبدانهما عن مكانهما الذي تبايعا فيه (أو قال حتى يتفرقا) بالشك من الراوي (فإن صدقا) البائع في السوم والمشتري في الوفاء (وبينا) ما في الثمن والمثمن من عيب (بورك لهما في بيعهما) مبيعهما (وإن كتما) عيب السلعة والثمن (وكذبا) في وصفهما (محقت بركة بيعهما) مبيعهما. وهذا الحديث قد سبق قريبًا.
٢٣ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]
(باب قول الله تعالى) وفي نسخة (﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة﴾) نهى عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافًا مضاعفة كما كانوا يقولون في الجاهلية: إذا حل أجل الذين إما أن تقضي وإما أن تربي فإن قضاه وإلا زاده في المدة وزاده الآخر في القدر وهكذا كل عام فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيرًا مضاعفًا ثم أمر تعالى عباده بالتقوى فقال: ﴿واتقوا الله﴾ فيما نهيتم عنه من الربا ﴿لعلكم تفلحون﴾ [آل عمران: ١٣٠] راجين الفلاح في الأولى والآخرة.
٢٠٨٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ بِمَا أَخَذَ الْمَالَ أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ».
به وقال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن قال: (حدّثنا سعيد المقبري) بضم الموحدة (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه (قال: ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال) بإثبات ألف ما الاستفهامية الداخل عليها حرف الجر والقياس حذفها لكنه وجد في كلام العرب على قلته، وقد سبق في باب من لم يبال من حيث كسب المال بهذا السند لا يبالي المرء منه (أمن حلال أم حرام). وفي الباب السابق بالتعريف فيهما ولأبي ذر أمن الحلال بالتعريف فيه فقط.
وهذا الحديث ساقط في رواية النسفيّ وليس عنده سوى الآية، وقول الحافظ ابن حجر: ولعل المصنف أشار بالترجمة إلى ما أخرجه النسائي من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعًا: "يأتي على الناس زمان يأكلون الربا فمن لم يأكله أصابه من غباره" تعقبه العيني بأن الآية هي الترجمة فكيف يشير بها إلى حديث أبي هريرة والآية في النهي عن أكل الربا والأمر بالتقوى، وحديث أبي هريرة يخبر عن فساد الزمان الذي يؤكل فيه الربا.
стр. 2593
٢٤ - باب آكِلِ الرِّبَا وَشَاهِدِهِ وَكَاتِبِهِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] إلى آخر الآية.
(باب) حكم (آكل الربا) بمدّ الهمزة وكسر الكاف والربا بالقصر ومدّه لغة شاذة وألفه بدل من واو يكتب بها وبالواو ويقال الرماء بالميم والمدّ (و) حكم (شاهده) بالإفراد وللإسماعيلي وشاهديه بالتثنية (و) حكم (كاتبه) الذين يواطئون صاحب الربا على كتمان الربا وإظهار الجائز وفيه ما يدل على أن الكاتب غير الشاهد وإنهما وظيفتان وعلى ذلك العمل بتونس وبعض بلاد المغرب، (وقوله تعالى) بالجر عطفًا على سابقه وسقطت الواو لأبي ذر والقول عنده مرفوع.
ولابن عساكر قول الله تعالى: (﴿الذين يأكلون الربا﴾) أي الآخذون له وإنما عبّر عنه بالأكل لأن الأكل أعظم المنافع ولأن الربا شائع في المطعومات وهو في اللغة الزيادة. قال الله تعالى: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾ [الحج: ٥] أي: زادت وعلت، وفي الشرع عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما وهو ثلاثة أنواع: ربا الفضل وهو البيع مع زيادة أحد العوضين على الآخر، وربا اليد وهو البيع مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما، وربا النساء وهو البيع لأجل وكل منها حرام (﴿لا يقومون﴾) من قبورهم (﴿إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان﴾) أي إلا قيامًا كقيام المصروع (﴿من المس) أي الجنون.
وقال في البحر: من المس متعلق بقوله يتخبطه وهو على سبيل التأكيد ورفع ما يحتمله يتخبطه من المجاز إذ هو ظاهر في أنه لا يكون إلا من المس، ويحتمل أن يكون المراد بالتخبط الإغواء وتزيين المعاصي فأزال قوله من المس هذا الاحتمال، وقول الزمخشري إذ قوله من المس متعلق بلا يقومون أي لا يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع ضعيف لأن ما بعد إلا لا يتعلق بما قبلها إلا إن كان في حيّز الاستثناء، ولذلك منعوا أن يتعلق بالبينات والزبر بقوله: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً﴾ [النحل: ٤٣] وأن التقدير وما أرسلنا بالبينات والزبر إلا رجالاً يوحى إليهم انتهى.
وقيل: إن الناس يخرجون من الأجداث سراعًا لكن آكل الربا يربو الربا في بطنه فيريد الإسراع فيسقط فيصير بمنزلة المتخبط من الجنون لاختلال عقله.
﴿ذلك﴾ أي العقاب ﴿بأنهم﴾ بسبب أنهم ﴿قالوا إنما البيع مثل الربا﴾ نظموا البيع والربا في سلك واحد لإفضائهما إلى الربح فاستحلّوه استحلاله.
قال الزمخشري: فإن قلت هلا قيل إنما الربا مثل البيع لأن الكلام في الربا لا في البيع، فوجب أن يقال إنهم شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه وكانت شبهتهم أنهم قالوا: لو اشترى الرجل ما لا يساوي إلا درهمًا بدرهمين جاز فكيف إذا باع درهمًا بدرهمين؟ وأجاب بأنه جيء به على طريق
стр. 2594
المبالغة وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلاً وقانونًا في الحل حتى شبهوا به البيع انتهى.
وتعقبه ابن المنير: بأنه لا يجب حمله على المبالغة إذ يمكن أن يقال الربا كالبيع والبيع حلال فالربا مثله، ويمكن أن يعكس فيقال البيع كالربا فلو كان الربا حرامًا كان البيع حرامًا فالأول قياس الطرد، والثاني قياس العكس انتهى.
والفرق بين الربا والبيع بَيّن فإن من أعطى درهمين بدرهم ضيع درهمًا، ومن اشترى سلعة تساوي درهمًا بدرهمين فلعل مسيس الحاجة إليها أو توقع رواجها يجبر هذا الغبن.
﴿وأحل الله البيع وحرّم الربا﴾ إنكار لتسويتهم وإبطال للقياس لمعارضته النص ﴿فمن جاءه موعظة من ربه﴾ بلغه وعظ من الله ﴿فانتهى﴾ فاتعظ وتبع النهي حال وصول الشرع إليه ﴿فله ما سلف﴾ من المعاملة أي له ما كان من الربا زمن الجاهلية ﴿وأمره إلى الله﴾ يحكم يوم القيامة بينهم وليس من أمره إليكم شيء ﴿ومن عاد﴾ إلى تحليل الربا وأكله ﴿فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [البقرة: ٢٧٥] لأنهم كفروا به، ولفظ رواية أبوي ذر والوقت: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ إلى قوله: ﴿هم فيها خالدون﴾.
٢٠٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "لَمَّا نَزَلَتْ آخِرُ الْبَقَرَةِ قَرَأَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ".
وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة وتشديد المعجمة قال: (حدّثنا غندر) هو لقب محمد بن جعفر البصري (عن شعبة عن منصور) أي ابن المعتمر (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح الكوفي (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: لما نزلت) أي الآيات (آخر) سورة (البقرة) ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ إلى قوله: ﴿لا تظلمون ولا تظلمون﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٧٩] (قرأهن النبي ﷺ عليهم في المسجد ثم حرّم التجارة في الخمر) أي بيعه وشراءه.
وهذا الحديث قد مرّ في أبواب المساجد من كتاب الصلاة.
٢٠٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ، وَعَلَى وَسَطِ النَّهْرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ. فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ
стр. 2595
حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ: آكِلُ الرِّبَا».
وبه قال: (حدّثني موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا جرير بن حازم) بالحاء المهملة والزاي قال: (حدّثنا أبو رجاء) عمران العطاردي (عن سمرة بن جندب) بضم الجيم وفتح الدال ابن هلال الفزاري حليف الأنصار (﵁ قال: قال النبي ﷺ ¬):
(رأيت) من الرؤيا، ولابن عساكر: أريت بهمزة مضمومة قبل الراء مبنيًّا للمفعول (الليلة رجلين) جبريل وميكائيل (أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة) بالتنكير للتعظيم (فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم) بفتح الهاء وسكونها (فيه) أي النهر (رجل قائم و) هو (على وسط النهر) الجملة حالية وحذف المبتدأ المقدّر بهو، ولا يجوز أن يكون خبرًا مقدمًا على المبتدأ وهو قوله: (رجل بين يديه حجارة) لمخالفة ذلك سائر الروايات لأن الرجل الذي بين يديه حجارة هو على شط النهر لا على وسطه كما مرّ في آخر الجنائز بلفظ: وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة لا سيما وفي بعض الأصول ورجل بين يديه حجارة بالواو ولا يفصل بين المبتدأ والخبر، وفي رواية وسط النهر بغير واو، وحينئذ فتكون متعلقة بقائم، وقوله: رجل مبتدأ حذف خبره تقديره على الشط أو هناك والجملة حالية سواء كانت بالواو أو بدونها وعند ابن السكن على شط النهر بدل قوله وسط النهر،
وصوّبه القاضي عياض (فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج) من النهر، وفي رواية غير ابن عساكر وأبي الوقت: فإذا أراد الرجل أن يخرج (رمى الرجل) الذي في شط النهر (بحجر) من الحجارة التي بين يديه (في فيه) أي في فم الذي في النهر (فردّه حيث كان) من النهر (فجعل كلما جاء ليخرج) من النهر (رمى) الرجل الذي على الشط (في فيه بحجر) من تلك الأحجار. قال ابن مالك: تضمن وقوع خبر جعل الإنشائية جملة فعلية مصدّرة بكلما وحقه أن يكون فعلاً مضارعًا وقد جاء هنا ماضيًا (فيرجع كما كان) ولا يمكنه من الخروج منه. قال ﵊ (فقلت) لجبريل وميكائيل: (ما هذا)؟ الذي رأيت (فقال) أحدهما (الذي رأيته في النهر آكل الربا).
وهذا موضع الترجمة لكن ليس فيه ولا في سابقه ذكر لكاتب الربا وشاهده فقيل لأنهما لما كانا معاونين لآكله نزلاً منزلة الآكل، فترجم المؤلّف بالثلاثة أو أنهما رضيا به والراضي بالشيء كفاعله أو أنهما بفعلهما كأنهما قائلان إنما البيع مثل الربا أو عقد الترجمة لهما ولم يجد فيهما حديثًا على شرطه.
قال في الفتح: ولعله أشار إلى ما ورد في الكاتب والشاهد صريحًا فعند مسلم وغيره من حديث جابر: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده وقال: هم في الإثم سواء. ولأصحاب السنن وصححه ابن خزيمة من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه، وفي رواية الترمذي بالتثنية وهذا إنما يقع على من
следующие страницы →