Полный текст (8 298 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.
стр. 3501
زعم أبو مسعود في الأطراف وأقره المزي عليه فقد أخرجه الإمام أحمد وغيره كالبخاري ليس فيه زائدة عن أبي طوالة وقد ثبت سماع أبي إسحاق من أبي طوالة أنه (قال: سمعت أنسًا ﵁ يقول: دخل رسول الله ﷺ على ابنة ملحان) بكسر الميم وسكون اللام بعدها حاء مهملة فألف فنون أم حرام خالة أنس (فاتكأ عندها) فنام (ثم ضحك) بعد أن استيقظ من نومه (فقالت): أم حرام (لم تضحك يا رسول الله؟ فقال):
(ناس) أي أضحكني ناس (من أمتي يركبون البحر الأخضر في سبيل الله، مثلهم) في الدنيا أو في الجنة (مثل الملوك على الأسرة). (فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال): ولأبي ذر: فقال: (اللهم اجعلها منهم) (ثم عاد) إلى النوم ثم استيقظ (فضحك، فقالت له مثل-) أي مثل قولها الأول لم تضحك (أو) قالت (مم. ذلك)؟ أي الضحك (فقال لها مثل ذلك)، ناس من أمتي يركبون إلى آخره، لكن قيل في هذا يركبون البر وهو ظاهر (فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم قال): (أنت من الأولين) الذين يركبون البحر (ولست من الآخرين) الذين يركبون البر (قال) أبو طوالة: (قال أنس: فتزوجت عبادة بن الصامت) وفي رواية إسحاق عن أنس في أول الجهاد وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول الله ﷺ وظاهر هذه أنها كانت حينئذٍ زوجته بخلاف الأولى. وأجيب: بأنها كانت إذ ذاك زوجته ثم طلقها ثم راجعها بعد ذلك قاله ابن التين، وقيل إنما تزوجها بعد ذلك وهذا أولى لموافقة محمد بن يحيى بن حبان عن أنس على أن عبادة تزوجها بعد كما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب ركوب البحر، ويحمل قوله في رواية إسحاق وكانت تحت عبادة على أنه جملة معترضة أراد الراوي وصفها به غير مقيد بحال من الأحوال وظهر من رواية غيره أنه إنما تزوجها بعد ذلك قاله في الفتح.
(فركبت البحر مع بنت قرظة)، بالقاف والراء والظاء المعجمة المفتوحات فاختة امرأة معاوية بن أبي سفيان وكان أخذها معه لما غزا قبرص في البحر سنة ثمان وعشرين وهو أوّل من ركب البحر للغزاة في خلافة عثمان ﵄ وقرظة هو ابن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف وليس هو قرظة بن كعب الأنصاري، (فلما قفلت) أي رجعت (ركبت دابتها، فوقصت بها)، بفتح الواو (فسقطت عنها فماتت). الوقص كسر العنق يقال: وقصت عنقه أقصها وقصًا ووقصت به راحلته كقولك خذ الخطام وخذ بالخطام، ولا يقال وقصت العنق نفسها ولكن يقال وقص الرجل فهو موقوص.
٦٤ - باب حَمْلِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ فِي الْغَزْوِ دُونَ بَعْضِ نِسَائِهِ
٢٨٧٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ
стр. 3502
عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، كُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الْحَدِيثِ قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ يَخْرُجُ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ . فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي. فَخَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قبلَ أن يَنزِلَ الْحِجَابُ".
(باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه).
وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) بكسر الميم أبو محمد السلمي الأنماطي البرساني البصري قال: (حدّثنا عبد الله بن عمر النميري) بضم النون وفتح الميم مصغرًا قال: (حدّثنا يونس) بن يزيد الأيلي (قال: سمعت الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: سمعت عروة بن الزبير) بن العوّام وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص) أي الليثي (- وعبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الأربعة (عن حديث عائشة) ﵂ (كلٌّ حدّثني طائفة) أي قطعة (من الحديث) عنها أنها (قالت: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج) أي يمضي إلى سفر (أقرع بين نسائه) تطييبًا لقلوبهن (فأيتهن) بتاء التأنيث (يخرج) بفتح حرف المضارعة وضم الراء (سهمها خرج بها النبي ﷺ فأقرع بيننا في غزوة غزاها) هي غزوة بني المصطلق (فخرج فيها سهمي فخرجت مع النبي ﷺ قبل أن ينزل الحجاب). أي الأمر به، وفي رواية ابن إسحاق: فخرج سهمي عليهن فخرج بي معه وهو ظاهر بأنه خرج بها وحدها، وأما ما ذكره الواقدي من أن أم سلمة خرجت معه أيضًا في هذه الغزوة فغير صحيح.
٦٥ - باب غَزْوِ النِّسَاءِ وَقِتَالِهِنَّ مَعَ الرِّجَالِ
٢٨٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِنَّ تَنْقُزَانِ الْقِرَبَ -وَقَالَ غَيْرُهُ: تَنْقُلَانِ الْقِرَبَ- عَلَى مُتُونِهِمَا ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِهَا ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِه فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ".
[الحديث ٢٨٨٠ - أطرافه في: ٢٩٠٢، ٣٨١١، ٤٠٦٤].
(باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال).
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج ميسرة المقعد التميمي المنقري مولاهم البصري قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد التنوري قال: (حدّثنا عبد العزيز) بن صهيب (عن أنس ﵁) أنه (قال: لما كان يوم أُحُد انهزم الناس عن النبي ﷺ ¬). وثبت ﷺ ولم يبق معه من أصحابه إلا اثنا عشر رجلاً وكان سبب الهزيمة اشتغالهم بغنيمة الكفّار لما هزمهم المسلمون كما سيأتي إن شاء الله تعالى في المغازي (قال) أنس: (ولقد رأيت
стр. 3503
عائشة بنت أبي بكر) الصديق (وأم سليم) هي أم أنس (وإنهما لمشمرتان) بكسر الميم الثانية المشددة (أرى) أبصر (خدم سوقهما) بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة خلاخيلهما وقيل سمي الخلخال خدمة لأنه ربما كان من سيور مركب فيها الذهب والفضة والخدمة في الأصل السير والمخدم موضع الخلخال من الساق، ولعل رؤيته لذلك كانت من غير قصد للنظر أو قبل الحجاب (تنقزان القرب) بفتح حرف المضارعة وسكون النون وضم القاف وبعد الزاي ألف فنون، والنقز الوثب وهو لازم أي تثبان وتقفزان من سرعة السير والقرب بالنصب واستبعد لأن تنقز غير متعدٍّ وأوله بعضهم على نزع الخافض أي تثبان بالقرب، وقرأه بعضهم بالرفع على أنه مبتدأ خبره على متونهما والجملة حالية وضبط آخر تنقزان بضم حرف المضارعة من أنقز فعداه بالهمزة أي تحركان القرب لشدة عدوهما ويصح نصب القرب على هذا الوجه، وأعربه البدر الدماميني على أنه مفعول باسم فاعل منصوب على الحال محذوف أي تنقزان جاعلتين القرب أو ناقلتين القرب على متونهما قال وحذف العامل لدلالة الكلام عليه (-وقال غيره) أي غير أبي معمر وهو جعفر بن مهران عن عبد الوارث (تنقلان القرب-) باللام بدل الزاي (على متونهما) أي ظهورهما ولا إشكال في النصب على هذه الرواية كما لا يخفى (ثم تفرغانه) بضم حرف المضارعة من أفرغ أي تفرغان الماء الذي في القرب (في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانها) أي القرب ولأبي ذر: فتفرغانه أي الماء (في أفواه القوم) قال ابن المنير: بوب على قتالهن وليس هو في الحديث فإما أن يريد أن إعانتهن للغزاة غزو وإما أن يريد أنهن ما ثبتن للمداواة ولسقي الجرحى إلا وهن يدافعن عن أنفسهن وهو الغالب فأضاف إليهن القتال لذلك؛ انتهى.
ويؤيد الأول حديث ابن عباس عند مسلم كان يغزو بهن فيداوين الجرحى، ويؤيد الثاني:
حديث أنس عند مسلم أيضًا أن أم سليم اتخذت خنجرًا يوم حنين فقالت اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه، وقد روي أن أم سليم كانت تسبق الشجعان في الجهاد وثبتت يوم حنين والأقدام قد تزلزلت والصفوف قد انتقضت والمنايا فغرت فاها فالتفت إليها رسول الله ﷺ ، وفي يدها خنجر فقالت: يا رسول الله أقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما يقتل هؤلاء الذين يحاربون فليسوا بشرّ منهم؟ فقال: "يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن". وقد قاتل نساء قريش يوم اليرموك حين دهمتهم جموع الروم وخالطوا عسكر المسلمين يضربن النساء يومئذٍ بالسيوف وذلك في خلافة عمر.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في فضل أبي طلحة وفي المغازي ومسلم في المغازي.
٦٦ - باب حَمْلِ النِّسَاءِ الْقِرَبَ إِلَى النَّاسِ فِي الْغَزْوِ
٢٨٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ: "إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَسَمَ مُرُوطًا بَيْنَ نِسَاءٍ الْمَدِينَةِ، فَبَقِيَ مِرْطٌ جَيِّدٌ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ: يَا
стр. 3504
أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَعْطِ هَذَا ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي عِنْدَكَ -يُرِيدُونَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ- فَقَالَ عُمَرُ: أُمُّ سَلِيطٍ أَحَقُّ. وَأُمُّ سَلِيطٍ مِنْ نِسَاءِ الأَنْصَارِ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ عُمَرُ: فَإِنَّهَا كَانَتْ تَزْفِرُ لَنَا الْقِرَبَ يَوْمَ أُحُدٍ" قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: تَزْفِرُ تَخِيطُ.
[الحديث ٢٨٨١ - طرفه في: ٤٠٧١].
(باب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو).
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان بن جبلة قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (قال ثعلبة بن أبي مالك) أبو يحيى القرظي إمام بني قريظة ولد في عهده ﷺ وله رؤية وطال عمره قاله الذهبي وقال غيره: اختلف في صحبته وله حديث مرفوع لكن جزم أبو حاتم بأنه مرسل وصرح الزهري عنه بالإخبار في حديث آخر سيأتي إن شاء الله تعالى في باب لواء النبي ﷺ (أن عمر بن الخطاب ﵁ قسم مروطًا) أي أكسية من صوف أو خز كان يؤتزر بها (بين نساء من نساء المدينة فبقي) منها (مرط جيد) بكسر الميم وسكون الراء (فقال له بعض من عنده): قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه (يا أمير المؤمنين أعط) بهمزة قطع مفتوحة (هذا ابنة رسول الله ﷺ التي عندك يريدون) زوجته (أم كلثوم) بضم الكاف والمثلثة (بنت عليّ) وكانت أصغر بنات فاطمة الزهراء وأولاد بناته ﵇ ينسبون إليه (فقال عمر أم سليط) بفتح السين المهملة وكسر اللام (أحق) به (وأم سليط) هي كما ذكره ابن سعد أم قيس بنت عبيد بن زياد بن ثعلبة من بني مازن تزوجها أبو سليط بن أبي حارثة عمرو بن قيس من بني عديّ بن النجار فولدت سليطًا وفاطمة فكنيت بأم سليط لذا فهي (من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله قال عمر: فإنها كانت تزفر) بفتح المثناة الفوقية وسكون الزاي وبعد الفاء المكسورة راء أي تحمل (لنا القرب يوم أُحد) وشهدت أيضًا خيبر وحنينًا.
(قال أبو عبد الله) أي البخاري (تزفر) أي (تخيط). قال عياض: وهذا غير معروف في اللغة، ولعل البخاري إنما تبع في ذلك ما روي عن أبي صالح كاتب الليث حيث قال فيما رواه أبو نعيم عنه تزفر تخرز وسقط قوله قال أبو عبد الله إلخ من رواية الحموي والكشميهني، وحديث الباب أخرجه أيضًا في المغازي.
٦٧ - باب مُدَاوَاةِ النِّسَاءِ الْجَرْحَى فِي الْغَزْوِ
٢٨٨٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَسْقِي، وَنُدَاوِي الْجَرْحَى، وَنَرُدُّ الْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَةِ".
[الحديث ٢٨٨٢ - طرفاه في: ٢٨٨٣، ٥٦٧٩].
(باب مداواة النساء الجرحى) من الرجال وغيرهم (في الغزو).
стр. 3505
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا بشر بن المفضل) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة ابن لاحق الرقاشي بقاف وشين معجمة البصري قال: (حدّثنا خالد بن ذكوان) المدني نزيل البصرة (عن الربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة (بنت معوّذ) بضم الميم وفتح العين وتشديد الواو المكسورة وبالذال المعجمة ابن عفراء الأنصارية من المبايعات ﵂ أنها (قالت: كنا مع النبي ﷺ ¬) في الغزو (نسقي)، أصحابه (ونداوي) منهم (الجرحى)، من غير لمس بأن يصنعن الدواء ويضعه غيرهن على الجرح أو المراد المتجالات منهن لأن موضع الجرح لا يلتذ بمسّه بل يقشعر منه الجلد وتهابه النفس ولمسه مؤلم للامس والملموس والضرورات تبيح المحظورات (ونرد القتلى) منهم من المعركة (إلى المدينة). وزاد الإسماعيلي من طريق أخرى عن خالد بن ذكوان ولا نقاتل وسقط قوله إلى المدينة لأبي ذر.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الباب التالي لهذا والنسائي في السير.
٦٨ - باب رَدِّ النِّسَاءِ الْجَرْحَى وَالْقَتْلَى
٢٨٨٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ خَالِدِ بْنِ ذَكْوَانَ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: "كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَسْقِي الْقَوْمَ وَنَخْدِمُهُمْ، وَنَرُدُّ الْجَرْحَى وَالْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَةِ".
(باب ردّ النساء) الرجال (الجرحى والقتلى) زاد أبو ذر عن الكشميهني إلى المدينة.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا بشر بن المفضل عن خالد بن ذكوان عن الربيع بنت معوذ) أنها (قالت: كنّا نغزو مع النبي ﷺ فنسقي القوم) أي الصحابة (ونخدمهم ونردّ القتلى والجرحى) منهم (إلى المدينة). قال السفاقسي: كانوا يوم أُحُد يجعلون الرجلين والثلاثة من الشهداء على دابة وتردّهم النساء، إلى موضع قبورهم.
٦٩ - باب نَزْعِ السَّهْمِ مِنَ الْبَدَنِ
٢٨٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: "رُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: انْزِعْ هَذَا السَّهْمَ، فَنَزَعْتُهُ، فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ، فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ".
[الحديث ٢٨٨٤ - طرفاه في: ٤٣٢٣، ٦٣٨٣].
(باب) جواز (نزع السهم من البدن).
وبه قال: (حدّثنا محمد بن العلاء) بفتح العين والمدّ ابن كريب الهمداني الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد بن عبد الله) بضم الموحدة وفتح الراء ابن أبي بردة (عن) جده
стр. 3506
(أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (﵁) أنه (قال: رمي) بضم الراء بصيغة المجهول (أبو عامر) عبيد بن وهب بضم العين مصغرًا الأشعري عمّ أبي موسى وكان من كبار الصحابة (في ركبته) بسهم في غزوة أوطاس رماه جشمي (فانتهيت إليه، قال): ولأبي ذر فقال (انزع) بكسر الزاي (هذا السهم، فنزعته)، من ركبته (فنزا) بالنون والزاي المفتوحتين أي جرى (منه الماء)، ولم ينقطع (فدخلت على النبي ﷺ ¬) زاد في المغازي في بيته (فأخبرته) بذلك (فقال) ﵊:
(اللهم اغفر لعبيد) بالتنوين (أبي عامر) زاد في المغازي ورأيت بياض إبطيه ثم قال: "اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس" وإنما دعا له لأنه علم أنه ميت من ذلك.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا مقطعًا في الجهاد ويأتي إن شاء الله تعالى تامًّا في المغازي.
٧٠ - باب الْحِرَاسَةِ فِي الْغَزْوِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
٢٨٨٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ سَهِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَالَ: لَيْتَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِي صَالِحًا يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ، إِذْ سَمِعْنَا صَوْتَ سِلَاحٍ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ جِئْتُ لأَحْرُسَكَ. فَنَامَ النَّبِيُّ ﷺ ".
[الحديث ٢٨٨٥ - طرفه في: ٧٢٣١].
(باب) فضل (الحراسة) بكسر الحاء الحفظ (في الغزو في سبيل الله).
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن خليل) الخزاز بمعجمات الكوفي قال: (أخبرنا علي بن مسهر) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء القرشي الكوفي قاضي الموصل قال: (أخبرنا يحيى بن سعيد) الأنصاري قال: (أخبرنا عبد الله بن عامر بن ربيعة) القرشي العنزي (قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: كان النبي ﷺ سهر) بفتح السين المهملة وكسر الهاء (فلما قدم المدينة) بعد زمان السهر (قال):
(ليت رجلاً من أصحابي صالحًا) صفة لرجلاً (يحرسني الليلة)، وعند مسلم من طريق الليث عن يحيى بن سعيد سهر رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلة فقال: ليت رجلاً صالحًا إلخ. وظاهره أن السهر والقول معًا كانا بعد قدومه المدينة بخلاف رواية الباب فإن ظاهرها أن السهر كان قبل القدوم والقول بعده وهو محمول على التقديم والتأخير أي سمعت عائشة تقول لما قدم سهر وقال: ليت. ويؤيده رواية النسائي كان رسول الله- ﷺ أول ما قدم المدينة سهر وليس المراد بقدومه المدينة أول قدومه إليها من الهجرة لأن عائشة إذ ذاك لم تكن عنده (إذ سمعنا صوت سلاح، فقال) عليه الصلاة
стр. 3507
والسلام: (من هذا)؟ (فقال: أنا سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك) وفي رواية مسلم المذكورة فقال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه فدعا له رسول الله ﷺ (ونام) ولأبي ذر فنام (النبي ﷺ ¬). زاد المؤلّف في التمني من طريق سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد حتى سمعنا غطيطه، وفي الترمذي من طريق عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧] إسناده حسن لكنه اختلف في وصله وإرساله وهو يقتضي أنه لم يحرس بعد ذلك بناءً على سبق نزول الآية، لكن ورد في عدة أخبار أنه حرس في بدر وأُحُد والخندق ورجوعه من خيبر وفي وادي القرى وعمرة القضية وفي حنين فكأن الآية نزلت متراخية عن وقعة حنين.
ويؤيده ما في المعجم الصغير للطبراني عن أبي سعيد كان العباس فيمن يحرس النبي ﷺ فلما نزلت هذه الآية ترك والعباس إنما لازمه بعد فتح مكة فيحمل على أنها نزلت بعد حنين، وحديث حراسته ليلة حنين أخرجه أبو داود والنسائي وقد تتبع بعضهم أسماء من حرسه ﷺ فجمع منهم سعد بن معاذ ومحمد بن مسلمة والزبير وأبا أيوب وذكوان بن عبد قيس والأدرع السلمي وابن الأدرع اسمه محجن، ويقال سلمة وعباد بن بشر والعباس وأبا ريحانة.
وفي الباب أحاديث كحديث عثمان مرفوعًا: حرس ليلة في سبيل الله خير من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها. رواه الحاكم وصححه ابن ماجه. وحديث أنس مرفوعًا عند ابن ماجه أيضًا: حرس ليلة في سبيل الله أفضل من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة السنة ثلاثمائة يوم اليوم كألف سنة، لكن قال المنذري: ويشبه أن يكون موضوعًا وحديث ابن عمر مرفوعًا. "ألا أنبئكم بليلة أفضل من ليلة القدر حارس حرس في أرض خوف لعله أن لا يرجع إلى أهله" أخرجه الحاكم وقال: على شرط البخاري.
٢٨٨٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ» لَمْ يَرْفَعْهُ إِسْرَائِيلُ ومحمدُ بنُ جُحادةَ عَنْ أَبِي حَصِينٍ.
[الحديث ٢٨٨٦ - طرفاه في: ٢٨٨٧، ٦٤٣٥].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن يوسف) بن أبي كريمة أبو يوسف الزمي بكسر الزاي وتشديد الميم الخراساني نزيل بغداد قال: (أخبرنا أبو بكر) الحناط بالنون المقبري وزاد أبو ذر يعني ابن عياش بتشديد التحتية وبعد الألف شين معجمة (عن أبي حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم الأسدي (عن أبي صالح) ذكوان السمان الزيات (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬). أنه (قال):
стр. 3508
(تعس) بفتح الفوقية وكسر العين المهملة وتفتح بعدها سين مهملة انكب على وجهه أو بعد أو هلك أو شقي (عبد الدينار و) عبد (الدرهم و) عبد (القطيفة) بفتح القاف وكسر الطاء دثار (و) عبد (الخميصة). بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم كساء أسود مربّع له أعلام وخطوط يعني إن طلب ذلك قد استبعده وصار عمله كله في طلبها كالعبادة لها فهو مجاز عن حرصه عليه وتحمله الذل لأجله (إن أعطي) بضم أوله وكسر ثالثه أي إن أعطي ما له عمل (رضي) عن خالقه (وإن لم يعط لم يرض) بما قدر له فصح أنه عبد في طلب ذلك فوجب الدعاء عليه بالتعس لأنه أوقف عمله على متاع الدنيا الفاني وترك النعيم الباقي (لم يرفعه) أي لم يرفع الحديث (إسرائيل) بن يونس (ومحمد بن جحادة) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة المخففة وبعد الألف دال مهملة كلاهما (عن أبي حصين) عثمان الأسدي بل وقفاه عليه وسقط لغير أبي ذر ومحمد بن جحادة قال البخاري.
٢٨٨٧ - وَزَادَنَا عَمْرٌو قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ: إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ. طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثٍ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ. إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ».
(وزادنا عمرو) بفتح العين وسكون الميم ابن مرزوق أحد مشايخه وفي نسخة وزاد لنا عمرو (قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن أبي صالح) ذكوان (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة): لم يقل وعبد القطيفة (إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط)، بكسر الخاء المعجمة بدل قوله في الأولى لم يرض والذي زاده عمر وهو قوله (تعس وانتكس)، بالسين المهملة أي عاوده المرض كما بدأ به أو انقلب على رأسه وهو دعاء عليه بالخيبة لأن من انتكس فقد خاب وخسر (وإذا شيك) بكسر الشين المعجمة وبعد التحتية الساكنة كاف أصابته شوكة (فلا انتقش). بالقاف والشين المعجمة أي فلا خرجت شوكته بالمنقاش يقال: نقشت الشوك إذا استخرجته (طوبى) اسم الجنة أو شجرة فيها (لعبد آخذ) بمدّ الهمزة وبعد الخاء المعجمة المكسورة ذال معجمة اسم فاعل من الأخذ مجرور صفة لعبد فيمتنع من السعي للدينار والدرهم (بعنان فرسه) بكسر العين أي لجامها في الجهاد (في سبيل الله، أشعث) بالمثلثة مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف على أنه صفة للمجرور من قوله طوبى لعبد (رأسه) بالرفع فاعل، ولأبي ذر: أشعث بالرفع. قال في الفتح: على أنه صفة الرأس أي رأسه أشعث، وتعقبه في العمدة فقال: لا يصح عند المعربين والرأس فاعل وكيف يكون صفته والصفة لا تتقدم على الموصوف، والتقدير الذي قدّره يؤدّي إلى إلغاء قوله رأسه بعد قوله أشعث انتهى.
стр. 3509
والظاهر أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره وهو أشعث (مغبرة قدماه) بسكون الغين وتشديد الراء وإعرابه مثل أشعث رأسه. وقال الطيبي في شرح المشكاة: أشعث رأسه ومغبرة قدماه حالان من العبد لأنه موصوف (إن كان في الحراسة) أي حراسة العدو خوفًا من هجومه (كان في الحراسة)، وهي مقدمة الجيش (وإن كان في الساقة) مؤخر الجيش (كان في الساقة). وفي اتحاد الشرط والجزاء دلالة على فخامة الجزاء وكمالها أي فهو في أمر عظيم فهو نحو فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله. وقال ابن الجوزي: المعنى أنه خامل الذكر لا يقصد السموّ فأيّ موضع اتفق له كان فيه فمن لازم هذه الطريقة كان حرِيًّا (إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع) أي عند الناس (لم يشفع). بتشديد الفاء المفتوحة أي لم تقبل شفاعته.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَمْ يَرْفَعْهُ إِسْرَائِيلُ وَمُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ عَنْ أَبِي حَصِينٍ. وَقَالَ: "تَعْسًا"، فكَأَنَّهُ يَقُولُ: فَأَتْعَسَهُمُ اللَّهُ. "طُوبَى": فُعْلَى مِنْ كُلِّ شَىْءٍ طَيِّبٍ وَهْيَ يَاءٌ حُوِّلَتْ إِلَى الْوَاوِ، وَهْيَ مِنْ يَطِيبُ.
(قال أبو عبد الله) البخاري: (لم يرفعه إسرائيل ومحمد بن جحادة عن أبي حصين) وسبق هذا قريبًا وهو ساقط في رواية أبي ذر (وقال (تعسًا)) لفظ القرآن فتعسًا لهم (كأنه يقول: فأتعسهم الله). وأما (طوبى)، فهي (فعلى) بضم الفاء وسكون العين وفتح اللام (من كل شيء طيب وهي ياء) في الأصل أي طيبى بطاء مضمومة فياء ساكنة ثم (حوّلت) أي الياء (إلى الواو)، لانضمام ما قبلها (وهي من يطيب). بفتح أوله وكسر ثانيه. قال في الفتح إن قوله فتعسًا إلخ في رواية المستملي وحده وهو على عادة البخاري في شرح اللفظة التي توافق ما في القرآن.
والحديث أخرجه أيضًا في الرقاق وابن ماجه في الزهد.
٧١ - باب فَضْلِ الْخِدْمَةِ فِي الْغَزْوِ
٢٨٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "صَحِبْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَكَانَ يَخْدُمُنِي وَهْوَ أَكْبَرُ مِنْ أَنَسٍ. قَالَ جَرِيرٌ: إِنِّي رَأَيْتُ الأَنْصَارَ يَصْنَعُونَ شَيْئًا لَا أَجِدُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلاَّ أَكْرَمْتُهُ".
(باب فضل الخدمة في الغزو) بكسر الخاء.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عرعرة) بعينين مهملتين مفتوحتين بينهما راء ساكنة وبعد الثانية راء أخرى مفتوحة ابن البرند بكسر الموحدة والراء وسكون النون آخره دال مهملة السامي بالمهملة البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن يونس بن عبيد) بضم العين مصغرًا من غير إضافة العبدي (عن ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁) وسقط لأبي ذر لفظ ابن مالك (أنه قال:
стр. 3510
صحبت جرير بن عبد الله) البجلي زاد مسلم في سفر وهو أعم من أن يكون في الغزو أو غيره.
(فكان يخدمني وهو أكبر من أنس) كان الأصل أن يقول وهو أكبر مني لكنه فيه التفات أو تجريد ويحتمل أن يكون قوله وهو أكبر من أنس من قول ثابت (قال جرير) البجلي: (إني رأيت الأنصار يصنعون) من تعظيم رسول الله ﷺ وخدمته (شيئًا لا أجد أحدًا منهم إلا أكرمته).
قال في فتح الباري: وهذا الحديث من الأحاديث التي أوردها المصنف في غير مظنتها وأليق المواضع به المناقب انتهى. وفيه إشعار بأنه لا مطابقة بين الحديث والترجمة، لكن قال العيني إن المطابقة تؤخذ مما زاده مسلم وهو قوله في سفر لشموله الغزو وغيره كما سبق.
٢٨٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: "خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ أَخْدُمُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ رَاجِعًا وَبَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ: هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ. ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا كَتَحْرِيمِ إِبْرَاهِيمَ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا".
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي المدني قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن جعفر) هو ابن أبي كثير الأنصاري (عن عمرو بن أبي عمرو) بفتح العين فيهما (مولى المطلب بن حنطب) بفتح الحاء والطاء المهملتين بينهما نون ساكنة آخره موحدة (أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى) غزوة (خيبر) سنة ست أو سبع حال كوني (أخدمه، فلما قدم النبي ﷺ ¬) حال كونه (راجعًا) إلى المدينة (وبدا) أي وظهر (له أحُد) الجبل المعروف (قال) ﵊:
(هذا) مشيرًا إلى أُحُد (جبل يحبنا) حقيقة (ونحبه)، فما جزاء من يحب ألا يحب أو المراد يحب احدًا حبّ أهل المدينة وسكانها له كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] والأوّل أولى، ويؤيده حنين الأسطوانة على مفارقته ﷺ ، (ثم أشار) ﵊ (بيده إلى المدينة قال): (اللهم إني أحرم ما بين لابتيها) بتخفيف الموحدة تثنية لابة وهي الحرة والمدينة بين حرتين وسقط لفظ اللهم للمستملي وفي نسخة وقال بإثبات الواو (كتحريم إبراهيم) الخليل (مكة). في الحرمة فقط لا في وجوب الجزاء (اللهم بارك لنا في صاعنا ومدّنا). دعاء بالبركة في أقواتهم.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في أحاديث الأنبياء ومسلم في المناسك والترمذي في المناقب.
٢٨٩٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَرِيَّاءَ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَكْثَرُنَا ظِلاًّ الَّذِي يَسْتَظِلُّ بِكِسَائِهِ، وَأَمَّا
стр. 3511
الَّذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ. وَامْتَهَنُوا وَعَالَجُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ".
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن داود أبو الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة العتكي الزهراني البصري (عن إسماعيل بن زكريا) الخلقاني بضم المعجمة وسكون اللام بعدها قاف أبي زياد الكوفي الملقب بشقوصا بفتح الشين المعجمة وضم القاف الخفيفة وبالصاد المهملة قال: (حدّثنا عاصم) هو ابن سليمان الأحول (عن مورق) بضم الميم وفتح الواو وكسر الراء المشددة آخره قاف ابن مشمرج بضم الميم وفتح الشين المعجمة وسكون الميم وكسر الراء بعدها جيم ابن عبد الله (العجلي) بكسر العين المهملة وسكون الجيم البصري (عن أنس ﵁) أنه (قال: كنا مع النبي ﷺ ¬) زاد مسلم من وجه آخر عن عاصم في سفر فمنا الصائم ومنا المفطر قال: فنزلنا منزلاً في يوم حار (أكثرنا ظلاًّ من) وفي الفرع وأصله الذي (يستظل) من الشمس (بكسائه)، وزاد مسلم ومنا من يتقي الشمس بيده (وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئًا) لعجزهم (وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب). بكسر الراء الإبل التي يسار عليها واحدها راحلة ولا واحد لها من لفظها أي أثاروها إلى الماء للسقي وغيره (وامتهنوا) بفتح الفوقية والهاء (وعالجوا) أي خدموا الصائمين وتناولوا السقي والعلف وفي رواية مسلم فضربوا الأبنية أي البيوت التي يسكنها العرب في الصحراء كالخباء والقبة وسقوا الركاب (فقال النبي) وفي نسخة فقال رسول الله (¬ ﷺ ¬):
(ذهب المفطرون اليوم بالأجر) الوافر وهو أجر ما فعلوه من خدمة الصائمين بضرب الأبنية والسقي وغير ذلك لما حصل منهم من النفع المتعدى ومثل أجر الصوام لتعاطيهم أشغالهم وأشغال الصوام، وأما الصائمون فحصل لهم أجر صومهم القاصر عليهم ولم يحصل لهم من الأجر ما حصل للمفطرين من ذلك. ولم تظهر لي المطابقة بين الترجمة والحديث. نعم يحتمل أن تكون مما زاده مسلم حيث قال في سفر الشامل لسفر الغزو وغيره مع قوله فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا المفسر بالخدمة.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصوم وكذا النسائي.
٧٢ - باب فَضْلِ مَنْ حَمَلَ مَتَاعَ صَاحِبِهِ فِي السَّفَرِ
٢٨٩١ - حَدَّثَنا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ سُلَامَى عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ: يُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ يُحَامِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ؛ وَدَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ».
стр. 3512
(باب فضل من حمل متاع صاحبه في السفر).
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إسحاق بن نصر) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الصنعاني اليماني (عن معمر) هو ابن راشد (عن همام) هو ابن منبّه (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(كل سلامى) بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم عظام الأصابع (عليه صدقة كل يوم) بنصب كل على الظرفية (يعين الرجل) مبتدأ على تأويل المصدر نحو تسمع بالمعيدي أي وإعانتك الرجل (في دابته يحامله) بالحاء المهملة يساعده في الركوب (عليها) أي الدابة ولأبي ذر عليه أي الركوب (أو يرفع عليها متاعه) وخبر المبتدأ قوله (صدقة، والكلمة الطيبة، وكل خطوة) بفتح الخاء المعجمة المرة الواحدة ولأبي ذر خطوة بضمها ما بين القدمين (يمشيها إلى الصلاة صدقة، ودل الطريق) بفتح الدال المهملة وتشديد اللام أي الدلالة عليه للمحتاج إليه (صدقة).
ومطابقته للترجمة في قوله يعين الرجل في دابته وسبق بعض الحديث في الصلح.
٧٣ - باب فَضْلِ رِبَاطِ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَوْلِ اللَّهِ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠]
(باب فضل رباط يوم في سبيل الله) بكسر راء رباط وتخفيف الموحدة مصدر رابط ووجه المفاعلة في هذا أن كلاًّ من الكفار والمسلمين ربطوا أنفسهم على حماية طرف بلادهم من عدوّهم والرباط مراقبة العدوّ في الثغور المتاخمة لبلادهم بحراسة من بها من المسلمين وهو في الأصل الإقامة على الجهاد، وقيل الرباط مصدر رابط بمعنى لازم وقيل هو اسم لما يربط من الشيء أي يشد فكأنه يربط نفسه عما يشغله عن ذلك أو أنه يربط فرسه التي يقاتل عليها، وقول ابن حبيب من المالكية ليس من سكن الرباط بأهله وماله وولده مرابطًا بل من يخرج عن أهله وماله وولده قاصدًا للرباط، تعقبه في الفتح فقال في إطلاقه نظر فقد يكون وطنه وينوي بالإقامة فيه دفع العدوّ ومن ثم اختار كثير من السلف سكنى الثغور.
(وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على رباط المجرور ولأبي ذر: بدل قوله تعالى: (﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا﴾) أي على مشاق الطاعات وما يصيبكم من الشدائد (﴿وصابروا﴾) وغالبوا أعداء الله في الصبر على شدائد الحرب (﴿ورابطوا﴾) أبدانكم وخيولكم في الثغور مترصدين للغزو وأنفسكم على الطاعة، وفي الموطأ حديث أبي هريرة مرفوعًا: "وانتظار الصلاة فذلكم الرباط". وروى ابن مردويه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: أقبل عليّ أبو هريرة يومًا فقال: أتدري يا ابن أخي فيم
стр. 3513
أنزلت هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا﴾ قلت: لا، قال: أما أنه لم يكن في زمان النبي ﷺ غزو يرابطون فيه ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد يصلون الصلاة في مواقيتها ثم يذكرون الله فيها ففيهم أنزلت. اصبروا على الصلوات الخمس وصابروا أنفسكم وهواكم ورابطوا في مساجدكم الحديث. وكذا رواه الحاكم بنحوه في مستدركه، لكن حمل الآية على الأول أظهر كما قاله في الفتح، وعلى تقديم تسليم أنه لم يكن في عهده ﷺ رباط فلا يمنع ذلك من الأمر به والترغيب فيه اهـ.
وعن محمد بن كعب: اصبروا على دينكم وصابروا لوعدي الذي وعدتكم به ورابطوا عدوّي وعدوّكم حتى يترك دينه لدينكم (﴿واتقوا الله﴾) في جميع أموركم وأحوالكم (﴿لعلكم تفلحون﴾) [آل عمران: ٢٠٠] غدًا إذا لقيتموه تعالى وفي رواية غير أبي ذر بعد قوله تعالى: ﴿اصبروا﴾ إلى آخر الآية فحذف ما بينهما.
٢٨٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا. وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن منير) بضم الميم وكسر النون المروزي أنه (سمع أبا النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة هاشم بن القاسم التميمي أو الليثي الكناني البغدادي قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار) مولى ابن عمر (عن أبي حازم) سلمة بن دينار الأعرج المدني (عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(رباط يوم) أي ثواب رباط يوم (في سبيل الله خير من) النعيم الكائن في (الدنيا وما عليها) كله لو ملكه إنسان وتنعم به لأنه نعيم زائل بخلاف نعيم الآخرة فإنه باقٍ وعبر بعليها دون فيها لما فيه من الاستعلاء وهو أعم من الظرفية وأقوى، وفيه دليل على أن الرباط يصدق بيوم واحد وكثيرًا ما يضاف السبيل إلى الله والمراد به كل عمل خالص يتقرب به إلى الله تعالى كأداء الفرائض والنوافل لكنه غلب إطلاقه على الجهاد حتى صار حقيقة شرعية فيه في مواضع (وموضع سوط أحدكم من الجنة خبر من الدنيا وما عليها)، عبر بالسوط دون سائر ما يقاتل به لأنه الذي يسوق به الفرس للزحف فهو أقل آلات الجهاد ومع كونه تافهًا في الدنيا فمحله في الجنة أو ثواب العمل به (والروحة) بفتح الراء المرة الواحدة من الرواح وهو السير فيما بين الزوال إلى الليل (يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة) بفتح الغين المعجمة المرة من الغدو وهو السير من أوّل النهار إلى الزوال (خير من الدنيا وما عليها). واو هنا للتقسيم لا للشك وهذا شامل لقليل السير وكثيره في الطريق إلى الغزو أو في موضع القتال.
стр. 3514
وهذا الحديث أخرجه الترمذي.
٧٤ - باب مَنْ غَزَا بِصَبِيٍّ لِلْخِدْمَةِ
(باب من غزا بصبي للخدمة) بطريق التبعية لا أنه مخاطب بالغزو.
٢٨٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لأَبِي طَلْحَةَ: الْتَمِسْ غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ مُرْدِفِي وَأَنَا غُلَامٌ رَاهَقْتُ الْحُلُمَ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ. ثُمَّ قَدِمْنَا خَيْبَرَ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَىِّ بْنِ أَخْطَبَ -وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا، وَكَانَتْ عَرُوسًا- فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ، فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الصَّهْبَاءِ حَلَّتْ، فَبَنَى بِهَا، ثُمَّ صَنَعَ حَيصًا فِي نِطَعٍ صَغِيرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : آذِنْ مَنْ حَوْلَكَ. فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى صَفِيَّةَ. ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ، ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ، فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ نَظَرَ إِلَى أُحُدٍ فَقَالَ: هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ. ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا بِمِثْلِ مَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ. اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد بن جميل بفتح الجيم الثقفي البغلاني قال: (حدّثنا يعقوب) بن عبد الرحمن بن محمد القاري بتشديد الياء من القارة المدني الأصل ثم السكندري (عن عمرو) هو ابن أبي عمرو ومولى المطلب (عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال لأبي طلحة): زيد بن سهل الأنصاري زوج أم أنس.
(التمس) أي عيّن لي (غلامًا من غلمانكم يخدمني) بالرفع في الفرع أي هو يخدمني وفي نسخة يخدمني بالجزم جواب الأمر (حتى أخرج إلى) غزوة (خيبر) وكانت سنة سبع بتقديم السين على الموحدة.
واستشكل من حيث أن ظاهره أن أول خدمته كان حينئذٍ فيكون إنما خدمه أربع سنين وقد صح عنه أنه قال: خدمت النبي ﷺ تسع سنين وفي رواية عشر سنين. وأجيب: بأن يحمل قوله لأبي طلحة: التمس لي غلامًا من غلمانكم على أن يعين له من يخرج معه في تلك السفرة فينحط الالتماس على الاستئذان في المسافرة به لا في أصل الخدمة لأنها كانت متقدمة.
стр. 3515
(فخرج بي أبو طلحة مردفي) أي أردفني خلفه على الدابة (وأنا غلام راهقت الحلم) أي قاربت البلوغ والواو للحال (فكنت أخدم رسول الله ﷺ إذا نزل فكنت أسمعه كثيرًا يقول): (اللهم إني أعوذ بك من الهم) على ما يتوقع ولم يكن (والحزن) على ما وقع وهو بفتح الحاء والزاي أو الهم هو الغم والحزن تقول أهمّني هذا الأمر وأحزنني (والعجز) وهو ضد القدرة (والكسل)، وهو التثاقل عن الشيء مع وجود القدرة عليه (والبخل والجبن) بضم الجيم وسكون الموحدة ضد الشجاعة (وضلع الدين). بفتح الضاد المعجمة واللام ثقله (وغلبة الرجال). الهرج والمرج أو توحد الرجل في أمره وتغلب الرجال عليه.
(ثم قدمنا خيبر فلما فتح الله عليه الحصن) المسمى بالقموص (ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب) بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وفتح الطاء المهملة آخره موحدة وحيي بضم الحاء. المهملة وفتح التحتية الأولى وتشديد الثانية (وقد قتل زوجها) كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق (وكانت عروسًا) قال الخليل رجل عروس في رجال عرس وامرأة عروس في نساء عرائس قال: والعروس نعت يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في تعريسهما أيامًا (فاصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه) لأنها بنت ملك من ملوكهم (فخرج بها) من خيبر (حتى بلغنا) ولأبي ذر عن الكشميهني حتى إذا بلغنا (سد الصهباء) بفتح السين وتضم وتشديد الدال المهملتين والصهباء بفتح الصاد المهملة وسكون الهاء بعدها موحدة ممدودًا اسم موضع (حلّت) أي طهرت من الحيض (فبنى بها)، ﵊ (ثم صنع حيسًا) بحاء مهملة مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فسين مهملة طعامًا من تمر وأقط وسمن (في نطع صغير) بكسر النون وفتحها وفتح الطاء وسكونها أربع لغات (ثم قال رسول الله ﷺ ¬): أي لأنس (آذن) بمدّ الهمزة وكسر المعجمة أعلم (من حولك) من المسلمين فدعوتهم إلى وليمته (فكانت تلك وليمة رسول الله ﷺ على صفية) فما كان فيها خبز ولا لحم (ثم خرجنا إلى المدينة قال: فرأيت رسول الله ﷺ يحوي) بضم أوله وفتح الحاء المهملة وتشديد الواو (لها) أي لأجلها (وراءه بعباءة) أي يجعلها لها حوية تدار حول سنام بعير (ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب فسرنا حتى إذا أشرفنا على المدينة نظر إلى) جبل (أُحُد فقال): (هذا جبل يحبنا) حقيقة أو مجازًا على حذف مضاف أي أهل أُحُد (ونحبه ثم نظر إلى المدينة فقال): (اللهم إني أحرم ما بين لابتيها) أي حرّيتها (بمثل ما حرّم إبراهيم مكة). إلا في وجوب الجزاء (اللهم بارك لهم في مدّهم وصاعهم) يريد أن يبارك الله لهم في الطعام الذي يُكال بالصيعان والأمداد.
٧٥ - باب رُكُوبِ الْبَحْرِ
أي للجهاد وغيره للرجال والنساء، وكره مالك ركوبه للنساء في الحج خوفًا من عدم التستر من الرجال ومنع عمر ﵁ ركوبه مطلقًا فلم يركبه أحد طول حياته ولا يحتج بذلك لأن
стр. 3516
السُّنَّة أباحته للرجال والنساء في الجهاد كما في حديث الباب وغيره ولو كان يكره لنهى عنه ﵊ الذين قالوا له: إنّا لنركب البحر الحديث. لكن في حديث زهير بن عبد الله مرفوعًا من ركب البحر عند ارتجاجه فقد برئت منه الذمة ومفهومه الجواز عند عدم الارتجاج وهو المشهور، وقد قال مطر الورّاق ما ذكره الله إلا بحق قال تعالى: ﴿هو الذي يسيركم في البر والبحر﴾ فإن غلب الهلاك في ركوبه حرم وإن استويا ففي التحريم وجهان صحح النووي في الروضة التحريم.
٢٨٩٤ و ٢٨٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "حَدَّثَتْنِي أُمُّ حَرَامٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمًا فِي بَيْتِهَا، فَاسْتَيْقَظَ وَهْوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ: عَجِبْتُ مِنْ قَوْمٍ مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ الْبَحْرَ كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: أَنْتِ مِنْهُمْ. ثُمَّ نَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَهْوَ يَضْحَكُ. فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَيَقُولُ: أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ. فَتَزَوَّجَ بِهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فَخَرَجَ بِهَا إِلَى الْغَزْوِ، فَلَمَّا رَجَعَتْ قُرِّبَتْ دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا، فَوَقَعَتْ فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا".
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل عارم البصري السدوسي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم (عن يحيى) بن سعيد الأنصاري (عن محمد بن يحيى بن حبان) بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة ابن منقذ الأنصاري المدني (عن أنس بن مالك ﵁) أنه (قال: حدّثني أم حرام) بنت ملحان خالة أنس (أن النبي ﷺ قال) أي نام في الظهيرة (يومًا في بيتها فاستيقظ وهو يضحك) من الفرح (قالت) ولأبي ذر: قلت بدل قالت (يا رسول الله ما يضحكك؟ قال):
(عجبت من قوم من أمتي) وسقط للمستملي قوله من قوم (يركبون البحر كالملوك على الأسرّة)، في الدنيا لسعة حالهم واستقامة أمرهم أو في الجنة (فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال): (أنت منهم) ولأبي ذر عن الكشميهني: منهم (ثم نام فاستيقظ وهو يضحك. فقال مثل ذلك) القول الأول (مرتين أو ثلاثًا. قلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فيقول): مجيبًا لها (أنت من الأولين) الذين يركبون البحر (فتزوج بها عبادة بن الصامت) أي بعد ذلك وظاهر قوله في رواية إسحاق في أوّل الجهاد وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله ﷺ إنها كانت زوجته قبل وهو محمول على أن قوله وكانت تحت عبادة جملة معترضة قصد بها وصفها بذلك غير مقيد بحال كما سبق في باب: غزو المرأة. (فخرج بها إلى الغزو)، زاد في أوّل الجهاد عن إسحاق فركبت البحر في زمان معاوية بن أبي سفيان أي لما غزا قبرس في البحر سنة ثمان وعشرين (فلما رجعت قرّبت دابة لتركبها، فوقعت فاندقت عنقها). أي فماتت.
وهذا الحديث قد سبق مرات.
стр. 3517
٧٦ - باب مَنِ اسْتَعَانَ بِالضُّعَفَاءِ وَالصَّالِحِينَ فِي الْحَرْبِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ قَالَ: "قَالَ لِي قَيْصَرُ: سَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَزَعَمْتَ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ".
(باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب) أي ببركتهم ودعائهم (وقال ابن عباس) فيما سبق موصولاً أوّل البخاري في باب: بدء الوحي (أخبرني) بالإفراد (أبو سفيان) صخر بن حرب أنه (قال: قال لي قيصر): هو لقب هرقل (سألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم)؟ بمدّ همزة أشراف (فزعمت ضعفاؤهم)، بالنصب، وفي بدء الوحي فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه (وهم أتباع الرسل). أي في الغالب.
٢٨٩٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: "رَأَى سَعْدٌ ﵁ أَنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ تُنْصَرُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُمْ".
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الأسدي الواشحي قال: (حدثنا محمد بن طلحة عن) أبيه (طلحة) بن مصرف اليامي (عن مصعب بن سعد) بسكون العين أنه (قال: رأى) أي ظن (سعد ﵁) هو ابن أبي وقاص ووالد مصعب ومصعب لم يدرك زمان هذا القول وحينئذ فيكون مرسلاً لكنه محمول على أنه سمعه من أبيه، ويؤيده أن في رواية الإسماعيلي عن مصعب عن أبيه أنه رأى (أن له فضلاً) من جهة الشجاعة والغنى (على من دونه)، زاد النسائي من أصحاب رسول الله ﷺ (فقال النبي ﷺ ¬):
(هل تنصرون وترزقون إلاّ بضعفائكم) زاد النسائي بصومهم وصلاتهم ودعائهم ووجه بأن عبادة الضعفاء أشدّ إخلاصًا لخلوّ قلوبهم من التعلق بالدنيا وصفاء ضمائرهم مما يقطعهم عن الله فجعلوا همهم واحدًا فزكت أعمالهم وأجيب دعاؤهم.
٢٨٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَأْتِي زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ ؟ فَيُقَالُ نَعَمْ، فَيُفْتَحُ عَلَيْهِ. ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَيُقَالُ نَعَمْ، فَيُفْتَحُ. ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ صَاحِبَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَيُقَالُ نَعَمْ، فَيُفْتَحُ».
[الحديث ٢٨٩٧ - طرفاه في: ٣٥٩٤، ٣٦٤٩].
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار أنه (سمع جابرًا) هو ابن عبد الله الأنصاري الصحابي (عن أبي سعيد) سعد بن مالك
стр. 3518
الأنصاري (الخدري ﵃) وسقط لفظ الخدري لأبي ذر (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال)) (يأتي زمان يغزو فئام) بكسر الفاء وفتح الهمزة وبعد الألف ميم أي جماعة (من الناس) والفئام لا واحد له من لفظه والجار والمجرور في موضع رفع صلة لفئام كما أن الجملة قبله صفة لزمان والعائد محذوف أي فيه وللحموي والكشميهني يغزو فيه فئام من الناس (فيقال: فيكم) بحذف همزة الاستفهام (من صحب النبي ﷺ ؟ فيقال: نعم. فيفتح عليه ثم يأتي زمان فيقال: فيكم من صحب أصحاب النبي ﷺ ؟ فيقال: نعم، فيفتح) أي عليه (ثم يأتي زمان فيقال: فيكم من صحب صاحب أصحاب النبي ﷺ ؟ فيقال: نعم، فيفتح) أي عليه وحذفت منهما لدلالة الأولى والمراد من الثلاثة الصحابة والتابعون وأتباع التابعين.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في علامات النبوة وفضائل الصحابة ومسلم في الفضائل.
٧٧ - باب لَا يَقُولُ فُلَانٌ شَهِيدٌ
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ».
هذا (باب) بالتنوين (لا يقول فلان شهيد) على سبيل القطع بذلك إلا إن ورد به الوحي.
(وقال أبو هريرة) فيما وصله في باب أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله (عن النبي ﷺ ¬) أنه قال: (الله أعلم بمن يجاهد في سبيله) ولأبي ذر: (والله أعلم بمن يكلم) بضم أوّله وفتح ثالثه أي يجرح (في سبيله) فلا يعلم ذلك إلا من أعلمه الله.
٢٨٩٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلاَّ اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ، فَقَالُوا: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ، قَالَ فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ. فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ، ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ
стр. 3519
لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ".
[الحديث ٢٨٩٨ - أطرافه في: ٤٢٠٢، ٤٢٠٧، ٦٤٩٣، ٦٦٠٧].
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن) بن محمد القاريّ بتشديد الياء الإسكندراني (عن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار الأعرج (عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ التقى هو والمشركون) في حديث أبي هريرة الآتي إن شاء الله تعالى في باب: إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر التصريح بوقوع ذلك في خيبر لكن في اتحاد القصتين نظر لما وقع بينهما من الاختلاف في بعض الألفاظ، وقد جزم ابن الجوزي بأن قصة سهل هذه وقعت باُحُد، ويؤيده أن في حديث الباب عند أبي يعلى الموصلي أنه قيل لرسول الله ﷺ يوم أُحُد ما رأينا مثل ما أبلى فلان. الحديث. وفي ذلك شيء يأتي إن شاء الله تعالى في المغازي (فاقتتلوا فلما مال رسول الله ﷺ إلى عسكره) أي رجع بعد فراغ القتال في ذلك اليوم (ومال الآخرون إلى عسكرهم وفي أصحاب رسول الله ﷺ رجل) هو قزمان بضم القاف وسكون الزاي بعدها ميم فألف فنون (لا يدع لهم) أي للمشركين (شاذة) بشين معجمة وبعد الألف ذال معجمة مشدّدة (ولا فاذة) بالفاء والذال المعجمة أيضًا والأولى التي تكون مع الجماعة ثم تفارقهم والأخرى التي لم تكن قد اختلطت بهم أصلاً أي أنه لا يرى شيئًا إلا أتى عليه فقتله. والتأنيث إما أن يكون للمبالغة كعلاّمة ونسّابة أو نعت لمحذوف أي لا يترك لهم نسمة شاذة (إلاّ اتبعها يضربها بسيفه فقال) أي قائل، وعند الكشميهني في المغازي فقلت فإن كانت محفوظة فهو سهل الساعدي (ما أجزأ) بجيم وزاي فهمزة أي ما أغنى (منا اليوم أحد كما أجزأ فلان) أي قزمان (فقال رسول الله ﷺ ¬) بوحي من الله:
(أما) بتخفيف الميم استفتاحية فتكسر الهمزة من قوله (إنه من أهل النار) لنفاقه في الباطن (فقال رجل من القوم): هو أكثم بن أبي الجون الخزاعي (أنا صاحبه)، أي أصحبه وألازمه لأنظر السبب الذي يصير به من أهل النار فإن فعله في الظاهر جميل وقد أخبره- ﷺ أنه من أهل النار فلا بدّ له من سبب عجيب (قال: فخرج معه كلما وقف وقف معه وإذا أسرع أسرع معه قال: فجرح الرجل جرحًا شديدًا فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه) أي طرفه الذي يضرب به (بين ثدييه) بفتح المثلثة تثنية ثدي (ثم تحامل) أي مال (على سيفه فقتل نفسه فخرج الرجل) أكثم (إلى رسول الله ﷺ فقال: أشهد أنك رسول الله قال): ﵊ (وما ذاك)؟ (قال الرجل: الذي ذكرت آنفًا) بمد الهمزة وكسر النون أي الآن (أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك فقلت أنا لكم به فخرجت في طلبه ثم جرح جرحًا) بضم الجيم (شديدًا، فاستعجل الموت فوضع سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه).
واستشكل القطع بكونه من أهل النار بمجرد عصيانه بقتل نفسه والمؤمن لا يكفر بالمعصية. وأجيب: باحتمال أنه ﷺ علم بالوحي أنه ليس مؤمنًا أو أنه سيرتد ويستحل قتل نفسه، وفي
стр. 3520
حديث أكثم بن أبي الجون عند الطبراني فقلنا: يا رسول الله فلان يجزي في القتال؟ قال: "هو في النار". قلنا: يا رسول الله إذا كان فلان في عبادته واجتهاده ولين جانبه في النار فأين نحن؟ قال: "ذاك إخبات النفاق".
(فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو) أي يظهر (للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو) أي يظهر (للناس وهو من أهل الجنة). قال النووي: فيه التحذير من الاغترار بالأعمال وإنه ينبغي للعبد أن لا يتكل عليها ولا يركن إليها مخافة من انقلاب الحال للقدر السابق، وكذا ينبغي للعاصي أن لا يقنط ولغيره أن لا يقنطه من رحمة الله تعالى.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث أنهم شهدوا برجحانه في أمر الجهاد فلو كان قتل لم يمتنع أن يشهدوا له بالشهادة فلما ظهر أنه لم يقاتل الله وإنما قاتل غضبًا علم أنه لا يطلق على كل مقتول في الجهاد أنه شهيد لاحتمال أن يكون مثل هذا. نعم أطلقها السلف والخلف بناء على الظاهر، أما من استشهد معه ﷺ كشهداء أُحُد وبدر ونحوهم فلا خفاء به ظاهر أو الظاهر أن من بعدهم كذلك، وقد أجع الفقهاء على أن شهيد المعركة لا يغسل وللفقيه إذا سئل عن مؤمن قتل كذلك أن يقول هو شهيد، والذي منعه ﷺ أن يطلقه الإنسان جزمًا على الغيب وهذا ممنوع حتى في زمانه ﵊ إلاّ بوحي خاص. قاله ابن المنير.
وهذا الحديث أيضًا في المغازي ومسلم في الإيمان والقدر.
٧٨ - باب التَّحْرِيضِ عَلَى الرَّمْيِ،
وَقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]
(باب التحريض على الرمي) بالسهام. (وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على التحريض، ولأبي ذر بدل قوله تعالى: (﴿وأعدّوا﴾) أيها المؤمنون (﴿لهم﴾) لناقضي العهد أو الكفار (﴿ما استطعتم من قوّة﴾) من كل ما يتقوى به في الحرب، وفي حديث مسلم عن عقبة بن عامر مرفوعًا ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ "ألا أن القوة الرمي" قالها ثلاثًا. وخصّه ﵊ بالذكر لأنه أقواه. قاله البيضاوي كالزمخشري، وتعقبه الطيبي بأن تفسير النبي ﷺ القوة بالرمي يخالف ما ذكره ولأن ما في قوله تعالى: ﴿ما استطعتم﴾ موصوله والعائد محذوف ومن قوة بيان له فالمراد بها نفس القوة وفي هذا البيان والمبين إشارة إلى أن هذه العادة لا تستثبت بدون المعالجة والإدمان الطويل وليس شيء من عدة الحرب وأداتها أحوج إلى المعالجة والإدمان عليها مثل القوس والرمي بها ولذلك كرر ﵊ تفسير القوة بالرمي (﴿ومن رباط الخيل﴾) أي التي تربط في سبيل الله تعالى فعال
стр. 3521
بمعنى مفعول وعطفها على القوة من عطف الخاص على العام كعطف جبريل وميكائيل على الملائكة (﴿ترهبون به﴾) تخوّفون به (﴿عدوّ الله وعدوّكم﴾) [الأنفال: ٦٠]. يعني كفار مكة.
٢٨٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: "مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، ارْمُوا وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ. قَالَ: فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ؟ قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ".
[الحديث ٢٨٩٩ - طرفاه في: ٣٣٧٣، ٣٥٠٧].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي قال: (حدّثنا حاتم بن إسماعيل) بالحاء المهملة بعدها ألف ففوقية الكوفي (عن يزيد بن أبي عبيد) بضم العين مصغرًا من غير إضافة مولى سلمة بن الأكوع أنه (قال: سمعت سلمة بن الأكوع) اسم الأكوع سنان بن عبد الله الأسلمي (﵁ قال: مرّ النبي ﷺ على نفر) عدة من رجال من ثلاثة إلى عشرة (من أسلم) القبيلة المشهورة وهي بلفظ أفعل التفضيل من السلامة حال كونهم (ينتضلون) بالضاد المعجمة أي يترامون والنضال الرمي مع الأصحاب. قال الجوهري: يقال ناضلت فلانًا فنضلته إذا غلبته وانتضل القوم تناضلوا أي رموا للسبق (فقال النبي ﷺ ¬):
(ارموا بني إسماعيل) أي يا بني إسماعيل بن إبراهيم الخليل وهو أبو العرب، ففيه كما قال الخطابي أن أهل اليمن من ولده أو أراد بنوّة القوة لأنهم رموا مثل رميه، ورجح على الأول لما سيأتي إن شاء الله تعالى في مناقب قريش (فإن أباكم) إسماعيل ﵊ (كان راميًا ارموا وأنا مع بني فلان) وفي حديث أبي هريرة عند ابن حبان في صحيحه "ارموا وأنا مع ابن الأدرع" واسمه محجن كما عند الطبراني وقيل اسمه كما عند ابن مندة قال والأدرع لقب واسمه ذكوان (قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم) من الرمي والباء في بأيديهم زائدة في المفعول (فقال رسول الله ﷺ ¬): (ما لكم لا ترمون) (قالوا: كيف نرمي وأنت معهم)؟ ذكر ابن إسحاق في المغازي عن سفيان ابن قرة الأسلمي عن أشياخ من قومه من الصحابة قال: بينا محجن بن الأدرع يناضل رجلاً من أسلم يقال له: نضلة، الحديث. وفيه فقال نضلة وألقى قوسه من يده والله لا أرمي معه وأنت معه وفيه فقال نضلة: لا يغلب من كنت معه (قال) ولأبي ذر: فقال (النبي ﷺ ¬): (ارموا فأنا) بالفاء (معكم كلكم) بجر اللام تأكيدًا للضمير المجرور.
واستشكل كونه ﷺ مع الفريقين وأحدهما مغلوب، وأجاب الكرماني: بأن المراد بالمعية معية القصد إلى الخير وإصلاح النية والتدرب فيه للقتال.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في أحاديث الأنبياء ومناقب قريش.
стр. 3522
٢٩٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ صَفَفْنَا لِقُرَيْشٍ وَصَفُّوا لَنَا: «إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِالنَّبْلِ».
[الحديث ٢٩٠٠ - طرفاه في: ٣٩٨٤، ٣٩٨٥].
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن الغسيل) هو عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة الأنصاري المدني (عن حمزة ابن أبي أسيد) بضم الهمزة وفتح السين المهملة وسكون التحتية ولأبي ذر في نسخة: أسيد بفتح الهمزة وكسر المهملة وقد حكى البغوي الخلاف في فتح الهمزة، وقال الداودي عن ابن معين الضم أصوب الأنصاري الساعدي (عن أبيه) أبي أسيد مالك بن ربيعة بن البدن بفتح الموحدة والمهملة بعدها نون شهد بدرًا وأُحدًا وما بعدها وهو آخر البدريين موتًا ﵁ أنه (قال: قال النبي ﷺ يوم بدر حين صففنا لقريش وصفّوا لنا):
(إذا أكثبوكم) بهمزة مفتوحة فكاف ساكنة فمثلثة مفتوحة فموحدة مضمومة أي إذا دنوا منكم وقاربوكم قربًا نسيبًا بحيث تنالهم السهام لا قربًا تلتحمون معهم به (فعليكم) أن ترموهم (بالنبل) بفتح النون وسكون الموحدة جمع نبلة وهي السهام العربية اللطاف والهمزة في أكثبوكم لتعدية كثب ولذلك عدّاها إلى ضميرهم، وفي رواية أبي ذر: أكتبوكم بالمثناة الفوقية بدل المثلثة والكتيبة بالمثناة القطعة العظيمة من الجيش والجمع الكتائب ولعل الداودي شرح على هذه الرواية فقال المعنى كاثروكم فليتأمل.
وإنما أمرهم بالرمي عند القرب لأنهم إذا رموهم على بُعد قد لا يصل إليهم ويذهب في غير منفعة وإلى ذلك الإشارة بقوله في رواية أبي داود: استبقوا نبلكم وليس المراد الدنوّ الذي لا يليق به إلا المطاعنة بالرماح والمضاربة بالسيوف كما لا يخفى.
٧٩ - باب اللَّهْوِ بِالْحِرَابِ وَنَحْوِهَا
(باب اللهو بالحراب ونحوها) من آلات الحرب كالسيف والقوس.
٢٩٠١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "بَيْنَا الْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِحِرَابِهِمْ، دَخَلَ عُمَرُ فَأَهْوَى إِلَى الْحَصَى فَحَصَبَهُمْ بِهَا، فَقَالَ: دَعْهُمْ يَا عُمَرُ". وَزَادَ عَلِيٌّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ فِي الْمَسْجِدِ".
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) الرازي الفرّاء الصغير (قال: حدّثنا هشام) هو ابن يوسف أبو عبد الرحمن الصنعاني (عن معمر) بسكون العين ابن راشد (عن الزهري) محمد بن سليم بن
стр. 3523
شهاب (عن ابن المسيب) سعيد (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: بينا) بغير ميم (الحبشة يلعبون عند النبي ﷺ ¬) قال الحافظ ابن حجر وتبعه العيني: ولم يقع في هذه الرواية ذكر الحراب فكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه كما تقدم بيانه في باب أصحاب الحراب في المسجد من كتاب الصلاة. انتهى.
ومراده حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: رأيت النبي ﷺ والحبشة يلعبون بحرابهم وهذا عجيب، فقد ثبت ذكر ذلك في حديث هذا الباب في غير ما نسخة من فروع اليونينية بل ورأيته فيها من رواية أبي ذر بلفظ: يلعبون عند النبي ﷺ بحرابهم (دخل عمر) بن الخطاب ﵁ (فأهوى) أي قصد (إلى الحصباء فحصبهم بها)، أي رماهم بالحصباء لعدم علمه بالحكمة وظنه أنه من اللهو الباطل (فقال) ﷺ :
(دعهم يا عمر) أي اتركهم يلعبون للتدريب على مواقع الحروب والاستعداد للعدوّ.
(وزاد) بالواو ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني زاد بإسقاطها وللكشميهني زادنا بضمير المفعول (عليّ) هو ابن المديني فقال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد قوله (في المسجد) يعني أن لعبهم وقع في المسجد وإنما جاز ذلك فيه لأنه من منافع الدين.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في العيد.
٨٠ - باب الْمِجَنِّ وَمَنْ يَتَتَرَّسُ بِتُرْسِ صَاحِبِهِ
(باب) ذكر (المجن) بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون الدرقة وفي النهاية هو الترس لأنه يستر حامله والميم زائدة (ومن يتترس) بتحتية ففوقيتين فراء مشددة فمهملة أي يستر ولأبي ذر: يترس بفوقية واحدة مشددة وكسر الراء (بترس صاحبه) عند القتال.
٢٩٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ "كَانَ أَبُو طَلْحَةَ يَتَتَرَّسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِتُرْسٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ حَسَنَ الرَّمْيِ، فَكَانَ إِذَا رَمَى يُشرِفَ النَّبِيُّ ﷺ فَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ نَبْلِهِ".
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن محمد) أبو الحسن الخزاعي المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري (عن أنس بن مالك ﵁) أنه (قال: كان أبو طلحة) ﵁ (يتترس مع النبي ﷺ بترس واحد)، لأنه يرمي بالسهام والرامي يرمي بيديه جميعًا فلا يمكنه غالبًا أن يمسك الترس فيستره النبي ﷺ خوف أن يرميه العدو، (وكان أبو طلحة حسن الرمي)
стр. 3524
بالنبل وزاد في غزوة أُحُد من المغازي كسر يومئذ قوسين أو ثلاثًا أي من شدّة الرمي (فكان) وفي نسخة وكان بالواو (إذا رمى تشرّف) بفتح الفوقية والشين المعجمة والراء المشددة والفاء أي تطلع عليه (النبي ﷺ ¬) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي يشرف بضم التحتية وكسر الراء من الإشراف (فينظر) بلفظ المضارع في أوله فاء ولأبي ذر عن الكشميهني: نظر (إلى موضع نبله). أين يقع.
وهذا الحديث أورده المؤلّف هنا مختصرًا من هذا الوجه، ويأتي إن شاء الله تعالى قريبًا بأتم من هذا السياق في المغازي.
٢٩٠٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ قَالَ: "لَمَّا كُسِرَتْ بَيْضَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى رَأْسِهِ وَأُدْمِيَ وَجْهُهُ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَخْتَلِفُ بِالْمَاءِ فِي الْمِجَنِّ، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَغْسِلُهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الدَّمَ يَزِيدُ عَلَى الْمَاءِ كَثْرَةً عَمَدَتْ إِلَى حَصِيرٍ، فَأَحْرَقَتْهَا وَأَلْصَقَتْهَا عَلَى جُرْحِهِ، فَرَقَأَ الدَّمُ".
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) هو سعيد بن كثير بن عفير بالمهملة والفاء مصغرًا الأنصاري مولاهم البصريّ قال: (حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن) بن محمد بن عبد الله القاريّ بتشديد التحتية (عن أبي حازم) سلمة بن دينار الأعرج (عن سهل) هو ابن سعد الساعدي ﵁ أنه (قال: لما كسرت ببضة النبي ﷺ ¬) بفتح الموحدة والضاد المعجمة بينهما تحتية ساكنة خوذته (على رأسه) يوم أُحُد (وأدمي وجهه وكسرت رباعيته) بفتح الراء والموحدة المخففة السن التي بين الثنية والناب، وكان الذي كسر رباعيته عتبة بن أبي وقاص ومن ثم لو يولد من نسله ولد فيبلغ الحنث إلا وهو أبخر أي مكسور الثنايا من أصلها يعرف ذلك في عقبه، وعند ابن هشام أنها اليمنى السفلى، وزاد جرح شفته السفلى وأن عبد الله بن هشام الزهري شجّه في جبهته، وأن ابن قميئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من المغفر في وجنته.
وعند الطبراني: أن عبد الله بن قميئة رمى النبي ﷺ يوم أُحُد فشجّ وجهه وكسر رباعيته فقال: خذها وأنا ابن قميئة، فقال رسول الله ﷺ : "أقمأك الله" فسلّط الله عليه تيس جبل فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة.
وعند الحاكم في مستدركه من حديث حاطب بن أبي بلتعة أنه ﷺ قال له بأُحُد أن عتبة بن أبي وقاص هشم وجهي ودقّ رباعيتي بحجر رماني به الحديث. وفيه أن حاطبًا ضرب عتبة بالسيف فطرح رأسه، وعند ابن عائذ من طريق الأوزاعي بلغنا أنه ﷺ لما جرح يوم أُحُد أخذ شيئًا فجعل ينشف دمه وقال: لو وقع منه شيء على الأرض لنزل عليهم العذاب من السماء.
(وكان عليّ) ﵁ (يختلف بالماء في المجن) يذهب في الترس بالماء مرة بعد أخرى، (وكانت فاطمة) ابنته ﷺ (تغسله) بفتح أوله وسكون المعجمة من الدم بذلك الماء (فلما رأت الدم
стр. 3525
يزيد على الماء كثرة) بالنصب على التمييز (عمدت) بفتح المهملة والميم (إلى حصير فأحرقتها). وعند الطبراني من طريق زهير بن محمد عن أبي حازم فأحرقت حصيرًا حتى صارت رمادًا (وألصقتها على جرحه) بضم الجيم (فرقأ الدم) بهمزة بعد القاف أي انقطع وفيه امتحان الأنبياء لتعظيم أجرهم ويتأسى بهم من ناله شدة فلا يجد في نفسه غضاضة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المغازي والطب.
٢٩٠٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: "كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ".
[الحديث ٢٩٠٤ - أطرافه في: ٣٠٩٤، ٤٠٣٣، ٤٨٨٥، ٥٣٥٧، ٥٣٥٨، ٦٧٢٨، ٧٣٠٥].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) بن المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن مالك بن أوس بن الحدثان) بالحاء والدال المهملتين والمثلثة المفتوحات وبعد الألف نون النصري بالنون المدني له رؤية (عن عمر) بن الخطاب (﵁) أنه (قال: كانت أموال بني النضير) بفتح النون وكسر الضاد المعجمة الساقطة بطن من اليهود (مما أفاء الله) مما أعاده الله (على رسوله ﷺ ¬) بمعنى صيره له فإنه كان حقيقًا بأن يكون له لأنه تعالى خلق الناس لعبادته وخلق ما خلق لهم ليتوسلوا به إلى طاعته وهو جدير بأن يكون للمطيعين منهم من بني النضير (مما لم يوجف المسلمون عليه) بكسر الجيم ما لم يعملوا في تحصيله (بخيل ولا ركاب) أي ولا إبل، والمعنى أنهم لم يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة، بل حصل ذلك بما نزل عليهم من الرعب الذي ألقى الله في قلوبهم من هيبة رسول الله ﷺ ، (فكانت) أموال بني النضير أي معظمها بسبب ذلك (لرسول الله ﷺ خاصة) فالأمر فيها مفوّض إليه يضعها حيث شاء فلا تقسم قسمة الغنائم التي قوتل عليها (وكان) ﵊ (ينفق) منها (على أهله نفقة سنته ثم يجعل ما بقي) منها (في السلاح) الشامل للمجن وغيره من آلات الحرب وبه تحصل المطابقة بين الحديث والترجمة (والكراع) بضم الكاف الخيل حال كونه (عدّة) بضم العين وتشديد الدال المهملتين استعدادًا (في سبيل الله) .
وهذا الحديث أخرجه مسلم في المغازي وأبو داود في الخراج والترمذي في الجهاد والنسائي في عشرة النساء.
٢٩٠٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ عَلِيٍّ. حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي
стр. 3526
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: "مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُفَدِّي رَجُلاً بَعْدَ سَعْدٍ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي".
[الحديث ٢٩٠٥ - أطرافه في: ٤٠٥٨، ٤٠٥٩، ٦١٨٤].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثني يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان) أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (سعد بن إبراهيم عن عبد الله بن شداد) هو ابن المهاد الليثي المدني (عن عليّ) هو ابن أبي طالب كذا ساقه وهو ساقط في رواية أبي ذر.
وبه قال: (حدّثنا قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة ابن عقبة بن محمد السوائي بضم السين المهملة وتخفيف الواو والمد الكوفي وليس هو تصحيف قتيبة بالمثناة الفوقية بعد القاف المضمومة كما زعم أبو نعيم في مستخرجه قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن سعد بن إبراهيم) أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن شداد) بفتح المعجمة وتشديد الدال المهملة الأولى ابن الهاد المدني (قال: سمعت عليًّا ﵁ يقول: ما رأيت النبي ﷺ يفدّي رجلاً) بضم حرف المضارعة وفتح الفاء وتشديد الدال المهملة مضارع فدّاه إذا قال له: "جعلت فداك" (بعد سعد) هو ابن أبي وقاص واسمه مالك بن وهيب أحد العشرة المبشرة (سمعته يقول): أي يوم أُحُد.
(ارم) أي الكفار بالنبل (فداك أبي وأمي) بكسر الفاء قال ابن الزملكاني الحق أن كلمة التفدية نقلت بالعرف عن وضعها وصارت علامة على الرضا فكأنه قال: أرم مرضيًّا عنك، وزعم المهلب أن هذا مما خصّ به سعد، وعورض بأن في الصحيحين أنه ﵊ فدى الزبير، وجمع له بين أبويه يوم الخندق لكن ظاهر هذا، وقول عليّ ما رأيته يفدّي رجلاً بعد سعد التعارض، وجمع بينهما باحتمال أن يكون عليّ ﵁ لم يطّلع عليه ذلك أو مراده ذلك بقيد يوم أُحُد.
وقول صاحب المصابيح متعقبًا للزركشي في التنقيح حيث قال: قيل وقد صح أنه فدّى الزبير أيضًا فلعلّ عليًّا لم يسمعه إنما يحتاج إلى الاعتذار عنه إذا ثبت أنه فدى الزبير بعد سعد وإلاّ فقد يكون فداه قبله فلا يعارض قوله عليّ هذا انتهى.
عجيب فإنه ثبت في باب مناقب الزبير من البخاري بأنه ﵊ لما قال يوم الأحزاب: من يأتِ بني قريظة فيأتيني بخبرهم انطلق الزبير إليهم، فلما رجع جمع له ﵊ بين أبويه وغزوة الأحزاب المفدّى فيها الزبير كانت سنة أربع أو خمس وأحد المفدى فيها سعد كانت سنة ثلاث اتفاقًا فوقوع ذلك للزبير كان بعد سعد بلا خلاف كما لا يخفى، ولم تظهر المناسبة بين الحديث والترجمة فليتأمل.
وهذا الحديث أخرجه في المغازي ومسلم في الفضائل والترمذي في المناقب وابن ماجه في السير.
стр. 3527
٨١ - باب الدَّرَقِ
(باب) مشررعية اتخاذ (الدرق).
٢٩٠٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ عَمْرٌو حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ دَعْهُمَا. فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا".
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله المصري (قال عمرو) بفتح العين ابن الحرث المصري (حدّثني) بالإفراد (أبو الأسود) محمد بن عبد الرحمن المعروف بيتيم عروة وكان وصيه (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ ¬) أي أيام منى (وعندي جاريتان) أي دون البلوغ من جواري الأنصار إحداهما لحسان بن ثابت كما في الطبراني أو كلتاهما لعبد الله بن سلام كما في الأربعين للسلمي (تغنيان) ترفعان أصواتهما (بغناء بعاث) بضم الموحدة وفتح العين المهملة وبعد الألف مثلثة غير مصروف اسم حصن كان عند وقعة بين الأوس والخزرج قبل الهجرة بثلاث سنين كما هو المعتمد وكان كلٌّ من الفريقين ينشد الشعر يذكر مفاخر نفسه (فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه) للإعراض عن ذلك لكن عدم إنكاره يدل على تسويغ مثله على الوجه الذي أقرّه، (فدخل أبو بكر) الصديق (فانتهرني) أي لتقريرها لهما على الغناء (وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله ﷺ ¬).
فحذف أداة الاستفهام وكسر الميم آخرها تأنيث يعني الغناء أو الصوت الذي له صفير أو الصوت الحسن وأضافها إلى الشيطان لأنها تلهي القلب في ذكر الله، وإنما قال ذلك لأنه لم يعلم أنه ﷺ أقرّهن على هذا القدر اليسير لكونه ظنه نائمًا لما رآه مضطجعًا، (فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال):
(دعهما) وزاد هشام بن عروة عن أبيه عند ابن أبي الدنيا في العيدين له بإسناد صحيح: يا أبا بكر إن لكل قوم عيد أو هذا عيدنا فعرفه ﵊ الشأن مع بيان الحكمة بأنه يوم عيد أي يوم سرور شرعي فلا ينكر فيه مثل هذا كما لا ينكر في الأعراس. قالت عائشة: (فلما غفل) بفتح الغين المعجمة والفاء للحموي والمستملي عمل بميم مكسورة بدل الفاء أي اشتغل أبو بكر بعمل (غمزتهما فخرجتا).
٢٩٠٧ - قَالَتْ: وَكَانَ يَوْمُ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَإِمَّا قَالَ: تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟ فَقلتْ: نَعَمْ. فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ وَيَقُولُ: دُونَكُمْ بَنِي أَرْفِدَةَ. حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ: حَسْبُكِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَاذْهَبِي". قَالَ أَبُو عَبْدُ اللهِ: قَالَ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ: "فَلَمَّا غَفَلَ".
стр. 3528
(قالت): عائشة (وكان يوم عيد) بفتح يوم وفي نسخة يوم بالرفع والفتح أفصح وللحموي والمستملي: وكان يومًا عندي (يلعب السودان) الحبوش (بالدرق والحراب فأما سألت رسول ﷺ ¬) النظر إلى لعبهم (وأما قال):
(تشتهين تنظرين)؟ (فقالت): ولأبوي الوقت وذر والأصيلي: أن تنظري أي النظر إلى لعب السودان؟ فقلت: (نعم فأقامني وراءه) حال كون (خدّي على خدّه) متلاصقين (ويقول): أي للسودان وفي العيدين وهو يقول: (دونكم) بالنصب على الظرف بمعنى الإغراء أي الزموا هذا اللعب (يا بني أرفدة) بفتح الهمزة وكسر الفاء وفتحها وهو جدّ الحبشة الأكبر (حتى إذا مللت) بكسر اللام الأولى (قال: حسبك) أي أيكفيك هذا القدر بحذف همزة الاستفهام (قلت: نعم). حسبي (قال): (فاذهبي) (قال أحمد): أي ابن أبي صالح المصري ولأبي ذر قال أبو عبد الله أي المؤلّف ﵀ قال أحمد (عن ابن وهب) عبد الله (فلما غفل) بالفاء من الغفلة وسقط لأبي ذر عن ابن وهب.
وسبق هذا الحديث في باب: الحراب والدرق يوم العيد في أبواب العيدين.
٨٢ - باب الْحَمَائِلِ وَتَعْلِيقِ السَّيْفِ بِالْعُنُقِ
(باب) ذكر (الحمائل) جمع حمالة بالكسر وهن علاقة السيف (و) جواز (تعليق السيف بالعنق).
٢٩٠٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ. وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْلَةً فَخَرَجُوا نَحْوَ الصَّوْتِ فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدِ اسْتَبْرَأَ الْخَبَرَ وَهْوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ وَفِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهْوَ يَقُولُ: لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا. ثُمَّ قَالَ: وَجَدْنَاهُ بَحْرًا. أَوْ قَالَ: إِنَّهُ لَبَحْرٌ".
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم الجهضمي (عن ثابت) البناني (عن أنس ﵁¬) أنه (قال: كان النبي ﷺ أحسن الناس وأشجع الناس) زاد في باب: الشجاعة في الحرب وأجود الناس (ولقد فزع) بكسر الزاي أي خاف (أهل المدينة ليلة فخرجوا نحو الصوت) وسقط لأبي ذر ليلة (فاستقبلهم النبي ﷺ ¬) راجعًا وهم ذاهبون (وقد استبرأ الخبر) أي حققه (وهو على فرس لأبي طلحة) استعاره منه وكان بطيء السير (عُرْي) بضم العين وسكون الراء صفة لفرس (وفي عنقه) ﷺ (السيف) معلق بالحمائل. قال الجوهري؛ وهو السير الذي يقلده المتقلد (وهو يقول):
(لم تراعوا لم تراعوا) كذا في رواية الكشميهني والحموي مرتين كما في الفتح، وفي رواية غيره مرة واحدة أي لا تخافوا. قال الكرماني: والعرب تتكلم بهذه الكلمة واضعة "لم" موضع "لا" (ثم
стр. 3529
قال) ﵊ (وجدناه) أي الفرس البطيء في السير (بحرًا) واسع الجري (أو قال): ﵊ (إنه لبحر) بالشك من الراوي وسبق الحديث مرارًا.
٨٣ - باب حِلْيَةِ السُّيُوفِ
(باب) ما جاء في (حلية السيوف) بالجمع أي بالذهب والفضة من الجواز وعدمه ولأبي ذر باب ما جاء في حلية السيوف.
٢٩٠٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ حَبِيبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: لَقَدْ فَتَحَ الْفُتُوحَ قَوْمٌ مَا كَانَتْ حِلْيَةُ سُيُوفِهِمِ الذَّهَبَ وَلَا الْفِضَّةَ، إِنَّمَا كَانَتْ حِلْيَتُهُمُ الْعَلَابِيَّ وَالآنُكَ وَالْحَدِيدَ".
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن محمد) أبو العباس مودويه المروزي قاله الكلاباذي وأبو عبد الله الحاكم زاد الكلاباذي السمسار قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو (قال: سمعت سليمان بن حبيب) المحاربي قاضي دمشق في زمن عمر بن عبد العزيز (قال: سمعت أبا أمامة) صدى بضم الصاد وفتح الدال وتشديد المثناة التحتية ابن عجلان الباهلي الصحابي ﵁ (يقول: لقد فتح الفتوح قوم) أي من الصحابة (ما كانت حلية سيوفهم الذهب ولا الفضة) بضم الحاء وكسرها (إنما كانت حليتهم العلابي) بفتح العين المهملة واللام المخففة وتخفيف الموحدة وتشديد التحتية جمع علباء بكسر العين عصب في عنق البعير يشقق ثم يشد به أسفل جفن السيف وأعلاه ويجعل في موضع الحلية منه، وفسره الأوزاعي في رواية أبي نعيم في المستخرج فقال العلابي: الجلود الخام التي ليست بمدبوغة، وقال الداودي: هي ضرب من الرصاص، ولذلك قرن بالآنك وخطأه في الفتح ولعله لقول القزاز إنه غير معروف.
وأجيب: بأن كونه غير معروف عند القزاز لا يستلزم تخطئة القائل به لا سيمًا، وقد قال الجوهري: هو الرصاص أو جنس منه، لكن قال في المصابيح: إن قرانه بالآنك يشبه أن يكون مانعًا من تفسيره بالرصاص لا مقتضيًا، ووقع عند ابن ماجه لتحديث أبي أُمامة بذلك سبب وهو دخلنا على أبي امامة فرأى في سيوفنا شيئًا من حلية فضة فغضب وقال: لقد فتح قوم الفتوح فذكره.
(والأنك) بمد الهمزة وضم النون بعدها كاف مخففة الرصاص وهو واحد لا جمع له (والحديد) ولا يلزم من كون حلية سيوفهم ما ذكر عدم جواز غيره فيجوز للرجل تحلية السيف وغيره من آلات الحرب بالفضة كالسيف والرمح وأطراف السهام والدرع والمنطقة والرانين بالراء المهملة والنون خف يلبس الساق ليس له قدم بل يكون ما بين الركبة والكعبين، وكذا الخف لأنه يغيظ الكفار. وقد كان للصحابة ﵃ غنية عن ذلك لشدتهم في أنفسهم وقوتهم في إيمانهم ولا يجوز تحلية شيء
стр. 3530
مما ذكر بالذهب قطعًا ويحرم على النساء تحلية آلات الحرب بالفضة والذهب جميعًا لأن في استعمالهن ذلك تشبهًا بالرجال وليس لهن التشبه بالرجال، كذا قاله الجمهور فيما حكاه في الروضة وصوّبه.
وهذا الحديث أخرجه ابن ماجة في الجهاد.
٨٤ - باب مَنْ عَلَّقَ سَيْفَهُ بِالشَّجَرِ فِي السَّفَرِ عِنْدَ الْقَائِلَةِ
(باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند) النوم وقت (القائلة) أي الظهيرة.
٢٩١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ "أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَخْبَرهُ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ شَجرَةٍ وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ، وَنِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُونَا، وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَىَّ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهْوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: اللَّهُ (ثَلَاثًا). وَلَمْ يُعَاقِبْهُ، وَجَلَسَ".
[الحديث ٢٩١٠ - أطرافه في: ٢٩١٣، ٤١٣٤، ٤١٣٥، ٤١٣٦].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (سنان بن أبي سنان) يزيد بن أمية (الدؤلي) بضم الدال وفتح الهمزة نسبة إلى الدؤل من كنانة (وأبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (أن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ أخبر) ولأبي ذر: أخبره أي أن كلاًّ من سنان وأبي سلمة قال إن جابرًا أخبره (أنه غزا مع رسول الله ﷺ قبل نجد) بكسر القاف وفتح الموحدة أي ناحية نجد في غزوته إلى غطفان وهي غزوة ذي أمر بفتح الهمزة والميم موضع من ديار غطفان وكانت على رأس خمس وعشرين شهرًا من الهجرة (فلما قفل) أي رجع (رسول الله ﷺ قفل) أي رجع (معه، فأدركتهم القائلة) أي الظهيرة (في وادٍ كثير العضاه)، بكسر العين وفتح الضاد المعجمة وبعد الألف هاء مكسورة شجر أم غيلان وكل شجر عظيم له شوك (فنزل رسول الله ﷺ وتفرق الناس يستظلون بالشجر) من حرّ الشمس (فنزل رسول الله ﷺ تحت سمرة) بفتح السين وضم الميم شجرة طلح ولأبي ذر عن الكشميهني تحت شجرة (وعلّق بها سيفه ونمنا نومة، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا وإذا عنده أعرابي) اسمه غورث بضم الغين المعجمة وسكون الواو وفتح الراء آخره مثلثة (فقال): ﵊:
(إن هذا) أي الأعرابي (اخترط) أي سل (عليّ سيفي) من غمده (وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده) حال كونه (صلتًا) بفتح الصاد المهملة وسكون اللام أي مصلتًا مجردًا عن غمده (فقال): أي
стр. 3531
الأعرابي (من يمنعك مني)؟ بضم العين ومن استفهام يتضمن النفي كأنه قال لا مانع لك مني وزاد أبو ذر من يمنعك مني مرة أخرى بل كتب بالفرع وأصله بإزاء هذه الزيادة ثلاثة بالقلم الهندي ومفهومه تكريرها ثلاثًا قال رسول الله ﷺ (فقلت): (الله) أي يمنعني منك (ثلاثًا) أي قال له ذلك ثلاث مرات. وعند ابن أبي شيبة من حديث أبي سلامة عن أن هريرة قال: يا محمد من يعصمك مني؟ فأنزل الله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧] وهذا من أعظم الخوارق للعادة فإنه عدوّ متمكن بيده سيف مشهور، فلم يحصل للنبي ﷺ روع ولا جزع (ولم يعاقبه)، ولم يعاقب النبي ﷺ الأعرابي المذكور (وجلس) حال من المفعول. وعند إسحاق أن الكفار قالوا لدعثور وكان شجاعًا قد انفرد محمد فعليك به فأقبل ومعه صارم حتى قام على رأسه فقال له من يمنعك مني؟ فقال ﷺ : (الله) فدفع جبريل ﵇ في صدره فوقع من يده فأخذه النبي ﷺ وقال: "من يمنعك أنت مني اليوم"؟ قال: لا أحد. فقال: "قم فاذهب لشأنك" فلما ولّى قال: كنت خيرًا مني، فقال النبي ﷺ : "أنا أحق بذلك" ثم أسلم بعد. وفي لفظ قال: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ثم أتى قومه فدعاهم إلى الإسلام، وقال الذهبي في الصحابة غورث بن الحرث، ويقال دعثور أسلم قاله البخاري من حديث جابر، وتعقبه الجلال البلقيني فقال: ما نسبه من إسلامه إلى البخاري لم أقف عليه فإن البخاري أعاد هذا الحديث في الغزوات بعد غزوة ذات الرقاع في غزوة بني المصطلق، وهي المريسيع ولم يذكر إسلامه فليحرر.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في المغازي والجهاد ومسلم في فضائل النبي ﷺ والنسائي في السير.
٨٥ - باب لُبْسِ الْبَيْضَةِ
(باب) مشروعية (لبس البيضة) وهي الخوذة.
٢٩١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ ﵁ "أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ جُرْحِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: جُرِحَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَهُشِمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ، فَكَانَتْ فَاطِمَةُ ﵍ تَغْسِلُ الدَّمَ وَعَلِيٌّ يُمْسِكُ. فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّ الدَّمَ لَا يَرتدُّ إِلاَّ كَثْرَةً أَخَذَتْ حَصِيرًا فَأَحْرَقَتْهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا ثُمَّ أَلْزَقَتْهُ، فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي قال: (حدّثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه) أبي حازم واسمه سلمة بن دينار الأعرج (عن سهل) هو ابن سعد الساعدي (¬﵁ أنه سئل عن جرح النبي ﷺ يوم أُحُد فقال: جرح وجه النبي ﷺ ¬) جرح وجنته ابن قميئة (وكسرت رباعيته) كسرها عتبة بن أبي وقاص (وهشمت البيضة) وهي الخوذة (على رأسه)، كسرها عبد الله بن هشام (فكانت فاطمة) الزهراء ﵍ تغسل الدم وعليّ ﵁ يمسك، فلما رأت) فاطمة (أن
стр. 3532
الدم لا يزيد) من الزيادة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لا يرتد (إلاّ كثرة أخذت حصيرًا فأحرقته حتى صار رمادًا، ثم ألزقته)، بالزاي أي الرماد بالجرح وسقط لفظ "ثم" لأبي ذر (فاستمسك الدم) أي انقطع.
وهذا الحديث قد مرّ قريبًا.
٨٦ - باب مَنْ لَمْ يَرَ كَسْرَ السِّلَاحِ عِنْدَ الْمَوْتِ
(باب من لم ير كسر السلاح عند الموت).
٢٩١٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: "مَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ إِلاَّ سِلَاحَهُ وَبَغْلَةً بَيْضَاءَ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً".
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن عباس) بفتح العين وسكون الميم وعباس بالموحدة آخر، مهملة أبو عثمان البصري الأهوازي قال: (حدّثنا عبد الرحمن) بن مهدي بن حسان العنبري البصري (عن سفيان) الثوري (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي (عن عمرو بن الحرث) بفتح العين ابن المصطلقُ الخزاعي أخي أم المؤمنين جويرية ﵄ أنه (قال: ما ترك النبي ﷺ ¬) عند موته (إلاّ سلاحه) الذي أعدّه لحرب الكفار كالسيوف (وبغلة بيضاء) وهي الدلدل (وأرضًا بخيبر) وهي فدك (جعلها) في صحته (صدقة). وأخبر بحكمها عند موته، وخالف ﷺ أهل الجاهلية فيما كانوا يوصون به من كسر السلاح وعقر الدواب وحرق المتاع من ترك بغلته وسلاحه وأرضه من غير إيصاء في ذلك بشيء إلا صدقة في سبيل الله وفي إبقاء السلاح كما قال ابن المنير عنوان للمسلم على إبقاء ذكره واستنماء أعماله الحسنة التي سنّها للناس وعادته الجميلة التي حمل عليها العباد بخلاف أهل الجاهلية ففي فعلهم ذلك إشارة إلى انقطاع أعمالهم وذهاب آثارهم، وقد مرّ الحديث في أوّل الوصايا.
٨٧ - باب تَفَرُّقِ النَّاسِ عَنِ الإِمَامِ عِنْدَ الْقَائِلَةِ وَالاِسْتِظْلَالِ بِالشَّجَرِ
(باب تفرّق الناس عن الإمام عند القائلة والاستظلال بالشجر).
٢٩١٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنَا سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ وَأَبُو سَلَمَةَ أَنَّ جَابِرًا أَخْبَرَهُ. حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَخْبَرَهُ "أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْعِضَاهِ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ تَحْتَ
стр. 3533
شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ ثُمَّ نَامَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ وَهْوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي فَقَالَ: فمَنْ يَمْنَعُكَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ. فَشَامَ السَّيْفَ، فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ. ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ".
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (سنان بن أبي سنان) يزيد بن أمية (وأبو سلمة) بن عبد الرحمن (أن جابرًا أخبره).
وبالسند قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: وحدّثنا وفي نسخة ح. وحدّثنا (موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين قال: (أخبرنا ابن شهاب) الزهري (عن سنان بن أبي سنان الدؤلي) بضم الدال المهملة وفتح الهمزة (أن جابر بن عبد الله) الأنصاري (¬﵄ أخبره أنه غزا مع النبي ﷺ ¬) زاد في باب من علق سيفه بالشجر قبل نجد وسبق أنها غزوة ذي أمر (فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العضاه) بكسر العين المهملة والهاء وبينهما ضاد معجمة فألف شجر أم غيلان (فتفرق الناس في العضاه يستظلون بالشجر)، من حرّ الظهيرة (فنزل النبي ﷺ تحت شجرة فعلق بها سيفه ثم نام، فاستيقظ وعنده رجل وهو لا يشعر به، فقال النبي ﷺ ¬): لأصحابه.
(إن هذا اخترط) بالخاء المعجمة والمثناة الفوقية والراء آخره طاء مهملة أي سل (سيفي) (فقال: من) ولأبي ذر عن المستملي: فمن (يمنعك) أي مني كما في الرواية السابقة قريبًا والمعنى لا مانع لك مني (قلت): (الله) أي يمنعك (فشام السيف) بالفاء والشين المعجمة أي غمده (فها هو ذا جالس) بالرفع في الفرع كالجمهور على أن ذا خبر المبتدأ وجالس خبر ثانٍ قيل: وروى جالسًا بالنصب على الحال على جعل ذا خبر المبتدأ وعامل الحال ما في ها من معنى التنبيه أو في ذا من معنى الإشارة. (ثم لم يعاقبه) أي لم يعاقب النبي ﷺ الرجل.
وهذا الحديث قد سبق قريبًا.
٨٨ - باب مَا قِيلَ فِي الرِّمَاحِ. وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي»
(باب ما قيل في) اتخاذ (الرماح) واستعمالها من الفضل.
(ويذكر) بضم أوّله مبنيًّا للمفعول (عن ابن عمر عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (جعل رزقي تحت ظل رمحي) أي من الغنيمة (وجعل الذلة والصغار) بالذال المعجمة والصغار بفتح الصاد المهملة والغين المعجمة أي بذل الجزية. (على من خالف أمري) وهذا طرف من حديث رواه أحمد.
стр. 3534
٢٩١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ وَهْوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا، فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ فَأَبَوْا، فَأَخَذَهُ ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ فَقَتَلَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبَى بَعْضٌ، فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ".
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ فِي الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ قَالَ: «هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَىْءٌ»؟.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة بعدها راء سالم بن أبي أمية (مولى عمر بن عبيد الله) بضم العين مصغرًا المدني (عن نافع) هو ابن عباس بموحدة مشددة آخره سين مهملة ويقال عياش بتحتية ومعجمة (مولى أبي قتادة) الحرث بن ربعي (الأنصاري) وإنما قيل له ذلك للزومه، وكان مولى عقيلة الغفارية (عن أبي قتادة ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ ¬) عام الحديبية (حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلّف) أي أبو قتادة (مع أصحاب له محرمين) أي بالعمرة (وهو غير محرم) لأن النبي ﷺ كان بعثه لكشف حال عدوّ لهم بجهة الساحل والجملة حالية (فرأى حمارًا وحشيًّا) ولأبي ذر: حمار وحش (فاستوى على فرسه) الجرادة (فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا) أي امتنعوا أن يناولوه إياه (فسألهم رمحه) أي أن يناولوه إياه (فأبوا) وهذا موضع الترجمة (فأخذه ثم شد على الحمار فقتله فأكل منه بعض أصحاب النبي ﷺ وأبى بعض) أي امتنع أن يأكل منه (فلما أدركوا رسول الله ﷺ سألوه عن ذلك) أي عن الحكم في أكله (قال): ﵊:
(إنما هي طعمة) بضم الطاء المهملة وسكون العين (أطعمكموها الله). (وعن زيد بن أسلم) العدوي المدني (عن عطاء بن يسار عن أبي قتادة) بن الحرث الأنصاري (في الحمار الوحشي مثل حديث أبي النضر) المذكور إلا أنه (قال) أي النبي ﷺ ولأبي الوقت: وقال (هل معكم من لحمه شيء) وهذا وصله المؤلّف في الذبائح في باب ما جاء في الصيد ولم يذكر في هذه الرواية أنه ﷺ أكل منها نعم في الهبة فناولته العضد فأكلها حتى تعرقها.
وقد سبق هذا الحديث في الحج مع كثير من مباحثه والله الموفق وبه المستعان.
стр. 3535
٨٩ - باب مَا قِيلَ فِي دِرْعِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْقَمِيصِ فِي الْحَرْبِ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمَّا خَالِدٌ فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
(باب ما قيل في درع النبي ﷺ ¬) من أي شيء كانت (و) بيان حكم (القميص في الحرب، وقال النبي ﷺ ¬): فيما وصله المؤلّف في الزكاة (أما خالد) هو ابن الوليد (فقد احتبس أدراعه) أي وقفها (في سبيل الله) والأدراع جمع درع بكسر الدال المهملة وهي الزردية.
٢٩١٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ فِي قُبَّةٍ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ. اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ. فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ. وَهْوَ فِي الدِّرْعِ، فَخَرَجَ وَهْوَ يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾.
وَقَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ "يَوْمَ بَدْرٍ".
[الحديث ٢٩١٥ - أطرافه في: ٣٩٥٣، ٤٨٧٥، ٤٨٧٧].
وبه قال: (حدّثنا) بالإفراد (محمد بن المثنى) الزمن العنزي قال: (حدّثنا عبد الوهاب) ابن عبد المجيد الثقفي قال: (حدّثنا خالد الحذاء عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄¬) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬) يوم غزوة بدر (وهو في قبة) كالخيمة من بيوت العرب.
(اللهم إني أنشدك) بفتح الهمزة وضم الشين أي أسألك (عهدك) أي بالنصر لرسلك (ووعدك) بإحدى الطائفتين وهزم حزب الشيطان (اللهم إن شئت) هلاك المؤمنين (لم تعبد بعد اليوم) وهذا تسليم لأمر الله فيما يشاء أن يفعله وفيه رد على المعتزلة القائلين بأن الشر غير مراد الله، وإنما قال ذلك لأنه علم أنه خاتم النبيين فلو هلك ومن معه حينئذٍ لم يبعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان وفيه أن نفوس الشر لا يرتفع الخوف عنها والإشفاق جملة واحدة لأنه ﵇ كان وعد النصر وهو الوعد الذي نشده، ولذا قال تعالى عن موسى ﵇ حين ألقى السحرة حبالهم وعصيهم فأخبر الله تعالى بعد أن أعلمه أنه ناصره وإنه معهما يسمع ويرى فأوجس في نفسه خيفة موسى، (فأخذ أبو بكر) الصديق ﵁ (بيده) ﵊ (فقال: حسبك) أي يكفيك مناشدتك (يا رسول الله فقد ألححت على ربك). بحاءين مهملتين الأولى مفتوحة والأخرى ساكنة داومت على الدعاء أو بالغت وأطلت فيه (وهو في الدرع)، جملة حالية وهي موضع الترجمة، (فخرج) ﵇ لما علم أنه استجيب له لما وجد أبو بكر في نفسه من القوة والطمأنينة (وهو يقول: ﴿سيهزم
стр. 3536
الجمع﴾) أي سيفرق شملهم (﴿ويولون الدبر﴾) [القمر: ٤٥] أي الأدبار وإفراده لإرادة الجنس أو لأن كل واحد يولي دبره.
وعند ابن أبي حاتم عن عكرمة لما نزلت ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ قال عمر أيّ جمع يهزم؟ أي جمع يغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يثب في الدرع وهو يقول: ﴿سيهزم الجمع ويولّون الدبر﴾ فعرفت تأويلها يومئذٍ (﴿بل الساعة موعدهم﴾) أي موعد عذابهم الأصلي وما يحيق بهم في الدنيا فمن طلائعه (﴿والساعة أدهى﴾) أشدّ والداهية أمر فظيع لا يهتدى لدوائه (﴿وأمر﴾) [القمر: ٤٦] مذاقًا من عذاب الدنيا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المغازي والتفسير والنسائي في التفسير.
(وقاله وهيب): بضم الواو مصغرًا ابن خالد بن عجلان فيما وصله المؤلّف في سورة القمر (حدّثنا خالد) الحذاء أي عن عكرمة عن ابن عباس وزاد أن الذي قاله كان (يوم بدر).
٢٩١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ". وَقَالَ يَعْلَى: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ "دِرْعٌ مِنْ حَدِيدٍ". وَقَالَ مُعَلًّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ وَقَالَ: "رَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) العبدي البصري قال: (أخبرنا سفيان) بن عيينة (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن يزيد (عن عائشة ﵂¬) أنها (قالت): (توفي رسول الله ﷺ ودرعه) ذات الفضول (مرهونة عند يهودي) يسمى بأبي الشحم (بثلاثين صاعًا) أي في مقابلة ثلاثين صاعًا (من شعير) فالباء للمقابلة.
(وقال يعلى): بفتح أوله وثالثه بوزن يرضى ابن عبيد الطنافسي الكوفي مما سبق موصولاً في الرهن في السلام (حدّثنا الأعمش) أي في روايته عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة وزاد فقال: إنه (درع من حديد).
(وقال معلى): بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد اللام المفتوحة ابن أسد العمي البصري فيما وصله في الاستقراض (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد البصري قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان أي عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة (وقال): فيه أيضًا (رهنه درعًا من حديد).
٢٩١٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ مَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدِ اضْطَرَّتْ أَيْدِيَهُمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَكُلَّمَا هَمَّ الْمُتَصَدِّقُ بِصَدَقَتِهِ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تُعَفِّيَ أَثَرَهُ، وَكُلَّمَا
стр. 3537
هَمَّ الْبَخِيلُ بِالصَّدَقَةِ انْقَبَضَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا وَتَقَلَّصَتْ عَلَيْهِ وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ. فَسَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: فَيَجْتَهِدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا فَلَا تَتَّسِعُ".
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد قال: (حدّثنا ابن طاوس) عبد الله (عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(مثل البخيل والمتصدق مثل) وفي الزكاة (كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد) بضم الجيم وتشديد الموحدة (قد اضطرت) ألجئت (أيديهما إلى تراقيهما) جمع ترقوة وهي العظم الكبير الذي بين ثغرة النحر والعاتق وهما ترقوتان من الجانبين وخصهما بالذكر لأنهما عند الصدر وهو مسكن القلب وهو يأمر الأمر وينهاه (فكلما همَّ المتصدّق بصدقته) ولأبي ذر عن الكشميهني: بصدقة (اتسعت عليه حتى تعفي أثره) بضم الفوقية وسكون العين وفي الفرع وأصله بفتح العين وتشديد الفاء أي تمحو الجبة أثر مشيه لسبوغها ومراده أن الصدقة تستر خطايا المتصدق كما يستر الثوب الذي يجر على الأرض أثر مشي لابسه بمرور الذيل عليه (وكلما همَّ البخيل بالصدقة انقبضت كل حلقة) بسكون اللام من الجبة (إلى صاحبتها وتقلصت) أي انزوت (عليه وانضمت يداه إلى تراقيه) والمعنى أن البخيل إذا حدّث نفسه بالصدقة شحت نفسه وضاق صدره وانقبضت يداه (فسمع) أي أبو هريرة (النبي ﷺ يقول): (فيجتهد أن يوسعها) أي الجبة (فلا تتّسع).
قال الكرماني فإن قلت: مجموع الحديث سمعه أبو هريرة من رسول الله ﷺ فما وجه اختصاصه بالكلمة الأخيرة؟ وأجاب: بأن لفظ يقول يدل على الاستمرار والتكرار فلعله ﵇ كررها دون أخواتها.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله جبتان فإنه روي بالباء الموحدة وهو المناسب لذكر القميص في الترجمة، وروي بالنون كما عند المؤلّف في باب: مثل المتصدق والبخيل من الزكاة من طريق أبي حنظلة وابن هرمز وهو المناسب للدرع.
٩٠ - باب الْجُبَّةِ فِي السَّفَرِ وَالْحَرْبِ
(باب) لبس (الجبة في السفر والحرب).
٢٩١٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمٍ هُوَ ابْنُ صُبَيْحٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ: "انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ، فَتلَقِيتُهُ بِمَاءٍ -وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَاْمِيَّةٌ- فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ، فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمِّهِ وكَانَا ضَيِّقَيْنِ، فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتُ، فَغَسَلَهُمَا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَعَلَى خُفَّيْهِ".
стр. 3538
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي الضحى مسلم هو ابن صبيح) بضم الصاد المهملة وفتح الموحدة آخره حاء مهملة العطاردي وسقط لأبي ذر مسلم هو ابن صبيح (عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (المغيرة بن شعبة) ﵁ (قال: انطلق رسول الله ﷺ لحاجته) في غزوة تبوك (ثم أقبل فلقيته بماء) بكسر القاف، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: فتلقيته بمثناة فوقية قبل اللام وفتح القاف مشدّدة زاد في رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي فتوضأ (وعليه جبة شامية) من نسج الكفار القارين بالشام لأنها إذ ذاك كانت دارهم (فمضمض واستنشق وغسل وجهه فذهب يخرج يديه من كميه) بالتثية فيهما (فكانا) بالفاء ولأبي ذر وكانا (ضيقين فأخرجهما من تحت) بالبناء على الضم (فغسلهما ومسح برأسه وعلى خفّيه).
وسبق هذا الحديث في الصلاة.
٩١ - باب الْحَرِيرِ فِي الْحَرْبِ
(باب) جواز لبس (الحرير في الحرب) بحاء مهملة وسكون الراء في رواية أبي ذر وله في نسخة في الجرب بجيم وفتح الراء والأولى أولى بأبواب الجهاد على ما لا يخفى.
٢٩١٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدامِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ بن الحارث حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصٍ مِنْ حَرِيرٍ مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا".
[الحديث ٢٩١٩ - أطرافه في: ٢٩٢٠، ٢٩٢١، ٢٩٢٢، ٥٨٣٩].
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن المقدام) أبو الأشعث العجلي البصري قال: (حدّثنا خالد بن الحرث) الجهيمي بضم الهاء وفتح الجيم وسقط لغير أبي ذر ابن الحرث قال: (حدّثنا سعيد) بكسر العين ابن أبي عروبة (عن قتادة) بن دعامة (أن أنسًا) هو ابن مالك ﵁ حدّثهم (أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف) الزهري القرشي (والزبير) بن العوّام (في) لبس (قميص من حرير من) أجل (حكة كانت بهما).
قال النووي كغيره: والحكمة في لبس الحرير للحكة لما فيه من البرودة، وتعقب بأن الحرير حار فالصواب فيه أن الحكمة فيه لخاصية فيه تدفع الحكة ولمسلم من طريق أبي كريب عن أبي أسامة عن سعيد بن أبي عروبة: رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوّام في القميص الحرير في السفر من حكة كانت بهما أو وجع كان بهما. أخرجه مسلم في اللباس وكذا أبو داود وابن ماجه وأخرجه النسائي في الزينة.
стр. 3539
٢٩٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ "أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ شَكَوَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ -يَعْنِي الْقَمْلَ- فَأَرْخَصَ لَهُمَا فِي الْحَرِيرِ، فَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا فِي غَزَاةٍ".
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى العوذي (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) ﵁.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سنان) بكسر السين وتخفيف النون العوقي بفتح العين المهملة والواو وبالقاف المكسورة كان ينزل العوقة وهم بطن من عبد القيس فنسب إليهم قال: (حدّثنا همام) العوذي (عن قتادة عن أنس ﵁ أن عبد الرحمن بن عوف والزبير) بن العوّام (شكوا) بالواو ولأبي ذر والأصيلي: شكيا بالياء وصوّب ابن التين الأول لأن لام الفعل منه واو كدعوا الله ربهما. وأجيب: بأن في الصحاح يقال شكيت وشكوت (إلى النبي ﷺ يعني القمل) وكأن الحكة نشأت عن أثر القمل فنسبت العلة إلى السبب أو العلة بأحد الرجلين (فأرخص لهما في) لبس (الحرير)، بهمزة مفتوحة فراء ساكنة قال أنس (فرأيته) بالهاء ولأبي ذر فرأيت (عليهما في غزاة).
والظاهر أن المؤلّف أخذ قوله في الترجمة في الحرب من قوله هنا في غزاة، وقد أجاز الشافعي وأبو يوسف استعمال الحرير للضرورة كفجأة حرب ولم يجد غيره ومنعه مالك وأبو حنيفة مطلقًا، ولعل الحديث لم يبلغهما. ونقل ابن حبيب عن ابن الماجشون استحباب لبس الحرير في الجهاد والصلاة به حينئذ إرهابًا للعدوّ ولقذف الرعب والخشية في قلوبهم، ولذا رخص في الاختيال في الحرب وقد قال ﵊ لأبي دجانة وهو يتبختر في مشيته (إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن).
٢٩٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ قَالَ: "رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فِي حَرِيرٍ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثني يحيى) القطان (عن شعبة) بن الحجاج أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (قتادة) بن دعامة (أن أنساً حدّثهم قال): (رخص النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوّام في) لبس (حرير) ولم يذر العلة والسبب فهو محمول على السابقة.
٢٩٢٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ "رَخَّصَ -أَوْ رُخِّصَ- لَهُمَا لِحِكَّةٍ بِهِمَا".
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن بشار) بالموحدة وتشديد الشين المعجمة بندار العبدي البصري قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت قتادة عن
стр. 3540
أنس) ﵁ أنه (قال): (رخص) بفتح الراء والخاء مبنيًّا للفاعل، وأخرجه أحمد عن غندر بلفظ: رخص رسول الله ﷺ (-أو رخص-) بضم الراء وكسر الخاء مبنيًّا للمفعول والشك من الراوي وزاد أبو ذر (لهما) أي لعبد الرحمن بن عوف والزبير أي في الحرير (لحكة) أي لأجل حكة (بهما) ولم يذكر في هذه الرواية الحرير للعلم به من السابقة وكالحكة فيما ذكر الحر والبرد ودفع القمل وسواء في ذلك السفر والحضر، وقيل: يجوز في السفر دون الحضر لورود الرخصة فيه والمقيم تمكنه المداواة، وسوف يكون لنا عودة إن شاء الله تعالى إلى مباحث ذلك في كتاب اللباس بعون الله وقوته.
٩٢ - باب مَا يُذْكَرُ فِي السِّكِّينِ
(باب ما يذكر في السكين) بكسر السين أي من جواز الاستعمال.
٢٩٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُ مِنْ كَتِفٍ يَحْتَزُّ مِنْهَا، ثُمَّ دُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ". حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَزَادَ "فَأَلْقَى السِّكِّينَ".
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي المدني قال: (حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني (عن ابن شهاب) الزهري (عن جعفر بن عمرو بن أمية) المدني ولأبي ذر زيادة الضمري بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم (عن أبيه) عمرو بفتح العين ﵁ أنه (قال: رأيت النبي ﷺ يأكل من كتف) أي من لحم كتف شاة في بيت ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أو في بيت ميمونة حال كونه (يحتز) بالحاء المهملة والزاي المشددة أي يقطع (منها ثم دعي إلى الصلاة) في النسائي أن الذي دعاه بلال (فصلّى ولم يتوضأ) فلم يجعله ناقضًا للوضوء.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب إلخ. (وزاد: فألقى السكين) وبهذه الزيادة تحصل المطابقة بين الترجمة والحديث، ووجه إدخال الحديث هنا كون السكين من أنواع السلاح.
وقد مرّ الحديث في باب: من لم يتوضأ من لحم الشاة من كتاب الوضوء ويأتي إن شاء الله تعالى في الأطعمة.
٩٣ - باب مَا قِيلَ فِي قِتَالِ الرُّومِ
(باب ما قيل في قتال الروم) أي من الفضل.
следующие страницы →