Полный текст (8 298 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.
стр. 3571
تعظيم الجهال لها حتى ربما يفضي بهم إلى اعتقاد أنها تضر وتنفع فكان في إخفائها رحمة، وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: (كانت رحمة من الله). قال جويرية (فسألت) ولأبي ذر عن الكشميهني: فسألنا (نافعًا) مولى ابن عمر (على أيّ شيء بايعهم) ﵇ (على الموت) فهمزة الاستفهام مقدرة (قال: لا. بايعهم) ولأبي ذر عن الكشميهني بل بايعهم (على الصبر) أي على الثبات وعدم الفرار سواء أفضى بهم ذلك إلى الموت أم لا.
٢٩٥٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: "لَمَّا كَانَ زَمَنَ الْحَرَّةِ أَتَاهُ آتٍ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ حَنْظَلَةَ يُبَايِعُ النَّاسَ عَلَى الْمَوْتِ. فَقَالَ: لَا أُبَايِعُ عَلَى هَذَا أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
[الحديث ٢٩٥٩ - طرفه في: ٤١٦٧].
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي وسقط عند أبي ذر ابن إسماعيل قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد قال: (حدثنا عمرو بن يحيى) بفتح العين وسكون الميم الأنصاري المدني (عن عباد بن تميم) بفتح العين وتشديد الموحدة ابن زيد بن عاصم (عن) عمه (عبد الله بن زيد) الأنصاري المدني (﵁ قال: لما كان زمن الحرة) بفتح الحاء وتشديد الراء أي زمن وقعة الحرة وهي حرة زهرة أو واقم بالمدينة سنة ثلاث وستين، وسببها أن عبد الله بن حنظلة وغيره من أهل المدينة وفدوا إلى يزيد بن معاوية فرأوا منه ما لا يصلح فرجعوا إلى المدينة فخلعوه وبايعوا عبد الله بن الزبير ﵁، فأرسل يزيد بن مسلم بن عقبة فأوقع بأهل المدينة وقعة عظيمة قتل من وجوه الناس ألفًا وسبعمائة ومن أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان (أتاه آتِ فقال له: إن ابن حنظلة) هو عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الذي يعرف أبوه بغسيل الملائكة وكان أميرًا على الأنصار (يبايع الناس على الموت فقال) عبد الله بن زيد (لا أبايع على هذا أحدًا بعد رسول الله ﷺ ¬) والفرق أنه ﵊ يستحق على كل مسلم أن يفديه بنفسه بخلاف غيره، وهل يجوز لأحد أن يستهدف عن أحد لقصد وقايته أو يكون ذلك من إلقاء اليد إلى التهلكة؟ تردد فيه ابن المنير قال: لا خلاف أنه لا يؤثر أحد أحدًا بنفسه لو كان في مخمصة ومع أحدهما قوت نفسه خاصة قاله في المصابيح.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في المغازي وكذا مسلم.
٢٩٦٠ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: "بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ عَدَلْتُ إِلَى ظِلِّ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا خَفَّ النَّاسُ قَالَ يَا ابْنَ الأَكْوَعِ أَلَا تُبَايِعُ؟ قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَأَيْضًا. فَبَايَعْتُهُ الثَّانِيَةَ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، عَلَى أَىِّ
стр. 3572
شَىْءٍ، كُنْتُمْ تُبَايِعُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ".
[الحديث ٢٩٦٠ - أطرافه في: ٤١٦٩، ٧٢٠٦، ٧٢٠٨].
وبه قال: (حدّثنا المكي بن إبراهيم) بن بشير بن فرقد الحنظلي التميمي قال: (حدّثنا يزيد بن أبي عبيد) مولى سلمة بن الأكوع (عن سلمة) بن الأكوع سنان بن عبد الله (﵁ قال: بايعت النبي ﷺ ¬) بيعة الرضوان بالحديبية تحت الشجرة (ثم عدلت إلى ظل الشجرة) المعهودة، ولأبي ذر: إلى ظل شجرة (فلما خفّ الناس قال): ﵊:
(يا ابن الأكوع ألا تبايع)؟ (قال: قلت: قد بايعت يا رسول الله، قال): (و) بايع (أيضًا) مرة أخرى (فبايعته الثانية). وإنما بايعه مرة ثانية لأنه كان شجاعًا بذّالاً لنفسه فأكد عليه العقد احتياطًا حتى يكون بذله لنفسه عن رضًا متأكد وفيه دليل على أن إعادة لفظ النكاح وغيره ليس فسخًا للعقد الأول خلافًا لبعض الشافعية قاله ابن المنير. قال يزيد بن أبي عبيد (فقلت له): أي لسلمة بن الأكوع (يا أبا مسلم)، وهي كنية سلمة (على أيّ شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال): كنا نبايع (على الموت) أي على أن لا نفر ولو متنا.
وفي هذا الحديث الثلاثي التحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلّف أيضًا في المغازي والترمذي والنسائي في السير.
٢٩٦١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: كَانَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ تَقُولُ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا … عَلَى الْجِهَادِ مَا حَيِينَا أَبَدَا
فَأَجَابَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الآخِرَهْ، فَأَكْرِمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ".
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بن الحرث الحوضي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن حميد) الطويل (قال: سمعت أنسًا ﵁ يقول: كانت الأنصار يوم) حفر (الخندق تقول:
نحن الذين بايعوا محمدًا … على الجهاد ما حيينا أبدا)
وفي بعض الأصول كما نبّه عليه البرماوي نحن الذي بغير نون وهو على حدّ: ﴿وخضتم كالذي خاضوا﴾ [التوبة: ٦٩]. وسبق في باب حفر الخندق بلفظ: على الإسلام بدل قوله هنا على الجهاد وهو الموزون (فأجابهم) متمثلاً بقول ابن رواحة يحرضهم على العمل (فقال) ولغير أبي ذر فأجابهم النبي ﷺ فقال:
стр. 3573
(اللهم) لكن قال الداودي إنما قال ابن رواحة لا هم بغير ألف ولا لام فأتى به بعض الرواة على المعنى وليس بموزون ولا هو رجز (لا عيش) يعتبر أو يبقى (إلاّ عيش الآخرة فأكرم الأنصار والمهاجرة).
ومطابقته للترجمة من قوله على الجهاد ما حيينا أبدًا فإن معناه يؤول إلى أنهم لا يفرون عنه في الحرب أصلاً.
٢٩٦٢ و ٢٩٦٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ مُجَاشِعٍ ﵁ قَالَ: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَأَخِي فَقُلْتُ: بَايِعْنَا عَلَى الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: مَضَتِ الْهِجْرَةُ لأَهْلِهَا. فَقُلْتُ: عَلَامَ تُبَايِعُنَا؟ قَالَ: عَلَى الإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ".
[الحديث ٢٩٦٢ - أطرافه في: ٣٠٧٨، ٤٣٠٥، ٤٣٠٧].
[الحديث ٢٩٦٣ - أطرافه في: ٣٠٧٩، ٤٣٠٦، ٤٣٠٨].
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه أنه (سمع محمد بن فضيل) بضم الفاء تصغير فضل بن غزوان الكوفي (عن عاصم) هو ابن سليمان الأحول (عن أبي عثمان) عبد الرحمن النهدي بالنون البصري (عن مجاشع) بضم الميم وتخفيف الجيم وكسر الشين المعجمة آخره عين مهملة ابن مسعود السلمي بضم السين قتل يوم الجمل (﵁ قال: أتيت النبي ﷺ ¬) بعد الفتح (أنا وأخي) مجالد بضم الميم وتخفيف الجيم وكسر اللام آخره دال مهملة ابن مسعود قال مجاشع (فقلت): يا رسول الله (بايعنا) بكسر المثناة التحتية وسكون العين (على الهجرة. فقال): ﵊:
(مضت الهجرة) أي حكمها (لأهلها) الذين هاجروا قبل الفتح فلا هجرة بعده ولكن جهاد ونية (فقلت): يا رسول الله (علام) بحذف الألف وإبقاء الفتحة دليلاً عليها كفيم للفرق بين الاستفهام والخبر ولأبي ذر قلت علاما بإسقاط الفاء قبل القاف وإثبات الألف بعد الميم أي على أي شيء (تبايعنا؟ قال): ﵊ أبايعكم (على الإسلام والجهاد) إذا احتيج إليه، وقد كان قبل من بايع قبل الفتح لزمه الجهاد أبدًا ما عاش إلا لعذر ومن أسلم بعده فله أن يجاهد وله التخلف عنه بنية صالحة إلا إن احتيج كنزول عدوّ فيلزم كل أحد.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المغازي والجهاد ومسلم في المغازي.
١١١ - باب عَزْمِ الإِمَامِ عَلَى النَّاسِ فِيمَا يُطِيقُونَ
(باب عزم الإمام على الناس فيما يطيقون) أي أن وجوب طاعة الإمام على الناس محله فيما لهم به طاقة فالجار والمجرور متعلق بمحله المحذوف من اللفظ.
стр. 3574
٢٩٦٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: "لَقَدْ أَتَانِي الْيَوْمَ رَجُلٌ فَسَأَلَنِي عَنْ أَمْرٍ مَا دَرَيْتُ مَا أَرُدُّ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلاً مُؤْدِيًا نَشِيطًا يَخْرُجُ مَعَ أُمَرَائِنَا فِي الْمَغَازِي، فَيَعْزِمُ عَلَيْنَا فِي أَشْيَاءَ لَا نُحْصِيهَا. فَقُلْتُ لَهُ: وَاللَّهِ لا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ، إِلاَّ أَنَّا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَعَسَى أَنْ لَا يَعْزِمَ عَلَيْنَا فِي أَمْرٍ إِلاَّ مَرَّةً حَتَّى نَفْعَلَهُ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يَزَالَ بِخَيْرٍ مَا اتَّقَى اللَّهَ. وَإِذَا شَكَّ فِي نَفْسِهِ شَىْءٌ سَأَلَ رَجُلاً فَشَفَاهُ مِنْهُ، وَأَوْشَكَ أَنْ لَا تَجِدُوهُ. وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، مَا أَذْكُرُ مَا غَبَرَ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ كَالثَّغْبِ شُرِبَ صَفْوُهُ، وَبَقِيَ كَدَرُهُ".
وبه قال: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة) هو عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم العبسي الكوفي قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد الرازي (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (قال: قال عبد الله) بن مسعود (¬﵁: لقد أتاني اليوم رجل) لم يعرف اسمه (فسألني عن أمر ما دريت) بفتح الدال والراء (ما أردّ عليه) في موضع نصب مفعول دريت (فقال: أرأيت رجلاً مؤديًا) أي أخبرني ففيه أمران إطلاق الرؤية وإرادة الإخبار وإطلاق الاستفهام وإرادة الأمر كأنه قال: أخبرني عن أمر هذا الرجل ومؤديًا بضم الميم وسكون الهمزة وكسر الدال المثناة التحتية أي قويًا من آدى الرجل قوي، وقيل: مؤديًا كامل الأداة أي السلاح، ومنه: عليه أداة الحرب وأداة كل شيء آلته وما يحتاج إليه. وفي هامش الفرع مما نسب إلى أبي يعني ذا أداة وسلاح، وقال النضر المؤدي القادر على السفر، وقيل المتهيئ المعدّ لذلك أداته ولا يجوز حذف الهمزة منه لئلا يصير من أودى إذا هلك (نشيطًا) بنون مفتوحة ومعجمة مكسورة من النشاط وهو الذي ينشط له ويخف إليه ويؤثر فعله (يخرج) بالمثناة التحتية وسكون الخاء أي الرجل (مع أمرائنا في المغازي) فيه التفات وإلاّ فكان يقول مع أمرائه ليوافق رجلاً، وضبط الحافظ ابن حجر نخرج بالنون وقال كذا في الرواية ثم قال: أو المراد بقوله رجلاً أحدنا أو هو محذوف الصفة أي رجلاً منا وفيه حينئذ التفات (فيعزم علينا) الأمير أي يشد علينا (في أشياء لا نحصيها) بضم النون لا نطيقها أو لا ندري أطاعة هي أم معصية أيجب على هذا الرجل طاعة الأمير أم لا. قال عبد الله بن مسعود (فقلت له): أي للرجل (والله ما أدري ما أقول لك) سبب توقفه أن الإمام إذا عين طائفة للجهاد أو لغيره من المهمات تعينوا وصار ذلك فرض عين عليهم، فلو استفتى أحدهم عليه وادّعى أنه كلفه ما لا طاقة له به بالتشهي أشكلت الفتيا حينئذ لأنّا إن قلنا بوجوب طاعة الإمام عارضنا فساد الزمان، وإن قلنا بجواز الامتناع فقد يفضي ذلك إلى الفتنة فالصواب التوقف، لكن الظاهر أن ابن مسعود بعد أن توقف أفتاه بوجوب الطاعة بشرط أن يكون المأمور به موافقًا للتقوى كما علم ذلك من قوله (إلا أنّا كنا مع النبي ﷺ فعسى أن لا يعزم علينا في أمر إلا مرة) إذ لولا صحة الاستثناء لما أوجبه الرسول (حتى نفعله) غاية لقوله أو للعزم الذي يتعلق به المستثنى وهو مرة (وإن أحدكم لن يزال بخير ما اتقى الله) (وإذا شك في نفسه شيء) مما تردد فيه أنه جائز أم لا وهو من باب القلب أي شك نفسه في شيء (سأل) الشاكّ (رجلاً) عالمًا (فشفاه منه) بأن أزال مرض تردده عنه بإجابته له بالحق فلا يقدم
стр. 3575
المرء على ما يشك فيه حتى يسأل عنه من عنده علم (وأوشك) بفتح الهمزة والشين أي كاد (أن لا تجدوه) في الدنيا لذهاب الصحابة ﵃ فتفقدوا من يفتي بالحق ويشفي القلوب عن الشبه والشكوك (والذي لا إله إلا هو ما أذكر ما غبر) بفتح الغين المعجمة والموحدة أي ما بقي أو مضى (من الدنيا إلاّ كالثغب) بفتح المثلثة وإسكان الغين المعجمة وقد تفتح آخره موحدة الماء المستنقع في الموضع المطمئن (شرب صفوه وبقي كدره) شبه ببقاء غدير ذهب صفوه وبقي كدره.
١١٢ - باب كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ أَخَّرَ الْقِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ
هذا (باب) بالتنوين (كان النبي ﷺ إذا لم يقاتل أول النهار أخّر القتال حتى تزول الشمس) لأن رياح النصر تهب حينئذ غالبًا ويتمكن من القتال بتبريد حدّة السلاح وزيادة النشاط لأن الزوال وقت هبوب الصبا التي اختصّ ﵊ بالنظر بها.
٢٩٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَكَانَ كَاتِبًا لَهُ قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى ﵄ فَقَرَأْتُهُ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا انْتَظَرَ حَتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا معاوية بن عمرو) بفتح العين ابن المهلب الأزدي البغدادي قال: (حدّثنا أبو إسحاق) إبراهيم بن محمد (هو الفزاري) بفتح الفاء والزاي (عن موسى بن عقبة) بن أبي عياش بالشين المعجمة آخره إمام المغازي (عن سالم أبي النضر) بالضاد المعجمة ابن أبي أمية (مولى عمر بن عبيد الله) مصغرًا ابن معمر التيمي (وكان) سالم (كاتبًا له) أي لعمر بن عبيد الله كما قاله البرماوي كالكرماني، لكن خطأه العيني كالحافظ ابن حجر ولم يذكر له دليلاً وفيه نظر كما لا يخفى ويؤيد ما قاله الكرماني قوله في باب: لا تمنوا لقاء العدوّ.
حدّثني سالم أبو النضر كنت كاتبًا لعمر بن عبيد الله فهو صريح في أن سالمًا كاتب عمر بن عبيد الله لا كاتب عبد الله بن أبي أوفى، وكيف يرجع الضمير على متأخر رتبة والأصل خلافه (قال: كتب إليه) أي إلى عمر بن عبيد الله (عبد الله بن أبي أوفى) بفتح الهمزة والفاء (﵄ فقرأته أن) بفتح الهمزة وكسرها (رسول الله ﷺ في بعض أيامه) أي غزواته (التي لقي فيها) العدوّ أو الحرب واللفظ يحتملهما (انتظر) خبر أن (حتى مالت الشمس) أي زالت.
٢٩٦٦ - ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ،
стр. 3576
فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ".
(ثم قام في الناس) خطيبًا (قال):
(يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو)، لأن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر ويؤيده قوله (وسلوا الله العافية) أي من هذه المحذورات المتضمنة للقاء العدوّ ثم أمرنا بالصبر عند وقوع الحقيقة فقال (فإذا لقيتموهم فاصبروا) فإن النصر مع الصبر (واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) أي السبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيف في سبيل الله وهو من المجاز البليغ لأن ظل الشيء لما كان ملازمًا له، وكان ثواب الجهاد الجنة كان ظلال السيوف المشهورة في الجهاد تحتها الجنة أي ملازمها استحقاق ذلك، ومثله: الجنة تحت أقدام الأمهات أو هو كناية عن الحض على مقاربة العدوّ واستعمال السيوف والاجتماع حين الزحف حتى تصير السيوف تظل المقاتلين. قال ابن الجوزي: إذا تدانى الخصمان صار كلٌّ منهما تحت ظل سيف صاحبه لحرصه على رفعه عليه ولا يكون ذلك إلا عند التحام القتال.
(ثم قال) ﵊ (اللهم) يا (منزل الكتاب) القرآن الموعود فيه بالنصر على الكفار قال تعالى: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم﴾ [التوبة: ١٤]. والمراد الجنس فيشمل سائر الكتب المنزلة على الأنبياء فيكون المراد شدة الطلب للنصر كنصره هذا الكتاب بخذلان من يكفر به ويجحد (و) يا (مجري السحاب) بقدرته إشارة إلى سرعة إجراء ما يقدره فإنه قدر جريان السحاب على أسرع حال وكأنه يسأل بذلك سرعة النصر والظفر (و) يا (هازم الأحزاب) وحده لا غيره (اهزمهم وانصرنا عليهم) فأنت المنفرد بالفعل من غير حول منّا ولا قوّة أو أن المراد التوسّل إليه بنعمه وأشار بالأولى إلى نعمة الدين بإنزال الكتاب وبالثانية إلى نعمة الدنيا وحياة النفوس بإجراء السحاب الذي جعله سببًا في نزول الغيث والأرزاق وبالثالثة إلى أنه حصل حفظ النعمتين فكأنه قال: اللهم كما أنعمت بعظيم نعمتك الأخروية والدنيوية وحفظهما فأبقهما، وقد وقع هذا السجع اتفاقًا من غير قصد.
وبقية مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في باب: لا تمنوا لقاء العدو.
١١٣ - باب اسْتِئْذَانِ الرَّجُلِ الإِمَامَ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ [النور: ٦٢] إِلَى آخِرِ الآيَةِ
(باب استئذان الرجل) من الرعية (الإمام) في الرجوع أو التخلف عن الرجوع في الغزو
стр. 3577
(لقوله) زاد في رواية: (﴿إنما المؤمنون﴾) الكاملون في الإيمان (﴿الذين آمنوا بالله ورسوله﴾) من صميم قلوبهم (﴿وإذا كانوا معه على أمرٍ جامع﴾) كتدبير أمر الجهاد والحرب (﴿لم يذهبوا﴾) عن حضرته (﴿حتى يستأذنوه﴾) ﷺ فيأذن لهم واعتباره في كمال الإيمان لأنه كالمصداق لصحته والمميز للمخلص فيه عن المنافق (﴿إن الذين يستأذنونك﴾) [النور: ٦٢] (إلى آخر الآية). يفيد أن المستأذن مؤمن لا محالة. وأن الذاهب بغير إذنه ليس كذلك وفيه أن الإمام إذا جمع الناس لتدبير أمر من أمور المسلمين أن لا يرجعوا إلا بإذنه وكذلك إذا خرجوا للغزو لا ينبغي لأحد أن يرجع بغير إذنه ولا يخالف أمير السرية لا يقال لا يستأذن غيره ﵊ إذ الحكم السابق من خصوصياته ﵊ لأنه إذا كان ممن عيّنه الإمام فطرأ له ما يقتضي التخلف أو الرجوع فإنه يحتاج إلى الاستئذان والاحتجاج بالآية للترجمة في تمام الآية، ﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم﴾. قال مقاتل: نزلت في عمر ﵁ استأذن في الرجوع إلى أهله في غزوة تبوك فأذن له وقال: انطلق لست بمنافق يريد بذلك تسميع المنافقين، ولأبي ذر على أمر جامع الآية، ولأبي عساكر إلى قوله تعالى: ﴿إن الله غفور رحيم﴾.
٢٩٦٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ، فَتَلَاحَقَ بِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا عَلَى نَاضِحٍ لَنَا قَدْ أَعْيَا فَلَا يَكَادُ يَسِيرُ، فَقَالَ لِي: مَا لِبَعِيرِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أعْيَا. قَالَ: فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَزَجَرَهُ وَدَعَا لَهُ، فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَي الإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ، فَقَالَ لِي: كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بِخَيْرٍ، قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ. قَالَ: أَفَتَبِيعُنِيهِ قَالَ: فَاسْتَحْيَيْتُ، لَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِحٌ غَيْرَهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَبِعْنِيهِ، فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ الْمَدِينَةَ. قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي عَرُوسٌ، فَاسْتَأْذَنْتُهُ فَأَذِنَ لِي، فَتَقَدَّمْتُ النَّاسَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَقِيَنِي خَالِي فَسَأَلَنِي عَنِ الْبَعِيرِ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ بهِ فَلَامَنِي. قَالَ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِي حِينَ اسْتَأْذَنْتُهُ: هَلْ تَزَوَّجْتَ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا. فَقَالَ: فَهَلاَّ تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُوُفِّيَ وَالِدِي -أَوِ اسْتُشْهِدَ- وَلِي أَخَوَاتٌ صِغَارٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ مِثْلَهُنَّ فَلَا تُؤَدِّبُهُنَّ وَلَا تَقُومُ عَلَيْهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ وَتُؤَدِّبَهُنَّ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ غَدَوْتُ عَلَيْهِ بِالْبَعِيرِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ وَرَدَّهُ عَلَىَّ" قَالَ الْمُغِيرَةُ: هَذَا فِي قَضَائِنَا حَسَنٌ لَا نَرَى بِهِ بَأْسًا.
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه قال: (أخبرنا جرير) بالجيم هو ابن عبد الحميد بن قرط بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة الضبي الكوفي (عن المغيرة) بن مقسم بكسر الميم (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ قال: غزوت مع رسول الله ﷺ ¬) غزوة تبوك كما في البخاري أو ذات الرقاع كما في طبقات
стр. 3578
ابن سعد أو الفتح كما في مسلم بلفظ: أقبلنا من مكة إلى المدينة (قال: فتلاحق بي النبي ﷺ وأنا على ناضح لنا) بنون وضاد معجمة بعير يستقى عليه وسمي بذلك لنضحه بالماء حال سقيه وعند البزار أنه كان أحمر (قد أعيا) بهمزة مفتوحة قبل العين الساكنة أي تعب وعجز عن المشي (فلا يكاد يسير فقال لي) ﵊:
(ما لبعيرك) (قال: قلت عيى) ولأبي ذر عن الكشميهين: أعيا بالهمزة قبل العين (قال: فتخلف رسول الله ﷺ ¬) ولأبي ذر سقوط التصلية (فزجره ودعا له) ولمسلم وأحمد فضربه برجله ودعا له وفي رواية يونس بن بكير عن زكريا عند الإسماعيلي فضربه رسول الله ﵊ ودعا له فمشى مشية ما مشى قبل ذلك مثلها (فما زال بين يدي الإبل قدامها يسير، فقال لي) ﵊: (كيف ترى بعيرك) (قال: قلت: بخير قد أصابته بركتك قال): (فتبيعنيه) بنون وتحتية بعد العين ولابن عساكر: أفتبيعه بإسقاطهما (قال: فاستحييت) منه (ولم يكن لنا ناضح غيره قال: قلت) له ﵊ (نعم. قال) (فبعنيه) زاد في الشروط بأوقية (فبعته إياه على أن لي فقار ظهره) بفتح الفاء خرزات عظام الظهر وهي مفاصل عظامه أي على أن لي الركوب عليه (حتى) أي إلى أن (أبلغ المدينة) وفي الشروط وغيره فاستثنيت حملانه إلى أهله بضم الحاء أي الحمل والمفعول محذوف أي حملانه إياي أو متاعي أو نحو ذلك فالمصدر مضاف للفاعل، واختلف في جواز بيع الدابة بشرط ركوب البائع فجوّزه المؤلّف لكثرة رواية الاشتراط وعليه أحمد، وجوّزه مالك إذا كانت المسافة قريبة ومنعه الشافعي وأبو حنيفة مطلقًا لحديث النهي عن بيع وشرط.
وأجيب عن هذا الحديث: بأنه ﷺ لم يرد حقيقة البيع بل أراد أن يعطيه الثمن بهذه الصورة أو أن الشرط لم يكن في نفس العقد بل كان سابقًا أو لاحقًا فلم يؤثر في العقد، ووقع عند النسائي أخذته بكذا وأعرتك ظهره إلى المدينة فزال الإشكال، لكن اختلف فيها حماد بن زيد وسفيان بن عيينة وحماد أعرف بحديث أيوب من سفيان، والحاصل أن الذين ذكروه بصيغة الاشتراط أكثر عددًا من الذين خالفوهم، وهذا وجه من وجوه الترجيح فيكون أصح ويترجح أيضًا بأن الذين رووه بصيغة الاشتراط معهم زيادة وهم حفاظ فيكون حجة.
(قال: فقلت: يا رسول الله إني عروس) يستوي فيه الذكر والأنثى وفي النكاح قريب عهد بعرس أي قريب عهد بالدخول على المرأة (فاستأذنته) ﵊ في التقدم (فأذن لي فتقدمت الناس إلى المدينة حتى أتيت المدينة فلقيني خالي) اسمه ثعلبة بن عنمة بن عدي بن سنان وله خال آخر اسمه عمرو بن عنمة، وعند ابن عساكر: اسمه الجدّ بفتح الجيم وتشديد الدال ابن قيس وقد ذكروا أنه خاله من جهة مجازية فيحتمل أن يكون الذي لامه على بيع الجمل أيضًا لأنه كان يتهم بالنفاق بخلاف ثعلبة وعمرو ابني عنمة (فسألني عن البعير فأخبرته بما صنعت فيه) ولأبي ذر: صنعت به (فلامني) على بيعه من جهة أنه ليس لنا ناضح غيره، ولأحمد من رواية نبيح بضم النون
стр. 3579
وفتح الموحدة آخره حاء مهملة فأتيت عمتي بالمدينة فقلت لها: ألم ترى أني بعت ناضحنا فما رأيت أعجبها ذلك. الحديث. واسمها هند بنت عمرو، ويحتمل أنهما جميعًا لم يعجبهما بيعه لما ذكر من أنه لم يكن عنده ناضح غيره.
(قال: وقد كان رسول الله ﷺ قال لي حين استأذنته) في التقدم إلى المدينة (هل تزوجت بكرًا أم) تزوجت (ثيبًا) قال ابن مالك في توضيحه فيه شاهد على أن هل قد تقع موقع الهمزة المستفهم بها عن التعيين فتكون أم بعدها متصلة غير منقطعة لأن استفهام النبي ﷺ جابرًا لم يكن إلا بعد علمه بتزوجه إما بكرًا وإما ثيبًا فطلب منه الإعلام بالتعيين كما كان يطلب بأي فالموضع إذًا موضع الهمزة لكن استغنى عنها بهل وثبت بذلك أن أم المتصلة قد تقع بعد هل كما تقع بعد الهمزة اهـ.
وتعقبه في المصابيح فقال: يمكن أن يقال: لا نسلم أنها في الحديث متصلة ولم لا يجوز أن تكون منقطعة. وثيبًا مفعول بفعل محذوف فاستفهم أوّلاً ثم أضرب واستفهم ثانيًا، والتقدير: أتزوجت ثيبًا؟ قال: ولا شك أن المصير إلى هذا أولى لما في الأول من إخراج عما عهد فيها من كونها لا تعادل إلا الهمزة.
(فقلت) له ﵊ (تزوجت ثيبًا) هي سهيلة بنت معوذ الأوسية (فقال): ﵊ بفاء قبل القاف (هلا) بغير فاء قبل الهاء ولأبي ذر قال: فهلا (تزوجت بكرًا تلاعبها وتلاعبك) المراد الملاعبة المشهورة بدليل مجيئه في رواية أخرى بلفظ: تضاحكها وتضاحكك (فقلت: يا رسول الله توفي والدي أو استشهد ولي أخوات صغار) ولمسلم قلت: إن عبد الله هلك وترك تسع بنات (فكرهت أن أتزوج مثلهن فلا تؤدبهن) بالرفع، ولأبي ذر: فلا تؤدبهن بالنصب (ولا تقوم) بالرفع، ولأبي ذر: ولا تقوم بالنصب (عليهن فتزوجت ثيبًا لتقوم عليهن وتؤدبهن) بالرفع ولأبي ذر بالنصب (قال: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة غدوت عليه بالبعير فأعطاني ثمنه وردّه) أي البعير (عليّ) فحصل لجابر الثمن والمثمن معًا. وفي رواية معمر الماضية في الاستقراض فأعطاني ثمن الجمل والجمل وسهمي مع القوم وكلها بطريق المجاز لأن العطية إنما كانت بواسطة بلال كما رواه مسلم من هذا الوجه، فلما قدمت المدينة قال لبلال: "أعطه أوقية من ذهب" قال: فأعطاني أوقية وزادني قيراطًا فقلت: لا تفارقني زيادة رسول الله ﷺ .
(قال المغيرة) المذكور بالسند السابق أو هو من التعليقات (هذا) أي البيع بمثل هذا الشرط (في قضائنا) حكمنا (حسن لا نرى به بأسًا) لأنه أمر معلوم لا خداع فيه ولا موجب للنزاع.
وهذا الحديث ذكره المؤلّف في عشرين موضعًا، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
стр. 3580
١١٤ - باب مَنْ غَزَا وَهُوَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسِهِ فِيهِ جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -
(باب من غزا وهو) أي والحال أنه (حديث عهد بعرسه) بضم العين كما في الفرع وأصله أي بزمان عرسه وبكسرها أي بزوجته، ولأبي ذر عن الكشميهني: بعرس بغير ضمير مع ضم العين (فيه جابر) أي في الباب حديث جابر السابق قريبًا (عن النبي ﷺ ¬) فاكتفى بالقرب عن السياق.
١١٥ - باب مَنِ اخْتَارَ الْغَزْوَ بَعْدَ الْبِنَاءِ فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -
(باب من اختار الغزو بعد البناء) أي الدخول بزوجته لا قبله لعدم تفرغ قلبه للجهاد وإقباله عليه بنشاط لأن الذي يعقد عقده على امرأة يصير متعلق الخاطر بها بخلاف ما إذا دخل بها فإنه يصير الأمر في حقه أخف غالبًا (فيه أبو هريرة) أي في الباب حديثه (عن النبي ﷺ ¬) الآتي في الخمس من طريق همام عنه بلفظ: غزا نبي من الأنبياء فقال: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة ولما يبن بها وإنما لم يسقه هنا لأنه جرى على عادته الغالبة في أنه لا يعيد الحديث الواحد إذا اتحد مخرجه في مكانين بصورته غالبًا بل يتصرف فيه بالاختصار وأما قول الكرماني وإنما لم يذكره واكتفى بالإشارة إليه لأنه لم يكن على شرطه فأراد التنبيه عليه فليس بجيد.
١١٦ - باب مُبَادَرَةِ الإِمَامِ عِنْدَ الْفَزَعِ
(باب مبادرة الإمام) بالركوب (عند) وقوع (الفزع) وهو الإغاثة وفي الأصل الخوف.
٢٩٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ حَدَّثَنِي قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَزَعٌ، فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا لأَبِي طَلْحَةَ فَقَالَ: مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيءٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن شعبة قال: حدّثني) بالإفراد (قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان بالمدينة فزع فركب رسول الله) ولابن عساكر النبي (¬ ﷺ فرسًا) هو المندوب (لأبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري زوج أم أنس بن مالك (فقال): (ما رأينا من شيء) يوجب الفزع (وإن وجدناه) أي الفرس (لبحرًا) بلام التأكيد وإن مخففة من الثقيلة والمعنى أنه كالبحر في سرعة جريه كأنه يسبح في جريه كما يسبح ماء البحر إذا ركب بعض أمواجه بعضًا.
стр. 3581
١١٧ - باب السُّرْعَةِ وَالرَّكْضِ فِي الْفَزَعِ
(باب السرعة والركض) وهو ضرب من السير (في الفزع).
٢٩٦٩ - حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "فَزِعَ النَّاسُ فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا لأَبِي طَلْحَةَ بَطِيئًا، ثُمَّ خَرَجَ يَرْكُضُ وَحْدَهُ، فَرَكِبَ النَّاسُ يَرْكُضُونَ خَلْفَهُ فَقَالَ: لَمْ تُرَاعُوا، إِنَّهُ لَبَحْرٌ. فَمَا سُبِقَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ".
وبه قال: (حدّثنا الفضل بن سهل) بفتح السين المهملة وسكون الهاء الأعرج البغدادي قال: (حدّثنا حسين بن محمد) هو ابن بهرام التميمي قال: (حدّثنا جرير بن حازم) بفتح الجيم في الأول وبالحاء المهملة والزاي في الآخر ابن زيد الأزدي البصري (عن محمد) هو ابن سيرين (عن أنس بن مالك ﵁ قال: فزع الناس فركب رسول الله ﷺ فرسًا لأبي طلحة بطيئًا ثم خرج) ﵊ (يركض) الفرس (وحده) من غير رفيق (فركب الناس يركضون خلفه فقال) ﵊:
(لم تراعوا) أي لا تراعوا فلم بمعنى لا أي لا تخافوا وهو مجزوم بحذف النون (إنه) أي الفرس (لبحر) أي كالبحر في سرعة سيره (فما سبق) بضم السين مبنيًّا للمفعول، ولأبي الوقت قال فما سبق (بعد ذلك اليوم).
١١٨ - باب الْخُرُوجِ فِي الْفَزَعِ وَحْدَهُ
(باب الخروج في الفزع وحده) كذا ثبتت هذه الترجمة في اليونينية وغيرها من غير حديث، ولعله أراد أن يكتب فيه حديث أنس من وجه آخر فلم يتيسر له ذلك وقد رقم عليه اليونيني علامة أبي ذر.
١١٩ - باب الْجَعَائِلِ وَالْحُمْلَانِ فِي السَّبِيلِ
(باب الجعائل) بالجيم والعين المفتوحتين جمع جعيلة ما يجعله القاعد من الأجرة لمن يغزو عنه (والحملان) بضم الحاء المهملة وسكون الميم مجرور عطفًا على سابقه مصدر كالحمل (في السبيل) أي سبيل الله وهو الجهاد.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: الْغَزْوُ. قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أُعِينَكَ بِطَائِفَةٍ مِنْ مَالِي. قُلْتُ: أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيَّ. قَالَ: إِنَّ غِنَاكَ لَكَ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَالِي فِي هَذَا الْوَجْهِ. وَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ نَاسًا يَأْخُذُونَ مِنْ هَذَا الْمَالِ لِيُجَاهِدُوا، ثُمَّ لَا يُجَاهِدُونَ، فَمَنْ فَعَلَهُ فَنَحْنُ أَحَقُّ بِمَالِهِ حَتَّى نَأْخُذَ
стр. 3582
مِنْهُ مَا أَخَذَ. وَقَالَ طَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ: إِذَا دُفِعَ إِلَيْكَ شَىْءٌ تَخْرُجُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ وَضَعْهُ عِنْدَ أَهْلِكَ.
(وقال مجاهد) هو ابن جبر ضد الكسر المفسر التابعي مما وصله المؤلّف في غزوة الفتح بمعناه (قلت لابن عمر) بن الخطاب (الغزو) أريد بالرفع كما في الفرع مبتدأ خبره محذوف، ولأبي ذر عن الكشميهني: أتغزو بالنون المفتوحة وضم الزاي بعدها واو، وفي بعض الأصول الغزو بالنصب مفعولاً بفعل محذوف أي أريد الغزو، وقول ابن حجر على الإغراء والتقدير عليك الغزو، وتعقبه العيني بأنه لا يستقيم ولا يصح معناه لأن مجاهدًا يخبر عن نفسه أنه يريد الغزو لا أنه يطلب من ابن عمر ذلك ويدل له قوله (قال) ابن عمر: (إني أحب أن أعينك بطائفة من مالي. قلت: أوسع الله عليّ. قال: إن غناك لك، وإني أحب أن يكون من مالي في هذا الوجه). فيه أنه لا يكره إعانة المغازي بنحو فرس. نعم اختلف فيما إذا آجر الغازي نفسه أو فرسه في الغزو فجوّزه الشافعية وكره المالكية وكذا الحنفية لكنهم استثنوا ما إذا كان بالمسلمين ضعف وليس في بيت المال شيء وإن أعان بعضهم بعضًا جاز لا على وجه البدل.
(وقال عمر) بن الخطاب مما وصله ابن أبي شيبة وكذا المؤلّف في تاريخه من هذا الوجه (إن ناسًا يأخذون من هذا المال ليجاهدوا) نصب بلام كي بحذف النون (ثم لا يجاهدون فمن فعله) أي الأخذ ولم يجاهد ولأبي ذر فمن فعل (فنحن أحق بماله حتى نأخذ منه ما أخذ) أي الذي أخذه وفيه أن كل من أخذ شيئًا من بيت المال على عمل إذا أهمل العمل ردّ ما أخذ بالقضاء وكذلك الأخذ منه على عمل لا يتهيأ له.
(وقال طاوس ومجاهد: إذا دفع إليك شيء) يضم الدال مبنيًّا للمفعول (تخرج به في سببل الله فاصنع به ما شئت) مما يتعلق بسبيل الله (وضعه) أي حتى الوضع (عند أهلك). فإنه أيضًا من تعلقاته.
٢٩٧٠ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ، فَقَالَ زَيْدٌ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: "قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَرَأَيْتُهُ يُبَاعُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ آشْتَرِيهِ؟ فَقَالَ: لَا تَشْتَرِهِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ".
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: سمعت مالك بن أنس) الأصبحي إمام دار الهجرة (سأل زيد بن أسلم فقال زيد: سمعت أبي) أسلم مولى عمر بن الخطاب (يقول: قال عمر بن الخطاب ﵁: حملت على فرس في سبيل الله) أي ملكه وعند المؤلّف أنه أعطاها رسول الله ﷺ ليحمل عليها فحمل عليها رجل الحديث قال عمر (فرأيته) أي الفرس (يباع فسألت النبي ﷺ آشتريه) بهمزة استفهام ممدودة (فقال):
стр. 3583
(لا تشتره) بحذف الياء قبل الهاء جزمًا على النهي (ولا تعد) أي لا ترجع (في صدقتك).
ومطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث أن الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله كان حملانًا ولم يكن حبسًا إذ لو كان حبسًا لم يجز بيعه.
٢٩٧١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ، فَأَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا تَبْتَعْهُ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ".
وبه قال: (حدثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن نافع عن عبد الله بن عمر) ولأبي ذر عن ابن عمر (﵄ أن عمر بن الخطاب) سقط في رواية أبي ذر ابن الخطاب (حمل على فرس في سبيل الله فوجده يباع) بضم أوله مبنيًّا للمفعول (فأراد أن يبتاعه) أي يشتريه (فسأل رسول الله ﷺ فقال):
(لا تبتعه) بسكون الموحدة وجزم العين على النهي أي لا تشتره (ولا تعد في صدقتك).
٢٩٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ وَلَكِنْ لَا أَجِدُ حَمُولَةً، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، وَيَشُقُّ عَلَىَّ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي قَاتَلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقُتِلْتُ ثُمَّ أُحْيِيتُ، ثُمَّ قُتِلْتُ ثُمَّ أُحْيِيتُ».
وبه قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: حدّثني) بالإفراد (أبو صالح) ذكوان الزيات (قال: سمعت أبا هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لولا أن أشق على أمتي) لأن أنفسهم لا تطيب بالتخلف ولا يقدرون على التأهب لعجزهم عن آلة السفر (ما تخرفت عن سرية)، هي القطعة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدوّ (ولكن لا أجد حمولة) هي التي يحمل عليها من كبار الإبل (ولا أجد ما أحملهم عليه وبشق علي أن يتخلفوا عني، ولوددت أي والله لوددت (أني قاتلت في سبيل الله فقتلت ثم أحييت، ثم قتلت ثم أحييت).
بالبناء للمفعول في الأربعة وتمنّيه ﵊ ذلك للحرص منه على الوصول إلى أعلى درجات الشاكرين بدلاً لنفسه في مرضاة ربه وإعلاء كلمته ورغبته في الازدياد من الثواب ولتتأسى به أمته.
١٢٠ - باب الأَجِيرِ
وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ: يُقْسَمُ لِلأَجِيرِ مِنَ الْمَغْنَمِ.
стр. 3584
وَأَخَذَ عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ فَرَسًا عَلَى النِّصْفِ فَبَلَغَ سَهْمُ الْفَرَسِ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، فَأَخَذَ مِائَتَيْنِ وَأَعْطَى صَاحِبَهُ مِائَتَيْنِ.
(باب الأجير) في الغزو هل يسهم له أم لا. (وقال الحسن) البصري (وابن سيرين) محمد مما وصله عبد الرزاق عنهما بمعناه (يقسم للأجير من المغنم) خصّه الشافعية بالأجير لغير الجهاد كسياسة الدواب وحفظ الأمتعة ونحوهما مع القتال لأنه شهد الواقعة وتبين بقتاله أنه لم يقصد بخروجه محض غير الجهاد بخلاف ما إذا لم يقاتل ومحل ذلك في أجير وردت الإجارة على عينه فإن وردت على ذمته أعطي وإن لم يقاتل سواء تعلقت بمدة معينة أم لا. أما الأجير للجهاد فإن كان ذميًّا فله الأجرة دون السهم والرضخ إذ لم يحضر مجاهدًا لإعراضه عنه بالإجارة أو مسلمًا فلا أجرة له لبطلان إجارته له لأنه بحضوره الصف يتعين عليه وهل يستحق السهم فيه وجهان في الروضة وأصلها أحدهما نعم لشهود الوقعة والثاني لا وبه قطع البغوي سواء قاتل أم لا إذ لم يحضر مجاهدًا لإعراضه عنه بالإجارة وكلام الرافعي يقتضي ترجيحه. وقال المالكية والحنفية إذا استؤجر لأن يقاتل لا يسهم له.
(وأخذ عطية بن قيس) الكلاعي الحمصي أو الدمشقي المتوفى سنة عشر ومائة (فرسًا) لم يسم صاحب الفرس (على النصف) مما يخص غيرها من الكراع وقت القسمة (فبلغ سهم الفرس أربعمائة دينار، فأخذ مائتين وأعطى صاحبه) النصف (مائتين). وقد وافقه على ذلك الأوزاعي وأحمد خلافًا للأئمة الثلاثة، وقد زاد المستملي هنا باب استعارة الفرس في الغزو قال الحافظ ابن حجر وهو خطأ لأنه يستلزم أن يخلو باب الأجير من حديث مرفوع ولا مناسبة بينه وبين حديث يعلى بن أمية اهـ.
٢٩٧٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: "غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ فَحَمَلْتُ عَلَى بَكْرٍ، فَهْوَ أَوْثَقُ أَعْمَالِي فِي نَفْسِي، فَاسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا فَقَاتَلَ رَجُلاً فَعَضَّ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ وَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَهْدَرَهَا فَقَالَ: أَيَدْفَعُ يَدَهُ إِلَيْكَ فَتَقْضَمُهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ؟
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن صفوان بن يعلى عن أبيه) يعلى بن أمية (﵁ قال: غزوت مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك فحملت على بكر) فتيّ الإبل (فهو أوثق أعمالي في نفسي) بالمثلثة قبل القاف وأعمالي بالعين المهملة وللحموي أوفق أحمالي بالفاء، بدل المثلثة والحاء المهملة بدل العين وللمستملي أوثق أجمالي بالمثلثة وبالجيم وصوب البرماوي الأولى (فاستأجرت أجيرًا) لم يسم وفي رواية أبي داود آذن رسول الله ﷺ في الغزو وأنا شيخ ليس لي خادم فالتمست أجيرًا يكفيني وأجرى له سهمين فوجدت رجلاً فلما دنا الرحيل أتاني فقال: ما أدري ما السهمان فسم لي شيئًا كان السهم أو لم يكن؟ فسميت له
стр. 3585
ثلاثة دنانير (فقاتل) الأجير (رجلاً) هو يعلى بن أمية نفسه (فعض أحدهما الأخر) في مسلم أن العاض هو يعلى بن أمية (فانتزع) المعضوض (يده من فيه) من في العاض (ونزع ثنيته) واحدة الثنايا من الأسنان (فأتى) العاض الذي نزعت ثنيته (النبي ﷺ فأهدرها) أي أسقطها (فقال): بالفاء، ولأبي ذر: وقال:
(أيدفع يده إليك فتقضمها) بفتح المثناة الفوقية والضاد المعجمة من القضم وهو الأكل بأطراف الأسنان يقال قضمت الدابة بالكسر تقضم بالفتح (كما يقضم الفحل) بالحاء المهملة لا الفجل بالجيم والغرض منه قوله فاستأجرت أجيرًا.
١٢١ - باب مَا قِيلَ فِي لِوَاءِ النَّبِيِّ ﷺ -
(باب ما قيل في لواء النبي ﷺ ¬) اللواء بكسر اللام والمد الراية وهي العلم أيضًا أو هو غيرها وهي ثوب يجعل في طرف الرمح ويخلى كهيئته تصفقه الرياح والعلم يعقد أو هو دونها أو هو العلم الضخم وعلى التفرقة قوم كالترمذي، ويؤيده حديث ابن عباس المروي عنده وأحمد: كانت راية رسول الله ﷺ سوداء ولواؤه أبيض، ومثله عند الطبراني عن بريدة. وعند ابن عدي عن أبي هريرة وزاد: مكتوب فِه: لا إله إلا الله محمد رسول الله وهو ظاهر في التغاير، والذي صرح به غير واحد من أهل اللغة ترادفهما فلعل التفرقة بينهما عرفية وقد كانت الراية يمسكها رئيس الجيش ثم صارت تحمل على رأسه، وأما العلم العلامة لمحل الأمير ومعه حيث دار وكان اسم رايته ﵊ العقاب.
٢٩٧٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنا اللَّيْثُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ الْقُرَظِيُّ: "أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ الأَنْصَارِيَّ ﵁-وَكَانَ صَاحِبَ لِوَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أَرَادَ الْحَجَّ فَرَجَّلَ".
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) بكسر العين هو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم الجمحي (قال: حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (الليث) بن سعيد الإمام (قال: أخبرني) بالإفراد (عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (ثعلبة بن أبي مالك) عبد الله المدني (القرظي أن قيس بن سعد) أي ابن عبادة (الأنصاري) الصحابي ابن الصحابي سيد الخزرج ابن سيدهم (﵁: وكان صاحب لواء رسول الله ﷺ ¬) جملة معترضة بين اسم أن وخبرها وهو قوله (أراد الحج فرجل) بتشديد الجيم لا بالحاء المهملة أي سرح شعر رأسه قبل أن يحرم بالحج فمفعول رجل محذوف. وهذا طرف من حديث أخرجه الإسماعيلي وتمامه: فرجَّل أحد شقي رأسه فقام غلام له فقلد هديه فنظر قيس فإذا هديه قد قلد فأهلّ بالحج ولم يرجل شق رأسه الآخر، وإنما اقتصر على هذا القدر الذي ساقه لأنه موقوف وليس من غرضه وإنما أراد منه أن قيسًا
стр. 3586
كان صاحب لوائه ﵊ أي الذي يختص بالخزرج من الأنصار، وقد كان ﵊ يدفع إلى كل رئيس قبيلة لواء يقاتلون تحته. نعم قوله وكان صاحب لوائه مرفوع لأنه لا يتقرر في ذلك إلا بإذنه ﵊.
٢٩٧٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بنُ سعيدٍ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: "كَانَ عَلِيٌّ ﵁ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَيْبَرَ، وَكَانَ بِهِ رَمَدٌ، فَقَالَ: أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَخَرَجَ عَلِيٌّ فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ . فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا فِي صَبَاحِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ -أَوْ قَالَ: لَيَأْخُذَنَّ- غَدًا رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَوْ قَالَ: يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِيٍّ وَمَا نَرْجُوهُ. فَقَالُوا: هَذَا عَلِيٌّ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ".
[الحديث ٢٩٧٥ - طرفاه في: ٣٧٠١، ٤٢٠٩].
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) ولأبي ذر قتيبة بن سعيد قال: (حدّثنا حاتم بن إسماعيل) بالحاء المهملة الكوفي سكن المدينة (عن يزيد بن أبي عبيد) بضم العين وفتح الموحدة مولى سلمة (عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: كان علي) هو ابن أبي طالب (﵁ تخلف عن النبي ﷺ في) غزوة (خيبر وكان به رمد فقال: أنا أتخلف عن رسول الله ﷺ ¬)؟ يعني لأجل الرمد والهمزة في أنا للاستفهام مقدرة أو ملفوظة للإنكار كأنه أنكر على نفسه تخلفه (فخرج عليّ فلحق بالنبي ﷺ ¬) بخيبر أو في أثناء الطريق (فلما كان مساء الليلة التي فتحها في صباحها فقال رسول الله ﷺ ¬):
(لأُعطين الراية) بضم الهمزة وفي اليونينية لأعطين بفتحها (أو قال): (ليأخذن) شك الراوي ولأبي ذر أو ليأخذن فأسقط لفظ قال (غدا رجل) بالرفع على الفاعلية وللحموي والمستملي رجلاً بالنصب مفعول لأعطين (يحبه الله ورسوله) (أو قال): (يحب الله ورسوله يفتح الله عليه) خيبر (فإذا نحن بعليّ) قد حضر (وما نرجوه) أي بقدومه في ذلك الوقت للرمد الذي به (فقالوا) للنبي ﷺ (هذا علي) قد حضر (فأعطاه رسول الله ﷺ ¬) الراية (ففتح الله عليه) خيبر، والغرض منه قوله: "لأعطين الراية غدًا رجلاً يحبه الله" فإنه يشعر بأن الراية لم تكن خاصة بشخص بعينه بل كان يعطيها في كل غزوة لمن يريد.
٢٩٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: "سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ لِلزُّبَيْرِ ﵄: هَاهُنَا أَمَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَرْكُزَ الرَّايَةَ".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن نافع بن جبير) أي ابن مطعم (قال: سمعت العباس) بن عبد المطلب (يقول للزبير) بن العوّام (﵄ هاهنا) أي
стр. 3587
بالحجون (أمرك النبي ﷺ أن تركز الراية) بفتح التاء وضم الكاف وتمامه قال: نعم. والحديث يأتي مطوّلاً في غزوة الفتح إن شاء الله تعالى مع مباحثه وفيه أن الراية لا تركز إلا بإذن الإمام لأنها علامة عليه وعلى مكانه فلا ينبغي أن يتصرف فيها إلا بأمره.
١٢٢ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ"
وَقَوْلِ اللهِ : ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥١] قَاله جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(ياب قول النبي ﷺ ¬) (نصرت بالرعب مسيرة شهر) أي مسافته. (وقوله جل وعز) ولأبي ذر وقول الله : (﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾) [آل عمران: ١٥١] قال أهل التفسير يريد ما قذف في قلوبهم من الخوف يوم الأحزاب حتى تركوا القتال ورجعوا من غير سبب: زاد في غير رواية أبي ذر: (﴿بما أشركوا بالله﴾) أي بسبب إشراكهم به.
(قال) ولأبي: قاله، أي نصره ﵊ بالرعب (جابر) مما وصله المؤلّف في أوّل كتاب التيمم (عن النبي ﷺ ¬) ولفظه: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر" الحديث. وإنما اقتصر على الشهر لأنه لم يكن بينه وبين الممالك الكبار كالشام والعراق ومصر أكثر من شهر وليس المراد بالخصوصية مجرد حصول الرعب بل هو وما ينشأ عنه من الظفر بالعدوّ.
٢٩٧٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ. فَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُوتِيتُ مَفَاتِيح خَزَائِنِ الأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا».
[الحديث ٢٩٧٧ - أطرافه في: ٦٩٩٨، ٧٠١٣، ٧٢٧٣].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة قال: (حدّثنا الليث) بن سعد (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف (عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسبب) بفتح المثناة التحتية (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(بعثت) بضم الموحدة (بجوامع الكلم) من إضافة الصفة إلى الموصوف وهي الكلمة الموجزة لفظًا المتسعة معنى وهذا شامل للقرآن والسُّنّة، فقد كان ﷺ يتكلم بالمعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة (ونصرت) على الأعداء (بالرعب) أي الخوف زاد في رواية التيمم السابقة "مسيرة شهر" وللطبراني من حديث السائب بن يزيد: "شهرًا أمامي وشهرًا خلفي" ولا تنافي بينه وبين حديث جابر على ما لا يخفى (فبينا أنا نائم أُوتيت مفاتيح) بضم الهمزة وواو بعدها وبحذف الموحدة من مفاتيح ولغير أبي ذر أتيت بمفاتيح (خزائن الأرض) كخزائن كسرى وقيصر ونحوهما أو معادن الأرض التي منها
стр. 3588
الذهب والفضة (فوضعت في يدي) كناية عن وعد ربه بما ذكر أنه يعطيه أمته وكذا وقع ففتح لأمته ممالك كثيرة فغنموا أموالها واستباحوا خزائن ملوكها، وقد حمل بعضهم ذلك على ظاهره فقال: هي خزائن أجناس أرزاق العالم ليخرج لهم بقدر ما يطلبونه لذواتهم فكل ما ظهر من رزق العالم فإن الاسم الإلهي لا يعطيه إلا عن محمد ﷺ الذي بيده المفاتيح كما اختص تعالى بمفاتيح الغيب فلا يعلمها إلا هو، وأعطى هذا السيد الكريم منزلة الاختصاص بإعطائه مفاتيح الخزائن اهـ.
(وقال أبو هريرة): ﵁ (وقد ذهب رسول الله ﷺ وأنتم تنتثلونها). بفتح المثناة الفوقية وسكون النون وفتح الفوقية وكسر المثلثة أي تستخرجونها أي الأموال من مواضعها يشير إلى أنه ﵊ ذهب ولم ينل منها شيئًا.
٢٩٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ "أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ -وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ- ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ".
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة بالزاي (عن) ابن شهاب (الزهري قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بالتصغير (ابن عبد الله) بن عتبة بن مسعود (أن ابن عباس ﵄ أخبره أن أبا سفيان) صخر بن حرب (أخبره أن هرقل) عظيم الروم الملقب بقيصر (أرسل إليه وهم بإيلياء) بيت المقدس (ثم) بعد حضورهم (دعا بكتاب رسول الله ﷺ ¬) الذي بعث به مع دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه (فلما فرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب) اختلاط الأصوات ولأبي ذر كثرت بتاء التأنيث (فارتفعت الأصوات) بالفاء ولأبي ذر: وارتفعت الأصوات (وأخرجنا) من مجلسه قال أبو سفيان (فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمر) جواب قسم محذوف أي والله لقد أمر بكسر الميم أي عظم (أمر ابن أبي كبشة) بفتح الكاف وسكون الموحدة يريد النبي ﷺ (أنه) بكسر الهمزة على الاستئناف البياني ويجوز فتحها على أنه مفعول لأجله (يخافه ملك بني الأصفر) الروم.
وهذا موضع الترجمة لأنه كان بين المدينة وبين الموضع الذي ينزله قيصر مدة شهر أو نحوه.
١٢٣ - باب حَمْلِ الزَّادِ فِي الْغَزْوِ وَقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]
(باب حمل الزاد في الغزو، وقول الله تعالى) ولأبي ذر: بدل قوله تعالى: (﴿وتزودوا﴾) في سفركم للحج والعمرة ما تكفون به وجوهكم عن المسألة (﴿فإن خير الزاد التقوى﴾)
стр. 3589
[البقرة: ١٩٧] كان ناس من أهل اليمن يحجّون بلا زاد مظهرين التوكل ثم يسألون الناس فنزلت أي فمن التقوى الكف عن السؤال والإبرام. وقال بعضهم: تزوّدوا لسفر الدنيا بالطعام وتزوّدوا لسفر الآخرة بالتقوى فإن خير الزاد التقوى.
٢٩٧٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي -وَحَدَّثَتْنِي أَيْضًا فَاطِمَةُ- عَنْ أَسْمَاءَ ﵂ قَالَتْ: "صَنَعْتُ سُفْرَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَتْ: فَلَمْ نَجِدْ لِسُفْرَتِهِ وَلَا لِسِقَائِهِ مَا نَرْبِطُهُمَا بِهِ، فَقُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ: وَاللَّهِ مَا أَجِدُ شَيْئًا أَرْبِطُ بِهِ إِلاَّ نِطَاقِي. قَالَ: فَشُقِّيهِ بِاثْنَيْنِ فَارْبِطِيهِ: بِوَاحِدٍ السِّقَاءَ، وَبِالآخَرِ السُّفْرَةَ، فَفَعَلْتُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ".
[الحديث ٢٩٧٩ - طرفاه في: ٣٩٠٧، ٥٣٨٨].
وبه قال: (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) بضم العين مصغرًا الهباري الكوفي (قال: حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام) هو ابن عروة (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير بن العوام (وحدّثتني) بالإفراد (أيضًا فاطمة) بنت المنذر زوج هشام كلاهما (عن أسماء) بنت أبي بكر (﵂) وعن أبيها (قالت: صنعت سفرة رسول الله ﷺ ¬) بضم سين سفرة وسكون فائها طعام يتخذه المسافر وأكثر ما يحمل في جلد مستدير فنقل اسم الطعام إلى الجلد وسمي به كما سميت المزادة راوية (في بيت أبي بكر) ﵁ (حين أراد أن يهاجر) من مكة (إلى المدينة قالت): أسماء (فلم نجد لسفرته ولا لسقائه) بكسر السين ظرف الماء من الجلد (ما نربطهما به) بالنون وكسر الموحدة كاللاحقة كما في الفرع وأصله.
وهذا موضع الترجمة لأنه يدل على حمل الزاد لأجل السفر، لكنه استشكل لكونه لم يكن سفر غزو. وأجيب بالقياس عليه.
(فقلت لأبي بكر: والله ما أجد شيئًا أربط به إلاّ نطاقي) بكسر النون ما تشدّ به المرأة وسطها ليرتفع به ثوبها من الأرض عند المهنة أو إزار فيه تكة أو ثوب تلبسه المرأة ثم تشد وسطها بحبل ثم ترسل الأعلى على الأسفل (قال) لها أبو بكر (فشقّيه باثنين فاربطيه) وللأصيلي فاربطي (بواحد السقاء وبالآخر السفرة ففعلت) ذلك بفتح اللام وسكون الفوقية مصحّحًا عليه في الفرع وفي اليونينية ففعلت بسكون اللام وضم الفوقية قال الراوي (فلذلك سميت) أسماء (ذات النطاقين). وقيل لأنها كانت تجعل نطاقًا على نطاق أو كان لها نطاقان تلبس أحدهما وتحمل في الآخر الزاد، والمحفوظ الأوّل.
٢٩٨٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "كُنَّا نَتَزَوَّدُ لُحُومَ الأَضَاحِيِّ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ".
стр. 3590
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (أخبرنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بفتح العين هو ابن دينار (قال: أخبرني) بالإفراد، ولأبي ذر قال عمرو أخبرني (عطاء) هو ابن أبي رباح (سمع جابر بن عبد الله ﵄ قال): (كنّا نتزوّد لحوم الأضاحي) بتشديد الياء كما في الفرع ويجوز التخفيف جمع أضحية ما يذبح في يوم عيد الأضحى (على عهد النبي ﷺ إلى المدينة) وهذا وإن لم يكن سفر غزو لكن سفر الغزو مقيس عليه، ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: "كنا نتزود".
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف في الأضاحي والأطعمة ومسلم في الأضاحي والنسائي في الحج.
٢٩٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ النُّعْمَانِ ﵁ أَخْبَرَهُ "أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ -وَهْيَ أدنى خَيْبَرَ- فَصَلَّوُا الْعَصْرَ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِالأَطْعِمَةِ، وَلَمْ يُؤْتَ النَّبِيُّ ﷺ إِلاَّ بِسَوِيقٍ، فَلُكْنَا فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا وَصَلَّيْنَا".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) بن عبيد الزمن العنزي البصري قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي (قال: سمعت يحيى) بن سعيد الأنصاري (قال: أخبرني) بالإفراد (بشير بن يسار) بضم الموحدة وفتح الشين المعجمة ويسار ضد اليمين الحارثي الأنصاري المدني (أن سويد بن النعمان) بن مالك الأنصاري (﵁ أخبره أنه خرج مع النبي ﷺ عام خيبر) في غزوتها سنة سبع وخيبر غير منصرف للتأنيث والعلمية (حتى إذا كانوا) أي النبي وأصحابه (بالصهباء) بالمهملة والموحدة والمد (وهي) أي الصهباء (من خيبر وهي أدنى خيبر) أي أسفلها (فصلوا العصر) (فدعا النبي ﷺ بالأطعمة فلم يؤت) بالفاء ولأبي ذر: ولم يؤت (النبي ﷺ إلا بسويق) وهو ما يجرش من الشعير والحنطة وغيرهما للزاد (فلكنا) بضم اللام وسكون الكاف أي مضغنا السويق وأدرناه في الفم (فأكلنا وشربنا) من الماء أي من رائق السويق (ثم قام النبي ﷺ ¬) إلى صلاة المغرب (فمضمض) قبل الدخول في الصلاة (ومضمضنا) كذلك (وصلينا) نحن والنبي ﷺ ولم نتوضأ.
وموضع الترجمة في قوله: فدعا النبي ﷺ بالأطعمة ومن قوله إلا بالسويق وتقدم الحديث في باب من مضمض من السويق من كتاب الطهارة.
٢٩٨٢ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: "خَفَّتْ أَزْوَادُ النَّاسِ وَأَمْلَقُوا، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فِي نَحْرِ إِبِلِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَلَقِيَهُمْ عُمَرُ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: مَا بَقَاؤُكُمْ بَعْدَ إِبِلِكُمْ؟ فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَقَاؤُهُمْ بَعْدَ إِبِلِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَادِ فِي النَّاسِ يَأْتُونَ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، فَدَعَا وَبَرَّكَ
стр. 3591
عَلَيْهِم، ثُمَّ دَعَاهُمْ بِأَوْعِيَتِهِمْ فَاحْتَثَى النَّاسُ حَتَّى فَرَغُوا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ".
وبه قال: (حدّثنا بشر بن مرحوم) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة ومرحوم بالحاء المهملة جده واسم أبيه عبيس بالعين والسين المهملتين العطار البصري مولى آل معاوية قال: (حدّثنا حاتم بن إسماعيل) بالحاء المهملة وكسر المثناة الفوقية ابن إسماعيل الكوفي (عن يزيد بن أبي عبيد) مولى سلمة بن الأكوع (عن سلمة) بن الأكوع (﵁ قال: خفت) أي قلت (أزواد الناس وأملقوا) أي افتقروا وفنيت أزوادهم كذا قرره الزركشي وابن حجر والبرماوي والعيني بورده في المصابيح بأن قبله خفت أزواد الناس ثم الواقع أنها لم تفن بالكلية بدليل أنهم جمعوا أفضل أزوادهم فبرك ﵊ عليها (فأتوا النبي ﷺ ¬) فاستأذنوه (في نحر إبلهم فأذن لهم) ﵊ في نحرها (فلقيهم عمر) بن الخطاب ﵁ (فأخبروه) بذلك (فقال: ما بقاؤكم بعد) نحر (إبلكم فدخل عمر) ﵁ (على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما بقاؤهم بعد) نحر (إبلهم)؟ أي بقاؤهم يسير لغلبة الهلاك على الرجال، وقول ابن حجر والدماميني تبعًا للزركشي وهذا أخذه عمر ﵁ من نهي النبي ﷺ عن أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر استبقاء لظهورها ليحمل عليها المسلمين ويحمل أزوادهم، تعقبه صاحب اللامع بأن الراجح تحريم الحمر لعينها (قال): ولأبي ذر فقال (رسول الله ﷺ ¬):
(ناد في الناس يأتون بفضل أزوادهم) قال ابن حجر: أي هم يأتون ولذلك رفعه وتعقبه العيني فقال: كونه حالاً أوجه على ما لا يخفى (فدعا) ﷺ (وبرك) بتشديد الراء أي دعا بالبركة (عليه) أي على الطعام ولأبي ذر عن المستملي عليهم على الأزواد (ثم دعاهم بأوعيتهم فاحتثى الناس) بالحاء المهملة والمثلثة أي أخذوا بالحثيات لكثرته أي حفنوا يأيديهم من ذلك (حتى فرغوا) من حاجتهم (ثم قال رسول الله ﷺ ¬): (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله). إشارة إلى أن ظهور المعجزة يؤيد الرسالة.
ومطابقته للترجمة في قوله: خفت أزواد الناس.
١٢٤ - باب حَمْلِ الزَّادِ عَلَى الرِّقَابِ
(باب حمل الزاد على الرقاب) عند تعذر حمله على الدواب.
٢٩٨٣ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرٍ بن عبد الله ﵁ قَالَ: "خَرَجْنَا وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ نَحْمِلُ زَادَنَا عَلَى رِقَابِنَا، فَفَنِيَ زَادُنَا، حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا يَأْكُلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَمْرَةً. قَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَأَيْنَ كَانَتِ التَّمْرَةُ تَقَعُ مِنَ الرَّجُلِ؟
стр. 3592
قَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَقَدْنَاهَا، حَتَّى أَتَيْنَا الْبَحْرَ، فَإِذَا حُوتٌ قَدْ قَذَفَهُ الْبَحْرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا مَا أَحْبَبْنَا".
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي قال: (أخبرنا عبدة) بسكون الموحدة بعد العين المفتوحة ابن سليمان (عن هشام) هو ابن عروة (عن وهب بن كيسان عن جابر ﵁) ولأبي ذر عن جابر بن عبد الله ﵄ (قال: خرجنا) أي في رجب سنة ثمان من الهجرة في بعث قبل الساحل وكان أميره أبا عبيدة بن الجراح (ونحن ثلاثمائة نحمل زادنا على رقابنا ففني زادنا) هذا موضع الترجمة، والظاهر أنه كان لهم زاد بطريق العموم وزاد بطريق الخصوص فلما فني الذي بطريق العموم اقتضى رأي أبي عبيدة أن يجمع الذي بطريق الخصوص للمواساة بينهم في ذلك وجوّز العيني أن يكون معنى فني أشرف على الفناء (حتى كان الرجل منا يأكل تمرة) وللكشميهني في كل يوم تمرة (قال رجل): هو أبو الزبير كما في مسلم وسيأتي إن شاء الله تعالى في المغازي ما يدل على أنه وهب بن كيسان (يا أبا عبد الله) هي كنية جابر (وأين كانت التمرة تقع) أي من جهة الغذاء أو القوت (من الرجل؟ قال: لقد وجدنا فقدها) أي حزنًا على فقدها أو وجدناه مؤثرًا (حين فقدناها) بفتح القاف، وفي رواية أبي الزبير فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ فقال: كنا نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل (حتى أتينا البحر) أي ساحله (فإذا حوت) زاد في رواية غزوة سيف البحر من المغازي مثل الظرب بفتح المعجمة وكسر الراء آخره موحدة الجبل الصغير، والحوت: اسم جنس لجميع السمك أو ما عظم منه، وفي رواية الخولاني فهبطنا ساحل البحر فإذا نحن بأعظم حوت (قدفه) وللحموي والكشميهني: قد قذفه (البحر، فأكلنا منه ثمانية عشر يومًا ما أحببنا) أي ما اشهينا وفي رواية عمرو بن دينار نصف شهر، وفي رواية أبي الزبير أقمنا عليها شهرًا، ورجح النووي هذه الأخيرة لما فيها من الزيادة.
وفيه جواز أكل الحوت الطافي.
١٢٥ - باب إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ خَلْفَ أَخِيهَا
(باب إرداف المرأة خلف أخيها) الراكب.
٢٩٨٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الأَسْوَدِ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَرْجِعُ أَصْحَابُكَ بِأَجْرِ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَلَمْ أَزِدْ عَلَى الْحَجِّ؟ فَقَالَ لَهَا: اذْهَبِي، وَلْيَرْدِفْكِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَنْ يُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ. فَانْتَظَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَعْلَى مَكَّةَ حَتَّى جَاءَتْ".
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم ابن بحر الباهلي البصري قال: (حدّثنا أبو عاصم) النبيل واسمه الضحاك قال: (حدّثنا عثمان بن الأسود) الجمحي قال: (حدّثنا ابن
стр. 3593
أبي مليكة) بضم الميم هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة واسم أبي مليكة زهير (عن عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله يرجع أصحابك بأجر حج وعمرة ولم أزد على الحج؟ فقال لها):
(اذهبي وليردفك) بفتح الياء وضمها في اليونينية أخوك (عبد الرحمن) وهذا موضع الترجمة.
(فأمر عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم) بفتح المثناة الفوقية مكان معروف خارج مكة وهو على أربعة أميال من مكة إلى جهة المدينة كما نقله الفاكهي، وزاد أبو داود في روايته فإذا هبطت بها من الأكمة فلتحرم فإنها عمرة متقبلة. وروى الفاكهي من طريق محمد بن عمير قال: إنما سمي التنعيم لأن الجبل الذي عن يمين الداخل يقال له ناعم والذي عن اليسار يقال له منعم والوادي نعمان، (فانتظرها رسول الله ﷺ بأعلى مكة حتى جاءت).
٢٩٨٥ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ قَالَ: "أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أُرْدِفَ عَائِشَةَ وَأُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ".
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله) ولأبي ذر حدّثنا عبد الله بن محمد أي المسندي قال: (حدّثنا ابن عيينة) سفيان (عن عمرو بن دينار) بفتح العين وسكون الميم ولأبي ذر هو ابن دينار (عن عمرو بن أوس) بفتح العين والهمزة ابن أبي أوس الثقفي الطائفي التابعي وليس بصحابي (عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ قال): (أمرني النبي ﷺ أن أردف) أختي (عائشة) ﵂ (وأعمرها من التنعيم) بضم الهمزة من أردف وأعمرها.
فإن قلت: ما وجه دخول هذين الحديثين هنا؟ أجيب: باحتمال أن يكون من قوله ﵊: جهادكن الحج.
١٢٦ - باب الاِرْتِدَافِ فِي الْغَزْوِ وَالْحَجِّ
(باب الارتداف في) سفر (الغزو و) سفر (الحج).
٢٩٨٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "كُنْتُ رَدِيفَ أَبِي طَلْحَةَ، وَإِنَّهُمْ لَيَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا: الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) وسقط في رواية أبي ذر ابن سعيد قال: (حدّثنا عبد الوهاب) الثقفي قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي (عن أنس ﵁ قال): (كنت رديف أبي طلحة وإنهم) أي النبي ﷺ وأصحابه ﵃ (ليصرخون) بلام التأكيد أي يرفعون أصواتهم (بهما جميعًا الحج والعمرة) بالجرّ فيهما بدلاً
стр. 3594
من الضمير ويجوز النصب على الاختصاص وبالرفع خبر مبتدأ محذوف أي أحدهما الحج والآخر العمرة.
وموضع الترجمة ظاهر وفي الغزو على الحج.
١٢٧ - باب الرِّدْفِ عَلَى الْحِمَارِ
(باب الردف) بكسر الراء أي المرتدف الراكب خلف الراكب (على الحمار).
٢٩٨٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى إِكَافٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ وَرَاءَهُ".
[الحديث ٢٩٨٧ - أطرافه في: ٤٥٦٦، ٥٦٦٣، ٥٩٦٤، ٦٢٠٧].
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا أبو صفوان) عبد الله بن سعيد الأموي (عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن أسامة بن زيد ﵄) (أن رسول الله ﷺ ، ركب على حمار على إكاف) بكسر الهمزة ويقال وكاف بالواو وهو ما يشد على الحمار كالسرج للفرس (عليه) أي على الإكاف (قطيفة) دثار مخمل (وأردف أسامة) بن زيد (وراءه).
والحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في اللباس وفي التفسير والأدب والاستئذان والطلب ومسلم في المغازي والنسائي في الطب.
٢٩٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حدثنا يُونُسُ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْبَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُرْدِفًا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَمَعَهُ بِلَالٌ وَمَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ مِنَ الْحَجَبَةِ حَتَّى أَنَاخَ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمِفْتَاحِ الْبَيْتِ، فَفَتَحَ وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ أُسَامَةُ وَبِلَالٌ وَعُثْمَانُ، فَمَكَثَ فِيهَا نَهَارًا طَوِيلاً، ثُمَّ خَرَجَ فَاسْتَبَقَ النَّاسُ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ، فَوَجَدَ بِلَالاً وَرَاءَ الْبَابِ قَائِمًا. فَسَأَلَهُ: أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَأَشَارَ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ: كَمْ صَلَّى مِنْ سَجْدَةٍ؟.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف قال: (حدّثنا الليث) بن سعد (قال: حدّثنا يونس) بن يزيد الأيلي (أخبرني) بالإفراد (نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله) بن عمر بن الخطاب (¬﵁ أن رسول الله ﷺ أقبل يوم الفتح) في رمضان سنة ثمان من الهجرة (من أعلى مكة) من كداء بالفتح والمدّ (على راحلته) حال كونه (مردفًا أسامة بن زيد) خادمه وهذا موضمع الترجمة ويلحق الارتداف على الراحلة بالارتداف على الحمار نعم هو عليه أقوى في التواضع
стр. 3595
(ومعه بلال) مؤذنه (ومعه عثمان بن طلحة) بن أبي طلحة بن عبد العزى لكونه (من الحجبة) بفتح الحاء المهملة والجيم أي حجبة الكعبة وسدنتها الذين بيدهم مفتاحها (حتى أناخ) ﵊ راحلته (في المسجد) الحرام (فأمره أن يأتي بمفتاح البيت) العتيق فأتى به من عند أمه سلافة بضم السين المهملة (ففتح) ﵊ به الكعبة، ولأبي ذر: ففتح بضم ثانيه مبنيًّا للمفعول (ودخل رسول الله ﷺ ¬) الكعبة (ومعه أسامة وبلال وعثمان) بن طلحة الحجبي (فمكث فيها نهارًا طويلاً) يصلّي ويكبر ويدعو، (ثم خرج) منها (فاستبق الناس) أي فتسابقوا للولوج إلى الكعبة (وكان) بالواو ولأبي ذر فكان (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (أوّل من دخل) الكعبة (فوجد بلالاً وراء الباب قائمًا فسأله أين صلى رسول الله ﷺ ¬)؟ في الكعبة (فأشار) بلال له (إلى المكان الذي صلّى فيه) منها. وفي رواية مسلم أنه قال: صلّى بين العمودين اليمانيين. (قال عبد الله) بن عمر (فنسيت) بالفاء (أن أسأله) أي بلالاً (كم صلّى) النبي ﷺ (من سجدة) أي من ركعة، ولا يعارضه نفي أسامة صلاته ﵊ فيها المروي في مسلم لأن بلالاً مثبت فهو مقدم على النافي. نعم روي عن أسامة إثباتها كما عند أحمد والطبراني ولا تناقض في روايتيه لأن النفي بالنسبة لما في علمه كونه لم يرَ النبي ﷺ حين صلّى لاشتغاله في ناحية من نواحي الكعبة أو لإتيانه بما يمحو به النبي ﷺ الصور التي كانت بالكعبة والإثبات أخبره به غيره فرواه عنه.
١٢٨ - باب مَنْ أَخَذَ بِالرِّكَابِ وَنَحْوِهِ
(باب من أخذ بالركاب) للراكب (ونحوه) كالإعانة على الركوب.
٢٩٨٩ - حَدَّثَنا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ: يَعْدِلُ بَيْنَ الاِثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا - أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ - صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إسحاق) هو ابن منصور بن بهرام الكوسج المروزي كما رجحه الحافظ ابن حجر قال: (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) بسكون ثانيه (عن همام) هو ابن منبه (عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(كل سلامى) بضم السين وفتح الميم مقصور الأنملة من أنامل الأصابع (من الناس) أو كل عظم مجوّف من صغار العظام. قال التوربشتي: وفي معناه خلق الإنسان على ثلاثمائة وستين مفصلاً عليه أن يتصدق عن كل مفصل بصدقة. وقال في الفتح: والمعنى على كل مسلم مكلف بعدد كل مفصل من عظامه صدقة لله تعالى شكرًا له بأن جعل لعظامه مفاصل يتمكن بها من القبض والبسط وخصّت بالذكر لما في التصرف بها من دقائق الصنائع التي اختص بها الآدمي اهـ.
стр. 3596
وقال البيضاوي: المعنى أن على كل مفصل من عظام يصبح سليمًا من الآفات باقيًا على الهيئة التي تتم بها منافعه وأفعاله صدقة شكرًا لمن صوّره ووقاه عما يغيره ويؤذيه اهـ.
وكل سلامى مبتدأ مضاف ومن الناس صفة لسلامى (عليه صدقة) جملة من المبتدأ والخبر خبر للمبتدأ الأوّل.
فإن قلت: كان القياس أن يقول عليها لأن السلامى مؤنثة؟ أجيب: بأنه جاء على وفق لفظ كل أو أنه ضمن لفظ سلامى معنى العظم أو المفصل وأعاد الضمير عليه كذلك.
(كل يوم تطلع فيه الشمس) بنصب كل على الظرفية (يعدل) المسلم المكلف أي يصلح بالعدل (بين الاثنين صدقة) بفتح أوّل يعدل وكسر ثالثه وهو مبتدأ تقديره أن يعدل مثل قوله تسمع بالمعيدي خير من أن تراه (ويعين) المسلم المكلف (الرجل) أي يساعده (على دابته فيحمل عليها) الراكب وقوله فيحمل بفتح المثناة التحتية وسكون الحاء المهملة (أو يرفع عليها متاعه صدقة).
وهذا موضع الترجمة فإنه يدخل فيها الأخذ بالركاب وغيره وأو للشك من الراوي أو للتنويع.
(والكلمة الطيبة) يكلمها أخاه المسلم (صدقة وكل خطوة) بفتح الخاء ولأبي ذر خطوة بضمها (يخطوها إلى الصلاة) ذاهبًا وراجعًا (صدقة، ويميط) أي يزيل (الأذى عن الطريق صدقة).
١٢٩ - باب كراهية السَّفَرِ بِالْمَصَاحِفِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ
وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَتَابَعَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَدْ سَافَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْقُرْآنَ.
(باب السفر) وللمستملي كراهية السفر (بالمصاحف إلى أرض العدوّ، وكذلك يروى) القول بالكراهة الثابتة عند المستملي كما مرّ (عن محمد بن بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة ابن الفرافصة العبدي الكوفي مما وصله إسحاق بن راهويه في مسنده (عن عبيد الله) بضم العين ابن عبد الله بن عمر (عن نافع عن ابن عمر) بن الخطاب (عن النبي ﷺ ¬) ولفظ رواية إسحاق كره رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوّ الحديث، وأراد بالقرآن المصحف.
(وتابعه) أي تابع محمد بن بشر (ابن إسحاق) صاحب المغازي مما رواه أحمد بمعناه (عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ ¬). إنما ذكر المؤلّف هذه المتابعة ليبيّن ما زاده بعضهم في هذا الحديث، وهو قوله مخافة أن يناله العدوّ زاعمًا أنه من قول الرسول لأنه لا يصح مرفوعًا، وإنما هو من قول مالك لما أخرجه أبو داود عن القعنبي عن مالك فقال قال مالك أراه مخافة، وكذا أكثر الرواة عن
стр. 3597
مالك جعلوا التعليل من كلامه، وأشار ابن عبد البرّ إلى أن ابن وهب انفرد بها. كذا قرره ابن بطال وغيره. نعم لم ينفرد بها ابن وهب فقد أخرجه من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن مالك وزاد مخافة أن يناله العدوّ، وكذا رواها مرفوعة إسحاق في مسنده المشار إليه قريبًا، وكذا مسلم والنسائي وابن ماجة أيضًا من طريق الليث عن نافع ومسلم من طريق أيوب بلفظ: فإني لا آمن أن يناله العدو فصرّح بأنه مرفوع ولينس بمدرج، وحينئذٍ فالمتابعة إنما هي في أصل الحديث قاله في الفتح.
والعطف في قوله وكذلك يروى صحيح على رواية المستملي، أما على رواية غيره فاستشكله الخطابي من حيث أنه لم يتقدمه ما يعطف عليه. وأجاب: باحتمال غلط النساخ بالتقديم والتأخير.
(وقد سافر النبي ﷺ وأصحابه) ﵃ (في أرض العدو وهم يعلمون القرآن) بفتح المثناة التحتية وسكون العين كذا في الفرع وأصله وأصل الدمياطي وغيرهم، فالنهي عن السفر بالقرآن إنما المراد به السفر بالمصحف خشية أن يناله العدوّ لا السفر بالقرآن نفسه، لأن القرآن المنزل لا يمكن السفر به فدلّ على أن المراد به المصحف المكتوب فيه القرآن.
٢٩٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن نافع عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب (﵄) (أن رسول الله ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن) أي بالمصحف (إلى أرض العدو) خوفًا من الاستهانة به واستدلّ به على منع بيع المصحف من الكافر لوجود العلة وهي التمكن من الاستهانة به وكذا كتب فقه فيها آثار السلف بل قال السبكي: الأحسن أن يقال كتب علم وإن خلت عن الآثار تعظيمًا للعلم الشرعي. قال ولده الشيخ تاج الدين، وقوله تعظيمًا للعلم الشرعي يفيد جواز بيع الكافر كتب علوم غير شرعية، وينبغي المنع من بيع ما يتعلق منها بالشرع ككتب النحو واللغة اهـ.
فإن قلت: ما الجمع بين هذا وبين كتابه ﵊ إلى هرقل من قوله: ﴿يا أهل الكتاب﴾ [آل عمران: ٧٠] الآية؟ أجيب: بأن المراد بالنهي حمل المجموع أو المتميز والمكتوب لهرقل إنما هو في ضمن كلام آخر غير القرآن.
١٣٠ - باب التَّكْبِيرِ عِنْدَ الْحَرْبِ
(باب) مشروعية (التكبير عند الحرب).
٢٩٩١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "صَبَّحَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ وَقَدْ خَرَجُوا بِالْمَسَاحِي عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَذَا مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ.
стр. 3598
فَلَجَؤوا إِلَى الْحِصْنِ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ. وَأَصَبْنَا حُمُرًا فَطَبَخْنَاهَا، فَنَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ. فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ بِمَا فِيهَا". تَابَعَهُ عَلِيٌّ عَنْ سُفْيَانَ "رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن أيوب) السختياني (عن محمد) هو ابن سيرين (عن أنس ﵁ قال: صبح النبي ﷺ خيبر) لا تضاد بين هذا وقوله في رواية حميد عن أنس أنهم قدموا ليلاً فإنه يحمل على أنهم لما قدموها ناموا دونها ثم ركبوا إليها فصبحوها (وقد خرجوا) أي أهلها (بالمساحي على أعناقهم) طالبين مزارعهم (فلما رأوه) ﵊ (قالوا): هذا (محمد والخميسُ محمد والخميسُ) مرتين أي الجيش وسمي به لأنه مقسوم بخمسة المقدمة والساقة والميمنة والميسرة والقلب والمعنى أن محمدًا جاء بالجيش ليقاتلهم (فلجأوا إلى الحصن) الذي بخيبر ولجأوا باللام المفتوحة والجيم والهمزة المضمومة أي تحصنوا به (فرفع النبي ﷺ يديه وقال):
(الله أكبر) كذا بزيادة التكبير في معظم الطرق عن أنس وهذا موضع الترجمة (خربت خيبر)، قاله ﵊ تفاؤلاً لما رأى معهم آلة الهدم أو قاله بطريق الوحي ويؤيده وله (إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين) بفتح الذال المعجمة (وأصبنا حمر) بضم الحاء المهملة والميم جمع حمار والمراد الأهلي (فطبخناها) (فنادى منادي النبي ﷺ ¬) هو أبو طلحة زيد بن سهل كما في مسلم (إن الله ورسوله ينهيانكم) بالتثنية، وللكشميهني: ينهاكم بالإفراد (عن لحوم الحمر). الأهلية لأنها رجس فتحريمها لعينها لا لأنها لم تخمس ولا لكونها تأكل العذرة ولا لأنها كانت حمولتهم (فأكفئت القدور) أي أميلت أو قلبت (بما فيها. تابعه) أي تابع عبد الله بن محمد المسندي (علي) هو ابن المديني (عن سفيان رفع النبي ﷺ يديه).
١٣١ - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي التَّكْبِيرِ
(باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير).
٢٩٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا، ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ، وَتَعَالَى جَدُّهُ».
[الحديث ٢٩٩٢ - أطرافه في: ٤٢٠٥، ٦٣٨٤، ٦٤٠٩، ٦٦١٠، ٧٣٨٦].
стр. 3599
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي أو هو الفريابي كما نص عليه أبو نعيم قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عاصم) الأحول (عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن مل (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس (الأشعري ﵁) أنه (قال: كنا مع رسول الله ﷺ فكنا إذا أشرفنا) أي اطّلعنا (عن وادٍ هلّلنا وكبّرنا) قد (ارتفعت أصواتنا) جملة فعلية حالية (فقال النبي ﷺ ¬):
(يا أيها الناسُ أربعُوا على أنفسكم) بكسر الهمزة وفتح الموحدة أي أرفقوا أو انتظروا أو أمسكوا عن الجهر وقفوا عنه أو اعطفوا عليها بالرفق بها والكف عن الشدة (فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنه معكم إنه سميع) في مقابلة أصم (قريب)، في مقابلة غائبًا زاد في غير رواية أبي ذر: تبارك اسمه وتعالى جدّه. قال الطبري: وفيه كراهية رفع الصوت بالدعاء والذكر، وبه قال عامّة السلف من الصحابة والتابعين.
وموضع الترجمة من معنى الحديث لأن حاصل المعنى فيه أنه ﵊ كره رفع الصوت بالذكر والدعاء.
١٣٢ - باب التَّسْبِيحِ إِذَا هَبَطَ وَادِيًا
(باب التسبيح إذا هبط) أتي نزل المسافر (واديًا).
٢٩٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا".
[الحديث ٢٩٩٣ - طرفه في: ٢٩٩٤].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن حصين بن عبد الرحمن) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين (عن سالم بن أبي الجعد) بفتح الجيم وسكون العين (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ قال: كنا إذا صعدنا) بكسر العين أي طلعنا موضعًا عاليًا كجبل أو تل (كبّرنا) استشعارًا لكبرياء الله تعالى عندما يقع البصر على الأمكنة العالية لأن الارتفاع محبوب للنفوس لما فيه من استشعار أنة أكبر من كل شيء (وإذا نزلنا) إلى مكان منخفض كوادٍ (سبّحنا) استنباطًا من قصة يونس، وتسبيحه في بطن الحوت لننجو من بطن الأودية كما نجا يونس بالتسبيح من بطن الحوت، وعن بعضهم لما كان التكبير لله عند رؤية عظيم من مخلوقاته وجب أن يكون فيما انخفض من الأرض تسبيح الله تعالى لأن تسبيحه تعالى تنزيه عن صفات الانخفاض والضعة. وقال ابن المنير: ينبغي أن يكون التنزيه في محل الانخفاض والاستعلاء لأن جهتي العلو والسفل كلاهما محال على الحق تعالى فالعلو وإن كان معنويًّا لا جسمانيًّا فقد وصف به ولم يؤذن في وصفه بالانخفاض البتّة ولا له اسم مشتق من ذلك وقد ورد: ينزل ربنا إلى سماء الدنيا وأوّلناه بالمعنى لكنه لم يشتق له منه اسم المتنزل بخلاف اسمه المتعالي اهـ. من المصابيح.
стр. 3600
١٣٣ - باب التَّكْبِيرِ إِذَا عَلَا شَرَفًا
(باب التكبير إذا علا) المسافر في الغزو أو الحج أو غيرهما (شرفًا) أي مكانًا مشرّفًا عاليًا.
٢٩٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا تَصَوَّبْنَا سَبَّحْنَا".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد الشين المعجمة العبدي البصري قال: (حدّثنا ابن أبي عدي) هو محمد بن أبي عدي واسم أبي عدي إبراهيم السلمي (عن شعبة) بن الحجاج (عن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرحمن (عن سالم) هو ابن أبي الجعد (عن جابر) هو ابن عبد الله (﵁ قال: كنا إذا صعدنا) بكسر العين أي علونا مكانًا عاليًا (كبّرنا و (ذا تصوّبنا) أي انحدرنا ونزلنا (سبّحنا).
٢٩٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَفَلَ مِنَ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ -وَلَا أَعْلَمُهُ إِلاَّ قَالَ: الْغَزْوِ- يَقُولُ كُلَّمَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ. آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ. صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ. قَالَ صَالِحٌ: فَقُلْتُ لَهُ أَلَمْ يَقُلْ عَبْدُ اللَّهِ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ؟ قَالَ: لَا".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله) هو ابن يوسف كما قاله ابن السكن وتردد أبو مسعود الدمشقي بين أن يكون هو ابن صالح كاتب الليث وبين أن يكون ابن رجاء الغداني والمعتمد الأول كما قاله الجياني (قال: حدّثني) بالإفراد (عبد العزيز بن أبي سلمة) بفتح اللام (عن صالح بن كيسان) بفتح الكاف (عن سالم بن عبد الله) بن عمر (عن) أبيه (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (¬﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا قفل) بقاف ثم فاء أي رجع (من الحج أو العمرة ولا أعلمه إلا قال الغزو) بالنصب على المفعولية والجر عطفًا على المجرور السابق وهذه الجملة كالإضراب عن الحج والعمرة كأنه قال إذا قفل من الغزو ثم إن ظاهره اختصاص قول ذلك بالمذكورات والجمهور على مشروعيته لكل سفر طاعة (يقول) ﵊ (كلما أوفى) بفتح الهمزة والفاء وسكون الواو أشرف وعلا (على ثنية) بفتح المثلثة وكسر النون وتشديد التحتية أعلى الجبل أو الطريق في الجبال (أو) أوفى على (فدفد) بفاءين مفتوحتين بينهما دال ساكنة وبعد الأخيرة أخرى مهملتين الفلاة من الأرض لا شيء فيها أو الغليظة أو ذات الحصى المستوية أو المرتفعة (كبّر) الله (ثلاثًا) هو جواب الشرط وموضع الترجمة كما لا يخفى (ثم قال):
стр. 3601
(لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) قال القرطبي: وفي تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنه المنفرد بإيجاد جميع الموجودات وأنه المعبود في جميع الأماكن. وقال في الفتح: يحتمل أنه ﵊ كان يأتي بهذا الذكر عقب التكبير وهو على المكان المرتفع، ويحتمل أن التكبير يختص بالمكان المرتفع وما بعده إن كان متسعًا أكمل الذكر المذكور فيه وإلاّ فإذا هبط سبّح كما دل عليه حديث جابر، ويحتمل أن يكمل الذكر مطلقًا عقب التكبير ثم يأتي بالتسبيح إذا هبط.
(آيبون)، بمد الهمزة أي نحن راجعون إلى الله تعالى نحن (تائبون)، إليه تعالى فيه إشارة إلى التقصير في العبادة وقاله ﵊ على سبيل التواضع أو تعليمًا لأمته نحن (عابدون) نحن (ساجدون لربنا) نحن (حامدون) والجار والمجرور إما متعلق بساجدون أو بحامدون أو بهما أو بالصفات الأربعة المتقدمة أو بالخمسة على سبيل التنازع (صدق الله وعده) فيما وعد به من إظهار دينه (ونصر عبده) محمدًا ﷺ (وهزم الأحزاب) الذين تحزبوا في غزوة الخندق لحربه ﷺ فاللام للعهد أو المراد كل من تحزّب من الكفّار لحربه ﵊ فتكون جنسية، أو المراد: اللهمّ اهزم الأحزاب فيكون بمعنى الدعاء والأول هو الظاهر، وقد كان ﵊ إذا خرج للغزو واعتدّ له بالعدد والعُدد فيجمع أصحابه ويتخذ الخيل والسلاح فإذا رجع تعرّى عن ذلك وردّ الأمر فيه إليه فقال: وهزم الأحزاب (وحده) فينفى السبب فناء في المسبب، وهذا هو المعنى الحقيقي لأن الإنسان وفعله خلق لربه تعالى قال الله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ [الأنفال: ١٧] فما حصل من الهزيمة والنصرة مضاف إليه وبه وهو خير الناصرين.
(قال صالح) هو ابن كيسان (فقلت له) أي لسالم بن عبد الله (ألم يقل عبد الله) بن عمر بعد قوله آيبون (إن شاء الله)؟ كما في رواية نافع مما ثبت في باب ما يقول إذا رجع من الغزو (قال): سالم (لا) أي لم يقل ذلك.
١٣٤ - باب يُكْتَبُ لِلْمُسَافِرِ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي الإِقَامَةِ
هذا (باب) بالتنوين (يكتب للمسافر) سفر طاعة (ما) ولغير أبي ذر مثل ما (كان يعمل في الإقامة).
٢٩٩٦ - حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ السَّكْسَكِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ وَاصْطَحَبَ هُوَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي كَبْشَةَ فِي سَفَرٍ فَكَانَ يَزِيدُ يَصُومُ فِي السّفَرِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى مِرَارًا يَقُولُ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا".
стр. 3602
وبه قال: (حدّثنا مطر بن الفضل) المروزي قال: (حدّثنا يزيد بن هارون) بن زاذان الواسطي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (العوّام) بفتح العين المهملة وتشديد الواو ابن حوشب قال: (حدّثنا إبراهيم أبو إسماعيل) بن عبد الرحمن (السكسكي) بسينين مهملتين مفتوحتين بينهما كاف ساكنة وفي آخره أخرى أيضًا نسبة إلى السكاسك بن أشرس بن كندة (قال: سمعت أبا بردة) بضم الموحدة وسكون الراء عامر بن أبي موسى الأشعري (واصطحب) أي أبو بردة (هو ويزيد بن أبي كبشة) بفتح الكاف وسكون الموحدة وفتح الشين المعجمة الشامي واسم أبيه حيويل بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية وكسر الواو بعدها تحتية أخرى ساكنة ثم لام ولي خراج السند لسليمان بن عبد الملك وتوفي في خلافته وليس له في البخاري ذكر إلاّ هنا والمعنى اصطحب معه (في سفر فكان يزيد يصوم في السفر فقال له أبو بردة سمعت) أبي (أبا موسى) الأشعري ﵁ (مرارًا يقول: قال رسول الله ﷺ ¬):
(إذا مرض العبد) المؤمن وكان يعمل عملاً قبل مرضه ومنعه منه المرض ونيّته لولا المانع مداومته عليه (أو سافر) سفر طاعة ومنعه السفر مما كان يعمل من الطاعات ونيّته المداومة (كتب له مثل ما كان يعمل) حال كونه (مقيمًا) وحال كونه (صحيحًا) فهما حالان مترادفان أو متداخلان وفيه اللفّ والنشر الغير المرتب لأن مقيمًا يقابل أو سافر وصحيحًا يقابل إذا مرض وحمل ابن بطال الحكم المذكور على النوافل لا الفرائض فلا تسقط بالسفر والمرض وتعقبه ابن المنير بأنه تحجر واسعًا بل تدخل فيه الفرائض التي شأنها أن يعمل بها وهو صحيح إذا عجز عن جملتها أو بعضها بالمرض كتب له أجر ما عجز عنه فعلاً لأنه قام به عزمًا أن لو كان صحيحًا حتى صلاة الجالس في الفرض لمرضه يكتب له عنها أجر صلاة القائم اهـ.
وهذا ذكره في المصابيح من غير عزوٍ ساكتًا عليه وتعقبه صاحب الفتح فقال وليس اعتراضه بجيد لأنهما لم يتواردا.
١٣٥ - باب السَّيْرِ وَحْدَهُ
(باب) حكم (السير) حال كون السائر (وحده) من غير رفيق معه هل يكره أم لا.
٢٩٩٧ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ: "نَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ". قَالَ سُفْيَانُ: الْحَوَارِيُّ النَّاصِرُ.
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) بضم الحاء وفتح الميم عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا سفيان) بن
стр. 3603
عيينة قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ يقول: ندب) أي دعا (النبي ﷺ الناس يوم) غزوة (الخندق) وهي الأحزاب سبق في فضل الطليعة من يأتيني بخبر القوم، ويأتي إن شاء الله تعالى في مناقبه من يأتيني بخبر بني قريظة (فانتدب) أي أجاب (الزبير) بن العوّام ﵁ (ثم ندبهم) ﵊ ثانيًا (فانتدب) أي أجاب (الزبير ثم ندبهم) ﵊ ثالثًا (فانتدب الزبير) زاد في رواية أبي ذر ثلاثًا وفيه شدّة شجاعته ﵁ (قال النبي ﷺ ¬):
(إن لكل نبي حواريًّا) بفتح الحاء المهملة منوّنًا أي خاصة من أصحابه (وحواريّ الزبير). قال الزجّاج: الحوري ينصرف لأنه منسوب إلى حوار وليس كبخاتي وكراسي لأن واحده بختيّ وكرسي، فإذا أضيف إلى ياء المتكلم فقد تحذف وقد ضبطه جماعة بفتح الياء وهو الذي في الفرع وأكثرهم بكسرها وهو القياس لكنهم حين استثقلوا الكسرة وثلاث ياءات حذفوا ياء المتكلم وأبدلوا من الكسرة فتحة.
(قال سفيان): أي ابن عيينة (الحواري) هو (الناصر) وهذا أخرجه الترمذي وغيره عنه وعن ابن عباس مما وصله ابن أبي حاتم سمي الحواريون لبياض ثيابهم وإنهم كانوا صيادين، وأخرج عن الضحاك أن الحواري هو الغسال بالنبطية وعن قتادة الحواري الذي يصلح للخلافة وعنه هو الوزير.
ووجه المطابقة بين الحديث والترجمة من حيث انتداب الزبير وتوجهه وحده كما يدل على ذلك ما سيأتي إن شاء الله تعالى في مناقب الزبير.
٢٩٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ح حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ».
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك قال: (حدّثنا عاصم بن محمد) وللمستملي زيادة ابن زيد بن عبد الله بن عمر ﵃ (قال: حدّثني) بالإفراد (أبي) محمد (عن) جده (ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ح) للتحويل وسقطت في الفرع وأصله.
(حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن ابن عمر) بن الخطاب (عن النبي ﷺ قال):
(لو يعلم الناس ما في الوحدة) بفتح الواو وكسرها وأنكر بعضهم الكسر كما حكاه السفاقسي ونصبه على الظرفية عند الكوفيين والمصدرية عند البصريين (ما أعلم) جملة في محل نصب مفعول يعلم (ما سار راكب) وكذا ماش فالأول خرج مخرج الغالب (بليل وحده). وهذا الحديث رواه النسائي من
стр. 3604
رواية عمر بن محمد أخي عاصم بن محمد وهو يردّ على الترمذي حيث قال: إن عاصم بن محمد تفرّد بروايته ويؤخذ من حديث جابر جواز السفر منفردًا للضرورة والمصلحة التي لا تنتظم إلا بالانفراد كإرسال الجاسوس والطليعة والكراهة لما عدا ذلك، ويحتمل أن تكون حالة الجواز مقيدة بالحاجة عند الأمن وحالة المنع مقيدة بالخوف حيث لا ضرورة.
١٣٦ - باب السُّرْعَةِ فِي السَّيْرِ
قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِي فَلْيُعَجِّلْ».
(باب السرعة في السير) عند الرجوع إلى الوطن (قال) ولأبي ذر وقال: (أبو حميد) بضم الحاء المهملة عبد الرحمن الساعدي مما سبق في حديث مطوّلاً في الزكاة (قال النبي ﷺ ¬): (إني متعجل) بميم مضمومة ففوقية فعين مفتوحتين فجيم مكسورة (إلى المدينة فمن أراد أن يتعجل معي فليعجل) بضم التحتية وكسر الجيم مشددة ولأبي ذر فليتعجل بفتح التحتية والفوقية والجيم. قال المهلب: تعجله ﵊ إلى المدينة ليريح نفسه ويفرح أهله.
٢٩٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵄-كَانَ يَحْيَى يَقُولُ: وَأَنَا أَسْمَعُ، فَسَقَطَ عَنِّي- عَنْ مَسِيرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: فَكَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ. فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ. وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ".
وبه قال: (حدّثنا ابن المثنى) العنزي البصري (قال: حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن هشام) هو ابن عروة (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير (قال: سئل أسامة بن زيد ﵄) قال البخاري قال ابن المثنى (كان يحيى) القطان (يقول): تعليقًا عن عروة أو مسندًا إليه سئل أسامة (وأنا أسمع) السؤال قال يحيى: (فسقط عني) لفظ وأنا أسمع عند رواية الحديث كأنه لم يذكرها أوّلاً واستدركه آخرًا وهذه الجملة معترضة بين قوله سئل أسامة بن زيد ﵄ وبين قوله (عن مسير النبي ﷺ في حجة الوداع) حين أفاض من عرفة فقوله عن مسير متعلق بقوله سئل على ما لا يخفى (قال): أي أسامة ولأبي ذر فقال: (فكان يسير العنق). بفتح العين المهملة والنون وهو السير السهل (فإذا وجد فجوة) بفتح الفاء وسكون الجيم الفرجة بين الشيئين (نص). بفتح النون وتشديد الصاد المهملة (والنص) السير الشديد حتى يستخرج أقصى ما عنده فهو (فوق العنق). المفسر بالسير السهل وإنما تعجل ﵊ إلى المزدلفة ليتعجل الوقوف بالمشعر الحرام.
٣٠٠٠ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ -هُوَ ابْن
стр. 3605
أَسْلَمَ- عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَبَلَغَهُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ شِدَّةُ وَجَعٍ فَأَسْرَعَ السَّيْرَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعَتَمَةَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا".
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) نسبه لجدّه الأعلى وإلا فهو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم الجمحي البصري قال: (أخبرنا محمد بن جعفر) المدني (قال: أخبرني) بالإفراد (زيد هو ابن أسلم عن أبيه) أسلم (قال: كنت مع عبد الله بن عمر) بن الخطاب (﵄ بطريق مكة فبلغه عن) زوجته (صفية بنت أبي عبيد) بالتصغير الصحابية الثقفية أخت المختار وكانت من العابدات (شدّة وجع فأسرع السير) ليدرك من حياتها ما يمكنه أن تعهد إليه بما لا تعهده إلى غيره (حتى إذا كان بعد غروب الشفق ثم نزل) عن دابته (فصلّى المغرب والعتمة يجمع بينهما) ولأبي ذر جمع بينهما بصيغة الماضي (وقال: إني رأيت النبي ﷺ إذا جدّ به السير) أي اشتد قاله صاحب المحكم وقال القاضي عياض: أسرع كذا قال وكأنه نسب الإسراع إلى السير توسعًا (أخّر المغرب وجمع بينهما) أي المغرب والعشاء كذلك.
٣٠٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَىٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن سمي) بضم السين وفتح الميم (مولى أبي بكر) أي ابن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام (عن أبي صالح) ذكوان السمان (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه) نصب بنزع الخافض أي من نومه أو مفعول ثانٍ ليمنع لأنه يطلب مفعولين كأعطى (وطعامه وشرابه) أي كمال نومه وكمال طعامه وشرابه ولذة ذلك لما فيه من المشقّة والتعب ومعاناة الحر والبرد والخوف والسرى ومفارقة الأهل والأصحاب وخشونة العيش (فإذا قضى أحدكم نهمته) بفتح النون أي بلغ همته من مطلوبه (فليعجل) بضم التحتية وكسر الجيم (إلى أهله). هذا موضع الترجمة على ما لا يخفى. قال في معالم السُّنّة: فيه الترغيب في الإقامة لئلا تفوته الجمعات والجماعات والحقوق الواجبة للأهل والقرابات وهذا في الأسفار غير الواجبة.
ألا تراه يقول ﵊ (فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله) أشار إلى السفر الذي له نهمة وأرب من تجارة أو غيرها دون السفر الواجب كالحج والغزو.
стр. 3606
١٣٧ - باب إِذَا حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فَرَآهَا تُبَاعُ
هذا (باب) بالتنوين (إذا حمل) رجل آخر (على فرس) ليجاهد عليها في سبيل الله (فرآها تباع) هل له أن يشتريها أم لا؟
٣٠٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَوَجَدَهُ يُبَاعُ، فَأَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: لَا تَبْتَعْهُ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر بن الخطاب حمل على فرس) أي أركبه غيره في الجهاد (في سبيل الله) هبة لا وقفًا (فوجده) أي فوجد عمر الفرس (يباع) وكان اسمه الورد وكان لتميم الداري فأهداه لعمر ﵁ (فأراد أن يبتاعه) أي يشتريه (فسأل رسول الله ﷺ ¬) هل يشتريه (فقال): بالفاء قبل القاف ولأبي ذر قال:
(لا تبتعه) أي لا تشتره (ولا تعد في صدقتك) سمى الشراء عودًا في الصدقة لأن العادة جرت بالمسامحة من البائع في مثل ذلك للمشتري فأطلق على القدر الذي يسامح به رجوعًا.
٣٠٠٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: "حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَابْتَاعَهُ -أَوْ فَأَضَاعَهُ- الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ".
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن زيد بن أسلم عن أبيه) أسلم (قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: حملت على فرس) في الجهاد (في سبيل الله فابتاعه) أي باعه كما جاء اشترى بمعنى باع أو الأصل أباعه فهو بمعنى عرضه للبيع (أو فأضاعه الذي كان عنده) بأن فرط في القيام به، وأو للشك من الراوي (فأردت أن أشتريه وظننت أنه بائعه برخص) بضم الراء مصدر رخص السعر وأرخصه الله فهو رخيص (فسألت النبي ﷺ فقال):
(لا تشتره) نهي تنزيه لا تحريم والصارف له عن التحريم تشبيهه بالعائد في قيئه (وإن) كان (بدرهم) مبالغة في رخصه (فإن العائد) الراجع (في هبته كالكلب) يقيء ثم (يعود في قيئه) فيأكله وهو دليل من منع الرجوع في الصدقة لما اشتمل عليه من التنفير الشديد حيث شبه الراجع بالكلب والمرجوع فيه بالقيء والرجوع في الصدقة برجوع الكلب في قيئه.
стр. 3607
١٣٨ - باب الْجِهَادِ بِإِذْنِ الأَبَوَيْنِ
(باب الجهاد بإذن الأبوين) المسلمين.
٣٠٠٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ -وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ- قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ يَقُولُ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: أَحَىٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ".
[الحديث ٣٠٠٤ - طرفه في: ٥٩٧٢].
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا حبيب بن أبي ثابت) قيس بن دينار الأسدي الكوفي (قال: سمعت أبا العباس) السائب بن فرّوخ المكي الأعمى (الشاعر وكان لا يتهم في حديثه) قال ذلك لئلا يظن أنه بسبب كونه شاعرًا يتهم (قال: سمعت عبد الله بن عمرو) هو ابن العاصي (﵄ يقول: جاء رجل) هو جاهمة بن العباس بن مرداس كما عند النسائي وأحمد أو معاوية بن جاهمة كما عند البيهقي (إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد فقال) له ﵊:
(أحيٌّ والداك)؟ (قال: نعم). حيّان (قال): (ففيهما) أي الوالدين (فجاهد) الجار متعلق بالأمر قدّم للاختصاص والفاء الأولى جواب شرط محذوف والثانية جزائية لتضمن الكلام معنى الشرط أي إذا كان الأمر كما قلت فاخصصهما بالجهاد نحو قوله تعالى: ﴿فإياي فاعبدون﴾ [العنكبوت: ٥٦] أي إذا لم يتسهل لكم إخلاص العبادة في بلدة ولم يتيسر لكم إظهار دينكم فهاجروا إلى حيث يتمشى لكم ذلك فحذف الشرط وعوّض منه تقدّم المفعول المفيد للإخلاص ضمنًا وقوله فجاهد جيء به للمشاكلة، وهذا ليس ظاهره مرادًا لأن ظاهر الجهاد إيصال الضرر للغير وإنما المراد القدر المشترك من كلفة الجهاد وهو بذل المال وتعب البدن فيؤول المعنى: ابذل مالك وأتعب بدنك في رضا والديك.
والمطابقة بين الحديث والترجمة مستنبطة من قوله ففيهما فجاهد لأن أمره بالمجاهدة فيهما يقتضي رضاهما عليه ومن رضاهما الإذن له عند الاستئذان.
وفي حديث أبي سعيد عند أبي داود فارجع فاستأذنهما فإن أذناك فجاهد وإلاّ فبرّهما. وصححه ابن حبّان والجمهور على حرمة الجهاد إذا منعا أو أحدهما بشرط إسلامهما لأن برّهما فرض عين والجهاد فرض كفاية فإذا تعين الجهاد فلا إذن وهل يلتحق الجد والجدة بهما في ذلك؟ الأصح نعم لشمول طلب البرّ.
стр. 3608
١٣٩ - باب مَا قِيلَ فِي الْجَرَسِ وَنَحْوِهِ فِي أَعْنَاقِ الإِبِلِ
(باب ما قيل في الجرس) بفتح الجيم والراء آخره سين مهملة المصوّت (ونحوه) مما يعلق كالقلائد (في أعناق الأبل) من الكراهة وتخصيصه الإبل كالحديث لأغلبيتها.
٣٠٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ أَنَّ أَبَا بَشِيرٍ الأَنْصَارِيَّ ﵁ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَسُولاً: أَنْ لَا تَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلَادَةٌ إِلاَّ قُطِعَتْ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) هو ابن أنس الإمام (عن عبد الله بن أبي بكر) هو ابن محمد بن حزم (عن عباد بن تميم) المازني (أن أبا بشير) بفتح الموحدة وكسر المعجمة (الأنصاري) قيل اسمه قيس الأكبر بن حرير بمهملات بين الأخيرتين مثناة تحتية ساكنة وأوّله مضموم مصغرًا وليس له في هذا الكتاب سند غير هذا (¬﵁ أخبره أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره) قال في الفتح لم أقف على تعيينها (قال عبد الله) بن أبي بكر بن حزم الراوي (حسبت أنه قال والناس في مبيتهم) كأنه شك في هذه الجملة (فأرسل رسول الله ﷺ رسولاً) هو زيد بن حارثة رواه الحرث بن أبي أسامة في مسنده.
(لا تبقين) بالمثناة الفوقية والقاف المفتوحتين ولغير أبي ذر أن لا يبقين بزيادة أن والتحتية بدل الفوقية (في رقبة بعير قلادة من وتر) بالمثناة الفوقية لا بالموحدة (أو) قال (قلادة إلاّ قطعت) كذا هنا بلفظ أو للشك أو للتنويع والنهي للتنزيه كما حكاه النووي عن الجمهور وقيل في حكمة النهي خوف اختناق الدابة بها عند شدة الركض أو لأنهم كانوا يعلقون بها الأجراس، وفي حديث أبي داود والنسائي عن أم حبيبة مرفوعًا: لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس، أو أنهم كانوا يقلدونها أوتار القسي خوف العين فأمروا بقطعها إعلامًا بأن الأوتار لا تردّ أمر الله شيئًا وهذا الأخير قاله مالك.
وأما المطابقة فمن جهة أن الجرس لا يعلق في أعناق الإبل إلا بقلادة وهي الوتر ونحوه، فذكر المؤلّف الجرس الذي يعلق بالقلادة فإذا ورد النهي عن تعليق القلائد في أعناق الإبل دخل فيه النهي عن الجرس ضرورة، والأصل في النهي عن الجرس لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس فافهم.
ورواة الحديث ثلاثة مدنيون وثلاثة أنصاريون وفيه تابعيان والتحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلم في اللباس وأبو داود في الجهاد والنسائي في السير.
стр. 3609
١٤٠ - باب مَنِ اكْتُتِبَ فِي جَيْشٍ فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ حَاجَّةً أو كَانَ لَهُ عُذْرٌ هَلْ يُؤْذَنُ لَهُ؟
(باب من اكتتب في جيش فخرجت امرأته) حال كونها (حاجة وكان) ولأبي ذر أو كان (له عذر) غير ذلك (هل يؤذن له)؟ في الحج معها.
٣٠٠٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلاَّ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ. فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً. قَالَ: اذْهَبْ فَاحجُجْ مَعَ امْرَأَتِكَ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بفتح العين هو ابن دينار (عن أبي معبد) بفتح الميم والموحدة بينهما مهملة ساكنة اسمه نافذ بالنون والفاء والذال المعجمة مولى عبد الله بن عباس (عن ابن عباس ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول):
(لا يخلون رجل بامرأة ولا تسافرن امرأة) سفرًا طويلاً أو قصيرًا (إلا ومعها محرم) بنسب أو غيره أو زوج لها لتأمن على نفسها ولم يشترطوا في المحرم والزوج كونهما ثقتين وهو في الزوج واضح وأما في المحرم فسببه كما في المهمات أن الوازع الطبيعي أقوى من الشرعي وكالمحرم عبدها الأمين والاستثناء من الجملتين كما هو مذهب الشافعي لا من الجملة الأخيرة لكنه منقطع لأنه متى كان معها محرم لم تبق خلوة، فالتقدير لا يقعدن رجل مع امرأة إلا ومعها محرم واستشكل بأن الواو تقتضي معطوفًا عليه. وأجيب: بأن الواو للحال أي لا يخلون في حال إلا في مثل هذا الحال والحديث مخصوص بالزوج فإنه لو كان معها زوجها كان كالمحرم بل أولى بالجواز.
(فقام رجل) لم يعرف اسمه (فقال: يا رسول الله اكتتبت في غزوة كذا وكذا)، بضم تاء اكتتبت مبنيًّا للمفعول كما في الفرع وفي بعض الأصول للفاعل أي أثبت اسمي في جملة من يخرج فيها من قولهم اكتتب الرجل إذا كتب نفسه في ديوان السلطان ولم تعين الغزوة (وخرجت امرأتي) حال كونها (حاجة) ولم يعرف اسم المرأة (قال) ﵊: (اذهب فحج) ولأبي ذر فاحجج بفك الإدغام (مع امرأتك) فقدم الأهم لأن الغزو يقوم غيره فيه مقامه بخلاف الحج معها وليس لها محرم غيره.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الجهاد.
стр. 3610
١٤١ - باب الْجَاسُوسِ
وَقَوْلِ اللَّهِ : ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]. التَّجَسُّسُ: التَّبَحُّثُ.
(باب) حكم (الجاسوس) أي إذا كان من جهة الكفار ومشروعيته من جهة المسلمين وهو بالجيم والمهْملتين بوزن فاعول (التجسس) ولأبي ذر: والتجسس هو (التبحث) كذا فسره أبو عبيدة وهو التفتيش عن بواطن الأمور. (وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على الجاسوس ولأبي ذر: بدل: قوله تعالى: (﴿لا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء﴾) [الممتحنة: ١]. نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وأولياء مفعول ثانٍ لقوله: لا تتخذوا.
٣٠٠٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ سَمِعْتُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ قَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً وَمَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا. فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الرَّوْضَةِ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ. فَقَالَتْ: مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ. فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ، أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ. فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ عَلَىَّ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ صَدَقَكُمْ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. قَالَ: إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ". قَالَ سُفْيَانُ: وَأَىُّ إِسْنَادٍ هَذَا.
[الحديث ٣٠٠٧ - أطرافه في: ٣٠٨١، ٣٩٨٣، ٤٢٧٤، ٤٨٩٠، ٦٢٥٩، ٦٩٣٩].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عمرو بن دينار) المكي (سمعته) بضمير النصب ولأبي ذر: سمعت (منه مرتين قال: أخبرني) بالإفراد (حسن بن محمد) أي ابن الحنفية قال: (أخبرني) بالإفراد أيضًا (عبيد الله) بضم العين (ابن رافع) أسلم مولى رسول الله ﷺ (قال: سمعت عليًّا ﵁) هو ابن أبي طالب (يقول: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد) زاد في رواية غير أبي ذر بن الأسود وقوله أنا تأكيد للضمير المنصوب
следующие страницы →