Полный текст (8 298 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
١٣٧ - باب إِذَا حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فَرَآهَا تُبَاعُ
هذا (باب) بالتنوين (إذا حمل) رجل آخر (على فرس) ليجاهد عليها في سبيل الله (فرآها تباع) هل له أن يشتريها أم لا؟
٣٠٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَوَجَدَهُ يُبَاعُ، فَأَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: لَا تَبْتَعْهُ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر بن الخطاب حمل على فرس) أي أركبه غيره في الجهاد (في سبيل الله) هبة لا وقفًا (فوجده) أي فوجد عمر الفرس (يباع) وكان اسمه الورد وكان لتميم الداري فأهداه لعمر ﵁ (فأراد أن يبتاعه) أي يشتريه (فسأل رسول الله ﷺ ¬) هل يشتريه (فقال): بالفاء قبل القاف ولأبي ذر قال:
(لا تبتعه) أي لا تشتره (ولا تعد في صدقتك) سمى الشراء عودًا في الصدقة لأن العادة جرت بالمسامحة من البائع في مثل ذلك للمشتري فأطلق على القدر الذي يسامح به رجوعًا.
٣٠٠٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: "حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَابْتَاعَهُ -أَوْ فَأَضَاعَهُ- الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ".
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن زيد بن أسلم عن أبيه) أسلم (قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: حملت على فرس) في الجهاد (في سبيل الله فابتاعه) أي باعه كما جاء اشترى بمعنى باع أو الأصل أباعه فهو بمعنى عرضه للبيع (أو فأضاعه الذي كان عنده) بأن فرط في القيام به، وأو للشك من الراوي (فأردت أن أشتريه وظننت أنه بائعه برخص) بضم الراء مصدر رخص السعر وأرخصه الله فهو رخيص (فسألت النبي ﷺ فقال):
(لا تشتره) نهي تنزيه لا تحريم والصارف له عن التحريم تشبيهه بالعائد في قيئه (وإن) كان (بدرهم) مبالغة في رخصه (فإن العائد) الراجع (في هبته كالكلب) يقيء ثم (يعود في قيئه) فيأكله وهو دليل من منع الرجوع في الصدقة لما اشتمل عليه من التنفير الشديد حيث شبه الراجع بالكلب والمرجوع فيه بالقيء والرجوع في الصدقة برجوع الكلب في قيئه.
стр. 3607
١٣٨ - باب الْجِهَادِ بِإِذْنِ الأَبَوَيْنِ
(باب الجهاد بإذن الأبوين) المسلمين.
٣٠٠٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ -وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ- قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ يَقُولُ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: أَحَىٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ".
[الحديث ٣٠٠٤ - طرفه في: ٥٩٧٢].
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا حبيب بن أبي ثابت) قيس بن دينار الأسدي الكوفي (قال: سمعت أبا العباس) السائب بن فرّوخ المكي الأعمى (الشاعر وكان لا يتهم في حديثه) قال ذلك لئلا يظن أنه بسبب كونه شاعرًا يتهم (قال: سمعت عبد الله بن عمرو) هو ابن العاصي (﵄ يقول: جاء رجل) هو جاهمة بن العباس بن مرداس كما عند النسائي وأحمد أو معاوية بن جاهمة كما عند البيهقي (إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد فقال) له ﵊:
(أحيٌّ والداك)؟ (قال: نعم). حيّان (قال): (ففيهما) أي الوالدين (فجاهد) الجار متعلق بالأمر قدّم للاختصاص والفاء الأولى جواب شرط محذوف والثانية جزائية لتضمن الكلام معنى الشرط أي إذا كان الأمر كما قلت فاخصصهما بالجهاد نحو قوله تعالى: ﴿فإياي فاعبدون﴾ [العنكبوت: ٥٦] أي إذا لم يتسهل لكم إخلاص العبادة في بلدة ولم يتيسر لكم إظهار دينكم فهاجروا إلى حيث يتمشى لكم ذلك فحذف الشرط وعوّض منه تقدّم المفعول المفيد للإخلاص ضمنًا وقوله فجاهد جيء به للمشاكلة، وهذا ليس ظاهره مرادًا لأن ظاهر الجهاد إيصال الضرر للغير وإنما المراد القدر المشترك من كلفة الجهاد وهو بذل المال وتعب البدن فيؤول المعنى: ابذل مالك وأتعب بدنك في رضا والديك.
والمطابقة بين الحديث والترجمة مستنبطة من قوله ففيهما فجاهد لأن أمره بالمجاهدة فيهما يقتضي رضاهما عليه ومن رضاهما الإذن له عند الاستئذان.
وفي حديث أبي سعيد عند أبي داود فارجع فاستأذنهما فإن أذناك فجاهد وإلاّ فبرّهما. وصححه ابن حبّان والجمهور على حرمة الجهاد إذا منعا أو أحدهما بشرط إسلامهما لأن برّهما فرض عين والجهاد فرض كفاية فإذا تعين الجهاد فلا إذن وهل يلتحق الجد والجدة بهما في ذلك؟ الأصح نعم لشمول طلب البرّ.
стр. 3608
١٣٩ - باب مَا قِيلَ فِي الْجَرَسِ وَنَحْوِهِ فِي أَعْنَاقِ الإِبِلِ
(باب ما قيل في الجرس) بفتح الجيم والراء آخره سين مهملة المصوّت (ونحوه) مما يعلق كالقلائد (في أعناق الأبل) من الكراهة وتخصيصه الإبل كالحديث لأغلبيتها.
٣٠٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ أَنَّ أَبَا بَشِيرٍ الأَنْصَارِيَّ ﵁ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَسُولاً: أَنْ لَا تَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلَادَةٌ إِلاَّ قُطِعَتْ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) هو ابن أنس الإمام (عن عبد الله بن أبي بكر) هو ابن محمد بن حزم (عن عباد بن تميم) المازني (أن أبا بشير) بفتح الموحدة وكسر المعجمة (الأنصاري) قيل اسمه قيس الأكبر بن حرير بمهملات بين الأخيرتين مثناة تحتية ساكنة وأوّله مضموم مصغرًا وليس له في هذا الكتاب سند غير هذا (¬﵁ أخبره أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره) قال في الفتح لم أقف على تعيينها (قال عبد الله) بن أبي بكر بن حزم الراوي (حسبت أنه قال والناس في مبيتهم) كأنه شك في هذه الجملة (فأرسل رسول الله ﷺ رسولاً) هو زيد بن حارثة رواه الحرث بن أبي أسامة في مسنده.
(لا تبقين) بالمثناة الفوقية والقاف المفتوحتين ولغير أبي ذر أن لا يبقين بزيادة أن والتحتية بدل الفوقية (في رقبة بعير قلادة من وتر) بالمثناة الفوقية لا بالموحدة (أو) قال (قلادة إلاّ قطعت) كذا هنا بلفظ أو للشك أو للتنويع والنهي للتنزيه كما حكاه النووي عن الجمهور وقيل في حكمة النهي خوف اختناق الدابة بها عند شدة الركض أو لأنهم كانوا يعلقون بها الأجراس، وفي حديث أبي داود والنسائي عن أم حبيبة مرفوعًا: لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس، أو أنهم كانوا يقلدونها أوتار القسي خوف العين فأمروا بقطعها إعلامًا بأن الأوتار لا تردّ أمر الله شيئًا وهذا الأخير قاله مالك.
وأما المطابقة فمن جهة أن الجرس لا يعلق في أعناق الإبل إلا بقلادة وهي الوتر ونحوه، فذكر المؤلّف الجرس الذي يعلق بالقلادة فإذا ورد النهي عن تعليق القلائد في أعناق الإبل دخل فيه النهي عن الجرس ضرورة، والأصل في النهي عن الجرس لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس فافهم.
ورواة الحديث ثلاثة مدنيون وثلاثة أنصاريون وفيه تابعيان والتحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلم في اللباس وأبو داود في الجهاد والنسائي في السير.
стр. 3609
١٤٠ - باب مَنِ اكْتُتِبَ فِي جَيْشٍ فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ حَاجَّةً أو كَانَ لَهُ عُذْرٌ هَلْ يُؤْذَنُ لَهُ؟
(باب من اكتتب في جيش فخرجت امرأته) حال كونها (حاجة وكان) ولأبي ذر أو كان (له عذر) غير ذلك (هل يؤذن له)؟ في الحج معها.
٣٠٠٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلاَّ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ. فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً. قَالَ: اذْهَبْ فَاحجُجْ مَعَ امْرَأَتِكَ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بفتح العين هو ابن دينار (عن أبي معبد) بفتح الميم والموحدة بينهما مهملة ساكنة اسمه نافذ بالنون والفاء والذال المعجمة مولى عبد الله بن عباس (عن ابن عباس ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول):
(لا يخلون رجل بامرأة ولا تسافرن امرأة) سفرًا طويلاً أو قصيرًا (إلا ومعها محرم) بنسب أو غيره أو زوج لها لتأمن على نفسها ولم يشترطوا في المحرم والزوج كونهما ثقتين وهو في الزوج واضح وأما في المحرم فسببه كما في المهمات أن الوازع الطبيعي أقوى من الشرعي وكالمحرم عبدها الأمين والاستثناء من الجملتين كما هو مذهب الشافعي لا من الجملة الأخيرة لكنه منقطع لأنه متى كان معها محرم لم تبق خلوة، فالتقدير لا يقعدن رجل مع امرأة إلا ومعها محرم واستشكل بأن الواو تقتضي معطوفًا عليه. وأجيب: بأن الواو للحال أي لا يخلون في حال إلا في مثل هذا الحال والحديث مخصوص بالزوج فإنه لو كان معها زوجها كان كالمحرم بل أولى بالجواز.
(فقام رجل) لم يعرف اسمه (فقال: يا رسول الله اكتتبت في غزوة كذا وكذا)، بضم تاء اكتتبت مبنيًّا للمفعول كما في الفرع وفي بعض الأصول للفاعل أي أثبت اسمي في جملة من يخرج فيها من قولهم اكتتب الرجل إذا كتب نفسه في ديوان السلطان ولم تعين الغزوة (وخرجت امرأتي) حال كونها (حاجة) ولم يعرف اسم المرأة (قال) ﵊: (اذهب فحج) ولأبي ذر فاحجج بفك الإدغام (مع امرأتك) فقدم الأهم لأن الغزو يقوم غيره فيه مقامه بخلاف الحج معها وليس لها محرم غيره.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الجهاد.
стр. 3610
١٤١ - باب الْجَاسُوسِ
وَقَوْلِ اللَّهِ : ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]. التَّجَسُّسُ: التَّبَحُّثُ.
(باب) حكم (الجاسوس) أي إذا كان من جهة الكفار ومشروعيته من جهة المسلمين وهو بالجيم والمهْملتين بوزن فاعول (التجسس) ولأبي ذر: والتجسس هو (التبحث) كذا فسره أبو عبيدة وهو التفتيش عن بواطن الأمور. (وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على الجاسوس ولأبي ذر: بدل: قوله تعالى: (﴿لا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء﴾) [الممتحنة: ١]. نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وأولياء مفعول ثانٍ لقوله: لا تتخذوا.
٣٠٠٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ سَمِعْتُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ قَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً وَمَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا. فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الرَّوْضَةِ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ. فَقَالَتْ: مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ. فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ، أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ. فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ عَلَىَّ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ صَدَقَكُمْ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. قَالَ: إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ". قَالَ سُفْيَانُ: وَأَىُّ إِسْنَادٍ هَذَا.
[الحديث ٣٠٠٧ - أطرافه في: ٣٠٨١، ٣٩٨٣، ٤٢٧٤، ٤٨٩٠، ٦٢٥٩، ٦٩٣٩].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عمرو بن دينار) المكي (سمعته) بضمير النصب ولأبي ذر: سمعت (منه مرتين قال: أخبرني) بالإفراد (حسن بن محمد) أي ابن الحنفية قال: (أخبرني) بالإفراد أيضًا (عبيد الله) بضم العين (ابن رافع) أسلم مولى رسول الله ﷺ (قال: سمعت عليًّا ﵁) هو ابن أبي طالب (يقول: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد) زاد في رواية غير أبي ذر بن الأسود وقوله أنا تأكيد للضمير المنصوب
стр. 3611
ولا منافاة بين هذا وبين رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بعثني وأبا مريد الغنوي والزبير بن العوام لاحتمال أن يكون وقع البعث لهم جميعًا (قال): ولأبي ذر: وقال:
(انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ) بخاءين معجمتين بينهما ألف لا بمهملة ثم جيم موضع بين مكة والمدينة على اثني عشر ميلاً من المدينة (فإن بها ظعينة) بفتح الظاء المعجمة وكسر العين المهملة وفتح النون المرأة في الهودج واسمها سارة على المشهور وكانت مولاة عمرو بن هشام بن عبد المطلب أو اسمها كنود كما قاله البلاذري وغيره وتكنى أم سارة (ومعها كتاب) من حاطب (فخذوه منها) (فانطلقنا تعادى) بحذف إحدى التاءين تخفيفًا إذ الأصل تتعادى أي تجري (بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة) المذكورة (فإذا نحن بالظعينة)، سارة المذكورة (فقلنا): لها (أخرجي الكتاب) بفتح الهمزة وكسر الراء الذي معك (فقالت: ما معي من كتاب. فقلنا): (لتخرجن الكتاب)، بضم المثناة الفوقية وكسر الراء والجيم (أو لنلقين) نحن (الثياب) كذا في الفرع وأصله بضم النون وكسر القاف وفتح المثناة التحتية ونون التوكيد الثقيلة وللأصيلي وأبي الوقت كما في الفرع وأصله أو لتلقن بالفوقية المضمومة وحذف التحتية، وفي بعض الأصول: أو لتلقين بتحتية مكسورة أو مفتوحة بعد القاف، والصواب في العربية أو لتلقين بدون ياء لأن النون الثقيلة إذا اجتمعت مع الياء الساكنة حذفت الياء لالتقاء الساكنين، لكن أجاب الكرماني وتبعه البرماوي وغيره بأن الرواية إذا صحّت تؤوّل الكسرة بأنها لمشاكلة لتخرجن وباب المشاكلة واسع والفتح بالحمل على المؤنث الغائب على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة.
(فأخرجته) أي الكتاب (من عقاصها) بكسر العين المهملة وبالقاف والصاد المهملة الخيط الذي يعتقص به أطراف الذوائب أو الشعر المضفور، وقال المنذري: هو ليّ الشعر بعضه على بعض على الرأس وتدخل أطرافه في أصوله وقيل هو السير الذي تجمع به شعرها على رأسها (فأتينا به) أي بالكتاب، وللمستملي بها أي بالصحيفة (رسول الله ﷺ ¬) وقول الكرماني أو بالمرأة معارض بما رواه الواحدي بلفظ وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب إلى المشركين فخذوه وخلوا سبيلها فإن لم تدفعه لكم فاضربوا عنقها (فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة) بالحاء والطاء المكسورة المهملتين ثم موحدة وبلتعة بموحدة مفتوحة ولام ساكنة فمثناة فوقية وعين مهملة مفتوحتين واسمه عامر وتوفي حاطب سنة ثلاثين (إلى أناس من المشركين من أهل مكة) هم صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل كما رواه الواقدي بسند له مرسل (يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ ¬) ولفظ الكتاب كما في تفسير يحيى بن سلام أما بعد: يا معشر قريش فإن رسول الله ﷺ جاءكم بجيش الليل يسير كالسيل فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له وعده فانظروا لأنفسكم والسلام.
(فقال رسول الله ﷺ ¬): (يا حاطب ما هذا)؟ (قال يا رسول الله لا تعجل عليّ إني كنت امرأَ ملصقًا في قريش) بفتح الصاد أي مضافًا إليهم ولا نسب لي فيهم من إلصاق الشيء بغيره وليس منه
стр. 3612
أو حليفًا لقريش (ولم أكن من أنفسها) بضم الفاء في اليونينية وفي الفرع بفتحها مصلحًا. وعند ابن إسحاق ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة. وقال السهيلي: كان حاطب حليفًا لعبد الله بن حميد بن زهير بن أسد بن عبد العزى (وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم فأحببت إذا) أي حين (فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا) أي نعمة ومنّة عليهم (يحمون بها قرابتي) وفي رواية ابن إسحاق وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليه وأن في قوله أن أتخذ مصدرية في محل نصب مفعول أحببت (وما فعلت) ذلك (كفرًا ولا ارتدادًا) أي عن ديني (ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله ﷺ ¬): (لقد صدقكم) بتخفيف الدال أي قال الصدق وزاد في فضل من شهد بدرًا من المغازي ولا تقولوا إلا خيرًا. ولأبي ذر: وقد صدقكم فأسقط اللام التي قبل قاف قد (فقال عمر): بن الخطاب (﵁: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق):
واستشكل إطلاق عمر عليه النفاق بعد شهادته ﵊ بأنه ما فعل ذلك كفرًا ولا ارتدادًاً ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام. وهذه الشهادة نافية للنفاق قطعًا. وأجيب: بأنه إنما قال ذلك لما كان عنده من القوة في الدين وبغض المنافقين وظن أن فعله هذا يوجب قتله لكنه لم يجزم بذلك فلذا استأذن في قتله وأطلق عليه النفاق لكونه أبطن خلاف ما أظهر وعذره النبي ﷺ لأنه كان متأوّلاً إذ لا ضرر فيما فعله.
(قال): ﵊ مرشدًا إلى علّة ترك قتله (وإنه قد شهد بدرًا) وكأنه قال: وهل أسقط عنه شهوده بدرًا هذا الذنب العظيم؟ فأجاب بقوله: (وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطّلع على أهل بدر) الذين حضروا وقعتها واستعمل لعل استعمال عسى فأتى بأن. قال النووي ومعنى الترجي هنا راجع إلى عمر لأن وقوع هذا الأمر محقق عند الرسول (فقال): تعالى مخاطبًا لهم خطاب تشريف وإكرام "اعملوا ما شئتم" في المستقبل "فقد غفرت لكم" عبّر عن الآتي بالواقع مبالغة في تحققه وعند الطبراني من طريق معمر عن الزهري عن عروة غافر لكم وفي مغازي ابن عائذ من مرسل عروة: اعملوا ما شئتم فسأغفر لكم. قال القرطبي: وهذا الخطاب قد تضمن أن هؤلاء حصلت لهم حالة غفرت بها ذنوبهم السابقة وتأهلوا أن تغفر لهم الذنوب اللاحقة إن وقعت منهم، وما أحسن قول بعضهم:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد … جاءت محاسنه بألف شفيع
وليس المراد أنهم نجزت لهم في ذلك الوقت مغفرة الذنوب اللاحقة بل لهم صلاحية أن يغفر لهم ما عساه أن يقع، ولا يلزم من وجود الصلاحية لشيء وجود ذلك الشيء وحمله البرماوي على أنهم لم يقع منهم ذنب في المستقبل ينافي عقيدة الدين بدليل قبوله ﵊ عذره لما علم من صحة عقيدته وسلامة قلبه وقيل المراد غفران الماضي لا المستقبل، وتعقب بأن هذا الصادر من
стр. 3613
حاطب إنما وقع في المستقبل لأنه صدر منه بعد بدر فلو كان للماضي لم يحصل التمسك به هنا، وقد أظهر الله تعالى صدق رسوله ﵊ في كل من أخبر عنه بشيء من ذلك فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة إلى أن فارقوا الدنيا، ولو قدر صدرو شيء من أحد منهم لبادر إلى التوبة ولازم الطريقة المثلى كما لا يخفى والمراد الغفران لهم في الآخرة وإلاّ فلو توجه على أحد منهم حدّ مثلاً استوفي منه بلا ريب.
(قال سفيان): بن عيينة (وأيّ إسناد هذا)! أي عجبًا لجلالة رجاله لأنهم الأكابر العدول الأيقاظ والثقات الحفاظ.
١٤٢ - باب الْكِسْوَةِ لِلأُسَارَى
(باب الكسوة للأسارى) ما يواري عوراتهم إذ لا يجوز النظر إليها والكسوة بكسر الكاف وقد تضم. يقال: كسوته إذا ألبسته ثوبًا. والأسارى بضم الهمزة جمع أسير.
٣٠٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أُتِيَ بِالْعَبَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ قَمِيصًا، فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَىٍّ يَقْدُرُ عَلَيْهِ، فَكَسَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِيَّاهُ، فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصَهُ الَّذِي أَلْبَسَهُ".
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَتْ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَدٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يُكَافِئَهُ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) الجعفي البخاري المسندي بفتح النون من قال: (حدّثنا ابن عيينة) سفيان (عن عمرو) هو ابن دينار أنه (سمع جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ قال: لما كان يوم بدر أُتي) بضم الهمزة وكذا اللاحقة (بأُسارى) بدر (وأُتي بالعباس) بن عبد المطلب وكان في جملتهم (ولم يكن عليه ثوب فنظر النبي ﷺ له) أي نظر يطلب لأجل العباس (قميصًا فوجدوا قميص عبد الله بن أُبيّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد المثناة التحتية هو أبو مالك بن الحرث وسلول أم أبي مالك وكان عبد الله سيد الخزرج ورأس المنافقين (يقدر عليه) بفتح أوّله وضم ثالثه المخفف وللأصيلي يقدَر عليه بضم ثم فتح أي يجيء على قدره (فكساه النبي ﷺ إياه) أي قميص عبد الله بن أُبيّ، وذلك أنهم لم يجدوا قميصًا يصلح للعباس إلا قميص عبد الله لأن العباس كان طويلاً جدًّا وكذلك عبد الله (فلذلك نزع النبي ﷺ قميصه) عن بدنه (الذي ألبسه) لعبد الله بن أبي بعد أن أخرج من قبره.
(قال ابن عيينة): سفيان (كانت له) أي لعبد الله بن أُبيّ (عند النبي ﷺ يد) نعمة (فأحب) ﵊ (أن يكافئه) عليها وفيه أن المكافأة تكون بعد الموت كالحياة.
стр. 3614
والحديث سبق في باب: هل يخرج الميت من القبر من كتاب الجنائز.
١٤٣ - باب فَضْلِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ
(باب فضل من أسلم على يديه رجل) من الكفار.
٣٠٠٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيُّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَهْلٌ ﵁-يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ: لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلاً يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَبَاتَ النَّاسُ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَى، فَغَدَوْا كُلُّهُمْ يَرْجُوهُ، فَقَالَ: أَيْنَ عَلِيٌّ؟ فَقِيلَ: يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ، فَقَالَ: أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا، فَقَالَ: انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) بكسر العين البغلاني قال: (حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري) بالقاف والمثناة التحتية من غير همزة مرفوع صفة ليعقوب أو بالجر صفة لعبد وهو منسوب لبني القارة وهم بنو الهون بن خزيمة بن مدركة (عن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار الأعرج (قال: أخبرني) بالإفراد (سهل) بفتح السين وسكون الهاء (﵁) زاد في رواية غير أبي ذر يعني ابن سعد (قال: قال النبي ﷺ يوم) غزوة (خيبر):
(لأعطين الراية غدًا رجلاً يفتح الله على يديه) بالتثنية وهمزة لأعطين مفتوحة في اليونينية مضمومة في غيرها وللمستملي والحموي على يده بالإفراد (يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله) (فبات الناس ليلتهم أيهم يُعطى) الراية الموعود بها بضم المثناة التحتية من أيهم يعطى مع فتح طائها مبنيًّا للمفعول وللأصيلي أيهم يعطى بفتح المثناة من أيهم وضمها من يُعطي وكسر الطاء (فغدوا) وللحموي والمستملي: غدوا (كلهم) على رسول الله ﷺ (يرجوه) أي الفوز بالوعد وحذف النون بلا ناصب وجازم لغة فصيحة، ولأبي ذر: يرجونه (فقال): ﵊ ولأبي ذر: قال (أين عليّ)؟ أي ما لي لا أراه حاضرًا كأنه ﷺ استبعد غيبته عن حضرته في مثل ذلك الموطن لا سيما وقد قال: لأعطين الراية إلخ … (فقيل) يا رسول الله هو (يشتكي عينيه) قال ﵊: فأرسلوا إليه فأُتي به (فبصق) ﵊ (في عينيه ودعا له فبرأ) بفتح الراء كضرب وقد تكسر كعلم والأولى لأهل الحجاز كما في الصحاح أي شفي (كأن لم يكن به وجع) زاد الطبراني من حديث عليّ: فما رمدت ولا صدعت مذ دفع إليّ النبي ﷺ الراية يوم خيبر (فأعطاه الراية فقال): عليّ (أُقاتلهم) بحذف همزة الاستفهام (حتى يكونوا مثلنا) مسلمين (فقال): ﵊
стр. 3615
(انفذ) بضم الفاء وبالذال المعجمة أي امضِ (على رسلك) بكسر الراء أي على هينتك (حتى تنزل بساحتهم) بفنائهم (ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم) من حق الله فيه (فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً) واحدًا (خير لك من أن تكون لك حُمر النعم) فتتصدق بها، وحمر: بضم الحاء وسكون الميم من ألوان الإبل المحمودة وهي أنفسها وخيّارها يضرب بها المثل في نفاسة الشيء وأن من لأن يهدي الله مصدرية في محل رفع على الابتداء والخبر قوله "خير لك" وكأنه ﷺ استحسن قول عليّ أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا واستحمده على ما قصده من مقاتلته إياهم حتى يكونوا مهتدين إعلاء لدين الله تعالى. ومن ثم حثّه ﷺ على ما نواه بقوله: "فوالله لأن يهدي الله بك" إلخ …
وهذا موضع الترجمة وتأتي مباحثه في المغازي إن شاء الله تعالى.
١٤٤ - باب الأُسَارَى فِي السَّلَاسِلِ
(باب الأسارى في السلاسل) بضم همزة الأسارى.
٣٠١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بفتح الموحدة والمعجمة بندار العبدي البصري قال: (حدّثنا غندر) هو محمد بن جعفر البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن محمد بن زياد) بكسر الزاي وتخفيف المثناة (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال):
(عجب الله من قوم يدخلون الجنة) أي وكانوا في الدنيا (في السلاسل) حتى دخلوا في الإسلام وبهذا التقدير يكون المراد حقيقة وضع السلاسل في الأعناق. ويقع التطابق بين الترجمة والحديث، ويؤيد أن المراد الحقيقة ما عند المؤلّف في تفسير آل عمران من وجه آخر عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أُخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠]. قال: خير الناس الناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام وحمله جماعة على المجاز فقال المهلب: المعنى يدخلون في الإسلام مكرهين وسمى الإسلام بالجنة لأنه سببها. وقال ابن الجوزي: معناه أنهم أُسروا وقيدوا فلما عرفوا صحة الإسلام دخلوا طوعًا فدخلوا الجنة فكان الإكراه على الأسر والتقييد هو السبب الأول فكأنه أطلق على الإكراه التسلسل، ولما كان هو السبب في دخول الجنة أقام المسبب مقام السبب. وقال الكرماني وتبعه البرماوي: لعلهم المسلمون الذين هم أسارى في أيدي الكفار فيموتون أو يقتلون على هذه الحالة فيحشرون عليها ويدخلون الجنة كذلك اهـ.
١٤٥ - باب فَضْلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ
(باب فضل من أسلم من أهل الكتابين) التوراة والإنجيل.
стр. 3616
٣٠١١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَىٍّ أَبُو حَسَنٍ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الأَمَةُ فَيُعَلِّمُهَا فَيُحْسِنُ تَعْلِيمَهَا، وَيُؤَدِّبُهَا فَيُحْسِنُ تَأْدِيبَهَا، فَيَتَزَوَّجُهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَمُؤْمِنُ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِي كَانَ مُؤْمِنًا ثُمَّ آمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَلَهُ أَجْرَانِ. وَالْعَبْدُ الَّذِي يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ". ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَأَعْطَيْتُكَهَا بِغَيْرِ شَىْءٍ، وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِي أَهْوَنَ مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ".
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) قال: (حدّثنا سفيان بن عيينة) قال: (حدّثنا صالح بن حي) ضدّ الميت لقب له وهو صالح بن صالح بن مسلم بن حيان وكنيته (أبو الحسن) بفتح الحاء والسين المهملتين (قال): أي صالح (سمعت النبي) عامر بن شراحيل (يقول: حدّثني) بالإفراد (أبو بردة) بضم الموحدة الحرث (أنه سمع أباه) عبد الله أبا موسى بن قيس الأشعري ﵁ (عن النبي ﷺ قال):
(ثلاثة) من الرجال مبتدأ خبره قوله (يؤتون أجرهم مرتين. الرجل تكون له الأمة) برفع الرجل بدلاً من ثلاثة بدل تفصيل أو بدل كل بالنظر إلى المجموع أو الرجل مبتدأ محذوف تقديره أولهم أو الأول الرجل (فيعلمها) ما يجب تعليمه من الدين (فيحسن) بفاء العطف ولأبي ذر: ويحسن (تعليمها ويؤدبها) لتتخلق بالأخلاق الحميدة (فيحسن أدبها) من غير عنف ولا ضرب بل بالرفق وإنما غاير بينه وبين التعليم وهو داخل فيه لتعلقه بالمروءات والتعليم بالشرعيات أي الأول عرفي والثاني شرعي والأول دنيوي والثاني ديني (ثم يعتفها فيتزوجها) بعد أن يصدقها (فله أجران) أجر العتق وأجر التزويج وإنما اعتبرهما لأنهما الخاصان بالإماء دون السابقين (ومؤمن أهل الكتاب) اليهودي والنصراني (الذي كان مؤمنًا) بنبيّه موسى وعيسى (ثم آمن بالنبي) محمد (¬ ﷺ ¬) في عهد بعثته أو بعدها إلى يوم القيامة جزم الكرماني، وتبعه العيني بالأول معللاً بأن نبيه بعد البعثة إنما هو محمد ﷺ باعتبار عموم بعثته ﵊ ولا يخفى ما فيه فإن بعثته ﵊ في عهده وبعده عامة لا فرق بينهما، وجزم بالثاني الإمام البلقيني وتبعه الحافظ ابن حجر عملاً بظاهر اللفظ وفي كلِّ منهما نظر لأنّا إذا قلنا إن بعثته ﵊ قاطعة لدعوة عيسى فلا نبيّ للمؤمن من أهل الكتاب إلاّ محمد ﷺ ، وحينئذ فالإيمان إنما هو بمحمد ﷺ فقط فكيف ترتب الأجر مرتين؟ أجيب: بأن مؤمن أهل الكتاب لا بدّ أن يكون مع إيمانه بنبيه مؤمنًا بمحمد ﷺ للعهد المتقدم والميثاق في قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾ [آل عمران: ٨١]. الآية. المفسر بأخذ الميثاق من النبيّين وأممهم مع وصفه تعالى له في التوراة والإنجيل، فإذا بعث ﷺ فالإيمان به مستمر.
فإن قلت: فإذا كان الأمر كما ذكرت فكيف تعدد إيمانه حتى تعدد أجره؟ أجيب: بأن
стр. 3617
الإيمان أولاً تعلق بأن الموصوف بكذا رسول وإيمانه ثانيًا تعلق بأن محمدًا ﷺ هو الموصوف بتلك الصفات فهما معلومان متباينان فجاء التعدد.
(فله أجران) أجر الإيمان بنبيّه وأجر الإيمان بمحمد ﷺ وكذا حكم الكتابية إذ النساء شقائق الرجال في الأحكام.
واستشكل دخول اليهود في ذلك لأن شرعهم نسخ بعيسى ﵊ والمنسوخ لا أجر في العمل به فيختص الأجران بالنصراني. أجيب: بأنّا لا نسلم أن النصرانية ناسخة لليهودية.
نعم لو ثبت ذلك لكان كذلك كذا قرره الكرماني وتبعه البرماوي وغيره، لكن قال في الفتح: لا خلاف أن عيسى ﵊ أرسل إلى بني إسرائيل فمن أجاب منهم نسب إليه ومن كذب منهم واستمر على يهوديته لم يكن مؤمنًا فلا يتناوله الخبر لأن شرطه أن يكون مؤمنًا بنبيه. نعم من دخل في اليهودية من غير بني إسرائيل أو لم يكن بحضرة عيسى فلم تبلغه دعوته يصدق عليه أنه يهودي مؤمن إذ هو مؤمن بنبيه موسى ولم يكذب نبيًّا آخر بعده، فمن أدرك بعثة محمد ﷺ ممن كان بهذه المثابة وآمن به لم يشكل أنه دخل في الخبر المذكور. نعم الإشكال في اليهود الذين كانوا بحضرته ﷺ ، وقد ثبت أن الآية الموافقة لهذا الحديث وهي قوله تعالى في سورة القصص: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين﴾ [القصص: ٥٤]. نزلت في طائفة آمنوا به كعبد الله بن سلام وغيره، ففي الطبراني من حديث رفاعة القرظي قال: نزلت هذه الآيات فيّ وفيمن آمن معي، وروى الطبراني بإسناد صحيح عن عليّ بن رفاعة القرظي قال: خرج عشرة من أهل الكتاب منهم أبي رفاعة إلى النبي ﷺ فآمنوا فأوذوا فنزلت: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾ [القصص: ٥٢]. فهؤلاء من بني إسرائيل ولم يؤمنوا بعيسى بل استمروا على اليهودية إلى أن آمنوا بمحمد ﷺ ، وقد ثبت أنهم يؤتون أجرهم مرتين. قال الطيبي: فيحتمل إجراء الحديث على عمومه إذ لا يبعد أن يكون طريان الإيمان بمحمد ﷺ سببًا لقبول تلك الأديان وإن كانت منسوخة انتهى.
ويمكن أن يقال: إن الذين كانوا بالمدينة لم تبلغهم دعوة عيسى ﵊ لأنها لم تنتشر في أكثر البلاد فاستمروا على يهوديتهم مؤمنين بنبيهم موسى إلى أن جاء الإسلام فآمنوا بمحمد ﷺ ، فبهذا يرتفع الإشكال واشتراط بعضهم في الكتابي بقاءه على ما بعث به نبيه من غير تبديل ولا تحريف، وعورض بأنه ﷺ كتب إلى هرقل: "أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين" وهرقل كان ممن دخل في النصرانية بعد التبديل والتقييد بأهل الكتاب مخرج لغيرهم من الكفار، فلا ينبغي حمله على العموم وإن جاء في الحديث أن حسنات الكفار مقبولة بعد إسلامهم لأن لفظ الكفار يتناول الكافر الحربي وليس له أجران قطعًا.
(والعبد) المملوك (الذي يؤدي حق الله) تعالى كالصلاة والصوم (وينصح لسيده) في خدمته وغيرها (له أجران) أيضًا أجر تأديته للعبادة وأجر نصحه.
стр. 3618
(ثم قال) عامر (الشعبي): أعطيكها بضم الهمزة بلفظ المستقبل من غير واو ولا فوقية (بغير شيء) من الأجرة (وقد كان الرجل يرحل) يسافر (في أهون منها) أي من المسألة (إلى المدينة) النبوية.
١٤٦ - باب أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ، فَيُصَابُ الْوِلْدَانُ وَالذَّرَارِيُّ
﴿بَيَاتًا﴾ [الأعراف: ٤ و ٩٧، ويونس: ٥٠]: لَيْلاً. ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ [النمل: ٤٩]: لَيْلاً ﴿يُبَيِّتُ﴾ [النساء: ٨١]: لَيْلاً.
(باب) حكم (أهل الدار) الحربيين (يبيتون) بفتح المثناة التحتية بعد الموحدة مبنيًّا للمفعول أي يغار عليهم بالليل بحيث لا يميز بين أفرادهم (فيصاب الولدان) أي الصغار بسبب التبييت (والذراري) بالذال المعجمة والرفع والتشديد عطفًا على الولدان هل يجوز ذلك أم لا؟ ثم ذكر المؤلّف رحمه الله تعالى تفسير ثلاث آيات من القرآن يوافقن ما في الخبر على عادته.
الأولى: (﴿بياتًا﴾) بالموحدة ثم المثناة التحتية الخفيفة وبعد الألف فوقية لا نيامًا بالنون والميم من النوم لأن مراده قوله تعالى في الأعراف: ﴿فجاءها بأسنا﴾ [الأعراف: ٤] أي عذابنا بعد التكذيب ﴿بياتًا﴾ يعني (ليلاً) وسمي الليل بياتًا لأنه يبات فيه.
والثانية: قوله في سورة النمل ﴿قالوا تقاسموا بالله ليبيتنه﴾ بالتحتية بعد اللام في اليونينية وفي غيرها بالنون من البيات وهو مباغتة العدو (ليلاً).
والثالثة: (يبيت) بمثناة تحتية ثم موحدة فمثناة مفتوحة مشددة ثم فوقية مضمومة أي (ليلاً) لكن لفظ التلاوة في سورة النساء ﴿بيت﴾ بموحدة ثم مثناة تحتية مشددة ففوقية مفتوحات ﴿والله يكتب ما يبيتون﴾ والثانية والثالثة من زيادة أبي ذر كما في الفتح، والذي في الفرع سقوطهما عنده فالله أعلم.
٣٠١٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ﵃ قَالَ: "مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِالأَبْوَاءِ -أَوْ بِوَدَّانَ- فسُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، قَالَ: هُمْ مِنْهُمْ. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَا حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ ".
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا) ابن شهاب (الزهري عن عبيد الله) بضم العين ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود وفي مسند الحميدي عن سفيان عن الزهري أخبرني عبيد الله (عن ابن عباس عن الصعب) ضدّ السهل (ابن جثامة) بفتح الجيم وتشديد المثلثة الليثي (¬﵃ قال: مرّ بي النبي ﷺ بالأبواء) بفتح الهمزة وإسكان الموحدة ممدودًا من عمل الفرع من المدينة بينه وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً وسميت
стр. 3619
بذلك لتبوّئ السيول بها (أو بودان) بفتح الواو وبعد الموحدة وتشديد المهملة وبعد الألف نون قرية جامعة بينها وبين الأبواء ثمانية أميال وهي أيضًا من عمل الفرع والشك من الراوي.
(وسُئل) بواو الحال وضم السين مبنيًّا للمفعول. قال في الفتح: ولم أقف على اسم السائل ثم وجدت في صحيح ابن حبان من طريق محمد بن عمرو عن الزهري بسنده عن الصعب قال: سألت رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين أنقتلهم معهم؟ قال: "نعم" فظهر أن الراوي هو السائل، ولأبي ذر: فسئل (عن أهل الدار) الحربين حال كونهم (يبيتون) بفتح المثناة المشددة بعد الموحدة مبنيًّا للمفعول أي يغار عليهم ليلاً بحيث لا يعرف رجل من امرأة (من المشركين) بيان لأهل الدار (فيصاب) بضم المثناة (من نسائهم وذراريهم) بالذال المعجمة وتشديد المثناة التحتية (قال): ﵊ مجيبًا للسائل:
(هم) أي النساء والذراري (منهم) أي من أهل الدار من المشركين وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم بل إذا لم يوصل إلى قتل الرجال إلا بذلك قتلوا وإلاّ فلا تقصد الأطفال والنساء بالقتل مع القدرة على ترك ذلك جمعًا بين الأحاديث المصرّحة بالنهي عن قتل النساء والصبيان وما هنا. قال الصعب بن جثامة: (وسمعته) ﵊ ولأبي ذر: فسمعته بالفاء. قال الحافظ ابن حجر: والأول أوضح (يقول): (لا حمى إلاّ لله ورسوله ﷺ ¬) ومن يقوم مقامه من خلفائه وأصل الحمى عند العرب أن الرئيس منهم كان إذا نزل منزلاً مخصبًا استعوى كلبًا على مكانٍ عالٍ فإلى حيث انتهى صوته حماه من كل جانب فلا يرعى فيه غيره ويرعى هو مع غيره فيما سواه فأبطل الشرع ذلك، وحمى بغير تنوين كما في اليونينية وفي بعض النسخ حمى بثبوته فتكون لا بمعنى ليس، وعلى الأول تكون للاستغراق بخلاف الثاني.
وهذا الحديث مستقل ذكره المؤلّف فيما سبق في كتاب الشرب ووجه دخوله هنا كونه في تحمل ذلك كذلك.
٣٠١٣ - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ "حَدَّثَنَا الصَّعْبُ فِي الذَّرَارِيِّ". كَانَ عَمْرٌو يُحَدِّثُنَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَمِعْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "عَنِ الصَّعْبِ قَالَ: هُمْ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ عَمْرٌو: هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ".
(و) بالسند السابق (عن) ابن شهاب (الزهري أنه سمع عبيد الله) بن عبد الله بن عتبة بن مسعود حال كونه يقول (عن ابن عباس حدّثنا الصعب) بن جثامة (في الذراري) فقط قال سفيان (كان عمرو) أي ابن دينار (يحدّثنا) هذا الحديث (عن ابن شهاب) الزهري مرسلاً (عن النبي ﷺ ¬) أنه قال من آبائهم، وقد أخرج الإسماعيلي الحديث من طريق العباس بن يزيد حدّثنا سفيان قال: كان عمرو يحدث قبل أن يقدم الزهري عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن الصعب. قال سفيان: فقدم علينا الزهري فسمعته يعيده ويبديه فذكر الحديث فانتفى الإرسال. نعم صورته صورة
стр. 3620
الإرسال ولا يندفع بإخراج الإسماعيلي له قال سفيان (فسمعناه) بعد ذلك (من الزهري قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بن عبد الله (عن ابن عباس ﵄ عن الصعب) بن جثامة عن النبي ﷺ أنه (قال):
(هم منهم) (ولم يقل كما قال عمرو) هو ابن دينار (هم من آبائهم) وأخرج الحديث مسلم في المغازي وأبو داود وابن ماجه في الجهاد والترمذي والنسائي في السير.
١٤٧ - باب قَتْلِ الصِّبْيَانِ فِي الْحَرْبِ
(باب) النهي عن (قتل الصبيان في الحرب) لقصورهم عن فعل الكفر ولما في استبقائهم من الانتفاع بهم إما بالرق أو بالفداء عند من يجوّز أن يفادى به.
٣٠١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ﵁ أَخْبَرَهُ "أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيِّ ﷺ مَقْتُولَةً، فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ".
[الحديث ٣٠١٤ - طرفه في: ٣٠١٥].
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي الكوفي قال: (أخبرنا الليث) بن سعد المصري ولأبي ذر: حدّثنا ليث (عن نافع أن عبد الله) بن عمر بن الخطاب (﵁ أخبره أن امرأة) لم تسم (وجدت في بعض مغازي النبي ﷺ ¬) هي غزوة الفتح كما في معجم الأوسط للطبراني (مقتولة) بالنصب (فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان).
وهذا الحديث أخرجه مسلم في المغازي وأبو داود في الجهاد.
١٤٨ - باب قَتْلِ النِّسَاءِ فِي الْحَرْبِ
(باب) النهي عن (قتل النساء في الحرب).
٣٠١٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ".
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه (قال: قلت: لأبي أسامة) بضم الهمزة حماد بن أسامة (حدّثكم عبيد الله) بضم العين ابن عبد الله بن عمر (عن نافع عن ابن عمر) بن الخطاب (﵄ قال: وجدت امرأة) حال كونها (مقتولة في بعض مغازي رسول الله ﷺ ¬) فتح مكة (فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان). استدلّ به البرماوي كالكرماني على أنه إذا قال للشيخ أخبركم أو حدّثكم ونحوهما فلان وسكت عن جوابه مع قرينة الإجابة جاز له أن يرويه
стр. 3621
عنه، لكن رده الحافظ ابن حجر بأن إسحاق بن راهويه روى الحديث في مسنده كذلك وزاد في آخره فأقرّ به أبو أسامة وقال: نعم وحينئذ فلا حجة فيه لما ذكره لأنه تبين من هذه الطريق الأخرى أنه لم يسكت، وتعقبه العيني بأنه لا يستلزم من قوله: نعم في إحداهما عدم سكوته في الأخرى كذا قاله فليتأمل.
١٤٩ - باب لَا يُعَذَّبُ بِعَذَابِ اللَّهِ
(باب) بالتنوين (لا يعذب بعذاب الله) بفتح الذال من يعذب مبنيًّا للمفعول.
٣٠١٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْثٍ فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ: إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلاَّ اللَّهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البلخي قال (حدّثنا الليث) بن سعد (عن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف ابن عبد الله بن الأشجّ (عن سليمان بن يسار) بفتح المثناة التحتية والمهملة المخففة الهلالي المدني مولى ميمونة أو أم سلمة (عن أبي هريرة ﵁) كذا أخرجه النسائي كالمؤلّف هنا وخالد محمد بن إسحاق فرواه في السير عن يزيد بن أبي حبيب عنه بكير فأدخل بين سليمان وأبي هريرة أبا إسحاق الدوسي، وسليمان قد صحّ سماعه من أبي هريرة وهو غير مدلس فتكون رواية ابن إسحاق من المزيد في متصل الأسانيد (أنه) أي أبا هريرة (قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث) أميره حمزة بن عمرو الأسلمي كما عند أبي داود بإسناد صحيح (فقال):
(إن وجدتم فلانًا وفلانًا) هبار بن الأسود ونافع بن عبد عمرو أو غيرهما كما مرّ (فأحرقوهما بالنار) بهمزة قطع (ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج): للسفر وودّعناه (إني أمرتكم أن تحرقوا) بالتشديد والذي في اليونينية بالتخفيف (فلانًا وفلانًا وإن النار لا يعذب بها إلا الله) خبر بمعنى النهي وهو نسخ لأمره السابق، وفي رواية ابن لهيعة: وإنه لا ينبغي ولابن إسحاق ثم رأيت أنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا الله. قال البيضاوي: إنما منع التعذيب بالنار لأنه أشد العذاب ولذلك أوعدها الكفار، وقال الطيبي: لعل المنع من التعذيب بها في الدنيا أن الله تعالى جعل النار فيها منافع وارتفاقهم، فلا يصح منهم أن يستعملوها في الإضرار، ولكن له تعالى أن يستعملها فيه لأنه ربها ومالكها يفعل ما يشاء من التعذيب بها والمنع منه، وإليه أشار بقوله في الحديث الآخر ربّ النار وقد جمع الله تعالى الاستعمالين في قوله تعالى: ﴿نحن جعلناها تذكرة ومتاعًا للمقوين﴾ [الواقعة: ٧٣]. أي تذكيرًا بنار جهنم لتكون حاضرة للناس يذكرون ما أوعدوا به وجعلنا بها أسباب المعاش كلها انتهى.
стр. 3622
وقد اختلف السلف في التحريق فكرهه عمر وابن عباس وغيرهما مطلقًا سواء كان بسبب كفر أو قصاصًا، وأجازه عليّ وخالد بن الوليد وقال المهلب: ليس هذا النهي على التحريم بل على سبيل التواضع، وقد سمل ﵊ أعين العرنيين بالحديد المحمى، وحرق أبو بكر- ﵁ اللائط بالنار بحضرة الصحابة، وتعقب بأنه لا حجة فيه للجواز فإن قصة العرنيين كانت قصاصًا أو منسوخة وتجويز الصحابي معارض بمنع صحابي غيره.
(فإن وجدتموهما) بالواو والجيم وفي باب التوديع فإن أخذتموهما (فاقتلوهما).
٣٠١٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ "أَنَّ عَلِيًّا ﵁ حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ، وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ".
[الحديث ٣٠١٧ - طرفه في: ٦٩٢٢].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن أيوب) السختياني (عن عكرمة) مولى ابن عباس (أن عليًّا ﵁ حرّق قومًا) هم السبئية أتباع عبد الله بن سبأ كانوا يزعمون أن عليًّا ربهم تعالى الله وتقدّس عن مقالتهم، وعند ابن أبي شيبة كانوا قومًا يعبدون الأصنام (فبلغ) ذلك (ابن عباس) ﵄ (فقال: لو كنت أنا) بدله فالخبر محذوف وأتى بأنا تأكيدًا للضمير المتصل (لم أحرقهم لأن النبي ﷺ قال):
(لا تعذبوا بعذاب الله) وهذا أصرح في النهي من السابق في الحديث الذي قبل (ولقتلتهم كما قال النبي ﷺ ¬) (من بدّل دينه) الحق وهو دين الإسلام (فاقتلوه). وفي حديث مروي في شرح السُّنّة فبلغ ذلك عليًّا فقال: صدق ابن عباس وإنما حرّقهم عليّ ﵁ بالرأي والاجتهاد وكأنه لم يقف على النص في ذلك قبل، فجوّز ذلك للتشديد بالكفار والمبالغة في النكاية والنكال، وقوله: ولقتلتهم عطف على جواب لو وأتى باللام لإفادتها معنى التأكيد وخصها بالثاني دون الأول وهو الجواب لأن القتل أهم وأحرى من غيره ولورود النص أن النار لا يعذب بها إلا الله.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في استتابة المرتدين وأبو داود وابن ماجه في الحدود وكذا الترمذي والنسائي في المحاربة.
١٥٠ - باب ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] فِيهِ حَدِيثُ ثُمَامَةَ وَقَوْلُهُ : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ -حَتَّى يَغْلِبَ فِي الأَرْضِ- ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧] الآيَةَ.
هذا (باب) بالتنوين يذكر في التخيير بين المن والفداء في الأسرى لقوله تعالى في سورة القتال: ﴿فإما منًّا بعد وإما فداء﴾ [محمد ﷺ : ٤]. أي فإما تمنون منًّا أو تفدون فداء، والمراد
стр. 3623
التخيير بعد الأسر بين المنّ والإطلاق وبين أخذ الفداء. وعن بعض السلف أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] الآية. والأكثرون على أنها محكمة قال بعضهم: التخيير بين القسمين فلا يجوز قتله والأكثرون منهم وهو قول أكثر السلف على التخيير بين المنّ والمفاداة والقتل والاسترقاق (فيه) أي في الباب (حديث ثمامة) بضم المثلثة؛ وقد ذكره المؤلّف في مواضع ولفظه في وفد بني حنيفة من المغازي بعث النبي ﷺ خيلاً قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه النبي ﷺ فقال: "ما عندك يا ثمامة"؟ فقال: عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت حتى كان الغد، ثم قال له: "ما عندك يا ثمامة"؟ قال: ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر فتركه حتى كان بعد الغد فقال: "ما عندك يا ثمامة"؟ فقال: عندي ما قلت لك. فقال: أطلقوا ثمامة؛ الحديث.
وهذا موضع الترجمة منه فإنه ﷺ أقره على ذلك ولم ينكر عليه التقسيم ثم منّ عليه بعد ذلك وهو يؤيد قول الجمهور أن الأمر في أسرى الكفار من الرجال إلى الإمام يفعل ما هو الأحظ للإسلام والمسلمين، وعن مالك لا يجوز المن بغير الفداء، وعن الحنفية: لا يجوز المنّ أصلاً لا بفداء ولا بغيره.
(و) في الباب أيضًا (قوله في سورة الأنفال: (﴿ما كان لنبي أن تكون له أسرى﴾ [الأنفال: ٦٧] الآية) أي ما صح وما استقام لنبي من الأنبياء أن يأخذ أسارى ولا يقتلهم زاد في رواية أبي ذر وكريمة: (﴿حتى يثخن في الأرض﴾) [الأنفال: ٦٧]. يعني يغلب في الأرض وهذا تفسير أبي عبيدة، وعن مجاهد الإثخان القتل وقيل المبالغة فيه أي حتى يكثر فيعز الإسلام ويذل الكفر (﴿تريدون عرض الدنيا﴾) حطامها وهو الفداء (الآية). وتمامها: (﴿والله يريد الآخرة﴾) [الأنفال: ٦٧]. يريد لكم ثواب الآخرة أو سبب نيل الآخرة من إعزاز دينه وقمع أعدائه والله عزيز يغلب أولياءه على أعدائه حكيم يعلم ما يليق بكل حال ويخصه بها كما أمر بالإثخان ومنع من الافتداء حين كانت الشوكة للمشركين وخيّر بينه وبين المنّ لما تحولت الحال وصارت الغلبة للمؤمنين.
نزلت حين جاؤوا بأسارى بدر فاستشار ﷺ فيهم فقال عمر: هم أئمة الكفر والله أغناك عن الفداء فاضرب أعناقهم، وقال أبو بكر: هم قومك وأهلك لعل الله أن يتوب عليهم خذ منهم فدية تقوي بها أصحابك فقبل الفداء وعفا عنهم.
١٥١ - باب هَلْ لِلأَسِيرِ أَنْ يَقْتُلَ وَيَخْدَعَ الَّذِينَ أَسَرُوهُ حَتَّى يَنْجُوَ مِنَ الْكَفَرَةِ؟ فِيهِ الْمِسْوَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -
هذا (باب) بالتنوين (هل للأسير) في أيدي الكفار (أن يقتل ويخدع) ولأبي ذر: أو يخدع
стр. 3624
(الذين أسروه حتى ينجو من الكفرة فيه المسور) أي في حكم الباب حديث المسور بن مخرمة (عن النبي ﷺ ¬) في صلح الحديبية وفيه وعلى أنه لا يأتيك منّا رجل ولو كان على دينك إلا رددته إلينا إلى أن قال: ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين فقالا: العهد الذي جعلت لنا فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من ثمر لهم فقال: أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمكنه منه فضربه حتى برد وفرّ الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: لقد رأى هذا ذعرًا. فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد والله أوفى الله إليك ذمتك قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم. قال النبي ﷺ : "ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد" فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير فجعل لا يخرج رجل من قريش قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده بالله والرحم لما أرسل فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي ﷺ إليهم فلم ينكر ﷺ على أبي بصير قتله العامري ولا أمر فيه بقوَد ولا دية، وإنما لم يجزم المؤلّف ﵀ بالحكم لأنه اختلف في الأسير يعاهد أن لا يهرب فقال الشافعي والكوفيون: لا يلزمه. وقال مالك: يلزمه، وقال ابن القاسم وابن الموّاز إن أكرهوه على أن يحلف لم يلزمه لأنه مكره، وقال بعض الفقهاء: لا فرق بين الحلف والعهد وخروجه عن بلد الكفر واجب والحجة في ذلك فعل أبي بصير وتصويب النبي ﷺ فعله اهـ.
قال أبو عبد الله الأبي: ولا حجة فيه لأنه ليس فيه إلا أن أبا بصير عاهدهم على ذلك والنبي ﷺ إنما عاهدهم على أن لا يخرج معه بأحد منهم ولا يحبسه عنهم ولا عاهدهم على أن لا يخرج منهم من أسلم فيلزم ذلك أبا بصير.
١٥٢ - باب إِذَا حَرَّقَ الْمُشْرِكُ الْمُسْلِمَ هَلْ يُحَرَّقُ؟
هذا (باب) بالتنوين (إذا حرق المشرك) الرجل (المسلم هل يحرق)؟ هذا المشرك جزاء لفعله.
٣٠١٨ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ "أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ ثَمَانِيَةً قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْغِنَا رِسْلاً، قَالَ: مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلاَّ أَنْ تَلْحَقُوا بِالذَّوْدِ، فَانْطَلَقُوا فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، فَأَتَى الصَّرِيخُ النَّبِيَّ ﷺ ،
стр. 3625
فَبَعَثَ الطَّلَبَ، فَمَا تَرَجَّلَ النَّهَارُ حَتَّى أُتِيَ بِهِمْ فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ثُمَّ أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ بِهَا وَطَرَحَهُمْ بِالْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَمَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُوا".
قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: قَتَلُوا وَسَرَقُوا وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ وَسَعَوْا فِي الأَرْضِ فَسَادًا.
وبه قال: (حدّثنا معلى) بضم الميم وتشديد اللام المفتوحة ولغير أبي ذر ابن أسد قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو وفتح الهاء ابن خالد (عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي (عن أنس بن مالك ﵁ أن رهطًا من عكل) بضم العين وسكون الكاف قبيلة معروفة (ثمانية) نصب بدلاً من رهطًا أو بيانًا له (قدموا على النبي ﷺ فاجتووا المدينة) بالجيم الساكنة وفتح المثناة والواو الأولى من الاجتواء أي كرهوا الإقامة بها أو لم يوافقهم طعامها (فقالوا: يا رسول الله ابغنا رسلاً) بكسر الراء وسكون السين المهملة أي اطلب لنا لبنًا (قال): ولأبي ذر: فقال:
(ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذود) بفتح الذال المعجمة آخره مهملة من بين الثلاث إلى العشرة من الإبل (فانطلقوا فشربوا من أبوالها وألبانها حتى صحّوا وسمنوا) وللإسماعيلي من رواية ثابت ورجعت إليهم ألوانهم (وقتلوا الراعي) يسارًا غلامه ﵊ (واستاقوا الذود) افتعال من السوق وهو السير العنيف (وكفروا بعد إسلامهم فأتى الصريخ النبي ﷺ ¬) بالصاد المهملة والخاء المعجمة فعيل بمعنى فاعل أي صوت المستغيث (فبعث) ﵊ (الطلب) في آثارهم، وفي حديث سلمة بن الأكوع خيلاً من المسلمين أميرهم كرز بن جابر الفهري، ولمسلم من رواية معاوية بن قرّة عن أنس أنهم شباب من الأنصار قريب من عشرين رجلاً وبعث معهم قائفًا يقتص آثارهم (فما ترجل النهار) بالجيم أي ارتفع (حتى أُتي بهم) بضم الهمزة وكسر المثناة الفوقية إليه ﵊ (فقطع أيديهم وأرجلهم) بتشديد الطاء في اليونينية أي أمر بها فقطعت وظاهره أنه قطع يدي كل واحد ورجليه لكن يردّه رواية الترمذي من خِلاف وللمؤلّف من رواية الأوزاعي لم يحسمهم أي لم يكوِ ما قطع منهم بالنار لينقطع الدم بل تركهم ينزفون (ثم أمر) ﵊ (بمسامير فأُحميت) بضم الهمزة رباعيًا وهو المعروف في اللغة (فكحلهم بها) بالتخفيف أي أمر بذلك، وفي رواية: فأكحلوا بهمزة مضمومة وكسر الحاء وإنما فعل ذلك بهم لما في رواية التيمي أنهم كانوا فعلوا بالرعاء مثل ذلك وعليه ينزل تبويب البخاري ولولا ذلك لم تكن ثمّ مناسبة، وقيل: إنه منسوخ بآية المائدة: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ [المائدة: ٣٣] الآية. قاله الشافعي. (وطرحهم بالحرة) بالحاء والراء المهملتين أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة (يستسقون فما يسقون حتى ماتوا).
استشكل بأن الإجماع كما قاله القاضي أن من وجب قتله فاستسقى يسقى. وأجيب: بأنه ليس في الحديث ما يدل على أنه أمر بذلك ولا أذن فيه أو أنهم بارتدادهم لم تكن لهم حرمة، ولذلك
стр. 3626
قال أصحابنا: من معه ماء يحتاج إليه لعطش وهناك مرتدّ لو لم يسقه مات يتوضأ به ولا يسقيه بخلاف الذمي والبهيمة.
(قال أبو قلابة) بن عبد الله (قتلوا وسرقوا) لأنهم أخذوا اللقاح من حرز مثلها وهذا أخذه أبو قلابة استنباطًا لكنه نوزع فيه بأن هذه ليست سرقة وإنما هي حرابة. (وحاربوا الله ورسوله ﷺ وسعوا في الأرض فسادًا).
١٥٣ - باب
هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة وهو كالفضل من سابقه.
٣٠١٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ».
[الحديث ٣٠١٩ - طرفه في: ٣٣١٩].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف قال: (حدّثنا الليث) بن سعد (عن يونس) بن يزيد الأيلي (من ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة) بن عبد الرحمن (أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(قرصت) بفتح القاف والراء والصاد المهملتين أي لدغت (نملة نبيًّا من الأنبياء) هو عزير. وعند الترمذي الحكيم أنه موسى (فأمر بقرية النمل) موضع اجتمعاهن (فأحرقت) بتاء التأنيث أي القرية، ولأبي ذر: فأحرق أي النمل لجواز التعذيب بالنار وإحراق النمل قصاصًا وهو غير مكلف في شرعه، واستدلّ به على جواز حرق الحيوان المؤذي لأن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يأتِ في شرعنا ما يرفعه. نعم ورد فيه النهي عن التعذيب بالنار إلا في القصاص بشرطه، وكذا لا يجوز عندنا قتل النمل لحديث ابن عباس في السُّنن: "أن النبي ﷺ نهى عن قتل النملة والنحلة".
(فأوحى الله إليه) إلى ذلك النبي (أن قرصتك نملة) بفتح الهمزة وبهمزة الاستفهام مقدرة أو ملفوظ بها (أحرقت أمة من الأمم تسبح الله) تعالى في بدء الخلق فهلا نملة واحدة أي فهلا أحرقت نملة واحدة وهي التي آذتك بخلاف غيرها فلم يصدر منها جناية وفيه إشارة إلى أنه لو أحرق التي قرصته لما عوتب وقيل لم يقع عليه العتب في أصل القتل ولا في الإحراق بل في الزيادة على النملة الواحدة وهو يدل لجوازه في شرعه، وتعقب بأنه لو كان كذلك لم يعاتب أصلاً ورأسًا أو أنه من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد روي أن لهذه القصة سببًا وهو أن هذا النبي مرّ على قرية أهلكها الله بذنوب أهلها فوقف متعجبًا فقال: يا رب كان فيهم صبيان ودواب ومن لم يقترف ذنبًا ثم
стр. 3627
نزل تحت شجرة فجرت له هذه القصة فنبهه الله على أن الجنس المؤذي يقتل وإن لم يؤذِ وتقتل أولاده وإن لم تبلغ الأذى، والحاصل أنه لم يعاتبه إنكارًا لما فعل بل جوابًا له وإيضاحًا لحكمة شمول الإهلاك لجميع أهل تلك القرية فضرب له المثل بذلك أي إذا اختلط من يستحق الإهلاك بغيره وتعين إهلاك الجميع طريقًا إلى إهلاك المستحق جاز إهلاك الجميع.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الحيوان وأبو داود في الأدب والنسائي في الصيد وابن ماجه.
١٥٤ - باب حَرْقِ الدُّورِ وَالنَّخِيلِ
(باب) جواز (حرق الدور والنخيل) التي للمشركين وحرق بفتح الحاء وسكون الراء واعترضه في فتح الباري بأنه لا يقال في المصدر حرق، وإنما يقال تحريق واحراق لأنه رباعي. وقال الزركشي: الصواب إحراق وتعقبه في المصابيح بأن في المشارق والحرق يكون من النار والأعرف الإحراق فجعل الحرق معروفًا لا خطأ.
٣٠٢٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: "قَالَ لِي جَرِيرٌ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ -وَكَانَ بَيْتًا فِي خَثْعَمَ يُسَمَّى كَعْبَةَ الْيَمَانِيَةَ- قَالَ فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ، قَالَ: وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا. فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا فَكَسَرَهَا وَحَرَّقَهَا. ثُمَّ بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُ فَقَالَ رَسُولُ جَرِيرٍ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْوَفُ أَوْ أَجْرَبُ. قَالَ فَبَارَكَ فِي خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ".
[الحديث ٣٠٢٠ - أطرافه في: ٣٠٣٦، ٣٠٧٦، ٣٨٢٣، ٤٣٥٥، ٤٣٥٦، ٤٣٥٧، ٦٠٨٩، ٦٣٣٣].
وبه قال: (حدّثنا مسدّد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن إسماعيل) بن أبي خالد الأحمسي البجلي (قال: حدّثني) بالإفراد (قيس بن أبي حازم) بالمهملة والزاي (قال: قال لي جرير) بفتح الجيم ابن عبد الله الأحمسي ﵁ (قال لي رسول الله):
(ألا تريحني) بفتح الهمزة وتخفيف اللام وبالراء والحاء المهملتين طلب يتضمن الأمر بإراحة قلبه المقدس (من ذي الخلصة) بالخاء المعجمة واللام بعدها صاد مهملة مفتوحات أو بفتح أوله وسكون ثانيه أو مهما أو بفتح ثم ضم والأول أشهر لأنه لم يكن شيء أتعب لقلبه ﵊ من بقاء ما يشرك به من دون الله وخصّ جرير بذلك لأنها كانت في بلاد قومه وكان هو من أشرافهم. (وكان) ذو الخلصة (بيتًا) لصنم (في خثعم) بفتح الخاء المعجمة وسكون المثلثة وفتح العين المهملة كجعفر قبيلة شهيرة ينتسبون إلى خثعم بن أنمار بفتح الهمزة وسكون النون ابن إراش بكسر الهمزة وتخفيف الراء آخره شين معجمة أو اسم البيت الخلصة واسم الصنم ذو الخلصة، وضعفه الزمخشري
стр. 3628
بأن ذو لا تضاف إلا إلى أسماء الأجناس (يسمى) أي ذو الخلصة (كعبة اليمانية) بالتخفيف لأنه بأرض اليمن ضاهوا به الكعبة البيت الحرام من إضافة الموصوف إلى الصفة، وجوّزه الكوفيون وهو عند البصريين بتقدير كعبة الجهة اليمانية.
(قال) جرير (فانطلقت) أي قبل وفاته ﵊ بشهرين (في خمسين ومائة فارس من أحمس) بفتح الهمز وسكون الحاء المهملة وفتح الميم آخره سين مهملة قبيلة من العرب وهم إخوة بجيلة بفتح الموحدة وكسر الجيم رهط جرير ينتسبون إلى أحمس بن الغوث بن أنمار وبجيلة امرأة تنسب إلى القبيلة المشهورة (وكانوا أصحاب خيل) أي يثبتون عليها لقوله: (قال: وكنت لا أثبت على الخيل فضرب) ﵊ (في صدري) لأن فيه القلب (حتى رأيت أثر أصابعه) الشريفة (في صدري وقال):
(اللهمّ ثبّته) على الخيل (واجعله هاديًا) لغيره حال كونه (مهديًّا) بفتح الميم في نفسه، (فانطلق) جرير (إليها) إلى ذي الخلصة (فكسرها) أي هدم بناءها (وحرّقها) بتشديد الراء بأن رمى النار فيما فيها من الخشب (ثم بعث) جرير (إلى رسول الله ﷺ ¬) حال كونه (يخبره) بتكسيرها وتحريقها (فقال رسول جرير) هو أبو أرطأة حصين بن ربيعة بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين لرسول الله ﷺ (والذي بعثك بالحق ما جئتك حتى تركتها كأنها جمل أجوف) بالهمزة والجيم والواو والفاء أي صارت البعير الخالي الجوف (أو) قال (أجرب) بالراء الموحدة كناية عن نزع زينتها وإذهاب بهجتها. وقال الخطابي: مثل الجمل المطلي بالقطران من جريه إشارة إلى ما حصل لها من سواد الإحراق (قال فبارك) ﵊ (في خيل أحمس ورجالها) أي دعا لها بالبركة (خمس مرات) مبالغة واقتصر على الوتر لأنه مطلوب.
٣٠٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "حَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي البصري ولم يصب من ضعّفه قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة أو الثوري (عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر) بن الخطاب (﵄ قال): (حرّق النبي ﷺ ¬) بتشديد الراء (نخل بني النضير) قبيلة من اليهود بالمدينة سنة أربع من الهجرة وخرّب بيوتهم بعد أن حاصرهم خمسة عشر يومًا وفيهم نزلت الآيات من سورة الحشر، وفي رواية المغازي عند المؤلّف قال: حرّق رسول الله ﷺ نخل بني النضير وقطع وهي البويرة فنزلت: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله﴾ [الحشر: ٥]. والبويرة: موضع نخل بني النضير وقوله فنزلت يدل على أن نزول الآية بعد التحريق، فيحتمل أن يكون التحريق باجتهاد أو وحي ثم نزلت، واستدلّ الجمهور بذلك على جواز التحريق والتخريب في بلاد العدوّ إذا تعيّن طريقًا في نكاية العدوّ وخالف بعضهم فقال: لا يجوز قطع المثمر أصلاً وحمل ما ورد في ذلك إما على غير
стр. 3629
المثمر وإما على أن الشجر الذي قطع في قصة بني النضير كان في الموضع الذي يقع فيه القتال وهذا قول الليث والأوزاعي وأبي ثور.
ويأتي الحديث بتمامه إن شاء الله تعالى مع بقية مباحثه في كتاب المغازي.
١٥٥ - باب قَتْلِ النَّائِمِ الْمُشْرِكِ
(باب قتل النائم المشرك).
٣٠٢٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: "بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَهْطًا مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى أَبِي رَافِعٍ لِيَقْتُلُوهُ، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَدَخَلَ حِصْنَهُمْ، قَالَ: فَدَخَلْتُ فِي مَرْبِطِ دَوَابَّ لَهُمْ، قَالَ: وَأَغْلَقُوا بَابَ الْحِصْنِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ فَقَدُوا حِمَارًا لَهُمْ فَخَرَجُوا يَطْلُبُونَهُ، فَخَرَجْتُ فِيمَنْ خَرَجَ أُرِيهِمْ أَنَّنِي أَطْلُبُهُ مَعَهُمْ، فَوَجَدُوا الْحِمَارَ، فَدَخَلُوا وَدَخَلْتُ، وَأَغْلَقُوا بَابَ الْحِصْنِ لَيْلاً، فَوَضَعُوا الْمَفَاتِيحَ فِي كَوَّةٍ حَيْثُ أَرَاهَا، فَلَمَّا نَامُوا أَخَذْتُ الْمَفَاتِيحَ فَفَتَحْتُ بَابَ الْحِصْنِ، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ، فَأَجَابَنِي، فَتَعَمَّدْتُ الصَّوْتَ فَضَرَبْتُهُ، فَصَاحَ، فَخَرَجْتُ، ثُمَّ جِئْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ كَأَنِّي مُغِيثٌ فَقُلْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ -وَغَيَّرْتُ صَوْتِي- فَقَالَ: مَا لَكَ لأُمِّكَ الْوَيْلُ، قُلْتُ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي مَنْ دَخَلَ عَلَىَّ فَضَرَبَنِي، قَالَ: فَوَضَعْتُ سَيْفِي فِي بَطْنِهِ، ثُمَّ تَحَامَلْتُ عَلَيْهِ حَتَّى قَرَعَ الْعَظْمَ، ثُمَّ خَرَجْتُ وَأَنَا دَهِشٌ، فَأَتَيْتُ سُلَّمًا لَهُمْ لأَنْزِلَ مِنْهُ فَوَقَعْتُ، فَوُثِئَتْ رِجْلِي، فَخَرَجْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِبَارِحٍ حَتَّى أَسْمَعَ النَّاعِيَةَ، فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى سَمِعْتُ نَعَايَا أَبِي رَافِعٍ تَاجِرِ أَهْلِ الْحِجَازِ. قَالَ: فَقُمْتُ وَمَا بِي قَلَبَةٌ، حَتَّى أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْنَاهُ".
[الحديث ٣٠٢٢ - أطرافه في: ٣٠٢٣، ٤٠٣٨، ٤٠٣٩، ٤٠٤٠].
وبه قال: (حدّثنا عليّ بن مسلم) بكسر اللام الخفيفة ابن سعيد الطوسي قال: (حدّثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة) ميمون الهمداني الكوفي القاضي (قال: حدّثني) بالإفراد (أبي) زكريا الأعمى (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي (عن البراء بن عازب) الأنصاري (﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ ¬) أي في رمضان سنة ست أو في ذي الحجة سنة خمس أو في آخر سنة أربع (رهطًا) ما بين الثلاثة إلى التسعة من الرجال (من الأنصار إلى أبي رافع) عبد الله أو سلام بن أبي الحقيق بضم الحاء المهملة وفتح القاف الأولى اليهودي وكان قد حزب الأحزاب على رسول الله ﷺ (ليقتلوه) بسبب ذلك، (فانطلق رجل منهم) هو عبد الله بن عتيك بفتح العين المهملة وكسر المثناة الفوقية الأنصاري (فدخل حصنهم) بخيبر أو بأرض الحجاز وجمع بينهما بأن يكون حصنهم كان قريبًا من خيبر في طرف أرض الحجاز (قال): عبد الله بن عتيك (فدخلت في مربط)
стр. 3630
بفتح الميم وكسر الموحدة (دواب لهم قال وأغلقوا باب الحصن ثم إنهم فقدوا) بفتح القاف (حمارًا لهم فخرجوا يطلبونه فخرجت فيمن خرج أريهم) بضم الهمزة وكسر الراء من الإراءة (أنني) بفتح الهمزة والنون الأولى المشدّدة وكسر الثانية، ولأبي ذر: أني بنون واحدة مكسورة مشددة (أطلبه معهم، فوجدوا الحمار فدخلوا ودخلت) معهم (وأغلقوا باب الحصن ليلاً فوضعوا المفاتيح في كوّة) بفتح الكاف وضمها وتشديد الواو ثقب في جدار البيت (حيث أراها) بفتح الهمزة (فلما ناموا أخذت المفاتيح ففتحت باب) مكان من (الحصن) الذي فيه أبو رافع (ثم دخلت عليه فقلت: يا أبا رافع) لأتحقق أنه هو خوفًا من أن أقتل غيره ممن لا غرض لي في قتله (فأجابني فتعمدت الصوت) أي اعتمدت جهة الصوت لأن الموضع كان مظلمًا (فضربته) عند وصولي إليه (فصاح فخرجت) من عنده (ثم جئت ثم رجعت) إليه ولأبي ذر: فخرجت ثم رجعت (كأني مغيث) له (فقلت: يا أبا رافع -وغيّرت صوتي- فقال: ما لك)؟ ما استفهامية مبتدأ وخبره لك (لأمك الويل) القياس أن يقول: على أمك الويل وذكر الأم لإرادة الاختصاص (قلت: ما شأنك؟ قال: لا أدري من دخل عليّ فضربني. قال: فوضعت سيفي في بطنه ثم تحاملت عليه) أي تكلفته على مشقة (حتى قرع العظم) أي أصابه (ثم خرجت وأنا دهش) بفتح الدال وكسر الهاء صفة مشبهة أي متحير والجملة حالية، وهذا يقتضي أن الفاعل لذلك كله عبد الله بن عتيك، لكن عند ابن هشام عن الزهري عن كعب بن مالك أنه خرج إليه خمسة نفر: عبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحرث بن ربعي، وخزاعي بن أسود حليف لهم من أسلم، وأمّر عليهم عبد الله بن عتيك، وأنهم لما دخلوا عليه ابتدروه بأسيافهم وأن عبد الله بن أنيس تحامل عليه بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول: قطني قطني أي حسبي، لكن ما في البخاري أصح.
قال أبو عبد الله بن عتيك (فأتيت سُلّمًا لهم) بضم السين وفتح اللام المشددة (لأنزل منه) بفتح الهمزة (فوقعت فوثئت) بضم الواو وكسر المثلثة وهمزة مفتوحة مبنيًّا للمفعول أي أصاب عظم (رجلي) شيء لا يبلغ الكسر كأنه فك وإنما وقع من الدرجة لأنه كان ضعيف البصر، (فخرجت إلى أصحابي فقلت): لهم (ما أنا ببارح) بموحدتين فألف فراء فحاء مهملة أي بذاهب (حتى أسمع الناعية) بالنون وكسر العين أي المخبرة بموته، ولأبي ذر: الواعية بالواو بدل النون أي الصارخة التي تندب القتيل والوعي الصوت (فما برحت حتى سمعت نعايا أبي رافع) بفتح النون والعين وبعد المثناة التحتية ألف وقول الخطابي كذا روي وحقه نعاء أبا رافع أي انعوا أبا رافع كقولهم دراك بمعنى أدرك، تعقبه في المصابيح فقال: هذا قدح في الرواية الصحيحة بوهم يقع في الخاطر فالنعايا هنا جمع نعيّ كصفي وصفايا والنعيّ خبر الموت أي فما برحت حتى سمعت الأخبار مصرّحة بموت أبي رافع (تاجر أهل الحجاز) فيه قبول قول الواحد في الوفاة بقرائن الأحوال ولو كان القائل كافرًا لمحكم القرينة لا القول (قال قمت وما بي قلبة) بالقاف واللام الموحدة المفتوحات أي ما بقي علّة أو داء تقلب له رجلي لتعالج (حتى أتينا النبي ﷺ فأخبرناه) بموت أبي رافع.
стр. 3631
فإن قلت: من أين تؤخذ المطابقة بين الترجمة والحديث؟ أجيب: بأنه إنما قصد أبا رافع وهو نائم وإنما أيقظه ليعلم مكانه بصوته فكان حكمه حكم النائم لأنه حينئذٍ استمر على خبال نومه لأنه بعد أن ضربه لم يفر من مكانه ولا تحوّل من مضجعه حتى عاد إليه فقتله على أنه قد صرّح في الحديث الآتي بأنه قتله في حالة النوم اهـ.
وفي الحديث جواز التجسس على المشركين وجواز قتل المشرك بغير دعوة إذا كان قد بلغته قبل ذلك وقتله إذا كان نائمًا مع تحقق استمراره على الكفر واليأس من فلاحه بالوحي أو بالقرائن الدالّة على ذلك، وأخرج الحديث المؤلّف أيضًا مختصرًا هنا وفي المغازي.
٣٠٢٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَي يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: "بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَهْطًا مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى أَبِي رَافِعٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ بَيْتَهُ لَيْلاً فَقَتَلَهُ وَهْوَ نَائِمٌ".
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدّثني (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (يحيى بن آدم) هو ابن سليمان القرشي المخزومي الكوفي قال: (حدّثنا يحيى بن أبي زائدة) هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وسقط لفظ يحيى لأبي ذر (عن أبيه) زكريا (عن أبي إسحاق) السبيعي الكوفي (عن البراء بن عازب ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ رهطًا) بفتح الراء وسكون الهاء (من الأنصار إلى أبي رافع فدخل عليه عبد الله بن عتيك) بالعين المهملة (بيته) الذي هو فيه من الحصن، وللحموي والمستملي بيته بتشديد المثناة التحتية المفتوحة بعد الموحدة من التبييت أي حال كونه قد بيته (ليلاً فقتله وهو نائم) صرّح بأن ابن عتيك هو الذي قتله وأنه كان نائمًا كما نبّه عليه قريبًا.
١٥٦ - باب لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ
هذا (باب) بالتنوين (لا تمنوا لقاء العدوّ) بإسقاط إحدى التاءين من تمنوا تخفيفًا.
٣٠٢٤ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ الْيَرْبُوعِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: "حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، كُنْتُ كَاتِبًا لَهُ قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى حِينَ خَرَجَ إِلَى الْحَرُورِيَّةِ فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فِيهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ انْتَظَرَ حَتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ".
وبه قال: (حدّثنا يوسف بن موسى) بن عيسى المروزي قال: (حدّثنا عاصم بن يوسف اليربوعي) الخياط الكوفي قال: (حدّثنا أبو إسحاق) إبراهيم بن محمد (الفزاري) بفتح الفاء والزاي وكسر الراء (عن موسى بن عقبة قال: حدّثني) بالإفراد (سالم) هو ابن أبي أمية (أبو النضر) بفتح
стр. 3632
النون وسكون الضاد المعجمة (مولى عمر بن عبيد الله) بضم العين فيهما التيمي المدني وكان أميرًا على حرب الخوارج قال: (كنت كاتبًا له) أي لعمر بن عبيد الله لا لعبد الله بن أبي أوفى (قال): أي سالم (كتب إليه) أي إلى عمر بن عبيد الله التيمي (عبد الله بن أبي أوفى) بفتح الهمزة والفاء بينهما واو ساكنة وفي نسخة قال: كنت كاتبًا لعمر بن عبيد الله فأتاه كاتب عبد الله بن أبي أوفى (حين خرج إلى الحرورية) بفتح الحاء المهملة (فقرأته فإذا فيه أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدوّ انتظر) خبر إن (حتى مالت الشمس) عن خط وسط السماء (ثم قام في الناس) خطيبًا (فقال):
٣٠٢٥ - "ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا -وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ". وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: "حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ: كُنْتُ كَاتِبًا لِعُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَأَتَاهُ كِتَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ".
(يا أيها الناس لا تمنوا لقاء العدوّ) بحذف إحدى تاءي تمنوا.
فإن قلت: تمني لقاء العدوّ جهاد والجهاد طاعة فكيف ينهى عن الطاعة؟ أجيب: بأن المرء لا يدري ما يؤول إليه الحال، وقصة الرجل الذي أثخنته الجراح في غزوة خيبر وقتل نفسه حتى آل أمره أن كان من أهل النار شاهدة لذلك، وقد روى سعيد بن منصور من طريق يحيى بن أبي بكر مرسلاً: لا تمنوا لقاء العدوّ فإنكم لا تدرون عسى أن تبتلوا بهم أو النهي لما في التمني من صورة الإعجاب والاتكال على النفوس والوثوق بالقوة وقلة الاهتمام بالعدوّ، وتمني الشهادة ليس مستلزمًا لتمني لقاء العدوّ فيجوز تمني لقاء العدوّ جهاد أو مستلزم له، وتمني الجهاد مستلزم للقاء العدوّ وهو يتضمن الضرر المذكور ولذا تممه ﵊ بقوله:
(وسلوا الله العافية) من هذه المخاوف المتضمنة للقاء العدوّ وهو نظير سؤال العافية من الفتن، وقد قال الصدّيق الأكبر أبو بكر ﵁: لأن أعافى فأشكر أحبّ إليّ من أن أبتلى فأصبر، وهل يؤخذ منه منع طلب المبارزة لأنه من تمنى لقاء العدوّ، ومن ثم قال عليّ لابنه: يا بني لا تدع أحدًا إلى المبارزة ومن دعاك إليها فاخرج إليه لأنه باغٍ، والله قد ضمن نصر من بُغي عليه، ولطلب المبارزة شروط معروفة في الفقه إذا اجتمعت أمن معها المحذور في لقاء العدوّ المنهي عن تمنّيه.
(فإذا لقيتموهم فاصبروا) أي اثبتوا ولا تظهروا التألم من شيء يحصل لكم الصبر في القتال هو كظم ما يؤلم من غير إظهار شكوى ولا جزع وهو الصبر الجميل (واعلموا أن الجنة) أي ثوابها (تحت ظلال السيوف) وقال النووي: معناه أن الجهاد وحضور معركة الكفار طريق إلى الجنة وسبب لدخولها (ثم قال): ﷺ (اللهم) يا (منزل الكتاب) الفرقان أو سائر الكتب السماوية (و) يا (مجري
стр. 3633
السحاب) بنزول الغيث بقدرته (و) يا (هازم الأحزاب) وحده إشارة إلى تفرّده بالنصر وهزم ما يجتمع من أحزاب العدوّ (اهزمهم وانصرنا عليهم) وفي رواية الإسماعيلي في هذا الحديث من وجه آخر أنه ﷺ دعا أيضًا فقال: "اللهم أنت ربنا وربهم ونحن عبيدك نواصينا ونواصيهم بيدك فاهزمهم وانصرنا عليهم".
(وقال موسى بن عقبة): بالإسناد المذكور وكان المؤلّف رواه بالإسناد الواحد مطوّلاً ومختصرًا (حدّثني) بالإفراد (سالم أبو النضر): كذا في رواية أبي ذر وسقط عند غيره من قوله مولى عمر بن عبيد الله إلى هنا وساق في رواية أبي ذر الحديث كالباقين (كنت كاتبًا لعمر بن عبيد الله) صريح في أن سالمًا كاتب عمر بن عبيد الله وهو يرد على العيني كالحافظ ابن حجر حيث رجعا الضمير في قوله في باب الجنة تحت بارقة السيوف عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله وكان كاتبًا له إلى عبد الله بن أبي أوفى (فأتاه) أي عمر بن عبيد الله (كتاب عبد الله بن أبي أوفى ﵄ أن رسول الله ﷺ قال): (لا تمنَّوا لِقَاءَ العدوّ) بحذف إحدى تاءي تمنوا.
٣٠٢٦ - وَقَالَ أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا».
(وقال أبو عامر) عبد الملك بن عمرو بن قيس البصري العقدي لا عبد الله بن براد مما وصله مسلم (حدّثنا مغيرة بن عبد الرحمن) الحزامي (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
(لا تمنوا) بحذف إحدى التاءين تخفيفًا ولأبي ذر: لا تمنوا بإثباتها (لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبروا) لأن مع الصبر يبقى الثبات ويرجى النصر.
١٥٧ - باب الْحَرْبُ خَدْعَةٌ
هذا (باب) بالتنوين (الحرب خدعة) بفتح الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة كما في الفرع وأصله وهي الأفصح وجزم بها أبو ذر الهروي والقزاز، وقال ثعلب: بلغنا أنها لغة النبي ﷺ ، وللأصيلي كما قاله في الفتح خدعة بضم الخاء مع سكون الدال، وجوّز خدعة بضم أوله وفتح ثانيه كهمزة ولمزة وهي صيغة مبالغة، وحكى المنذري خدعة بفتح الأول والثاني جمع خادع. وحكى مكي وغيره خدعة بكسر أوّله وسكون ثانيه فهي خمسة ومعنى الإسكان أنها تخدع أهلها من وصف الفاعل باسم المصدر أو وصف للمفعول كهذا الدرهم ضرب الأمير أي مضروبه، وعن الخطابي أنها المرة الواحدة يعني أنه إذا خدع مرة واحدة لم تقل عثرته ومعنى الضم مع السكون أنها تخدع الرجال أي هي محل الخداع وموضعه ومع فتح الدال أي تخدع الرجال تمنِّيهم الظفر ولا تفي لهم كالضحكة إذا كان يضحك بالناس، وقيل: الحكمة في الإتيان بالتاء الدلالة على الوحدة فإن الخداع إن كان من
стр. 3634
المسلمين فكأنه حضّهم على ذلك ولو مرة واحدة وإن كان من الكفار فكأنه حذرهم من مكرهم ولو وقع مرة واحدة فلا ينبغي التهوّن بهم لما ينشأ عنه من المفسدة ولو قلّ.
٣٠٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «هَلَكَ كِسْرَى، ثُمَّ لَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ. وَقَيْصَرٌ لَيَهْلِكَنَّ، ثُمَّ لَا يَكُونُ قَيْصَرٌ بَعْدَهُ، وَلَتُقْسَمَنَّ كُنُوزُهما فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
[الحديث ٣٠٢٧ - أطرافه في: ٣١٢٠، ٣٦١٨، ٦٦٣٠].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن همام) هو ابن منبه (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(هلك) أي مات (كسرى) بكسر الكاف وقد تفتح معرب خسرو أي واسع الملك وهو اسم لكل من ملك الفرس (ثم لا يكون كسرى بعده) بالعراق وفي رواية: إذا هلك كسرى إلخ … قال القرطبي: وبين رواية هلك وإذا هلك بون ويمكن الجمع بأن يكون أبو هريرة سمع أحد اللفظين قبل أن يموت كسرى والآخر بعد موته قال: ويحتمل أن يقع التغاير بالهلاك والموت فقوله: إذا هلك كسرى أي هلك ملكه وارتفع وقوله مات كسرى ثم لا يكون كسرى بعده المراد بعد كسرى حقيقة، والمراد بقوله هلك كسرى تحقق وقوع ذلك حتى عبّر عنه بلفظ الماضي وإن كان لم يقع بعد للمبالغة في ذلك كما في قوله تعالى: ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾ [النحل: ١]. (وقيصر) بغير صرف للعجمة والعلمية ونوّن في الفرع وصحح عليه مبتدأ خبره (ليهلكن) بفتح الياء وكسر اللام الثانية في الفرع كأصله وقيصر بالتنوين مصحح عليه وفي نسخة ولا قيصر ليهلكن بالصرف بعد النفي لزوال العلمية بالتنكير (ثم لا يكون قيصر بعده) بالشام. قال إمامنا الشافعي: وسبب الحديث أن قريشًا كانت تأتي الشام والعراق كثيرًا للتجارة في الجاهلية فلما أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليها لمخالفتهم بالإسلام فقال ﵊: لا كسرى ولا قيصر بعدهما بهذين الإقليمين ولا ضرر عليكم فلم يكن قيصر بعده بالشام ولا كسرى بالعراق ولا يكون (ولتقسمن كنوزهما) أي مالهما المدفون وكل ما يجمع ويدّخر وسقطت ميم كنوزهما في الفرع وأصله (في سبيل الله) ولتقسمن بضم المثناة الفوقية وفتح السين والميم وتشديد النون مبنيًّا للمفعول.
٣٠٢٨ - "وَسَمَّى الْحَرْبَ خُدْعَةً".
[الحديث ٣٠٢٨ - طرفه في: ٣٠٢٩].
(وسمى) النبي ﷺ (الحرب خدعة) في غزوة الخندق لما بعث نعيم بن مسعود يخذل بين قريش وغطفان واليهود قاله الواقدي، وتكون بالتورية وبالكمين وبخلف الوعد وذلك من المستثنى الجائز المخصوص من المحرّم، وقال النووي: اتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز.
стр. 3635
وهذا الحديث أخرجه مسلم.
٣٠٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَصْرَمَ -اسْمُهُ بُورُ- أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الْحَرْبَ خُدْعَةً".
وبه قال: (حدّثنا أبو بكر بن أصرم) بفتح الهمزة وسكون الصاد وبعد الراء المفتوحة ميم ولأبي الوقت: أبو بكر بضم الموحدة وبعد الواو الساكنة راء وهو اسمه ولأبي ذر: اسمه بور المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن همام بن منبه) بضم الميم وفتح النون وتشديد الموحدة المكسورة (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: سمى النبي ﷺ ¬) (الحرب خدعة) وهذه طريقة ثانية لحديث أبي هريرة.
٣٠٣٠ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ».
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي قال: (أخبرنا ابن عيينة) سفيان (عن عمرو) هو ابن دينار أنه (سمع جابر بن عبد الله ﵄ قال): (قال النبي ﷺ ¬):
(الحرب خدعة) وفيه كالسابق الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في المغازي وأبو داود والترمذي في الجهاد والنسائي في السير.
١٥٨ - باب الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ
٣٠٣١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا -يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ - قَدْ عَنَّانَا وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ. قَالَ: وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ. قَالَ: فَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُهُ. قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتَّى اسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُ".
(باب) حكم (الكذب في الحرب).
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) البلخي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال):
(من لكعب بن الأشرف) بالشين المعجمة اليهودي القرظي (فإنه قد آذى الله ورسوله) أي آذى رسول الله وأذاه لرسول الله هو أذى الله لأنه لا يرضى به (قال محمد بن مسلمة) بفتح الميم واللام
стр. 3636
الأنصاري (أتحب أن أقتله)؟ بهمزة الاستفهام وأن مصدرية أي أتحب قتله (يا رسول الله. قال): (نعم) زاد في رواية الباب اللاحق قال: فائذن لي فأقول قال قد فعلت، وبهذه الزيادة تحصل المطابقة بين الحديث والترجمة فإنه يدخل فيه الإذن في الكذب تصريحًا وتلويحًا.
(قال) جابر (فأتاه) أي فأتى محمد بن مسلمة كعبًا (فقال) له: (إن هذا يعني النبي ﷺ قد عنانا) بفتح العين والنون المشدّدة أتعبنا بما كلفنا به من الأوامر والنواهي التي فيها تعب لكنه في مرضاة الله وهذا من التعريض الجائز (وسألنا الصدقة) بفتح اللام والصدقة مفعول ثانٍ أي طلبها منّا ليضعها مواضعها (قال) كعب: (وأيضًا والله) بعد ذلك (لتملنه). بفتح اللام والفوقية والميم وضم اللام المشدّدة أي تزيد ملالتكم وتتضجرون منه أكثر وأزيد من ذلك وسقط لأبي ذر لتملنه (قال) محمد بن مسلمة: (فإنا قد اتبعناه فنكره أن ندعه حتى ننظر إليه ما يصير أمره قال فلم يزل) محمد بن مسلمة (يكلمه حتى استمكن منه فقتله) في السنة الثالثة من الهجرة وجاء برأسه إلى رسول الله ﷺ ، وفيه تجويز الكذب في الحرب تعريضًا وهل يجوز تصريحًا؟ نعم تضمنت الزيادة المنبّه عليها آنفًا التصريح وأصرح منها ما في الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعًا: لا يحل الكذب إلا في ثلاث تحديث الرجل امرأته ليرضيها والكذب في الحرب وفي الإصلاح بين الناس. قال النووي: الظاهر إباحة حقيقية الكذب في الأمور الثلاثة لكن التعريض أولى. وهذا الحديث قد مرّ في باب رهن السلاح.
١٥٩ - باب الْفَتْكِ بِأَهْلِ الْحَرْبِ
(باب) جواز (الفتك) بفتح الفاء وسكون الفوقية آخره كاف (بأهل الحرب) أي قتلهم على غفلة.
٣٠٣٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؟ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأْذَنْ لِي فَأَقُولَ. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(من لكعب بن الأشرف) زاد في الرواية الأولى فإنه قد آذى الله ورسوله (فقال محمد بن مسلمة) الأنصاري أخو بني عبد الأشهل: (أتحب أن أقتله) زاد ابن إسحاق أنا له يا رسول الله (قال): (نعم) (قال فائذن لي فأقول) بالنصب أي عني وعنك ما رأيته مصلحة من التعريض وغيره مما لم يحق باطلاً ولم يبطل حقًّا (قال) ﵊: (قد فعلت) أي أذنت.
стр. 3637
وهذا مختصر من الحديث السابق ووجه المطابقة بينه وبين الترجمة من معناه لأن ابن مسلمة غرّ ابن الأشرف وقتله وهو الفتك على ما تقرر. فإن قلت: كيف قتله بعد أن غرّه؟ فالجواب: لأنه نقض العهد وأعان على حرب النبي ﷺ وهجاه. فإن قلت: كيف أمنه ثم قتله؟ أجيب: بأنه لم يصرح له بالتأمين وإنما أوهمه وآنسه حتى تمكن من قتله.
١٦٠ - باب مَا يَجُوزُ مِنَ الاِحْتِيَالِ، وَالْحَذَرِ مَعَ مَنْ يَخْشَى مَعَرَّتَهُ
(باب ما يجوز من الاحتيال، والحذر من يخشى) بالتحتية والفوقية (معرته) بفتح الميم والعين المهملة والراء المشدّدة والنصب على المفعولية ولأبي ذر تخشى بضم أوّله مبنيًّا للمفعول معرته بالرفع نائبًا عن الفاعل أي فساده وشرّه.
٣٠٣٣ - قَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: «انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ -فَحُدِّثَ بِهِ فِي نَخْلٍ- فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّخْلَ، طَفِقَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ وَابْنُ صَيَّادٍ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْرَمَةٌ، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا صَافِ هَذَا مُحَمَّدٌ، فَوَثَبَ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ».
(قال) ولأبي ذر: وقال (الليث) بن سعد الإمام مما وصله الإسماعيلي (حدّثني) بالإفراد (عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد (عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم بن عبد الله عن) أبيه (عبد الله بن عمر ﵄) وسقط لأبي ذر لفظ عبد الله (أنه قال: انطلق رسول الله ﷺ ومعه أُبي بن كعب قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة (ابن صياد فحدّث به) بضم الحاء وكسر الدال مبنيًّا للمفعول أي فأخبر بابن صياد والحال أنه (في نخل) بالنون والخاء المعجمة (فلما دخل عليه رسول الله ﷺ النخل طفق) جعل ﵊ (يتقي) يخفي نفسه (بجذوع النخل) حتى لا يراه ابن صياد. قال العيني: وهذا احتيال وحذر لأن أم ابن صياد ممن يخشى معرته (وابن صياد في قطيفة) كساء له خمل (له فيها) أي لابن صياد في القطيفة (رمرمة) براءين مهملتين وميمين أي صوت (فرأت أم ابن صياد رسول الله ﷺ فقالت: يا صاف) بكسر الفاء وأوّله صاد مهملة وهو اسم ابن صياد (هذا محمد فوثب ابن صياد فقال رسول الله ﷺ ¬): (لو تركته) أي أمه بحيث لا يعرف بقدومه ﷺ (بين) لكم باختلاف كلامه ما يهوّن عليكم أمره ويظهر حاله.
١٦١ - باب الرَّجَزِ فِي الْحَرْبِ، وَرَفْعِ الصَّوْتِ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ فِيهِ سَهْلٌ وَأَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَفِيهِ يَزِيدُ عَنْ سَلَمَةَ
(باب) إنشاد (الرجز في الحرب و) جاء في (رفع الصوت فىٍ حفر الخندق) يوم الأحزاب
стр. 3638
(فيه) أي في هذا الباب (سهل) بفتح السين وسكون الهاء ابن سعد الساعدي مما وصله في غزوة الخندق (وأنس مما سبق موصولاً في حفر الخندق كلاهما (عن النبي ﷺ ¬) وفيه اللهمّ لا عيش إلاّ عيش الآخرة (وفيه) أيضًا (يزيد) بن أبي عبيد (عن) مولاه (سلمة) بن الأكوع مما سيأتي في غزوة خيبر وفيه (اللهم لولا أنت ما اهتدينا).
٣٠٣٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ يَنْقُلُ التُّرَابَ حَتَّى وَارَى التُّرَابُ شَعَرَ صَدْرِهِ -وَكَانَ رَجُلاً كَثِيرَ الشَّعَرِ- وَهْوَ يَرْتَجِزُ بِرَجَزِ عَبْدِ اللَّهِ:
اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا … وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
إِنَّ الأَعْدَاءَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا … إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي قال: (حدّثنا أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن البراء) بن عازب (﵁) أنه (قال: رأيت النبي) ولأبي ذر: رأيت رسول الله (¬ ﷺ يوم الخندق وهو ينقل التراب) الواو للحال (حتى وارى) أي ستر (التراب شعر صدره) الشريف (وكان رجلاً كثير الشعر. وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة): الأنصاري البدري النقيب الشاعر، وسقط لأبي ذر عن الكشميهني والحموي لفظ ابن رواحة (اللهم لولا أنت ما اهتدينا. ولا تصدقنا ولا صلينا).
(فأنزلن سكينة علينا. وثبّت الأقدام إن لاقينا).
(إن الأعداء) بفتح اللام وسكون العين آخره همز ممدود.
(قد بغوا) أي استطالوا (علينا إذا أرادوا فتنة أبينا).
من الإباء وهو الامتناع (يرفع بها صوته). حال من قوله وهو يرتجز.
وهذا الحديث قد سبق في باب حفر الخندق.
١٦٢ - باب مَنْ لَا يَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ
(باب) (من لا يثبت على الخيل).
٣٠٣٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ
стр. 3639
جَرِيرٍ ﵁ قَالَ: "مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلاَّ تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي".
[الحديث ٣٠٣٥ - طرفاه في: ٣٨٢٢، ٦٠٩٠].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن عبد الله بن نمير) بضم النون وفتح الميم مصغرًا قال: (حدّثنا ابن إدريس) عبد الله (عن إسماعيل) بن أبي خالد الأحمسي البجلي الكوفي (عن قيس) هو ابن أبي حازم (عن جرير) هو ابن عبد الله الأحمسي (﵁) أنه (قال): (ما حجبني النبي ﷺ ¬) أي ما منعني مما التمست منه أو من دخول منزله ولا يلزم منه النظر إلى أمهات المؤمنين ﵁ (منذ أسلمت ولا رآني إلاّ تبسم في وجهي) ولأبي ذر عن المستملي في وجهه وهو التفات من التكلم إلى الغيبة.
٣٠٣٦ - وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ إِنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا".
(ولقد شكوت إليه أني لا أثبت على الخيل فضرب بيده في صدري) لأنه محل القلب ولأبي ذر عن المستملي في صدره وهو على طريق الالتفات كالسابق (وقال): (اللهم ثبّته واجعله هاديًا) لغيره حال كونه (مهديًا) بفتح الميم في نفسه قال ابن بطال فيه تقديم وتأخير لأنه لا يكون هاديًاً لغيره إلاّ بعد أن يهتدي هو فيكون مهديًّا اهـ.
وأجيب: بأنه حال من الضمير فلا تقديم ولا تأخير وأيضًا فليس هنا صيغة ترتيب.
١٦٣ - باب دَوَاءِ الْجُرْحِ بِإِحْرَاقِ الْحَصِيرِ وَغَسْلِ الْمَرْأَةِ عَنْ أَبِيهَا الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَحَمْلِ الْمَاءِ فِي التُّرْسِ
(باب دواء الجرح) بفتح الجيم (بإحراق الحصير) وحشوه به (وغسل المرأة عن أبيها الدم عن وجهه وحمل الماء في الترس) لأجل ذلك.
٣٠٣٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ قَالَ: "سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ ﵁: بِأَىِّ شَىْءٍ دُووِيَ جُرْحُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، كَانَ عَلِيٌّ يَجِيءُ بِالْمَاءِ فِي تُرْسِهِ، وَكَانَتْ -يَعْنِي فَاطِمَةَ- تَغْسِلُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأُحْرِقَ، ثُمَّ حُشِيَ بِهِ جُرْحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا أبو حازم) سلمة بن دينار الأعرج (قال: سألوا سهل بن سعد الساعدي) الأنصاري (﵁ بأي شيء) الجار متعلق بدووي والمجرور للاستفهام (دووي) بواو ساكنة بعد الدال المضمومة ثم واو
стр. 3640
أخرى مكسورة على البناء للمفعول من المداواة (جرح رسول الله ﷺ ¬) الذي جرحه بأُحُد (فقال) سهل: (ما بقي أحد من الناس أعلم به مني) قال ذلك لأنه كان آخر من بقي من الصحابة بالمدينة (كان عليّ) هو ابن أبي طالب (يجيء بالماء في ترسه وكانت يعني فاطمة) ﵄ (تغسل الدم عن وجهه) الشريف (وأخذ حصير) بالواو وضم الهمزة مبنيًّا لما لم يسمّ فاعله كقوله (فأحرق ثم حشي به جرح رسول الله ﷺ ¬) والفاعل لذلك فاطمة كما وقع التصريح به في الطب.
وهذا الحديث سبق في باب غسل المرأة أباها الدم عن وجهه في الطهارة.
١٦٤ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّنَازُعِ وَالاِخْتِلَافِ فِي الْحَرْبِ، وَعُقُوبَةِ مَنْ عَصَى إِمَامَهُ
وَقَالَ اللَّهُ : ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] يَعنِي الحَربَ. قَالَ قَتَادَةُ: الرِّيحُ الْحَرْبُ.
(باب ما يكره من التنازع) وهو التخاصم والتجادل (والاختلاف في) المقاتلة في أحوال (الحرب) بأن يذهب كل واحد منهم إلى رأي (و) بيان (عقوبة من عصى إمامه) أي بالهزيمة. (وقال الله تعالى): ولأبي ذر: بعد أن أمر المؤمنين بالثبات عند ملاقاتهم العدوّ والصبر على مبارزتهم (﴿ولا تنازعوا﴾) باختلاف الآراء كما فعلتم بأُحُد (﴿فتفشلوا﴾) جواب النهي فتجبنوا من عدوّكم (﴿وتذهب ريحكم﴾) [الأنفال: ٤٦] مستعارة للدولة من حيث إنها في نفوذ أمرها مشبهة بالريح في هبوبها وقيل المراد بها الحقيقة فإن النصرة لا تكون إلا بريح يبعثها الله تعالى وفي الحديث نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور.
(قال قتادة): فيما وصله عبد الرزاق في تفسيره (الريح الحرب). وهو تفسير مجازي وسقط لأبي ذر قوله وقال قتادة الريح الحرب وثبت له في روايته عن الكشميهني قال يعني الحرب.
٣٠٣٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا".
وبه قال: (حدّثنا يحيى) هو ابن جعفر بن أعين البيكندي أو ابن موسى بن عبد الله الختي بالخاء المعجمة وتشديد الفوقية السختياني البلخي قال: (حدّثنا وكيع) هو ابن الجراح الرؤاسي بضم الراء فهمزة فمهملة الكوفي (عن شعبة) بن الحجاج (عن سعيد بن أبي بردة) عامر (عن أبيه) أبي بردة عامر (عن جده) أي جدّ أبي سعيد أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ (أن النبي ﷺ بعث معاذًا) هو ابن جبل (وأبا موسى) الأشعري (إلى اليمن) قبل حجة الوداع (قال) لهما:
стр. 3641
(يسرا) بفتح المثناة التحتية وتشديد السين المهملة المكسورة أي خذا بما فيه التيسير (ولا تعسرا) من التعسير وهو التشديد (وبشرا) بالموحدة والشين المعجمة من التبشير وهو إدخال السرور (ولا تنفرا) من التنفير أي لا تذكرًا شيئًا ينهزمون منه ولا تقصدا ما فيه الشدة (وتطاوعا) بفتح الواو تحابا (ولا تختلفا) فإن الاختلاف يوجب الاختلال ويكون سببًا للهلاك.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المغازي والأحكام والأدب ومسلم في الأشربة والمغازي والنسائي في الأشربة والوليمة وابن ماجه في الأشربة.
٣٠٣٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄ يُحَدِّثُ قَالَ: "جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ -وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلاً- عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ: إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ. فَهَزَمُوهُمْ. قَالَ: فَأَنَا وَاللَّهِ رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْدُدْنَ، قَدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ وَأَسْوُقُهُنَّ، رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ. فَقَالَ أَصْحَابُ ابْنِ جُبَيْرٍ: الْغَنِيمَةَ أَىْ قَوْمِ الْغَنِيمَةَ، ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ فَلَمَّا أَتَوْهُمْ صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ، فَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ اثْنَىْ عَشَرَ رَجُلاً، فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ أَصَابَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً وَسَبْعِينَ أَسِيرًا وَسَبْعِينَ قَتِيلاً، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُجِيبُوهُ. ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ قُتِلُوا. فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ فَقَالَ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ، وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوؤُكَ. قَالَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ. إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي الْقَوْمِ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي. ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: أُعْلُ هُبَلْ. أُعْلُ هُبَلْ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَلَا تُجِيبُونَه؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ قَالَ: إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَلَا تُجِيبُونَه؟ قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ".
[الحديث ٣٠٣٩ - أطرافه في: ٣٩٨٦، ٤٠٤٣، ٤٠٦٧، ٤٥٦١]
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن خالد) بفتح العين الحراني من إفراده قال: (حدّثنا زهير) هو ابن معاوية قال: (حدّثنا أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (قال: سمعت البراء بن عازب ﵄¬) حال كونه (يحدّث قال: جعل النبي ﷺ على الرجالة) بفتح الراء والجيم المشددة جمع راجل
стр. 3642
على خلاف القياس وهم الذين لا خيل معهم (يوم أُحُد) نصب على الظرفية (وكانوا خمسين رجلاً عبد الله بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة الأنصاري استشهد يوم أُحُد وعبد الله نصب بجعل (فقال) ﵊ لهم:
(إن رأيتمونا تخطفنا الطير) بفتح الفوقية وسكون الخاء المعجمة وفتح المهملة مخففة لأبي ذر تخطفنا بفتح الخاء وتشديد الطاء وأصله تتخطفنا بتاءين حذفت إحداهما أي إن رأيتمونا قد زلنا من مكاننا وولينا منهزمين أو إن قتلنا وأكلت الطير لحومنا (فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم) وعند ابن إسحاق قال انضحوا الخيل عنّا بالنبل لا يأتونا من خلفنا (وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم) بهمزة مفتوحة فواو ساكنة فطاء فهمزة ساكنة أي مشينا عليهم وهم قتلى على الأرض (فلا تبرحوا) أي فلا تزالوا مكانكم (حتى أرسل إليكم). وعند أحمد والحاكم والطبراني من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ أقامهم في موضع ثم قال احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا (فهزموهم) وللأربعة فهزمهم أي هزم المسلمون الكفار.
(قال) أي البراء (فأنا والله رأيت النساء) المشركات (يتشددن) بمثناة فوقية بعد الشين المعجمة وكسر الدال الأولى يفتعلن أي يسرعن المشي أو يشتددن على الكفار يقال شد عليه في الحرب أي حمل عليه ولأبي ذر عن الحموي والمستملي يشددن بإسقاط الفوقية وضم الدال الأولى. وقال عياض وقع للقابسي في الجهاد يسندن بضم أوله وسكون السين المهملة بعدها مكسورة ودال مهملة أي يمشين في سند الجبل يردن أن يصعدنه حال كونهن (قد بدت) ظهرت (خلاخلهن) بفتح الخاء وفي اليونينية بكسرها (وأسوقهن) بضم الواو جمع ساق وضبطه بعضهم بالهمزة لأن الواو إذا انضمت جاز همزها نحو أدور وأدؤر ليعينهن ذلك على الهرب حال كونهن (رافعات ثيابهن) وسمى ابن إسحاق النساء المذكورات وهن: هند بنت عتبة خرجت مع أبي سفيان، وأم حكيم بنت الحرث بن هشام خرجت مع زوجها عكرمة بن أبي جهل، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة مع زوجها الحرث بن هشام، وبرزة بنت مسعود الثقفية مع صفوان بن أمية وهي أم ابن صفوان، وريطة بنت شيبة السهمية مع زوجها عمرو بن العاصي وهي والدة ابنه عبد الله، وسلافة بنت سعد مع زوجها طلحة بن أبي طلحة الحجبي، وخناش بنت مالك أم مصعب بن عمير، وعمرة بنت علقمة وعند غيره كان النساء اللواتي خرجن مع المشركين يوم أُحُد خمس عشرة امرأة وإنما خرجت قريش بنسائها لأجل الثبات.
(فقال أصحاب عبد الله بن جبير) وهم الرجالة (الغنيمة أي قوم) أي يا قوم (الغنيمة) نصب على الإغراء فيهما وفي اليونينية الغنيمة مرة واحدة (ظهر) أي غلب (أصحابكم) المؤمنون الكفار (فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ¬)؟ والهمزة في أنسيتم للاستفهام الإنكاري (قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة. فلما أتوهم صرفت وجوههم) أي قلبت وحوّلت إلى الموضع الذي جاؤوا منه (فأقبلوا) حال كونهم (منهزمين) عقوبة لعصيانهم قوله
стр. 3643
﵊ لا تبرحوا (فذاك إذ) حين (يدعوهم الرسول في أخراهم) في جماعتهم المتأخرة إليّ عباد الله أنا رسول الله من يكرّ فله الجنة (فلم يبق مع النبي ﷺ غير اثني عشر رجلاً) منهم أبو بكر وعمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوّام وأبو عبيدة بن الجراح وحباب بن المنذر وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير (فأصابوا منّا) أي من طائفة من المسلمين ولأبي ذر عن الحموي والمستملي منها (سبعين) منهم حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير (وكان النبي ﷺ وأصحابه أصاب) ولأبي ذر عن الكشميهني أصابوا (من المشركين يوم بدر أربعين ومئة وسبعين أسيرًا وسبعين قتيلاً) سقط قوله قتيلاً من بعض النسخ (فقال أبو سفيان): صخر بن حرب (أفي القوم محمد ثلاث مرات؟ فنهاهم النبي ﷺ أن يجيبوه ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة) أبو بكر الصديق (ثلاث مرات؟ ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب) عمر (ثلاث مرات)؟ والهمزة في الثلاثة للاستفهام الاستخباري ونهيه ﵊ عن إجابة أبي سفيان تصاونًا عن الخوض فيما لا فائدة فيه وعن خصام مثله وكان ابن قميئة قال لهم قتلته (ثم رجع) أبو سفيان (إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء) بتشديد الميم (فقد قتلوا فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت والله يا عدوّ الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم) وإنما أجابه بعد النهي حماية للظن برسول الله ﷺ أنه قتل وأن بأصحابه الوهن فليس فيه عصيان له في الحقيقة (وقد بقي لك ما يسوءك) يعني يوم الفتح (قال): أي أبو سفيان (يوم بيوم بدر) أي هذا اليوم في مقابلة يوم بدر (والحرب سجال) أي دول مرة لهؤلاء ومرة لهؤلاء (إنكم ستجدون في القوم مثلة) بضم الميم وسكون المثلثهً أي أنهم جدعوا أنوفهم وبقروا بطونهم وكان حمزة ﵁ ممن مثل به (لم آمر بها) يعني أنه لا يأمر بفعل قبيح لا يجلب لفاعله نفعًا (ولم تسؤني) أي لم أكرهها وإن كان وقوعها بغير أمري وعند ابن إسحاق والله ما سخطت وما نهيت وما أمرت وإنما لم تسؤه لأنهم كانوا أعداء له وقد كانوا قتلوا ابنه يوم بدر (ثم أخذ يرتجز) بقوله: (أعل هبل أعل هبل) بضم الهمزة وسكون العين المهملة وهبل بضم الهاء وفتح الموحدة اسم صنم كان في الكعبة أي علا حزبك يا هبل فحذف حرف النداء (قال) ولأبي الوقت فقال (النبي ﷺ ¬):
(ألا تجيبوا له) أي لأبي سفيان وتجيبوا بحذف النون بدون ناصب لغة فصيحة ولأبي ذر والأصيلي ألا تجيبونه بالنون بدل اللام ولأبي ذر ألا تجيبوه بحذف النون (قالوا يا رسول الله ما نقول؟ قال): (قولوا الله أعلى وأجلّ) بقطع همز الله في اليونينية (قال) أبو سفيان: (أن لنا العزى) صنم كان لهم (ولا عزى لكم. فقال النبي ﷺ ¬): (ألا تجيبوا له) باللام ولأبي ذر والأصيلي ألا تجيبونه ولأبي ذر أيضًا ألا تجيبوه بحذف النون (قال: قالوا يا رسول الله ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكلم) أي الله ناصرنا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المغازي والتفسير وأبو داود في الجهاد والنسائي في السير والتفسير.
стр. 3644
١٦٥ - باب إِذَا فَزِعُوا بِاللَّيْلِ
(باب) بالتنوين (إذا فزعوا بالليل) ينبغي لإمام العسكر أن يكشف الخبر بنفسه أو بمن يندبه لذلك.
٣٠٤٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ. قَالَ وَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْلاً سَمِعُوا صَوْتًا. قَالَ: فَتَلَقَّاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ وَهُوَ مُتَقَلِّدٌ سَيْفَهُ فَقَالَ: لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَجَدْتُهُ بَحْرًا. يَعْنِي الْفَرَسَ".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد (عن ثابت) البناني (عن أنس ﵁) أنه (قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس قال): أي أنس (وقد فزع) بكسر الزاي أي خاف (أهل المدينة ليلة) ولأبي ذر عن الكشميهني ليلاً (سمعوا صوتًا قال) أنس: (فتلقاهم النبي ﷺ ¬) راجعًا واستبرأ الخبر (على فرس) اسمه المندوب (لأبي طلحة عري) بضم العين وسكون الراء بغير سرج (وهو متقلد سيفه فقال):
(لم تراعوا لم تراعوا) مرتين أي لا تخافوا خوفًا مستقرًّا أو خوفًا يضركم (ثم قال رسول الله ﷺ ¬): (وجدته بحرًا). بصيغة التوحيد (يعني الفرس) وشبهه به لسعة جريه.
وسبق هذا الحديث مرارًا.
١٦٦ - باب مَنْ رَأَى الْعَدُوَّ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا صَبَاحَاهْ. حَتَّى يُسْمِعَ النَّاسَ
(باب من رأى العدوّ) وقد أقبل (فنادى بأعلى صوته يا صباحاه) أي أغيثوني وقت الصباح أي وقت الغارة (حتى يسمع الناس) بضم المثناة التحتية من الإسماع والناس نصب على المفعولية.
٣٠٤١ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ: "خَرَجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ ذَاهِبًا نَحْوَ الْغَابَةِ. حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةِ الْغَابَةِ لَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. قُلْتُ: وَيْحَكَ، مَا بِكَ؟ قَالَ: أُخِذَتْ لِقَاحُ النَّبِيِّ ﷺ . قُلْتُ: مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطَفَانُ وَفَزَارَةُ. فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ أَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا: يَا صَبَاحَاهْ، يَا صَبَاحَاهْ. ثُمَّ انْدَفَعْتُ حَتَّى أَلْقَاهُمْ وَقَدْ أَخَذُوهَا، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَقُولُ: أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ، وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ. فَاسْتَنْقَذْتُهَا مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبُوا، فَأَقْبَلْتُ: فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْقَوْمَ عِطَاشٌ، وَإِنِّي أَعْجَلْتُهُمْ
стр. 3645
أَنْ يَشْرَبُوا سِقْيَهُمْ، فَابْعَثْ فِي إِثْرِهِمْ. فَقَالَ: يَا ابْنَ الأَكْوَعِ مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ، إِنَّ الْقَوْمَ يُقْرَوْنَ فِي قَوْمِهِمْ".
[الحديث ٣٠٤١ - طرفه في: ٤١٩٤].
وبه قال: (حدّثنا المكي بن إبراهيم) بن بشير بن فرقد البرجمي البلخي قال: (أخبرنا يزيد بن أبي عبيد) مصغرًا من غير إضافة (عن) مولاه (سلمة) بن الأكوع سنان بن عبد الله أنه (أخبره قال: خرجت من المدينة) حال كوني (ذاهبًا نحو الغابة) بالغين المعجمة وبعد الألف موحدة وهي على بريد من المدينة في طريق الشام (حتى إذا كنت بثنية الغابة) هي كالعقبة في الجبل (لقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف) لم يسم الغلام ويحتمل أنه رباح الذي كان يخدم النبي ﷺ (قلت) له (ويحك ما بك قال: أخذت) بضم الهمزة آخره مثناة فوقية ساكنة مبنيًّا للمفعول ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أخذ بإسقاط الفوقية (لقاح النبي ﷺ ¬) بكسر اللام بعدها قاف وبعد الألف حاء مهملة مرفوع نائبًا عن الفاعل وأحدها لقوح وهي الحلوب وكانت عشرين لقحة ترعى بالغابة وكان فيهم عيينة بن حصن الفزاري (قلت: من أخذها؟ قال: غطفان وفزارة) بفتح الفاء والزاي قبيلتان من العرب فيها أبو ذر (فصرخت ثلاث صرخات أسمعت ما بين لابتيها) أي لابتي المدينة واللابة الحرة (يا صباحاه يا صباحاه) مرتين بفتح الصاد والموحدة وبعد الألف حاء مهملة فألف فهاء مضمومة، وفي الفرع سكونها وكذا في أصله منادى مستغاث والألف للاستغاثة والهاء للسكت، وكأنه نادى الناس استغاثة بهم في وقت الصباح. وقال ابن المنير: الهاء للندبة وربما سقطت في الوصل، وقد ثبتت في الرواية فيوقف عليها بالسكون. وقال القرطبي: معناه الإعلام بهذا الأمر المهم الذي دهمهم في الصباح وهي كلمة يقولها المستغيث. (ثم اندفعت) بسكون العين أسرعت في السير وكان ماشيًا على رجليه (حتى ألقاهم وقد أخذوها فجعلت أرميهم) بالنبل (وأقول: أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع) بضم الراء وتشديد الضاد المعجمة بعدها عين مهملة والرفع فيهما، ولأبي ذر نصب المعرف أي يوم هلاك اللئام من قولهم لئيم راضع وهو الذي رضع اللؤم من ثدي أمه، وكل من نسب إلى لؤم فإنه يوصف بالمص والرضاع. وفي المثل: ألأم من راضع، وأصله أن رجلاً من العمالقة طرقه ضيف ليلاً فمص ضرع شاته لئلا يسمع الضيف صوت الحلب فكثر حتى صار كل لئيم راضعًا سواء فعل ذلك أو لم يفعله. وقيل: المعنى اليوم يعرف من رضع كريمة فأنجبته أو لئيمة فهجنته أو اليوم يعرف من أرضعته الحرب من صغره وتدرب بها من غيره. (فاستنقذتها) بالقاف والذال المعجمة (منهم) أي استخلصت اللقاح من غطفان وفزارة (قبل أن يشربوا) أي الماء (فأقبلت بها) حال كوني (أسوقها فلقيني النبي ﷺ ¬) وكان قد خرج ﵊ إليهم غداة الأربعاء في الحديد متقنعًا في خمسمائة. وقيل: سبعمائة بعد أن جاء الصريخ ونودي: يا خيل الله اركبي وعقد للمقداد بن عمرو لواء وقال له: امضِ حتى تلحقك الخيول وأنا على أثرك.
(فقلت: يا رسول الله إن القوم) يعني غطفان وفزارة (عطاش) بكسر العين المهملة (وإني أعجلتهم أن يشربوا) مفعول له أي كراهة شربهم (سقيهم) بكسر السين وسكون القاف أي حظهم
следующие страницы →