Полный текст (8 298 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.
стр. 7316
٥ - باب لَا يُحْلَفُ بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى، وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (لا يحلف) بضم أوّله وفتح ثالثه (باللات) بتشديد اللام (والعزى) بضم العين المهملة وتشديد الزاي المفتوحة (ولا يحلف بالطواغيت) بالمثناة الفوقية جمع طاغوت صنم، وقيل شيطان وأصله طغيوت قدمت الياء على الغين فصار طيغوت ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها وانتاح ما قبلها، والألف واللام في اللات زائدة لازمة فأما قوله إلى لاتها فحذفت للإِضافة، وهي هي والعزى علمان بالوضع أو صفتان غالبتان خلاف ويترتب على ذلك جواز حذف أل وعدمه. فإن قلنا: إنهما ليسا وصفين في الأصل فلا تحذف منهما أل، وإن قلنا إنهما صفتان وأن أل للمح الصفة جاز، وبالتقديرين فأل زائدة. واختلف في تاء اللات فقيل أصل وأصله من لات يليت فألفها عن ياء، وقيل زائدة وهي من لوى يلوي لأنهم كانوا يلوون أعناقهم إليها أو يلتوون أي يعتكفون عليها، وأصلها لوية فحذفت لامها فألفها على هذا من واو وهو اسم صنم كان لثقيف بالطائف، وقيل بعكاظ والعزى فعلى من العز وهي تأنيث الأعز كالفضلى والأفضل وهو اسم صنم، وقيل شجرة كانت تعبد فبعث ﷺ إليها خالد بن الوليد فقطعها فجعل يضربها بالفأس ويقول:
يا عز كفرانك لا سبحانك … إني رأيت الله قد أهانك
٦٦٥٠ - حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِى حَلِفِهِ بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا هشام بن يوسف) أبو عبد الرَّحمن قاضي صنعاء قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن حميد بن عبد الرَّحمن عن أبي هريرة ﵁ عن النبى ﷺ ¬) أنه (قال):
(من حلف) بغير الله (فقال في حلفه) بكسر اللام (باللات والعزى) بموحدة في الأولى وواو في الثانية، ولأبي ذر: بواو بدل الموحدة أي في الأولى كيمين المشركين (فليقل لا إله إلا الله) قال في شرح المشارق: لأن الحلف إنما هو بالله فإذا حلف باللات والعزى فقد ساوى الكفار في ذلك فأمر أن يتدارك ذلك بكلمة التوحيد كذا في بعض الشروح، ومقتضاه أنه يكفر بذلك وهو كذلك إن كان حلفه به لكونه معبودًا ويكون الأمر للوجوب وإن كان لغير ذلك كما يقول الرجل وحياتك لأفعلن كذا، فأمره ﷺ إنما يكون لشبهه بمن يعبدهما وهل يكفر بذلك فيباح دمه وتبين امرأته ويبطل حجه فيه كلام اهـ.
стр. 7317
(ومن قال لصاحبه تعال) بفتح اللام (أقامرك) بالجزم جواب الأمر (فليتصدق) ندبًا بشيء تكفيرًا للخطيئة التي قالها ودعا إليها لأنه وافق الكفار في لعبهم ويتأكد ذلك في حق من لعب بطريق الأولى.
والحديث سبق في تفسير سورة النجم بلفظ الأسناذ والمتن وسبق أيضًا في الأدب والاستئذان.
٦ - باب مَنْ حَلَفَ عَلَى الشَّىْءِ وَإِنْ لَمْ يُحَلَّفْ
(باب من حلف على الشيء) يفعله أو لا يفعله حلف على ذلك (وإن لم يحلف) بضم التحتية وفتح اللام المشددة مبنيًّا للمجهول.
٦٦٥١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ وَكَانَ يَلْبَسُهُ فَيَجْعَلُ فَصَّهُ فِى بَاطِنِ كَفِّهِ، فَصَنَعَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَعَهُ فَقَالَ: «إِنِّى كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا الْخَاتِمَ وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ» فَرَمَى بِهِ ثُمَّ قَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا» فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) عبد الله ﵄ (أن رسول الله ﷺ اصطنع) أي أمر أن يصنع له (خاتمًا من ذهب وكان يلبسه فيجعل) ولأبي ذر فجعل (فصه) بفتح الفاء أفصح وبالصاد المهملة (في باطن كفه فصنع الناس) زاد أبو ذر عن الكشميهني خواتيم أي من ذهب (ثم إنه) ﷺ (جلس على المنبر فنزعه) جملة جلس في موضع خبر إن وجملة نزعه معطوفة على التي قبلها (فقال): عطف أو في موضع الحال أي جلس وقد قال: فيكون قوله قبل جلوسه أو مع جلوسه ومعمول القول:
(إني كنت ألبس هذا الخاتم وأجعل فصه من داخل) أي من داخل كفي (فرمى) ﷺ (به) بالخاتم ولم يستعمله (ثم قال: والله لا ألبسه أبدًا) لأنه حرم يومئذٍ (فنبذ الناس) فطرحوا (خواتيمهم) وأراد ﷺ بحلفه تأكيد الكراهة في نفوس أصحابه وغيرهم ممن بعدهم. وقال المهلب: إنما كان ﷺ يحلف في تضاعيف كلامه وكثير من فتواه متبرعًا بذلك لنسخ ما كانت عليه الجاهلية في الحلف بآبائهم وآلهتهم ليعرفهم أن لا محلوف به سوى الله تعالى، وليتدربوا على ذلك حتى ينسوا ما كانوا عليه من الحلف بغيره تعالى. وقال ابن المنير: مقصود الترجمة أن يخرج مثل هذا من قوله تعالى ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ [الأحقاف: ٤] يعني على أحد التأويلات فيها لئلا يتخيل أن الحالف قبل أن يستحلف يرتكب النهي فأشار إلى أن النهي يختص بما ليس فيه قصد صحيح كتأكيد الحكم كالذى ورد في حديث الباب في منع لبس خاتم الذهب اهـ. وإطلاق
стр. 7318
بعض الشافعية كراهية الحلف من غير استحلاف فيما لم يكن طاعة ينبغي أن يقال فيما لم يكن مصلحة بدل قوله طاعة كما لا يخفى.
والحديث سبق في كتاب اللباس.
٧ - باب مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى مِلَّةِ الإِسْلَامِ
وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» وَلَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى الْكُفْرِ.
(باب من حلف بملة) بكسر الميم وتشديد اللام دين وشريعة (سوى الإسلام) ولغير أبي ذر سوى ملة الإسلام كاليهودية والنصرانية والمجوسية والصابئة وأهل الأديان والدهرية والمعطلة وعبدة الشياطين والملائكة هل يكفر الحالف بذلك أم لا؟
(وقال النبي ﷺ ¬) في الحديث السابق قبل: (من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله ولم ينسبه) ﷺ (إلى الكفر) لأنه اقتصر على الأمر بقوله: لا إله إلا الله ولو كان ذلك يقتضي الكفر لأمره بتمام الشهادتين.
٦٦٥٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مِلَّةِ الإِسْلَامِ فَهْوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَىْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ، فَهْوَ كَقَتْلِهِ».
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) بضم الميم وفتح العين المهملة واللام المشددة العمي أبو الهيثم الحافظ أخو بهز قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد البصري (عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) بكسر القاف وتخفيف اللام وبالموحدة عبد الله بن زيد الجرمي (عن ثابت بن الضحاك) الأنصاري وهو ممن بايع تحت الشجرة ﵁ أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(من حلف بغير ملة الإسلام) كان يقول إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام أو من النبي ﷺ ، ولمسلم: من حلف على يمين بملة غير الإسلام وعلى بمعنى الباء أو التقدير من حلف على شيء بيمين فحذف المجرور وعدى الفعل بعلى بعد حذف الباء وفي كتاب الجنائز من البخاري من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة: من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا وجواب الشرط قوله (فهو كما قال) وهو مبتدأ، وكما قال في موضع الخبر أي فهو كائن كما قال وظاهره أنه يكفر بذلك، ويحتمل أن يكون المراد التهديد والمبالغة في الوعيد لا الحكم كأنه قال: فهو مستحق مثل عذاب من اعتقد ما قال والتحقيق أنه لا تنعقد يمينه ولا يكفر إن قصد تبعيد نفسه عن الفعل أو أطلق كما اقتضاه كلام النووي في الأذكار وليقل لا إله إلا الله ويستغفر ولا كفارة عليه، وهل يحرم ذلك عليه أو يكره تنزيهًا؟ المشهور الثاني وإن قصد الرضا
стр. 7319
بذلك إذا فعله فهو كافر في الحال، وقوله: كاذبًا متعمدًا يستفاد منه أن الحالف المتعمد إن كان مطمئن القلب بالإِيمان وهو كاذب في تعظيم ما لا يعتقد تعظيمه لم يكفر وإن قاله معتقدًا لليمين بتلك الملة لكونها حقًّا كفر، وإن قاله لمجرد التعظيم لها باعتبار ما كان قبل النسخ فلا يكفر.
(ومن قتل نفسه بشيء) ولمسلم بحديدة (عذب به) بذلك الذي قتل نفسه به (في نار جهنم) قال الشيخ تقي الدين: وهو من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية وفيه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم لأن نفسه ليست له ملكًا مطلقًا بل هي لله فلا يتصرف فيها إلا فيما أذن فيه (ولعن المؤمن) بأن يدعو عليه باللعن (كقتله) في التحريم أو العقاب، وأبدى الشيخ تقي الدين في ذلك سؤالاً وهو أن يقال إما أن يكون كقتله في أحكام الدنيا أو في أحكام الآخرة لا سبيل إلى الأول لأن قتله يوجب القصاص ولعنه لا يوجب ذلك، وأما أحكام الآخرة فإما أن يراد التساوي في الإثم أو في العقاب وكلاهما مشكل لأن الإثم يتفاوت بتفاوت مفسدة الفعل وليس إذهاب الروح في المفسدة كمفسدة الأذى باللعن وكذلك العقاب يتفاوت بحسب تفاوت الجرائم. وقال المازري فيما نقله عنه القاضي عياض: الظاهر من الحديث تشبيهه في الإثم وهو تشبيه واقع لأن اللعنة قطع عن الرحمة والموت قطع عن التصرف. قال القاضي عياض: وقيل لعنه يقتضي قصد إخراجه من المسلمين ومنعهم منافعه وتكثير عددهم به كما لو قتله وقيل لعنه يقتضي قطع منافعه الأخروية عنه وبعده بإجابة لعنه وهو كمن قتل في الدنيا وقطعت منافعه فيها وقيل معناه استواؤهما في التحريم.
قال في المصابيح: هذا يحتاج إلى تخليص ونظر فأما ما حكاه عن المازري من أن الظاهر من الحديث تشبيهه في الإِثم وكذلك ما حكاه من أن معناه استواؤهما في التحريم، فهذا يحتمل أمرين. أحدهما: أن يقع التشبيه والاستواء في أصل التحريم والإثم، والثاني: أن يقع في مقدار الإثم، فأما الأول فلا ينبغي أن يحمل عليه لأن كل معصية قلت أو عظمت فهي مشابهة ومساوية للقتل في أصل التحريم ولا يبقى في الحديث كبير فائدة مع أن المفهوم منه تعظيم أمر اللعنة بتشبيهها بالقتل، وأما الثاني فقد بيّنا ما فيه من الإِشكال وهو التفاوت في المفسدة بين إزهاق الروح وبين الأذى باللعنة.
وأما ما حكاه المازري من أن اللعنة قطع الرحمة والموت قطع التصرف فالكلام عليه من وجهين. أحدهما: بأن نقول اللعنة قد تطلق على نفس الإبعاد الذي هو فعل الله وعلى هذا يقع في التشبيه، والثاني أن تطلق اللعنة على فعل اللاعن وهو طلبه لذلك الإبعاد فقوله لعنه الله مثلاً ليس بقطع عن الرحمة بنفسه ما لم تتصل به إجابة، فيكون حينئذٍ سببًا إلى قطع التصرف ويكون نظيره التسبب إلى القتل غير أنهما يفترقان في أن التسبب إلى القتل بمباشرة مقدمات تفضي إلى الموت بمطرد العادة فلو كانت مباشرة اللعنة مفضية إلى الإبعاد الذي هو اللعن دائمًا لاستوى اللعن مع مباشرة مقدمات القتل أو زاد عليها، وبهذا يتبين لك الإيراد على ما حكاه القاضي من أن لعنه له
стр. 7320
يقتضي قصد إخراجه عن جماعة المسلمين كما لو قتله فإن قصد إخراجه لا يستلزم إخراجه كما تستلزم مقدمات القتل، وكذلك أيضًا ما حكاه من أن لعنه يقتضي قطع منافعه الأخروية عنه إنما يحصل ذلك بإجابة الدعوة، وقد لا يجاب في كثير من الأوقات فلا يحصل انقطاعه عن منافعه كما يحصل بقتله ولا استواء القصد إلى القطع بطلب الإجابة مع مباشرة مقدمات القتل المفضية إليه في مطرد العادة، والذي يمكن أن يقرر به ظاهر الحديث في استوائهما في الإِثم أنا نقول لا نسلم أن مفسدة اللعنة مجرد أذاه بل فيها مع ذلك تعريضه لإجابة الدعوة فيه بموافقة ساعة لا يسأل الله فيها شيئًا إلا أعطاه كما دل عليه الحديث من قوله ﵊ "لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أموالكم ولا تدعوا على أولادكم لا توافقون ساعة" الحديث: وإذا كان عرّضه باللعنة لذلك ووقعت الإجابة وإبعاده من رحمة الله كان ذلك أعظم من قتله لأن القتل تفويت الحياة الفانية قطعًا والإبعاد من رحمة الله أعظم ضررًا بما لا يحصى، وقد يكون أعظم الضررين على سبيل الاحتمال مساويًا أو مقاربًا لأخفهما على سبيل التحقيق ومقادير المصالح والمفاسد وأعدادهما أمر لا سبيل للبشر إلى الاطّلاع على حقائقه اهـ.
وزاد في الأدب من البخاري من طريق علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك، ولمسلم ومن حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة (ومن رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله).
٨ - باب لَا يَقُولُ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، وَهَلْ يَقُولُ أَنَا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ؟
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (لا يقول) الشخص في كلامه (ما شاء الله وشئت) بفتح التاء في الفرع كأصله وفي غيرهما بضمها على صيغة المتكلم من الماضي وإنما منع من ذلك لأن فيه تشريكًا في مشيئة الله تعالى وهي منفردة بالله بالحقيقة وإذا نسبت لغيره فبطريق المجاز، وفي حديث النسائي وابن ماجة من رواية يزيد بن الأصم عن ابن عباس رفعه: "إذا حلف أحدكم فلا يقل ما شاء الله وشئت ولكن يقول: ما شاء الله ثم شئت" قال الخطابي: أرشدهم ﷺ إلى الأدب في تقديم مشيئة الله على مشيئة من سواه واختارها بثم التي هي للنسق والتراخي بخلاف الواو التي هي للاشتراك (وهل يقول) الشخص (أنا بالله ثم بك) نعم يجوز لأن ثم اقتضت سبقية مشيئة الله على مشيئة غيره.
٦٦٥٣ - وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى عَمْرَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ ثَلَاثَةً فِى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ مَلَكًا فَأَتَى الأَبْرَصَ فَقَالَ: تَقَطَّعَتْ بِى الْحِبَالُ فَلَا بَلَاغَ لِى إِلاَّ بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ» فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
стр. 7321
(وقال عمرو بن عاصم): بفتح العين وسكون الميم مما وصله في ذكر بني إسرائيل فقال: حدّثنا أحمد بن إسحاق حدّثنا عمرو بن عاصم قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى العوذي قال: (حدّثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) اسمه زيد الأنصاري وثبت ابن أبي طلحة لغير أبي ذر قال: (حدّثنا عبد الرَّحمن بن أبي عمرة) بفتح العين المهملة وسكون الميم واسمه عمرو الأنصاري قاضي أهل المدينة (أن أبا هريرة) ﵁ (حدثه أنه سمع النبي ﷺ يقول):
(إن ثلاثة في بني إسرائيل) أبرص وأقرع وأعمى لم يسموا (أراد الله) (أن يبتليهم) أي يختبرهم (فبعث إليهم ملكًا فأتى الأبرص) الذي ابيض جسده بعد مسح الملك فذهب عنه البرص وأعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا وإبلاً أو بقرًا (فقال) له: إني رجل مسكين (تقطعت بي الحبال) بحاء مهملة مكسورة ثم موحدة مخففة جمع حبل أي الأسباب التي يقطعها في طلب الرزق ولأبي ذر عن الكشميهني الجبال بالجيم وهو تصحيف (فلا بلاغ) فلا كفاية (لي إلا بالله) الذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال (ثم بك فذكر الحديث) السابق بتمامه. وقال المهلب: إنما أراد البخاري أن قوله ما شاء الله ثم شئت جائزًا استدلالاً بقوله أنا بالله ثم بك، وأخرج عبد الرزاق عن إبراهيم النخعي أنه كان لا يرى بأسًا أن يقول: ما شاء الله ثم شئت، وكان يقول أعوذ بالله وبك ويجيز أعوذ بالله ثم بك.
٩ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّى بِالَّذِى أَخْطَأْتُ فِى الرُّؤْيَا قَالَ: «لَا تُقْسِمْ».
هذا (باب قول الله تعالى ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ [الأنعام: ١٠٩] أي حلف المنافقون بالله وهو جهد اليمين لأنهم بذلوا فيها مجهودهم وجهد يمينه مستعار من جهد نفسه إذا بلغ أقصى وسعها، وذلك إذا بالغ في اليمين وبلغ غاية شدتها ووكادتها. وعن ابن عباس ﵄: من قال بالله فقد جهد بيمينه، وأصل أقسم جهد اليمين أقسم يجهد اليمين جهدًا فحذف الفعل وقدم المصدر فوضع موضعه مضافًا إلى المفعول كقوله: ﴿فضرب الرقاب﴾ [محمد ﷺ : ٤] وحكم هذا المنصوب حكم الحال كأنه قال: جاهدين أيمانهم.
(وقال ابن عباس) مما وصله المؤلّف مطوّلاً في كتاب التعبير بلفظ: إن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الليلة في المنام عكة تنظف من السمن والعسل الحديث، وفيه تعبير أبي بكر لها، وقوله للنبي ﷺ فأخبرني يا رسول الله أصبت أم أخطأت؟ فقال: أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا (قال أبو بكر) الصديق ﵁: (فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأت في) تعبير (الرؤيا) أي يشدّد في اليونينية نون لتحدثني (قال) ﷺ (لا تقسم) وقوله هنا في الرؤيا من كلام البخاري إشارة إلى ما اختصره من الحديث، والغرض منه قوله: لا تقسم إشارة إلى الردّ على من
стр. 7322
قال إن من قال: أقسمت انعقد يمينًا وقد أمر ﷺ بإبرار المقسم، فلو كانت أقسمت يمينًا لأبرّ أبا بكر حين قالها. وقال في الكواكب: إنما يندب إبرار المقسم عند عدم المانع فكان له ﷺ مانع منه وقيل كان في بيان مفاسد كما يأتي إن شاء الله تعالى في التعبير بمعونة الله تعالى. وقال الشافعية: لو قال أقسمت أو أقسم أو حلفت أو أحلف بالله لأفعلن كذا فهو يمين لأنه عرف الشرع قال تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ [الأنعام: ١٠٩] إلا إن نوى خبرًا ماضيًا في صيغة الماضي أو مستقبلاً في المضارع فلا يكون يمينًا لاحتمال ما نواه، وأما قوله لغيره: أقسم عليك بالله أو أسألك بالله لتفعلن كذا فيمين إن أراد يمين نفسه فيسن للمخاطب إبراره فيها بخلاف ما إذا لم يردها ويحمل على الشفاعة في فعله.
٦٦٥٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ الْبَرَاءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِىُّ ﷺ بِإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ.
وبه قال: (حدّثنا قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة وبعد التحتية الساكنة صاد مهملة ابن عقبة العامري السوائي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن أشعث) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح العين المهملة بعدها مثلثة ابن أبي الشعثاء سليم بن الأسود الكوفي (عن معاوية بن سويد) بضم السين المهملة وفتح الواو (ابن مقرن) بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء مشددة بعدها نون الكوفي وسقط ابن مقرن لأبي ذر (عن البراء) بن عازب ﵁ (عن النبي ﷺ ح).
قال البخاري: (وحدثني) بالإفراد (محمد بن بشار) الملقب ببندار قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أشعث عن معاوية بن سويد بن مقرن من البراء ﵁) أنه (قال: أمرنا النبي ﷺ بإبرار المقسم) بكسر السين وضم الميم في الفرع اسم فاعل أي بفعل ما أراده الحالف ليصير بذلك بارًّا، وقيل السين مفتوحة أي الأقسام والمصدر قد يأتي للمفعول مثل أدخلته مدخلاً بمعنى الإِدخال.
وهذا طرف من حديث أورده البخاري في اللباس والاستئذان والجنائز والمظالم والطب والنذور والنكاح والأشربة.
٦٦٥٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أُسَامَةَ أَنَّ ابْنَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَسَعْدٌ وَأُبَىٌّ: إِنَّ ابْنِى قَدِ احْتُضِرَ فَاشْهَدْنَا، فَأَرْسَلَ يَقْرَأُ السَّلَامَ وَيَقُولُ: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى وَكُلُّ شَىْءٍ عِنْدَهُ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَتَحْتَسِبْ» فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ فَلَمَّا قَعَدَ رُفِعَ إِلَيْهِ فَأَقْعَدَهُ فِى حَجْرِهِ وَنَفْسُ الصَّبِىِّ تَقَعْقَعُ فَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ سَعْدٌ: مَا هَذَا يَا
стр. 7323
رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «هَذَا رَحْمَةٌ يَضَعُهَا اللَّهُ فِى قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ».
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) الحوضي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (أخبرنا) ولأبي ذر أخبرني بالإفراد (عاصم الأحول) بن سليمان أبو عبد الرَّحمن البصري الحافظ قال: (سمعت أبا عثمان) عبد الرَّحمن النهدي (يحدث عن أسامة) بن زيد ﵄ (أن ابنة) اسمها زينب، ولأبي ذر عن الكشميهني أن بنتا (لرسول الله ﷺ أرسلت إليه ومع رسول الله ﷺ أسامة بن زيد) وسقط لأبي ذر: ابن زيد وكان الأصل أن يقول وأنا معه لكنه من باب التجريد (وسعد) بسكون العين ابن عبادة الخزرجي (وأبي) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتية ابن كعب الأنصاري، وفي نسخة الحافظ أبي ذر وأبي بفتح الهمزة وكسر الموحدة مضافًا إلى ياء المتكلم أو أبي بضم الهمزة وفتح الموحدة على الشك والصواب الثاني من غير شك (إن ابني) هو علي بن أبي العاص بن الربيع أو عبد الله بن عثمان بن عفان من رقية بنته ﷺ أو هو محسن ابن فاطمة الزهراء أو هي أمامة بنت زينب لأبي العاص بن الربيع ومبحث ذلك سبق في الجنائز (قد احتضر) بضم الفوقية أي حضره الموت وسقط لفظ قد لأبي ذر (فاشهدنا) بهمزة وصل وفتح الهاء (فأرسل) ﷺ (يقرأ) بفتح الياء عليها (السلام ويقول):
(إن لله ما أخذ) أي الذي أراد أن يأخذه (وما أعطى وكل شيء عنده مسمى) أي مؤجل مقدر (فلتصبر وتحتسب) أي تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها ليحتسب لها ذلك من عملها الصالح (فأرسلت إليه تقسم عليه) ليأتينها (فقام) ﷺ (وقمنا معه فلما قعد رفع إليه) الصبي أو الصبية (فأقعده) ﷺ (في حجره ونفس الصبي) أو الصبية (تقعقع) بحذف إحدى التاءين أي تضطرب وتتحرك (ففاضت عينا رسول الله ﷺ ¬) بالبكاء (فقال سعد) أي ابن عبادة (ما هذا) البكاء (يا رسول الله) وأنت تنهى عنه وهو استفهام عن الحكمة لا إنكار (قال) ﷺ (هذا) البكاء ولأبي ذر هذه الدمعة (رحمة يضعها الله في قلوب من يشاء من عباده وإنما يرحم الله) (من عباده الرحماء) نصب على أن ما كافة.
والحديث سبق في الجنائز.
٦٦٥٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ تَمَسُّهُ النَّارُ إِلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدثني) بالإفراد (مالك) إمام دار الهجرة (عن ابن شهاب) الزهري (عن ابن المسيب) سعيد (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
стр. 7324
(لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد) زاد في الجنائز من حديث أنس لم يبلغوا الحنث (تمسه النار إلا تحلة القسم) بفتح الفوقية وكسر الحاء المهملة وتشديد اللام المفتوحة أي تحليلها قال في الكواكب: والمراد بالقسم ما هو مقدر في قوله تعالى ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم: ٧١] أي والله ما منكم والمستثنى منه تمسه لأنه في حكم البدل من لا يموت فكأنه قال: لا تمس النار من مات له ثلاثة إلا بقدر الورود.
والحديث مرّ في الجنائز.
٦٦٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِى غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعَّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ وَأَهْلِ النَّارِ كُلُّ جَوَّاظٍ عُتُلٍّ مُسْتَكْبِرٍ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) العنزي قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن معبد بن خالد) بفتح الميم والموحدة بينهما عين مهملة ساكنة الجدلي القيسي الكوفي القاص أنه قال: (سمعت حارثة بن وهب) بالحاء المهملة والمثلثة الخزاعي ﵁ (قال: سمعت النبي ﷺ يقول):
(ألا) بالتخفيف (أدلكم على أهل الجنة) هم (كل ضعيف) فقير (متضعف) بكسر العين أي متواضع وبالفتح ضبطها الدمياطي. وقال النووي: إنه رواية الأكثرين أي يستضعفه الناس ويحتقرونه لضعف حاله في الدنيا ولم يضبطه في اليونينية ولا في الفرع وكتب فوقه كذا، وفي علوم الحديث للحاكم عن ابن خزيمة أنه سئل عن المراد بالضعيف هنا فقال: الذي يبرئ نفسه من الحول والقوة في اليوم عشرين مرة إلى خمسين مرة (لو أقسم على الله لأبرّه) أي لو حلف على شيء أن يقطع طمعًا في كرم الله بإبراره لأبره وأوقعه لأجله (وأهل النار) هم (كل جوّاظ) بفتح الجيم والواو المشددة وبعد الألف ظاء معجمة الكثير اللحم الغليظ الرقبة المختال في مشيته (عتل) بضم العين المهملة والفوقية وتشديد اللام فظ غليظ أو شديد الخصومة أو المجموع المنوع (مستكبر) عن الحق.
والحديث سبق في تفسير سورة ن من التفسير.
١٠ - باب إِذَا قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَوْ شَهِدْتُ بِاللَّهِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا قال) الشخص: (أشهد بالله أو شهدت بالله) لأفعلن كذا أو لا أفعل كذا هل يكون يمينًا نعم هو يمين عند الحنفية والحنابلة ولو لم يقل بالله لقوله تعالى ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد أنك لرسول الله﴾ [المنافقون: ١] ثم قال تعالى: ﴿اتخذوا أيمانهم جنة﴾ [المجادلة: ١٦] فدلّ على أنهم استعملوا ذلك في اليمين وعند الشافعية إذا لم يرد بالمضارع الوعد
стр. 7325
بالحلف وبالماضي الإخبار عن حلف ماض فإن أراد ذلك لم يكن يمينًا فإن لم يذكر الله تعالى يعني اسمه أو صفته فليس بيمين لفقد المحلوف به وأجيب عن آية المنافقين بأنها ليست صريحة لاحتمال أن يكونوا حلفوا مع ذلك.
٦٦٥٨ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ أَىُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «قَرْنِى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِئُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ» قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَكَانَ أَصْحَابُنَا يَنْهَوْنَا وَنَحْنُ غِلْمَانٌ أَنْ نَحْلِفَ بِالشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ.
وبه قال: (حدّثنا سعد بن حفص) بسكون العين أبو محمد الطلحي الكوفي قال: (حدّثنا شيبان) بفتح المعجمة ابن عبد الرَّحمن النحوي (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة السلماني (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: سئل النبي ﷺ ¬) بضم السين وكسر الهمزة ولم يعين السائل (أي الناس خير؟ قال) أهل:
(قرني) الذين أنا فيهم (ثم) أهل القرن (الذين يلونهم ثم) أهل القرن (الذين يلونهم) مرتين (ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم) برفع شهادة على الفاعلية (يمينه) نصب على المفعولية (و) تسبق (يمينه) رفع (شهادته) نصب قال القاضي البيضاوي: أي يحرصون على الشهادات مشغوفين بترويجها يحلفون على ما يشهدون به فتارة يحلفون قبل أن يأتوا بالشهادة وتارة يعكسون، ويحتمل أن يكون مثلاً في سرعة الشهادة واليمين وحرص الرجل عليهما والتسرع فيهما حتى لا يدري بأيهما يبتدئ وكأنهما يتسابقان لقلة مبالاته بالدين وقال الطحاوي: أي يكثرون الإيمان في كل شيء حتى يصير لهم عادة فيحلف أحدهم حيث لا يراد منه اليمين ومن قبل أن يستحلف، وقال بعضهم أي يحلف على تصديق شهادته، وقال النووي: واحتج به المالكية في رد شهادة من حلف معها والجمهور على أنها لا ترد.
والحديث مضى في الشهادات والرقاق.
(قال إبراهيم) النخعي بالسند السابق: (وكان أصحابنا) أي مشايخنا (ينهونا) ولأبي ذر ينهوننا بنونين بعد الواو (ونحن غلمان) وفي الفضائل ونحن صغار (أن نحلف بالشهادة والعهد) أي عن أن يقول أحدنا أشهد بالله أو عليّ عهد الله ما كان كذا حتى لا يكون ذلك لهم عادة فيحلفون في كل ما يصلح وما لا يصلح.
١١ - باب عَهْدِ اللَّهِ
(باب عهد الله أي قول الشخص عليّ عهد الله لأفعلن كذا.
٦٦٥٩ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ وَمَنْصُورٍ
стр. 7326
عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ -أَوْ قَالَ- أَخِيهِ لَقِىَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ». فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٧].
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: بالجمع (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة ابن عثمان أبو بكر العبدي مولاهم الحافظ بندار قال: (حدّثنا ابن أبي عدي) محمد واسم أبي عدي إبراهيم البصري (عن شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران الأعمش (ومنصور) هو ابن المعتمر كلاهما (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(من حلف على يمين) على محلوف يمين ويحتمل أن تكون على بمعنى الباء كقوله تعالى: ﴿حقيق علي﴾ [الأعراف: ١٠٥] بتشديد الياء (كاذبة) صفة ليمين (ليقتطع) ليؤخذ (بها مال رجل مسلم) أو ذمي أو معاهد ونحوه أو امرأة (أو قال: أخيه) في الإسلام أو البشرية والشك من الراوي بغير حق بل بمجرد يمينه المحكوم بها في ظاهر الشرع وجواب من قوله (لقي الله) (وهو عليه غضبان) لا ينصرف للصفة وزيادة الألف والنون وهو اسم فاعل من غضب يقال رجل غضبان وامرأة غضبى وغضابى، والغضب من المخلوقين هو شيء يداخل قلوبهم ويكون محمودًا كالغضب لله ومذمومًا وهو ما يكون لغير الله، وإطلاقه على الله يحتمل أن يراد به آثاره ولوازمه كالعذاب فيكون من صفات الأفعال أو هو على إرادة الانتقام فيكون من صفات الذات (أنزل الله) (تصديقه ﴿إن الذين يشترون بعهد الله﴾) [الأعراف: ٧٧] المصدر مضاف إلى الفاعل أي بما عهد الله إليهم أو إلى المعول أي إن الذين يستبدلون بما عاهدوا عليه من الأيمان.
٦٦٦٠ - قَالَ سُلَيْمَانُ فِى حَدِيثِهِ فَمَرَّ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ؟، قَالُوا لَهُ: فَقَالَ الأَشْعَثُ: نَزَلَتْ فِىَّ وَفِى صَاحِبٍ لِى فِى بِئْرٍ كَانَتْ بَيْنَنَا.
(قال سليمان) بن مهران الأعمش (في حديثه: فأمر الأشعث بن قيس) الكندي وعبد الله يحدثهم (قال: ما يحدثكم عبد الله) بن مسعود (قالوا له): كان يحدّثنا بكذا وكذا (فقال الأشعث نزلت فيّ) بتشديد الياء هذه الآية (وفي صاحب لي في بئر كانت بيننا) وفي حديث الأشعث بن قيس قال: كان بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ ، وفي مسلم في أرض باليمن ولا يمتنع أن تكون المخاصمة في المجموع فمرة ذكرت الأرض لأن البئر داخلة فيها ومرة ذكرت البئر هي المقصودة لسقي الأرض.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله بعهد الله فمن حلف بالعهد حنث لزمته كفارة عند مالك والكوفيين وأحمد، وقال الشافعي: لا يكون يمينًا إلا إن نواه قاله ابن المنذر.
والحديث سبق في كتاب الشرب في باب الخصومة في البئر.
стр. 7327
١٢ - باب الْحَلِفِ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلِمَاتِهِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ» وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِى عَنِ النَّارِ، لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا» وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «قَالَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ» وَقَالَ أَيُّوبُ: «وَعِزَّتِكَ لَا غِنَى بِى، عَنْ بَرَكَتِكَ».
(باب الحلف بعزة الله) (وصفاته) كالخالق والسميع والبصير والعليم (وكلماته) ولأبي ذر وكلامه كالقرآن أو بما أنزل الله وفيه عطف العام على الخاص والخاص على العام لأن الصفات أعم من العزة والكلام والإيمان تنقسم إلى صريح وكناية ومتردد بينهما وهو الصفات وهل تلتحق الكناية بالصريح فلا تحتاج إلى قصد أم لا والراجح أن صفات الذات منها ما يلتحق بالصريح فلا تنفع معها التورية إذا تعلق به حق آدمي وصفات الفعل تلتحق بالكناية فعزة الله من صفات الذات وكذا جلاله وعظمته.
(وقال ابن عباس) مما وصله المؤلّف في التوحيد (كان النبي ﷺ يقول أعوذ بعزتك) استدل به على الحلف بعزة الله لأنه وإن كان بلفظ الدعاء لكنه لا يستعاذ إلا بالله أو بصفة من صفاته كذا قال في الفتح. وقال ابن المنير في حاشيته أعوذ بعزتك دعاء وليس بقسم ولكنه لما كان المقرر أنه يستعاذ إلا بالقديم ثبت بهذا أن العزة من الصفات القديمة لا من صفات العل فتنعقد اليمين بها.
(وقال أبو هريرة) مما سبق في صفات الحشر من كتاب الرقاق (عن النبي ﷺ يبقى رجل بين الجنة والنار فيقول يا رب اصرف وجهي عن النار لا وعزتك لا أسألك غيرها) ذكره ﷺ مقررًا له فيكون حجة في الحلف به.
(وقال أبو سعيد) الخدري ﵁ (قال النبي ﷺ قال الله) (لك ذلك وعشرة أمثاله وقال أيوب) النبي ﷺ (وعزتك لا غنى لي عن بركتك) بكسر المعجمة وفتح النون مقصورًا أي لا استغناء أو لا بد ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لا غناء بفتح الغين المعجمة والمد والأول أولى لأن معنى الممدود الكفاية يقال ما عند فلان غناء أي لا يغتنى به.
٦٦٦١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ، وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ». رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ.
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال (حدّثنا شيبان) بفتح الشين المعجمة والموحدة بينهما تحتية ساكنة ابن عبد الرَّحمن النحوي قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك) ﵁ وسقط ابن مالك لأبي ذر أنه قال: (قال النبي ﷺ ¬):
стр. 7328
(لا تزال جهنم تقول) بلسان القال مستفهمة (هل من مزيد) في أي لا أسع غير ما امتلأت به أو هل من زيادة فأزاد (حتى يضع رب العزة) جل وعلا (فيها قدمه) هو من المتشابه وقيل فيه هم الذين قدمهم الله لها من شرار خلقه فهم قدم الله للنار كما أن المسلمين قدمه للجنة، والقدم كل ما قدمت من غير أو شر وتقدمت لفلان فيه قدم أي تقدم من خير أو شر، وقيل وضع القدم على الشيء مثل للردع والقمع فكأنه قال: يأتيها أمر الله فيكفها من طلب المزيد، وقيل أراد به تسكين فورتها كما يقال للأمر تريد إبطاله وضعته تحت قدمي (فتقول) جهنم إذا وضع فيها قدمه (قط قط) بسكون الطاءين وكسرهما مع التخفيف فيهما والتكرار للتأكيد أي حسب حسب قد اكتفيت (وعزتك ويزوى) بضم التحتية وسكون الزاي وفتح الواو يجمع ويقبض (بعضها إلى بعض رواه) أي الحديث (شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة. قال الحافظ أبو الفضل بن حجر العسقلاني: وأصله روايته في تفسير سورة ق، وأشار بذلك إلى أن الرواية الموصولة عن أنس بالعنعنة لكن شعبة ما كان يأخذ عن شيوخه الذين ذكر عنهم التدليس إلا ما صرحوا فيه بالتحديث.
والحديث أخرجه مسلم في صفة النار والترمذي في التفسير والنسائي في النعوت.
١٣ - باب قَوْلِ الرَّجُلِ: لَعَمْرُ اللَّهِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَعَمْرُكَ لَعَيْشُكَ.
(باب قول الرجل لعمر الله) لأفعلن كذا لعمرك مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا ومثله لأيمن الله ولأفعلنّ جواب القسم وتقديره لعمرك قسمي أو يميني والعمر والعمر بالفتح والضم هو البقاء إلا أنهم التزموا الفتح في القسم. قال الزجاج لأنه أخف عليهم وهم يكثرون القسم بلعمري ولعمرك وله أحكام منها: أنه متى اقترن بلام الابتداء لزم فيه الرفع بالابتداء وحذف خبره لسدّ جواب القسم مسدّه، ومنها أنه يصير صريحًا في القسم أي يتعين فيه بخلاف غيره نحو عهد الله وميثاقه، ومنها أنه يلزم فتح عينه فإن لم يقترن به لام الابتداء جاز نصبه بفعل مقدر نحو عمر الله لأفعلن ويجوز حينئذٍ في الجلالة الشريفة وجهان النصب والرفع فالنصب على أنه مصدر مضاف لفاعله وفي ذلك معنيان. أحدهما: أن الأصل أسألك بتعميرك الله أي بوصفك الله تعالى بالبقاء ثم حذف زوائد المصدر، والثاني أن المعنى عبادتك الله والعمر العبادة وأما الرفع فعلى أنه مضاف لمفعوله قال الفارسي معناه عمرك الله تعميرًا وجاز أيضًا ضم عينه وينشد بالوجهين قوله:
أيها المنكح الثريا سهيلاً … عمرك الله كيف يلتقيان
ويجوز دخول باء الجر نحو بعمرك لأفعلن قال:
رقي بعمركم لا تهجرينا … ومنينا المنى ثم امطلينا
стр. 7329
وهو من الأسماء اللازمة للإضافة فلا يقطع عنها وزعم بعضهم أنه لا يضاف إلى الله تعالى وقد سمعت قال الشاعر:
إذا رضيت عليّ بنو قشير … لعمر الله أعجبني رضاها
ومنع بعضهم إضافته إلى ياء المتكلم لأنه حلف بحياة المقسم وقد ورد ذلك قال النابغة:
لعمري وما عمري عليّ بهين … لقد نطقت بطلاً عليَّ الأقارع
وقد اختلف هل تنعقد بها اليمين فعن المالكية والحنفية تنعقد لأن بقاء الله من صفات ذاته. وعن مالك لا يعجبني اليمين بذلك، وقال الشافعي: لا يكون يمينًا إلا بالنية لأنه يطلق على العلم وعلى الحق وقد يراد بالعلم المعلوم وبالحق ما أوجبه الله وعن أحمد في الراجح كالشافعي. وأجيب عن الآية بأن لله أن يقسم من خلقه بما يشاء وليس ذلك لهم لثبوت النهي عن الحلف بغير الله.
(قال ابن عباس) ﵄ مما وصله ابن أبي حاتم (لعمرك) أي (لعيشك) والحياة والعيش واحد.
٦٦٦٢ - حَدَّثَنَا الأُوَيْسِىُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ح وَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِىُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِىَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ وَكُلٌّ حَدَّثَنِى طَائِفَةً مِنَ الْحَدِيثِ فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَىٍّ فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ.
وبه قال: (حدّثنا الأويسي) بضم الهمزة وفتح الواو وسكون التحتية وكسر السين المهملة بعدها تحتية مشددة عبد العزيز المدني قال: (حدّثنا إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (ح) لتحويل السند قال البخاري:
(وحدّثنا حجاج بن منهال) الأنماطي قال: (حدّثنا عبد الله بن عمر النميري) بضم النون وفتح الميم مصغرًا قال: (حدّثنا يونس) بن يزيد الأيلي (قال: سمعت الزهري قال: سمعت عروة بن الزبير) بن العوّام (وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص) الليثي (وعبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الأربعة يحدثون (عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك) بكسر الهمزة (ما قالوا فبرأها الله) تعالى بما أنزله في سورة النور (وكل) من الأربعة عروة ومن بعده (حدثني) بالإفراد (طائفة) قطعة (من الحديث) زاد أبو ذر عن الكشميهني وفيه أي في الحديث المروي طويلاً في المغازي (فقام النبي ﷺ فاستعذر) طلب من يعذره (من عبد الله بن
стр. 7330
أبي) بضم الهمزة وفتح الموحدة ابن سلول أي من ينصف منه (فقام أسيد بن حضير) بالتصغير فيهما (فقال لسعد بن عبادة) سيد الخزرج: (لعمر الله لنقتلنه) بالنون المفتوحة وسكون القاف ولام التأكيد والنون المشدّدة.
والحديث سبق في المغازي والتفسير والغرض منه قول أسيد لعمر الله لنقتلنه.
١٤ - باب ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥].
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى في سورة البقرة (﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾) ما يجري على اللسان من غير قصد للحلف نحو لا والله وبلى والله (﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾) يعاقبلم بما اقترفته قلوبكم من إثم القصد إلى الكذب في اليمين وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهو اليمين الغموس، وتمسك الشافعي ﵀ بهذا النص على وجوب الكفارة في اليمين الغموس لأن كسب القلب العزم والقصد فذكر المؤاخذة بكسب القلب. وقال: في آية المائدة ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ [المائدة: ٨٩] وعقد اليمين محتمل لأن يكون المراد منه عقد القلب به ولأن يكون المراد به العقد الذي يضاده الحل فلما ذكر هنا قوله ﴿بما كسبت قلوبكم﴾ علمنا أن المراد من ذلك العقد هو عقد القلب، وأيضًا ذكر المؤاخذة هنا ولم يبين تلك المؤاخذة ما هي وبينها في آية المائدة بقوله (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) فكفارته فبين أن المؤاخذة هي الكفارة فكل مؤاخذة من هاتين الآيتين مجملة من وجه مبينة من وجه آخر فصارت كل واحدة منهما مفسرة للأخرى من وجه وحصل من كل واحدة منهما أن كل يمين ذكرت على سبيل الجدّ وربط القلب بها، فالكفارة فيها ويمين الغموس كذلك كانت الكفارة واجبة فيها (﴿والله غفور حليم﴾) [البقرة: ٢٢٥] حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم، وسقط لأبي ذر من قوله (ولكن) الخ وقال الآية:
٦٦٦٣ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ ﵂ ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ [البقرة: ٢٢٥] قَالَ: قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِى قَوْلِهِ لَا وَاللَّهِ بَلَى وَاللَّهِ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر بالجمع (محمد بن المثنى) العنزي الحافظ قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن هشام) أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها قالت في قوله تعالى (﴿لا يؤاخذكم الله باللغو﴾) [البقرة: ٢٢٥] زاد أبو ذر فى أيمانكم (قال: قالت أنزلت في قوله لا والله وبلى والله) وبه تمسك الشافعي أيضًا لكونها شهدت التنزيل فهي أعلم من غيرها بالمراد وقد جزمت بأنها نزلت في قول لا والله وبلى والله، وقد صرح برفعه عن عائشة في حديثها المروي في سنن أبي داود من طريق إبراهيم الصائغ عن
стр. 7331
عطاء عنها أن رسول الله ﷺ قال: "لغو اليمين هو كلام الرجل في يمين كلا والله وبلى والله". وأشار أبو داود إلى أنه اختلف على عطاء وعلى إبراهيم في رفعه ووقفه.
١٥ - باب إِذَا حَنِثَ نَاسِيًا فِى الأَيْمَانِ. وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]
وَقَالَ ﴿لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣]
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا حنث) بكسر النون وبالمثلثة الحالف حال كونه (ناسيًا في الأيمان) هل تجب عليه الكفارة أو لا (وقول الله تعالى ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به﴾) [الأحزاب: ٥] أي لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين جاهلين قبل ورود النهي وسقطت الواو لأبي ذر (وقال) تعالى: (﴿لا تؤاخذني بما نسيت﴾) [الكهف: ٧٣] بالذي نسيته أو بنسياني ولا مؤاخذة على الناسي.
٦٦٦٤ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِى عَمَّا وَسْوَسَتْ أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ».
وبه قال: (حدّثنا خلاد بن يحيى) السلمي بضم السين قال: (حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين ابن كدام بكسر الكاف وتخفيف المهملة قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة قال: (حدّثنا زرارة بن أوفى) بضم الزاي وتخفيف الراء وأوفى بالفاء وفتح الهمزة العامري قاضي البصرة (عن أبي هريرة) ﵁ (يرفعه) إلى النبي ﷺ وسبق في العتق من رواية سفيان من مسعر بلفظ عن النبي ﷺ بدل قوله هنا يرفعه (قال):
(إن الله) (تجاوز لأمتي عما وسوست أو) قال (حدثت به أنفسها) بالنصب للأكثر وبالرفع لبعضهم أي بغير اختيارها كقوله تعالى: ﴿ونعلم ما توسوس به نفسه﴾ [ق: ١٦] (ما لم تعمل به) بالذي وسوست أو حدّثت (أو تكلم) بفتح الميم بلفظ الماضي. وقال الكرماني، وتبعه العيني بالجزم قال: وأراد أن الوجود الذهني لا أثره له وإنما الاعتبار بالوجود القولي في القوليات والعملي في العمليات.
فإن قلت: ليس في الحديث ذكر النسيان الذي ترجم به. أجيب: بأن مراد البخاري إلحاق ما يترتب على النسيان بالتجاوز لأنه من متعلقات عمل القلب، وظاهر الحديث أن المراد بالعمل عمل الجوارح لأن المفهوم من لفظ ما لم تعمل يشعر بأن كل شيء في الصدر لا يؤاخذ به سواء توطن أو لم يتوطن، وفي الحديث إشارة إلى عظم قدر الأمة المحمدية لأجل نبيها لقوله: تجاوز لأمتي واختصاصها بذلك.
стр. 7332
والحديث سبق في الطلاق والعتاق.
٦٦٦٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَوْ مُحَمَّدٌ عَنْهُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِى عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسِبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَذَا وَكَذَا قَبْلَ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثِ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ لَهُنَّ كُلِّهِنَّ يَوْمَئِذٍ فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَىْءٍ إِلاَّ قَالَ: افْعَلْ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ».
وبه قال: (حدّثنا عثمان بن الهيثم) بفتح الهاء والمثلثة المؤذن البصري (أو) حدّثنا (محمد) هو ابن يحيى الذهلي (عنه) عن عثمان بن الهيثم وكل من عثمان بن الهيثم ومحمد الذهلي شيخ البخاري وكذا وقع مثل هذا في باب الذريرة أواخر كتاب اللباس (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه (قال: سمعت ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (يقول: حدثني) بالإفراد (عيسى بن طلحة) بن عبيد الله بضم العين التيمي (أن عبد الله بن عمرو بن العاص) ﵄ (حدّثه أن النبي ﷺ بينما) بالميم (هو يخطب يوم النحر) بمنى على ناقته (إذ قام إليه رجل) لم يسم (فقال: كنت أحسب يا رسول الله كذا وكذا قبل كذا وكذا) أي حلقت قبل أن أنحر نحرت قبل أن أرمي كما في مسلم من رواية يحيى بن سعيد الأموي عن ابن جريج (ثم قام آخر فقال: يا رسول الله كنت أحسب كذا وكذا لهؤلاء) لأجل هؤلاء (الثلاث) الحلق والنحر والرمي (فقال النبي ﷺ ¬) لكل من الرجلين (افعل ولا حرج) لا إثم ولا فدية في التقديم والتأخير (لهن) لأجل هؤلاء الثلاث (كلهن يومئذٍ فما سئل) ﷺ (يومئذٍ عن شيء) من الرمي والنحر والحلق قدم ولا أخر (إلا قال افعل افعل) كذا بالتكرار مرتين لأبي ذر عن الحموي وسقط الثاني لغيره أي افعل ذلك التقديم والتأخير (ولا حرج) عليك مطلقًا.
والحديث سبق في العلم بلفظ: إن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح فقال: "اذبح ولا حرج" فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي قال: (ارم ولا حرج) وكذا هو في باب الفتيا على الدابة عند الجمرة من كتاب الحج.
٦٦٦٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِىِّ ﷺ زُرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِىَ قَالَ: «لَا حَرَجَ» قَالَ آخَرُ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ قَالَ: «لَا حَرَجَ» قَالَ آخَرُ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِىَ قَالَ: «لَا حَرَجَ».
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس الحافظ أبو عبد الله اليربوعي الكوفي قال: (حدّثنا أبو بكر) ولأبي ذر أبو بكر بن عياش بالمثناة التحتية والشين المعجمة ابن سالم الأزدي الكوفي المقرئ الحناط بالحاء المهملة والنون المشدّدة مشهور بكنيته والأصح أنها
стр. 7333
اسمه ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح (عن عبد العزيز بن رفيع) بضم الراء وفتح الفاء بعدها تحتية ساكنة فعين مهملة أبي عبد الله الأسدي المكي سكن الكوفة (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال رجل) أي يسم (للنبي ﷺ زرت) أي طفت طواف الزيارة (قبل أن أرمي) الجمرة (قال) ﵊:
(لا حرج) لا إثم عليك (قال آخر) لم يسم: (حلقت) شعر رأسي (قبل أن أذبح) هديي (قال لا حرج) عليك (قال آخر) ثالث لم يسم (ذبحت) هديي (قبل أن أرمي) الجمرة (قال: لا حرج) عليك.
والحديث سبق بالحج.
٦٦٦٧ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ يُصَلِّى وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَجَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» فَرَجَعَ فَصَلَّى ثُمَّ سَلَّمَ فَقَالَ: «وَعَلَيْكَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» قَالَ فِى الثَّالِثَةِ: فَأَعْلِمْنِى قَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ، وَاقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِىَ وَتَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِىَ قَائِمًا ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِى صَلَاتِكَ كُلِّهَا».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (إسحاق بن منصور) أبو يعقوب الكوسج المروزي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين (ابن عمر) العمري (عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رجلاً) اسمه خلاد بن رافع (دخل المسجد يصلّي) ولأبي ذر عن الكشميهني فصلّى بالفاء بدل التحتية (ورسول الله ﷺ في ناحية المسجد فجاء) الرجل (فسلم عليه) ﷺ (فقال له) بعدما ردّ عليه¬ السلام:
(ارجع صل فإنك لم تصل) نفي للحقيقة الشرعية ولا شك في انتفائها بانتفاء ركن أو شرط منها وفي رواية أعد صلاتك (فرجع) الرجل (فصلّى ثم سلم) عليه ﷺ (فقال) له (وعليك) السلام (ارجع فصل فإنك لم تصل) فرجع فصلّى ثم (قال) الرجل (في الثالثة فأعلمني) بقطع الهمزة ولأبي ذر عن الكشميهني في الثانية أو الثالثة فأعلمني أي يا رسول الله (قال) ﵊: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء) بهمزة قطع مفتوحة (ثم استقبل القبلة فكبر) تكبيرة الإحرام (واقرأ بما تيسر معك من القرآن) ما موصولة ومعك متعلق بتيسر أو بحال من القرآن ومن تبعيضية ويبعد أن يتعلق من القرآن باقرأ لأنه لا يجب عليه ولا يستحب له أن يقرأ جميع ما تيسر له من القرآن
стр. 7334
ولأحمد وابن حبان ثم اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت (ثم اركع حتى) إلى أن (تطمئن) أي تسكن حال كونك (راكعًا ثم ارفع رأسك حتى تعتدل) حال كونك (قائمًا ثم اسجد حتى تطمئن) حال كونك (ساجدًا ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن) حال كونك (جالساً ثم اسجد حتى تطمئن) حال كونك (ساجدًا ثم ارفع حتى تستوي) حال كونك (قائمًا ثم افعل ذلك) المذكور من التكبير وما بعده (في صلاتك كلها) فرضًا ونفلاً على اختلاف أوقاتها وأسمائها أو أكد الصلاة بكل لأنها أركان متعددة.
والحديث سبق في باب وجوب القراءة للإمام والمأموم وليس فيه مطابقة لما ترجم له هنا نعم في باب وجوب القراءة والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فبذا تحصل المطابقة، وأورد المصنف هذه الرواية هنا العارية عن هذه الزيادة تشحيذًا للأذهان -رحمه الله تعالى- ما أدق نظره.
٦٦٦٨ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِى الْمَغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ هَزِيمَةً تُعْرَفُ فِيهِمْ، فَصَرَخَ إِبْلِيسُ أَىْ عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ فَاجْتَلَدَتْ هِىَ وَأُخْرَاهُمْ فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ فَقَالَ: أَبِى أَبِى قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا انْحَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ، قَالَ عُرْوَةُ: فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ فِى حُذَيْفَةَ مِنْهَا بَقِيَّةٌ حَتَّى لَقِىَ اللَّهَ.
وبه قال: (حدّثنا فروة بن أبي المغراء) بالفاء المفتوحة والراء الساكنة والمغراء بفتح الميم وسكون الغين المعجمة والراء ممدود الكندي الكوفي قال: (حدّثنا علي بن مسهر) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء القرشي الكوفي (عن هشام بن عروة) بن الزبير (عن أبيه عن عائشة ﵂) أنها (قالت: هزم) بضم الهاء وكسر الزاي (المشركون يوم) وقعة (أُحُد هزيمة تعرف فيهم فصرخ إبليس) يخاطب المسلمين (أي عباد الله) احذروا (أخراكم) الذين من ورائكم فاقتلوهم أراد أن يقتل المسلمون بعضهم بعضًا ولأبي ذر: آخركم (فرجعت أولاهم) لقتال أخراهم ظانين أنهم من المشركين (فاجتلدت) بالجيم فاقتتلت (هي وأخراهم فنظر حذيفة بن اليمان فإذا هو بأبيه) اليمان يقتله المسلمون يظنونه من المشركين (فقال) حذيفة لهم: هذا (أبي) هذا (أبي) لا تقتلوه (قالت) عائشة: (فوالله ما انحجزوا) بالنون الساكنة والحاء المهملة والجيم المفتوحتين والزاي المضمومة كذا في اليونينية وفي غيرها ما احتجزوا بفوقية بين الحاء والجيم من غير نون أي ما انفصلوا عنه (حتى قتلوه) وعند ابن إسحاق: وأما اليمان فاختلفت أسياف المسلمين فقتلوه ولا يعرفونه فقال حذيفة: قتلتم أبي، قالوا: والله ما عرفناه (فقال حذيفة) معتذرًا عنهم: (غفر الله لكم. قال عروة) بن الزبير: (فوالله ما زالت في حذيفة منها) من قتلة أبيه (بقية حتى لقي الله) أي بقية من حزن وتحسر من قتل أبيه كذا قرره الكرماني، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بقية خير بالإضافة إلى خير الساقطة من الرواية الأخرى أي: استمر الخير فيه من الدعاء والاستغفار لقاتل أبيه، واعترض في الفتح على الكرماني في تفسيره بقية بالحزن والتحسر فقال: إنه وهم سبقه غيره إليه، وإن الصواب أن المراد أنه حصل له خير بقوله للمسلمين الذين قتلوا أباه خطأ غفر الله
стр. 7335
لكم فاستمر ذلك الخير فيه إلى أن مات، وتعقبه العيني قال: إن نسبة الكرماني إلى الوهم وهم لأن الكرماني إنما فسره على رواية الكشميهني والأقرب فيها ما فسره لأنه تحسر على قتل أبيه على يد المسلمين غاية التحسر. وأجاب في انتقاض الاعتراض بأنه لم ينكر أنه تحسر وإنما تفسير خير بالتحسر.
قيل مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن النبي ﷺ لم ينكر على الذين قتلوا اليمان لجهلهم فجعل الجهل هنا كالنسيان فمن ثم ناسب دخول الحديث هنا مع أنه فيه اليمين وهو قول حذيفة فوالله.
والحديث سبق في باب ذكر حذيفة من آخر المناقب.
٦٦٦٩ - حَدَّثَنِى يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنِى عَوْفٌ، عَنْ خِلَاسٍ وَمُحَمَّدٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهْوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (يوسف بن موسى) بن راشد القطان الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة قال: (حدثني) بالإفراد (عوف) بفتح العين المهملة وسكون الواو بعدها فاء الأعرابي (عن خلاس) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام وبعد الألف سين مهملة ابن عمرو الهجري (ومحمد) هو ابن سيرين كلاهما (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(من أكل) حال كونه (ناسيًا وهو) أي والحال أنه (صائم فليتم صومه) الفاء جواب الشرط واللام لام الأمر وهي بعد الواو والفاء ساكنة ويتم من أتم مضاعف الآخر مفتوح ويجوز كسره على التقاء الساكنين وتسميته صومًا والأصل الحقيقة الشرعية دليل على عدم القضاء (فإنما أطعمه الله) (وسقاه) فليس له مدخل بوجه بخلاف المعتمد وفيه دلالة على عدم تكليف الناسي.
ومرّ الحديث في باب الصائم إذا أكل أو شرب من كتاب الصوم.
٦٦٧٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِى إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِىُّ ﷺ فَقَامَ فِى الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ فَمَضَى فِى صَلَاتِهِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ انْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ وَسَجَدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَسَلَّمَ.
وبه قال: (حدّثنا آدم بن أبي إياس) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية عبد الرَّحمن العسقلاني الخراساني الأصل قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن أبي ذئب (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن عبد الله ابن بحينة) بضم
стр. 7336
الموحدة وفتح الحاء المهملة وسكون التحتية بعدها نون فهاء تأنيث اسم أمه واسم أبيه مالك بن القشب بكسر القاف وسكون الشين المعجمة بعدها موحدة الأزدي حليف بني المطلب ﵁ أنه (قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ ¬) الظهر (فقام في الركعتين الأوليين قبل أن يجلس) معطوف على صلّى وفي في قوله في الركعتين بمعنى من كقوله:
ثلاثين شهرًا في ثلاثة أحوال.
ويحتمل أن تكون على بابها أي قام في جلوس الركعتين قبل أن يتمهما والأوليين بضم الهمزة وسكون الواو وتحتيتين (فمضى) ﷺ (في صلاته فلما قضى صلاته) أي قارب ذلك وإلا فالتسليمة الأولى من نفس الصلاة عند الجمهور وكذا الثانية على المرجح عندنا وقرينة المجاز قوله (انتظر الناس تسليمه فكبّر وسجد) بالواو ولأبي ذر فسجد بالفاء للسهو (قبل أن يسلم ثم رفع رأسه) من السجود (ثم كبّر وسجد) ثانيًا (ثم رفع رأسه) من السجود (وسلم).
ومطابقة الحديث من حيث أن فيه ترك القعدة الأولى ناسيًا.
والحديث مرّ في سجود السهو من أواخر كتاب الصلاة.
٦٦٧١ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ فَزَادَ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا قَالَ مَنْصُورٌ: لَا أَدْرِى إِبْرَاهِيمُ وَهِمَ أَمْ عَلْقَمَةُ، قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ قَالَ: «وَمَا ذَاكَ»؟ قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ: فَسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: «هَاتَانِ السَّجْدَتَانِ لِمَنْ لَا يَدْرِى زَادَ فِى صَلَاتِهِ أَمْ نَقَصَ فَيَتَحَرَّى الصَّوَابَ فَيُتِمُّ مَا بَقِىَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر بالجمع (إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه أنه (سمع عبد العزيز بن عبد الصمد) العمي بفتح العين المهملة وتشديد الميم المكسورة وسقط لفظ أنه اختصارًا على عادتهم قال: (حدّثنا منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن ابن مسعود) عبد الله (﵁ أن نبي الله ﷺ صلّى بهم صلاة الظهر فزاد أو نقص منها. قال منصور) هو ابن المعتمر المذكور (لا أدري إبراهيم) النخعي (وهم) بفتح الواو وكسر الهاء أي غلط وسها في الزيادة والنقصان (أم علقمة) بن قيس وهم وجزم في رواية جرير عن منصور المذكورة في أبواب القبلة بأن إبراهيم هو الذي تردد ولفظه قال: قال إبراهيم لا أدري زاد أو نقص (قال: قيل) له لما سلم (يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت) بهمزة الاستفهام الإخباري (قال) ﷺ :
(وما ذاك قالوا: صليت كذا وكذا) كناية عما وقع إما زائد على المعهود أو ناقص منه (قال)
стр. 7337
ابن مسعود: (فسجد بهم سجدتين) لما تذكر أنه نسي (ثم قال) ﵊: (هاتان السجدتان لمن لا يدري زاد في صلاته أم نقص فيتحرى) بإثبات الياء خطًّا ولأبي ذر فيتحر (الصواب) بإسقاطها أي يجتهد في تحقيق الحق بأن يأخذ بالأقل (فيتم) بضم الميم مشددة ولأبي ذر مفتوحة ولأبي الوقت ثم يتم (ما بقي) عليه (ثم يسجد سجدتين) للسهو ندبًا.
قيل والمطابقة بين الحديث والترجمة من قوله: أنسيت ولا يخفى ما فيه وقيل ذكر هذا الحديث استطرادًا بعد الحديث السابق. وقال في الكواكب بعد قوله وهم: أي في الزيادة والنقصان لفظ أقصرت صريح في أنه نقص ولكنه وهم من الراوي، والصواب ما تقدم في الصلاة بلفظ أحدث في الصلاة شيء قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا الخ وقال في باب سجود السهو عن أبي هريرة: أنه ﷺ انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت قال: ويحتمل أن يجاب بأن المراد من القصر لازمه وهو التغيير فكأنه قال: أغيرت الصلاة عن وضعها.
والحديث سبق في باب التوجه نحو القبلة وفي باب سجود السهو.
٦٦٧٢ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾ قَالَ: «كَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا».
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عمرو بن دينار) بفتح العين قال: (حدثني) بالإفراد (سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس) ﵄ (فقال: حدّثنا أبي بن كعب) حذف مقول سعيد بن جبير وهو ثابت في تفسير سورة الكهف وغيرها بلفظ قلت لابن عباس إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل فقال ابن عباس: كذب عدوّ الله حدثني أبي بن كعب (أنه سمع رسول الله ﷺ قال): كذا لأبي ذر عن الحموي والمستملي وله عن الكشميهني يقول:
(لا تؤاخذني) فيه حذف أيضًا كثير يطول ذكره وتقديره يقول في تفسير قوله تعالى (﴿لا تؤاخدني بما نسيت﴾) أي من وصيتك (﴿ولا ترهقني من أمري عسر﴾) [الكهف: ٧٣] لا تضايقني بهذا القدر فتعسر مصاحبتك (قال): ولأبي ذر فقال: أي النبي ﷺ (كانت الأولى من موسى نسيانًا) أي عند إنكار خرق السفينة كان ناسيًا لما شرط عليه الخضر في قوله: ﴿فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرًا﴾ [الكهف: ٧٠] وإنما أخذه بالنسيان مع عدم المؤاخذة به شرعًا عملاً بعموم شرطه فلما اعتذر بالنسيان علم أنه خارج بحكم الشرع من عموم الشرط وبهذا التقرير يتجه إيراد هذا الحديث في هذه الترجمة قاله في فتح الباري.
٦٦٧٣ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: كَتَبَ إِلَىَّ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ قَالَ: قَالَ: الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَكَانَ عِنْدَهُمْ ضَيْفٌ لَهُمْ فَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يَذْبَحُوا قَبْلَ
стр. 7338
أَنْ يَرْجِعَ لِيَأْكُلَ ضَيْفُهُمْ، فَذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الذَّبْحَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِى عَنَاقٌ جَذَعٌ عَنَاقُ لَبَنٍ، هِىَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَىْ لَحْمٍ، فَكَانَ ابْنُ عَوْنٍ يَقِفُ فِى هَذَا الْمَكَانِ عَنْ حَدِيثِ الشَّعْبِىِّ، وَيُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَيَقِفُ فِى هَذَا الْمَكَانِ وَيَقُولُ: لَا أَدْرِى أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ غَيْرَهُ أَمْ لَا. رَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(قال أبو عبد الله) البخاري بالسند السابق إليه وسقط ذلك لأبي ذر (كتب إليّ) بتشديد الياء (محمد بن بشار) بالشين المعجمة المشددة المعروف ببندار، ولأبي ذر: كتب إليّ من محمد بن بشار فزاد لفظة من، وقد أورده بصيغة المكاتبة ولعله لم يسمع منه هذا الحديث فرواه عنه بالمكاتبة وقد أخرج أصل الحديث من عدة طرق أخرى موصولة كما تقدم في العيدين وغيره ولم يقع له صيغة المكاتبة في صحيحه الجامع عن أحد من مشايخه إلا في هذا الموضع نعم أخرج بصيغة المكاتبة كثيرًا من رواية التابعي عن الصحابي ومن رواية غير التابعي عن التابعي ونحو ذلك، وقد ذكرت حكم المكاتبة ومبحثها في الفصل الثالث من مقدمة هذا الشرح، وقد أخرج الحديث أبو نعيم من رواية الحسين بن محمد قال: حدّثنا محمد بن بشار بندار قال: (حدّثنا معاذ بن معاذ) التميمي العنبري الحافظ قاضي البصرة قال: (حدّثنا ابن عون) بفتح العين المهملة وسكون الواو محمد (عن الشعبي) عامر بن شراحيل أنه (قال: قال البراء بن عازب) ﵄ (وكان عندهم ضيف لهم) بإثبات الواو قبل كان وعند الإِسماعيلي بإسقاطها (فأمر أهله أن يذبحوا قبل أن يرجع) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي قبل أن يرجعهم بفتح الياء أي قبل أن يرجع إليهم وظاهره أن ذلك وقع للبراء لكن المشهور أن ذلك لخاله أبي بردة بن نيار كما في الأضاحي من طريق زبيد عن الشعبي عن البراء قال في الكواكب: أبو بردة هو خاله وكانوا أهل بيت واحد فتارة نسب إلى نفسه وأخرى إلى خاله (ليأكل ضيفهم فذبحوا قبل الصلاة) أي قبل صلاة العيد (فذكروا ذلك) الذبح قبل الصلاة (للنبي ﷺ فأمره أن يعيد الذبح فقال: يا رسول الله عندي عناق) بفتح العين المهملة وتخفيف النون أنثى من أولاد المعز (جذع) بفتح الجيم والمعجمة طعنت في السنة الثالثة صفة لعناق (عناق لبن) بالإضافة بدل من عناق الأول (هي خير من شاتي لحم) بالتثنية زاد في رواية فرخص له في ذلك وفي رواية الإِسماعيلي قال البراء: يا رسول الله وهذا صريح في أن القصة وقعت للبراء. قال ابن حجر: فلولا اتحاد المخرج لأمكن التعدد، لكن القصة متحدة والسند متحد من رواية الشعبي عن البراء والاختلاف من الرواة عن الشعبي فكأنه وقع في هذه الرواية اختصار وحذف، ويحتمل أن يكون البراء شارك خاله في سؤال النبي ﷺ عن القصة فنسبت كلها إليه تجوّزًا (وكان ابن عون) محمد الراوي (يقف في هذا المكان عن حديث الشعبي) عامر (ويحدث عن محمد بن سيرين بمثل هذا الحديث ويقف في هذا المكان) أي يترك تكملته (ويقول): ولأبي ذر فيقول (لا أدري أبلغت الرخصة) وهي قوله ﷺ ضح بالعناق
стр. 7339
الذي عندك (غيره أم لا لله)؟ أي غير البراء (رواه أيوب) السختياني (عن ابن سيرين) محمد (عن أنس) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬).
وهذا وصله المؤلّف في أوائل الأضاحي ومطابقة الحديث للترجمة لم أفقهها والله الموفق.
٦٦٧٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ عِيدٍ، ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ ذَبَحَ فَلْيُبَدِّلْ مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ».
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي البصري قاضي مكة قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الأسود بن قيس) العبدي الكوفي أنه (قال: سمعت جندبًا) بضم الجيم وفتح الدال المهملة وبالباء الموحدة ابن عبد الله البجلي ﵁ أنه (قال: شهدت النبي ﷺ يوم عيد) أي عيد الأضحى (ثم خطب ثم قال):
(من ذبح) أي قبل الصلاة (فليبدل مكانها) بضم التحتية وفتح الموحدة وتشديد الدال كذا في اليونينية وفي نسخة فليبدل بسكون الموحدة وتخفيف الدال أي فليذبح غيرها (ومن لم يكن ذبح) قبل الصلاة (فليذبح) بعدها (باسم الله) وهذا ثابت في رواية أبي ذر.
ومناسبة الحديث والذي قبله للترجمة قال الكرماني وتبعه العيني وابن حجر الإشارة إلى التسوية بين الجاهل بالحكم والناسي في وقت الذبح فليتأمل.
١٦ - باب الْيَمِينِ الْغَمُوسِ
﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ، عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ النحل: ٩٤] دَخَلاً مَكْرًا وَخِيَانَةً.
(باب) حكم (اليمين الغموس) بفتح الغين المعجمة وضم الميم وبعد الواو الساكنة سين مهملة فعول بمعنى فاعل لأنها تغمس صاحبها في الإِثم ثم في النار وقول الله تعالى في سورة النحل: (﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً بينكم﴾) دخلاً مفعول ثان لتتخذوا والدخل الفساد والدغل وقال: الواحدي الغش والخيانة وقيل ما أدخل في الشيء على فساد (﴿فتزل قدم﴾) أي فتزل أقدامكم عن محجة الإسلام (﴿بعد ثبوتها وتذوقوا السوء﴾) في الدنيا (﴿بما صددتم﴾) بصدودكم (﴿عن سبيل الله﴾) وخروجكم عن الدين (﴿ولكم عذاب عظيم﴾) [النحل: ٩٤] في الآخرة قال في الكشاف: وحدت القدم ونكرت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه فكيف فأقدام كثيرة. قال أبو حيان: الجمع تارة يلحظ فيه المجموع من حيث هو مجموع وتارة يلحظ فيه اعتبار كل فرد فرد فإذا لوحظ فيه المجموع كان الإِسناد معتبرًا فيه الجمعية، إذا لوحظ فيه كل فرد فرد كان الإسناد مطابقًا للفظ الجمع كثيرًا فيجمع ما أسند إليه ومطابقًا لكل فرد
стр. 7340
فرد فيفرد كقوله تعالى ﴿وأعتدت لهن متكأ وآتت﴾ [يوسف: ٣١] أفرد متكأ لما كان لوحظ في قوله لهن معنى لكل واحدة، ولو جاء مرادًا به الجمعية أو على الكثير في الوجه الثاني لجمع المتكأ وعلى هذا المعنى يحمل قول الشاعر:
فإني رأيت الضامرين متاعهم … يموت ويفنى فارضخي من وعائيا
أي: رأيت كل ضامر ولذلك أفرد الضمير في يموت ويفنى ولما كان المعنى لا يتخذ كل واحد واحد منكم جاء فتزل قدم مراعاة لهذا المعنى، ثم قال: وتذوقوا السوء مراعاة للمجموع أو للفظ الجمع على الوجه الكثير إذا قلنا إن الإسناد لكل فرد فرد فتكون الآية قد تعرضت للنهي عن اتخاذ الإيمان دخلاً باعتبار المجموع وباعتبار كل فرد فرد ودل على ذلك بإفراد قدم وبجمع الضمير في تذوقوا وتعقبه تلميذه شهاب الدين السمين فقال بهذا التقرير الذي ذكره يفوت المعنى الجزل الذي اقتنصه الزمخشري من تنكير قدم وإفرادها وأما البيت المذكور فإن النحويين خرجوه على أن المعنى يموت من ثم ومن ذكر فأفرد الضمير لذلك لا لما ذكر اهـ.
ولم يذكر في غير رواية أبي ذر الآية كلها بل إلى قوله بعد ثبوتها كذا في الفرع وأصله وقال في الفتح وساق في رواية كريمة إلى عظيم (دخلاً) قال قتادة أي: (مكرًا وخيانة) أخرجه عبد الرزاق ومناسبة الآية لليمين الغموس ورود الوعيد على من حلف كاذبًا متعمدًا.
٦٦٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا فِرَاسٌ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِىَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ»
[الحديث ٦٦٧٥ - طرفاه في: ٦٨٧٠ و ٦٩٢٠].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) أبو الحسن المروزي المجاور بمكة قال: (أخبرنا) ولأبي ذر حدّثنا (النضر) بالضاد المعجمة الساكنة ابن شميل بضم الشين المعجمة قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا فراس) بكسر الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف سين مهملة ابن يحيى المكتب (قال: سمعت الشعبي) عامرًا يحدث (عن عبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن العاص (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(الكبائر) جمع كبيرة وهي ما توعد عليها (الإشراك بالله) باتخاذ إله غيره (وعقوق الوالدين) بعصيان أمرهما وترك خدمتهما (وقتل النفس) التي حرم الله إلا بالحق (واليمين الغموس) بأن يحلف على الماضي متعمدًا للكذب كأن يقول: والله ما فعلت كذا أو فعلت كذا نفيًا وإثباتًا وهو يعلم أنه ما فعله أو فعله أو الغموس أن يحلف كاذبًا ليذهب بمال أحد ويأتي إن شاء الله تعالى عدّ الكبائر ومباحثها في كتاب الحدود بعون الله تعالى.
والحديث أخرجه أيضًا في الدّيات واستتابة المرتدين والترمذي في التفسير والنسائي فيه وفي القصاص والمحاربة.
стр. 7341
١٧ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِى الآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً إِنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٩٥] ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ [النحل: ٩١].
(باب قول الله تعالى) في سورة آل عمران: (﴿إن الذين يشترون﴾) يستبدلون (﴿بعهد الله﴾) بما عاهدون عليه من الأيمان بالرسول (﴿وأيمانهم﴾) وبما حلفوا به من قولهم لنؤمنن به ولننصرنه (﴿ثمنًا قليلاً﴾) متاع الدنيا (﴿أولئك لا خلاق لهم﴾) لا نصيب لهم (﴿في الآخرة﴾) ونعيمها وهذا مشروط بالإجماع بعدم التوبة فإن تاب سقط الوعيد (﴿ولا يكلمهم الله﴾) كلامًا يسرهم (﴿ولا ينظر إليهم يوم القيامة﴾) نظر رحمة ولا ينيلهم خيرًا وليس المراد منه النظر بتقليب الحدقة إلى المرئي تعالى الله عن ذلك (﴿ولا يزكيهم﴾) ولا يطهرهم من دنس الذنوب بالمغفرة أو لا يثني عليهم كما يثني على أوليائه كثناء المزكي للشاهد والتزكية من الله قد تكون على ألسنة الملائكة كما قال تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ [الرعد: ٢٤] وقد تكون بغير واسطة إما في الدنيا كما قال تعالى ﴿التائبون العابدون﴾ [التوبة: ١١٢] وأما في الآخرة كما قال تعالى ﴿سلام قولاً من رب رحيم﴾ [يس: ٥٨].
ثم لما بين تعالى حرمانهم مما ذكر من الثواب بين كونهم في العقاب فقال: (﴿ولهم عذاب أليم﴾) [آل عمران: ٧٧] مؤلم كذا في رواية كريمة سياق الآية إلى آخرها وقال في رواية أبي ذر: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم﴾ الآية. واستفيد من الآية أن العهد غير اليمين لعطف العهد عليه.
(وقوله) ولأبي ذر وقول الله تعالى (جل ذكره ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾) فعلة بمعنى المفعولة كالقبضة والغرفة أي لا تجعلوه معرضًا للحلف من قولهم فلان عرضة لكذا أي معرّض. قال كعب:
من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت … عرضتها طامس الأعلام مجهول
وقال حسان:
هم الأنصار عرضتها اللقاء
وهما بمعنى معرّض لكذا أو اسم لما تعرضه على الشيء فيكون من عرض العود على الإناء
стр. 7342
فيعترض دونه ويصير حاجزًا ومانعًا، والمعنى على هذا النهي أن يحلفوا بالله على أنهم لا يبرون ولا يتقون ويقولون لا نقدر نفعل ذلك لأجل حلفنا أو من العرضة وهي القوّة والشدة يقال جمل عرضة للسفر أي قويّ عليه وقال الزبير:
فهذي لأيام الحروب وهذه … للهوى وهذي عرضة لارتحالنا
أي قوّة وعدة أي لا تجعلوا اليمين بالله قوّة لأنفسكم في الامتناع من البر وقوله (﴿أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس﴾) عطف بيان لأيمانكم أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإِصلاح بين الناس واللام تتعلق بالفعل أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخًا، ويجوز أن تكون اللام تعليلية ويتعلق أن تبروا بالفعل أو بالعرضة أي ولا تجعلوا الله لأجل أيمانكم عرضة لأن تبروا وفي ذلك نهي عن الجراءة على الله بكثرة الحلف به، وذلك لأنه من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة له يقول الرجل: قد جعلتني عرضة للومك. قال الشاعر:
ولا تجعليني عرضة للوائم
وقد ذم الله من أكثر الحلف بقوله ﴿ولا تطع كل حلاف مهين﴾ وقال تعالى ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ [المائدة: ٨٩] وكان الخلف يمدحون بالإقلال من الحلف والحكمة في الأمر بتقليل الإيمان أن من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك ولا يبقى لليمين في قلبه وقع فلا يؤمن من إقدامه على الإيمان الكاذبة فيختل ما هو الغرض الأصلي من اليمين، وأيضًا كلما كان الإنسان أكثر تعظيمًا لله تعالى كان أكمل في العبودية ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله تعالى أجل وأعظم وأعلى عنده من أن يستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية (﴿والله سميع﴾) لأيمانكم (﴿عليم﴾) [البقرة: ٢٢٤] بنياتكم، وسقط لأبي ذر من قوله (أن تبروا) إلى آخر الآية.
(وقوله جل ذكره ﴿ولا تشتروا بعهد الله ثمنًا قليلاً﴾) عرضًا من الدنيا يسيرًا (﴿إن ما عند الله﴾) من ثواب الآخرة (﴿هو خير لكم إن كنتم تعلمون﴾) [النحل: ٩٥] وقوله تعالى: (﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾) هي البيعة لرسول الله ﷺ على الإسلام إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ((ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها﴾) بعد توثيقها باسم الله (﴿وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً﴾) [النحل: ٩١] شاهدًا ورقيبًا، وفي رواية أبي ذر ﴿ولا تشتروا بعهد الله ثمنًا قليلاً﴾ إلى قوله ﴿ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً﴾ قال في الفتح: وسقط ذلك لجميعهم ووقع فيه تقديم وتأخير والصواب قوله ﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً﴾ إلى قوله ﴿ولا تشتروا بعهد الله ثمنًا قليلاً﴾ ووقع في رواية النسفيّ بعد قوله ﴿عرضة لأيمانكم﴾ ما نصه وقوله ﴿ولا تشتروا يعده الله ثمنًا قليلاً﴾ الآية وقوله ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾ الآية.
стр. 7343
٦٦٧٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِىَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة التبوذكي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن الأعمش) سليمان الكوفي (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله بن مسعود ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(من حلف على) موجب (يمين صبر) بإضافة يمين لصبر مصححًا عليها في الفرع كأصله لما بينهما من الملابسة والأكثر على تنوين يمين فيكون صبر صفة له مصدر بمعنى المفعول أي مصبورة كما في الرواية الأخرى على يمين مصبورة فيكون على التجوّز بوصف اليمين بذلك لأن اليمين الصبر هي التي يلزم الحاكم الخصم بها والمصبور في الحقيقة الحالف لا اليمين، أو المراد أن الحالف هو الذي صبر نفسه وحبسها على هذا الأمر العظيم الذي لا يصبر أحد عليه فالحالف هو الصابر واليمين مصبورة أي مصبور عليها. وزاد المؤلّف في الأشخاص من رواية أبي معاوية وفي الشرب من رواية أبي حمزة كلاهما عن الأعمش هو فيها فاجر لكن رواية أبي معاوية هو عليها فاجر وكأن فيها حذفًا تقديره هو في الإقدام عليها كاذب حال كونه (يقتطع بها) بسبب اليمين (مال امرئ مسلم) أو ذمي ونحوه وفي صحيح مسلم حق امرئ مسلم بيمينه (لقي الله وهو عليه غضبان) جواب من وغضبان لا ينصرف لزيادة الألف والنون أي فيعامله معاملة المغضوب عليه فيعذبه (أنزل الله) (تصديق ذلك) ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانكم ثمنًا قليلاً﴾ [آل عمران: ٧٧] (إلى آخر الآية) ليس في رواية أبي ذر إلى آخر الآية. وفي مسلم والترمذي: عن أبي وائل عن عبد الله من طريق جامع بن أبي راشد وعبد الملك بن أعين مرفوعًا: "من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه" الحديث. ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ ، وظاهره أن الآية نزلت قبل وسبق في تفسير سورة آل عمران أنها نزلت فيمن أقام سلعته بعد العصر فحلف كاذبًا فيحتمل أنها نزلت في الأمرين معًا.
٦٦٧٧ - فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالُوا: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فِىَّ أُنْزِلَتْ كَانَتْ لِى بِئْرٌ فِى أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِى فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ» قُلْتُ: إِذًا يَحْلِفُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِىَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ».
(فدخل الأشعث بن قيس) المكان الذي كانوا به (فقال: ما حدثكم أبو عبد الرَّحمن) عبد الله بن مسعود (فقالوا) ولأبي ذر قالوا (كذا وكذا. قال) الأشعث (في) بتشديد التحتية
стр. 7344
(أنزلت) هذه الآية (كانت) وللحموي والمستملي كان (لي بئر في أرض ابن عم لي) اسمه معدان وقيل جرير بن الأسود الكندي ولقبه الجفشيش بفتح الجيم وسكون الفاء وبالشينين المعجمتين بينهما تحتية ساكنة، وفي رواية أبي معاوية كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني ولا تضاد بين قوله ابن عم لي وقوله من اليهود لأن جماعة من أهل اليمن كانوا تهودوا وقد ذكر أنه أسلم فيقال إنما وصفه الأشعث بذلك باعتبار ما كان عليه أولاً (فأتيت رسول الله ﷺ ¬) أي فادعيت عليه (فقال) لي ﷺ :
(بينتك أو يمينه) بالرفع فيهما إما فاعل بفعل مقدر أي تحضر بينتك تشهد لك أو فحقك يمينه فيمينه خبر مبتدأ محذوف أو لك يمينه فيكون مبتدأ والخبر في الجار والمجرور، ويحتمل أن يكون بينتك خبر مبتدأ محذوف أي الواجب بينتك أو يمينه إن لم يكن لك بيّنة. قال الأشعث: (فقلت: إذًا يحلف عليها) على البئر (يا رسول الله) وإذا حرف جواب ينصب الفعل المضارع بشروط ثلاثة: أن يكون أوّلاً فلا يعتمد ما بعدها على ما قبلها كما تقول في جواب من قال: أزورك إذًا أكرمك بالنصب فإن اعتمد ما بعدها على ما قبلها رفعت نحو قولك: أنا إذًا أكرمك. الثاني: أن يكون مستقلاً فلو كان حالاً وجب الرفع نحو قولك لمن قال: جاء الحاج إذًا أفرح تريد الحالة التي أنت فيها. الثالث: أن لا يفصل بينهما وبين الفعل بفاصل ما عدا القسم والنداء ولا، فإن دخل عليها حرف عطف جاز في الفعل الرفع والنصب والرفع أكثر نحو قوله تعالى: (﴿وإذًا لا يلبثون خلافك إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٧٦] والفعل هنا في الحديث إن أريد به الحال فهو مرفوع وإن أريد به الاستقبال فهو منصوب وكلاهما في الفرع كأصله والرفع رواية غير أبي ذر وفي رواية أبي معاوية إذن يحلف ويذهب بمالي، وفي رواية أبي معاوية قال: ألك بيّنة؟ فقلت: لا فقال لليهودي احلف وفي رواية أي حمزة فقال لي: شهودك؟ قلت: ما لي شهود. قال: فيمينه، وفي رواية أي وائل من طريق ولده علقمة فانطلق ليحلف (فقال رسول الله ﷺ : من حلف على يمين صبر) بالإضافة أو بالتنوين كما مر (وهو) أي والحال أنه (فيها فاجر) أي كاذب وقيد به ليخرج الجاهل والناسي والمكره (يقتطع بها) أي بسبب يمينه (مال امرئ مسلم) ويقتطع يفتعل من القطع كأنه قطعه عن صاحبه أو أخذ قطعة من ماله بالحلف المذكور (لقي الله) تعالى (يوم القيامة وهو عليه غضبان).
وفي الحديث سماع الحاكم الدعوى فيما لم يره إذا وصف وحدد وعرفه المتداعيان لكن لم يقع في الحديث تصريح بوصف ولا تحديد، فاستدلّ به القرطبي على أن الوصف والتحديد ليسا بلازمين لذاتهما بل يكفى في صحة الدعوى تمييز المدعى به تمييزًا ينضبط به. قال في الفتح: ولا يلزم من ترك ذكر التحديد والوصف في الحديث أن لا يكون ذلك وقع ولا يستدل بسكوت الراوي عنه بأنه لم يقع بل يطالب من جعل ذلك شرطًا بدليله فإذا ثبت حمل على أنه ذكر في الحديث ولم ينقله الراوي.
стр. 7345
وسبق كثير من فوائد هذا الحديث في الشرب والأشخاص ويأتي في الأحكام إن شاء الله تعالى.
١٨ - باب الْيَمِينِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَفِى الْمَعْصِيَةِ، وَفِى الْغَضَبِ
(باب) حكم (اليمين فيما لا يملك) الحالف (و) اليمين (في المعصية و) اليمين (في) حالة (الغضب) وسقط لأبي ذر لفظة في.
٦٦٧٨ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: أَرْسَلَنِى أَصْحَابِى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَسْأَلُهُ الْحُمْلَانَ فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَىْءٍ» وَوَافَقْتُهُ وَهْوَ غَضْبَانُ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ قَالَ: «انْطَلِقْ إِلَى أَصْحَابِكَ فَقُلْ: إِنَّ اللَّهَ أَوْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُكُمْ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن العلاء) بفتح العين المهملة والمد ابن كريب أبو كريب الهمداني الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد) بضم الموحدة وفتح الراء ابن عبد الله (عن) جده (أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء عامر أو الحارث (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ أنه (قال: أرسلني أصحابي) الأشعريون (إلى النبي ﷺ ¬) عند إرادة غزوة تبوك (أسأله الحملان) بضم الحاء المهملة وسكون الميم أي أن يحملنا على إبل (فقال):
(والله لا أحملكم على شيء) زاد في باب الكفارة وما عندي ما أحملكم وكذا هو في باب لا تحلفوا بآبائكم كما سبق (ووافقته) ﵊ (وهو غضبان) وفي غزوة تبوك وهو غضبان ولا أشعر ورجعت حزينًا من منع النبي ﷺ ومن مخافة أن يكون النبي ﷺ وجد في نفسه في فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الذي قال النبي ﷺ فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالاً أي عبد الله بن قيس فأجبته فقال: أجب رسول الله ﷺ يدعوك (فلما أتيته) ﷺ (قال: انطلق إلى أصحابك فقل) لهم (إن الله) (أو إن رسول الله ﷺ يحملكم) وفي غزوة تبوك فلما أتيتيه قال: خذ هذين القرينين وهذين القرينين لستة أبعرة ابتاعهن حينئذٍ من سعد فانطلق بهن إلى أصحابك فقل إن الله أو إن رسول الله ﷺ يحملكم على هؤلاء الأبعرة الحديث بتمامه في المغازي بالسند المذكور هنا، وقد فهم ابن بطال -رحمه الله تعالى- عن البخاري أنه نحا بهذه الترجمة لجهة تعليق الطلاق قبل ملك العصمة أو الحرية قبل ملك الرقبة ونحو ذلك كأن حلف على أن لا يهب أو لا يتصدق أو لا يعتق، وهو في هذه الحالة لا يملك شيئًا من ذلك، ثم حصل له فوهب أو تصدق أو أعتق فعند جماعة الفقهاء تلزمه الكفارة كما في قصة الأشعريين، ولو حلف أن لا يهب أو لا يتصدق ما دام معدمًا وجعل العدم علة لامتناعه من ذلك، ثم حصل له مال بعد ذلك لم تلزمه كفارة إن وهب أو تصدق لأنه إنما أوقع يمينه على حالة العدم لا على حالة الوجود ولو
стр. 7346
حلف أن يعتق ما لا يملكه إن ملكه في المستقبل فقال مالك: إن عين أحدًا أو قبيلة أو جنسًا لزمه العتق وإن قال كل مملوك أملكه أبدًا حر لم يلزمه عتق وكذلك في الطلاق إن عين قبيلة أو بلدة أو صفة ما لزمه الحنث وإن لم يعين لم يلزمه. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يلزمه الطلاق والعتق عمم أو خصص وقال الشافعي لا يلزمه لا ما خص ولا ما عم.
ويأتي مزيد بحث لهذا الحديث إن شاء الله تعالى في آخر هذا الباب بعون الله تعالى.
٦٦٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ح. وَحَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِىُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الأَيْلِىُّ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِىَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِمَّا قَالُوا كُلٌّ حَدَّثَنِى طَائِفَةً مِنَ الْحَدِيثِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ﴾ [النور: ١١] الْعَشْرَ الآيَاتِ كُلَّهَا فِى بَرَاءَتِى فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِى قَالَ لِعَائِشَةَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِى الْقُرْبَى﴾ [النور: ٢٢] الآيَةَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاللَّهِ إِنِّى لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِى فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِى كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا عَنْهُ أَبَدًا.
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز) بن عبد الله الأويسي قال: (حدّثنا إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (عن صالح) أي ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (ح) لتحويل السند قال البخاري بالسند السابق أول هذا المجموع إليه.
(وحدّثنا الحجاج) بن منهال قال: (حدّثنا عبد الله بن عمر النميري) بضم النون وفتح الميم قال: (حدّثنا يونس بن يزيد الأيلي) بفتح الهمزة وسكون التحتية وكسر اللام نسبة إلى مدينة إيلة على ساحل بحر القلزم (قال: سمعت الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: سمعت عروة بن الزبير) بن العوّام (وسعيد بن المسيب) المخزومي (وعلقمة بن وقاص) الليث (وعبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله بن عتبة) بضم العين وسكون الفوقية ابن مسعود الفقيه الأعمى (عن حديث عائشة) ﵂ (زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله) (مما قالوا) بما أنزله في التنزيل (كل) من الأربعة (حدثني) بالإفراد (طائفة من الحديث) قطعة منه (فأنزل الله) (﴿إن الذين جاؤوا بالإفك﴾) [النور: ١١] والإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء والمراد ما أفك به على عائشة ﵂، والعصبة الجماعة من العشرة إلى الأربعين واعصوصبوا اجتمعوا وقوله منكم أي من المسلمين (العشر الآيات كلها في براءتي. فقال أبو بكر الصديق) ﵁ (وكان ينفق على مسطح لقرابته منه) وكان ابن خالته (والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا) سقط أبدًا لغير أبي ذر (بعد الذي قال لعائشة) عن عائشة من الإفك (فأنزل
стр. 7347
الله) (﴿ولا يأتل﴾) ولا يحلف من ائتلى إذا حلف افتعال من الألية (﴿وأولو الفضل منكم﴾) في الدين (﴿والسعة﴾) في الدنيا (﴿أن يؤتوا﴾) أي لا يؤتوا (﴿أولي القربى﴾) [النور: ٢٢] (الآية) كذا رأيته في الفرع وفي القربى وفي هامشه ما نصه في اليونينية مكتوب القربة وليس عليها تمريض ولا ضبة ومضبوطة بفتح التاء المنقلبة عن الهاء فالله أعلم أنه سهو فليحرّر اهـ. قلت وكذا رأيته في اليونينية وهذا مخالف للتلاوة وفي كثير من الأصول القربى كالتنزيل وهو الصواب (قال أبو بكر) ﵁: (بل والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفقـ) ـها (عليه وقال: والله لا أنزعها عنه أبدًا).
وهذا موضع الترجمة لأن الصديق ﵁ كان حالفًا على ترك طاعة فنهي عن الاستمرار على ما حلف عليه فيكون النهي عن الحلف على فعل المعصية أولى، والظاهر من حاله عند الحلف أن يكون قد غضب على مسطح من أجل خوضه في الإفك.
٦٦٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِى نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ فَوَافَقْتُهُ وَهْوَ غَضْبَانُ فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا ثُمَّ قَالَ: «وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا».
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين وسكون العين بينهما عبد الله بن عمرو المقعد التميمي المنقري مولاهم البصري قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد التنوري قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن القاسم) بن عاصم التميمي ويقال الكليني بنون بعد التحتية (عن زهدم) بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة ابن مضرب الجرمي أنه (قال: كنا عند أبي موسى الأشعري) ﵁ (فقال أتيت رسول الله ﷺ في نفر من الأشعريين فوافقته) بالقاف بعد الفاء (وهو غضبان فاستحملناه) طلبنا أن يحملنا وأثقالنا على إبل لغزوة تجوك (فحلف) ﷺ (أن لا يحملنا ثم قال) أي بعد أن أتي بنهب إبل من غنيمة وأمر لهم بخمس ذود وانطلقوا فقالوا: تغفلنا رسول الله ﷺ يمينه ورجعوا إليه وذكروا له ذلك وقال: إني لست أنا أحملكم ولكن الله حملكم (والله إن شاء الله لا أحلف على يمين) أي محلوف يمين (فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير) من الذي حلفت عليه (وتحللتها) بالكفارة وقوله وهو غضبان مطابق لبعض الترجمة ووافق أنه حلف على شيء ليس عنده. وقال ابن المنير: لم يذكر البخاري في الباب ما يناسب ترجمة اليمين على المعصية إلا أن يريد يمين أبي بكر على قطيعة مسطح وليست بقطيعة، بل هي عقوبة له على ما ارتكبه من المعصية بالقذف، ولكن يمكن أن يكون حلف على خلاف الأولى فإذا نهى عن ذلك حتى أحنث نفسه وفعل ما فعل على تركه فمن حلف على المعصية يكون أولى قال: ولهذا يقضى بحنث من حلف على معصية من قبل أن يفعلها فالحديث مطابق للترجمة. قال ابن بطال: لأنه ﷺ حلف حين لم يملك ظهرًا يحملهم عليه فلما طرأ الملك حملهم. قال ابن المنير: وفهم ابن بطال عن
стр. 7348
البخاري أنه نحا لجهة تعليق الطلاق قبل ملك العصمة أو الحرية قبل ملك الرقبة، والظاهر من قصد البخاري غير هذا وهو: أن النبي ﷺ حلف أن لا يحملهم فلما حملهم وراجعوه في يمينه قال: ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم فبين أن يمينه إنما انعقدت فيما يملكه فلو حملهم على ما يملكه لحنث وكفر ولكنه حملهم على ما لا يملك ملكًا خاصًّا وهو مال الله، وبهذا لا يكون ﵊ قد حنث في يمينه.
وأما قوله في عقب ذلك: لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها فتأسيس قاعدة مبتدأة كأنه يقول ولو كنت حلفت ثم رأيت ترك ما حلفت عليه خيرًا منه لأحنثت نفسي وكفرت عن يميني. قال: وهم إنما سألوه ظنًّا أنه يملك حملانًا فحلف لا يحملهم على شيء يملكه لكونه كان حينئذٍ لا يملك شيئًا من ذلك قال: ولا خلاف أن من حلف على شيء وليس في ملكه أنه لا يفعل فعلاً معلقًا بذلك الشيء مثل قوله: والله لئن ركبت هذا البعير لأفعلن ذا لبعير لا يملكه فلو ملكه وربه حنث وليس هذا من تعليق اليمين على الملك ولو قال: والله لا وهبتك هذا الطعام وهو لغيره فملكه فوهبه له فإنه يحنث ولا يجري فيه الخلاف الذي جرى في تعليق الطلاق على الملك، وإن كان ظاهر ترجمة البخاري أن من حلف على ما لا يملك مطلقًا نوى أو لم ينو ثم ملكه لم يلزمه اليمين اهـ.
قال في فتح الباري: وليس ما قاله ابن بطال ببعيد بل هو أظهر أي مما قاله ابن المنير، وذلك أن الصحابة الذين سألوا الحملان فهموا أنه حلف، وأنه فعل خلاف ما حلف أنه لا يفعله فلذلك لما أمر لهم بالحملان بعد قالوا: تغفلنا رسول الله ﷺ يمينه وظنوا أنه نسي حلفه الماضي فأجابه بأنه لم ينس ولكن الذي فعله خير مما حلف عليه، وأنه إذا حلف فرأى خيرًا من يمينه فعل الذي حلف أن لا يفعله وكفر عن يمينه والله الموفق.
١٩ - باب إِذَا قَالَ وَاللَّهِ لَا أَتَكَلَّمُ الْيَوْمَ فَصَلَّى أَوْ قَرَأَ أَوْ سَبَّحَ أَوْ كَبَّرَ أَوْ حَمِدَ أَوْ هَلَّلَ فَهْوَ عَلَى نِيَّتِهِ
وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أَفْضَلُ الْكَلَامِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ» قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: كَتَبَ النَّبِىُّ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ: «تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ»، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «كَلِمَةُ التَّقْوَى لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ.
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا قال) شخص (والله لا أتكلم اليوم) مثلاً (فصلّى) فرضًا أو نفلاً (أو قرأ) القرآن (أو سبح أو كبر أو حمد أو هلّل) قال: لا إله إلا الله (فهو على نيته) فإن قصد الكلام العرفي لا يحنث وإن قصد التعميم حنث فإن لم ينو فالجمهور على عدم الحنث. قال في الروضة: حلف لا يتكلم حنث بترديد الشعر على نفسه لأن الشعر كلام ولا يحنث بالتسبيح والتهليل والدعاء على الصحيح لأن اسم الكلام عند الإطلاق ينصرف إلى كلام الآدميين في
стр. 7349
محاوراتهم، وقيل يحنث لأنه يباح للجنب فهو كسائر الكلام ولا يحنث بقراءة القرآن. وقال القفال في شرح التلخيص: لو قرأ التوراة الموجودة اليوم لم يحنث لأنا نشك في أن الذي قرأه مبدل أم لا. اهـ.
وعن الحنفية يحنث، وقال ابن المنير: معنى قول البخاري فهو على نيته أي العرفية. قال: ويحتمل أن يكون مراده أنه لا يحنث بذلك إلا إن نوى إدخاله في نيته فيؤخذ منه حكم الإطلاق قال: ومن فروع المسألة لو حلف لا كلمت زيدًا ولا سلمت عليه فصلّى خلفه فسلم الإمام فسلم المأموم التسليمة التي يخرج بها من الصلاة فلا يحنث بها جزمًا بخلاف التسليمة التي يرد بها على الإمام فلا يحنث أيضًا لأنها ليست مما ينويه الناس عرفًا وفيه الخلاف اهـ.
وقال النووي: ولو صلّى الحالف خلف المحلوف عليه فسبح لسهوه أو فتح عليه القراءة لم يحنث ولو قرأ آية فهم المحلوف عليه سنها مقصوده فإن قصد القراءة لم يحنث وإلاّ فيحنث.
(وقال النبي ﷺ فضل الكلام أربع سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) أخرجه النسائي موصولاً من حديث أبي هريرة وغرض البخاري من سياق هذا التعليق بيان أن الأذكار ونحوها كلام فيحنث بها.
(وقال أبو سفيان) صخر بن حرب مما سبق موصولاً في حديث هرقل في أوائل الصحيح (كتب النبي ﷺ إلى هرقل: تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) لفظ كلمة من باب إطلاق البعض على الكل. (وقال مجاهد) فيما وصله عبد بن حميد من طريق منصور بن المعتمر عنه موقوفًا (كلمة التقوى لا إله إلا الله) فسماها كلمة مع اشتمالها على كلمات.
٦٦٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «قُلْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب عن أبيه) المسيب بن حزن بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي المخزومي أنه (قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فقال) له:
(قل لا إله إلا الله كلمة) بالنصب من موضع لا إله إلا الله ويجوز الرفع بتقدير هو (أحاج) بضم الهمزة وفتح الحاء المهملة وبعد الألف جيم مشددة أصله أحاجج أي أظهر (لك بها) الحجة (عند الله) يوم القيامة فيه أيضًا إطلاق الكلمة على الكلام.
والحديث سبق في قصة أبي طالب في آخر فضائل الصحابة.
стр. 7350
٦٦٨٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِى الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ. سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلاني قال: (حدّثنا محمد بن فضيل) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة ابن غزوان بفتح المعجمة وسكون الزاي الضبي مولاهم أبو عبد الرَّحمن الكوفي قال: (حدّثنا عمارة بن القعقاع) بضم العين المهملة وتخفيف الميم والقعقاع بقافين مفتوحتين وعينين مهملتين أولاهما ساكنة ابن شبرمة بضم الشين المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة الضبي بالمعجمة والموحدة المشددة الكوفي (عن أبي زرعة) هرم البجلي (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(كلمتان خفيفتان على اللسان) للين حروفهما (ثقيلتان في الميزان) حقيقة إذ الأعمال عند أهل السنة تجسم حينئذٍ وفيه تحريض وتعريض بأن سائر التكاليف صعبة شاقة على النفس ثقيلة وهذه خفيفة سهلة عليها مع أنها تثقل في الميزان ثقل غيرها من التكاليف فلا تتركوها (حبيبتان إلى الرَّحمن) محبوبتان أي يحب قائلهما فيجزل له من الثواب ما يليق بكرمه (سبحان الله وبحمده) أي أنزه الله تعالى تنزيهًا عما لا يليق به متلبسًا بحمدي له من أجل توفيقه لي للسبيح (سبحان الله العظيم) ذكر أوّلاً لفظ الجلالة الذي هو اسم للذات المقدسة الجامعة لجميع الصفات العليا والأسماء الحسنى، ثم وصفه بالعظيم الذي هو شامل لسلب ما لا يليق به وإثبات ما يليق به إذ العظمة المطلفة الكاملة مستلزمة لعدم الشريك والتجسم ونحوه وللعلم بكل المعلومات والقدرة على كل المقدورات إلى غير ذلك، وإلاّ لم يكن عظيمًا مطلقًا وكرر التسبيح للإشعار بتنزيهه على الإطلاق وتأتي بقية مباحث ذلك إن شاء الله تعالى في آخر الكتاب بعون الله ومنه وكرمه.
وسبق الحديث في كتاب الدعوات.
٦٦٨٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرَى: «مَنْ مَاتَ يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا أُدْخِلَ النَّارَ» وَقُلْتُ أُخْرَى: «مَنْ مَاتَ لَا يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا أُدْخِلَ الْجَنَّةَ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة المنقري البصري التبوذكي قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال (حدّثنا الأعمش) سليمان (عن شقيق) بفتح الشين وكسر القاف أبي وائل بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود (﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ كلمة وقلت) أنا (أخرى) قال ﷺ : (من مات يجعل الله ندًّا) بكسر النون وتشديد الدال المهملة مثلاً ونظيرًا وشريكًا (أدخل النار) بضم الهمزة وكسر الخاء المعجمة أي وخلد فيها (وقلت) أنا كلمة
стр. 7351
(أخرى من مات لا يجعل لله فإذا أدخل الجنة) وإن دخل النار لذنب فدخوله الجنة محقق لا بدّ منه، وإنما قال: ابن مسعود ذلك لأنه إذا انتفى الشرك انتفى دخول النار بسببه.
والحديث سبق في الجنائز فيه كالسابق إطلاق الكلمة على بالكلام.
٢٠ - باب مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى أَهْلِهِ شَهْرًا، وَكَانَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ
(باب) حكم (من حلف أن لا يدخل على أهله) زوجته أو أعم (شهرًا) وهو في أوّل جزء منه (وكان الشهر تسعًا وعشرين) ثم دخل فإنه لا يحنث اتفاقًا فإن كان حلفه في أثناء الشهر ونقص هل يجب تلفيق الشهر ثلاثين أو يكتفي بتسع وعشرين الجمهور على الأول.
٦٦٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ وَكَانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ فَأَقَامَ فِى مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ آلَيْتَ شَهْرًا فَقَالَ: «إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ».
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن يحيى بن عمرو بن أويس قال: (حدّثنا سليمان بن بلال) المدني (عن حميد) الطويل البصري مولى طلحة الطلحات (عن أنس) ﵁ أنه (قال: آلى) بمد الهمزة المفتوحة وفتح اللام مخففة (رسول الله ﷺ من نسائه) أي حلف لا يدخل عليهن شهرًا (وكانت انفكت رجله) الكريمة (فأقام في مشربة) بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وضم الراء بعدها موحدة مفتوحة غرفة (تسعًا وعشرين ليلة) بأيامها (ثم نزل) ﵊ من المشربة، وفي حديث أم سلمة في الصوم فلما مضى تسعة وعشرون يومًا غدا وهو بالمعجمة أي ذهب أول النهار (فقالوا): وفي مسلم فقالت عائشة: (يا رسول الله آليت) أي حلفت أن لا تدخل علينا (شهرًا فقال):
(إن الشهر يكون تسعًا وعشرين) يومًا.
والحديث سبق في الصوم والإيلاء.
٢١ - باب إِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ نَبِيذًا فَشَرِبَ طِلَاءً أَوْ سَكَرًا أَوْ عَصِيرًا لَمْ يَحْنَثْ فِى قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِأَنْبِذَةٍ عِنْدَهُ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا حلف) شخص (أن لا يشرب نبيذًا) بالذال المعجمة متخذًا من تمر أو زبيب أو نحوهما بأن وضع عليه ماء وترك حتى خرجت حلاوته أسكر أم لا (فشرب طلاء) بكسر الطاء المهملة وتخفيف اللام وبالمد ولأبي ذر عن الكشميهني الطلاء بالتعريف ما طبخ من عصير العنب زاد الحنفية وذهب ثلثه فإن ذهب نصفه فهو المنصف وإن
стр. 7352
طبخ أدنى طبخ فهو الباذق (أو) شرب (سكرًا) بفتح المهملة والكاف خمرًا معتصرًا من العنب هكذا رواه الإثبات ومنهم من يرويه بضم السين وسكون الكاف يريد حالة السكر فيجعلون التحريم للسكر لا لنفس المسكر فيبيحون قليله الذي لا يسكر والمشهور الأول (أو) شرب (عصيرًا) ما عصر من العنب (لم يحنث في قول بعض الناس) أي أبي حنيفة وأصحابه (وليست) بالفوقية بعد السين ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وليس (هذه) المذكورات الطلاء والسكر والعصير (بأنبذة عنده) عند أبي حنيفة وأصحابه لأن النبيذ في الحقيقة ما نبذ في الماء ونقع فيه ومنه سمي المنبوذ منبوذًا لأنه نبذ أي طرح واعترضه العيني بأنه يحتاج إلى دليل ظاهر أن هذا نقل عن أبي حنيفة، ولئن سلمنا ذلك فمعناه أن كل واحد من الثلاثة يسمى باسم خاص كما مرّ، وإن كان يطلق عليها اسم النبيذ في الأصل.
٦٦٨٥ - حَدَّثَنِى عَلِىٌّ سَمِعَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِى حَازِمٍ، أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ أَبَا أُسَيْدٍ صَاحِبَ النَّبِيِّ ﷺ أَعْرَسَ فَدَعَا النَّبِىَّ ﷺ لِعُرْسِهِ فَكَانَتِ الْعَرُوسُ خَادِمَهُمْ فَقَالَ سَهْلٌ لِلْقَوْمِ: هَلْ تَدْرُونَ مَا سَقَتْهُ؟ قَالَ: أَنْقَعَتْ لَهُ تَمْرًا فِى تَوْرٍ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَيْهِ فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: بالجمع (علي) هو ابن عبد الله المديني أنه (سمع عبد العزيز بن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي يقول (أخبرني) بالإفراد (أبي) حازم سلمة بن دينار الأعرج (عن سهل بن سعد) بسكون الهاء والعين فيهما الساعدي الأنصاري (أن أبا أسيد) بضم الهمزة وفتح السين مالك بن ربيعة الساعدي البدري (صاحب النبي ﷺ ¬) قال إنه (أعرس) بهمزة مفتوحة وسكون المهملة وبعد الراء سين مهملة أيضًا أي لما اتخذ عروسًا ولأبي ذر عن الكشميهني عرّس بتشديد الراء من غير همز (فدعا النبي ﷺ ¬) أي وأصحابه (لعرس فكانت العروس) أي الزوجة (خادمهم) بغير مثناة فوقية يطلق على الذكر والأنثى والعروس هي أم أسيد بنت وهب بن سلامة (فقال سهل) الساعدي (للقوم) الذين حدثهم: (هل تدرون ما سقته) ﷺ ولأبي ذر عن الكشميهني ماذا سقته (قال: أنقعت له تمرًا في تور) بفتح المثناة الفوقية إناء من صفر أو حجر (من الليل حتى أصبح عليه فسقته) ﷺ (إياه) أي نقيع التمر وفيه الرد على بعض الناس لأنه يقتضي تسمية ما قرب عهده بالانتباذ نبيذًا، وإن خلّ شربه فالنقيع في حكم النبيذ الذي لم يبلغ السكر والعصير من العنب الذي بلغ حد السكر في معنى نبيذ التمر الذي بلغ حد السكر، والحاصل أن كل شيء يسمى في العرف نبيذًا يحنث به إلا أن ينوي شيئًا بعينه فيختص به والطلاء يطلق على المطبوخ من عصير العنب، وهذا قد ينعقد فيكون دبسًا وربًا فلا يسمى نبيذًا أصلاً وقد يستمر مائعًا ويسكر كثيره فيسمى في العرف نبيذًا، وكذلك السكر يطلق على العصير قبل أن يتخمر.
والحديث سبق في باب الانتباذ من الأشربة.
стр. 7353
٦٦٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَتْ شَنًّا.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا إسماعيل عن أبي خالد) سعد أو هرمز البجلي (عن الشعبي) عامر (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄ عن سودة) بنت زمعة بن قيس (زوج النبي ﷺ ¬) أنها (قالت: ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها) بفتح الميم وسكون السين المهملة جلدها (ثم ما زلنا ننبذ) ننقع (فيه) التمر (حتى صارت) ولأبي ذر صار (شنًّا) بفتح الشين المعجمة وتشديد النون قربة خلقة ولم يكونوا ينبذون إلا ما يحل شربه ومع ذلك كان يطلق عليه اسم النبيذ.
والحديث من إفراده.
٢٢ - باب إِذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَأْتَدِمَ فَأَكَلَ تَمْرًا بِخُبْزٍ، وَمَا يَكُونُ مِنَ الأُدْمِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا حلف) شخص (أن لا يأتدم فأكل تمرًا بخبز) هل يكون مؤتدمًا فيحنث أم لا (و) باب (ما يكون منه الأدم) بضم الهمزة وسكون المهملة ولغير أبي الوقت من الأدم.
٦٦٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ مَأْدُومٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ بِهَذَا.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) أبو أحمد البخاري البيكندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عبد الرَّحمن بن عابس) بموحدة مكسورة وسين مهملة (عن أبيه) عابس بن ربيعة النخعي (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز برّ مأدوم) مأكول بالأدم (ثلاثة أيام) متوالية (حتى لحق بالله) أي توفي ﷺ .
قال في الكواكب: فإن قلت: كيف دل الحديث على الترجمة؟ وأجاب: بأنه لما كان التمر غالب الأوقات موجودًا في بيت رسول الله ﷺ وكانوا شباعى منه علم أنه ليس أكل الخبز به ائتدامًا أو ذكر هذا الحديث في هذا الباب بأدنى ملابسة وهو لفظ المأدوم ولم يذكر غيره لأنه لم يجد حديثًا على شرطه يدل على الترجمة أو يكون من جملة تصرفات النقلة على الوجه الذي ذكروه فهي ثلاثة. وتعقبه في الفتح: بأن الثالث بعيد جدًّا والأول مباين لمراد البخاري والثاني هو المراد لكن
стр. 7354
بأن ينضم إليه ما ذكره ابن المنير وهو أنه قال: مقصود البخاري الرد على من زعم أنه لا يقال ائتدم إلا إذا أكل بما اصطبع أي بالصاد والطاء المهملتين والموحدة والغين المعجمة أي ائتدم به قال: ومناسبته لحديث عائشة أن المعلوم أنها أرادت نفي الأدام مطلقًا بقرينة ما هو معروف من شظف عيشهم فدخل فيه التمر وغيره، وتعقبه العيني فقال: لم يبين أي في الفتح المراد ما هو والحديث لا يدل أصلاً على رد الزاعم بهذا لأن لفظ مأدوم أعم من أن يكون الأدام فيه ما يصطبغ به أو لا يصطبغ به.
والحديث مرّ في الأطعمة بأتم من هذا.
(وقال ابن كثير) محمد أبو عبد الله العبدي البصري شيخ المؤلّف (أخبرنا سفيان) الثوري قال: (حدّثنا عبد الرَّحمن عن أبيه) عابس (أنه قال لعائشة) ﵂: (بهذا). وأشار المؤلّف بهذا الحديث إلى أن عابسًا لقي عائشة وسألها لرفع ما يتوهم في العنعنة في الطريق التي قبلها من الانقطاع.
٦٦٨٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لأُمِّ سُلَيْمٍ لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَىْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا لَهَا فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ ثُمَّ أَرْسَلَتْنِى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَهَبْتُ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِى الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَأَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ» فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: «قُومُوا» فَانْطَلَقُوا وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنَ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ، فَقَالَتِ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِىَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو طَلْحَةَ حَتَّى دَخَلَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلُمِّى يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ» فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ قَالَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ الْخُبْزِ فَفُتَّ وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ» فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ» فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلاً.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد (عن مالك) الإمام (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع) عمه (أنس بن مالك) ﵁ أنه (قال: قال أبو طلحة) زيد بن سهل الأنصاري (لأم سليم) زوجته أم أنس (لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفًا أعرف فيه الجوع) وفي مسلم فوجدته قد عصب بطنه بعصابة فسألت بعض أصحابه فقالوا من الجوع (فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم فأخرجت أقراصًا من شعير ثم أخذت خمارًا) بكسر الخاء المعجمة أي نصيفًا
стр. 7355
(لها فلفت الخبز ببعضه) ببعض الخمار (ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ فذهبت) بالخبز (فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد ومعه الناس فقمت عليهم فقال) لي (رسول الله ﷺ ¬):
(أأرسلك أبو طلحة) بهمزة الاستفهام الاستخاري (فقلت نعم فقال رسول الله ﷺ لمن معه قوموا فانطلقوا) ولأبي الوقت قال أي أن فانطلقوا (وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته) بمجيئهم (فقال أبو طلحة) لأمي (يا أم سليم: قد جاء رسول الله ﷺ وليس) ولأبي ذر عن الكشميهني والناس وليس (عندنا من الطعام ما نطعمهم) أي قدر ما يكفيهم (فقالت) أم سليم (الله ورسوله أعلم) بقدر الطعام فهو أعلم بالمصلحة ولو لم يعلم بالمصلحة ما فعل ذلك (فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ فأقبل رسول الله ﷺ وأبو طلحة معه حتى دخلا) على أم سليم (فقال رسول الله ﷺ ¬) لها: (هلمي) بفتح الهاء وضم اللام وكسر الميم مشددة هات (يا أم سليم ما عندك فأتت بذلك الخبز) الذي كانت أرسلته مع أنس (قال) أنس: (فأمر رسول الله ﷺ بذلك الخبز ففت) بفتح الفاء الأولى وضم الثانية وتشديد الفوقية (وعصرت أم سليم عكة لها) من جلد فيها سمن (فآدمته) بمد الهمزة المفتوحة جعلته إدامًا للمفتوت بأن خلطت ما حصل من السمن بالخبز المفتوت (ثم قال فيه رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقول) وعند أحمد قال: بسم الله اللهم أعظم فيه البركة (ثم قال) لأبي طلحة (ائذن لعشرة) أي من أصحابه بالدخول لأن الإناء الذي فيه الطعام لا يتحلق عليه أكثر من عشرة إلا بعسر وضرر (فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال: ائنذن لعشرة فأذن لهم فأكل القوم) ولأبي ذر فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال: (ائذن لعشرة) فأكل القوم (كلهم وشبعوا والقوم سبعون أو ثمانون رجلاً) بالشك من الراوي وعند مسلم من رواية سعد بن سعيد ثم أخذ ما بقي فجمعه ثم دعا فيه بالبركة فعاد كما كان، ولا يخفى أن المراد من الحديث هنا قوله فأمر بالخبز ففت وعصرت أم سليم عكة لها فآدمته. وفي حديث أبي داود والترمذي بسند حسن عن يوسف بن عبد الله بن سلام رأيت النبي ﷺ أخذ كسرة من خبز شعير فوضع عليها تمرة وقال: هذه إدام هذه. قال ابن المنير: قصة أم سليم هذه ظاهرة المناسبة لأن السمن اليسير الذي فضل في قعر العكة لا تصطبغ به الأقراص التي فتتها وإنما غايته أن يصير في الخبز من طعم السمن فأشبه ما إذا خالط التمر عند الأكل ويؤخذ منه أن كل شيء يسمى عند الإطلاق إدامًا فإن الحالف أن لا يأتدم يحنث إذا أكله مع الخبز وهذا قول الجمهور.
والحديث علم من أعلام النبوّة وفيه منقبة لأم سليم وسبق في علامات النبوّة.
٢٣ - باب النِّيَّةِ فِى الأَيْمَانِ
(باب النية في الأيمان) بفتح الهمزة لا بالكسر.
٦٦٨٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِىَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
следующие страницы →