Полный текст (540 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
قَاضِي الْقُضَاةِ شَرَفُ الدِّينِ الْمُنَاوِيُّ، وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: بِالْعَوْدِ. وَأَفْتَى شَيْخُنَا الْبُلْقِينِيُّ، وَكَثِيرٌ: بِعَدَمِهِ. وَهُوَ الْمُتَّجِهُ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي تَنْزِيهِ النَّوَاظِرِ، فِي رِيَاضِ النَّاظِرِ لِلْإِسْنَوِيِّ مَا نَصُّهُ: الْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ عَلَى قَوْلِهِ: " مَا دَامَ كَذَا وَكَذَا " يَنْقَطِعُ بِزَوَالِ ذَلِكَ، وَإِنْ عَادَ.
مِثَالُهُ: إذَا حَلَفَ لَا يَصْطَاد مَا دَامَ الْأَمِيرُ فِي الْبَلَدِ. فَخَرَجَ الْأَمِير، ثُمَّ عَادَ، فَاصْطَادَ الْحَالِفُ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ ; لِأَنَّ الدَّوَامَ، قَدْ انْقَطَعَ بِخُرُوجِهِ، كَذَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَقِيَاسُهُ: أَنَّهُ إذَا وَقَفَ عَلَى زَيْدٍ ; مَا دَامَ فَقِيرًا، فَاسْتَغْنَى، ثُمَّ افْتَقَرَ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا.
[الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: هَلْ الْعِبْرَةُ بِالْحَالِ أَوْ بِالْمَآلِ]
ِ؟ " فِيهِ خِلَافٌ، وَالتَّرْجِيحُ مُخْتَلِفٌ، وَيُعَبَّرُ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِعِبَارَاتٍ:
مِنْهَا: مَا قَارَبَ الشَّيْءَ، هَلْ يُعْطَى حُكْمَهُ؟
وَالْمُشْرِفُ عَلَى الزَّوَالِ، هَلْ يُعْطَى حُكْمَ الزَّائِلِ؟
وَالْمُتَوَقَّعُ، هَلْ يُجْعَل كَالْوَاقِعِ؟
وَفِيهَا فُرُوعٌ: مِنْهَا: إذَا حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ غَدًا، فَأَتْلَفَهُ قَبْلَ الْغَدِ، فَهَلْ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ أَوْ حَتَّى يَجِيءَ الْغَدُ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ الْقَمِيصُ، بِحَيْثُ تَظْهَرُ مِنْهُ الْعَوْرَةُ عِنْدَ الرُّكُوعِ، وَلَا تَظْهَرُ عِنْدَ الْقِيَامِ فَهَلْ تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ ثُمَّ إذَا رَكَعَ تَبْطُلُ، أَوْ لَا تَنْعَقِدُ أَصْلًا؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
وَنَظِيرُهَا: لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُدَّةِ الْخُفِّ مَا يَسَعُ الصَّلَاةَ، فَأَحْرَمَ بِهَا، فَهَلْ تَنْعَقِدُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، الْأَصَحُّ: نَعَمْ.
وَفَائِدَةُ الصِّحَّةِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ: صِحَّةُ الِاقْتِدَاءِ بِهِ ثُمَّ مُفَارَقَتُهُ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى: صِحَّتُهَا إذَا أَلْقَى عَلَى عَاتِقِهِ ثَوْبًا قَبْلَ الرُّكُوعِ.
قَالَ صَاحِبُ الْمُعِينِ: وَيَنْبَغِي الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ فِيمَا إذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ; إذْ لَا رُكُوعَ فِيهَا.
وَمِنْهَا: مَنْ عَلَيْهِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَقْضِهَا حَتَّى بَقِيَ مِنْ شَعْبَانَ خَمْسَةُ أَيَّامٍ فَهَلْ يَجِبُ فِدْيَةُ مَا لَا يَسَعُهُ الْوَقْتُ فِي الْحَالِ، أَوْ لَا يَجِبُ، حَتَّى يَدْخُلَ رَمَضَانُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ وَشَبَّهَهُمَا الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، بِمَا إذَا حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ مَاءَ هَذَا الْكُوزِ غَدًا، فَانْصَبَّ قَبْلَ الْغَدِ.
стр. 177
وَقَالَ السُّبْكِيُّ: وَفِي هَذَا التَّشْبِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الصَّحِيحَ فِيمَا إذَا انْصَبَّ بِنَفْسِهِ. عَدَمُ الْحِنْثِ.
وَنَظِيرُهُ هُنَا: إذَا لَمْ يَزُلْ عُذْرُهُ إلَّا ذَلِكَ الْوَقْتَ. وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
فَيَجِبُ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا كَانَ التَّمَكُّنُ سَابِقًا، وَحِينَئِذٍ فَنَظِيرُهُ: أَنْ يَصُبَّ هُوَ الْمَاءَ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَفِي وَقْتِ حِنْثِهِ: الْوَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الَّذِي أَوْرَدَهُ ابْنُ كَجٍّ: أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إلَّا عِنْدَ مَجِيءِ الْغَدِ، وَعَلَى قِيَاسِهِ هُنَا: لَا يَلْزَمُ إلَّا بَعْدَ مَجِيءِ رَمَضَانَ.
وَمِنْهَا: لَوْ أَسْلَمَ فِيمَا يَعُمُّ وُجُودُهُ عِنْدَ الْمَحَلِّ، فَانْقَطَعَ قَبْلَ الْحُلُولِ، فَهَلْ يَتَنَجَّزُ حُكْمُ الِانْقِطَاعِ. وَهُوَ ثُبُوتُ الْخِيَارِ فِي الْحَالِ، أَوْ يَتَأَخَّرُ إلَى الْمَحَلِّ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي
وَمِنْهَا: لَوْ نَوَى فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ عَلَّقَ الْخُرُوجَ بِشَيْءٍ يُحْتَمَلُ حُصُولُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَهَلْ تَبْطُل فِي الْحَالِ، أَوْ حَتَّى تُوجَدَ الصِّفَةُ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
وَمِنْهَا: مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ يَحِلُّ قَبْلَ رُجُوعِهِ، فَهَلْ لَهُ السَّفَرُ ; إذْ لَا مُطَالَبَةَ فِي الْحَالِ أَوَّلًا، إلَّا بِإِذْنِ الدَّائِنِ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ فِي غَيْبَتِهِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
وَمِنْهَا: إذَا اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً أَشْرَفَتْ عَلَى الْحَيْضِ لِكَنْسِ الْمَسْجِدِ. جَازَ، وَإِنْ ظَنَّ طُرُوءَهُ، وَلِلْقَاضِي حُسَيْنٌ: احْتِمَالٌ بِالْمَنْعِ، كَالسِّنِّ الْوَجِيعَةِ، إذَا احْتَمَلَ زَوَالَ الْأَلَمِ.
وَالْفَرْقُ عَلَى الْأَصَحِّ: أَنَّ الْكَنْسَ فِي الْجُمْلَةِ جَائِزٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ طُرُوءِ الْحَيْضِ.
وَمِنْهَا: هَلْ الْعِبْرَةُ فِي مُكَافَأَةِ الْقِصَاصِ بِحَالِ الْجُرْح، أَوْ الزُّهُوقِ؟
وَمِنْهَا: هَلْ الْعِبْرَةُ فِي الْإِقْرَارِ لِلْوَارِثِ بِكَوْنِهِ وَارِثًا حَالَ الْإِقْرَارِ، أَوْ الْمَوْتِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، كَالْوَصِيَّةِ.
وَمِنْهَا: هَلْ الْعِبْرَةُ بِالثُّلُثِ الَّذِي يَتَصَرَّفُ فِيهِ الْمَرِيضُ بِحَالِ الْوَصِيَّةِ أَوْ الْمَوْتِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. وَمُقَابِلُهُ، قَاسَهُ عَلَى مَا لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِمَالِهِ.
وَمِنْهَا: هَلْ الْعِبْرَةُ فِي الصَّلَاةِ الْمَقْضِيَّةِ بِحَالِ الْأَدَاءِ، أَوْ الْقَضَاءِ؟ وَجْهَانِ يَأْتِيَانِ فِي بَحْثِهِ.
وَمِنْهَا، هَلْ الْعِبْرَةُ فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ بِحَالِ الْحَوْلِ أَوْ التَّعْجِيلِ.
؟ وَمِنْهَا، هَلْ الْعِبْرَةُ فِي الْكَفَّارَةِ الْمُرَتَّبَةِ بِحَالِ الْوُجُوبِ أَوْ الْأَدَاءِ؟ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
وَمِنْهَا: هَلْ الْعِبْرَة فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ، أَوْ الْبِدْعَةِ بِحَالِ الْوُقُوعِ أَوْ التَّعْلِيقِ؟ وَمِنْهَا: تَرْبِيَةُ جَرْوِ الْكَلْبِ لِمَا يُبَاحُ تَرْبِيَةُ الْكَبِيرِ لَهُ.
стр. 178
وَمِنْهَا: الْجَارِيَةُ الْمَبِيعَةُ، هَلْ يَجُوزُ وَطْؤُهَا بَعْدَ التَّرَافُعِ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ قَبْلَ التَّحَالُفِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، وَبَعْدَ التَّحَالُفِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِالْمَنْعِ.
وَمِنْهَا: لَوْ حَدَثَ فِي الْمَغْصُوب نَقْصٌ يَسْرِي إلَى التَّلَفِ، بِأَنْ جَعَلَ الْحِنْطَةَ هَرِيسَةً، فَهَلْ هُوَ كَالتَّالِفِ أَوْ لَا؟ بَلْ يَرُدُّهُ مَعَ أَرْشِ النَّقْصِ؟ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
تَنْبِيهٌ:
جُزِمَ بِاعْتِبَارِ الْحَالِ فِي مَسَائِلَ: مِنْهَا: إذَا وُهِبَ لِلطِّفْلِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَهُوَ مُعْسِرٌ وَجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ قَبُولُهُ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فِي الْحَالِ، فَكَانَ قَبُولُ هَذِهِ الْهِبَةِ تَحْصِيلَ خَيْرٍ، وَهُوَ الْعِتْقُ بِلَا ضَرَرٍ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى مَا لَعَلَّهُ يُتَوَقَّعُ مِنْ حُصُولِ يَسَارٍ لِلصَّبِيِّ، وَإِعْسَارٍ لِهَذَا الْقَرِيبِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَحَقَّقٍ أَنَّهُ آيِلٌ.
وَجُزِمَ بِاعْتِبَارِ الْمَآلِ فِي مَسَائِلَ: مِنْهَا: بَيْعُ الْجَحْشِ الصَّغِيرِ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ حَالًا لِتَوَقُّعِ النَّفْعِ بِهِ مَآلًا.
وَمِنْهَا: جَوَازُ التَّيَمُّمِ لِمَنْ مَعَهُ مَاءٌ يَحْتَاجُ إلَى شُرْبِهِ فِي الْمَآلِ، لَا فِي الْحَالِ.
وَمِنْهَا: الْمُسَاقَاةُ عَلَى مَا لَا يُثْمِر فِي السَّنَةِ، وَيُثْمِرُ بَعْدَهَا جَائِزٌ بِخِلَافِ إجَارَةِ الْجَحْشِ الصَّغِيرِ ; لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْإِجَارَةِ تَعْجِيلُ الْمَنْفَعَةِ، وَلَا كَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ، إذْ تَأَخُّرُ الثِّمَارِ مُحْتَمَلٌ فِيهَا.
كَذَا فَرَّقَ الرَّافِعِيُّ قَالَ ابْنُ السُّبْكِيُّ: وَبِهِ يَظْهَر لَك أَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمُشْتَرَطَةَ فِي الْبَيْعِ غَيْرُ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْإِجَارَةِ، إذْ تِلْكَ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهَا حَالًا أَوْ مَآلًا، وَلَا كَذَلِكَ الْإِجَارَةُ.
[تَنْبِيهٌ: يَلْتَحِقُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ قَاعِدَةُ تَنْزِيلِ الِاكْتِسَابِ مَنْزِلَةَ الْمَالِ الْحَاضِرِ]
تَنْبِيهٌ:
يَلْتَحِقُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ قَاعِدَةُ " تَنْزِيلِ الِاكْتِسَابِ مَنْزِلَةَ الْمَالِ الْحَاضِرِ " وَفِيهَا فُرُوعٌ: مِنْهَا: فِي الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ، قَطَعُوا بِأَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْكَسْبِ كَوَاجِدِ الْمَالِ.
وَمِنْهَا: فِي سَهْمِ الْغَارِمِينَ، هَلْ يُنَزَّلُ الِاكْتِسَابُ مَنْزِلَةَ الْمَالِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، الْأَشْبَهُ: لَا وَفَارَقَ الْفَقِيرَ وَالْمِسْكِينَ بِأَنَّ الْحَاجَةَ تَتَجَدَّدُ كُلَّ وَقْتٍ، وَالْكَسْبُ يَتَجَدَّدُ كَذَلِكَ، وَالْغَارِمُ مُحْتَاجٌ إلَى وَفَاءِ دَيْنِهِ الْآنَ، وَكَسْبُهُ مُتَوَقَّعٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
وَمِنْهَا: الْمُكَاتَبُ إذَا كَانَ كَسُوبًا، هَلْ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاة؟ فِيهِ وَجْهَانِ. الْأَصَحُّ: نَعَمْ، كَالْغَارِمِ.
وَمِنْهَا: إذَا حُجِرَ عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ، أُنْفِقَ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ مَالِهِ إلَى أَنْ يُقْسَمَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ كَسُوبًا.
стр. 179
وَمِنْهَا: إذَا قُسِمَ مَالُهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَبَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَكَانَ كَسُوبًا، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْكَسْبُ لِوَفَاءِ الدَّيْنِ.
قَالَ الْفَرَاوِيُّ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ لَزِمَهُ بِسَبَبٍ هُوَ عَاصٍ بِهِ، كَإِتْلَافِ مَالِ إنْسَانٍ عُدْوَانًا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَكْتَسِبَ لِوَفَائِهِ ; لِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْهُ وَاجِبَةٌ وَمِنْ شُرُوطِهَا: إيصَالُ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ فَيَلْزَمُهُ التَّوَصُّلُ إلَيْهِ، حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَوَائِدِ رِحْلَتِهِ وَمِنْهَا: مَنْ لَهُ أَصْلٌ وَفَرْعٌ وَلَا مَالَ لَهُ، هَلْ يَلْزَمُهُ الِاكْتِسَابُ لِلْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا، كَمَا لَا يَجِب لِوَفَاءِ الدَّيْنِ، وَالْأَصَحُّ: نَعَمْ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إحْيَاءُ نَفْسِهِ بِالْكَسْبِ، فَكَذَلِكَ إحْيَاءُ بَعْضِهِ.
وَفِي التَّتِمَّةِ: أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفَقَةِ الْأُصُولِ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفَقَةِ الْفُرُوعِ فَيَجِبُ الِاكْتِسَابُ قَطْعًا ; لِأَنَّ نَفَقَةَ الْأُصُولِ سَبِيلُهَا سَبِيلُ الْمُوَاسَاةِ، فَلَا تَكَلُّفَ أَنْ يَكْتَسِبَ لِيَصِيرَ مِنْ أَهْل الْمُوَاسَاةِ، وَنَفَقَةُ الْفُرُوعِ بِسَبَبِ حُصُولِ الِاسْتِمْتَاعِ، فَأُلْحِقَتْ بِالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ لِلِاسْتِمْتَاعِ وَهِيَ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هَذَا ذَهَابٌ إلَى الْقَطْعِ بِوُجُوبِ الِاكْتِسَابِ لِنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ ; وَهُوَ الظَّاهِرُ لَكِنْ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ: أَنَّ فِيهَا وَجْهَيْنِ مُرَتَّبَيْنِ عَلَى وُجُوبِ الِاكْتِسَابِ لِنَفَقَةِ الْقَرِيبِ، وَهِيَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ ; لِالْتِحَاقِهَا بِالدُّيُونِ.
وَمِنْهَا: الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْ أَصْلٍ وَفَرْعٍ لَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الِاكْتِسَابِ فَهَلْ يُكَلَّفُ بِهِ، وَلَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ؟ أَقْوَالٌ. أَصَحُّهَا: لَا يُكَلَّفُهَا الْأَصْلُ ; لِعِظَمِ حُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ فَتَجِب نَفَقَتُهُ، بِخِلَافِ الْفَرْعِ.
وَالثَّانِي: يُكَلَّفَانِ ; لِأَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْكَسْبِ مُسْتَغْنٍ عَنْ أَنْ يَحْمِلَ غَيْرُهُ كُلَّهُ.
وَالثَّالِثُ: لَا يُكَلَّفَانِ، وَتَجِبُ نَفَقَتُهُمَا إذْ يَقْبُحُ أَنْ يُكَلِّفَ الْإِنْسَانُ قَرِيبَهُ الْكَسْبَ مَعَ اتِّسَاعِ مَالِهِ.
وَمِنْهَا: إذَا كَانَ الْأَبُ قَادِرًا عَلَى كَسْبِ مَهْرِ حُرَّةٍ، أَوْ ثَمَنِ سُرِّيَّةٍ لَا يَجِبُ إعْفَافُهُ. وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْمَالِ الْحَاضِرِ. قَالَهُ الشَّيْخ أَبُو عَلِيٍّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي النَّفَقَةِ.
وَمِنْهَا: لَوْ أَجَّرَ السَّفِيهُ نَفْسَهُ، هَلْ يَبْطُلُ، كَبَيْعِهِ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ؟ حَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ الْعَبَّادِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ وَفِي الْحَاوِي: إنْ آجَرَ نَفْسَهُ فِيمَا هُوَ مَقْصُودٌ مِنْ عَمَلِهِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ صَانِعًا، وَعَمَلُهُ مَقْصُودٌ فِي كَسْبِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَيَتَوَلَّى الْعَقْدَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُ مَقْصُودٍ، مِثْلَ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ فِي حَجٍّ، أَوْ وَكَالَةٍ فِي عَمَلٍ صَحَّ ; لِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يَتَطَوَّعَ عَنْ غَيْرِهِ بِعَمَلِهِ، فَأَوْلَى أَنْ يَجُوزَ بِعِوَضٍ، كَمَا قَالُوا: يَصِحُّ خَلْعُهُ ; لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ مَجَّانًا، فَبِالْعِوَضِ أَوْلَى انْتَهَى.
стр. 180
[تَنْبِيهٌ: قَاعِدَةُ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ هَلْ يُعْطَى حُكْمُهُ]
تَنْبِيهٌ:
وَأَعَمُّ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: قَاعِدَةُ " مَا قَارَبَ الشَّيْءَ هَلْ يُعْطَى حُكْمُهُ؟ " وَفِيهِ فُرُوعٌ: مِنْهَا - غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ - الدُّيُونُ الْمُسَاوِيَةُ لِمَالِ الْمُفْلِسِ: هَلْ تُوجِبُ الْحَجْرَ عَلَيْهِ؟ وَجْهَانِ، الْأَصَحُّ: لَا وَفِي الْمُقَارَبَةِ لِلْمُسَاوَاةِ الْوَجْهَانِ، وَأَوْلَى بِالْمَنْعِ. وَمِنْهَا: الدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الْحَامِلُ حَالَ الطَّلْقِ، لَيْسَ بِنِفَاسٍ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَمِنْهَا: لَا يَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ مَا فِي يَدِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَوَجْهُ مُقَابِلِهِ أَنَّهُ قَارَبَ الْعِتْقَ.
[الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: إذَا بَطَلَ الْخُصُوصُ هَلْ يَبْقَى الْعُمُومُ]
ُ؟ " فِيهِ خِلَافٌ. وَالتَّرْجِيحُ مُخْتَلِفٌ فِي الْفُرُوعِ:
فَمِنْهَا: إذَا تَحَرَّمَ بِالْفَرْضِ، فَبَانَ عَدَمُ دُخُولِ الْوَقْتِ، بَطَلَ خُصُوصُ كَوْنِهَا ظُهْرًا مَثَلًا. وَتَبْقَى نَفْلًا فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا: لَوْ نَوَى بِوُضُوئِهِ الطَّوَافَ - وَهُوَ بِغَيْرِ مَكَّةَ - فَالْأَصَحُّ: الصِّحَّةُ، إلْغَاءً لِلصِّفَةِ.
وَمِنْهَا: لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ بَطَلَ، وَبَقِيَ أَصْلُ الْإِحْرَامِ، فَيَنْعَقِدُ عُمْرَةً فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا: لَوْ عَلَّقَ الْوَكَالَةَ بِشَرْطٍ فَسَدَتْ، وَجَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ، لِعُمُومِ الْإِذْنِ فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا: لَوْ تَيَمَّمَ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهِ: فَالْأَصَحُّ الْبُطْلَانُ، وَعَدَمُ اسْتِبَاحَةِ النَّفْلِ بِهِ.
وَمِنْهَا: لَوْ وَجَدَ الْقَاعِدُ خِفَّةً فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَقُمْ بَطَلَتْ. وَلَا يُتِمُّ نَفْلًا فِي الْأَظْهَرِ.
تَنْبِيهٌ:
جُزِمَ بِبَقَائِهِ فِي صُوَرٍ: مِنْهَا: إذَا أَعْتَقَ مَعِيبًا عَنْ كَفَّارَةٍ، بَطَلَ كَوْنُهُ كَفَّارَةً، وَعَتَقَ جَزْمًا.
وَمِنْهَا: لَوْ أَخْرَجَ زَكَاةَ مَالِهِ الْغَائِبِ، فَبَانَ تَالِفًا، وَقَعَتْ تَطَوُّعًا قَطْعًا.
وَجَزَمَ بِعَدَمِهِ فِي صُوَرٍ:
مِنْهَا: لَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ، فَلَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ قَطْعًا، لَا صَحِيحًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، وَلَا فَاسِدًا ; لِعَدَمِ إذْنِ الشَّرْعِ فِيهِ.
وَمِنْهَا: لَوْ أَحْرَمَ بِصَلَاةِ الْكُسُوفِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ الِانْجِلَاءُ قَبْلَ تَحَرُّمِهِ بِهَا. لَمْ تَنْعَقِدْ نَفْلًا قَطْعًا، لِعَدَمِ نَفْلٍ عَلَى هَيْئَتِهَا، حَتَّى يَنْدَرِجَ فِي نِيَّتِهِ.
وَمِنْهَا: لَوْ أَشَارَ إلَى ظَبْيَةٍ. وَقَالَ: هَذِهِ أُضْحِيَّةٌ لَغَا وَلَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِهَا قَطْعًا، قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
стр. 181
[الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الْحَمْلُ هَلْ يُعْطَى حُكْمَ الْمَعْلُومِ أَوْ الْمَجْهُولِ]
ِ؟ " فِيهِ خِلَافٌ: وَالتَّرْجِيحُ مُخْتَلِفٌ فِي الْفُرُوعِ:
فَمِنْهَا: بَيْعُ الْحَامِلِ إلَّا حَمْلَهَا، فِيهِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: لَا يَصِحُّ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مَجْهُولٌ.
وَاسْتِثْنَاءُ الْمَجْهُولِ مِنْ الْمَعْلُومِ يُصَيِّرُ الْكُلَّ مَجْهُولًا.
وَمِنْهَا: بَيْعُ الْحَامِلِ بِحُرٍّ، وَفِيهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْبُطْلَانُ ; لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى شَرْعًا، وَهُوَ مَجْهُولٌ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: بِعْتُك الْجَارِيَةَ أَوْ الدَّابَّةَ أَوْ حَمْلَهَا أَوْ بِحَمْلِهَا أَوْ مَعَ حَمْلِهَا، وَفِيهِ وَجْهَانِ. الْأَصَحُّ: الْبُطْلَانُ أَيْضًا لِمَا تَقَدَّمَ.
وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَهَا بِشَرْطِ أَنَّهَا حَامِلٌ، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْبُطْلَانُ ; لِأَنَّهُ شَرَطَ مَعَهَا شَيْئًا مَجْهُولًا وَأَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مَعْلُومٌ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ أَوْجَبَ الْحَوَامِلَ فِي الدِّيَةِ.
وَمِنْهَا: هَلْ لِلْبَائِعِ حَبْسُ الْوَلَدِ إلَى اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ؟ وَهَلْ يَسْقُطُ مِنْ الثَّمَنِ حِصَّتُهُ، لَوْ تَلِفَ قَبْلَ الْقَبْضِ؟ وَهَلْ لِلْمُشْتَرِي بَيْعُ الْوَلَدِ قَبْلَ الْقَبْضِ؟ الْأَصَحُّ نَعَمْ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَلَا فِي الثَّالِثَةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُعْلَمُ، وَيُقَابِلُهُ قِسْطُ مِنْ الثَّمَنِ.
وَمِنْهَا: لَوْ حَمَلَتْ أَمَةُ الْكَافِرِ الْكَافِرَةُ مِنْ كَافِرٍ فَأَسْلَمَ فَالْحَمْلُ مُسْلِمٌ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُؤْمَرَ مَالِكُ الْأَمَةِ الْكَافِرَة بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْ الْأُمِّ إنْ قُلْنَا، الْحَمْلُ يُعْطَى حُكْمَ الْمَعْلُومِ، قَالَهُ فِي الْبَحْرِ وَمِنْهَا: الْإِجَازَةُ لِلْحَمْلِ وَالْأَظْهَرُ كَمَا قَالَ الْعِرَاقِيُّ الْجَوَازُ ; بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مَعْلُومٌ.
تَنْبِيهٌ:
جُزِمَ بِإِعْطَائِهِ حُكْمَ الْمَجْهُولِ فِيمَا إذَا بِيعَ وَحْدَهُ، فَلَا يَصِحُّ قَطْعًا وَبِإِعْطَائِهِ حُكْمَ الْمَعْلُومِ فِي الْوَصِيَّةِ لَهُ، أَوْ الْوَقْفِ عَلَيْهِ فَيَصِحَّانِ قَطْعًا.
[الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: النَّادِرُ هَلْ يُلْحَقُ بِجِنْسِهِ أَوْ بِنَفْسِهِ]
ِ؟ " فِيهِ خِلَافٌ، وَالتَّرْجِيحُ مُخْتَلِفٌ فِي الْفُرُوعِ: فَمِنْهَا: مَسُّ الذَّكَرِ الْمُبَانِ فِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَنْقُضُ ; لِأَنَّهُ يُسَمَّى ذَكَرًا.
وَمِنْهَا: لَمْسُ الْعُضْوِ الْمُبَانِ مِنْ الْمَرْأَةِ، فِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا عَدَمُ النَّقْضِ ; لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى امْرَأَةً، وَالنَّقْضُ مَنُوطٌ بِلَمْسِ الْمَرْأَةِ.
وَمِنْهَا: النَّظَرُ إلَى الْعُضْوِ الْمُبَانِ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: التَّحْرِيمُ.
وَوَجْهٌ مُقَابِلُهُ: نُدُورُ كَوْنِهِ مَحَلَّ فِتْنَةٍ، وَالْخِلَافُ جَارٍ فِي قُلَامَةِ الظُّفْرِ.
стр. 182
وَمِنْهَا: لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ، فَأَكَلَ الْمَيْتَةَ فَفِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ النَّوَوِيِّ: عَدَمُ الْحِنْثِ. وَيَجْرِيَانِ فِيمَا لَوْ أَكَلَ مَا لَا يُؤْكَلُ، كَذِئْبٍ وَحِمَارٍ.
وَمِنْهَا: الِاكْتِسَابُ النَّادِرُ، كَالْوَصِيَّةِ وَاللُّقَطَةِ وَالْهِبَةِ: هَلْ تَدْخُل فِي الْمُهَايَأَةِ فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ، وَجْهَانِ: الْأَصَحُّ نَعَمْ.
وَمِنْهَا: جِمَاعُ الْمَيِّتَةِ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْغَسْلَ، وَالْكَفَّارَةَ عَنْ إفْسَادِ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَلَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَلَا إعَادَةَ غُسْلِهَا، عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِمَا، وَلَا الْمَهْرَ.
وَمِنْهَا: يُجْزِئُ الْحَجَرُ فِي الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا: يَبْقَى الْخِيَارُ لِلْمُتَبَايِعِينَ إذَا دَامَا أَيَّامًا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا: فِي جَرَيَانِ الرِّبَا فِي الْفُلُوسِ إذَا رَاجَتْ رَوَاجَ النُّقُودِ. وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: لَا.
وَمِنْهَا: مَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ فِي شَرْطِ الْخِيَارِ. فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَجُوزُ.
تَنْبِيهٌ:
جُزِمَ بِالْأَوَّلِ فِي صُوَرٍ: مِنْهَا: مَنْ خُلِقَ لَهُ وَجْهَانِ لَمْ يَتَمَيَّزْ الزَّائِدُ مِنْهُمَا، يَجِبُ غَسْلُهُمَا قَطْعًا.
وَمَنْ خُلِقَتْ بِلَا بَكَارَةٍ، لَهَا حُكْمُ الْأَبْكَارِ، قَطْعًا.
وَمَنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلَحْظَتَيْنِ مِنْ الْوَطْءِ يُلْحَقُ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ نَادِرًا.
وَجُزِمَ بِالثَّانِي فِي صُوَرٍ: مِنْهَا: الْأُصْبُعُ الزَّائِدَةُ، لَا تَلْحَقُ بِالْأَصْلِيَّةِ فِي الدِّيَةِ قَطْعًا، وَكَذَا سَائِرُ الْأَعْضَاءِ.
[الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: الْقَادِرُ عَلَى الْيَقِينِ هَلْ لَهُ الِاجْتِهَادُ وَالْأَخْذُ بِالظَّنِّ]
فِيهِ خِلَافُ، وَالتَّرْجِيحُ مُخْتَلِفُ فِي الْفُرُوعِ:
فَمِنْهَا: مَنْ مَعَهُ إنَاءَانِ، أَحَدُهُمَا نَجِسٌ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى يَقِينِ الطَّهَارَةِ بِكَوْنِهِ عَلَى الْبَحْرِ، أَوْ عِنْدَهُ ثَالِثٌ طَاهِرٌ، أَوْ يَقْدِرُ عَلَى خَلْطِهِمَا وَهُمَا قُلَّتَانِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ الِاجْتِهَادُ.
وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ، أَحَدُهُمَا نَجِسٌ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى طَاهِرٍ بِيَقِينٍ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ الِاجْتِهَادَ.
وَمِنْهَا: مَنْ شَكَّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَمْكِينِ الْوَقْتِ، أَوْ الْخُرُوجِ مِنْ الْبَيْتِ الْمُظْلِمِ لِرُؤْيَةِ الشَّمْسِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ الِاجْتِهَادَ.
وَمِنْهَا: الصَّلَاةُ إلَى الْحَجَرِ، الْأَصَحُّ: عَدَمُ صِحَّتِهَا إلَى الْقَدْرِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ.
стр. 183
وَسَبَبُهُ: اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ، فَفِي لَفْظٍ «الْحَجَرُ مِنْ الْبَيْتِ» وَفِي لَفْظٍ «سَبْعَةُ أَذْرُعٍ» ، وَفِي آخَرَ «سِتَّةٌ» وَفِي آخَرَ «خَمْسَةٌ» وَالْكُلُّ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، فَعَدَلْنَا عَنْهُ إلَى الْيَقِينِ، وَهُوَ الْكَعْبَةُ
وَذُكِرَ مِنْ فُرُوعِهَا أَيْضًا: الِاجْتِهَادُ بِحَضْرَتِهِ ﷺ وَفِي زَمَانِهِ، وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ.
تَنْبِيهٌ:
جُزِمَ بِالْمَنْعِ فِيمَا إذَا وَجَدَ الْمُجْتَهِدُ نَصًّا، فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ إلَى الِاجْتِهَادِ جَزْمًا، وَفِي الْمَكِّيِّ لَا يُجْتَهَدُ فِي الْقِبْلَةِ جَزْمًا.
وَفُرِّقَ بَيْنَ الْقِبْلَةِ وَالْأَوَانِي: بِأَنَّ فِي الْإِعْرَاضِ عَنْ الِاجْتِهَادِ فِي الْآنِيَةِ إضَاعَةَ مَالٍ، وَبِأَنَّ الْقِبْلَةَ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، فَطَلَبُهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا فِي غَيْرِهَا عَبَثٌ، وَالْمَاءُ جِهَاتُهُ مُتَعَدِّدَةٌ.
وَجُزِمَ بِالْجَوَازِ، فِيمَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ لَبَنٌ طَاهِرٌ وَمُتَنَجِّسٌ، وَمَعَهُ ثَالِثٌ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ، وَلَا اضْطِرَارَ، فَإِنَّهُ مُجْتَهِدٌ بِلَا خِلَافِ، نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
[الْقَاعِدَةُ الْعِشْرُونَ: الْمَانِعُ الطَّارِئُ هَلْ هُوَ كَالْمُقَارِنِ]
ِ؟ " فِيهِ خِلَافٌ، وَالتَّرْجِيحُ مُخْتَلِفٌ فِي الْفُرُوعِ: فَمِنْهَا: طَرَيَانُ الْكَثْرَةِ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ وَالشِّفَاءِ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَالرِّدَّةِ عَلَى الْإِحْرَامِ، وَقَصْدُ الْمَعْصِيَةِ عَلَى سَفْرِ الطَّاعَةِ وَعَكْسِهِ، وَالْإِحْرَامُ عَلَى مِلْكِ الصَّيْدِ وَأَحَدُ الْعُيُوبِ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَالْحُلُولُ عَلَى دَيْنِ الْمُفْلِسِ الَّذِي كَانَ مُؤَجَّلًا، وَمِلْكُ الْمُكَاتَبِ زَوْجَةَ سَيِّدِهِ، وَالْوَقْفُ عَلَى الزَّوْجَةِ، أَعْنِي إذَا وُقِفَتْ زَوْجَتُهُ عَلَيْهِ وَالْأَصَحُّ فِي الْكُلِّ: أَنَّ الطَّارِئَ كَالْمُقَارِنِ، فَيُحْكَمُ لِلْمَاءِ بِالطَّهُورِيَّةِ وَلِلصَّلَاةِ وَالْإِحْرَامِ بِالْإِبْطَالِ، وَلِلْمُسَافِرِ بِعَدَمِ التَّرَخُّصِ فِي الْأُولَى، وَبِالتَّرَخُّصِ فِي الثَّانِيَةِ، وَبِإِزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْ الصَّيْدَ، وَبِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ لِلزَّوْجِ، وَبِرُجُوعِ الْبَائِعِ فِي عَيْنِ مَالِهِ، وَبِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ فِي شِرَاءِ الْمُكَاتَبِ وَالْمَوْقُوفَةِ، كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ مَنْ وُقِفَتْ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً.
وَمِنْهَا: طَرَيَانُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَنِيَّةُ التِّجَارَةِ بَعْدَ الشِّرَاءِ، وَمِلْكُ الِابْنِ عَلَى زَوْجَةِ الْأَبِ، وَالْعِتْقُ عَلَى مَنْ نَكَحَ جَارِيَةَ وَلَدِهِ، وَالْيَسَارُ وَنِكَاحُ الْحُرَّةِ عَلَى حُرٍّ نَكَحَ أَمَةً، وَمِلْكُ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا بَعْدَ الدُّخُولِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَهْرِ، وَمِلْكُ الْإِنْسَانِ عَبْدًا لَهُ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنٌ، وَالْإِحْرَامُ عَلَى الْوَكِيلِ فِي النِّكَاحِ، وَالِاسْتِرْقَاقُ عَلَى حَرْبِيٍّ اسْتَأْجَرَهُ مُسْلِمٌ، وَالْعِتْقُ عَلَى عَبْدٍ آجَرَهُ سَيِّدُهُ مُدَّةً.
وَالْأَصَحُّ فِي الْكُلِّ أَنَّ الطَّارِئَ لَيْسَ كَالْمُقَارِنِ، فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ وَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ، وَلَا
стр. 184
يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ فِي الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ، وَلَا يَسْقُطُ الْمَهْرُ وَالدَّيْنُ عَنْ ذِمَّةِ الْعَبْدِ، وَلَا تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ، وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ.
تَنْبِيهٌ:
جُزِمَ بِأَنَّ الطَّارِئَ كَالْمُقَارِنِ، فِي صُوَرٍ: مِنْهَا: طَرَيَانُ الْكَثْرَةِ عَلَى الْمَاءِ النَّجِسِ، وَالرَّضَاعُ الْمُحَرَّمُ، وَالرِّدَّةُ عَلَى النِّكَاحِ، وَوَطْءُ الْأَبِ أَوْ الِابْنِ أَوْ الْأُمِّ أَوْ الْبِنْتِ بِشُبْهَةٍ، وَمِلْكُ الزَّوْجِ الزَّوْجَةَ أَوْ عَكْسُهُ، وَالْحَدَثُ الْعَمْدُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَنِيَّةُ الْقِنْيَةِ عَلَى عُرُوضِ التِّجَارَةِ وَأَحَدُ الْعُيُوبِ عَلَى الزَّوْجِ.
وَجُزِمَ بِخِلَافِهِ فِي صُوَرٍ:
مِنْهَا: طَرَيَانُ الْإِحْرَامِ، وَعِدَّةُ الشُّبْهَةِ، وَأَمْنُ الْعَنَتِ عَلَى النِّكَاحِ، وَالْإِسْلَامُ عَلَى السَّبْيِ، فَلَا يُزِيلُ الْمِلْكَ، وَوِجْدَانُ الرَّقَبَةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ، وَالْإِبَاقُ، وَمُوجِبُ الْفَسَادِ عَلَى الرَّهْنِ، وَالْإِغْمَاءُ عَلَى الِاعْتِكَافِ، وَالْإِسْلَامُ عَلَى عَبْدِ الْكَافِرِ فَلَا يُزِيلُ الْمِلْكَ، بَلْ يُؤْمَرُ بِإِزَالَتِهِ، وَدُخُولُ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ عَلَى التَّيَمُّمِ لَا يُبْطِلُهُ بِلَا خِلَافٍ ; وَلَوْ تَيَمَّمَ فِيهِ لَلنَّفْلِ لَمْ يَصِحَّ.
خَاتِمَةٌ:
يُعَبَّرُ عَنْ أَحَدِ شِقَّيْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِقَاعِدَةِ: " يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ "
وَلَهُمْ قَاعِدَةٌ عَكْسُ هَذِهِ، وَهِيَ: " يُغْتَفَر فِي الِابْتِدَاءِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ ".
وَمِنْ فُرُوعِهَا: إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ، فَنَزَعَ فِي الْحَالِ صَحَّ صَوْمَهُ.
وَلَوْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ أَبْطَلَهُ.
وَمِنْهَا: لَوْ أَحْرَمَ مُجَامِعًا بِحَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَأَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: يَنْعَقِدُ صَحِيحًا.
وَبِهِ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ، وَأَقَرَّهُ فِي الرَّوْضَةِ.
فَإِنْ نَزَعَ فِي الْحَالِ اسْتَمَرَّ، وَإِلَّا فَسَدَ نُسُكُهُ، وَعَلَيْهِ الْبَدَنَةُ وَالْقَضَاءُ وَالْمُضِيُّ فِي الْفَاسِدِ.
فَعَلَى هَذَا اُغْتُفِرَ الْجِمَاعُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ. وَلَمْ يُغْتَفَرْ فِي أَثْنَائِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَنْعَقِدُ أَصْلًا وَهُوَ الْأَصَحُّ فِي زَوَائِدَ الرَّوْضَةِ.
وَالثَّالِثُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا، فَإِنْ نَزَعَ فِي الْحَالِ لَمْ تَجِبْ الْبَدَنَةُ، وَإِنْ مَكَثَ وَجَبَتْ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّوْمِ أَنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ بِخِلَافِ إنْشَاءِ الْإِحْرَامِ.
стр. 185
وَمِنْهَا: الْجُنُونُ، لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْأَجَلِ، فَيَجُوزُ لَوَلِيِّهِ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ شَيْئًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، وَيَمْنَعُ دَوَامَهُ عَلَى قَوْلٍ، صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ فَيَحِلُّ عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ إذَا جُنَّ، وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ خِلَافُهُ، وَمِنْهَا - وَهِيَ أَجَلُّ مِمَّا تَقَدَّمَ -: الْفِطْرَةُ، لَا يُبَاعُ فِيهَا الْمَسْكَنُ وَالْخَادِمُ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: هَذَا فِي الِابْتِدَاءِ، فَلَوْ ثَبَتَتْ الْفِطْرَةُ فِي ذِمَّةِ إنْسَانٍ بِعْنَا خَادِمَهُ وَمَسْكَنَهُ فِيهَا ; لِأَنَّهَا بَعْدَ الثُّبُوتِ الْتَحَقَتْ بِالدُّيُونِ.
وَمِنْهَا: إذَا مَاتَ لِلْمُحْرِمِ قَرِيبٌ وَفِي مِلْكِهِ صَيْدٌ، وَرِثَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، ثُمَّ يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ عَلَى الْفَوْرِ.
وَمِنْهَا: الْوَصِيَّةُ بِمِلْكِ الْغَيْرِ، الرَّاجِحِ صِحَّتُهَا حَتَّى إذَا مَلَكَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَخَذَهُ الْمُوصَى لَهُ.
وَلَوْ أَوْصَى بِمَا يَمْلِكهُ ثُمَّ أَزَالَ الْمِلْكَ فِيهِ، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، كَذَا جَزَمُوا بِهِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تَبْقَى الْوَصِيَّةُ بِحَالِهَا، فَإِنْ عَادَ إلَى مِلْكِهِ أَعْطَيْنَاهُ الْمُوصَى لَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ حَالَ الْوَصِيَّةِ، بَلْ الصِّحَّةُ هُنَا أَوْلَى. انْتَهَى.
وَعَلَى مَا جَزَمُوا بِهِ، قَدْ اُغْتُفِرَ فِي الِابْتِدَاءِ مَا لَمْ يُغْتَفَرْ فِي الدَّوَامِ.
وَمِنْهَا: إذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يُجَامِع زَوْجَتَهُ، لَمْ يُمْنَع مِنْ إيلَاجِ الْحَشَفَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيُمْنَع مِنْ الِاسْتِمْرَارِ ; لِأَنَّهَا صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً.
[الْكِتَابُ الرَّابِعُ: فِي أَحْكَامٍ يَكْثُرُ دَوْرَهَا وَيَقْبَحُ بِالْفَقِيهِ جَهْلُهَا]
[الْقَوْلُ فِي النَّاسِي وَالْجَاهِلِ وَالْمُكْرَهِ]
الْكِتَابُ الرَّابِعُ فِي أَحْكَامٍ يَكْثُرُ دَوْرُهَا وَيَقْبَحُ بِالْفَقِيهِ جَهْلُهَا " الْقَوْلُ فِي النَّاسِي، وَالْجَاهِلِ، وَالْمُكْرَهِ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِهِ بِلَفْظِ «تَجَاوَزَ» بَدَلَ «وَضَعَ» . وَأَخْرَجَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْفَضْلُ بْنُ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيُّ فِي فَوَائِدِهِ مِنْ حَدِيثِهِ، بِلَفْظِ «رَفَعَ»
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ الْهُذَلِيِّ عَنْ شَهْرٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَأَخْرَجَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ.
стр. 186
وَأَخْرَجَهُ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، بِلَفْظِ «وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي» إلَى آخِره. وَإِسْنَادُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ صَحِيحٌ
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي التَّارِيخِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ، بِلَفْظِ: «رَفَعَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَالْأَمْرَ يُكْرَهُونَ عَلَيْهِ» .
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَنْ ثَلَاثٍ: الْخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَالِاسْتِكْرَاهِ» . قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلْحَسَنِ، فَقَالَ: أَجَلْ، أَمَا تَقْرَأُ بِذَلِكَ قُرْآنًا، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَأَبُو بَكْر ضَعِيفٌ، وَكَذَا شَهْرٌ. وَأُمّ الدَّرْدَاءِ إنْ كَانَتْ الصُّغْرَى، فَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ وَإِنْ كَانَتْ الْكُبْرَى فَهُوَ مُنْقَطِعٌ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ عَفَا لَكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ الْخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اُسْتُكْرِهْتُمْ عَلَيْهِ» . وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ حِبَّانَ الْعُطَارِدِيُّ. عَنْ الْحَسَنِ قَالَ سَمِعَتْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَجَاوَزَ اللَّهُ لِابْنِ آدَمَ عَمَّا أَخْطَأَ، وَعَمَّا نَسِيَ، وَعَمَّا أُكْرِهَ، وَعَمَّا غُلِبَ عَلَيْهِ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا تُوَسْوِسُ بِهِ صُدُورُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ، فَهَذِهِ شَوَاهِدُ قَوِيَّةٌ تَقْضِي لِلْحَدِيثِ بِالصِّحَّةِ:
اعْلَمْ أَنَّ قَاعِدَةُ الْفِقْهِ: أَنَّ النِّسْيَانَ وَالْجَهْلَ، مُسْقِطٌ لِلْإِثْمِ مُطْلَقًا
وَأَمَّا الْحُكْمُ: فَإِنْ وَقَعَا فِي تَرْكِ مَأْمُورٍ لَمْ يَسْقُطْ. بَلْ يَجِبُ تَدَارُكُهُ. وَلَا يَحْصُلُ الثَّوَابُ لِمُتَرَتِّبٍ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الِائْتِمَارِ، أَوْ فِعْلٍ مَنْهِيٍّ، لَيْسَ مِنْ بَابِ الْإِتْلَافِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، أَوْ فِيهِ إتْلَافٌ لَمْ يَسْقُطْ الضَّمَانُ. فَإِنْ كَانَ يُوجِبُ عُقُوبَةً كَانَ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِهَا.
وَخَرَجَ عَنْ ذَلِكَ صُوَرٌ نَادِرَةٌ، فَهَذِهِ أَقْسَامٌ.
فَمِنْ فُرُوعِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ صَوْمًا أَوْ حَجًّا، أَوْ زَكَاةً، أَوْ كَفَّارَةً، أَوْ نَذْرًا: وَجَبَ تَدَارُكُهُ بِالْقَضَاءِ بِلَا خِلَافٍ.
وَكَذَا لَوْ وَقَفَ بِغَيْرِ عَرَفَة يَجِبُ الْقَضَاءُ اتِّفَاقًا.
وَمِنْهَا: مَنْ نَسِيَ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ
стр. 187
أَوْ نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ، فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ ذَكَرَهُ.
أَوْ صَلَّى بِنَجَاسَةٍ لَا يُعْفَى عَنْهَا نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا بِهَا.
أَوْ نَسِيَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ فِي الْمَاءِ، وَالْقِبْلَةِ، وَالثَّوْبِ وَقْتَ الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْوُقُوفِ، بِأَنْ بَانَ وُقُوعُهَا قَبْلَهُ، أَوْ صَلَّوْا لِسَوَادٍ ظَنُّوهُ عَدُوًّا، فَبَانَ خِلَافُهُ، أَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَى مَنْ ظَنَّهُ فَقِيرًا فَبَانَ غَنِيًّا، أَوْ اسْتَنَابَ فِي الْحَجِّ لِكَوْنِهِ مَعْضُوبًا. فَبَرَأَ.
وَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا خِلَافٌ: قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: بَعْضُهُ كَبَعْضٍ، وَبَعْضُهُ مُرَتَّبٌ عَلَى بَعْضٍ، أَوْ أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ. وَالصَّحِيحُ فِي الْجَمِيعِ: عَدَمُ الْإِجْزَاءِ، وَوُجُوبُ الْإِعَادَةِ.
وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ: أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ، هَلْ هِيَ مِنْ قَبِيلِ الْمَأْمُورَاتِ الَّتِي هِيَ شُرُوطٌ، كَالطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ، فَلَا يَكُونُ النِّسْيَانُ وَالْجَهْلُ عُذْرًا فِي تَرْكِهَا ; لِفَوَاتِ الْمَصْلَحَةِ مِنْهَا، أَوْ أَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمَنَاهِي: كَالْأَكْلِ، وَالْكَلَامِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا؟ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَلِذَلِكَ تَجِبُ الْإِعَادَةُ بِلَا خِلَافٍ، فِيمَا لَوْ نَسِيَ نِيَّةَ الصَّوْمِ ; لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمَأْمُورَاتِ.
وَفِيمَا لَوْ صَادَفَ صَوْمُ الْأَسِيرِ، وَنَحْوُهُ: اللَّيْلَ، دُونَ النَّهَارِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ وَقْتًا لِلصَّوْمِ كَيَوْمِ الْعِيدِ، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
وَلَوْ صَادَفَ الصَّلَاةَ أَوْ الصَّوْمَ، بَعْدَ الْوَقْتِ، أَجْزَأَ بِلَا خِلَافٍ، لَكِنْ هَلْ يَكُونُ أَدَاءً لِلضَّرُورَةِ، أَوْ قَضَاءً ; لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ وَقْتِهِ؟ قَوْلَانِ، أَوْ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ: مَا لَوْ كَانَ الشَّهْرُ نَاقِصًا وَرَمَضَانُ تَامًّا.
وَأَمَّا الْوُقُوفُ: إذَا صَادَفَ مَا بَعْدَ الْوَقْتِ، فَإِنْ صَادَفَ الْحَادِيَ عَشَرَ. لَمْ يَجُزْ، بِلَا خِلَاف، كَمَا لَوْ صَادَفَ السَّابِعَ، وَإِنْ صَادَفَ الْعَاشِرَ. أَجْزَأَ، وَلَا قَضَاءَ ; لِأَنَّهُمْ لَوْ كُلِّفُوا بِهِ لَمْ يَأْمَنُوا الْغَلَطَ فِي الْعَامِ الْآتِي أَيْضًا.
وَيُسْتَثْنَى: مَا إذَا قَلَّ الْحَجِيجُ، عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمهُمْ الْقَضَاءُ، فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ.
وَفُرِّقَ بَيْن الْغَلَطِ فِي الثَّامِنِ وَالْعَاشِرِ بِوَجْهَيْنِ:
стр. 188
أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَأْخِيرَ الْعِبَادَةِ عَنْ الْوَقْتِ، أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِسَابِ مِنْ تَقْدِيمِهَا عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْغَلَطَ بِالتَّقْدِيمِ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، فَإِنَّمَا يَقَعُ لِغَلَطٍ فِي الْحِسَابِ، أَوْ لِخَلَلٍ فِي الشُّهُودِ، الَّذِينَ شَهِدُوا بِتَقْدِيمِ الْهِلَالِ.
وَالْغَلَطُ بِالتَّأْخِيرِ قَدْ يَكُونُ بِالْغَيْمِ الْمَانِعِ مِنْ الرُّؤْيَةِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، ثُمَّ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ: أَنْ يَكُونَ الْهِلَالُ غُمَّ، فَأَكْمِلُوا ذَا الْقَعْدَةِ ثَلَاثِينَ، ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِرُؤْيَتِهِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ.
أَمَّا لَوْ وَقَعَ الْغَلَطُ، بِسَبَبِ الْحِسَابِ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ، بِلَا شَكٍّ، لِتَفْرِيطِهِمْ، وَسَوَاءٌ تَبَيَّنَ لَهُمْ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَاشِرِ، أَوْ فِيهِ، فِي أَثْنَاءِ الْوُقُوفِ، أَوْ قَبْلَ الزَّوَالِ، فَوَقَفُوا عَالِمِينَ. كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ، وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
وَلَوْ أَخْطَأَ الِاجْتِهَادُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. فَأَحْرَمَ النَّفِيرُ الْعَامُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ. فَفِي انْعِقَادِهِ حَجًّا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، كَالْخَطَأِ فِي الْوُقُوفِ الْعَاشِرِ.
وَالثَّانِي: لَا، وَالْفَرْقُ: أَنَّا لَوْ أَبْطَلْنَا الْوُقُوفَ فِي الْعَاشِرِ، أَبْطَلْنَاهُ مِنْ أَصْلِهِ، وَفِيهِ إضْرَارٌ. وَأَمَّا هُنَا: فَيَنْعَقِدُ عُمْرَةً، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، بِلَا تَرْجِيحٍ.
وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الْقِسْمِ، فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ مَا لَوْ فَاضَلَ فِي الرِّبَوِيَّاتِ جَاهِلًا، فَإِنَّ الْعَقْدَ يَبْطُلُ اتِّفَاقًا، فَهُوَ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْمَأْمُورَاتِ ; لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ شَرْطٌ، بَلْ الْعِلْمُ بِهَا أَيْضًا.
وَكَذَا لَوْ عَقَدَ الْبَيْعَ، أَوْ غَيْرَهُ عَلَى عَيْنٍ يَظُنُّهَا مِلْكَهُ فَبَانَتْ بِخِلَافِهِ، أَوْ النِّكَاحَ عَلَى مَحْرَمٍ، أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ جَاهِلًا، لَا يَصِحُّ.
وَمِنْ فُرُوعِ الْقِسْم الثَّانِي: مَنْ شَرِبَ خَمْرًا جَاهِلًا، فَلَا حَدَّ، وَلَا تَعْزِيرَ. وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: أَنْتِ أَزْنَى مِنْ فُلَانٍ، وَلَمْ يُصَرِّحْ فِي لَفْظِهِ بِزِنَا فُلَانٍ، لَكِنَّهُ كَانَ ثَبَتَ زِنَاهُ بِإِقْرَارٍ، أَوْ بَيِّنَةٍ. وَالْقَائِلُ جَاهِلٌ، فَلَيْسَ بِقَاذِفٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ عَلِمَ بِهِ، فَيَكُونُ قَاذِفًا لَهُمَا.
وَمِنْهَا: الْإِتْيَانُ بِمُفْسِدَاتِ الْعِبَادَةِ نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا، كَالْأَكْلِ فِي الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ وَفِعْلِ مَا يُنَافِي الصَّلَاةَ: مِنْ كَلَامٍ، وَغَيْرِهِ. وَالْجِمَاعُ فِي الصَّوْمِ. وَالِاعْتِكَافُ، وَالْإِحْرَامُ وَالْخُرُوجُ مِنْ الْمُعْتَكَفِ، وَالْعَوْدُ مِنْ قِيَامِ الثَّالِثَةِ إلَى التَّشَهُّدِ وَمِنْ السُّجُودِ إلَى الْقُنُوتِ، وَالِاقْتِدَاءُ بِمُحْدِثٍ، وَذِي نَجَاسَةٍ، وَسَبْقُ الْإِمَامِ بِرُكْنَيْنِ، وَمُرَاعَاةُ الْمَزْحُومِ تَرْتِيبَ نَفْسِهِ إذَا رَكَعَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَةِ، وَارْتِكَابُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، الَّتِي لَيْسَتْ بِإِتْلَافٍ،
стр. 189
كَاللُّبْسِ. وَالِاسْتِمْتَاعِ، وَالدُّهْنِ، وَالطِّيبِ. سَوَاءٌ جَهِلَ التَّحْرِيمَ، أَوْ كَوْنَهُ طِيبًا.
وَالْحُكْمُ فِي الْجَمِيعِ: عَدَمُ الْإِفْسَادِ، وَعَدَمُ الْكَفَّارَةِ، وَالْفِدْيَةِ. وَفِي أَكْثَرِهَا خِلَافٌ وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ: الْفِعْلُ الْكَثِيرُ فِي الصَّلَاةِ، كَالْأَكْلِ، فَإِنَّهُ يُبْطِلُهَا فِي الْأَصَحِّ لِنُدُورِهِ.
وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ الصَّوْمَ بِالصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالْكَثِيرِ ; لِأَنَّهُ لَا يَنْدُر فِيهِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّ فِيهِ هَيْئَةً مُذَكِّرَةً.
وَمِنْهَا: لَوْ سَلَّمَ عَنْ رَكْعَتَيْنِ نَاسِيًا، وَتَكَلَّمَ عَامِدًا " لِظَنِّهِ إكْمَالَ الصَّلَاةِ " لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِظَنِّهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ.
وَنَظِيرُهُ: مَا لَوْ تَحَلَّلَ مِنْ الْإِحْرَامِ وَجَامَعَ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَلَّلْ، لِكَوْنِ رَمْيِهِ وَقَعَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ حَجُّهُ.
وَمِنْ نَظَائِرِهِ أَيْضًا: لَوْ أَكَلَ نَاسِيًا، فَظَنَّ بُطْلَانَ صَوْمِهِ، فَجَامَعَ، فَفِي وَجْهٍ: لَا يُفْطِرُ قِيَاسًا عَلَيْهِ.
وَالْأَصَحُّ: الْفِطْرُ ; كَمَا لَوْ جَامَعَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الصُّبْحَ لَمْ يَطْلُعْ، فَبَانَ خِلَافُهُ، وَلَكِنْ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ ; لِأَنَّهُ وَطِئَ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ غَيْرُ صَائِمٍ.
وَنَظِيرُهُ أَيْضًا: لَوْ ظَنَّ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ بِمَا وَقَعَ مِنْهُ فَأَشْهَدَ عَلَيْهِ بِطَلَاقِهَا.
وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا مَا لَوْ اشْتَرَى الْوَكِيلُ مَعِيبًا جَاهِلًا بِهِ. فَإِنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْمُوَكِّلِ، إنْ سَاوَى مَا اشْتَرَاهُ بِهِ، وَكَذَا إنْ لَمْ يُسَاوِ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنَّهُ بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ.
تَنْبِيهٌ:
مِنْ الْمُشْكِلِ: تَصْوِيرُ الْجَهْلِ بِتَحْرِيمِ الْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ بِحَقِيقَةِ الصَّوْمِ. فَإِنَّ مَنْ جَهِلَ الْفِطْرَ جَهِلَ الْإِمْسَاكَ عَنْهُ، الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ الصَّوْمِ، فَلَا تَصِحُّ نِيَّتُهُ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: فَلَا مُخَلِّصَ إلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يُفْرَضَ فِي مُفْطِرٍ خَاصٍّ مِنْ الْأَشْيَاءِ النَّادِرَةِ، كَالتُّرَابِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَخْفَى، وَيَكُونُ الصَّوْمُ الْإِمْسَاكَ عَنْ الْمُعْتَادِ، وَمَا عَدَاهُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ، " وَإِمَّا أَنْ يُفْرَضَ " كَمَا صَوَّرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيمَنْ احْتَجَمَ أَوْ أَكَلَ نَاسِيًا ; فَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ، فَأَكَلَ بَعْدَ ذَلِكَ، جَاهِلًا بِوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ، فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ عَلَى وَجْهٍ. لَكِنَّ الْأَصَحَّ فِيهِ: الْفِطْرُ. انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: كُلُّ مَسْأَلَةٍ تَدِقُّ، وَيَغْمُضُ مَعْرِفَتُهَا، هَلْ يُعْذَرُ فِيهَا الْعَامِّيُّ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ.
стр. 190
وَمِنْ فُرُوعِ الْقِسْمِ الثَّالِثِ: إتْلَافُ مَالِ الْغَيْرِ، فَلَوْ قَدَّمَ لَهُ غَاصِبٌ طَعَامًا ضِيَافَةً، فَأَكَلَهُ جَاهِلًا، فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ فِي أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ، وَيَجْرِيَانِ فِي إتْلَافِ مَالِ نَفْسِهِ جَاهِلًا.
وَفِيهِ صُوَرٌ: مِنْهَا: لَوْ قَدَّمَ لَهُ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ، فَأَكَلَهُ ضِيَافَةً جَاهِلًا، بَرِئَ الْغَاصِبُ فِي الْأَظْهَرِ.
وَمِنْهَا: لَوْ أَتْلَفَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ جَاهِلًا، فَهُوَ قَابِضٌ فِي الْأَظْهَرِ.
وَمِنْهَا: لَوْ خَاطَبَ زَوْجَتَهُ بِالطَّلَاقِ جَاهِلًا بِأَنَّهَا زَوْجَتَهُ، بِأَنْ كَانَ فِي ظُلْمَةٍ، أَوْ نَكَحَهَا لَهُ وَلِيُّهُ، أَوْ وَكِيلُهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ. وَقَعَ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ.
وَمِنْهَا: لَوْ خَاطَبَ أَمَتَهُ بِالْعِتْقِ، كَذَلِكَ قَالَ الرَّافِعِيُّ.
وَمِنْ نَظَائِرِهَا: مَا إذَا نَسِيَ أَنَّ لَهُ زَوْجَةً، فَقَالَ: زَوْجَتِي طَالِقٌ. وَمِنْهَا: كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مَا إذَا وَكَّلَ وَكِيلًا فِي إعْتَاقِ عَبْدٍ، فَأَعْتَقَهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ عَبْدُ الْمُوَكِّل، فَإِذَا هُوَ عَبْدُ الْوَكِيلِ، نَفَذَ عِتْقُهُ.
قَالَ الْعَلَائِيُّ: وَلَا يَجِيءُ فِيهِ احْتِمَالُ الْإِمَامِ ; لِأَنَّ هَذَا قَصَدَ قَطْعَ الْمِلْكِ، فَنَفَذَ.
وَمِنْهَا: إذَا قَالَ الْغَاصِبُ، لِمَالِكِ الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ: أَعْتِقْ عَبْدِي هَذَا، فَأَعْتَقَهُ جَاهِلًا، عَتَقَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَفِي وَجْهٍ: لَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَطْعَ مِلْكِ نَفْسِهِ.
قُلْت: خَرَجَ عَنْ هَذِهِ النَّظَائِرِ مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ: مَا إذَا اُسْتُحِقَّ الْقِصَاصُ عَلَى رَجُلٍ، فَقَتَلَهُ خَطَأً، فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَقَعُ الْمَوْقِعَ.
وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا: مَحْظُورَاتُ الْإِحْرَامِ، الَّتِي هِيَ إتْلَافٌ، كَإِزَالَةِ الشَّعْرِ، وَالظُّفْرِ، وَقَتْلِ الصَّيْدِ. لَا تَسْقُطُ فِدْيَتُهَا بِالْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ.
وَمِنْهَا: يَمِينُ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ، فَإِذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ بِاَللَّهِ، أَوْ الطَّلَاقِ، أَوْ الْعِتْقِ: أَنْ يَفْعَلَهُ، فَتَرَكَهُ نَاسِيًا، أَوْ لَا يَفْعَلُهُ، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا لِلْحَلْفِ، أَوْ جَاهِلًا أَنَّهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى غَيْرِهِ، مِمَّنْ يُبَالِي بِيَمِينِهِ، وَوَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ جَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا، فَقَوْلَانِ فِي الْحِنْثِ، رَجَّحَ كُلًّا الْمُرَجِّحُونَ. وَرَجَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ عَدَمَ الْحِنْثِ مُطْلَقًا، وَاخْتَارَهُ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ وَالْفَتَاوَى.
قَالَ: لِحَدِيثِ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» وَهُوَ عَامٌّ، فَيُعْمَلُ بِعُمُومِهِ، إلَّا مَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِهِ، كَغَرَامَةِ الْمُتْلَفَاتِ، ثُمَّ اُسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ: مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ عَامِدًا، وَلَا نَاسِيًا، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِالْفِعْلِ نَاسِيًا بِلَا خِلَافٍ، لِالْتِزَامِ حُكْمِهِ. هَذَا فِي الْحَلِفِ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ.
أَمَّا عَلَى الْمَاضِي، كَأَنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ فَعَلَهُ فَاَلَّذِي تَلَقَّفْنَاهُ مِنْ مَشَايِخِنَا أَنَّهُ يَحْنَثُ.
стр. 191
وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي فَتَاوِيهِ: صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُعَلِّقَ الطَّلَاقَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ، فَيَفْعَلَهُ نَاسِيًا لِلْيَمِينِ، أَوْ جَاهِلًا بِأَنَّهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ.
وَلِابْنِ رَزِينٍ: فِيهِ كَلَامٌ مَبْسُوطٌ، سَأَذْكُرُهُ.
وَاَلَّذِي فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ: أَنَّ فِيهِ الْقَوْلَيْنِ. فِي النَّاسِي وَمُقْتَضَاهُ، عَدَمُ الْحِنْثِ. وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ: لَوْ جَلَسَ مَعَ جَمَاعَةٍ، فَقَامَ وَلَبِسَ خُفَّ غَيْرِهِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: اسْتَبْدَلْت بِخُفِّك، وَلَبِسْت خُفَّ غَيْرِك، فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ: أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، إنْ قَصَدَ أَنِّي لَمْ آخُذْ بَدَلَهُ كَانَ كَاذِبًا، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا طَلُقَتْ. وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا، فَعَلَى قَوْلَيْ طَلَاقِ النَّاسِي انْتَهَى
وَلَك أَنْ تَقُولَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ إجْرَاءِ الْقَوْلَيْنِ الِاسْتِوَاءُ فِي التَّصْحِيحِ، وَابْنُ رَزِينٍ أَبْسَطُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَهَا أَنَا أُورِدُ عِبَارَتُهُ بِنَصِّهَا، لِمَا فِيهَا مِنْ الْفَوَائِدِ.
قَالَ: لِلْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ حَالَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاقِعًا فِي نَفْسِ الْيَمِينِ أَوْ الطَّلَاقِ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الطَّلَاق، لَا يَقَعُ طَلَاقَهُ، إذَا كَانَ غَيْرَ مُخْتَارٍ لِذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ غَيْرِ الْإِكْرَاهِ، بَلْ طَاوَعَ الْمُكْرِهَ، فِيمَا أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، وَصِفَتِهِ.
وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الْيَمِينِ، وَعَلَى التَّعْلِيقِ. وَيَلْتَحِقُ بِالْإِكْرَاهِ فِي ذَلِكَ: الْجَهْلُ الَّذِي يُفْقَدُ مَعَهُ الْقَصْدُ إلَى اللَّفْظِ، مَعَ عَدَمِ فَهْمِ مَعْنَاهُ وَالنِّسْيَانِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَلَفَّظَ بِالطَّلَاقِ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ أَصْلًا، أَوْ عَرَفَهُ، ثُمَّ نَسِيَهُ فَهَذَانِ نَظِيرُ الْمُكْرَهِ، فَلَا يَقَعُ بِذَلِكَ طَلَاقٌ، وَلَا يَنْعَقِدُ بِمِثْلِهِ يَمِينٌ.
وَذَلِكَ إذَا حَلَفَ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ اسْمُهُ.
أَمَّا إذَا جَهِلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، أَوْ نَسِيَهُ، كَمَا إذَا دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ، وَجَهِلَ ذَلِكَ الْحَالِفَ أَوْ عَلِمَهُ، ثُمَّ نَسِيَهُ فَحَلَفَ بِاَللَّهِ أَوْ بِالطَّلَاقِ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدَّارِ فَهَذِهِ يَمِينٌ ظَاهِرُهَا تَصْدِيقُ نَفْسِهِ فِي النَّفْيِ، وَقَدْ يَعْرِضُ فِيهَا أَنْ يَقْصِدَ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ (فِي اعْتِقَادِهِ أَوْ فِيمَا انْتَهَى إلَيْهِ عِلْمُهُ أَيْ: لَمْ يَعْلَمْ خِلَافَهُ، وَلَا يَكُونُ قَصْدُهُ الْجَزْمَ بِأَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ) فِي الْحَقِيقَةِ، بَلْ تَرْجِعُ يَمِينُهُ إلَى أَنَّهُ حَلَفَ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ كَذَا، أَوْ يَظُنُّهُ، وَهُوَ صَادِقٌ فِي أَنَّهُ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ، أَوْ ظَانٌّ لَهُ، فَإِنْ قَصَدَ الْحَالِفُ ذَلِكَ حَالَةَ الْيَمِينِ أَوْ تَلَفَّظَ بِهِ مُتَّصِلًا بِهَا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ قَصَدَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ، أَوْ أَطْلَقَ فَفِي وُقُوع الطَّلَاقِ، وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ: مَأْخَذُهُمَا: أَنَّ النِّسْيَانَ، وَالْجَهْلَ هَلْ يَكُونَانِ عُذْرًا لَهُ فِي ذَلِكَ، كَمَا كَانَا عُذْرًا فِي بَابِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، أَمْ لَا يَكُونَانِ عُذْرًا، كَمَا لَمْ يَكُونَا عُذْرًا فِي غَرَامَاتِ الْمُتْلَفَاتِ؟
وَيُقَوِّي إلْحَاقَهُمَا بِالْإِتْلَافَاتِ، بِأَنَّ الْحَالِفَ بِاَللَّهِ أَنَّ زَيْدًا فِي الدَّارِ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا.
стр. 192
قَدْ انْتَهَكَ حُرْمَةَ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ جَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا، فَهُوَ كَالْجَانِي خَطَأً.
وَالْحَالِفُ بِالطَّلَاقِ إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِصِيغَةِ التَّعْلِيق، كَقَوْلِهِ: إنْ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ فِي الدَّارِ، فَزَوْجَتِي طَالِقٌ، إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهَا، فَقَدْ تَحَقَّقَ الشَّرْطُ، الَّذِي عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ إلَّا لِتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ عَلَى عَدَمِ كَوْنِهِ فِي الدَّارِ، وَلَا أَثَرَ لِكَوْنِهِ جَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا فِي عَدَمِ كَوْنِهِ فِي الدَّارِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ بِغَيْرِ صِيغَةِ التَّعْلِيقِ، كَقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، لَقَدْ خَرَجَ زَيْدٌ مِنْ الدَّارِ. وَكَقَوْلِهِ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَيْسَ زَيْدٌ فِي الدَّارِ. فَهَذَا إذَا قَصَدَ بِهِ الْيَمِينَ، جَرَى مَجْرَى التَّعْلِيقِ وَإِلَّا لَوَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ، وَإِذَا جَرَى مَجْرَى التَّعْلِيق، كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَهُ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: الْجَهْلُ، وَالنِّسْيَانُ، وَالْإِكْرَاهُ، أَنْ يُعَلِّقَ الطَّلَاقَ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ أَوْ دُخُولِ زَيْدٍ الدَّارَ، أَوْ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَإِذَا دَخَلَهَا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا، أَوْ مُكْرَهًا، فَإِنْ جَرَّدَ قَصْدَهُ عَنْ التَّعْلِيقِ الْمَحْضِ، كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُل السُّلْطَانُ الْبَلَدَ الْيَوْمَ، أَوْ لَا يَحُجُّ النَّاسُ فِي هَذَا الْعَامِ. فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: وُقُوعُ الطَّلَاقِ، وَالْحِنْثِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ. وَقَعَ ذَلِكَ عَمْدًا، أَوْ نِسْيَانًا، اخْتِيَارًا، أَوْ مَعَ إكْرَاهٍ، أَوْ جَهْلٍ.
وَإِنْ قَصَدَ بِالْيَمِينِ تَكْلِيفَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ذَلِكَ، لِكَوْنِهِ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَرَى مُخَالَفَتَهُ مَعَ حَلِفِهِ أَوْ قَصَدَ بِالْيَمِينِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، أَنْ تَكُونَ يَمِينُهُ رَادِعَةً عَنْ الْفِعْلِ، فَالْمَذْهَبُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إذَا فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا إذْ رَجَعَتْ حَقِيقَةُ هَذِهِ الْيَمِينُ إلَى تَكْلِيفِ نَفْسِهِ ذَلِكَ، أَوْ تَكْلِيفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَالنَّاسِي لَا يَجُوزُ تَكْلِيفُهُ، وَكَذَلِكَ الْجَاهِلُ.
وَأَمَّا إنْ فَعَلَهُ مُكْرَهًا فَالْإِكْرَاهُ لَا يُنَافِي التَّكْلِيفَ، فَإِنَّا نُحَرِّمُ عَلَى الْمُكْرَهِ الْقَتْلَ وَنُبِيحُ لَهُ الْفِطْرَ فِي الصَّوْمِ، وَإِذَا كَانَ مُكَلَّفًا - وَقَدْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ - فَيَظْهَرُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ وَالْحِنْثِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إلْحَاقًا بِالْإِتْلَافِ، لِتَحَقُّقِ وُجُودِ الشَّرْطِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، إذْ لَفْظُ التَّعْلِيقِ عَامٌّ يَشْمَلُ فِعْلَ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ مُخْتَارًا، وَمُكْرَهًا وَنَاسِيًا وَجَاهِلًا وَذَاكِرًا لِيَمِينٍ وَعَالِمًا، وَبِهَذَا تَمَسَّكَ مَنْ مَالَ إلَى الْحِنْثِ، وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي صُورَةِ النِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ. لَكِنَّا إنَّمَا اخْتَرْنَا عَدَمَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِيهِمَا ; لِأَنَّ قَصْدَ التَّكْلِيفِ يَخُصُّهُمَا، وَيُخْرِجُهُمَا عَنْ الدُّخُولِ تَحْتَ عُمُومِ اللَّفْظِ، فَلَا يَنْهَضُ ; لِأَنَّ مَخْرَجَ الْإِكْرَاهِ لِكَوْنِهِ لَا يُنَافِي التَّكْلِيفَ، كَمَا ذَكَرْنَا هَذَا مَا تَرَجَّحَ عِنْدِي فِي الصُّورَةِ الَّتِي فَصَّلْتُهَا، وَبَقِيَ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ: مَا إذَا أَطْلَقَ التَّعْلِيقَ وَلَمْ يَقْصِدْ تَكْلِيفًا وَلَا قَصَدَ التَّعْلِيقَ الْمَحْضَ بَلْ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْيَمِينِ
стр. 193
فَهَذِهِ الصُّورَةُ: هِيَ الَّتِي أَطْلَقَ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ فِيهَا الْقَوْلَيْنِ.
وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَالِانْتِصَارِ وَالرَّافِعِيُّ، عَدَمَ الْحِنْث وَعَدَمَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ.
وَكَانَ شَيْخُنَا ابْنُ الصَّلَاحِ: يَخْتَارُ وُقُوعَهُ وَيُعَلِّلُهُ بِكَوْنِهِ مَذْهَبَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَبِعُمُومِ لَفْظِ التَّعْلِيقِ ظَاهِرًا، لَكِنَّ قَرِينَةَ الْحَثِّ وَالْمَنْعِ تَصْلُحُ لِلتَّخْصِيصِ وَفِيهَا بَعْضُ الضَّعْفِ.
وَمِنْ ثَمَّ تَوَقَّفَ صَاحِبُ الْحَاوِي، وَمَنْ حَكَى عَنْهُ التَّوَقُّفَ مِنْ أَشْيَاخِهِ فِي ذَلِكَ.
فَاَلَّذِي يُقَوِّي التَّخْصِيصَ: أَنْ يَنْضَمَّ إلَى قَرِينَةِ الْحَثِّ، وَالْمَنْعِ: الْقَصْدُ لِلْحَثِّ، وَالْمَنْعِ، فَيُقَوِّي حِينَئِذٍ التَّخْصِيصَ كَمَا اخْتَرْنَاهُ، وَالْغَالِبُ: أَنَّ الْحَالِفَ عَلَى فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ مِنْ أَفْعَالِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَرْتَدِعُ مِنْهُ يَقْصِدُ الْحَثَّ أَوْ الْمَنْعَ فَيُخْتَارُ أَيْضًا: أَنْ لَا يَقَعَ طَلَاقُهُ بِالْفِعْلِ مَعَ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ، إلَّا أَنْ يَصْرِفَهُ عَنْ الْحَثِّ أَوْ الْمَنْعِ بِقَصْدِ التَّعْلِيقِ عَلَى الْفِعْلِ مُطْلَقًا، فَيَقَعُ فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا بِوُجُودِ الْفِعْلِ. وَأَمَّا مَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، فَلَا يَمْتَنِعُ وُقُوعُ طَلَاقِهِ بِالنِّسْيَانِ أَوْ الْجَهْلِ إلَّا عِنْدَ قَصْدِ الْحَثِّ أَوْ الْمَنْعِ، انْتَهَى كَلَامُهُ بِحُرُوفِهِ.
وَمَا جُزِمَ بِهِ مِنْ الْحِنْثِ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى وَهِيَ: الْحَلِفُ عَلَى الْمَاضِي نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا: ذَكَرَهُ بِحُرُوفِهِ الْقَمُولِيُّ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ جَازِمًا بِهِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْأَذْرَعِيُّ فِي الْقُوتِ.
وَقَالَ: إنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رَزِينٍ وَنَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ صَرَّحَ بِتَصْحِيحِهِ وَبِتَصْحِيحِ الْحِنْثِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا، فَإِذَا جَمَعْت بَيْن الْمَسْأَلَتَيْنِ حَصَلَتْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
ثَالِثُهَا: الْحِنْثُ فِي الْمَاضِي دُونَ الْمُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ الَّذِي قَرَّرَهُ ابْنُ رَزِينٍ، وَمُتَابِعُوهُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
تَنْبِيهٌ
مِنْ الْمُشْكِلِ قَوْلُ الْمِنْهَاجِ: وَلَوْ عَلَّقَ بِفِعْلِهِ فَفَعَلَ نَاسِيًا لِلتَّعْلِيقِ أَوْ مُكْرَهًا، لَمْ تَطْلُقْ فِي الْأَظْهَرِ أَوْ بِفِعْلِ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُبَالِي بِتَعْلِيقِهِ وَعَلِمَ بِهِ ; فَكَذَلِكَ وَإِلَّا فَيَقَعُ قَطْعًا.
وَوَجْهُ الْإِشْكَالِ أَنَّ قَوْلَهُ " وَأَنْ لَا يَدْخُلَ فِيهِ " مَا إذَا لَمْ يُبَالِ بِتَعْلِيقِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ. وَمَا إذَا عَلِمَ بِهِ وَلَمْ يُبَالِ، وَمَا إذَا بَالَى وَلَمْ يَعْلَمْ، وَالْقَطْعُ بِالْوُقُوعِ فِي الثَّالِثَةِ مَرْدُودٌ.
وَقَدْ اسْتَشْكَلَهُ السُّبْكِيُّ وَقَالَ: كَيْفَ يَقَعُ بِفِعْلِ الْجَاهِلِ قَطْعًا، وَلَا يَقَعُ بِفِعْلِ النَّاسِي عَلَى الْأَظْهُرِ، مَعَ أَنَّ الْجَاهِلَ أَوْلَى بِالْمَعْذِرَةِ مِنْ النَّاسِي؟
وَقَدْ بَحَثَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْبَاجِيُّ فِي ذَلِكَ هُوَ وَالشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ فِي دَرْسِ ابْنِ بِنْتِ الْأَعَزِّ، وَكَانَ ابْنُ الْكَتَّانِيِّ مُصَمِّمًا عَلَى مَا اقْتَضَتْهُ عِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ وَالْبَاجِيِّ فِي مُقَابِلِهِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّ كَلَامَ الْمِنْهَاجِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا قَصَدَ الزَّوْجُ مُجَرَّدَ التَّعْلِيقِ، وَلَمْ يَقْصِدْ إعْلَامَهُ لِيَمْتَنِعَ.
وَقَدْ أَرْشَدَ الرَّافِعِيُّ إلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ عِبَارَتَهُ وَعِبَارَةَ النَّوَوِيِّ فِي الرَّوْضَةِ: وَلَوْ عَلَّقَ بِفِعْلِ
стр. 194
الزَّوْجَةِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُعَلَّقِ بِفِعْلِهِ شُعُورٌ بِالتَّعْلِيقِ، وَلَمْ يَقْصِدْ الزَّوْجُ إعْلَامَهُ فَفِي قَوْلِهِ " وَلَمْ يَقْصِدْ إعْلَامَهُ " مَا يُرْشِدُ إلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: أَشَارَ بِقَوْلِهِ " وَلَمْ يَقْصِدْ إعْلَامَهُ " إلَى قَصْدِ الْحَثِّ وَالْمَنْعِ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِهِ ; لِأَنَّ قَاصِدَهُ يَقْصِدُ إعْلَامَ الْحَالِفِ بِذَلِكَ لِيَمْتَنِعَ مِنْهُ.
وَلِهَذَا لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْقُيُودِ، ذَكَرَ الْحَثَّ وَالْمَنْعَ عِوَضًا عَنْ الْإِعْلَامِ.
قَالَ: وَالظَّاهِر أَنَّهُ مَعْطُوفٌ بِأَوْ، لَا بِالْوَاوِ، حَتَّى لَا يَكُونَ الْمَجْمُوعُ شَرْطًا، فَإِنَّ الرَّافِعِيُّ شَرَطَ بَعْدَ ذَلِكَ، لِعَدَمِ الْوُقُوعِ شُرُوطًا ثَلَاثَةً: شُعُورُهُ، وَأَنْ يُبَالِيَ، وَأَنْ يَقْصِدَ الزَّوْجُ الْحَثَّ وَالْمَنْعَ.
قَالَ: وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ مِنْ الْحِنْثِ، إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، رَجَّحَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ، فِيمَا جَمَعَهُ مِنْ طَرِيقَةِ شَيْخِهِ الْقَفَّالِ فَقَالَ: فَإِنْ قَصَدَ مَنْعَهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْقَادِمَ حَتَّى قَدِمَ، حَنِثَ الْحَالِفُ وَإِنْ عَلِمَ بِهِ ثُمَّ نَسِيَ فَعَلَى قَوْلَيْنِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عَلَى قَوْلَيْنِ بِكُلِّ حَالٍ، وَكَذَلِكَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ فَقَالَ: إذَا عَلَّقَ بِفِعْلِهَا فِي غَيْبَتِهَا فَلَا أَثَرَ لِنِسْيَانِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً فَالظَّاهِرُ الْوُقُوعُ ; لِأَنَّ هَذَا فِي حُكْمِ التَّعْلِيقِ لَا قَصْدِ الْمَنْعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ طَرَدَ فِيهِ الْخِلَافَ، انْتَهَى.
وَخَالَفَ الْجُمْهُورَ فَخَرَّجُوهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ: الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَصَاحِبَا الْمُهَذَّبِ وَالتَّهْذِيبِ وَالْجُرْجَانِيُّ وَالْخُوَارِزْمِيُّ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ النَّقِيبِ: الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ: مَا إذَا بَالَى، وَلَمْ يَعْلَمْ، لَيْسَ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ هُنَا، وَيَقْتَضِي الْمِنْهَاجُ: الْوُقُوعَ فِيهِ قَطْعًا، فَلْيُحَرَّرْ.
[فَرْعٌ: فِي الْمَسَائِلِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْخِلَافِ فِي حِنْثِ النَّاسِي وَالْمُكْرَهِ]
فَرْعٌ:
" فِي الْمَسَائِلِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْخِلَافِ فِي حِنْثِ النَّاسِي وَالْمُكْرَهِ " قَالَ: لِأَقْتُلَنَّ فُلَانًا، وَهُوَ يَظُنُّهُ حَيًّا فَكَانَ مَيِّتًا، فَفِي الْكَفَّارَةِ خِلَافُ النَّاسِي.
قَالَ: لَا أَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ، فَمَرِضَ وَعَجَزَ عَنْ الْخُرُوجِ، فَفِي الْحِنْثِ خِلَافُ الْمُكْرَهِ قَالَ: لَأَشْرَبَنَّ مَاءَ هَذَا الْكُوزِ، فَانْصَبَّ، أَوْ شَرِبَهُ غَيْرُهُ أَوْ مَاتَ الْحَالِفُ قَبْلَ الْإِمْكَانِ، فَفِيهِ خِلَافٌ الْمُكْرَهِ.
قَالَ: لَا أَبِيعُ لِزَيْدٍ مَالًا، فَوَكَّلَ زَيْدٌ وَكِيلًا وَأَذِنَ لَهُ فِي التَّوْكِيلِ، فَوَكَّلَ الْحَالِفَ فَبَاعَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَفِيهِ خِلَافُ النَّاسِي.
قَالَ: لَأَقْضِيَنَّ حَقَّك غَدًا، فَمَاتَ الْحَالِفُ قَبْلَهُ أَوْ أَبْرَأَهُ أَوْ عَجَزَ، فَفِيهِ خِلَافُ الْمُكْرَهِ.
قَالَ: لَأَقْضِيَنَّ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ، فَأَخَّرَهُ عَنْ اللَّيْلَةِ الْأُولَى لِلشَّكِّ فِيهِ، فَبَانَ كَوْنُهَا مِنْ الشَّهْرِ، فَفِيهِ خِلَافُ النَّاسِي
стр. 195
قَالَ: لَا رَأَيْت مُنْكَرًا إلَّا رَفَعْتُهُ إلَى الْقَاضِي فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الرَّفْعِ لِمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ جَاءَ إلَى بَابِ الْقَاضِي فَحُجِبَ، أَوْ مَاتَ الْقَاضِي قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِ، فَفِيهِ خِلَافُ الْمُكْرَهِ.
قَالَ: لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي، فَفَرَّ مِنْهُ الْغَرِيمُ، فَفِيهِ خِلَافُ الْمُكْرَهِ. فَإِنْ قَالَ لَا تُفَارِقُنِي فَفَرَّ الْغَرِيمُ، حَنِثَ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ الْأُولَى وَلَا يَحْنَثُ مُطْلَقًا إنْ فَرَّ الْحَالِف، فَإِنْ أَفْلَسَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى فَمَنَعَهُ الْحَاكِمُ مِنْ مُلَازَمَتِهِ، فَفِيهِ خِلَافُ الْمُكْرَهِ، وَإِنْ اسْتَوْفَى فَبَانَ نَاقِصًا فَفِيهِ خِلَافُ الْجَاهِلِ.
[فَرْعٌ: صُوَرٌ عُذِرَ فِيهَا بِالْجَهْلِ فِي الضَّمَانِ]
فَرْعٌ " خَرَجَ عَنْ هَذَا الْقِسْمِ صُوَرٌ عُذِرَ فِيهَا بِالْجَهْلِ فِي الضَّمَانِ " مِنْهَا: إذَا أَخْرَجَ الْوَدِيعَةَ مِنْ الْحِرْزِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا مِلْكُهُ فَتَلِفَتْ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ عَالِمًا ضَمِنَ، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَمِثْلُهُ الِاسْتِعْمَالُ وَالْخَلْطُ وَنَحْوُهُمَا.
وَمِنْهَا: إذَا اسْتَعْمَلَ الْمُسْتَعِيرُ الْعَارِيَّةَ، بَعْدَ رُجُوعِ الْمُعِيرِ جَاهِلًا فَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْقَفَّالِ وَارْتَضَاهُ.
وَمِنْهَا: إذَا أَبَاحَ لَهُ ثَمَرَةَ بُسْتَانٍ ثُمَّ رَجَعَ فَإِنَّ الْآكِلَ لَا يَغْرَمُ مَا أَكَلَهُ بَعْدَ الرُّجُوعِ، وَقَبْلَ الْعِلْمِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ.
وَحَكَى الرَّافِعِيُّ: فِيهِ وَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِتَرْجِيحٍ.
وَمِنْهَا: إذَا وَهَبَتْ الْمَرْأَةُ نَوْبَتَهَا مِنْ الْقَسْمِ لِضَرَّتِهَا ثُمَّ رَجَعَتْ فَإِنَّهَا لَا تَعُودُ إلَى الدَّوْرِ مِنْ الرُّجُوعِ عَلَى الصَّحِيحِ بَلْ مِنْ حِينِ الْعِلْمِ بِهِ.
وَمِنْ فُرُوعِ الْقِسْمِ الرَّابِعِ.
" الْوَاطِئُ بِشُبْهَةٍ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ ; لِإِتْلَافِ مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ دُونَ الْحَدِّ. مِنْهَا: مَنْ قَتَلَ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ الْقَتْلِ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا: قَتْلُ الْخَطَأِ، فِيهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ دُونَ الْقِصَاصِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْوَكِيلِ: إذَا اقْتَصَّ بَعْد عَفْوِ مُوَكِّلِهِ جَاهِلًا فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَالْكَفَّارَةُ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْعَافِي ; لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ بِالْعَفْوِ وَقِيلَ لَا دِيَةَ، وَقِيلَ هِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَقِيلَ يَرْجِعُ عَلَى الْعَافِي ; لِأَنَّهُ غَرَّهُ بِالْعَفْوِ.
وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: مَا لَوْ أَذِنَ الْإِمَامُ لِلْوَلِيِّ فِي قَتْلِ الْجَانِيَةِ، ثُمَّ عَلِمَ حَمْلَهَا فَرَجَعَ وَلَمْ يَعْلَمْ الْوَلِيُّ رُجُوعَهُ فَقَتَلَ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْوَلِيِّ.
وَمِنْ ذَلِكَ: بَعْدَ أَقْسَامِ مَسْأَلَةٍ الدَّهْشَةِ وَلْنُلَخِّصْهَا فَنَقُولُ: إذَا قَالَ مُسْتَحِقُّ الْيَمِينِ لِلْجَانِي: أَخْرِجْهَا، فَأَخْرَجَ يَسَارَهُ فَقُطِعَتْ فَلَهُ أَحْوَالٌ.
стр. 196
أَحَدُهَا: أَنْ يُقْصَدَ إبَاحَتُهَا، فَهِيَ مُهْدَرَةٌ لَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ سَوَاءٌ عَلِمَ الْقَاطِعُ أَنَّهَا الْيَسَارُ وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ أَوْ لَا ; لِأَنَّ صَاحِبَهَا بَذَلَهَا مَجَّانًا ; وَلِأَنَّ فِعْلَ الْإِخْرَاجِ اقْتَرَنَ بِقَصْدِ الْإِبَاحَةِ فَقَامَ مَقَامَ النُّطْقِ، كَتَقْدِيمِ الطَّعَامِ إلَى الضَّيْفِ ; وَلِأَنَّ الْفِعْلَ بَعْدَ السُّؤَالِ وَالطَّلَبِ، كَالْإِذْنِ كَمَا لَوْ قَالَ: نَاوِلْنِي يَدَك لِأَقْطَعَهَا، فَأَخْرَجَهَا أَوْ نَاوِلْنِي مَتَاعَك لِأُلْقِيَهُ فِي الْبَحْرِ فَنَاوَلَهُ، فَلَا ضَمَانَ. نَعَمْ، يُعَزَّرُ الْقَاطِعُ إذَا عَلِمَ وَيَبْقَى قِصَاصُ الْيَمِينِ كَمَا كَانَ.
فَإِنْ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا تُجْزِئُ أَوْ عَلِمْت أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ وَلَكِنْ جَعَلْتُهَا عِوَضًا عَنْهَا سَقَطَ وَعَدَلَ إلَى دِيَةِ الْيَمِينِ لِرِضَاهُ بِسُقُوطِ قِصَاصِهَا اكْتِفَاءً بِالْيَسَارِ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَقْصِدَ الْمُخْرِجُ إجْزَاءَهَا عَنْ الْيَمِينِ، فَيَسْأَلُ الْمُقْتَصَّ، فَإِنْ قَالَ: ظَنَنْت أَنَّهُ أَبَاحَهَا بِالْإِخْرَاجِ أَوْ أَنَّهَا الْيَمِينُ، أَوْ عَلِمْت أَنَّهَا الْيَسَارُ، وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ وَلَا تُجْعَلُ بَدَلًا، فَلَا قِصَاصِ فِيهَا فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ فِي الْأَصَحِّ لِتَسْلِيطِ الْمُخْرِجِ لَهُ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ تَجِبُ دِيَتُهَا وَيَبْقَى قِصَاصُ الْيَمِينِ.
وَإِنْ قَالَ: عَلِمْت أَنَّهَا الْيَسَارُ وَظَنَنْت أَنَّهَا تُجْزِئُ، سَقَطَ قِصَاصُ الْيَمِينِ وَتَجِبُ لِكُلٍّ الدِّيَةُ عَلَى الْآخَرِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ: دَهَشْت فَأَخْرَجْت الْيَسَارَ، وَظَنِّي أَنِّي أُخْرِجُ الْيَمِينَ فَيُسْأَلُ الْمُقْتَصُّ، فَإِنْ قَالَ ظَنَنْت أَنَّهُ أَبَاحَهَا، قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَقِيَاسُ الْمَذْكُورِ فِي الْحَالِ الثَّانِي، أَنْ لَا يَجِبَ الْقِصَاصُ فِي الْيَسَارِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَصَرَّحَ بِهِ الْكَافِي لِوُجُودِ صُورَةِ الْبَدَلِ، قَالَ الْبُلْقِينِيُّ هُوَ السَّدِيدُ.
قَالَ الْبَغَوِيّ: تَجِبُ كَمَنْ قَتَلَ رَجُلًا وَقَالَ ظَنَنْتُهُ أَذِنَ لِي فِي الْقَتْلِ ; لِأَنَّ الظُّنُونَ الْبَعِيدَةَ لَا تَدْرَأُ الْقِصَاصَ.
وَإِنْ قَالَ: ظَنَنْتهَا الْيَمِينَ أَوْ عَلِمْت أَنَّهَا الْيَسَارُ وَظَنَنْتهَا تُجْزِئُ، فَلَا قِصَاصَ فِي الْأَصَحِّ أَمَّا فِي الْأُولَى، فَلِأَنَّ الِاشْتِبَاهَ فِيهِمَا قَرِيبٌ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ، فَلِعُذْرِهِ بِالظَّنِّ.
وَإِنْ قَالَ: عَلِمْت أَنَّهَا الْيَسَارُ وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمُخْرِجِ بَذْلٌ وَتَسْلِيطٌ.
وَفِي الصُّوَرِ كُلِّهَا يَبْقَى قِصَاصُ الْيَمِينِ، إلَّا فِي قَوْلِهِ: ظَنَنْت أَنَّ الْيَسَارَ تُجْزِئُ.
وَإِنْ قَالَ: دَهَشْت أَيْضًا، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَيَجِبُ الْقِصَاصُ ; لِأَنَّ الدَّهْشَةَ لَا تَلِيقُ بِحَالِهِ وَإِنْ قَالَ: قَطَعْتهَا عُدْوَانًا وَجَبَ أَيْضًا.
وَإِنْ قَالَ الْمُخْرِجُ: لَمْ أَسْمَعْ أَخْرِجْ يَمِينَك وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي سَمْعِي يَسَارُك.
أَوْ قَالَ: قَصَدْت فِعْلَ شَيْءٍ يَخْتَصُّ بِي أَوْ كَانَ مَجْنُونًا، فَهُوَ كَالْمَدْهُوشِ.
هَذَا تَحْرِيرُ أَحْكَامِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
стр. 197
وَفِي نَظِيرِهَا مِنْ الْحَدِّ يُجْزِئُ، وَيَسْقُطُ قَطْعُ الْيَمِينِ بِكُلِّ حَالٍ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْحَدِّ التَّنْكِيلُ، وَقَدْ حَصَلَ، وَالْقِصَاصُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّمَاثُل وَأَنَّ الْحُدُودَ مَبْنِيَّةُ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَأَنَّ الْيَسَارَ تُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَلَا تُقْطَعُ فِي الْقِصَاصِ عَنْ الْيَمِينِ بِحَالٍ.
[فَرْعٌ: صُوَرٌ لَا يُعْذَرَ فِيهَا بِالْجَهْلِ]
فَرْعٌ:
" خَرَجَ عَنْ هَذَا الْقِسْمِ صُوَرٌ، لَمْ يُعْذَرَ فِيهَا بِالْجَهْلِ " مِنْهَا: مَا إذَا بَادَرَ أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ، فَقَتَلَ الْجَانِي بَعْدَ عَفْوِ بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ، جَاهِلًا بِهِ فَإِنَّ الْأَظْهَرَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالِانْفِرَادِ.
وَمِنْهَا: إذَا قَتَلَ مَنْ عَلِمَهُ مُرْتَدًّا أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ، فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ الْقِصَاصِ لِأَنَّ ظَنَّ الرِّدَّةِ لَا يُفِيدُ إبَاحَةَ الْقَتْلِ، فَإِنَّ قَتْلَ الْمُرْتَدَّ إلَى الْإِمَامِ، لَا إلَى الْآحَادِ.
وَمِنْهَا: مَا إذَا قَتَلَ مَنْ عَهِدَهُ ذِمِّيًّا أَوْ عَبْدًا، وَجَهِلَ إسْلَامَهُ وَحُرِّيَّتَهُ فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ ; لِأَنَّ جَهْلَ الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ لَا يُبِيحُ الْقَتْلَ.
وَمِنْهَا: مَا إذَا قَتَلَ مَنْ ظَنَّهُ قَاتِلَ أَبِيهِ، فَبَانَ خِلَافُهُ، فَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ الْقِصَاص ; لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ حَقِّهِ التَّثَبُّتُ.
وَمِنْهَا: مَا إذَا ضَرَبَ مَرِيضًا جَهِلَ مَرَضَهُ ضَرْبًا يَقْتُلُ الْمَرِيضَ دُونَ الصَّحِيحِ فَمَاتَ فَالْأَصَحُّ: وُجُوبُ الْقِصَاصِ ; لِأَنَّ جَهْلَ الْمَرَضِ لَا يُبِيحُ الضَّرْبَ.
وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ الضَّرْبُ، أَمَّا مَنْ يَجُوزُ لَهُ لِلتَّأْدِيبِ، فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ قَطْعًا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْوَسِيطِ وَخَرَجَ عَنْهُ صُوَرٌ عُذِرَ فِيهَا بِالْجَهْلِ. حَتَّى فِي الضَّمَانِ.
مِنْهَا: مَا إذَا قَتَلَ مُسْلِمًا بِدَارِ الْحَرْبِ، ظَانًّا كُفْرَهُ، فَلَا قِصَاصَ قَطْعًا، وَلَا دِيَةَ فِي الْأَظْهَرِ.
وَمِنْهَا: إذَا رَمَى إلَى مُسْلِمٍ تَتَرَّسَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَإِنْ عَلِمَ إسْلَامَهُ: وَجَبَتْ الدِّيَةُ وَإِلَّا فَلَا
وَمِنْهَا: إذَا أَمَرَ السُّلْطَانُ رَجُلًا بِقَتْلِ رَجُلٍ ظُلْمًا، وَالْمَأْمُورُ لَا يَعْلَمُ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَلَا دِيَةَ، وَلَا كَفَّارَةَ.
وَمِنْهَا: إذَا قَتَلَ الْحَامِلَ فِي الْقِصَاصِ ; فَانْفَصَلَ الْجَنِينُ مَيِّتًا، فَفِيهِ غُرَّةٌ وَكَفَّارَةٌ. أَوْ حَيًّا فَمَاتَ، فَدِيَةٌ، ثُمَّ إذَا اسْتَقَلَّ الْوَلِيُّ بِالِاسْتِيفَاءِ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ. وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ، فَإِنْ عَلِمَا أَوْ جَهِلَا أَوْ عَلِمَ الْإِمَامُ دُونَ الْوَلِيِّ، اخْتَصَّ الضَّمَانُ بِالْإِمَامِ عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّ الْبَحْثَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْآمِر بِهِ.
стр. 198
وَفِي وَجْهٍ: عَلَى الْوَلِيِّ ; لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ وَفِي آخَرَ: عَلَيْهِمَا.
وَإِنْ عَلِمَ الْوَلِيُّ، دُونَ الْإِمَامِ، اُخْتُصَّ بِالْوَلِيِّ عَلَى الصَّحِيحِ لِاجْتِمَاعِ الْعِلْمِ وَالْمُبَاشِرِ. وَفِي وَجْهٍ: بِالْإِمَامِ لِتَقْصِيرِهِ.
وَلَوْ بَاشَرَ الْقَتْلَ جَلَّادُ الْإِمَامِ ; فَإِنْ جَهِلَ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِحَالٍ ; لِأَنَّهُ آلَةُ الْإِمَامِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْبَحْثُ عَمَّا يَأْمُرُهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا، فَكَالْوَلِيِّ إنْ عَلِمَ الْإِمَامُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِلَّا اُخْتُصَّ بِهِ.
وَلَوْ عَلِمَ الْوَلِيُّ مَعَ الْجَلَّادِ، فَفِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ، حَتَّى إذَا كَانُوا عَالِمِينَ ضَمِنُوا أَثْلَاثًا.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّ الْأَصَحَّ فِيمَا إذَا عَلِمَا، أَوْ جَهِلَا: أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْإِمَامِ خَاصَّةً، فَكَيْف يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ هُنَا؟
قَالَ: قَالَ: فَالصَّوَابُ تَفْرِيعُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ عَلَيْهِمَا إذَا عَلِمَا، ثُمَّ مِنْ الْمُشْكِلِ: أَنَّهُمَا صَحَّحَا هُنَا اخْتِصَاصَ الضَّمَانِ بِالْإِمَامِ، إذَا عَلِمَ هُوَ وَالْوَلِيّ ; وَصَحَّحَا فِيمَا إذَا رَجَعَ الشُّهُودُ، وَاقْتَصَّ الْوَلِيّ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ، بِأَنَّ الْقِصَاصَ وَاجِبٌ عَلَى الْكُلِّ، بَلْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّ الضَّمَانَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَخْتَصُّ بِالْحَاكِمِ.
وَصَحَّحَا فِيمَا إذَا أَمَرَ السُّلْطَانُ بِقَتْلِ رَجُلٍ ظُلْمًا وَكَانَ هُوَ وَالْمَأْمُورُ عَالِمَيْنِ اخْتِصَاصَهُ بِالْمَأْمُورِ، إذَا لَمْ يَكُنْ إكْرَاهٌ، فَهَذِهِ ثَلَاثُ نَظَائِرَ مُخْتَلِفَةٍ.
قَالَ فِي مَيْدَانِ الْفُرْسَانِ: وَكَأَنَّ الْفَرْقَ: أَنَّ الْإِحَاطَة بِسَبَبِ الْمَنْعِ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الْقَتْلِ فِي غَيْرِ مَسْأَلَة الْحَامِلِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِ الْحَاكِمِ بِهِ بِخِلَافٍ فِيهَا، فَإِنَّ مَنَاطَ الْمَنْعِ فِيهَا الظَّنُّ النَّاشِئُ مِنْ شَهَادَةِ النِّسْوَةِ بِالْحَمْلِ. وَمَنْصِبَ سَمَاعِ الشَّهَادَةِ يَخْتَصُّ بِالْحَاكِمِ، فَإِذَا أَمْكَنَ مِنْ الْقَتْلِ بَعْدَ أَدَائِهَا. آذَنَ ذَلِكَ بِضَعْفِ السَّبَبِ عِنْدَهُ، فَأَثَّرَ فِي ظَنَّ الْوَلِيّ، فَلِذَلِكَ أُحِيلَ الضَّمَانُ عَلَى تَفْرِيطِ الْحَاكِمِ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ عِنْدَ رُجُوعِ الْوَلِيّ وَالْقَاضِي، لِعَدَمِ ذَلِكَ فِيهِ. انْتَهَى.
[مَنْ يُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى الْجَهْلِ وَمَنْ لَا يُقْبَلُ]
كُلُّ مَنْ جَهِلَ تَحْرِيمَ شَيْءٍ مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ غَالِبُ النَّاسِ. لَمْ يُقْبَلْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ يَخْفَى فِيهَا مِثْلُ ذَلِكَ: كَتَحْرِيمِ الزِّنَا، وَالْقَتْلِ، وَالسَّرِقَةِ وَالْخَمْرِ، وَالْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ، وَالْقَتْلِ بِالشَّهَادَةِ إذَا رَجَعَا، وَقَالَا تَعَمَّدْنَا، وَلَمْ نَعْلَم أَنَّهُ يُقْتَلُ بِشَهَادَتِنَا. وَوَطْءِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالْمَرْهُونَةِ بِدُونِ إذْنِ الرَّاهِنِ، فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ قُبِلَ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْفَى عَلَى الْعَوَامّ.
стр. 199
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَعْنِي الَّذِي يُقْبَلُ فِيهِ دَعْوَى الْجَهْلِ مُطْلَقًا لِخَفَائِهِ كَوْنُ التَّنَحْنُحِ مُبْطِلًا لِلصَّلَاةِ، أَوْ كَوْنُ الْقَدْرِ الَّذِي أَتَى بِهِ مِنْ الْكَلَامِ مُحَرَّمًا، أَوْ النَّوْعِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ مُفْطِرًا فَالْأَصَحُّ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ: عَدَمُ الْبُطْلَانِ.
وَلَوْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الطِّيبِ، وَاعْتَقَدَ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الطِّيبِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ، فَالصَّحِيحُ وُجُوبُ الْفِدْيَةِ لِتَقْصِيرِهِ، كَذَا فِي كُتُبِ الشَّيْخَيْنِ.
فَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ مُخَالِفٌ لَمَسْأَلَتَيْ الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ.
وَلَا يُقْبَلُ دَعْوَى الْجَهْلِ، بِثُبُوتِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَالْأَخَذِ بِالشُّفْعَةِ مِنْ قَدِيمِ الْإِسْلَامِ لِاشْتِهَارِهِ، وَتُقْبَلُ فِي ثُبُوتِ خِيَارِ الْعِتْقِ، وَفِي نَفْيِ الْوَلَدِ فِي الْأَظْهَرِ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْخَوَاصُّ.
[قَاعِدَةٌ: كُلُّ مَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ شَيْءٍ وَجَهِلَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ]
ِ، لَمْ يَفِدْهُ ذَلِكَ) كَمَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الزِّنَا، وَالْخَمْرِ، وَجَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ. يُحَدُّ بِالِاتِّفَاقِ ; لِأَنَّهُ كَانَ حَقُّهُ الِامْتِنَاعَ. وَكَذَا لَوْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الْقَتْلِ، وَجَهِلَ وُجُوبَ الْقِصَاصِ: يَجِبُ الْقِصَاصُ.
أَوْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ، وَجَهِلَ كَوْنَهُ مُبْطَلًا: يَبْطُلُ. وَتَحْرِيمَ الطِّيبِ، وَجَهِلَ وُجُوبَ الْفِدْيَةِ: تَجِبُ.
فَرْعٌ:
عَلِمَ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ، وَقَالَ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ. قَالُوا: فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ. يُقْبَلُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَخْفَى. كَذَا أَطْلَقَهُ الرَّافِعِيُّ، وَاسْتَدْرَكَهُ النَّوَوِيُّ، فَقَالَ: شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ.
وَفِي عِتْقِ الْأَمَةِ نَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْغَزَالِيِّ: أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ. وَجُزِمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ ; لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ ثُبُوتَ أَصْلِ الْخِيَارِ عَلِمَ كَوْنَهُ عَلَى الْفَوْرِ.
ثُمَّ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَمْ أَرَ لِهَذِهِ الصُّورَةِ تَعَرُّضًا فِي سَائِرِ كُتُبِ الْأَصْحَابِ. نَعَمْ: صَوَّرَهَا الْعَبَّادِيُّ فِي الرَّقْمِ: بِأَنْ تَكُونَ قَدِيمَةَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، وَخَالَطَتْ أَهْلَهُ: فَإِنْ كَانَتْ حَدِيثَةَ عَهْدٍ، وَلَمْ تُخَالِطْ أَهْلَهُ، فَقَوْلَانِ.
وَفِي نَفْيِ الْوَلَدِ: سَوَّى فِي التَّنْبِيهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَعْوَى الْجَهْلِ بِأَصْلِ الْخِيَارِ، فَيُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ قَدِيمِ الْإِسْلَامِ وَقَرِيبِهِ. وَأَقَرَّهُ النَّوَوِيُّ فِي التَّصْحِيحِ وَلَا ذِكْرَ لِلْمَسْأَلَةِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا.
стр. 200
[تَذْنِيبٌ: فِي نَظَائِرَ مُتَعَلِّقَةٍ بِالْجَهْلِ]
ِ " مِنْهَا: عَزْلُ الْوَكِيلِ قَبْلَ عِلْمِهِ. فِيهِ وَجْهَانِ، وَالْأَصَحُّ: انْعِزَالُهُ، وَعَدَمُ نُفُوذِ تَصَرُّفِهِ.
وَمِنْهَا: عَزْلُ الْقَاضِي قَبْلَ عِلْمِهِ. وَالْأَصَحُّ فِيهِ: عَدَمُ الِانْعِزَالِ، حَتَّى يَبْلُغَهُ.
وَالْفَرْقُ: عُسْرُ تَتَبُّعِ أَحْكَامِهِ بِالْإِبْطَالِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ.
وَمِنْهَا: الْوَاهِبَةُ نَوْبَتَهَا فِي الْقَسْمِ إذَا رَجَعَتْ وَلَمْ يَعْلَمْ الزَّوْجُ: لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، وَقِيلَ: فِيهِ خِلَافُ الْوَكِيلِ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَسَمَ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ، وَالْأَمَةِ لَيْلَةً فَعَتَقَتْ وَلَمْ يَعْلَمْ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا قَضَاءَ وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: الْقِيَاسُ أَنْ يَقْضِيَ لَهَا.
وَمِنْهَا: لَوْ أَبَاحَ ثِمَارَ بُسْتَانِهِ، ثُمَّ رَجَعَ، وَلَمْ يُعْلَمْ الْمُبَاحُ لَهُ. فَفِي ضَمَانِ مَا أَكَلَ خِلَافُ الْوَكِيلِ.
وَمِنْهَا: النَّسْخُ قَبْلَ بُلُوغِ الْمُكَلَّفِ، فِيهِ خِلَافُ الْوَكِيلِ، قَالَهُ الرُّويَانِيُّ.
وَمِنْهَا: لَوْ عَفَا الْوَلِيُّ، وَلَمْ يَعْلَمْ الْجَلَّادُ. فَاقْتَصَّ، فَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ قَوْلَانِ مُخْرَجَانِ مِنْ عَزْلِ الْوَكِيلِ. أَصَحُّهُمَا: الْوُجُوبُ.
وَمِنْهَا: لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي الْإِحْرَامِ. ثُمَّ رَجَعَ، وَلَمْ يَعْلَمْ الْعَبْدُ، فَلَهُ تَحْلِيلُهُ فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا: لَوْ أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ فِي بَيْعِ الْمَرْهُونَةِ. ثُمَّ رَجَعَ، وَلَمْ يَعْلَمْ الرَّاهِنُ فَفِي نُفُوذِ تَصَرُّفِهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا يَنْفُذُ.
وَمِنْهَا: إذَا خَرَجَ الْأَقْرَبُ عَنْ الْوِلَايَةِ، فَهِيَ لِلْأَبْعَدِ، فَلَوْ زَالَ الْمَانِعُ مِنْ الْأَقْرَبِ، وَزَوَّجَ الْأَبْعَدُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَفِي الصِّحَّةِ: الْوَجْهَانِ.
وَمِنْهَا: لَوْ عَتَقَتْ الْأَمَةُ، وَلَمْ تَعْلَمْ، فَصَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ فَقَوْلَانِ. أَصَحُّهُمَا: تَجِبُ الْإِعَادَةُ.
وَمِنْهَا: لَوْ وَكَّلَهُ وَهُوَ غَائِبٌ، فَهَلْ يَكُونُ وَكِيلًا مِنْ حِينِ التَّوْكِيلِ، أَوْ مِنْ حِينِ بُلُوغِ الْخَبَرِ؟ وَجْهَانِ: مُقْتَضَى مَا فِي الرَّوْضَةِ: تَصْحِيحُ الْأَوَّلِ.
وَمِنْهَا: لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي النِّكَاحِ، ثُمَّ رَجَعَ وَلَمْ يَعْلَمْ الْعَبْدُ، فَفِي صِحَّةِ نِكَاحِهِ. وَجْهَانِ.
وَمِنْهَا: لَوْ اسْتَأْذَنَهَا غَيْرُ الْمُجْبِرِ، فَأَذِنَتْ، ثُمَّ رَجَعَتْ، وَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى زَوَّجَ: فَفِي صِحَّتِهِ خِلَافُ الْوَكِيلِ
стр. 201
[فَصْلٌ: اخْتِلَافُ الْأُصُولِيُّونَ فِي تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ]
فَصْلٌ وَأَمَّا الْمُكْرَهُ: فَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْأُصُولِ فِي تَكْلِيفِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَفَصَّلَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَأَتْبَاعُهُ، فَقَالُوا: إنْ انْتَهَى الْإِكْرَاهُ إلَى حَدِّ الْإِلْجَاءِ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ إلَى ذَلِكَ، فَهُوَ مُخْتَارٌ. وَتَكْلِيفُهُ جَائِزٌ شَرْعًا وَعَقْلًا. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ: الْإِكْرَاهُ يُسْقِطُ أَثَرَ التَّصَرُّفِ عِنْدَنَا، إلَّا فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ، وَذَكَرَ إسْلَامَ الْحَرْبِيِّ، وَالْقَتْلَ، وَالْإِرْضَاعَ، وَالزِّنَا، وَالطَّلَاقَ، إذَا أُكْرِهَ عَلَى فِعْلِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، وَزَادَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مَوَاضِعَ.
وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ: أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِائَةُ مَسْأَلَةٍ لَا أَثَرَ لِلْإِكْرَاهِ فِيهَا، وَلَمْ يُعَدِّدْهَا، وَطَالَمَا أَمْعَنْت النَّظَرَ فِي تَتَبُّعِهَا، حَتَّى جَمَعْت مِنْهَا جُمْلَةً كَثِيرَةً، وَقَدْ رَأَيْت الْإِكْرَاهَ يُسَاوِي النِّسْيَانَ، فَإِنَّ الْمَوَاضِعَ الْمَذْكُورَةَ: إمَّا مِنْ بَابِ تَرْكِ الْمَأْمُورِ، فَلَا يَسْقُطُ تَدَارُكُهُ وَلَا يَحْصُلُ الثَّوَابُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ، وَإِمَّا مِنْ بَابِ الْإِتْلَافِ، فَلَا يَسْقُطُ الْحُكْمُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ وَتَسْقُطُ الْعُقُوبَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ، إلَّا الْقَتْلَ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَهَا أَنَا أَسْرُدُ مَا يَحْضُرُنِي مِنْ ذَلِكَ:
الْأَوَّلُ: الْإِكْرَاهُ عَنْ الْحَدَثِ، وَهُوَ مِنْ بَابَ الْإِتْلَافِ فَإِنَّهُ الْإِتْلَافُ لِلطَّهَارَةِ، وَلِهَذَا لَوْ أَحْدَثَ نَاسِيًا انْتَقَضَ، وَفِي مَسِّ الْفَرْجِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ: أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ نَاسِيًا.
وَإِذَا نُوِّعَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ إلَى أَسْبَابِ الْحَدَثِ الْأَرْبَعَةِ وَالْجِمَاعِ كَثُرَتْ الصُّوَرُ.
الثَّانِي الْإِكْرَاهُ عَلَى إفْسَادِ الْمَاءِ بِالِاسْتِعْمَالِ أَوْ النَّجَاسَةِ أَوْ مُغَيِّرٍ طَاهِرٍ، فَإِنَّهُ يَفْسُدُ وَهُوَ أَيْضًا مِنْ بَابِ الْإِتْلَافِ، إذْ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَغَيْرِهِ.
الثَّالِث: قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: لَوْ أُلْقِيَ إنْسَانٌ فِي نَهْرٍ مُكْرَهًا، فَنَوَى فِيهِ رَفْعَ الْحَدَثِ. صَحَّ وُضُوءُهُ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ صِحَّةَ وُضُوئِهِ ; وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَفْصِيلٍ.
فَإِنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ، وَهُوَ يُرِيدُ الْمُقَامَ فِيهِ، وَلَوْ لَحْظَةً. صَحَّ ; لِأَنَّهُ فِعْلٌ يُتَصَوَّرُ قَصْدُهُ.
وَإِنْ كُرِهَ الْمُقَامُ، وَتَحَقَّقَ الِاضْطِرَارُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ. إذْ لَا تَتَحَقَّقُ النِّيَّةُ بِهِ.
الرَّابِعُ، وَالْخَامِسُ: الْإِكْرَاهُ عَلَى غَسْلِ النَّجَاسَةِ، وَدَبْغِ الْجِلْدِ.
السَّادِسُ: الْإِكْرَاهُ عَلَى التَّحَوُّلِ عَنْ الْقِبْلَةِ فِي الصَّلَاةِ، فَتَبْطُلُ.
السَّابِعُ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الْكَلَامِ فِيهَا: فَتَبْطُلُ فِي الْأَظْهَرِ، لِنُدُورِهِ.
стр. 202
الثَّامِنُ: الْإِكْرَاهُ عَلَى فِعْلٍ يُنَافِي الصَّلَاةَ، فَتَبْطُلُ قَطْعًا، لِنُدُورِهِ.
التَّاسِعُ: الْإِكْرَاهُ عَلَى تَرْكِ الْقِيَامِ، فِي الْفَرْضِ.
الْعَاشِرُ: الْإِكْرَاهُ عَلَى تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ الْوَقْتِ، فَتَصِيرُ قَضَاءً.
الْحَادِيَ عَشَرَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى تَفَرُّقِ الْمُتَصَارِفَيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَيَبْطُلُ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي الِاسْتِقْصَاءِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ يَبْطُلُ مَعَ النِّسْيَانِ، كَمَا نُصَّ عَلَيْهِ، وَالْجَهْلُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقِيَاسُهُ فِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ كَذَلِكَ.
الثَّانِيَ عَشَرَ: لَوْ ضُرِبَا فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ حَتَّى تَفَرَّقَا فَفِي انْقِطَاعِ الْخِيَارِ قَوْلَا حِنْثِ الْمُكْرَهِ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ، فَإِنَّهُ يُطَالَبُ بِالضَّمَانِ. وَإِنْ كَانَ الْقَرَارُ عَلَى الْمُكْرَهِ فِي الْأَصَحِّ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى إتْلَافِ الصَّيْدِ كَذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حُلِقَ شَعْرُ مُحْرِمٍ مُكْرَهًا لَا يَكُونُ لِلْمُحْرِمِ طَرِيقًا فِي الضَّمَانِ عَلَى الْأَظْهَرِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ، فَإِنَّهُ يُفْطِرُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ.
السَّادِسَ عَشَرَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الْجِمَاعِ فِي الصَّوْمِ فِيهِ الطَّرِيقَانِ الْآتِيَانِ.
السَّابِعَ عَشَرَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الْجِمَاعِ فِي الْإِحْرَامِ فِيهِ طَرِيقَانِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، بِلَا تَرْجِيحٍ.
أَحَدُهُمَا: يُفْسِدُ قَطْعًا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ إكْرَاهَ الرَّجُلِ عَلَى الْوَطْءِ لَا يُتَصَوَّرُ.
وَالثَّانِي: فِيهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى النَّاسِي.
الثَّامِنَ عَشَرَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ الْمُعْتَكَفِ فَإِنَّهُ يُبْطِلُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، كَالْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ.
التَّاسِعَ عَشَرَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى إعْطَاءِ الْوَدِيعَةِ لِظَالِمٍ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ فِي الْأَصَحِّ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى مَنْ أَخَذَ مِنْهُ.
الْعِشْرُونَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الذَّبْحِ، أَوْ الرَّمْي مِنْ مُحْرِمٍ، وَمَجُوسِيٍّ، لِحَلَالٍ وَمُسْلِمٍ.
الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: إكْرَاهُ الْحَرْبِيِّ، عَلَى الْإِسْلَامِ.
الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: إكْرَاهُ الْمُرْتَدِّ عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: إكْرَاهُ الذِّمِّيِّ عَلَى وَجْهٍ، الْأَصَحُّ: خِلَافُهُ.
الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى تَخْلِيلِ الْخَمْرِ بِلَا عَيْنٍ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: يُحْتَمَل إلْحَاقُهُ بِالْمُخْتَارِ، وَيُحْتَمَلُ الْقَطْعُ بِالطَّهَارَةِ.
стр. 203
الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ - إلَى الثَّلَاثِينَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الْوَطْءِ، فَيَحْصُلُ الْإِحْصَانُ، وَيَسْتَقِرُّ الْمَهْرُ، وَتَحِلُّ لِلْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا، وَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ، وَتَصِيرُ أَمَتُهُ بِهِ مُسْتَوْلَدَةً، وَيَلْزَمُهُ الْمَهْرُ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ.
قُلْته تَخْرِيجًا، ثُمَّ رَأَيْت الْإِسْنَوِيَّ ذَكَرَ بَحْثًا أَنَّهُ كَإِتْلَافِ الْمَالِ.
الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الْقَتْلِ، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرَهِ فِي الْأَظْهَرِ.
الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الزِّنَا لَا يُبِيحُهُ.
الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: وَعَلَى اللِّوَاطِ.
الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: وَيُوجِبُ الْحَدَّ فِي قَوْلٍ.
الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ، وَالْحُكْمُ بِالْبَاطِلِ فِي قَتْلٍ، أَوْ قَطْعٍ، أَوْ جَلْدٍ.
السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ وَالثَّامِنُ وَالتَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَةِ الْمُكْرَهِ أَوْ بَيْعِ مَالِهِ، أَوْ عِتْقِ عَبْدِهِ ; لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِذْنِ.
أَمَّا لَوْ أَكْرَهَ أَجْنَبِيٌّ الْوَكِيلَ عَلَى بَيْعِ مَا وُكِّلَ فِيهِ، فَفِي نَظِيرِهِ مِنْ الطَّلَاقِ احْتِمَالَانِ لِلرُّويَانِيِّ حَكَاهُمَا عَنْهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، أَصَحُّهُمَا عِنْدَهُ: عَدَمُ الصِّحَّةِ ; لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ.
الْأَرْبَعُونَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى وِلَايَةِ الْقَضَاءِ.
الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: لَوْ أُكْرِهَ الْمُحْرِمُ، أَوْ الصَّائِمُ عَلَى الزِّنَا. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لَا يَحْضُرُنِي فِيهَا نَقْلٌ، وَالْمُتَّجَهُ: أَنَّهُ يُفْسِدُ عِبَادَتَهُ ; لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ بِالْإِكْرَاهِ. قَالَ: إلَّا أَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الْحَدِّ، قَدْ يُرَجِّحُ عَدَمَ الْإِفْسَادِ.
الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: لَوْ أُكْرِهَ عَلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ، فَتَيَمَّمَ.
قَالَ الرُّويَانِيُّ: لَا قَضَاءَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَالَ: لَكِنَّ الرَّاجِحَ مَا ذَكَرَهُ ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَنْ غُصِبَ مَاؤُهُ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْمُتَّجَهُ خِلَافُهُ ; لِأَنَّ الْغَصْبَ كَثِيرٌ مَعْهُودٌ، بِخِلَافِ الْإِكْرَاهِ عَلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ، فَعَلَى هَذَا يُسْتَثْنَى.
الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى السَّرِقَةِ: لَا يُسْقِطُ الْحَدَّ فِي قَوْلٍ.
الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ مُكْرَهًا، عَلَى الصَّحِيحِ.
الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الْإِرْضَاعِ: يَحْرُمُ اتِّفَاقًا، وَيُوجِبُ الْمَهْرَ إذَا انْفَسَخَ بِهِ النِّكَاحُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ، عَلَى الْأَصَحِّ،
стр. 204
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ.
السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الْقَذْفِ: يُوجِبُ الْحَدَّ فِي وَجْهٍ.
الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ: الْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ لَهُ، وَتَحْتَ ذَلِكَ صُوَرٌ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الْأَذَانِ، وَعَلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ، وَالْوُضُوءِ وَأَرْكَانِ الطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةِ، وَالْحَجِّ، وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْكَفَّارَةِ، وَالدَّيْنِ، وَبَيْعِ مَا لَهُ فِيهِ، وَالصَّوْمِ، وَالِاسْتِئْجَارِ لِلْحَجِّ، وَالْإِنْفَاقِ عَلَى رَقِيقِهِ، وَبَهِيمَتِهِ، وَقَرِيبِهِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَإِعْتَاقِ الْمَنْذُورِ عِتْقُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَحْرِ، وَالْمُشْتَرِي بِشَرْطِ الْعِتْقِ، وَطَلَاقِ الْمَوْلَى، إذَا لَمْ يَطَأْ، وَاخْتِيَارِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، وَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَالْجِهَادِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ.
فَهَذِهِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ صُورَةً فِي ضَابِطِ الْإِكْرَاهِ بِحَقٍّ، وَمِنْهُ فِيمَا ذَكَرَ الْإِسْنَوِيُّ: أَنْ يَأْذَنَ أَجْنَبِيٌّ لِلْعَبْدِ فِي بَيْعِ مَالِهِ. فَيَمْتَنِعُ، فَيُكْرِهُهُ السَّيِّدُ، فَلَا شَكَّ فِي الصِّحَّةِ ; لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ غَرَضًا صَحِيحًا فِي ذَلِكَ: إمَّا لِتَقْلِيدِ إمَامِهِ، أَوْ أَخْذِ أُجْرَةٍ.
فَهَذِهِ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِينَ صُورَةً، لَا أَثَرَ لِلْإِكْرَاهِ فِيهَا، وَفِي بَعْضِ صُوَرِهَا مَا يَقْتَضِي التَّعَدُّدَ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهِ، فَيَبْلُغُ بِذَلِكَ الْمِائَةَ. وَفِيهَا نَحْوُ عَشْرِ صُوَرٍ عَلَى رَأْيٍ ضَعِيفٍ.
تَنْبِيهٌ:
مِنْ الْمُشْكِلِ، قَوْلُ الْمِنْهَاجِ فِي الْخُلْعِ: وَإِنْ قَالَ: أَقْبَضَتْنِي، فَقِيلَ: كَالْإِعْطَاءِ. وَالْأَصَحُّ كَسَائِرِ التَّعْلِيقِ، فَلَا يَمْلِكُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ لِلْإِقْبَاضِ مَجْلِسٌ. وَيُشْتَرَطُ لِتَحَقُّقِ الصِّفَةِ أَخْذُهُ بِيَدِهِ مِنْهَا، وَلَوْ مُكْرَهَةً.
وَوَجْهُ الْإِشْكَالِ: أَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ إقْبَاضُهَا، وَالْإِقْبَاضُ مَعَ الْإِكْرَاهِ مَلْغِيٌّ شَرْعًا، فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: فَذِكْرُهُ فِي الْمِنْهَاجِ لَا مَخْرَجَ لَهُ إلَّا الْحَمْلَ عَلَى السَّهْوِ. وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي الرَّوْضَةِ وَالشَّرْحِ، إلَّا فِيمَا إذَا قَالَ: إنْ قَبَضْت مِنْكَ، لَا فِي قَوْلِهِ: إنْ أَقْبَضْتَنِي.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: فَمَا وَقَعَ فِي الْمِنْهَاجِ وَهْمٌ، انْتَقَلَ مِنْ مَسْأَلَةِ " إنْ قَبَضْت " إلَى مَسْأَلَةِ " إنْ أَقْبَضْتَنِي ".
[مَا يُبَاحُ بِالْإِكْرَاهِ وَمَا لَا يُبَاحُ]
ُ فِيهِ فُرُوعٌ: الْأَوَّلُ: التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، فَيُبَاحُ بِهِ، لِلْآيَةِ. وَلَا يَجِبُ، بَلْ الْأَفْضَلُ: الِامْتِنَاعُ
стр. 205
مُصَابَرَةً، عَلَى الدِّينِ، وَاقْتِدَاءً بِالسَّلَفِ. وَقِيلَ: الْأَفْضَلُ التَّلَفُّظُ، صِيَانَةً لِنَفْسِهِ. وَقِيلَ: إنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ النِّكَايَةُ فِي الْعَدُوِّ، وَالْقِيَامُ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ فَالْأَفْضَلُ التَّلَفُّظُ، لِمَصْلَحَةِ نَقَائِهِ، وَإِلَّا فَالْأَفْضَلُ الِامْتِنَاعُ.
الثَّانِي: الْقِتَالُ الْمُحَرَّمُ لِحَقِّ اللَّهِ، يُبَاحُ بِهِ، بِلَا خِلَافٍ. بِخِلَافِ الْمُحَرَّمِ لِلْمَالِيَّةِ، كَنِسَاءِ الْحَرْبِ. وَصِبْيَانِهِمْ، فَيُبَاحُ بِهِ.
الثَّالِث: الزِّنَا، وَلَا يُبَاحُ بِهِ بِالِاتِّفَاقِ أَيْضًا ; لِأَنَّ مَفْسَدَتَهُ أَفْحَشُ مِنْ الصَّبْرِ عَلَى الْقَتْلِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُكْرَهُ رَجُلًا، أَوْ امْرَأَةً.
الرَّابِعُ: اللِّوَاطُ، وَلَا يُبَاحُ بِهِ أَيْضًا. صُرِّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ.
الْخَامِسُ: الْقَذْفُ. قَالَ الْعَلَائِيُّ: لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ. وَفِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ يُبَاحُ بِالْإِكْرَاهِ. وَلَا يَجِبُ بِهِ حَدٌّ، وَهُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ قَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ. انْتَهَى.
قُلْت: قَدْ تَعَرَّضَ لَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ، فَقَالَ: يُشْبِهُ أَنْ يَلْتَحِقَ بِالتَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَلَا نَظَرَ إلَى تَعَلُّقِهِ بِالْمَقْذُوفِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ.
السَّادِسُ: السَّرِقَةُ، قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: يَظْهَرُ أَنْ تَلْتَحِقَ بِإِتْلَافِ الْمَالِ ; لِأَنَّهَا دُونَ الْإِتْلَافِ.
قَالَ فِي الْخَادِمِ: وَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ بِإِبَاحَتِهَا، مِنْهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ ; فِي تَعْلِيقِهِ. قُلْت: وَجَزَمَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ فِي التَّمْهِيدِ.
السَّابِعُ: شُرْبُ الْخَمْرِ وَيُبَاحُ بِهِ قَطْعًا اسْتِبْقَاءً لِلْمُهْجَةِ، كَمَا يُبَاحُ لِمَنْ غَصَّ بِلُقْمَةٍ أَنْ يُسِيغَهَا بِهِ، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ.
الثَّامِنُ: شُرْبُ الْبَوْلِ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ، وَيُبَاحَانِ. وَفِي الْوُجُوبِ: احْتِمَالَانِ لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ.
قُلْت: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَصَحُّهُمَا الْوُجُوبَ.
التَّاسِعُ: إتْلَافُ مَالِ الْغَيْرِ، وَيُبَاحُ بِهِ، بَلْ يَجِبُ قَطْعًا، كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُضْطَرِّ أَكْلُ طَعَامِ غَيْرِهِ.
الْعَاشِرُ: شَهَادَةُ الزُّورِ، فَإِنْ كَانَتْ تَقْتَضِي قَتْلًا، أَوْ قَطْعًا أُلْحِقَتْ بِهِ، أَوْ إتْلَافَ مَالٍ أُلْحِقَتْ بِهِ، أَوْ جَلْدًا، فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ، إذْ يُفْضِي إلَى الْقَتْلِ، كَذَا فِي الْمَطْلَبِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ: لَوْ أُكْرِهَ عَلَى شَهَادَةٍ زُورٍ، أَوْ حُكْمٍ بَاطِلٍ فِي قَتْلٍ، أَوْ قَطْعٍ، أَوْ إحْلَالِ بُضْعٍ، اسْتَسْلَمَ لِلْقَتْلِ، وَإِنْ كَانَ يَتَضَمَّنُ إتْلَافَ مَالٍ، لَزِمَهُ ذَلِكَ حِفْظًا لِلْمُهْجَةِ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: الْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ، يُبَاح بِهِ، بَلْ يَجِبُ عَلَى الصَّحِيحِ.
الثَّانِي عَشَرَ: الْخُرُوجُ مِنْ صَلَاةِ الْفَرْضِ: وَهُوَ كَالْفِطْرِ.
стр. 206
فَائِدَةٌ: ضَبَطَ الْأَوْدَنِيُّ هَذِهِ الصُّوَرَ: بِأَنَّ مَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، يَسْقُطُ حُكْمُهُ بِالْإِكْرَاهِ، وَمَا لَا فَلَا، نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا.
قَالَ فِي الْخَادِمِ: وَقَدْ أُورِدَ عَلَيْهِ شُرْبُ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ بِالْإِكْرَاهِ، وَلَا يَسْقُطُ حَدُّهُ بِالتَّوْبَةِ وَكَذَلِكَ الْقَذْفُ.
[مَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ وَمَا لَا]
قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَا يُتَصَوَّرُ الْإِكْرَاهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ.
وَفِي الزِّنَا: وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ ; لِأَنَّهُ مَنُوطٌ بِالْإِيلَاجِ وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّ الْإِيلَاجَ، إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الِانْتِشَارِ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى الِاخْتِيَارِ وَالشَّهْوَةِ.
وَفِي التَّنْبِيهِ: وَلَا يُعْذَرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الصَّلَاةِ فِي تَأْخِيرِهَا عَنْ الْوَقْتِ، إلَّا نَائِمٌ أَوْ نَاسٍ، أَوْ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى تَأْخِيرِهَا، وَاسْتُشْكِلَ تَصَوُّرُ الْإِكْرَاهِ عَلَى تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ كُلِّ حَالَةٍ تَنْتَقِلُ لِمَا دُونَهَا إلَى إمْرَارِ الْأَفْعَالِ عَلَى الْقَلْبِ، وَهُوَ شَيْءٌ لَا يُمْكِنُ الْإِكْرَاهُ عَلَى تَأْخِيرِهِ. وَهُوَ يَفْعَلُهُ غَيْرَ مُؤَخَّرٍ.
وَصَوَّرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِالْإِكْرَاهِ عَلَى التَّلَبُّسِ بِمُنَافٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي زَيْنُ الدِّينِ الْبُلْغِيَائِيُّ: الْمُرَادُ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمُجْزِئِ مِنْ الطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا. وَلَا يَكُونُ الْإِكْرَاهُ عُذْرًا فِي الْإِجْزَاءِ لِنُدُورِهِ، أَوْ يُكْرَهُ الْمُحْدِثُ عَلَى تَأْخِيرِهَا عَنْ الْوَقْتِ. وَيُمْنَعُ مِنْ الْوُضُوءِ فِي الْوَقْتِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ، فِي التَّوْشِيحِ: قَدْ يُقَالُ: الْمُكْرَهُ قَدْ يُدْهَشُ، حَتَّى عَنْ الْإِيمَاءِ بِالطَّرْفِ. وَيَكُونُ مُؤَخَّرًا مَعْذُورًا، كَالْمُكْرَهِ عَلَى الطَّلَاقِ. لَا يَلْزَمُهُ التَّوْرِيَةُ إذَا انْدَهَشَ قَطْعًا.
[مَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِكْرَاهُ]
ُ قَالَ الرَّافِعِيُّ: الَّذِي مَالَ إلَيْهِ الْمُعْتَبِرُونَ: أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْقَتْلِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالتَّخْوِيفِ بِالْقَتْلِ، أَوْ مَا يُخَافُ مِنْهُ الْقَتْلُ.، وَأَمَّا غَيْرُهُ، فَفِيهِ سَبْعَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْقَتْلِ.
الثَّانِي: الْقَتْلُ، أَوْ الْقَطْعُ، أَوْ ضَرْبٌ يُخَافُ مِنْهُ الْهَلَاكُ.
стр. 207
الثَّالِثُ: مَا يَسْلُبُ الِاخْتِيَارَ، وَيَجْعَلُهُ كَالْهَارِبِ مِنْ الْأَسَدِ الَّذِي يَتَخَطَّى الشَّوْكَ وَالنَّارَ وَلَا يُبَالِي، فَيَخْرُجُ عَنْهُ الْحَبْسُ.
الرَّابِعُ: اشْتِرَاطُ عُقُوبَةٍ بَدَنِيَّةٍ، يَتَعَلَّقُ بِهَا قَوَدٌ.
الْخَامِسُ: اشْتِرَاطُ عُقُوبَةٍ شَدِيدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِبَدَنِهِ، كَالْحَبْسِ الطَّوِيل.
السَّادِسُ: أَنَّهُ يَحْصُلُ بِمَا ذُكِرَ وَبِأَخْذِ الْمَالِ، أَوْ إتْلَافِهِ، وَالِاسْتِخْفَافِ بِالْأَمَاثِلِ، وَإِهَانَتِهِمْ، كَالصَّفْعِ بِالْمَلَأِ، وَتَسْوِيدِ الْوَجْهِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ جُمْهُورِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ.
السَّابِعُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ النَّوَوِيِّ فِي الرَّوْضَةِ -: أَنَّهُ يَحْصُلُ بِكُلِّ مَا يُؤْثِرُ الْعَاقِلُ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِ، حَذَرًا مَا هُدِّدَ بِهِ وَذَاكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، وَالْأَفْعَالِ الْمَطْلُوبَةِ، وَالْأُمُورِ الْمَخُوفِ بِهَا فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ إكْرَاهًا فِي شَيْءٍ دُونَ غَيْرِهِ، وَفِي حَقِّ شَخْصٍ دُونَ آخَرَ.
فَالْإِكْرَاهُ عَلَى الطَّلَاقِ يَكُونُ بِالتَّخْوِيفِ بِالْقَتْلِ، وَالْقَطْعِ، وَالْحَبْسِ الطَّوِيلِ وَالضَّرْبِ الْكَثِيرِ وَالْمُتَوَسِّطِ لِمَنْ لَا يَحْتَمِلُهُ بَدَنُهُ وَلَمْ يَعْتَدْهُ، وَبِتَخْوِيفِ ذِي الْمُرُوءَةِ بِالصَّفْعِ فِي الْمَلَإِ وَتَسْوِيدِ الْوَجْهِ، وَنَحْوِهِ، وَكَذَا بِقَتْلِ الْوَالِدِ وَإِنْ عَلَا وَالْوَلَدِ، وَإِنْ سَفَلَ عَلَى الصَّحِيحِ. لَا سَائِرِ الْمَحَارِمِ. وَإِتْلَافِ الْمَالِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْقَتْلِ، فَالتَّخْوِيفُ بِالْحَبْسِ، وَقَتْلِ الْوَلَدِ لَيْسَ إكْرَاهًا.
وَإِنْ كَانَ عَلَى إتْلَافِ مَالٍ فَالتَّخْوِيفُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ إكْرَاهٌ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الْوَجْهُ أَصَحُّ لَكِنْ فِي بَعْض تَفْصِيلِهِ الْمَذْكُورِ نَظَرٌ، وَالتَّهْدِيدُ بِالنَّفْيِ عَنْ الْبَلَدِ إكْرَاهٌ عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ مُفَارَقَةَ الْوَطَنِ شَدِيدَةٌ، وَلِهَذَا جُعِلَتْ عُقُوبَةً لِلزَّانِي.
وَكَذَا تَهْدِيدُ الْمَرْأَةِ بِالزِّنَا، وَالرَّجُلِ بِاللِّوَاطِ، وَلَا بُدَّ فِي كُلِّ ذَلِكَ مِنْ أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: قُدْرَةُ الْمُكْرِهِ عَلَى تَحْقِيقِ مَا هَدَّدَ بِهِ بِوِلَايَةٍ، أَوْ تَغَلُّبٍ، أَوْ فَرْطِ هُجُومٍ.
ثَانِيهَا: عَجْزُ الْمُكْرَهِ عَنْ دَفْعِهِ بِهَرَبٍ، أَوْ اسْتِغَاثَةٍ، أَوْ مُقَاوَمَةٍ.
ثَالِثُهَا: ظَنُّهُ أَنَّهُ إنْ امْتَنَعَ عَمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ أُوقِعَ بِهِ الْمُتَوَعَّدُ.
رَابِعُهَا: كَوْنُ الْمُتَوَعَّدِ مِمَّا يَحْرُمُ تَعَاطِيهِ عَلَى الْمُكْرَهِ.
فَلَوْ قَالَ وَلِيُّ الْقِصَاصِ لِلْجَانِي: طَلِّقْ امْرَأَتَك، وَإِلَّا اقْتَصَصْت مِنْكَ. لَمْ يَكُنْ إكْرَاهًا.
خَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَ عَاجِلًا. فَلَوْ قَالَ: طَلِّقْهَا وَإِلَّا قَتَلْتُك غَدًا، فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ.
стр. 208
سَادِسُهَا: أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا. فَلَوْ قَالَ: اُقْتُلْ زَيْدًا، أَوْ عَمْرًا، فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ.
سَابِعُهَا: أَنْ يَحْصُلَ بِفِعْلِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ التَّخَلُّصُ مِنْ الْمُتَوَعَّدِ بِهِ.
فَلَوْ قَالَ: اُقْتُلْ نَفْسَك ; وَإِلَّا قَتَلْتُكَ، فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ.
وَلَا يَحْصُلُ الْإِكْرَاهُ بِقَوْلِهِ: وَإِلَّا قَتَلْت نَفْسِي، أَوْ كَفَرْت، أَوْ أَبْطَلْت صَوْمِي، أَوْ صَلَاتِي.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ بِالْإِيمَانِ.
فَلَوْ نَطَقَ مُعْتَقِدًا بِهَا كَفَرَ، وَلَوْ نَطَقَ غَافِلًا عَنْ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ فَفِي رِدَّتِهِ وَجْهَانِ فِي الْحَاوِي. قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُرْتَدٌّ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْأَحْوَالُ الثَّلَاثَةُ يَأْتِي مِثْلُهَا فِي الطَّلَاقِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الطَّلَاقِ التَّوْرِيَةُ، بِأَنْ يَنْوِيَ غَيْرَهَا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ، أَوْ أَكْلِ مُحَرَّمٍ يَجِبُ أَنْ يَتَقَيَّأ إذَا قَدَرَ.
[أَمْرُ السُّلْطَانِ هَلْ يَكُونُ إكْرَاهًا]
؟ اُخْتُلِفَ فِي أَمْرِ السُّلْطَانِ، هَلْ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَوْ قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا، وَإِنَّمَا الْإِكْرَاهُ بِالتَّهْدِيدِ صَرِيحًا، كَغَيْرِ السُّلْطَانِ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ، لِعِلَّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِهِ السَّطْوَةُ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ طَاعَتَهُ وَاجِبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، فَيَنْتَهِضُ ذَلِكَ شُبْهَةً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ صَرِيحًا وَدَلَالَةً: أَنَّهُ لَا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ.
قَالَ: وَمِثْلُ السُّلْطَانِ فِي إجْرَاءِ الْخِلَافِ: الزَّعِيمُ، وَالْمُتَغَلِّبُ ; لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى خَوْفِ الْمَحْذُورِ مِنْ مُخَالَفَتِهِ.
[حُكْمُ الْحَاكِمِ وَحُكْمُ الشَّرْعِ هَلْ يَنْزِلَانِ مَنْزِلَة الْإِكْرَاهِ]
وَأَمَّا حُكْمُ الْحَاكِمِ وَحُكْمُ الشَّرْعِ فَهَلْ يَنْزِلَانِ مَنْزِلَتَهُ؟ فِيهِ فُرُوعٌ: مِنْهَا: لَوْ حَلَفَ لَا يُفَارِقُهُ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ فَأَفْلَسَ. وَمَنَعَهُ الْحَاكِمُ مِنْ مُلَازَمَتِهِ، فَفِيهِ قَوْلَا الْمُكْرَهِ.
وَمِنْهَا: لَوْ حَلَفَ لَيَطَأَنَّ زَوْجَتَهُ اللَّيْلَةَ: فَوَجَدَهَا حَائِضًا، لَمْ يَحْنَثْ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ.
стр. 209
وَمِنْهَا: قَالَ: إنْ لَمْ تَصُومِي غَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَحَاضَتْ فَوُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمُكْرَهِ، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ.
وَمِنْهَا: مَنْ ابْتَلَعَ طَرَفَ خَيْطٍ لَيْلًا، وَبَقِيَ طَرَفُهُ خَارِجًا، ثُمَّ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَإِنْ نَزَعَهُ أَفْطَرَ، وَإِنْ تَرَكَهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِنَجَاسَةٍ.
وَقَالَ فِي الْخَادِمِ: فَطَرِيقُهُ أَنْ يُجْبِرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى نَزْعِهِ، وَلَا يُفْطِرُ ; لِأَنَّهُ كَالْمُكْرَهِ. قَالَ: بَلْ لَوْ قِيلَ: لَا يُفْطِرُ بِالنَّزْعِ بِاخْتِيَارِهِ لَمْ يَبْعُدْ تَنْزِيلًا لِإِيجَابِ الشَّرْعِ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ، كَمَا إذَا حَلَفَ: أَنْ يَطَأهَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، فَوَجَدَهَا حَائِضًا لَا يَحْنَثُ.
وَمِنْهَا: لَوْ حَلَفَ لَا يَحْلِفُ يَمِينًا مُغَلَّظَةً، فَوَجَبَ عَلَيْهِ يَمِينٌ وَقُلْنَا: بِوُجُوبِ التَّغْلِيظِ حَلَفَ، وَحَنِثَ.
وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ مُقَيَّدٌ، فَحَلَفَ بِعِتْقِهِ أَنَّ فِي قَيْدِهِ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ. وَحَلَفَ بِعِتْقِهِ لَا يَحِلُّهُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ، فَشَهِدَ عَنْد الْقَاضِي عَدْلَانِ أَنَّ فِي قَيْدِهِ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ، فَحَكَمَ بِعِتْقِهِ، ثُمَّ حَلَّ الْقَيْدَ، فَوَجَدَهُ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ. قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: لَا شَيْءَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ حَصَلَ بِحَلِّ الْقَيْدِ، دُونَ الشَّهَادَةِ لِتَحَقُّقِ كَذِبِهِمَا. حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي أَوَاخِرِ الْعِتْقِ.
تَنْبِيهٌ:
يَقَعُ فِي الْفَتَاوَى كَثِيرًا أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يُؤَدِّي الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ فَيُفْتَى فِي خَلَاصِهِ بِأَنْ يُرْفَعَ إلَى الْحَاكِمِ، فَيَحْكُمَ عَلَيْهِ بِالْأَدَاءِ. وَأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، تَنْزِيلًا لِلْحُكْمِ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ.
وَعِنْدِي فِي هَذِهِ وَقْفَةُ: أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّ الشَّيْخَيْنِ: لَمْ يُنَزِّلَا الْحُكْمَ مَنْزِلَة الْإِكْرَاهِ فِي كُلِّ صُورَةٍ، وَلَا قَرَّرَا ذَلِكَ قَاعِدَةٌ عَامَّةٌ، بَلْ ذَكَرَاهَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَذَكَرَا خِلَافَهَا فِي بَعْضِهَا كَمَا تَرَاهُ، فَلَيْسَ إلْحَاقُ هَذِهِ الصُّورَة بِالصُّورَةِ الَّتِي حَكَمَا فِيهَا بِعَدَمِ الْحِنْثِ أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهَا بِاَلَّتِي حَكَمَا فِيهَا بِالْحِنْثِ.
أَمَّا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ الْإِكْرَاهَ بِحَقٍّ لَا أَثَرَ لَهُ فِي عَدَمِ النُّفُوذِ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ بَيْعِ مَنْ أَكْرَههُ الْحَاكِمُ عَلَى بَيْع مَالِهِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ وَطَلَاقِ الْمَوْلَى إذَا أَكْرَهَهُ الْحَاكِمُ ; لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ فِيهِمَا بِحَقٍّ. فَاَلَّذِي يَنْشَرِحُ لَهُ الصَّدْرُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ: الْقَوْلُ بِالْحِنْثِ، وَلَا أَثَرَ لِلْحُكْمِ فِي مَنْعِهِ، هَذَا إذَا كَانَ مُعْتَرِفًا بِالْحَقِّ، فَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا لَهُ، وَثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ قَوِيَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَدَمُ الْحِنْثِ ; لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ مَظْلُومٌ فِي هَذَا الْحُكْمِ، فَلَمْ يَكُنِ الْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ فِي دَعْوَاهُ. وَالطَّلَاقُ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ، وَقَوْلِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ: بِعَدَمِ الْحِنْثِ: أَيْ ظَاهِرًا، فَلَوْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ صَادِقَةً فِي الْوَاقِعِ، وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّ عَلَيْهِ مَا شَهِدَتْ بِهِ. وَقَعَ بَاطِنًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 210
ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيّ قَالَ فِي قَوَاعِدِهِ: ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إنْ أَخَذْت مِنِّي حَقَّكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَأَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ، حَتَّى أَعْطَى بِنَفْسِهِ فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي فِعْلِ الْمُكْرَهِ، وَقَضِيَّتُهُ: تَرْجِيحُ عَدَمِ الْحِنْثِ، وَالْمُتَّجَهُ خِلَافُهُ ; لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ هَذِهِ عِبَارَتُهُ.
[الْقَوْلُ فِي النَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ]
ِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ النَّائِمِ، حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبُرَ» . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد بِهَذَا اللَّفْظِ. مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂. وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَعُمَرَ بِلَفْظِ: «عَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَعْقِلَ» وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْهُمَا بِلَفْظِ «عَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» ، وَبِلَفْظِ «عَنْ الصَّبِيِّ، حَتَّى يَحْتَلِمَ» وَبِلَفْظِ «حَتَّى يَبْلُغَ» . وَذَكَرَ أَبُو دَاوُد: أَنَّ ابْنِ جُرَيْجٍ رَوَاهُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَزَادَ فِيهِ «وَالْخَرِفِ» . وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، وَثَوْبَانَ وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ.
قُلْت: قَدْ أَلَّفَ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ كِتَابًا، سَمَّاهُ " إبْرَازَ الْحُكْمِ مِنْ حَدِيثِ: رُفِعَ الْقَلَمُ "، ذَكَرَ فِيهِ ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ فَائِدَةً تَتَعَلَّقُ بِهِ.
وَأَنَا أَنْقُلُ مِنْهُ هُنَا فِي مَبْحَثِ الصَّبِيِّ مَا تَرَاهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَوَّل مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ: أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي جَمِيع رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ: فِي سُنَنِ أَبُو دَاوُد، وَابْنِ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيِّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ " عَنْ ثَلَاثَةٍ " بِإِثْبَاتِ الْهَاء " وَيَقَع فِي بَعْض كُتُبِ الْفُقَهَاءِ " ثَلَاثٌ " بِغَيْرِ هَاءٍ.
قَالَ: وَلَمْ أَجِدْ لَهَا أَصْلًا. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: " الْعَقْلُ " صِفَةٌ يُمَيَّزُ بِهَا الْحَسَنُ وَالْقَبِيحُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُزِيلُهُ الْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ وَالنَّوْمُ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: الْجُنُونُ يُزِيلُهُ وَالْإِغْمَاءُ يَغْمُرُهُ وَالنَّوْمُ يَسْتُرُهُ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النَّائِمِ وَذَكَرَ الْخَرِفَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى الْمَجْنُونِ ; لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ اخْتِلَاطِ الْعَقْلِ بِالْكِبَرِ، وَلَا يُسَمَّى جُنُونًا ; لِأَنَّ الْجُنُونَ يَعْرِضُ مِنْ أَمْرَاضٍ سَوْدَاوِيَّةِ وَيَقْبَلُ الْعِلَاجَ، وَالْخَرَفُ خِلَافُ ذَلِكَ ;
стр. 211
وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ " حَتَّى يَعْقِلَ " لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْهُ إلَى الْمَوْتِ.
قَالَ: وَيَظْهَرُ أَنَّ الْخَرَفَ رُتْبَةٌ بَيْنَ الْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ، وَهِيَ إلَى الْإِغْمَاءِ أَقْرَبُ انْتَهَى. وَاعْلَمْ: أَنَّ الثَّلَاثَةَ قَدْ يَشْتَرِكُونَ فِي أَحْكَامٍ، وَقَدْ يَنْفَرِدُ النَّائِمُ عَنْ الْمَجْنُونِ. وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ تَارَةً يَلْحَقُ بِالنَّائِمِ، وَتَارَةً يَلْحَقُ بِالْمَجْنُونِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ بِفُرُوعٍ الْأَوَّلُ: الْحَدَثُ يَشْتَرِكُ فِيهِ الثَّلَاثَةُ.
الثَّانِي: اسْتِحْبَابُ الْغُسْلِ عِنْدَ الْإِفَاقَةِ لِلْمَجْنُونِ، وَمِثْلُهُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ: قَضَاءُ الصَّلَاةِ إذَا اسْتَغْرَقَ ذَلِكَ الْوَقْتَ، يَجِبُ عَلَى النَّائِمِ، دُونَ الْمَجْنُونِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ كَالْمَجْنُونِ.
الرَّابِعُ: قَضَاءُ الصَّوْمِ إذَا اسْتَغْرَقَ النَّهَارَ، يَجِبُ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْن الصَّلَاةِ كَثْرَةُ تَكَرُّرِهَا، وَنَظِيرُهُ: وُجُوبُ قَضَاءِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، دُونَ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا النَّائِمُ: إذَا اسْتَغْرَقَ النَّهَارَ وَكَانَ نَوَى مِنْ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ صَوْمُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ: أَنَّهُ ثَابِتُ الْعَقْلِ ; لِأَنَّهُ إذَا نُبِّهَ انْتَبَهَ بِخِلَافِهِ، وَفِي النَّوْمِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَضُرُّ كَالْإِغْمَاءِ
وَفِي الْإِغْمَاءِ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يَضُرُّ كَالنَّوْمِ، وَلَا خِلَافَ فِي الْجُنُونِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُسْتَغْرِقِ مِنْ الثَّلَاثَةِ، فَالنَّوْمُ لَا يَضُرُّ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي الْجُنُونِ قَوْلَانِ: الْجَدِيدُ الْبُطْلَانُ ; لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِلصَّوْمِ، كَالْحَيْضِ وَقَطَعَ بِهِ بَعْضُهُمْ.
وَفِي الْإِغْمَاءِ طُرُقٌ:
أَحَدُهَا: لَا يَضُرُّ إنْ أَفَاقَ جُزْءًا مِنْ النَّهَارِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ.
وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ إنْ أَفَاقَ فِي أَوَّلِهِ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ الْأَصَحُّ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ أَظْهَرُهَا لَا يَضُرُّ إنْ أَفَاقَ لَحْظَةً مَا.
وَالثَّانِي: فِي أَوَّلِهِ خَاصَّةً.
وَالثَّالِثُ: فِي طَرَفَيْهِ.
وَالرَّابِعُ: يَضُرُّ مُطْلَقًا فِيهِ، فَتُشْتَرَطُ الْإِفَاقَةُ جَمِيعَ النَّهَارِ.
وَالْفَرْعُ الْخَامِسُ: الْأَذَانُ لَوْ نَامَ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَثْنَاءَهُ، ثُمَّ أَفَاقَ، إنْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ بَنَى، وَإِنْ طَالَ، وَجَبَ وَالِاسْتِئْنَافُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
قَالَ فِي شَرْحَ الْمُهَذَّبِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالْجُنُونُ هُنَا كَالْإِغْمَاءِ.
السَّادِسُ: لَوْ لَبِسَ الْخُفَّ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى مَضَى يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ.
стр. 212
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَلَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا تُحْتَسَبُ عَلَيْهِ الْمُدَّةُ ; لِأَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، بِخِلَافِ النَّوْمِ لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ، قَالَ: وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ. السَّابِعُ: إذَا نَامَ الْمُعْتَكِفُ حُسِبَ زَمَنُ النَّوْمِ مِنْ الِاعْتِكَافِ قَطْعًا ; لِأَنَّهُ كَالْمُسْتَيْقِظِ. وَفِي زَمَانِ الْإِغْمَاءِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا يُحْسَبُ. وَلَا يُحْسَب زَمَنُ الْجُنُونِ قَطْعًا ; لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةَ لَا يَصِحُّ أَدَاؤُهَا فِي حَالِ الْجُنُونِ.
الثَّامِنُ: يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ الْمَجْنُونِ بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ.
التَّاسِعُ: الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لَا يَصِحُّ مِنْ الْمَجْنُونِ ; وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ مِثْلُهُ فِي الْأَصَحِّ، بِخِلَافِ النَّائِمِ الْمُسْتَغْرِقِ فِي الْأَصَحِّ.
وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ الْمُتَوَلِّي - وَأَقَرَّهُ -: أَنَّهُ إذَا لَمْ يُجْزِهِ فِي الْمَجْنُونِ يَقَعُ نَفْلًا، كَحَجِّ الصَّبِيِّ، وَكَذَا الْمُغْمَى عَلَيْهِ، كَمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
الْعَاشِرُ: يَصِحُّ الرَّمْيُ عَنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، مِمَّنْ أَذِنَ لَهُ قَبْلَ الْإِغْمَاء، فِي حَالٍ تَجُوزُ فِيهِ الِاسْتِنَابَةُ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَالْمَجْنُونُ مِثْلُهُ، صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: يَبْطُلُ بِالْجُنُونِ كُلُّ عَقْدٍ جَائِزٍ، كَالْوَكَالَةِ إلَّا فِي رَمْي الْجِمَارِ، وَالْإِيدَاعِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ، وَلَا يَبْطُلُ بِالنَّوْمِ. وَفِي الْإِغْمَاءِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا كَالْمَجْنُونِ.
الثَّانِي عَشَرَ: يَنْعَزِلُ الْقَاضِي بِجُنُونِهِ وَبِإِغْمَائِهِ بِخِلَافِ النَّوْمِ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: يَنْعَزِلُ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ بِالْجُنُونِ: وَلَا يَنْعَزِلُ بِالْإِغْمَاءِ ; لِأَنَّهُ مُتَوَقَّعُ الزَّوَالِ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: إذَا جُنَّ وَلِيُّ النِّكَاحِ، اُنْتُقِلَتْ الْوِلَايَةُ لِلْأَبْعَدِ، وَالْإِغْمَاءُ إنْ دَامَ أَيَّامًا فَفِي وَجْهٍ: كَالْجُنُونِ، وَالْأَصَحُّ لَا، بَلْ يُنْتَظَرُ كَمَا لَوْ كَانَ سَرِيعَ الزَّوَالِ.
الْخَامِسَ عَشَر: يُزَوِّجُ الْمَجْنُونَ وَلِيُّهُ بِشَرْطِهِ الْمَعْرُوفِ وَلَا يُزَوِّجُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ كَمَا يُفْهَمَ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَهُوَ نَظِيرُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ.
السَّادِسَ عَشَرَ: قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يَجُوزُ الْجُنُونُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ; لِأَنَّهُ نَقْصٌ وَيَجُوزُ عَلَيْهِمْ الْإِغْمَاءُ ; لِأَنَّهُ مَرَضٌ، وَنَبَّهَ السُّبْكِيُّ عَلَى أَنَّ الْإِغْمَاءَ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُمْ لَيْسَ كَالْإِغْمَاءِ الَّذِي يَحْصُلُ لِآحَادِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِغَلَبَةِ الْأَوْجَاعِ لِلْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ فَقَطْ دُونَ الْقَلْبِ.
قَالَ: لِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ أَنَّهُ إنَّمَا تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ دُون قُلُوبِهِمْ، فَإِذَا حُفِظَتْ قُلُوبُهُمْ وَعُصِمَتْ مِنْ النَّوْمِ الَّذِي هُوَ أَخَفُّ مِنْ الْإِغْمَاءِ، فَمِنْ الْإِغْمَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، انْتَهَى. وَهُوَ نَفِيسٌ جِدًّا.
стр. 213
السَّابِعَ عَشَرَ: الْجُنُونُ يَقْتَضِي الْحَجْرَ، وَأَمَّا الْإِغْمَاءُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِثْلُهُ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ.
الثَّامِنَ عَشَرَ: يَشْتَرِكُ الثَّلَاثَةُ فِي عَدَمِ صِحَّةِ مُبَاشَرَةِ الْعِبَادَةِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَجَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ مِنْ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، وَفِي غَرَامَةِ الْمُتْلَفَاتِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ.
التَّاسِعَ عَشَرَ: لَا يَنْقَطِعُ خِيَارُ الْمَجْلِس بِالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِلنَّوْمِ.
الْعِشْرُونَ: لَوْ قَالَ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَكَلَّمَتْهُ وَهُوَ نَائِمٌ أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ هَذَتْ بِكَلَامِهِ فِي نَوْمِهَا وَإِغْمَائِهَا، أَوْ كَلَّمَتْهُ وَهُوَ مَجْنُونٌ طَلُقَتْ أَوْ وَهِيَ مَجْنُونَةٌ ; قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: لَا تَطْلُقُ، وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: تَطْلُقُ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالظَّاهِرُ تَخْرِيجُهُ عَلَى حِنْثِ النَّاسِي.
الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: لَوْ وَطِئَ الْمَجْنُونُ زَوْجَةَ ابْنِهِ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ، قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ.
الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: ذَهَبَ الْقَاضِي وَالْفُورَانِيُّ إلَى أَنَّ الْمَجْنُونَ لَا يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ ; لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ مِنْ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدّ وَالْإِثْمَ، وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ خِلَافُهُ، كَذَا فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ لِابْنِ الْوَكِيلِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْمَجْنُونَ لَا يُزَوَّجُ مِنْهُ أَمَةٌ.
[فَرْعٌ: يُسَنُّ إيقَاظُ النَّائِمِ لِلصَّلَاةِ]
فَرْعٌ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: يُسَنُّ إيقَاظُ النَّائِمِ لِلصَّلَاةِ، لَا سِيَّمَا إنْ ضَاقَ وَقْتُهَا. وَقَالَ السُّبْكِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ: إذَا دَخَلَ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَتَمَكَّنَ مِنْ فِعْلِهَا وَأَرَادَ أَنْ يَنَامَ قَبْلَ فِعْلِهَا، فَإِنْ وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَسْتَيْقِظُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِمَا يُمَكِّنهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ جَازَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ وَلَكِنْ بِمُجَرَّدِ دُخُولِ الْوَقْتِ قَصْدَ أَنْ يَنَامَ، فَإِنْ نَامَ حَيْثُ لَمْ يَثِقْ مِنْ نَفْسِهِ بِالِاسْتِيقَاظِ أَثِمَ إثْمَيْنِ ; أَحَدُهُمَا إثْمُ تَرْكِ الصَّلَاةِ، وَالثَّانِي إثْمُ التَّسَبُّبِ إلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا: يَأْثَمُ بِالنَّوْمِ.
وَإِنْ اسْتَيْقَظَ عَلَى خِلَافِ ظَنِّهِ ; وَصَلَّى فِي الْوَقْتِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ إثْمُ تَرْكِ الصَّلَاةِ وَأَمَّا ذَلِكَ الْإِثْمُ الَّذِي حَصَلَ، فَلَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِالِاسْتِغْفَارِ.
وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ قَبْلَ الْوَقْتِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ نَوْمَهُ يَسْتَغْرِقُ الْوَقْتَ، لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ التَّكْلِيفَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ بَعْدُ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ امْرَأَةً عَابَتْ زَوْجَهَا بِأَنَّهُ يَنَامُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَلَا يُصَلِّي الصُّبْحَ إلَّا ذَلِكَ الْوَقْتَ فَقَالَ: إنَّا أَهْلُ بَيْتٍ مَعْرُوفٌ لَنَا ذَلِكَ - أَيْ يَنَامُونَ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ - فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إذَا اسْتَيْقَظْت فَصَلِّ» .
стр. 214
وَأَمَّا إيقَاظُ النَّائِمِ الَّذِي لَمْ يُصَلِّ، فَالْأَوَّلُ - وَهُوَ الَّذِي نَامَ بَعْدَ الْوُجُوبِ - يَجِبُ إيقَاظُهُ مِنْ بَابِ النَّهْي عَنْ الْمُنْكَرِ.
وَأَمَّا الَّذِي نَامَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا ; لِأَنَّ التَّكْلِيفَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ، لَكِنْ إذَا لَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فَالْأَوْلَى إيقَاظُهُ ; لِيَنَالَ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ انْتَهَى مُلَخَّصًا.
[الْقَوْلُ فِي تَكْلِيف السَّكْرَانِ]
الْقَوْلُ فِي السَّكْرَانِ " اُخْتُلِفَ فِي تَكْلِيفِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ " وَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ: أَنَّهُ مُكَلَّفٌ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَفِي مَحَلِّ الْقَوْلَيْنِ أَرْبَعُ طُرُقٍ أَصَحُّهَا: أَنَّهُمَا جَارِيَانِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ كُلِّهَا، مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا فِي أَقْوَالِهِ كُلِّهَا، كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْإِسْلَامِ وَالرِّدَّةِ، وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَغَيْرِهَا، وَأَمَّا أَفْعَالُهُ: كَالْقَتْلِ وَالْقَطْعِ وَغَيْرِهَا، فَكَأَفْعَالِ الصَّاحِي بِلَا خِلَافٍ لِقُوَّةِ الْأَفْعَالِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُمَا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْجِنَايَاتِ.
وَأَمَّا بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ، فَلَا يَصِحُّ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا يَعْقِدُ عَلَيْهِ وَالْعِلْمُ شَرْطٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُمَا فِيمَا لَهُ، كَالنِّكَاحِ وَالْإِسْلَامِ، أَمَّا مَا عَلَيْهِ كَالْإِقْرَارِ وَالطَّلَاقِ وَالضَّمَانِ، فَيَنْفُذُ قَطْعًا تَغْلِيظًا، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ لَهُ مِنْ وَجْهٍ، وَعَلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ نَفَذَ تَغْلِيبًا بِطَرِيقِ التَّغْلِيظِ، هَذَا مَا أَوْرَدَهُ الرَّافِعِيُّ. وَقَدْ اغْتَرَّ بِهِ بَعْضُهُمْ فَقَالَ تَفْرِيعًا عَلَى الْأَصْلِ: السَّكْرَانُ فِي كُلِّ أَحْكَامِهِ كَالصَّاحِي، إلَّا فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ.
قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَالصَّوَابُ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِغَيْرِ الْعِبَادَاتِ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْإِسْلَامُ، أَمَّا الْعِبَادَاتُ، فَلَيْسَ فِيهَا كَالصَّاحِي كَمَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ ; فَمِنْهَا الْأَذَانُ، فَلَا يَصِحُّ أَذَانُهُ عَلَى الصَّحِيحِ ; كَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ; لِأَنَّ كَلَامَهُ لَغْوٌ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَصِحُّ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفَاتِهِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، قَالَ: أَمَّا مَنْ هُوَ فِي أَوَّلِ النَّشْوَةِ، فَيَصِحُّ أَذَانُهُ بِلَا خِلَافٍ.
стр. 215
وَمِنْهَا، لَوْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ لَيْلًا وَبَقِيَ سُكْرُهُ جَمِيعَ النَّهَارِ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ صَحَا فِي بَعْضِهِ فَهُوَ كَالْإِغْمَاءِ فِي بَعْضِ النَّهَارِ. وَمِنْهَا لَوْ سَكِرَ الْمُعْتَكِفُ، بَطَل اعْتِكَافُهُ وَنُتَابِعُهُ أَيْضًا.
وَاعْلَمْ: أَنَّ فِي بُطْلَانِ الِاعْتِكَافِ بِالسُّكْرِ وَالرِّدَّةِ، سِتَّةَ طُرُقٍ، نَظِيرَ مَسْأَلَةِ الْعَفْوِ عَمَّا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرَفُ فِي الْمَاءِ وَالثَّوْبِ.
الْأَوَّلُ وَهُوَ الْأَصَحُّ: يَبْطُلُ بِهِمَا قَطْعًا ; لِأَنَّهُمَا أَفْحَشُ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ.
وَالثَّانِي: لَا ; قَطْعًا.
وَالثَّالِثُ فِيهِمَا قَوْلَانِ.
وَالرَّابِعُ: يَبْطُلُ فِي السُّكْرِ دُونَ الرِّدَّةِ ; لِأَنَّ السَّكْرَانَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمُقَامِ فِي الْمَسْجِدِ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ فِيهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَالْمُرْتَدُّ مِنْ أَهْلِ الْمُقَامِ فِيهِ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ إقْرَارُهُ فِيهِ.
وَالْخَامِسُ: يَبْطُلُ فِي الرِّدَّةِ دُونَ السُّكْرِ ; لِأَنَّهُ كَالنَّوْمِ بِخِلَافِهَا ; لِأَنَّهَا تُنَافِي الْعِبَادَاتِ.
وَالسَّادِسُ، يَبْطُلُ فِي السُّكْرِ لَامْتِدَادِ زَمَانِهِ، وَكَذَا الرِّدَّةُ إنْ طَالَ زَمَانُهَا، وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ زَمَانُهَا.
وَمِنْهَا: لَا يَصِحُّ وُقُوفُ السَّكْرَانِ بِعَرَفَةَ، سَوَاءٌ كَانَ مُتَعَدِّيًا أَمْ لَا، كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
وَمِنْهَا: فِي وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَيْهِ إذَا سَلَّمَ، وَكَذَا الْمَجْنُونُ، وَجْهَانِ فِي الرَّوْضَةِ بِلَا تَرْجِيحٍ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِمَا، وَلَا يُسَنُّ ابْتِدَاؤُهُمَا. فَهَذِهِ فُرُوعٌ لَيْسَ السَّكْرَانُ فِيهَا كَالصَّاحِي.
وَبَقِيَ فَرْعٌ، لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ وَهُوَ: لَوْ بَانَ إمَامُهُ سَكْرَانَ، فَهَلْ تَجِبُ الْإِعَادَةُ كَمَا لَوْ بَانَ مَجْنُونًا ; لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى حَالُهُ أَوَّلًا، كَمَا لَوْ بَانَ مُحْدِثًا؟ الظَّاهِرُ: الْأَوَّلُ.
[حَدُّ السُّكْرِ]
ِ " فِيهِ عِبَارَاتٌ " قَالَ الشَّافِعِيُّ: السَّكْرَانُ هُوَ الَّذِي اخْتَلَطَ كَلَامُهُ الْمَنْظُومُ وَانْكَشَفَ سِرُّهُ الْمَكْتُومُ. وَقَالَ الْمُزَنِيّ: هُوَ الَّذِي لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَا بَيْنَ أُمِّهِ وَامْرَأَتِهِ. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يُفْصِحُ بِمَا كَانَ يَحْتَشِمُ مِنْهُ. وَقِيلَ: الَّذِي يَتَمَايَلُ فِي مَشْيِهِ وَيَهْذِي فِي كَلَامِهِ وَقِيل: الَّذِي لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعَادَةِ، فَإِذَا انْتَهَى تَغَيُّرُهُ إلَى حَالَةٍ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ
следующие страницы →