Полный текст (7 092 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
[مسألة: من سبق ببعض التكبيرات في صلاة الجنازة]
مسألة: [من سبق ببعض التكبيرات] : فإن فاته الإمام ببعض التكبيرات ... فإنه يكبر، ولا ينتظر تكبيرة الإمام.
وقال أبو حنيفة، وأحمد: (لا يكبر، بل ينتظر تكبيرة الإمام، فيكبر معه) .
دليلنا: أنه مدرك للإمام، فدخل معه، كسائر الصلوات.
إذا ثبت هذا: وأدرك المأموم الإمام في القراءة ... فإنه يكبر، ويقرأ، فإذا كبر الإمام الثانية، فإن كان المأموم قد فرغ من القراءة
كبر الثانية، وإن لم يفرغ من القراءة ... فهل يقطع القراءة ويكبر، أو يتم القراءة؟ فيه وجهان: كالمسبوق إذا ركع الإمام قبل إتمام القراءة.
فإذا قلنا: يقطع القراءة ويكبر ... فهل يتم القراءة بعد التكبيرة الثانية؟ فيها وجهان، خرجهما ابن الصباغ:
أحدهما: يتم القراءة؛ لأن محلها القيام، وهو باق.
والثاني: لا يتمها؛ لأن محلها ما قبل التكبيرة الثانية.
فإن أدركه بعد التكبيرة الثانية ... فإنه يكبر، ويقرأ ما يقتضيه ترتيب صلاته، لا ما يقتضيه ترتيب صلاة الإمام.
فإذا سلم الإمام، وقد بقي عليه شيء من التكبيرات ... أتى بهن.
وقال الأوزاعي: (لا يأتي بهن) .
دليلنا: قوله ﷺ : «وما فاتكم فاقضوا» .
وهل يجب عليه أن يأتي بالذكر بين التكبيرات؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب عليه أن يأتي به؛ لأن الميت يرفع.
стр. 1192
والثاني: يجب عليه أن يأتي به، كما لو كان الميت غائبًا.
[مسألة: تعجيل الدفن]
] : إذا صلي على الميت ... بودر إلى دفنه، ولا يوضع لمن أراد أن يصلي عليه ثانيًا، إلا أن يكون وليه لم يصل عليه، فجاء ليصلي، فإن لم يخش تغير الميت
فلا بأس أن يوضع ليصلي عليه.
قال الشافعي ﵀: (فإن صلى عليه بعض الأولياء والناس، ثم جاء ولي آخر كان غائبًا، فأراد الصلاة عليه ... لم توضع له الجنازة، فإن وضعت له
رجوت أن لا يكون به بأس، ومن فاتته الصلاة ... صلى على القبر) . وإليه ذهب ابن سيرين، وأحمد رحمة الله عليهما.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا تجوز الصلاة على القبر، إلا أن يكون الميت قد دفن بغير صلاة، فيجوز أن يصلى على القبر إلى ثلاثة أيام، وبعد الثلاث: لا يجوز، وإن صلي عليه ... لم يصل على القبر إلا الولي، أو الوالي، أو إمام الحي) .
دليلنا: ما روي: «أن امرأة مسكينة مرضت، فقال النبي ﷺ : "إذا ماتت ... فآذنوني"، فماتت ليلاً، فدفنوها، ولم يوقظوا رسول الله ﷺ ، فلما أصبح
أخبر بذلك، فقال: "آلا آذنتموني؟ "، فقالوا: كرهنا أن نوقظك، فخرج النبي ﷺ إلى قبرها، ووقف بالناس، وصلى عليها، وكبر أربعًا» .
стр. 1193
فإن قالوا: فالنبي ﷺ هو الإمام.
قلنا: قد أجاز النبي ﷺ صلاتهم عليها.
وروي: «أن النبي ﷺ قدم المدينة، وقد مات البراء بن معرور وكان قد أوصى له، فقبل وصيته، وصلى على قبره بعد شهر» .
إذا ثبت هذا: فإلى أي وقت تجوز الصلاة على القبر؟ فيه أربعة أوجه:
أحدها: إلى شهر، وبه قال أحمد رحمة الله عليه؛ لأن النبي ﷺ صلى على قبر البراء بن معرور، وعلى أم سعد بن عبادة ﵄ بعدما دفنا بشهر، ولم ينقل أكثر منه.
والثاني: ما لم يبل جسده ويذهب؛ لأنه إذا كان باقيًا ... فهو بمنزلة حال الموت.
والثالث: يصلي عليه من كان من أهل فرض الصلاة عليه؛ لأنه من أهل الخطاب بالصلاة عليه، فأما من ولد أو بلغ بعد موته: فلا يصلي عليه؛ لأنه لم يكن من أهل الخطاب بالصلاة عليه.
стр. 1194
والرابع: أن يصلى عليه أبدًا؛ لأن القصد منها الدعاء له، وذلك يوجد بعد طول المدة.
فأما الصلاة على قبر النبي ﷺ : فلا تجوز على الأوجه الثلاثة الأولى؛ لأنه قد مضى أكثر من شهر، ولأنا لا نعلم بقاءه في القبر؛ لأن الأنبياء يرفعون من قبورهم، ولأنا لم نكن من أهل الخطاب بالصلاة عليه عند موته. وأما على الوجه الرابع: فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: تجوز الصلاة عليه. ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره، قال: وكذلك لو صلى على قبر آدم ﵊ ... جاز ذلك، كما يجوز ذلك في حق سائر الموتى.
ومنهم من قال: لا يجوز. حكاه ابن الصباغ وغيره؛ لقوله ﷺ : «لا تتخذوا قبري مسجدًا» . وروي: «لا تتخذوا قبري وثنًا، فإنما هلك بنو إسرائيل؛ لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . وهل يستحب لمن صلى على الميت أن يعيد الصلاة عليه مع من لم يصل عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يستحب، كما قلنا في سائر الصلوات.
والثاني: لا يستحب؛ لأن صلاته الثانية نفل، وصلاة الجنازة لا يتنفل بمثلها.
стр. 1195
[مسألة: الصلاة على الغائب]
وتجوز الصلاة على الميت الغائب عن البلد، فيتوجه المصلي إلى القبلة، ويصلي عليه بالنية، سواء كان الميت في جهة القبلة أو لم يكن، وبه قال أحمد بن حنبل رحمة الله عليه.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا تجوز الصلاة على الغائب) .
دليلنا ما روي: «أن النبي ﷺ نعى النجاشي لأصحابه يوم مات، وخرج بهم إلى المصلى، وصف بهم، وكبر أربعًا» .
هذا إذا كان الميت في بلد أخرى، أو قرية أخرى، وبينهما مسافة، سواء كان ما بينهما قريبًا أو بعيدًا.
فإن كان الميت في طرف البلد ... لم يجز أن يصلي عليه حتى يحضر عنده؛ لأنه يمكنه ذلك.
وإن كان بحضرة الجنازة، فتقدم عليها، وصلى، وهي خلفه ظهره ... ففيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\١٠٧] :
أحدهما: يجوز، كما لو كان الميت غائبًا.
والثاني: لا يجوز؛ لأن الأصول فرقت بين حال الضرورة والإمكان، وهاهنا: أمكنه أن تكون الجنازة أمامه.
[مسألة: وجود جزء من الميت]
إذا وجد بعض الميت ... فإنه يجب غسله والصلاة عليه، سواء وجد أكثر البدن أو أقله، حتى لو وجد منه أصبع بعد أن علم أنه انفصل من ميت، وبه قال أحمد
стр. 1196
رحمة الله عليه، وإن وجد منه الظفر أو الشعر ... ففيه وجهان:
أحدهما: يغسل، ويصلى عليه، كسائر أعضائه. والثاني: لا يغسل، ولا يصلى عليه؛ لأن ذلك يوجد منه في حال الحياة.
وقال مالك، وأبو حنيفة رحمة الله عليهما: (إن وجد أكثر البدن ... صلي عليه، وإن وجد الأقل
لا يغسل، ولا يصلى عليه) .
دليلنا: ما روي: (أن عمر ﵁ وأرضاه صلى على عظام بالشام) .
و: (صلى أبو عبيدة بن الجراح ﵁ وأرضاه على رؤوس من المسلمين) .
و: (صلت الصحابة ﵃ على يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، ألقاها طائر بمكة من وقعة الجمل، فعرفوها بخاتم) .
ولأنه بعض من البدن لا يزال منه في حال السلامة، انفصل من البدن بعد وجوب الصلاة على الجملة، فصلي عليها، كما لو كان أكثر البدن.
وفيه: احتراز من الظفر والشعر، ومن العضو المقطوع في حال الحياة.
стр. 1197
[مسألة: الصلاة على السقط]
إذا استهل السقط صارخًا، أو تحرك ثم مات ... فإنه يغسل، ويصلى عليه.
وقال سعيد بن جبير ﵁: لا يصلى عليه حتى يبلغ.
وقال بعض الناس: إن كان قد صلى ... صُلي عليه، وإلا فلا.
دليلنا: ما روى جابر، وابن عباس ﵃: عن النبي ﷺ قال: «إذا استهل السقط ... صلي عليه» .
وروى المغيرة بن شعبة ﵁: «أن النبي ﷺ كان يصلي على المولود، ويدعو لوالديه بالمغفرة والرحمة» .
وإن لم يستهل ... نظرت:
فإن كان قد نفخ فيه الروح بأن يولد لأربعة أشهر فما زاد ... فهل تجب الصلاة عليه؟
فيه قولان:
أحدهما: تجب الصلاة عليه؛ لأنه قد نفخ فيه الروح، بدليل: ما روى ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يمكث أحدكم في بطن أمه أربعين يومًا
стр. 1198
نطفة، ثم أربعين يومًا علقة، ثم أربعين يومًا مضغة، ثم ينفخ فيه الروح، ويأتيه ملكان، فيقال لهما: اكتبا رزقه، وعمله، وأجله شقيًا أو سعيد» .
وإذا ثبت: أنه نفخ فيه الروح ... صلي عليه.
فعلى هذا: يجب غسله.
والثاني: لا تجب الصلاة عليه، وبه قال مالك، وأبو حنيفة رحمة الله عليهما، وهو الصحيح، لقوله ﷺ : «إذا استهل السقط ... صلي عليه» ، فدليل خطابه: أنه إذا لم يستهل
لا يصلى عليه.
فعلى هذا: هل يجب غسله؟ ذكر الشيخ أبو إسحاق، وابن الصباغ، والمحاملي فيه قولين:
أحدهما: لا يغسل؛ لأن من لا يصلى عليه لا يغسل، كالشهيد.
والثاني: يغسل؛ لأن الغسل آكد من الصلاة، بدليل: أن الكافر يغسل، ولا يصلى عليه.
وذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق "، وسلم في " الفروع ": أنه يجب غسله، قولاً واحدًا، وقالا: وإنما القولان في وجوب غسله، إذا وضعته لدون أربعة أشهر، وقد بان فيه شيء من خلق الآدمي ... فإنه يجب كفنه، قولاً واحدًا، وفي وجوب غسله قولان.
والطريقة الأولى أشهر.
стр. 1199
[مسألة: لا يصلى على الكافر]
إذا مات كافر ... لم تجز الصلاة عليه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] [التوبة: ٨٤] .
ولأن الصلاة للرحمة، والكافر لا يرحم.
ويجوز غسله وكفنه ودفنه؛ لما ذكرناه من حديث علي ﵁ وأرضاه في موت أبيه، ولأن النبي ﷺ أعطى قميصه؛ ليكفن فيه عبد الله بن أبي، ابن سلول، وكان منافقًا، وقال: " إنه لا يعذب ما بقي عليه منه سلكة "، يعني: خيطًا.
فإن اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار، ولم يتميزوا ... فإنه يصلي على واحد واحد، وينوي الصلاة عليه إن كان مسلمًا، سواء كان المسلمون أكثر أو أقل، وبه قال
стр. 1200
مالك، وأحمد رحمة الله عليهما، وكذلك إذا صلى صلاة واحدة، ونوى بها الصلاة على المسلمين منهم ... صح.
وقال أبو حنيفة: (إن كان المسلمون أكثر ... صلى عليهم - كما قلنا - وإن كانوا أقل من المشركين
لم يصل عليهم) .
دليلنا: أنه اختلط من يصلى عليه بمن لا يصلى عليه، ولم يتميزوا، فوجبت الصلاة بالقصد، كما لو كان المسلمون أكثر.
[مسألة: لا يصلى على الشهيد]
المقتول من المسلمين في معركة الكفار لا يغسل، ولا يصلى عليه، وكذلك من مات من المسلمين هناك بسبب من أسباب القتال، بأن وقع من دابته، أو من جبل، أو رجع عليه سلاحه، أو رفسته دابة، فمات ... فهو شهيد، وحكمه حكمه، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق رحمة الله عليهم.
وقال الثوري، وأبو حنيفة: (لا يغسل الشهيد، وإنما يصلى عليه) . واختاره المزني.
وقال الحسن وسعيد بن المسيب: يغسل، ويصلى عليه.
دليلنا: ما روى جابر، وأنس ﵄: أنه «قتل من الصحابة ﵃ يوم أحد اثنان وسبعون قتيلاً، فـ: (أمر بهم النبي ﷺ أن تنزع عنهم الجلود والفرى، وأن يدفنوا بثيابهم ودمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم»
стр. 1201
إذا ثبت هذا: فإنه ينزع عنه ما لم يكن من عامة لباس الناس، مثل: الجلود، والفرى، والخفاف، ووليه بالخيار: بين أن ينزع ثيابه التي قتل فيها، ويكفنه بغيرها، وبين أن يدفنه بثيابه التي قتل فيها.
وقال مالك رحمة الله عليه: (لا ينزع عنهم الخفاف والجلود والفرى) .
وقال أبو حنيفة: (ليس لوليه نزع تلك الثياب، بل يدفن بها) .
دليلنا على مالك: أن النبي ﷺ : «أمر أن ينزع عن قتلى أحد الحديد والجلود» .
وعلى أبي حنيفة: ما روي: «أن صفية أرسلت إلى النبي ﷺ بثوبين؛ ليكفن بهما حمزة بن عبد المطلب، فكفنه بأحدهما، وكفن بالآخر رجلا آخر» . فدل على جواز ذلك.
стр. 1202
[فرع: جرح في الحرب ثم مات بعد انقضائها]
فإن جرح في الحرب، فمات بعد انقضاء الحرب ... فالمشهور من المذهب: أن حكمه حكم الموتى يغسل ويصلى عليه.
وحكى في " الإبانة " [ق\١٠٩] قولاً آخر: أن حكمه حكم الشهيد.
وقال أبو حنيفة: (إن أكل، أو شرب، أو أوصى ... لم يثبت له حكم الشهادة، وإن مات قبل ذلك
ثبت له حكم الشهادة) .
وقال مالك: (إن أكل، أو شرب، أو بقي يومين أو ثلاثة ... فحكمه حكم الموتى، وإن لم يأكل، ولم يشرب، ولم يبق
فحكمه حكم الشهيد) .
دليلنا: أنه مات بعد انقضاء الحرب، فهو كما لو أكل، أو شرب، أو بقي ثلاثًا.
[فرع: المقتول خارج الصف]
إذا انكشف الصف عن مقتول من المسلمين ... فإنه لا يغسل، ولا يصلى عليه، سواء كان به أثر أو لم يكن.
وقال أبو حنيفة، وأحمد رحمة الله عليهما: (إن لم يكن به أثر ... غسل، وصلي عليه) .
وقال أبو حنيفة: (إن كان به دم يخرج من عينه أو أذنه ... لم يغسل، وإن كان يخرج من أنفه أو ذكره أو دبره
غسل) .
دليلنا: أن الظاهر أنه مقتول بسبب الحرب، فلم يغسل، ولم يصل عليه، كما لو كان به أثر.
стр. 1203
[فرع: الصغير يقتل في المعركة]
وإن كان المقتول صغيرًا ... ثبت له حكم الشهداء.
وقال أبو حنيفة: (لا يثبت حكم الشهادة لغير البالغ) .
دليلنا: أنه مسلم قتل في معركة الكفار، بقتالهم، فهو كالبالغ.
[فرع: الشهيد الجنب]
وإن كان الشهيد جنبًا ... فاختلف أصحابنا فيه:
فقال أكثرهم: لا يغسل.
وقال أبو العباس، وأبو علي بن أبي هريرة: يغسل. وهو قول أحمد رحمة الله عليه.
وقال أبو حنيفة: (يغسل، ويصلى عليه) .
والدليل على وجوب غسله: ما روي: «أن حنظلة بن الراهب قتل، فقال النبي ﷺ لأهله: "ما شأن حنظلة؟ فإني رأيت الملائكة تغسله"، فقالوا: إنه كان جنبًا، فسمع هيعة، فخرج إلى القتال، فقتل» .
والأول أصح؛ لقوله ﷺ في قتلى أحد: «زملوهم بكلومهم ودمائهم، فإنه ليس أحد يكلم في الله، إلا وهو يأتي يوم القيامة بدم، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك» . وهذا عام في الجنب وغيره.
стр. 1204
وأما حديث حنظلة ﵁: فلا حجة فيه؛ لأن غسله لو كان واجبًا ... لما سقط الفرض بغسل الملائكة.
وإن كان على الشهيد نجاسة قبل القتال ... فهل يجب غسلها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب غسلها؛ لأنه غسل واجب، فسقط بالشهادة، كغسل الموت.
والثاني: يجب غسلها؛ لأن هذا غسل وجب بغير الموت، فلم يسقط بالشهادة، بخلاف غسل الموت.
[مسألة: قتل أهل البغي عدلاً]
ً] : إذا قتل أهل البغي رجلاً من أهل العدل ... فهل يجب غسله والصلاة عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب؛ لما روي: (أن عليًا ﵁ وأرضاه لم يغسل أحدًا ممن قتل معه) ، و: (أوصى عمار بن ياسر ﵁ ألا يغسل) ؛ لأنه يذب عن الدين، فهو كالمقتول في معترك الكفار.
والثاني: يجب غسله، والصلاة عليه، لما روي: (أن أسماء بنت أبي بكر ﵁ وأرضاه غسلت عبد الله بن الزبير) . ولم ينكر ذلك منكر.
ولأنه مقتول في غير معركة الكفار، فهو كمن قتل غيلة في المصر.
стр. 1205
ومن قتله قطاع الطريق من أهل المصر أو القافلة ... فهل يجب غسله والصلاة عليه؟ فيه وجهان، بناءً على القولين فيمن قتله أهل البغي من أهل العدل؟
وأما من قتله اللصوص من أهل القافلة: فاختلف أصحابنا فيه:
فقال ابن الصباغ: فيه وجهان، كمن قتله قطاع الطريق.
وقال الشيخ أبو إسحاق: يجب غسله، والصلاة عليه، وجهًا واحدًا، هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (من قتل ظلمًا بحديدة ... فإنه لا يغسل، وإن قتل بمثقل
غسل) .
دليلنا: (أن عمر ﵁ وأرضاه قتل بحديدة ظلمًا، فغسل، وصلي عليه) فدل على: إنه إجماع بين الصحابة.
ومن قتل قصاصًا، أو رجم بالزنا ... فوجب غسله، والصلاة عليه.
وقال الزهري: (المرجوم لا يصلى عليه) .
وقال مالك رحمة الله عليه: (لا يصلي عليه الإمام الأعظم، ويصلي عليه غيره) .
دليلنا: «أن النبي ﷺ رجم الغامدية، وصلى عليها» .
وإن قتل أهل العدل رجلاً من أهل البغي ... وجب غسله، والصلاة عليه.
وقال أبو حنيفة: (لا يغسل، ولا يصلى عليه؛ عقوبة له) .
دليلنا: أنه مسلم قتل في غير معركة الكفار، فهو كما لو قتل غيلة.
стр. 1206
[مسألة: الصلاة على ولد الزنا]
ولد الزنا إذا مات ... وجب غسله، والصلاة عليه.
وقال قتادة: لا يغسل، ولا يصلى عليه.
دليلنا: قوله ﷺ : «صلوا على من قال: لا إله إلا الله» ، ولأنه مسلم مات في غير حرب الكفار ... فوجب غسله والصلاة عليه، كثابت النسب.
[مسألة: الصلاة على النفساء]
والنفساء إذا ماتت ... وجب غسلها والصلاة عليها.
وقال الحسن: لا يصلى عليها.
دليلنا: ما ذكرناه في ولد الزنا.
وإن قتل نفسه، أو مات الغال من الغنيمة ... وجب غسلهما والصلاة عليهما.
وقال أحمد رحمة الله عليه: (لا يصلي عليهما الإمام) .
وقال الأوزاعي: (من قتل نفسه ... لا يغسل، ولا يصلى عليه) .
دليلنا: ما ذكرناه في ولد الزنا.
وقال الشيخ أبو حامد: وأما سائر الشهداء، مثل: من مات بحريق، أو غرق، أو بطن، أو تحت الهدم، وما أشبه ذلك ... فإنهم يغسلون، ويصلى عليهم، بلا خلاف؛ لعموم الخبر، ولأنه مسلم مات في غير معترك الكفار
فوجب غسله، والصلاة عليه، كما لو مات بغير هذه الأمراض.
وبالله التوفيق
стр. 1207
[باب حمل الجنازة والدفن]
الحمل - بفتح الحاء -: المصدر، وما كان غير منفصل، كحمل البطن، وحمل الشجرة، وبكسر الحاء: ما كان بائنًا، كالحمل على الظهر وغيره.
والجنازة - بكسر الجيم -: السرير، وبفتحها: الميت.
قال الشيخ أبو حامد، والمحاملي: الأفضل إذا أراد حمل الجنازة أن يجمع في الحمل بين العمودين والتربيع، وإذا أراد الاقتصار على أحدهما ... فالحمل بين العمودين أفضل.
وذكر الشيخ أبو إسحاق في " المهذب "، وابن الصباغ في " الشامل ": أن الحمل بين العمودين أفضل.
وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأحمد رحمة الله عليهم: (أن التربيع أفضل) .
وقال النخعي، والحسن: (يكره الحمل بين العمودين) .
وقال مالك رحمة الله عليه: (هما سواء) .
دليلنا: ما روي: «أن النبي ﷺ حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين» .
وروي ذلك عن عثمان، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة ﵃ وأرضاهم.
إذا ثبت هذا: فكيفية الحمل بين العمودين، وهو أن يحمل النعش ثلاثة: واحد
стр. 1208
من مقدم النعش، فيضع كل عمود على كتف ورأسه بينهما، ومن المؤخر اثنان، لا يتأتى غير ذلك.
وأما التربيع: فيستحب لكل من أراد أن يحمل الجنازة أن يأخذ بجوانبها الأربعة، فيبدأ بياسرة المقدمة، فيضع العمود على عاتقه الأيمن، ثم بياسرة المؤخرة، فيضعها على عاتقه الأيمن، ثم يرجع إلى يامنة المقدمة، فيضعها على عاتقه الأيسر، ثم يامنة المؤخرة، فيضعها على عاتقه الأيسر.
وقال سعيد بن جبير ﵁: يبدأ، فيأخذ بياسرة المقدمة، ثم بياسرة المؤخرة، كما قلنا، ثم يأخذ بيامنة المؤخرة، ثم بيامنة المقدمة. وهذا ليس بصحيح، بل الأولى أن يبدأ بالمقدم؛ لقوله ﷺ : «ابدؤوا بميامنكم» .
ويحمل على سرير أو لوح أو خشب، فإن خيف عليه الانفجار قبل أن يهيأ له ما يحمل عليه ... فلا بأس بحمله على الأيدي والرقاب، فإن ثقل
فلا بأس أن يحمل في جنبي السرير من يخففه على الحاملين، وإن أدخلوا عمودًا آخر، ليكونوا ستة أو ثمانية ... لم يكن في ذلك بأس، وإن كان الميت امرأة
اتخذ لها خيمة تسترها؛ لما روي: (أن فاطمة ﵂ بنت رسول الله ﷺ قالت: إني لضئيلة، فإذا مت ... فلا يراني الناس) ، يعني: أنها مهزولة. فلما ماتت
قالت أم سلمة، أو أسماء ﵄: (إني رأيت في أرض الحبشة يعمل للنساء نعش يحملن فيه، عليه خيمة، فاتخذت لها نعشًا عليه خيمة، فكانت أول من حمل بنعش عليه خيمة فاطمة ﵂) .
стр. 1209
ويستحب الإسراع بالمشي في الجنازة.
قال أصحابنا: وهو إجماع.
والدليل عليه: قوله ﷺ : «أسرعوا بالجنازة، فإن تكن صالحة ... فخير تقدمونها إليه، وإن تكن سوى ذلك
فشر تضعونه عن رقابكم» .
ولا يبلغ به الخبب، وإنما يزيد فوق سجية مشي العادة، بحيث لا يشق على ضعفاء الناس معها.
وقال أبو حنيفة: (يبلغ به الخبب) .
دليلنا: ما روي عن عبد الله ﵁: قال: «سألنا رسول الله ﷺ عن المشي بالجنازة، فقال: "دون الخبب، فإن يكن خيرًا ... قدمتموها إليه، وإن يكن شرًا
فبعدًا لأصحاب النار» .
فإن خيف الانفجار، إذا كان المشي فوق سجية المشي ... مشوا به أسرع من ذلك. فإن خيف الانفجار من الإسراع
فإنه يمشي به على سجية المشي.
ويستحب اتباع الجنازة؛ لما روي عن البراء بن عازب: أنه قال: «أمرنا
стр. 1210
رسول الله ﷺ باتباع الجنازة، وعيادة المريض، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، ونصرة المظلوم» .
ويكره له الركوب في الذهاب مع الجنازة من غير عذر؛ لـ: «أن النبي ﷺ ما ركب في عيد ولا جنازة» .
وروي عن ثوبان: أنه قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فرأى ناسًا ركبانًا، فقال: "ألا تستحيون؟! إن ملائكة الله يمشون على أقدامهم، وأنتم على ظهور الدواب» .
فإن كان عاجزًا عن المشي ... لم يكره له الركوب في الذهاب؛ لأن ذلك عذر.
وإن ركب في الانصراف ... لم يكره؛ لما روي عن جابر بن سمرة: «أن النبي ﷺ اتبع جنازة أبي الدحداح ماشيًا، ورجع على فرس» ، ولأنه غير قاصد إلى قربة.
[مسألة: المشي أمام الجنازة]
والمشي أمام الجنازة أفضل للماشي والراكب، وبه قال الزهري، ومالك، وأحمد رحمة الله عليهم، وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمر، وأبي هريرة ﵃ وأرضاهم.
стр. 1211
وقال أبو حنيفة: (المشي خلف الجنازة أفضل) . وبه قال الأوزاعي.
وقال الثوري: (الراكب خلفها، والماشي أمامها) .
دليلنا: ما روى ابن عمر: «أن النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، وعثمان ﵃ كانوا يمشون أمام الجنازة» ، ويقولون: هو أفضل؛ لأنهم شفعاء الميت ... فاستحب أن يتقدموا عليه.
ويستحب أن يمشي قريبًا منها؛ لأنه إذا بعد منها ... لم يكن معها، فإن سبق إلى المقبرة
لم يجب عليه القيام، بل هو بالخيار إن شاء ... قام، وإن شاء
قعد.
وحكي عن أبي مسعود البدري، وجماعة معه: أنهم قالوا: (يجب القيام لها) .
وقال أبو حنيفة، وأحمد: (يكره له الجلوس حتى يوضع في اللحد) .
دليلنا: ما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أنه قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نقوم للجنازة، ثم أمرنا بالجلوس» .
стр. 1212
وروى الحسن، عن أنس ﵁: «أن جنازة اليهودي مرت بالنبي ﷺ لها رائحة، فقام النبي ﷺ لرائحتها حتى جازت، ثم قعد» . فرؤي: أنه قام لذلك.
وقيل أيضًا: إنه قام، لكي لا تعلوه جنازة المشرك.
وروى عبادة بن الصامت، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا كان في جنازة ... لم يجلس حتى توضع في اللحد، فاعترض بعض اليهود، وقال: إنا لنفعل ذلك، فجلس رسول الله ﷺ ، وقال: "خالفوهم» .
ولا يكره للمسلم اتباع جنازة قريبه الكافر؛ لما روي: «أن عليًا ﵁ وأرضاه لما مات أبوه ... أتى النبي ﷺ ، فقال: إن عمك الضال قد مات، فقال له النبي ﷺ : اذهب فواره»
стр. 1213
[فرع: لا تتبع الجنائز بنار ولا نائحة]
ولا تتبع الجنازة بنار ولا نائحة.
والدليل عليه: قوله ﷺ : «لا تتبع الجنازة بنار ولا صوت» ، يعني: نوحًا.
وروي: أن ابن عباس ﵄ رأى مجمرة على قبر، فقال: (لا تتشبهوا باليهود) .
ولأنها إذا أتبعت بالنار ... يفأل بذلك فأل السوء.
[مسألة: دفن الميت]
دفن الميت فرض على الكفاية؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] [عبس:٢١] ، قال ابن عباس ﵄: (أكرمه) ، ولأنه إذا ترك ... تأذى الناس برائحته.
ولا يكره الدفن بالليل، ولكنه بالنهار أولى؛ لأنه أمكن.
وقال الحسن البصري: (يكره الدفن ليلاً) .
стр. 1214
دليلنا: ما روي عن عائشة ﵂: أنها قالت: (ما عرفنا دفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي أول ليلة الأربعاء) .
وروي: (أن عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه دفن ليلاً) ، و: (دفنت عائشة، وفاطمة ﵄ ليلاً) .
[مسألة: الدفن بمكة]
إذا مات ميت بمكة ... فالأفضل أن يدفن في مقبرتها؛ لما جاء فيها من الأثر، وكذلك من مات في المدينة أو بيت المقدس
فالأفضل أن يدفن في مقبرتهما؛ لحرمتهما، وشرف منزلتهما.
وإن مات في بلد غير هذه، وكانت مقبرتها تذكر بخير، مثل: أن يكون فيها قبور الصالحين، أو يرى فيها منامات صالحة ... فالدفن فيها أولى من غيرها من المقابر، وإن لم يذكر فيها شيء
فالدفن فيها أفضل من الدفن في البيت؛ لما يلحقه من دعاء المسلمين الذين يزورون القبور.
стр. 1215
فإن قيل: النبي ﷺ دفن في بيت عائشة أم المؤمنين؟
قلنا: إلا أن النبي ﷺ دفن أصحابه في المقبرة، فكان الاقتداء بفعله أولى.
ولأنهم أرادوا تخصيص النبي ﷺ بذلك؛ لأنه يكثر إليه الزوار، بخلاف غيره.
وروي: «أن النبي ﷺ لما مات ... اختلفوا في موضع دفنه، فقال أبو بكر ﵁: سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا ما أُنسيته، سمعته يقول: ما قبض الله نبيًا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه» ادفنوه في موضع فراشه.
[فرع: الاختلاف على موضع الدفن]
] : وإن تشاحَّ الورثة، فقال بعضهم: ندفنه في ملكه، وقال بعضهم: يدفن في المقبرة المسبلة ... فإنه يدفن في المقبرة المسبلة؛ لأن الملك قد صار لهم.
ولو قال بعضهم: أنا أكفنه من مالي، وقال بعضهم: بل يكفن من ماله ... كفن من ماله.
والفرق بينهما: أنه لا منة عليهم بدفنه في المقبرة المسبلة، وعليهم المنة في كفن بعض الورثة له من ماله.
فإن بادر بعضهم، ودفنه في ملك الميت ... قال أصحابنا: كان للباقين نقله؛ لأن الملك قد صار لهم، غير أنه يكره لهم نقله.
стр. 1216
وإن بادر بعضهم، ودفنه في ملك نفسه، أو كفنه من مال نفسه، ثم دفنه ... قال ابن الصباغ: ولم يذكره أصحابنا، وعندي: أنه لا ينقل، ولا تسلب أكفانه بعد دفنه؛ لأنه ليس في تبقيته إسقاط حق أحدهم، وفي نقله هتك حرمته.
وإن تشاحّ اثنان في الدفن في مقبرة مسبلة ... قدم السابق منهما؛ لأن له مزية بالسبق، وإن لم يسبق واحد منهما
أقرع بينهما؛ لتساويهما.
قال الشافعي ﵀: (ورأيت عندنا يحبون أن يجمع الأهل والقرابة في الدفن في موضع واحد) . وهذا صحيح؛ لما روي: «أن النبي ﷺ لما دفن عثمان بن مظعون ... أمر رجلاً أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حملها، فقام إليها رسول الله ﷺ وحسر عن ذراعيه، ثم حملها، فوضعها عند رأسه، وقال: "أُعلم على قبر أخي؛ لأدفن فيه من مات من أهلي» .
وإذا دفن ميت في مقبرة مسبلة، ثم أراد آخر أن يدفن في ذلك الموضع ميتًا آخر، فإن علم أنه قد بلي الأول ... جاز الدفن فيه، وإن علم أنه لم يبل
لم يجز الدفن فيه، وذلك يختلف باختلاف البلاد؛ لأن البلد إذا كان شديد الحر ... فإن الميت يبلى فيه في أقرب مما يبلى في البلاد الباردة، فإن خالف وحفر قبرًا، فوجد فيه ميتًا،
стр. 1217
أو عظامًا ... أعيد القبر، إلا أن الشافعي قال: (فإن فرغ من القبر، وظهر فيه شيء من العظام
لم يضر أن يجعل في جانب القبر، ويدفن الثاني معه) .
[فرع: عارية الأرض للدفن]
فإن أعار رجل أرضه لرجل ليدفن فيها ميتًا ... فله أن يرجع فيها ما لم يدفن؛ لأنها عارية لم تقبض، وإن دفن الميت فيها
لم يكن له الرجوع فيها، فإن بلي ... كان له الرجوع.
وإن دفن رجل بأرض غيره بغير إذنه ... فالمستحب لصاحب الأرض: أن لا ينقله؛ لأن في ذلك هتكًا لحرمته، فإن نقله
جاز؛ لأنه دفن فيها بغير إذنه.
[فرع: دفن أكثر من واحد]
قال الشافعي ﵀: (ولا أحب أن يدفن في قبر أكثر من واحد؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل هكذا) .
فإن دعت إلى ذلك ضرورة، بأن يكثر الموتى، أو يكون في الناس ضعف؛ لقلة الغذاء في القحط، أو مشتغلين في الحرب ... جاز أن يدفن الاثنان، والثلاثة، وأكثر في قبر، ويقدم أكثرهم قرآنًا إلى القبلة؛ لما روي: «أن النبي ﷺ أمر في قتلى أحد أن يجعل الاثنان والثلاثة في قبر، قالوا: فمن نقدم؟ قال: "أكثرهم قرآنًا» .
قال الشافعي ﵀: (ويجعل بين كل اثنين حاجز من تراب، وإن دعت
стр. 1218
ضرورة أن يدفن رجل مع امرأة في قبر ... جعل الرجل قدامها، وجعل بينهما حاجز من تراب) .
وإن كان رجلاً وصبيا وخنثى وامرأة ... قدم الرجل، ثم الصبي، ثم الخنثى، ثم المرأة، اعتبارًا بصف الصلاة.
[مسألة: ترتيب دفن الجماعة]
قال الشافعي ﵀: (وإن مات جماعة من أهله، ولم يمكنه دفنهم إلا واحدًا واحدًا، فإن كان يخشى تغير أحدهم ... بدأ به، ثم بمن يخشى تغيره بعده، وإن لم يخش تغير أحدهم
بدأ بأبيه؛ لأنه أكثر حرمة، وأوجب حقًا، ثم بعده الأم؛ لأن لها رحمًا، ثم الأقرب فالأقرب.
وإن كانا أخوين ... قدم أكبرهما، وإن كانتا زوجتين
أقرع بينهما؛ لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى) .
[مسألة: الدفن في مقابر الكفرة]
ولا يدفن مسلم في مقبرة الكفار، ولا كافر في مقبرة المسلمين، فإن ماتت ذمية حامل بمسلم ... دفنت بين مقابر المسلمين والكفار، وجعل ظهرها إلى القبلة؛ لأنه يقال: إن وجه الجنين إلى ظهرها.
وروي عن عمر بن الخطاب ﵁: (أنه دفنها في مقبرة المسلمين) . وبه قال مكحول، وإسحاق رحمهما الله.
стр. 1219
وقال عطاء، والزهري، والأوزاعي: (تدفن مع أهل دينها) . وهذا ليس بصحيح؛ لأنه يؤدي إلى دفن مسلم مع الكفار.
وما روي عن عمر ﵁ لا يصح عنه؛ لأنه يؤدي إلى دفن مشرك مع المسلمين.
[مسألة: الدفن في البحر]
وإن مات ميت في السفينة في البحر ... فإنه يغسل، ويحنط، ويكفن، ويصلى عليه، فإن علموا أنهم يجدون جزيرة، أو كانوا بقرب ساحل
انتظروا حتى يدفنوه هنالك.
وإن لم يكن شيء من ذلك ... قال الشافعي ﵀: (يتركونه بين لوحين، ويشدونه، ويطرحونه في الماء، فربما يقع في جزيرة، فيراه بعض المسلمين، فيدفنه، ولا يثقل حتى ينزل إلى القرار، فتأكله الحيتان) .
قال المزني: إنما قال الشافعي ﵀ هذا إذا كان أهل الجزائر مسلمين، فأما إذا كانوا مشركين: فإنه يثقل بشيء حتى ينزل إلى القرار؛ لكي لا يأخذه الكفار، فيغيروا فيه سنة المسلمين.
وقال أحمد: (يثقل بشيء حتى ينزل بكل حال) .
قال الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا: وما قاله الشافعي ﵀ أولى؛ لأنه ربما يأخذه مسلم، فيدفنه، فيكون أولى من أن تأكله الحيتان.
وأما الشيخ أبو إسحاق: فاختار في " المهذب " ما قاله المزني.
стр. 1220
[مسألة: تعميق القبر]
قال الشافعي في " الأم " [١/٢٤٤] : (ويعمق القبر قدر قامة وبسطة) . قال أصحابنا: وذلك أربعة أذرع ونصف.
وقال مالك رحمة الله عليه: (لا حد فيه) .
وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: إلى السرة.
دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ قال: «احفروا، وأوسعوا، وأعمقوا» .
وروي عن عمر: أنه قال: (احفروا قبري قامة وبسطة) ، ولأنه أحرى أن لا تناله السباع، وأبعد على من يريد نبشه، ولئلا يظهر ريحه.
ويستحب أن يوسع عند رجلي الميت ورأسه؛ لما روي: «أن النبي ﷺ قال للحافر: أوسع من قبل رجليه ورأسه»
فإن كانت الأرض صلبة ... فاللحد أحب إلينا من الشق، وهو أن يحفر في القبر
стр. 1221
حفيرة في جانبه؛ لما روى ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «اللحد لنا، والشق لغيرنا» .
وروي: (أن الصحابة ﵃ لما توفي رسول الله ﷺ ... اختلفوا في قبره، فقال بعضهم: يلحد له، وقال الآخرون: يشق له، وكان في المدينة حفاران، أحدهما يلحد، والآخر يشق، فوجهوا إليهما، وقالوا: اللهم اختر لنبيك ما فيه الخيرة، فجاء الذي يلحد، فلحد لرسول الله ﷺ ) .
وإن كانت الأرض رخوة ... لم يمكن اللحد، ولكن الشق.
قال الشافعي ﵀: (وهو أن يبني في القبر من الجانبين بالحجارة أو اللبن، ويترك الميت في وسطه، ثم يسقف عليه باللبن أو الخشب، ويجعل في شقوقه كسر اللبن) .
стр. 1222
قال الشافعي ﵀: (ورأيتهم - عندنا - يضعون على السقف الإذخر، ثم يضعون عليه التراب) .
[مسألة: فعل الدفن للرجال]
] : ولا يدخل الميت قبره إلا الرجال، سواء كان الميت رجلاً أو امرأة؛ لأنه يحتاج فيه إلى بطش وقوة، فكان الرجال به أقوم، ولأن المرأة إذا تولت ذلك ... بان شيء مما هو عورة منها.
قال الصيدلاني: ويتولى النساء حمل المرأة من مغتسلها إلى الجنازة، وتسليمها إلى من في القبر؛ لأنهن يقدرن على ذلك ... وكذلك: يتولى النساء حل ثيابها في القبر، ولم أر هذا لغيره من أصحابنا.
إذا ثبت هذا: فإن كان الميت رجلاً ... فأولى الناس بإدخاله القبر أولاهم بالصلاة عليه.
قال الشافعي ﵀: (ويدخله منهم أفقههم) . فإن كان له قريبان، أحدهما أبعد من الآخر، وكان البعيد فقيهًا ... فهو أولى من القريب الذي ليس بفقيه؛ لأن هذا أمر يحتاج فيه إلى معرفة وعلم، فكان الفقيه بذلك أولى.
فإن استويا في الفقه ... فأقربهم رحمًا، كالأب والجد، ثم بعدهما الابن، ثم ابن الابن، على ترتيب العصبات.
وإن كان الميت امرأة ... فالزوج أولى بإدخالها من كل أحد؛ لأنه يحل له من النظر إليها ما لا يحل لغيره، فإن لم يكن زوج
فالأب أولى، ثم الجد، ثم الابن، ثم ابن الابن، فإن لم يكن أحد من ذوي محارمها ... فمملوكها؛ لأنه محرم لها على ظاهر المذهب، فإن لم يكن
فالخصي من الرجال؛ لأنه لا شهوة له، فإن لم يكن، فبنوا العم.
стр. 1223
قال صاحب " الفروع ": فإن لم يكونوا ... أرسلت بحبل، فإن تعذر ذلك
جاز للأجانب الثقات وضعها.
[فرع: عدد الدافنين]
والمستحب: أن يكون عدد من يدفن وترًا: إما ثلاثة، أو خمسة؛ لقوله ﷺ : «إن الله تعالى وتر يحب الوتر» .
ولما روي: (أن النبي ﷺ لما مات ... أدخله القبر ثلاثة: العباس، وعلي ﵄) ، واختلف في الثالث: فقيل: إنه الفضل بن العباس. وقيل: أسامة بن زيد، وهو الصحيح.
وأما عبد الرحمن بن عوف ﵁: فهم بذلك، وتهيأ للنزول، ولم ينزل.
[فرع: ستر القبر]
ويستحب أن يستر القبر بثوب عند إدخال الميت، سواء كان الميت رجلاً أو امرأة.
وقال أبو حنيفة: (إن كان الميت رجلاً ... لم يفعل ذلك) .
دليلنا: ما روي عن سعد بن مالك ﵁: أنه قال: «لما دفن رسول الله ﷺ -
стр. 1224
سعد بن معاذ ﵁ ... ستر قبره بثوب، وكنت ممسكًا بحاشية الثوب، فأصغى رسول الله ﷺ إلى أسامة بن زيد ﵁، فقلت: ما قال لك؟ فقال: قال: اهتزت قوائم العرش لموت سعد»
ولأنه لا خلاف أنه يستحب ستره بثوب بعد الموت، وعند الغسل؛ لأنه لا يؤمن أن يكون قد تغير، فاستحب - هاهنا - مثله.
ولأنه يحتاج إلى حل عقد كفنه، وتسويته، فاستحب ستره.
[مسألة: استحباب الدفن من قبل الرأس]
ويستحب أن يسل الميت من قبل رأسه، فيوضع رأس الميت عند رجل الميت من القبر، ثم يسل الميت من قبل رأسه سلاًّ إلى القبر، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (توضع الجنازة عرضًا من ناحية القبلة، ثم يدخل إلى القبر معترضًا) .
دليلنا: ما روى ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ سُل من قبل رأسه) ولأن ذلك أسهل.
стр. 1225
والمستحب: أن يقول من يدخله القبر: (بسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ ) . والملة والسنة واحد؛ لما روى ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ كان إذا أدخل الميت القبر ... قال ذلك) .
قال الشافعي ﵀: (ويستحب أن يدعو مع ذلك، فيقول: اللهم أسلمه إليك الأشحاء من ولده وأهله وقرابته وإخوانه، وفارق من كان يحب قربه، وخرج من سعة الدنيا والحياة، إلى ظلمة القبر وضيقه، ونزل بك، وأنت خير منزول به، إن عاقبته ... فبذنبه، وإن عفوت
فأنت أهل العفو، وأنت غني عن عذابه، وهو فقير إلى رحمتك، اللهم اشكر حسنته، واغفر سيئاته، وأعذه من عذاب القبر، واجمع له الأمن من عذابك، واكفه كل هول دون الجنة، واخلفه في تركته في الغابرين، وارفعه في عليين، وعد عليه بفضل رحمتك، يا أرحم الراحمين) .
стр. 1226
[فرع: إضجاعه على الشق الأيمن]
والمستحب: أن يوضع على جنبه الأيمن، لقوله ﷺ : «إذا نام أحدكم ... فليتوسد يمينه» .
ولأن النبي ﷺ هكذا فُعِلَ به، وكذلك فعل الصحابة ﵃ وأرضاهم من بعده إلى يومنا هذا.
ولأنه إذا فعل به ذلك ... استقبل القبلة بجميع بدنه، وقد قال النبي ﷺ : «خير المجالس ما استقبل به القبلة» .
فإن خالفوا، وأضجعوه على جنبه الأيسر، واستقبلوا بوجهه القبلة ... جاز.
ويستحب أن يوسد رأسه بلبنة، كالحي إذا نام، ويدنى إلى اللحد، ويجعل خلف ظهره تراب يسنده؛ لئلا يستلقي على ظهره.
ولا تترك يده تحت خده؛ لما روي: أن عمر ﵁ قال: (إذا مت ... فأفضوا بخدي إلى الأرض) .
وأما قول النبي ﷺ : «فليتوسد يمينه» ... فأراد به: الجنب الأيمن.
ويكره أن يدفن في تابوت، أو يجعل تحته مخدة، أو مضربة، أو غير ذلك؛
стр. 1227
لما روي عن عمر ﵁: أنه قال: (إذا أنزلتموني في اللحد ... فأفضوا بخدي إلى الأرض) .
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال: (لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئًا) .
ويستحب أن ينصب عليه اللبن؛ لما روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أنه قال: (اصنعوا بي كما صنعتم برسول الله ﷺ ، انصبوا علي اللبن نصبًا، وأهيلوا علي التراب) .
ويستحب لمن على شفير القبر عند رد التراب أن يحثو بيده ثلاث حثيات من التراب في القبر، ثم يهال عليه التراب بالمساحي؛ لما روي: «أن النبي ﷺ حثى في قبر ثلاث حثيات من التراب في القبر» . وروي عن فاطمة ﵂: أنها قالت:
стр. 1228
(كيف طابت قلوبكم أن تحثوا التراب على رسول الله ﷺ ) . فدل على: أنهم كانوا يحثون.
ولا يستحب أن يزاد في القبر أكثر من ترابه؛ لئلا يرتفع، فيضيق على الناس.
وقيل: إن الملك يأخذ من تراب قبر المؤمن، فإذا زيد تراب في قبره، فرآه الناس كثيرًا ... أساءوا الظن به، وأن الملك لم يأخذ من ترابه شيئًا.
ويكره أن يرفع القبر فوق الأرض رفعًا كثيرًا؛ لما روي «عن علي ﵁: أنه قال: (بعثني رسول الله ﷺ ألا أدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا تمثالاً إلا طمسته»
ويستحب أن يشخص القبر على وجه الأرض قدر شبر، ليعلم أن هناك قبرًا، لما روي عن القاسم بن محمد ﵁: أنه قال: (قلت لعائشة ﵂: أماه، اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة) .
стр. 1229
وروي عن جابر ﵁: أنه قال: (ألحد رسول الله ﷺ ، ونصب عليه اللبن، ورفع قبره عن الأرض قدر شبر) . ويستحب أن يسطح القبر.
وقال أبو علي الطبري: الأولى أن يسنم. وبه قال أبو حنيفة؛ لأن التسطيح شعار الرافضة واليهود.
قال أبو علي الطبري: وكذلك يستحب ألا يجهر بالبسملة في الصلاة؛ لأن الجهر بها شعار الرافضة، وهذا ليس بصحيح؛ «لأن النبي ﷺ : سطح قبر ابنه إبراهيم، ورش عليه الماء، ووضع عليه حصى من حصى العرصة» .
وأما موافقة الرافضة: فلا يضر إذا صحت السنة فيه.
ويستحب أن يرش على القبر الماء، ويوضع عليه الحصى؛ لما ذكرناه من الخبر، وإنما أمر بالرش؛ ليلصق عليه الحصى، وإذا لم يفعل ذلك ... زال أثره، فلا يعرف.
[فرع: تجصيص القبر]
ويكره أن تجصص القبور؛ لما روى جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا يقعد على قبر، ولا يبنى عليه، ولا يقصص» ، يعني: لا يجصص.
стр. 1230
وفي رواية أخرى: «أنه نهى عن تجصيص القبور، والكتابة فيها، والقعود عليها» .
ولأن ذلك من زينة الأحياء، ولا حاجة بالميت إليه.
وأما البناء على القبر: فإن بني عليه بيت أو قبة، فإن كان ذلك في مقبرة مسبلة ... لم يجز؛ لأنه يضيق على غيره، وعليه يحمل الخبر.
قال الشافعي ﵀: (ورأيت من الولاة من يهدم بمكة ما بني بها، ولم أر من الفقهاء من يعيب عليه ذلك) .
وإن كان في ملكه ... جاز له أن يبني ما شاء؛ لأنه لا يضيق على غيره، بخلاف المسبلة.
[مسألة: الدفن قبل الصلاة]
إذا دفن الميت قبل الصلاة عليه ... صلي على القبر؛ لأن الصلاة تصح على القبر عندنا.
следующие страницы →