Полный текст (7 092 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
[فرع: إضجاعه على الشق الأيمن]
والمستحب: أن يوضع على جنبه الأيمن، لقوله ﷺ : «إذا نام أحدكم ... فليتوسد يمينه» .
ولأن النبي ﷺ هكذا فُعِلَ به، وكذلك فعل الصحابة ﵃ وأرضاهم من بعده إلى يومنا هذا.
ولأنه إذا فعل به ذلك ... استقبل القبلة بجميع بدنه، وقد قال النبي ﷺ : «خير المجالس ما استقبل به القبلة» .
فإن خالفوا، وأضجعوه على جنبه الأيسر، واستقبلوا بوجهه القبلة ... جاز.
ويستحب أن يوسد رأسه بلبنة، كالحي إذا نام، ويدنى إلى اللحد، ويجعل خلف ظهره تراب يسنده؛ لئلا يستلقي على ظهره.
ولا تترك يده تحت خده؛ لما روي: أن عمر ﵁ قال: (إذا مت ... فأفضوا بخدي إلى الأرض) .
وأما قول النبي ﷺ : «فليتوسد يمينه» ... فأراد به: الجنب الأيمن.
ويكره أن يدفن في تابوت، أو يجعل تحته مخدة، أو مضربة، أو غير ذلك؛
стр. 1227
لما روي عن عمر ﵁: أنه قال: (إذا أنزلتموني في اللحد ... فأفضوا بخدي إلى الأرض) .
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال: (لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئًا) .
ويستحب أن ينصب عليه اللبن؛ لما روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أنه قال: (اصنعوا بي كما صنعتم برسول الله ﷺ ، انصبوا علي اللبن نصبًا، وأهيلوا علي التراب) .
ويستحب لمن على شفير القبر عند رد التراب أن يحثو بيده ثلاث حثيات من التراب في القبر، ثم يهال عليه التراب بالمساحي؛ لما روي: «أن النبي ﷺ حثى في قبر ثلاث حثيات من التراب في القبر» . وروي عن فاطمة ﵂: أنها قالت:
стр. 1228
(كيف طابت قلوبكم أن تحثوا التراب على رسول الله ﷺ ) . فدل على: أنهم كانوا يحثون.
ولا يستحب أن يزاد في القبر أكثر من ترابه؛ لئلا يرتفع، فيضيق على الناس.
وقيل: إن الملك يأخذ من تراب قبر المؤمن، فإذا زيد تراب في قبره، فرآه الناس كثيرًا ... أساءوا الظن به، وأن الملك لم يأخذ من ترابه شيئًا.
ويكره أن يرفع القبر فوق الأرض رفعًا كثيرًا؛ لما روي «عن علي ﵁: أنه قال: (بعثني رسول الله ﷺ ألا أدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا تمثالاً إلا طمسته»
ويستحب أن يشخص القبر على وجه الأرض قدر شبر، ليعلم أن هناك قبرًا، لما روي عن القاسم بن محمد ﵁: أنه قال: (قلت لعائشة ﵂: أماه، اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة) .
стр. 1229
وروي عن جابر ﵁: أنه قال: (ألحد رسول الله ﷺ ، ونصب عليه اللبن، ورفع قبره عن الأرض قدر شبر) . ويستحب أن يسطح القبر.
وقال أبو علي الطبري: الأولى أن يسنم. وبه قال أبو حنيفة؛ لأن التسطيح شعار الرافضة واليهود.
قال أبو علي الطبري: وكذلك يستحب ألا يجهر بالبسملة في الصلاة؛ لأن الجهر بها شعار الرافضة، وهذا ليس بصحيح؛ «لأن النبي ﷺ : سطح قبر ابنه إبراهيم، ورش عليه الماء، ووضع عليه حصى من حصى العرصة» .
وأما موافقة الرافضة: فلا يضر إذا صحت السنة فيه.
ويستحب أن يرش على القبر الماء، ويوضع عليه الحصى؛ لما ذكرناه من الخبر، وإنما أمر بالرش؛ ليلصق عليه الحصى، وإذا لم يفعل ذلك ... زال أثره، فلا يعرف.
[فرع: تجصيص القبر]
ويكره أن تجصص القبور؛ لما روى جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا يقعد على قبر، ولا يبنى عليه، ولا يقصص» ، يعني: لا يجصص.
стр. 1230
وفي رواية أخرى: «أنه نهى عن تجصيص القبور، والكتابة فيها، والقعود عليها» .
ولأن ذلك من زينة الأحياء، ولا حاجة بالميت إليه.
وأما البناء على القبر: فإن بني عليه بيت أو قبة، فإن كان ذلك في مقبرة مسبلة ... لم يجز؛ لأنه يضيق على غيره، وعليه يحمل الخبر.
قال الشافعي ﵀: (ورأيت من الولاة من يهدم بمكة ما بني بها، ولم أر من الفقهاء من يعيب عليه ذلك) .
وإن كان في ملكه ... جاز له أن يبني ما شاء؛ لأنه لا يضيق على غيره، بخلاف المسبلة.
[مسألة: الدفن قبل الصلاة]
إذا دفن الميت قبل الصلاة عليه ... صلي على القبر؛ لأن الصلاة تصح على القبر عندنا.
стр. 1231
وإن دفن بغير غسل، أو وجه إلى غير القبلة، فإن خيف عليه التغيير ... لم ينبش؛ لأن ذلك قد تعذر، وإن لم يخف عليه التغيير
نبش، وغسل، ووجه إلى القبلة.
وقال أبو حنيفة: (إن كان قبل نصب اللبن، أو بعد نصب اللبن، وقبل أن يطرح عليه التراب ... فإنه ينبش، وإن كان بعد طرح اللبن عليه
لم ينبش) .
دليلنا: أنه فرض مقدور عليه، فوجب أن ينبش لأجله، كما لو لم يطرح عليه التراب.
وإن دفن من غير كفن ... ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا ينبش؛ لأن القصد منه المواراة، وقد وجد ذلك، فلا ينبغي أن ينبش.
والثاني: أنه ينبش، ويكفن؛ لأنه فرض مقدور عليه، فأشبه الغسل.
وإن غصب من رجل ثوبًا، وكفن به ميتًا، ودفنه ... ففيه وجهان، حكاهما في " العدة ":
أحدهما: ينتقل حق مالكه إلى القيمة، مراعاة لحق الميت.
والثاني - وهو الأشبه -: إن أتى عليه زمان يبلى فيه ذلك الثوب ... كان حقه في القيمة، وإن لم يأت عليه ذلك
طالبه برد الثوب، كما لو دفنه في أرض مغصوبة.
[فرع: وقوع شيء في القبر]
فروع: [وقوع شيء في القبر] :
فإن وقع في القبر شيء له قيمة ... نبش، وأخرج؛ لما روي: (أن المغيرة بن شعبة طرح خاتمه في قبر رسول الله ﷺ عند الدفن، فقال: خاتمي، ففتح موضعًا وأخرجه) .
стр. 1232
وقيل: إنه فعل ذلك حيلة؛ ليقول: (أنا أقربكم عهدًا برسول الله ﷺ ) .
وإن ابتلع الميت جوهرة، فإن كانت لغيره ... شق جوفه، وأخرجت، وإن كانت للميت
ففيه وجهان:
أحدهما: يشق جوفه، وتخرج؛ لأنها صارت للورثة.
والثاني: لا تخرج؛ لأنه أتلفها في حياته، وهي على ملكه.
وإن ماتت امرأة وفي جوفها جنين يتحرك ... ففيه وجهان:
قال أبو العباس ابن سريج: يشق جوفها، ويخرج؛ لأن حرمة الحي آكد من حرمة الميت.
ومن أصحابنا من قال: ينظر فيه: فإن قلن القوابل: إن هذا الجنين إذا أخرج عاش، مثل: أن يكون ابن ستة أشهر، فأكثر ... شق جوفها.
وإن قلن: لا يعيش ... فإنه لا يخرج؛ لأن فيه هتك حرمة الميتة بما لا فائدة فيه.
فعلى هذا: لا تدفن حتى يتحقق موته.
стр. 1233
[فرع: نقل الميت]
] : قال الشيخ أبو نصر: ليس في نقل الميت من بلد إلى بلد نص للشافعي ﵀.
والذي يشبه عندي: أنه يكره، وروي ذلك عن عائشة ﵂، وسئل الزهري عن ذلك؟ فقال: (قد حمل سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه وسعيد بن زيد ﵁ من العقيق إلى المدينة) .
ودليلنا: «أن رسول الله ﷺ أمر بتعجيل دفن الميت» . وفي ذلك تأخير لدفنه، وأما نقل سعد وسعيد: فالعقيق قرب المدينة، فجرى مجرى البلد الواحد إذا نقل من مقبرة فيه إلى مقبرة.
[مسألة: الانصراف بعد الدفن]
] : قال الشافعي ﵀: (وإذا فرغ من الدفن ... فقد أكمل، وينصرف من شاء) .
قال أصحابنا: وفي الانصراف أربع مسائل:
إحداهن: إذا صلى، وانصرف ... فله ثواب.
الثانية: إذا صلى عليه، وانتظره حتى يوسد في القبر، وانصرف ... فهذا أفضل من الأول.
стр. 1234
الثالثة: أن يقف حتى يفرغ من الدفن، وينصرف، فهذا أفضل من الأولين؛ لما روى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من صلى على جنازة ... فله قيراط، ومن شيعها حتى قضى دفنها
فله قيراطان. أحدهما - أو قال: أصغرهما - مثل جبل أحد".
قال أبو هريرة ﵁: (فذكرت ذلك لابن عمر ﵄ وأرضاهما، فأرسل إلى عائشة ﵂، فسألها عن ذلك، فقالت: صدق أبو هريرة، فقال ابن عمر ﵄: لقد فرطنا في قراريط كثيرة»
الرابعة: أن يقف بعد الدفن، ويدعو للميت، وهذا أفضل من الأولين.
قال الشافعي ﵀ في " الأم " [١/٢٤٥] : (وكان بعض من مضى عندنا من أهل العلم يأمر أهل الميت إذا فرغوا من الدفن: أن يقفوا عند قبره بمقدار ما ينحر جزور) .
стр. 1235
وقال: (ذلك حسن، إلا أني لست أراهم يفعلون ذلك الآن عندنا) . فيستحب ذلك؛ لما روى عثمان ﵁: «أن النبي ﷺ كان إذا دفن ميتًا ... وقف عند قبره، وقال: "استغفروا لأخيكم، واسألوا الله له التثبيت، فإنه الآن يسأل» .
وبالله التوفيق
стр. 1236
[باب التعزية والبكاء على الميت]
يستحب أن يعزى أهل الميت وأقاربه؛ لقوله ﷺ : «من عزى مصابًا ... فله مثل أجره» .
стр. 1237
وروي: أن النبي ﷺ قال: «من عزى ثكلى ... كسي بردًا في الجنة» .
قال الشافعي ﵀: (ووقت التعزية من حين يموت الميت إلى أن يدفن، وبعد الدفن أحب إلي، إلا أن يضعف الولي عن احتماله، فيعزى قبل الدفن) .
وقال أبو حنيفة، والثوري: (لا يعزى بعد الدفن، بل قبله) .
دليلنا: قوله ﷺ : «من عزى مصابًا ... فله مثل أجره» . ولم يفرق.
ولأن بعد الدفن أولى بالتعزية؛ لأنه حين مفارقته، وتجديد مصيبته.
ولأن الميت ما لم يدفن، فهو بين أظهر أهله، وإنما يأنسون منه، ويستوحشون بفرقته إذا دفن، فكان أولى الأحوال بالتعزية.
قال الشافعي ﵀: (ويعزى الكبير والصغير، والرجل والمرأة إلا أن تكون شابة، فلا أحب أن يعزيها إلا ذو رحم محرم لها) . فأما الأجنبي: فلا يعزيها؛ مخافة الافتتان بها، ويخص بالتعزية صبيانهم وضعفاؤهم عن احتمال المصيبة، فإن الثواب في تعزيتهم أكثر.
وأما لفظ التعزية: فقال الشافعي: (فإن كان يعزي مسلمًا بمسلم، فأحب أن يعزي بتعزية الخضر أهل بيت رسول الله ﷺ ، وذلك: أنه لما مات النبي ﷺ -
стр. 1238
وجاءت التعزية ... سمعوا صوتًا، ولا يرون أحدًا، يقول: (السلام عليكم، أهل البيت، ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، ودركًا من كل فائت، وخلفًا من كل هالك، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب) .
ويستحب أن يقول بعد ذلك: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك.
وإن عزى مسلمًا بكافر ... قال: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وخلفه عليك، يعني: الله خليفته عليك.
وإن عزى كافرًا بكافر ... قال: أخلف الله عليك، ولا نقص عددك، حتى تكثر الجزية.
[مسألة: كراهة الجلوس للتعزية]
ويكره الجلوس للتعزية، وهو أن يجتمع أهل الميت في بيت؛ ليقصدهم من أراد العزاء؛ لأن ذلك محدث وبدعة، بل يتوجه كل واحد منهم لحاجته، فيعزى الرجل في مصلاه، وفي سوقه وضيعته.
стр. 1239
[مسألة: حرمة النياحة]
ويحرم النوح على الميت، وشق الجيوب، ونشر الشعور، وخمش الوجوه؛ لما روت «أم عطية ﵂: قالت: (نهانا رسول الله ﷺ عن النوح، فما وفت منا واحدة، إلا أم سلمة ﵂»
وروى أبو سعيد الخدري ﵁: «أن النبي ﷺ لعن النائحة والمستمعة» .
وروى ابن مسعود: أن النبي ﷺ قال: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» .
وروي «عن امرأة بايعت النبي ﷺ : أنها قالت: (أخذ علينا النبي ﷺ أن
стр. 1240
لا نخمش وجهًا، ولا ندعو ويلاً، ولا نشق جيبًا، ولا ننشر شعرًا» .
ولأن ذلك شبيه بالتظلم والاستغاثة، وما فعله الله تعالى حق وعدل.
ولأن ذلك يجدد الحزن، ويمنع الصبر، فحرم.
وأما البكاء من غير ندب، ولا نوح: فيجوز؛ لما روي: «أن النبي ﷺ جعل ابنه إبراهيم في حجره، وهو ينزع، فبكى عليه، وقال: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، إنا بك يا إبراهيم لمحزونون" ثم فاضت عيناه، فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟! فقال: إنها رحمة يضعها الله في قلب من يشاء، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء»
وروي أنه قال للنبي ﷺ : «أليس قد نهيت يا رسول الله عن البكاء؟! فقال: "لا، إنما نهيت عن النوح» .
وروي: «أن النبي ﷺ بكى على عثمان بن مظعون، حتى سالت دموعه، فروي: أنه قال في بكائه عليه: "هاء هاء هاء" ثلاث مرات» .
فإن قيل: هذا صوت، وأنتم تكرهون الصوت؟!
стр. 1241
فالجواب: أنه يحتمل أنه كان مغلوبًا عليه، وما كان مغلوبًا عليه الإنسان لا يؤاخذ به. ويحتمل أن يكون الصوت المكروه ما كان بنوح وتعديد، وهذا ليس بشيء منه.
إذا ثبت هذا: فالبكاء مباح إلى أن يموت الميت، فإذا مات: فيستحب أن لا يبكي.
قال الشيخ أبو حامد: وإن كان لا يحرم؛ لما روى جابر بن عتيك: «أن النبي ﷺ جاء إلى عبد الله بن ثابت يعوده، فوجده قد غلب عليه، فصاح به، فلم يجبه، فقال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] [البقرة: ١٥٦] ، ثم قال: "قد غلبنا عليك يا أبا الربيع "، فصاحت النسوة بالبكاء، فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال النبي ﷺ : "دعهن يبكين، فإذا وجبت ... فلا تبكين باكية". قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: إذا مات»
ولأن البكاء بعد الموت يجدد الحزن، ويمنع الصبر.
فإن قيل: فقد روى عمر، وابن عمر، وأبو هريرة ﵃: أن النبي ﷺ قال: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» .
стр. 1242
قال أصحابنا: فعن ذلك ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن الشافعي ﵀ قال: (روي «عن ابن عباس ﵄: أنه قال: سألت عائشة أم المؤمنين ﵂ عن هذا الخبر؟ فقالت: يرحم الله عمر، والله، ما حدث رسول الله ﷺ بهذا الحديث هكذا، وإنما قال: "إن الميت ليزاد في عذابه ببكاء أهله عليه". حسبكم القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] » [الأنعام: ١٦٤] ) .
وروي عنها: أنها قالت: «مات يهودي، فكان أهله يبكون، فقال النبي ﷺ : إن الميت ليعذب وأهله يبكون عليه»
والجواب الثاني: قال المزني: تأويله: أن يكون الميت أوصى بالبكاء عليه، وهكذا أهل الجاهلية كانوا يوصون بالبكاء عليهم، قال طرفة بن العبد:
стр. 1243
إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي علي الجيب يا ابنة معبد
والجواب الثالث: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» ، أي: بما يبكي عليه أهله؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يبكون على ميتهم، ويعددون في بكائهم ما كان يصنع من الظلم والقتل، ويفتخرون به.
[مسألة: زيارة القبور]
] : ويستحب للرجال زيارة القبور؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «زوروا القبور، فإنها تذكركم الموت، ولا تقولوا هجرًا» .
وروي: «أن النبي ﷺ زار قبر أمه في ألف مقنع» .
ويستحب أن يسلم عليهم، ويدعو لهم؛ لما روى ابن عباس ﵁: «أن النبي ﷺ مر بقبور بالمدينة، فأقبل عليها بوجهه، وقال: "السلام عليكم، يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا، ونحن بالأثر» .
стр. 1244
وروت عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ خرج إلى البقيع، فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله عن قريب بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» .
وروي: أنه قال: «اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم» .
وأما النساء: فلا يجوز لهن زيارة القبور؛ لقوله ﷺ : «لعن الله زوارات القبور» .
стр. 1245
ولا يكره المشي في المقبرة بنعلين، وقال أحمد ﵀: (يكره) .
دليلنا: ما روي في حديث المساءلة: «وإنه ليسمع خفق نعالهم» .
ويكره أن يطأ القبر، أو يجلس عليه، أو يتكئ عليه.
وقال مالك: (لا يكره ذلك إلا أن يكون لبول أو غائط) .
دليلنا: قوله ﷺ : «لأن يجلس أحدكم على نار، فتحرق ثوبه، ويصل إلى بدنه، أحب إلي من أن يجلس على قبر» .
فإن لم يكن له طريق إلى قبر من يزوره إلا أن يمشي على قبر ... جاز له المشي عليه؛ لأنه موضع عذر.
ويكره المبيت في المقبرة؛ لما فيها من الوحشة.
ويكره أن يبني على القبر مسجدًا، لما روى أبو مرثد الغنوي: أن النبي ﷺ قال:
стр. 1246
«لا تتخذوا قبري وثنًا، فإنما هلك بنو إسرائيل؛ لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ، وروى جابر ﵁: «أن النبي ﷺ نهى أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن تبنى، وأن توطأ» .
قال الشافعي ﵀: (وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدًا، مخافة الفتنة عليه، وعلى من بعده من الناس) .
[مسألة: إطعام أصحاب المصيبة]
ويستحب لقرابة الميت وجيرانه أن يعملوا لأهل الميت طعامًا يشبعهم يومهم وليلتهم؛ لما روي: «أن النبي ﷺ لما جاءه نعي جعفر بن أبي طالب ﵁ ... قال: اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فإنه قد جاءهم ما يشغلهم»
ولأن ذلك من البر والمعروف.
وقال ابن الصباغ: وأما إصلاح أهل الميت طعامًا، وجمع الناس عليه: فلم ينقل فيه شيء، وهو بدعة، غير مستحب.
стр. 1247
...
....
....
...
стр. 1248
وبالله التوفيق
стр. 1249
[كتاب الزكاة]
стр. 1250
كتاب الزكاة والأصل في وجوب الزكاة: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] [البقرة: ٤٣] .
فأمر بالإيتاء، وهو الدفع.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: ٥] [البينة: ٥] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] [التوبة: ١٠٣] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] إلى قوله: ﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥] [التوبة: ٣٤-٣٥] .
فتواعدهم على الكنز، والكنز: كل مال لم تؤد زكاته.
وروي ذلك عن ابن عمر، وأبي هريرة ﵃.
ويدل على وجوبها من السنة: ما روى ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من كان له مال، فلم يؤد زكاته.. مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع يطلبه وهو يفر منه حتى يطوقه، وتلا قَوْله تَعَالَى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] » [آل عمران: ١٨٠] .
стр. 1251
وروى ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت» .
وروي: أن النبي ﷺ قال لمعاذ ﵁ لما بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم» .
ووجوب الزكاة إجماع بين المسلمين، لا خلاف بينهم في ذلك.
стр. 1252
إذا ثبت هذا: فالزكاة - في اللغة -: هي النماء والزيادة، يقال: زكت الثمرة: إذا كثرت، وزكت النفقة: إذا بورك فيها، ويسمى ما يدفع إلى المساكين: زكاة؛ لأنها تثمن المال.
واختلف أصحابنا في الآيات التي ذكرناها، وهي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] [البقرة: ٤٣] ، وفيما يشبهها من الأخبار:
فمنهم من قال: إنها مجملة، وهو قول أبي إسحاق؛ لأن المجمل: ما لا يعلم المراد منه إلا ببيان، وهذه الآيات والأخبار بهذه الصفة.
فعلى هذا: لا يحتج بها إلا على وجوب الزكاة، فأما على القدر المخرج: فلا يحتج بها.
ومن أصحابنا من قال: هي عامة تدل بظاهرها؛ لأن الصلاة هي الدعاء، والزكاة النماء، فيصح أن يحتج بها على وجوب فعل ما يسمى صلاة، وعلى إخراج ما يقع عليه الاسم في الزكاة، ولا يجب ما زاد على ذلك إلا بدليل.
[مسألة: وجوب الزكاة في الملك الحقيقي]
ولا تجب الزكاة في مال المكاتب.
وقال أبو ثور: (تجب الزكاة في ماله) .
وقال أبو حنيفة: (يجب العشر في أرضه) .
دليلنا: ما روى جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا زكاة في مال المكاتب» .
стр. 1253
ولأن هذا يجب في المال على طريق المواساة، فلم يجب في مال المكاتب، كنفقة الأقارب، فإن أدى المكاتب ما عليه من نجوم الكتابة.. عتق، واستأنف الحول على ما بقي في يده، وإن عجز.. رد ما بيده إلى سيده، واستأنف به السيد الحول، وكان كـ: مال استفاد ملكه في هذه الحالة.
وإن ملك السيد عبده، أو أم ولده مالًا:
فإن قلنا بقوله القديم، وأنه يملك.. لم يجب على السيد فيه زكاة؛ لأنه خارج عن ملكه، ولا يجب على العبد فيه زكاة؛ لأن ملكه أضعف من ملك المكاتب؛ لأن للسيد أن يسترجعه متى شاء.
وإن قلنا بقوله الجديد، وأن العبد لا يملك إذا ملك.. فإن حول السيد لا ينقطع فيه، ويجب على السيد زكاته.
وإن كان نصفه حرًا، ونصفه مملوكًا، وملك بنصفه الحر نصابًا.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو المشهور -: أنه لا يجب عليه فيه زكاة؛ لنقصانه بالرق.
والثاني: يجب عليه فيه الزكاة؛ لأنه يملكه ملكًا تامًا.
[مسألة: لا يخاطب الكافر بالزكاة]
وأما الكافر الأصلي: فلا يصح إخراج الزكاة منه، وهل هو مخاطب بوجوبها، ويكون آثمًا بها؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما.
وأما المرتد: فإن ارتد بعد وجوب الزكاة عليه.. لم يسقط عنه بردته ما قد وجب عليه، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (يسقط عنه) .
دليلنا: أنه قد ثبت وجوبه عليه، فلم يسقط بردته، كالدين.
стр. 1254
وإن ارتد في أثناء الحول.. فهل ينقطع الحول؟ يبنى على حكم ملكه، وفيه طريقان:
قال أبو العباس: في ملكه قولان:
أحدهما: أن ملكه لا يزول بالردة، وإنما يزول بالموت.
فعلى هذا: لا ينقطع حوله، وتجب عليه الزكاة عند حلول الحول.
والثاني: أن ملكه موقوف.
فإن رجع إلى الإسلام.. بنينا أن ملكه لم يزل.
فعلى هذا: تجب عليه الزكاة.
وإن لم يعد.. بنينا أن ملكه زال بنفس الردة.
فعلى هذا: لا تجب الزكاة في ماله.
وقال أبو إسحاق: في ملكه ثلاثة أقوال:
قولان: هما الأولان.
والثالث: أن ملكه زال عن ماله بنفس الردة، وبه قال أبو حنيفة.
فعلى هذا: لا تجب الزكاة، واختار صاحب " المهذب " طريقة أبي إسحاق.
[مسألة: الزكاة حق في المال]
وتجب الزكاة في مال الصبي، والمعتوه والمجنون، ويجب على الولي إخراجها من ماله، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر، وبه قال مالك، وابن أبي ليلي.
стр. 1255
وقال ابن مسعود، والثوري، والأوزاعي: (تجب، ولكن لا تخرج حتى يبلغ الصبي، ويفيق المعتوه والمجنون، فيؤديها) .
وقال ابن شبرمة، وأبو حنيفة وأصحابه: (لا تجب الزكاة في مالهم، وإنما تجب زكاة الفطر والعشر في مالهم) . وروي ذلك عن ابن عباس.
دليلنا: قوله ﷺ : «في الرقة ربع العشر، وفي الغنم إذا بلغت أربعين شاة شاة» . ولم يفرق.
وقوله ﷺ : «ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة» .
ولأنه حر مسلم، فجاز أن تجب الزكاة في ماله، كالبالغ.
стр. 1256
[مسألة: أنواع المزكين]
] : إذا تقرر ما ذكرناه: فالناس في الزكاة على ثلاثة أضرب:
[أحدها] : ضرب يعتقد وجوبها، ويؤديها في الوقت الذي تحل عليه، فهذا داخل تحت المدح في قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] [المؤمنون: ١-٤] .
وفي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] [الأعلى: ١٤] وما أشبهها من الآيات.
والضرب الثاني: يعتقد وجوبها، ولا يؤديها، وهم فساق المسلمين، فإن كانوا في قبضة الإمام.. ضيق عليهم، وأخذها منهم.
وإن امتنعوا بمنعة.. قاتلهم الإمام كما قاتل أبو بكر ﵁ مانعيها.
وإن أخفوا أموالهم.. حبسهم الإمام، فإذا ظهرت.. ففي القدر الذي يؤخذ منهم قولان:
[أحدهما] : قال في القديم: (يأخذ منهم الزكاة، وشطر مالهم، عقوبة لهم) ؛ لما روى بهز بن حكيم [بن معاوية بن حيدة، عن أبيه، عن جده] : أن النبي ﷺ قال: «ومن منعها.. فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا، ليس لآل محمد فيها شيء» .
стр. 1257
و [الثاني] : قال في الجديد: (تؤخذ منه الزكاة لا غير) ؛ لقوله ﷺ : «ليس في المال حق سوى الزكاة» ، ولأنها عبادة، فلا يجب بالامتناع منها أخذ شطر ماله، كسائر العبادات، والخبر منسوخ؛ لأن العقوبات كانت في أول الإسلام في الأموال.
والضرب الثالث: من لا يقر بوجوب الزكاة، فإن كان قريب عهد بالإسلام، أو ناشئًا في بادية لا يعلم وجوب الزكاة.. فإنه يعرف وجوب الزكاة.
وإن كان ممن نشأ مع المسلمين.. فإنه يحكم بكفره؛ لأن وجوب الزكاة معلوم من دين الله تعالى من طريق توجب العلم الضروري؛ لكونها معلومة من نص الكتاب والسنة المتواترة وإجماع الخاصة والعامة، فمن جحد وجوبها بعد ذلك.. حكم بكفره.
فإن قيل: أفليس الذين منعوا الزكاة في زمان أبي بكر زعموا أنها غير واجبة عليهم، ولم يكفروا؟
قلنا: إنما لم يكفروا؛ لأن وجوبها لم يكن مستقرًا في ذلك الوقت؛ لأنهم اعتقدوا أن النبي ﷺ كان مخصوصًا بذلك، ولهذا قال عمر لأبي بكر ﵄: كيف نقاتلهم؟! وقد قال النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا قالوا، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» ، فقال أبو بكر ﵁: (الصلاة من حقها، والزكاة من حقها، والله لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة، والله لو منعوني عناقًا - وروي: عقالًا - مما أعطوا رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه) ثم اجتمعت الصحابة بعد ذلك معه على قتالهم، فاستقر الوجوب.
стр. 1258
وهذا كما نقول: إن قدامة بن مظعون وعمرو بن معد يكرب كانا يذهبان إلى إباحة الخمر، وكان عمرو يقول: قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] [المائدة: ٩٣] ، فقيل له: هذا فيما سلف، فرجع عن ذلك، ولم يحكم بكفره.
فلو أن قائلًا قال في وقتنا: الخمر مباحة.. كان كافرًا.
إذا ثبت هذا: ففي حديث أبي بكر الصديق ﵁ فوائد:
أحدها: أنه يدل على وجوب الزكاة.
الثانية: أن للإمام أن يقاتل مانعيها.
الثالثة: أن المناظرة في الأحكام جائزة.
الرابعة: أن مناظرة الإمام جائزة.
الخامسة: أن الاحتجاج بالعموم جائز؛ لأن عمرَ احتج بعموم قول النبي ﷺ .
стр. 1259
السادسة: أن تخصيص العموم جائز؛ لأن أبا بكر احتج عليه بالتخصيص، وهو قوله: «إلا بحقها» .
السابعة: أن التخصيص بالقياس جائز؛ لقول أبي بكر: (والله لا أفرق بين الصلاة والزكاة) . وهذا اعتبار الزكاة بالصلاة.
الثامنة: أن من ترك الصلاة قوتل.
التاسعة: أن خلاف الواحد للجماعة خلاف؛ لأن الصحابة ﵃ أنكروا على أبي بكر، ولم يكن قولهم حجة عليه.
العاشرة: أن الناس إذا اختلفوا على قولين، ثم رجعوا إلى أحدهما.. صار إجماعًا؛ لأن الصحابة رجعوا إلى قول أبي بكر ﵁.
الحادية عشرة: أن ذلك يدل على شجاعة أبي بكر وعلمه، فإنهم أشاروا عليه بترك قتالهم، وبرد جيش أسامة بن زيد، فقال: (والله، لأقاتلنهم بموالي وأتباعي، ولا أرد جيشًا جهزه رسول الله ﷺ ) .
الاثنتا عشرة: أن الخطاب الوارد في القرآن بخطاب المواجهة للنبي ﷺ يشاركه فيه غيره من الأئمة، وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] [التوبة: ١٠٣] .
الثالثة عشرة: أن السخلة يجوز أخذها في الزكاة؛ لقول أبي بكر الصديق ﵁: (والله لو منعوني عناقًا) ، وأما (العقال) : فهو صدقة العام. وقيل: هو الحبل الذي يقرن به البعيران. وقيل: إنه الحبل الذي يشد به مال التجارة.
وبالله التوفيق
стр. 1260
[باب صدقة المواشي وأحكام الملك]
لا تجب زكاة العين في الماشية إلا في الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم؛ لأن الأخبار وردت بإيجاب الزكاة فيها، فأما الخيل والبغال والحمير والعبيد: فلا تجب فيها زكاة العين، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، ومالك، والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة: (إن كانت الخيل ذكورًا وإناثًا.. وجبت فيها الزكاة، وإن كانت ذكورًا أو إناثًا، ففيها روايتان) .
وزكاتها عنده: إن شاء مالكها.. أعطى عن كل فرس دينارًا، وإن شاء.. قومها، وأعطى ربع عشر قيمتها.
دليلنا: ما روى علي ﵁ وأرضاه: أن النبي ﷺ قال: «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق» .
ولأنها تقتنى للزينة لا للنماء، فلم تجب فيها الزكاة، كثياب البدن.
ولا تجب الزكاة فيما تولد بين الغنم والظباء، سواء كانت الأمهات من الغنم أو من الظباء.
وقال أبو حنيفة: (إن كانت الأمهات غنمًا، والفحل ظبيًا.. وجبت فيها الزكاة، وإن كانت الأمهات من الظباء، والفحل من الغنم.. لم تجب فيها الزكاة) .
وقال أحمد: (تجب فيها الزكاة بكل حال) .
стр. 1261
دليلنا: أنه متولد بين أصلين لا زكاة في أحدهما بحال، فأشبه إذا كانت الأمهات ظباء، وهذا على أبي حنيفة.
وعلى أحمد: حيوان تولد بين وحشي وأهلي، فلم تجب فيه الزكاة، كما لو كان الأبوان من الوحشي.
وإن ملك بقر الوحش.. لم تجب فيها الزكاة.
وقال أحمد في إحدى الروايتين: (تجب فيها الزكاة) .
دليلنا: أنه حيوان لا يجزئ في الأضحية، فلم تجب فيه زكاة العين، كالظباء وغيرها.
وأما الماشية الموقوفة عليه إذا حال عليها الحول: فهل تجب فيها الزكاة؟
إن قلنا: إن الملك ينتقل فيها إلى الله تعالى.. لم تجب فيها الزكاة. وإن قلنا: إنه ينتقل إلى الموقوفة عليه.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا تجب عليه فيها الزكاة؛ لأن ملكه عليها ناقص.
والثاني: يجب عليه فيها الزكاة؛ لأنه يملكها ملكًا تامًا مستقرًا، فهو كالمطلق.
فإذا قلنا بهذا: فقد قال بعض أصحابنا: يخرج الزكاة منها؛ لأنها كالمطلق على هذا.
والذي يقتضي المذهب عندي: أن يبنى على القولين في محل وجوب الزكاة:
فإن قلنا: إنها تجب في عين المال.. كان له إخراج الزكاة منها.
стр. 1262
وإن قلنا: إنها تجب في الذمة.. أخرجها من ماله المطلق. وما قاله الأول لا يصح؛ لأنها لو كانت كالمطلق.. لجاز له بيعها.
وأما إذا وقف عليه نخلًا أو كرمًا.. وجبت زكاة الثمرة على الموقوف عليه، قولًا واحدًا؛ لأنه يملك الثمرة ملكًا تامًا.
[مسألة: زكاة المغصوب ونحوه]
إذا غصب له مال، أو ضاع، أو أودعه، فجحده المودع، أو وقع في بحر لا يمكنه إخراجه، أو دفنه في موضع، ونسي موضعه حتى حال عليه حول، أو أحوال.. لم يجب عليه إخراج الزكاة عنه قبل أن يرجع إليه؛ لأنه لا يلزمه زكاة مال لا يقدر عليه.
فإن رجع إليه المال من غير نماء.. ففيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (لا تجب عليه فيه الزكاة، وينقطع حوله) . وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه ناقص التصرف فيه، فلم تجب عليه فيه الزكاة، كالمكاتب، ولأن الزكاة إنما تجب في الأموال النامية، وهذا لا نماء له، فلم تجب عليه فيه الزكاة، كالبغال والحمير.
و [الثاني] : قال في الجديد: (يجب عليه فيه الزكاة) . وهو الصحيح؛ لقوله ﷺ : «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» . وهذا قد حال عليه
стр. 1263
الحول، ولأنه مال له يملك المطالبة به، ويجبر من هو بيده على تسليمه، فهو كما لو كان في يد وكيله.
فإن عاد إليه في أثناء الحول:
فعلى القول القديم: يستأنف الحول. وعلى الجديد: يبني الحول.
وإن كان معه أربعون من الغنم، فغصبت منها واحدة، ثم رجعت إليه:
فعلى القول القديم: ينقطع الحول، فيستأنفه حين تعود. وعلى الجديد: لا ينقطع.
وإن رجعت إليه الماشية مع نمائها.. ففيه طريقان:
قال أبو العباس: تجب عليه فيها الزكاة، قولا واحدا؛ لأن النماء قد رجع إليه.
وقال عامة أصحابنا: هي على القولين؛ لأن المانع من وجوبها الحيلولة بينه وبين ذلك، وذلك لا يعود بعود النماء.
[فرع: حبس عن الوصول لماله]
وإن أسر المشركون أو المسلمون رجلا من المسلمين وحبسوه عن ماله، وحال عليه أحوال.. فهل يجب عليه إخراج زكاته إذا تمكن؟ فيه طريقان:
من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالمغصوب.
ومنهم من قال: يجب عليه قولا واحدا؛ لأنه يملك بيعه.
وإن اشترى من رجل نصابا، وبقي في يد البائع، ولم يقبضه المشترى حتى حال
стр. 1264
عليه الحول ففيه ثلاث طرق، حكاها في " الإبانة " [ق\١٢١] :
من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالمغصوب.
وقال صاحب " التقريب ": عليه الزكاة، قولا واحدا؛ لأنه يمكنه انتزاعه من يد البائع في الحال، فهو كالمال في يد وكيله.
وقال القفال: لا زكاة عليه، قولا واحدا؛ لأنه لا يصح تصرفه فيه بالبيع والهبة.
[مسألة: زكاة اللقطة]
وإذا ضاع من رجل نصاب من الأثمان، والتقطه آخر، وأقام في يد الملتقط حولا، وعرفه.. فإن زكاة العام الأول لا تجب على الملتقط، قولا واحدا؛ لأنه لم يملكه فيه، وهل تجب على المالك زكاة العام الأول إذا رجع إليه؟ فيه قولان، كالمال المغصوب.
وأما العام الثاني: فإن لم يختر الملتقط تملكها:
فإن قلنا: تدخل اللقطة في ملك الملتقط بنفس التعريف.. فهو كما لو اختار تملكها على ما يأتي بيانه.
وإن قلنا بالصحيح: وأنها لا تدخل في ملكه إلا بالتملك.. فإنه لا زكاة على الملتقط في هذا العام الثاني؛ لأنه لم يملكها.
وأما المالك: فهل يجب عليه زكاتها إذا رجعت إليه العام الثاني؟
من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالعام الأول.
ومنهم من قال: لا تجب عليه زكاتها، قولا واحدا؛ لأن للملتقط أن يختار تملكها، ويزيل ملكها.
стр. 1265
فعلى هذا: لا تجب زكاة هذا المال على أحد للعام الثاني، وهذا ليس بصحيح؛ لأن ذلك ليس بأولى مما بعد التملك.
وإن اختار الملتقط تملكها في أول الحول الثاني بعد التعريف.. فإنه يملكها، فإذا تم الحول من حين تملكها.. فهل تجب عليه زكاة هذا المال؟ ينظر فيه:
فإن كان له مال بقدر هذه اللقطة.. وجب عليه زكاتها.
وإن لم يكن له مال سوى هذه اللقطة.. فهل تجب عليه زكاتها؟ فيه قولان، بناء على القولين في الدين، هل يمنع وجوب الزكاة؟ على ما يأتي بيانه.
وأما المالك: فهل يجب عليه إخراج الزكاة للأحوال بعد التملك إذا رجعت إليه؟ فيه قولان، كالمغصوب، فإذا أوجبنا عليهما الزكاة.. وجبت زكاتان في حول واحد؛ لأجل مال واحد، وإن أسقطنا عنهما الزكاة.. فهذا مال يملكه حر مسلم، ولا زكاة فيه.
[مسألة: الدين يستغرق النصاب]
] : وإذا كان له نصاب من المال، وعليه دين يستغرق ماله، أو ينقصه عن النصاب.. فهل تجب عليه الزكاة فيه؟ فيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (لا تجب عليه فيه الزكاة) . وبه قال الحسن، والليث، والثوري، وأحمد.
ووجهه: ما روي عن عثمان ﵁: أنه قال في المحرم: (هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين.. فليقضه، ثم ليزك بقية ماله) .
ولأنه حق يتعلق بماله، فمنع منه الدين، كالحج.
следующие страницы →