Полный текст (7 092 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
دليلنا: أنه متولد بين أصلين لا زكاة في أحدهما بحال، فأشبه إذا كانت الأمهات ظباء، وهذا على أبي حنيفة.
وعلى أحمد: حيوان تولد بين وحشي وأهلي، فلم تجب فيه الزكاة، كما لو كان الأبوان من الوحشي.
وإن ملك بقر الوحش.. لم تجب فيها الزكاة.
وقال أحمد في إحدى الروايتين: (تجب فيها الزكاة) .
دليلنا: أنه حيوان لا يجزئ في الأضحية، فلم تجب فيه زكاة العين، كالظباء وغيرها.
وأما الماشية الموقوفة عليه إذا حال عليها الحول: فهل تجب فيها الزكاة؟
إن قلنا: إن الملك ينتقل فيها إلى الله تعالى.. لم تجب فيها الزكاة. وإن قلنا: إنه ينتقل إلى الموقوفة عليه.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا تجب عليه فيها الزكاة؛ لأن ملكه عليها ناقص.
والثاني: يجب عليه فيها الزكاة؛ لأنه يملكها ملكًا تامًا مستقرًا، فهو كالمطلق.
فإذا قلنا بهذا: فقد قال بعض أصحابنا: يخرج الزكاة منها؛ لأنها كالمطلق على هذا.
والذي يقتضي المذهب عندي: أن يبنى على القولين في محل وجوب الزكاة:
فإن قلنا: إنها تجب في عين المال.. كان له إخراج الزكاة منها.
стр. 1262
وإن قلنا: إنها تجب في الذمة.. أخرجها من ماله المطلق. وما قاله الأول لا يصح؛ لأنها لو كانت كالمطلق.. لجاز له بيعها.
وأما إذا وقف عليه نخلًا أو كرمًا.. وجبت زكاة الثمرة على الموقوف عليه، قولًا واحدًا؛ لأنه يملك الثمرة ملكًا تامًا.
[مسألة: زكاة المغصوب ونحوه]
إذا غصب له مال، أو ضاع، أو أودعه، فجحده المودع، أو وقع في بحر لا يمكنه إخراجه، أو دفنه في موضع، ونسي موضعه حتى حال عليه حول، أو أحوال.. لم يجب عليه إخراج الزكاة عنه قبل أن يرجع إليه؛ لأنه لا يلزمه زكاة مال لا يقدر عليه.
فإن رجع إليه المال من غير نماء.. ففيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (لا تجب عليه فيه الزكاة، وينقطع حوله) . وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه ناقص التصرف فيه، فلم تجب عليه فيه الزكاة، كالمكاتب، ولأن الزكاة إنما تجب في الأموال النامية، وهذا لا نماء له، فلم تجب عليه فيه الزكاة، كالبغال والحمير.
و [الثاني] : قال في الجديد: (يجب عليه فيه الزكاة) . وهو الصحيح؛ لقوله ﷺ : «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» . وهذا قد حال عليه
стр. 1263
الحول، ولأنه مال له يملك المطالبة به، ويجبر من هو بيده على تسليمه، فهو كما لو كان في يد وكيله.
فإن عاد إليه في أثناء الحول:
فعلى القول القديم: يستأنف الحول. وعلى الجديد: يبني الحول.
وإن كان معه أربعون من الغنم، فغصبت منها واحدة، ثم رجعت إليه:
فعلى القول القديم: ينقطع الحول، فيستأنفه حين تعود. وعلى الجديد: لا ينقطع.
وإن رجعت إليه الماشية مع نمائها.. ففيه طريقان:
قال أبو العباس: تجب عليه فيها الزكاة، قولا واحدا؛ لأن النماء قد رجع إليه.
وقال عامة أصحابنا: هي على القولين؛ لأن المانع من وجوبها الحيلولة بينه وبين ذلك، وذلك لا يعود بعود النماء.
[فرع: حبس عن الوصول لماله]
وإن أسر المشركون أو المسلمون رجلا من المسلمين وحبسوه عن ماله، وحال عليه أحوال.. فهل يجب عليه إخراج زكاته إذا تمكن؟ فيه طريقان:
من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالمغصوب.
ومنهم من قال: يجب عليه قولا واحدا؛ لأنه يملك بيعه.
وإن اشترى من رجل نصابا، وبقي في يد البائع، ولم يقبضه المشترى حتى حال
стр. 1264
عليه الحول ففيه ثلاث طرق، حكاها في " الإبانة " [ق\١٢١] :
من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالمغصوب.
وقال صاحب " التقريب ": عليه الزكاة، قولا واحدا؛ لأنه يمكنه انتزاعه من يد البائع في الحال، فهو كالمال في يد وكيله.
وقال القفال: لا زكاة عليه، قولا واحدا؛ لأنه لا يصح تصرفه فيه بالبيع والهبة.
[مسألة: زكاة اللقطة]
وإذا ضاع من رجل نصاب من الأثمان، والتقطه آخر، وأقام في يد الملتقط حولا، وعرفه.. فإن زكاة العام الأول لا تجب على الملتقط، قولا واحدا؛ لأنه لم يملكه فيه، وهل تجب على المالك زكاة العام الأول إذا رجع إليه؟ فيه قولان، كالمال المغصوب.
وأما العام الثاني: فإن لم يختر الملتقط تملكها:
فإن قلنا: تدخل اللقطة في ملك الملتقط بنفس التعريف.. فهو كما لو اختار تملكها على ما يأتي بيانه.
وإن قلنا بالصحيح: وأنها لا تدخل في ملكه إلا بالتملك.. فإنه لا زكاة على الملتقط في هذا العام الثاني؛ لأنه لم يملكها.
وأما المالك: فهل يجب عليه زكاتها إذا رجعت إليه العام الثاني؟
من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالعام الأول.
ومنهم من قال: لا تجب عليه زكاتها، قولا واحدا؛ لأن للملتقط أن يختار تملكها، ويزيل ملكها.
стр. 1265
فعلى هذا: لا تجب زكاة هذا المال على أحد للعام الثاني، وهذا ليس بصحيح؛ لأن ذلك ليس بأولى مما بعد التملك.
وإن اختار الملتقط تملكها في أول الحول الثاني بعد التعريف.. فإنه يملكها، فإذا تم الحول من حين تملكها.. فهل تجب عليه زكاة هذا المال؟ ينظر فيه:
فإن كان له مال بقدر هذه اللقطة.. وجب عليه زكاتها.
وإن لم يكن له مال سوى هذه اللقطة.. فهل تجب عليه زكاتها؟ فيه قولان، بناء على القولين في الدين، هل يمنع وجوب الزكاة؟ على ما يأتي بيانه.
وأما المالك: فهل يجب عليه إخراج الزكاة للأحوال بعد التملك إذا رجعت إليه؟ فيه قولان، كالمغصوب، فإذا أوجبنا عليهما الزكاة.. وجبت زكاتان في حول واحد؛ لأجل مال واحد، وإن أسقطنا عنهما الزكاة.. فهذا مال يملكه حر مسلم، ولا زكاة فيه.
[مسألة: الدين يستغرق النصاب]
] : وإذا كان له نصاب من المال، وعليه دين يستغرق ماله، أو ينقصه عن النصاب.. فهل تجب عليه الزكاة فيه؟ فيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (لا تجب عليه فيه الزكاة) . وبه قال الحسن، والليث، والثوري، وأحمد.
ووجهه: ما روي عن عثمان ﵁: أنه قال في المحرم: (هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين.. فليقضه، ثم ليزك بقية ماله) .
ولأنه حق يتعلق بماله، فمنع منه الدين، كالحج.
стр. 1266
و [الثاني] : قال في الجديد: (تجب فيه الزكاة) . وبه قال حماد بن أبي سليمان أستاذ أبي حنيفة، وربيعة بن أبي عبد الرحمن أستاذ مالك رحمة الله عليهم، وهو الصحيح.
ووجهه: قوله ﷺ : «في خمس من الإبل شاة، وفي أربعين شاة شاة» . ولم يفرق.
ولأن الدين يجب في الذمة، والزكاة تجب في عين ماله، فلم يمنع أحدهما الآخر، كما لو كان عليه دين، وله عبد، فجنى.
قال الشيخ أبو حامد: ولا فرق بين الأموال الظاهرة والباطنة، ولا فرق بين أن يكون الدين من جنس ما بيده، أو من غير جنسه.
فإن كان معه مائتا درهم، وعليه دين مائتا درهم، وله دار أو عروض قيمتها مائتا درهم.. وجبت عليه الزكاة في المأتي درهم، قولا واحدا، ويكون الدين في مقابلة الدار والعروض.
وقال مالك: (إن كان ذلك الدين من الذهب أو الفضة.. منع وجوب الزكاة، وإن كان من غيرهما.. لم يمنع) .
وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق\١٢١] : أن من أصحابنا من قال: للشافعي ﵀ قول آخر: (إن الدين يمنع الزكاة في الأموال الباطنة، ولا يمنع في الظاهرة) .
ومنهم من أنكر ذلك.
وحكى أيضا: أن من أصحابنا من قال: القولان إذا كان الدين من جنس ما بيده، فإن كان من غير جنسه.. لم يمنع.
ومنهم من قال: لا فرق، وهو الصحيح، وهو طريقة أصحابنا البغداديين.
стр. 1267
[فرع: من نذر التصدق بماله]
] : إذا كان بيده مائتا درهم، فقال: لله علي أن أتصدق بها، وحال الحول، وهي بيده.. فهل تجب فيها الزكاة؟ اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه القولان في الدين، هل يمنع وجوب الزكاة؟
ومنهم من قال: لا تجب عليه الزكاة فيها، قولا واحدا، وهو الأصح؛ لتعلق النذر بعينها.
وإن نذر أن يتصدق بمأتي درهم في ذمته، فحال الحول على مائتين، وهي في يده:
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان في الدين، هل يمنع وجوب الزكاة؟
ومنهم من قال: تجب الزكاة فيها قولا واحدا، وهو الأصح؛ لأن الحق فيه لله تعالى، وهو يقبل المسامحة، بخلاف دين الآدمي، فإنه مبني على التشديد.
[فرع: زكاة المحجور عليه]
وإن حجر الحاكم عليه لديون عليه، ثم حال الحول على ماله، فإن حال الحول بعد أن فرق الحاكم ماله على الغرماء، وقبضوه.. لم تجب عليه فيه الزكاة، وكذلك إذا لم يقبضوه ولكن قد نظر الحاكم إلى قدر دينه، وإلى عيون ماله، وجعل لكل واحد عينا بدينه.. فإنه لا زكاة على ما ملكه؛ لأن ملكه قد زال.
وإن كان موجودا في يده: قال الشافعي ﵀: (ولهم أن يأخذوه حيث وجدوه) .
فاعترض الكرخي عليه، وقال: أباح الشافعي ﵀ لهم انتهاب ماله.
قلنا: هذا خطأ؛ لأن الحاكم إذا عين لكل واحد عينا.. جاز له أخذها حيث وجدها.
стр. 1268
وإن حجر عليه الحاكم، ولم يفرق ماله، ولا عين لكل إنسان عينا، فحال عليه الحول:
فإن قلنا: الدين يمنع وجوب الزكاة.. لم تجب الزكاة هاهنا، قولا واحدا.
وإن قلنا: الدين لا يمنع وجوب الزكاة ففيه ثلاثة طرق:
من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالمال المغصوب.
وقال أبو إسحاق: إن كان من الماشية.. وجبت فيه الزكاة؛ لأنه يحصل له نماؤها، وإن كان من غير الماشية.. ففيه قولان، كالمال المغصوب.
وقال أبو علي في " الإفصاح ": تجب الزكاة في الماشية وغيرها، قولا واحدا؛ لأن الحجر لا يمنع وجوب الزكاة، كالحجر على السفيه والمجنون. والطريق الأول أصح.
[فرع: إقرار المحجور عليه بوجوب الزكاة]
إذا أقر قبل الحجر بوجوب الزكاة عليه:
قال ابن الصباغ: فإن صدقه الغرماء.. ثبت، وإن كذبوه.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أمين فيها، فإذا ثبتت: فأيهما يقدم؟ فيها ثلاثة أقوال، يأتي بيانها.
فإن أقر بها بعد الحجر. فعلى القولين في المحجور عليه إذا أقر بدين بعد الحجر عليه، ويأتي بيانها في (التفليس) إن شاء الله تعالى.
[مسألة: زكاة السائمة]
وتجب الزكاة في سائمة الإبل والبقر والغنم.
فأما المعلوفة منها: فلا تجب فيها الزكاة، وبه قال الليث، وسفيان، وأبو حنيفة وأصحابه.
стр. 1269
وقال مالك: (تجب الزكاة في المعلوفة) .
وقال داود: (لا تجب في معلوفة الغنم، وتجب في معلوفة البقر والإبل) .
دليلنا: قوله ﷺ : «في سائمة الغنم زكاة» . فدل على أنه لا زكاة في المعلوفة، وإذا ثبت ذلك في الغنم.. ثبت في غيرها من المواشي قياسا عليها.
وأما العوامل من الإبل والبقر: إذا كانت غير سائمة.. فلا زكاة فيها، كأثاث الدار، وإن كانت سائمة.. ففيه وجهان، حكاهما في " العدة ":
أحدهما - وبه قال الجويني، ومالك -: (أنه تجب فيهما الزكاة) ؛ لأن الملك والسوم موجودان، فإذا انتفع بهما من وجه.. كان أولى بإيجاب الزكاة.
والثاني - وهو الأصح -: أنه لا تجب فيها الزكاة؛ لما روى علي ﵁: أن النبي ﷺ قال: «ليس في العوامل شيء» . وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن
стр. 1270
جده، وابن عباس ﵃: أن النبي ﷺ قال: «ليس في الإبل العوامل صدقة» ، ولأنها ليست مرصدة للدر والنسل، فأشبهت البغال والحمير.
فإن أسيمت الماشية في كلأ مملوك.. فهل هي سائمة، أو معلوفة؟ فيه وجهان.
وإن أسيمت الماشية في بعض الحول، وعلفت في بعضه.. ففيه ثلاثة أوجه، حكاها ابن الصباغ:
[أحدها] : من أصحابنا من قال: إن علفها يوما أو يومين.. لم يبطل حكم السوم، وإن علفها ثلاثة أيام.. بطل حكم السوم؛ لأنها لا تصبر عن العلف ثلاثة أيام، وتصبر دون ذلك ولا تتلف.
و [الثاني] : منهم من قال: يثبت العلف بأن ينوي علفها، ويعلفها وإن كان مرة، كما إذا كان له ذهب، فنوى صياغته، وصاغه.. انقطع الحول.
والثالث: يراعي الأكثر، فإن كان الغالب السوم.. كان الحكم له، وإن كان الغالب العلف.. كان الحكم له، وهو قول أبي حنيفة، كما إذا سقى الزرع بماء السماء والناضح.. اعتبر الغالب.
стр. 1271
[فرع: غصب من نصابه]
فإن كان عنده نصاب من المعلوفة، فغصبها غاصب، فعلفها، فرجعت إلى مالكها.. فلا زكاة على مالكها، قولا واحدا.
وإن كان عنده نصاب من السائمة، فغصبها غاصب منه، فأسامها.. فهل تجب على مالكها الزكاة إذا رجعت إليه؟ فيه قولان، قد مضى ذكرهما.
وإن أسامها المالك بعض الحول، فغصبت منه، ثم علفها الغاصب باقي الحول: فمن أصحابنا من قال: في وجوب الزكاة على المالك إذا رجعت إليه قولان:
أحدهما: تجب عليه؛ لأن علف الغاصب لا حكم له، فصار كما لو كان المغصوب ذهبا أو فضة، فصاغه الغاصب حليا.
و [الثاني] : منهم من قال: لا تجب الزكاة على المالك إذا رجعت إليه، قولا واحدا، وهو الصحيح؛ لأنه فقد السوم، وهو شرط في الزكاة فهو كما لو ذبح الغاصب شاة من النصاب.
وإن علفها المالك بعض الحول ثم أسامها الغاصب بعض الحول.. فمن أصحابنا من قال: فيه قولان، كما لو غصب منه طعاما، فبذره.
ومنهم من قال: لا تجب الزكاة، قولا واحدا، وهو الصحيح؛ لأن قصد المالك معتبر في السوم، وقصد المالك لم يوجد هاهنا، فهو كما لو رتعت الماشية بنفسها، ويخالف البذر، فإن قصده غير معتبر، ولهذا لو تبذر له طعام في أرض، ونبت.. وجب فيه العشر.
[مسألة: النصاب شرط في الزكاة]
ولا تجب الزكاة إلا في نصاب؛ لأن الأخبار إنما وردت بإيجاب الزكاة في النصب فإن كان عنده نصاب من الماشية، فتلفت منها واحدة، أو باعها، ثم ولدت
стр. 1272
أخرى.. استأنف الحول من حين ولدت؛ لأن الحول انقطع بموت الأولى.
وإن ولدت واحدة، وتلفت واحدة في حالة واحدة.. لم ينقطع الحول؛ لأن الحول لم يخل من نصاب.
وهكذا: لو شك: هل كان التلف والولادة في حالة واحدة، أو سبق التلف؟ لم ينقطع الحول؛ لأن الأصل بقاء الحول.
وإن خرج بعض الحمل من الجوف، ثم تلفت واحدة قبل أن ينفصل الحمل.. انقطع الحول؛ لأن حكمه قبل الانفصال حكم الباقي في البطن.
[مسألة: الأموال على أقسام]
الأموال على ثلاثة أضرب:
ضرب: لا ينمو في نفسه، ولا يرصد للنماء، كالعقار والثياب والصفر ومتاع البيت، وذلك: أنه ما بقي، فإنه على النقصان، فلا تجب الزكاة في شيء منه؛ لأنه لا يحتمل المواساة.
وضرب: ينمو في نفسه، ويؤخذ نماؤه دفعة واحدة، كالزرع والثمار، فهذا تجب فيه الزكاة، ولكن لا يعتبر في زكاته الحول، بل متى وجد نماؤه.. وجبت فيه الزكاة.
والضرب الثالث: مما ينمو حالا بعد حال، فهو المواشي والذهب والفضة، فهذا تجب فيه الزكاة، ولكن لا تجب فيه الزكاة حتى يحول عليه الحول من يوم ملكه، وهو قول كافة العلماء.
وحكي عن ابن عباس ﵄: أنه قال: (من استفاد مالا.. فعليه أن يزكيه في الحال) .
стр. 1273
و: (كان ابن مسعود ﵁ إذا قبض عطاءه من بيت المال.. زكاه في الحال) .
دليلنا: ما روى علي، وأنس، وعائشة: أن النبي ﷺ قال: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» ، ولأن الزكاة تجب نعمة على المسلمين، والجزية تجب نقمة على الكفار، ثم ثبت أن الجزية لا تجب إلا بعد الحول، فالنعمة بذلك أولى.
[فرع: بيع ما لم يمر عليه الحول]
وإن مضى عليه بعض الحول، فباع النصاب الذي عنده، أو بادل به إلى نصاب.. انقطع الحول.
وإن مات.. فهل يبني وارثه على حول مورثه؟ فيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (يبني عليه) ؛ لأن من ورث مالا.. ورثه بحقوقه، كما تورث الشفعة، والرد بالعيب، والوثيقة بالرهن.
و [الثاني] : قال في الجديد: (يستأنف الورثة الحول) . وهو الصحيح؛ لأن ملك الميت قد زال، وابتدأ الوارث الملك عليه بموت مورثه، فهو كما لو اشتراه، ويخالف الشفعة، والرد بالعيب، والوثيقة بالرهن، فإن تلك حقوق للمال، والزكاة حق على المال.
[مسألة: المستفاد خلال الحول]
] : وإن كان عنده نصاب من السائمة مضى عليها بعض الحول، ثم استفاد شيئا من جنسه ببيع، أو هبة، أو إرث.. فإن المستفاد لا يضم إلى حول ما عنده.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (يضم المستفاد إلى ما عنده) . فإذا تم حول ما عنده، جعل المستفاد كأنه موجود من أول الحول.
стр. 1274
دليلنا: قوله ﷺ : «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» . والمستفاد لم يحل عليه الحول.
فعلى هذا: ينظر في المستفاد: فإن كان لا يبلغ نصابا في نفسه، ولا يتم به الثاني بأن كان عنده خمس من الإبل، فاستفاد دون الخمس.. فإنها تكون وقصا لا يتعلق بها حكم.
وإن بلغ به النصاب الثاني، مثل: أن يكون عنده ثلاثون من البقر ستة أشهر، ثم استفاد عشرا. فإنه يجب عليه تبيع لحول الثلاثين، وإذا تم حول العشر.. وجب فيها ربع مسنة؛ لأنه تم بها نصاب المسنة.
وفي الحول الثاني: يجب في الثلاثين عند تمام حولها ثلاثة أرباع مسنة، وعند تمام الحول على العشر ربع مسنة.
وإن كان عنده أربعون من البقر ستة أشهر، ثم استفاد عشرا.. لم يجب لأجلها شيء.
وإن استفاد عشرين.. وجبت عليه مسنة عند تمام حول الأربعين، وإذا تم حول العشرين.. وجب عليها فيها ثلثا تبيع.
وإن كان المستفاد يبلغ نصابا بنفسه، ولا يبلغ النصاب الثاني، قال ابن الصباغ: مثل: أن: كان عنده أربعون من الغنم أقامت ستة أشهر، ثم استفاد أربعين من الغنم، فإن الشيخ أبا إسحاق، وابن الصباغ قالا: تجب في الأولى شاة لحولها؛ لأنها انفردت بالحول.
وفي الثانية ثلاثة أوجه:
أحدها: تجب فيها شاة لحولها، كالأربعين الأولى.
стр. 1275
والثاني: يجب فيها نصف شاة؛ لأنها خليطة الأربعين الأولى من حين ملكها، فكان حصتها نصف شاة.
والثالث: لا يجب فيها شيء.
فالأول هو الصحيح؛ لأن الأولى انفردت بالحول، ولم تبلغ بالثانية إلى النصاب الثاني، فحصلت وقصا بين النصابين.
قال ابن الصباغ: وهذا إنما يتصور على القول الذي يقول: الزكاة تجب في الذمة، ولم تخرج من الأولى.
فأما إذا قلنا: إنها استحقاق جزء من العين، أو قلنا: في الذمة، فأخرج منها قبل تمام حول الزيادة.. لم يجب في الزيادة شيء؛ لأنه لا يتم بها نصاب ثان، ولم يذكر في " التعليق " و " المجموع " هذه الأوجه الثلاثة، إلا أن أصحابنا ذكروا في الخلطة: إذا ملك في أول المحرم أربعين شاة، وفي أول صفر أربعين، وفي أول ربيع أربعين:
فإن قلنا بقوله القديم، وأن الاعتبار بالخلطة في آخر الحول.. وجب في الجميع شاة، في كل أربعين ثلث شاة عند تمام حولها.
وإن قلنا بقوله الجديد، وأن الاعتبار في الخلطة أن تكون بجميع الحول، وهو الصحيح.. وجب في الأولى شاة لحولها، وفي الأربعين الثانية والثالثة وجهان:
أحدهما: يجب في كل أربعين شاة عند تمام الحول، كالأربعين الأولى.
والثاني: يجب في كل أربعين ثلث شاة عند تمام حولها؛ لأنها خليطة والثمانين عند الوجوب.
وأما الشيخ أبو إسحاق: فذكر الوجه الثاني في الأربعين الثانية يجب فيها نصف شاة؛ لأنها خليطة الأربعين الأولى من أول الحول.
فإن قيل: فما ذكره الشيخ أبو إسحاق، وابن الصباغ في الأولى مخالف لما ذكروه في الثانية، وهما في الصورة واحد، فما الفرق بينهما؟
فالجواب: أنه يجوز أن يكونا إنما ذكرا المسألة على القول الجديد في الثانية، ولا يبعد أن يكون على القول القديم: يجب في المسألة الأولى شاة في كل أربعين، نصفها
стр. 1276
عند تمام حولها، ويكون في الأربعين المستفادة في صفر في المسألة الثانية على القول الجديد أربعة أوجه مخرجة مما ذكروه:
أحدها: يجب فيها شاة لحولها، كالأربعين الأولى.
والثاني: يجب فيها نصف شاة عند تمام حولها، وهو المذكور في " المهذب " فيها؛ لأنها خليطة الأربعين الأولى من حين ملكها.
والثالث: يجب فيها ثلث شاة، وهو المذكور في " التعليق " و " الشامل " فيها؛ لأنها خليطة للثمانين حال الوجوب.
والرابع: أنه لا شيء فيها مخرج مما ذكره الشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ في الأربعين الثانية في المسألة الأولى؛ لأنهما قالا: العلة هناك: أن الأربعين الأولى انفردت بالحول، ولم يبلغ المال بالأربعين الثانية النصاب الثاني، فكانت وقصا بين النصابين، فلم يتعلق بها فرض، وهذه العلة موجودة في مسألتنا.
وأما الأربعون المستفادة في ربيع: فيحتمل أن يكون فيها على القول الجديد ثلاثة أوجه:
أحدها: يجب فيها شاة.
والثاني: يجب فيها ثلث شاة.
والثالث: لا شيء فيها، والتعليل فيها ما تقدم في الأربعين الثانية.
[فرع: ضم النتاج إلى أصوله]
وإذا كان المستفاد متولدا مما عنده.. فإن الأولاد تضم إلى حول الأمهات بثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون متولدا مما عنده.
والثاني: أن تكون الأمهات نصابا.
стр. 1277
والثالث: أن يوجد قبل تمام الحول.
فمتى وجدت هذه الشروط، وبلغت بالأولاد النصاب الثاني، فإنه يزكي عن النصاب الثاني، لحول الأمهات، وهو قول كافة الفقهاء.
وقال الحسن البصري: لا يضم إلى الأمهات، بل يستأنف لها الحول.
دليلنا: ما روي عن عمر ﵁: أنه قال للساعي: (اعتد عليهم بالسخلة التي يروح بها الراعي على يده) .
وعن علي ﵁، أنه قال للساعي: (عد عليهم الصغار مع الكبار) ولا مخالف لهما.
إذا ثبت هذا: فإن ولد الشاة الأنثى يسمى أيام الولادة: سخلة، فإذا ترعرعت، سميت: بهمة، فإذا صار لها أربعة أشهر، وفصلت عن أمها، فإن كانت من المعز.. سميت: جفرة، والذكر: جفرا، فإذا رعى وسمن، سمي: عريضا، وعتودا، وجديا إذا كان ذكرا، وعناقا إن كانت أنثى.
فإذا ضمت الأولاد إلى الأمهات، ثم تلفت الأمهات أو بعضها، أو بقيت الأولاد، وهي نصاب.. فإنه لا ينقطع الحول، وبه قال مالك ﵀.
وقال أبو القاسم بن بشار من أصحابنا: إذا نقصت الأمهات عن النصاب.. انقطع الحول في الأولاد؛ لأن الأولاد إنما تجري في حول الأمهات، بشرط أن تكون الأمهات نصابا، وقد زال هذا الشرط.
وقال أبو حنيفة: (إن بقي من الأمهات واحدة.. فالأولاد جارية في حول أمهاتها، وإن لم يبق منها شيء.. انقطع الحول) .
стр. 1278
دليلنا: أنها جملة جارية في الحول، هلك بعضها، ولم ينقص الباقي عن النصاب، فلم ينقطع الحول، كما لو بقي من الأمهات نصاب، وهو اختيار الأنماطي، وأبي حنيفة، كما لو بقيت واحدة.
وما قاله الأنماطي: ينكسر بولد أم الولد، فإنه ثبت له ما ثبت لأمه من حرمة الاستيلاد، ولو ماتت الأم في حياة سيدها.. بطل ما ثبت لها، ولا يبطل ما ثبت لولدها.
[مسألة: إمكان الأداء من شرط الضمان]
] : قد ذكرنا أن الحول والنصاب شرطان في وجوب الزكاة، ومضى الكلام عليهما.
وأما إمكان الأداء.. ففيه قولان:
أحدهما: أنه من شرائط الوجوب، وبه قال مالك.
فعلى هذا: لا تجب الزكاة إلا بثلاثة شروط: الحول، والنصاب، وإمكان الأداء؛ لأن المال لو تلف بعد الحول، وقبل إمكان الأداء.. لم تجب الزكاة، فلو كانت الزكاة قد وجبت.. لم يسقط ضمانها؛ ولأن العبادات كلها إمكان الأداء شرط في وجوبها، ألا ترى أن العذر إذا طرأ بعد الزوال وقبل التمكن من الفعل.. لم يجب قضاء الظهر.
والقول الثاني: أن إمكان الأداء ليس بشرط من شرائط الوجوب، وإنما هو من شرائط الضمان، وبه قال أبو حنيفة، وهو الصحيح.
والدليل عليه: قوله ﷺ : «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» . ولم يفرق بين أن يتمكن من الأداء، أو لا يتمكن.
ولأنه لو تلف المال بعد الحول.. كان عليه ضمان الزكاة، فلو لم تجب الزكاة فيه.. لم يجب عليه ضمانها، كما لو أتلفه قبل الحول.
وأما الصلاة: فإن الشمس إذا زالت.. فقد وجبت عليه الصلاة، ولكن لا يستقر عليه الوجوب إلا بالتمكن من الأداء، وكذلك هذا مثله.
стр. 1279
وأما كيفية إمكان الأداء: فإن كان المال باطنا: كالذهب والفضة، ومال التجارة، وزكاة الفطر ووجبت الزكاة فيها.. فرب المال بالخيار: بين أن يفرق زكاتها بنفسه على أهل السهمان، وبين أن يدفعها إلى الإمام أو إلى الساعي، فمتى قدر على أحد هؤلاء الثلاثة.. فقد أمكنه الأداء.
وإن كان المال ظاهرا، مثل: النخل، والكرم، والزرع، والماشية.. فهل يجوز لرب المال تفرقة زكاته بنفسه، أو يجب عليه دفع زكاته إلى الساعي أو الإمام؟ فيه قولان، يأتي بيانهما.
فإذا قلنا: يجب دفعها إلى الإمام أو الساعي، فإن تلف المال قبل ذلك.. لم يلزمه ضمان زكاته، وإن طالبه الإمام أو الساعي، وبه قال مالك، وأبو حنيفة رحمة الله عليهما، فما لم يقدر على أحدهما.. لا يكون متمكنا من الأداء.
وإن قلنا: يجوز له تفرقتها بنفسه، فمتى قدر على الإمام أو الساعي أو أهل السهمان. صار متمكنا من الأداء.
[فرع: ضمان الزكاة إذا أخرها]
وإذا وجبت عليه الزكاة، وتمكن من أدائها، فلم يؤدها حتى تلف المال.. لزمه ضمانها.
وقال أبو حنيفة في الأموال الظاهرة: (لا يلزمه الإخراج حتى يطالبه الإمام أو الساعي، فإن تلف المال قبل ذلك.. لم يلزمه ضمان زكاته، وإن طالبه الإمام أو الساعي، فلم يخرج حتى تلف المال.. لزمه الضمان) . حكاه عنه البغداديون من أصحابنا.
وحكى عنه الخراسانيون من أصحابنا: (أنه لا ضمان عليه) .
стр. 1280
وأما الأموال الباطنة: (فإذا قدر على أدائها.. لزمه إخراجها، فإن لم يفعل حتى تلف المال.. فلا ضمان عليه) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] [البقرة: ٤٣] . ولم يفرق بين أن يطالب أو لا يطالب، فإن كان عنده نصاب من المال، فهلك بعضه بعد الحول، وقبل إمكان الأداء.. لم تجب عليه زكاة التالف، بلا خلاف، وأما زكاة ما بقي: فهل يجب عليه شيء؟ على القولين في إمكان الأداء.
فإن قلنا: إن إمكان الأداء شرط في الوجوب.. لم يجب عليه زكاة الباقي أيضا.
وإن قلنا: إن إمكان الأداء ليس من شرائط الوجوب، وإنما هو من شرائط الضمان.. لزمه زكاة ما بقي.
[فرع: وقع النتاج الثاني قبل إمكان دفعها]
] : وإن كان عنده ثمانون شاة، فتوالدت بعد الحول، وقبل إمكان الأداء، حتى بلغت النصاب الثاني.. فهل يلزمه أن يزكي النصاب الثاني لحول الأمهات؟ اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه قولان، بناء على القولين في إمكان الأداء.
فإن قلنا: إنه من شرائط الوجوب.. ضم الأولاد إلى الأمهات، وزكى الجميع لحول الأمهات؛ لأنها بلغت النصاب الثاني قبل الوجوب، فصار كما لو توالدت قبل الحول.
وإن قلنا: إن إمكان الأداء ليس من شرائط الوجوب، وإنما هو من شرائط الضمان.. لم يضم إليها في الحول الأول، كما لو توالدت بعد إمكان الأداء.
ومنهم من قال: فيه قولان من غير بناء:
أحدهما: يضم إليها في الحول الأول؛ لقول عمر ﵁ للساعي: (اعتد عليهم بالسخلة التي يروح بها الراعي على يده) وأراد به: بعد الحول، فأما ما تولد قبل الحول: فإنه بعد الحول يمشي بنفسه.
стр. 1281
والثاني: لا يضم إليها، وهو الصحيح لأنها إذا لم تضم إليها بعد استقرار الزكاة بإمكان الأداء.. فلأن لا يضم إليها قبل استقرار الوجوب أولى.
[مسألة: تعلق وجوب الزكاة]
وهل تجب الزكاة في عين المال، أو في الذمة؟ فيه قولان:
أحدهما - وهو قوله القديم -: (إنها تجب في الذمة، والعين مرتهنة بها) .
ووجهه: قوله ﷺ : «في خمس من الإبل شاة» . ولا يمكن أخذ الشاة من عينها، فعلم: أنه أراد: في ذمة رب المال عن ذلك المال.
ولأنه لو كان الحق متعلقا بعين المال.. لم يجز للمالك إسقاط حقهم من عين المال من غير رضاهم.
والثاني - وهو قوله في الجديد -: (أنها تتعلق بعين المال) .
ووجهه: قوله ﷺ : «في أربعين شاة شاة» . فأوجب الزكاة منها، فعلم: أن الزكاة تتعلق بعينها.
ولأنه لو لم تجب الزكاة لعين المال، لما سقطت بتلف المال، هذا ترتيب أصحابنا البغداديين.
وقال الخراسانيون: في محل الزكاة طريقان:
[الطريق الأول] : منهم من قال فيه قولان:
أحدهما: تجب في الذمة، ولها تعلق بالعين.
والثاني: تتعلق بالعين. وفي كيفية تعلقها بالعين قولان:
أحدهما: على معنى استحقاق جزء من العين.
والثاني: كتعلق الجناية برقبة الجاني.
وحكى القفال قولا ثالثا: أنها تتعلق به كتعلق حق المرتهن بالرهن، ولهذا فائدة نذكرها في بيع قدر الزكاة.
стр. 1282
والطريق الثاني - وهو قول أبي العباس -: أن المسألة على قول واحد، وأنها تتعلق بالعين. وفي كيفية تعلقها بها قولان:
أحدهما: بمعنى استحقاق جزء.
والثاني: كتعلق الجناية برقبة الجاني.
فأما تعلقها بالذمة: فليس بمذهب للشافعي. وطريقة البغداديين أشهر، وعليها التفريع هاهنا.
فإن كان معه أربعون من الغنم، ولم يؤد زكاتها حتى حال عليها ثلاثة أحوال.. نظرت:
فإن نتجت منها شاة سخلة عند ابتداء الحول الثاني، ثم نتجت شاة منها سخلة عند ابتداء الحول الثالث، وجاء الحول الثالث، وهي اثنتان وأربعون.. وجب عليه ثلاث شياه للأحوال الثلاثة؛ لأن النصاب لم ينقص في جميع الأحوال الثلاثة.
وإن لم يزد النصاب، ولم ينقص، بل حال عليها ثلاثة أحوال، وهي أربعون لا غير:
فإن قلنا: إن الزكاة تجب في العين.. فإنه يجب عليه شاة عند تمام الحول الأول، ولا تجب في الحول الثاني والثالث شيء فيها؛ لأن الفقراء ملكوا منها شاة عند تمام الحول الأول، فنقصت عن النصاب.
وإن قلنا: إن الزكاة تجب في الذمة.. فإنه يجب عليه شاة في الحول الأول، وهل يجب عليه بالحول الثاني والثالث شيء؟ ينظر فيه:
فإن كان يملك مالا من غير الغنم بقدر قيمة الشاة التي وجبت عليه من أول الحول الثاني إلى آخره.. وجبت عليه شاة ثانية عند تمام الحول الثاني.
وكذلك: إن كان يملك مالا من غير الغنم بقدر قيمة شاتين من أول الحول الثالث إلى آخره.. وجبت عليه شاة للحول الثالث.
وإن كان لا يملك مالا غير الأربعين من الغنم.. فإن قلنا: إن الدين يمنع وجوب الزكاة.. لم يجب عليه زكاة الحول الثاني والثالث.
стр. 1283
وإن قلنا: إن الدين لا يمنع وجوب الزكاة.. وجبت عليه الزكاة للحول الثاني والثالث، على هذا التفصيل، هكذا ذكر أكثر أصحابنا.
وأما الشيخ أبو إسحاق: فقال: إذا قلنا: تجب الزكاة في الذمة.. وجبت عليه الزكاة للحول الثاني والثالث من غير تفصيل، ولعله أراد: على الصحيح من القولين، في أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة.
وبالله التوفيق.
стр. 1284
[باب صدقة الإبل السائمة]
: الأصل في وجوب الزكاة فيها: قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] الآية [التوبة: ١٠٣] .
وروي: أن النبي ﷺ قال: «في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البر صدقته» .
إذا ثبت هذا: فبدأ الشافعي من المواشي بالإبل؛ لأن النبي ﷺ بدأ بذكرها في الصدقات. وليس فيما دون خمس من الإبل صدقة؛ لما روى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: «ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة، فإذا بلغت الإبل خمسا، ففيها شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، فإذا بلغت خمسا وعشرين، ففيها ابنة مخاض» ، وهي التي لها سنة، ودخلت في
стр. 1285
الثانية، وإنما سميت: ابنة مخاض؛ لأن أمها قد آن لها أن تكون ماخضا، أي: حاملا بغيرها:
فإذا بلغت ستا وثلاثين.. ففيها ابنة لبون، وهي التي لها سنتان، ودخلت في الثالثة، وسميت بذلك؛ لأن أمها قد آن لها أن تكون لبونا على غيرها.
فإذا بلغت ستا وأربعين.. ففيها حقة، وهي التي لها ثلاث سنين، ودخلت في الرابعة، وسميت بذلك؛ لأنها قد استحقت أن يطرقها الفحل، وهذا المروي في الخبر. وقيل: لأنها استحقت أن يحمل على ظهرها.
فإذا بلغت إحدى وستين.. ففيها جذعة، وهي التي لها أربع سنين، ودخلت في السنة الخامسة، وهي أعلى سن تجب في زكاة الإبل، وسميت بذلك؛ لأنها تجذع سنها.
فإذا بلغت ستا وسبعين.. ففيها بنتا لبون.
فإذا بلغت إحدى وتسعين.. ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة.. ففيها ثلاث بنات لبون.
قال أصحابنا: ولا خلاف فيما ذكرناه بين الصحابة والفقهاء، إلا حكاية تحكى عن علي ﵁: أنه قال: (في خمس وعشرين من الإبل خمس شياه، فإذا بلغت ستا وعشرين.. فيها ابنة مخاض، فإذا زادت على عشرين ومائة واحدة.. ففيها ثلاث بنات لبون، ثم في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة) . هذا مذهبنا.
وقال مالك: (تجب في إحدى وتسعين حقتان، حتى تبلغ مائة وتسعا وعشرين، فإذا صارت مائة وثلاثين.. كان في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة) .
وقال أبو حنيفة: (إذا بلغت مائة وعشرين.. استؤنفت الفريضة، فتجب في كل خمس شاة مع الحقتين، إلى أن تبلغ مائة وخمسا وأربعين، فتجب فيها حقتان وابنة مخاض) .
стр. 1286
وقال ابن جرير الطبري: إذا بلغت مائة وعشرين، ثم زادت.. فرب المال بالخيار بين أن يأخذ بما قال الشافعي ﵀، وبين أن يأخذ بما قال أبو حنيفة.
دليلنا: ما روي «عن أنس: أن أبا بكر ﵁ كتب له لما وجهه إلى البحرين: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها عباده، فمن سألها على وجهها.. فليعطها، ومن سأل فوقها.. فلا يعطه: " في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم، في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين.. ففيها ابنة مخاض، فإن لم يوجد فابن لبون ذكر، فإن بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين.. ففيها ابنة لبون، فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين.. ففيها حقة طروقة الفحل، فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين.. ففيها جذعة، فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين.. ففيها ابنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين.. ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا زادت الإبل على عشرين ومائة.. ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة»
стр. 1287
وإذا ثبت هذا: فمعنى قوله: (التي فرضها رسول الله ﷺ ) أي: التي قدر رسول الله ﷺ ما أمره الله به مجملا.
وقوله: «إذا سألها على وجهها.. فليعطها» : إذا أتى المصدق، وطلب الصدقة كما أمره الله تعالى ورسوله ﷺ .. فإنه يعطى.
وأما قوله: «ومن سأل فوقها فلا يعطه» : إن سال فوقها بتأويل، مثل: أن يكون الإمام مالكيا يرى أخذ الكبيرة من الصغار.. فإنه لا يعطى الزيادة، ويعطى الأصل، وإن سأل فوقها بغير تأويل، مثل: أن يسأل عن أربعين شاة شاتين.. فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: لا يعطى شيئا؛ لأنه قد ظهر ظلمه، ودفع الصدقة إلى الظلمة لا يجوز.
ومنهم من قال: يعطى الأصل، ولا يعطى الزيادة؛ لاحتمال أن يكون سها أو نسي، فلا يمنع عن الواجب. قال ابن الصباغ: وهذا أصح. فإن ملك مائة وعشرين من الإبل وجزءا من واحدة.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي سعيد الإصطخري -: أنه يجب عليه فيها ثلاث بنات لبون؛ لقوله ﷺ : «فإذا زادت على عشرين ومائة.. ففي كل أربعين بنت لبون» . ولم يفرق بين أن يزيد واحدة، أو أقل.
والثاني - وهو المنصوص -: (أنه لا يجب فيها إلا حقتان) ؛ لما روى ابن عمر ﵄ في كتاب الصدقة: «فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين.. ففيها ثلاث بنات لبون» . وهذا نص لا احتمال فيه.
ولأن سائر الأوقاص لا تتغير بأقل من واحد، فكذلك هذا مثله.
стр. 1288
[مسألة: وجوب زكاة المواشي في النصاب]
] : وهل تتعلق الزكاة بالنصاب والوقص، أو بالنصاب وحده، والوقص عفو؟ فيه قولان:
[الأول] : قال في القديم والجديد: (تتعلق الزكاة بالنصاب، وما زاد عليها عفو) . وبه قال أبو حنيفة، والمزني؛ لأنه وقص قبل النصاب، فلم يتعلق به حق كالأربعة الأولى.
و [الثاني] : قال في " البويطي ": (تتعلق الزكاة بالجميع) . قال أبو العباس: وهو الصحيح؛ لقوله ﷺ : «فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين.. ففيها ابنة مخاض» ، ولأنه حق يتعلق بنصاب، فتعلق به وبما زاد عليه، كالقطع في السرقة.
إذا ثبت هذا: فالوقص - بتسكين القاف -: هو ما بين الفرضين، وحكي عن بعض أهل اللغة: الوقص، بفتح القاف.
стр. 1289
فإن ملك تسعا من الإبل، فتلف منها أربع، فإن تلفت قبل الحول.. وجبت عليه شاة؛ لتمام الحول، وإن تلفت بعد الحول وبعد إمكان الأداء.. لم يسقط عنه من الشاة شيء.
وإن تلفت بعد الحول، وقبل إمكان الأداء.. فإن الشيخ أبا حامد، وأكثر أصحابنا قالوا: إن قلنا: إن إمكان الأداء من شرائط الوجوب.. وجب عليه شاة بإمكان الأداء؛ لأنه جاء وقت الوجوب وعنده نصاب.
وإن قلنا: إن إمكان الأداء من شرائط الضمان:
فإن قلنا: إن الشاة مأخوذة من النصاب والوقص.. وجب عليه خمسة أتساع شاة، وهذا هو المشهور.
وحكى القاضي أبو الطيب، عن أبي إسحاق المروزي: أنه يجب عليه شاة على هذا. ولم يذكر وجهه.
قال ابن الصباغ: ووجهه عندي: أن الزيادة لما لم تكن شرطا في وجوب الشاة.. لم يسقط منها شيء بتلفها، وإن كانت الزكاة متعلقة بها.. فهو كما لو شهد ثمانية بالزنا، فرجم المشهود عليه، ثم رجع أربعة منهم، فإنه لا يجب عليهم شيء.
وإن قلنا: إن الشاة مأخوذة من النصاب، والوقص عفو.. وجبت عليه شاة.
وأما الشيخ أبو إسحاق في " المهذب ": فلم يذكر هاهنا البناء على إمكان الأداء، ولعله أراد التفريع على القول الصحيح، فحصل في هذه المسألة وجهان:
стр. 1290
أحدهما: تجب عليه شاة.
والثاني: لا يجب عليه إلا خمسة أتساع الشاة.
وإن هلك منها خمس بعد الحول، وقبل إمكان الأداء:
فإن قلنا: إن إمكان الأداء من شرائط الوجوب.. لم يجب عليه شيء؛ لأن وقت الوجوب جاء وعنده أقل من نصاب.
وإن قلنا: إن إمكان الأداء من شرائط الضمان.. بنيت على القولين الآخرين:
فإن قلنا: إن الشاة مأخوذة من النصاب، والوقص عفو.. وجب عليه أربعة أخماس شاة.
وإن قلنا: إن الشاة مأخوذة من النصاب والوقص.. وجبت عليه أربعة أتساع الشاة، فيحصل في هذه المسألة ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يجب فيها شيء.
والثاني: يجب فيها أربعة أخماس شاة.
والثالث: أربعة أتساع الشاة.
[فرع: تلف بعض الماشية قبل إمكان الأداء]
فإن كان معه خمس وعشرون من الإبل، فتلف منها خمس من الإبل، بعد الحول، وقبل إمكان الأداء:
فإن قلنا: إن إمكانية الأداء من شرائط الوجوب.. لم تجب عليه ابنة مخاض، بل يجب عليه أربع شياه.
стр. 1291
وإن قلنا: إن إمكان الأداء من شرائط الضمان.. وجب عليه أربعة أخماس ابنة مخاض.
[فرع: تلف شطر الماشية]
وإن كان معه ثمانون شاة، فتلف منها أربعون: فإن كان قبل الحول، أو بعد الحول وبعد إمكان الأداء وجب عليه شاة.
وإن كان تلفها بعد الحول، وقبل إمكان الأداء:
فإن قلنا: إن إمكان الأداء من شرائط الوجوب.. فعليه شاة أيضا.
وإن قلنا: إنه من شرائط الضمان:
فإن قلنا: تجب الشاة في النصاب والوقص.. وجب عليه نصف شاة.
وإن قلنا: تجب عليه في النصاب، والوقص عفو.. فعليه شاة.
قال ابن الصباغ: ويجيء على الوجه المحكي عن أبي إسحاق: أنه تجب عليه شاة بكل حال.
[مسألة: وجوب الغنم في دون خمس وعشرين من الإبل]
] : الواجب فيما دون خمس وعشرين من الإبل: إخراج الغنم، ولا يطالب إلا بالغنم؛ لأنه هو الفرض المنصوص عليه، فإن اختار أن يعطي بعيرا منها.. جاز، بشرط أن يكون مما يجزئ في خمس وعشرين، هذا قول عامة أهل العلم.
стр. 1292
وقال مالك وداود: (لا يجزئه) .
دليلنا: أن البعير يجزئ عن خمسة وعشرين، فلأن يجزئ عما دونها أولى.
وإن كانت الإبل من أصناف، أعطى بعيرا متوسطا منها.. قال الشافعي: ﵀ (كان له ذلك وإن كان أردأها) ؛ لأنه أفضل من الشاة، وهل الجميع فرضه؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن الجميع ليس بفرض، بل الفرض يقسط على خمس وعشرين، فإن أخرجه عن خمس.. كان خمسه فرضا لا غير، وإن أخرجه عن عشرة.. كان فرضه خمساه لا غير، والباقي تطوع؛ لأنه يجزئ عن خمس وعشرين، فدل على أن لكل خمس من الإبل خمس بعير.
والثاني: أن الجميع فرضه؛ لأنه خير بين الشاة والبعير، فأيهما اختار إخراجه.. كان ذلك فرضه، كمن خير بين غسل الرجلين والمسح على الخفين.
قال ابن الصباغ: ولو كان ما قاله الأول صحيحا.. لأجزأه خمس بعير.
وهكذا: إذا أخرج المتمتع بدنة.. فهل الجميع فرضه أو سبعها؟ على هذين الوجهين.
وإن اختار إخراج الغنم.. أخرج جذعة من الضأن، أو ثنية من المعز؛ لما «روى سويد بن غفلة، قال: أتانا مصدق رسول الله ﷺ ، وقال: (نهينا عن أخذ الراضع،
стр. 1293
وأمرنا أن نأخذ جذعة من الضأن، وثنية من المعز» وهل يجزئ فيه الذكر؟ فيه وجهان:
[الأول] : من أصحابنا من قال: لا يجزئه؛ لحديث سويد بن غفلة.
والثاني: يجزئه، وهو المنصوص؛ لقوله ﷺ : «في كل خمس شاة» . ولم يفرق. وأما جنسها: فقال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ، وأكثر أصحابنا: إنه يجب عليه من غالب غنم البلد، إن كان بمكة.. فالشاة مكية، وإن كانت غنمه غير ذلك، فإن كان ببغداد.. فتجب عليه شاة بغدادية. وإن كانت غنمه غير ذلك.. قال الشافعي ﵀: (ولا أنظر إلى الغالب من غنم البلد) . قال الشيخ أبو حامد: أراد به في الصنفين، يعني: الضأن والمعز.
وقال مالك رحمة الله عليه: (إن كان غالب غنم البلد الضأن.. فعليه أن يخرج الضأن، وإن كان غالب غنم البلد المعز.. فعليه أن يخرج المعز) . وكذلك طريقة الشيخ أبي إسحاق في " المهذب " في الأغلب، كقول مالك ﵀.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا ليس بصحيح؛ لقوله ﷺ : «في كل خمس من الإبل شاة» . ولم يفرق بين الضأن والمعز.
فإن عدل عن نوع بلده إلى نوع بلد آخر: فإن كان خيرا من نوع بلده أو مثله.. أجزأه، وإن كان دونه.. لم يجزئه.
стр. 1294
وإن كانت الخمس من الإبل مراضا.. ففي شاتها وجهان:
أحدهما: يجب عليه أن يخرج شاة تجزئ في الأضحية، وهو المذهب؛ لأنه لا يعتبر فيه صفة المال، فلم يختلف بصحة المال ومرضه، كالأضحية، وفيه احتراز منه إذا كانت الزكاة من جنس المال المزكى.
و [الثاني] : قال أبو علي بن خيران: لا يجب عليه إلا شاة بالقسط؛ لأنه لا يجب في المال المريض صحيحة إذا كان الفرض من جنسه، فكذلك إذا كان الفرض من غير جنسه.
وكيفية التقسيط هاهنا: أن يقال: لو كانت هذه الخمس من الإبل صحاحا.. كم قيمتها؟
فإن قيل: قيمتها ألف.. قيل: فكم قيمة الشاة الواجبة فيها؟ فإن قيل: عشرة.. قيل: فكم قيمة هذه الإبل المراض؟ فإن قيل: خمسمائة.. قيل له: أخرج شاة قيمتها خمسة.
قال ابن الصباغ: فإن أمكن أن يشتري بها شاة، وإلا فرقت دراهم على المساكين.
[فرع: أخر الزكاة أحوالا]
وإن أقامت في يده خمس من الإبل ثلاثة الأحوال لم يزك عنها.. فإن بالحول الأول تجب فيه الشاة.
стр. 1295
فإذا جاء الحول الثاني:
فإن قلنا: تجب الزكاة في الذمة، وكان له مال من غير الإبل بقدر قيمة الشاة في جميع الحول الثاني، أو لم يكن له مال، ولكن قلنا: الدين لا يمنع وجوب الزكاة.. فإنه تجب عليه شاة أخرى.
فإذا حال الحول الثالث، وكان يملك من غير الإبل في جميع الحول الثالث بقدر قيمة الشاتين، أو لم يكن له مال غير الإبل، ولكن قلنا: إن الدين لا يمنع وجوب الزكاة.. وجبت عليه شاة ثالثة.
وإن قلنا: الدين يمنع وجوب الزكاة.. وجبت عليه شاة في الحول الأول، ولا يجب في الثاني ولا في الثالث شيء.
وإن قلنا: الزكاة تتعلق بالعين.. ففيه قولان:
أحدهما: تجب في السنة الأولى شاة، ولا يجب في السنة الثانية والثالثة شيء؛ لأن المساكين قد استحقوا في الحول الأول بقدر شاة، وبقي معه دون النصاب، فهو كما لو كان معه أربعون من الغنم، فحال عليها ثلاثة أحوال.. لم يزك عنها.. فإنه لا تجب عليه زكاة الثانية والثالثة على هذا القول.
والقول الثاني: يجب فيه ثلاث شياه لثلاث سنين؛ لأن الشاة التي تجب في الأولى لا تؤخذ من عين المال، وإنما يؤخذ بدلها، فتكون من الإبل بقدر شاة رهنا بتلك الشاة، والرهن لا يمنع وجوب الزكاة. هكذا ذكر أصحابنا.
والذي تبين لي: أن على هذا القول يجب أن يكون الحكم كالحكم فيها إذا قلنا: الزكاة تجب في الذمة، وهو أن ينظر فيه: فإن كان يملك قدر قيمة الشاة في الحول الثاني، وقدر قيمة الشاتين في الحول الثالث.. وجب عليه ثلاث شياه، وإن كان لا يملك شيئا غير هذه الإبل.. كان على القولين في الدين، هل يمنع وجوب الزكاة؟
وإن ملك ستا من الإبل، فحال عليها ثلاثة أحوال، ولم يؤد زكاتها فيها.. فإن الشيخ أبا حامد قال: يجب فيها ثلاث شياه بكل حال؛ لأن معه أكثر من نصاب؛ لأنه إذا أخرج لكل سنة شاة، يكون الباقي نصابا.
стр. 1296
وهذا الذي قاله الشيخ أبو حامد صحيح إذا كانت قيمة واحدة من هذه الست في جميع الحول الثاني تساوي قيمة شاة، وكانت هي أو غيرها تساوي في الحول الثالث قيمة شاتين.
[فرع: تأجيل الزكاة أحوالا]
إذا كان معه خمس وعشرون من الإبل، وأقامت في يده ثلاثة أحوال لم يؤد زكاتها.. فإن بحؤول الحول الأول يجب عليه ابنة مخاض.
فإذا حال الحول الثاني:
فإن قلنا: الزكاة تجب في الذمة، والعين مرتهنة بها، فإن كان له مال من غير الإبل يفي بقيمة ابنة مخاض في جميع الحول الثاني، أو لم يكن له مال، ولكن قلنا: إن الدين لا يمنع وجوب الزكاة.. وجبت عليه بحؤول الحول الثاني ابنة مخاض ثانية.
فإن كان يملك في جميع الثالث مالا من غير الإبل، بقدر قيمة ابنتي مخاض، أو لم يكن له مال، ولكن قلنا: إن الدين لا يمنع وجوب الزكاة.. فعليه ابنة مخاض ثالثة بحؤول الحول الثالث.
وإن قلنا: الزكاة تجب في العين أو في الذمة، ولا مال له غيرها، والدين يمنع وجوب الزكاة.. فعليه ابنة مخاض بحؤول الحول الأول، ويجب عليه في الحول الثاني أربع شياه، وكذلك في الثالث أربع شياه.
[فرع: مرور أحوال بلا زكاة]
إذا كان معه أحد وتسعون من الإبل، فحال عليها ثلاثة أحوال لم يزك عنها.. فإن بحؤول الحول الأول يجب عليه حقتان.
فإذا حال الحول الثاني: فإن قلنا: الزكاة تجب في الذمة، والعين مرتهنة بها،
стр. 1297
فإن كان له فيه مال من غير الإبل بقدر قيمة الحقتين في جميع الحول الثاني، أو لم يكن له مال، وقلنا: الدين لا يمنع وجوب الزكاة.. فإنه يجب عليه حقتان بحؤول الحول الثاني.
فإذا حال الحول الثالث: فإن كان له في الحول الثالث مال غير الإبل يفي بقيمة أربع حقاق، أو لم يكن له مال، ولكن قلنا: الدين لا يمنع وجوب الزكاة.. وجب عليه حقتان أيضا بحؤول الحول الثالث.
وإن قلنا: الزكاة استحقاق جزء من العين.. وجب عليه بحؤول الأول حقتان؛ لأن نصابه تام، ويجب عليه بحؤول الحول الثاني ابنتا لبون، وكذلك بحؤول الثالث أيضا.
وهكذا إذا قلنا: تجب الزكاة في الذمة، ولا مال له غيره، وقلنا: الدين يمنع وجوب الزكاة.. فالحكم فيه كالحكم إذا قلنا: الزكاة استحقاق جزء من العين.
[مسألة: وجوب بنت مخاض]
إذا ملك خمسا وعشرين من الإبل، فقد ذكرنا أن عليه ابنة مخاض، وفيها ست مسائل:
الأولى: إذا كان واجدا لها في إبله.. فيلزمه إخراج ابنة مخاض على صفة إبله، ولا يجوز له إخراج ابن لبون؛ لقوله ﷺ : «فإن لم يكن فيها ابنة مخاض.. فابن لبون ذكر» . وهذا في إبله ابنة مخاض، فدل على: أنه لا يجزئه إخراج ابن لبون.
الثانية: إذا لم يكن في إبله ابنة مخاض، ولا يقدر على شرائها، وكان فيها ابن لبون ذكر.. جاز له إخراجه من غير جبران؛ للخبر، ولأن فيها فضيلة بالأنوثية،
стр. 1298
ولكنها لا تصل حيث يصل ابن لبون من الرعي، ولا تمتنع من صغار السبع كامتناعه، ففيه فضيلة بهذا، وينقص عنها لكونه ذكرا، فاستويا.
الثالثة: إذا لم يكن في إبله ابنة مخاض، وكان هو يقدر على شرائها، وعنده ابن لبون.. فيجوز له إخراج ابن لبون، ولا يلزمه شراء ابنة مخاض.
والفرق بين هذه، وبين من وجبت عليه في الكفارة رقبة لا يملكها، ويقدر على ثمنها: أنه يلزمه شراؤها؛ لأن الله تعالى قال في الكفارة: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] [المجادلة: ٤] .
ومن وجد الثمن.. فهو قادر على الرقبة، وقال النبي ﷺ في الزكاة: «فإن لم يكن في إبله ابنة مخاض، فابن لبون» . وهذا ليس في إبله ابنة مخاض.
الرابعة: إذا لم يكن في إبله ابنة مخاض، ولا ابن لبون، وكان قادرا على شرائهما.. فقال الشافعي: (هو بالخيار بين أن يشتري أيهما شاء) .
وقال مالك: (لا يجزئه أن يشتري ابن لبون، بل يشتري ابنة مخاض) . وحكاه صاحب " الإبانة " [ق \ ١١١] وجها لصاحب " التقريب ".
стр. 1299
دليلنا: قوله ﷺ : «فإن لم يكن في إبله ابنة مخاض.. فابن لبون ذكر» . فأجاز له إخراج ابن لبون، إذا لم يكن في إبله ابنة مخاض، ولم يفرق بين أن يقدر على شرائها، أو لا يقدر.
الخامسة: إذا لم يكن في إبله ابنة مخاض، فأخرج مكانها حقا.. أجزأه؛ لأنه أفضل من ابنة مخاض وابن لبون. هكذا ذكر الشيخ أبو حامد، وأطلق.
والذي يقتضي المذهب: أنه لو طلب معه الجبران.. لم يعط؛ لأن الجبران إنما يكون بين الإناث، وهاهنا: لا يعلم الفضل بينهما.
وإن أراد أن يخرج الحق مكان ابنة لبون.. لم يقبل منه؛ لأنهما يتساويان في ورود الماء والشجر، وتفضل عليه بالأنوثة.
السادسة: إذا كانت إبله مهازيل، وفيها ابنة مخاض سمينة.. لم يلزمه إخراجها؛ لقوله ﷺ : «إياك وكرائم أموالهم» ، فإن أخرجها.. أجزأه، وقد تطوع بأكثر مما عليه.
وإن اشترى ابنة مخاض بصفة ماله، وأخرجها.. جاز.
وإن أراد إخراج ابن لبون.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو المنصوص -: (أنه يجزئه) ؛ لأن التي عنده لا يلزمه إخراجها، فكان وجودها كعدمها.
стр. 1300
والثاني - ولم يذكر في " التعليق " غيره -: أنه لا يجزئه؛ لقوله ﷺ : «فإن لم يكن في إبله ابنة مخاض.. فابن لبون» . وهذا في إبله ابنة مخاض تجزيء.
[مسألة: جبران السنين]
] : ومن وجبت عليه سن من هذه الأسنان المذكورة، وليس عنده إلا ما هو أسفل منها بسنة.. فإنها تقبل منه، ويدفع معها شاتين أو عشرين درهما، وإن وجبت عليه سن وليس عنده إلا ما هو أعلى منها بسنة، واختار دفعها.. قبلت منه، ويعطيه الساعي شاتين أو عشرين درهما، وقال الثوري، وأبو عبيد، وإحدى الروايتين عن إسحاق بن راهويه: الجبران شاتان، أو عشرة دراهم. وروي ذلك عن علي ﵁.
دليلنا: ما روى أنس في (كتاب الصدقة) .
فإن وجبت عليه جذعة، ولم يكن فيها جذعة، وفيها حقة.. فإنها تقبل منه، ومعها شاتان أو عشرون درهما، ومن بلغت صدقته الحقة، وليس عنده إلا ابنة لبون.. فإنها تقبل منه، ويعطي معها شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته ابنة لبون، وليست عنده، وعنده ابنة مخاض.. فإنها تقبل منه، ويعطي معها عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت صدقته ابنة مخاض، وليست عنده، وعنده ابنة لبون.. فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهما، أو شاتين، فإن وجبت عليه جذعة، وليست عنده، وعنده ثنية، فإن دفعها، ولم يطلب الجبران.. قبلت منه؛ لأنها أعلى من الفرض بسنة، وإن طلب الجبران.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو المنصوص -: (أنه يعطى) ؛ لأنها أعلى من الفرض بسنة.
والثاني: لا يعطى؛ لأن الجذعة تساوي الثنية؛ لورود الماء والشجر.
следующие страницы →