Полный текст (7 092 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.
стр. 4446
وجملة ذلك: أنه إذا اجتمع جد، وأخ لأب وأم، وأخ لأب.. فإن الأخ للأب والأم يعاد الجد بالأخ للأب فيقسم المال بينهم على ثلاثة، لكل واحد منهم سهم، ثم يرجع الأخ للأب والأم فيأخذ السهم الذي بيد الأخ للأب. وبه قال زيد بن ثابت، ومالك بن أنس.
وذهب علي وابن مسعود إلى: (أن الأخ للأب يسقط، ويكون المال بين الجد والأخ للأب والأم نصفين) .
دليلنا: أن الجد له ولادة، فإذا حجب بأخوين وارثين.. جاز أن يحجب بأخوين أحدهما وارث والآخر غير وارث، كالأم تحجب بالأخوين أحدهما لأب والآخر لأب وأم وهما وارثان، وتحجب بأخ لأب وأم وهو وارث، وبأخ لأب وهو غير وارث.
فإن كان هناك أخ لأب وأم، وأخت لأب، وجد.. عاد الأخ للأب والأم الجد بالأخت للأب، فيقسم المال على خمسة: للجد سهمان، وللأخ للأب والأم سهمان، وللأخت سهم، ثم يرجع الأخ فيأخذ سهم الأخت.
وإن كان هناك أخوات لأب وأم، وأخ لأب، وجد.. فلا حاجة هاهنا إلى المعادة، لأن الجد لا يجوز أن ينقص عن الثلث.
[فرع اجتماع شقيقة وأخت لأب وجد]
] : وإن اجتمع أخت لأب وأم، وأخت لأب، وجد.. كان المال بينهم على أربعة: للجد سهمان، ولكل أخت سهم، ثم تأخذ الأخت للأب والأم السهم الذي بيد الأخت للأب، وقد حصل معها نصف المال.
وإن كان هناك أخت لأب وأم، وأخ لأب، وجد.. كان المال بينهم على خمسة:
стр. 4447
للجد سهمان، وللأخت سهم، وللأخ سهمان، ثم تأخذ الأخت من الأخ تمام النصف وهو سهم ونصف، لأنه لا يجوز أن ترث أكثر من نصف المال، فتضرب الخمسة في اثنين، فتصح من عشرة: للجد اثنان في اثنين فذلك أربعة، وللأخت سهمان ونصف في اثنين فذلك خمسة، وللأخ نصف في اثنين فذلك سهم. وتعرف هذه المسألة بعشرية زيد.
وإن كان بدل الأخ للأب أختان لأب.. كان الحكم فيها ما ذكرناه، ولكن لا تصح إلا من عشرين، لأنه يبقى للأختين سهم من عشرة فيكسر عليهما، فتضرب العشرة في اثنين. فذلك عشرون، وتعرف بالعشرينية.
وإن اجتمع مع الجد والإخوة للأب والأم والإخوة للأب من له فرض.. كان الحكم حكم ما لو كان مع الجد والإخوة للأب والأم من له فرض في أنه يجعل للجد الأوفر من المقاسمة بعد الفرض، أو ثلث ما يبقى، أو سدس جميع المال، ويعاد الإخوة للأب والأم الجد بالإخوة للأب على ما ذكرناه.
والله أعلم بالصواب وبالله التوفيق
стр. 4448
[كتاب النكاح]
стр. 4449
كتاب النكاح النكاح جائز، والأصل في جوازه: الكتاب، والسنة، والإجماع.
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] الآية [النساء: ٣] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] [النور: ٣٢] .
وأما السنة: فقوله ﷺ : «تناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة حتى بالسقط» .
стр. 4450
وفي السقط ثلاث لغات: بفتح السين، وضمها، وكسرها.
وقال ﷺ : «من أحب فطرتي.. فليستن بسنتي، ومن سنتي النكاح» .
وتزوج النبي ﷺ ، وهذا يدل إلى الجواز.
وأجمعت الأمة: على جواز النكاح.
إذا ثبت هذا: فروي عن عائشة ﵂: أنها قالت: (كانت مناكح أهل الجاهلية على أربعة أقسام:
أحدها: مناكح الرايات، وهو أن المرأة العاهرة كانت تنصب على بابها راية لتعرف أنها عاهرة، فيأتيها الناس.
والثاني: أن الرهط من القبيلة أو الناحية كانوا يجتمعون على وطء امرأة،
стр. 4451
لا يخالطهم غيرهم، فإذا جاءت بولد.. ألحق بأشبههم به.
والثالث: نكاح الاستنجاب، وهو: أن المرأة كانت إذا أرادت أن يكون ولدها كريماً.. بذلت نفسها لعدة من فحول رجال القبائل، ليكون ولدها كأحدهم.
والرابع: النكاح الصحيح، وهو: الذي قال النبي ﷺ : «ولدت من نكاح لا من سفاح» .
стр. 4452
وتزوج النبي ﷺ خديجة بنت خويلد قبل النبوة من ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان الذي خطبها له عمه أبو طالب، فخطب وقال: (الحمد لله الذي جعله بلداً حراماً، وبيتا محجوجاً، وجعلنا سدنته، وهذا محمد قد علمتم مكانه من العقل والنبل، وإن كان في المال قل، إلا أن المال ظل زائل، وعارية مسترجعة، وما أردتم من المال.. فعلي، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك) فزوجها منه عمها.
[مسألة أهلية النكاح]
ولا يصح النكاح إلا من حر، بالغ، عاقل، مطلق التصرف.
فأما العبد: فلا يصح نكاحه بغير إذن المولى، لقوله ﷺ : «أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه.. فهو عاهر ". وروي: فنكاحه باطل»
стр. 4453
و (العاهر) : الزاني. ويصح منه بإذن مولاه، للخبر.
وأما الصبي والمجنون: فلا يصح نكاحهما، لقوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» . ولأنه عقد معاوضة، فلم يصح من الصبي والمجنون، كالبيع.
وأما السفيه: فلا يصح نكاحه بغير إذن الولي، لأنه حجر عليه لحفظ ماله، وفي النكاح يستحق عليه المال. ويصح منه بإذن الولي، لأنه لا يأذن له إلا فيما له فيه مصلحة من ذلك.
[مسألة حكم النكاح]
] : النكاح مستحب غير واجب عندنا، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأكثر أهل العلم.
وقال داود: (هو واجب على الرجل والمرأة، فإن كان الرجل واجداً لمهر حرة.. وجب عليه الترويج بحرة أو التسري بأمة، وإن كان عادماً لمهر حرة.. وجب عليه التزويج بأمة) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] الآية [النساء: ٣] . فعلقه بالاستطابة، وما كان واجباً.. لا يتعلق بالاستطابة.
وروى أبو أيوب الأنصاري: أن النبي ﷺ قال: «أربع من سنن المرسلين: الحياء، والتعطر، والسواك، والنكاح» . وقال ﷺ : «من أحب فطرتي..
стр. 4454
فليستن بسنتي، ومن سنتي النكاح» . فعلقه على المحبة، وسماه سنة، وإذا أطلقت السنة.. اقتضت المندوب إليه.
وقال ﷺ : «خير الناس بعد المائتين، خفيف الحاذ " قيل: يا رسول الله، ومن خفيف الحاذ؟ قال: " الذي لا أهل له ولا ولد» ، ويقال: رجل خفيف الحاذ: إذا كان قليل لحم الفخذين.
وروي: «أن امرأة أتت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، ما حق الزوج على المرأة؟ فبين لها ذلك، فقالت: لا والله! لا تزوجت أبدا» . فلو كان النكاح واجباً.. لأنكر عليها رسول الله ﷺ .
وروي: أن جماعة من الصحابة ماتوا ولم يتزوجوا، ولم ينكر عليهم.
إذا ثبت هذا: فالناس في النكاح على أربعة أضرب:
ضرب: تتوق نفسه إليه، ويجد أهبته- وهو المهر والنفقة وما يحتاج إليه. فيستحب له أن يتزوج، لما روي: أن النبي ﷺ قال: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة.. فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع.. فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» .
стр. 4455
وقال أبو عبيد: (الباءة) : ممدود، وأصل الباءة الجماع، والمراد بالباءة المذكورة في الخبر: المال الذي يملك به الجماع- وهو المهر، والنفقة - فسماه باسم سببه.
وأراد: من استطاع منكم المال الذي يتوصل به إلى الباءة.. فليتزوج، لأنه قال: «ومن لم يستطع.. فعليه بالصوم» أي: ومن لم يستطع المال، ونفسه تتوق إلى الجماع.. فعليه بالصوم، ليكون له وجاء. يقال للفحل إذا رضت أنثياه: قد وجئ وجاء، يعني: أنه قطع النكاح، لأن الموجوء لا يضرب، فلو كان المراد بالباءة المذكورة في الخبر الجماع.. لم يأمر بالصوم من لا يستطيعه ليكون له وجاء، لأنه لا يحتاج إلى ذلك.
وروي: «أن النبي ﷺ تزوج بنساء كثيرة، ومات عن تسع» .
стр. 4456
وسأل رجل ابن عمر ﵄ عن النكاح، فقال: (كان خيرنا أكثرنا
стр. 4457
نكاحاً يعني: رسول الله ﷺ . وروي: «أن النبي ﷺ نهى عن التبتل» و (التبتل) : ترك النكاح.
وقال سعد بن أبي وقاص ﵁: «رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن لنا.. لاختصينا» . وروي: أن معاذا لما مرض.. قال: (زوجوني زوجوني، لا ألقى الله عزبا) . ولأنه إذا لم يتزوج.. لم يأمن مواقعة الفجور.
والضرب الثاني: من تتوق نفسه إلى الجماع، ولا يقدر على المهر والنفقة.. فالمستحب له: أن لا يتزوج، بل يتعاهد نفسه بالصوم، لقوله ﷺ : «ومن لم يستطع.. فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» ، ولأنه يشغل ذمته بالمهر والنفقة.
والضرب الثالث: من لا تتوق نفسه إلى الجماع، ويريد التخلي لعبادة الله.. فيستحب له أن لا يتزوج، لأنه يلزم ذمته حقوقاً هو مستغن عن التزامها، ويشتغل عن عبادة الله تعالى.
والضرب الرابع: من لا تتوق نفسه إلى الجماع، وهو قادر على المهر والنفقة، ولا يريد العبادة.. فهل يستحب له أن يتزوج؟ فيه قولان، حكاهما في " الفروع ":
стр. 4458
أحدهما: لا يستحب له أن يتزوج، لما روي: أن عمر ﵁ قال لأبي الزوائد: (نكحت؟ قال: لا، فقال: ما يمنعك منه إلا عجز، أو فجور) . وروي: (إلا شح، أو فجور) ، ولأنه يشغل ذمته بما لا حاجة به إليه.
والثاني: يستحب له أن يتزوج، لقوله ﷺ : «من أحب فطرتي.. فليستن بسنتي، ومن سنتي النكاح» .
وقال أبو حنيفة: (النكاح مستحب بكل حال) ، وبه قال بعض أصحابنا، والأول أصح، لما ذكرناه.
[فرع استحباب ذات الدين وغير ذلك من الصفات المرضية]
] : ويستحب له أن لا يتزوج إلا ذات دين، لقوله ﷺ : «تنكح المرأة لميسمها، ولمالها، ولحسبها، فعليك بذات الدين، تربت يداك» .
стр. 4459
وفي رواية: «تنكح النساء لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك» .
و (الميسم) : الحسن، ويقال: رجل وسيم، وامرأة وسيمة، وهو الجمال في الخبر الثاني، و (الحسب) : الشرف الثابت في الآباء.
وقوله ﷺ : «عليك بذات الدين، تربت يداك» : يقال للرجل إذا قل ماله: ترب، أي: افتقر حتى لصق بالتراب. قال الله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] [البلد: ١٦] . ولم يتعمد النبي ﷺ الدعاء عليه بالفقر، ولكنها كلمة جارية على ألسنة العرب، يقولونها وهم لا يريدون وقوع الأمر، «كقوله ﷺ لصفية بنت حيي، حين قيل له يوم النفر: إنها حائض، فقال: " عقرى، حلقى» أي: عقر الله جسدها، وأصابها بوجع في حلقها، ولم يرد الدعاء عليها.
وقال بعضهم: بل أراد النبي ﷺ بقوله: " تربت يداك " نزول الفقر به عقوبة له، لتعديه ذات الدين إلى ذات الجمال، وقد قال ﷺ : «اللهم، إنما أنا بشر، فمن دعوت عليه بدعوة.. فاجعل دعوتي له رحمة» .
وقال بعضهم: معنى قوله ﷺ : " تربت يداك ": يريد به استغنت يداك. وهذا خطأ، لأنه لو أراد ذلك.. لقال: أتربت يداك، يقال: أترب الرجل: إذا استغنى، وترب: إذا افتقر.
ويستحب له أن يتزوج ذات العقل، لأن القصد بالنكاح طيب العيش معها، ولا يحصل ذلك مع من لا عقل لها.
стр. 4460
ويستحب له أن يتزوج بكراً، لما «روى جابر بن عبد الله ﵄، قال: تزوجت امرأة، فأتيت النبي ﷺ ، فقال: " أتزوجت يا جابر؟ " فقلت: نعم فقال: " أبكراً أم ثيباً؟ "، فقلت: بل ثيبا، فقال: " فهلاً جارية بكراً، تلاعبها وتلاعبك» ؟ وروي: «تداعبها وتداعبك "، فقلت: يا رسول الله، إن عبد الله مات - يعني: أباه - وترك تسع بنات - أو سبعاً- فجئت بمن تقوم بهن» .
ويستحب أن لا يتزوج إلا من يستحسنها، لقوله ﷺ : «إنما النساء لعب، فإذا اتخذ أحدكم لعبة.. فليستحسنها» .
ويستحب له أن يتزوج ذات نسب، لقوله ﷺ : «تنكح المرأة لأربع"، فقال: "لحسبها» . و (الحسب) : الشرف الثابت في الآباء. وقال ﷺ : «تخيروا لنطفكم» . وقال ﷺ : «إياكم وخضراء الدمن " قيل: وما خضراء الدمن،
стр. 4461
يا رسول الله؟ قال: "المرأة الحسناء في المنبت السوء» .
وقال أبو عبيد [في" غريب الحديث " (٣/٩٩) ] : أراد: فساد النسب، وهو: أن تكون لغير رشدة، أي: من الزنا، شبهها بالشجرة الناضرة في دمنة البعر، فمنظرها حسن، ومنبتها فاسد.
والأولى: أن يتزوج من غير عشيرته، لأن الشافعي ﵀ قال: (إذا تزوج الرجل من عشيرته.. فالغالب على ولده الحمق) .
стр. 4462
ويستحب له أن يتزوج الولود الودود، لقوله ﷺ : «تناكحوا، تكثروا» ، وقال ﷺ : " تزوجوا الودود الولود "، وقال ﷺ : «سوداء ولود خير من حسناء عقيم» .
ويستحب له أن يتزوج في شوال، لما «روي عن عائشة ﵂ قالت (تزوجني رسول الله ﷺ في شوال، وبنى بي في شوال» . فكانت عائشة ﵂ تستحب أن يبنى بنسائها في شوال.
[مسألة ما يحق للحر جمعه من النساء]
] : ويجوز للحر أن يجمع بين أربع زوجات حرائر، ولا يجوز أن يجمع بين أكثر من ذلك.
قال الصيمري: إلا أن المستحب له: أن لا يزيد على واحدة، لا سيما في زماننا هذا.
وقال القاسم بن إبراهيم وشيعته القاسمية: يجوز له أن يجمع بين تسع حرائر، ولا يجوز له أن يجمع بين أكثر من ذلك، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] [النساء: ٣] ، والاثنتان والثلاث والأربع: تسع، ومات النبي ﷺ عن تسع زوجات.
وذهبت طائفة من الرافضة إلى: أنه يجوز له أن يتزوج أي عدد شاء.
دليلنا: ما روي: «أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له
стр. 4463
النبي ﷺ : "أمسك منهن أربعاً، وفارق سائرهن» .
«وروي عن نوفل بن معاوية، قال: أسلمت وتحتي خمس نسوة، فقال لي النبي ﷺ : "أمسك أربعا منهن، وفارق واحدة منهن» .
стр. 4464
وأما الآية: فالمراد بها التخيير بين الاثنتين والثلاث والأربع، ولم يرد به الجمع، كقوله تعالى في صفة الملائكة: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١] [فاطر: ١] .
وكقول الرجل: جاءني القوم مثنى وثلاث ورباع.
وأما النبي ﷺ : فإنه كان مخصوصاً بذلك. وقد روي: أنه جمع بين أربع عشرة
стр. 4465
زوجة، وما روي أن أحداً من الصحابة ﵃ جمع بين أكثر من أربع زوجات.
[فرع ما يجوز للعبد جمعه من النساء]
] : وأما العبد: فلا يجوز له أن يجمع بين أكثر من امرأتين، وبه قال من الصحابة: عمر، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف ﵃. ومن التابعين: الحسن، وعطاء.
ومن الفقهاء أهل الكوفة: ابن شبرمة، وابن أبي ليلي، وأبو حنيفة وأصحابه، وبه قال الليث وأحمد وإسحاق.
وقال أهل المدينة - الزهري، وربيعة، ومالك رحمة الله عليهم-: (يجوز له أن يجمع بين أربع، كالحر) . وبه قال الأوزاعي، وداود، وأبو ثور.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: ٢٨] [الروم: ٢٨] . فظاهر الآية يقتضي: أن العبيد لا يساوون الأحرار في حكم من الأحكام إلا ما خصه الدليل.
وروي عن الحكم بن عتيبة: أنه قال: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن العبد لا ينكح أكثر من امرأتين.
[مسألة ما يجوز للخاطب من النظر]
] : وإذا أراد الرجل خطبة امرأة.. جاز له النظر منها إلى ما ليس بعورة منها - وهو
стр. 4466
وجهها وكفاها - بإذنها وبغير إذنها. ولا يجوز له أن ينظر إلى ما هو عورة منها، وبه قال مالك، وأبو حنيفة.
وحكي عن مالك: أنه قال: (لا يجوز له ذلك إلا بإذنها) .
وقال المغربي: لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها.
وقال داود: (يجوز له أن ينظر إلى جميع بدنها، إلا إلى فرجها) .
دليلنا - على المغربي -: ما رواه أبو هريرة ﵁: «أن رجلا ذكر للنبي ﷺ : أنه أراد تزويج امرأة من الأنصار، فقال له النبي ﷺ "انظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئا» . وروي: " سوءا ". «وروي عن المغيرة بن شعبة: أنه قال: أردت أن أنكح امرأة من الأنصار، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "اذهب، فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما". قال: فذهبت، فأخبرت أباها بذلك، فذكر أبوها ذلك لها، فرفعت الخدر، وقالت: إن كان رسول الله ﷺ أذن لك أن تنظر.. فانظر، وإلا.. فإني أحرج عليك إن كنت تؤمن بالله ورسوله» . وقوله ﷺ : " يؤدم بينكما " أي " يصلح.
стр. 4467
وأما الدليل: - على داود -: فقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] [النور: ٣١] .
قيل في التفسير: الوجه والكفان. فظاهر الآية يقتضي: أنه لا يجوز للمرأة أن تبدي إلا وجهها وكفيها.
وروى جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إذا أراد أحدكم أن يتزوج امرأة.. فلينظر إلى وجهها وكفيها» ، فدل على: أنه لا يجوز له النظر إلى غير ذلك. ولأن ذلك يدل على سائر بدنها.
إذا ثبت هذا: فله أن يكرر النظر إلى وجهها وكفيها، لما روى أبو الدرداء ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إذا قذف الله في قلب امرئ خطبة امرأة.. فلا بأس أن يتأمل محاسن وجهها» . ولا يمكنه تأمل ذلك إلا بأن يكرر النظر إليها.
قال الصيمري: وإذا نظر إليها ولم توافقه.. فالمستحب له: أن يسكت، ولا يقول: لا أريدها.
стр. 4468
قال الصيمري: وقد جرت عادة الرجال في وقتنا هذا أن يبعثوا امرأة ثقة، لتنظر إلى المرأة التي يريدون خطبتها، وهو خلاف السنة.
وذكر في " الإفصاح ": «أن النبي ﷺ بعث عائشة ﵂ لتنظر إلى وجه امرأة أراد أن يتزوجها، فرجعت عائشة ﵂ وقالت: لم تمرض قط، فلم يرغب النبي ﷺ فيها» .
فإذا ثبت هذا الخبر.. كان مبطلاً لقول الصيمري.
[فرع نظر المرأة المخطوبة للخاطب]
فرع: [جواز نظر المرأة المخطوبة للخاطب] : قال الشيخ أبو إسحاق ﵀: ويجوز للمرأة إذا أرادت أن تتزوج برجل أن تنظر إليه، لأنه يعجبها منه ما يعجبه منها، ولهذا قال عمر ﵁: (لا تزوجوا بناتكم من الرجل الدميم، فإنه يعجبهن منهم ما يعجبهم منهن) .
стр. 4469
[فرع الأمر بغض البصر عن الأجنبيات وعكسه]
] : وإذا أراد الرجل أن ينظر إلى امرأة أجنبية منه من غير سبب.. فلا يجوز له ذلك، لا إلى العورة، ولا إلى غير العورة، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] [النور: ٣٠ٍ] .
وروى علي ﵁: «أن النبي ﷺ أردف الفضل بن العباس خلفه في حجة الوادع، فأتت امرأة من خثعم إلى النبي ﷺ تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فلوى النبي ﷺ عنق الفضل، فقال العباس ﵁: لويت عنق ابن عمك، فقال ﷺ : " رجل شاب، وامرأة شابة، خشيت أن يدخل الشيطان بينهما» .
وروي: «أن النبي ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁: " يا علي، لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليس لك الأخرى "، أو قال: وعليك الأخرى»
стр. 4470
وقال ﷺ «نظر الرجل إلى محاسن امرأة لا تحل له سهم من سهام الشيطان مسموم، من تركها خوفا من الله، ورجاء ما عنده.. أثابه الله بها» .
قال ابن الصباغ، والمسعودي [في " الإبانة "] ، والطبري: إذا لم يخف الافتتان بها.. فله أن ينظر منها إلى الوجه والكفين بغير شهوة، لقوله ﷺ : «يا علي، لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليس لك الأخرى» .
ولا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل الأجنبي، لا إلى العورة منه، ولا إلى غير العورة من غير سبب، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] [النور: ٣١] .
стр. 4471
وروي: «أن ابن أم مكتوم دخل على النبي ﷺ وعنده أم سلمة، وميمونة - وقيل: عائشة، وحفصة - فقال: " احتجبا عنه " فقالا: إنه أعمى لا يبصرنا! فقال ﷺ : " أفعمياوان أنتما؟! أليس تبصرانه؟» .
ولأن المعنى الذي منع الرجل من النظر لأجله، هو خوف الافتتان، وهذا موجود في المرأة، لأنها أسرع إلى الافتتان، لغلبة شهوتها، فحرم عليها ذلك.
[فرع بروز المسلمة أمام الكتابية أو غيرها من الكافرات]
] : وهل يجوز للمرأة المسلمة أن تبرز للمرأة الكتابية، أو غيرها من الكافرات؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، لأنه لا يخاف عليها الافتتان بذلك.
والثاني: لا يجوز، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] [النور: ٣١] ، وهذه ليست من نسائهن.
وهل يجوز للرجل أن ينظر إلى الطفلة الصغيرة الأجنبية؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "] . ولا خلاف: أنه لا يجوز له النظر إلى فرجها.
стр. 4472
[فرع نظر المراهق والخصي والمتخنث إلى الأجنبية]
فرع: [حكم نظر المراهق والخصي والمتخنث إلى الأجنبية] : واختلف أصحابنا في الصبي المراهق مع المرأة الأجنبية:
فمنهم من قال: هو كالرجل البالغ الأجنبي معها، فلا يحل لها أن تبرز له، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١] [النور: ٣١] . ومعناه: لم يقووا على الجماع، والمراهق يقوى على الجماع، فهو كالبالغ.
ومنهم من قال: هو معها كالبالغ من ذوي محارمها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] [النور: ٥٩] . فأمر بالاستئذان إذا بلغوا الحلم، فدل على: أنه قبل أن يبلغوا الحلم يجوز دخولهم من غير استئذان.
ولا يجوز للرجل الخصي أن ينظر إلى بدن المرأة الأجنبية، وقال ابن الصباغ: إلا أن يكبر، ويهرم، وتذهب منه شهوته.
قال: وكذلك المخنث، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: ٣١] [النور: ٣١] .
وروي: «أن مخنثا كان يدخل على أزواج النبي ﷺ ، فقال لعبد الله بن أبي أمية - أخي أم سلمة -: إن فتح الله علينا الطائف غداً.. دللتك على ابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع، وتدبر بثمان، فقال النبي ﷺ : " لا أراك تعقل هذا، لا يدخل هذا عليكن» . وإنما لم يمنع النبي ﷺ من دخوله قبل هذا، لأنه كان يظن أنه من غير أولي الإربة من الرجال، فلما وصف من المرأة ما وصف.. علم أنه ليس من أولئك، فمنع من دخوله.
стр. 4473
وقوله (تقبل بأربع) يعني: أربع عكن في مقدم بطنها. قوله: (تدبر بثمان) : لأن الأربع محيطة ببطنها وجنبيها، فلها من خلفها ثمانية أطراف، من كل جانب أربعة أطراف.
[فرع النظر لأجل الشهادة والمداواة وإلى الأمرد]
ويجوز للرجل أن ينظر إلى وجه المرأة الأجنبية عند الشهادة، وعند البيع منها والشراء، ويجوز لها أن تنظر إلى وجهه كذلك، لأن هذا يحتاج إليه، فجاز النظر لأجله. ويجوز لكل واحد منهما أن ينظر إلى بدن الآخر إذا كان طبيباً وأراد مداواته، لأنه موضع ضرورة، فزال تحريم النظر لذلك.
وأما أمة غيره: فإذا لم يكن هناك سبب.. فهي كالحرة الأجنبية مع الأجنبي. فإن أراد أن يشتريها.. فيجوز له أن ينظر إلى ما ليس بعورة منها، وقد مضى بيان عورتها في الصلاة.
قال الشيخ أبو حامد: وحكى الداركي: أن الشافعي ﵀ قال: (لا يجوز النظر إلى وجه الأمرد، لأنه يفتن) . قال: ولا أعرفه للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
والأول اختيار الشيخ أبي إسحاق.
قال المسعودي [في " الإبانة "] : ويحل للرجل النظر إلى الخنثى.
[مسألة النظر إلى المحارم والرجل للرجل والمرأة للمرأة]
ويجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة من ذوات محارمه، وكذلك يجوز لها النظر إليه من غير سبب ولا ضرورة، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] [النور: ٣١] الآية.
وفي الموضع الذي يجوز له النظر إليه منها وجهان، حكاهما المسعودي [في "الإبانة "] :
стр. 4474
أحدهما - وهو قول البغداديين من أصحابنا- أنه يجوز له النظر إلى جميع بدنها، إلا ما بين السرة والركبة، لأنه لا يحل له نكاحها بحال، فجاز له النظر إلى ذلك، كالرجل مع الرجل.
والثاني - وهو اختيار القفال -: أنه يجوز له النظر إلى ما يبدو منها عند المهنة، لأنه لا ضرورة به إلى النظر إلى ما زاد على ذلك.
قال المسعودي [في " الإبانة "] : وهكذا الوجهان في النظر إلى أمة غيره، إذا لم يرد شراءها، وهذا خلاف نقل البغداديين من أصحابنا فيها، وقد مضى.
ويجوز للرجل أن ينظر إلى جميع بدن الرجل، إلا ما بين السرة والركبة، من غير سبب ولا ضرورة. ويجوز للمرأة أن تنظر إلى جميع بدن المرأة، إلا ما بين السرة والركبة، من غير سبب ولا ضرورة، لأنه لا يخاف الافتتان بذلك.
[فرع نظر العبد لمولاته والخلوة بها]
وإذا ملكت المرأة عبداً.. فهل يكون كالمحرم لها في جواز النظر والخلوة به؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يصير محرماً لها في ذلك. قال في " المهذب ": وهو المنصوص، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] [النور: ٣١] فعده مع ذوي المحارم.
وروت أم سلمة: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قال: «إذا كان مع مكاتب إحداكن وفاء.. فلتحتجب منه» ، فلولا أن الاحتجاب لم يكن واجباً عليهن قبل ذلك.. لما أمرهن به.
стр. 4475
وروي: أن النبي ﷺ أعطى فاطمة ﵂ غلاماًَ، فأراد النبي ﷺ أن يدخل عليها، ومعه علي والغلام، وهي أفضل - أي: ليس عليها إلا ثوب واحد- فأرادت أن تغطي به رأسها ورجليها فلم يبلغ، فقال لها النبي ﷺ : «لا بأس عليك إنما هو أبوك وزوجك وخادمك» .
ولأن الملك سبب تحريم الزوجية بينهما فوجب أن يكون محرماً لها، كالنسب والرضاع.
والثاني: لا يكون محرماً لها. قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح عند أصحابنا، لأن الحرمة إنما تثبت بين شخصين لم تخلق بينهما شهوة، كالأخ والأخت، والعبد وسيدته شخصان خلقت بينهما الشهوة، فهو كالأجنبي. وأما الآية: فقال أهل التفسير: المراد بها الإماء، دون العبيد. وأما الخبر: فيحتمل أن يكون الغلام صغيراً.
[مسألة النظر للزوجة وملك اليمين]
] : وإذا تزوج الرجل امرأة، أو ملك أمة يحل له الاستمتاع بها.. جاز لكل واحد منهما النظر إلى جميع بدن الآخر، لأنه يملك الاستمتاع به، فجاز له النظر إليه.
وهل يجوز له النظر إلى الفرج؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، لأنه موضع يجوز له الاستمتاع به، فجاز له النظر إليه، كالفخذ.
والثاني: لا يجوز، لما روي: أن النبي ﷺ قال: «النظر على الفرج يورث الطمس» . ولأن فيه دناءة وسخفاً. قال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: يعني
стр. 4476
بـ: (الطمس) : العمى، أي: في الناظر. وقال الطبري في" العدة ": أي: أن الولد بينهما يولد أعمى.
وإذا زوج الرجل أمته.. كانت كذوات محارمه، فلا يجوز له أن ينظر منها إلى ما بين السرة والركبة، لقوله ﷺ : «إذا زوج أحدكم أمته.. فلا ينظر منها إلى ما بين السرة والركبة» . ولأنه إذا زوجها.. فحكم الملك ثابت بينهما، وإنما حرم عليه الاستمتاع بها، فصارت كذوات المحارم.
[مسألة ما خص به رسول الله ﷺ ]
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إن الله لما خص به رسول الله ﷺ من وحيه، وأبان بينه وبين خلقه بما فرض عليهم من طاعته.. افترض عليه أشياء خففها على خلقه، ليزيده بها- إن شاء الله- قربة، وأباح له أشياء حظرها على غيره، زيادة في كرامته، وتبييناً لفضيلته) .
وجملة ذلك: أن النبي ﷺ خص بأحكام في النكاح وغيره، ولم يشاركه غيره فيها.
فأما ما خص به في غير النكاح: فأوجب الله تعالى عليه أشياء لم يوجبها على غيره، ليكون ذلك أكثر لثوابه، فأوجب عليه السواك، والوتر، والأضحية، والدليل عليه: قوله ﷺ : «ثلاث كتبهن الله تعالى علي، ولم تكتب عليكم: السواك والوتر، والأضحية» .
стр. 4477
وكان يجب عليه إذا لبس لأمة حربه أن لا ينزعها.. حتى يلقى العدو. والدليل عليه: قوله ﷺ : «ما كان لنبي إذا لبس لأمة حربه أن ينزعها.. حتى يلقى العدو» .
وأما قيام الليل: فمن أصحابنا من قال: كان واجباً عليه إلى أن مات، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] [المزمل: ١-٢] .
والمنصوص: (أنه كان واجباً عليه، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] [الإسراء: ٧٩] .
وكان يجب عليه إذا رأى منكراً.. أنكره وأظهره، لأن إقراره لغيره على ذلك يدل على جوازه، وقد ضمن الله تعالى له النصر.
وحرم الله عليه أشياء لم يحرمها على غيره، تنزيهاً له وتطهيراً، فحرم عليه الكتابة، وقول الشعر وتعليمه، تأكيداً لحجته، وبياناً لمعجزته.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] [العنكبوت: ٤٨] .
وذكر النقاش: (أن النبي ﷺ ما مات حتى كتب) . والأول هو المشهور.
وحرمت عليه الصدقة المفروضة قولاً واحداً. وفي صدقة التطوع قولان، وقد مضى ذكرهما في الزكاة.
وحرم عليه خائنة الأعين- وهو الرمز بالعين- لما روي: «أن رجلا دخل على النبي ﷺ وأراد قتله، فلما خرج عنه.. قال: " هلا قتلتموه؟ ! " فقالوا: هلا رمزت إلينا؟ فقال ﷺ : ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين»
стр. 4478
وحرم عليه أن يمد عينيه إلى ما متع به الناس. والدليل عليه: ما روي أن النبي ﷺ مرت به إبل، وقد عنست بأبوالها وأبعارها، فغطى عينيه، فقيل له في ذلك، فقال: قال الله ﵎: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [طه: ١٣١] [طه: ١٣١] الآية.
وأوعده الله أن يحبط عمله بنفس الردة، وأوعد غيره أن لا يحبط عمله إلا بالردة والموت عليها. والدليل عليه: قَوْله تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] [الزمر: ٦٥] الآية. وقال في غيره: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧] [البقرة: ٢١٧] .
وأباح الله تعالى لنبيه ﷺ أشياء لم يبحها لغيره، تفضيلا له واختصاصاً:
منها: أنه أباح له الوصال في الصوم، والدليل عليه: «أنه نهى عن الوصال، فقيل له: يا رسول الله، إنك تواصل، فقال: " إني لست مثلكم، إني أطعم وأسقى» ، وفي رواية: «إني أبيت عند ربي، يطعمني، ويسقيني» .
وأبيح له أخذ الطعام والشراب من الجائع والعطشان، وإن كان من هو معه يخاف على نفسه الهلاك، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] [الأحزاب: ٦] وعلى كل واحد من المسلمين أن يقي النبي ﷺ بنفسه.
وأبيح له أن يحمي لنفسه، وأبيح له أربعة أخماس الفيء وخمس الخمس من الفيء والغنيمة.
стр. 4479
وأبيح له أن يصطفي من الغنيمة ما شاء، وهو: أن يختار منها ما شاء، وقد اصطفى صفية من سبي خيبر، فلذلك سميت صفية. وقيل: بل كان ذلك اسمها. وأكرمه الله تعالى بأشياء:
منها: أنه أحل له الغنائم ولأمته، وكانت لا تحل لمن قبله من الأنبياء، بل كانوا يحرقونها. والدليل عليه: قوله ﷺ «أحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد من قبلي» .
وجعلت الأرض له ولأمته ﷺ مسجداً وطهوراً، وكان من قبله من الأنبياء لا تصح صلاتهم إلا في المساجد. والدليل عليه: قوله ﷺ : «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت الأرض لنا مسجداً، وترابها لنا طهوراً، وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة» .
وجعلت له معجزات كمعجزات الأنبياء قبله، وزيادة، فكانت معجزة موسى - صلى الله على نبينا وعليه وسلم- العصا، وانفجار الماء من الصخر، وقد انشق القمر للنبي ﷺ ، وخرج الماء من بين أصابعه ﷺ . وكانت معجزة عيسى صلى الله
стр. 4480
عليه وعلى نبينا وسلم إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وقد سبحت الحصى في كف النبي ﷺ ، وحن الجذع إليه، وهذا أبلغ.
وفضله الله تعالى عليهم، بأن جعل القرآن معجزته، وجعل معجزته فيه باقية إلى يوم القيامة، ولهذا جعلت نبوته مؤبدة، لا تنسخ إلى يوم القيامة، لأن معجزته باقية. ونصر بالرعب، فكان يخافه العدو من مسيرة شهر. وبعث إلى كافة الخلق، وقد كان من قبله من الأنبياء يبعث الواحد إلى بعض الناس دون بعض. وقال ﷺ : «تنام عيناي، ولا ينام قلبي» . وكان يرى من خلفه، كما يرى من بين يديه.
وأما ما خص به النبي صلى عليه وسلم من الأحكام في النكاح: فاختلف أصحابنا في المنع من الكلام فيه:
فحكى الصيمري: أن أبا علي بن خيران منع من الكلام فيه، وفي الإمامة، لأن ذلك قد انقضى، فلا معنى للكلام فيه.
وقال سائر أصحابنا: لا بأس بالكلام في ذلك، وهو المشهور، لما فيه من زيادة العلم، وقد تكلم العلماء فيما لا يكون، كما بسط الفرضيون مسائل الوصايا، وقالوا: إذا ترك أربعمائة جدة وأكثر.
إذا ثبت هذا: فإنه أبيح للنبي صلى الله وعليه وسلم أن ينكح من النساء أي عدد شاء.
وحكى الطبري في " العدة " وجها آخر: أنه لم يبح له أن يجمع بين أكثر من تسع.
стр. 4481
والأول هو المشهور، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] [النساء: ٣] .
قيل في التفسير: أن لا تجوروا في حقوقهن، فحرم الزيادة على الأربع، وندب إلى الاقتصار على واحدة، خوفاً من الجور وترك العدل، وهذا مأمون من النبي ﷺ ، ولأن النبي ﷺ تزوج ثماني عشرة امرأة، وقيل: بل خمس عشرة. وجمع بين أربع عشرة، وقيل: بل بين إحدى عشرة. ومات عن تسع: عائشة بنت أبي بكر ﵄، وحفصة بنت عمر ﵄، وأم سلمة بنت أبي أمية، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وميمونة بنت الحارث، وجويرية بنت الحارث، وصفية بنت حيي بن أخطب، وزينب بنت جحش ﵅ وأرضاهن.
فهؤلاء ثمان نسوة كان يقسم لهن إلى أن مات ﷺ ، والتاسعة سودة بنت زمعة: (كانت وهبت ليلتها لعائشة ﵂) .
وكان النبي ﷺ إذا رغب في نكاح امرأة مزوجة، وعلم زوجها بذلك.. وجب عليه أن يطلقها! كامرأة زيد بن حارثة، كما أنه إذا احتاج إلى طعام، ومع إنسان طعام،
стр. 4482
لو لم يأكله مات جوعاً.. وجب عليه أن يبذله له.
وأبيح له ﷺ أن يتزوج من غير مهر، لا ابتداء، ولا انتهاء، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] [الأحزاب: ٥٠] الآية، والهبة إنما تكون بغير عوض.
[فرع نكاح النبي ﷺ بلفظ الهبة]
] : وهل كان يحل له النكاح بلفظ الهبة؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه كان يحل له، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] [الأحزاب: ٥٠] الآية.
وروي: «أن امرأة أتت النبي ﷺ ، فقالت: قد وهبت نفسي منك يا رسول الله، فقال: ما لي اليوم في النساء من حاجة» ، ولم ينكر عليها قولها: (قد وهبت نفسي منك) .
ولأن غير النبي ﷺ إنما لا يصح نكاحه بلفظ الهبة، لأنه لا يعرو عن عوض، والهبة لا تتضمن عوضا، ونكاح النبي ﷺ يصح أن يعرو عن العوض، فلذلك صح بلفظ الهبة.
стр. 4483
والثاني: لا يحل له. قال الشيخ أبو حامد: وهو الأصح، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠] [الأحزاب: ٥٠] الآية. فأجاز له العقد بالاستنكاح- وهو لفظ التزويج، أو الإنكاح - فدل على: أن ذلك يشترط في نكاحه.
ولأن لفظ الهبة، ولفظ الإباحة واحد، لأنهما لا يتضمنان عوضاً، فلما لم يصح نكاحه بلفظ الإباحة.. لم يصح بلفظ الهبة.
وإذا قلنا بالأول: فهل يصح قبوله ﷺ بقوله: (اتهبت) ، أو لا يصح حتى يقول: (نكحت) ، أو: (تزوجت) ، وما أشبهها؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في" الإبانه "] .
[فرع نكاح النبي ﷺ بلا ولي ولا شهود]
وهل كان يصح نكاحه ﷺ بغير ولي ولا شهود؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح، لما روي ابن عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدين» ، ولم يفرق. ولأن كل ما كان شرطاً في نكاح غيره.. كان شرطاً في نكاحه، كالإيجاب والقبول.
стр. 4484
والثاني: يصح. قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح، لما روي: «أن النبي صلى عليه وسلم لما خطب أم سلمة ﵂.. اعتذرت إليه بأشياء، منها: أن قالت: ليس لي ولي حاضر فقال ﷺ : " ليس لك ولي حاضر ولا غائب، إلا وهو يرضاني "، فقالت أم سلمة: قم يا عمر - تعني: ابنها - فزوج رسول الله ﷺ » .
قال الشيخ أبو حامد: وأصحابنا يروون: أن النبي ﷺ قال: «يا غلام، قم فزوج أمك» . والذي أعرفه هو الأول.
فتزوجها النبي ﷺ من غير ولي، لأن الابن ليس بولي عندنا، لأن ابنها كان يومئذ صغيراً. ولأن الولي إنما اشترط في النكاح، لئلا تضع المرأة نفسها في غير كفء، واشترط حضور الشهود عند العقد، ليثبتوا الفراش، فيلحق النسب به، إن جحد الزوج، وذلك لا يوجد في النبي ﷺ .
[فرع زواجه ﷺ في الإحرام]
وهل كان يصح نكاحه ﷺ في حال الإحرام؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﷺ : «لا ينكح المحرم، ولا ينكح» . ٥٠
стр. 4485
والثاني: يصح، لما روى ابن عباس: «أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو- ﷺ محرم» . ولأن المحرم إنما منع من العقد في الإحرام، لئلا يدعوه ذلك على مواقعتها في حال الإحرام، وهذا مأمون منه ﷺ .
[فرع زواجه ﷺ من الكتابيات]
وهل كان يجوز نكاحه الحرائر الكتابيات؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز له، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] [المائدة: ٥] ولم يفرق. ولأن النبي ﷺ أبيح في النكاح ما لم يبح لغيره، فلا يجوز أن يحرم عليه منه ما أبيح لغيره.
والثاني- وهو قول أكثر أصحابنا - أنه لا يجوز له نكاحها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] [الأحزاب: ٦] ، ولا يجوز أن تكون الكافرة أما للمؤمنين.
ولقوله ﷺ : «زوجاتي في الدنيا زوجاتي في الآخرة» ، والكافرة لا تدخل الجنة، فلا تكون زوجة له.
следующие страницы →