← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

والأول هو المشهور، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] [النساء: ٣] . قيل في التفسير: أن لا تجوروا في حقوقهن، فحرم الزيادة على الأربع، وندب إلى الاقتصار على واحدة، خوفاً من الجور وترك العدل، وهذا مأمون من النبي ﷺ ، ولأن النبي ﷺ تزوج ثماني عشرة امرأة، وقيل: بل خمس عشرة. وجمع بين أربع عشرة، وقيل: بل بين إحدى عشرة. ومات عن تسع: عائشة بنت أبي بكر ﵄، وحفصة بنت عمر ﵄، وأم سلمة بنت أبي أمية، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وميمونة بنت الحارث، وجويرية بنت الحارث، وصفية بنت حيي بن أخطب، وزينب بنت جحش ﵅ وأرضاهن. فهؤلاء ثمان نسوة كان يقسم لهن إلى أن مات ﷺ ، والتاسعة سودة بنت زمعة: (كانت وهبت ليلتها لعائشة ﵂) . وكان النبي ﷺ إذا رغب في نكاح امرأة مزوجة، وعلم زوجها بذلك.. وجب عليه أن يطلقها! كامرأة زيد بن حارثة، كما أنه إذا احتاج إلى طعام، ومع إنسان طعام،

стр. 4482

لو لم يأكله مات جوعاً.. وجب عليه أن يبذله له. وأبيح له ﷺ أن يتزوج من غير مهر، لا ابتداء، ولا انتهاء، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] [الأحزاب: ٥٠] الآية، والهبة إنما تكون بغير عوض. [فرع نكاح النبي ﷺ بلفظ الهبة] ] : وهل كان يحل له النكاح بلفظ الهبة؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه كان يحل له، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] [الأحزاب: ٥٠] الآية. وروي: «أن امرأة أتت النبي ﷺ ، فقالت: قد وهبت نفسي منك يا رسول الله، فقال: ما لي اليوم في النساء من حاجة» ، ولم ينكر عليها قولها: (قد وهبت نفسي منك) . ولأن غير النبي ﷺ إنما لا يصح نكاحه بلفظ الهبة، لأنه لا يعرو عن عوض، والهبة لا تتضمن عوضا، ونكاح النبي ﷺ يصح أن يعرو عن العوض، فلذلك صح بلفظ الهبة.

стр. 4483

والثاني: لا يحل له. قال الشيخ أبو حامد: وهو الأصح، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠] [الأحزاب: ٥٠] الآية. فأجاز له العقد بالاستنكاح- وهو لفظ التزويج، أو الإنكاح - فدل على: أن ذلك يشترط في نكاحه. ولأن لفظ الهبة، ولفظ الإباحة واحد، لأنهما لا يتضمنان عوضاً، فلما لم يصح نكاحه بلفظ الإباحة.. لم يصح بلفظ الهبة. وإذا قلنا بالأول: فهل يصح قبوله ﷺ بقوله: (اتهبت) ، أو لا يصح حتى يقول: (نكحت) ، أو: (تزوجت) ، وما أشبهها؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في" الإبانه "] . [فرع نكاح النبي ﷺ بلا ولي ولا شهود] وهل كان يصح نكاحه ﷺ بغير ولي ولا شهود؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح، لما روي ابن عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدين» ، ولم يفرق. ولأن كل ما كان شرطاً في نكاح غيره.. كان شرطاً في نكاحه، كالإيجاب والقبول.

стр. 4484

والثاني: يصح. قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح، لما روي: «أن النبي صلى عليه وسلم لما خطب أم سلمة ﵂.. اعتذرت إليه بأشياء، منها: أن قالت: ليس لي ولي حاضر فقال ﷺ : " ليس لك ولي حاضر ولا غائب، إلا وهو يرضاني "، فقالت أم سلمة: قم يا عمر - تعني: ابنها - فزوج رسول الله ﷺ » . قال الشيخ أبو حامد: وأصحابنا يروون: أن النبي ﷺ قال: «يا غلام، قم فزوج أمك» . والذي أعرفه هو الأول. فتزوجها النبي ﷺ من غير ولي، لأن الابن ليس بولي عندنا، لأن ابنها كان يومئذ صغيراً. ولأن الولي إنما اشترط في النكاح، لئلا تضع المرأة نفسها في غير كفء، واشترط حضور الشهود عند العقد، ليثبتوا الفراش، فيلحق النسب به، إن جحد الزوج، وذلك لا يوجد في النبي ﷺ . [فرع زواجه ﷺ في الإحرام] وهل كان يصح نكاحه ﷺ في حال الإحرام؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﷺ : «لا ينكح المحرم، ولا ينكح» . ٥٠

стр. 4485

والثاني: يصح، لما روى ابن عباس: «أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو- ﷺ محرم» . ولأن المحرم إنما منع من العقد في الإحرام، لئلا يدعوه ذلك على مواقعتها في حال الإحرام، وهذا مأمون منه ﷺ . [فرع زواجه ﷺ من الكتابيات] وهل كان يجوز نكاحه الحرائر الكتابيات؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز له، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] [المائدة: ٥] ولم يفرق. ولأن النبي ﷺ أبيح في النكاح ما لم يبح لغيره، فلا يجوز أن يحرم عليه منه ما أبيح لغيره. والثاني- وهو قول أكثر أصحابنا - أنه لا يجوز له نكاحها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] [الأحزاب: ٦] ، ولا يجوز أن تكون الكافرة أما للمؤمنين. ولقوله ﷺ : «زوجاتي في الدنيا زوجاتي في الآخرة» ، والكافرة لا تدخل الجنة، فلا تكون زوجة له.

стр. 4486

[فرع زواجه ﷺ من الأمة المسلمة ووطؤه لملك اليمين] وأما تزويج الأمة المسلمة: فالمشهور من المذهب: أنه لا يحل له ذلك، لأن تزويجها للحر إنما يكون بشرطين: عدم طول الحرة، والخوف من العنت، وهذان، معدومان في حقه ﷺ . وحكى المسعودي [في " الإبانة "] وجها آخر: أنه كان يحل له ذلك، لما ذكرناه في نكاحه للذمية. فإذا قلنا بهذا: فما كان حكم ولده منها إذا قلنا: إن ولد العربي من الأمة مملوك؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه رقيق، كولدها من غيره. والثاني: ليس برقيق، وهو الأصلح، لأنه يستحيل أن يسترق من هو جزء من النبي ﷺ . وأما وطء الأمة المسلمة بملك اليمين: فكان يحل له، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] [الأحزاب: ٥٢] الآية. ولأنه ﷺ وطيء مارية القبطية بملك اليمين، وأولد منها إبراهيم عليه والسلام. وكان يحل له وطء الأمة الكتابية بملك اليمين، لأنه اصطفى صفية بنت حيي من سبي خيبر، وكان يطؤها قبل أن تسلم، فلما أسلمت أعتقها، وجعل عتقها صداقها - وهذا مما خص به ﷺ أيضا- فتزوجها. [مسألة تخيير النساء خاص به ﷺ ] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فمن ذلك: أن من ملك زوجة.. فليس عليه تخييرها، وأمر رسول الله ﷺ أن يخير نساءه، فاخترنه) . وجملة ذلك: أن الله تعالى خير النبي ﷺ : بين أن يكون نبيا ملكاً وعرض عليه مفاتيح خزائن الدنيا، وبين أن يكون نبياً مسكيناً، فشاور ﷺ جبريل ﵇،

стр. 4487

فأشار عليه بالمسكنة، فاختارها، فلما اختارها وهي أعلى المنزلتين.. أمره الله تعالى أن يخير زوجاته، فربما كان فيهن من تكره المقام معه ﷺ على الشدة، تنزيها له. وقيل: إن السبب الذي وجب التخيير لأجله: أن امرأة من زوجاته ﷺ سألته أن يصوغ لها حلقة من ذهب، فصاغ لها حلقة من فضة، وطلاها بالذهب- وقيل: بالزعفران- فأبت إلا أن تكون من ذهب، فنزلت آية التخيير، وهي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: ٢٨] الآية [الأحزاب: ٢٨] . وقيل: إنما أمر بتخييرهن امتحانا لقلوبهن، وابتلاء لهن، وإلا.. فلا يختار له إلا الصالحات من النساء، ولكن يعلم بذلك أحكام، فبدأ النبي ﷺ بعائشة، وقال: «إني مخيرك، ولا عليك أن لا تحدثي أمرا حتى تستأمري أبويك "، ثم قال: " إن الله أنزل علي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: ٢٨] [الأحزاب: ٢٨] ، قالت عائشة ﵂: أفيك أشاور أبوي؟! إني اخترت الله ورسوله. قالت عائشة: لا تخبر بما صنعت أحداً من أزواجك، فقال ﷺ : " إنما بعثت ميسراً، ولم أبعث معسراً"، ثم دخل على باقي أزواجه، فخيرهن، فكن يقلن: ما قالت عائشة، فيقول ﷺ : "اختارت الله ورسوله" فيقلن: اخترن الله ورسوله» . وقيل: إن واحدة منهن اختارت الفراق. وإنما أمر النبي ﷺ عائشة ﵂ أن تشاور أبويها، لأنه كان يحبها، وكان يخاف أن يحملها فرط الشباب على أن تختار فراقه، ويعلم من أبويها أنهما لا يشيران عليها بفراقه.

стр. 4488

إذا ثبت هذا: فإن التخيير كناية في الطلاق، فلا يقع به طلاق حتى يقول الرجل لامرأته: اختاري نفسك، وينوي بذلك: أنه جعل طلاقها إليها، وتقول المرأة، اخترت نفسي، وتنوي بذلك الطلاق. وقال مالك ﵀: (هو صريح في الطلاق) . دليلنا: أن النبي ﷺ خير عائشة، وأمرها أن تشاور أبويها، فلو كان الطلاق قد وقع، وبانت منه.. لم يمكنها مشاورتهما، ولأنها لو بانت منه.. لما أفاد اختيارها له. إذا تقرر هذا: فإن غير النبي ﷺ إذا خير زوجته.. فلا خلاف على المذهب: أن قبولها يجب أن يكون على الفور، بحيث يصلح أن يكون جواباً لكلامه. وأما تخيير النبي ﷺ لزوجاته.. ففيه وجهان: [أحدهما] : من أصحابنا من قال: إنه على التراخي، لأن النبي ﷺ خير عائشة ﵂، فقال لها: «لا تحدثي أمرا حتى تشاوري أبويك» فأجاز لها تأخير الجواب إلى مشاورتهما، فدل على: أن الجواب لا يقتضي الفور. و [الثاني] : منهم من قال: إنه على الفور، وهو الصحيح، لأن التخيير يجري مجرى البيع والهبة، فلما كان قبول بيع النبي ﷺ وهبته على الفور.. فكذلك تخييره وأما تخيير النبي ﷺ لعائشة ﵂: فكان تخييراً موسعا إلى مشاورة أبويها، ولو أطلق التخيير.. لاقتضى الجواب على الفور. هذا نقل الشيخ أبي حامد. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إذا اختارت واحدة منهن الدنيا.. وقعت الفرقة، وهل كان ذلك طلاقا أو فسخاً؟ فيه وجهان. فإن قلنا: كان طلاقاً.. فهو على الفور، وإن قلنا: كان فسخاً.. فهو على التراخي. وقال القفال: إن اختارت واحدة منهن الدنيا.. فهل تبين منه بذلك، أو يلزمه أن يطلقها؟ فيه وجهان:

стр. 4489

أحدهما: تبين منه، كما لو خير أحدنا زوجته، فاختارت فراقه. والثاني: لا تبين منه حتى يطلقها. قال: وهو الأصح، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٨] [الأحزاب: ٢٨] الآية. ولأن الرجل منا لو خير زوجته بين الدنيا والآخرة، فاختارت الدنيا.. لم تبن منه، فكذلك النبي ﷺ . [فرع خير نساءه ﷺ فاخترنه فحظر عليه نكاح غيرهن] وحكم طلاقهن بعد تخييرهن] : لما خير رسول الله ﷺ نساءه، فاخترنه.. حرم الله عليه التزويج بغيرهن، والاستبدال بهن، مكافأة لهن على فعلهن. والدليل عليه: قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] [الأحزاب: ٥٢] . وهل كان يحل له أن يطلق واحدة منهن بعد ذلك؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في" الإبانة "] : أحدهما - وهو اختيار المسعودي [في" الإبانة "] ، لم يذكر ابن الصباغ غيره-: أنه كان لا يحل له ذلك، جزاء لهن على اختيارهن له. والثاني - ولم يذكر في " التعليق " غيره-: أنه كان يحل له ذلك، كغيره من الناس، ولكن لا يتزوج بدلها، ثم نسخ هذا التحريم، وأباح له أن يتزوج بمن شاء عليهن من النساء. والدليل عليه: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] [الأحزاب: ٥٠] الآية. والإحلال يقتضي تقدم حظر، وزوجاته اللاتي في حياته لم يكن محرمات عليه، وإنما كان حرم عليه التزويج بالأجنبيات، فانصرف الإحلال إليهن، ولأنه قال في سياق الآية: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] . [الأحزاب: ٥٠] ولم يكن تحته أحد من بنات عمه، ولا من بنات عماته، ولا من بنات خاله، ولا من بنات خالاته، فثبت: أنه أحل له التزويج بهن ابتداء، وهذه الآية وإن كانت متقدمة في التلاوة.. فهي متأخرة النزول عن الآية المنسوخة بها، كالآية في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] [البقرة: ٢٣٤] نسخت

стр. 4490

الآية المتأخرة عنها في التلاوة، وهي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] الآية [البقرة: ٢٤٠] . والذي يدل على أن التحريم نسخ: ما روي عن أبي وعائشة ﵄: أنهما قالا: «ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء» ، يعني: اللاتي حظرن عليه. [فرع أزواجه ﷺ أمهات للمؤمنين] ومما خص به النبي ﷺ : أن جعل الله أزواجه أمهات المؤمنين. والدليل عليه: قَوْله تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] [الأحزاب: ٦] . قال الشافعي ﵁: (قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] في معنى دون معنى) ، وأراد به: أن أزواجه اللاتي مات عنهن لا يحل لأحد نكاحهن، ومن استحل ذلك.. كان كافراً، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] [الأحزاب: ٥٣] . وقال ﷺ «زوجاتي في الدنيا زوجاتي في الآخرة» . وقال ﷺ : «كل نسب وسبب ينقطع إلا سببي ونسبي.. فإنه باق إلى يوم القيامة» ، و (السبب) : القران والنكاح، ولا يكون حكمهن حكم الأمهات من

стр. 4491

النسب في التوارث، ولا حكم الأمهات من النسب والرضاع في: أنه لا يحل نكاح بناتهن وأخواتهن وأمهاتهن، لأن النبي ﷺ زوج بناته من المسلمين. ونقل المزني: (وقد زوج رسول الله ﷺ بناته وهن أخوات المؤمنين، وليس هذا على ظاهره، لأنهن لو كن أخواتهم.. ما جاز لهم تزويجهن) ، ولما نقله تأويلان: أحدهما: أن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أراد: وهن غير أخوات المؤمنين، فأسقط المزني: (غير) . والثاني: أنه أخرجه مخرج الإنكار، وتقدير الكلام: أترى زوج النبي ﷺ بناته، وهن أخوات المؤمنين؟ [فرع نكاح المفارقات من نسائه ﷺ ] وأما زوجات النبي ﷺ اللاتي فارقهن في حياته، مثل الكلبية، والتي قالت له: أعوذ بالله منك، فقال: «استعذت بمعاذ! الحقي بأهلك» ، و: " (المرأة التي رأى في كشحها بياضاً، ففارقها) : فهل كان يحل لغيره نكاحهن؟ فيه ثلاثة أوجه:

стр. 4492

أحدها: أنه كان يحل لغيره نكاحهن، سواء من دخل بها منهن ومن لم يدخل بها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٨] [الأحزاب:٢٨] .، فلو كان لا يحل لغيره نكاحهن إذا اخترن فراقه.. لم يحصل لهن من زينة الدنيا شيء؛ لأن الأيم لا زينة لها ولا لذة. والثاني: لا يحل لأحد نكاحهن، سواء دخل بهن أو لم يدخل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] [الأحزاب: ٦] ، وحرمة الأمومة تثبت بالعقد. والثالث- وهو الصحيح - أن من فارقها بعد أن دخل بها.. لا يحل لأحد نكاحها، ومن فارقها قبل أن يدخل بها.. يحل نكاحها، لما روي: أن المرأة الكلبية التي فارقها رسول الله ﷺ تزوجها عكرمة بن أبي جهل، فرفع ذلك إلى أبي بكر الصديق - وقيل: إلى عمر ﵄ فهم برجمها، فقيل له: إنه لم يدخل بها، فخلى عنها. وقيل: إن الذي تزوجها الأشعث بن قيس الكندي.

стр. 4493

وقال القاضي أبو الطيب: إن الذي تزوجها مهاجر بن أبي أمية، ولم ينكر أحد ذلك، فدل على: أنه إجماع. [فرع فضل زوجاته ﷺ ] ومما خص الله به النبي ﷺ : أن فضل الله زوجاته على سائر نساء العالمين، فقال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] [الأحزاب:٣٠-٣١] . فجعل حدهن مثلي حد غيرهن، لكمالهن وفضيلتهن، كما جعل حد الحر مثلي حد العبد، فأخبر: إن حسناتهن تضاعفن تفضيلاً لحالهن. ثم قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] الآية [الأحزاب:٣٢] : وذلك، لموضعهن من رسول الله ﷺ وقربهن منه. [فرع القسم في الزوجات] ومما خص الله تعالى به النبي ﷺ : أن الواحد منا إذا كان له أكثر من زوجة.. فإنه لا يجب عليه القسم ابتداء، بل له أن ينفرد عنهن، ولكن يجب عليه القسم انتهاء، وهو: أنه إذا بات عند واحدة منهن.. لزمه القضاء للباقيات. وأما النبي ﷺ : فكان لا يجب عليه القسم ابتداء، وهل كان يجب عليه القسم انتهاء، وهو: أنه إذا بات عند واحدة منهن.. لزمه القضاء للباقيات؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه كان لا يجب عليه، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] [الأحزاب:٥١] . والثاني: أنه كان يجب عليه ذلك، وهو المذهب، لأن النبي ﷺ كان يقسم لنسائه ويقول: «اللهم إن هذا قسمي فيما أملك، وأنت أعلم بما لا أملك» يعني: قلبه.

стр. 4494

و: (لما مرض.. كان يطاف به على أزواجه ﷺ ، فلما ثقل وعلم أزواجه أنه قد شق عليه.. قلن: قد رضينا أن تكون عند عائشة ﵂، فكان عندها إلى أن مات ﷺ ) ، فلو لم يكن واجباً عليه.. لما تكلف المشقة فيه. ولـ: «أن النبي ﷺ هم بطلاق سودة بنت زمعة لما كبرت، فأحست بذلك، فقالت: لا تطلقني يا رسول الله، ودعني أحشر في جملة أزواجك، وقد وهبت ليلتي لعائشة، فلم يطلقها النبي ﷺ ، وكان يقسم لعائشة ﵂ ليلتين» . وأما الآية: فإنها وردت في التي وهبت نفسها له، ومعناها: تقبل من الموهبات من شئت، وترد منهن من شئت. [فرع تأويل كلام المزني] وأما تأويل كلام المزني لقوله: (إن الله تعالى لما خص به رسوله ﷺ ) : قيل: (لما) بكسر اللام وتخفيف الميم، فيكون المراد: أن الله تعالى افترض على نبيه ﷺ هذه الأشياء، لأجل ما خصه به من وحيه. وقيل: (لما) بفتح اللام وتشديد الميم، فيكون المراد: لما وجه إليه الوحي وخصه به.. افترض عليه هذه الأشياء.

стр. 4495

وأما قول المزني: (وأبان بينه وبين خلقه بما فرض عليهم) ، فالمراد به: أنه فرق بينه وبين أمته، وأظهر فضله عليهم. ولا يقال في: (الفرق) : أبان، وإنما يقال: باين، وقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " أحكام القرآن " [١/٢٩ و ٢/١٢١] : (وأبان من فضله - من المباينة بينه وبين خلقه-: فرض عليهم طاعته في غير آية من كتابه، فقال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] [النساء:٥٩] ، وافترض عليه أشياء خففها عن خلقه) . وهذا أوضح معنى مما نقله المزني. وبالله التوفيق

стр. 4496

[باب ما يصح به النكاح] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (قد دل كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ على: أن حتماً على الأولياء أن يزوجوا الحرائر البوالغ إذا أردن النكاح) . وجملة ذلك: أن عقد النكاح - عندنا - لا ينعقد إلا بولي ذكر، سواء كانت المرأة صغيرة أو كبيرة، بكراً أو ثيبا، نسيبة أو غير نسيبة. فإن زوجت المرأة نفسها، أو وكلت رجلاً أو امرأة حتى زوجها.. لم يصح، سواء أذن لها وليها في ذلك أم لم يأذن لها. وبه قال من الصحابة: عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبو هريرة وعائشة ﵃. ومن التابعين: الحسن البصري وابن المسيب. ومن الفقهاء: ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأحمد وإسحاق ﵏. وقال أبو حنيفة: (إذا كانت المرأة بالغة عاقلة: زالت عنها الولاية في بضعها، كما يزول في مالها، ولها أن تزوج نفسها بغير إذن الولي، فإن زوجت نفسها من كفء.. فلا اعتراض للولي عليها، وإن زوجت نفسها من غير كفء.. كان للولي أن يفسخ النكاح) . وقال أبو يوسف ومحمد: عقد النكاح يفتقر إلى الولي، ولكنه ليس بشرط فيه، فإن عقدت المرأة النكاح على نفسها بغير إذن وليها، فإن وضعت نفسها في غير كفء.. كان للولي فسخه، وإن وضعت نفسها في كفء.. فعليه إجازته، فإن لم يجزه.. أجازه الحاكم.

стр. 4497

وقال مالك ﵀: (إن كانت المرأة نسيبة موسرة.. لم يصح نكاحها إلا بولي - كقولنا - وإن كانت فقيرة دنيئة لا أبوة لها.. جاز لها أن تزوج نفسها بغير ولي) . وقال داود: (إن كانت بكراً.. لم يصح نكاحها إلا بولي، وإن كانت ثيباً.. جاز أن تزوج نفسها بغير ولي) . وقال أبو ثور: (إذا أذن لها الولي فزوجت نفسها.. صح، وإن زوجت نفسها بغير إذن وليها.. لم يصح) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] [البقرة:٢٣٢] . قال معقل بن يسار: هذه الآية نزلت في شأني، وذلك أنه: زوج أخته من رجل، فدخل بها، ثم طلقها فلم يراجعها حتى انقضت عدتها، ثم خطبها فرضيت به، فامتنع معقل من تزويجها منه، وقال: زوجتك أختي وأكرمتك بها فطلقتها؟ والله لا نكحتها أبداً، فنزلت هذه الآية، فقال معقل: سمعاً وطاعة، فزوجها منه وكفر عنه يمينه.

стр. 4498

وموضع الدليل منها: أن الله نهى الأولياء عن عضلهن عن النكاح- و (العضل) : المنع- فلو لم يكن للأولياء صنع في النكاح.. لما كان للنهي معنى. وروى ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» . وروى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا تنكح المرأة المرأة، ولا تنكح المرأة نفسها» . وروت عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها.. فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن مسها.. فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا- وروي: فإن اختلفوا- فالسلطان ولي من لا ولي له» .

стр. 4499

وهذا الخبر دليل على جميع من خالفنا إلا أبا ثور، فإنه يقول: لما أبطل النبي ﷺ نكاحها بغير إذن وليها.. دل على أنه يصح بإذن وليها. ودليلنا عليه: أن المراد هاهنا الإذن لغيرها من الرجال، بدليل قوله ﷺ : «لا تنكح المرأة المرأة، ولا تنكح المرأة نفسها" ولم يفرق: بين أن يكون ذلك بإذن الولي، أو بغير إذنه» . إذا ثبت هذا: فذكر أصحابنا في حديث عائشة ﵂ فوائد: الأولى: أن للولي شركاً في بضعها، لأنه أبطل نكاحها بغير إذنه. الثانية: أن الولاية ثابتة على جميع النساء، لأن لفظة: (أي) من حروف العموم. الثالثة: أن الصلة جائزة في الكلام، لقوله: (أيما) ومعناه: أي امرأة. الرابعة: أن للولي أن يوكل في عقد النكاح. الخامسة: أن مطلق النكاح في الشريعة ينصرف إلى العقد، لأن المعنى: أيما امرأة عقدت. السادسة: جواز إضافة النكاح إليها. السابعة: أن اسم النكاح يقع على الصحيح والفاسد. الثامنة: أن النكاح الموقوف لا يصح، لأنه لو كان صحيحا.. لما أبطله.

стр. 4500

التاسعة: أن الشيء إذا كان بينا في نفسه.. جاز أن يؤكد بغيره، لأنه لو اقتصر على قوله: «فنكاحها باطل» .. لكان بينا، فأكده بالتكرار، وهو: كقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة:١٩٦] ، وكقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] [الأعراف:١٤٢] . العاشرة: أن وطء الشبهة يوجب المهر. الحادية عشرة: أن المس كناية عن الوطء. الثانية عشرة: أنه إذا مس سائر بدنها- غير الفرج- فلا مهر عليه. الثالثة عشرة: قال الصيمري: إن القبل والدبر سواء، لأن كله فرج. الرابعة عشرة: أنه لا فرق: بين الخصي والفحل. الخامسة عشرة: أنه لا فرق: بين قوي الجماع، وضعيفه. السادسة عشرة: أنه لا فرق: بين أن ينزل، أو لا ينزل. السابعة عشرة: أنه لا فرق: بين أن يجامعها مرة، أو مراراً. الثامنة عشرة: أنه يجوز أن يثبت له وعليه حق يجهل قدره. التاسعة عشرة: أن النكاح الفاسد إذا لم يكن فيه جماع.. فلا مهر فيه. العشرون: أن مهر المثل يتوصل إلى العلم به. الحادية والعشرون: أن المهر يجب مع العلم بتحريم الوطء، ومع الجهل به؛ لأنه يفرق. الثانية والعشرون: أن المكره يجب عليه المهر؛ لأن المكره مستحل لفرج المكرهة. الثالثة والعشرون: أن المهر لا يجب بالخلوة، لأنه شرط المس في الفرج. الرابعة والعشرون: أنه لا حد في وطء الشبهة. الخامسة والعشرون: قال الشيخ أبو حامد: إن النسب يثبت بالوطء في الشبهة. السادسة والعشرون: أن تحريم المصاهرة يثبت بوطء الشبهة.

стр. 4501

السابعة والعشرون: أن العدة تجب على الموطوءة بالشبهة، لأن النسب إذا لحق به.. أوجب العدة. الثامنة والعشرون: أن المرأة يجوز أن يكون لها جماعة أولياء، لقوله ﷺ : «فإن اشتجروا» ، وهذا إخبار عن جمع. التاسعة والعشرون: أن السلطان ولي من لا ولي لها. الثلاثون: أن الأولياء إذا عضلوا المرأة عن النكاح.. انتقلت الولاية إلى السلطان، لأن الاختلاف المراد في الخبر: أن يقول كل واحد منهم: لا أزوجها أنا، بل زوجها أنت. فأما إذا قال كل واحد منهم: أنا أزوجها دونك.. فلا ينتقل إلى السلطان، بل يقرع بينهم، كما سيأتي بعد. [فرع: حكم الحنفي في التزويج] فرع: [يقبل حكم الحنفي في التزويج] : وإذا تزوج رجل امرأة من نفسها، ثم ترافعا إلى حاكم شافعي، فإن كانا لم يترافعا إلى حاكم حنفي قبله.. حكم الشافعي بفساده وفرق بينهما، لأنه يعتقد بطلانه. وإن كانا قد ترافعا قبله إلى حاكم حنفي فحكم بصحته.. فهل ينقض الشافعي حكمه؟ فيه وجهان: [أحدهما] : قال أبو سعيد الإصطخري: ينقض حكمه، ويحكم بفساده، لأن حكمه مخالف لنص النبي ﷺ ، وهو: قوله ﷺ : «فنكاحها باطل» . والثاني- وهو الأصح -: أنه لا يصح حكمه بفساده، لأن حكم الأول وقع فيما يسوغ فيه الاجتهاد، فهو كالحكم بالشفعة للجار. [فرع: الحد بالجهل أو بتقليد مجتهد] فرع: [سقوط الحد بالجهل أو بتقليد مجتهد] : وإن تزوج رجل امرأة من نفسها فوطئها، فإن لم يعلم بتحريم الوطء، بأن كان جاهلا لا يعلم تحريمه، أو عاميا فقلد مجتهدا يرى تحليله، أو كان الواطئ حنفيا

стр. 4502

يرى تحليله.. فلا حد عليه، لأنه موضع شبهة. وإن كان الواطئ شافعياً يعتقد تحريمه.. ففيه وجهان: [أحدهما] : قال أبو بكر الصيرفي: يجب عليه الحد، لما روى ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «البغي: من أنكحت نفسها بغير ولي ولا بينة» . و (البغي) : الزانية. ولما روي: (أن الطريق جمعت رفقة فيهم امرأة، فولت أمرها رجلاً منهم، فزوجها من رجل آخر، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عمر ﵁، ففرق بينهما، وجلد الناكح والمنكح) ولا مخالف له. ولأن أكثر ما فيه: حصول الاختلاف في إباحته، وذلك لا يوجب إسقاط الحد فيه، كشرب النبيذ. والثاني- وهو قول أكثر أصحابنا، وهو المذهب - أنه لا حد عليه، لقوله ﷺ «ادرؤوا الحدود بالشبهات» ، وحصول الاختلاف في إباحته من أعظم الشبهة. ولأن

стр. 4503

النبي ﷺ لم يوجب عليه الحد في حديث عائشة ﵂. وأما قول النبي ﷺ : «البغي: من أنكحت نفسها» فسماها بغيا على جهة المجاز، لتعلق بعض حكم البغي عليها، وهو: تحريم الوطء. وأما حديث عمر ﵁: فإنما جلدهما على جهة التعزير، لا على جهة الحد، بدليل، أنه جلد المنكح، وبالإجماع: أنه لا حد عليه. وأما النبيذ: فالفرق بينهما: أن هذا الوطء يتردد بين الزنا والوطء في النكاح الصحيح، وشبهه في الوطء بالنكاح الصحيح أكثر، بدليل: أنه يجب فيه المهر والعدة، ويلحق به النسب، وإنما يشبه الزنا بتحريم الوطء لا غير، فكان إلحاقه بالوطء في النكاح الصحيح في إسقاط الحد أولى. والنبيذ ليس له إلا أصل واحد يشبهه، وهو: الخمر، لأنه شراب فيه شدة مطربة، وليس في الأشربة ما يشبه الخمر غيره، فألحقناه به. [فرع النكاح المختلف فيه يتبعه الطلاق] ] : وإن تزوج رجل امرأة من نفسها وطلقها.. فهل يقع الطلاق عليها؟ فيه وجهان: [أحدهما] : قال أبو إسحاق: يقع عليها طلاقه، لأنه نكاح مختلف في صحته، فوقع فيه الطلاق، كما لو تزوج امرأة ودخل بها وطلقها طلاقا بائنا، ثم تزوج أختها أو عمتها- قبل انقضاء عدة الأولى - وطلقها.. فإن نكاح الثانية مختلف في صحته، لأن مذهبنا: أنه يصح، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه: أنه لا يصح. ولو طلق الثانية.. لوقع عليها الطلاق، وإن كان مختلفاً في نكاحها، فكذلك هذه مثلها. والوجه الثاني - وهو المنصوص -: (أنه لا يقع عليها طلاقه) ، لأن الطلاق قطع الملك، فإذا لم يقع هناك ملك.. لم يقع الطلاق، كما لو اشترى عبداً شراء فاسداً ثم

стр. 4504

أعتقه. ويخالف إذا تزوج امرأة ودخل بها في عدة أختها.. فإن النكاح هناك- عندنا- صحيح، فلذلك وقع عليها الطلاق، وهاهنا النكاح- عندنا- غير صحيح، فلم يقع عليها الطلاق. [فرع النكاح الموقوف على الإجازة] النكاح الموقوف على الإجازة لا يصح- عندنا - سواء كان موقوفاً على إجازة الولي، أو الزوج، أو الزوجة. فالموقوف على إجازة الولي: أن يتزوج الرجل امرأة من رجل ليس بولي لها، ويكون موقوفاً على إجازة وليها، أو تزوج الأمة نفسها أو العبد نفسه بغير إذن السيد، ويكون موقوفاً على إجازة السيد. وأما الموقوف على إجازة الزوج: فإن يزوج الرجل امرأة بغير إذنه، ويكون ذلك موقوفاً على إجازته. وأما الموقوف على إجازة الزوجة: فأن يزوج الولي امرأة - يشترط إذنها في النكاح - بغير إذنها، ويكون موقوفاً على إجارتها.. فجميع هذه الأنكحة لا تصح- عندنا - وبه قال أحمد ﵀. وقال أبو حنيفة: (تصح هذه الأنكحة، فإن أجاز ذلك الموقوف على رضاه.. لزم، وإن رده.. بطل) . وقال مالك: (يجوز أن يقف النكاح مدة قريبة، فإن تطاول الزمان.. بطل) . دليلنا: قوله ﷺ : «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها.. فنكاحها باطل» . وقوله ﷺ : «أيما عبد تزوج بغير إذن سيده.. فهو عاهر» . و: «أيما أمة نكحت بغير إذن وليها.. فنكاحها باطل» .

стр. 4505

[فرع لا توجب المرأة النكاح بالوكالة] المرأة لا تتوكل في قبول النكاح، ولا في إيجابه. قال أبو حنيفة: (إذا وكل الولي امرأة في إيجاب النكاح، أو وكلها الزوج في القبول.. صح) . دليلنا: قوله ﷺ : «لا تنكح المرأة المرأة، ولا تنكح المرأة نفسها» . وهذا عام. وروي عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة ﵃: أنهم قالوا: (المرأة لا تلي عقد النكاح) ، ولا مخالف لهم. وروي عن عائشة ﵂: أنها حضرت نكاحاً، فخطبت، ثم قالت: (اعقدوا، فإن النساء لا يعقدن النكاح) فدل على: أنه إجماع. [مسألة تزويج الأمة] إذا ثبت: أن النكاح لا يصح إلا بالولي.. فلا تخلو المنكوحة: إما أن تكون حرة أو أمة. فإن كانت أمة.. نظرت: فإن كانت أمة لرجل يلي ماله.. زوجها. وإن كانت

стр. 4506

لجماعة.. لم يصح نكاحها إلا باجتماعهم، لقوله ﷺ : «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها.. فنكاحها باطل» . ولأنه عقد على منفعتها، فكان إلى الموالي، كالإجارة. وإن كانت الأمة لامرأة.. فإنها لا تملك عقد النكاح عليها، لقوله ﷺ : «لا تنكح المرأة المرأة» . ولأنها إذا لم تملك عقد النكاح على نفسها.. فلأن لا تملك عقده على غيرها أولى، ومن الذي يعقد النكاح عليها؟ المشهور من المذهب: أنه يعقد النكاح عليها ولي مولاتها الذي يملك تزويجها وحكى صاحب" الفروع " وجهين آخرين: أحدهما: أنه لا يزوجها إلا الحاكم. والثاني: لا يصح تزويجها إلا باجتماع الحاكم وولي المولاة. والأول أصح، لأنه لا ولاية للحاكم على مالها ولا في نكاحها مع وجود الولي، فلم يكن له ولاية في إنكاح أمتها. إذا تقرر هذا: فإن كانت المولاة بالغة رشيدة.. لم يزوج وليها أمتها إلا بإذنها، سواء كانت المولاة بكراً أو ثيباً، لأنه تصرف في مالها، فلم يصح إلا بإذنها. وإن كانت المولاة صغيرة أو غير رشيدة وكان وليها أباها أو جدها، أو كانت الأمة للابن الصغير والناظر في ماله أباه أو جده.. فهل يملك تزويج أمتهما؟ فيه وجهان: [أحدهما] : من أصحابنا من قال: لا يملك لأن في ذلك تغريراً بها، لأنه قد تحبل فتموت منه. و [الثاني] : منهم من قال: يملك، وهو الصحيح، لأن في ذلك حظا لهما: لأنهما يستفيدان به ملك المهر وملك الولد. وما ذكره الأول من خوف الموت على الأمة.. فنادر، ألا ترى أن الأب يزوج ابنته بغير إذنها، وإن جاز أن تحبل فتموت من الولادة؟.

стр. 4507

وإن كان ولي الصغيرة غير الأب والجد من العصبات.. لم يجز له أن يزوج أمتها، لأنه لا ولاية له على مالها. فإن أعتقت المرأة أمتها، فإن كان للأمة المعتقة ولي من جهة النسب.. زوجها، ولا يفتقر إلى إذن المولاة المعتقة. وإن كان لا ولي للأمة المعتقة من جهة النسب.. زوجها ولي مولاتها، ولا يصح إنكاحها إلا بإذن الأمة المعتقة إن كانت من أهل الإذن، وهل يفتقر إلى إذن المولاة؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في" الإبانة "] . وإن كانت الأمة المعتقة صغيرة أو مجنونة.. لم يصح نكاحها، لأن إذنها معتبر، وليست من أهل الإذن. وإن أعتقت المولاة أمتها وماتت وخلفت أباها وابنها.. ففيمن يلي عقد النكاح على الأمة المعتقة؟ وجهان: أحدهما: يزوجها ابنها، لأن الولاء قد صار له. والثاني - وهو اختيار أبي علي الطبري -: أنه يزوجها الأب، لأن الولاء كان للمولاة فانتقل ذلك إلى أبيها، وعقد النكاح لم يكن للمولاة، وإنما كان لوليها، فلم ينتقل ذلك عن الولي إلى الابن. [فرع شراء العبد المأذون له في التجارة جارية] وإن دفع إلي عبده مالاً، وأذن له في التجارة فيه، فاشترى العبد جارية، فإن كان على المأذون له دين.. لم يزل ملك السيد عن المال والجارية التي في يد العبد. وقال أبو حنيفة: (إذا كان الدين يستغرق ما في يده.. زال ملك السيد عما في يد العبد) . دليلنا: أن قبل ثبوت الدين على العبد ملك السيد ثابت على الجارية وعلى ما في يد العبد، فلا يزول ملك السيد بتعلق حق الغرماء به، كما لو جنى العبد.. فإن ملك السيد لا يزول عنه.

стр. 4508

إذا ثبت هذا: فإن أراد السيد أن يطأ هذه الأمة أو يزوجها.. لم يجز له ذلك، لتعلق حق الغرماء بها، لأنها ربما حبلت من وطء السيد أو نقصت قيمتها بالنكاح، فلم يملك ذلك، كالمرهونة. فإذا أبرأ الغرماء العبد من الدين أو قضى الدين.. فهل للسيد وطء الأمة أو تزويجها؟ ينظر فيه: فإن حجر السيد على العبد ومنعه من التصرف.. كان له ذلك. وإن لم يقطع تصرفه ولا حجر عليه.. ففيه وجهان: أحدهما: له ذلك، وهو الأقيس، لأنها ملكه لا حق فيها لغيره، فهو كما لو حجر عليه. والثاني: ليس له ذلك، وهو ظاهر النص، لأن في ذلك تعزيراً بالناس، لأنهم يعاملونه ويداينونه ظنا منهم أن حقهم يتعلق بما في يده، وربما تلفت بذلك. [مسألة ترتيب أولياء المرأة] وإن كانت المنكوحة حرة.. فأولى الولاة بتزويجها الأب، لأن سائر الأولياء يدلون به، ولأن القصد بالولي طلب الحظ لها، والأب أشفق عليها وأطلب للحظ لها من غيره. فإن لم يكن أب، وهناك جد أبو أب، أو جد من أجداد الأب الوارثين وإن علا.. فهو أولى من الأخ. وحكي عن مالك ﵀: أنه قال: (الأخ أولى من الجد) . دليلنا: أن الجد له ولاية وتعصيب، فكان مقدماً على الأخ، كالأب. فإن قيل: هلا قلتم: إن الجد يساوي الأخ في الولاية، كما قلتم في الميراث؟ قلنا: الفرق بينهما: أن الميراث يستحق بالتعصيب المحض، ولهذا قدم الابن على الأب في الميراث، والأخ يساوي الجد في التعصيب، أو هو أقوى من الجد في

стр. 4509

التعصيب، بدليل: أنه يعصب أخواته، وإنما لم يقدم عليه في الميراث، للإجماع، فلذلك سوينا بينهما في الإرث. والولاية في النكاح تستحق بالشفقة وطلب الحظ، بدليل: أن الابن لا ولاية له على أمه، لذلك، والجد أكثر شفقة عليها من الأخ، فكان أولى. فإن عدم الأجداد من قبل الأب.. انتقلت الولاية إلى الإخوة للأب والأم، أو للأب، ثم إلى بنيهم.. ويقدمون على الأعمام وبنيهم، لأنهم يدلون بالأب، والأعمام يدلون بالجد، والأب أقرب من الجد. فإن عدم الإخوة وبنوهم.. انتقلت الولاية إلى الأعمام، ثم إلى بنيهم. ويقدمون على أعمام الأب وبنيهم، لأن الأعمام يدلون بالجد، وأعمام الأب يدلون بأبي الجد. وعلى هذا: يقدم الأقرب فالأقرب، كما قلنا في الميراث. [فرع اجتماع الوليين للمرأة] وإن اجتمع وليان أحدهما: يدلي بالأب والأم، والآخر: يدلي بالأب، كأخوين أو عمين أو ابني عم، أحدهما لأب وأم والآخر لأب.. ففيه قولان: قال في القديم: (هما سواء) - وبه قال مالك وأحمد وأبو ثور ﵏ لأن ولاية النكاح تستفاد بالانتساب إلى الأب، بدليل: أن الأخ للأم لا ولاية له في النكاح، وهما في الانتساب إلى الأب سواء، فاستويا في الولاية. وقال في الجديد: (إن المدلي بالأب والأم أولى) . وبه قال أبو حنيفة، وهو الصحيح، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] [الإسراء:٣٣] ولو قتل رجل وله أخ لأب وأم، وأخ لأب.. لكان القصاص للأخ للأب والأم دون الأخ للأب، فثبت: أنه لا ولاية له معه. ولأنه حق يستحق بالتعصيب، فقدم المدلي بالأبوين على المدلي بأحدهما، كالإرث. وهكذا القولان في التقدم في الصلاة على الميت، وفي العقل. وأما الإرث والولاء والوصية للأقرب: فإن المدلي بالأب والأم أولى قولاً واحداً.

стр. 4510

وإن اجتمع ابنا عم، أحدهما معتق أو أخ لأم.. فهل يقدم في ولاية النكاح، والصلاة على الميت، والعقل؟ فيه قولان، كأخوين أحدهما لأب وأم والآخر لأب، وإن اجتمع ابنا عم، أحدهما خال.. لم يقدم قولاً واحداً، لأنه لا مدخل للخؤولة في الميراث. [فرع اجتماع أكثر من ولي للمرأة في درجة واحدة] وإن اجتمع للمرأة أولياء في درجة واحدة، كالإخوة أو بنيهم، أو الأعمام أو بنيهم.. فالمستحب: أن يقدم أكبرهم سنا وأعلمهم وأورعهم، لما روي: أن حويصة ومحيصة دخلا على النبي ﷺ ، فبدأ محيصة بالكلام، فقال له النبي ﷺ «كبر، كبر» يعني: قدم أخاك في الكلام، لأنه أكبر سنا منك. ولأن الأكبر أخبر بالناس، فكان أولى، والأعلم أعرف بشروط العقد، والأورع أحرص على طلب الحظ لها. فإن زوجها أحدهم بإذنها من غير إذن الباقين.. صح وإن كان أصغرهم سنا، لقوله ﷺ : «إذا أنكح الوليان.. فالأول أحق» . ولأن كل واحد منهم ولي.

стр. 4511

فإن تشاحوا، وقال كل واحد منهم: أنا أزوج، ولم يقدموا الأكبر الأعلم الأورع.. أقرع بينهم لاستواء استحقاقهم في الولاية، لما روي: «أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يسافر بإحدى نسائه.. أقرع بينهن» . فإن خرجت القرعة لأحدهم فزوج، أو أذن لغيره من الأولياء الباقين أو غيرهم.. صح. وإن زوج واحد ممن لم تخرج عليه القرعة بإذن المرأة.. ففيه وجهان: أحدهما: يصح، لأن خروج القرعة لأحدهم لا يبطل ولاية الباقين، كما لو زوجها أحدهم قبل القرعة. والثاني: لا يصح، لأن الفائدة في خروج القرعة أن تتعين الولاية بمن خرجت له القرعة، فلو صححنا عقد غيره بغير إذنه.. لبطلت فائدة القرعة. [فرع تزويج المعتقة] فإن كانت المنكوحة معتقة.. زوجها وليها من النسب، ويقدم على المولى. فإن لم يكن لها ولي من النسب.. زوجها المولى المعتق، لقوله ﷺ : «الولاء لحمة، كلحمة النسب» . وقد ثبت أن النسب يستحق به ولاية النكاح، فكذلك الولاء. فإن أعتقها جماعة.. لم يصح نكاحها إلا باجتماعهم، بخلاف ما لو كان للمرأة أولياء من جهة النسب في درجة واحدة.. فإن النكاح يصح من واحد منهم بغير إذن الباقين. والفرق بينهما: أن الولاية من جهة الولاء مستحقة بالإعتاق، وكل واحد منهم أعتق بعضها، فلم يثبت له الولاء على جميعها. والولاية من جهة النسب مستحقة بالنسب، وكل واحد من أولياء النسب مناسب لها. فإن أعتق رجل جارية ومات، وخلف ابنين، فزوجها أحدهما بإذنها.. صح، لأنهما يتلقيان الولاية من أبيهما، فهما كالوليين من النسب، بخلاف ما لو أعتقاها. فإن عدم المولى المعتق.. زوجها عصباته، الأقرب فالأقرب منهم. فإن

стр. 4512

عدموا.. زوجها مولى المولى، ثم عصبة مولى المولى، كما قلنا في الميراث. فإن لم يكن للمرأة ولي من جهة النسب ولا من جهة الولاء.. زوجها السلطان، لقوله ﷺ : «السلطان ولي من لا ولي له» . [مسألة تزويج الولد أمه] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا يزوج المرأة ابنها إلا أن يكون عصبة) . وجملة ذلك: أن الابن لا ولاية له على أمه في النكاح من جهة البنوة.. وقال مالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد، وإسحاق ﵏: (يثبت له عليها ولاية النكاح بالبنوة) . واختلفوا في ترتيب ولايته: فذهب مالك وأبو يوسف وإسحاق إلى (أنه مقدم على الأب) . وذهب محمد وأحمد إلى: (أن الأب مقدم عليه) . وذهب أبو حنيفة إلى: (أنهما سواء) . دليلنا - على أنه لا ولاية له-: أن بين الابن وأمه قرابة، لا ينتسب أحدهما إلى الآخر ولا ينتسبان إلى من هو أعلى منهما، فلم يكن له عليها ولاية، كابن الأخت. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولأن ولاية النكاح إنما وضعت طلبا لحظ المرأة والإشفاق عليها، والابن يعتقد أن تزويج أمه. عار عليه، فلا يطلب لها الحظ ولا يشفق عليها، فلم يستحق الولاية عليها) . فإن كان ابنها من عصبتها، بأن كان ابن ابن عمها.. كان وليا لها في النكاح، لأنهما ينتسبان إلى من هو أعلى منهما، فجاز له تزويجها، كتزويج الأخ لأخته للأب. وإن كان لها ابنا ابن عم، أحدهما ابنها.. ففيه قولان: أحدهما: أنهما سواء.

стр. 4513

والثاني: أن ابنها أولى: كالقولين في الأخوين أحدهما لأب وأم والآخر لأب. وهكذا: إذا كان ابنها مولاها أو كان حاكماً.. فله عليها ولاية من جهة الولاء والحكم لا من جهة البنوة. [فرع لا يزوج الأخ لأم] وإن كانت له أخت لأم لا قرابة بينهما غير ذلك.. لم يملك تزويجها. وقال أبو حنيفة في إحدى الروايتين: (له تزويجها) . دليلنا: أنه لا تعصيب بينهما، فلم يملك تزويجها، كالأجنبي. [مسألة ولاية العبد والصغير والمحجور عليه] قال الشافعي ﵀: (ولا ولاية للعبد بحال) . وهذا صحيح، فلا ولاية للعبد على مناسيبه في النكاح، لأنه ناقص بالرق، بدليل: أنه لا يرث ولا يشهد، وولاية النكاح مبنية على الكمال، فلم تثبت مع وجود النقص. وكذلك لا ولاية للصغير، لأن الولي يراد لطلب الحظ للمرأة، والصبي لا معرفة له في طلب الحظ، ولهذا لا يلي التصرف في ماله. وفي المحجور عليه للسفه وجهان: أحدهما: أنه ليس بولي في النكاح، لأنه لا يملك التصرف في ماله، فلم يكن وليا في النكاح، كالصبي. والثاني: أنه ولي في النكاح، لأنه إنما حجر عليه في ماله خوفاً عليه من إضاعته، وقد أمن ذلك في تزويج وليته.

стр. 4514

[مسألة كون الولي مرشداً] قال الشافعي ﵀ في" البويطي ": (لا يكون الولي إلا مرشداً) . وقال في موضع: (وولي الكافرة كافر) ، وهذا يقتضي ثبوت الولاية لفاسق. واختلف أصحابنا في الفاسق: هل هو ولي في النكاح أم لا، على خمسة طرق: فـ[الأول] : قال الشيخ أبو حامد: الفاسق ليس بولي في النكاح قولاً واحداً. و [الثاني] : قال القفال: الفاسق ولي في النكاح قولاً واحداً. و [الثالث] : قال أبو إسحاق المروزي: إن كان الولي ممن يجبر على النكاح، كالأب والجد في تزويج البكر.. لم يصح أن يكون فاسقاً، لأنه يزوج بالولاية، والولاية لا تثبت مع الفسق، كفسق الحاكم والوصي. وإن كان ممن لا يجبر على النكاح، كمن عدا الأب والجد من الأولياء، وكتزويج الأب والجد للثيب.. صح تزويجه وإن كان فاسقاً، لأنه يزوج بإذنها، فهو كالوكيل. و [الرابع] : من أصحابنا من قال: إن كان الفاسق مبذرا في ماله.. لم يجز أن يكون وليا في النكاح. وإن كان رشيداً في أمر دنياه.. كان وليا في النكاح. و [الخامس] : من أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: أن الفاسق ولي في النكاح بكل حال- وهو قول مالك وأبي حنيفة رحمهما الله- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] [النور: ٣٢] : وهذا خطاب للأولياء، ولم يفرق: بين العدل، والفاسق: ولأن الكافر لما ملك تزويج ابنته الكافرة، والمسلم الفاسق أعلى منه.. فلأن يملك تزويج وليته أولى. والثاني: لا يصح أن يكون وليا بحال، وهو المشهور من المذهب، لما روي: أن النبي ﷺ قال «لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل» ، وفي رواية: «لا نكاح إلا بولي مرشد، أو سلطان» . وروي عن ابن عباس ﵄: أنه قال: (لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل) . ولا مخالف له. والمرشد: من

стр. 4515

أسماء المدح، والفاسق: ليس بممدوح. ولأنه تزويج في حق الغير، فنافاه الفسق في دينه، كفسق الحاكم. فقولنا: (تزويج) احتراز من ولاية القصاص. وقولنا: (في حق الغير) احتراز من تزويج الفاسق لأمته، فإنه تزويج في حقه، بدليل: أنه يجب له المهر. وقولنا: (في دينه) احتراز من تزويج الكافر لابنته الكافرة، لأنه ليس بفسق في دينه. ولأن الولي إنما اشترط في العقد لئلا تحمل المرأة شهوتها على أن تضع نفسها في غير كفء، أو تزوج نفسها في العدة، فيلحق العار بأهلها، وهذا المعنى موجود في الفاسق، لأنه لا يؤمن أن يحمله فسقه على أن يضع المرأة في أحضان غير كفء، أو يزوجها في العدة، فيلحق العار بأهلها، فلم يجز أن يكون وليا. وأما الآية: فلا نسلم له أنها تنصرف إلى الفاسق، لأنه ليس بولي عندنا، وإن سلمنا.. فإنها مخصوصة بالخبر.. وأما الكافر: فإنما يصح أن يزوج ابنته الكافرة إذا كان رشيداً في دينه، لأنه مقر عليه، بخلاف الفاسق. إذا ثبت هذا: وقلنا الفاسق ليس بولي.. فقد قال المسعودي [في" الإبانة "] : واختلف أصحابنا في الفسق الذي يخرجه عن ولاية النكاح: فمنهم من قال: شرب الخمر فحسب، لأنه إذا كان يشربها.. فإنه يميل إلى من هو في مثل حاله. ومنهم من قال: جميع الفسق بمثابته. [فرع تأثير السفه والضعف على الولاية] قال الشافعي ﵀: (فإن كان الولي سفيها، أوضعيفا، غير عالم بموضع الحظ، أو سقيماً مؤلماً، أو به علة تخرجه عن الولاية.. فهو كمن مات، فإذا صلح.. صار وليا) . قال أصحابنا: أما (السفيه) : ففيه تأويلان: أحدهما: أنه أراد المبذر المفسد لماله، فحجر عليه لذلك.

стр. 4516

و [الثاني] : قيل: بل أراد الذي حجر عليه بجنونه. وأما (الضعيف) : فله تأويلان أيضاً: أحدهما: أنه أراد الصغير. والثاني: أنه أراد به الشيخ الذي قد ضعف نظره عن معرفة موضع الحظ لها. وأما (السقيم) : فمن كان به سقم شديد قد نقص نظره وأخرجه عن طلب الحظ لها. وأما (المؤلم) : فهو صفة للسقيم، وهو السقيم الذي اشتد به الألم إلى أن أخرجه عن النظر. وروي: (أو سقيما موليا) فيكون معناه: السقيم الذي صار موليا عليه من قلة تمييزه. وأما الذي (به علة) : فالمراد به إذا قطعت يده، أو رجله، أو أصابه جرح عظيم أخرجه عن حد التمييز، فلأن ولايته تزول. فإن زالت هذه الأسباب.. عادت ولايته، لأن المانع وجود هذه الأسباب، فزال المنع بزوالها. [فرع فقدان الأهلية في وقت دون آخر وولاية السكران والأخرس] قال الطبري: إذا كان الولي يجن يوماً، ويفيق يوماً، أو يغمى عليه يوماً، ويفيق يوماً.. فهل يخرجه ذلك عن الولاية؟ فيه وجهان. وأما السكران: فإن قلنا: إن الفاسق ليس بولي.. فهذا فاسق. وإن قلنا الفاسق ولي.. فهل يخرج السكران عن الولاية؟ فيه وجهان كالمجنون غير المطبق.

стр. 4517

والإحرام بالحج، هل يخرجه من الولاية؟ فيه وجهان أيضاً. فإن قلنا: يخرجه.. زوج من دونه من الأولياء. وإن قلنا: لا يخرجه.. زوجها السلطان. وأما الأخرس: إذا كانت له إشارة مفهومة.. كان وليا في النكاح. وإن لم تكن له إشارة مفهومة.. فليس بولي في النكاح. [فرع ولاية الأعمى في النكاح] وهل يصح أن يكون الأعمى وليا في النكاح؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح، لأنه قد يحتاج إلى النظر في اختيار الزوج لها، لئلا يزوجها بمعيب، أو دميم. والثاني: يصح، وهو الصحيح، لأن شعيباً ﵇ كان أعمى، وزوج ابنته من موسى ﵊. [مسألة ولي الكافرة كافر] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وولي الكافرة كافر، ولا يكون المسلم وليا لكافرة إلا على أمته) . وجملة ذلك: أنه إذا كان للكافر ابنة مسلمة.. فإنه لا ولاية له عليها، فإن كان لها ولي مسلم.. زوجها، وإلا.. زوجها الحاكم، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] الآية [التوبة: ٧١] : وروي: «أن النبي ﷺ لما أراد أن يتزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄، وكانت مسلمة، وأبو سفيان كافراً.. وكل النبي ﷺ عمرو بن أمية الضمري، فتزوجها له من ابن عمها خالد بن سعيد بن العاص، وكان مسلماً» .

стр. 4518

وإن كان للمسلم ابنة كافرة.. فلا ولاية له عليها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] [الأنفال:٧٣] :، فدل على: أنه لا ولاية للمسلم عليها.. فإن كان لها ولي كافر.. زوجها، للآية. وإن لم يكن لها ولي كافر.. زوجها الحاكم لقوله ﷺ : «فالسلطان ولي من لا ولي له» ، ولم يفرق. ولأن ولايته عامة، فدخلت فيها المسلمة والكافرة. وإن كان للمسلم أمة كافرة.. فهل له عليها ولاية في النكاح؟ فيه وجهان: [أحدهما] : من أصحابنا من قال: له عليها ولاية، وهو المنصوص، لأنها ولاية مستفادة بالملك، فلم يمنع اختلاف الدين منها، كالفسق لما لم يؤثر في منع تزويج أمته، فكذلك كفرها. و [الثاني] : منهم من قال: ليس بولي لها، لأنه إذا لم يملك تزويج ابنته الكافرة.. فلأن لا يملك تزويج أمته الكافرة أولى. وحمل النص على الولاية في عقد البيع والإجارة.. والأول أصح. وإن كان للكافر أمة مسلمة.. فهل له أن يزوجها؟ قال ابن الصباغ: فيه وجهان، كما قلنا في تزويج المسلم لأمته الكافرة. [مسألة تقديم الأولى في الولاية] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا ولاية لأحد، وثم أولى منه) . وجملة ذلك: أنه إذا كان للمرأة وليان، أحدهما أقرب من الآخر.. فإن الولاية للأقرب، فإن زوجها من بعد..لم يصح. وقال مالك ﵀: (يصح) .

стр. 4519

دليلنا: أنه حق مستحق بالتعصيب، فلم يثبت للأبعد مع الأقرب، كالميراث. فإن خرج الولي الأقرب عن أن يكون وليا، باختلاف الدين، أو الفسق، أو الجنون، أو الصغر.. انتقلت الولاية إلى الولي الأبعد، لـ: (أن النبي ﷺ تزوج أم حبيبة من ابن عمها مع وجود أبيها، لكون أبيها كافراً) ، فإذا ثبت ذلك في الكفر.. كان في الفسق والجنون والصغر مثله، لأن الجميع يمنع ثبوت ولاية النكاح. وإن أعتق رجل أمة ومات، وخلف ابنا صغيراً، وأخا لأب كبيراً، وأرادت الجارية النكاح، ولا مناسب لها،.. فلا أعلم فيها نصاً، والذي يقتضي المذهب: أن ولاية نكاحها لأخ المعتق، لأن الولاية في الولاء فرع على ولاية النسب، وولاية ابنة الميت لأخيه ما دام الابن صغيراً، وكذلك ولاية المعتقة. [فرع تعود الولاية بزوال سبب قطعها] وإن زال السبب الذي أوجب قطع الولاية في الأقرب.. عادت ولايته، لأن المانع قد زال. فإن كان الولي الأبعد قد زوجها قبل زوال المانع.. صح النكاح. وإن كان زوجها الأبعد بعد زوال المانع، وبعد علمه بزوال المانع.. لم يصح، كما لو باع الوكيل ما وكل في بيعه بعد العزل، وبعد علمه بالعزل. وإن زوج بعد زوال المانع، وقبل علمه بزواله.. ففيه وجهان، بناء على القولين في الوكيل إذا باع بعد العزل وقبل علمه بالعزل. [فرع يزوج الحاكم عند امتناع الولي من الكفء] فإن دعت المرأة أن تزوج بكفء، فامتنع الولي.. زوجها الحاكم، ولا تنتقل الولاية إلى من بعد العاضل من الأولياء، لقوله ﷺ : «فإن اشتجروا.. فالسلطان ولي من لا ولي له» ولأن النكاح حق لها، فإذا تعذر ذلك من جهة وليها.. كان على الحاكم استيفاؤه، كما لو كان لها على رجل دين، فامتنع من بذله.. فإن الحاكم ينوب عنه في الدفع من مال الممتنع.

стр. 4520

[مسألة تزويج السلطان عند مغيب الولي] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فإن كان أولاهم بها مفقوداً، أو غائبا غيبة بعيدة كانت أو قريبة.. زوجها السلطان) . وجملة ذلك: أنه إذا كان للمرأة أب وجد، فغاب الأب، وحضر الجد ودعت المرأة إلى تزويجها لكفء.. نظرت: فإن كان الأب مفقوداً، بأن انقطع خبره، ولا يعلم أنه حي أو ميت.. فإن الولاية لا تنتقل إلى الجد، وإنما يزوجها السلطان، لأن ولاية الأب باقية عليها، بدليل: أنه لو زوجها في مكانه.. لصح، وإنما تعذر ذلك لغيبته، فناب عنه الحاكم، كما لو غاب وعليه دين.. فإن الحاكم ينوب عنه في الدفع من ماله دون الأب. وإن غاب الأب غيبة غير منقطعة، بأن يعلم أنه حي.. نظرت: فإن كان على مسافة تقصر إليها الصلاة.. جاز للسلطان تزويجها، لأن في استئذانه مشقة، فصار كالمفقود. وإن كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة.. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: يجوز للحاكم تزويجها، وهو المذهب، لأن في استئذانه إلحاق مشقة، فهو كما لو كان على مسافة القصر. ومنهم من قال: لا يجوز له تزويجها، لأنه في حكم الحاضر، بدليل: أنه لا يجوز له القصر والفطر، فهو كما لو كان في البلد. هذا مذهبنا، وبه قال زفر. وحكى ابن القاص قولا آخر: أن الولاية تنتقل إلى من بعده من الأولياء.. وليس بمشهور. وقال أبو حنيفة، ومحمد، وأحمد ﵏: (إن غاب الأب غيبة منقطعة.. جاز للجد تزويجها، وإن كانت غيبته غير منقطعة.. لم يجز للجد تزويجها) . واختلف أصحاب أبي حنيفة في حد المنقطعة:
следующие страницы →