← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

و [الثاني] : قيل: بل أراد الذي حجر عليه بجنونه. وأما (الضعيف) : فله تأويلان أيضاً: أحدهما: أنه أراد الصغير. والثاني: أنه أراد به الشيخ الذي قد ضعف نظره عن معرفة موضع الحظ لها. وأما (السقيم) : فمن كان به سقم شديد قد نقص نظره وأخرجه عن طلب الحظ لها. وأما (المؤلم) : فهو صفة للسقيم، وهو السقيم الذي اشتد به الألم إلى أن أخرجه عن النظر. وروي: (أو سقيما موليا) فيكون معناه: السقيم الذي صار موليا عليه من قلة تمييزه. وأما الذي (به علة) : فالمراد به إذا قطعت يده، أو رجله، أو أصابه جرح عظيم أخرجه عن حد التمييز، فلأن ولايته تزول. فإن زالت هذه الأسباب.. عادت ولايته، لأن المانع وجود هذه الأسباب، فزال المنع بزوالها. [فرع فقدان الأهلية في وقت دون آخر وولاية السكران والأخرس] قال الطبري: إذا كان الولي يجن يوماً، ويفيق يوماً، أو يغمى عليه يوماً، ويفيق يوماً.. فهل يخرجه ذلك عن الولاية؟ فيه وجهان. وأما السكران: فإن قلنا: إن الفاسق ليس بولي.. فهذا فاسق. وإن قلنا الفاسق ولي.. فهل يخرج السكران عن الولاية؟ فيه وجهان كالمجنون غير المطبق.

стр. 4517

والإحرام بالحج، هل يخرجه من الولاية؟ فيه وجهان أيضاً. فإن قلنا: يخرجه.. زوج من دونه من الأولياء. وإن قلنا: لا يخرجه.. زوجها السلطان. وأما الأخرس: إذا كانت له إشارة مفهومة.. كان وليا في النكاح. وإن لم تكن له إشارة مفهومة.. فليس بولي في النكاح. [فرع ولاية الأعمى في النكاح] وهل يصح أن يكون الأعمى وليا في النكاح؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح، لأنه قد يحتاج إلى النظر في اختيار الزوج لها، لئلا يزوجها بمعيب، أو دميم. والثاني: يصح، وهو الصحيح، لأن شعيباً ﵇ كان أعمى، وزوج ابنته من موسى ﵊. [مسألة ولي الكافرة كافر] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وولي الكافرة كافر، ولا يكون المسلم وليا لكافرة إلا على أمته) . وجملة ذلك: أنه إذا كان للكافر ابنة مسلمة.. فإنه لا ولاية له عليها، فإن كان لها ولي مسلم.. زوجها، وإلا.. زوجها الحاكم، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] الآية [التوبة: ٧١] : وروي: «أن النبي ﷺ لما أراد أن يتزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄، وكانت مسلمة، وأبو سفيان كافراً.. وكل النبي ﷺ عمرو بن أمية الضمري، فتزوجها له من ابن عمها خالد بن سعيد بن العاص، وكان مسلماً» .

стр. 4518

وإن كان للمسلم ابنة كافرة.. فلا ولاية له عليها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] [الأنفال:٧٣] :، فدل على: أنه لا ولاية للمسلم عليها.. فإن كان لها ولي كافر.. زوجها، للآية. وإن لم يكن لها ولي كافر.. زوجها الحاكم لقوله ﷺ : «فالسلطان ولي من لا ولي له» ، ولم يفرق. ولأن ولايته عامة، فدخلت فيها المسلمة والكافرة. وإن كان للمسلم أمة كافرة.. فهل له عليها ولاية في النكاح؟ فيه وجهان: [أحدهما] : من أصحابنا من قال: له عليها ولاية، وهو المنصوص، لأنها ولاية مستفادة بالملك، فلم يمنع اختلاف الدين منها، كالفسق لما لم يؤثر في منع تزويج أمته، فكذلك كفرها. و [الثاني] : منهم من قال: ليس بولي لها، لأنه إذا لم يملك تزويج ابنته الكافرة.. فلأن لا يملك تزويج أمته الكافرة أولى. وحمل النص على الولاية في عقد البيع والإجارة.. والأول أصح. وإن كان للكافر أمة مسلمة.. فهل له أن يزوجها؟ قال ابن الصباغ: فيه وجهان، كما قلنا في تزويج المسلم لأمته الكافرة. [مسألة تقديم الأولى في الولاية] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا ولاية لأحد، وثم أولى منه) . وجملة ذلك: أنه إذا كان للمرأة وليان، أحدهما أقرب من الآخر.. فإن الولاية للأقرب، فإن زوجها من بعد..لم يصح. وقال مالك ﵀: (يصح) .

стр. 4519

دليلنا: أنه حق مستحق بالتعصيب، فلم يثبت للأبعد مع الأقرب، كالميراث. فإن خرج الولي الأقرب عن أن يكون وليا، باختلاف الدين، أو الفسق، أو الجنون، أو الصغر.. انتقلت الولاية إلى الولي الأبعد، لـ: (أن النبي ﷺ تزوج أم حبيبة من ابن عمها مع وجود أبيها، لكون أبيها كافراً) ، فإذا ثبت ذلك في الكفر.. كان في الفسق والجنون والصغر مثله، لأن الجميع يمنع ثبوت ولاية النكاح. وإن أعتق رجل أمة ومات، وخلف ابنا صغيراً، وأخا لأب كبيراً، وأرادت الجارية النكاح، ولا مناسب لها،.. فلا أعلم فيها نصاً، والذي يقتضي المذهب: أن ولاية نكاحها لأخ المعتق، لأن الولاية في الولاء فرع على ولاية النسب، وولاية ابنة الميت لأخيه ما دام الابن صغيراً، وكذلك ولاية المعتقة. [فرع تعود الولاية بزوال سبب قطعها] وإن زال السبب الذي أوجب قطع الولاية في الأقرب.. عادت ولايته، لأن المانع قد زال. فإن كان الولي الأبعد قد زوجها قبل زوال المانع.. صح النكاح. وإن كان زوجها الأبعد بعد زوال المانع، وبعد علمه بزوال المانع.. لم يصح، كما لو باع الوكيل ما وكل في بيعه بعد العزل، وبعد علمه بالعزل. وإن زوج بعد زوال المانع، وقبل علمه بزواله.. ففيه وجهان، بناء على القولين في الوكيل إذا باع بعد العزل وقبل علمه بالعزل. [فرع يزوج الحاكم عند امتناع الولي من الكفء] فإن دعت المرأة أن تزوج بكفء، فامتنع الولي.. زوجها الحاكم، ولا تنتقل الولاية إلى من بعد العاضل من الأولياء، لقوله ﷺ : «فإن اشتجروا.. فالسلطان ولي من لا ولي له» ولأن النكاح حق لها، فإذا تعذر ذلك من جهة وليها.. كان على الحاكم استيفاؤه، كما لو كان لها على رجل دين، فامتنع من بذله.. فإن الحاكم ينوب عنه في الدفع من مال الممتنع.

стр. 4520

[مسألة تزويج السلطان عند مغيب الولي] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فإن كان أولاهم بها مفقوداً، أو غائبا غيبة بعيدة كانت أو قريبة.. زوجها السلطان) . وجملة ذلك: أنه إذا كان للمرأة أب وجد، فغاب الأب، وحضر الجد ودعت المرأة إلى تزويجها لكفء.. نظرت: فإن كان الأب مفقوداً، بأن انقطع خبره، ولا يعلم أنه حي أو ميت.. فإن الولاية لا تنتقل إلى الجد، وإنما يزوجها السلطان، لأن ولاية الأب باقية عليها، بدليل: أنه لو زوجها في مكانه.. لصح، وإنما تعذر ذلك لغيبته، فناب عنه الحاكم، كما لو غاب وعليه دين.. فإن الحاكم ينوب عنه في الدفع من ماله دون الأب. وإن غاب الأب غيبة غير منقطعة، بأن يعلم أنه حي.. نظرت: فإن كان على مسافة تقصر إليها الصلاة.. جاز للسلطان تزويجها، لأن في استئذانه مشقة، فصار كالمفقود. وإن كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة.. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: يجوز للحاكم تزويجها، وهو المذهب، لأن في استئذانه إلحاق مشقة، فهو كما لو كان على مسافة القصر. ومنهم من قال: لا يجوز له تزويجها، لأنه في حكم الحاضر، بدليل: أنه لا يجوز له القصر والفطر، فهو كما لو كان في البلد. هذا مذهبنا، وبه قال زفر. وحكى ابن القاص قولا آخر: أن الولاية تنتقل إلى من بعده من الأولياء.. وليس بمشهور. وقال أبو حنيفة، ومحمد، وأحمد ﵏: (إن غاب الأب غيبة منقطعة.. جاز للجد تزويجها، وإن كانت غيبته غير منقطعة.. لم يجز للجد تزويجها) . واختلف أصحاب أبي حنيفة في حد المنقطعة:

стр. 4521

فمنهم من قال: من الرقة إلى البصرة. ومنهم من قال: من بغداد إلى الري. وقال محمد: إذا سافر من إقليم إلى إقليم، كمن يسافر من الكوفة إلى بغداد.. فهي منقطعة، وإذا كان في إقليم واحد.. فهي غير منقطعة. ومنهم من قال: (المنقطعة) : التي لا تجيء منها القافلة في السنة إلا مرة واحدة. دليلنا: أن كل ولاية لم تنقطع بالغيبة القريبة.. لم تنقطع بالغيبة البعيدة، كولاية المال. إذا ثبت هذا: فإن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال: (وإذا غاب الولي، وأراد الحاكم تزويجها.. استحب له أن يستدعي عصباتها، وإن لم يكونوا أولياء، فإن لم يكن لها عصبات.. فذوي الأرحام والقرابات لها، فيسألهم عن حال الزوج، ويستشيرهم في أمره، لتستطيب بذلك نفوسهم) ، لما روي: «أن النبي ﷺ أمر نعيماً أن يشاور أم ابنته في تزويجها» ، وإن لم يكن لها ولاية. فإن قالوا: إنه كفء.. زوجها. قال الشيخ أبو إسحاق: ويستحب له أن يأذن لمن تنتقل الولاية إليه ليزوجها، ليخرج من الخلاف. فإن زوجها الحاكم بنفسه، أو أذن لأجنبي أن يزوجها، ولم يشاورهم.. صح ذلك لأن الولاية له. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا يزوجها ما لم يشهد شاهدان: أنه ليس لها ولي حاضر، وليست في نكاح أحد ولا عدته) .

стр. 4522

قال المسعودي [في: " الإبانة "] : فمن أصحابنا من قال: هذا واجب. ومنهم من قال: هذا مستحب. [مسألة إجبار الولي على النكاح] وأما الإجبار على النكاح: فلا تخلو المنكوحة: إما أن تكون حرة، أو أمة. فإن كانت حرة.. نظرت: فإن كانت عاقلة، فلا تخلو: إما أن تكون بكراً، أو تكون ثيباً. فإن كانت بكراً، فلا تخلو: إما أن تكون صغيرة، أو كبيرة، فإن كانت صغيرة.. جاز للأب تزويجها بغير إذنها، بلا خلاف، والدليل عليه: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] [الطلاق: ٤] . وتقديره: وكذلك عدة اللائي لم يحضن، وإنما يجب على الزوجة الاعتداد من الطلاق بعد الوطء، فدل على: أن الصغيرة التي لم تحض يصح نكاحها، ولا جهة يصح نكاحها معها إلا أن يزوجها أبوها. وروت عائشة ﵂ قالت: «تزوجني رسول الله ﷺ وأنا ابنة سبع سنين، ودخل بي وأنا ابنة تسع سنين» ، ومعلوم أنه لم يكن لإذنها حكم في تلك الحال، فعلم أن أباها زوجها بغير إذنها. ويجوز للأب والجد إجبارها على النكاح، ولا يجوز لغيرهما من الأولياء تزويجها قبل أن تبلغ. وقال مالك ﵀: (لا يجوز للجد) . وقال أبو حنيفة: (يجوز للأب، والجد، وسائر العصبات، والحاكم إجبارها

стр. 4523

على النكاح، إلا أنها إذا زوجها غير الأب والجد. ثبت لها الخيار في فسخ النكاح إذا بلغت) . دليلنا على مالك - رحمة الله عليه: - أن للجد ولاية وتعصيباً، فجاز له إجبار البكر، كالأب. وعلى أبي حنيفة: «ما روى ابن عمر ﵄ قال: زوجني خالي قدامة بن مظعون ابنة أخيه عثمان بن مظعون، فجاء المغيرة بن شعبة إلى أمها، فأرغبها في المال، فمالت إليه، وزهدت في، فقالت أمها: يا رسول الله بنتي تكره ذلك، فقال قدامة: يا رسول الله أنا عمها، ووصي أبيها، وقد زوجتها من عبد الله بن عمر ﵄، وقد عرفت فضله وقرابته، وما نقموا منه إلا أنه لا مال له، فقال رسول الله ﷺ : " إنها يتيمة، وإنها لا تنكح إلا بإذنها» . ولأن غير الأب والجد لا يلي مالها بنفسه، فلم يملك إجبارها على النكاح، كالأجنبي. إذا ثبت هذا: فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في القديم: (أستحب للأب أن لا يزوجها حتى تبلغ، لتكون من أهل الإذن، لأنه يلزمها بالنكاح حقوق) . قال الصيمري: وإذا قاربت البلوغ، وأراد تزويجها.. فالمستحب أن يرسل إليها نساء ثقات وينظرن ما عندها. وإن كانت البكر بالغا.. فللأب والجد إجبارها على النكاح، وإن أظهرت الكراهية. وبه قال ابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق ﵏ تعالى.

стр. 4524

وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (للأب إجبارها دون الجد) . وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، والأوزاعي: (لا يجوز لأحد إجبارها) . دليلنا- على مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أن الجد له تعصيب وولاية، فملك إجبار البكر على النكاح، كالأب. وعلى أبي حنيفة: قوله ﷺ : «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها» ، فلما جعل النبي ﷺ الثيب أحق بنفسها من وليها.. دل على: أن الولي أحق بالبكر. والمراد بالولي هاهنا الأب والجد، بدليل قوله ﷺ : «اليتيمة تستأمر في نفسها، فإن صمتت.. فهو إذنها، وإن أبت.. فلا جواز عليها» وأراد باليتيمة: التي لا أب لها، وسماها يتيمة بعد البلوغ استصحاباً لاسمها

стр. 4525

قبل البلوغ، فلما أوجب استئذان اليتيمة.. دل على: أن غير اليتيمة لا تستأذن، ومن لها أب أو جد.. فليست بيتيمة. إذا ثبت هذا: فإن زوج الأب أو الجد البكر البالغ.. فالمستحب لهما: استئذانها، وإذنها صماتها، للخبر، ولأنها تستحيي أن تأذن بالنطق. فإن لم يستأذناها.. جاز، لأن النبي ﷺ قال: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن» فقصد بذلك التفرقة بينهما، فلو قلنا: إن استئذان البكر واجب.. لما كان بينهما فرق. وإن زوج البكر البالغ غير الأب والجد من الأولياء.. لم يصح حتى تستأذن، وهو إجماع لا خلاف فيه.. وفي إذنها وجهان: أحدهما: لا يحصل إلا بنطقها، لأن كل من يفتقر نكاحها إلى إذنها.. افتقر إلى نطقها مع قدرتها على النطق، كالثيب. والثاني- وهو المذهب -: أنها إذا استؤذنت، فصمتت.. كان ذلك إذنا منها في النكاح، لقوله ﷺ : «اليتيمة تستأمر في نفسها، فإن صمتت.. فهو إذنها» . ولأنها تستحيي أن تأذن بالنطق، بخلاف الثيب. قال أصحابنا المتأخرون: فإن استأذنها وليها في أن يزوجها بأقل من مهر مثلها، أو بغير نقد البلد، فصمتت.. لم يكن ذلك إذنا منها في ذلك، لأن ذلك مال، فلا يكون صموتها إذنا فيه.. كما لو استأذنها في بيع مالها فصمتت، بخلاف النكاح. وإن كانت المنكوحة ثيباً، نظرت:

стр. 4526

فإن ذهبت بكارتها بالوطء في نكاح أو ملك أو شبهة، فإن كانت بالغة.. لم يجز لأحد من الأولياء إجبارها على النكاح، سواء كان الولي أبا أو جداً أو غيرهما، لما روي: «أن خنساء بنت خدام الأنصارية زوجها أبوها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فرد النبي ﷺ نكاحها» . وروي: «أن النبي ﷺ قال: "ليس للولي مع الثيب أمر» . قال الشيخ أبو حامد: وهو إجماع لا خلاف فيه. ولا يصح نكاحها إلا بإذنها، ولا يصح إذنها بنطقها مع قدرتها على النطق، لقوله ﷺ : «والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها» ، فلما جعل إذن البكر الصمت.. دل على: أن إذن الثيب النطق. فإن كانت خرساء، وأشارت إلى الإذن بما يفهم منها.. صح تزويجها. وإن كانت الثيب صغيرة.. لم يجز لأحد من الأولياء تزويجها قبل البلوغ، سواء كان الولي أبا، أو جداً، أو غيرهما. وقال أبو حنيفة وأصحابه: (يجوز للأب والجد وغيرهما من الأولياء إجبارها على النكاح) .، و (الإجبار) : عندهم يختلف بصغر المنكوحة وكبرها، وعندنا: يختلف ببكارتها وثيوبتها. دليلنا: قوله ﷺ : «ليس للولي مع الثيب أمر» . ولم يفرق. ولأنها حرة سليمة

стр. 4527

ذهبت بكارتها بجماع، فلم تجبر على النكاح، كالثيب الكبيرة. وقولنا: (حرة) احتراز من الأمة. وقولنا: (سليمة) احتراز من المجنونة. وقولنا: (بجماع) احتراز ممن ذهبت بكارتها بوثبة أو تعنيس. [فرع ذهاب عذرة المرأة واعتبار إذنها] وإن ذهبت بكارتها بالزنا.. فهو كما لو ذهبت بكارتها بالجماع في النكاح، فيكون حكمها حكم الثيب في الإذن. وقال أبو حنيفة: (حكمها حكم البكر) . دليلنا: أنها حرة سليمة، ذهبت بكارتها بجماع، فهو كما لو ذهبت بكارتها بنكاح. وإن ذهبت بكارتها بوثبة أو تعنيس.. ففيه وجهان: أحدهما: حكمها حكم الموطوءة بالنكاح، لأنها ثيب. والثاني: حكمها حكم البكر في الإذن، وهو المذهب، لأن الثيب إنما اعتبر إذنها بالنطق، لذهاب الحياء بالوطء، وهذا الحياء لا يذهب بغير الوطء، بخلاف الزانية، فإنها إذا لم تستح من مباضعة الرجال على الزنا والإقدام عليه.. لم تستح من النطق بالإذن. قال الصيمري: وإن خلقت المرأة لا بكارة لها.. فهي كالبكر. وإن ادعت المرأة البكارة، أو الثيوبة.. قال الصيمري ": فالقول قولها، ولا يكشف عن الحال، لأنها أعلم بحالها.

стр. 4528

[فرع ادعاء المزوجة وجود مانع كالرضاع] قال ابن الحداد: إذا زوج الرجل ابنته البكر البالغ بغير إذنها، فلما بلغها ذلك.. قالت: أنا أخته من الرضاع - تعني: الزوج - أو تزوجني أبوه قبله، أو غير ذلك من الأسباب المحرمة.. فالقول قولها مع يمينها، ويبطل النكاح. وإن كانت ثيبا فزوجها وليها بإذنها، أو زوجها أبوها وهي بكر بغير إذنها فمكنت الزوج من وطئها، ثم ذكرت سببا يوجب التحريم.. لم يقبل قولها، كما قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فيمن ضل له عبد، فأخذه الحاكم، ورأى المصلحة في بيعه فباعه، أو باعه الحاكم بدين عليه وهو غائب، ثم قدم وادعى: أنه كان قد أعتقه قبل ذلك.. قبل قوله فيه مع يمينه، ولو باعه المالك بنفسه، أو باعه الحاكم عليه- وهو حاضر -لدين عليه امتنع منه، ثم ادعى بعد البيع: أنه كان أعتقه أو أوقفه.. لم يقبل قوله في ذلك. فمن أصحابنا من صوب ابن الحداد، ومنهم من خطأه وقال: لا يقبل قولها بحال، لأن لها غرضا في أعيان الأزواج، وربما كرهت زوجها وطلبت غيره، فلا تصدق على ما يوجب بطلان نكاحها، كما إذا أقر العبد بجناية خطأ، أو إتلاف مال.. فإنه لا يقبل. [فرع يثبت النكاح بتصادق الزوجين فحسب] قال ابن الحداد: وإن قالت امرأة وهي بالغة عاقلة: زوجني أبي زيدا بشهادة شاهدين، وصادقها زيد على ذلك، فأنكر الأب أو الشاهدان ذلك.. لم يلتفت إلى إنكار الأب والشاهدين، لأن الحق للزوجين، ولا حق للأب ولا للشاهدين في ذلك فهو كما لو قال رجل: باع وكيلي داري من فلان، وادعاه المشتري، فأنكر الوكيل.. لم يلتفت إلى إنكاره، فكذلك هذا مثله. قال القاضي أبو الطيب: هذا على قول الشافعي الجديد: (إن النكاح يثبت

стр. 4529

بتصادق الزوجين) . وهو المشهور. وأما على القول القديم: (فإنه لا يثبت بتصادقهما إلا إن كانا غريبين) . [فرع إنكاح المجنونة] وإن كانت المنكوحة مجنونة، فإن كان وليها أباها أو جدها.. زوجها على أية صفة كانت، صغيرة كانت أو كبيرة، بكرا كانت أو ثيبا، لأنهما يملكان إجبارها على النكاح، وإنما لم يجز لهما تزويج الثيب الصغيرة العاقلة، لأنه يرجى لها أن تبلغ وتأذن، ولم يجز لهما تزويج الثيب البالغة إلا بإذنها، لأنها من أهل الإذن، والمجنونة ليست من أهل الإذن، ولا يرجى لها حال تصير فيه من أهل الإذن. وإن كان وليها غير الأب والجد من العصبات.. لم يملك تزويجها، لأن تزويجها إجبار، وهم لا يملكون إجبارها على النكاح. وإن كان وليها الحاكم.. قال الشيخ أبو حامد: بأن لا يكون لها ولي مناسب، أو كان لها ولي مناسب غير الأب والجد.. فإنهم لا ولاية لهم عليها في هذه الحالة، وتنتقل الولاية إلى الحاكم. فإن كانت صغيرة.. لم يجز للحاكم تزويجها، لأنه لا حاجة بها إلى التزويج في هذه الحال. وإن كانت كبيرة.. جاز له تزويجها، لأن لها في ذلك حظا، لأنها تحتاج إليه للعفة، ويكسبها غناء، وربما كان لها فيه شفاء. والفرق بين الحاكم وبين غير الأب والجد من العصبات: أن الحاكم يزوجها حكما، ولهذا يجوز له التصرف في مالها، والعصبات غير الأب والجد يزوجونها بالولاية، ولا ولاية لهم عليها، هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال الخراسانيون: المجنونة المطبقة إن كانت بكرا.. فللأب والجد تزويجها صغيرة كانت أو كبيرة. وإن كانت ثيبا، فإن بلغت مجنونة.. فلهما ذلك، وإن بلغت عاقلة ثم جنت.. فهل لهما تزويجها؟ فيه وجهان، بناء على أنه: هل تعود ولاية المال لهما؟ وفيه وجهان. وإن كانت صغيرة ثيبا.. فوجهان.

стр. 4530

وإن كان جنونها غير مطبق وهي ثيب.. فهل لهما تزويجها في يوم الجنون؟ على وجهين. فأما غير الأب والجد من العصبات.. فليس له تزويجها بحال، وللحاكم أن يزوجها إذا كانت بالغة، وهل يستأذن الحاكم غيره من العصبات؟ فيه وجهان. [فرع إنكاح الأمة] وإن كانت المنكوحة أمة.. فللمولى أن يزوجها بغير إذنها، صغيرة كانت أو كبيرة، عاقلة كانت أو مجنونة، ثيبا كانت أو بكرا، لأنه يملك ذلك عليها بحق الملك، فملكه عليها بكل حال، كالإجارة. فإن دعت الأمة المولى إلى إنكاحها وامتنع، فإن كان يملك وطأها.. لم يجبر على إنكاحها، لأن عليه ضررا في ذلك، وهو زوال استمتاعه بها. وإن كانت لا يحل له وطؤها، كأخته من النسب أو الرضاع.. فهل يجبر على إنكاحها؟ فيه وجهان. أحدهما: لا يجبر، لأنها تنقص قيمتها بالنكاح. والثاني: يجبر، لأنه لا يملك الاستمتاع بها، ولا ضرر عليه في إنكاحها، بل يحصل له المهر وملك الولد. وإن كانت الجارية لامرأة، فطلبت الأمة الإنكاح، فامتنعت مولاتها.. فينبغي أن يكون في إجبارها وجهان، كما لو كانت لرجل لا يملك استمتاعها. وحكم المدبرة والمعتقة بصفة حكم الأمة القنة في ذلك. [فرع إنكاح المبعضة] وإن كانت له أمة نصفها حر، ونصفها مملوك.. فلا يملك المولى إجبارها على النكاح لما فيها من الحرية، ولا يجوز لها أن تتزوج بغير إذن مالك نصفها، لما فيها من الرق.. فإن دعت إلى الإنكاح، وامتنع مالك نصفها.. فهل يجبر؟ قال ابن الصباغ: ينبغي أن تكون على وجهين، كالتي لا تحل له.

стр. 4531

ومن الذي يتولى عقد النكاح عليها؟ قال ابن الحداد: يزوجها مالك نصفها برضا وليها من النسب، فإن كان وليها من النسب أباها أو جدها وكانت بكرا.. زوجها مالك نصفها برضا أبيها أو جدها، ولا يفتقر إلى رضاها. وإن كانت ثيبا، أو كان وليها من النسب غير الأب والجد من العصبات.. لم يزوجها مالك نصفها إلا برضا وليها من النسب ورضاها، وإن لم يكن لها ولي من النسب.. لم يزوجها مالك نصفها إلا برضاها ورضا معتقها، لأن المالك لا حق له إلا في نصفها المملوك. وقال أصحابنا: هذا على القول الذي يقول: إن من نصفها حر، ونصفها مملوك يرث عنها عصبتها ما ملكته بنصفها الحر. فأما على القول الذي يقول: إن ما ملكته بنصفها الحر إذا ماتت، كان لمالك نصفها.. فمن ذا الذي يزوجها؟ فيه وجهان: أحدهما: يزوجها مالك نصفها وحده، لأنه لما ملك جميع ميراثها.. ملك تزويجها، كعصبتها. والثاني: أنه لا يزوجها إلا برضاها وبرضا وليها من النسب، أو برضاها وبرضا معتقها، كالقول الأول، لأن وليها ومعتقها، وإن لم يرثا فإنما لم يرثا لما فيها من الرق، وأما النسب والولاء: فهو ثابت بينهما، فوجب أن يكون الإنكاح إليه. [فرع إنكاح المكاتبة] وأما المكاتبة: فإن أراد المولى إجبارها على النكاح.. لم يكن له ذلك، لأن تصرفه قد انقطع عنها بالكتابة. وإن طلبت النكاح وامتنع السيد.. فهل يجبر؟ فيه وجهان: أحدهما: يجبر، لأن لها في ذلك منفعة، لأنه يحصل لها المهر والنفقة، فتستعين بالمهر على أداء الكتابة. والثاني: لا يجبر، لأن له في الامتناع فائدة، وهو أنها: ربما عادت إليه بالتعجيز، فيكون لا يملك الاستمتاع بها.

стр. 4532

[مسألة تزويج الولي نفسه من وليته] إذا أراد الرجل أن يتزوج امرأة يلي عليها النكاح من نفسه، كابنة العم والمعتقة، أو وكل الولي رجلا يزوج وليته، فتزوجها الوكيل من نفسه.. لم يصح. وقال ربيعة، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه: (يصح) . دليلنا: ما روت عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «كل نكاح لم يحضره أربعة.. فهو سفاح: خاطب، وولي، وشاهدان» ، وهذا لم يحضره إلا ثلاثة، وشرط أن يكون ولي وخاطب، ولم يوجد ذلك. ولأنه لو وكل وكيلا ليبيع له سلعة.. لم يجز للوكيل أن يبتاعها من نفسه، فكذلك هذا مثله. وقد وافقنا أبو حنيفة على البيع، وخالفنا مالك رحمهما الله فيه، وقد مضى. إذا ثبت هذا: فأراد ابن العم أن يتزوجها، فإن كان هناك ولي لها في درجته.. تزوجها منه. وإن لم يكن هناك ولي في درجته، بل كان أبعد منه أو لا ولي لها.. تزوجها من السلطان، لأنها تصير في حقه بمنزلة من لا ولي لها، فيتزوجها من السلطان.

стр. 4533

[فرع أعتق مستولدته وأراد أن يتزوجها] وإن أعتق رجل جارية وله ابنان، أحدهما منها، والآخر من غيرها، وأراد المعتق أن يتزوجها.. فقال ابن الحداد: يتزوجها من ابنه منها. فمن أصحابنا من وافقه في ذلك، لأن المعتق لا ولاية له عليها في تزويجها من نفسه، فيكون بمنزلة الفاسق إذا أراد أن يتزوج وليته. قال القاضي أبو الطيب: ويأتي على قول ابن الحداد: إذا أراد ابن العم أن يتزوج ابنة عمه.. فإنه يتزوجها ممن دونه من الأولياء. وقوله: (يتزوجها من ابنه منها) أراد على أشهر القولين في الأخوين، أحدهما لأب وأم، والآخر لأب. وخالفه أكثر أصحابنا، وقالوا: لا يصح أن يتزوجها من ابنه منها ولا من غيره، وإنما يتزوجها من الحاكم، لأن الولاية له عليها ثابتة، فلا تبطل ولايته بإرادته تزويجها، كما لو غاب الولي أو عضل. ولأن هذا يؤدي إلى أن يكون المعتق وابنه وليين لها في حالة واحدة، وأن لكل واحد منهما أن يزوجها من صاحبه، وهذا لا يصح، لأن الابن يتلقى الولاية عليها من جهة أبيه، فلا يجتمع معه في الولاية. [فرع زواج الحاكم أو الإمام ممن لا ولي لها] إذا أراد الحاكم أن يتزوج امرأة لا ولي لها.. فإنه يتزوجها من الإمام. قال ابن الصباغ: أو يرد ذلك إلى من يزوجه إياها، ولا يتولى طرفي العقد. وإن أراد الإمام أن يتزوج امرأة لا ولي لها.. ففيه وجهان: أحدهما: يصح أن يتزوجها من نفسه ويتولى طرفي العقد؛ لأنه إذا تزوجها من جهة الحاكم.. فهو قائم من جهته، فصح أن يتولى ذلك من نفسه. والثاني: لا يصح أن يتولى العقد بنفسه، بل يتزوجها من الحاكم، لأن الحاكم ليس بوكيل له، وإنما هو نائب عن المسلمين، ولهذا: لا يملك الإمام عزله من غير سبب.

стр. 4534

[فرع تزويج الجد أحفاده من بعضهم] وإن أراد الجد أن يزوج ابن ابنه الصغير بابنة ابن له آخر.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح، وهو اختيار ابن القاص، لقوله ﷺ : «كل نكاح لم يحضره أربعة.. فهو سفاح: خاطب وولي وشاهدان» . والثاني: يصح، وهو اختيار ابن الحداد والقاضي أبي الطيب، لأنه يملك طرفي العقد بغير تولية، فجاز أن يتولاه هاهنا، كبيع مال الصغير من نفسه. وأما الخبر.. فمحمول على أنه إذا كان الولي غير الخاطب. فعلى هذا: لا تصح الولاية إلا بثلاثة شروط: أحدها: إذا كان أبواهما ميتين، أو فاسقين، أو أحدهما ميتا والآخر فاسقا، لأنه لا ولاية للجد الرشيد عليهما مع ثبوت ولاية الأبوين عليهما. الشرط الثاني: أن يكون ابن الابن صغيرا أو مجنونا. الشرط الثالث: أن تكون الابنة بكرا، فأما إذا كانت ثيبا، فلا يملك تزويجها بحال إلا بإذنها. وقد اشترط ابن الحداد أن يكون صغيرة. وليس بصحيح، لأن الجد يملك إجبارها على النكاح إذا كانت بكرا بكل حال، إلا أن تكون الابنة مجنونة.. فيملك الجد إجبارها على النكاح بكل حال. إذا ثبت هذا: فإن الجد يقول: زوجت فلانة بفلان، أو فلانا بفلانة. وهل يفتقر إلى لفظ القبول، وهو: أن يقول: وقبلت نكاح فلانة لفلان؟ فيه وجهان: [أحدهما] : من أصحابنا من قال: لا يفتقر إلى ذلك، لأن الإيجاب يتضمن القبول، فلم يفتقر إليه، كما لو قال: زوجني بنتك، فقال: زوجتك.. لا يحتاج أن يقول: قبلت. ولأنه لما قام شخص واحد مقام شخصين.. قام لفظ واحد مقام لفظين.

стр. 4535

والثاني: يفتقر إلى القبول، وهو قول ابن الحداد، وهو المشهور، لأن كل عقد افتقر إلى الإيجاب.. افتقر إلى القبول، كما لو كان بين شخصين. [فرع تزويج الولي وليته من ابنه] وإن زوج الولي وليته من ابنه الكبير.. صح، لأنه يقبل لنفسه. وإن زوجها من ابنه الصغير.. فذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: أنه لا يصح، لأنه هو الذي أوجب النكاح عن المرأة ويقبله لابنه، والشخص الواحد لا يجوز أن يكون قابلا موجبا في النكاح. [مسألة وكيل الولي يقوم مقامه بشروط] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ووكيل الولي يقوم مقامه) . وجملة ذلك: أن الولي إذا كان ممن يملك إجبار المرأة على النكاح.. فله أن يوكل من يزوجها بغير إذنها، كما يجوز أن يعقد عليها بنفسه بغير إذنها. فإن وكل في تزويجها من رجل بعينه.. صح، وإن قال للوكيل: وكلتك في تزويجها وأطلق.. فهل يصح؟ حكى الشيخان- أبو حامد وأبو إسحاق -: فيها قولين، وحكاهما ابن الصباغ والمسعودي [في" الإبانة "] وجهين: أحدهما: يصح، لأن من جاز أن يوكل وكالة معينة.. جاز أن يوكل وكالة مطلقة، كالوكالة في البيع. والثاني: لا يصح هذا التوكيل، لأن الولي إنما فوض إليه اختيار الزوج، لكمال شفقته، وهذا لا يوجد في الوكيل. وإن كان الولي لا يملك التزويج إلا بإذنها، فإن أذنت له في التزويج والتوكيل.. صح توكيله، وإن أذنت له في التزويج لا غير.. فهل يملك التوكيل؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما في (الوكالة) .

стр. 4536

[فرع إذنها لوليها في العقد عليها] ] : إذا كان الولي لا يملك أن يعقد على المرأة إلا بإذنها، فإن أذنت له أن يزوجها من رجل معين.. صح ذلك. وإن أذنت له أن يزوجها مطلقا.. قال الشيخ أبو حامد: يصح ذلك قولا واحدا، لكمال شفقته. وقال الطبري في " العدة ": هو كالوكيل إذا وكله الولي في التزويج وأطلق، على ما مضى. ويجوز للمرأة أن تأذن لوليها بلفظ الإذن، ويجوز بلفظ الوكالة، نص عليه الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، لأن المعني فيهما واحد. وإن أذنت لوليها أن يزوجها، ثم رجعت.. لم يصح تزويجها، كالموكل إذا عزل وكيله. فإن زوجها الولي بعد العزل وقبل أن يعلم به.. فهل يصح؟ فيه وجهان مأخوذان من القولين في الوكيل إذا باع بعد العزل وقبل العلم به. [مسألة توكيل الزوج في تزويجه] قد ذكرنا: أن للزوج أن يوكل من يتزوج له، لـ: «أن النبي ﷺ وكل عمرو بن أمية الضمري أن يتزوج له أم حبيبة بنت أبي سفيان من ابن عمها في أرض الحبشة» و: «وكل أبا رافع في تزويج ميمونة» . فإن وكله: أن يتزوج له امرأة بعينها.. صح، وإن وكله: أن يتزوج له ممن شاء.. ففيه وجهان، مضى ذكرهما في (الوكالة) :

стр. 4537

[أحدهما] : قال أبو العباس وأبو عبد الله الزبيري: لا يجوز، لأن الأغراض تختلف في ذلك. و [الثاني] : قال القاضي أبو حامد: يجوز. وإليه أشار الصيمري، فإنه قال: لو وكله أن يزوجه امرأة من العرب، فزوجه امرأة من قريش.. جاز. ولو وكله أن يزوجه امرأة من قريش، فزوجه امرأة من العرب غير قريش.. لم يصح. ولو وكله أن يزوجه امرأة من الأنصار، فزوجه امرأة من الأوس أو الخزرج من بنات الأنصار.. جاز. ولو وكله أن يزوجه امرأة من الأوس، فزوجه من الخزرج.. لم يجز. ولو وكله أن يزوجه امرأة بعينها، فتزوجها الموكل لنفسه، ثم طلقها قبل الدخول أو بعد الدخول وانقضت عدتها، ثم تزوجها الوكيل للموكل.. قال الصيمري: لم يصح، لأن وكالته قد بطلت لما تزوجها الموكل لنفسه. فإن وكله أن يتزوج له امرأة بمائة، فتزوجها له بخمسين.. صح، وإن تزوجها له بأكثر من مائة.. قال الصيمري: فقد قال شيخ من أصحابنا: يبطل النكاح. والصحيح: أنه يصح النكاح، ولها مهر مثلها. [فرع ادعاء التوكيل للتزوج أو استئنافه وضمان المهر] فإن جاء رجل وادعى أن فلانا وكله أن يتزوج له امرأة، فتزوجها له وضمن عنه المهر، ثم أنكر الموكل الوكالة، ولا بينة.. فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف له.. لم يلزمه النكاح، ولا يقع النكاح للوكيل، بخلاف وكيل الشراء، لأن الغرض من النكاح أعيان الزوجين، فلا يقع لغير من عقد له، وترجع الزوجة على الوكيل بنصف المهر- وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف - لأنها تدعي وجوبه على الزوج، والوكيل ضامن به وهو مقر به. وقال محمد بن الحسن: ترجع على الوكيل بجميع الصداق، لأن الفرقة لم تقع في الباطن بإنكاره. وهذا ليس بشيء، لأنه يملك الطلاق، فإذا أنكر النكاح.. فقد أقر بتحريمها عليه، فصار بمنزلة إيقاعه للطلاق.

стр. 4538

ولو مات الزوج قبل المصادقة على النكاح.. لم ترث هذه الزوجة إلا أن يصدقها سائر ورثته على التوكيل، أو تقوم لها بينة على ذلك. ولو غاب رجل عن امرأته، فجاءها رجل وذكر: أن زوجها طلقها طلاقا بانت به منه بدون الثلاث، وأنه وكله في استئناف عقد النكاح عليها بألف، فعقد عليها النكاح بألف، وضمن لها الوكيل الألف، ثم قدم الزوج فأنكر ذلك.. فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف.. فهل للزوجة أن ترجع على الوكيل بالألف؟ فيه وجهان: [أحدهما] : قال الساجي والقاضي أبو الطيب: لا ترجع عليه بشيء- وبه قال أبو حنيفة - لأن الضامن فرع على المضمون عنه، فإذا لم يلزم المضمون عنه شيء.. لم يلزم الضامن. والثاني: ترجع عليه بالألف. وقال الشيخ أبو حامد: وقد نص عليه الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الإملاء "، وهو الأصح، لأن الوكيل مقر بوجوبها عليه، كما قلنا في التي قبلها. [مسألة تزويج المرأة من الكفء وغيره] وليس للولي أن يزوج المرأة من غير كفء إلا برضاها ورضا سائر الأولياء، لما روت عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «تخيروا لنطفكم، وأنكحوا الأكفاء، وانكحوا إليهم» . ولأن في ذلك إلحاق عار بها وبسائر الأولياء، فلم يجز من غير رضاهم. قال الشيخ أبو حامد: والأولياء الذين يعتبر رضاهم في نكاح المرأة من غير كفء هم: كل من كان وليا للعقد حال التزويج، فأما من يجوز أن ينتقل إليه الولاية.. فلا يعتبر رضاه. فإن دعت المرأة أولياءها أن يزوجوها من غير كفء، فامتنعوا.. لم يجبروا على

стр. 4539

ذلك، ولا ينوب الحاكم منابهم في تزويجها، لحديث عائشة ﵂، ولما روى علي كرم الله وجهه: أن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا يؤخرن: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤا» فدل على: أنها إذا وجدت غير كفء.. جاز أن تؤخر. وإن دعت المرأة الولي إلى أن يزوجها من كفء بأقل من مهر مثلها.. وجب عليه إجابتها، فإن زوجها، وإلا.. زوجها الحاكم. فإن كان لها أولياء، فزوجها أحدهم بأقل من مهر مثلها بإذنها دون رضا سائر أوليائها.. صح. وقال أبو حنيفة: (لا يلزمهم إجابتها إلى ذلك، فإن زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها، أو زوجها واحد منهم بذلك.. ألزموا الزوج مهر مثلها، ولم يكن لهم فسخ النكاح) . دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ قال: «من استحل بدرهمين.. فقد استحل» . ولأن كل من لا يملك الاعتراض عليها في جنس المهر.. لم يملك الاعتراض عليها في قدره، كأباعد الأولياء والأجانب. ولأن المهر حق لها، ولا عار عليهم بذلك.. فلم يكن لهم الاعتراض عليها. [فرع التزويج برضاها وأوليائها من غير كفء] فإن زوجت المرأة من غير كفء برضاها ورضا سائر الأولياء.. صح النكاح. وبه قال مالك وأبو حنيفة رحمة الله عليهما، وأكثر أهل العلم.

стр. 4540

وقال سفيان وأحمد وعبد الملك ابن الماجشون: (لا يصح) دليلنا: ما روي: «أن فاطمة بنت قيس أتت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن معاوية وأبا جهم خطباني، فقال النبي ﷺ : أما معاوية: فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم: فلا يضع عصاه عن عاتقه، فانكحي أسامة بن زيد» وفي رواية أخرى: " أدلك على من هو خير لك منهما؟ ". قلت: من؟ قال ﷺ : " أسامة بن زيد "، قالت: فتزوجت أسامة، فبورك لأبي زيد في، وبورك لي في أبي زيد. وفاطمة قرشية، وأسامة مولى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سلم. وروى أبو هريرة ﵁، قال: حجم أبو هند ﵁ رسول الله ﷺ في اليافوخ، فقال رسول الله ﷺ للأنصار: «يا بني بياضة، زوجوا أبا هند، وتزوجوا إليه» فندبهم إلى التزويج بحجام وليس بكفء لهم. وروي: (أن بلالا ﵁ تزوج بهالة بنت عوف أخت عبد الرحمن بن عوف ﵃) . قيل: بل هو حذيفة. وروي: (أن سلمان الفارسي خطب إلى عمر بن الخطاب ﵄ ابنته، فأنعم له عمر ﵁، وكره ذلك عبد الله بن عمر ﵄، فلقي عمرو بن العاص، فأخبره بذلك، فقال: أنا أكفيك هذا، فلقي سلمان، فقال له

стр. 4541

عمرو: هنيئا لك، قال: بماذا؟ فقال: تواضع لك أمير المؤمنين، فقال سلمان: أَلِمِثْلِي يتواضع؟ والله لا تزوجتها أبدا) . [فرع تزويج البكر برضاها من غير كفء] فإن زوج الأب أو الجد البكر من غير كفء بغير رضاها، أو زوجها أحد الأولياء بغير كفء برضاها من غير رضا سائر الأولياء.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في موضع: (النكاح باطل) . وقال في موضع: (كان للباقين الرد) ، وهذا يدل على: أنه وقع صحيحا. واختلف أصحابنا فيها على ثلاثة طرق: فـ[الطريق الأول] : منهم من قال: فيها قولان: وهو اختيار الشيخ أبي حامد: أحدهما: أن النكاح صحيح، ويثبت لها الخيار، ولسائر الأولياء الخيار في فسخه، لأن النقص دخل عليهم، وحصول النقص لا يمنع صحة العقد، وإنما يثبت الخيار في فسخه، كما لو اشترى لموكله شيئا معيبا. والثاني: أن العقد لا يصح، لأن العاقد قد تصرف في حق غيره، فإذا فرط.. بطل العقد، كما لو باع الوكيل بأقل من ثمن المثل. و [الطريق الثاني] : منهم من قال: العقد باطل قولا واحدا، وحيث قال: (كان للباقين الرد) أي: المنع من العقد. و [الطريق الثالث] : منهم من قال: هي على حالين: فحيث قال: (يبطل العقد) أراد: إذا عقد وهو يعلم أنه ليس بكفء. وحيث قال: (لا يبطل العقد) أراد: إذا عقد ولم يعلم أنه غير كفء، كما قلنا في

стр. 4542

الوكيل إذا اشترى شيئا معيبا يعلم بعيبه.. لم يصح في حق الموكل، وإن اشتراه وهو لا يعلم بعيبه.. صح في حق موكله. هذا مذهبنا. وقال أبو حنيفة: (إذا زوجها أحد الأولياء بغير كفء برضاها.. لم يكن للباقين في ذلك اعتراض) . دليلنا: أن رضا جميعهم معتبر، فلم يسقط برضا بعضهم. [فرع رجوع المرأة والولي عند الاختلاف في الكفاءة إلى الحاكم] إذا دعت المرأة وليها إلى تزويجها برجل، وزعمت: أنه كفء لها، فقال الولي، ليس بكفء لها.. رفع ذلك إلى الحاكم، ونظر الحاكم فيه: فإن كان كفؤا لها.. لزمه تزويجها به، فإن امتنع.. زوجها الحاكم منه. وإن كان ليس بكفء لها.. لم يلزم الولي إجابتها إليه. [مسألة مقومات الكفاءة] ستة] : الكفاءة معتبرة في ستة أشياء: النسب، والدين، والحرية، والصنعة، واليسار، والسلامة من العيوب. فأما (النسب) : فإن العجمي ليس بكفء للعربية. وأما العجم: فهم أكفاء، لا فضل لبعضهم على بعض، لما روى نافع، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «العرب بعضهم أكفاء بعض، حي لحي، وقبيلة لقبيلة، ورجل لرجل، إلا الحائك والحجام» فدل على: أن العجم ليست بأكفاء للعرب.

стр. 4543

وروي عن سلمان الفارسي ﵁: أنه قال: «يا معشر العرب، إنما نفضلكم، لفضل رسول الله ﷺ ، لا ننكح نساءكم، ولا نتقدمكم في الصلاة» . وأما العرب. فإن غير القرشي.. ليس بكفء للقرشية. وقال أبو حنيفة: (بل هم أكفاء لهم) . دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ : «إن الله اختار العرب من سائر الأمم، واختار من العرب قريشا، واختار من قريش بني هاشم وبني عبد المطلب» . وروي: أن النبي ﷺ قال: «نحن قريش خير العرب، وموالينا خير الموالي» .

стр. 4544

وأما قريش: فإن بني هاشم وبني عبد المطلب أكفاء، لقوله ﷺ : «إن بني هاشم، وبني عبد المطلب شيء واحد، وشبك بين أصابعه» . وهل تكون سائر قبائل قريش أكفاء لبني هاشم وبني المطلب؟ فيه وجهان حكاهما في " المهذب ": أحدهما: أنهم أكفاء، كما أنهم في الخلافة أكفاء. والثاني: أنهم ليسوا بأكفاء لهم- ولم يذكر الشيخ أبو حامد وابن الصباغ غيره - لما روت عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «قال لي جبريل ﵇: إني قلبت مشارق الأرض ومغاربها.. فلم أجد أفضل من بني هاشم» . وأما سائر قبائل العرب: فلا فضل لبعضهم على بعض، لقوله ﷺ : «العرب بعضهم أكفاء بعض، حي لحي، وقبيلة لقبيلة، ورجل لرجل، إلا الحائك والحجام» . وقال الصيمري: وموالي قريش أكفاء لقريش، وكذلك موالي كل قبيلة أكفاء لهم، لقوله ﷺ : «موالي القوم من أنفسهم» . قلت: وهذا الذي ذكره مخالف لظاهر قول سائر أصحابنا، لأنهم يحتجون- على جواز إنكاح المرأة ممن ليس بكفء لها- بتزويج أسامة بن زيد لفاطمة بنت قيس، وأسامة مولى لرسول الله ﷺ ، وفاطمة ﵂ قرشية. ولو قيل: فيها وجهان، كالوجهين في أنه: هل تحل الصدقة المفروضة لموالي بني هاشم وبني المطلب.. لكان محتملا. فأما إذا وطئ الرجل أمته، فأولدها ولدا.. فإنه كفء لمن

стр. 4545

أمه عربية، لأن الولد يتبع الأب في النسب دون الأم، بدليل: أن الهاشمي لو تزوج أعجمية.. فإن ولده منها هاشمي، ولو تزوج العجمي هاشمية.. فإن ولده منها عجمي. وأما (الدين) : فهو معتبر، فالفاسق الذي يشرب الخمر ويزني، أو لا يصلي.. ليس بكفء للحرة العفيفة. وقال محمد بن الحسن: هو كفء لها، إلا أن يكون يسكر، ويخرج مظاهرا به ويولع به الصبيان. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] [السجدة:١٨] ، فنفى المساواة بينهما من جميع الوجوه. ولما روي: أن النبي ﷺ قال: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه.. فزوجوه، إلا تفعلوا.. تكن فتنة في الأرض، وفساد كبير» . ولأن الفاسق لا يؤمن أن يحمله فسقه على أنه يجني على المرأة، فثبت لها الخيار في فسخ نكاحه. وأما (الحرية) : فهي معتبرة، فالحرة ليست بكفء للعبد، والحر لا يكافئ الأمة، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ [النحل: ٧٥] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ [النحل: ٧٥] [النحل:٧٥] . فنفى المساواة بينهما.

стр. 4546

ولـ: «أن بريرة أعتقت تحت عبد، فخيرها النبي ﷺ » ، فإذا ثبت لها الخيار إذا طرأت عليها الحرية وهي تحت عبد.. فلأن يثبت لها الخيار إذا كانت حرة عند ابتداء النكاح أولى. ولأن عليها ضررا في النفقة، لأنه لا ينفق عليها نفقة الموسر، ولا ينفق على أولاده منها. وأما (الصنعة) : فهي معتبرة، فمن كان من أهل الصنعة الدنية، كالحائك، والحمامي، والحجام، وما أشبههم.. ليس بكفء للمرأة التي أبوها من أهل الصنائع الرفيعة، مثل: البزاز والعطار، لما روى عبد الله بن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «العرب بعضهم أكفاء بعض، حي لحي، وقبيلة لقبيلة، ورجل لرجل، إلا الحائك والحجام» ، فلما استثنى الحائك والحجام من جملتهم.. دل على: أن للصنعة تأثيرا في الكفاءة. ولأن هذه الصنع نقص في العادة، فاعتبرت. وأما (اليسار) : فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: إنه معتبر، فالمعسر ليس بكفء للموسرة، لقوله ﷺ : «الحسب المال» . ولأنه لما ثبت: أن العبد لا يكافئ الحرة، لأنه لا ينفق عليها نفقة الموسر، ولا ينفق على أولاده منها.. فكذلك المعسر. فعلى هذا: لا يعتبر أن يكون الرجل مثل المرأة في اليسار في جميع الوجوه، بل إذا كان كل واحد منهما موسرا يسارا ما.. تكافئا وإن اختلفا في المال. ومنهم من قال: اليسار غير معتبر في الكفاءة، لقوله ﷺ : «اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا» . ولأن ذلك ليس بنقص في العادة، لأن المال يغدو

стр. 4547

ويروح، ولهذا: قال النبي ﷺ لابني خالد: «لا تيأسا من رزق الله ما تهززت رؤوسكما، فإن ابن آدم خلق ليس عليه شيء إلا قشرتان، ثم يرزق الله » . وأما (السلامة من العيوب) : فهي معتبرة في الكفاءة. فالعيوب في الرجال: الجنون، والجذام، والبرص، والجب، والعنة. والعيوب في النساء: الجنون، والجذام، والبرص، والرتق، والقرن. ولها أحكام تأتي في بابها إن شاء الله تعالى. قال الصيمري: واعتبر قوم البلدان، فقالوا: ساكنو مكة والمدينة والبصرة والكوفة ليسوا بأكفاء لمن يسكن الجبال. وهذا ليس بشيء. وليس للحسن والقبح، والطول والقصر، والسخاء والبخل، ونحو ذلك مدخل في الكفاءة، لأن ذلك ليس بنقص في العادة، ولا عار فيه ولا ضرر. [مسألة إذن المرأة لأكثر من ولي في تزويجها] قال الشافعي ﵀: (ولو قالت: قد أذنت في فلان، وأي أوليائي زوجني.. فهو جائز) .

стр. 4548

وجملة ذلك: أنه إذا كان للمرأة وليان في درجة واحدة، فأذنت لكل واحد منهما: أن يزوجها برجل غير الذي أذنت به للآخر، أو أذنت لكل واحد منهما: أن يزوجها لرجل ولم تعين- وقلنا: يجوز - فزوجها كل واحد منهما برجل.. ففيه خمس مسائل: إحداهن: أن يعلم أن العقدين وقعا معا في حالة واحدة.. فهما باطلان، لأنه لا يمكن الجمع بينهما، إذ المرأة لا يجوز أن يكون لها زوجان، لاختلاط النسب وفساده، وليس أحدهما بأولى من الآخر في التقديم، فبطلا، كما لو تزوج أختين في عقد واحد. الثانية: أن لا يعلم: هل وقع العقدان في حالة واحدة، أو سبق أحدهما الآخر؟ قال أصحابنا البغداديون: بطل العقدان، لأنه لا يمكن الجمع بينهما، ولا مزية لأحدهما على الآخر في التقديم. وقال الخراسانيون: بطل العقدان في الظاهر، وهل يبطلان في الباطن؟ فيه وجهان. الثالثة: أن يعلم أن أحدهما سبق الآخر، إلا أنه أشكل عين السابق منهما، فقال أصحابنا البغداديون: بطل العقدان، لما ذكرناه في التي قبلها. ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: فيها قولان: أحدهما: أنهما باطلان. والثاني: يتوقف فيهما، بناء على القولين في الجمعتتين إذا وقعتا معا في بلدة وعلم بسبق إحداهما، ولم تتعين السابقة. وهذا اختيار المزني. الرابعة: أن يعلم أن أحد العقدين سبق الآخر ونسي السابق منهما.. فيوقفان إلى أن يتذكر السابق، لأن الظاهر مما علم ثم نسي: أنه يتذكر.

стр. 4549

الخامسة: أن يعلم السابق منهما ويتعين ويذكر.. فإن النكاح الصحيح هو الأول، والثاني باطل، سواء دخلا بها أو لم يدخلا بها، أو دخل بها أحدهما. وبه قال من الصحابة: علي ﵁، ومن التابعين: شريح، والحسن البصري رحمة الله عليهما، ومن الفقهاء: الأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق. وذهبت طائفة إلى: أنه إن لم يطأها أحدهما، أو وطئاها معا، أو وطئها الأول دون الثاني.. فهي للأول - كقولنا - وإن وطئها الثاني دون الأول.. فالنكاح للثاني دون الأول، وبه قال عمر ﵁، وعطاء والزهري، ومالك رحمة الله عليهم. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] [النساء:٢٣-٢٤] ، والمراد به الزوجات، ولم يفرق. وروى سمرة: أن النبي ﷺ قال: «إذا أنكح المرأة الوليان.. فهي للأول منهما» . ولم يفرق. ولأنه نكاح لو عري عن الوطء.. لم يصح، فإذا كان فيه الوطء.. لم يصح، كنكاح المعتدة والمحرمة بالحج. [فرع زوجها وليان ولا يعلم السابق منهما] إذا زوج المرأة وليان من رجلين، ولم يعلم السابق منهما، وادعى كل واحد من الزوجين: أنه هو السابق منهما: نظرت: فإن ادعى أحد الزوجين على الآخر.. قال المسعودي [في" الإبانة "] : لم تسمع دعواه، لأنه لا شيء في يده.

стр. 4550

وإن ادعيا على الولي، فإن كان غير مستبد بنفسه، بأن لا يصح إنكاحه إلا بإذنها.. لم تسمع دعواهما عليه. وإن كان مستبدا بنفسه، كالأب والجد في تزويج البكر.. فهل تسمع الدعوى عليه؟ فيه قولان. وإن ادعيا على المرأة، فإن لم يدعيا علمها بذلك.. لم تسمع الدعوى عليها، لأنه لا فائدة في ذلك. وإن ادعيا علمها بالسابق منهما.. قال المسعودي [في " الإبانة "] : فهل تسمع الدعوى عليها؟ فيه قولان، بناء على القولين في إقرارها لأحدهما بالسبق: هل يقبل؟ [أحدهما] : قال في القديم: (يقبل إقرارها) . فعلى هذا: تسمع الدعوى عليها. و [الثاني] : قال في الجديد: (لا يقبل إقرارها) . فعلى هذا: لا تسمع الدعوى عليها. وأما الشيخ أبو حامد، والبغداديون من أصحابنا: فقالوا: تسمع الدعوى عليها من غير تفصيل. فإذا قلنا: تسمع الدعوى عليها.. نظرت: فإن أنكرت: أنها لا تعرف السابق منهما.. فالقول قولها مع يمينها: أنها لا تعرف السابق منهما، فإذا حلفت.. سقطت دعواهما، وبطل النكاحان، وإن نكلت عن اليمين.. ردت اليمين عليهما، فيحلف كل واحد منهما: أنه هو السابق بالعقد، فإذا حلفا.. بطل النكاحان، لأن كل واحد منهما قد أثبت بيمينه: أنه هو السابق، ولا مزية لأحدهما على الآخر، فبطلا. وإن حلف أحدهما ونكل الآخر.. ثبت نكاح الحالف، وبطل نكاح الناكل. وإن نكلا جميعا.. بطل النكاحان أيضا، لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر. وإن أقرت: أنها تعلم السابق منهما.. نظرت:

стр. 4551

فإن أقرت لكل واحد منهما: أنه هو السابق، وكان إقرارها لهما في وقت واحد.. فلا حكم لهذا الإقرار، لاستحالة أن يكون كل واحد منهما سابقا لصاحبه، فتكون دعواهما عليها باقية، فتطالب بالجواب. وإن أقرت لأحدهما: أنه هو السابق.. حكم بالنكاح له، لأنه لم يثبت عليها نكاح غير المقر له حال الإقرار، فقبل إقرارها على نفسها. فإن أراد الثاني أن يحلفها-بعد إقرارها للأول- أنها لا تعلم أنه هو السابق.. فهل يلزمها أن تحلف له؟ فيه قولان- بناء على أنها لو أقرت للثاني: هل يلزمها غرم؟ وفيه قولان، كالقولين فيمن أقر بدار لزيد، ثم أقر بها لعمرو.. فهل يلزمه الغرم لعمرو؟ وفيه قولان-: أحدهما: لا يلزمها أن تحلف للثاني، لأنها لو أقرت له.. لم يقبل إقرارها له، فلا معنى لعرض اليمين عليها. والثاني: يلزمها أن تحلف للثاني، لجواز أن تخاف من اليمين فتقر له، فيلزمها الغرم. فإن قلنا: لا يلزمها أن تحلف للثاني..ثبت النكاح للأول، وانصرف الثاني. وإن قلنا: يلزمها أن تحلف للثاني.. نظرت: فإن حلفت له.. انصرف. وإن أقرت للثاني: بأنه هو السابق.. لم يقبل قولها في النكاح، لأن في ذلك إسقاط حق الأول الذي قد ثبت، ولأنها قد أقرت أنها حالت بين الثاني وبين بضعها بإقرارها للأول، وهل يلزمها أن تغرم له؟ قال الشيخ أبو حامد: فيه قولان، كما لو أقرت بدار لزيد، ثم أقرت بها لعمرو. وقال المحاملي، وابن الصباغ: يلزمها أن تغرم له قولا واحدا، لأنا إنما عرضنا عليها اليمين على القول الذي يقول: يلزمها الغرم، فإذا أقرت له.. لزمها أن

стр. 4552

تغرم له عوض ما حلت بينه وبينه، وكم يلزمها من الغرم؟ قال الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا: يلزمها أن تغرم جميع مهر مثلها. وقال المسعودي [في " الإبانة "] ، والجويني: فيه قولان: أحدهما: جميع مهر مثلها. والثاني: نصف مهر مثلها، كالقولين في المرأة إذا أرضعت زوجة لرجل، وانفسخ نكاحها بذلك. وإن لم تقر للثاني، ولا حلفت له، بل نكلت عن اليمين، وردت اليمين عليه، فإن نكل.. سقطت دعواه، وإن حلف: أنه هو السابق.. فقد حصل مع الأول إقرار، ومع الثاني يمين ونكول المدعى عليه. فإن قلنا: إن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه تحل محل البينة.. ثبت النكاح للثاني، وانفسخ نكاح الأول. قال الشيخ أبو حامد: وهذا القول ضعيف جدا. وإن قلنا: إن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه تحل محل إقرار المدعى عليه - وهو الصحيح - ففيه وجهان: [أحدهما] : قال الشيخ أبو إسحاق: يبطل النكاحان، لأن مع الأول إقرار، ومع الثاني ما يقوم مقام الإقرار، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فبطلا. و [الثاني] : ومن أصحابنا من قال: يثبت نكاح الأول، لأن إقرارها له أسبق. قال الشيخ أبو إسحاق، وابن الصباغ، والمحاملي: ويلزمها على هذا: أن تغرم مهر مثلها للثاني. وذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق ": هل يلزمها الغرم للثاني على هذا؟ فيه قولان. وقال ابن الصباغ: فعلى قول أبي إسحاق.. لا تعرض عليها اليمين، لأنه لا فائدة فيها. هذا ترتيب البغداديين. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إذا نكلت وحلف الثاني.. فهل ينفسخ نكاح الأول؟ فيه وجهان.

стр. 4553

فإذا قلنا: ينفسخ.. قال القفال: فإنه لا يثبت نكاح الثاني. والأول هو المشهور. [فرع تزوج واحدة واثنتين وثلاثا كلا في عقد] إذا تزوج رجل امرأة في عقد، وامرأتين في عقد، وثلاثا في عقد، وأشكل: أي العقود كان أولا؟ قال ابن الحداد: صح نكاح الواحدة المنفردة، ولا يصح نكاح الاثنتين ولا الثلاث، لأن العقد على الواحدة إن كان أولا.. فهو صحيح، وإن كان آخرا.. فقد تقدمه العقد على اثنتين، والعقد على ثلاث، فإن كان العقد على اثنتين أولا.. صح، وبطل العقد على الثلاث، لأنهن تمام الخمس، وصح بعده العقد على واحدة، لأنها تمام الثلاث. وإن كان العقد على الثلاث أولا.. فهو صحيح، ولم يصح بعده العقد على الاثنتين، لأنهما تمام الخمس، وصح بعده العقد على واحدة، لأنها تمام الأربع. وإن كان العقد على الواحدة بين الاثنتين والثلاث.. فهو صحيح، لأنها إما تمام الثلاث، أو تمام الأربع، فصحت بكل حال. وأما نكاح الاثنتين والثلاث: فإنه يحتمل الصحة والفساد، فيحكم بفساده، لأن الأصل عدم صحة العقد عليهن. وإن كان بدل الثلاث أربعا.. بطل نكاح الجميع، لأن الواحدة يحتمل أن تكون هي الخامسة. [فرع وكل من يتزوج له ثلاثا وآخر باثنتين أو طلق] ولو وكل رجلا: أن يزوجه ثلاث نسوة بعقد واحد، ووكل آخر: أن يزوجه امرأتين بعقد، فأي الوكيلين سبق وعقد له ما وكل فيه.. صح، وبطلت وكالة الثاني. وإن عقدا له ولم يعلم السابق منهما.. بطل الجميع، لأنه لا مزية لأحد العقدين على الآخر.

стр. 4554

ولو أذن لهما بذلك في عقود أو أطلق، فإن تزوج له صاحب الثلاث ثلاثا أولا، وتزوج له صاحب الاثنتين واحدة.. صح. وإن تزوج له صاحب الاثنتين باثنتين أولا، وتزوج له صاحب الثلاث باثنتين.. صح. وإن تزوج له صاحب الثلاث بثلاث، وصاحب الاثنتين باثنتين، ولم يعلم السابق.. بطل الجميع، لأنه لا مزية لبعض العقود على بعض. [فرع ادعاء ورثة الزوج أن الزواج بغير رضاها والإقرار بالزوجية] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الإملاء ": (إذا زوج الرجل أخته من رجل، ثم مات الزوج، فادعى ورثته: أن الأخ زوجها بغير إذنها، وصدقتهم.. فالنكاح باطل، ولا ترث. وإذا ادعت المرأة: أنه زوجها بإذنها.. فالقول قولها، وترث) ، لأن هذا اختلاف في إذنها وهي أعلم به. ولأن الأصل في النكاح أنه يقع صحيحا، فإذا ادعى الورثة فساده.. كان القول قولها، لأن الظاهر صحته. قال في " الإملاء ": (إذا قال رجل: هذه المرأة زوجتي، وصدقته على ذلك.. ثبتت الزوجية بينهما، وأيهما مات.. ورثة الآخر، لأن الزوجية قد ثبتت. وإن قال رجل: هذه زوجتي، فسكتت، فإن ماتت.. لم يرثها، لأن إقراره عليها لا يقبل. وإن مات.. ورثته، لأن إقراره على نفسه مقبول. وكذلك إذا أقرت امرأة بالزوجية لرجل، ولم يسمع منه إقرار، فإن مات.. لم ترثه، وإن ماتت.. ورثها) ، لما ذكرناه في التي قبلها. [مسألة زواج الصغير العاقل] يجوز للأب والجد أن يزوج ابنه الصغير إذا كان عاقلا، لما روي: (أن ابن عمر ﵄ زوج ابنا له صغيرا) . ولأنه يملك التصرف في مصلحته، وفي

стр. 4555

النكاح مصلحة له، لأنه إن بلغ وهو محتاج إلى النكاح.. وجد فرجا معدا له للاستمتاع، وانتفع بها أيضا من وجه آخر، وهو أنها تخدمه وتقوم بحوائجه، فتكون سكنا له، وإن بلغ وهو غير محتاج إلى النكاح.. فإن المرأة تكون سكنا له، وتقوم بمنزله. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : هل يزوج الصغير؟ فيه وجهان، الأصح: لا يزوجه، لأنه لا حاجة به إليه. وكم يجوز للأب والجد أن يزوجا الصغير؟ حكى الشيخ أبو حامد: أن الشافعي ﵀ قال: (له أن يزوجه واحدة، واثنتين، وثلاثا، وأربعا، كالبالغ) . ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يزوجه بأكثر من واحدة، لأنه لا حاجة به إلى ما زاد عليها. ولا يجوز للوصي والحاكم أن يزوجا الصغير، كما لا يجوز للوصي والحاكم أن يزوجا الصغيرة. [فرع زواج المجنون] ولا يجوز للأب، ولا للجد، ولا للوصي، ولا للحاكم تزويج الصغير المجنون، لأنه لا يحتاج إلى النكاح في الحال، ولا يُدرَى إذا بلغ.. هل يحتاج إلى النكاح أم لا؟ بخلاف الابن الصغير العاقل، لأن الظاهر أنه يحتاج إلى النكاح عند بلوغه. فإن كان المجنون بالغا.. نظرت: فإن كان يجن ويفيق.. لم يجز للولي تزويجه، لأن له حالة يمكن استئذانه فيها، وهو حال إفاقته. وإن لم يكن له حال إفاقة، فإن كان خصيا، أو مجبوبا، أو علم أنه
следующие страницы →