← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

فإن أقرت لكل واحد منهما: أنه هو السابق، وكان إقرارها لهما في وقت واحد.. فلا حكم لهذا الإقرار، لاستحالة أن يكون كل واحد منهما سابقا لصاحبه، فتكون دعواهما عليها باقية، فتطالب بالجواب. وإن أقرت لأحدهما: أنه هو السابق.. حكم بالنكاح له، لأنه لم يثبت عليها نكاح غير المقر له حال الإقرار، فقبل إقرارها على نفسها. فإن أراد الثاني أن يحلفها-بعد إقرارها للأول- أنها لا تعلم أنه هو السابق.. فهل يلزمها أن تحلف له؟ فيه قولان- بناء على أنها لو أقرت للثاني: هل يلزمها غرم؟ وفيه قولان، كالقولين فيمن أقر بدار لزيد، ثم أقر بها لعمرو.. فهل يلزمه الغرم لعمرو؟ وفيه قولان-: أحدهما: لا يلزمها أن تحلف للثاني، لأنها لو أقرت له.. لم يقبل إقرارها له، فلا معنى لعرض اليمين عليها. والثاني: يلزمها أن تحلف للثاني، لجواز أن تخاف من اليمين فتقر له، فيلزمها الغرم. فإن قلنا: لا يلزمها أن تحلف للثاني..ثبت النكاح للأول، وانصرف الثاني. وإن قلنا: يلزمها أن تحلف للثاني.. نظرت: فإن حلفت له.. انصرف. وإن أقرت للثاني: بأنه هو السابق.. لم يقبل قولها في النكاح، لأن في ذلك إسقاط حق الأول الذي قد ثبت، ولأنها قد أقرت أنها حالت بين الثاني وبين بضعها بإقرارها للأول، وهل يلزمها أن تغرم له؟ قال الشيخ أبو حامد: فيه قولان، كما لو أقرت بدار لزيد، ثم أقرت بها لعمرو. وقال المحاملي، وابن الصباغ: يلزمها أن تغرم له قولا واحدا، لأنا إنما عرضنا عليها اليمين على القول الذي يقول: يلزمها الغرم، فإذا أقرت له.. لزمها أن

стр. 4552

تغرم له عوض ما حلت بينه وبينه، وكم يلزمها من الغرم؟ قال الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا: يلزمها أن تغرم جميع مهر مثلها. وقال المسعودي [في " الإبانة "] ، والجويني: فيه قولان: أحدهما: جميع مهر مثلها. والثاني: نصف مهر مثلها، كالقولين في المرأة إذا أرضعت زوجة لرجل، وانفسخ نكاحها بذلك. وإن لم تقر للثاني، ولا حلفت له، بل نكلت عن اليمين، وردت اليمين عليه، فإن نكل.. سقطت دعواه، وإن حلف: أنه هو السابق.. فقد حصل مع الأول إقرار، ومع الثاني يمين ونكول المدعى عليه. فإن قلنا: إن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه تحل محل البينة.. ثبت النكاح للثاني، وانفسخ نكاح الأول. قال الشيخ أبو حامد: وهذا القول ضعيف جدا. وإن قلنا: إن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه تحل محل إقرار المدعى عليه - وهو الصحيح - ففيه وجهان: [أحدهما] : قال الشيخ أبو إسحاق: يبطل النكاحان، لأن مع الأول إقرار، ومع الثاني ما يقوم مقام الإقرار، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فبطلا. و [الثاني] : ومن أصحابنا من قال: يثبت نكاح الأول، لأن إقرارها له أسبق. قال الشيخ أبو إسحاق، وابن الصباغ، والمحاملي: ويلزمها على هذا: أن تغرم مهر مثلها للثاني. وذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق ": هل يلزمها الغرم للثاني على هذا؟ فيه قولان. وقال ابن الصباغ: فعلى قول أبي إسحاق.. لا تعرض عليها اليمين، لأنه لا فائدة فيها. هذا ترتيب البغداديين. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إذا نكلت وحلف الثاني.. فهل ينفسخ نكاح الأول؟ فيه وجهان.

стр. 4553

فإذا قلنا: ينفسخ.. قال القفال: فإنه لا يثبت نكاح الثاني. والأول هو المشهور. [فرع تزوج واحدة واثنتين وثلاثا كلا في عقد] إذا تزوج رجل امرأة في عقد، وامرأتين في عقد، وثلاثا في عقد، وأشكل: أي العقود كان أولا؟ قال ابن الحداد: صح نكاح الواحدة المنفردة، ولا يصح نكاح الاثنتين ولا الثلاث، لأن العقد على الواحدة إن كان أولا.. فهو صحيح، وإن كان آخرا.. فقد تقدمه العقد على اثنتين، والعقد على ثلاث، فإن كان العقد على اثنتين أولا.. صح، وبطل العقد على الثلاث، لأنهن تمام الخمس، وصح بعده العقد على واحدة، لأنها تمام الثلاث. وإن كان العقد على الثلاث أولا.. فهو صحيح، ولم يصح بعده العقد على الاثنتين، لأنهما تمام الخمس، وصح بعده العقد على واحدة، لأنها تمام الأربع. وإن كان العقد على الواحدة بين الاثنتين والثلاث.. فهو صحيح، لأنها إما تمام الثلاث، أو تمام الأربع، فصحت بكل حال. وأما نكاح الاثنتين والثلاث: فإنه يحتمل الصحة والفساد، فيحكم بفساده، لأن الأصل عدم صحة العقد عليهن. وإن كان بدل الثلاث أربعا.. بطل نكاح الجميع، لأن الواحدة يحتمل أن تكون هي الخامسة. [فرع وكل من يتزوج له ثلاثا وآخر باثنتين أو طلق] ولو وكل رجلا: أن يزوجه ثلاث نسوة بعقد واحد، ووكل آخر: أن يزوجه امرأتين بعقد، فأي الوكيلين سبق وعقد له ما وكل فيه.. صح، وبطلت وكالة الثاني. وإن عقدا له ولم يعلم السابق منهما.. بطل الجميع، لأنه لا مزية لأحد العقدين على الآخر.

стр. 4554

ولو أذن لهما بذلك في عقود أو أطلق، فإن تزوج له صاحب الثلاث ثلاثا أولا، وتزوج له صاحب الاثنتين واحدة.. صح. وإن تزوج له صاحب الاثنتين باثنتين أولا، وتزوج له صاحب الثلاث باثنتين.. صح. وإن تزوج له صاحب الثلاث بثلاث، وصاحب الاثنتين باثنتين، ولم يعلم السابق.. بطل الجميع، لأنه لا مزية لبعض العقود على بعض. [فرع ادعاء ورثة الزوج أن الزواج بغير رضاها والإقرار بالزوجية] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الإملاء ": (إذا زوج الرجل أخته من رجل، ثم مات الزوج، فادعى ورثته: أن الأخ زوجها بغير إذنها، وصدقتهم.. فالنكاح باطل، ولا ترث. وإذا ادعت المرأة: أنه زوجها بإذنها.. فالقول قولها، وترث) ، لأن هذا اختلاف في إذنها وهي أعلم به. ولأن الأصل في النكاح أنه يقع صحيحا، فإذا ادعى الورثة فساده.. كان القول قولها، لأن الظاهر صحته. قال في " الإملاء ": (إذا قال رجل: هذه المرأة زوجتي، وصدقته على ذلك.. ثبتت الزوجية بينهما، وأيهما مات.. ورثة الآخر، لأن الزوجية قد ثبتت. وإن قال رجل: هذه زوجتي، فسكتت، فإن ماتت.. لم يرثها، لأن إقراره عليها لا يقبل. وإن مات.. ورثته، لأن إقراره على نفسه مقبول. وكذلك إذا أقرت امرأة بالزوجية لرجل، ولم يسمع منه إقرار، فإن مات.. لم ترثه، وإن ماتت.. ورثها) ، لما ذكرناه في التي قبلها. [مسألة زواج الصغير العاقل] يجوز للأب والجد أن يزوج ابنه الصغير إذا كان عاقلا، لما روي: (أن ابن عمر ﵄ زوج ابنا له صغيرا) . ولأنه يملك التصرف في مصلحته، وفي

стр. 4555

النكاح مصلحة له، لأنه إن بلغ وهو محتاج إلى النكاح.. وجد فرجا معدا له للاستمتاع، وانتفع بها أيضا من وجه آخر، وهو أنها تخدمه وتقوم بحوائجه، فتكون سكنا له، وإن بلغ وهو غير محتاج إلى النكاح.. فإن المرأة تكون سكنا له، وتقوم بمنزله. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : هل يزوج الصغير؟ فيه وجهان، الأصح: لا يزوجه، لأنه لا حاجة به إليه. وكم يجوز للأب والجد أن يزوجا الصغير؟ حكى الشيخ أبو حامد: أن الشافعي ﵀ قال: (له أن يزوجه واحدة، واثنتين، وثلاثا، وأربعا، كالبالغ) . ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يزوجه بأكثر من واحدة، لأنه لا حاجة به إلى ما زاد عليها. ولا يجوز للوصي والحاكم أن يزوجا الصغير، كما لا يجوز للوصي والحاكم أن يزوجا الصغيرة. [فرع زواج المجنون] ولا يجوز للأب، ولا للجد، ولا للوصي، ولا للحاكم تزويج الصغير المجنون، لأنه لا يحتاج إلى النكاح في الحال، ولا يُدرَى إذا بلغ.. هل يحتاج إلى النكاح أم لا؟ بخلاف الابن الصغير العاقل، لأن الظاهر أنه يحتاج إلى النكاح عند بلوغه. فإن كان المجنون بالغا.. نظرت: فإن كان يجن ويفيق.. لم يجز للولي تزويجه، لأن له حالة يمكن استئذانه فيها، وهو حال إفاقته. وإن لم يكن له حال إفاقة، فإن كان خصيا، أو مجبوبا، أو علم أنه

стр. 4556

لا يشتهي النكاح.. لم يجز للولي تزويجه، لأنه لا حاجة به إلى النكاح. وإن علم أنه يشتهي النكاح، بأن يراه يتبع نظره النساء، أو علم ذلك بانتشار ذكره، أو غير ذلك.. جاز للأب والجد تزويجه، لأن فيه مصلحة له، وهو ما يحصل له به من العفاف.. فإن لم يكن له أب ولا جد.. زوجه الحاكم. [فرع زواج المحجور عليه] وأما المحجور عليه لسفه: فإن كان غير محتاج إلى النكاح، بأن خلق زمنا، أو ممن لا شهوة في النساء.. لم يجز للولي أن يزوجه، لأن عليه فيه مضرة في وجوب المهر والنفقة عليه من غير منفعة. قال الشافعي ﵀: (إلا أن يحتاج إلى امرأة تخدمه.. فيجوز له تزويجه، لأن في ذلك مصلحة له، وهو أنهما إذا كان بينهما نكاح.. صارت محرما له يجوز له الخلوة بها، فيكون أحوط) . وإن كان له حاجة إلى النكاح، وطالب الولي بذلك.. فعلى الولي أن يزوجه، لأن على الولي أن يفعل ما فيه المصلحة له، وهذا من مصالحه، فلزمه القيام به، كالإنفاق على طعامه وكسوته. ولأنه إذا لم يزوجه.. ربما زنا، فأقيم عليه الحد، فيؤدي إلى تلفه. إذا ثبت هذا: فالولي بالخيار: إن شاء زوجه بنفسه وتولى عقد النكاح، لأنه عقد معاوضة، فجاز للولي أن يفعله، كالبيع. وإن اختار أن يأذن له في أن يتزوج بنفسه.. جاز، لأن المحجور عليه من أهل عقد النكاح، ألا ترى أنه يصح منه الطلاق والخلع؟ وإنما منع منه بغير إذن وليه خوفا من تبذير المال، فإذا أذن لها الولي.. زال

стр. 4557

هذا المعنى، فجاز. ويخالف الصبي المراهق، فإن الأب أو الجد إذا أذن له في أن يعقد النكاح بنفسه.. لم يصح، لأنه ليس من أهل عقد النكاح، ولهذا لا يصح منه الطلاق والخلع. فإذا أذن له الولي أن يتزوج امرأة بعينها، أو من قبيلة عينها له.. جاز. وإن أطلق له الإذن.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ: أحدهما: يجوز، كما يجوز للسيد أن يطلق الإذن للعبد في النكاح. والثاني: لا يجوز، لأنه ربما تزوج امرأة شريفة يستغرق مهرها ماله. ويخالف العبد، فإن العادة أنه لا يزوج الشريفة، والمهر أيضا في كسبه، فلا يؤدي إطلاق إذنه إلى إتلاف ماله، بخلاف المحجور عليه. فإذا تزوج المحجور عليه بإذن الولي.. لم يتزوج إلا بمهر المثل، أو بأقل منه، لأن ما زاد عليه محاباة، فلا يصح منه. فإن تزوج بمهر المثل أو بأقل منه.. صح، وإن تزوج بأكثر من مهر المثل.. قال الشافعي ﵀: (رد الفضل منه) . ولا خلاف أن الزيادة على مهر المثل باطلة. وقول الشافعي ﵀: (رد الفضل منه) له تأويلان: أحدهما: أنه أراد أنه لا يثبت ولا يلزم. والثاني: أنه أراد إن كان الولي قد سلم إليه مهر المثل والزيادة، وسلم الجميع إلى المرأة.. لزمها رد الفضل. وكلا التأويلين صحيح. قال ابن الصباغ: وظاهره أن الفضل يبطل، ويصح عقده في الباقي. قال: وكان القياس يقتضي: أن تبطل تسميته، ويثبت مهر المثل في ذمته، لأن التسمية إذا كانت صحيحة.. ملكت مما عينه لها مهر مثلها. وإن طلب المحجور عليه من الولي أن يزوجه، فامتنع الولي، فتزوج المحجور عليه بنفسه.. فهل يصح؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح، لأنه محجور عليه تزوج بغير إذن وليه فلم يصح، كالعبد، أو كما لو تزوج قبل الطلب.

стр. 4558

والثاني: يصح؛ لأن هذا حق تعين له، فإذا لم يتمكن من الوصول إليه من جهة من وجب عليه.. كان له أن يستوفيه بنفسه، كما لو كان له على رجل دين، فامتنع من أدائه.. فله أخذه من ماله بغير إذنه. فإن تزوج المحجور عليه بغير إذن مع إمكان إذنه.. فالنكاح فاسد.. فإن وطئ المرأة.. فهل يجب عليه مهر المثل؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ: أحدهما: يجب عليه لأنه أتلف بضعها بشبهة، فجرى مجرى إتلاف المال. والثاني: لا يجب عليه شيء، لأنها بذلته باختيارها، فهو كما لو باعته مالا وأقبضته إياه.. فإنه لا يضمنه بالإتلاف. [مسألة تزويجه لابنته الصغيرة بغير كفء] قال الشافعي ﵀: (وليس له أن يزوج ابنته الصغيرة عبدا، ولا غير كفء، ولا مجنونا، ولا مخبولا، ولا مجذوما، ولا أبرص) . وهذا كما قال: لا يجوز للرجل أن يزوج ابنته الصغيرة لغير كفء، والعبد ليس بكفء للحرة، وقد مضى شروط الكفاءة. فلا يجوز أن يزوجها لمجنون ولا مخبول، لأن القصد من النكاح الاستمتاع، وهذا متعذر منه ولأنه لا يؤمن أن يجني عليها فـ (المخبول) هو: الذي تقادم جنونه وسكن، فلا يتأذى الناس به، أو يكون أبله، لا يحصل منه أذية لغيره. و (المجنون) هو: الذي يكون في ابتداء جنونه يتأذى به الناس. ولا يزوجها بمجذوم ولا أبرص، لأن النفس تعاف ممن به هذه العيوب. قال الشيخ أبو حامد: ولأنه يقال: إن هذه العيوب تعدي، وربما أعدت إليها أو إلى ولدها منه.

стр. 4559

وكذلك لا يزوجها بخصي، ولا مجبوب، لأن المقصود من النكاح الاستمتاع وذلك لا يوجد منه. فإن خالف الأب وزوج ابنته الصغيرة ممن به أحد هذه العيوب.. فهل يصح النكاح؟ على الطرق الثلاث إذا زوج المرأة من غير كفء من غير رضاها، أو من غير رضا سائر الأولياء. فإذا قلنا: إن النكاح باطل.. فلا كلام، وإن قلنا: إن النكاح صحيح.. فهل يجب على الأب أن يختار فسخ النكاح، أو يدعه حتى تبلغ فتختار؟ حكى القاضي أبو الطيب فيه قولين، وحكاهما الشيخ أبو حامد وجهين: أحدهما: يجب عليه ذلك، لأنه قد فرط، فكان عليه أن يتلافى تفريطه، كالوكيل إذا اشترى شيئا معيبا. والثاني: لا يجب عليه، وليس له ذلك، لأن الشهوات تختلف، وقد تختار المرأة التزويج ممن به هذه العيوب. فعلى هذا: إذا بلغت.. كانت بالخيار: فإن شاءت.. فسخته، وإن شاءت.. أقرته. قال ابن الصباغ: هذا إذا كان المزوج هو الولي وحده، وأما إذا كان معه غيره: فلهم الاعتراض على العقد، وفسخه قولا واحدا، لأن العاقد أسقط حقه برضاه، والباقون لم يرضوا. وإن أراد أن يزوج أمته من عبد.. جاز، لأنه مكافئ لها. وإن أراد أن يزوجها من غير كفء لها.. قال الشيخ أبو حامد: صح، لأن الكفاءة إنما اعتبرت في نكاح الحرة، لما يلحقها بعقده من النقص في نسبها، والأمة لا نسب لها، فيلحقها النقص فيه.. ولكن إن أراد تزويجها بمجنون، أو مخبول، أو مجذوم، أو أبرص، أو مجبوب، أو خصي لم يكن له ذلك، لأن الضرر الذي يلحق الحرة في ذلك يلحق الأمة.. فلم يجز. فإن قيل: أليس لو باع أمته من مجذوم، أو أبرص، أو مجبوب، أو مخبول ... صح البيع؟

стр. 4560

قلنا: الفرق بينهما: أن المقصود من النكاح الاستمتاع، بدليل: أنه لا يصح تزويجها ممن لا يحل له الاستمتاع بها. والمقصود بالبيع: المال، ولهذا: يصح بيعها ممن لا يحل له الاستمتاع بها. فإن خالف وزوج أمته ممن به أحد هذه العيوب.. فهو كما لو زوج ابنته لغير كفء من غير رضاها، فإن قلنا: لا يصح.. فلا كلام. وإن قلنا: يصح، فإن كانت كبيرة.. كان لها الخيار في فسخ النكاح، وإن كانت صغيرة أو مجنونة.. فهل يجب على السيد أن يفسخ النكاح، أو ليس له ذلك بل تترك إلى أن تبلغ وتختار؟ فيه وجهان، كما قلنا فيه إذا زوج ابنته الصغيرة من أحدهم. [فرع تزويجه ابنه الصغير امرأة ليست بكفء أو بها عيب] ولا يزوج ابنه الصغير بامرأة ليست بكفء له، ولا بمجنونة، ولا بمخبولة، ولا مجذومة، ولا برصاء، ولا رتقاء، ولا قرناء، لأنه لا مصلحة له في تزويج إحداهن. فإن زوجه بأمة.. لم يصح قولا واحدا، لأن تزويج الأمة إنما يصح للحر إذا لم يجد طول حرة، ويخاف العنت، فإن كان الصبي موسرا.. لم يوجد الشرطان في حقه، وإن كان معسرا.. فإنه لا يخاف العنت. وإن زوجه بحرة ليست بكفء له، أو بها أحد هذه العيوب.. فهل يصح؟ على الطرق الثلاث فيمن زوج ابنته الصغيرة بغير كفء. فإذا قلنا: يصح.. فهل يجب عليه أن يفسخ النكاح، أو ينتظر بلوغه؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما. وإن زوج ابنه المجنون برتقاء أو قرناء، فإن قلنا: يصح تزويج الصغير العاقل بها.. صح في المجنون. وإن قلنا: لا يصح تزويج الصغير العاقل بها.. ففي المجنون وجهان:

стр. 4561

أحدهما: لا يصح، كما لو زوجها من الصغير العاقل. والثاني: يصح، لأنه لا ضرر عليه في ذلك، لأنه لا يحتاج إلى الوطء. [فرع أصناف لا تزوج للصغير] قال الصيمري: ولا يزوج ابنه الصغير بعجوز هرمة، ولا بمقطوعة اليدين أو الرجلين، ولا عمياء، ولا زمنة، ولا بيهودية، ولا نصرانية. ولا يزوج ابنته الصغيرة بشيخ هرم، ولا بمقطوع اليدين أو الرجلين، ولا بأعمى، ولا زمن، ولا بفقير مرمل وهي غنية. فإن فعل ذلك.. فسخ. وعندي: أنها تحتمل وجها آخر: أنه لا يكون له الفسخ، لأنه ليس بأعظم ممن زوج ابنته الصغيرة بمجذوم أو أبرص. [مسألة إجبار العبد على النكاح] وإن دعا السيد عبده البالغ النكاح، فامتنع العبد.. فهل يجبره السيد على النكاح؟ فيه قولان: [أحدهما] : قال في القديم: (له إجباره على النكاح) - وبه قال مالك، وأبو حنيفة رحمهما الله - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] [النور: ٣٢] . والظاهر: أن للسادة إنكاح العبيد والإماء على كل حال. ولأنه رقيق له، يملك بيعه، فملك إجباره على النكاح، كالأمة. و [الثاني] : قال في الجديد: (لا يملك إجباره) - وبه قال أحمد رحمة الله عليه- لأن النكاح سبب يملك به الاستمتاع، فلم يملك المولى إجبار عبده عليه، كالقسم بين امرأتيه. ولأنه لو كان للعبد زوجة.. لم يملك المولى إجباره على الوطء، فلم يملك إجباره على النكاح. وإن كان العبد صغيرا أو مجنونا.. فهل يملك المولى إجباره على النكاح؟ من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالكبير العاقل.

стр. 4562

ومنهم من قال: له إجباره قولا واحدا، لأن للصغر والجنون تأثيرا في الإجبار على النكاح، بدليل: أنه يجبر ابنه الصغير والمجنون على النكاح، ولا يجبر العاقل البالغ. [فرع طلب العبد النكاح] وإن طلب العبد من سيده أن يأذن له في النكاح، فإن أذن له أن يتزوج ممن شاء، أو أذن له مطلقا.. كان له أن يتزوج ممن شاء، حرة كانت أو أمة. وإن تزوج من بلد غير بلد السيد.. صح النكاح، ولكن للسيد أن يمنعه من الخروج إليها، لأن له أن يمنعه من السفر. وإن أذن له أن يتزوج امرأة بعينها، حرة أو أمة فتزوج غيرها، أو أذن له أن يتزوج أمة فتزوج حرة، أو أذن له أن يتزوج حرة فتزوج أمة.. لم يصح، لأنه خالف الإذن. فإن أذن له أن يتزوج من بلد فتزوج من بلد غيرها.. لم يصح، لما ذكرناه. قال الصيمري: فإن كان للمرأة عبد فسألها التزويج، فأذنت له أن يتزوج وهو بالغ عاقل.. جاز، لأنه بالغ عاقل، وقد رفعت الحجر عنه بالإذن. فإن كان مجنونا أو صغيرا.. جاز أن تأذن لوليها أن يعقد له التزويج. وإن امتنع السيد من الإذن له.. فهل يجبر؟ فيه قولان: أحدهما: يجبر - وبه قال أحمد رحمة الله عليه- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] [النور: ٣٢] ، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.. ولأنه مكلف دعا إلى إنكاحه لحاجته إليه، فأجبر وليه على إنكاحه، كالمحجور عليه للسفه إذا طلب النكاح. والثاني: لا يجبر السيد- وبه قال مالك وأبو حنيفة رحمة الله عليهما- وهو الأصح، لأنه شخص يملك رقه، فلم يجبر على إنكاحه، كالأمة، والآية: المراد بها الندب. ويخالف السفيه، فإن المنع من إنكاحه، لحظه، فإذا كان محتاجا إلى النكاح.. فالحظ له في التزويج، والمنع من تزويج العبد لحظ السيد، فلو أجبرناه

стр. 4563

على إنكاحه.. لأسقطنا حظه. هذا ترتيب الشيخ أبي حامد. وقال المسعودي [في" الإبانة "] : هل يجبر السيد على إنكاح العبد؟ إن قلنا: إن السيد يجبر العبد على النكاح.. لم يجبر السيد على إنكاح العبد. وإن قلنا: إن السيد لا يجبر العبد على النكاح.. أجبر السيد على إنكاح العبد. ومن أصحابنا من قال: لا يجبر السيد على إنكاح العبد قولا واحدا، لأنه لا ولاية للعبد على سيده. فإن قلنا: لا يجبر السيد على إنكاح العبد، فإن كان السيد رشيدا.. استحب له تزويجه، وإن كان السيد محجورا عليه.. لم يجز لوليه تزويج عبده. وإن قلنا: يجبر السيد على إنكاح العبد، فإن كان السيد بالغا رشيدا.. أمره الحاكم بإنكاحه، فإن امتنع.. زوجه الحاكم. وإن كان السيد محجورا عليه.. جاز لولي المحجور عليه أن يأذن لعبده في النكاح، فإن لم يأذن له.. أذن له الحاكم. [فرع المدبر والمعلق عتقه بصفة أو المبعض] وحكم المدبر والمعلق عتقه بصفة حكم العبد في ذلك، لأنه رقيق يملك بيعه. وأما من نصفه حر ونصفه مملوك: فإن أراد المولى إجباره على النكاح.. لم يكن له ذلك قولا واحدا، لما فيه من الحرية. وإن طلب العبد النكاح، فإن أذن له مالك نصفه في النكاح، فنكح.. صح، وإن امتنع السيد..فهل يجبر؟ على القولين، كما لو كان يملك جميعه. وإن ملك السيد عبده جارية، وقلنا: إنه لا يملكها.. لم يكن للعبد وطؤها. وإن قلنا: إنه يملكها، فإن أذن له السيد في وطئها.. جاز له وطؤها، وإن لم يأذن له في وطئها.. لم يكن له وطؤها. وإن كان نصفه حرا ونصفه مملوكا، فملك بنصفه الحر جارية.. فهل له أن يطأها؟ قال الشافعي ﵀: (ولا يتسرى العبد، ولا من لم تكمل فيه الحرية) . قال الشيخ أبو حامد: يبنى هذا على القولين: أن العبد يملك:

стр. 4564

إن قلنا: لا يملك.. لم يكن لهذا أن يطأ وإن أذن له السيد في الوطء، لأن الوطء لا يتبعض. وإن قلنا: إنه يملك.. لم يكن له أن يطأها قبل أن يأذن له السيد في الوطء، لأن الوطء لا يتبعض. فإن أذن له السيد في الوطء.. جاز، لأنه يجوز له أن يأذن لعبده القن في الوطء على هذا القول، فهذا أولى. قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر، لأن السيد لا حق له في الأمة الموطوءة. وأما ما في العبد من الرق: فإنه لا يمنعه من استيفاء الوطء بما يملكه بنصفه الحر، كما يجوز له أن يتصرف ويأكل ما ملكه بنصفه الحر وإن كان يأكل ويتصرف في جميع بدنه. [فرع إجبار المكاتب أو السيد على النكاح] فأما المكاتب: فإن أراد المولى إجباره على النكاح.. لم يكن له ذلك قولا واحدا، لأنه صار في الكتابة كالخارج عن ملكه، ولأنه يلزمه المهر والنفقة، وفي ذلك إضرار به. وإن دعا المكاتب سيده إلى النكاح، فامتنع السيد.. فهل يجبر؟ إن قلنا: يجبر السيد على إنكاح العبد القن.. أجبر على إنكاح المكاتب. وإن قلنا: لا يجبر السيد على إنكاح العبد القن.. فهل يجبر على إنكاح المكاتب؟ فيه وجهان: أحدهما: يجبر عليه، لأنه لا يفوت على السيد بذلك حقا، لأنه لا يملك كسبه. والثاني: لا يجبر عليه، لأن حق المولى متعلق بكسبه، بدليل: أن المكاتب لا يملك أن يهب كسبه، ثم لا يحابي به، وفي النكاح يستحق كسبه للمهر والنفقة. [فرع إجبار أحد المالكين العبد على النكاح أو طلب العبد له] وأما العبد بين الشريكين: فإن أرادا إجباره على النكاح فامتنع.. فهل لهما إجباره؟ فيه قولان، كالعبد لسيد واحد. وإن أراد أحدهما إجباره على النكاح وامتنع السيد الآخر والعبد.. لم يجبر العبد قولا واحدا، لأنه لا حق للسيد الطالب لإنكاحه في ملك السيد الآخر.

стр. 4565

وإن سأل العبد سيديه أن ينكحاه، فامتنعا..فهل يجبران؟ فيه قولان، كما لو كان لسيد واحد. وإن أجاب أحد السيدين العبد إلى النكاح، وامتنع السيد الآخر.. فهل يجبر الممتنع؟ قال الشيخ أبو حامد: إن قلنا: يجبران لو امتنعا معا.. أجبر الممتنع منهما. وإن قلنا: لا يجبران لو امتنعا معا.. فهل يجبر الممتنع منهما؟ فيه وجهان، كالمكاتب إذا امتنع سيده من تزويجه، لأن جنبة العبد قد قويت بانضمام إجابة أحد سيديه له، فكان كالمكاتب. قال ابن الصباغ: وهذا بعيد، لأنه يملك نصفه ملكا تاما يتعلق حقه بكسبه، بخلاف المكاتب، ويبطل بمن نصفه حر ونصفه مملوك، إذا طلب من سيده النكاح، لأن الحرية فيه أكثر من إجابة مالك نصفه. [مسألة شرط حضور الشاهدين وصفتهما] ولا يصح النكاح إلا بحضرة شاهدين ذكرين عدلين، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، والحسن البصري، وابن المسيب، والنخعي، والشعبي، والأوزاعي، وأحمد ﵃. وقال ابن عمر، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن مهدي، وداود، وأهل الظاهر: (لا يفتقر النكاح إلى الشهادة) . وبه قال مالك، إلا أنه قال: (من شرطه أن لا يتواصوا بكتمانه، فإن تواصوا على كتمانه.. لم يصح النكاح وإن حضره شهود) . وبه قال الزهري.

стр. 4566

وقال أبو حنيفة: (من شرطه الشهادة، إلا أنه ينعقد بشهادة رجلين فاسقين، وعدوين، ومحدودين، شاهد وامرأتين) . دليلنا: ما روى عمران بن الحصين: أن النبي ﷺ قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدين» . وروت عائشة: أن النبي ﷺ : «كل نكاح لم يحضره أربعة.. فهو سفاح: خاطب، وولي، وشاهدان» . وروت عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل» . وروى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل» . ولأنه عقد، فلم يكن من شرط صحته ترك التواصي بالكتمان، كالبيع. ولأن كل ما لم يثبت بشهادة عبدين.. لم يثبت بشهادة فاسقين، كالإثبات عند الحاكم. [فرع عدالة الشهود ظاهرا وباطنا] ] . قال الشافعي ﵀: (والشهود على العدالة، حتى يعلم الجرح يوم وقع النكاح) . وجملة ذلك: أنه إذا عقد النكاح بحضرة شاهدين، فإن علمت عدالتهما ظاهرا وباطنا.. انعقد النكاح بشهادتهما، وإن عملت عدالتهما في الظاهر، وجهلت في الباطن.. ففيه وجهان، حكاهما في " المهذب ". [أحدهما] : قال أبو سعيد الإصطخري: لا يصح، لأن ما افتقر ثبوته إلى الشهادة.. لم يثبت بمجهول الحال، كالإثبات عند الحاكم. والثاني - وهو المذهب، ولم يحك الشيخ أبو حامد وابن الصباغ غيره-: أن النكاح صحيح، لأن الظاهر العدالة، ولأنا لو اعتبرنا العدالة الباطنة.. لم ينعقد النكاح إلا بحضرة الحاكم؛ لأن العامة لا يعرفون شروط العدالة، وقد أجمع المسلمون: على جواز انعقاده بغير حضور الحاكم. فإذا قلنا بهذا: فبان أنهما فاسقان، فإن حدث هذا الفسق بعد العقد.. لم يؤثر،

стр. 4567

لأن الاعتبار وجود العدالة حال العقد.. وإن بان أنهما فاسقان حال العقد.. لم يصح النكاح، لأن فسقهما ينافي قبول شهادتهما على النكاح. ومن أصحابنا من قال: فيه قولان، كالقولين في الحاكم إذا حكم بشهادة شاهدين ظاهرهما العدالة، ثم بان فسقهما حال الشهادة. وليس بشيء. فإن ترافع الزوجان إلى الحاكم، وأقرا بالنكاح، وأنه عقد بشهادة رجلين ظاهرهما العدالة، واختصما في حق من حقوق الزوجية، كالنفقة والكسوة وما أشبههما.. فإن الحاكم يحكم بينهما فيما احتكما فيه، ولا ينظر في حال عدالة الشاهدين في الباطن، إلا أن يعلم أنهما فاسقان.. فلا يحكم بينهما. فإن جحد أحد الزوجين الآخر، فأتى المدعي منهما بشاهدين، فإن علم الحاكم عدالتهما ظاهرا وباطنا حين عقد النكاح.. حكم بصحة النكاح. وإن علم فسقهما حال الشهادة.. لم يحكم بصحة العقد، بل يحكم بفساده على المذهب. وإن عرف أنهما كانا عدلين في الظاهر، وجهل عدالتهما في الباطن.. فلا يجوز أن يحكم بصحة العقد ولا بفساده، بل يتوقف إلى أن يعلم عدالتهما في الباطن، لأنه لا يجوز أن يحكم بشهادة شاهد إلا بعد المعرفة بحاله ظاهرا وباطنا، بخلاف ما لو أقرا بالنكاح. هكذا ذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق ". وذكر ابن الصباغ: أن الرجل إذا ادعى نكاح امرأة بولي وشاهدي عدل، فأقام شاهدين عند الحاكم.. فإنه يبحث عن حالهما حين الحكم، ولا يبحث عن حالهما حين العقد. والأول أصح. وهل ينعقد النكاح بشهادة أعميين، أو أعمى وبصير؟ فيه وجهان: أحدهما: ينعقد، لأن الأعمى من أهل الشهادة. والثاني: لا يصح، لأنه لا يعرف العاقد، فهو كالأصم الذي لا يسمع لفظ العاقد.

стр. 4568

وهل ينعقد بشهادة أخرسين، أو أخرس وناطق؟ فيه وجهان: أحدهما: لا ينعقد. قال الشيخ أبو حامد: وهو المذهب، لأن الشهادة تفتقر إلى صريح اللفظ، والأخرس لا يتأتى منه ذلك. والثاني: ينعقد. قال القاضي أبو الطيب: وهو المذهب، لأن إشارته إذا كانت مفهومة.. تقوم مقام عبارة وغيره. وهل ينعقد بشهادة أصحاب الصنع الدنية، مثل: الحجام والحائك والكناس وغيرهم؟ فيه وجهان، بناء على جواز قبول شهادتهم في سائر الحقوق، ويأتي بيانهما في موضعهما، إن شاء الله تعالى. وإن عقد النكاح بشهادة ابني أحد الزوجين، أو بشهادة أبيه وجده، أو بشهادة عدوي أحد الزوجين.. صح النكاح، لأن النكاح يثبت بشهادتهما، وهو: إذا شهد الابنان على والدهما، أو شهد العدوان لعدوهما. وإن عقد النكاح بشهادة ابني أحد الزوجين، أو ابن لهذا وابن لهذا، أو جد هذا وجد هذا، أو عدوين لهما.. ففيه وجهان: أحدهما: ينعقد، لأنهما من أهل الشهادة في النكاح في الجملة. والثاني: لا ينعقد، لأنه لا يثبت بشهادتهما بحال من الأحوال. ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: ينعقد بشهادة العدوين وجها واحدا، لأن العداوة قد تزول. [فرع ما يشترط في حضور وسماع الشاهدين] وليس من شرط الشهادة إحضار الشاهدين، بل لو حضر الشاهدان لأنفسهما، وسمعا الإيجاب والقبول.. صح ذلك. ولو سمعا الإيجاب والقبول، ولم يسمعا

стр. 4569

الصداق.. صح النكاح، لأن الصداق ليس بشرط في النكاح. وإن سمع أحد الشاهدين الإيجاب، وسمع الآخر القبول.. لم يصح النكاح، لأنهما شرط في الإيجاب والقبول. [فرع ما يشترط في ولي الكتابية والشاهدين] إذا تزوج المسلم كتابية.. فإنه يتزوجها من وليها الكافر، إذا كان عدلا في دينه، ولا يصح إلا بحضرة شاهدين مسلمين عدلين. وقال أحمد ﵀: (لا يصح أن يتزوجها إلا من المسلم) . وقال أبو حنيفة: (يتزوجها من وليها الكافر، ويصح أن يكون بشهادة كافرين) . دليلنا - على أحمد ﵀ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] [التوبة: ٧١] . فدل على: أنه لا ولاية لهم على الكافرين. وعلى أبي حنيفة ﵀: أنهما شاهدان لا يثبت بهما نكاح المسلمة، فلم يثبت نكاح الكافرة، كالعبدين. والفرق بين الولي والشاهدين: أن الولي إنما أريد لدفع العار عن النسب، والكافر كالمسلم في دفع العار. والشاهدان يرادان لإثبات الفراش عند جحد أحد الزوجين، وليس الكافر كالمسلم في إثبات الفراش، لأنه لا يثبت بشهادته الفراش. ولأن الولي يتعين في العقد، فتأكد حاله، فجاز أن يكون كافرا، والشاهد لا يتعين، فلم يجز أن يكون كافرا. [فرع اختلاف حال الشاهدين بين الإيجاب والقبول وشهادة الخثنى] فإن حضر عقد النكاح عبدان أو كافران، فوقع الإيجاب في حال رقهما أو في حال كفرهما، ووقع القبول في حال عتقهما أو في حال إسلامهما.. لم يصح، لأنه يشترط كمالهما عند الإيجاب والقبول وإن عقد النكاح بشهادة رجل وخنثى، أو بشهادة خنثيين.. لم يصح، لأنه لا يتيقن كونه رجلا. فلو بان أنه رجل في الأولى، أو بانا رجلين في الثانية.. قال

стр. 4570

القاضي: احتمل أن يكون في العقد وجهان، كما لو صلى رجل خلف خنثى، فبان أنه رجل قبل أن يقضي المؤتم به. [مسألة اختلاف الزوجين بحال الشاهدين] ] : إذا اختلف الزوجان، فقالت الزوجة: عقدنا بشهادة فاسقين، وقال الزوج: عقدنا بشهادة عدلين.. ففيه وجهان: أحدهما: أن القول قول الزوج مع يمينه، لأن الظاهر العدالة. والثاني: القول قول الزوجة مع يمينها، لأن الأصل عدم العدالة وعدم العقد. إذا ثبت هذا: فالذي يقتضي المذهب: أن الزوج لو مات والزوجة باقية.. فإنها لا ترثه، لأنها تقر: أنها ليست بزوجة له. وأما المهر: فإن مات قبل أن يدخل بها: أو طلقها قبل الدخول.. فإنها لا تستحق عليه مهرا، لأنها لا تدعيه. وإن دخل بها.. فإنها لا تستحق عليه إلا أقل الأمرين: من المسمى، أو مهر المثل، لأنه إن كان المسمى أقل.. لم يجب لها أكثر منه بيمين الزوج، وإن كان مهر المثل أقل.. لم يجب لها أكثر منه، لأنها لا تدعي الزيادة. وإن قال الزوج: عقدنا بشهادة فاسقين، وقالت المرأة: عقدنا بشهادة عدلين.. فمن القول قوله؟ على الوجهين الأولين. وعلى كلا الوجهين: يحكم عليه بانفساخ النكاح، لأنه أقر بتحريمها عليه. فإن كان ذلك قبل الدخول، فإن قلنا: القول قوله، فحلف.. فلا شيء عليه. وإن قلنا: القول قولها، أو نكل فرد عليها اليمين فحلفت.. وجب لها نصف المسمى. وإن كان ذلك بعد الدخول، فإن قلنا: القول قوله، فحلف.. لزمه أقل الأمرين: من المسمى، أو مهر المثل، لأنها لا تدعي أكثر من المسمى. وإن قلنا: القول قولها فحلفت، أو قلنا: القول قوله فنكل، وحلفت.. لزمه المسمى.

стр. 4571

وإن ماتت قبله.. لم يرثها، لأنه يقر: أنها ليست له بزوجة. وإن مات قبلها، فإن قلنا: القول قوله، فمات قبل أن يحلف.. انتقلت هذه اليمين إلى سائر ورثته، فيحلفون: أنهم لا يعلمون أنه تزوجها بشهادة عدلين. ولا ترث معهم. وإن قلنا: القول قولها.. حلفت: أنه نكحها بشهادة عدلين. وورثته. [مسألة تعيين المرأة في النكاح] مسألة: [لا بد في النكاح من تعيين المرأة] : إذا أراد عقد النكاح على امرأة.. فلا بد أن تتميز عن غيرها بالمشاهدة، أو بالصفة، أو بالتسمية. فإذا كان له ابنة واحدة وهي حاضرة، فإن قال: زوجتك هذه.. صح، ولم يحتج إلى ذكر اسمها، ولا إلى صفتها. وإن قال: زوجتك ابنتي هذه، وزوجتك هذه عائشة.. صح، لأنها تميزت بالإشارة، وكان ما زاد تأكيدا. وإن كان اسمها عائشة، فقال: زوجتك هذه فاطمة.. فقال البغداديون من أصحابنا: يصح، لأنه لا حكم لتغيير الاسم مع الإشارة. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : هل يصح؟ فيه وجهان، وبناء على الوجهين فيما لو قال: بعتك هذا البغل، وكان حمارا، أو فرسا. وإن كان له ابنة واحدة اسمها عائشة، وهي غائبة عنهما، فإن قال: زوجتك ابنتي.. صح، لأن قوله ابنتي صفة لازمة لها لا تختلف، وليس له غيرها. وإن قال: زوجتك ابنتي عائشة.. صح، لأن النكاح ينعقد بقوله: ابنتي، فإذا سماها باسمها.. كان تأكيدا. وإن قال: زوجتك ابنتي فاطمة، فغير اسمها.. فقال البغداديون من أصحابنا: يصح، لأن قوله ابنتي صفة لازمة لها لا تختلف ولا تتغير، والاسم يتغير ويختلف، فاعتبر حكم الصفة اللازمة، وألغي الاسم. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : لا يصح، ولم يذكر له وجها. وإن قال: زوجتك عائشة، وقصد ابنته.. فذكر الشيخ أبو إسحاق، والطبري في

стр. 4572

" العدة "، وحكاه ابن الصباغ عن الشيخ أبي حامد: أنه يصح، لأنها تتميز بالنية. وإن لم يقصد ابنته.. لم يصح. قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر، لأن هذا العقد يعتبر فيه الشهادة، فلا بد أن يكون العقد مما يصح أداء الشهادة على وجه يثبت به العقد، وهذا متعذر في النية. ولم أجد فيما قرأت من تعليق الشيخ أبي حامد، وفي " المجموع " إلا أنه لا يصح من غير تفصيل، لأن هذا الاسم يقع على ابنته وعلى من اسمها عائشة، فلا تتميز بذلك عن غيرها. فإن كانت له ابنتان: كبيرة اسمها عائشة، وصغيرة اسمها فاطمة، فإن قال: زوجتك ابنتي، أو إحدى ابنتي.. لم يصح؛ لأن المزوجة غير متميزة. وإن قال: زوجتك ابنتي عائشة، أو ابنتي الكبيرة.. صح، لأنه قد ميزها بالصفة أو بالاسم، وإن قال: زوجتك ابنتي الكبيرة عائشة.. صح، لأن هذا آكد. وإن قال: زوجتك ابنتي الكبيرة فاطمة، فغير اسمها.. صح العقد على الكبيرة، لأن الاعتبار بالصفة دون الاسم. وهكذا إن قال: زوجتك ابنتي الصغيرة عائشة، فغير اسمها.. صح النكاح على الصغيرة، ولا يضر تغييره للاسم. وعلى قول المسعودي [في" الإبانة "] في التي قبلها: لا يصح هاهنا. وإن قال: زوجتك ابنتي عائشة، وهو ينوي الصغيرة، واسم الصغيرة فاطمة، فقبل الزوج وهو ينوي الصغيرة أيضا.. قال الشيخ أبو حامد: ينعقد النكاح على الصغيرة، لاتفاق نيتهما، ولا يضر تغيير الاسم. وإن قال: زوجتك ابنتي عائشة، وهو ينوي الصغيرة، وقبل الزوج وهو ينوي الكبيرة.. انعقد النكاح في الظاهر على الكبيرة، لأنه أوجب نكاحها له فقبله، وفي الباطن هو مفسوخ، لأنه أوجب له النكاح في الصغيرة، فقبل في الكبيرة. وإن قال: زوجتك ابنتي، فقبل الزوج، ونويا الكبيرة.. فقال الشيخ أبو إسحاق: صح، لأنها تميزت بالنية. وقال ابن الصباغ: لا يصح، لأنه لا يمكن أداء الشهادة في هذا.

стр. 4573

[فرع اختلاف البنتين على العقد بعد وفاة وليهما] وإن كان لرجل ابنتان، فزوج رجلا إحداهما بعينها، ثم مات الأب، وادعت كل واحدة اثنتين على الزوج أنها هي التي زوجها أبوها منه، فإن أنكرهما.. حلف لكل واحدة منهما يمينا، وإن أقر لإحداهما.. ثبتت زوجيتها. فإن ادعت عليه الأخرى النكاح بعد ذلك.. قال ابن الحداد: لم تسمع دعواها، لأنه قد أقر بتحريمها على نفسه. وإن ادعت عليه نصف المهر.. فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف لها.. فلا كلام، وإن نكل.. حلفت، ووجب لها نصف المسمى الذي ادعته. وإن لم يدعيا عليه، ولكنه ادعى على إحداهما أنها زوجته، فإن أقرت له.. ثبت النكاح بينهما وإن أنكرت.. حلفت له، وسقطت دعواه. وإن نكلت، فحلف.. ثبت نكاحها له. فإن ادعى بعد ذلك على الأخرى.. لم تسمع دعواه. قال ابن الحداد: ووجب عليه لها نصف مهرها. قلت: وينبغي أنه لا يثبت لها ذلك إلا إذا ادعته، فأما إذا لم تدعه.. لم يثبت لها. قال ابن الحداد: ويكون ذلك إبطالا لنكاح التي أقر بنكاحها أولا، ويجب لها نصف مهرها إن لم يدخل بها، وجميع مهرها إن كان قد دخل بها. [فرع تزويج الحمل] فرع [لا يصح تزويج الحمل] : إذا قال زوجتك حمل هذه المرأة إن كان ابنة.. لم يصح النكاح، لأنه قد يكون ريحا فينفش فلا يتحقق وجوده، وقد يكون ذكرا، وقد يكون ابنتين فلا يعلم أيتهما المعقود عليها، وهذا غرر من غير حاجة، فلم يصح. [فرع الكتابة للولي بطلب التزويج لا تعد وكالة] إذا كتب رجل إلى الولي: زوجني ابنتك، فقرأه الولي أو غيره بحضرة شاهدين، فقال الولي: زوجته.. لم ينعقد النكاح.

стр. 4574

وحكى ابن الصباغ: أن أبا حنيفة وأصحابه قالوا: (يصح) . دليلنا: أنه لم يوكل القارئ.. فلم يصح، كما لو استدعاه من غائب، فبلغه، فأوجب. [مسألة ما يقول في خطبة النكاح] وإذا أراد العقد.. خطب الولي، أو الزوج، أو أجنبي، فيحمد الله تعالى، ويصلي على رسوله ﷺ ، ويوصي بتقوى الله، ويرغب في النكاح، لقوله ﷺ : «كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بحمد الله.. فهو أبتر» ، والنكاح من الأمور التي لها بال. ولأن النبي ﷺ خطب لما أراد تزويج فاطمة ﵂. والخطبة مستحبة غير واجبة. وبه قال عامة أهل العلم، إلا داود، فإنه قال: (إنها شرط في النكاح) . دليلنا: قوله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل» ، ولم يشترط الخطبة. ولأن النبي ﷺ : «زوج الواهبة ولم يخطب» ، و: «تزوج عائشة ﵂ ولم يخطب» . إذا ثبت هذا: فللنكاح خطبتان: إحداهما: تتقدم العقد. والثانية: تتخلله. فأما التي تتقدم العقد: فيستحب أن يخطب، لما روى ابن مسعود ﵁:

стр. 4575

أن النبي ﷺ كان يخطب، فيقول: «الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله.. فلا مضل له، ومن يضلل.. فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا رسول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] [النساء:١] : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] [آل عمران:١٠٢] : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] [الأحزاب: ٧٠-٧١] » . قال الشيخ أبو حامد: وقد روي في بعض الروايات: أنه قال في الثلاث الآيات: " يا أيها الناس ". قال: وحكي عن بعض المتأخرين: أنه كان يقول: «المحمود الله، والمصطفى رسول الله ﷺ ، وخير ما عمل به كتاب الله» . قال: وزاد بعضهم، فكان يقول: «المحمود الله ذو الجلال والإكرام، والمصطفى رسول الله ﷺ ، وخير ما عمل به كتاب الله المفرق بين الحلال والحرام» . ويستحب أن يقول في النكاح مما أمر الله به وندب إليه. وأما الخطبة التي تتخلل العقد: فبأن يقول الولي: باسم الله، والحمد لله، وصلى الله على محمد رسول الله، أوصيكم بتقوى الله. ويقول - كما روي عن ابن عمر ﵄: (أنكحتك على ما أمر الله به، ومن إمساك بمعروف أو تسريحٍ

стр. 4576

بإحسان، ثم يقول الزوج: باسم الله، والحمد لله، وصلى الله على رسول الله، أوصيكم بتقوى الله، قبلت نكاحها. فاختلف أصحابنا في صحة العقد مع ذلك: فذكر الشيخ أبو حامد والمحاملي وابن الصباغ: أن ذلك يصح، لأن الخطبة متعلقة بالنكاح، فلم يؤثر فصلها بين الإيجاب والقبول، كالتيمم بين صلاتي الجمع. وحكى الشيخ أبو إسحاق عن بعض أصحابنا: أن الفصل بين الإيجاب والقبول بالخطبة يبطل العقد، كما لو فصل بينهما بغير الخطبة، ويخالف التيمم، فإنه مأمور به بين الصلاتين، والخطبة مأمور بها قبل العقد. ويكره أن يقال للزوج بعد العقد: بالرفاء والبنين، لما روي: «أن النبي ﷺ نهى أن يقال: بالرفاء والبنين» ، ولكن يستحب أن يقال له: بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير، لما روى أبو هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ كان إذا رفأ الإنسان - إذا تزوج - قال له ذلك» . قال الأصمعي: والرفاء يكون من الاتفاق وحسن الاجتماع، ومنه أخذ رفؤ الثوب، لأنه يضم بعضه إلى بعض ويلأم، ويكون من الهدوء والسكون. قال الشاعر:

стр. 4577

رفوني, وقالوا: يا خويلد! لم ترع ... فقلت, وأنكرت الوجوه: هم هم يقول: سكنوني. [مسألة لفظ النكاح أو التزويج شرط في عقد النكاح] ولا ينعقد النكاح- عندنا- إلا بلفظ النكاح أو التزويج، وهما اللفظتان اللتان ورد بهما القرآن، وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] [النساء:٢٢] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] [الأحزاب:٣٧] . فأما لفظ البيع والتمليك والهبة والإجارة وغيرها من الألفاظ.. فلا ينعقد بها النكاح. وبه قال عطاء، وابن المسيب، والزهري، وربيعة، وأحمد ﵏. وقال أبو حنيفة: (ينعقد النكاح بكل لفظ يقتضي التمليك، كالبيع، والتمليك، والهبة، والصدقة) . وفي لفظ الإجارة عنه روايتان، (ولا ينعقد بلفظ: الإباحة والتحليل) . وقال مالك ﵀: (إن ذكر المهر مع الألفاظ التي تقتضي التمليك.. انعقد بها النكاح، وإن لم يذكر المهر.. لم ينعقد بها النكاح) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] [الأحزاب:٥٠] ، فذكر: أن النبي ﷺ مخصوص بالنكاح بلفظ الهبة، وأن غيره لا يساويه. ولأنه لفظ ينعقد به غير النكاح، فلم ينعقد به النكاح، كالإجارة والإباحة. [مسألة ألفاظ الإيجاب والقبول] مسألة: [صور من ألفاظ الإيجاب والقبول] : قال الشافعي ﵀: (والفرج محرم قبل العقد، فلا يحل أبداً إلا بأن يقول الولي: قد زوجتكها أو أنكحتكها، ويقول الزوج: قد قبلت تزويجها أو نكاحها) .

стр. 4578

وجملة ذلك: أن الولي إذا قال: زوجتك ابنتي، فقال الزوج: قبلت التزويج أو النكاح، أو قال: أنكحتك ابنتي، فقال الزوج: قبلت النكاح أو التزويج.. صح ذلك، لأنه قد وجد الإيجاب والقبول في النكاح أو التزويج. فإن قال الولي: زوجتك ابنتي، أو أنكحتك، فقال الزوج: قبلت ولم يقل النكاح ولا التزويج.. فقد قال الشافعي ﵀ في موضع: (يصح) ، وقال في موضع: (لا يصح) . واختلف أصحابنا فيها على ثلاثة طرق: فـ[الطريق الأول] : منهم من قال: لا يصح قولاً واحداً، وحيث قال: (يصح) أراد: إذا قبل الزوج قبولاً تاماً. و [الثاني] : منهم من قال: يصح قولاً واحداً، وحيث اشترط الشافعي ﵀ لفظ النكاح أو التزويج في القبول.. أراد على سبيل التأكيد. وهذا لا يصح، لأنه قال: (لا ينعقد النكاح) . و [الثالث] : قال أكثر أصحابنا: هي على قولين- وهذا اختيار الشيخ أبي إسحاق وابن الصباغ -: أحدهما: يصح- وهو قول أبي حنيفة وأحمد رحمة الله عليهما- لأن قوله: (قبلت) إذا ورد على وجه الجواب عن إيجاب متقدم.. كان المراد به قبول ما تقدم فصح، كما لو قال: بعتك داري، أو وهبتكها، فقال: قبلت.. فإنه يصح. والثاني: لا يصح. قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح، لأن الاعتبار في النكاح أن يحصل الإيجاب والقبول فيه بلفظ النكاح أو التزويج، فإن عري القبول منه.. لم يصح، كما لو قال رجل لآخر: زوجت ابنتك من فلان، فقال الولي: نعم، وقال الزوج: قبلت النكاح.. فإن هذا لا يصح بلا خلاف. وإن قال الولي: زوجتك ابنتي، فقال الزوج: نعم.. قال الصيمري: هو كما لو قال الزوج: قبلت، على الطرق الثلاث. وقال الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا: لا يصح قولاً واحداً. وإن قال الزوج: زوجني ابنتك، فقال الولي: زوجتك.. صح ذلك، ولا يفتقر

стр. 4579

الزوج إلى أن يقول: قبلت نكاحها- وقد وافقنا أبو حنيفة هاهنا، وخالفنا في البيع- لما روي: أن الذي تزوج الواهبة قال النبي ﷺ : زوجنيها يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : «زوجتكها» ، ولم يأمره بالقبول بعد هذا. وإن قال الزوج: أتزوجني ابنتك؟ فقال الولي: زوجتك.. لم يصح حتى يقول الزوج: قبلت التزويج أو النكاح، لأن قوله: أتزوجني؟ استفهام وليس باستدعاء. ولو قال الولي: أتستنكحها؟ فقال الزوج: قد استنكحت، أو قد تزوجت.. لم يكن بد من قول الولي بعد هذا: زوجتك أو أنكحتك، لأن ما تقدم إنما كان استفهاماً ولم يكن عزيمة. [فرع عقد النكاح بغير العربية] وإن عقد النكاح بالعجمية: فاختلف أصحابنا فيه: فقال الشيخ أبو حامد.. إن كانا يحسنان العربية.. لم يصح العقد بالعجمية وجهاً واحداً، وإن كانا لا يحسنان العربية.. فهل يصح العقد بالعجمية؟ فيه وجهان، المذهب: أنه يصح. وقال القاضي أبو الطيب.. إن كانا لا يحسنان العربية.. صح العقد بالعجمية وجها واحدا، وإن كانا يحسنان بالعربية.. فهل يصح العقد بالعجمية؟ فيه وجهان. وقال الشيخ أبو إسحاق: فيها ثلاثة أوجه: أحدها: لا يصح العقد بالعجمية بكل حال، لقوله ﷺ : «استحللتم فروجهن بكلمة الله» ، وكلمة الله إنما هي بالعربية.

стр. 4580

والثاني: إن كانا يحسنان العربية.. لم يصح العقد بالعجمية، وإن كانا لا يحسنان العربية.. صح عقده بالعجمية، كما قلنا في تكبيرة الإحرام. والثالث: يصح العقد بالعجمية بكل حال، لأن لفظ العجمية يأتي على ما تأتي عليه العربية في ذلك. وإن كان أحدهما يحسن العربية ولا يحسن العجمية، والآخر يحسن العجمية ولا يحسن العربية، وقلنا: يصح العقد بالعجمية.. صح العقد بينهما بشرط أن يفهم القابل أن الولي أوجب له النكاح، لأنه إذا لم يفهم.. لا يصح أن يقبل. وهكذا: إذا حضر شاهدان أعجميان وعقد بالعربية، أو عربيان وعقد بالعجمية.. فلا يصح إلا إذا فهما أن العاقدين عقدا النكاح، لأن الغرض بالشاهدين معرفتهما بالعقد وتحملهما الشهادة. [فرع تخلل وقت بين القبول والإيجاب أو طروء جنون ونحوه] إذا تخلل بين الإيجاب والقبول زمان طويل.. لم يصح، وإن تخلل بينهما زمان يسير يجري مجرى بلع الريق وقطع النفس.. صح، لأن ذلك لا يمكن الاحتراز منه. قال الصيمري: ولو صبر الزوج بعد الإيجاب بعض ساعة، فقبل.. ففيه وجهان. وإن أوجب الولي، فزال عقله بإغماء أو جنون، ثم قبل الزوج، أو استدعى الزوج النكاح، ثم زال عقله قبل إيجاب الولي، ثم أوجب له الولي.. لم يصح. وإن أذنت المرأة لوليها في النكاح، ثم أغمي عليها، أو جنت قبل التزويج.. بطل إذنها، لأن العقد جائز قبل إتمامه، وكذلك الإذن، فانفسخ لما ذكرناه، كالوكالة والشركة. [فرع توكيل من تقبل النكاح] وإذا وكل الزوج من يقبل له النكاح، أو قبل الأب لابنه الصغير.. فإن النكاح لا يصح حتى يسمى الزوج في الإيجاب والقبول، فيقول الولي: زوجت فلانة فلاناً-

стр. 4581

ويسمي الزوج- ويقول القابل من قبل الزوج: قبلت النكاح لفلان- ويسمي الزوج- بخلاف الوكيل في الشراء، فإنه لا يجب ذكر الموكل، لأن النكاح لا يقبل نقل الملك فيه- أي: أن الرجل لا يجوز أن يتزوج امرأة، ثم ينتقل نكاحها منه إلى غيره- والملك في المال يقبل النقل، أي: أنه يجوز أن يتملك الرجل عيناً، ثم ينتقل ملكها منه إلى غيره. قال الطبري: ولهذا قال أصحابنا: لو قال رجل لآخر: وكلتك أن تزوج ابنتي من زيد، فزوجها من وكيل زيد.. صح، لأنه في الحقيقة زوجها من زيد. ولو قال: وكلتك أن تبيع عبدي هذا من زيد، فباعه من وكيل زيد.. لم يصح لهذا المعنى. [فرع عقد النكاح ملزم] وإذا انعقد النكاح.. لزم ولم يثبت فيه خيار المجلس ولا خيار الثلاث، وقد مضى ذلك في البيع. والله أعلم بالصواب.

стр. 4582

[باب ما يحرم من النكاح وما لا يحرم] لا يصح نكاح المرتد والمرتدة، لأن القصد بالنكاح الاستمتاع، وذلك لا يوجد في حقهما، لأنهما يقتلان، ولأن الردة تقتضي إبطال النكاح قبل الدخول، فلا ينعقد النكاح معها، كالرضاع. ولا يصح نكاح الخنثى المشكل، لأنه لا يدرى أنه رجل أو امرأة، فإن أخبر الخنثى: أنه يشتهي النساء فزوج بامرأة.. صح النكاح. وإن حمل هذا الخنثى.. تبينا أنه امرأة، وأن نكاحه كان باطلاً، لأن الحمل دليل على الأنوثية من طريق القطع. [مسألة المحرمات من النساء بالنسب] النساء اللاتي نص الله تعالى على تحريمهن في القرآن أربع عشرة امرأة، ثلاث عشرة بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآية [النساء:٢٣] ، وواحدة في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] [النساء:٢٢] . فسبع منهن حرمن بالنسب، واثنتان بالرضاع، وأربع بالمصاهرة، وواحدة بالجمع. فالسبع المحرمات بالنسب: الأم، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت، بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] الآية [النساء:٢٣] . فأما (الأم) : فيحرم عقد النكاح عليها ووطؤها، للآية. قال الصيمري: ومن أصحابنا من قال: تحريم وطئها علم بالعقل. وليس بشيء. وسواء في التحريم الأم حقيقة- وهي: التي ولدته- والأم مجازاً- وهي: جدته أم أمه وأم أبيه- وكذلك كل جدة من قبل أبيه أو أمه وإن علت.

стр. 4583

وأما (البنت) : فيحرم عليه البنت التي يقع عليها اسم البنت حقيقة، وهي: بنته لصلبه، والبنت التي يقع عليها اسم البنت مجازاً، وهي: بنت بنته، وبنت ابنه وإن سفلت. وأما (الأخت) : فتحرم عليه، سواء كانت لأب وأم، أو لأب، أو لأم، لعموم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] [النساء:٢٣] . وأما (العمة) : فيحرم عليه من يقع عليها اسم العمة حقيقة- وهي: أخت أبيه-سواء كانت أخته لأبيه وأمه، أو لأبيه، أولأمه، ويحرم عليه نكاح من يقع عليها اسم العمة مجازاً، وهي: كل أخت لجد من أجداده من قبل أبيه أو من قبل أمه. وأما (الخالة) : فيحرم عليه نكاح من يقع عليها اسم الخالة حقيقة-وهي: أخت أمه لأبيها وأمها، أو لأبيها، أو لأمها- ويحرم عليه من يقع عليها اسم الخالة مجازاً، وهي: أخت كل جدة له من قبل أمه أو أبيه. وأما (بنت الأخ) : فيحرم عليه بنت أخيه حقيقة- وهي: بنت أخيه لصلبه- ويحرم عليه بنت أخيه مجازاً، وهي: كل من تنتسب إلى أخيه بالبنوة من قبل أبنائه وبناته وإن سفلت. وأما (بنت الأخت) : فيحرم عليه بنت أخته حقيقة- وهي: بنت أخته لصلبه- ويحرم عليه بنت أخته مجازاً، وهي: كل من تنتسب إلى أخته بالبنوة من بنات أبنائها وبناتها وإن سفلت. وهل يحرم كل من يقع عليها الاسم مجازاً بالاسم، أو بالقياس على من وقع عليها الاسم حقيقة؟ فيه وجهان، الصحيح: أنه يحرم بوقوع الاسم عليها، بقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦] [الأعراف: ٢٦] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] [الحج: ٧٨] ، بقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨] [يوسف:٣٨] ، فأطلق عليهم اسم البنوة والأبوة مع البعد. إذا ثبت هذا: فقد عبر بعض أصحابنا عن المحرمات بالنسب، فقال: يحرم على الرجل أصوله، وفصوله، وفصول لأول أصوله، وأول فصل من كل أصل بعده. وهي عبارة حسنة، لأن (أصوله) : من ينتسب الرجل إليه بالبنوة من الأمهات،

стр. 4584

و (فصوله) : من ينسب إلى الرجل بالبنوة، و (فصول أول أصوله) : الأخوات وأولادهن وبنات الإخوة، و (أول فصل من كل أصل بعده) : العمات والخالات، فاحترز عن بنات العمات وبنات الخالات، بقوله: وأول فصل من كل أصل بعده. [مسألة المحرمات بالرضاعة] وأما الاثنتان المنصوص على تحريمهما بالرضاع: فالأم والأخت، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] [النساء:٢٣] . فمتى كان للرجل زوجة، وثار لها لبن من وطئه، فأرضعت به طفلاً، له دون الحولين خمس رضعات متفرقات.. صار كالولد لهما من النسب، وصارا كالوالدين له من النسب في تحريم النكاح وجواز الخلوة، فيحرم عليهما نكاحه ونكاح أولاده وأولاد أولاده وإن سفلوا، لأنه ولدهما. ويحرم على الرضيع نكاح الأم من الرضاع الحقيقة والمجاز، والأخت من الرضاع الحقيقة والمجاز، والعمة من الرضاع الحقيقة والمجاز، والخالة من الرضاع الحقيقة منهن والمجاز، وبنت الأخ من الرضاع الحقيقة والمجاز، وبنت الأخت من الرضاع الحقيقة والمجاز، على ما ذكرناه في المحرمات من النسب، لأن الله تعالى نص على السبع المحرمات بالنسب، ونص على الأم والأخت من الرضاع، لينبه بهما على من تقدم ذكرهن من المحرمات بالنسب. وروت عائشة أم المؤمنين ﵂: أن النبي ﷺ قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» ، وفي رواية: «ما يحرم من الولادة» . ويقال: الرضاع بكسر الراء وفتحها، فإما الرضاعة: فإنها بفتح الراء لا غير.

стр. 4585

[مسألة المحرمات بالمصاهرة] وأما الأربع المنصوص على تحريمهن بالمصاهرة: فأم الزوجة، والربيبة، وحليلة الابن، وحليلة الأب، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] [النساء:٢٢] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] الآية [النساء: ٢٣] . فأما (أما الزوجة) : فإن الرجل إذا عقد النكاح على امرأة.. حرمت عليه كل أم لها، حقيقة أو مجازاً، من جهة النسب أو من جهة الرضاع، سواء دخل بها أو لم يدخل. وبه قال عامة العلماء، إلا ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: أنه قال: (لا يحرم عليه إلا بالدخول بالبنت) ، كالربيبة. وبه قال مجاهد رحمة الله عليه. وقال زيد: (الموت يقوم مقام الدخول) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] [النساء:٢٣] وبالعقد عليها تدخل في اسم نساء العاقد عليها. وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من نكح امرأة، ثم طلقها قبل أن يدخل بها.. حرمت عليه أمها، ولم تحرم ابنتها»

стр. 4586

وأما (الربيبة) : فهي بنت زوجته، فإذا عقد النكاح على امرأة.. حرمت عليه ابنتها حقيقة ومجازاً، من النسب والرضاع، تحريم جمع، فإن دخل بالأم.. حرمت عليه ابنتها على التأبيد، وإن ماتت الزوجة أو طلقها قبل أن يدخل بها.. جاز له أن يتزوج بابنتها. وسواء كانت الربيبة في حجره وكفالته أو لم تكن.. وبه قال عامة أهل العلم. وقال داود: (إنما تحرم عليه الربيبة إذا كانت في حجره وكفالته، فإن لم تكن في حجره وكفالته.. لم تحرم عليه وإن دخل بأمها) ، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب. وقال زيد بن ثابت ﵁: (تحرم عليه إذا دخل بأمها أو ماتت) . دليلنا: ما روى [ابن] عمرو بن العاص ﵄: أن النبي ﷺ قال: «من نكح امرأة، ثم طلقها قبل أن يدخل بها.. حرمت عليه أمها، ولم تحرم عليه ابنتها» وأما التربية: فلا تأثير لها في التحريم، كتربية الأجنبية. وأما الآية: فلم يخرج ذلك مخرج الشرط، وإنما وصفها بذلك تعريفاً لها، لأن العادة أن الربيبة. تكون في حجره. وأما (حليلة الابن) : فإن الرجل إذا عقد النكاح على امرأة.. حرمت على أب الزوج، سواء دخل بها الزوج أو لم يدخل بها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] الآية [النساء:٢٣] ، وبالعقد عليها يقع عليها اسم الحليلة. وسواء كان ابنه حقيقة أو مجازاً، وسواء كان ابنه من الرضاع حقيقة أو مجازاً، لما ذكرناه المحرمات من

стр. 4587

النسب. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] [النساء:٢٣] ، فدليل خطابه يدل على: أنه لا تحرم حلائل الأبناء من الرضاع؟ فالجواب: أن دليل الخطاب إنما يكون حجة إذا لم يعارضه نص، وهاهنا عارضه نص أقوى منه فقدم عليه، وهو قوله ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة» . وأما (حليلة الأب) : فإن الرجل إذا تزوج امرأة.. حرمت على ابن الزوج، سواء دخل بها الزوج أم لم يدخل بها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] [النساء:٢٢] ، ولا فرق بين الأب حقيقة أو مجازاً، وسواء كان الأب من الرضاع حقيقة أو مجازاً، لما ذكرناه في المحرمات من النسب. [مسألة الجمع بين الأختين] فأما المنصوص على تحريمها في القرآن بالجمع: فهي أخت الزوجة، فلا يجوز للرجل أن يجمع بين الأختين في النكاح، سواء كانتا أختين لأب وأم أو لأب أو لأم وسواء كانتا أختين من النسب أو من الرضاع، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] [النساء:٢٣] . ولأن العادة جارية أن الرجل إذا جمع بين ضرتين تباغضتا وتحاسدتا، وتتبعت كل واحدة منهما عيوب الأخرى وعوراتها، فلو جوزنا الجمع بين الأختين.. لأدى ذلك إلى تباغضهما وتحاسدهما، فيكون في ذلك قطع الرحم بينهما ولا سبيل إليه، وهو إجماع لا خلاف فيه. فإن تزوجهما معاً في عقد واحد.. لم يصح نكاح واحدة منهما، لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى، فبطل الجمع، كما لو ابتاع درهماً بدرهمين. وإن تزوج إحداهما، ثم تزوج الثانية.. بطل نكاح الثانية دون الأولى، لأن الجمع اختص بالثانية. [فرع الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها] وصور أخرى] : ويحرم عليه الجمع بين المرأة وعمتها الحقيقة والمجاز، من الرضاع أو من النسب.

стр. 4588

ويحرم عليه الجمع بين المرأة وخالتها الحقيقة والمجاز، من الرضاع أو من النسب. وحكي عن الخوارج والروافض: أنهم قالوا: لا يحرم! دليلنا: ما روى أبو داود في "سننه " عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على ابنة أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على ابنة أختها، لا الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى» ولأن كل امرأتين لو قلبت كل واحدة منهما ذكراً.. لم يجز له التزوج بالأخرى بالنسب، فوجب أن لا يجوز الجمع بينهما في النكاح، كالأختين. ولا يجوز أن يجمع بين المرأة وخالة أمها، أو عمة أمها، لما ذكرناه من العلة. ويجوز الجمع بين امرأة كانت لرجل وبين ابنة زوجها الأول من غيرها. وقال ابن أبي ليلى: لا يجوز ذلك، لأنك لو قلبت ابنة الرجل ذكراً.. لم يحل له نكاح امرأة أبيه، فهما كالأختين. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] [النساء:٢٤] . ولأنك لو قلبت امرأة الرجل ذكراً.. لحل له نكاح الأخرى. ويخالف الأختين، فإنك لو قلبت كل واحدة منهما ذكراً.. لم يحل له نكاح الأخرى.

стр. 4589

ويجوز أن يجمع بين المرأة وبين زوجة أبيها، لأنه لا قرابة بينهما ولا رضاع. وكذلك إذا تزوج رجل له ابنة امرأة لها ابنة.. فيجوز لآخر أن يجمع بين ابنة الزوج وابنة الزوجة، لأنه إذا جاز أن يجمع بين بنته وامرأته.. فلأن يجوز أن يجمع بين ابنته وابنة امرأته أولى. ويجوز أن يجمع بين المرأة وبين ابنة ضرتها، لأنه لا قرابة بينهما ولا رضاع. وإن تزوج رجل له ابن بامرأة لها ابنة.. جاز لابن الزوج أن يتزوج بابنة الزوجة، لما روي: (أن رجلا له ابن تزوج امرأة لها ابنة، ففجر الغلام بالصبية، فسألهما عمر ﵁ وأرضاه فاعترفا، فجلدهما وحرص أن يجمع بينهما، فأبى الغلام) . ولأنه لا نسب بينهما ولا رضاع. فإن قيل: أليس الرجل لو أولد من المرأة ولداً.. كان أخا أو أختا لولديهما، فكيف يجوز له أن يتزوج بأخت أخيه؟ قلنا: إنما لا يجوز له التزوج بأخت نفسه، فأما بأخت أخيه أو أخته: فلا يمنع منه، فإن رزق كل واحد منهما ولداً من امرأته.. كان ولد الأب عم ولد الابن وخاله. وإن تزوج بامرأة وتزوج ابنه بأمها.. جاز، لأن أمها محرمة على أبيه دونه، فإن رزق كل واحد منهما ولداً.. كان ولد الأب عم ولد الابن، وولد الابن خال ولد الأب. [فرع طلق امرأة وأراد التزوج مما لا يجوز جمعها معها] وإن تزوج رجل بامرأة ثم طلقها وأراد أن يتزوج بأختها أو عمتها أو خالتها، أو تزوج بأربع نسوة فطلقهن وأراد أن ينكح أربعاً غيرهن، أو طلق واحدة منهن وأراد أن

стр. 4590

يتزوج غيرها، فإن كان الطلاق قبل الدخول.. صح تزويجه بلا خلاف، لأنه لا عدة له على المطلقة. وإن كان بعد الدخول، فإن كان الطلاق رجعياً.. لم يصح تزويجه قبل انقضاء العدة، لأن المطلقة في حكم الزوجات. وإن كان الطلاق بائناً.. صح تزويجه- عندنا- قبل انقضاء العدة. وبه قال زيد بن ثابت ﵁، ومالك والزهري رحمهما الله. وقال الثوري وأبو حنيفة رحمة الله عليهما: (لا يصح) . وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵃ وأرضاهم. دليلنا: أن المطلقة بائن منه، فجاز له عقد النكاح على أختها، كالبائن قبل الدخول. [فرع قول المرأة في انتهاء عدتها] فرع: [قبول قول المرأة في انتهاء عدتها] : قال في " الإملاء ": (فإن تزوج رجل امرأة فطلقها طلاقاً رجعياً، ثم قال الزوج: قد أخبرتني بانقضاء عدتها، فأنكرت.. لم يقبل قوله في إسقاط نفقتها وكسوتها وسائر حقوقها) ، لأنه حق لها، فلا يقبل قوله في إسقاطه. وإن أراد أن يتزوج بأختها أو عمتها، وصادقته التي يتزوجها على ذلك.. صح تزويجه، لأن الحق لله تعالى وهو مقدر فيما بينه وبينه.
следующие страницы →