Полный текст (7 092 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.
стр. 4586
وأما (الربيبة) : فهي بنت زوجته، فإذا عقد النكاح على امرأة.. حرمت عليه ابنتها حقيقة ومجازاً، من النسب والرضاع، تحريم جمع، فإن دخل بالأم.. حرمت عليه ابنتها على التأبيد، وإن ماتت الزوجة أو طلقها قبل أن يدخل بها.. جاز له أن يتزوج بابنتها. وسواء كانت الربيبة في حجره وكفالته أو لم تكن.. وبه قال عامة أهل العلم.
وقال داود: (إنما تحرم عليه الربيبة إذا كانت في حجره وكفالته، فإن لم تكن في حجره وكفالته.. لم تحرم عليه وإن دخل بأمها) ، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب.
وقال زيد بن ثابت ﵁: (تحرم عليه إذا دخل بأمها أو ماتت) .
دليلنا: ما روى [ابن] عمرو بن العاص ﵄: أن النبي ﷺ قال: «من نكح امرأة، ثم طلقها قبل أن يدخل بها.. حرمت عليه أمها، ولم تحرم عليه ابنتها» وأما التربية: فلا تأثير لها في التحريم، كتربية الأجنبية. وأما الآية: فلم يخرج ذلك مخرج الشرط، وإنما وصفها بذلك تعريفاً لها، لأن العادة أن الربيبة. تكون في حجره.
وأما (حليلة الابن) : فإن الرجل إذا عقد النكاح على امرأة.. حرمت على أب الزوج، سواء دخل بها الزوج أو لم يدخل بها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] الآية [النساء:٢٣] ، وبالعقد عليها يقع عليها اسم الحليلة. وسواء كان ابنه حقيقة أو مجازاً، وسواء كان ابنه من الرضاع حقيقة أو مجازاً، لما ذكرناه المحرمات من
стр. 4587
النسب. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] [النساء:٢٣] ، فدليل خطابه يدل على: أنه لا تحرم حلائل الأبناء من الرضاع؟
فالجواب: أن دليل الخطاب إنما يكون حجة إذا لم يعارضه نص، وهاهنا عارضه نص أقوى منه فقدم عليه، وهو قوله ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة» .
وأما (حليلة الأب) : فإن الرجل إذا تزوج امرأة.. حرمت على ابن الزوج، سواء دخل بها الزوج أم لم يدخل بها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] [النساء:٢٢] ، ولا فرق بين الأب حقيقة أو مجازاً، وسواء كان الأب من الرضاع حقيقة أو مجازاً، لما ذكرناه في المحرمات من النسب.
[مسألة الجمع بين الأختين]
فأما المنصوص على تحريمها في القرآن بالجمع: فهي أخت الزوجة، فلا يجوز للرجل أن يجمع بين الأختين في النكاح، سواء كانتا أختين لأب وأم أو لأب أو لأم وسواء كانتا أختين من النسب أو من الرضاع، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] [النساء:٢٣] . ولأن العادة جارية أن الرجل إذا جمع بين ضرتين تباغضتا وتحاسدتا، وتتبعت كل واحدة منهما عيوب الأخرى وعوراتها، فلو جوزنا الجمع بين الأختين.. لأدى ذلك إلى تباغضهما وتحاسدهما، فيكون في ذلك قطع الرحم بينهما ولا سبيل إليه، وهو إجماع لا خلاف فيه.
فإن تزوجهما معاً في عقد واحد.. لم يصح نكاح واحدة منهما، لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى، فبطل الجمع، كما لو ابتاع درهماً بدرهمين.
وإن تزوج إحداهما، ثم تزوج الثانية.. بطل نكاح الثانية دون الأولى، لأن الجمع اختص بالثانية.
[فرع الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها]
وصور أخرى] : ويحرم عليه الجمع بين المرأة وعمتها الحقيقة والمجاز، من الرضاع أو من النسب.
стр. 4588
ويحرم عليه الجمع بين المرأة وخالتها الحقيقة والمجاز، من الرضاع أو من النسب.
وحكي عن الخوارج والروافض: أنهم قالوا: لا يحرم!
دليلنا: ما روى أبو داود في "سننه " عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على ابنة أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على ابنة أختها، لا الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى» ولأن كل امرأتين لو قلبت كل واحدة منهما ذكراً.. لم يجز له التزوج بالأخرى بالنسب، فوجب أن لا يجوز الجمع بينهما في النكاح، كالأختين.
ولا يجوز أن يجمع بين المرأة وخالة أمها، أو عمة أمها، لما ذكرناه من العلة.
ويجوز الجمع بين امرأة كانت لرجل وبين ابنة زوجها الأول من غيرها.
وقال ابن أبي ليلى: لا يجوز ذلك، لأنك لو قلبت ابنة الرجل ذكراً.. لم يحل له نكاح امرأة أبيه، فهما كالأختين.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] [النساء:٢٤] . ولأنك لو قلبت امرأة الرجل ذكراً.. لحل له نكاح الأخرى. ويخالف الأختين، فإنك لو قلبت كل واحدة منهما ذكراً.. لم يحل له نكاح الأخرى.
стр. 4589
ويجوز أن يجمع بين المرأة وبين زوجة أبيها، لأنه لا قرابة بينهما ولا رضاع.
وكذلك إذا تزوج رجل له ابنة امرأة لها ابنة.. فيجوز لآخر أن يجمع بين ابنة الزوج وابنة الزوجة، لأنه إذا جاز أن يجمع بين بنته وامرأته.. فلأن يجوز أن يجمع بين ابنته وابنة امرأته أولى.
ويجوز أن يجمع بين المرأة وبين ابنة ضرتها، لأنه لا قرابة بينهما ولا رضاع.
وإن تزوج رجل له ابن بامرأة لها ابنة.. جاز لابن الزوج أن يتزوج بابنة الزوجة، لما روي: (أن رجلا له ابن تزوج امرأة لها ابنة، ففجر الغلام بالصبية، فسألهما عمر ﵁ وأرضاه فاعترفا، فجلدهما وحرص أن يجمع بينهما، فأبى الغلام) .
ولأنه لا نسب بينهما ولا رضاع. فإن قيل: أليس الرجل لو أولد من المرأة ولداً.. كان أخا أو أختا لولديهما، فكيف يجوز له أن يتزوج بأخت أخيه؟
قلنا: إنما لا يجوز له التزوج بأخت نفسه، فأما بأخت أخيه أو أخته: فلا يمنع منه، فإن رزق كل واحد منهما ولداً من امرأته.. كان ولد الأب عم ولد الابن وخاله.
وإن تزوج بامرأة وتزوج ابنه بأمها.. جاز، لأن أمها محرمة على أبيه دونه، فإن رزق كل واحد منهما ولداً.. كان ولد الأب عم ولد الابن، وولد الابن خال ولد الأب.
[فرع طلق امرأة وأراد التزوج مما لا يجوز جمعها معها]
وإن تزوج رجل بامرأة ثم طلقها وأراد أن يتزوج بأختها أو عمتها أو خالتها، أو تزوج بأربع نسوة فطلقهن وأراد أن ينكح أربعاً غيرهن، أو طلق واحدة منهن وأراد أن
стр. 4590
يتزوج غيرها، فإن كان الطلاق قبل الدخول.. صح تزويجه بلا خلاف، لأنه لا عدة له على المطلقة.
وإن كان بعد الدخول، فإن كان الطلاق رجعياً.. لم يصح تزويجه قبل انقضاء العدة، لأن المطلقة في حكم الزوجات. وإن كان الطلاق بائناً.. صح تزويجه- عندنا- قبل انقضاء العدة. وبه قال زيد بن ثابت ﵁، ومالك والزهري رحمهما الله.
وقال الثوري وأبو حنيفة رحمة الله عليهما: (لا يصح) . وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵃ وأرضاهم.
دليلنا: أن المطلقة بائن منه، فجاز له عقد النكاح على أختها، كالبائن قبل الدخول.
[فرع قول المرأة في انتهاء عدتها]
فرع: [قبول قول المرأة في انتهاء عدتها] :
قال في " الإملاء ": (فإن تزوج رجل امرأة فطلقها طلاقاً رجعياً، ثم قال الزوج: قد أخبرتني بانقضاء عدتها، فأنكرت.. لم يقبل قوله في إسقاط نفقتها وكسوتها وسائر حقوقها) ، لأنه حق لها، فلا يقبل قوله في إسقاطه.
وإن أراد أن يتزوج بأختها أو عمتها، وصادقته التي يتزوجها على ذلك.. صح تزويجه، لأن الحق لله تعالى وهو مقدر فيما بينه وبينه.
стр. 4591
[فرع أسلم زوج الوثنية ثم تزوج أختها أو أربعا في حال عدتها]
وإن تزوج وثني وثنية ودخل بها، ثم أسلم وأقامت على الشرك، فتزوج أختها أو أربعاً سواها في حال عدتها.. لم يصح.
وقال المزني ﵀: يكون نكاح أختها أو الأربع موقوفاً، فإن أسلمت قبل انقضاء عدتها.. تبينا أن نكاح أختها أو الأربع سواها لم يصح، وإن لم تسلم حتى انقضت عدتها.. صح نكاح أختها أو الأربع سواها، لأنه لما جاز وقف نكاحها.. جاز وقف نكاح أختها أو الأربع سواها. ولأن عقد النكاح على المرتابة بالحمل يصح وإن كان موقوفاً، فكذلك هذا مثله.
وهذا ليس بصحيح، لأن المشركة جارية إلى بينونة، فلم يصح العقد على أختها ولا على أربع سواها، كالرجعية والمرتدة. ولأنه عقد نكاح على من يمكن الاستمتاع بها، فإذا لم يعقبه استباحة استمتاع.. لم يصح، كنكاح المعتدة والمرتدة- وقولنا: (على من يمكن الاستمتاع بها) احتراز من نكاح الطفلة الصغيرة- ويخالف وقف نكاحها، فإن الموقوف حله، ونكاح الأخت يوقف انعقاده، والنكاح يجوز أن يوقف حله- وهو نكاح المرتدة- ولا يوقف انعقاده، ولهذا: لا يصح نكاح المرتدة. وأما المرتابة: فالأصل عدم الحمل.
[مسألة ملك من لا يصح نكاحها أو الجمع بينهما]
إذا ملك الرجل أمة لا يحل له نكاحها بنسب، أو رضاع، أو مصاهرة.. لم يحل له وطؤها، لأن الشرع ورد بتحريم نكاحهن على ما مضى، واسم النكاح يقع على الوطء.. ولأن المقصود بعقد النكاح هو الوطء، فإذا حرم عقد النكاح عليها.. فلأن يحرم الوطء أولى.
وإن ملك الرجل أمتين يحرم الجمع بينهما في النكاح، كالأختين، وكالمرأة
стр. 4592
وعمتها وخالتها.. صح الملك، لأن المقصود بالملك بالمنفعة والنماء دون الاستمتاع، ولهذا: يصح ملكه على ذوات محارمه بخلاف النكاح، فإن أراد أن يجمع بينهما في الوطء.. لم يجز. وبه قال عامة أهل العلم.
وقال داود وأهل الظاهر: (يجوز) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] [النساء:٢٣] ، ولم يفرق.
وروي: أن رجلاً دخل على عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، فسأله عن الجمع بين الأختين بملك اليمين، فقال: (أحلتهما آية- يعني: قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] [النساء:٣]- وحرمتها آية- يعني: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] [النساء:٢٣]- والتحريم أولى) .
وكذلك: روي عن أمير المؤمنين عمر، وعلي ﵄ وأرضاهما، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وابن مسعود ﵃ وأرضاهم ولا مخالف لهم.
إذا ثبت هذا: فإن وطئ إحداهما.. حل له وطؤها وصارت فراشاً له، ولا يحل له وطء أختها ولا عمتها ولا خالتها، إلا إن حرم الموطوءة ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة أو نكاح. فإن رهنها.. لم يحل له وطء الأخرى، لأنه وإن كان ممنوعاً من وطئها فلم يزل ملكه عن استمتاعه بها وإنما منع من، لحق المرتهن، ولهذا: لو أذن له المرتهن.. جاز، بخلاف المزوجة.
стр. 4593
وحكي عن قتادة ﵁: أنه قال: إذا استبرأ الموطوءة.. حل له وطء الأخرى.
وهذا ليس بصحيح، لما روي عن علي ﵁ وأرضاه: أنه قال: (لا يطأ الأخرى حتى يخرج الموطوءة عن ملكه) . ولأن ذلك لا يمنع من وطئها، فلا يؤمن أن يعود على وطئها.
فإن باع الموطوءة أو كاتبها، ثم وطئ الأخرى، ثم ردت المبيعة لعيب أو فسخ، أو عجزت المكاتبة فرجعت إلى ملكه.. لم تحل له المردودة حتى يحرم الثانية على ما ذكرناه. فإن وطئ إحداهما، ثم وطئ الثانية قبل تحريم الأولى.. فقد فعل فعلاً يأثم به إذا كان عالماً بالتحريم، ولا يجب عليه الحد للشبهة، ولا يحل له أن يعود إلى وطئها حتى يحرم الأولى على ما ذكرناه. فإن أراد أن يعود إلى وطء الأولى.. جاز؛ لأنها صارت فراشاً له قبل وطء الثانية، إلا أن المستحب له: أن لا يعود إلى وطئها حتى يستبرئ الثانية، لئلا يجتمع ماؤه في رحم أختين.
[فرع وطء السيد إحدى الأخوات المختلفات لعبده]
قال ابن الحداد: ولو ملك رجل عبداً له ثلاث أخوات متفرقات، فإن وطئ أخته لأبيه وأمه.. لم يكن له أن يطأ واحدة من الباقيتين حتى يحرم الموطوءة، لأنها أختها. وإن أراد أن يجمع في الوطء بين أخته لأبيه وأخته لأمه.. جاز له، لأنه لا أخوة بين الموطوأتين.
стр. 4594
[فرع تزوج امرأة أو وطئ أمته ثم ملك أختها أو عمتها]
إذا تزوج رجل امرأة ثم ملك أختها أو عمتها أو خالتها.. لم يحل له وطء المملوكة ما لم تبن المنكوحة منه، لأن المنكوحة على فراشه. وهذا لا خلاف فيه.
وإن ملك أمة ووطئها، ثم تزوج أختها أو عمتها أو خالتها.. صح النكاح، وحل له وطء المنكوحة قبل أن تحرم المملوكة، وحرم عليه وطء المملوكة.
وقال مالك رحمة الله عليه- في إحدى الروايتين عنه-: (لا يصح النكاح) . وبه قال أحمد رحمة الله عليه.
وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: (يصح النكاح، ولا يحل له وطؤها حتى يحرم المملوكة) .
دليلنا - على مالك -: أن النكاح أقوى من ملك اليمين، لأن المرأة تصير به فراشاً بنفس العقد، والأمة لا تصير فراشاً إلا بالوطء، والفراش بالنكاح آكد حكماً، بدليل: أنه يملك به الطلاق والخلع والظهار والإيلاء، ويثبت التوارث بالنكاح، فإذا اجتمعا.. ثبت الأقوى وسقط الأضعف، وسواء تقدم الأقوى أو تأخر، كما لو اجتمع النكاح والملك في امرأة واحدة.. فإن النكاح يبطل ويثبت الملك.
وعلى أبي حنيفة ﵀: أنه نكاح صحيح في امرأة طاهر غير متلبسة بعبادة، فأبيح له وطؤها، كما لو لم يطأ أختها.
[مسألة التحريم بالوطء أو بالمباشرة بشهوة أو بالنظر للفرج]
وإذا وطئ الرجل امرأة بملك يمين صحيح، أو بشبهة ملك، أو بشبهة عقد نكاح، أو ظنها زوجته أو أمته.. حرمت عليه أمهاتها وبناتها على التأبيد، وتحرم الموطوءة على آباء الواطئ وأبنائه على التأبيد، لأنه وطء يتعلق به لحقوق النسب، فتعلق به تحريم المصاهرة، كالوطء في النكاح. ولأنه معنى تصير به المرأة فراشاً، فتعلق به تحريم المصاهرة، كعقد النكاح. هذا هو المشهور من المذهب.
стр. 4595
وحكى المسعودي [في" الإبانة "] قولاً آخر: أنه لا يتعلق تحريم المصاهرة بوطء الشبهة.. وليس بشيء.
فإذا قلنا بالمشهور.. ففيمن تعتبر الشبهة؟ فيه قولان، حكاهما المسعودي [في" الإبانة "] :
الصحيح: أنها تعتبر بالرجل.
والثاني: تعتبر بأيهما كانت. وليس بشيء.
وإن باشر امرأة فيما دون الفرج بشهوة في ملك أو شبهة، بأن قبلها أو لمس شيئا من بدنها.. فهل يتعلق بذلك تحريم المصاهرة، وتحرم به الربيبة على التأبيد؟ فيه قولان:
أحدهما: يتعلق به التحريم- وبه قال أبو حنيفة ومالك رحمة الله عليهما- لأنه روي ذلك عن عمر ﵁ وأرضاه، ولا مخالف له في الصحابة ﵃ وأرضاهم.. ولأنه تلذذ بمباشرة، فتعلق به تحريم المصاهرة والربيبة، كالوطء.
فقولنا: (تلذذ) احتراز من المباشرة بغير شهوة. وقولنا: (بمباشرة) احتراز عن النظر.
والثاني: لا يتعلق به تحريم المصاهرة ولا الربيبة-وبه قال أحمد رحمة الله عليه- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] [النساء:٢٣] ، فشرط الدخول، وهذا ليس بدخول، ولأنه لمس لا يوجب الغسل، فلم يتعلق به التحريم، كالمباشرة بغير شهوة.
وإن نظر على فرجها بشهوة.. لم يتعلق به تحريم المصاهرة ولا تحريم الربيبة.
وقال الثوري وأبو حنيفة رحمهما الله: (يتعلق به التحريم) . وحكاه المسعودي [في" الإبانة "] قولا آخر للشافعي ﵀. وليس بمشهور.
دليلنا: أنه نظر إلى بعض بدنها، فلم يتعلق به التحريم، كما لو نظر إلى وجهها.
стр. 4596
[فرع تزوج امرأة ثم وطئ أمها أو بنتها أو زوجة ابنه بشبهة وعكسه]
] : وإن تزوج امرأة ثم وطئ بنتها أو أمها بشبهة، أو وطئ الأب زوجة الابن بشبهة أو وطئ الابن زوجة الأب بشبهة.. انفسخ النكاح، لأنه معنى يوجب تحريما مؤبدا، فإذا طرأ على النكاح.. أبطله، كالرضاع.
إذا ثبت هذا: فإن تزوج رجل امرأة، وتزوج ابنه ابنتها، وزفت إلى كل واحد منهما زوجة صاحبه ووطئها، ولم يعلما، فإن الأول لما وطئ غير زوجته منهما.. لزمه لها مهر مثلها، وانفسخ نكاح الموطوءة من زوجها، لأنها صارت فراشا لأبيه أو ابنه، ويجب عليه الغرم لزوجها، لأنه حال بينه وبين بضع امرأته، وفيما يلزمه له قولان:
أحدهما: جميع مهر المثل.
والثاني: نصفه، كالقولين فيما يلزم المرضعة لزوج الرضيعة إذا انفسخ النكاح بإرضاعها.
وينفسخ نكاح الواطئ الأول من زوجته، لأن أمها أو ابنتها صارت فراشا له، فيجب عليه لامرأته نصف المسمى لها، لأن الفرقة جاءت من جهته.
وأما الواطئ الثاني: فيلزمه مهر المثل للتي وطئها، ولا يجب عليه لزوجها شيء، لأنه لم يحل بينه وبين بضعها، لأن الحيلولة بينهما حصلت بوطء الأول، ولا يجب على الثاني أيضا لزوجته شيء، لأن الفرقة بينهما جاءت من قبلها بتمكينها الأول من نفسها.
فإن عرف الأول منهما والثاني.. تعلق بوطء واحدة منهما ما ذكرناه.. وإن لم يعرف أول منهما من الثاني.. فإنه يجب لكل واحدة منهما مهر مثلها على الذي وطئها، وينفسخ النكاحان، ويجب لكل واحدة منهما على زوجها نصف المسمى لها، لأنا نتيقن وجوبه فلا يسقط بالشك، ولا يرجع أحدهما على الآخر بشيء، لأن ذلك إنما يجب للثاني على الأول ولم يعلم الأول من الثاني، ويجب على كل واحدة منهما العدة.
стр. 4597
وإن أتت كل واحدة بولد.. لحق الولد بواطئها، ولا حد على أحدهما.
وهذا، إذا كان الواطئ والموطوءة جاهلين بالتحريم، وإن كانت جاهلة وهو عالم بالتحريم.. ثبت لها المهر، ولا حد عليها، ولا يجب عليها عدة، ولا يلحقه النسب، ولا يثبت بهذا الوطء تحريم المصاهرة، ويجب على الواطئ الحد.
وإن كان الواطئ جاهلا بالتحريم والمرأة عالمة بالتحريم.. وجبت عليها العدة ولحق النسب به، ويثبت به تحريم المصاهرة، ولا حد عليه ولا مهر، ويجب عليها الحد.
[فرع تزوج امرأة ثم أخرى فبان أن إحداهما أم الأخرى]
وإن تزوج رجل امرأة، ثم تزوج امرأة أخرى، فوطئ إحداهما، ثم بان أن إحداهما أم الأخرى.. فإن نكاح الأولى صحيح، لأنه لم يتقدمه ما يمنع صحته، ونكاح الثانية باطل، لأن نكاح الأولى يمنع صحة نكاح الثانية.
فأما الواطئ: فإن كان وطئ الأولى.. فقد صادف وطؤه زوجته، واستقر به المسمى لها، ويفرق بينه وبين الثانية، وتحرم عليه الثانية على التأبيد، لأنها إن كانت هي البنت.. فقد وطئ أمها، وإن كانت هي الأم.. فقد عقد على بنتها ووطئها. وإن كانت الموطوءة هي الثانية.. وجب لها عليه مهر مثلها، وانفسخ نكاح الأولى، وحرمت عليه على التأبيد، لأنها بنت من وطئها بشبهة أو أمها، ووجب عليه للأولى نصف المسمى لها، لأن الفسخ جاء من جهته. وهل يجوز له أن يتزوج الثانية على الانفراد؟
ينظر فيه.. فإن كانت البنت.. جاز له أن يتزوجها، لأنها ربيبة لم يدخل بأمها، وإن كانت الأم.. لم يجز له تزويجها، لأنه قد عقد النكاح على ابنتها.
وإن وطئهما جميعا، ثم بان أن إحداهما أم الأخرى، فإن وطئ المنكوحة أولا.. فقد صادف وطؤه زوجته، فاستقر به عليه مهرها المسمى، فلما وطئ الثانية.. لزمه لها مهر مثلها، وانفسخ نكاح الأولى بوطء الثانية، ولا يسقط من مهر الأولى شيء،
стр. 4598
لأن الفسخ وقع بعد الدخول.. وإن وطئ أولا المنكوحة ثانيا، ثم وطئ بعدها المنكوحة أولا، فإنه لما وطئ المنكوحة ثانيا أولا.. لزمه لها مهر مثلها، وانفسخ بهذا الوطء نكاحه من زوجته وهي المنكوحة أولا، ويلزمه لها نصف المسمى لها، فإذا وطئ المنكوحة أولا بعد ذلك.. لزمه لها بهذا الوطء مهر مثلها. وإن أشكل الأمر فلم يعلم المنكوحة أولا من المنكوحة ثانيا، ووطئ إحداهما.. وقف عنهما، لجواز أن يكونا محرمتين عليه على التأبيد. فإن كانت الموطوءة يعلم عينها.. وجب لها أقل الأمرين: من مهر المثل، أو المسمى لها، لأنها تستحق ذلك بيقين، لأنها إن كانت هي المنكوحة أولا.. فلها المسمى، وإن كانت هي المنكوحة ثانيا.. فلها مهر المثل، وتوقف الزيادة حتى يتبين. وإن كانت الموطوءة أيضا مشكلة.. وقف أقل المهرين بينهما حتى يتبين أو يصطلحا.
[مسألة الزنا وتحريم المصاهرة]
إذا زنى الرجل بامرأة لم يثبت بهذا الزنا تحريم المصاهرة.. فلا يحرم على الزاني نكاح المرأة التي زنى بها ولا أمها ولا ابنتها، ولا تحرم الزانية على آباء الزاني ولا على أبنائه.
وكذلك: إذا قبلها بشهوة حراما، أو لمسها، أو نظر إلى فرجها بشهوة حراما. وبه قال من الصحابة: علي بن أبي طالب، وابن عباس ﵃ وأرضاهم. ومن التابعين: ابن المسيب، وعروة بن الزبير ﵃ وأرضاهم، والزهري ﵀.
ومن الفقهاء: ربيعة، ومالك، وأبو ثور ﵏ تعالى.
стр. 4599
وقال الحسن البصري ﵀: يحرم على الزاني نكاحها على التأبيد.
وقال قتادة، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد رحمة الله عليهم: (لا يجوز له تزويجها ما لم يتوبا) .
وقال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق رحمة الله عليهم: (يتعلق بالزنا تحريم المصاهرة) . وروي ذلك عن عمران بن الحصين ﵁.
وانفرد الأوزاعي، وأحمد رحمة الله عليهما أنه: (إذا لاط بغلام.. حرمت عليه بنته وأمه) .
وقال أبو حنيفة ﵀: (إذا قبل امرأة بشهوة حراما، أو لمسها بشهوة، أو كشف عن فرجها فنظر إليه.. تعلق به تحريم المصاهرة. وإن قبل أمن امرأته.. انفسخ نكاح امرأته، وإن قبل رجل امرأة أبيه.. انفسخ نكاح الأب) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] [النساء:٢٤] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] [الفرقان:٥٤] . فأثبت الله تعالى الصهر في الموضع الذي أثبت فيه النسب، فلما لم يثبت بالزنا النسب لم يثبت به الصهر.
وروت عائشة أم المؤمنين ﵂: أن النبي ﷺ سئل عن رجل زنى بامرأة، فأراد أن يتزوج بها أو بابنتها، فقال: «لا يحرم الحرام الحلال، وإنما يحرم ما كان بنكاح» .
стр. 4600
ودليلنا - على قتادة ومن تابعه-: قوله ﷺ : «لا يحرم الحرام الحلال» ، والعقد قبل الزنا حلال.
وروي: (أن أمير المؤمنين عمر ﵁ وأرضاه جلد رجلاً وامرأة، وحرص أن يجمع بينهما في النكاح) .
وسئل ابن عباس ﵄ عن رجل زنى بامرأة وأراد أن يتزوج بها، فقال (يجوز، أرأيت لو سرق رجل من كرم رجل، ثم ابتاعه.. أكان يجوز؟) .
[فرع نكاح الرجل ابنة من زنى بها]
فإن زنى بامرأة فأتت بابنة يمكن أن تكون منه، بأن تأتي بها لستة أشهر من وقت الزنا، فلا خلاف بين أهل العلم: أنه لا يثبت نسبها من الزاني ولا يتوارثان.
وأما نكاحه لها: فقد قال الشافعي ﵀: (أكره له أن يتزوجها، فإن تزوجها.. لم أفسخ) . واختلف أصحابنا في العلة التي لأجلها كره للزاني التزويج بها:
فمنهم من قال: إنما كره له ذلك ليخرج من الخلاف، فإن من الناس من قال: لا يجوز له نكاحها.
فعلى هذا: لو تحقق أنها من مائه، بأن أخبره النبي ﷺ في زمانه: أنها من مائه..لم يحرم عليه نكاحها، لأن علة الكراهة حصول الاختلاف لا غير.
ومنهم من قال: إنما كره له ذلك لإمكان أن تكون من مائه، لأنه لم يتحقق ذلك،
стр. 4601
فلو تحقق أنها من مائه، بأن أخبره النبي ﷺ في زمانه: أنها من مائه.. لم يجز تزويجها.
هذا مذهبنا. وبه قال مالك رحمة الله عليه.
وقال أبو حنيفة وأحمد رحمة الله عليهما: (لا يجوز له تزويجها) .
واختلف أصحاب أبي حنيفة ﵀ في علة تحريمها:
فقال المتقدمون من أصحابه: إنما حرم نكاحها لكونها ابنة من زنى بها، لا أنها ابنته من الزنا؛ لأن الزنا عنده يثبت به تحريم المصاهرة على ما مضى.
فعلى هذا: لا تحرم على آبائه وأبنائه.
وقال المتأخرون من أصحابه: إنما يحرم نكاحها لكونها مخلوقة من مائه.
فعلى هذا: تحرم على آبائه وأبنائه، وهذا أصح عندهم
دليلنا: أنها منفية عنه قطعا، بدليل: أنه لا يثبت بينهما التوارث ولا حكم من أحكام الولادة، فلم يحرم عليه نكاحها، كالأجنبية.
فإن أكره رجل امرأة على الزنا، فأتت منه بابنة.. فحكمه حكم ما لو طاوعته على الزنا؛ لأنه زنا في حقه.
[فرع تزويج الرجل من بنت زوجته التي نفاها باللعان]
وإن أتت امرأته بابنة فنفاها باللعان، فإن كان قد دخل بالزوجة.. لم يجز له تزويج ابنتها؛ لأنها بنت امرأة دخل بها، وإن لم يدخل بالأم.. فهل يجوز له نكاح الابنة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز له تزويجها؛ لأنها منفية عنه، فهي كالابنة من الزنا.
والثاني: لا يجوز له تزويجها؛ لأنها غير منفية عنه قطعا، بدليل: أنه لو أقر بها.. لحقه نسبها، والابنة من الزنا لو عاد الزاني فأقر بنسبها.. لم يلحقه نسبها.
стр. 4602
[فرع الزنا بمزوجة وحكم نكاحها]
] : وإن زنا رجل بزوجة رجل.. لم ينفسخ نكاحها. وبه قال عامة أهل العلم.
وقال علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: (ينفسخ نكاحها) . وبه قال الحسن البصري.
دليلنا: ما روي: «أن رجلا قال: يا رسول الله، إن امرأتي لا ترد يد لامس؟ قال: " طلقها " قال: إني أحبها، قال: " استمتع بها» ، فكنى الرجل عن الزنا بقوله: «لا ترد يد لامس» ، ولم يحكم النبي ﷺ بانفساخ نكاحها.
[فرع من له امرأة في بلدة أو في عدد محصور لا يصح نكاحه منها]
قال ابن الحداد: ولو قال رجل: أنا أحيط علما أن لي في هذه البلدة امرأة يحرم علي نكاحها بنسب أو رضاع أو صهر، ولا أعلم عينها.. جاز له أن يتزوج من تلك البلدة؛ لأن في المنع من ذلك مشقة، كما لو كان في يد رجل صيد، فانفلت واختلط بصيد ناحية ولم يتميز.. فإنه لا يحرم على الناس أن يصطادوا من تلك الناحية.
وإن اختلطت هذه المرأة بعدد محصور من النساء، قل ذلك العدد أو كثر.. حرم عليه أن يتزوج بواحدة منهن؛ لأنه لا مشقة عليه في اجتناب التزويج من العدد المحصور.
[فرع حرمة النكاح على التأبيد تجيز النظر والخلوة]
وإذا حرم عليه نكاح امرأة على التأبيد، بنكاح أو رضاع أو وطء مباح.. صار محرما لها في جواز النظر والخلوة؛ لأنها محرمة عليه على التأبيد بسبب غير محرم، فصار محرما لها كالأم والابنة.
стр. 4603
وإن حرم عليه نكاحها بوطء شبهة.. فهل تصير محرما له؟ فيه قولان، حكاهما الصيمري:
المشهور: أنها لا تصير محرما له؛ لأنها حرمت عليه بسبب غير مباح، فلم تلحق بذوات الأنساب.
والثاني: أنها تصير محرما له؛ لأنها لما ساوت من وطئت وطأ مباحا في تحريم النكاح ولحوق النسب من هذا الواطئ.. ساوتها في الخلوة والنظر.
[مسألة يحل نكاح الكتابيات دون غيرهن]
قال الشافعي ﵀: (وأهل الكتاب الذين يحل نكاح حرائرهم: اليهود والنصارى دون المجوس) .
وجملة ذلك: أن المشركين على ثلاثة أضرب:
ضرب لهم كتاب، وضرب لا كتاب لهم ولا شبهة كتاب، وضرب لهم شبهة كتاب.
فأما (الضرب الذين لهم كتاب) : فهم اليهود والنصارى، فإن كتاب اليهود: التوراة، وكتاب النصارى: الإنجيل، فيحل للمسلم نكاح حرائرهم، ووطء الإماء منهم بملك اليمين. وبه قال عامة أهل العلم.
وقال القاسم بن إبراهيم والشيعة: لا يحل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] [البقرة: ٢٢١] :
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] [المائدة: ٤ - ٥] .
قال ابن عباس ﵄: (وهذه الآية نسخت قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] [البقرة: ٢٢١] ؛ لأن المائدة نزلت بعد البقرة) . وهو إجماع الصحابة، ﵃ وأرضاهم.
стр. 4604
وروي عن أمير المؤمنين عمر ﵁ وأرضاه: أنه قال: (يحل للمسلم أن ينكح نصرانية) .
و: (نكح أمير المؤمنين عثمان ﵁ وأرضاه نصرانية) ، و: (نكح طلحة ﵁ وأرضاه نصرانية) ، و: (نكح حذيفة ﵁ يهودية) .
وسئل جابر ﵁ عن نكاح المسلم اليهودية والنصرانية، فقال: (تزوجناهن بالكوفة عام الفتح - يعني: فتح العراق - إذ لم نجد مسلمة، فلما انصرفنا.. طلقناهن، نساؤهم تحل لنا، ونساؤنا تحرم عليهم) .
وأما (من لا كتاب له ولا شبهة كتاب) : فهم عبدة الأوثان، وهم قوم يعبدون ما يستحسنون من حجر وحيوان وشمس وقمر، فلا يجوز إقرارهم على دينهم، ولا يحل نكاح حرائرهم، وإن ملكت منهم أمة.. لم يحل وطؤها بملك اليمين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] [البقرة: ٢٢١] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] [الممتحنة: ١٠] ،
стр. 4605
فيحرم نكاح المشركات حتى يؤمن، ثم نسخ منه نكاح أهل الكتاب، وبقي الباقي منهم على ظاهر التحريم.
وأما (من لهم شبهة كتاب) : وهم المجوس: فلا خلاف: أنهم ليس لهم كتاب موجود، وهل كان لهم كتاب ثم رفع، فيه قولان، يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى:
إذا ثبت هذا: فيجوز إقرارهم على دينهم ببذل الجزية، ولا يحل نكاح حرائرهم، ولا وطء الإماء منهم بملك اليمين.
قال إبراهيم الحربي: روي عن بضعة عشر نفسا من الصحابة ﵃ أَجْمَعِينَ -: أنهم قالوا: (لا يحل لنا نكاح نسائهم) .
وقال أبو ثور: (يحل النكاح حرائرهم) .
وحكى عن أبي إسحاق المروزي: أنه قال: إذا قلنا: إن لهم كتابا.. حل نكاح حرائرهم. والأول هو المذهب.
ودليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] الآية [البقرة: ٢٢١] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] الآية [الممتحنة: ١٠] ، وهذا عام في عام في كل مشركة، إلا ما قام عليه الدليل - وهم أهل الكتاب - وهؤلاء غير متمسكين بكتاب، فلم تحل مناكحتهم وأكل ذبائحهم، كعبدة الأوثان
وأما قول أبي إسحاق: فغير صحيح؛ لأنه لو جاز نكاحهم على القول الذي يقول: إن لهم كتابا.. لحل قتلهم على القول الذي يقول: لا كتاب لهم.
[فرع المتمسكون بصحف إبراهيم أو بالزبور]
فأما المتمسكون بالكتب التي أنزلت على سائر الأنبياء - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، كمن تمسك بـ: " صحف " إبراهيم، و: " زبور " داود وشيث - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -..
стр. 4606
فلا يحل نكاح حرائرهم، ولا وطء الإماء منهم بملك اليمين، ولا يحل أكل ذبائحهم.
وعلل الشافعي ﵀ ذلك بعلتين:
إحداهما: أن تلك الكتب ليس فيها أحكام، وإنما هي مواعظ، فلم يثبت لها حرمة.
والثانية: أنها ليست من كلام الله سبحانه، وإنما كانت وحيا منه، وقد يوحي ما ليس بقرآن، كما روي عن النبي صلى الله وعليه وسلم: أنه قال: «أتاني جبريل ﵇، فأمرني أن أجهر ببسم الله الرحمن الرحيم» ، ولم يكن ذلك قرآنا أو كلاما من الله تعالى) . هكذا ذكر الشيخ أبو حامد.
[فرع السامرة والصابئون هل هما أهل كتاب ؟]
فأما السامرة والصابئون: فقد قال الشافعي ﵀ في موضع: (السامرة صنف من اليهود، والصابئون صنف من النصارى) . وتوقف الشافعي ﵀ في موضع آخر في حكمهم.
فقال أبو إسحاق: إنما توقف الشافعي في حكمهم قبل أن يتيقن أمرهم، فلما تيقن أمرهم.. ألحقهم بهم.
وحكي: أن القاهر استفتى في الصابئة، فأفتاه أبو سعيد الإصطخري: أنهم ليسوا من أهل الكتاب؛ لأنهم يقولون: إن الفلك حي ناطق، وإن الأنجم السبعة آلهة، فأفتى بضرب رقابهم، فجمعهم القاهر ليقتلهم فبذلوا له مالا كثيرا، فتركهم.
والمذهب: أنه ينظر فيهم: فإن كانوا يخالفون اليهود والنصارى في أصول
стр. 4607
دينهم.. فليسوا منهم، وإن كانوا يوافقونهم في أصول دينهم ويخالفونهم في الفروع.. فهم منهم، كما أن المسلمين ملة واحدة لاتفاقهم في أصول الدين وإن اختلفوا في الفروع.
[فرع المولود بين وثني وكتابية وعكسه]
] : ومن ولد بين وثني وكتابية.. فهو وثني، ولا تحل مناكحته.
وقال أبو حنيفة ﵀: (تحل) .
دليلنا: أنه تابع لأبيه في النسب، وأبوه لا تحل مناكحته.
وفيمن ولد بين كتابي ووثنية قولان:
أحدهما: أنه من أهل الكتاب تبعا لأبيه، فيحل نكاحه.
والثاني: لا يحل نكاحه؛ لأنه لم يتمحض من أهل الكتاب، فهو كالمجوسي.
[فرع الداخلون في اليهودية أو النصرانية وحكم مناكحتهم وذبائحهم]
ومن انتقل إلى دين اليهود والنصارى، فإن دخل في دينهم بعد أن بعث النبي محمد ﷺ .. لم يجز نكاح حرائرهم ولا وطء إمائهم؛ لأنه دخل في دين قد جاء الشرع بإبطاله.
وإن دخل قبل بعث النبي ﷺ وقبل التبديل أو النسخ بشريعة بعدها.. حل مناكحتهم؛ لأنه دخل في دين كان أهله على الحق.
وإن دخل فيه بعد أن نسخ بشريعة بعده، كمن دخل دين اليهودية بعد أن بعث عيسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم.. ففيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "] .
وإن دخل فيه بعد التبديل والتغيير وقبل النسخ، فإن دخل في دين غير المبدلين.. فحكمه حكمهم. وإن دخل في دين المبدلين.. لم تجز مناكحته. وإن لم يعلم:
стр. 4608
هل دخل في دين من بدل، أو في دين من لم يبدل، كنصارى العرب.. لم تجز مناكحتهم، ولا تحل ذبائحهم؛ لأنه لما أشكل أمرهم.. صاروا كالمجوس.
[مسألة نكاح النساء الحربيات والكتابيات]
مسألة: [كراهية نكاح النساء الحربيات والكتابيات] :
قال الشافعي ﵀: (ولا أكره نساء أهل الحرب إلا لئلا تفتن مسلما عن دينه) .
وجملة ذلك: أن الحربية من أهل الكتاب يجوز نكاحها اعتبارا بالكتاب دون الدار.
إذا ثبت هذا: فإنه يكره للمسلم نكاح الكتابية بكل حال؛ لأنه لا يؤمن أن تفتنه عن دينه، وإن كانت حربية.. فالكراهية أشد؛ لأنها ربما فتنته عن دينه، ولا يؤمن أن تسبى وهي حامل بولد له أو يكون معها فيسبى، ولأنه إذا أقام معها في دار الحرب كثر سوادهم.
[مسألة لا ينكح المسلم أمة كتابية أو وثنية وشرط نكاح المسلمة]
ولا يجوز للحر المسلم نكاح الأمة المشركة، سواء كانت وثنية أو كتابية.
وقال أبو حنيفة: (يجوز له نكاح الأمة الكتابية) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] الآية [النساء: ٢٥] ، فدل على: أنه لا يجوز نكاح الفتيات غير المؤمنات.
ويجوز للحر المسلم أن ينكح الأمة المسلمة بشرطين:
أحدهما: أن يكون عادما للطول، وهو: مهر حرة.
والثاني: أن يكون خائفا من العنت، وهو: أن يخاف إن لم يتزوج بها أن تحمله شهوته للجماع على الزنا. وبه قال ابن عباس وجابر ﵃. ومن التابعين: الحسن، وعطاء، وطاووس، وعمرو بن دينار، والزهري ﵃. ومن الفقهاء: مالك، والأوزاعي رحمة الله عليهما.
стр. 4609
وقال أبو حنيفة ﵀: (إذا لم تكن تحته حرة.. حل له نكاح الأمة وإن لم يخف العنت، سواء كان قادرا على صداق حرة أو غير قادر) .
وقال الثوري، وأبو يوسف رحمهما الله: إذا خاف العنت.. حل له نكاح الأمة وإن لم يعدم الطول.
وقال عثمان البتي ﵀: يجوز له أن يتزوج الأمة بكل حال، كالحرة.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] [النساء: ٢٥] ، فأباح نكاح الأمة بشرط: عدم الطول، وخوف العنت، فلم يجز نكاحها إلا مع وجود هذين الشرطين، فإن وجد مهر حرة مسلمة.. لم يحل له نكاح الأمة؛ للآية. وإن كان مجبوبا.. لم يحل له نكاح الأمة؛ لأنه لا يخاف الزنا.
وإن كان عادما لطول حرة مسلمة وخائفا للعنت، فأقرضه رجل مهر حرة، أو رضيت الحرة بتأخير الصداق.. حل له نكاح الأمة؛ لأن عليه ضررا في تعلق الدين بذمته.
وإن بذل له رجل هبة الصداق.. حل له نكاح الأمة؛ لأن عليه منة في ذلك وإن وجد طول حرة مسلمة إلا أنه لا يزوج لقصور نسبه، أو لم يزوجه أهل البلد إلا بأكثر من مهر المثل.. فله أن يتزوج أمة؛ لأنه غير قادر على حرة مسلمة، ووجود الشيء بأكثر من ثمن مثله بمنزلة عدمه.
وإن رضيت الحرة بدون مهر مثلها وهو واجد له.. فهل له أن يتزوج أمة؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "] .
وإن كان تحته حرة صغيرة لا يقدر على وطئها، أو تحته كبيرة قرناء، أو غائبة لا يصل إليها.. فهل له أن يتزوج أمة؟ فيه وجهان:
أحدهما: ليس له ذلك؛ لأن تحته حرة.
стр. 4610
والثاني: له ذلك، وهو الأصح؛ لأنه يخاف العنت، ووجود الحرة التي تحته بمنزلة عدمها.
وإن وجد ما يشتري به أمة، أو ما يتزوج به حرة كتابية.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز له نكاح الأمة؛ لأن الله تعالى شرط في نكاح الأمة: أن لا يستطيع نكاح المحصنات المؤمنات، والشرط موجود.
والثاني: لا يجوز له، وهو الأصح؛ لأنه لا يخاف العنت.
[فرع تزوج بأمة ثم أيسر ونحوه]
إذا تزوج الأمة عند عدم الطول وخوف العنت، ثم أيسر أو أمن من العنت، أو تزوج حرة.. لم يبطل نكاح الأمة.
وقال المزني: إذا قدر على طول حرة.. انفسخ نكاح الأمة.
وقال أحمد رحمة الله عليه: (إذا تزوج بحرة.. انفسخ نكاح الأمة) .
دليلنا - على المزني -: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] [النور: ٣٢] ، فندب إلى نكاح الفقراء رجاء الاستغناء، فلو كان الاستغناء إذا طرأ أوجب فسخ النكاح.. لم يندب إلى النكاح رجاء حصوله، ولأنه أحد شرطي جواز نكاح الأمة، فارتفاعه لا يوجب فسخ نكاحها، كما لو أمن من العنت.
وعلى أحمد رحمة الله عليه: ما روي عن علي، وابن عباس ﵃ وأرضاهم: أنها قالا: (إذا تزوج حرة على أمة.. لم ينفسخ نكاح الأمة) .
стр. 4611
ولا مخالف لهما. ولأن كل امرأة لو تزوج بها على حرة.. لم ينفسخ نكاحها، فإذا تزوج بها على أمة.. لم ينفسخ نكاحها.
[فرع تعدد الإماء والحرائر]
وإن تزوج أمة عند عدم الطول وخوف العنت.. لم يجز أن يتزوج أمة أخرى.
وقال أبو حنيفة ﵀: (يجوز له التزويج بأربع إماء) .
دليلنا: أنه إذا تزوج أمة.. فإنه لا يخاف العنت معها، فلم يجز له التزويج بأمة غيرها، كما لو كان تحته حرة.
وإن تزوج أمتين، أو ثلاثا، أو أربعا بعقد واحد.. لم يصح نكاح واحدة منهن.
وقال أبو حنيفة ﵀: (يصح نكاح الجميع) .
دليلنا: أن تزويج الحر للأمة إنما يجوز للحاجة، ولا حاجة به إلى ما زاد على واحدة، فلم يصح.
وإن تزوج من يحل له نكاح الأمة بأمة وحرة، أو حرتين، أو ثلاث بعقد واحد.. بطل نكاح الأمة، وفي نكاح الحرائر قولان، بناء على القولين في تفريق الصفقة.
وإن تزوج بأمة وأربع حرائر بعقد واحد.. قال ابن الحداد: بطل نكاح الجميع قولا واحدا؛ لأن المعسر الخائف للعنت يجوز له نكاح الأمة فإذا تزوج بها وبأربع حرائر.. فقد تزوج بعدد يحرم جمعهن. ويجوز له إفراد كل واحدة بالعقد، فإذا جمع.. فسد الكل؛ لأن لا مزية لإحداهن على الأخرى، كالجمع بين الأختين. ولو كان موسرا.. فسد نكاح الأمة، وفي نكاح الحرائر قولان.
وإن تزوج مجوسية ويهودية.. فسد نكاح المجوسية، وفي اليهودية قولان.
стр. 4612
[فرع تزوج الحر الكافر بالأمة مثله]
وهل يجوز للحر الكافر أن يتزوج أمة كافرة؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنها لا تحل للمسلم، فلم تحل للكافر، كالمرتدة.
والثاني: يجوز؛ لأنه مساو لها في الدين.
وكذلك الأمة المجوسية والوثنية: هل يجوز نكاحها لأهل دينها؟ فيه وجهان.
[فرع نكاح الرقيق المسلم الأمة الكتابية أو المسلمة]
وأما العبد المسلم: فهل يحل له نكاح الأمة الكتابية؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما - وهو قول أبي حنيفة -: أنه يحل له نكاحها؛ لأن العبد يساويها في الرق، وإنما نقصت عنه بالدين، فهو بمنزلة الحر مع الحرة الكتابية.
والثاني - وهو المذهب -: أنها لا تحل له. وبه قال عمر ﵁ وأرضاه، وابن مسعود ﵁؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] الآية [النساء: ٢٥] ، فشرط فيهن الإيمان، فدل على: أنه لا يجوز نكاح غير المؤمنات. ولأنها امرأة اعتورها نقصانان، لكل واحد منهما تأثير في المنع من النكاح، فوجب أن لا يحل للعبد المسلم نكاحها، كالأمة المجوسية.
وأما الأمة المسلمة: فيجوز للعبد المسلم تزويجها، ولا يشترط فيه عدم الطول ولا خوف العنت؛ لأنه مساو لها، فهو كالحر إذا تزوج الحرة
وإن كان تحت العبد حرة.. جاز له أن يتزوج أمة.
وقال أبو حنيفة ﵀: (لا يجوز) .
стр. 4613
دليلنا: أن كل من كان له أن يتزوج بامرأة من غير جنسه.. جاز له أن يتزوج عليها امرأة من جنسه، كالحر له أن يتزوج الحرة على الأمة.
[مسألة نكاح العبد لمولاته أو الرجل لأمته أو أمة ابنه وعكسه]
ولا يصح نكاح العبد لمولاته؛ لتناقض أحكام الملك والنكاح في النفقة والسفر؛ لأن العبد يستحق النفقة على مولاته، والزوجة تستحق النفقة على زوجها، وللمولاة أن تسافر بعبدها إلى أي بلد شاءت، وللزوج أن يسافر بزوجته إلى أي بلد شاء، فلو صححنا نكاحه لمولاته.. لتناقضت أحكامهما في ذلك.
فإن تزوج العبد حرة ثم ملكته.. انفسخ نكاحها منه؛ لأن حكم ملك اليمين أقوى من النكاح، فأسقطه.
ولا يصح نكاح الرجل لأمته؛ لأنه يملك وطأها قبل النكاح، فلا فائدة فيه، ولأن النكاح يوجب للمرأة حقوقا يمنع منها ملك اليمين.
فإن تزوج الرجل أمة ثم ملكها.. انفسخ نكاحها منه؛ لأن ملك اليمين أقوى من النكاح، فأبطله.
ولا يصح أن ينكح الرجل جارية ولده لصلبه، ولا ولد ولده وإن سفل؛ لأن له شبهة في ماله، بدليل: أنه يجب عليه إعفافه، فصارت كجارية نفسه.
وإن تزوج الرجل أمة، ثم ملكها ابنه.. ففيه وجهان:
أحدهما: يبطل نكاح الأب؛ لأن ملكه كملكه في إسقاط الحد وحرمة الاستيلاد، فكان كملكه في إبطال النكاح.
والثاني: لا ينفسخ نكاحه؛ لأنه لا يملكها بملك الابن، فلم يبطل نكاحه بذلك. فإن كان له ابن من الرضاع.. جاز له أن يتزوج بجاريته؛ لأنه لا شبهة له في ماله. ويجوز للرجل أن يتزوج بجارية أبيه وأمه؛ لأنه لا يستحق عليها الإعفاف، فإذا ولدت منه.. كان حرا؛ لأن الإنسان لا يملك ابن ابنه.
стр. 4614
[مسألة نكاح المعتدة]
ولا يصح أن ينكح معتدة من غيره؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] الآية [البقرة: ٢٣٥] .
وإن ارتابت بالحمل، بأن رأت أمارات الحمل وشكت: هل هو حمل أم لا؟ فإن حدثت لها هذه الريبة قبل انقضاء العدة، ثم انقضت عدتها بالأقراء أو بالشهور والريبة باقية.. لم يصح نكاحها؛ لأنها تشك في خروجها من العدة، والأصل بقاؤها.
وإن انقضت عدتها من غير ريبة، فتزوجت، ثم حدثت لها ريبة بالحمل.. لم تؤثر هذه الريبة؛ لأن النكاح قد صح في الظاهر.
وإن انقضت عدتها بالشهور أو بالأقراء، ثم حدثت لها ريبة بالحمل.. فيكره نكاحها، فإن تزوجها رجل.. فهل يصح؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنها مرتابة بالحمل فلم يصح نكاحها، كما لو حدثت بها الريبة قبل انقضاء العدة، ثم انقضت عدتها وهي مرتابة بالحمل.. فإنه لا يصح نكاحها، كذلك هذا مثله.
والثاني: يصح نكاحها، وهو المذهب؛ لأنها ريبة حدثت بعد انقضاء العدة فلم تؤثر، كما لو نكحت بعد انقضاء العدة، ثم حدثت الريبة.
[فرع لا تجب عدة على زانية عندنا]
وإذا زنت المرأة.. لم يجب عليها العدة، سواء كانت حائلا أو حاملا.
فإن كانت حائلا.. جاز للزاني أو لغيره عقد النكاح عليها.. وإن حملت من الزنا.. فيكره نكاحها قبل وضع الحمل، فإن تزوجها الزاني أو غيره قبل وضع الحمل.. صح، وهي إحدى الروايتين عن أبي حنيفة ﵀.
وذهب ربيعة، ومالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق رحمة الله عليهم إلى: (أن الزانية تلزمها العدة كالموطوءة بشبهة، فإن كانت حائلا.. اعتدت بثلاثة أقراء، وإن كانت حاملا.. اعتدت بوضع الحمل، ولا يصح نكاحها قبل وضع الحمل) .
стр. 4615
وقال مالك رحمة الله عليه: (إذا تزوج امرأة ولم يعلم أنها زانية، ثم علم أنها حامل من الزنا.. فإنه يفارقها، فإن كان قد وطئها.. لزمه لها مهر المثل) .
وقال ربيعة ﵀: يفارقها ولا مهر عليه.
وذهب ابن سيرين وأبو يوسف رحمهما الله إلى: أنها إن كانت حائلا.. فلا عدة عليها، فيجوز عقد النكاح عليها، وإن كانت حاملا.. لم يصح عقد النكاح عليها حتى تضع، وهي الرواية الأخرى عن أبي حنيفة ﵀.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] [النساء: ٢٤] ، وقوله ﷺ : «لا يحرم الحرام الحلال» ، والعقد على الزانية كان حلالا قبل الزنا وقبل الحمل، فلا يحرمه الزنا.
وروي: (أن رجلا كان له ابن تزوج امرأة لها ابنة، ففجر الغلام بالصبية، فسألهما عمر ﵁ وأرضاه، فاعترفا، فجلدهما وحرص أن يجمع بينهما بالنكاح، فأبى الغلام) ، ولم يراع عمر ﵁ وأرضاه انقضاء العدة، ولم ينكر عليه أحد فدل على: أنه إجماع. ولأنه وطء لا يلحق به النسب، أو حمل لا يلحق بأحد فلم يمنع صحة النكاح، كما لو يوجد.
[مسألة نكاح الشغار]
ولا يصح نكاح الشغار - وهو: أن يقول رجل لآخر: زوجتك ابنتي، أو أختي، أو امرأة يلي عليها، على أن تزوجني ابنتك أو أختك ويكون بضع كل واحدة منهما صداقا للأخرى - وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق ﵏ تعالى.
وقال الزهري، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه ﵏: (يصح، ويجب مهر المثل) .
دليلنا: ما روى الشافعي، عن مالك رحمة الله عليهما، عن نافع ﵀، عن ابن عمر ﵄ وأرضاهما: «أن النبي ﷺ نهى عن الشغار، والشغار هو:
стр. 4616
أن يقول الرجل: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك ويكون بضع كل واحدة منهما مهرا للأخرى» ، هكذا روي عن ابن عمر.
فإن كان هذا التفسير من ابن عمر ﵄ وأرضاهما.. فهو أعلم بمعنى الخبر، وإن كان من النبي صلى الله وعليه وسلم - وهو الظاهر - لأنه لو كان من ابن عمر.. لحكاه عن نفسه ولم يطلقه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
وروى عمران بن الحصين ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام» ولأنه يحصل في البضع تشريك فلم يصح العقد مع ذلك، كما لو زوج ابنته من رجلين.
стр. 4617
وبيان التشريك: أنه جعل البضع ملكا للزوج وابنته؛ لأنه إذا قال: زوجتك ابنتي.. فقد ملك الزوج بضعها، فإذا قال: على أن تزوجني ابنتك ويكون بضع كل واحدة منهما مهرا للأخرى.. فقد شرك ابنة الزوج في ملك بضع هذه المزوجة؛ لأن الشيء إذا جعل صداقا.. اقتضى تمليكه لمن جعل صداقا لها، فصار التشريك حاصلا في البضعين، فلم يصح.
إذا ثبت هذا: فإن الشغار مأخوذ من الرفع، يقال: (شغر الكلب) : إذا رفع رجله، فكأن كل واحد منهما رفع رجله لصاحبه عما طلب منه، وقيل: سمي هذا النكاح شغارا؛ لقبحه تشبيها من رفع الكلب رجله ليبول.
وإن قال: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، واقتصر على هذا.. فالنكاح صحيح؛ لأنه لم يحصل في البضع تشريك، وإنما حصل الفساد في الصداق، وهو: أنه جعل مهر ابنته أن يزوجه الآخر ابنته، ففسد المهر المسمى، ووجب مهر المثل. هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : هل يصح النكاح؟ فيه وجهان:
أحدهما: يصح؛ لما ذكرناه.
والثاني: لا يصح؛ لأنهما لم يسميا صداقا صحيحا، ولكن جعل كل واحد منهما عقد نكاح كل واحدة منهما صداقا للأخرى؛ لأنه أخرج ذلك مخرج الصداق. والأول هو المشهور.
وإن قال: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، ويكون مهر كل واحدة منها كذا وكذا.. فيصح النكاحان، ويبطل المهران المسميان، ويجب لهما مهر المثل، سواء اتفق المهران أو اختلفا؛ لأنه لم يحصل في البضعين تشريك، وإنما حصل الفساد في المهر؛ لأنه شرط مع المهر المسمى أن يزوجه ابنته، فهو كما لو قال: زوجتك ابنتي بمائة على أن تبيعني دارك.. فإن النكاح صحيح، والمهر باطل.
стр. 4618
وإن قال: زوجتك ابنتي على أن تطلق زوجتك، ويكون ذلك صداقا لابنتي.. صح النكاح، ولا يلزم الآخر أن يطلق زوجته، ويجب للمزوجة مهر مثلها؛ لأنه لم يسم لها صداقا صحيحا.
وإن قال: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، ويكون بضع ابنتك صداقا لابنتي.. صح النكاح الأول، ولم يصح النكاح الثاني؛ لأنه ملكه بضع ابنته في الابتداء من غير تشريك، وشرط عليه شرطا فاسدا وهو التزويج، فلم يؤثر في عقد الأولى، والثانية هي التي حصل التشريك في بضعها.
وإن قال: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، ويكون بضع ابنتي مهرا لابنتك.. فالعقد على ابنة المخاطب باطل؛ لأن التشريك حصل في بضعها، والعقد على ابنة القابل صحيح؛ لأنه لم يحصل في بضعها تشريك.
وإن قال: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، ويكون بضع كل واحدة منهما ومائة درهم صداقا للأخرى.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن النكاحين صحيحان، ويجب لهما مهر المثل؛ لأن الشغار هو الخالي عن المهر، وهاهنا لم يخل عن المهر.
والثاني - وهو الصحيح -: أن النكاحين باطلان؛ لأن التشريك في البضع موجود مع تسمية المهر، والمفسد هو التشريك.
وإن قال: زوجتك ابنتي وهذا الحائط.. فهل يصح النكاح؟ فيه وجهان، حكاهما في " العدة ".
[فرع زوج جاريته أو عبده وجعل رقبتهما صداقا]
إذا قال لرجل: زوجتك جاريتي على أن تزوجني ابنتك، وتكون رقبة جاريتي صداقا لابنتك.. قال ابن الصباغ: صح النكاحان؛ لأن رقبة الجارية يصح نقل الملك
стр. 4619
فيها، فلا تكون تشريكا فيما يتناوله عقد النكاح، إلا أن المسمى فاسد فيجب مهر المثل.
وإن زوج عبده من امرأة وجعل رقبته صداقا لها. قال ابن الصباغ: لم يصح الصداق؛ لأن ملك المرأة زوجها يمنع صحة النكاح، ففسد الصداق، وصح النكاح، ووجب لها مهر المثل.
[مسألة نكاح المتعة]
ولا يصح نكاح المتعة، وهو: أن يتزوج رجل امرأة مدة معلومة أو مجهولة، بأن يقول: زوجني ابنتك شهرا أو أيام الموسم. وبه قال جميع الصحابة ﵃ أَجْمَعِينَ - وأرضاهم، والتابعين والفقهاء رحمة الله عليهم، إلا ابن جريج، فإنه قال: يصح. وإليه ذهبت الشيعة، وأجمعوا: أنه لا يتعلق به حكم من أحكام النكاح، مثل الطلاق والظهار والإيلاء والتوارث.
стр. 4620
دليلنا: ما روي: أن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه لقي ابن عباس ﵄ وبلغه: أنه يرخص في متعة النساء، فقال: (إنك امرؤ تائه، إن النبي ﷺ نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية) . وقوله ﵁ وأرضاه: (تائه) أي: مائل عن الحق في هذا القول، يقال: تاهت السفينة عن بلد كذا: إذا مالت عنه.
«وروى الربيع بن سبرة عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ عام الفتح، فقال رسول الله ﷺ : " استمتعوا بالنساء " قال: فخرجت أنا وابن عم لي لنستمتع وعلى كل واحد منا بردة، فلقينا امرأة فخطبناها، فكانت ترغب في حالي وترد ابن عمي، فتمتعت بها وكان الشرط بيننا عشرين ليلة، فبت معها ليلة واحدة، فأتيت النبي ﷺ فوجدته واقفا بين الركن والمقام وهو يقول: " إني كنت أذنت لكم في المتعة، وإن الله تعالى حرمها إلى يوم القيامة، فمن كان عنده شيء منها.. فليخل سبيلها، ولا يأخذ منها شيئا مما آتاها» . ولأنه عقد معاوضة يصح مطلقا، فلم يصح مؤقتا، كالبيع.
стр. 4621
فقولنا: (عقد معاوضة) احتراز من العارية والإباحة.. وقولنا: (يصح مطلقا) احتراز من الإجارة.
ولأنه نكاح لا يتعلق به سائرا أحكام النكاح فلم يصح، كنكاح ذوات المحارم.
فإن قيل: فقد روي عن ابن عباس ﵄: (أنه كان يبيحه) ؟
قلنا: قد رجع عنه؛ لأنه قد كان يبيحه وانتشر ذلك عنه، فروي عن سعيد بن جبير ﵁: أنه قال: قلت لابن عباس ﵄: ما صنعت بنفسك؟ أبحت نكاح المتعة، فسارت به الركبان، وقالوا فيه الشعر، فقال: (وما قالوا) ؟ قلت: قال الشاعر فيه:
أقول للشيخ لما طال محبسه ... يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس
يا صاح هل لك في بيضاء بهكنة ... تكون مثواك حتى مصدر الناس
ويروى: يا شيخ. فخرج ابن عباس ﵄ وكشف عن رأسه، وقال: (من عرفني قد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا ابن عباس، فإن المتعة حرام، كالميتة والدم) .
[مسألة نكاح المحلل]
وأما نكاح المحلل: فإن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا.. فإنها لا تحل له إلا بعد زوج وإصابة، فإذا طلق امرأته وانقضت عدتها منه، ثم تزوجت بآخر بعده.. ففيها ثلاث مسائل:
стр. 4622
إحداهن: أن يقول: زوجتك ابنتي إلى أن تطأها، أو إلى أن تحلها للأول، فإذا أحللتها فلا نكاح بينكما، فهذا باطل بلا خلاف؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «لعن الله المحلل والمحلل له» .
وروي: أن النبي ﷺ قال: «ألا أدلكم على التيس المستعار؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " هو المحلل والمحلل له» . ولأن هذا أفسد من نكاح المتعة؛ لأنه يعقد إلى مدة مجهولة.
المسألة الثانية: أن يقول: زوجتك ابنتي على أنك إن وطئتها طلقتها، أو قال: تزوجتك على أني إذا أحللتك للأول طلقتك، وكان هذا الشرط في نفس العقد.. ففيه قولان:
стр. 4623
أحدهما: أن النكاح باطل؛ لقوله ﷺ : «لعن الله المحلل والمحلل له» ، ولم يفرق.
والثاني: أن النكاح صحيح والشرط باطل؛ لأن العقد وقع مطلقا من غير تأقيت، وإنما شرط على نفسه الطلاق، فلم يؤثر في النكاح، وإنما يبطل به المهر، كما لو شرط أن لا يتزوج عليها أو لا يتسرى عليها.
المسألة الثالثة: أن تشترط عليه قبل النكاح أنه إذ أحللها للأول طلقها، أو تزوجها ونوى بنفسه ذلك، فعقد النكاح عقدا مطلقا.. فيكره له ذلك، فإن عقد.. كان العقد صحيحا. وبه قال أبو حنيفة ﵀.
وقال مالك، والثوري، والليث، وأحمد، والحسن، والنخعي، وقتادة، رحمة الله عليهم: (لا يصح) .
دليلنا: ما روى الشافعي ﵀: (أن امرأة طلقها زوجها ثلاثا، وكان مسكين أعرابي يقعد بباب المسجد، فجاءته امرأة فقالت: هل لك في امرأة تنكحها وتبيت معها ليلة، فإذا أصبحت فارقتها، فقال: نعم - قال: وكان ذلك - فلما تزوجها، قالت له المرأة: إنك إذا أصبحت فإنهم سيقولون لك: طلقها، فلا تفعل، فإني لك كما ترى، واذهب إلى عمر، فلما أصبح أتوه وأتوها، فقالت لهم: أنتم جئتم به فاسألوه، فقالوا له: طلقها، فأبى وذهب إلى عمر ﵁ وأرضاه فأخبره، فقال له: الزم زوجتك، فإن رابوك بريب فائتني، وبعث إلى المرأة الواسطة فنكل بها، وكان يغدو بعد ذلك ويروح على عمر ﵁ وأرضاه في حلة، فقال له عمر: الحمد لله - يا ذا الرقعتين - الذي رزقك حلة تغدو بها وتروح) . ولم ينكر أحد على عمر ﵁ وأرضاه، فدل على: أنه إجماع.
стр. 4624
[فرع النكاح بشرط الخيار أو غيره]
وإن تزوج امرأة بشرط الخيار.. بطل العقد؛ لأنه لا مدخل للخيار فيه فأبطله.
فإن شرط في العقد أن لا يطأها ليلا.. بطل الشرط؛ لقوله ﷺ : «المؤمنون على شروطهم، إلا شرطا حرم حلالا» . فإن كان هذا الشرط من قبل الزوج.. لم يبطل العقد؛ لأن ذلك حق له، وإن كان الشرط من جهة المرأة.. بطل العقد؛ لأن ذلك حق عليها.
[مسألة التعريض أو التصريح للمعتدات أو للزوجات]
] : قال الشافعي ﵀: (قال الله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] [البقرة: ٢٣٥] :
وجملة ذلك: أن المعتدات على ثلاثة أضرب: رجعية، وبائن لا تحل لزوجها، وبائن تحل لزوجها.
فأما: (الرجعية) : فلا يجوز لغير زوجها التعريض بخطبتها ولا التصريح؛ لأنها في معنى الزوجات ولا يؤمن أن يحملها بغضها للزوج الأول أن تخبر بانقضاء عدتها قبل انقضائها؛ لتتزوج بغيره.
وأما (المعتدة البائن التي لا تحل لزوجها) ، فهي: التي مات عنها زوجها، أو بانت منه باللعان، أو بالرضاع، أو بالطلاق الثلاث، فيجوز لغير زوجها التعريض بخطبتها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] [البقرة: ٢٣٤ - ٢٣٥]
стр. 4625
، فكان الظاهر: أن النساء اللاتي أجاز التعريض بخطبتهن هن من تقدم ذكرهن.
«وروت فاطمة بنت قيس ﵂، قالت، طلقني زوجي أبو حفص بن عمرو بالشام ثلاثا، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته بذلك، فقال: " إذا حللت.. فآذنيني» ، وروي: أنه ﷺ قال لها: " لا تفوتينا بنفسك "، وروي: أنه ﷺ أرسل إليها: " لا تسبقيني بنفسك ". هذا نقل البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : هل يجوز له التعريض بخطبة البائن بالثلاث؟ فيه قولان.
والمشهور هو الأول؛ لحديث فاطمة بنت قيس ﵂.
ويحرم التصريح بخطبتها؛ لأن الله تعالى لما أباح التعريض بالخطبة.. دل على: أنه لا يجوز التصريح بها. ولأن التعريض يحتمل النكاح وغيره، والتصريح لا يحتمل غير النكاح، فلا يؤمن أن يحملها الحرص على النكاح أن تخبر بانقضاء عدتها قبل انقضائها.
وأما (البائن التي تحل لزوجها) ، فهي: التي طلقها زوجها طلقة أو طلقتين، بعوض أو فسخ أحدهما النكاح بعيب، فيجوز لزوجها التعريض بخطبتها والتصريح؛ لأنها تحل له في العدة. وأما غير زوجها: فلا يحل له التصريح بخطبتها، كالبائن بالثلاث، وهل يجوز له التعريض بخطبتها؟ فيه قولان:
أحدهما: يجوز له التعريض بخطبتها؛ لأنها معتدة بائن عن زوجها، فهي كالبائن بالوفاة أو بالثلاث.
والثاني: لا يجوز له؛ لأنها تحل لزوجها في حال العدة، فهي كالرجعية.
следующие страницы →