← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

[مسألة: عدم وجدان الرقبة يلزم الصوم] ] : وإن لم يجد المظاهر رقبة تفضل عن كفايته على الدوام وهو قادر على الصيام.. لزمه أن يصوم شهرين متتابعين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] الآية [المجادلة: ٣] . ولما ذكرنا من حديث أوس بن الصامت وسلمة بن صخر. إذا ثبت هذا: فإن كان قد نوى الصوم عن الكفارة أول ليلة من الشهر.. صام شهرين متتابعين هلاليين، سواء كانا تامين أو ناقصين، أو أحدهما تاما والآخر ناقصا؛ لأن الله تعالى أوجب عليه صوم شهرين، وإطلاق الشهر ينصرف إلى الشهر الهلالي؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩] [البقرة: ١٨٩] . وروت عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا " وأومأ بأصابع يديه، وحبس إبهامه في الثالثة، كأنه يعد ثلاثين» . وروي: أنه قال: «قد يكون الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا " وحبس إبهامه في الثالثة» . وإن كان ابتدأ الصوم وقد مضى من الشهر يوم أو أكثر.. صام ما بقي من الشهر بالعدد، وصام الشهر الذي بعده بالهلال، تاما كان أو ناقصا، وتمم عدد الأول من

стр. 5252

الثالث ثلاثين يوما، تاما كان أو ناقصا؛ لأنه لما فاته شيء من الشهر الأول.. لم يصمه، ولم يمكن اعتباره بالهلال، فاعتبر بالعدد، واعتبر الثاني بالهلال؛ لأنه أمكنه ذلك. [فرع: الفطر في أثناء كفارة الصيام] ] : وإن أفطر في يوم في أثناء الشهرين، فإن كان أفطر لغير عذر.. انقطع التتابع، ولزمه أن يبدأ صوم شهرين متتابعين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] [المجادلة: ٤] . ومعنى التتابع: أن يوالي بالصوم أيامهما، ولا يفطر فيهما لغير عذر، وإن لم يفعل ذلك.. صار كما لو لم يصم. وإن جامع في ليلة في أثناء الشهرين عامدا عالما بالتحريم.. أثم بذلك، ولا ينقطع تتابعه. وإن وطئها بالنهار ناسيا.. لم يفسد صومه، ولم ينقطع تتابعه، وبه قال أبو يوسف، وهي إحدى الروايتين عند أحمد. وقال مالك، وأبو حنيفة: (ينقطع تتابعه بذلك) . إلا أن مالكا يقول: (إذا وطئها ناسيا.. فسد صومه) . وأبو حنيفة يقول: (لا يفسد، إلا أنه يقطع التتابع) . دليلنا على أنه لا يقطع التتابع: أنه وطء لم يفسد به الصوم.. فلم يقطع التتابع كما لو وطئ امرأة أخرى.

стр. 5253

وإن كان الفطر بعذر.. نظرت: فإن كان العذر حيضا.. فلا يتصور ذلك في كفارة الظهار، وإنما يتصور في كفارة القتل والجماع في رمضان؛ إذا قلنا: تجب عليها الكفارة.. فإن التتابع لا ينقطع؛ لأن زمان الحيض مستحق للفطر، فهو كليالي الصوم، ولأن الحيض حصل بغير اختيارها، ولا يمكنها الاحتراز منه، فلو قلنا: إنه ينقطع التتابع.. لأدى إلى أنه لا يمكن للمرأة أن تكفر بالصوم إلا بعد اليأس من الحيض، وفي ذلك تأخيرها عن وقت وجوبها، وربما ماتت قبل اليأس؛ ولذلك قلنا: لا ينقطع التتابع. وإن أفطرت للنفاس.. احتمل أن يكون فيه وجهان، كما قلنا في الإيلاء. وإن كان الفطر للمرض.. ففيه قولان: [الأول] : قال في القديم: (لا ينقطع التتابع) . وبه قال مالك، وأحمد؛ لأن سبب الفطر حدث بغير اختياره، فهو كالحيض، ولأنا لو قلنا: إنه ينقطع بالفطر في المرض.. لأدى ذلك إلى أن يتسلسل؛ لأنه لا يأمن وقوع المرض إذا استأنف بعد البرء. و [الثاني] : قال في الجديد: (ينقطع تتابعه) . وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه أفطر باختياره، فهو كما لو أفطر بغير المرض. وإن أفطر بالسفر، فإن قلنا: إن المريض إذا أفطر قطع التتابع.. فالمسافر أولى. وإن قلنا: إن الفطر بالمرض لا يقطع التتابع.. ففي المسافر قولان: أحدهما: لا ينقطع التتابع؛ لأن السفر عذر يبيح الفطر، فهو كالمرض. والثاني: أنه ينقطع التتابع؛ لأنه أحدث سبب الفطر، وهو السفر. وإن نوى الصوم من الليل، ثم أغمي عليه في أثناء النهار.. فهل يبطل صومه؟ فيه طرق، مضى ذكرها في الصوم. فإذا قلنا: لا يبطل.. لم ينقطع تتابعه بذلك.

стр. 5254

وإن قلنا: يبطل صومه.. قال الشيخ أبو إسحاق والمحاملي: هو كالفطر في المرض على قولين. وفيه نظر؛ لأنه لا يفطر باختياره، بخلاف الفطر في المرض؛ فإنه أفطر باختياره. وإن أفطرت الحامل والمرضعة في أثناء الشهرين، فإن كان خوفا على أنفسهما.. فهو كالفطر في المرض، وإن كان خوفا على ولديهما.. فهل ينقطع التتابع؟ فيه طريقان: [أحدهما] : من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالفطر في المرض. و [الثاني] : منهم من قال: ينقطع التتابع، قولا واحدا؛ لأنهما أفطرتا لحق غيرهما، بخلاف المريض. [فرع: الصيام أثناء الكفارة يقطع التتابع] ] : وإن صام في أثناء الشهرين تطوعا، أو عن نذر، أو قضاء.. انقطع تتابعه بذلك؛ لأن ذلك لا يقع عن الشهرين، وانقطع تتابعه به، كما لو أفطر. فإن صام بعض الشهرين ثم تخللهما زمان لا يجزئ صومه عن كفارته؛ مثل: رمضان، وعيد الأضحى.. انقطع تتابعه؛ لأن رمضان مستحق للصوم، وعيد الأضحى مستحق للفطر، وقد كان يمكنه أن يبتدئ صوما لا يقطعه ذلك، فإن لم يفعل.. فقد فرط، كما لو أفطر في أثناء الشهرين بغير عذر. ولا يجيء أن يقال: تخللهما عيد الفطر، ولا أيام التشريق؛ لأن عيد الفطر يتقدمه رمضان، وأيام التشريق يتقدمها عيد الأضحى. فأما إذا ابتدأ الصوم عن الشهرين في رمضان.. لم يصح صومه عن رمضان؛ لأنه لم ينو الصيام عنه ولا عن الشهرين؛ لأن الزمان مستحق لصوم رمضان، فلا يقع عن غيره.

стр. 5255

وإن ابتدأ صوم الشهرين يوم عيد الفطر.. لم يصح؛ لأنه مستحق للفطر، ويصح صوم باقي الشهر. وإن ابتدأ الصوم أيام التشريق، فإن قلنا بقوله الجديد، وأن صومها لا يصح عن صوم التمتع، أو قلنا بأحد الوجهين على القديم؛ لا يصح صومها عن التمتع.. لم يصح صومه عن الشهرين. وإن قلنا: يصح صومها عن التمتع.. صح صومها عن الشهرين. [مسألة: القدرة على العتق بعد الابتداء في الصوم] ] : وإن دخل في الصوم، ثم أيسر وقدر على إعتاق الرقبة.. لم يجب عليه الانتقال إلى الرقبة، وبه قال مالك، وأحمد. وقال أبو حنيفة، والمزني: (يلزمه الانتقال) . دليلنا: أنه وجد المبدل بعد شروعه في البدل، فلم يلزمه الانتقال إليه، كما لو وجد الهدي بعد شروعه في صوم التمتع. قال الشافعي: (لو أعتق.. كان أفضل؛ لأنه الأصل، وليخرج بذلك من الخلاف) . [فرع: تبييت النية لصيام الكفارة] فرع: [وجوب تبييت النية لصيام الكفارة] : ولا يجزيه الصوم عن الكفارة حتى ينوي الصيام كل ليلة؛ لقوله ﷺ : «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» . وهذا عام في كل صوم. وقد وافقنا أبو حنيفة على ذلك، وهل يلزمه نية التتابع؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يلزمه نية التتابع كل ليلة؛ لأن التتابع واجب كالصوم، فلما وجب عليه نية الصوم كل ليلة.. فكذلك نية التتابع.

стр. 5256

الثاني: يلزمه نية التتابع أول ليلة من الشهرين؛ لأن الغرض تمييز هذا الصوم عن غيره بالتتابع، وذلك يحصل بالنية أول ليلة منه. والثالث: لا تجب عليه نية التتابع، وهو الأصح؛ لأن التتابع شرط في العبادة، وعلى الإنسان أن ينوي فعل العبادة دون شرطها، كما قلنا في الصلاة: يلزمه نية فعل الصلاة دون شرطها. [مسألة: الانتقال إلى الإطعام عند العجز عن الصوم] ] : وإن عجز عن الصوم لكبر أو لعلة، يلحقه من الصوم مشقة شديدة أو زيادة في المرض، أو يلحقه مشقة شديدة في الصوم من الجوع والعطش، وكان قادرا على الإطعام.. لزمه الانتقال إلى الطعام؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] [المجادلة: ٤] ، ولما ذكرناه من حديث أوس بن الصامت وسلمة بن صخر. وإذا ثبت هذا: فعليه أن يطعم ستين مسكينا، كل مسكين مدا من طعام، ولا يجوز أن ينقص من عدد المساكين ولا من ستين مدا، وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: (إذا أعطى الطعام كله مسكينا واحدا في ستين يوما.. جاز) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] [المجادلة: ٤] . وقوله: ﴿فَإِطْعَامُ﴾ [المجادلة: ٤] مصدر يتقدر بـ: أن والفعل، وهذا يمنع الاقتصار على دون الستين. ولأنه مسكين استوفى قوت يوم من كفارة، فإذا دفع إليه غيره منها.. لم يجزه، كما لو دفع إليه في يوم واحد صاعين. [فرع: ما يدفع للمسكين في الكفارة] ] : ويجب أن يدفع إلى كل مسكين مدا في جميع الكفارات إلا في كفارة الأذى؛ فإنه يدفع إليه مدين، سواء كفر بالتمر، أو الزبيب، أو الشعير، أو البر، أو الذرة، وبه قال ابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، والأوزاعي. وقال أبو حنيفة: (إن كفر بالتمر أو الشعير.. لزمه لكل مسكين صاع

стр. 5257

و (الصاع) : أربعة أمداد، و (المد) عنده: رطلان - وإن كفر بالبر.. لزمه لكل مسكين نصف صاع وفي الزبيب عنه روايتان: إحداهما: أنه كالتمر والشعير. والثانية: أنه كالبر. وقال مالك - في كفارة اليمين والجماع في رمضان كقولنا في كفارة الظهار -: (يطعم كل مسكين مدا بمد هشام) . وهو مد وثلث بمد النبي ﷺ . وقيل: بل هو مدان. وقال أحمد: (هو مد من البر، ومن التمر والشعير مدان) . دليلنا: ما روى أبو هريرة: «أن رجلا أتى النبي ﷺ يضرب نحره، وينتف شعره، فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: (وما أهلكك؟) ، قال: وقعت على امرأتي في نهار رمضان، قال: " أعتق رقبة "، قال: لا أجد، فقال: " صم شهرين متتابعين "، قال: لا أستطيع، قال: " أطعم ستين مسكينا "، قال: لا أستطيع، فأمر النبي ﷺ ، فأتى بعرق من تمر فيه خمسة عشر صاعا، قال: " اذهب فتصدق به» . إذا ثبت هذا في المجامع في رمضان.. قسنا سائر الكفارات عليها. فأما خبر سلمة بن صخر؛ حيث أمر له النبي بوسق من تمر من صدقة بني زريق.. فمحمول على الجواز، وإنما زاد على خمسة عشر صاعا تطوعا؛ بدليل هذا الخبر. [فرع: صفة الطعام الذي يخرج في الكفارة] ] : وهل يلزمه أن يخرج من غالب قوته، أم من غالب قوت البلد؟ فيه وجهان: [الأول] : قال أبو عبيد بن حربويه: يلزمه من غالب قوته، وهو اختيار الشيخ

стр. 5258

أبي حامد؛ لأن الزكاة زكاتان: زكاة المال، وزكاة النفس، فلما كانت زكاة المال يجب إخراجها من المال.. وجب أن تخرج زكاة النفس من قوتها. و [الثاني] : قال أكثر أصحابنا: يلزمه إخراجها من غالب قوت البلد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] [المائدة: ٨٩] . و (الأوسط) : الأعدل، وأعدل ما يطعم أهله قوت البلد. فإن عدل عن قوته أو قوت بلده إلى قوت بلد آخر، فإن كان أعلى مما وجب عليه، بأن عدل عن الذرة والشعير إلى البر.. أجزأه؛ لأنه أعلى مما وجب عليه، وإن كان دون ذلك، بأن عدل عن البر إلى الذرة والشعير.. فهل يجزئه؟ فيه قولان، حكاهما الشيخ أبو حامد، وحكاهما في " المهذب " وجهين: أحدهما: يجزئه؛ لأنه قوت تجب فيه الزكاة. والثاني: لا يجزئه، وهو الأصح؛ لأنه دون ما وجب عليه. وإن أخرج من قوت لا تجب فيه الزكاة، فإن كان غير الأقط.. لم يجزه، وإن كان من الأقط.. ففيه قولان، كما قلنا في زكاة الفطر. وإن كان في بلد لا قوت لهم تجب فيه الزكاة.. وجب من قوت أقرب البلاد إليه. وهل يجزئه إخراج الدقيق والخبز والسويق؟ فيه وجهان: أحدهما: يجزئه؛ لأنه مهيأ للاقتيات. والثاني: لا يجزئه، وهو الصحيح؛ لأنه قد فوت فيه وجوها من المنفعة. وإن أخرج القيمة.. لم يجزه، كما قلنا في الزكاة. [مسألة: توزيع الستين مدا على مائة وعشرين لا يكفي] ] : وإن دفع ستين مدا إلى مائة وعشرين مسكينا، إلى كل واحد منهم نصف مد.. لم

стр. 5259

يجزه ذلك، وقيل له: اختر منهم ستين مسكينا، وادفع إلى كل واحد منهم نصف مد؛ لأنه لا يجوز أن يدفع إلى كل واحد منهم أقل من مد. فإن دفع إلى ستين مسكينا ستين مدا، إلى كل واحد منهم مدا دفعة واحدة أو في أوقات متفرقة.. أجزأه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] [المجادلة: ٤] . فعم، ولم يخص. وإن دفع إلى ثلاثين مسكينا ستين مدا، إلى كل واحد مدين.. لم يجزه إلا ثلاثون مدا؛ لأنه لم يطعم ستين مسكينا، وعليه أن يخرج ثلاثين مدا؛ لكل واحد مدا، وهل له أن يرجع على كل واحد من الثلاثين بما زاد على المد؟ ينظر فيه: فإن بين: أن ذلك عن كفارة واحدة.. كان له أن يرجع به؛ لأن ما زاد على المد عن الكفارة.. لا يجزئ دفعه إلى واحد. وإن أطلق.. لم يرجع؛ لأن الظاهر أن ذلك تطوع، وقد لزم بالقبض. وإن وجبت عليه كفارتان من جنس أو جنسين، فدفع إلى كل مسكين مدين.. أجزأه؛ لأنه لم يدفع إليه عن كل كفارة أكثر من مد. ويجوز الدفع إلى الكبار من المساكين، وإلى الصغار منهم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] [المجادلة: ٤] . ولم يفرق. ولكن يدفع مال الصغير إلى وليه، فإن دفع إلى الصغير.. لم يجزه؛ لأنه ليس من أهل القبض؛ ولهذا: لو كان عليه دين، فأقبضه إياه.. لم يبرأ بذلك. [فرع: العطاء المجزئ في الكفارة] هو دفع مد لكل واحد] : والدفع المبرئ له هو: أن يدفع إلى كل مسكين مدا، ويقول: خذه، أو كله، أو أبحته لك. فإن قدم ستين مدا إلى ستين مسكينا، وقال: خذوه، أو كلوه، أو أبحته لكم.. لم يجزه ذلك؛ لأن عليه أن يوصل إلى كل واحد منهم مدا، وهذا لم يفعل ذلك. وإن قال: ملكتكم هذا بينكم بالسوية، وأقبضهم إياه، فقبضوه.. ففيه وجهان:

стр. 5260

[أحدهما] : قال أبو سعيد الإصطخري: لا يجزئه؛ لأن عليهم مشقة في القسمة، فلم يجزه، كما لو دفع إليهم الطعام في السنابل. و [الثاني] : قال أبو إسحاق: يجزئه، وهو الأصح؛ لأنه قد ملكهم إياه، ولا يلحقهم في قسمته كثير مشقة، ويمكن كل واحد منهم بيع نصيبه مشاعا. وإن جمع ستين مسكينا وغداهم وعشاهم.. لم يجزه. وقال أبو حنيفة: (يجزئه) . دليلنا: أن الواجب عليه دفع الحب، وهذا لم يدفع الحب. ولأنه لا يتحقق أن كل واحد منهم أكل قدر حقه، وهو يشك في إسقاط الغرض عن ذمته، والأصل بقاؤه. [فرع: لا تدفع الكفارة لغير المسلم المكلف] ] : ولا يجوز دفعها إلى عبد ولا إلى كافر، ولا إلى من تلزمه نفقته؛ لما ذكرناه في الزكاة. ولا يجوز دفعها إلى مكاتب وإن جاز دفع الزكاة إليه؛ لأن القصد بالكفارة المواساة المحضة، والمكاتب مستغن عن ذلك؛ لأنه إن كان له كسب.. فنفقته في كسبه، وإن لم يكن له كسب.. فيمكنه أن يعجز نفسه، وتكون نفقته على سيده. [فرع: القدرة على الصيام بعد الإطعام] ] : وإن أطعم بعض المساكين، ثم قدر على الصيام.. لم يلزمه الصيام، كما قلنا فيمن قدر على العتق بعد الشروع في الصيام، والمستحب له: أن يصوم. وإن وطئها في خلال الإطعام.. أثم بذلك، ولا يلزمه الاستئناف. وقال مالك: (يلزمه) . دليلنا: أن الوطء لا يبطل ما فعله من الإطعام، فلم يلزمه الاستئناف، كما لو وطئ غيرها.

стр. 5261

[فرع: لا يجزئ الإطعام إلا بالنية] ] : ولا يجزئه الإطعام إلا بالنية؛ لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى» . وهل يجب أن تكون النية مقارنة للدفع، أو يجوز تقديمها على الدفع؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما في الزكاة. [مسألة: علق عتق عبده على ظهاره إن ظاهر] ] : إذا قال لعبده: أنت حر الساعة عن ظهاري إن تظاهرت.. عتق عليه العبد في الحال، فإن تظاهر بعد ذلك.. لم يجزه عتق ذلك العبد عن الظهار؛ لأن حقوق الأموال إنما يجوز تقديمها على وقت وجوبها.. إذا وجد أحد السببين، فأما بتقديمه عليهما.. فلا يصح. وإن قال لعبده: أنت حر عن ظهاري إن تظاهرت.. لم يعتق العبد في الحال؛ لأنه علق عتقه بصفة، فلا يعتق قبل وجود الصفة، فإن تظاهر.. عتق العبد، وهل يجزيه عن ظهاره؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما. وإن ظاهر من الرجعية، ثم أعتق عن ظهاره، أو أطعم قبل الرجعة، ثم راجعها.. فهل يجزئه؟ فيه وجهان: أحدهما: يجزئه، وهو الأصح؛ لأنه حق مال يتعلق بسببين، فإذا وجد أحدهما.. جاز تقديمه على الآخر، كإخراج الزكاة بعد ملك النصاب وقبل الحول. والثاني: لا يجوز؛ لأنه استباحة محظور، فلا يجوز تقديم الكفارة فيه، كما لو حلف لا يشرب الخمر، فأراد أن يكفر قبل أن يشرب الخمر. وإن أراد أن يكفر بالصيام.. لم يجز، وجها واحدا؛ لأنه صوم، فلا يجوز تقديمه قبل وجوبه، كصوم رمضان.

стр. 5262

[فرع: علق ظهارا على الدخول وأعتق عبدا قبل دخوله] ] : وإن قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي، فأعتق عبدا عن ظهاره قبل دخول الدار، ثم دخل الدار.. صار مظاهرا بدخول الدار، وهل يجزئه عتق ذلك العبد عن ظهاره؟ فيه وجهان: [أحدهما] : قال ابن الحداد: يجزئه؛ لأن العتق وجد منه بعد تلفظه بالظهار، فأجزأه، كما لو أعتق بعد الظهار وقبل العود، ثم عاد. و [الثاني] : قال سائر أصحابنا: لا يجزئه؛ لأن العتق وجد منه قبل الظهار؛ لأن تعليق الظهار بالصفة ليس بظهار، فهو كما لو أعتق عبدا عن الظهار وقبل الظهار. [مسألة: الكافر يكفر بالعتق والإطعام] وإن ظاهر الكافر.. كفر بالعتق إن كان من أهل العتق، فإن لم يكن من أهل العتق.. كفر بالإطعام، ولا يكفر بالصيام؛ لأن العتق والإطعام يصحان منه في غير الظهار، فيصحان منه في الظهار، والصيام لا يصح منه في غير الظهار، فلا يصح منه في الظهار. ولا يجزئه إلا عتق رقبة مؤمنة، كما قلنا في المسلم. وإن ظاهر المسلم من امرأته، ثم ارتد قبل أن يكفر، فأعتق أو أطعم في حال ردته، فإن قلنا: إن ملكه ثابت لا يزول بالردة.. صح عتقه وإطعامه عن الكفارة. فإن قيل: كيف يصح منه ذلك، ولا نية في ذلك؟ فالجواب: أن العبادات المالية المقصود منها: إيصالها إلى الفقراء والمساكين، والنية فيها على وجه التبع، فإن تعذرت النية.. لم يسقط المال، وأجزأ دفعه من غير نية؛ ولهذا قلنا: إذا امتنع من عليه الزكاة من دفعها، فأخذها الإمام منه قهرا.. أجزأه من غير نية لتعذرها. وإن قلنا: إن ملكه مراعى.. كان عتقه وإطعامه مراعى، فإن رجع إلى الإسلام.. وقعت الكفارة موقعها، وإن مات أو قتل على الردة.. تبينا أن ملكه زال بالردة، فلم يعتق العبد، ولم يصح الإطعام. وإن قلنا: إن ملكه زال بالردة.. لم يصح عتقه وإطعامه.

стр. 5263

ومن أصحابنا من قال: لا يزول ملكه بالردة، قولا واحدا، وإنما تصرفه لا ينفذ على هذا، ويصير كالمحجور عليه. وإن صام المرتد في حال ردته.. لم يصح صومه؛ لأن عبادته بدنية، فلم تصح من الكافر، كالصلاة. فإن كان المظاهر عبدا.. لم يجب عليه العتق، ولا يجزئ عنه؛ لأنه يتضمن ثبوت الولاء، وليس هو ممن يثبت له الولاء، ويكفر بالصوم. فإن عجز عن الصوم، فإن ملكه السيد مالا، وقلنا: إنه يملكه.. كفر بالإطعام، وإن قلنا: إنه لا يملكه.. لم يكفر بالإطعام. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال القفال: إذا ملكه السيد عبدا - وقلنا: يملكه - فأعتقه عن كفارته.. ففيه قولان، بناء على أن المكاتب إذا أعتق عبدا هل يصح؟ وفيه قولان. فإن قلنا: يصح.. كان ولاؤه موقوفا إلى أن يعتق، فإن أعتق.. كان ولاؤه له، كذلك هاهنا. وإن أعتق العبد قبل أن يكفر وصار موسرا.. فقد قال البغداديون من أصحابنا: لا يجب عليه العتق، قولا واحدا؛ لأنه لم يكن ممن يجزئ عنه العتق عند الوجوب، وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إن قلنا: إن الاعتبار بحال الأداء.. فكفارته العتق، وإن قلنا: الاعتبار بحال الوجوب.. فإن قلنا: العبد يملك المال.. كفر بالصيام إن كان من أهله، أو بالإطعام، أو بالكسوة في كفارة اليمين، وإن قلنا: لا يملك المال.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يجزئه إلا بالصيام؛ لأنه تعين عليه. والثاني: يجزئه العتق؛ لأنه أعلى حالا من الصوم. وبالله التوفيق.

стр. 5264

[كتاب اللعان]

стр. 5265

كتاب اللعان اللعان: مشتق من اللعن، واللعن: هو الطرد والإبعاد، فسمي المتلاعنان بذلك؛ لأن في الخامسة اللعنة، ولما يتعقب اللعان من المآثم والطرد؛ لأنه لا بد أن يكون أحدهما كاذبا، فيكون ملعونا. والأصل فيه: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] الآية [النور: ٦] . و: «لاعن النبي ﷺ بين عويمر العجلاني وامرأته» ، و: (بين هلال بن أمية وامرأته) . إذا ثبت هذا: فإن رأى الرجل امرأته تزني، أو أقرت عنده بالزنا، أو أخبره بذلك ثقة، أو استفاض في الناس أن رجلا زنى بها، ثم وجده عندها ولم يكن هناك نسب

стр. 5266

يلحقه من هذا الزنا.. فله أن يقذفها بالزنا؛ لأنه إذا رآها.. فقد تحقق زناها، وإذا أقرت عنده، أو أخبره ثقة، أو استفاض في الناس ووجد الرجل عندها.. غلب على ظنه زناها، فجاز له قذفها، ولا يجب عليه قذفها؛ لما روي: «أن رجلا قال: يا رسول الله، إن امرأتي لا ترد يد لامس - تعريضا منه بزناها - فقال النبي ﷺ : " طلقها "، فقال: إني أحبها، قال: " أمسكها» .

стр. 5267

وروى عبد الله بن مسعود: «أن رجلا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا، فتكلم.. جلدتموه، أو قتل.. قتلتموه، أو سكت.. سكت على غيظ؟! فقال النبي ﷺ : " اللهم افتح "، فنزلت آية اللعان» . فذكر: أنه يتكلم أو يسكت، ولم ينكر عليه النبي ﷺ . فأما إذا لم يظهر على المرأة الزنا ببينة ولا سبب.. حرم عليه قذفها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] [النور: ١١] . وروي: أن النبي ﷺ قال: «من قذف محصنة.. أحبط الله عمله ثمانين عاما» .

стр. 5268

وإن أخبره بزناها من لا يثق بقوله.. حرم عليه قذفها؛ لأنه لا يغلب على الظن إلا قول الثقة. وإن وجد عندها رجلا، ولم يستفض في الناس أنه زنى بها.. حرم عليه قذفها؛ لجواز أن يكون دخل إليها هاربا، أو لحاجة، أو لطلب الزنا ولم تجبه، فلا يجوز قذفها بأمر محتمل. وإن استفاض في الناس أن فلانا زنى بها، ولم يجده عندها.. فهل يجوز له أن يقذفها؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق: أحدهما: يجوز له قذفها؛ لأن الاستفاضة أقوى من خبر الثقة، والقسامة تثبت بالاستفاضة، فيثبت بها جواز القذف. والثاني: لا يجوز له قذفها، ولم يذكر في " التعليق "، و " الشامل " غيره؛ لجواز أن يكون أشاع ذلك عدو لهما. [مسألة: قذف المحصن يوجب حد القذف وغير ذلك] ] : وإذا قذف الرجل رجلا محصنا، أو امرأة أجنبية منه محصنة.. وجب عليه حد القذف، وحكم بفسقه، وردت شهادته. فإن أقام القاذف بينة على زنا المقذوف.. سقط عنه الحد، وزال التفسيق، وقبلت شهادته، ووجب على المقذوف حد الزنا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآية [النور: ٤] . فإن قذف الرجل امرأته.. وجب عليه حد القذف إن كانت محصنة، والتعزيز إن كانت غير محصنة، وحكم بفسقه. فإن طولب بالحد أو التعزيز.. فله أن يسقط ذلك عن نفسه بإقامة البينة على الزنا،

стр. 5269

وله أن يسقط ذلك باللعان، فإن لاعن، وإلا.. أقيم عليه الحد أو التعزير، هذا مذهبنا، وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة: (إذا قذف الرجل امرأته.. لم يجب عليه الحد بقذفها، وإنما يجب عليه اللعان، فإن لاعن، وإلا.. حبس حتى يلاعن) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآية [النور: ٤] . وهذا عام في الأزواج وغير الأزواج. وخص الأزواج بأن جعل لعانهم يقوم مقام شهادة أربعة غيرهم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآية [النور: ٦] . وروي عن ابن عباس: «أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، فقال له النبي ﷺ : " البينة، أو حد في ظهرك "، فقال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله في أمري ما يبرئ به ظهري من الحد. فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] الآية [النور: ٦] فدعاه النبي ﷺ ، وقال: " أبشر يا هلال؛ فقد جعل الله لك فرجا ومخرجا ". قال: قد كنت أرجو ذلك من ربي» . وروى سهل بن سعد الساعدي: «أن عويمرا العجلاني أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلا لو وجد مع امرأته رجلا.. أيقتله، فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فقال النبي ﷺ : " قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك، اذهب فأت بها ". فأتى بها، فتلاعنا» .

стр. 5270

فيكون المعنى: قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك، أي: ما أنزل الله في هلال بن أمية وامرأته؛ لأنها عامة. ويجوز أن تكون الآية نزلت في الجميع. والمشهور: هو الأول. وإنما خص الأزواج باللعان بقذف الزوجات؛ لأن الأجنبي لا حاجة به إلى القذف، فغلظ عليه، ولم يقبل منه في إسقاط الحد عنه إلا البينة. وإذا زنت الزوجة.. فقد أفسدت على الزوج فراشه، وخانته فيما ائتمنها عليه، وألحقته من الغيظ ما لا يلحق بالأجنبي، وربما ألحقت به نسبا ليس منه، فاحتاج إلى قذفها لنفي ذلك النسب عنه، فخفف عنه؛ بأن يجعل لعانه قائما مقام شهادة أربعة. فإن قدر الزوج على البينة واللعان.. فله أن يسقط الحد عن نفسه بأيهما شاء. وقال بعض الناس: ليس له أن يلاعن. دليلنا: أنهما بينتان في إثبات حق، فجاز له إقامة كل واحدة منهما مع القدرة على الأخرى، كالرجلين، والرجل والمرأتين في المال. [فرع: قذف الزوج لا يشترط له الرؤية] ] : وسواء قال الزوج: رأيتها تزني، أو قذفها بالزنى ولم يضف ذلك إلى رؤيته، فله أن يلاعن لإسقاط الحد عنه، وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك: (ليس له أن يلاعن إلا إن قال: رأيتها تزني؛ لأن آية اللعان نزلت في هلال بن أمية، وكان قد قال: رأيت بعيني، وشهدت بسمعي) .

стр. 5271

دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] الآية [النور: ٦] ، ولم يفرق بين أن يقول: رأيت بعيني، أو أطلق. ولأنه معنى يخرج به من القذف المضاف إلى المشاهدة، فصح الخروج به من القذف المطلق، كالبينة. [فرع: انتفاء الولد يثبت باللعان] ] : وإن كان هناك ولد يريد نفيه.. لم ينتف بالبينة، وإنما ينتفي باللعان؛ لأن الشهود لا سبيل لهم إلى ذلك. وإن أراد أن يثبت الزنا بالبينة، ويلاعن لنفي النسب، أو يلاعن لهما.. جاز له ذلك. [مسألة: يسقط حد القذف بعفو المقذوف] ] : حد القذف حق للمقذوف، فإن عفا عنه.. سقط، وإن مات قبل أن يستوفيه.. ورث عنه. وقال أبو حنيفة: (هو حق لله لا حق للمقذوف فيه، وإن عفا عنه.. لم يسقط، وإن مات.. لم يورث عنه) . ووافقنا أنه لا يستوفى إلا بمطالبته. دليلنا: قوله ﷺ : «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» . فأضاف العرض إلينا كإضافة الدم والمال، فوجب أن يكون ما في مقابلته للمقذوف، كالدم، والمال. ولأنه حق على البدن إذا ثبت بالاعتراف.. لم يسقط بالرجوع، فكان للآدمي، كالقصاص. ففي قولنا: (إذا ثبت بالاعتراف.. لم يسقط بالرجوع) احتراز من حد الزنا والخمر والقطع في السرقة. إذا ثبت هذا: فقذف زوجته، ثم عفت عما وجب لها من الحد أو التعزيز، ولم

стр. 5272

يكن هناك ولد.. لم يكن له أن يلاعن؛ لأنه يلاعن لإسقاط الحد عنه، وقد سقط عنه بالعفو. ومن أصحابنا من قال: له أن يلاعن؛ لأنه يستفيد به قطع الفراش والفرقة المؤبدة. والمذهب الأول؛ لأن الفرقة تمكنه بالطلاق الثلاث. وإن كان هناك ولد.. فله أن يلاعن لنفيه وإن لم تطالبه بالحد ولم تعف عنه. فإن كان هناك نسب.. فله أن يلاعن لنفيه عنه، وإن لم يكن هناك نسب.. فليس له أن يلاعن. ومن أصحابنا من قال: له أن يلاعن؛ لقطع الفراش. والمذهب الأول؛ لأنه إنما يلاعن لنفي النسب، أو لإسقاط الحد عنه، وليس هناك أحدهما، وقطع الفراش يمكنه بالطلاق الثلاث. [مسألة: قذف الزوج لامرأته حال الصحة يوجب الحد واللعان يسقطه] ] : إذا قذف الرجل امرأته، ثم جنت، أو قذفها في حال جنونها بزنا إضافة إلى حال الصحة.. فإنه يجب عليه الحد. وإن قذفها في حال جنونها بزنا إضافة إلى حال جنونها.. فإنه لا يجب عليه الحد بذلك، وإنما يجب عليه بذلك التعزير. وإن أراد الولي أن يطالب بما وجب لها من الحد أو التعزيز.. لم يكن له ذلك؛ لأن طريقه التشفي من القاذف بإقامة الحد عليه، فلم يكن له ذلك، كالقصاص. فإن التعن الزوج منها.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وقعت الفرقة) . واختلف أصحابنا فيها على وجهين: [أحدهما] : فمنهم من قال: إن كانت حاملا.. فللزوج أن يلاعن؛ لأن اللعان يحتاج إليه لنفي الولد عنه، وإن كانت حائلا.. لم يكن له أن يلاعن؛ لأن اللعان يراد

стр. 5273

لإسقاط الحد عنه، أو لنفي الولد، ولا ولد هاهنا، فيحتاج إلى نفيه، ولا يجب عليه الحد إلا بمطالبتها، ولا مطالبة لها قبل الإفاقة، فلم يكن له أن يلاعن. و [الثاني] : قال أبو إسحاق: له أن يلاعن، سواء كانت حاملا أو حائلا؛ لأنها إن كانت حاملا.. احتاج إلى اللعان لنفي الولد، وإن كانت حائلا.. احتاج إلى اللعان لإسقاط الحد الواجب عليه في الظاهر، كمن وجب عليه دين إلى أجل.. فله أن يدفعه قبل حلول الأجل. والأول أصح؛ لأن الشافعي قال: (ليس على الزوج أن يلتعن حتى تطالب المقذوفة بحدها) . [فرع: لا يقبل قذف زوجة لها سبع سنين ويعزر] ] : وإن قذف زوجته الصغيرة، فإن كانت لا يوطأ مثلها، كابنة سبع سنين فما دونها.. لم يصح قذفه؛ لأن القذف إنما يصح إذا احتمل أن يكون فيه صادقا أو كاذبا، وابنة سبع سنين يعلم يقينا أنها لا توطأ وأنه كاذب. ويجب عليه التعزير للكذب، وليس له أن يلاعن لإسقاط هذا التعزير؛ لأنا نتحقق كذبه، فلا معنى للعانه. وقال الشيخ أبو حامد: لا يقام عليه التعزير إلا بعد بلوغها؛ لأنه لا يصح مطالبتها به، ولا ينوب عنها الولي في المطالبة. وإن كانت صغيرة يوطأ مثلها، كابنة تسع سنين فما زاد.. صح قذفه؛ لأن ما قاله يحتمل الصدق والكذب، ولا يجب عليه الحد بقذفها؛ لأنها ليست بمحصنة، وإنما يجب عليه التعزير، وهل للزوج أن يلاعن لإسقاط التعزير؟ فيه وجهان: [أحدهما] : من أصحابنا من قال: ليس له أن يلاعن؛ لأن اللعان يراد لنفي النسب، أو لإسقاط ما وجب عليه من الحد أو التعزير بقذفها، وذلك لا يجب قبل مطالبتها. و [الثاني] : قال أبو إسحاق: له أن يلاعن لإسقاط ما وجب عليه من التعزير في الظاهر وإن لم يطالب به، كما يجوز له أن يقدم ما وجب عليه من الدين المؤجل قبل حلوله.

стр. 5274

وإن كانت له زوجة كتابية، فقذفها.. لم يجب عليه الحد؛ لأنها ليست بمحصنة، ويجب عليه التعزير، وحكمه حكم الحد الذي يجب عليه بقذف المحصنة، ويسقط عنه بإقامة البينة على زناها، أو باللعان؛ لأنه إذا سقط عنه الحد الكامل بذلك.. فلأن يسقط ما هو دونه بذلك أولى. وإن كانت الزوجة أمة، فقذفها.. لم يجب عليه الحد؛ لأنها ليست بمحصنة ويجب عليه التعزير، وليس للسيد أن يطالبه به؛ لأنه ليس بمال ولا له بدل هو مال، وحق السيد إنما يتعلق بالمال أو بما بدله المال. فإن طالبته الأمة به.. كان له أن يسقط ذلك بالبينة أو باللعان، كما قلنا في الحد الذي يجب عليه بقذف المحصنة. وإن عفت الأمة عما وجب لها من التعزير.. سقط؛ لأنه لا حق للسيد فيه. [مسألة: القذف بعد البينة أو الإقرار لا يوجب الحد] ] : إذا قامت البينة على امرأة بالزنا، أو أقرت بذلك، ثم قذفها الزوج أو أجنبي بذلك الزنا أو بغيره.. لم يجب عليه حد القذف؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الآية [النور: ٤] . وهذه ليست بمحصنة. ولأن القذف هو ما احتمل الصدق والكذب، فأما ما لا يحتمل إلا أحدهما.. فإنه لا يكون قذفا، ألا ترى أنه لو قذف الصغيرة التي لا يوطأ مثلها في العادة، أو قال: الناس كلهم زناة.. لم يكن قاذفا؛ لأن القذف والحد فيه إنما جعلا لدفع العار عن نسب المقذوفة، وهذه لا عار عليها بهذا القذف؛ لأن زناها قد ثبت، ويجب عليه التعزير؛ لأنه آذاها وسبها، وذلك محرم، فعزر لأجله؟ فإن كان المؤذي لها بذلك أجنبيا.. لم يسقط عنه ببينة ولا بغيرها؛ لأن هذا تعزير أذى، وليس بتعزير قذف.

стр. 5275

وإن كان المؤذي لها بذلك زوجها.. فهل له إسقاطه باللعان؟ نقل المزني: (ليس له إسقاطه باللعان) . ونقل الربيع: (أن له إسقاطه باللعان) . واختلف أصحابنا في ذلك: فقال أبو إسحاق: الصحيح ما نقله المزني، وما نقله الربيع خطأ؛ لأن اللعان إنما يراد لتحقيق الزنا، والزنا هاهنا متحقق، فلا فائدة في اللعان، ولأن اللعان إنما يسقط حق المقذوفة، فأما حق الله: فلا يسقط، وهذا التعزير لحق الله، فلم يجز إسقاطه باللعان، كما قلنا فيمن قذف صغيرة لا يوطأ مثلها. فإن قيل: لو كان هذا التعزير لحق الله.. لما كان يفتقر إلى مطالبتها، كما لو قال: الناس كلهم زناة.. فإن الإمام يعزره من غير مطالبة. قلنا: إنما افتقر إلى مطالبتها؛ لأنه يتعلق بحق امرأة بعينها. وقال أبو الحسن القطان، وأبو القاسم الداركي: هي على قولين: أحدهما: لا يلاعن؛ لما ذكرناه. والثاني: يلاعن؛ لأنه إذا جاز أن يلاعن لدرء التعزير فيمن لم يثبت زناها.. فلأن يلاعن فيمن ثبت زناها أولى. ومنهم من قال: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين: فالموضع الذي قال: (لا يلاعن) إذا كان قد رماها بزنا مضافا إلى ما قبل الزوجية، مثل: أن رماها بالزنا وهما أجنبيان، فأقام عليها البينة بذلك، ثم تزوجها ورماها بذلك الزنا؛ لأنه كان في الأصل لا يجوز له اللعان لأجله، فكذلك في الثاني. والموضع الذي قال: (له أن يلاعن) إذا رماها بالزنا في حال الزوجية، فحققه

стр. 5276

عليها بالبينة، ثم رماها به ثانيا، فله أن يلاعن؛ لأنه كان في الأصل له إسقاط حده باللعان قبل البينة، فكذلك بعد البينة. [فرع: قذف زوجته ولم يبين ولم يلاعن] ] : وإن قذف امرأته بالزنا، ولم يقم عليها البينة، ولم يلاعن، فحد، ثم رماها بذلك الزنا.. فإنه لا يجب عليه الحد؛ لأن القذف هو ما احتمل الصدق والكذب، وهذا لا يحتمل إلا الكذب، ولأن الحد إنما يراد لدفع العار عن نسب المقذوفة، وقد دفع عنه، العار بالحد الأول، فلا معنى لإقامة الحد ثانيا. ويجب عليه التعزير؛ لأنه آذاها بذلك، والأذى بذلك محرم، ولا يلاعن لإسقاط هذا التعزير؛ لأنه تعزير أذى، فهو كالتعزير لأذى الصغيرة التي لا يوطأ مثلها. وإن قذف أجنبي بزنا، ولم يقم البينة على الزنا، فحد حد القاذف، ثم رماها القاذف بذلك ثانيا.. فإنه لا يجب عليه حد القذف، وإنما يجب عليه التعزير للأذى. وقال بعض الناس: يجب عليه حد القذف. دليلنا: ما روي: (أن أبا بكرة شهد هو ورجلان معه على المغيرة بن شعبة بالزنا، فحدهم عمر ﵁، ثم قال أبو بكرة للمغيرة: قد كنت زنيت، فهم عمر بجلده، فقال له علي ﵁: إن كنت تريد جلده.. فارجم صاحبك، فتركه عمر) .

стр. 5277

ومعنى قول علي ﵁: إن كنت تجعل هذا قذفا ثانيا.. فقد تمت الشهادة على المغيرة، وإن كان هو القذف الأول.. فقد حددته فيه. [فرع: قذف امرأته وثبت الحد بلعانه فتنفيه بلعانها] ] : قال ابن الصباغ: إذا قذف الرجل امرأته بالزنا، وثبت عليها الحد بلعانه.. نظرت: فإن لاعنته.. فقد عارض لعانه لعانها، فلا يثبت عليها الزنا، ولا يجب عليها الحد، ولا تزول حصانتها، ومتى قذفها هو أو غيره.. وجب عليه حد القذف. وإن قذفها ولاعنها، ولم تلاعن هي.. فقد وجب عليها الحد، ويسقط إحصانها في حق الزوج، وهل تسقط حصانتها في حق الأجنبي؟ فيه وجهان: أحدهما: تسقط حصانتها؛ لأنه قد ثبت زناها باللعان من الزوج. والثاني: لا تسقط؛ لأن اللعان حجة تخص الزوج؛ ولهذا لا يسقط عن الأجنبي حد القذف به، فلا يسقط إحصانها به في حقه. وذكر الشيخ أبو إسحاق: أن الزوج إذا قذفها وتلاعنا، ثم قذفها بذلك الزنا الذي تلاعنا عليه.. لم يجب عليه الحد، وإن قذفها بزنا آخر.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يجب عليه الحد؛ لأن اللعان في حقه كالبينة، ثم بالبينة يبطل إحصانها، فكذلك في اللعان. والثاني: يجب عليه الحد؛ لأن اللعان لا يسقط إلا ما يجب بالقذف في الزوجية لحاجته إلى القذف، وقد زالت الزوجية، فزالت الحاجة إلى القذف.

стр. 5278

وإن تلاعنا، ثم قذفها أجنبي.. حد. فكل موضع قلنا: (لا يجب على الزوج الحد بقذفها بعد الزوجية) فإنه يجب عليه التعزيز؛ لأنه آذاها، والأذى محرم، وهذا لا خلاف أنه لا يسقط التعزير ولا الحد الذي يجب عليه إذا قذفها بزنا آخر باللعان؛ لأن اللعان إنما يكون بين الزوجين وهما أجنبيان. هذا مذهبنا. وقال أبو حنيفة: (إذا قذفها أجنبي، فإن كان الزوج لاعنها ونفى حملها، وكان الولد حيا.. فعلى الأجنبي الحد، وإن كان لم ينف حملها، أو نفاه، وكان الولد ميتا.. فإنه لا حد على الأجنبي) . دليلنا: ما روى ابن عباس: «أن النبي ﷺ لاعن بين هلال بن أمية وامرأته، ففرق بينهما، وقضى بأن لا يدعى الولد للأب، وأنها لا ترمى ولا ولدها، فمن رماها أو ولدها.. فعليه الحد» . ولم يفرق. وهذا حجة لما قال ابن الصباغ، فإنها أجابته باللعان، وقال ﷺ : «فمن رماها أو ولدها.. فعليه الحد» . وروي: " وعليه الحد " ولم يفرق بين الزوج وغيره. وبالله التوفيق.

стр. 5279

[باب ما يلحق من النسب، وما لا يلحق] وما يجوز نفيه باللعان، وما لا يجوز إذا تزوج الرجل امرأة، وهو ممن يولد لمثله، وأمكن اجتماعهما على الوطء، فأتت بولد لمدة الحمل.. لحقه الولد. فإن زوج الأب ابنه الصغير امرأة، وأمكن اجتماعهما، وأتت بولد.. نظرت: فإن أتت به قبل أن يستكمل الصبي تسع سنين وستة أشهر من مولده.. لم يلحقه الولد بلا خلاف؛ لأن الله تعالى أجرى العادة أنه لا يولد لمثله. وينتفي عنه بغير لعان؛ لأن اللعان إنما يحتاج إليه لنفي نسب لاحق به، وهذا غير لاحق به. وإن مات هذا الصبي.. لم تنقض عدتها منه بوضعه؛ لأنه لا يمكن أن يكون منه، فلم تنقض عدتها منه بوضعه، بخلاف ما لو نفى حمل امرأته باللعان؛ فإن عدتها منه تنقضي بوضعه؛ لأنه يمكن أن يكون منه. وإن أتت به بعد أن كمل للصبي عشر سنين، ومضت مدة الحمل بعد ذلك.. لحقه الولد بلا خلاف؛ لأن ابن العشر قد ينزل الماء الدافق الذي يخلق منه الولد وإن كان نادرا، إلا أن الولد يلحق بالإمكان، وإن خالف الظاهر. فإن أتت به بعد أن كمل للصبي تسع سنين وستة أشهر، أو سبعة.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يلحق به؛ لأن الشافعي قال: (لو جاءت بحمل وزوجها صبي دون عشر سنين.. لم يلزمه؛ لأن العلم يحيط أنه لا يولد لمثله) . فإن قلنا بهذا: انتفى عنه بغير لعان. والثاني: أنه يلحقه، وهو اختيار الشيخ أبي حامد؛ لأنه لما جاز أن تبلغ المرأة بالحيض لتسع سنين.. فكذلك يجوز أن يبلغ الغلام بالاحتلام لتسع سنين، والنسب يحتاط في إثباته.

стр. 5280

فإذا قلنا بهذا: وأتت به بعد أن كمل للصبي عشر سنين، ومضت مدة الحمل، وأراد أن ينفيه باللعان.. لم يكن له ذلك؛ لأنه لا حكم لكلامه؛ لأنه غير بالغ. فإن قيل: كيف جعلتموه بالغا في حكم لحوق الولد به، ولم تجعلوه بالغا في جواز اللعان؟! فالجواب: أن إثبات النسب يجوز بالإمكان، ولا يجوز نفيه بالإمكان. فإن أقر بالبلوغ وأراد أن ينفيه باللعان.. كان له ذلك؛ لأنه أقر بالبلوغ في وقت يجوز أن يكون صادقا، فقبل. هذا نقل الشيخ أبي حامد. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إذا أتت به وقد استكمل تسع سنين.. لحق به. وهل يشترط ستة أشهر وساعة الوطء بعد التسع ليلحقه؟ فيه وجهان. وإن كان الزوج في سن من يولد له، إلا أنه مجبوب، فأتت امرأته بولد.. فروى المزني: (أنه لا ينتفي عنه إلا باللعان) . وروى الربيع: (أنه ينتفي عنه بغير لعان) . قال أصحابنا: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين، واختلفوا في الحالين: فقال أبو إسحاق: الموضع الذي قال: (لا ينتفي عنه إلا باللعان) أراد: إذا كان مقطوع الذكر والأنثيين؛ لأنه إذا قطع ذكره وبقي أنثياه.. ساحق وأنزل، وإن قطع أنثياه وبقي ذكره.. أولج وأنزل. غير أن أهل الطب قد قالوا: إذا قطع ذكره أو أنثياه.. فلا ينزل إلا ماء رقيقا

стр. 5281

لا يخلق منه الولد، ولا اعتبار بقولهم هاهنا؛ لأن الولد يلحق بالإمكان. والموضع الذي قال: (ينتفي عنه بغير لعان) أراد: إذا قطع ذكره وأنثياه؛ لأنه يتعذر منه الإنزال جملة. وقال القاضي أبو حامد: هي على اختلاف حالين آخرين: فالموضع الذي قال: (لا ينتفي عنه إلا باللعان) أراد: إذا لم تنسد ثقبة المني التي في أصل الذكر. والموضع الذي قال: (ينتفي عنه بغير لعان) أراد: إذا انسدت؛ لأن في أصل الذكر ثقبتين: ثقبة للبول، وثقبة للمني، فإذا انسدت ثقبة المني.. تعذر الإنزال، وإذا لم تنسد.. لم يتعذر. ومنهم من قال: هي على اختلاف حالين آخرين: فالموضع الذي قال: (لا ينتفي عنه إلا باللعان) أراد به: المجنون إذا وطئ امرأته في حال جنونه؛ لأنه كالعاقل في الوطء. والموضع الذي قال: (ينتفي عنه بغير لعان) هو المجبوب والخصي. وحكى الشيخ أبو حامد: أن من أصحابنا من قال: يلحق به الولد، ولا ينتفي عنه إلا باللعان وإن كان مقطوع الذكر والأنثيين. والصحيح: قول أبي إسحاق. هذا نقل البغداديين. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إن كان مجبوبا.. لحق به الولد، وإن كان خصيا، فإن قال أهل المعرفة: إنه يولد لمثله.. لحقه، وإلا.. فلا. وإن لم يمكن اجتماعهما على الوطء؛ بأن تزوجها في مجلس القاضي، وطلقها ثلاثا عقيب العقد في المجلس، فأتت بولد لمدة الحمل من يوم النكاح، أو تزوج رجل بالمشرق امرأة بالمغرب، فأتت بولد لستة أشهر من حين العقد.. فإن الولد لا يلحقه، وينتفي عنه بغير لعان، وبه قال مالك وأحمد.

стр. 5282

وقال أبو حنيفة: (إذا كان الزوج ممن يتأتى منه الوطء.. لحقه) . وهكذا: قال في رجل غاب عن امرأته زمانا، فأخبرت: أنه مات، فاعتدت عنه عدة الوفاة، وتزوجت بغيره، فرزق منها أولادا، ثم جاء الزوج الأول، فإن الأولاد كلهم للأول، ولا يلحق أحد منهم الزوج الثاني. ودليلنا: أنها أتت بولد لا يمكن أن يكون منه، فلم يلحق به، كامرأة الطفل. [مسألة: ولادة المرأة قبل مضي ستة أشهر من وقت العقد] ] : وإن تزوج امرأة، وأتت بولد لأقل من ستة أشهر من حين العقد.. انتفى عنه بغير لعان؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر بالإجماع، فيعلم أنها علقت به قبل حدوث الفراش. وإن تزوج رجل امرأة ودخل بها، ثم طلقها وهي حامل، فوضعت الحمل، ثم أتت بولد آخر لدون ستة أشهر من حين وضع الحمل.. لحقه الثاني؛ لأن الله تعالى أجرى العادة أنه لا يكون بين الحملين أقل من ستة أشهر، فعلمنا أنهما حمل واحد. وإن أتت بالثاني لستة أشهر فما زاد من وقت وضع الأول.. انتفى عنه الثاني بغير لعان؛ لأن الله تعالى أجرى العادة أن الولدين من حمل واحد لا يكون بينهما ستة أشهر، فعلمنا أن الولد الثاني علقت به بعد وضع الأول. وإن طلقها واعتدت بالأقراء، ثم ولدت قبل أن تتزوج.. نظرت: فإن وضعته لستة أشهر فما زاد، أو لأربع سنين من وقت الطلاق، أو لدون ستة أشهر من وقت الطلاق.. لحقه الولد، ولا ينتفي عنه إلا باللعان، سواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا، وسواء أقرت بانقضاء عدتها قبل ذلك أو لم تقر. وقال أبو حنيفة: (إذا أتت به لسنتين من وقت الطلاق.. لحق به، وإن أتت به لما

стр. 5283

زاد عن سنتين من وقت الطلاق.. لم يلحق به) ؛ لأن أكثر الحمل عنده سنتان. والكلام عليه يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. وقال أبو حنيفة أيضا: (إذا أقرت بانقضاء عدتها قبل ذلك.. لم يلحق الولد به، وانتفى عنه بغير لعان) . وبه قال أبو العباس ابن سريج؛ لأنا حكمنا بانقضاء عدتها بإقرارها وإباحتها للأزواج، فلا ينقض بأمر محتمل. ودليلنا: أن أكثر الحمل عندنا أربع سنين، وقد ترى الحامل الدم على الحمل، وإذا أمكن إثبات الحمل.. لم يجز نفيه، ولهذا: لو تزوج امرأة وأتت بولد لستة أشهر من وقت العقد.. لحق به وإن لم يعلم الوطء؛ احتياطا لإثبات النسب، فكذلك هذا مثله. وإن أتت به لأكثر من أربع سنين من وقت الطلاق.. نظرت: فإن كان الطلاق بائنا، مثل: أن طلقها طلقة أو طلقتين بعوض أو طلقها ثلاثا أو طلقها قبل الدخول أو فسخ النكاح بعيب.. فإن الولد لا يلحقه، وينتفي عنه بلا لعان. ونقل المزني: (فهو ينتفي باللعان) . قال أصحابنا: وهذا خطأ في النقل؛ لأن الحمل لا يكون أكثر من أربع سنين. ومن أصحابنا من اعتذر للمزني، وقال: ويحتمل أن (الألف) من (لا) التزق مع (لام) قوله: (لعان) ، فصار قوله: (بلا لعان) باللعان. وإن كان الطلاق رجعيا.. ففيه قولان: أحدهما: لا يلحقه الولد، وينتفي عنه بغير لعان؛ لأن الرجعية محرمة على الزوج تحريم المبتوتة عندنا، وقد ثبت أن المبتوتة إذا أتت بولد لأكثر من أربع سنين من وقت انقضاء العدة.. لم يلحقه، فكذلك الرجعية. والثاني: أنه يلحقه الولد، ولا ينتفي عنه إلا باللعان؛ لأن الرجعية في

стр. 5284

معنى الزوجات؛ بدليل: أنه يلحقها الطلاق، والإيلاء، والظهار، ويتوارثان، فكانت في حكم الزوجات في حكم لحوق ولدها به؛ لأن النسب يحتاط لإثباته. فإذا قلنا بهذا: فإلى متى يلحقه الولد؟ فيه وجهان: أحدهما: قال أبو إسحاق: يلحقه أبدا؛ لأنا نظن أن العدة قد انقضت، ولم تكن قد انقضت في الباطن، ويكون قد وطئها في العدة. والثاني وهو المذهب: أنه يلحقه إذا أتت به لأربع سنين من وقت إقرارها بانقضاء العدة، ولا يلحقه إذا أتت به لأكثر من أربع سنين؛ لأنا إنما ألحقناه به؛ لجواز أن يكون قد وطئها في عدتها، وذلك وطء شبهة، فلحقه الولد الحادث من هذا الوطء. وأكثر الحمل أربع سنين فإذا أتت به لأكثر من أربع سنين بعد انقضاء عدتها.. تبينا أنه حدث من وطء بعد انقضاء عدتها، وهي أجنبية من بعد انقضاء عدتها، فصارت كالمبتوتة. وإن لم تقر بانقضاء العدة.. ففيه وجهان: أحدهما: يلحقه الولد أبدا؛ لأنه يحتمل امتداد العدة. والثاني: أن يحسب ثلاثة أشهر من بعد الطرق، ثم إذا ولدت لأكثر من أربع سنين بعد الثلاثة الأشهر.. لم يلحقه؛ لأن الغالب أن الأقراء تنقضي بثلاثة أشهر. [فرع: طلقها فأتت بعد أربع سنين بولد] ] : وإن طلقها، وأتت بولد لأكثر من أربع سنين من وقت الطلاق، وكان الطلاق بائنا أو رجعيا، وقلنا: لا يلحقه ولدها، فادعت الزوجة أنه قد كان نكحها بعد الطلاق

стр. 5285

البائن، أو راجعها في الرجعي، وهذا الولد منه، فإن أنكر النكاح أو الرجعة.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم النكاح والرجعة، ويحلف على القطع: أنه ما نكحها، أو أنه ما راجعها؛ لأنه حلف على فعل نفسه. فإذا حلف.. لم يلزمه لها مهر ولا نفقة، وانتفى الولد عنه بغير لعان. فإن نكل عن اليمين.. ردت عليها اليمين، فإن حلفت.. ثبت أنها زوجته، فتجب لها النفقة، ويجب لها المهر إن ادعت النكاح. وأما الولد: فإن اعترف الزوج: أنها ولدته على فراشه. لحقه نسبه، ولا ينتفي عنه إلا باللعان، وإن قال: لم تلده، وإنما التقطته أو استعارته.. لم تصدق المرأة أنها ولدته حتى تقيم البينة على ذلك؛ لأنه يمكنها إقامة البينة على ذلك، ويقبل في ذلك رجلان، أو رجل وامرأتان، أو أربع نسوة، فإذا أقامت البينة لها: أنها ولدته على فراشه.. لحقه نسبه، ولا ينتفي عنه إلا باللعان. وإن عدمت البينة، فإن قلنا: إن الولد يعرض مع الأم على القافة.. عرض معها، فإن ألحقته بهما.. لحق بالزوج، ولم ينتف عنه إلا باللعان. وإن قلنا: لا يعرض مع الأم، أو لم تكن قافة، أو كانت وأشكل عليها.. فالقول قول الزوج مع يمينه: أنه لا يعلم أنها ولدته على فراشه، فإذا حلف.. انتفى عنه بغير لعان، وإن نكل الزوج عن اليمين، فردت على الزوجة، فلم تحلف.. فهل يوقف اليمين إلى أن يبلغ الصبي ويحلف؟ فيه وجهان - بناء على القولين في الجالية المرهونة إذا أحبلها الراهن، وادعى المرتهن: أن الراهن أذن له في وطئها، وأنكر المرتهن، ونكلا جميعا عن اليمين -: أحدهما: لا ترد اليمين على الولد؛ لأن اليمين للزوجة، وقد أسقطتها بالنكول. والثاني: ترد عليه؛ لأنه يثبت بها حق الولد وحق الزوجة، فإذا أسقطت حقها.. بقي حق الولد. وإن أقر الزوج: أنه راجعها أو تزوجها.. ثبتت الزوجية، وثبتت أحكامها، فإن أقر: أنها أتت بالولد على فراشه.. لحقه، ولا ينتفي عنه إلا باللعان، وإن أنكر

стр. 5286

أنها ولدته، وإنما التقطته أو استعارته.. فعليها إقامة البينة على ما مضى. هذا إذا كان الاختلاف مع الزوج. فأما إذا كان الاختلاف مع ورثة الزوج: فإن مات وخلف ابنا، فادعت الزوجة: أن أباه قد كان تزوجها أو راجعها، وهذا الولد منه، فإن أقر الابن بالنكاح أو الرجعة.. ثبتت الزوجية وأحكامها. وأما الولد: فإن اعترف الابن: أنها ولدته على فراش أبيه.. لحق نسبه بالأب، وليس للابن أن ينفيه باللعان؛ لأن اللعان يختص به الزوج. وإن قال: لم تلده، وإنما التقطته أو استعارته.. فعليها أن تقيم البينة أنها ولدته؛ لأنها يمكنها إقامة البينة، فإذا أقامت البينة.. ألحق بالأب، وورث مع الابن، وليس له نفيه باللعان، وإن عدمت البينة، فإن قلنا: إن الولد يعرض مع الأم على القافة.. عرض معها، فإن ألحقته بالأب.. ثبت نسبه من الأب، وورث منه. وإن قلنا: لا يعرض معها، أو لم تكن قافة، أو كانت وأشكل عليها.. فالقول قول الابن مع يمينه: أنه لا يعلم أنها ولدته على فراش أبيه، فإذا حلف.. لم يثبت نسب الولد من الزوج، ولم يرث مع الابن، وإن نكل عن اليمين.. حلفت الأم: أنها ولدته على فراش الزوج، وثبت نسبه منه، ويرث منه، وإن لم تحلف الزوجة.. فهل توقف اليمين إلى أن يبلغ الصبي ويحلف؟ على الوجهين اللذين مضى ذكرهما. وإن أنكر الابن النكاح أو الرجعة، فإن كان معها بينة وأقامتها.. كان الحكم فيه كما لو أقر الابن، وإن لم يكن معها بينة.. فالقول قول الابن مع يمينه، ويحلف الابن: أنه لا يعلم أن أباه نكحها أو راجعها؛ لأنه يحلف على نفي فعل غيره، فحلف على نفي العلم، فإن حلف.. فلا كلام، وإن نكل.. ردت اليمين عليها، فإن

стр. 5287

حلفت.. كان الحكم فيه كما لو أقر الابن، أو أقامت البينة، وإن لم تحلف هي.. فهل توقف اليمين إلى أن يبلغ الصبي فيحلف؟ على الوجهين. وإن خلف الزوج ابنين أو أكثر، فإن أقرا أو أنكرا أو حلفا أو نكلا وردا عليها اليمين فحلفت.. كان الحكم فيها كالحكم مع الواحد، وإن أقر أحدهما وأنكر الآخر، ونكل عن اليمين فحلف.. كان حكمها حكم ما لو أقرا. وإن أقر أحدهما، وأنكر الآخر، فحلف المنكر.. لم تثبت الزوجية في حق الحالف، ولا يثبت نسب الولد؛ لأن النسب لا يثبت إلا بالإقرار من جميع الورثة، ويلزم المقر بحصته من المهر النفقة، وهل ترث معه الزوجة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا ترث؛ لأنه لما لم يثبت النسب باعترافه.. لم يثبت ميراثها باعترافه. والثاني: ترث معه من حقه نصف الثمن، كما قلنا في الدين. وإن كان الوارث للزوج أخا، أو ابن أخ، أو عما، فإن أنكر عليها النكاح أو الرجعة، وأقامت البينة.. ثبت النكاح، وثبتت أحكامه. فإن أنكر أن تكون أتت بولد على فراش الزوج، فإن أقامت على ذلك بينة.. لحق بالزوج، وورث جميع مال الزوج إن كان ذكرا، وإن لم يكن معها بينة فحلف لها.. لم يثبت النكاح ولا يثبت نسب الولد. وإن نكل عن اليمين، فحلفت.. ثبتت زوجيتها وأحكامها في المهر والنفقة، وأما نسب الولد: فهل يلحق بالزوج؟ إن قلنا: إن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه كالبينة.. ثبت نسبه. وإن قلنا: إنها كالإقرار.. فهو كما لو أقر. وإن أقر لها بالنكاح أو الرجعة.. ثبتت الزوجية وأحكامها في المهر والنفقة، وأما نسب الولد: فإن أنكر الأخ أنها ولدته على فراش الزوج.. فعليها إقامة البينة: أنها ولدته على فراشه، وإن لم تقم بينة، وقلنا: لا يعرض الولد على القافة، أو قلنا:

стр. 5288

يعرض ولم تكن قافة، أو كانت وأشكل عليها.. فالقول قول الأخ مع يمينه: أنه لا يعلم أنها ولدته على فراش الزوج؛ فإن حلف.. لم يثبت نسبه، وإن أقر: أنها ولدته على فراش الزوج.. ثبت نسبه منه، ولا يرث من الزوج؛ لأنا لو ورثناه لحجب الأخ، وخرج عن أن يكون وارثا، فلم يصح إقراره. وقال أبو العباس: يرث. واختاره ابن الصباغ، والمذهب الأول. وأما قدر ميراث الزوجة: فالذي يقتضي المذهب: إن كان مال الزوج في يدها.. لم يأخذ الأخ والعم منه إلا ثلاثة أرباعه؛ لأنه لا يدعي سواه، ويقر لها بالربع وهي لا تدعي إلا الثمن، وتدفع من الربع الذي يبقى في يدها إلى ابنها نصفه؛ لأنها تقر له به. وإن كان المال في يد الأخ أو العم.. لم تأخذ الزوجة منه إلا الثمن؛ لأنه يقر لها بالربع، وهي لا تدعي إلا الثمن، فلم يكن لها أكثر منه. [فرع: انقضت عدتها وتزوجت بآخر وحملت] ] : وإن طلقها الزوج، وانقضت عدتها منه، وتزوجت بآخر، وأتت بولد، فإن وضعته لأربع سنين فما دونها من طلاق الأول، ولدون ستة أشهر من عقد الثاني.. لم يلحق بالثاني، ولحق بالأول على المذهب، ولا ينتفي عنه إلا باللعان. وعلى قول أبي العباس وابن سريج: لا يلحق بأحدهما. وإن أتت به لأقل من ستة أشهر من عقد الثاني، ولأكثر من أربع سنين من طلاق الأول.. فإن الولد لا يلحق بالثاني وينتفي عنه بغير لعان. وهل يلحق بالأول؟ ينظر فيه: فإن كان طلاقه بائنا.. لم يلحق به، وانتفى عنه بغير لعان. وإن كان طلاقه رجعيا.. فهل يلحقه به؟ على قولين، مضى ذكرهما. وإن أتت به لأربع سنين فما دونها من طلاق الأول، ولستة أشهر فما زاد من نكاح الثاني.. فذكر الشيخ أبو حامد: أن الولد يلحق بالثاني؛ لأن الفراش له. وذكر الشيخ أبو إسحاق: أن الثاني إذا ادعى: أنه من الأول.. فإن الولد يعرض

стр. 5289

معهما على القافة، فإن ألحقته بالأول.. لحقه، وانتفى عن الثاني بغير لعان، وإن ألحقته بالثاني. لحق به، وانتسب إلى الثاني، ولا ينتفي عنه إلا باللعان، وإن لم تكن قافة أو كانت وأشكل عليها.. ترك إلى أن يبلغ وقت الانتساب، فإن انتسب إلى الأول.. انتفى عن الثاني بغير لعان، وإن انتسب إلى الثاني.. لم ينتف عنه إلا باللعان. وإن لم يعرف وقت طلاق الأول ووقت نكاح الثاني.. حلف الثاني: أنه لا يعلم أنها ولدته على فراشه؛ لأن الأصل عدم ولادته على فراشه، فإذا حلف انتفى عنه نسبه بغير لعان، وإن نكل عن اليمين.. حلفت أنها ولدته على فراشه، ولحقه نسبه، ولا ينتفي عنه إلا باللعان، وإن لم تحلف الزوجة.. فهل توقف اليمين إلى أن يبلغ الصبي ويحلف؟ فيه وجهان، بناء على القولين في الجارية المرهونة. [مسألة: وطئت مزوجة بشهبة فتعتد] ] إن كانت لرجل زوجة، فوطئها رجل بشبهة.. لزمها أن تعتد منه، فإن أتت بولد يمكن أن يكون من كل واحد منهما.. عرض الولد على القافة؛ لأن لها مدخلا في إلحاق النسب، ولا يلاعن الزوج لنفيه؛ لأنه يمكن نفيه بغير لعان، ومتى أمكن نفي الولد عنه بغير لعان.. لم يكن له أن يلاعن، كما أن السيد إذا أتت أمته بولد.. لم يكن له نفيه باللعان؛ لأن له طريقا إلى نفيه بغير اللعان، بأن يدعي استبراءها، ويحلف عليه، كذلك هذا مثله. فإن ألحقته القافة بالواطئ.. انتفى عن الزوج بغير لعان، ولحق الولد بالواطئ، وليس له نفيه باللعان؛ لأن اللعان يختص به الزوج. وإن ألحقته بالزوج.. انتفى عن الواطئ، ولحق بالزوج، وله نفيه باللعان، فإذا نفاه.. انتفى عنهما، وإن ألحقته القافة بهما، أو نفته عنهما، أو لم تكن قافة، أو كانت وأشكل عليها.. ترك إلى أن يبلغ سن الانتساب، ثم يؤمر بالانتساب إلى أحدهما، فإن انتسب إلى الزوج.. لحق به، ولا ينتفي عنه إلا باللعان، وإن انتسب إلى الواطئ.. لحق به، ولا ينتفي عنه باللعان؛ لأن اللعان يختص به الزوج، والواطئ أجنبي.

стр. 5290

[مسألة: نفي الحمل والطعن مع وجود الولد] ] : نقل المزني ثلاث مسائل: إحداهن: إذا قال لامرأته: هذا الحمل ليس مني، ولست بزانية، ولم أصبها.. قيل له: قد تخطئ ولا يكون حملا، فيكون صادقا، وهي غير زانية، فلا حد ولا لعان. فمتى استيقنا أنه حمل.. قلنا: قد يحتمل أن تأخذ نطفتك وتستدخلها لتحمل منك، فتكون صادقا بأنك لم تصبها، وهي صادقة بأنه ولدك. وإن قذفت.. لاعنت. الثانية: لو نفى ولدها، وقال: لا ألاعنها ولا أقذفها.. لم يلاعنها، ولزمه الولد. وإن قذفها.. لاعنها؛ لأنه إذا لاعنها بغير قذف.. فإنما يدعي: أنها لم تلد، وقد حكمنا أنها ولدته، وإنما أوجب الله اللعان بالقذف، فلا يجب بغيره. الثالثة: لو قال: لم تزن، ولكنها غصبت.. لم ينتف عنه إلا باللعان. قال أصحابنا: وفي هذه ست مسائل: إحداهن: إذا ظهر بها حمل، أو ولدت، فقذفها بالزنا برجل بعينه.. فله أن يلاعن لنفيه؛ لحديث هلال بن أمية، فإنه قذف امرأته بشريك بن سحماء، فـ: (لاعن النبي ﷺ بينهما) . الثانية: إذا قذفها بالزنا مطلقا، ولم يعين الزاني بها.. فله أن يلاعن لنفيه؛ لأن عويمرا العجلاني قذف امرأته بالزنا، ولم يعين الزاني بها، و: (لاعن النبي ﷺ بينهما) . الثالثة: أن يقول: هذا الولد ليس مني، وإنما وطئك فلان بشبهة، وهذا الولد منه، والشبهة منكما، فليس له أن ينفيه باللعان؛ لأنه يمكنه نفيه بغير لعان، فيعرض
следующие страницы →