Полный текст (7 092 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.
стр. 5286
أنها ولدته، وإنما التقطته أو استعارته.. فعليها إقامة البينة على ما مضى. هذا إذا كان الاختلاف مع الزوج.
فأما إذا كان الاختلاف مع ورثة الزوج: فإن مات وخلف ابنا، فادعت الزوجة: أن أباه قد كان تزوجها أو راجعها، وهذا الولد منه، فإن أقر الابن بالنكاح أو الرجعة.. ثبتت الزوجية وأحكامها.
وأما الولد: فإن اعترف الابن: أنها ولدته على فراش أبيه.. لحق نسبه بالأب، وليس للابن أن ينفيه باللعان؛ لأن اللعان يختص به الزوج. وإن قال: لم تلده، وإنما التقطته أو استعارته.. فعليها أن تقيم البينة أنها ولدته؛ لأنها يمكنها إقامة البينة، فإذا أقامت البينة.. ألحق بالأب، وورث مع الابن، وليس له نفيه باللعان، وإن عدمت البينة، فإن قلنا: إن الولد يعرض مع الأم على القافة.. عرض معها، فإن ألحقته بالأب.. ثبت نسبه من الأب، وورث منه. وإن قلنا: لا يعرض معها، أو لم تكن قافة، أو كانت وأشكل عليها.. فالقول قول الابن مع يمينه: أنه لا يعلم أنها ولدته على فراش أبيه، فإذا حلف.. لم يثبت نسب الولد من الزوج، ولم يرث مع الابن، وإن نكل عن اليمين.. حلفت الأم: أنها ولدته على فراش الزوج، وثبت نسبه منه، ويرث منه، وإن لم تحلف الزوجة.. فهل توقف اليمين إلى أن يبلغ الصبي ويحلف؟ على الوجهين اللذين مضى ذكرهما.
وإن أنكر الابن النكاح أو الرجعة، فإن كان معها بينة وأقامتها.. كان الحكم فيه كما لو أقر الابن، وإن لم يكن معها بينة.. فالقول قول الابن مع يمينه، ويحلف الابن: أنه لا يعلم أن أباه نكحها أو راجعها؛ لأنه يحلف على نفي فعل غيره، فحلف على نفي العلم، فإن حلف.. فلا كلام، وإن نكل.. ردت اليمين عليها، فإن
стр. 5287
حلفت.. كان الحكم فيه كما لو أقر الابن، أو أقامت البينة، وإن لم تحلف هي.. فهل توقف اليمين إلى أن يبلغ الصبي فيحلف؟ على الوجهين.
وإن خلف الزوج ابنين أو أكثر، فإن أقرا أو أنكرا أو حلفا أو نكلا وردا عليها اليمين فحلفت.. كان الحكم فيها كالحكم مع الواحد، وإن أقر أحدهما وأنكر الآخر، ونكل عن اليمين فحلف.. كان حكمها حكم ما لو أقرا. وإن أقر أحدهما، وأنكر الآخر، فحلف المنكر.. لم تثبت الزوجية في حق الحالف، ولا يثبت نسب الولد؛ لأن النسب لا يثبت إلا بالإقرار من جميع الورثة، ويلزم المقر بحصته من المهر النفقة، وهل ترث معه الزوجة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا ترث؛ لأنه لما لم يثبت النسب باعترافه.. لم يثبت ميراثها باعترافه.
والثاني: ترث معه من حقه نصف الثمن، كما قلنا في الدين.
وإن كان الوارث للزوج أخا، أو ابن أخ، أو عما، فإن أنكر عليها النكاح أو الرجعة، وأقامت البينة.. ثبت النكاح، وثبتت أحكامه.
فإن أنكر أن تكون أتت بولد على فراش الزوج، فإن أقامت على ذلك بينة.. لحق بالزوج، وورث جميع مال الزوج إن كان ذكرا، وإن لم يكن معها بينة فحلف لها.. لم يثبت النكاح ولا يثبت نسب الولد.
وإن نكل عن اليمين، فحلفت.. ثبتت زوجيتها وأحكامها في المهر والنفقة، وأما نسب الولد: فهل يلحق بالزوج؟
إن قلنا: إن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه كالبينة.. ثبت نسبه.
وإن قلنا: إنها كالإقرار.. فهو كما لو أقر.
وإن أقر لها بالنكاح أو الرجعة.. ثبتت الزوجية وأحكامها في المهر والنفقة، وأما نسب الولد: فإن أنكر الأخ أنها ولدته على فراش الزوج.. فعليها إقامة البينة: أنها ولدته على فراشه، وإن لم تقم بينة، وقلنا: لا يعرض الولد على القافة، أو قلنا:
стр. 5288
يعرض ولم تكن قافة، أو كانت وأشكل عليها.. فالقول قول الأخ مع يمينه: أنه لا يعلم أنها ولدته على فراش الزوج؛ فإن حلف.. لم يثبت نسبه، وإن أقر: أنها ولدته على فراش الزوج.. ثبت نسبه منه، ولا يرث من الزوج؛ لأنا لو ورثناه لحجب الأخ، وخرج عن أن يكون وارثا، فلم يصح إقراره.
وقال أبو العباس: يرث. واختاره ابن الصباغ، والمذهب الأول.
وأما قدر ميراث الزوجة: فالذي يقتضي المذهب: إن كان مال الزوج في يدها.. لم يأخذ الأخ والعم منه إلا ثلاثة أرباعه؛ لأنه لا يدعي سواه، ويقر لها بالربع وهي لا تدعي إلا الثمن، وتدفع من الربع الذي يبقى في يدها إلى ابنها نصفه؛ لأنها تقر له به. وإن كان المال في يد الأخ أو العم.. لم تأخذ الزوجة منه إلا الثمن؛ لأنه يقر لها بالربع، وهي لا تدعي إلا الثمن، فلم يكن لها أكثر منه.
[فرع: انقضت عدتها وتزوجت بآخر وحملت]
] : وإن طلقها الزوج، وانقضت عدتها منه، وتزوجت بآخر، وأتت بولد، فإن وضعته لأربع سنين فما دونها من طلاق الأول، ولدون ستة أشهر من عقد الثاني.. لم يلحق بالثاني، ولحق بالأول على المذهب، ولا ينتفي عنه إلا باللعان.
وعلى قول أبي العباس وابن سريج: لا يلحق بأحدهما.
وإن أتت به لأقل من ستة أشهر من عقد الثاني، ولأكثر من أربع سنين من طلاق الأول.. فإن الولد لا يلحق بالثاني وينتفي عنه بغير لعان. وهل يلحق بالأول؟ ينظر فيه:
فإن كان طلاقه بائنا.. لم يلحق به، وانتفى عنه بغير لعان. وإن كان طلاقه رجعيا.. فهل يلحقه به؟ على قولين، مضى ذكرهما.
وإن أتت به لأربع سنين فما دونها من طلاق الأول، ولستة أشهر فما زاد من نكاح الثاني.. فذكر الشيخ أبو حامد: أن الولد يلحق بالثاني؛ لأن الفراش له.
وذكر الشيخ أبو إسحاق: أن الثاني إذا ادعى: أنه من الأول.. فإن الولد يعرض
стр. 5289
معهما على القافة، فإن ألحقته بالأول.. لحقه، وانتفى عن الثاني بغير لعان، وإن ألحقته بالثاني. لحق به، وانتسب إلى الثاني، ولا ينتفي عنه إلا باللعان، وإن لم تكن قافة أو كانت وأشكل عليها.. ترك إلى أن يبلغ وقت الانتساب، فإن انتسب إلى الأول.. انتفى عن الثاني بغير لعان، وإن انتسب إلى الثاني.. لم ينتف عنه إلا باللعان.
وإن لم يعرف وقت طلاق الأول ووقت نكاح الثاني.. حلف الثاني: أنه لا يعلم أنها ولدته على فراشه؛ لأن الأصل عدم ولادته على فراشه، فإذا حلف انتفى عنه نسبه بغير لعان، وإن نكل عن اليمين.. حلفت أنها ولدته على فراشه، ولحقه نسبه، ولا ينتفي عنه إلا باللعان، وإن لم تحلف الزوجة.. فهل توقف اليمين إلى أن يبلغ الصبي ويحلف؟ فيه وجهان، بناء على القولين في الجارية المرهونة.
[مسألة: وطئت مزوجة بشهبة فتعتد]
] إن كانت لرجل زوجة، فوطئها رجل بشبهة.. لزمها أن تعتد منه، فإن أتت بولد يمكن أن يكون من كل واحد منهما.. عرض الولد على القافة؛ لأن لها مدخلا في إلحاق النسب، ولا يلاعن الزوج لنفيه؛ لأنه يمكن نفيه بغير لعان، ومتى أمكن نفي الولد عنه بغير لعان.. لم يكن له أن يلاعن، كما أن السيد إذا أتت أمته بولد.. لم يكن له نفيه باللعان؛ لأن له طريقا إلى نفيه بغير اللعان، بأن يدعي استبراءها، ويحلف عليه، كذلك هذا مثله.
فإن ألحقته القافة بالواطئ.. انتفى عن الزوج بغير لعان، ولحق الولد بالواطئ، وليس له نفيه باللعان؛ لأن اللعان يختص به الزوج.
وإن ألحقته بالزوج.. انتفى عن الواطئ، ولحق بالزوج، وله نفيه باللعان، فإذا نفاه.. انتفى عنهما، وإن ألحقته القافة بهما، أو نفته عنهما، أو لم تكن قافة، أو كانت وأشكل عليها.. ترك إلى أن يبلغ سن الانتساب، ثم يؤمر بالانتساب إلى أحدهما، فإن انتسب إلى الزوج.. لحق به، ولا ينتفي عنه إلا باللعان، وإن انتسب إلى الواطئ.. لحق به، ولا ينتفي عنه باللعان؛ لأن اللعان يختص به الزوج، والواطئ أجنبي.
стр. 5290
[مسألة: نفي الحمل والطعن مع وجود الولد]
] : نقل المزني ثلاث مسائل:
إحداهن: إذا قال لامرأته: هذا الحمل ليس مني، ولست بزانية، ولم أصبها.. قيل له: قد تخطئ ولا يكون حملا، فيكون صادقا، وهي غير زانية، فلا حد ولا لعان.
فمتى استيقنا أنه حمل.. قلنا: قد يحتمل أن تأخذ نطفتك وتستدخلها لتحمل منك، فتكون صادقا بأنك لم تصبها، وهي صادقة بأنه ولدك. وإن قذفت.. لاعنت.
الثانية: لو نفى ولدها، وقال: لا ألاعنها ولا أقذفها.. لم يلاعنها، ولزمه الولد. وإن قذفها.. لاعنها؛ لأنه إذا لاعنها بغير قذف.. فإنما يدعي: أنها لم تلد، وقد حكمنا أنها ولدته، وإنما أوجب الله اللعان بالقذف، فلا يجب بغيره.
الثالثة: لو قال: لم تزن، ولكنها غصبت.. لم ينتف عنه إلا باللعان.
قال أصحابنا: وفي هذه ست مسائل:
إحداهن: إذا ظهر بها حمل، أو ولدت، فقذفها بالزنا برجل بعينه.. فله أن يلاعن لنفيه؛ لحديث هلال بن أمية، فإنه قذف امرأته بشريك بن سحماء، فـ: (لاعن النبي ﷺ بينهما) .
الثانية: إذا قذفها بالزنا مطلقا، ولم يعين الزاني بها.. فله أن يلاعن لنفيه؛ لأن عويمرا العجلاني قذف امرأته بالزنا، ولم يعين الزاني بها، و: (لاعن النبي ﷺ بينهما) .
الثالثة: أن يقول: هذا الولد ليس مني، وإنما وطئك فلان بشبهة، وهذا الولد منه، والشبهة منكما، فليس له أن ينفيه باللعان؛ لأنه يمكنه نفيه بغير لعان، فيعرض
стр. 5291
الولد على القافة، فإن ألحقته بالزوج.. لحقه وانتفى عنه باللعان، وإن ألحقته بالواطئ بالشبهة.. لحقه ولا ينتفي عنه باللعان، ويكون الحكم فيه كما لو وطئها رجل بشبهة، وقد مضى.
الرابعة: أن يقول: هذا الولد ليس مني وما وطئتها، وهي ما زنت.. فإن لم يقذف أحدا. وقوله: (ما وطئتها) لا ينفي أن يكون منه؛ لجواز أن يكون وطئها فيما دون الفرج، فسبق الماء إلى فرجها، أو احتملت منيه بصوفة. ولا يلتفت إلى قول أهل الطب: أن المني إذا برد لا تحبل المرأة منه.
ويحتمل أيضا أن يكون قوله: (ما وطئتها) أي: بل وطئها غيري بشبهة، وهذا الولد منه.
وإذا احتمل هذين الأمرين.. لم يكن له نفيه باللعان إلا أن يقذفها، فيلاعن.
الخامسة: أن يقول: وطئك فلان بشبهة، وأنت عالمة بأنه زنا، وهذا الولد منه.. فليس له أن ينفيه باللعان في هذه الحال؛ لأنه يمكنه نفيه بغير لعان؛ بأن يعرض على القافة؛ لأن النسب تعتبر فيه الشبهة في حق الأب، فإن ألحقته القافة بالواطئ بالشبهة.. لحق به، ولا ينتفي عنه باللعان، وإن ألحقته بالزوج.. فله نفيه باللعان.
السادسة: إذا قال: غصبت على الزنا، أو وطئك فلان وأنت مكرهة، وهذا الولد منه.. فقد قذف الزاني بها. فإن كان معينا.. وجب له عليه حد القذف، وأما المرأة: فلا يحد لها؛ لأنه لم يقذفها بزنا، وهل يعزر لها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يعزر لها؛ لأنه لم يسفهها؛ لأنه لا عار عليها، ولا جاءت بمحرم.
стр. 5292
الثاني: يعزر لها؛ لأنه آذاها بحصول ماء حرام في رحمها، وبذلك يلحق العار بنسبها.
وهل له أن يلاعن لنفي الولد الحادث من هذا الوطء؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يلاعن؛ لأنه قذف أحد الواطئين، فلم يكن له العان لنفي الولد، كما لو قذفها دونه.
والثاني: له نفيه باللعان، وهو الأصح؛ لأنه نسب يلحقه من غير رضاه، لا يمكن نفيه بغير اللعان، فجاز له نفيه باللعان، كما لو قذفهما معا.
فعلى هذا: يذكر في اللعان زنا الرجل وأن الولد ليس مني، ولا يذكرها بالزنا.
[مسألة: تزوج فجاءه ولد بعد ستة أشهر فلا يحق قذفها ولا نفي ولدها]
] : إذا تزوج امرأة ووطئها، وأتت بولد لستة أشهر فما زاد من وقت الوطء، ولم يشاركه أحد في وطئها بشبهة، ولم يرها تزني، ولا استفاض في الناس زناها، وكان الولد لا يشبه غيره.. لم يحل له قذفها ولا نفي ولدها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الآية [النور: ٤] . وهذه محصنة.
ولما روي «عن أبي هريرة: أنه قال: لما نزلت آية اللعان.. قال النبي ﷺ : " أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم.. فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جنته. وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه.. احتجب الله منه، وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين» .
стр. 5293
ومعنى قوله: " ينظر إليه " يعلم أنه منه؛ لأن النبي ﷺ خاف أن يبادر الناس إلى نفي الأنساب بالشك.. فغلظ الحال فيه.
وأما إذا طهرت امرأته من الحيض، ولم يطأها، ورأى رجلا يزني بها، وأتت بولد لستة أشهر فصاعدا من وقت الزنا.. لزمه قذفها بالزنا ونفي النسب عنه؛ لقوله ﵊: «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم.. فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جنته» . فإذا حرم على المرأة أن تدخل على قوم من ليس منهم.. حرم ذلك على الرجل أيضا. ولأنه لما حرم عليه نفي نسب يتيقنه منه.. حرم عليه استلحاق نسب يتيقن أنه ليس منه.
وإن لم يطأها ولم يعلم بزناها.. وجب عليه نفيه باللعان؛ لما ذكرناه. ولا يجوز له أن يقذفها؛ لجواز أن يكون من وطء شبهة، أو من زوج قبله.
وإن لم يرها زنت، ولا سمع بذلك، ولكنها أتت بولد أسود، وهما أبيضان، أو أتت بولد أبيض، وهما أسودان، أو أتت بولد يشبه رجلا ترمى به، ولم يعلم أن الرجل الذي ترمى به وطئها.. فهل يجوز له نفيه باللعان؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز له نفيه باللعان؛ لما روى ابن عباس: «أن النبي ﷺ لاعن بين هلال بن أمية وبين امرأته، ثم قال النبي ﷺ : " إن جاءت به أصيهب، أثيبج حمش الساقين.. فهو لزوجها، وإن جاءت به أورق، جعدا، جماليا، خدلج الساقين، سابغ الأليتين.. فهو للذي رميت به " فجاءت به أورق، جعدا جماليا، خدلج الساقين، سابغ الأليتين، فقال النبي ﷺ : " لولا الأيمان.. لكان لي ولها شأن» . فدل على أن للشبه حكما.
стр. 5294
والثاني: لا يجوز له نفيه؛ لأن هذا الشبه يجوز أن يكون عرق نزعه في آبائه وأجداده؛ ولهذا روي «أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن امرأتي أتت بولد أسود؟! فقال ﵊: " ألك إبل؟ "، قال: نعم، قال: " ما ألوانها؟ "، قال: حمر، قال: " هل فيها من أورق؟ "، قال: إن فيها لورقا، فقال: " أنى ترى ذلك؟ "، قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: " وهذا، عسى أن يكون نزعه عرق» .
ويخالف قصة هلال بن أمية؛ لأنه كان أخبره: أنه كان شاهده يزني بها. والوجهان إذا لم يشاهد ذلك.
إذا ثبت هذا: فمعنى قوله ﷺ : " أصيهب " تصغير أصهب، وقوله: " أثيبج " تصغير أثبج، وهو الناتئ الثبج. والثبج: ما بين الكاهل ووسط الظهر، وقوله: " حمش الساقين " يعني دقيقهما، وقوله: " أورق " يعني: الأورق الذي لونه بين السواد والغبرة، ومنه قيل للرماد: أورق، وللحمامة: ورقاء؛ لأن لونهما كذلك، وقوله: " خدلج الساقين " يعني: عظيم الساقين. وقد روي: " جزل الساقين ". وأما قوله: " جماليا ": قال أبو عبيد: فإنهم يقولون جماليا - بفتح الجيم - يذهبون به إلى الجمال، وليس هو من الجمال في شيء؛ لأنه لو أراد ذلك.. لقال: جميلا، ولكنه جماليا - بضم الجيم - يعني: عظيم الخلق، شبه خلقه بخلق الجمل، فيقال للناقة العظيمة: جمالية؛ لأن خلقها يشبه خلق الجمل. قال الأعشى:
стр. 5295
جمالية تغتلي بالرداف ... إذا كذب الآثمات الهجيرا
وقوله: " سابغ الأليتين " يعني: عظيم الأليتين.
[مسألة: جامع بعد طهر ثم قذفها فله أن يلاعن]
] : إذا طهرت امرأة من الحيض، وجامعها في ذلك الطهر، ثم قذفها بزنا في ذلك الطهر.. فله أن يلاعن لإسقاط الحد بلا خلاف، وله أن يلاعن لنفي النسب الحادث في ذلك الطهر، وبه قال عطاء، وأبو حنيفة.
وقال مالك: (ليس له أن يلاعن لنفي النسب منه) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] الآية [النور: ٦] . ولم يفرق بين أن يكون وطئها أو لم يطأها.
ولأنه رماها بزنا، وأتت بولد يمكن أن يكون منه، فكان له نفيه باللعان، كما لو لم يطأها فيه.
[فرع: عزل وحملت]
] : إذا كان يجامع امرأته ويعزل عنها - وهو: أنه إذا أراد الإنزال نزع وأنزل الماء بعد النزع - فأتت بولد لمدة الحمل.. لحقه، ولا يجوز له نفيه؛ لما روي: أنه «قيل للنبي ﵊: إنا نصيب السبايا، ونحب الأثمان، أفنعزل عنهن؟ فقال ﵊: " إن الله إذا قضى خلق نسمة.. خلقها» ، و: «لا عليكم أن لا تفعلوا، ما كتب الله خلق نسمة هي كائنة..» ولأن كل حكم تعلق بالوطء.. فإنه
стр. 5296
يتعلق بالإيلاج دون الإنزال، كالغسل، والمهر، والعدة، وغير ذلك، فكذلك ثبوت النسب، ولأنه ربما سبق من الماء ما لا يحس به، فتعلق به، فلم يجز له نفيه.
وإن كان يطؤها فيما دون الفرج، وأتت بولد.. فهل يجوز له نفيه باللعان؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز له نفيه؛ لأنه قد يسبق منه الماء إلى فرجها، فتحمل منه، كما لو وطئ البكر، فحملت.
والثاني - وهو المذهب -: أنه يجوز له نفيه؛ لأن كل حكم تعلق بالوطء.. فإنه لا يتعلق بالوطء فيما دون الفرج، كالغسل، والمهر، والعدة، فكذلك ثبوت النسب.
وإن كان يطؤها في الدبر، وأتت بولد.. فهل يجوز له نفيه باللعان؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز له نفيه؛ لأنه قد يسبق الماء إلى فرجها، فتعلق به.
والثاني: يجوز له نفيه؛ لأنه وطئها في موضع لا تحبل منه بحال، فهو كما لو وطئها في سرتها وأنزل.
[مسألة: قذف امرأته الحامل وادعى زناها لاعنها]
] : إذا قذف زوجته وهي حامل، وادعى أنها حملت من الزنا.. فله أن يلاعن لنفي الحمل قبل وضعه.
وقال أبو حنيفة: (ليس له أن يلاعن قبل وضع الحمل لأجل نفي الحمل، فإن لاعن.. بانت، ووقعت الفرقة، فإذا وضعت.. لم ينتف النسب، ولحقه، ولم يكن له أن يلاعن بعد ذلك لنفي النسب) .
دليلنا: حديث هلال بن أمية: (أن النبي ﷺ لاعن بينهما على الحمل قبل وضعه) .
стр. 5297
ولأن كل سبب جاز اللعان لأجله بعد انفصال الولد.. جاز اللعان لأجله قبل انفصال الولد، كزوال الفراش.
إذا ثبت هذا: فله أن يؤخر اللعان إلى أن تضع إذا لم يتيقن الحمل؛ لجواز أن يكون ريحا فتنفش، أو غلظا، فكان له التأخير ليلاعن على يقين.
وإن رآها حاملا ولم ينف الحمل، فلما ولدت أراد النفي.. قيل له: قد علمتها حاملا، فلم لم تنفه؟ أكنت قد أقررت بالولد؟
فإن قال: لم أقر به، وإنما لم أنفه؛ لأني لم أتحققها حاملا، بل جوزت أنه ريح أو غلظ.. حلف على ذلك؛ لأنه يحتمل ما يدعيه، وكان له نفيه باللعان.
وإن قال: قد علمتها حاملا لا محالة، ولكني أخرت لعلها تسقطه، أو يموت بعد الولادة، أو تموت هي.. لحقه الولد، ولم يكن له نفيه باللعان؛ لأنه ترك النفي لغير عذر.
وإن كان الولد منفصلا.. فله نفيه. وخيار النفي عندنا على الفور.
وقال أبو حنيفة: (القياس: أن يكون على الفور، غير أنه إن أخر ذلك اليوم أو اليومين ... كان له ذلك استحسانا) .
وقال أبو يوسف، ومحمد: له أن يؤخر ذلك مدة النفاس. وهي أربعون يوما عندهم.
وقال عطاء، ومجاهد: له النفي أبدا، إلا أن يقر به.
دليلنا: أنه خيار لدفع ضرر متحقق، فإذا لم يتأبد.. كان على الفور، كخيار الرد بالعيب.
وقولنا: (لدفع ضرر متحقق) احتراز من الحمل؛ فإن الخيار فيه إلى أن تضع؛ لأنه غير متحقق.
وقولنا: (إذا لم يتأبد) احتراز من الخيار في القصاص.
стр. 5298
إذا ثبت هذا: فهل تتقدر مدة الخيار فيه بثلاثة أيام؟ فيه قولان:
أحدهما: تتقدر بثلاثة أيام، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن إلحاقه بنفسه نسبا ليس منه محرم عليه، ونفيه نسبا ثابتا منه محرم عليه.
وإذا كان كذلك، وولدت امرأته ولدا.. فلا بد أن يتأمله؛ هل يشبهه، أو يشبه الزاني؟! وهل هو منه أو من غيره؟! ويفكر في ذلك، وذلك لا يمكنه في الحال، فقدر ثلاثة أيام؛ لأنها قريبة، ولهذا قال الله : ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤] [هود: ٦٤] . ثم فسر القريب بالثلاث، فقال تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥] [هود: ٦٥] .
والثاني: لا تتقدر بالثلاث، بل هو على الفور، وهو الأصح؛ لأنه خيار لدفع ضرر متحقق غير مؤبد، فكان على الفور، كخيار الرد بالعيب.
فإذا قلنا بهذا: فمعنى قولنا: (على الفور) على ما جرت العادة به، فإن كان حاضرا.. فلسنا نريد أنه يعدو إلى الحاكم حين يسمع بالولادة بكل حال، بل له التأخير بعذر؛ وذلك: أن له أن يؤخر إلى أن يلبس ثوبه، وإن كان ممن يركب.. فحتى تسرج له دابته، وإن كان جائعا.. فحتى يأكل، وإن كان ظمآنا.. فحتى يشرب الماء، وإن حضرت صلاة.. فحتى يصلي، وإن كان ماله غير محرز.. فله أن يؤخر إلى أن يحرز ماله، وما أشبه ذلك، ثم يذهب إلى الحاكم، ويعرفه أنه قد نفى الولد، ويريد أن يلاعن، ثم يستدعي الحاكم المرأة.
[فرع: ادعاؤه نفي علمه بالولادة]
] : وإن ادعى: أنه لم يعلم أنها ولدت، فإن لم يمكن أن يكون صادقا في ذلك، مثل: أن يكون في دار واحدة أو محلة واحدة.. لم يقبل قوله؛ لأن الظاهر أنه لا يخفى عليه ذلك، وإن كان كل واحد منهما في جانب من البلد، أو كل واحد منهما في محلة.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.
стр. 5299
وإن قال: علمت بولادتها، ولم أعلم أن لي النفي، أو علمت أن لي النفي، ولكن لم أكن أعلم أنه على الفور.. نظرت:
فإن كان ممن يعرف شيئا من الفقه، أو ممن يخالط الفقهاء.. لم يصدق؛ لأن مثل هذا لا يخفى عليه.
وإن كان قريب العهد بالإسلام، أو ممن تقدم إسلامه، إلا أنه ممن نشأ في بادية بعيدة لا يعرف من الحكم مثل هذا.. قبل قوله؛ لأن الظاهر أنه يخفى عليه مثل ذلك.
وإن كان من العامة الذين قد يسمعون العلماء وقد لا يسمعونهم.. فهل يقبل قوله؟ فيه وجهان، بناء على القولين في الأمة إذا أعتقت تحت عبد، وادعت: أنها لم تعلم أن لها الخيار:
أحدهما: لا يقبل قوله، كما لا يقبل قوله إذا ادعى: أنه لا يعلم أن له رد المبيع بالعيب.
والثاني: يقبل قوله؛ لأن هذا لا يعرفه إلا العلماء أو من يخالطهم.
[فرع: تأخر الملاعن لمرض أو حبس]
] : وإن كان الزوج مريضا أو محبوسا لا يقدر على الحضور إلى عند الحاكم، فإن كان يقدر على أن ينفذ إلى الحاكم رجلا لينفذ إليه من يستوفي عليه اللعان في موضعه، فلم يفعل.. سقط حقه من النفي، وإن كان لا يقدر على ذلك.. فإنه يشهد على نفسه: أنه مقيم على حقه من النفي، فإن لم يشهد مع الإمكان.. سقط حقه من النفي، وإن لم يقدر على الإشهاد.. لم يسقط حقه.
стр. 5300
وإن كان غائبا، فبلغه الخبر: أنها ولدت، وصدق الخبر، فإن كان الطريق آمنا يمكنه سلوكه، فاشتغل بالخروج عقيب علمه.. لم يسقط خياره، وإن لم يقدر على المسير، مثل أن لم يجد رفقة يسير معهم، أو وجد رفقة ولكن الطريق مخوف.. فإنه يشهد على نفسه: أنه مقيم على النفي، فإن لم يشهد مع القدرة عليه.. سقط حقه من النفي.
وإن قال: قد بلغني أنها ولدت، ولم أصدق، فإن كان قد سمع ذلك بالاستفاضة من جماعة لا يجوز عليهم الكذب.. لم يعذر في ذلك، وإن سمع ذلك بخبر واحد أو اثنين.. قال الشيخ أبو حامد في " التعليق ": عذر في ذلك، وكان له النفي؛ لأن الإنسان قد لا يصدق الواحد والاثنين؛ لأنه يجوز عليهم الكذب.
[فرع: إجابة النافي للولد بآمين ونحوها]
] : وإن هنأه رجل بالولد، فقال: بارك الله لك في ولدك، أو جعله الله ولد صالحا.. نظرت فيه:
فإن قال: آمين، أو استجاب الله دعاك.. سقط حقه من النفي؛ لأن معنى قوله: (آمين) اللهم استجب دعاءه، وذلك يتضمن الإقرار به.
وإن قال: بارك الله عليك، أو أحسن الله جزاءك، أو رزقك الله مثله.. لم يسقط حقه من النفي.
وقال أبو حنيفة: (يسقط) .
دليلنا: أن ذلك لا يتضمن الإقرار به؛ لأن الظاهر أنه أراد رد الدعاء عليه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] [النساء: ٨٦] .
[مسألة: قذف امرأته ونفى ولدا باللعان فجاءت بآخر]
إذا قذف امرأته ونفى نسب ولدها باللعان، ثم أتت بولد آخر.. فلا يخلو: إما أن يكون لاعن على نفي ولد منفصل، أو لاعن على نفي حمل.
فإن لاعن على نفي ولد منفصل، ثم أتت بعد اللعان بولد آخر.. نظرت:
стр. 5301
فإن كان بين الحمل الأول والثاني دون ستة أشهر.. فإنهما حمل واحد، فيكون له نفي الثاني باللعان، فإن نفاه باللعان.. انتفى باللعان الثاني، وقد انتفى الأول باللعان الأول، وإن أقر بالثاني، أو أخر نفيه من غير عذر.. لحقه نسبه؛ لأنه أقر بثبوت نسبه، أو ترك نفيه من غير عذر، فإذا لحقه الثاني.. لحقه الأول أيضا؛ لأنا قد حكمنا بأنهما من حمل واحد، ولا يجوز أن يكون بعض الحمل منه وبعضه ليس منه، فجعل ما نفاه لما أقر به، ولم يجعل ما أقر به تابعا لما نفاه؛ لأن النسب يحتاط لإثباته، ولا يحتاط لنفيه.
وإن كان بين الولد الأول والثاني ستة أشهر فما زاد.. فإن الشيخ أبا إسحاق قال: ينتفي عنه الثاني بغير لعان؛ لأنها علقت به بعد زوال الفراش.
وقال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: يلحقه الثاني؛ لأنه يحتمل أن يكون أصابها بعد وضعها الأول، ثم قذفها الأول وهي حامل منه بالإصابة بعد الوضع، فوجب أن يلحقه. ويكون له نفيه باللعان، فإن نفاه عنه باللعان.. انتفى عنه، وإن أقر به، أو ترك نفيه من غير عذر.. لحقه الثاني، ولا يلحقه الأول؛ لأنا حكمنا أنهما من حملين، فلا يلحقه أحدهما تبعا للآخر، بخلاف الأول.
وإن لاعنها على حمل، فوضعت ولدا، ثم أتت بولد آخر.. فإن كان ما بين وضع الولدين ما دون ستة أشهر أو ستة أشهر.. انتفى الولدان كلاهما باللعان الأول؛ لأنا نقطع على أنهما من حمل واحد، وأنه كان موجودا وقت اللعان، وإن كان بينهما ستة أشهر فما زاد.. انتفى الثاني عنه بغير لعان؛ لأنا نقطع أنهما من حملين، وأن هذا الولد علقت به بعد وضع الأول، وقد بانت منه باللعان.
[فرع: قذف امرأة أتت بتوأمين فلاعن لنفيهما]
] : وإن تزوج امرأة، فأتت بولدين توأمين، فإن قذف أمهما ونفى نسبهما.. كان له أن يلاعن لنفيهما، وإن أقر بنسب أحدهما، وانتفى عن الآخر.. لحقه الولدان؛ لأنهما حمل واحد، فلا يجوز له أن يكون أحدهما منه، والآخر من غيره.
стр. 5302
وإن أتت منه بولد، فنفاه باللعان، فمات الزوج، ثم أتت بولد آخر لدون ستة أشهر من ولادة الأول.. لحقه الولدان؛ لأنهما حمل واحد، فلا ينتفي عنه الثاني بغير لعان، فلحقه، فإذا لحقه الثاني.. لحقه الأول؛ لأنهما من حمل واحد، فلا يتبعض حكمهما.
[مسألة: تزوج امرأة فقذفها]
] : وإن تزوج امرأة، وقال لها: زنيت قبل أن أتزوجك.. وجب عليه حد القذف، وهل له أن يسقطه باللعان؟ ينظر فيه:
فإن لم يكن هناك نسب يلحقه من هذا الزنا.. لم يكن له أن يلاعن، وبه قال مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنهما.
وقال أبو حنيفة: (له أن يلاعن) .
دليلنا: أنه قذف غير محتاج إليه، فلم يجز له اللعان لأجله، كقذف الأجنبي.
وإن كان هناك ولد، وادعى: أنه من هذا الزنا.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، واختيار أبي علي الطبري، والقاضي أبي الطيب -: أن له أن يلاعن لأجله. قال: لأن به حاجة إلى هذا القذف لنفي هذا الولد، كما لو أضاف الزنا إلى حال الزوجية.
والثاني - وهو قول أبي إسحاق، واختيار الشيخ أبي حامد -: ليس له أن يلاعن لأجله؛ لأنه لا حاجة به إلى أن يقذفها بزنا يضيفه إلى ما قبل النكاح، بل كان يمكنه أن يقذفها بزنا مطلق، وأن الحمل ليس منه، بل هو من زنا.
стр. 5303
[فرع: طلقها طلاقا رجعيا فقذفها]
] : وإن طلق امرأته طلاقا رجعيا، فقذفها بزنا أضافه إلى ما قبل الطلاق في الزوجية، أو إلى ما بعد الطلاق في العدة.. كان له أن يلاعن؛ لأنها في معنى الزوجات بالظهار، والإيلاء، والميراث، فكانت في معنى الزوجات بالقذف واللعان.
[فرع: أبان زوجته أو فسخ نكاحها ثم قذفها]
] : وإن تزوج امرأة فأبانها بالثلاث، أو خالعها، أو فسخ نكاحها بعيب، ثم قذفها بزنا أضافه إلى حال الزوجية، فإن لم يكن هناك نسب يلحقه منها.. لم يكن له أن يلاعن، وإن كان هناك نسب يلحقه منها.. كان له أن يلاعن.
وقال عثمان البتي: له أن يلاعن بكل حال.
وقال أبو حنيفة: (ليس له أن يلاعن بكل حال) .
دليلنا: أنه إذا لم هناك نسب يلحقه منها.. فلا حاجة به إلى قذفها، فلم يكن له اللعان لأجله، كقذف الأجنبي، فإذا كان هناك نسب يلحقه منها.. فهناك به حاجة إلى قذفها لنفي النسب عنه، فهو كقذف الزوجة.
إذا ثبت هذا: فإن كان الولد منفصلا.. لاعن لأجله، وإن كان حملا.. فله أن يؤخر إلى أن تضع، وهل له أن يلاعن قبل أن تضع؟
روى المزني في " المختصر ": (أن له أن يلاعن) . وروى في " الجامع الكبير ": (أنه لا يلاعن) . واختلف أصحابنا فيه:
فقال أبو إسحاق: لا يلاعن، قولا واحدا، وحيث قال: (يلاعن) أراد: إذا انفصل.
وقد قال الشافعي في " الأم ": (لا يلاعن حتى ينفصل) .
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان - وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق -:
стр. 5304
أحدهما: له أن يلاعن؛ لأن كل امرأة كان له لعانها بعد انفصال ولدها.. كان له لعانها قبل انفصاله، كالزوجة.
والثاني: ليس له أن يلاعن حتى تضع الولد؛ لأن اللعان هاهنا إنما ثبت لأجل نفي النسب، والنسب لا يتحقق قبل وضع الولد؛ لجواز أن يكون ريحا فينفش، فلم يكن له اللعان قبل الوضع.
وإن تزوج امرأة وماتت، ثم قذفها بزنا أضافه إلى حال الزوجية.. وجب عليه حد القذف، فإن طالبه ورثتها بالحد، فإن لم يكن هناك ولد.. لم يلاعن لنفي الحد؛ لأنه قذف غير محتاج إليه، وإن كان هناك نسب ولد يريد نفيه.. كان له أن يلاعن؛ لأنه محتاج إليه لنفي الولد.
[فرع: قذفها ثم بتها ثلاثا أو مخالعة فطالبته بحدها]
] : وإن قذف زوجته، ثم طلقها طلاقا ثلاثا أو خالعها، ثم طالبته بحدها.. كان له أن يلاعن، سواء كان هناك ولد أو لم يكن؛ لأنه لعان عن قذف كان محتاجا إليه، فهو كما لو لم يطلقها، وهل تحرم عليه على التأبيد؟ فيه وجهان، يأتي ذكرهما.
[فرع: قذفها وأقام البينة فسقط عنه الحد]
] : وإن قذف زوجته، وأقام عليها أربعة شهود بزناها.. سقط عنه حد القذف؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآية [النور: ٤] . فدل على: أنه إذا أتى بأربعة شهداء.. لم يجلد.
فإن لم يكن هناك ولد يلحقه منها.. لم يكن له أن يلاعن؛ لأن اللعان لدرء الحد أو لنفي النسب، وليس هناك واحد منهما.
وإن كان هناك ولد يلحقه منها.. فله أن يلاعن لنفيه؛ لأنه لا ينتفي عنه بالبينة، فإن كان ولدا منفصلا.. فله أن يلاعن، وإن كان حملا.. فله أن يصبر باللعان إلى أن تضع، وهل له أن يلاعن لنفيه قبل الوضع؟ على الطريقين في التي قبلها.
стр. 5305
وإن قذف زوجته بالزنا، فأقرت به.. لم يجب عليه حد القذف، فإن كان هناك ولد يلحقه منها.. فإنه لا ينتفي عنه بإقرارها بالزنا، وله أن يلاعن لنفيه، فإن كان منفصلا.. فله أن يلاعن لأجله، وإن كان حملا.. فهل له أن يلاعن لنفيه قبل انفصاله؟ أيضا على الطريقين.
وإن تزوج امرأة تزويجا فاسدا، وقذفها.. وجب عليه حد القذف، وليس له أن يلاعن لدرء حد القذف عنه؛ لأن اللعان حكم يختص بالزوجين، وإن كان هناك ولد يلحقه منها.. فله أن يلاعن لنفيه.
وقال أبو حنيفة: (ليس له نفيه باللعان) .
دليلنا: أن الولد في النكاح الفاسد كالولد في النكاح الصحيح في ثبوته، فكذلك في نفيه، فإن كان منفصلا.. فله أن يلاعن لنفيه، وإن كان حملا.. فهل له أن يلاعن لنفيه قبل انفصاله؟ على الطريقين في التي قبلها.
[مسألة: لا يعد ملك الأمة فراشا إلا بالبينة]
إذا ملك الرجل أمة.. فإنها لا تصير فراشا له بنفس الملك؛ لأنه قد يملك الأمة للاستمتاع، وللخدمة، وللتمول، فلم تصر فراشا له بنفس الملك. قال الشيخ أبو حامد: وهو إجماع.
فإن أقر بوطئها، أو قامت عليه بينة: أنه وطئها.. صارت فراشا له، ومتى أتت بولد لمدة الحمل من وقت الوطء.. لحقه نسبه، وبه قال مالك، والأوزاعي، وأحمد.
وقال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: (لا تصير فراشا ولو وطئها عشرين سنة فأكثر، فإن كل ولد تلده فهو مملوك له، إلا أن يقر بواحد: أنه ابنه، فيثبت نسبه منه، وتصير فراشا له، ويلحقه كل ولد تلده بعد ذلك) .
стр. 5306
وقال في (الطلاق) : (إذا قال الرجل: كل امرأة أتزوجها.. فهي طالق ثلاثا، ثم تزوج امرأة.. فإنها تطلق عقيب العقد، فلو أتت بولد لستة أشهر فصاعدا من حين العقد.. لحقه بالفراش) . وهذا تخليط.
دليلنا: ما روت عائشة ﵂: «أن سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعة اختصما إلى رسول الله ﷺ في ابن أمة زمعة، فقال سعد: يا رسول الله، إن أخي عتبة أوصاني إذا قدمت مكة أن أطلب ابن أمة زمعة، وأقبضه، فإنه ابنه، ألم بها في الجاهلية، فقال عبد بن زمعة: أخي وابن أمة أبي ولد على فراشه، فقال النبي ﷺ : " هو لك يا عبد بن زمعة. الولد للفراش، وللعاهر الحجر» .
فموضع الدليل: أن عبد بن زمعة قال: ولد على فراشه. فلم ينكر النبي ﷺ كون الأمة فراشا، بل ألحق بأبيه الولد. والظاهر أنه ألحقه به وبالنسب الذي ادعى به، ولم يسأل النبي ﷺ ، هل ولدت له قبل ذلك، أم لا؟ ولو كان الحكم يختلف بذلك.. لسأل عنه.
وروي: أن عمر ﵁ قال: (ما بال رجال يطؤون ولائدهم، ثم يعزلونهن - وروي: ثم يرسلونهن - ما تأتيني وليدة يعترف سيدها أنه ألم بها.. إلا ألحقت به ولدها، فاعزلوا بعد ذلك أو اتركوا) . وروي: (أمسكوهن بعد أو أرسلوهن) . ولا مخالف له في الصحابة، فدل على: أنه إجماع.
ولأنه معنى يثبت به تحريم المصاهرة، فجاز أن يثبت به الفراش، كعقد النكاح.
стр. 5307
[فرع: أقر بوطء أمته]
] : وإن أتت أمته بولد، وأقر: أنه كان يطؤها، إلا أنه كان يعزل عنها.. لحقه الولد؛ لما روى أبو سعيد الخدري: «أن قوما قالوا: يا رسول الله، إنا نصيب السبايا، ونحب الأثمان، أفنعزل عنهن؟ فقال ﷺ : " إن الله إذا قضى خلق نسمة.. خلقها» . ولأن أحكام الوطء تتعلق بالإيلاج دون الإنزال، ولأنه قد يسبق منه من الماء ما لا يحسن به.. فتعلق به.
وإن أقر: أنه كان يطؤها دون الفرج، أو أنه كان يطؤها في دبرها.. فهل يلحقه ولدها؟ فيه وجهان، كما قلنا فيمن وطئ امرأته كذلك وأتت بولد.. هل له نفيه باللعان؟
[فرع: صارت فراشا وأتت بولد]
] : إذا صارت الأمة فراشا له بإقراره بوطئها، أو بالبينة على وطئها، ثم أتت بولد لمدة الحمل من وقت الوطء، فنفاه، وادعى: أنه استبرأها بعد الوطء، وأن هذا الولد حدث من غيره بعد الاستبراء، فحلف عليه.. فقد قال الشافعي هاهنا: (لا يلحقه) . وقال في المطلقة ثلاثا، إذا أقرت بانقضاء عدتها بالأقراء، ثم أتت بولد يمكن أن يكون منه: (لحقه) .
وجعل أبو العباس المسألتين على قولين.
وقال أكثر أصحابنا: يلحقه ولد الزوجة، قولا واحدا، وقد مضى الدليل عليه، ولا يلحقه ولد الأمة، قولا واحدا.
والفرق بينهما: أن ولد الزوجة يلحقه بالإمكان، وولد الأمة لا يلحقه بالإمكان، وإنما يلحقه بالوطء، وإذا استبرأها.. بطل حكم الوطء، وبقي الإمكان، وولدها لا يلحقه بالإمكان.
стр. 5308
وإذا أراد نفي ولد أمته عنه.. فالمنصوص: (أن له أن ينفيه بغير لعان) .
وحكي عن أحمد بن حنبل: أنه قال: (أما ترون إلى أبي عبد الله يقول: إن ولد الأمة ينفى باللعان؟!) . واختلف أصحابنا في ذلك:
فمنهم من قال: أراد أحمد بقوله: (أبي عبد الله) الشافعي، وأنه قال: (ينفي ولده من أمته باللعان) . وجعل المسألة على قولين:
أحدهما: ينفى عنه باللعان؛ لأنه ولد لم يرض به، فكان له نفيه باللعان، كولد زوجته.
والثاني: ليس له نفيه باللعان؛ لأنه يمكنه نفيه بدعوى الاستبراء، فلا حاجة به إلى اللعان، وكل موضع ليس به حاجة إلى اللعان.. لم يكن له أن يلاعن، كقذف الأجنبية، ويخالف الزوجة، فإنه لا يمكنه نفي ولدها إلا باللعان.
ومن أصحابنا من قال: ليس له نفيه باللعان، قولا واحدا؛ لما ذكرناه، وقول أحمد: (أبي عبد الله) لم يرد به الشافعي، بل يحتمل أنه أراد به: مالك بن أنس، أو أبا عبد الله سفيان الثوري، فلا يضاف ذلك إلى الشافعي بالشك.
ومنهم من قال: بل أراد أحمد بذلك الشافعي، وإنما لم يرد به: أن الشافعي يقول: إن الرجل ينفي ولد أمته باللعان، وإنما أراد: أن الشافعي يقول: (إذا تزوج الرجل أمة، وأتت بولد.. فإن له أن ينفيه باللعان) . وأحمد يقول: (ليس له نفيه باللعان) فيكون ذلك بيانا لمذهبه.
[مسألة: قذفها ولم تطالبه بحد ثم قذفها بآخر]
] : إذا قذف زوجته، فلم تطالبه بحدها، ولم يقم عليها البينة، ولا لاعنها، ثم قذفها بزنا آخر، وأراد اللعان.. كفاه لعان واحد؛ لأنه يجب عليه حد واحد في أحد القولين، فكفاه لعان واحد.
стр. 5309
ويجب عليه حدان في القول الثاني، إلا أن اللعان يمين، واليمين الواحدة تنفي الحقين لواحد وأكثر.
وإن قذف أربع زوجات له بكلمة واحدة أو كلمات، وأراد اللعان.. لاعن عن كل واحدة منهن لعانا؛ لأن اللعان يمين، والأيمان لجماعة لا تتداخل في الأموال، ففي اللعان أولى.
فعلى هذا: إن قذفهن بكلمة واحدة، وتشاحن في البداية.. أقرع بينهن؛ لأنه لا مزية لبعضهن على بعض، وإن بدأ بلعان واحدة منهن برضا البواقي أو بغير رضاهن.. صح لعانه؛ لأن كل واحدة منهن تصل إلى حقها منه.
وإن قذفهن بكلمات، وطلبت كل منهن الحد في وقت واحد، وأراد اللعان.. بدأ بلعان من قذفها أولا؛ لأن حقها أسبق، ثم بالتي قذفها بعدها، ثم بالتي بعدها إلى أن يلاعن جميعهن.
فإن لاعن أولا من قذفها آخرا.. صح؛ لأن المقذوفة قبلها تصل إلى حقها منه. هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إذا قذف أربع نسوة. فهل يلاعن عنهن مرة واحدة، أو أربع مرات؟ فيه وجهان.
وبالله التوفيق.
стр. 5310
[باب من يصح لعانه وكيف اللعان وما يوجبه من الأحكام]
يصح اللعان من كل زوجين مكلفين، سواء كانا مسلمين أو كافرين، أو أحدهما مسلما والآخر كافرا، وسواء كانا حرين أو مملوكين، أو أحدهما حرا والآخر مملوكا، وسواء كانا محدودين أو غير محدودين، وبه قال ابن المسيب، وسليمان بن يسار، والحسن البصري، وربيعة، ومالك، وأحمد، والليث.
وقال الزهري، والثوري، وحماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة: (لا يصح اللعان إلا بين زوجين حرين مسلمين غير محدودين في قذف، ويصح اللعان بين الفاسقين) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦] الآية [النور: ٦] . وهذا عام يتناول جميع ما ذكرناه.
ولأنه يمين بالله تعالى، فصح من جميع من ذكرناه، كسائر الأيمان. يؤيده قوله ﷺ : «لولا الأيمان.. لكان لي ولها شأن» .
ولا يصح اللعان من الصبي والمجنون؛ لأنه قول يوجب الفرقة، فلم يصح منهما، كالطلاق.
[مسألة: إشارة الأخرس كنطقه في النكاح وغيره]
] : وأما الأخرس: فإن لم يكن له إشارة مفهومة ولا يحسن يكتب.. فلا يصح نكاحه، ولا بيعه، ولا شراؤه، ولا قذفه، ولا لعانه؛ لأنه في معنى المجنون.
وإن كانت له إشارة مفهومة، أو يحسن يكتب.. فحكمه حكم الناطق، ويصح بيعه، وشراؤه، ونكاحه، وطلاقه، وقذفه، ولعانه.
стр. 5311
وقال أبو حنيفة: (يصح نكاحه وطلاقه، ولا يصح قذفه ولعانه) .
دليلنا: أنه يصح نكاحه وطلاقه، فصح قذفه ولعانه، كالناطق. ولأنه يصح يمينه في غير اللعان، فصح في اللعان كالناطق.
وأما الزوجة إذا كانت خرساء: فإن كانت لها إشارة مفهومة، أو كانت تحسن تكتب، فقذفها الزوج.. فهي كالناطقة في لعانها.
وإن لم يكن لها إشارة مفهومة، ولا تحسن تكتب، فقذفها الزوج، فإن كانت حائلا.. لم يكن للزوج أن يلاعنها؛ لأنه لا يلاعنها حتى تطالبه بحدها، ولا يصح منها المطالبة، وإن كانت حاملا.. فله أن يلاعنها لينفي عنه النسب.
[فرع: نفي الأخرس اللعان بالكلام بعد إثباته بإشارته]
] : وإن لاعن الأخرس بالإشارة المفهومة، ثم زال خرسه، فتكلم، فقال: ما قصدت اللعان بما أشرت.. لم يقبل قوله فيما له؛ وهو عود الزوجة، ويقبل فيما عليه، فيطالب بالحد، ويلحقه الولد.
فإن قال: أنا ألاعن لنفي الحد والنسب.. كان له ذلك؛ لأن ذلك إنما لزمه لإقراره: أنه لم يلاعن، فكان له أن يلاعن.
فأما إذا أنكر القذف واللعان معا: لم يقبل قوله في القذف؛ لأنه قد تعلق به حق الغير بحكم الظاهر، فلا يقبل إنكاره له.
[فرع: اعتقل لسانه بعد قذفه]
] : وإن قذف امرأته، ثم مرض واعتقل لسانه، فإن قال طبيبان عدلان من أطباء المسلمين: إن هذا لا يزول.. كان كالأخرس، وإن قالا: إنه يزول.. ففيه وجهان:
стр. 5312
أحدهما: لا يصح لعانه إلا بالنطق؛ لأن هذا يزول، فهو كالساكت.
والثاني: أنه كالأخرس؛ لما روي: (أن أمامة بنت أبي العاص أصمتت - أي: اعتقل لسانها - فقيل لها: لفلان عليك كذا، ولفلان كذا، فأشارت - أي: نعم - فرفع ذلك إلى الصحابة ﵃، فرأوا أن ذلك وصية) ، ولأنه عاجز عن النطق، فهو كالأخرس.
[مسألة: اللعان بالعجمية]
كالعربية] : وأي الزوجين كان أعجميا، فإن كان يحسن العربية.. فهل يصح لعانه بالعجمية؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما: يصح؛ لأنه يمين، فصح بالعجمية مع القدرة على العربية، كسائر الأيمان.
والثاني - ولم يذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ غيره -: أنه لا يصح؛ لأن القرآن ورد بألفاظ اللعان، فلا يصح منه بغيرها مع القدرة عليها.
وإن كان لا يحسن العربية.. لاعن بلسانه؛ لأنه ليس بأكبر من أذكار الصلاة، وأذكار الصلاة تصح بالعربية، وبالعجمية إذا لم يحسن العربية.
فإن كان الحاكم يعرف لسانهما.. لم يحتج إلى مترجم، والمستحب: أن يحضر أربعة يحسنون لسانهما. وإن كان الحاكم لا يعرف لسانهما.. فلا بد أن يحضر من يعرف لسانهما. واختلف أصحابنا في عددهم:
فمنهم من قال: يكفي اثنان، كالأيمان في غير اللعان، والمستحب: أن يكونوا أربعة.
ومنهم من قال: يبنى على القولين في الإقرار بالزنا، فإن قلنا: يقبل فيه
стр. 5313
شاهدان.. أجزأ في الترجمة اثنان، وإن قلنا: لا يثبت إلا بأربعة.. لم يقبل في الترجمة إلا أربعة؛ لأنه قول يثبت به حد الزنا، فأشبه الإقرار.
قال ابن الصباغ: والأول أصح؛ لأن اللعان لا يتضمن الإقرار بالزنا. فإن أقرت.. فعلى القولين. هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (يكفي مترجم واحد) .
دليلنا: أنهما يثبتان قولا يحكم به الحاكم، فكان العدد شرطا فيه، كسائر الشهادات.
[مسألة: يشترط للعان حضور الإمام أو الحاكم]
] : ولا يصح اللعان إلا بحضرة الإمام أو الحاكم؛ لأنها يمين، فلم تصح إلا بحضرة الحاكم، كاليمين في سائر الدعاوي.
ولأن من الناس من لا يجيز لعان الذمي والعبد والمحدود، فكان موضع اجتهاد، فافتقر إلى الحاكم، كفسخ النكاح بالعيب.
ولا يصح حتى يستدعي الحاكم اللعان، فيقول للزوج: قل: أشهد بالله؛ لما روي: «أن ركانة بن عبد يزيد قال: يا رسول الله، إني طلقت امرأتي سهيمة البتة، فقال النبي ﷺ : " ما أردت بالبتة؟ "، قال ركانة: والله ما أردت به إلا واحدة، فقال النبي ﷺ : " والله ما أردت به إلا واحدة؟ "، قال ركانة: والله ما أردت به إلا واحدة» . فلما حلف ركانة من غير أن يستدعيه النبي ﷺ إلى اليمين.. لم يكتف
стр. 5314
بذلك منه، بل استدعى منه اليمين ثانيا، فدل على: أنها لا تصح من غير استدعاء.
فإن حكم الزوجان رجلا يصلح للحكم يلاعن بينهما، فلاعن بينهما.. فهل يصح ذلك؟ فيه وجهان، يأتي بيانهما في موضعه.
وإن زوج الرجل عبده أمته، فقذف العبد الأمة.. فللسيد أن يلاعن بينهما؛ لأنه يملك إقامة الحد عليهما، فملك اللعان بينهما، كالحاكم.
[مسألة: كيفية الملاعنة]
] : واللعان: أن يقول الحاكم للزوج أربع مرات: قل: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة بنت فلان من الزنا، ويرفع في نسبها؛ حتى لا تشاركها امرأة له أخرى إن كانت غائبة، وإن كانت حاضرة.. قال: فيما رميت به زوجتي فلانة بنت فلان هذه، ويشير إليها، وهل يشترط أن يجمع بين ذكر نسبها وبين الإشارة إليها؟ فيه وجهان:
أحدهما: يشترط أن يجمع بينهما؛ لأن اللعان مبني على التأكيد والتغليظ، فوجب الجمع بينهما.
والثاني: لا يشترط الجمع بينهما، بل يكفي أن يقول: زوجتي هذه؛ لأن التمييز يحصل بذلك، كما يكفي في النكاح أن يقول الولي: زوجتك هذه، ويقول الزوج: هذه طالق.
فإن كان هناك ولد أو حمل يريد الزوج نفيه عنه باللعان.. قال في كل مرة: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة ابنة فلان من الزنا، وأن هذا الحمل، أو هذا الولد من الزنا، وليس مني.
وإن قال: وأن هذا الولد ليس مني، ولم يقل: وأنه من الزنا.. لم ينتف عنه؛ لأنه يحتمل أن يريد: ليس مني خلقا أو خلقا.
стр. 5315
وإن قال: وأن هذا الولد من الزنا، ولم يقل: وليس مني.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو قول القاضي أبي حامد -: أنه ينتفي عنه؛ لأن ولد الزنا لا يكون منه.
والثاني: لا ينتفي عنه؛ لجواز أن يعتقد أن الوطء في النكاح بلا ولي زنا - على قول الصيرفي - وقد ينكح بلا ولي ويطؤها فيه، وذلك ليس بزنا، فوجب أن يقول: وليس مني؛ لينفي الاحتمال.
وإن قذفها بزنيتين.. ذكرهما في كل مرة. وإن قذفها برجل بعينه.. ذكره في كل شهادة.
فإذا شهد الزوج بذلك أربع مرات.. فالمستحب: أن يوقفه الحاكم، ويعظه، ويقول له: إني أخاف إن لم تكن صادقا أن تبوء بلعنة الله، اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن الخامسة موجبة عليك العذاب. ويأمر رجلا يضع يده على فيه، فإن أبى.. قال له الحاكم: قل: وعلي لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتي فلانة ابنة فلان من الزنا، وأن هذا الولد من زنا، وليس مني، ثم تقوم الزوجة، ويقول لها الحاكم أربع مرات: قولي: أشهد بالله إن زوجي فلان ابن فلان لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، إن كان زوجها غائبا. قال ابن الصباغ: وإن كان حاضرا.. أشارت إليه، وهل تحتاج إلى نسبه والإشارة إليه؟ على الوجهين.
ولا تحتاج المرأة إلى ذكر الولد في لعانها؛ لأنه لا حق لها فيه.
فإذا شهدت بذلك أربع مرات.. وقفها الحاكم، ووعظها، كما قلنا في الزوج، وقال لها: اتقي الله؛ فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن الخامسة موجبة
стр. 5316
عليك الغضب. ويأمر امرأة تضع يدها على فيها، فإن أبت.. قال لها الخامسة: قولي: وعلي غضب الله إن كان زوجي فلان بن فلان من الصادقين فيما رماني به من الزنا.
والدليل على هذا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ [النور: ٦] الآية [النور: ٦] .
وروى ابن عباس: «أن النبي ﷺ لما لاعن بين هلال بن أمية وامرأته.. قال له: " يا هلال، قم فاشهد "، فلما شهد أربعا.. قال له النبي ﷺ : " اتق الله يا هلال، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإنها موجبة عليك العذاب» .
وفي بعض الأخبار: «أنه وضع يده على فيه، فقال هلال: والله، لن يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها، فشهد الخامسة. ولما شهدت المرأة أربعا.. قال لها النبي ﷺ : " اتقي الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب ". قال: فتلكأت ساعة، ونكصت، حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: والله لا فضحت قومي، فشهدت الخامسة» .
فإن أخل أحدهما بأحد هذه الألفاظ الخمسة.. لم يتعلق بلعانه حكم ما علق عليه، سواء حكم به حاكم أو لم يحكم به.
وقال أبو حنيفة: (إذا شهد أحدهما مرتين، وأتى باللعنة في الثالثة، وحكم الحاكم بالفرقة بذلك، ونفى النسب.. فقد أخطأ، ونفذ حكمه) .
دليلنا: أن الله تعالى علق الحكم بهذه الألفاظ الخمسة.
стр. 5317
وروي: أن النبي ﷺ لاعن بين العجلاني وامرأته، فقال له: " قم فاشهد أربعا "، وذكر اللعن في الخامسة، ثم قال لها: " قومي فاشهدي أربعا "، وذكر الغضب في الخامسة، ثم فرق بينهما.
وإذا علق الحكم على عدد.. لا يتعلق بما دونه، كالشهادة في الزنا.
[فرع: تعيين لفظ أشهد في اللعان]
فرع: [تعيين لفظ أشهد] : إذا قال أحدهما مكان قوله: أشهد بالله: أحلف بالله، أو أقسم بالله، أو أولي بالله.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجزئه؛ لأن الله تعالى نص فيه على لفظ الشهادة، فإذا عدل عنه إلى غيره لم يجزه، كما لو نقص العدد المنصوص عليه.
والثاني: يجزئه؛ لأن اللعان يمين، والحلف والقسم والإيلاء صريح في اليمين، والشهادة كناية فيه، فلما جاز بالكناية.. فلأن يجوز بالصريح أولى.
وإن أبدل الرجل مكان اللعنة الإبعاد، بأن قال في الخامسة: وعلي إبعاد الله إن كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتي فلانة ابنة فلان من الزنا.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه ترك المنصوص عليه.
والثاني: يجوز؛ لأن معنى الجميع واحد.
فإن أبدل اللعنة بالغضب.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه ترك المنصوص عليه.
والثاني: يجوز؛ لأن في الغضب معنى اللعن وزيادة؛ لأن اللعنة: هي الإبعاد
стр. 5318
والإقصاء، وفي الغضب هذا وأكثر منه، ولأنه قد يكون مبعدا ولا يكون مغضوبا عليه، ولا يكون مغضوبا عليه إلا ويكون مبعدا.
وإن أبدلت المرأة لفظ الغضب بالسخط.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنها تركت النص.
والثاني: يجوز؛ لأن معنى الجميع واحد.
وإن أبدلت لفظ الغضب باللعنة.. فقال الشيخ أبو حامد: لا يعتد به بلا خلاف بين أصحابنا؛ لأنها عدلت عن المنصوص عليه إلى ما أخف منه، على ما مضى.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "] وجها آخر: أنه يجوز. وليس بمشهور.
وإن قدم الرجل اللعنة على الأربع الشهادات، أو أتى به في أثنائها، أو قدمت المرأة الغضب على الأربع الشهادات، أو أتت به في أثنائها.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن المقصود التغليظ والتأكيد بهذه الألفاظ، وقد أتى به وإن قدم بعضه على بعض.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه خالف نص القرآن؛ لأنه يقول في الخامسة: وعلي لعنة الله إن كنت من الكاذبين، أي: فيما شهدت به، فيجب أن يكون ذلك متأخرا عن الشهادة.
[مسألة: فيما يستحب في وقت اللعان]
] : وإن أراد الحاكم أن يلاعن بينهما.. فالمستحب: أن يغلظ اللعان بإحضار جماعة من الرجال، وأقلهم أربعة؛ لأن الزنا يثبت بشهادتهم.
وقال أبو حنيفة: (لا يستحب التغليظ بذلك) .
دليلنا: أن من روى اللعان عن النبي ﷺ ثلاثة: سهل بن سعد، وابن عمر، وابن عباس. وكل هؤلاء أحداث لا يحضرون المجالس إلا تبعا لغيرهم. وقد روي عن سهل: أنه قال: (حضرته وكان لي خمس عشرة سنة وحضرته مع الناس) .
стр. 5319
ولأن الله تعالى قال: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] [النور: ٢] .
واللعان سبب للحد، فلما كان حضور الناس مشروعا في المسبب - وهو: الحد - فكذلك في السبب - وهو: اللعان - لأنه إذا لم يلاعن.. حد، وإذا لاعن.. حدت إن لم تلاعن.
والمستحب: أن يغلظ الحاكم اللعان بالوقت، وهو: أن يجعله بعد العصر.
قال المسعودي [في " الإبانة "] : ويكون ذلك يوم الجمعة؛ لأنه أفضل الأزمنة.
وقال أبو حنيفة: (لا يستحب ذلك) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] [المائدة: ١٠٦] . قال أهل التفسير: هو بعد صلاة العصر، فدل على: أن للزمان تأثيرا في اليمين.
وروى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: رجل حلف بعد صلاة العصر يمينا فاجرة ليقتطع بها مال امرئ مسلم، ورجل حلف على يمين بعد صلاة العصر لقد أعطي بسلعته أكثر مما
стр. 5320
أعطي وهو كاذب، ورجل منع فضل ماء، فإن الله تعالى يقول: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمله يداك» .
ويستحب أن يشهد الرجل وهو قائم؛ لقوله ﵊: «قم يا هلال فاشهد» ، ولأنه أبلغ في الردع.
فإن لم يقدر على القيام.. لاعن وهو جالس أو مضطجع؛ لأنه ليس بأكبر من الصلاة، والصلاة يجوز فيها ترك القيام للعجز عنه.. فاللعان بذلك أولى.
وتكون المرأة قاعدة حال لعان الزوج؛ لأنه لا حاجة إلى قيامها حال لعان الزوج، فإذا أرادت أن تشهد.. قامت؛ لقوله ﷺ للمرأة: «قومي فاشهدي» .
[فرع: فيما يستحب بمكان اللعان]
] : ويغلظ عليهما بالمكان، كما يغلظ بالزمان، وهل يستحب، أو يجب؟ فيه قولان:
أحدهما: يستحب، كما قلنا بالتغليظ بالزمان.
والثاني: يجب؛ لأن الله ذكر اللعان ولم يبين موضعه، فلما لاعن النبي ﷺ بينهما في المسجد على المنبر.. علم أن ذلك بيان لما أجمله الله في كتابه. هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال القفال: هل يجب التغليظ بالزمان؟ فيه قولان، كالمكان.
стр. 5321
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: هل يجب التغليظ بحضور الجماعة؟ فيه قولان، كالمكان. والمشهور هو الأول. هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (لا يستحب التغليظ بالمكان ولا يجب) .
دليلنا: (أن النبي ﷺ لاعن بينهما على المنبر) . فثبت أن للمكان تأثيرا في اللعان.
إذا ثبت هذا: فإن المكان - الذي قلنا: يستحب اللعان فيه، أو يجب - هو أن يلاعنها في أشرف موضع في البلد الذي فيه اللعان.
فإن كان بمكة.. لاعن بينهما بين الركن والمقام؛ لما روي: (أن عبد الرحمن بن عوف مر بقوم وهم يحلفون رجلا بين الركن والمقام، فقال: أعلى دم؟ فقالوا: لا، قال: أفعلى عظيم من المال؟ فقالوا: لا، فقال: لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا المقام) . وروي: (بهذا البيت) . يقال: تهاون بالشي: إذا استخف بحرمته.
وإن كان بالمدينة.. لاعن بينهما في مسجد رسول الله ﷺ ؛ لأنه أشرف البقاع بها، وهل يكون على المنبر؟ اختلفت الرواة فيه عن النبي ﷺ :
стр. 5322
فروى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «من حلف عند منبري هذا بيمين آثمة، ولو بسواك من رطب.. وجبت له النار» .
وروى جابر: أن النبي ﷺ قال: «من حلف على منبري هذا بيمين آثمة.. تبوأ مقعده من النار» .
واختلف فيها نص الشافعي:
فقال في موضع: (يلاعن على المنبر) .
وقال في موضع آخر: (يلاعن عند المنبر) . واختلف أصحابنا فيه:
فقال أبو إسحاق: هي على اختلاف حالين:
فإن كان الخلق في المسجد كثيرا؛ بحيث لو لاعن تحت المنبر لم يبلغهم.. فإنه يلاعن على المنبر.
стр. 5323
والموضع الذي قال: (عند المنبر) أراد: إذا كان الخلق في المسجد قليلا يبلغهم لعانه إذا كان تحت المنبر.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: لا يلاعن على المنبر بحال؛ لأن الصعود على المنبر علو وشرف، واللعان للردع والنكال، وليس في موضع العلو والشرف. وحمل الخبر والنص في قوله: (على المنبر) على أنه أراد به: عند المنبر؛ لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لو جاز أن يقال: لا يكون على المنبر؛ لأنه علو وشرف.. لوجب أن يقال: إنه لا يلاعن أيضا عند المنبر؛ لهذا المعنى.
وإن كان اللعان في بيت المقدس.. لاعن بينهما عند الصخرة؛ لأنه أشرف البقاع به.
وإن كانت في غير ذلك من البلاد.. لاعن بينهما في جوامعها.
قال ابن الصباغ: ولا يختص بذلك المنبر؛ لأنه لا مزية لبعض المنابر على بعض، ويخالف المدينة؛ فإن النبي ﷺ قال: «بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة» .
وإن كانت المرأة حائضا.. لم يحل لها دخول المسجد؛ لقوله ﵊: «لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض» . وتكون قائمة على باب المسجد، فإذا شهد الزوج.. بعث إليها الحاكم جماعة لتشهد على باب المسجد، وإن قام إليها.. فلا بأس بذلك.
стр. 5324
[فرع: ملاعنة الكافرين]
] : وإن كان اللعان بين زوجين كافرين لهما دين.. لاعن بينهما في الموضع الذي يعظمونه؛ فإن كانا يهوديين.. لاعن بينهما في الكنيسة، وإن كانا نصرانيين.. لاعن بينهما في البيعة، وإن كانا مجوسيين.. لاعن بينهما في بيت النار؛ لأنهم يعظمون هذه المواضع كما يعظم المسلمون المساجد.
واللعان يراد للردع، وقد يرتدع الإنسان في الموضع الشريف عنده عن المعصية؛ لهيبة الموضع وخوف تعجيل العقوبة، وهذه المواضع شريفة عندهم، فكانت موضع لعانهم، كالمساجد للمسلمين.
فإن قيل: فإذا حضر الحاكم معهما في هذه المواضع.. فقد شاركهما بالمعصية في تعظيمها؟!
فالجواب: أن المعصية إنما تحصل بتعظيم هذه المواضع، والحاكم لا يعظمها، وإنما يدخلها ليلاعن بينهما، ولا معصية في دخولها.
وإن كانا مشركين لا دين لهما، كعبدة الأوثان، والزنادقة، وتحاكما إلينا.. فإن الحاكم يلاعن بينهما حيث كان جالسا للحكم، إما في داره، أو في مجلسه.
وإن كان في المسجد.. لاعن بينهما؛ لأنهما لا يعتقدان شرف موضع، بل البقاع عندهم سواء. هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : يدخل المسجد ويلاعن بينهما فيه؛ رجاء أن يلحقه شؤمه؛ فإن اليمين الغموس تذر الديار بلاقع.
стр. 5325
وإن كانت الذمية تحت مسلم، ولاعن بينهما.. فإن المسلم يلاعن في المسجد، ويوجه الحاكم المرأة إلى الموضع الذي تعظمه، فتلاعن فيه.
قال الشافعي: (فإن سألت المشركة أن تحضر في المسجد.. حضرت، إلا أنها لا تدخل المسجد الحرام) .
وقال الشيخ أبو حامد: أراد بذلك: أن الذمية إذا كانت تحت مسلم، وأرادت أن تلاعن زوجها في المسجد.. جاز لها ذلك في جميع المساجد إلا المسجد الحرام. وإنما يكون ذلك إذا رضي الزوج به، فأما إذا طلب الزوج أن تلاعن هي في الموضع الذي تعظمه.. كان له ذلك.
وقال القاضي أبو الطيب: بل أراد الشافعي: إذا كانا كافرين، وأرادت المرأة أن تلاعنه في المسجد.. كان لها؛ لأن التغليظ عليه بالمكان الذي يعظمه حق لها، فإذا رضيت بإسقاطه.. كان لها ذلك.
ولا بد أن يشترط رضاه في لعانها في المسجد أيضا؛ لأن التغليظ عليها بالمكان حق له أيضا. هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (يجوز للمشرك أن يدخل كل المساجد) .
وقال مالك: (لا يجوز للمشرك دخول مسجد من المساجد بحال) .
следующие страницы →