Полный текст (7 092 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.
стр. 5321
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: هل يجب التغليظ بحضور الجماعة؟ فيه قولان، كالمكان. والمشهور هو الأول. هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (لا يستحب التغليظ بالمكان ولا يجب) .
دليلنا: (أن النبي ﷺ لاعن بينهما على المنبر) . فثبت أن للمكان تأثيرا في اللعان.
إذا ثبت هذا: فإن المكان - الذي قلنا: يستحب اللعان فيه، أو يجب - هو أن يلاعنها في أشرف موضع في البلد الذي فيه اللعان.
فإن كان بمكة.. لاعن بينهما بين الركن والمقام؛ لما روي: (أن عبد الرحمن بن عوف مر بقوم وهم يحلفون رجلا بين الركن والمقام، فقال: أعلى دم؟ فقالوا: لا، قال: أفعلى عظيم من المال؟ فقالوا: لا، فقال: لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا المقام) . وروي: (بهذا البيت) . يقال: تهاون بالشي: إذا استخف بحرمته.
وإن كان بالمدينة.. لاعن بينهما في مسجد رسول الله ﷺ ؛ لأنه أشرف البقاع بها، وهل يكون على المنبر؟ اختلفت الرواة فيه عن النبي ﷺ :
стр. 5322
فروى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «من حلف عند منبري هذا بيمين آثمة، ولو بسواك من رطب.. وجبت له النار» .
وروى جابر: أن النبي ﷺ قال: «من حلف على منبري هذا بيمين آثمة.. تبوأ مقعده من النار» .
واختلف فيها نص الشافعي:
فقال في موضع: (يلاعن على المنبر) .
وقال في موضع آخر: (يلاعن عند المنبر) . واختلف أصحابنا فيه:
فقال أبو إسحاق: هي على اختلاف حالين:
فإن كان الخلق في المسجد كثيرا؛ بحيث لو لاعن تحت المنبر لم يبلغهم.. فإنه يلاعن على المنبر.
стр. 5323
والموضع الذي قال: (عند المنبر) أراد: إذا كان الخلق في المسجد قليلا يبلغهم لعانه إذا كان تحت المنبر.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: لا يلاعن على المنبر بحال؛ لأن الصعود على المنبر علو وشرف، واللعان للردع والنكال، وليس في موضع العلو والشرف. وحمل الخبر والنص في قوله: (على المنبر) على أنه أراد به: عند المنبر؛ لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لو جاز أن يقال: لا يكون على المنبر؛ لأنه علو وشرف.. لوجب أن يقال: إنه لا يلاعن أيضا عند المنبر؛ لهذا المعنى.
وإن كان اللعان في بيت المقدس.. لاعن بينهما عند الصخرة؛ لأنه أشرف البقاع به.
وإن كانت في غير ذلك من البلاد.. لاعن بينهما في جوامعها.
قال ابن الصباغ: ولا يختص بذلك المنبر؛ لأنه لا مزية لبعض المنابر على بعض، ويخالف المدينة؛ فإن النبي ﷺ قال: «بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة» .
وإن كانت المرأة حائضا.. لم يحل لها دخول المسجد؛ لقوله ﵊: «لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض» . وتكون قائمة على باب المسجد، فإذا شهد الزوج.. بعث إليها الحاكم جماعة لتشهد على باب المسجد، وإن قام إليها.. فلا بأس بذلك.
стр. 5324
[فرع: ملاعنة الكافرين]
] : وإن كان اللعان بين زوجين كافرين لهما دين.. لاعن بينهما في الموضع الذي يعظمونه؛ فإن كانا يهوديين.. لاعن بينهما في الكنيسة، وإن كانا نصرانيين.. لاعن بينهما في البيعة، وإن كانا مجوسيين.. لاعن بينهما في بيت النار؛ لأنهم يعظمون هذه المواضع كما يعظم المسلمون المساجد.
واللعان يراد للردع، وقد يرتدع الإنسان في الموضع الشريف عنده عن المعصية؛ لهيبة الموضع وخوف تعجيل العقوبة، وهذه المواضع شريفة عندهم، فكانت موضع لعانهم، كالمساجد للمسلمين.
فإن قيل: فإذا حضر الحاكم معهما في هذه المواضع.. فقد شاركهما بالمعصية في تعظيمها؟!
فالجواب: أن المعصية إنما تحصل بتعظيم هذه المواضع، والحاكم لا يعظمها، وإنما يدخلها ليلاعن بينهما، ولا معصية في دخولها.
وإن كانا مشركين لا دين لهما، كعبدة الأوثان، والزنادقة، وتحاكما إلينا.. فإن الحاكم يلاعن بينهما حيث كان جالسا للحكم، إما في داره، أو في مجلسه.
وإن كان في المسجد.. لاعن بينهما؛ لأنهما لا يعتقدان شرف موضع، بل البقاع عندهم سواء. هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : يدخل المسجد ويلاعن بينهما فيه؛ رجاء أن يلحقه شؤمه؛ فإن اليمين الغموس تذر الديار بلاقع.
стр. 5325
وإن كانت الذمية تحت مسلم، ولاعن بينهما.. فإن المسلم يلاعن في المسجد، ويوجه الحاكم المرأة إلى الموضع الذي تعظمه، فتلاعن فيه.
قال الشافعي: (فإن سألت المشركة أن تحضر في المسجد.. حضرت، إلا أنها لا تدخل المسجد الحرام) .
وقال الشيخ أبو حامد: أراد بذلك: أن الذمية إذا كانت تحت مسلم، وأرادت أن تلاعن زوجها في المسجد.. جاز لها ذلك في جميع المساجد إلا المسجد الحرام. وإنما يكون ذلك إذا رضي الزوج به، فأما إذا طلب الزوج أن تلاعن هي في الموضع الذي تعظمه.. كان له ذلك.
وقال القاضي أبو الطيب: بل أراد الشافعي: إذا كانا كافرين، وأرادت المرأة أن تلاعنه في المسجد.. كان لها؛ لأن التغليظ عليه بالمكان الذي يعظمه حق لها، فإذا رضيت بإسقاطه.. كان لها ذلك.
ولا بد أن يشترط رضاه في لعانها في المسجد أيضا؛ لأن التغليظ عليها بالمكان حق له أيضا. هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (يجوز للمشرك أن يدخل كل المساجد) .
وقال مالك: (لا يجوز للمشرك دخول مسجد من المساجد بحال) .
стр. 5326
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] [التوبة: ٢٨] . فنطق الآية دليل على أبي حنيفة، ودليل خطابها دليل على مالك.
[مسألة: من يبدأ الحاكم بملاعنته]
؟] : ويبدأ بلعان الزوج، فإذا التعنت المرأة قبل لعان الزوج، أو قبل أن يكمل لعانه.. لم يعتد بلعانها.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (يعتد به) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] [النور: ٦] . فبدأ بلعان الزوج، ثم قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨] [النور: ٨] . و (العذاب) : هو الحد عليها، وإنما يجب ذلك عليها بلعان الزوج؛ لأن اللعان عندنا يمين، وعند أبي حنيفة شهادة، وأيهما كان.. فقد أتت بلعانها قبل وقته، فلم يعتد به، ألا ترى أن رجلا لو ادعى على رجل حقا، فقال المدعى عليه: والله، ما لك عندي شيء.. لم يعتد بها؟ وهكذا: لو شهد له بذلك شاهدان قبل أن يسألا الشهادة.. لم يعتد بهذه الشهادة، فكذلك هذا مثله.
فإن حكم حاكم بتقديم لعانها.. فحكى الشيخ أبو حامد: أن الشافعي قال: (نقض حكمه) .
[مسألة: الأحكام التي تتعلق باللعان]
] : وإذا لاعن الرجل امرأته.. تعلق بلعانه ستة أحكام:
أحدها: سقوط حد القذف عنه، وبه قال عمر وعثمان وابن مسعود وعثمان البتي.
стр. 5327
وقال أبو حنيفة: (لا يجب على الزوج حد القذف لزوجته، ولا يكون لعانه مسقطا لذلك) .
دليلنا: ما روى ابن عباس: «أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ : " البينة، وإلا.. حد في ظهرك "، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله في أمري ما يبرئ ظهري من الحد، فنزلت آية اللعان: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] [النور: ٦] . فسري عن رسول الله ﷺ ، وقال: " أبشر يا هلال، قد جعل الله لك فرجا ومخرجا "، فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي تعالى» .
[فرع: القذف برجل معين]
] : وإن قذفها بالزنا برجل بعينه.. فقد وجب عليه حدان: حد لها، وحد للمقذوف.
فإذا التعن، وذكر الزاني في اللعان.. سقط عنه الحدان.
وقال أبو حنيفة: (إذا قذفها برجل بعينه.. وجب له عليه حد القذف، ولم يجب لها عليه حد، وإنما يجب عليه لها اللعان، فإن طلبت الزوجة اللعان، فلاعنها.. حد بعد ذلك للأجنبي، وإن طلب الأجنبي أن يحد له أولا.. حد له، ولا يلاعن زوجته) ؛ لأن المحدود لا يلاعن عنده، فخالف في ثلاثة مواضع:
أحدها: أنه لا يجب على الزوج حد القذف بقذف زوجته.
الثاني: أن المحدود بالقذف لا يلاعن، وقد مضى الدليل عليه في ذلك.
الثالث: أنه إذا قذف زوجته برجل معين، وسماه في اللعان.. سقط عنه ما وجب عليه له من حد القذف عندنا، وعنده لا يسقط.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] الآية [النور: ٦] .
فجعل الله تعالى موجب القذف للزوجة اللعان، ولم يفرق بين أن يقذفها برجل معين أو غير معين.
ولأن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، ولاعن النبي ﷺ بينهما، ولم
стр. 5328
يوجب النبي ﵊ على هلال بقذفه لشريك بن سحماء شيئا، فدل على أنه سقط باللعان.
فإن قالوا: كان شريك بن سحماء يهوديا، فلا يجب الحد بقذفه؟
قلنا: وإن كان يهوديا، فإنه يجب التعزير بقذفه، والحد والتعزير في الوجوب والسقوط واحد.
وإن لاعنها، ولم يذكر الزاني بها في اللعان.. ففيه قولان:
أحدهما: يسقط عنه حد القذف؛ لأن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، ولم ينقل أنه ذكره في اللعان، ولم يوجه النبي ﵊ إلى شريك أن له التعزير عند هلال، فدل على: أن ذلك يسقط باللعان، ولأنه رماهما بزنا واحد، فإذا ثبت صدقه في جهتها.. ثبت في جهته؛ لأنه لا يتبعض.
والثاني: لا يسقط عنه، وهو الأصح؛ لأنه حد يسقط باللعان، فكان من شرط سقوطه ذكره في اللعان، كحد المرأة. وأما الخبر: فإنما لم يعزره النبي ﷺ ؛ لأن الظاهر أنه قد بلغ شريك بن سحماء.
فعلى هذا: إذا أراد أن يسقط حده.. أعاد اللعان، وذكر الزوجة والزاني بها.
وإن رماها بالزنا برجل بعينه، ولم يقم عليهما البينة، ولم يلاعن، فجاءا وطلبا أن يحد لهما.. فكم يحد لهما؟
من أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: يحد لهما حدين.
والثاني: يحد لهما حدا واحدا، كما قلنا فيمن قال لرجلين: زنيتما.
ومنهم من قال: يحد لهما حدا واحدا، قولا واحدا؛ لأنه رماهما بزنا واحد، بخلاف ما لو قال لاثنين: زنيتما.. فإنه قذف كل واحد منهما بزنا.
فأما إذا جاءت الزوجة وحدها، فطالبت بحدها، فحد لها، ثم جاء الرجل
стр. 5329
المرمي، فطالب بحده، فإن قلنا في التي قبلها: يجب لكل واحد منهما حد.. فإنه يحد له ثانيا، وإن قلنا: يجب لهما حد واحد.. لم يحد له؛ لأنه قد استوفى منه.
وإن عفت المرأة عن حدها، وطالب المقذوف بحده.. حد له؛ لأنهما حقان لآدميين، فلم يسقط حق أحدهما حق الآخر، كالديون.
وإن اعترفت المرأة: أن الرجل المرمي بها زنى بها.. سقط عن الزوج حد القذف لها، ووجب عليها حد القذف للرجل؛ لأنها قذفته. وكذلك يجب على الزوج حد القذف له أيضا؛ لأنه قذفه.
الحكم الثاني المتعلق بلعان الزوج: أنه يجب على الزوجة حد الزنا بلعان الزوج.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وعثمان البتي: (لا يجب عليها الحد) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] الآية [النور: ٦] .
فموضع الدليل منها قوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ [النور: ٨] [النور: ٨] . و (العذاب) هاهنا: هو الحد.
ولأن لعان الزوج كالبينة في سقوط حد قذفها عنه، فكان كالبينة في إيجاب حد الزنا عليها.
ولها أن تسقط ما وجب عليها من حد الزنا بلعان الزوج بلعانها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ [النور: ٨] الآية [النور: ٨] .
وإن كان الزوج قد قذفها برجل بعينه، وذكره في اللعان.. لم يجب على المقذوف حد الزنا بذلك؛ لأنه لا يصح منه إسقاط ذلك باللعان، فلم يجب عليه حد القذف باللعان.
الحكم الثالث: إن كان هناك حمل أو ولد منفصل، ونفاه الزوج باللعان.. انتفى عنه، ولحق بالمرأة.
стр. 5330
وقال عثمان البتي: لا ينتفي عنه.
دليلنا: ما «روى ابن عباس: (أن النبي ﷺ لاعن بين هلال بن أمية وامرأته، وفرق بينهما، وقضى: أن لا يدعى الولد لأب، وأنها لا ترمى ولا ولدها، فمن رماها أو ولدها.. فعليه الحد» .
فإن لم يذكر الزوج الولد في اللعان، وأراد نفيه.. أعاد اللعان وذكره؛ لأنه لم ينفه باللعان الأول، فإن عارضته المرأة باللعان.. فإنها لا تذكر الولد في لعانها؛ لأنه لا سبيل لها إلى إثبات النسب ولا إلى نفيه.
قال الطبري: وكل موضع كان المقصود من اللعان نفي الولد لا غير، هل تعارضه المرأة باللعان؟ فيه وجهان.
الحكم الرابع: إذا لاعنها وهي زوجة له.. وقعت الفرقة بينهما بفراغه من اللعان.
وقال عثمان البتي: لا يقع باللعان فرقة.
وقال أبو حنيفة: (لا تقع الفرقة باللعان، وإنما يفرق الحاكم بينهما إذا فرغ الزوج من اللعان، فلو طلقها الزوج بعد اللعان وقبل أن يفرق الحاكم بينهما.. وقع الطلاق؛ لما «روى ابن عمر: (أن رجلا لاعن امرأته في زمان النبي ﷺ ، ففرق النبي ﷺ بينهما» . وفي «رواية ابن عباس: (أن هلال بن أمية لاعن امرأته، ففرق النبي ﷺ بينهما» . فلو وقعت الفرقة بينهما باللعان.. لما افتقر إلى الفرقة بينهما. وروي: «أن العجلاني لما لاعن زوجته عند النبي ﷺ .. قال: إن أمسكتها.. فقد كذبت عليها، هي طالق ثلاثا، فقال له النبي ﷺ : " لا سبيل لك عليها» ولم ينكر النبي ﷺ قوله: (إن أمسكتها) ، ولا طلاقه) .
стр. 5331
دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ قال: «المتلاعنان لا يجتمعان أبدا» .
فأخبر أن المتلاعنين لا يجتمعان، وأن الفرقة وقعت بينهما باللعان.
ولأنها فرقة متجردة عن عوض لا تنفرد به المرأة، فوجب أن يقع بقول الزوج وحده، كالطلاق.
فقولنا: (متجردة عن عوض) احتراز من الخلع.
وقولنا: (لا تنفرد به المرأة) احتراز من الفسخ بالعنة والإعسار بالنفقة.
وأما الجواب عن رواية ابن عمر، وابن عباس: فهذه قضية في عين لا يمكن ادعاء العموم فيها، فيحتمل أنه أراد: فرق بينهما في الزوجية، ويحتمل أنه فرق بين أبدانهما. وخبرنا: هو قول النبي ﷺ ، ظاهر لا احتمال فيه.
وأما الجواب عن خبر العجلاني: فإن معنى قول النبي ﷺ : " لا سبيل لك عليها "، أي: إلى الإمساك والطلاق؛ لأنها قد بانت منه باللعان؛ لأن العجلاني ظن أن الفرقة لم تقع باللعان، فلذلك طلقها؛ ولهذا لما قال له النبي ﷺ : " لا سبيل لك عليها ".. قال: أين مالي؟ أي: إذا لم يكن لي إمساكها ولا طلاقها.. فأين الذي أعطيتها؟ فقال النبي ﷺ : " إن كنت صادقا.. فبما استحللت من فرجها " - يعني: أنك دخلت بها - وإن كنت كاذبا.. فأبعد "، يعني: أنك دخلت بها، وكذبت عليها.
الحكم الخامس: أن الفرقة باللعان فسخ، ويقع به التحريم مؤبدا.
وقال مالك، وربيعة، وداود: (لا يقع زوال الفراش والتحريم إلا بلعانهما جميعا) .
وقال أبو حنيفة، ومحمد: (الفرقة الواقعة باللعان طلقة ثانية، ولا يتأبد التحريم) .
стр. 5332
دليلنا: قوله ﵊: «المتلاعنان لا يجتمعان أبدا» .
فموضع الدليل منه على مالك: أن هذا يقتضي في حال تلاعنهما، كما يقال: متضاربان، في حال تضاربهما، فأما بعد فراغهما من اللعان.. فإنما يقال: كانا متلاعنين، وهذا لا يكون إلا على ما قلناه.
وموضع الدليل منه على أبي حنيفة: قوله ﵊: " لا يجتمعان أبدا ". وهذا نص.
وفي «رواية ابن عباس: (أن النبي ﷺ لاعن بين هلال بن أمية وامرأته، وفرق بينهما، وقضى: أن لا بيت لها ولا قوت؛ من أجل أنهما يفترقان لا عن طلاق ولا عن وفاة» . وإذا ثبت أنه ليس بطلاق ولا عن وفاة.. كان فسخا.
[فرع: قذف الزوجة المبانة ونفي الولد بلعان]
فرع: [في قذف الزوجة المبانة ونفي الولد بلعان] : وإن تزوج امرأة وأبانها، ثم قذفها بزنا أضافه إلى حال الزوجية، وكان هناك نسب، فلاعن لنفيه، أو تزوج امرأة تزويجا فاسدا، وأتت بولد منه يمكن أن يكون منه، فلاعن لنفيه.. فهل تحرم عليه المرأة على التأبيد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تحرم؛ لأن التحريم يتعلق بفرقة اللعان، ولم يقع بهذا اللعان فرقة، فلم يقع به تحريم مؤبد.
والثاني: تحرم على التأبيد، وهو الأصح؛ لأن كل سبب أوجب تحريما مؤبدا إذا صادف الزوجية.. أوجبه وإن لم يصادف زوجية، كالرضاع.
فقولنا: (تحريما مؤبدا) احتراز من الطلاق. ولأن اللعان قد صح فتعلقت به أحكامه، وهذا من أحكامه.
стр. 5333
وإن تزوجها وقذفها، ولم يكن هناك نسب نفاه باللعان، فلاعنها لإسقاط الحد، ثم بان أن النكاح كان فاسدا.. قال القاضي أبو الطيب: لم تحرم، وجها واحدا؛ لأنا تبينا أن اللعان كان فاسدا؛ لأن اللعان لا يثبت في النكاح الفاسد إلا لنفي الولد، فإذا لم يكن هناك ولد.. تبينا أن اللعان كان فاسدا، فلم يتعلق به التحريم.
[فرع: اشتراها بعد تزوجها وأتت بولد]
] : وإن تزوج الرجل أمة، ثم اشتراها وأقر بوطئها بعد الشراء، ثم أتت بولد، فإن أتت به لأقل من ستة أشهر من وقت الشراء، ولستة أشهر فصاعدا من وقت النكاح.. لحقه الولد من جهة النكاح، فإن أراد نفيه باللعان.. كان له نفيه، وإذا نفاه باللعان.. انتفى عنه، وهل يحرم عليه وطء الأمة على التأبيد، أو يحل له وطؤها بملك اليمين؟ فيه وجهان:
[الأول] : قال ابن الحداد: لا يحرم عليه على التأبيد.
و [الثاني] : قال أكثر أصحابنا: يحرم عليه على التأبيد. وهو الأصح.
ووجههما: ما ذكرناه في التي قبلها.
وإن أتت به لستة أشهر فما زاد من وقت الوطء بعد الشراء.. لحقه الولد. فإن ادعى: أنه استبرأها بعد الوطء بحيضة، ولم يطأها بعده.. فالمنصوص: (أنه يحلف على ذلك، وينتفي عنه من غير لعان) .
وقال أبو العباس: وفيه قول آخر: أنه يلاعن لنفيه. وليس بصحيح.
وإن لم يدع الاستبراء، ولكن قال: هذا الولد ليس مني.. ففيه قولان، حكاهما القاضي أبو الطيب.
أحدهما: أنه يلاعن لنفيه، كما يلاعن لنفي الولد من النكاح.
стр. 5334
والثاني وهو المشهور: أنه لا يلاعن لنفيه؛ لأنه يمكنه نفيه بدعوى الاستبراء، ويحلف عليه.
فإذا قلنا: يلاعن، فلاعن لنفيه.. فهل يحرم عليه وطء الأمة على التأبيد؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما.
الحكم السادس المتعلق بلعان الزوج: أنه يسقط إحصانها في حق الزوج، فإن قذفها الزوج.. لم يجب عليه الحد بقذفها؛ لأن اللعان في حقه كالبينة، وإن قذفها أجنبي.. فهل يسقط إحصانها في حقه؟ فيه وجهان.
فإن عارضته باللعان.. قال ابن الصباغ: عاد إحصانها في حق الجميع، وقد مضى ذلك.
[مسألة: في إكذابه نفسه يعود عليه الحد ويلحق به النسب]
] : وإذا لاعن الزوج، ثم أكذب نفسه.. عاد كل حق عليه؛ وهو: وجوب حد القذف عليه، ولحوق النسب الذي نفاه به، وعادت حصانتها في حقه. ولا يعود كل حق له؛ وهو: عود الزوجية، وارتفاع التحريم على التأبيد.
وبه قال عمر، وعثمان، وابن مسعود، والأوزاعي، ومالك، والثوري، وأبو يوسف، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة ومحمد: (يرتفع التحريم المؤبد إذا أكذب نفسه، أو إذا حد في قذف) . ووافقنا: أن الزوجية لا تعود، وإنما يجوز له ابتداء عقد النكاح عليها.
وقال سعيد بن المسيب: إذا أكذب نفسه عادت الزوجية.
دليلنا: ما روى ابن عباس، وابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «المتلاعنان لا يجتمعان أبدا» . وهذا نص، ولم يفرق.
стр. 5335
وروي «عن سهل بن سعد الساعدي: أنه قال: (فرق رسول الله ﷺ بين المتلاعنين، ثم جرت السنة أن لا يجتمعا أبدا» . وهذا يقتضي سنة رسول الله ﷺ .
وإن نفى باللعان نسب ولد، فمات الولد، ثم أكذب الزوج نفسه.. لحقه نسب الولد الميت سواء خلف الميت ولدا أو لم يخلف، وسواء كان موسرا أو معسرا.
وقال أبو حنيفة: (إن خلف الميت ولدا ذكرا، أو أنثى.. صح رجوعه، ويثبت نسب الولد منه، وإن لم يخلف الميت ولدا.. لم يصح رجوعه؛ لأنه متهم في الرجوع ليرث) .
دليلنا: أنه اعترف بنسب كان نفاه باللعان، فلحقه، كما لو كان المنفي حيا، أو كما لو خلف ولدا.
[فرع: في قذفها واعترافها بعد اللعان]
] : وإن قذف الرجل امرأته بالزنا، فاعترفت بزناها.. نظرت:
فإن أقرت به بعد لعان الزوج.. فإن إقرارها بالزنا لا ينفع؛ لأن جميع أحكام اللعان قد تعلقت بلعان الزوج، ولا يكون لها إسقاط ما وجب عليها من حد الزنا بلعانها؛ لأنها قد أقرت بالزنا.
وإن أقرت بالزنا قبل أن يلاعن الزوج.. وجب عليها حد الزنا، ولا يجب على الزوج لها حد القذف.
стр. 5336
وإن لم يكن هناك نسب.. فليس للزوج أن يلاعن؛ لأن اللعان لدرء حد القذف أو لنفي النسب، وليس هناك واحد منهما.
وإن كان هناك نسب.. فللزوج أن يلاعن لنفيه، فإذا لاعن لنفيه.. فهل تقع الفرقة المؤبدة بينه وبين الزوجة؟ على الوجهين فيمن لاعنها البينونة، وقد مضى ذكرهما. هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (إن كان هناك نسب.. لحقه، وليس له نفيه باللعان، ولا يجب عليها حد الزنا) . وهذا بناء على أصلين:
أحدهما: أن حد الزنا لا يثبت عنده بالإقرار به مرة، وإنما يثبت عنده إذا أقربه أربع مرات في أربع مجالس.
والثاني: أن النسب لا ينتفي عنده إلا بلعانهما وحكم الحاكم، واللعان لا يصح منها؛ لأنها اعترفت بالزنا، فلا تلاعن على ما اعترفت به، ولا يصح أن يحكم الحاكم بنفيه عنه.
وحكي عن أبي حنيفة: أنه قال: (إن كانت المرأة عفيفة وكذبته.. كان له أن ينفي عنه ولدها، وإن كانت فاجرة وصدقته.. لم يكن له أن ينفي ولدها) .
ودليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] الآية [النور: ٦] . ولم يفرق بين أن تقر الزوجة أو لا تقر.
ولأنه محتاج إلى القذف، وتحقيقه باللعان لنفي النسب، فكان له ذلك، كما لو لم تقر الزوجة.
[مسألة: قذفها ثم مات قبل الملاعنة]
] : إذا قذف الرجل زوجته، فمات الزوج قبل أن يلاعن، أو قبل أن يكمل اللعان.. فقد سقط عنه الحد بموته؛ لأنه اختص ببدنه وقد مات، ورثته الزوجة؛ لأن الفرقة لا تقع إلا بلعانه، ولم يوجد.
стр. 5337
وإن كان هناك ولد أراد نفيه.. لم ينتف عنه وورثه؛ لأنه مات قبل أن ينفيه.
فإن أراد باقي الورثة أن يلاعنوا لنفيه.. لم يكن لهم ذلك؛ لأنه مشارك لهم في الظاهر بالميراث، فإن قلنا: لهم أن ينفوه.. كان له أن ينفيهم، وهذا متناقض.
وليس للمرأة أن تلاعن؛ لأنها إنما تلاعن لدرء الحد عنها، والحد إنما يجب عليها بلعان الزوج، ولم يوجد.
وإن مات الزوج بعد لعانه وقبل لعانها.. كان لها أن تلاعن لإسقاط الحد عنها؛ لأن ذلك قد وجب عليها بلعانه، فكان لها إسقاطه، كما لو كان حيا.
وإن قذف زوجته، فماتت الزوجة قبل أن يلاعن الزوج، أو قبل أن يكمل لعانه.. ورثها الزوج؛ لأنها ماتت وهي زوجته، فورثها.
فإن كان هناك ولد منها يريد نفيه.. كان له أن يلاعن لنفيه؛ لأن الحاجة داعية إلى اللعان لنفيه عنه.
وإن لم يكن هناك ولد منها يريد نفيه، فإن كان لها وارث، فطالبه بحد القذف.. كان له أن يلاعن لدرء الحد عنه؛ لأن الحاجة داعية إلى درء الحد عنه بذلك.
فإن كان لم يأت بشيء من ألفاظ اللعان في حياتها.. استأنف اللعان، وإن كان قد أتى بشيء من ألفاظ اللعان في حياتها.. قال الشيخ أبو حامد: فإن تطاول الزمان.. استأنف اللعان، وإن لم يتطاول الزمان.. بنى على اللعان الأول، وتممه.
وإن لم يكن لها وارث غير الزوج، فإن كان ابن عم لها أو مولى.. لم يكن له أن يلاعن؛ لأنه لا حاجة به إلى اللعان.
ومن أصحابنا من قال: له أن يلاعن ليسقط الحد عن نفسه. والأول أصح.
وإن لم يكن لها وارث من غير المسلمين.. كان له أن يلاعن ليسقط الحد عن نفسه.
فإن قيل: هو من المسلمين، وهو وارثها؟
стр. 5338
فالجواب: أن حد القذف يجب لبعض الورثة، ولا يسقط بسقوط بعضه، ولهذا: لو عفا بعض الورثة عن حقه منه.. ثبت الجميع لمن لم يعف.
وإذا لاعن بعد موتها.. فإن ميراثه لا يسقط عنها بذلك؛ لأن الفرقة لم تقع به.
[فرع: قذفها ونفى ولدها فمات ابنها قبل ملاعنتها]
] : وإن قذف امرأته وانتفى من ولدها، فمات الولد قبل أن يلاعن الأب لنفيه، أو قبل أن يكمل اللعان.. فله أن يلاعن بعد موته.
وقال أبو حنيفة: (ليس له أن يلاعن لنفي الولد بعد موته؛ لأنه لا حاجة به إلى نفيه بعد الموت) .
دليلنا: أن الحاجة تدعو إلى نفيه بعد موته، كما تدعو إلى نفيه في حياته؛ لأنه يلحقه نسبه بعد موته، كما يلحقه في حياته؛ لأنه يقال: هذا قبر ابن فلان، كما يقال في حياته: هذا ابن فلان، فكان له نفي النسب الفاسد عنه؛ لئلا يعير به، ولأنه قد يكون غائبا، فتأتي امرأته بولد، ويبلغ ذلك الولد، ويولد له ولد، ثم يموت، ويقدم الغائب، فيحتاج إلى نفي أولاد ذلك الولد، كما كان يحتاج إلى نفي الولد في حياته، ولا ينتفي عنه أولاد الولد إلا بنفي الولد.
وإن أتت امرأته بولدين توأمين، فقال: ما هما مني، وأراد نفيهما باللعان، فمات أحدهما قبل اللعان أو قبل إكماله.. فله أن ينفيهما معا باللعان، فإن نفى أحدهما، وأقر بالآخر، أو ترك نفيه.. لحقاه؛ لأنهما من حمل واحد، فإذا أقر بأحدهما.. لحقه نسبه ونسب الآخر.
وقال أبو حنيفة: (ليس له أن يلاعن بعد موت أحدهما؛ لأن الميت عنده لا ينفى باللعان، ولا يجوز له أن ينفي الحي؛ لأنهما من حمل واحد) . وبنى هذا على أصله: أن الميت لا ينفى باللعان، وقد مضى الدليل عليه.
وإذا نفى نسب الولد الميت باللعان.. لم يرثه؛ لأنا تبينا أنه ليس بولد له، فلم يرثه.
стр. 5339
[مسألة: قذفها وباشر اللعان ولم يتمه]
] : وإن قذف زوجته، وابتدأ باللعان، ثم امتنع من إتمامه.. حد لها حد القذف؛ لأن الحد وجب عليه لها بالقذف، وإنما يسقط عنه باللعان، فإذا لم يكمله.. وجب عليه الحد، كما لو أقام عليها بالزنا بينة غير كاملة.
وإن قذفها، ولم يلاعن، فجلد بعض الحد، فقال: أنا ألاعن.. كان له ذلك، فإذا لاعن.. سقط عنه بقية الحد؛ لأن اللعان حجة في حق الزوج لإسقاط الحد عنه، كما أن البينة حجة لإسقاط الحد عن الأجنبي.
ولو قذفها أجنبي، فحد بعض الحد، ثم قال: أنا أقيم البينة، وأقامها.. سقط عنه باقي الحد، كذلك هذا مثله.
وإن قذفها الزوج ولاعن، فامتنعت من اللعان، فحدت بعض الحد، ثم قالت: أنا ألاعن.. كان لها ذلك، فإذا لاعنت.. سقط عنها بقية الحد؛ لأن ما أسقط جميع الحد.. أسقط بعضه، كالبينة.
[فرع: قذفها فحد، ثم تزوجها]
] : وإن قذف رجل امرأة أجنبية بالزنا، فحد لها، ثم تزوجها، ثم قذفها.. نظرت:
فإن قذفها بذلك الزنا الأول.. لم يجب عليه الحد بقذفها؛ لأنه قد حد فيه.
وإن قذفها بزنا آخر أضافه إلى ما قبل الزوجية.. وجب عليه الحد، فإن لم يكن هناك ولد.. لم يلاعن لدرء الحد؛ لأنه قذف غير محتاج إليه، وإن كان هناك ولد.. كان له أن يلاعن لنفيه.
وإن قذفها بزنا آخر أضافه إلى حال الزوجية.. وجب عليه الحد، وله أن يلاعن، سواء كان هناك ولد أو لم يكن.
стр. 5340
وأما إذا لم يقم عليه الحد بقذفه لها قبل الزوجية، ولم يقم عليها البينة، ثم قذفها بعد أن تزوجها.. قال القاضي أبو الطيب: فإن قذفها بذلك الزنا الأول.. وجب عليه حد واحد ويتداخل، كما إذا زنى، ثم زنى قبل أن يقام عليه الحد للزنا الأول.. فإنه يجب عليه حد واحد، فإن قذفها بزنا آخر منسوب إلى حال الزوجية.. وجب عليه حدان؛ لأنهما يختلفان؛ لأن أحدهما يسقط باللعان، والآخر لا يسقط باللعان، فلم يتداخلا، فيقام عليه الحد للقذف الأول، وأما الثاني: فإن لاعنها لأجله، وإلا.. حد له أيضا.
وإن قذفها وهي زوجة، فلم يحد لها، ولم تعف حتى فارقها، ثم قذفها بعد الفراق بذلك الزنا، أو بزنا آخر أضافه إلى حال الزوجية.. قال ابن الحداد: وجب عليه حد آخر للقذف الثاني، ولا يتداخلان؛ لأن الأول يسقط باللعان، والثاني لا يسقط باللعان، فلم يتداخلا، فإن التعن للأول.. حد للثاني، وإن لم يلتعن للأول.. حد للأول، وحد للثاني بعد أن يبرأ ظهره من ألم الأول.
[فرع: قذفها ثم أعتق فطالبته بالحد]
] : وإن قذف العبد امرأته، ثم أعتق وطالبته بحد قذفها.. فله أن يلاعن، وإن لم يلاعن.. حد حد العبد؛ اعتبارا بحال الوجوب عليه.
وهكذا: لو قذف زوجته الأمة، ثم أعتقت، فطالبته بالتعزيز، فلاعن ولم تلاعن هي.. حدت هي حد الأمة؛ اعتبارا بحال الوجوب.
وهكذا: إن قذف زوجته وهي بكر، ولم تلاعن حتى طلقها، ونكحت زوجا غيره، وأصابها الثاني، وطالبت الأول بحد القذف، فلاعنها ولم تلاعن هي.. وجب عليها حد البكر لا حد المحصنة؛ اعتبارا بحال الوجوب عليها.
وإن تزوج رجل امرأة بكرا، فقذفها بالزنا، ثم فارقها قبل أن تطالبه بحد القذف، وتزوجت بآخر، ثم قذفها الثاني بالزنا.. كان لها مطالبتهما بحد القذف،
стр. 5341
فإذا طالبتهما.. كان لكل واحد منهما درء الحد عن نفسه باللعان؛ لأن كل واحد منهما قذفها وهي زوجته، فإن عارضتهما باللعان.. لم يجب على أحدهما حد، وإن لاعنها، ونكلت عن جوابهما باللعان.. نظرت:
فإن قذفها الأول وهي بكر، وقذفها الثاني وهي محصنة.. وجب عليها للأول حد بكر، وهو: جلد مائة، وتغريب عام، ووجب عليها للثاني حد محصنة، وهو: الرجم.
وعلى هذا يحمل ما روي «عن علي بن أبي طالب ﵁: أنه جلد امرأة يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ »
وإن كانت بكرا في حال قذفهما لها.. ففيه وجهان:
[أحدهما] : قال ابن الحداد: يجب عليها حدان؛ فتجلد للأول، ثم تترك حتى يبرأ ظهرها، ثم تجلد للثاني؛ لأن اللعان بينة يختص بها الزوج، فلا يتعدى إلى غيره، فيجب الأول بلعان الأول، والثاني بلعان الثاني.
стр. 5342
و [الثاني] : من أصحابنا من قال: يجب عليها حد واحد، كما إذا ثبت عليها ذلك بالبينة.
[فرع: قذفها بعد الردة والعدة ثم لاعنها]
] : إذا تزوج امرأة ودخل بها، ثم ارتدا، وقذفها في حال الردة والعدة، ولاعنها لدرء الحد.. قال ابن الحداد: ينظر فيه:
فإن رجع إلى الإسلام قبل انقضاء عدتها.. تبينا أن القذف واللعان صادفا الزوجية، وصح اللعان.
وإن لم يرجع إلى الإسلام حتى انقضت عدتها.. تبينا أن القذف واللعان صادقا البينونة، ولم يصح اللعان، كما قلنا فيمن طلق امرأته ثلاثا في حال الردة.
ومن أصحابنا من قال: لا يصح اللعان؛ لأنه يمين، فلم يصح أن تكون موقوفة؛ لأنه لا يصح تعلقها بالشرط، فلم يصح وقفها، بخلاف الطلاق.
قال القاضي أبو الطيب: والأول أصح.
[مسألة: ادعت أن زوجها قذفها فأنكر فأقامت بينة]
] : إذا ادعت المرأة على زوجها: أنه قذفها بالزنا، فأنكر، فأقامت بينة: أنه قذفها، فإن قال: أنا ألاعن.. جاز له ذلك. واختلف أصحابنا لم جاز له أن يلاعن؟
فمنهم من قال: إنما جاز له أن يلاعن؛ لأنه لم يكذب البينة؛ لأنها شهدت عليه: أنه قذفها، وهو يقول: ما قذفت؛ لأني قلت لها: يا زانية، وليس ذلك بقذف، بل هو صدق، و (القذف) : ما تردد بين الصدق والكذب.
فأما إذا قال: ما قلت لها: يا زانية، وشهدت البينة: أنه قال ذلك.. لم يكن له أن يلاعن؛ لأنه مكذب لها.
стр. 5343
ومنهم من قال: له أن يلاعن؛ لأنه لا يكذب نفسه، وأما البينة: فهو مكذب لها؛ لأن البينة تشهد: أنه قذف، وهو يقول: ما قذفت، وما رماها به.. فهو حرام إلى أن يحقق باللعان، وإنما لا يجوز له أن يلاعن، أن لو قال: ما زنت، ثم قال: ألاعن.. لم يكن له ذلك؛ لأنه قد كذب نفسه، وهذا التعليل هو المنصوص للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
[فرع: اختلفا بوقت اللعان قبل الزواج أو بعده]
] : وإن اختلف الزوجان: فقالت الزوجة: قذفتني قبل أن تتزوج بي، فلي عليك حد لا يسقط باللعان، وقال الزوج: بل قذفتك بعد أن تزوجت بك، ولي إسقاط الحد باللعان.. فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأنهما لو اختلفا في أصل القذف.. كان القول قوله مع يمينه، فكذلك إذا اختلفا في وقته.
وهكذا إن قال: قذفتك قبل وقوع الفرقة. وقالت: بل قذفتني بعد وقوع الفرقة، فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لما ذكرناه.
وإن قالت: قذفتني وأنا أجنبية منك ولا نكاح بيننا، وقال: بل قذفتك وأنت زوجتي.. فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الأصل عدم النكاح بينهما، إلا إن أقام الزوج بينة على النكاح.. فيكون القول قوله مع يمينه على وقت القذف.
وهكذا لو قذف رجل أجنبية فقال: قذفتك وأنت مرتدة، وقالت: ما كنت مرتدة.. فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الأصل عدم الردة، فإن أقام بينة على ردتها.. فالقول قوله مع يمينه: أنه قذفها في حال ردتها؛ لأنهما لو اختلفا في أصل القذف.. لكان القول قوله، فكذلك إذا اختلفا في وقته.
والله أعلم
стр. 5344
[كتاب الأيمان] [ باب من تصح يمينه وما تصح به اليمين]
стр. 5345
كتاب الأيمان باب من تصح يمينه وما تصح به اليمين الأصل في انعقاد اليمين: الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] [المائدة: ٨٩] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]
стр. 5346
الآية [آل عمران: ٧٧] .
وأما السنة: فروي أن النبي ﷺ قال: «والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا "، ثم قال: " إن شاء الله " ثلاثا» .
وروى ابن عمر: أن النبي ﷺ «كان كثيرا ما يحلف: لا ومقلب القلوب»
стр. 5347
وأجمعت الأمة على انعقاد اليمين
إذا ثبت هذا فإن اليمين تنعقد من كل بالغ عاقل مختار قاصد إلى اليمين.
فأما الصبي والمجنون والنائم فلا تصح يمينه؛ لقوله ﵊: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» .
وهل تنعقد يمين السكران؟ فيه طريقان، مضى ذكرهما في الطلاق.
ولا تنعقد يمين المكره؛ لما روى أبو أمامة: أن النبي ﵊ قال: «ليس على مقهور يمين» .
وأما (لغو اليمين) : فلا ينعقد، وهو: الذي يسبق لسانه إلى الحلف بالله من غير أن يقصد اليمين، أو قصد أن يحلف بالله: لا أفعل كذا، فسبق لسانه وحلف بالله: ليفعلنه، وسواء في ذلك الماضي والمستقبل.
стр. 5348
وقال أبو حنيفة: (لغو اليمين هو: الحلف على الماضي من غير أن يقصد الكذب، وكأنه ظن شيئا على صفة، فحلف عليه: أنه كذلك، فبان خلافه) .
وقال مالك: (لغو اليمين هي: اليمين الغموس) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] [البقرة: ٢٢٥] .
وروي عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة ﵃: أنهم قالوا: (لغو اليمين: هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله) .
ولأن " اللغو " في اللغة: هو الكلام الذي لا يقصد إليه، وهذا لا يكون إلا فيما قلناه.
فإن حلف على فعل شيء، ثم قال: لم أقصد إليه.. نظرت:
فإن كانت اليمين بالله.. قبل قوله - لأنه أعلم بنيته - قال ابن الصباغ: إلا أن يكون الحلف على ترك وطء زوجته.. فلا يقبل قوله؛ لأنه يتعلق به حق آدمي.
وكذلك: إذا حلف بالطلاق، أو العتاق، وادعى: أنه لم يقصد إلى ذلك.. لم يقبل قوله منه؛ لأنه يتعلق به حق الآدمي، والظاهر أنه قصد إلى ذلك، بخلاف اليمين بالله، فإن الحق فيها مقدر فيما بينه وبين الله تعالى، وهو أعلم بما قصده.
وتنعقد يمين الكافر؛ لأنه مكلف قاصد إلى اليمين، فانعقدت يمينه، كالمسلم.
[مسألة: تنعقد اليمين على الماضي والمستقبل]
] : وتنعقد اليمين على الماضي والمستقبل.
فأما الماضي: فعلى ضربين.
стр. 5349
أحدهما: أن يحلف أنه فعل أمرا، أو لم يفعله، وهو صادق، فلا كفارة عليه؛ لأن اليمين على المدعى عليه، ولا يجوز أن يجعل عليه اليمين إلا وهو صادق.
وروي: (أن عمر ﵁ قال وهو على المنبر: يا أيها الناس، لا تمنعكم اليمين من حقوقكم، فوالذي نفسي بيده! إن في يدي عصا) .
فإن كانت هذه اليمين عند الحاكم.. فالأولى أن لا يحلفها؛ لما روي: (أن المقداد استقرض من عثمان مالا، فتحاكما إلى عمر ﵃، فقال المقداد: هو أربعة آلاف، وقال عثمان: إنه سبعة آلاف، فقال المقداد لعثمان: احلف: أنه سبعة آلاف، فقال عمر: إنه أنصفك، فلم يحلف عثمان، فلما ولى المقداد.. قال عثمان: والله لقد أقرضته سبعة آلاف، فقال له عمر: لم لم تحلف؟ فقال: خشيت أن يوافق قدر بلاء، فيقال: بيمينه) .
والضرب الثاني: أن يحلف على ماض وهو كاذب؛ مثل أن يحلف أنه قد فعل كذا، ولم يفعله، أو أنه لم يفعل كذا، وقد فعله، فإن نسي عند اليمين أنه كان قد فعل أو لم يفعل.. فهل تجب عليه الكفارة؟ فيه قولان، يأتي بيانهما في موضعهما، وإن كان ذاكرا عند اليمين أنه قد كان فعل أو لم يفعل، وقصد إلى اليمين.. فهي اليمين الغموس، ويأثم بذلك؛ لما روى الشعبي، عن ابن عمر: «أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: " الإشراك بالله "، قال: ثم ماذا؟ قال: " عقوق الوالدين "، قال: ثم ماذا؟ قال: " اليمين الغموس» . قيل للشعبي: وما اليمين الغموس؟ قال: الذي يقتطع بها مال امرئ، وهو فيها كاذب) .
стр. 5350
وروى ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من حلف على يمين وهو فيها فاجر؛ ليقتطع بها من مال امرئ مسلم.. لقي الله وهو عليه غضبان» .
وإن سميت: اليمين الغموس؛ لأنها تغمس من حلف بها في النار.
وتجب عليه الكفارة في اليمين الغموس، وبه قال عمر، وعطاء، والزهري، وعثمان البتي.
وقال مالك، والثوري، والليث، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق: (لا تجب بها الكفارة) .
وقال سعيد بن المسيب: هي من الكبائر أعظم من أن تكفر.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ﴾ [المائدة: ٨٩] الآية [المائدة: ٨٩] . وهذا عام في الماضي والمستقبل.
ولأنه حلف بالله وهو مختار قاصد كاذب، فوجبت عليه الكفارة، كما لو حلف على مستقبل.
стр. 5351
[مسألة: اليمين على المستقبل]
وأما اليمين على المستقبل: فتصح أيضا؛ لقوله ﷺ : «والله لأغزون قريشا» .
إذا ثبت هذا: فإن اليمين على المستقبل تنقسم على خمسة أضرب:
أحدها: يمين عقدها طاعة، والمقام عليها طاعة، وحلها معصية، مثل: أن يحلف: ليصلين الصلوات الواجبة، أو لا يشرب الخمر، أو لا يزني. وإنما كان عقدها والإقامة عليها طاعة؛ لأنها قد تدعوه إلى المواظبة على فعل الواجب، ويخاف من الحنث بها الكفارة. وحلها معصية؛ لأن حلها إنما يكون بأن يمتنع من فعل الواجب، أو يفعل ما حرم عليه.
والضرب الثاني: يمين عقدها معصية، والإقامة عليها معصية، وحلها طاعة، مثل: أن يحلف: أن لا يفعل ما وجب عليه، أو ليفعلن ما حرم عليه.
والضرب الثالث: يمين عقدها طاعة، والإقامة عليها طاعة، وحلها مكروه، مثل: أن يحلف: ليصلين النوافل، وليصومن التطوع، وليتصدقن بصدقة التطوع.
والضرب الرابع: يمين عقدها مكروه، والإقامة عليها مكروهة، وحلها طاعة، مثل: أن يحلف: لا يفعل صلاة النافلة، ولا صوم التطوع، وصدقة التطوع. وإنما قلنا عقدها والمقام عليها مكروه؛ لأنه قد يمتنع من فعل البر خوف الحنث، وإنما كان حلها طاعة؛ لقوله ﷺ : «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها.. فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه» .
стр. 5352
فإن قيل: فكيف يكون عقدها والمقام عليها مكروها، وقد «سمع النبي ﷺ الأعرابي الذي سأله عن الصلاة، فقال: هل علي غيرها؟ فقال: " لا، إلا أن تطوع "، فقال: والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص منه» ولم ينكر عليه؟
قلنا: يحتمل أنه لما حلف: أنه لا يزيد ولا ينقص.. تضمنت يمينه تركا لما هو معصية وما هو طاعة، وهو ترك النقصان عنها، فلذلك لم ينكره.
ويحتمل أن يكون لسانه سبقه إلى اليمين، وعلمه النبي ﷺ ، فلم ينكر عليه؛ لأنه لغو.
ويحتمل أن النبي ﷺ لم ينكر عليه؛ ليدل على أن ترك التطوع جائز وإن كانت اليمين مكروهة، وقد كان النبي ﷺ يفعل المكروه - كالالتفات في الصلاة - ليدل على الجواز.
والضرب الخامس: يمين عقدها مباح، والمقام عليها مباح، واختلف أصحابنا في حلها، وذلك مثل: أن يحلف: لا دخلت هذه الدار، أو لا سلكت هذه الطريق. وإنما كان عقدها والمقام عليها مباحا؛ لأنه مباح له ترك دخول الدار، وترك سلوك الطريق، وهل حلها أفضل له، أو المقام عليها؟ فيه وجهان:
стр. 5353
[الأول] : من أصحابنا من قال: المقام عليها أفضل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] [النحل: ٩١] .
و [الثاني] : منهم من قال: حلها أفضل؛ لأنه إذا أقام على اليمين.. منع نفسه من فعل ما أبيح له، واليمين لا تغير المحلوف عليه عن حكمه.
وإن حلف: لا يأكل الطعام اللين، ولا يلبس الثوب الناعم.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو اختيار الشيخ أبي حامد -: أن هذه يمين عقدها مكروه؛ والمقام عليها مكروه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] [الأعراف: ٣٢] .
الثاني - وهو اختيار القاضي أبي الطيب -: أن هذه يمين عقدها طاعة والمقام عليها طاعة؛ لأن السلف ﵃ كانوا يقصدون ترك الطيب من الطعام؛ ولهذا قال عمر ﵁: (لو شئت أن يدهمق لي.. لفعلت، ولكن الله عاب قوما، فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] [الأحقاف: ٢٠] ) . و (الدهمقة) : لين الطعام وطيبه.
وهو شبيه بحديثه الآخر: أنه قال: (لو شئت.. لدعوت بصلاء، وصناب، وصلائق، وكراكر، وأسنمة، وأفلاذ) ، و (الصلاء) : اللحم المشوي، و (الصناب) : الخردل بالزيت، و (الصلائق) : ما سلق من البقول وغيرها،
стр. 5354
وتسمى: السلائق، بالسين، و (الكراكر) : الإبل، و (الأسنمة) : أسنمة الإبل. و (الأفلاذ) : قطع الكبد. هذا مذهبنا.
ومن الناس من قال: عقد اليمين مكروه بكل حال؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] [البقرة: ٢٢٤] .
ودليلنا: قوله ﷺ : «والله لأغزون قريشا» ، وكان يحلف كثيرا، ولو كان مكروها.. لما كرر فعله.
وأما الآية: فتأويلها: أن يحلف على ترك البر والتقوى؛ كقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ [النور: ٢٢] الآية [النور: ٢٢] .
إذا ثبت هذا: وحلف على شيء مما ذكرناه، وحنث.. وجبت عليه الكفارة.
ومن الناس من قال: إن كان الحنث طاعة.. لم تجب عليه الكفارة.
ودليلنا: قوله ﷺ : «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها.. فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه» .
[مسألة: الحلف بغير أسمائه تعالى وصفاته]
مكروه] : قال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: (ومن حلف على شيء بغير الله.. فهي يمين مكروهة) .
стр. 5355
وجملة ذلك: أنه إذا حلف بغير الله؛ بأن حلف بأبيه، أو بالنبي ﷺ ، أو بالكعبة، أو بأحد من الصحابة.. فلا يخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يقصد بذلك قصد اليمين، ولا يعتقد في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده بالله تعالى، فهذا يكره له ذلك، ولا يكفر؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون» .
وروي «أن النبي ﷺ أدرك عمر ﵁ وهو في ركب، وهو يحلف بأبيه، فقال له النبي ﵇: " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا.. فليحلف بالله، أو ليسكت ". قال عمر: فما حلفت بها بعد ذلك ذاكرا ولا آثرا» .
فمعنى قوله: (ذاكرا) أذكره عن غيري.
ومعنى قوله: (آثرا) أي: حاكيا عن غيري، يقال: آثر الحديث: إذا رواه.
ولأنه يوهم في الظاهر التسوية بين المحلوف به وبين الله ، فكره.
القسم الثاني: أن يحلف بذلك، ويقصد قصد اليمين، ويعتقد في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله، فهذا يحكم بكفره؛ لما روى ابن عمر: أن النبي ﷺ قال:
стр. 5356
«من حلف بغير الله.. فقد كفر» . وروي: " فقد أشرك ".
القسم الثالث: أن يجري ذلك على لسانه من غير قصد إلى الحلف به.. فلا يكره، بل يكون بمعنى لغو اليمين، وعلى هذا يحمل «قول النبي ﷺ للأعرابي الذي قال: والله لا أزيد عليها ولا أنقص، فقال النبي ﷺ : " أفلح وأبيه إن صدق» ، وكذا «قوله ﵊ في خبر أبي العشراء الدارمي: " وأبيك، لو طعنت في فخذها.. لأجزأك» .
فإن قيل: فقد ورد في القرآن أقسام كثيرة بغير الله؟
فالجواب: أن الله تعالى أقسم بمصنوعاته الدالة على قدرته تعظيما له تعالى لا لها.
إذا ثبت هذا: فإن حلف بالنبي ﷺ أو بالكعبة، وحنث.. لم تلزمه كفارة، وبه قال مالك، وأبو حنيفة.
стр. 5357
وقال أحمد: (إذا حلف بالنبي ﷺ وحنث.. وجبت عليه الكفارة) .
دليلنا: أنه حلف بمخلوق، فلم تلزمه بالحنث به الكفارة، كما لو حلف بالكعبة.
وإن قال: إن فعلت كذا وكذا.. فأنا يهودي، أو نصراني، أو بريء من الله، أو من النبي ﷺ ، أو من الإسلام، أو مستحل للخمر، أو للميتة.. لم يكن يمينا، ولم تجب عليه الكفارة بالحنث به، وبه قال مالك، والأوزاعي، والليث.
وقال أبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وإسحاق: (هي يمين، وتجب عليه الكفارة بالحنث بها) .
دليلنا: ما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «من حلف على أنه بريء من الإسلام، فإن كان كاذبا.. فهو كما قال - وروي: فقد قال - وإن كان صادقا.. فلن يرجع إلى الإسلام سالما» . ولم يذكر الكفارة.
ولأنه لو قال: والإسلام.. لم يكن حالفا؛ لأنه يمين بمحدث، فهو كاليمين بالكعبة، فلأن لا يكون يمينا إذا حلف أنه بريء من الإسلام أولى.
[مسألة: من حلف بالله وحنث فعليه الكفارة]
] : قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (من حلف بالله، أو باسم من أسماء الله، فحنث.. فعليه الكفارة) .
وجملة ذلك: أن الحالف لا يخلو: إما أن يحلف باسم من أسماء الله، أو بصفة من صفاته.
فإن حلف باسم من أسماء الله.. فأسماء الله تعالى على ثلاثة أضرب:
أحدها: اسم الله، لا يشاركه فيه غيره، كقوله: والله، والرحمن، ومقلب
стр. 5358
القلوب، والإله، وخالق الخلق، وبارئ النسمة، والحي الذي لا يموت، والذي نفسي بيده، والأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والواحد الذي ليس مثله شيء، وما أشبه ذلك.
فإذا حلف بشيء من ذلك وحنث.. لزمته الكفارة؛ لأن هذه الأسماء لا يسمى بها غير الله، فانصرفت إلى الله، سواء نوى اليمين أو أطلق. هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : هي يمين إذا نوى بها اليمين أو أطلق، فإذا نوى بها غير اليمين.. لم يصدق في الحكم، وهل يصدق فيما بينه وبين الله تعالى؟ فيه وجهان.
والضرب الثاني: أسماء الله التي يشاركه في التسمية بها غيره، إلا أن الإطلاق ينصرف إلى الله تعالى، كقوله: والخالق، والرازق، والبارئ، والرب، والرحيم، والرؤوف، والقادر، والقاهر، والمالك، والجبار، والمتكبر.
стр. 5359
فإذا حلف بشيء من ذلك، فإن لم ينو بها غير الله.. كان يمينا؛ لأن إطلاق هذه الأسماء لا ينصرف إلا إلى الله، وإن نوى بها الله تعالى.. كان تأكيدا، وإن نوى بها غير الله.. لم تنعقد يمينه؛ لأنها قد تستعمل في غير الله تعالى مع التقييد؛ يقال: فلان خالق الكذب، قال الله تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] [العنكبوت: ١٧] ، وفلان يرزق فلانا: إذا كان ينفق عليه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] [النساء: ٨] ، وفلان بارئ العصا، وفلان رب فلان، أي: مالكه، قال الله تعالى: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ [يوسف: ٥٠] [يوسف: ٥٠] ، ويقال: فلان رحيم القلب، ورؤوف القلب، قال ﷺ : " إن الله رحيم يحب الرحماء "، ويقال:
стр. 5360
فلان قادر، وقاهر للعدو، ومالك للمال، وجبار متكبر.
والضرب الثالث: أسماء يسمى بها الله تعالى، ويسمى بها غيره، ولا ينصرف الإطلاق بها إلى الله، كقوله: والحي والموجود والعالم والمؤمن والكريم.
فإن حلف بشيء من ذلك.. اختلف أصحابنا فيه:
فقال الشيخ أبو إسحاق: لا تنعقد يمينه إلا أن ينوي بها الله تعالى؛ لأن هذه الأسماء مشتركة بين الله وبين الخلق، وتستعمل في الجميع استعمالا واحدا؛ فلم تنصرف إلى الله من غير نية، كالكنايات في الطلاق.
وقال الشيخ أبو حامد والمحاملي وابن الصباغ وأكثر أصحابنا: لا يكون يمينا، سواء نوى بها الله تعالى أو أطلق؛ لأن اليمين إنما تنعقد إذا حلف باسم معظم له حرمة، وهذه الأسماء ليست بمعظمة، ولا حرمة لها؛ لاشتراك الخالق والمخلوق بها اشتراكا واحدا. وهكذا إذا حلف بالشيء والمتكلم..
وإن حلف بصفة من صفات الله تعالى.. نظرت:
فإن حلف بعظمة الله، أو بجلاله، أو بعزته، أو بكبريائه، أو ببقائه، أو بمشيئته، أو بإرادته، أو بكلامه، أو بالقرآن، أو بعلمه ولم ينو به المعلوم، أو بقدرته ولم ينو به المقدور.. انعقدت يمينه؛ لأن هذه صفات الذات لم يزل موصوفا بها، فصار كما لو حلف بالله. هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : هي يمين إذا نوى بها اليمين أو أطلق، وإن نوى
следующие страницы →