← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

فإن أقام الولي شاهدين: أنه قتله وهو عاقل، وأقام القاتل شاهدين: أنه قتله وهو مجنون.. تعارضت البينتان وسقطتا. وإن اتفق الجاني والولي أنه قتله وهو زائل العقل، ولكن اختلفا بما زال به عقله: فقال الجاني: زال بالجنون، وقال الولي: بل زال بالسكر، وقلنا: يجب القصاص على السكران.. فالقول قول الجاني؛ لأنه أعرف بحاله، ولأن الأصل عدم وجوب القصاص عليه. [مسألة وجب قصاص في إصبع فقطع اثنتين] مسألة: [وجوب قصاص في إصبع فقطع اثنتين] : وإن وجب له القصاص في إصبع، فقطع له إصبعين، وقال المقتص: أخطأت، وقال المقتص منه: بل تعمدت.. فالقول قول المقتص مع يمينه؛ لأنه أعلم بفعله. وإن قال المقتص: حصلت الزيادة باضطراب الجاني، وقال الجاني: بل قطعتها عامدًا.. ففيه وجهان: أحدهما: القول قول الجاني؛ لأن الأصل عدم الاضطراب. والثاني: القول قول المقتص؛ لأن الأصل براءة ذمته من الضمان. [فرع جرح ثلاثة رجلًا فمات واختلفوا بأيها مات] ] : وإن جرح ثلاثة رجلًا ومات، فقال أحدهم: اندملت جراحتي ثم مات من جراحة الآخرين، وصدقه الولي، وكذبه الآخران، فإن كانت الجنايات موجبة للقصاص، فأراد الولي القصاص.. لم يؤثر تكذيب الآخرين؛ لأن القصاص يجب عليهما بكل حال. وإن عفا الولي عن القصاص إلى الدية، أو كانت الجنايات غير موجبة للقصاص.. قبل تصديق الولي في حق نفسه دون الآخرين؛ لأن عليهما في ذلك ضررًا؛ لأنه إذا مات من جراحة ثلاثة.. وجب على كل واحد منهم ثلث الدية، وإذا مات من جراحة اثنين.. وجب على كل واحد منهما نصف الدية.

стр. 6057

وإن قد رجلًا ملفوفًا، فقال الضارب: كان ميتًا، وقال الولي: بل كان حيًا.. ففيه قولان: أحدهما: القول قول الجاني؛ لأن الأصل براءة ذمته. والثاني: القول قول الولي؛ لأن الأصل فيه الحياة. [مسألة قطع عضو شخص ثم اختلفا بحاله] ] : وإن قطع رجل عضو رجل، ثم اختلفا: فقال الجاني: قطعته وهو أشل، وقال المجني عليه: قطعته وهو سليم.. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان: أحدهما: القول قول الجاني، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن الأصل براءة ذمته من الضمان. والثاني: القول قول المجني عليه، وهو قول أحمد؛ لأن الأصل سلامته من الشلل. ومنهم من قال: إن كان اختلافهما في الأعضاء الظاهرة، كاليد، والرجل، واللسان، والبصر، وما أشبهها.. فالقول قول الجاني، وإن كان اختلافهما في الأعضاء الباطنة، كالذكر، والأنثيين.. فالقول قول المجني عليه؛ لأن الأعضاء الظاهرة يمكن للمجني عليه إقامة البينة على سلامتها، فلم يقبل قوله في سلامتها، والباطنة لا يمكنه إقامة البينة على سلامتها، فقبل قوله في سلامتها، كما قلنا فيمن علق طلاق امرأته على دخول الدار.. فإنه لا يقبل قولها، ولو علق طلاقها على حيضها.. قبل قولها. فإذا قلنا: القول قول الجاني في الأعضاء الظاهرة، وإنما لا يكون ذلك إذا لم يقر الجاني: أن المجني عليه كان صحيحًا، فأما إذا أقر: أنه كان صحيحًا، ثم ادعى: أنه طرأ عليه الشلل وجنى عليه وهو أشل، وقال المجني عليه: بل كان صحيحا وقت الجناية.. ففيه قولان:

стр. 6058

أحدهما: القول قول الجاني مع يمينه؛ لأن البينة لا تتعذر على المجني عليه على سلامته، فلم يقبل قوله في سلامته. والثاني: القول قول المجني عليه؛ لأنهما قد اتفقا على سلامته قبل الجناية، والأصل بقاء سلامته، فلم يقبل قول الجاني. ومتى قلنا القول قول الجاني، فأراد المجني عليه إقامة البينة على سلامة العضو المجني عليه.. نظرت: فإن شهدت: أن الجاني جنى عليه وهو سليم.. قبلت. وإن شهدت عليه: أنه كان غير سليم قبل الجناية، فإن قلنا: إن الجاني إذا أقر بسلامته قبل الجناية فإن القول قوله.. لم تقبل هذه البينة، وإن قلنا هناك: القول قول المجني عليه.. قبلت؛ لأن المجني عليه يحتاج أن يحلف معها؛ لجواز أن يحدث عليها الشلل بعد الشهادة وقبل الجناية. [فرع أوضحه اثنتين وأزال الحاجز بينهما] ] : وإن أوضحه موضحتين ثم زال الحاجز بينهما، فقال الجاني: تأكَّل ما بينهما بجنايتي، فلا يلزمني إلا أرش موضحة، وقال المجني عليه: لم يتأكل ما بينهما، وإنما أنا خرقت ما بينهما أو جنى عليه آخر.. فالقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء وجوب الأرشين على الجاني. وإن أوضح رأسه، فقال الجاني: أوضحته موضحة، وقال المجني عليه: بل أوضحتني موضحتين، وأنا خرقت ما بينهما.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته مما زاد على أرش موضحة. وإن قطع إصبعه، ثم زال كفه، فقال المجني عليه: سرى القطع إليه، وقال

стр. 6059

الجاني: لم يسر إليه القطع، وإنما زال بسب آخر.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل عدم السراية. فأما إذا داوى المجني عليه موضع القطع، فقال الجاني: تأكَّلت بالدواء، وقال المجني عليه: تأكلت بالقطع.. سئل أهل الخبرة بذلك الدواء؟ فإن قالوا: إنه تأكل اللحم الميت والحي.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الظاهر أنه تأكل به. وإن قالوا: إنه تأكل الميت دون الحي.. فالقول قول المجني عليه مع يمينه، فإن لم يعرف ذلك.. فالقول قول المجني عليه مع يمينه أيضًا؛ لأنه أعلم بصفة الدواء، ولأن الظاهر أنه لا يداوي الجرح بما يضره ويزيد فيه. [مسألة قطع أطرافه الأربعة فمات] ] : فإن قطع رجل يدي رجل ورجليه، ومات المجني عليه، فقال الجاني: مات من الجناية، فلا يلزمني إلا دية واحدة، وقال الولي: بل اندملت الجراحتان، ثم مات بسبب آخر، فعليك ديتان.. فإن كان بين الجناية والموت زمان لا يمكن أن تندمل فيه الجراحات.. فالقول قول الجاني بلا يمين؛ لأنا قد علمنا صدقه. وحكى ابن الصباغ: أن الشيخ أبا حامد قال في " التعليق ": يحلف مع ذلك؛ لجواز أن يكون مات بحادث آخر، كلدغ الحية والعقرب. قال ابن الصباغ: والأول أولى؛ لأن الولي ما ادعى ذلك، وإنما ادعى الاندمال، وقد علم كذبه، فأما إذا ادعى: أنه مات بسبب آخر.. حلفنا الجاني؛ لإمكانه. وإن كان بينهما زمان لا تبقى إليه الجراحات غير مندملة، كالسنين الكثيرة.. فالقول قول الولي بلا يمين. وإن كان بينهما زمان يمكن أن تندمل فيه الجراحات ويمكن أن لا تندمل فيه.. فالقول قول الولي فيه مع يمينه؛ لأن الديتين قد وجبتا بالقطع، وشك في سقوط إحداهما بالاندمال، والأصل بقاؤهما. وإن أقام الجاني بينة: أنه لم يزل ضمنًا من حين الجراحة إلى أن مات.. القول قوله مع يمينه، ولا يجب عليه إلا دية؛ لأن الظاهر أنه مات من الجنايتين.

стр. 6060

وإن اختلفا في مضي مدة تندمل في مثلها الجراحات.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل عدم مضيها. وإن كان بينهما زمان لا تندمل في مثله الجراحات، وادعى الولي: أنه مات بسبب آخر، بأن قال: ذبح نفسه أو ذبحه آخر، وقال الجاني: بل مات من سراية الجناية.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو قول أبي إسحاق المروزي -: أن القول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء الجناية وحصول الموت منها. والثاني - وهو قول أبي علي الطبري -: أن القول قول الولي مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء الديتين. وإن قطع يده، ثم مات، فقال الولي: مات من سراية الجناية، فعليك الدية، وقال الجاني: بل اندملت الجناية، ثم مات بسبب آخر، فلا يلزمني إلا نصف الدية، فإن لم يمض من الزمان ما تندمل في مثله الجراحات.. فالقول قول الولي؛ لأن الظاهر أنه مات من سراية الجناية، وهل يحلف على ذلك؟ يحتمل وجهين: أحدهما: يحلف؛ لجواز أن يكون قتله آخر، أو شرب سمًا، فمات منه. والثاني: لا يحلف، كما قال ابن الصباغ في التي قبلها؛ لأنا قد علمنا كذب الجاني، ولأنه لم يدع الموت في ذلك، وإنما ادعى الاندمال. وإن كان قد مضى من الزمان ما تندمل في مثله الجراحات، فإن كان مع الولي بينة: أنه لم يزل ضمنًا من حين الجناية إلى الموت.. فالقول قول الولي مع يمينه؛ لأن الظاهر أنه مات بذلك، وإن لم يكن معه بينة على ذلك.. فالقول قول الجاني، وهل يلزمه اليمين؟ يحتمل الوجهين في التي قبلها. وإن مضى زمان يمكن أن تندمل في مثله الجراحات ويمكن أن لا تندمل.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته مما زاد على نصف الدية. وإن قطع يده، ومات في زمان لا تندمل فيه الجراحة، فقال الولي: مات من سراية الجناية، فعليك الدية، وقال الجاني: بل شرب سمًا، فمات منه، أو قتله آخر.. ففيه وجهان، كالتي قبلها.

стр. 6061

[مسألة جنى على عين إنسان واختلفا في وجود الرؤية بها] ] : وإن جنى على عين رجل، ثم اختلفا: فقال الجاني: جنيت عليها وهو لا يبصر بها، وقال المجني عليه: بل كنت أبصر بها.. نظرت: فإن قال الجاني: خلقت عمياء لا يبصر بها.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأنه لا يتعذر على المجني عليه إقامة البينة على أنه كان يبصر بها. وإن قال الجاني: قد كان يبصر بها، ولكن طرأ عليها العمى قبل الجناية.. ففيه قولان، كما قلنا في الجاني إذا أقر بصحة العضو، ثم ادعى: أن الشلل طرأ عليه قبل الجناية. وإذا أراد المجني عليه أن يقيم البينة: أنه كان يبصر بها.. فيكفي الشاهدين أن يشهدا: أنه كان يبصر بها، ويسوغ لهما أن يشهدا بذلك إذا رأياه يبصر الشخص ويتبعه في النظر، كلما عطف الشخص جهة.. أتبعه ببصره، أو يتوقى البئر إذا أتاها، أو يغمض عينه إذا جاء إنسان يتحسسها؛ لأن الظاهر ممن فعل هذا أنه يبصر، ويسعهما أن يشهدا على سلامة اليد إذا رأياه يرفع بها ويضع. وليس للحاكم أن يسألهما إذا شهدا لرجل عن الجهة التي تحملا بها الشهادة على ذلك، كما ليس له أن يسألهما إذا شهدا لرجل بملك عين عن الجهة التي علما بها ملكه. [فرع جنى على عين فذهب نور بصرها] ] : وإن جنى على عين رجل، فذهب ضوؤها، وقال أهل الخبرة: إنه يرجى عوده إلى مدة، فمات المجني عليه، وادعى الجاني: أن ضوءها قد عاد قبل موته، وقال الولي: لم يعد.. فالقول قول الولي مع يمينه؛ لأن الأصل عدم العود، فيحلف: أنه لا يعلم أن ضوء عين مورثه قد عاد؛ لأنه يحلف على نفس فعل غيره. وإن جنى على عين رجل جناية ذهب بها ضوء عينه وبقيت الحدقة، ثم جاء آخر، فقلع الحدقة، فادعى الجاني الأول: أن الثاني قلع الحدقة بعد أن عاد ضوؤها، وقال الجاني الثاني: قلعتها قبل عود ضوئها، فإن صدق المجني عليه الجاني الأول.. قبل تصديقه في حق الأول؛ لأن ذلك يتضمن إسقاط حقه عنه، ولا يقبل قوله على

стр. 6062

الثاني؛ لأن ذلك يوجب الضمان عليه، والأصل براءة ذمته من الضمان، فيحلف الثاني: أنه قلعها قبل أن عاد ضوؤها، ولا يلزمه إلا الحكومة. [مسألة جنى على أذن فأذهب سمعها] ] : وإن جنى على أذنه جناية، وادعى المجني عليه: أنه ذهب بها سمعه، وكذبه الجاني.. فإن المجني عليه يراعى أمره في وقت غفلاته، فإن كان يضطرب عند صوت الرعد، أو إذا صيح به وهو غافل أجاب أو اضطرب أو ظهر منه شيء يدل على أنه سامع.. فالقول قول الجاني؛ لأن الظاهر أنه لم يذهب سمعه، ويحلف الجاني: أنه لم يذهب سمعه؛ لجواز أن يكون ما ظهر منه اتفاقًا لا أنه يسمع. وإن كان لا يضطرب لصوت الرعد، ولا يجيب إذا صيح به مع غفلته ولا يضطرب لذلك.. فالقول قول المجني عليه؛ لأن الظاهر أنه لا يسمع، ويحلف: أنه قد ذهب سمعه؛ لجواز أن يكون قد تصنع لذلك. وإن ادعى: أنه ذهب سمعه في إحدى الأذنين دون الأخرى.. سدت الصحيحة، وأطلقت العليلة، وامتحن في أوقات غفلاته على ما ذكرناه. وإن ادعى: أنه نقص سمعه بالجناية ولم يذهب.. فالقول قوله مع يمينه في قدر نقصه؛ لأنه لا يتوصل إلى معرفة ذلك إلا من جهته. [فرع جنى على منخريه فادعى ذهاب شمه] ] : وإن جنى على أنفه جناية، فادعى المجني عليه: أنه ذهب بها شمه، وأنكر الجاني: أنه لم يذهب شمه.. قربت إليه الروائح الطيبة والمنتنة في أوقات

стр. 6063

غفلاته، فإن هش إلى الروائح الطيبة وعبس للروائح المنتنة.. فالقول قول الجاني مع يمينه، وإن لم يظهر منه ذلك.. فالقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لما ذكرناه في السمع. وإن ادعى ذهاب شمه من أحد المنخرين، أو ادعى نقصان شمه.. فعلى ما ذكرناه في السمع. وإذا حلف المجني عليه: أن سمعه أو شمه قد ذهب بالجناية، وأخذ الدية، فاضطرب عند صوت رعد، فإن ادعى الجاني: أن سمعه قد عاد، أو ارتاح إلى رائحة طيبة، أو غطى أنفه عند رائحة منتنة، فادعى الجاني: أن شمه قد عاد، وادعى المجني عليه: أنه لم يعد.. فالقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لأن الأصل عدم عوده، وما ظهر منه.. يحتمل أن يكون اتفاقًا، أو غطى أنفه لغبار أو لريح دخل بها. [فرع قطع لسان امرئ وادعى بكمه] ] : وإن قطع لسان رجل، فادعى الجاني: أنه كان أبكم قبل الجناية، وادعى المجني عليه: أنه لم يكن أبكم.. نظرت: فإن ادعى الجاني: أنه خلق أبكم.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأنه لا يتعذر على المجني عليه إقامة البينة على الكلام. وإن أقر الجاني: أنه كان يتكلم بلسانه، وادعى: أن البكم طرأ عليه قبل الجناية.. ففيه قولان، كما قلنا فيمن أقر بصحة العضو، وادعى طريان الشلل عليه قبل الجناية. وإن جنى على ظهره، فادعى المجني: أنه ذهب بذلك جماعه، وأنكر الجاني.. فالقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لأنه لا يتوصل إلى العلم بذلك إلا من جهته. [مسألة ادعت إسقاط جنين ميت من ضربه] إذا أسقطت امرأة جنينًا ميتًا، فادعت على إنسان: أنه ضربها وأسقطت من ضربته، فإن أنكر الضرب، ولا بينة.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم

стр. 6064

الضرب، وإن أقر بالضرب، وأنكر: أنها أسقطت جنينًا.. فعليها أن تقيم البينة بأنها أسقطت جنينًا؛ لأنه يمكنها إقامة البينة على ذلك، فإن لم يكن معها بينة.. فالقول قول الضارب مع يمينه؛ لأنه لا يعلم أنها أسقطت جنينًا؛ لأن الأصل عدم الإسقاط. وإن أقامت البينة: أنها أسقطت جنينًا، أو أقر الضارب: أنها أسقطت جنينًا، إلا أنه أنكر: أنها أسقطته من ضربه.. نظرت: فإن أسقطت عقيب الضرب، أو بعد الضرب بزمان، إلا أنها بقيت متألمة من حين الضرب إلى أن أسقطت.. فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الظاهر أنها أسقطته من ضربه. وإن أسقطته بعد الضرب بزمان وكانت غير متألمة بعد الضرب.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته من الضمان. وإن اختلفا: فادعت: أنها بقيت متألمة بعد الضرب إلى أن أسقطت، وأنكر ذلك، ولا بينة لها على التألم.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم التألم. [فرع أسقطت من ضربه جنينًا ثم مات] ] : فإن أسقطت من ضربه جنينًا حيًا، ثم مات، فقال ورثة الجنين: مات من الضرب، وقال الجاني: مات بسبب آخر، فإن مات عقيب الإسقاط، أو بعد الإسقاط بزمان إلا أنه بقي متألمًا إلى أن مات.. فالقول قول ورثة الجنين مع أيمانهم؛ لأن الظاهر أنه مات من الضرب، وإن مات بعد الإسقاط بزمان وكان غير متألم بعد الإسقاط.. فالقول قول الضارب مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته من الضمان. وإن اختلفوا في تألمه.. فالقول قول الضارب مع يمينه؛ لأن الأصل عدم تألمه. وإن ادعى ورثة الجنين: أنه سقط حيًا ومات من الضرب، وقال الجاني: بل سقط ميتًا.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الحياة فيه، فإن أقام ورثته بينة: أنه سقط حيًا، وأقام الجاني أو عاقلته بينة: أنه سقط ميتًا.. قدمت بينة ورثة الجنين؛ لأن معها زيادة علم.

стр. 6065

وإن أسقطت من ضربه جنينًا حيًا، ومات من الضرب، فقال ورثة الجنين: إنه كان ذكرًا، فعليك دية ذكر، وقال الجاني: بل كان أنثى.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته مما زاد على دية أنثى. وإن أسقطت من ضربه جنينين ذكرًا وأنثى، فاستهل أحدهما ومات من الضرب، وأحدهما سقط ميتًا، فإن عرف المستهل منهما.. وجبت فيه الدية الكاملة، وفي الآخر الغرة، وإن لم يعرف المستهل منهما.. لم يلزم العاقلة إلا دية أنثى وغرة عبد أو أمة؛ لأنه اليقين، وما زاد مشكوك فيه. [مسألة ادعى قتلًا يثبت الدية فكذبته العاقلة] ] : وإن ادعى على رجل قتلًا تثبت فيه الدية على عاقلته، فإن أقر بذلك، وكذبته العاقلة.. كانت الدية في ماله؛ لما روى ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «لا تحمل العاقلة عمدًا، ولا عبدًا، ولا صلحًا، ولا اعترافًا» ، ولأنا لو قبلنا إقراره على العاقلة.. لم يؤمن أن يواطئ من يقر له بقتل الخطأ؛ ليدخل الضرر على عاقلته، فلم يقبل إقراره. فإن ضرب بطن امرأة، فأسقطت من ضربه جنينًا، فادعى ورثة الجنين: أنه سقط حيًا ومات من ضربته، وصدقهم الجاني، وقالت العاقلة: بل سقط ميتًا.. فالقول قولهم مع أيمانهم، فإذا حلفوا.. لم يلزمهم أكثر من قدر الغرة، ويجب تمام الدية في مال الجاني؛ لأنه وجبت باعترافه. وهكذا: لو أسقطت جنينًا حيًا، ومات من الضرب، فقال ورثة الجنين: كان ذكرًا، وصدقهم الجاني، وقالت العاقلة: بل كان أنثى.. فالقول قول العاقلة مع أيمانهم، فإذا حلفوا.. لم يلزمهم إلا دية امرأة، ووجب في مال الجاني تمام دية الرجل؛ لأنه وجب باعترافه. [فرع في قتل العمد يجب الحوامل من الإبل] ] : إذا وجب على قاتل العمد الخلفات، فأحضر إبلا ليدفعها، وقال: هن

стр. 6066

خلفات، وقال الولي: ليست بخلفات.. عرضت على أهل الخبرة بالإبل، فإن قالوا: هن حوامل.. كلف الولي أخذها، وإن قالوا: ليست بحوامل.. كلف الجاني إحضار الحوامل ودفعهن. فإن أخذ الولي الإبل - بقول أهل الخبرة: إنهن حوامل - أو اتفق هو والقاتل: أنهن حوامل، فإن صح أنهن حوامل.. فقد استوفى حقه، وإن خرجن غير حوامل.. نظرت: فإن كانت الإبل حاضرة ولم يغيبها.. كان للولي ردها والمطالبة بحوامل. وإن كان الولي قد غيبها مدة يمكن أن تضع فيها، فقال القاتل: كن حوامل وقد وضعن في يدك، وقال الولي: لم يكن حوامل، فإن كان الولي قد أخذ الإبل باتفاقهما لا بقول أهل الخبرة.. فالقول قول الولي مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الحمل، وإن كان قد أخذها بقول أهل الخبرة.. ففيه وجهان: أحدهما: القول قول الولي مع يمينه؛ لأن أهل الخبرة إنما يخبرون من طريق الظن والاستدلال، ويجوز أن لا يكون صحيحًا، فكان القول قول الولي مع يمينه، كما لو أخذها الولي باتفاقهما. والثاني: أن القول قول الجاني مع يمينه؛ لأنا قد حكمنا بكونها حوامل بقول أهل الخبرة، فإذا ادعى الولي: أنها ليست بحوامل.. كان قوله مخالفًا للظاهر، فلم يقبل قوله. وبالله التوفيق

стр. 6067

[باب كفارة القتل] الأصل في وجوب الكفارة في القتل: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] الآية [النساء: ٩٢] . فذكر الله تعالى في الآية ثلاث كفارات. إحداهن: إذا قتل مسلم مسلمًا في دار الإسلام؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] [النساء: ٩٢] . الثانية: إذا قتل مؤمنًا في دار الحرب، بأن كان أسيرًا في صفهم أو مقيمًا باختياره؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] [النساء: ٩٢] . ومعناه: في قوم عدو لكم. والثالثة: إذا قتل ذميًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] [النساء: ٩٢] . إذا ثبت هذا: فظاهر الآية أنه ليس له أن يقتله عمدًا، وله قتله خطأ؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات. قال الشيخ أبو حامد: ولا خلاف بين أهل العلم أن قتل الخطأ محرم كقتل العمد، إلا أن قتل العمد يتعلق به الإثم، وقتل الخطأ لا إثم فيه. واختلف أصحابنا في تأويل قوله: ﴿إِلا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] : فمنهم من قال: هو استثناء مقطوع من غير الجنس، فيكون تقديره: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ، معناه: لكن إن قتله خطأ.. فتحرير رقبة؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ [النساء: ٢٩] [النساء: ٢٩] . وتقديره: لكن كلوا بالتجارة؛ لأنه لو كان استثناء من الجنس.. لكان تقديره: إلا أن تكون تجارة بينكم عن تراض منكم.. فكلوها بالباطل، وهذا

стр. 6068

لا يجوز. ومنهم من قال: هو استثناء من مضمر محذوف، فيكون تقديره: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا، فإن قتله.. أثم، إلا أن يكون خطأ، فاستثنى الخطأ من الإثم المحذوف المضمر في الآية. ومنهم من قال: تأويل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] بمعنى: ولا خطأ؛ كقوله تعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] [البقرة: ١٥٠] . يعني: ولا الذين ظلموا منهم. قال ابن الصباغ: وهذا التأويل بعيد؛ لأن الخطأ لا يتوجه إليه النهي. قال: وقول الشيخ أبي حامد: إن قتل الخطأ محرم لا إثم فيه.. مناقضة؛ لأن حد المحرم ما يأثم فيه، والخطأ لا يوصف بالتحريم ولا بالإباحة، كفعل المجنون والبهيمة. [مسألة القتل بأنواعه تجب فيه كفارة] ] : وإن قتل من يحرم قتله لحق الله تعالى عمدًا، أو خطأ، أو عمد خطأ.. وجبت عليه بقتله الكفارة، وبه قال الزهري. وقال ربيعة، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: (تجب الكفارة بقتل الخطأ، ولا تجب بقتل العمد المحض، ولا بعمد الخطأ) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] [النساء: ٩٢] . فنص على وجوب الكفارة في قتل الخطأ؛ لينبه بذلك على وجوبها في العمد المحض وعمد الخطأ؛ لأن الخطأ أخف حالًا من قتل العمد؛ لأنه لا قود فيه ولا إثم، والدية فيه مخففة، فإذا وجبت فيه الكفارة.. فلأن تجب في قتل العمد المحض وعمد الخطأ أولى. «وروى واثلة بن الأسقع، قال: أتينا النبي ﷺ في صاحب لنا قد استوجب النار بالقتل، فقال النبي ﷺ : " أعتقوا عنه رقبة.. يعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار» . ولا يستوجب النار إلا في قتل العمد.

стр. 6069

وروي: «أن عمر ﵁ وأرضاه قال: يا رسول الله، إني وأدت في الجاهلية؟ فقال النبي ﷺ : " أعتق بكل موءودة رقبة» و (الموءودة) : البنت المقتولة عندما تولد، كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك مخافة العار والفقر. ولأنه حيوان يضمن بالكفارة إذا قتل خطأ، فوجب أن يضمن بالكفارة إذا قتل عمدًا، كالصيد. وعكسه المرتد، فإن قتل نساء أهل الحرب وذراريهم.. لم تجب عليه الكفارة؛ لأن قتلهم إنما حرم لحق المسلمين لا لحق الله، فلم تجب به الكفارة، كما لو ذبح بهيمة غيره بغير إذنه.

стр. 6070

[فرع تجب الكفارة في قتل العبد والذمي والمعاهد] ] : وإن قتل عبدًا لنفسه أو لغيره، أو قتل ذميًا أو معاهدًا.. وجبت عليه الكفارة. وقال مالك رحمة الله عليه: (لا تجب في ذلك كله الكفارة) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] [النساء: ٩٢] . وهذا عام في الحر والعبد. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] [النساء: ٩٢] . وهذا يقع على الذمي والمعاهد. ولأنه آدمي يجري القصاص بينه وبين نظيره، فوجبت بقتله الكفارة، كالحر المسلم. وإن قتل نفسه.. وجبت الكفارة عليه في ماله. وقال بعض أصحابنا الخراسانيين: لا تجب الكفارة. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] [النساء: ٩٢] . وهذا عام. ولأنه يحرم عليه قتل نفسه، بل لا يجوز له قتل نفسه بحال، فإذا وجبت عليه الكفارة بقتل غيره.. فلأن تجب بقتل نفسه أولى. [فرع ضرب بطن امرأة فألقت جنينًا فعليه كفارة] ] : وإن ضرب بطن امرأة، فألقت من ضربه جنينًا ميتًا.. وجبت عليه الكفارة، وبه قال عمر ﵁ وأرضاه، والزهري، والنخعي، والحسن، والحكم ﵏.

стр. 6071

وقال أبو حنيفة: (لا تجب فيه الكفارة) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] [النساء: ٩٢] . وقد حكمنا للجنين بالإيمان تبعًا لأبويه، فيكون داخلًا في عموم الآية. ولأنه آدمي محقون الدم بحرمته، فوجبت فيه الكفارة كغيره. فقولنا: (آدمي) احتراز من غير الآدمي من الحيوان. وقولنا: (محقون الدم) احتراز من المرتد، والحربي، ومن جاز له قتله. وقولنا: (لحرمته) احتراز من نساء أهل الحرب وذراريهم، فإنه ممنوع من قتلهم لا لحرمتهم، ولكن لحق الغانمين. [فرع الكفارة فيمن حرم قتله لِحَقِّه ﵎] ] : وإن قتل من يحرم قتله لحقِّ الله تعالى بسبب يجب به ضمانه، بأن حفر بئرًا في غير ملكه متعديًا، فسقط فيها إنسان ومات.. وجبت عليه الكفارة. وقال أبو حنيفة: (لا تجب الكفارة إلا بالمباشرة) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] [النساء: ٩٢] . ولم يفرق بين أن يقتله بالمباشرة أو بالسبب. ولأنه قتل آدميًا ممنوعًا من قتله لحرمته، فوجبت عليه الكفارة، كما لو قتله بالمباشرة. [فرع وجوب الكفارة على القاتل ولو صبيًا أو كافرًا] ] : وإن كان القاتل صبيًا أو مجنونًا أو كافرًا.. وجبت عليه الكفارة. وقال أبو حنيفة: (لا تجب على واحد منهم الكفارة) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] [النساء: ٩٢] . ولم يفرق بين أن يكون القاتل صبيًا أو مجنونًا أو كافرًا.

стр. 6072

فإن قيل: الصبي والمجنون لا يدخلان في الخطاب؟ قلنا: إنما لا يدخلان في خطاب المواجهة، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] [الأحزاب: ٧٠] ، ويدخلان في خطاب الإلزام، كقوله ﷺ : «وفي كل أربعين شاةً شاةٌ» . وروي: «أن عمر ﵁ وأرضاه قال: يا رسول الله، إني وأدت في الجاهلية؟ فقال النبي ﷺ : " أعتق بكل موؤدة رقبة» . وهذا نص في إيجاب الكفارة على الكافر. ولأنه حق مال يتعلق بالقتل، فتعلق بقتل الصبي والمجنون، كالدية. ولأن الكفارة تجب على المسلم للتكفير، وعلى الكافر عقوبة، كما أن الحدود تجب على المسلم كفارات، وعلى الكافر عقوبة. [فرع يكفر جماعة قتلوا إنسانًا] إذا اشترك جماعة في قتل واحد.. وجب على كل واحد منهم كفارة. قال عثمان البتي: تجب عليهم كفارة واحدة. وحكى أبو علي الطبري: أن هذا قول آخر للشافعي ﵀؛ لأنها كفارة تتعلق بالقتل، فإذا اشترك الجماعة في سببها.. وجبت عليهم كفارة واحدة، كما لو اشتركوا في قتل صيد. والأول هو المشهور؛ لأنها كفارة وجبت لا على سبيل البدل عن النفس، فوجب أن تكون على كل واحد من الجماعة إذا اشتركوا في سببها ما كان يجب على الواحد إذا انفرد، ككفارة الطيب للمحرم. وقولنا: (لا على سبيل البدل) احتراز من جزاء الصيد. [مسألة كفارة القتل] ] : و (كفارة القتل) : عتق رقبة مؤمنة لمن وجدها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]

стр. 6073

[النساء: ٩٢] . ولا خلاف في ذلك. فإن لم يجد الرقبة.. وجب عليه صوم شهرين متتابعين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] [النساء: ٩٢] . فإن لم يقدر على الصوم.. ففيه قولان: أحدهما: يجب عليه أن يطعم ستين مسكينًا؛ لأن الله تعالى ذكر الإطعام في كفارة الظهار، ولم يذكره في كفارة القتل، فوجب أن يحمل المطلق في القتل على المقيد في الظهار، كما قيد الله الرقبة في القتل بالإيمان، وأطلقها في كفارة الظهار، فحمل مطلق الظهار على مقيد القتل. والثاني: لا يجب عليه الإطعام، وهو الأصح؛ لأن الله تعالى أوجب الرقبة في كفارة القتل، ونقل عنها إلى صوم الشهرين، ولم ينقل إلى الإطعام، فدل على: أن هذا جميع الواجب فيها. وما ذكره الأول.. فغير صحيح. ولأن المطلق إنما يحمل على المقيد إذا كان

стр. 6074

الحكم مذكورًا في موضعين، إلا أنه قيده في موضع بصفة، وأطلقه في الموضع الآخر، كما ذكر الله تعالى الرقبة في كفارة القتل مقيدة بالإيمان، وذكرها في الظهار مطلقة، فحمل مطلق الظهار على مقيد القتل، وكما ذكر الله تعالى اليدين في الطهارة وقيدهما إلى المرفقين، وذكرهما في التيمم مطلقًا، فحمل مطلق التيمم فيهما على ما قيده فيهما في الطهارة. وهاهنا الإطعام لم يذكره في الموضعين، وإنما ذكره في الظهار، فلم يجز نقل حكمه إلى كفارة القتل، كما لم يجز نقل حكم مسح الرأس وغسل الرجلين إلى التيمم، وحكم الرقبة والصوم والإطعام إذا أوجبناه، على ما قد تقدم في كفارة الظهار. والله أعلم بالصواب

стр. 6075

[كتاب قتال أهل البغي] يجب نصب الإمام. وقال بعض المتكلمين: لو تكافَّ الناس عن الظلم.. لم يجب نصب الإمام. وهذا خطأ؛ لأن الصحابة ﵃ وأرضاهم اجتمعوا على

стр. 6076

نصب الإمام. ولأن الظلم من طبع الخلق، وإنما تظهره القدرة ويخفيه العجز. ولأنهم وإن تكافُّوا عن الظلم فإنه يفتقر إليه لتجهيز الجيوش في جهاد الكفار، وأخذ الجزية والصدقة ووضعها في مواضعها. إذا ثبت هذا: فمن شرط الإمام: أن يكون ذكرا، بالغا، عاقلا، مسلما، عدلا، عالما من الفقه ما يخرجه عن أن يكون مقلدا؛ لأن هذه الشروط تعتبر في حق القاضي.. فلأن تعتبر في حق الإمام أولى. ومن شروط الإمام: أن يكون شجاعا له تدبير وهداية إلى مصالح المسلمين؛ لأنه لا يكمل لتحمل أعباء الأمة إلا بذلك.

стр. 6077

ومن شرطه: أن يكون قرشيا، من أي بيوت قريش كان. وقال أبُو المعالي الجويني: من أصحابنا من يجوز أن يكون من غير قريش. وهذا خطأ؛ لقوله ﷺ : «الأئمة من قريش» . ولأن الأمة أجمعت على ذلك. قال القاضي أبُو الفتوح: ومن شرطه: أن لا يكون أعمى، ويجوز أن يكون النَّبي أعمى؛ لأن شعيبا ﷺ كان أعمى.

стр. 6078

فإذا اجتمعت في الرجل شروط الإمامة.. فإن الإمامة لا تنعقد إلا بأن يستخلفه الإمام الذي كان قبله، أو بأن لم يكن هناك إمام فيقهر الناس بالغلبة، أو بأن يعقد له الإمامة أهل الحل والعقد، ولا يلتفت إلى إجماع العامة على عقده؛ لأنهم أتباع لأهل الاجتهاد. قال الشيخُ أبُو إسحاق في " التنبيه ": ولا ينعقد إلا بعقد جماعة من أهل الحل والعقد. ومقتضى كلامه: أن أقلهم ثلاثة؛ لأن ذلك أقل الجمع عندنا. وقال القاضي أبُو الفتوح: ينعقد بعقد واحد من أهل الحل والعقد. ومن شرط العاقد: أن يكون ذكرا، بالغا، عاقلا، مسلما، عدلا، مجتهدا. وهل من شرط العقد أن يكون بحضرة شاهدين؟ فيه وجهان. ومن شرط العاقد والشاهد إذا اعتبرناه: أن يكون عدلا ظاهرا وباطنا؛ لأنه لا يشق مراعاة ذلك فيهما. ولا يجوز نصب إمامين. وقال الجويني: يجوز عقد الإمامة لإمامين في صقعين متباعدين. وهذا خطأ؛ لإجماع الأمة: أن ذلك لا يجوز. فإن عقدت الإمامة لرجلين: فإن علم السابق منهما.. صح العقد الأول، وبطل العقد الثاني، ثم ينظر في الثاني: فإن عقد له مع الجهل بالأول، أو مع العلم به لكن بتأويل سائغ.. لم يعزر المعقود له ولا العاقد، وإن عقد للثاني مع العلم بالأول من غير تأويل

стр. 6079

سائغ.. عزر العاقد والمعقود له؛ لما رُوِي: أن النَّبي ﷺ قال: «إذا بويع لخليفتين.. فاقتلوا الآخر منهما» . وقال عمر ﵁ وأرضاه: (من دعا إلى إمارة نفسه أو غيره.. فاقتلوه) . قال الخطابي: ولم يرد القتل، وإنما أراد: اجعلوه كمن مات أو قتل، فلا تقبلوا له قولا. وقيل: أراد: اخلعوا الثاني وأَلغوا بيعته؛ حتى يكون في عداد من قتل. وإن وقع العقدان معا.. بطلا، ويستأنف العقد لأحدهما. والمستحب: أن يعقد لأفضلهما وأصلحهما، فإن عقدت الإمامة للمفضول.. صح، كما يصح في إمامة الصلاة أن يؤم من يصلح للإمامة وإن كان هناك من هو أولى منه بها.

стр. 6080

وإن تيقن سبق أحدهما ولم يعرف.. بطلا، واستؤنف العقد؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر. وإن عرف السابق منهما ولكن نسي، فإن رجي معرفة السابق في مدة يوم أو يومين أو ثلاثة.. انتظر؛ لأن عمر ﵁ وأرضاه أوصى بالخلافة إلى أهل الشورى، وانتظروا في العقد أياما، ولم يُنكر عليهم. وإن لم يُرج انكشاف ذلك إلا بأكثر من ذلك.. استؤنف العقد؛ لأن في ترك العقد إضرارا. وإذا انعقدت الإمامة لرجل.. كان العقد لازما، فإن أراد أن يخلع نفسه.. لم يكن له. فإن قيل: فكيف خلع الحَسَن بن علي ﵄ وأرضاهما نفسه؟

стр. 6081

قلنا: لعله علم من نفسه ضعفا عن تحملها، أو علم أنه لا ناصر له ولا معين.. فخلع نفسه تقية. وإن أراد أهل الحل والعقد خلع الإمام.. لم يكن لهم ذلك إلا أن يتغير. وإن فسق الإمام.. فهل ينخلع؟ فيه ثلاثة أوجه، حكاها الجويني: أحدها: ينخلع بنفس الفسق، وهو الأصح، كما لو مات. والثاني: لا ينخلع حتى يحكم بخلعه، كما إذا فك عنه الحجر، ثم صار مبذرا.. فإنه لا يصير محجورا عليه إلا بالحكم. والثالث: إن أمكن استتابته وتقويم أوده.. لم يخلع، وإن لم يمكن ذلك.. خلع.

стр. 6082

فإن كان هناك إمام، فقهره رجل - يصلح للإمامة - بالسيف وغلبه.. قال المسعودي [في " الإبانة "] : فإن كانت إمامة الأول ثبتت باستخلاف إمام قبله، أو بعقد أهل الحل والعقد.. لم ينعزل الأول، وإن ثبتت إمامة الأول بغلبة السيف.. انعزل الأول؛ وثبتت إمامة الثاني؛ لأن إمامة الأول ثبتت بالغلبة، وقد زالت غلبته. وإذا تقرر هذا: فلا يجوز خلع الإمام بغير معنى موجب لخلعه، ولا الخروج عن طاعته؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ [النساء: ٥٩] [النساء: ٥٩] . ورُوِي عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله» . ورَوَى ابن عمر ﵄ وأرضاهما: أن النَّبي ﷺ قال: «من نزع يده من طاعة إمامه.. فإنه يأتي يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وهو مفارق للجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية» ورَوَى ابن عبَّاس ﵄ أن النَّبي ﷺ قال: «من فارق الجماعة شبرا فكأنما خلع من عنقه ربقة الإسلام» .

стр. 6083

ورَوَى أبُو هُرَيرَة ﵁: أن النَّبي ﷺ قال: «من حمل علينا السلاح فليس منا» . [مسألة: بغي طائفة على الإمام] ] : إذا بغت على الإمام طائفة من المسلمين، وأرادت خلعه، أو منعت حقا عليها.. تعلقت بهم أحكام يختصون بها دون قطاع الطريق والخوارج. ولا تثبت هذه الأحكام في حقهم إلا بشروط توجد فيهم:

стр. 6084

أحدها: أن يكونوا طائفة فيهم منعة يحتاج الإمام في كفهم إلى عسكر، فإن لم يكن فيهم منعة، وإنما هم عدد قليل.. لم يتعلق بهم أحكام البُغاة، فإنما هم قطاع الطريق، لما رُوِي: أن عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله قتل علي بن أبي طالب ﵁ وكان متأولا في قتله، فأقيد به، ولم ينتفع بتأويله؛ لأنه لم يكن في طائفة ممتنعة، وإنما كانوا ثلاثة رجال تبايعوا على أن يقتلوا عليا ومعاوية وعمرو بن العاص ﵃ في يوم واحد، فأما صاحب عمرو بن العاص: فذهب إلى مصر، فلم يخرج عمرو ذلك اليوم، وأمَّا صاحب معاوية: فذهب إليه إلى الشام، فلم يتمكن من قتله، وإنما جرحه في أليته، فأراه الطبيب، فقال له: إن كويته.. برئ، ولكن ينقطع النسل، فقال: (في يزيد كفاية) ، وكواه وبرئ، وأمَّا عبد الرحمن بن ملجم: فجرح عليا ﵁ وأرضاه - فمات ﵀. الشرط الثاني: أن يخرجوا من قبضة الإمام، فإن لم يخرجوا من قبضته.. لم يكونوا بُغاة، لما رُوِي: أن رجلا قال على باب المسجد - وعلي يخطب على المنبر -: لا حكم إلا لله ورسوله، تعريضا له في التحكيم في صفين، فقال علي ﵁ وأرضاه -: (كلمة حق أريد بها باطل) ثم قال: (لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدؤكم بقتال) . فأخبر: أنهم ما لم يخرجوا من قبضته.. لا يبدؤهم بقتال.

стр. 6085

ولأن النَّبي ﷺ لم يتعرض للمنافقين الذين كانوا معه في المدينة، فلأن لا يتعرض لأهل البغي وهم مسلمون أولى. الشرط الثالث: أن يكون لهم تأويل سائغ، مثل: أن تقع لهم شبهة يعتقدون عنها الخروج على الإمام، أو منع حق عليهم، وإن أخطئوا في ذلك، كما تأوَّل بَنُو حَنِيفَة منع الزكاة بقوله تَعالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] [التوبة: ١٠٣] . قالوا: فأمر الله بدفع الزكاة إلى من صلاته سكن لنا،

стр. 6086

وهو رسول الله ﷺ فأما ابن أبي قحافة: فليست صلاته سكنا لنا، ولهذا: لما انهزموا.. قالوا: والله ما كفرنا بعد إيماننا، وإنما شححنا على أموالنا. فأما إذا لم يكن لهم تأويل سائغ، فحكمهم حكم قطاع الطريق. وهل من شرطهم أن ينصبوا إماما؟ فيه وجهان: أحدهما: أن ذلك من شرطهم؛ لأن الشافعي ﵀ قال: (وإن ينصبوا إماما) . فعلى هذا: إذا لم ينصبوا إماما.. كانوا لصوصا وقطاعا للطريق. والثاني - وهو المذهب -: أن ليس من شرطهم أن ينصبوا إماما؛ لأن أحكام أهل البصرة وأهل النهروان مع عليّ ﵁ وأرضاه - أحكام البُغاة، ولم ينصبوا إماما، وأمَّا ما ذكره الشافعيُّ ﵀ فإنما ذكره؛ لأن الغالب من أمرهم أنهم ينصبون إماما. قال القفال: وسواء كان الإمام عادلا أو جائرا.. فإن الخارج عليه باغ، إذ الإمام لا ينعزل بالجور، وسواء كان الخارج عليه عادلا أو جائرا.. فإن خروجه على الإمام جور. وإذا اجتمعت هذه الشروط في الخارجين على الإمام.. قاتلهم الإمام، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] [الحجرات: ٩] . وفى الآية خمسة أدلة: أحدها: أن البغي لا يخرج عن الإيمان؛ لأن الله سماهم مؤمنين في حال بغيهم. والثاني: وجوب قتالهم، حيث قال تَعالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] [الحجرات: ٩] . والثالث: أنهم إذا رجعوا إلى الطاعة.. لم يقاتلوا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] [الحجرات: ٩] .

стр. 6087

الرابع: أنه لا يجب عليهم ضمان ما أتلفوا في القتال. الخامس: وجوب قتال كل من عليه حق فمنعه. ويدل على جواز قتال البُغاة: ما رُوِي: (أن أبا بكر ﵁ وأرضاه قاتل مانعي الزكاة وكانوا بُغاة؛ لأنهم كانوا مُتأوِّلين) . و: (قاتل علي ﵁ وأرضاه أهل الجمل وأهل صفين والخوارج بالنهروان) . ولا يبدؤهم الإمام بالقتال حتى يراسلهم ويسألهم: ما ينقمون؟ فإن ذكروا مظلمة ردها، وإن ذكروا شبهة.. كشفها، وبين لهم وجه الصواب. وقال أبُو حَنِيفَة: (يبدؤهم بالقتال) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] [الحجرات: ٩] . فبدأ بالصلح قبل القتال وفي هذا إصلاح. ورُوِي: (أن عليا ﵁ وأرضاه - لما كاتب معاوية ﵁ وحكَّم.. خرج من معسكره ثمانية آلاف، ونزلوا بحروراء، وأرادوا قتاله، فأرسل إليهم ابن عبَّاس ﵄ فقال لهم: ما تنقمون منه؟ قالوا: ثلاث، فقال ابن عبَّاس ﵄: إن رفعتها رجعتم؟ قالوا: نعم، قال: وما هي؟ قالوا: حكَّم في دين الله، ولا حكم إلا لله، وقتل ولم يسب، فإن حل لنا قتلهم.. حل لنا

стр. 6088

سبيهم. ومحا اسمه من الخلافة، فقد عزل نفسه من الخلافة، يعنون اليوم الذي كتب فيه الكتاب بينه وبين أهل الشام، فكتب فيه: أمير المؤمنين، فقالوا: لو أقررنا بأنك أمير المؤمنين.. ما قاتلناك، فمحاه من الكتاب. فقال ابن عبَّاس ﵄: أما قولكم: إنه حكَّم في دين الله.. فقد حكَّم اللهُ في الدين، فقال الله تَعالَى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] [النساء: ٣٥] . فحكَّم الله بين الزوجين. وقال الله تَعالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] [المائدة ٩٥] . فحكَّم الله في أرنب قيمتها درهم، فلأن يجوز أن يحكِّم في هذا الأمر العظيم بين المسلمين أولى. وأمَّا قولكم: إنه قتل ولم يسب.. فأيكم كان يأخذ عائشة ﵂ في سهمه وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] [الأحزاب: ٦] ، وإذا ثبت أن سبي عائشة لا يجوز.. كان غيرها من النساء مثلها. وأمَّا قولكم: إنه محا اسمه من الخلافة، فقد عزل نفسه.. فغلطٌ؛ لـ: (أن النَّبي ﷺ محا اسمه من النبوة) . وذلك: أنه «لما قاضَى سهيل بن عمرو يوم الحديبية.. كتب الكتاب: " هذا ما قاضَى به محمد رسول الله، سهيل بن عمرو "، فقال: لو اعترفنا بأنك رسول الله.. لما احتجت إلى كتاب، فقال رسول الله ﷺ للكاتب - وكان علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه -: " امحُ رسول الله "، فلم يفعل، فقال رسول الله ﷺ : " أين رسول الله؟ "، فأراه إياه، فمحاه رسول الله ﷺ بإصبعه» . فرجع منهم أربعة آلاف، وقاتل الباقين.

стр. 6089

[فرع: طلب إنظار البُغاة] ] : وإذا أراد الإمام أن يقاتلهم، فسألوه أن ينظرهم.. نظرت: فإن سألوه أن ينظرهم أبدا.. لم يجز له ذلك؛ لأنه لا يجوز لبعض المسلمين ترك طاعة الإمام. وإن سألوه أن ينظرهم مدة.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال الشيخُ أبُو إسحاق: إن سألوه أن ينظرهم يوما أو يومين أو ثلاثا.. أنظرهم؛ لأن ذلك مدة قريبة، ولعلهم يرجعون إلى الطاعة، وإن طلبوا أكثر من ذلك.. بحث عنه الإمام، فإن كان قصدهم الاجتماع على الطاعة.. أنظرهم.. وإن كان قصدهم الاجتماع على القتال.. لم ينظرهم؛ لما في ذلك من الإضرار. وقال ابن الصبَّاغ: إذا سألوه أن ينظرهم مدة مديدة.. كشف الإمام عن حالهم، فإن كانوا إنما سألوا ذلك ليجتمعوا أو يأتيهم مدد.. عاجلهم بالقتال ولم ينظرهم، وإن سألوا ليتفكروا ويعودوا إلى الطاعة.. أنظرهم؛ لأنه يجوز أن يلحقهم مدد في اليوم واليومين والثلاث، كما يلحقهم فيما زاد على ذلك. وكل موضع قلنا: لا يجوز إنظارهم، فبذلوا على الإنظار مالا.. لم يجز إنظارهم؛ لأنه يأخذ المال على إقرارهم فيما لا يجوز إقرارهم عليه، ولأن فيه إجراء صغار على المسلمين، فلم يجز. وإن بذلوا على الإنظار رهائن منهم أو من أولادهم، لم يجز قبول ذلك منهم؛ لأنهم ربما قويت شوكتهم على أهل العدل، فهزموهم وأخذوا الرهائن. وإن كان في أيديهم أُسارى من أهل العدل، فسألوا الكف عنهم على أن يطلقوا الأسارى من أهل العدل، وأعطوا بذلك رهائن من أولادهم.. قبل الإمام ذلك منهم،

стр. 6090

واستظهر لأهل العدل، فإن أطلق أهل البغي الأسارى الذين عندهم.. أطلق الإمام رهائنهم، وإن قتلوا من عندهم من الأسارى.. لم يقتل رهائنهم؛ لأنهم لا يقتلون بقتل غيرهم، فإذا انقضت الحرب.. خلى رهائنهم. وإن كان في أهل العدل ضعف عن قتالهم.. أخر الإمام قتالهم إلى أن يكون بهم قوة؛ لأنه إذا قاتلهم مع الضعف.. لم يؤمن الهلاك على أهل العدل. [مسألة: رجوع البُغاة إلى طاعتنا يمنع قتالهم] ] : وإن قال أهل البغي: رجعنا إلى طاعة الإمام ... لم يجز قتالهم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] [الحجرات: ٩] . و (الفيئة) : الرجوع. وهكذا: إذا ألقوا سلاحهم.. لم يجز قتالهم؛ لأن الظاهر من حالهم ترك القتال والرجوع إلى الطاعة، فإن انهزموا.. نظرت: فإن انهزموا لغير فيئة.. لم يجز اتباعهم، ولا يجاز على جريحهم، لما رَوَى ابن عمر، عن ابن مَسعُودٍ ﵁ أن النَّبي ﷺ قال: «يا ابن أم عبد.. ما حكم من يفيء من أمتي؟ " فقلت: الله ورسوله أعلم. فقال: " لا يتبع مدبرهم، ولا يجاز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يقسم فيؤهم» . ورَوَى علي بن الحسين ﵄ قال: دخلت على مروان بن الحكم، فقال: ما رأيت أكرم علينا من أبيك، ما هو إلا أن ولينا يوم الجمل حتى نادى مناديه:

стр. 6091

(لا يقتل مدبر ولا يذفف على جريح) . (يذفف) : يروى بالدال والذال، ومعناه: لا يجاز عليه. ورُوِي عن أبي أمامة ﵁: أنه قال: (شهدت صفين، فكانوا لا يجهزون على جريح، ولا يطلبون موليا، ولا يسلبون قتيلا) . ولأن قتالهم للدفع والكف عن القتال، وقد حصل ذلك. وإن انهزموا إلى فيئة ومدد ليستغيثوا بهم.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو قول أبي حَنِيفَة، واختيار أبي إسحاق المَروَزِي -: (أنهم يتبعون ويقتلون) ؛ لأنهم إذا لم يتبعوا.. لم يؤمن أن يعودوا على أهل العدل، فيقاتلوهم ويظفروا بهم. والثاني - وهو ظاهر النص -: أنه لا يجوز أن يتبعوا ويقاتلوا؛ لعموم الخبر، ولأن دفعهم وكفهم قد حصل، وما يخاف من رجوعهم لا يوجب قتالهم، كما لو تفرقوا. وإن حضر معهم من لا يقاتل - ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز قتله؛ لأن قتالهم للكف، وقد كف نفسه. والثاني: يجوز قصد قتله؛ لأن عليا ﵁ وأرضاه - نهاهم عن قصد قتل

стр. 6092

محمد بن طلحة السجاد ﵄ وأرضاهما، فقتله رجل، ولم ينكر عليّ ﵁ وأرضاه - قتله، ولأنه صار ردءا لهم. [فرع: يقتل مع البُغاة نساؤهم وصبيانهم المقاتلين] ] : وإن قاتل مع أهل البغي نساؤهم وعبيدهم وصبيانهم.. جاز قتلهم مقبلين؛ لأن هذا القتال لدفعهم عن النفس، كما يجوز له قتل من قصد نفسه في غير البغي. وإن كان لرجل من أهل العدل قريب في أهل البغي يقاتل.. فيستحب له أن ينحرف عن قتله ما دام يمكنه ذلك، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] [لقمان: ١٥] . فأمره بمصاحبتهما بالمعروف في أسوأ أقوالهما، وهو: إذا دعواه إلى الشرك، وليس من المصاحبة بالمعروف أن يقتله.

стр. 6093

وقال الله تَعالَى: لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] [طه: ٤٤] . يعني به: فرعون، وقيل: إنما أمرهما الله بذلك؛ لأن فرعون كان قد تبنى موسى ﵊ فإن كان ذلك في حق من تبناه ... فلأن يكون في حق أبيه أولى. ورُوِي: «أن أبا بكر الصدِّيق ﵁ وأرضاه - أراد أن يقتل أباه يوم أحد، فكفه النَّبي ﷺ وقال: " دعه يتولى ذلك غيرك» . و: «أراد أبُو حذيفة بن عتبة أن يقتل أباه، فكفه النَّبي ﷺ عن ذلك» . فإن لم يمكنه قتال أهل البغي إلا بقتل أبيه، فقتله.. فلا شيء عليه؛ لما رُوِي: (أن أبا عبيدة قتل أباه، وقال للنبي ﷺ : سمعته يسبك) . وإذا ثبت هذا في حق المشرك.. كان في حق أهل البغي مثله.

стр. 6094

[مسألة: يحبس شباب أهل البغي ما دامت الحرب قائمة] وإن أسر أهل العدل من أهل البغي حرا بالغا، فإن كان شابا جلدا.. فإن للإمام أن يحبسه ما دامت الحرب قائمة إن لم يرجع إلى الطاعة، فإن بذل الرجوع إلى الطاعة.. أخذت منه البيعة وخلي، وإن انقضت الحرب أو انهزموا إلى غير فيئة.. فإنه يخلى، وإن انهزموا إلى فيئة.. خلي، على المذهب، ولم يخلَّ على قول أبي إسحاق، ولا يجوز قتله. وقال أبُو حَنِيفَة: (يجوز قتله) . دليلنا: قوله ﷺ : «ولا يقتل أسيرهم» . فإن قتله رجل من أهل العدل عامدا.. فهل يجب عليه القصاص؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب عليه القصاص؛ لأنه صار بالأسر محقون الدم، فصار كما لو رجع إلى الطاعة، وللولي أن يعفو عن القود إلى الدية. والثاني: لا يجب عليه القصاص؛ لأن قول أبي حَنِيفَة شبهة تسقط عنه القصاص. فعلى هذا: تجب فيه الدية. وإن كان الأسير شيخا لا قتال فيه أو مجنونا أو امرأة أو صبيا أو عبدا.. لم يحبسوا؛ لأنهم ليسوا من أهل البيعة على القتال. ومن أصحابنا من قال: يحبسون؛ لأن في ذلك كسرا لقلوبهم، وإقلالا لجمعهم، والمنصوص هو الأول. [مسألة: لا يرمى أهل البغي بالنار] ] : ولا يجوز رمي أهل البغي بالنار ولا بالمنجنيق من غير ضرورة؛ لأن القصد بقتالهم كفهم وردهم إلى الطاعة، وهذا يهلكهم، ولأن هذا يقتل من يقاتل ومن لا يقاتل، وإنما يجوز قتل من يقاتل من البُغاة. فإن أحاط أهل البغي بأهل العدل من كل جهة، ولم يمكنهم التخلص منهم إلا

стр. 6095

بالرمي بالنار أو بالمنجنيق، جاز لهم ذلك؛ لأن هذا موضع ضرورة. وقال ابن الصبَّاغ: وكذلك إن رماهم أهل البغي بالنار أو بالمنجنيق، جاز لأهل العدل رميهم بمثل ذلك. [فرع: لا يستعان بمن يرى قتل أهل البغي مدبرين] ] : ولا يجوز للإمام أن يستعين على قتال أهل البغي بمن يرى جواز قتلهم مدبرين من المسلمين؛ لأنه يعرف أنهم يظلمون، فإن كان لا يقدر على قتال أهل البغي إلا بالاستعانة بهم.. جاز إذا كان مع الإمام من يمنعهم من قتلهم مدبرين. ولا يجوز للإمام أن يستعين على قتالهم بالكفار؛ لأنهم يرون قتل المسلمين مدبرين تشفيا لما في قلوبهم. [مسألة: افتراق أهل البغي واقتتالهم] ] : وإن افترق أهل البغي فرقتين واقتتلوا، فإن قدر الإمام على قهرهما.. لم يعاون إحداهما على الآخر؛ لأنهما على الخطأ، والمعونة على الخطأ خطأ، وإن كان لا يقدر على قهرهما.. ضم إلى نفسه أقربهما إلى الحق، وقاتل معها الطائفة الأخرى، ولا يقصد بقتاله معاونة الطائفة التي ضمها إلى نفسه، وإنما يقصد رد الذين يقاتلون إلى طاعته. فإذا انهزمت الطائفة الذين قاتلهم أو رجعت إلى طاعته.. لم يقاتل الطائفة التي ضم إلى نفسه حتى يدعوهم إلى طاعته؛ لأن بضمهم إليه صار ذلك أمانا لهم منه، فإذا امتنعت من الدخول في طاعته.. قاتلهم. فإن استوت الطائفتان.. اجتهد في أقربها إلى الحق، وضم نفسه إليها.
следующие страницы →