← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

وإن كان من أولاد أهل الذمة.. قيل له: إقرارك في دار الإسلام بغير جزية لا يجوز، فإن اخترت أن ترجع إلى دار الحرب وتكون حربا لنا.. فارجع، وإن اخترت عقد الذمة ببذل الجزية.. أقررناك. فإن اختار عقد الذمة ببذل الجزية.. نظرت: فإن كان الذي أعتقه مسلما.. كانت جزيته ما يقع عليها التراضي، وإن كان الذي أعتقه ذميا.. فهل يفتقر إلى عقد الذمة بما يقع عليه التراضي من الجزية، أو لا يفتقر إلى عقد الذمة بل تلزمه الجزية لمولاه؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبُو إسحاق، ووجههما ما ذكرناه في الصبي إذا بلغ. [فرع: إجراء الجزية على الشيوخ وأصحاب الصوامع والفقير غير المعتمل] وهل تؤخذ الجزية من الشيوخ الذين لا قتال فيهم، ومن الزمنى، وأصحاب الصوامع المشتغلين بالعبادة؟ من أصحابنا من قال: فيه قولان، بناء على القولين في جواز قتلهم إذا أسروا. ومنهم من قال: لا يقرون بغير جزية قولا واحدا. والفرق بين القتل والجزية: أن القتل يجري مجرى القتال، فإذا لم يكن فيه قتال.. لم يقتل. والجزية أجرة المسكن، فلم تسقط عنهم. وهل تجب الجزية على الفقير الذي ليس بمعتمل؟ فيه قولان: أحدهما: لا تجب عليه الجزية - وبه قال أبُو حَنِيفَة ـ لأن عمر ﵁ جعل أهل الجزية طبقات، وجعل أدناهم الفقير المعتمل، فدلَّ على أنه لا جزية على غير المعتمل، ولأنه حق يجب بالحول، فلم يجب على الفقير، كالزكاة. فعلى هذا: إن طلب من الإمام أن يعقد له الذمة.. عقدت له الذمة على شرط جريان أحكام الإسلام عليه، فإذا أيسر.. استؤنف له الحول، فإذا تم.. طولب بالجزية. والقول الثاني: تجب عليه الجزية؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] [التوبة: ٢٩] فأمر بقتال أهل الكتاب إلى أن يعطوا الجزية، ومعناه: حتى

стр. 6337

يضمنوا، ولم يفرق، ولأنه مشرك مكلف حر، فلم يجز إقراره بدار الإسلام بغير جزية، كالمعتمل. فإذا قلنا بهذا: ففيه وجهان: أحدهما: تعقد له الذمة بالجزية في ذمته، وينظر بها إلى أن يوسر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] [البقرة: ٢٨٠] . والثاني: لا نقره عليه إلا بدفع الجزية. فإن قدر على تحصيلها، وإلا.. رددناه إلى دار الحرب؛ لأنه يمكنه أن يمنع وجوبها عليه بالإسلام. هذا ترتيب العراقيين من أصحابنا. وقال الخراسانيون: في الفقير غير المعتمل قولان، واختلفوا في موضع القولين فمنهم من قال: القولان في الدفع، وأمَّا الوجوب.. فيجب قولا واحدا. ومنهم من قال: القولان في الوجوب. [مسألة: ضبط أسماء وصفات أهل الذمة بالديوان وتعيين العرفاء] وأخذ الجزية برفق] : إذا عقد الإمام الذمة لقوم.. فإنه يكتب أعدادهم في الديوان، ويكتب أسماءهم، ويصف كل واحد منهم بالصفة التي لا تختلف على طول الأيام، من الطول والقصر أو البياض والسواد وما أشبه ذلك. ويجعل لكل عشرة أو عشرين ـ على ما يراه ـ عريفا؛ ليخبره بمن يخرج منهم من الجزية بالموت أو الإسلام، وبمن يدخل من أولادهم بالبلوغ في الجزية. والذي يقتضي المذهب: أن العريف يكون مسلما؛ لأن أهل الذمة غير مأمونين على ذلك. وتؤخذ منهم الجزية كما يؤخذ الدين من غير أذى في قول ولا فعل، ويكتب لمن أخذ منه جزيته كتابا، ليكون له حجة إذا طلبه.

стр. 6338

[مسألة: نظر الإمام الجديد في شأن أهل الذمة] إذا مات الإمام أو عزل، وقام غيره مقامه.. فإنه ينظر في أهل الذمة: فإن كان الإمام الذي قبله عقد لهم الذمة عقدا صحيحا.. أقرهم عليه؛ لأنه عقد مؤبد. وإن كان فاسدا.. غيره إلى الصحة؛ لأنه منصوب لمصالح المسلمين، وهذا من مصالحهم. فإن ادعى قوم من أهل الذمة أن الإمام عقد لهم الذمة ولا بينة.. رجع إليهم؛ لأنه لا يمكن التوصل إلى ذلك إلا من جهتهم. فإن ادعوا أنه عقد لهم الذمة على أقل من دينار.. قيل لهم: هذا عقد فاسد، فإما أن تعقدوا عقدا صحيحا، وإلا.. رددناكم إلى دار الحرب وكنتم حربا لنا؛ لأن أقل الجزية دينار. قيل للشيخ أبي حامد: أليس الثوري يجيز العقد بما أداه إليه اجتهاد الإمام، فيجب إذا صح عقد الإمام لهم بدون الدينار أن لا ينقض حكمه؟ فقال: إن الإجماع قد حصل بعد الثوريّ: أن الجزية لا تجوز أن تنقص عن دينار. وإن ادعوا أن الأول عقد لهم الذمة على الدينار عن كل رجل منهم.. فالقول قولهم مع أيمانهم. واليمين هاهنا مستحبة؛ لأن دعواهم لا تخالف الظاهر. فإن أسلم منهم اثنان وعدلا وشهدا أن الإمام الأول عقد لهم الذمة على أكثر من دينار، أو شهد بذلك رجلان مسلمان من غيرهم.. أخذوا بما عقد عليهم الأول؛ لأن ذلك قد لزمهم. فإن قال بعضهم: عقد لنا الذمة على دينارين عن كل رجل، ولكن لا نؤدي إلا دينارا.. أخذ كل واحد بدينارين إلا أن يمتنعوا بالقتال ثم يبذلوا الدينار عن كل رجل منهم، فيجب قبوله. وإن قالوا: كنا نؤدي إلى الأول عن كل رجل دينارين دينارا جزية ودينارا تطوعا.. فالقول قولهم مع أيمانهم؛ لأنه لا يعلم إلا من جهتهم. واليمين هاهنا واجبة؛ لأن

стр. 6339

دعواه تخالف الظاهر، فمن حلف.. لم يلزمه إلا دينار، ومن نكل.. لزمه الديناران. وإن غاب ذمي سنين، ثم قدم وهو مسلم، وادعى أنه أسلم من حين غاب.. ففيه قولان: أحدهما: يؤخذ منه جزية ما مَضَى من السنين التي في غيبته؛ لأن الأصل بقاؤه على الكفر. والثاني: يقبل قوله مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته من الجزية. وبالله التوفيق

стр. 6340

[باب صفة عقد الذمة] لا يصح عقد الذمة إلا من الإمام أو من النائب عنه؛ لأنه من المصالح العظام. وإذا طلب قوم من الكفار أن تعقد لهم الذمة وهم ممن يجوز عقد الذمة لهم.. قال أصحابنا البغداديون: وجب على الإمام عقدها لهم. وقال الخراسانيون: فيه وجهان: أحدهما: لا يجب عليه إلا أن يرى المصلحة في عقدها لهم، كما قلنا في الهدنة. والثاني: يجب عليه، وهو الأصح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية [التوبة: ٢٩] . فأمر بقتال أهل الكتاب إلى أن يبذلوا الجزية، فدلَّ على: أنهم إذا بذلوا الجزية.. وجب رفع القتال عنهم. ورُوِي: «أن النَّبيَّ ﷺ كان إذا بعث أميرا على سرية أو جيش، أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين وقال: إذا لقيت عدوك من المشركين.. فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك.. فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا.. فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك.. فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا.. فاستعن بالله وقاتلهم» . [مسألة: عقد الذمة من حيث التأبيد وشرطاه وتفسير اليد والصغار] قال أصحابنا البغداديون: ولا يصح عقد الذمة إلا مؤبدا.

стр. 6341

وقال الخراسانيون: فيه وجهان: أحدهما: يصح مؤقتا؛ لأنه عقد أمان، فصح مؤقتا، كالهدنة. والثاني: لا يصح إلا مؤبدا، وهو الأصح؛ لأن عقد الذمة إنما يصح بالتزام أحكام المسلمين، وذلك يقتضي التأبيد. إذا ثبت هذا: فإن عقد الذمة إنما يصح بالتزام شرطين: أحدهما: أن تجعل عليهم جزية في كل حول، على ما مَضَى. والثاني: أن يلتزموا أحكام المسلمين في حقوق الآدميين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية [التوبة: ٢٩] . ومعنى قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] أي: يلتزموها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥] [التوبة: ٥] والمراد به: التزموا إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. وسميت الجزية جزية لأنها من جزى يجزي: إذا قضى، قال الله تَعالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] [البقرة: ٤٨] أي: لا تقضي. وتقول العرب: جزيت ديني، أي قضيته. ومعنى قَوْله تَعَالَى: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩] أي: عن قوة المسلمين، وقيل: عن منة عليهم بحقن دمائهم، واليد: يعبر بها عن القدرة والمنة، وقيل: عن يد: يعطيه من يده إلى يده، ولا يبعث بها. وقيل: يعطيه نقدا لا نسيئة. وأمَّا (الصغار) : فقال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " المختصر ": (هو جريان أحكام الإمام عليهم؛ لأنهم إذا تحاكموا إليه.. حكم عليهم بحكمه، وهو ذل لهم وصغار؛ لأنهم يعتقدون بطلانه، ولا يقدرون على الامتناع منه) . وقال: في " الأم ": (الصغار: هو التزامهم بجريان أحكامنا عليهم في عقد الذمة) . فيكون الصغار على ما قاله في " الأم ": هو نفس التزامهم بجريان أحكام

стр. 6342

الإسلام. وعلى ما قاله في " المختصر ": (الصغار) : هو جريان أحكام الإسلام عليهم. والصحيح: ما قاله في " الأم ". وقال غير الشافعي: (الصغار) : هو أن تؤخذ منهم الجزية وهم قيام والآخذ جالس، وقال بعضهم: (الصغار) : أن تؤخذ منهم الجزية وهم قيام باليسار. [فرع: لا فرق في الجزية بين أهل الكتاب] ولا فرق في الجزية بين يهود خيبر وغيرهم، وما يدعيه أهل خيبر: أن معهم كتابا من علي بن أبي طالب ﵁ بإسقاط الجزية عنهم.. لا يصح؛ لأنه لم يذكره أحد من علماء المسلمين، ولأنهم ادعوا فيه شهادة سعد بن معاذ ومعاوية، وتأريخه بعد موت سعد وقبل إسلام معاوية. [مسألة: طلب مخالفة الذمي في الزي وغيره] ] : وإذا عقد الإمام الذمة لقوم من المشركين.. فإنه يأمرهم أن يخالفوا المسلمين في الزي والملبس، فيكون فيما يظهرون من ثيابهم لون يخالف لون ثيابهم، واللون الأصفر أولى باليهود، واللون الأدكن أولى بالنصارى، واللون الأسود أولى بالمجوس؛ لأن ذلك عادتهم. ويشدون الزنار ـ وهو: خيط غليظ فوق ثيابهم ـ وإن لبسوا القلانس.. جعلوا فيها خرقا، وإن لبسوا الخفاف.. كانت من لونين. ويجعل في رقبة كل واحد منهم خاتم من رصاص أو صفر. وإن كان لهم شعر.. أمروا بجز النواصي؛ لما رَوَى عبد الرحمن بن غنم في الكتاب الذي كتبه لعمر حين صالح

стр. 6343

نصارى أهل الشام: (فشرطنا: أن لا نتشبه بهم في لباسهم في شيء من قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين، وأن نشد الزنانير في أوساطنا، وأن نجز مقاديم رؤوسنا، ولا نتشبه بهم في مراكبهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله) ، ولأن النَّبيَّ ﷺ قال: «يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير» . وقال النَّبيَّ ﷺ " إذا «لقيتم المشركين في طريق.. فلا تبدؤوهم بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق.. فاضطروهم إلى أضيقها» . وإذا خالف أهل الذمة المسلمين في الزي والملبس بما ذكرناه.. أمكن المسلم أن يأتي بالسنة المشروعة في حق المسلم والذمي، وإذا لم يخالفوهم بذلك.. ربما ابتدأ المسلم بالسلام على الذمي ظنا منه أنه مسلم، أو ترك السلام على المسلم، أو اضطره إلى أضيق الطرق ظنا منه أنه ذمي، فأمر الذمي بالغيار في اللباس، والزي،

стр. 6344

والزنار؛ ليتميز. وإن شرط عليهم أحدها.. أخذوا به؛ لأن التميز يحصل به. وإنما أمروا بالخاتم في رقابهم؛ ليتميزوا عن المسلمين في الحالة التي يتجردون فيها عن الثياب، وربما اجتمع موتى المسلمين وموتى أهل الذمة ولا ثياب عليهم، فلا يتميزون للصلاة عليهم إلا بذلك. ولا يمنع أهل الذمة من لبس العمامة والطيلسان. وقال أبُو حَنِيفَة وأحمد: (يمنعون) . دليلنا: أن التمييز يحصل بالغيار والزنار، فلم يمنعوا من لبسهما، كالقميص. وهل يمنعون من لبس الديباج، والذهب؟ فيه وجهان: أحدهما: يمنعون؛ لما فيه من التجبر والتعظيم. والثاني: لا يمنعون، كما لا يمنعون من لبس المرتفع من القطن والكتان. [فرع: يمنع أهل الذمة من ركوب الخيل] ] : ويمنعون من ركوب الخيل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] [الأنفال: ٦٠] وأهل الذمة: عدو الله وعدونا، فلو كانوا يركبونها.. لكانوا يرهبوننا بها، ولأن النَّبيَّ ﷺ قال: «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة» وأراد به: الغنيمة. فينبغي أن تكون الخيل لمن يسهم له ويستحق الغنيمة. ويمنعون أن يتقلدوا السيوف والسكاكين؛ لحديث عمر ﵁. قال المسعودي [في " الإبانة "] ويمنعون من ركوب البغال، كالخيل. وقال سائر أصحابنا: لا يمنعون من ركوب البغال والحمير، ولكن يركبونها

стр. 6345

بالأكف دون السروج، ويكون الركابان من خشب، ويركبونها على شق؛ لما رُوِي عن عمر ﵁: (أنه كتب إلى عماله يأمرهم أن يجعل أهل الكتاب المناطق في أوساطهم) وأراد به: الزنانير، و: (أن يركبوها على شق) أي: عرضا: هذا قول أكثر أصحابنا. وقال الشيخُ أبُو حامد: يركبون مستويا، قال: لأن أصحابنا قالوا: تكون الركابان من خشب، وهذا يدل على أنهم يركبون مستويا. [فرع: مغايرة نساء أهل الذمة في اللباس وغيره] وتؤخذ نساء أهل الذمة بلبس الغيار والزنار والخاتم في رقابهن، وإن لبسن الخفاف.. كانت من لونين؛ لما رُوِي عن عمر ﵁: (أنه كتب إلى أمراء الآفاق أن مروا نساء أهل الأديان أن يعقدن زنانيرهن) . قال الشيخُ أبُو حامد: ويكون زنارها فوق ثيابها. وذكر الشيخ أبُو إسحاق وابن الصبَّاغ: أن زنارها يكون تحت إزارها؛ لأنه إذا كان فوق الإزار.. فإنه يكشف ويصف جسمها. والذي يقتضي المذهب: أنهما أرادا بذلك الإزار الظاهر الذي تستر به رأسها وعنقها فوق الثوب الذي تشد به حقويها ليحصل التمييز به، فأما إذا كان مستورا لا يظهر.. فلا فائدة فيه. [فرع: فيما يتأدب به أهل الذمة مع المسلمين] ولا يبدؤون بالسلام، ويضطرون إلى أضيق الطريق؛ لما ذكرناه من الخبر. وإن قعدوا مع المسلمين في مجلس.. لم يقعدوا في صدر المجلس؛ لأن في ذلك إعزاز لهم. وإن قعدوا في مجلس، وأراد المسلمون القعود فيه.. قاموا منه

стр. 6346

للمسلمين؛ لما رُوِي في كتاب أهل الشام لعمر: (وشرطنا: أن نوقر المسلمين ونقوم لهم من مجالسنا إذا أرادوا الجلوس) . [مسألة: لا يرتفع أهل الذمة بالبناء على المسلمين] وإذا أراد أهل الذمة بناء منزل في محلة المسلمين.. منعوا أن يكون بناؤهم أعلى من بناء من يليهم من المسلمين؛ لقوله، ﷺ : «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» ، وهل يمنعون من مساواتهم في البناء؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يمنعون؛ لأنهم لا يستطيلون بذلك على المسلمين. والثاني ـ وهو الأصح ـ: أنهم يمنعون؛ لأنه لا تتميز دار الذمي عن دار المسلم إلا بذلك. فعلى هذا: يكون أقصر من بناء من حواليه من المسلمين. وهل يمنعون من الاستعلاء في البناء في غير محلة المسلمين؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبُو إسحاق: أحدهما: لا يمنعون؛ لأنه يؤمن، مع البعد، أن يعلوا على المسلمين. الثاني: يمنعون؛ لأنهم يتطاولون على المسلمين. وإن ملك الذمي دارا أعلى من دور جيرانه من المسلمين ببيع أو هبة.. أقرت كما هي على ملكه؛ لأنه هكذا ملكها. فإن انهدمت أو نقضها وأراد بناءها.. لم يكن له أن يعليها على بناء جيرانه من المسلمين. وهل له أن يساوي بناءهم؟ على الوجهين: [فرع: لا يظهرون شرب الخمر ونحوه من المحرمات] ويمنعون من إظهار شرب الخمور، وأكل الخنازير وبيعها، وضرب الناقوس، والجهر بالتوراة والإنجيل، وإظهار عبادة الصليب، وإظهار أعيادهم، ورفع الصوت على موتاهم؛ لما رُوِيَ: (أن نصارى العرب شرطوا ذلك لعمر ﵁ على أنفسهم)

стр. 6347

[مسألة: تصنيف البلاد الإسلامية من حيث تنفيذ الأحكام وبناء الكنائس ونحوها] قال الشافعيُّ، ﵀: (ويشرط عليهم أن لا يحدثوا كنيسة، ولا بيعة، ولا مجتمعا لصلواتهم) . وجملة ذلك: أن البلاد التي ينفذ فيها حكم الإسلام على ثلاثة أضرب: أحدها: بلد بناها المسلمون كبغداد والكوفة والبصرة؛ لأن الكوفة والبصرة بناهما عمر ﵁ فهذا لا يجوز لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة، ولا بيعة، ولا صومعة؛ لما رُوِيَ: (أن عمر لما صالح النصارى.. كتب بينه وبينهم: وأن لا يحدثوا في بلادهم وما حولها ديرا ولا بيعة، ولا صومعة راهب) . ورُوِي عن ابن عبَّاس: أنه قال: (أيما مصر مصرته العرب.. فليس للعجم أن يبنوا فيه كنيسة) ولا مخالف له في الصحابة. وأمَّا الكنائس والبيع وبيوت النار الموجودة في هذه البلاد في زماننا.. فيحتمل أن تكون بناها المشركون في قرية أو برية فأقرهم الإمام عليها، فلما بناها المسلمون.. اتصل البناء بذلك. والضرب الثاني: بلد بناه المشركون ثم ملكه المسلمون بالقهر، فإن لم يكن فيها كنائس ولا بيع، أو كانت ولكن هدمها المسلمون حين ملكوها.. فحكمها حكم البلد الذي بناه المسلمون، فإن عقد الإمام الذمة لقوم وشرط لهم أن يبنوا فيها البيع والكنائس، ويظهروا فيها الخمر والخنزير والصليب.. كان العقد فاسدا. وإن كان فيها بيع وكنائس لم يهدمها المسلمون حين ملكوها، فإذا أراد الإمام أن يقرهم عليها.. فهل يجوز؟ فيه وجهان:

стр. 6348

أحدهما: يجوز؛ لأنا إنما نمنع من إحداث البيع والكنائس فيها، فأما إقرارهم على ما كان فيها.. فلا يمنع منه. والثاني: لا يجوز، وهو الأصح؛ لأن المسلمين قد ملكوا جميع البلاد، وتلك البيع والكنائس ملك للغانمين، ولا يجوز إقرارها في أيدي الكفار. والضرب الثالث: بلد بناه المشركون ثم فتحه الإمام صلحا، فينظر فيه: فإن صالحهم على أن تكون الدار لهم دوننا وإنما يؤدون إلينا الجزية.. فلهم أن يحدثوا فيها البيع والكنائس، ويظهروا فيها الخمر والخنزير والصليب؛ لأن هذه الدار دار شرك، فلهم أن يفعلوا فيها ما شاؤوا. وأمَّا إن صالحهم على أن تكون الدار لنا دونهم، فإن صالحهم على أن لهم إحداث البيع والكنائس فيها.. كان لهم ذلك؛ لأنه إذا جاز أن يصالحهم على أن لهم نصف الدار ولنا النصف.. فلأن يجوز أن تكون لنا الدار ولهم البيع والكنائس أولى. وكل موضع قلنا: يجوز إقرار البيع والكنائس في بلد وانهدمت.. فهل يجوز إعادتها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لما رُوِيَ: أن النَّبيَّ ﷺ قال: " لا تبنى كنيسة في دار الإسلام، ولا يجدد ما خرب منها ".

стр. 6349

والثاني: يجوز، وبه قال أبُو حَنِيفَة؛ لأنه إذا جاز تشييد ما تشعث منها.. جاز إعادة ما انهدم منها. [مسألة: حماية أهل الذمة ممن يؤذيهم] وإذا عقد الإمام الذمة لقوم من المشركين.. وجب عليه منع من قصدهم من المسلمين وأهل الحرب وأهل الذمة، سواء كانوا في بلد الإسلام أو بلد لهم منفردين بها، وسواء شرطوا عليه المنع في العقد أو أطلقوه؛ لأنهم إنما بذلوا الجزية لحفظهم وحفظ أموالهم، فلزم الإمام ذلك بمقتضى العقد. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال الخراسانيون: إن كانوا في بلد لهم منفردين.. فهل يجب على الإمام منع الكفار عنهم من غير أن يشرطوا عليه المنع؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه؛ لأن ذلك من مقتضى العقد. والثاني: لا يلزمه؛ لأن الطائفتين كفار، ولا يضرون بالمسلمين ولا بدارهم. وكل موضع قلنا: يلزمه المنع عنهم، فلم يمنع عنهم حتى مَضَى الحول.. لم تجب عليهم جزية ذلك الحول، وإن لم يمنع عنهم بعض الحول.. لم تجب عليهم جزية تلك المدة التي لم يمنع فيها؛ لأن الجزية عوض عن المنع ولم يوجد. فإن أخذ المسلمون منهم مالا لهم بغير حق.. وجب على الإمام استرجاعه إن كان باقيا، أو استرجاع عوضه إن كان تالفا إلا الخمر؛ فإنها إذا تلفت.. فلا يجب عوضها؛ لأنه لا قيمة لها. وإن أخذ أهل الحرب منهم مالا لهم وظفر به الإمام.. رده إليهم. فإن قتلوا منهم أو أتلفوا عليهم مالا.. لم يجب عليهم ضمان ذلك؛ لأنهم لم يلتزموا أحكام الإسلام.

стр. 6350

وإن أغار أهل الهدنة على أهل الذمة فأخذوا منهم مالا.. رده الإمام منهم إن كان باقيا، أو رد عوضه منهم إن كان تالفا؛ لأنهم قد التزموا بالهدنة حقوق الآدميين. وإن نقضوا الهدنة وامتنعوا عن الإمام بالقتال.. فهل يجب عليهم ضمان ما أتلفوه من نفس ومال؟ فيه قولان، كأهل البغي. [فرع: شرط عدم المنع من أهل الذمة في العقد] وإن شرط في عقد الذمة أن لا يمنع عنهم أهل الحرب.. نظرت: فإن كان أهل الذمة في وسط بلاد الإسلام أو في طرف منها.. كان الشرط والعقد باطلين؛ لأنه عقد على تمكين أهل الحرب من بلاد الإسلام. وإن كانوا في دار الحرب، أو فيما بين دار الحرب ودار الإسلام.. كان الشرط والعقد صحيحين؛ لأن ذلك لا يتضمن تمكين أهل الحرب من دخول دار الإسلام. قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في موضع: (ويكره هذا الشرط) وقال في موضع: (لا يكره) . قال أصحابنا: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين: فحيث قال: (يكره) أراد: إذا كان الإمام هو الذي طلب الشرط؛ لأن في ذلك إظهار وهن على المسلمين. وحيث قال: (لا يكره) أراد: إذا كان أهل الذمة هم الذين طلبوا الشرط؛ لأنه لا وهن على المسلمين في ذلك. [مسألة: الحكم بين المشركين أو بينهم وبين المسلمين] وإن تحاكم مشركان إلى حاكم المسلمين، فإن كانا معاهدين.. لم يلزمه الحكم بينهما، بل هو بالخيار: بين أن يحكم بينهما وبين أن لا يحكم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 6351

﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] الآية [المائدة: ٤٢] وهذا الآية نزلت في من وادعهم رسول الله ﷺ من يهود المدينة قبل فرض الجزية. وقيل: نزلت في اليهوديين اللذين زنيا، ثم جاءا إلى النَّبيّ ﷺ يسألانه عن ذلك فرجمهما. قال الشافعيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وهذا أشبه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣] [المائدة: ٤٣] يعنى: أنهم تركوا حكم الله في التوراة الذي حكم به من رجم الزاني. فإن حكم الحاكم بين المعاهدين.. لم يلزمهما حكمه.. وإن دعا الحاكم أحدهما ليحكم بينهما.. لم يلزمه الحضور. وإن كانا ذميين على دين واحد.. فهل يلزمه الحكم بينهما؟ فيه قولان: أحدهما: لا يلزمه الحكم بينهما، بل هو بالخيار؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] [المائدة: ٤٢] ولم يفرق. ولأنهما لا يعتقدان شريعته، فلم يلزمه الحكم بينهما، كالمعاهدين. والثاني: يلزمه الحكم بينهما؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] الآية [المائدة: ٤٩] وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب. ولقوله تَعالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية [التوبة: ٢٩] . و (الصغار) : جريان أحكامنا عليهم، فلولا أنه يلزمه الحكم بينهما.. لم تجر عليهم أحكام الإسلام. ولأنه يلزمه الدفع عنهما، فلزمه الحكم بينهما كالمسلمين، بخلاف المعاهدين؛ فإنه لا يلزمه الدفع عنهما. فعلى هذا: إذا حكم بينهما.. لزمهما حكمه. وإن استدعاه أحدهما على الآخر فأحضره.. لزمه الحضور. وإن كانا على دينين.. ففيه طريقان: [أحدهما] : من أصحابنا من قال: هي على قولين. و [الثاني] : منهم من قال: يلزمه الحكم بينهما قولا واحدا؛ لأن كل واحد منهما

стр. 6352

لا يرضى بحكم حاكم من أهل دين الآخر، بخلاف إذا كانا على دين واحد؛ فإننا إذا لم نحكم بينهما.. ترافعا إلى حاكم من أهل دينهما، فحكم بينهما. واختلف أصحابنا في موضع القولين: فمنهم من قال: القولان إذا وقع منه التداعي في حقوق الله تَعالَى، فأما في حقوق الآدميين.. فيلزمه الحكم بينهما قولا واحدا؛ لأن حقوق الله تقبل المسامحة، بخلاف حقوق الآدميين. ومنهم من قال: القولان في حقوق الآدميين، فأما في حقوق الله تَعالَى.. فيلزمه الحكم بينهما فيها قولا واحدا؛ لأن حق الله إذا لم يحكم به.. ضاع، وحق الآدمي يطالب به الآدمي، فلا يضيع. ومنهم من قال: القولان في الجميع، وهو الأصح؛ لأنه يجب على الحاكم أن يحكم بين المسلمين في الجميع، فكذلك بين أهل الذمة. وإن تحاكم إليه ذمي ومعاهد.. فهو كما لو تحاكم إليه ذميان. وإن تحاكم إليه مسلم مع ذمي أو معاهد.. لزمه الحكم بينهما قولا واحدا؛ لأنه لا يجوز أن يتحاكم المسلم مع خصمه إلى حاكم من الكفار. وإذا حكم بينهما.. لم يحكم إلا بحكم الإسلام؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] [المائدة: ٤٩] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢] [المائدة: ٤٢] . [فرع: جناية الذمي بما يوجب حدا أو تعزيرا] وإذا فعل الذمي شيئا محرما عليه في شرعنا وشرعهم، كالقتل، والزنا، والقذف، والسرقة.. وجب عليه ما يجب على المسلم من العقوبة؛ لما رُوِيَ: «أن النَّبيَّ ﷺ قتل يهوديا قتل جارية على أوضاح لها» .

стр. 6353

و: «رجم يهوديين زنيا بعد إحصانهما» وإن كان محرما في شرعنا، غير محرم في شرعهم، كشرب الخمر.. لم يجب عليه الحد؛ لأنه مباح عندهم، لكن: إن أظهر شربه.. عزره على ذلك؛ لأنه إظهار منكر في دار الإسلام. [مسألة: ما يشترط عليهم كحرمة كتاب الله ورسوله] وتصنيف ما يذكر في العقد من حيث الوجوب وعدمه] : قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ويشرط عليهم: أن من ذكر كتاب الله أو محمدا رسول الله ﷺ بسوء) إلى آخر كلامه. وجملة ذلك: أن ما يجب على أهل الذمة على خمسة أضرب: أحدها: ما يجب ذكره في العقد، وإن لم يذكر في العقد.. لم يصح العقد، وهو: بذل الجزية، والتزام أحكام المسلمين. فإن امتنعوا من أداء الجزية أو التزام أحكام المسلمين.. انتقضت ذمتهم؛ لأن الذمة لم تنعقد إلا بهما. الضرب الثاني: ما لا يجب ذكره في العقد، ولكن إطلاق العقد يقتضيه، فإذا ذكر في العقد.. كان تأكيدا، وهو: تركهم قتال المسلمين، فمتى قاتلوا المسلمين منفردين أو مع أهل الحرب.. انتقضت ذمتهم، سواء شرط عليهم في العقد أو لم يشرط؛ لأن الأمان هو: أن نأمن منهم ويأمنوا منا، وهذا ينافي الأمان. الضرب الثالث: ما لا يجب ذكره في العقد. قال ابن الصبَّاغ: ولا يقتضيه الإطلاق. وقال الشيخُ أبُو حامد: بل يقتضيه الإطلاق. ونص الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - من ذلك على ستة أشياء:

стр. 6354

أحدها: أن لا يزني الذمي بمسلمة. الثاني: أن لا يصيبها باسم النكاح. الثالث: أن لا يفتن مسلما عن دينه. الرابع: أن لا يقطع عليه الطريق. الخامس: أن لا يؤوي عينا للمشركين. السادس: أن لا يعين على المسلمين بدلالة. وأضاف إليها أصحابنا: أن لا يقتل مسلما. فمتى فعل الذمي شيئا من هذه الأشياء.. نظرت: فإن لم يشترط عليه في العقد ترك هذه الأشياء.. لم تنتقض ذمته بذلك، بل يجب عليه الحد فيما يوجب الحد منها، والتَّعزِير فيما لا يوجب الحد؛ لبقاء ما يقتضيه العقد: من التزام أداء الجزية، والتزام الأحكام، والكف عن قتال المسلمين. وإن شرط عليهم ترك هذه الأشياء في العقد، ففعلوا شيئا منها.. فهل تنتقض ذمتهم؟ قال الشيخُ أبُو حامد: فيه قولان، وأكثر أصحابنا ذكرهما وجهين: أحدهما: لا تنتقض ذمتهم بذلك؛ لأن ما لا تنتقض الذمة بفعله إذا لم يشرط تركه.. لم تنتقض بفعله وإن شرط تركه، كإظهار الخمر والخنزير، وعكسه قتال المسلمين. والثاني: تنتقض ذمتهم، وهو الأصح؛ لما رُوِيَ: أن نصرانيا استكره مسلمة على الزِّنَى، فرفع إلى أبي عبيدة بن الجراح ﵁ فقال: (ما على هذا صالحناكم، وضرب عنقه) . ولأن فيها ضررا على المسلمين. فإذا شرط عليهم تركها، فخالفوا.. كانوا ناقضين للذمة، كالامتناع من الجزية. والضرب الرابع: اختلف أصحابنا في وجوب ذكره في العقد؛ وهو: أن لا يذكروا الله تَعالَى ولا رسوله ﷺ ولا دينه بما لا يجوز.

стр. 6355

فقال أبُو إسحاق: لا يصح عقد الذمة حتى يشترط عليهم ذلك في العقد، فمتى ذكر في العقد، فخالفوا.. انتقضت ذمتهم، كما قلنا في التزام الجزية، والتزام أحكام الإسلام. وقال أكثر أصحابنا: حكمه حكم الأشياء السبعة، لا يجب ذكره في العقد. فإن لم يشترط عليهم تركه في العقد.. لم تنتقض ذمتهم بفعله. وإن شرط عليهم تركه.. فهل تنتقض ذمتهم؟ على القولين أو على الوجهين؛ لأن في ذلك ضررا على المسلمين، فكان حكمه حكم الأشياء التي فيها ضرر عليهم. وقال أبُو بكر الفارسي من أصحابنا: من سب رسول الله، ﷺ .. وجب قتله حدا؛ لا لأنه انتقضت ذمته - ولم يذكر الشيخ أبُو حامد في " التعليق " غيره - ولـ: «أن النَّبيَّ ﷺ لم يؤمن ابن خطل والقينتين» ؛ لأنهم كانوا يسبونه. ورُوِي: أن رجلا قال لابن عمر: سمعت راهبا يشتم رسول الله ﷺ فقال: (لو سمعته.. لقتلته؛ إنا لم نعطه الأمان على هذا) . والأول أصح؛ لأن ابن خطل والقينتين كانوا مشركين لا أمان لهم قبل هذا. الضرب الخامس: أنا قد ذكرنا أنه لا يجوز إحداث كنيسة ولا بيعة في دار الإسلام، ولا يرفعون أصواتهم بالتوراة والإنجيل، ولا يضربون الناقوس، ولا يظهرون الخمر والخنزير، ولا يطيلون بناءهم فوق بناء المسلمين، ولا يتركون لبس الغيار والزنار.. فهذه الأشياء لا يجب ذكرها في العقد. فإن خالفوا وفعلوا شيئا منها.. لم تنتقض ذمتهم سواء شرطت عليهم في العقد أو لم تشرط. واختلف أصحابنا في علته: فمنهم من قال: لأنه لا ضرر على المسلمين في ذلك.

стр. 6356

ومنهم من قال: لأنهم يتدينون بأكثرها. هذا نقل أصحابنا البغداديين، وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إذا آووا عينا للمشركين، أو زنوا بمسلمة، أو سبوا مسلما، أو سرقوا ماله.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: تنتقض ذمتهم بذلك. والثاني: لا تنتقض. والثالث: إن شرط عليهم أن لا يفعلوا ذلك، فخالفوا.. انتقضت ذمتهم. وإن لم يشرط عليهم.. لم تنتقض ذمتهم. إذا ثبت هذا: فكل من فعل منهم ما يوجب نقض ذمته.. ففيه قولان: أحدهما: لا يجوز قتله ولا استرقاقه، بل يجب رده إلى مأمنه؛ لأنه كافر حصل في دار الإسلام، فصار كالكافر إذا دخل بأمان صبي. فعلى هذا: يستوفى ما وجب عليه من الحد، ثم يرد إلى مأمنه. والثاني: أن الإمام فيه بالخيار: بين القتل، والاسترقاق، والمن، والفداء، وهو الأصح؛ لأن أبا عبيدة بن الجراح قتل النصراني الذي استكره المرأة المسلمة على الزِّنَى قبل أن يرده إلى مأمنه، ولا مخالف له. ولأنه كافر لا أمان له، فهو كالحربي إذا دخل دار الإسلام متلصصا. [مسألة: لا يقيم مشرك في الحجاز] ولا يجوز لأحد من الكفار الإقامة في الحجاز، ولا يجوز للإمام أن يصالحهم على ذلك، فإن فعل.. كان الصلح فاسدا؛ لما رَوَى ابن عبَّاس: أنه قال: «أوصى النَّبيّ ﷺ بثلاثة أشياء؛ قال: " أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم» قال ابن عبَّاس: ونسيت الثالث! ورُوِى عمر: أن النَّبيَّ ﷺ -

стр. 6357

قال: «لأخرجن اليهود من جزيرة العرب» وروت عائشة ﵂: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» . والمراد بجزيرة العرب في هذه الأخبار: الحجاز؛ وهي: مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها. وسمي حجازا؛ لأنه حجز بين تهامة ونجد. والحجاز بعض جزيرة العرب؛ فإن جزيرة العرب - في قول الأصمعي - من أقصى عدن إلى ريف العراق في الطول، ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام في العرض. وفي قول أبي عبيدة: ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمين في الطول، وما بين يبرين إلى السماوة في العرض. و (حفر أبي موسى) : قريب من البصرة.

стр. 6358

والدليل على أن المراد بهذه الأخبار الحجاز لا غير: ما روى أبُو عبيدة بن الجراح: أن آخر ما تكلم به النَّبيّ ﷺ أن قال: «أخرجوا اليهود من الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب» ؛ لـ: (أنه صالحهم على ترك الربا، فنقضوا العهد) . ورُوِي: (أن عمر ﵁ أجلى أهل الذمة من الحجاز، فلحق بعضهم بالشام، وبعضهم بالكوفة) . و: (أجلى أبُو بكر ﵁ قوما من

стр. 6359

اليهود من الحجاز، فلحقوا بخيبر. وأجلى عمر ﵁ قوما فلحقوا بخيبر أيضا، وأقروا فيها وهي من جزيرة العرب) . وما رُوِي أن أحدا من الخلفاء الراشدين أجلى من في اليمن من أهل الذمة وإن كانت من جزيرة العرب، فدلَّ على ما ذكرناه. ورُوِي: (أن نصارى نجران أتوا عليا ﵁ فقالوا له: إن الكتاب بيدك والشفاعة على لسانك، وإن عمر أخرجنا من أرضنا، فردنا إليها. فقال عليّ ﵁: إن عمر كان رشيدا في فعله، وإني لا أغير شيئا فعله عمر) . ونجران ليست من الحجاز، وإنما لنقضهم الصلح الذي صالحهم النَّبيّ ﷺ على ترك الربا. فإن دخل داخل منهم الحجاز بغير إذن الإمام.. أخرجه وعزره إن كان عالما أن دخوله لا يجوز. وإن استأذن الإمام بعضهم في الدخول.. نظر الإمام: فإن كان في دخوله مصلحة للمسلمين؛ إما لأداء رسالة، أو عقد ذمة، أو هدنة، أو حمل ميرة، أو متاع فيه منفعة للمسلمين.. جاز له أن يأذن له في الدخول؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] [التوبة: ٦] . فأجاز: أن يسمع المسلمون المشرك القرآن، وذلك يتضمن الدخول. فإن كان في تجارة لا يحتاج المسلمون إليها.. لم يأذن له في الدخول إلا بشرط أن

стр. 6360

يأخذ من تجارته شيئا؛ لـ: (أن عمر ﵁ أمر أن يؤخذ من أنباط الشام من حمل القطنية من الحبوب العشر، ومن حمل الزيت والقمح نصف العشر) . ولا يجوز لمن دخل منهم الحجاز بإذن الإمام أن يقيم في موضع أكثر من ثلاثة أيام؛ لما رُوِيَ: (أن عمر ﵁ أجلى اليهود والنصارى من الحجاز، وأذن لمن دخل منهم تاجرا أن يقيم ثلاثا) . ولأنه لا يصير مقيما بالثلاث، ويصير مقيما بما زاد. فإن أقام في موضع ثلاثة أيام، ثم انتقل منه إلى موضع وأقام فيه ثلاثة أيام، ثم كذلك يقيم في كل موضع ثلاثا فما دون.. جاز؛ لأنه لم يصر مقيما في موضع. فإن كان له دين في موضع ولم يمكنه أن يقبضه في ثلاث.. لم يمكن من الإقامة أكثر من ثلاث، بل يوكل من يقبضه له. وإن دخل الحجاز بإذن الإمام ومرض.. جاز له أن يقيم في موضع حتى يبرأ وإن زادت إقامته على ثلاث؛ لأن المريض يشق عليه الانتقال. فإن مات فيه وأمكن نقله إلى غير الحجاز من غير تغير.. لم يدفن في الحجاز؛ لأنه إذا لم يجز له أن يقيم فيه وهو حي.. فلأن لا يجوز دفن جيفته فيه أولى. وإن لم يمكن نقله إلا مع التغير.. دفن؛ لأنه إذا لم يجب نقل المريض للمشقة.. فالميت أولى. [فرع: لا يمنع أهل الذمة من ركوب البحر الأحمر] قال الشافعيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا يمنع أهل الذمة من ركوب بحر الحجاز والاجتياز فيه؛ لأنه لا حرمة للبحار، ولهذا لم يبعث أحد من الأنبياء صلوات الله

стр. 6361

عليهم إلى البحار. ويمنعون من الإقامة في سواحل بحر الحجاز وجزائره؛ لأن لها حرمة أرض الحجاز) . [مسألة: لا يدخل أحد من الكفار الحرم] ولا يجوز لأحد من الكفار دخول الحرم بحال. وحكى ابن الصباغ: أن أبا حَنِيفَة قال: (يجوز لهم دخوله، ولهم أن يقيموا فيه مقام المسافر، ويجوز لهم - عنده - دخول الكعبة) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] [التوبة: ٢٨] . ففيها ثلاثة أدلة: أحدها: قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] [التوبة: ٢٨] ولم يرد أنهم أنجاس الأبدان؛ لأنهم إذا أسلموا.. فهم طاهرون، وإنما أراد نجس الأديان. فنزه الحرم عن دخولهم إليه لشرفه. ولأنه رُوِيَ: «أن الأنبياء - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - كانوا إذا حجوا وبلغوا الحرم.. نزعوا نعالهم ودخلوا حفاة؛ إجلالا للحرم» . والثاني: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] [التوبة: ٢٨] وأراد به: الحرم؛ لأن كل موضع ذكر الله المسجد الحرام.. فالمراد به: الحرم. والدليل عليه: قوله : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] [الإسراء: ١] وأراد به: الحرم؛ لأنه أسرى به من بيت خديجة. وقال الله تَعالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧] [الفتح: ٢٧] ، وقال تَعالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] [المائدة: ٩٥] وأراد به: الحرم. الثالث: أنه قال في سياق الآية: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨] [التوبة: ٢٨] . وإنما خافوا العيلة بانقطاع المشركين عن التجارة في الحرم، لا عن المسجد نفسه. ورُوِي: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يحجن مشرك بعد عامي هذا» .

стр. 6362

ورُوِي: أنه قال: «لا يدخلن مشرك المسجد الحرام» . إذا ثبت هذا: فإن جاء بعضهم يحمل ميرة إلى الحرم.. خرج إليه من يشتري منه. وإن جاء ليسلم رسالة.. خرج إليه من يستمع منه ذلك، فإن قال: لا أؤدي الرسالة إلا إلى الإمام.. خرج إليه الإمام، ولا يأذن له في الدخول. فإن دخل منهم داخل إلى الحرم.. أخرج، فإن كان عالما أن ذلك لا يجوز.. عزر، وإن كان جاهلا.. نهي عن العود، فإن عاد.. عزر. فإن صالحه الإمام على الدخول إلى موضع من الحرم بعوض.. لم يجز. فإن دخل إلى ذلك الموضع.. أخذ منه الإمام العوض المشروط عليه؛ لأنه قد حصل له المعوض. وإن دخل إلى دون ذلك المكان.. استحق عليه من العوض بقدر ما دخل. فإن مرض.. أخرج، وإن مات.. لم يدفن فيه؛ لأن جيفته أعظم من دخوله. فإن دفن فيه.. نبش وأخرج إلى الحل إلا أن يكون قد تقطع.. فلا يخرج؛ لـ: (أن النَّبيَّ ﷺ لم يأمر بنقل من مات منهم ودفن فيه قبل الفتح) . إذا ثبت هذا: فإن الحرم من طريق المدينة على ثلاثة أميال، ومن طريق الجعرانة على تسعة أميال، ومن طريق العراق على تسعة أميال، ومن طريق نجد على عرفة على تسعة أميال، ومن طريق جدة على عشرة أميال. [فرع: يدخل الكافر المسجد بإذن مسلم] فأما سائر المساجد: فلا يجوز للكفار دخولها بغير إذن المسلمين؛ لأنهم ليسوا من أهلها. فإن استأذن أحد منهم مسلما في الدخول، فإن كان للأكل أو النوم.. لم

стр. 6363

يأذن له في الدخول؛ لأنه يرى ابتذال المسجد تدينا. وإن كان لاستماع القرآن أو علم أو ذكر.. أذن له في الدخول؛ لأنه ربما كان سببا لإسلامه. ورُوِي: (أن عمر بن الخطاب ﵁ اجتاز بباب أخته، فسمعها تقرأ سورة (طه) .. فأسلم) . وقال جبير بن مطعم: (سمعت القرآن، فكاد قلبي أن يتصدع.. فأسلمت) . وكذلك: إن كان له حاجة إلى مسلم في المسجد، أو للمسلم إليه حاجة.. جاز له أن يدخل إليه. وإن قدم على الإمام وفد من المشركين، فإن كان للمسلمين فضول منازل.. أنزلوهم فيها. وإن لم يكن لهم فضول منازل، وكان للإمام دار مرسوم للوفد.. أنزلهم فيها. وإن لم يكن لهم شيء من ذلك.. جاز له أن ينزلهم في المسجد، لما روي: «أن النَّبيَّ ﷺ شد ثمامة بن أثال إلى سارية من سواري المسجد» و: «لما قدم سبي بني قريظة وبني النضير.. أنزلهم في المسجد إلى أن وجه بهم، فبيعوا» . وهل يجوز للمسلم أن يأذن للكافر الجنب في دخول المسجد؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه إذا منع المسلم الجنب من دخوله وإقامته فيه.. فلأن يمنع الكافر الجنب من دخوله أولى.

стр. 6364

والثاني: يجوز له، لأن الكافر لا يعتقد تعظيمه فلم يمنع منه، والمسلم يعتقد تعظيمه فمنع منه. فإن دخل الكافر المسجد بغير إذن ولا حاجة له إلى مسلم فيه.. عزر إن كان عالما، ولا يعزر إن كان جاهلا، بل ينهى عن ذلك، فإن عاد.. عزر، لما رُوِيَ: (أن عليا ﵁ كان على المنبر فنظر مجوسيا دخل المسجد، فنزل وضربه وأخرجه) هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال الخراسانيون: إن شرط عليه أن لا يدخل.. عزره، وإن لم يشرط عليه.. فهل يعزره؟ فيه وجهان. [مسألة: منع أهل الحرب دخول دار الإسلام بغير إذن الإمام] أو رسالة وماذا لو اتجروا؟] : ويمنع أهل الحرب من دخول دار الإسلام بغير إذن الإمام؛ لأن في دخولهم ضررا على المسلمين؛ لأنهم يتجسسون أخبارهم ويطلعون على عوراتهم، وربما اجتمعوا أو غلبوا على شيء من بلاد الإسلام. فإن دخل منهم رجل دار الإسلام.. سئل، فإن قال: دخلت بغير أمان ولا رسالة.. كان الإمام فيه بالخيار: بين القتل والاسترقاق، والمن، والفداء، لأن عمر ﵁ لما رأى أبا سفيان بن حرب.. قال: «يا رسول الله، هذا أبُو سفيان، قد أمكن الله منه بلا أمان، ولا إيمان، فقال العباس: قد أمنته» وإن قال: دخلت برسالة.. قبل قوله؛ لأنه يتعذر إقامة البينة على الرسالة. وإن قال: دخلت بأمان مسلم.. ففيه وجهان: أحدهما: يقبل قوله؛ لأن الظاهر أنه لا يدخل من غير أمان، والأصل حقن دمه. والثاني: لا يقبل قوله؛ لأنه يمكنه إقامة البينة على الأمان. والأول أصح. وإن استأذن رجل منهم الإمام في الدخول، فإن كان للمسلمين مصلحة في دخوله؛ بأن يدخل لأداء رسالة، أو عقد ذمة، أو هدنة، أو حمل ميرة، أو متاع يحتاجه المسلمون.. جاز له أن يأذن له في الدخول بغير عوض يؤخذ منه. وإن كان

стр. 6365

لتجارة لا يحتاج إليها المسلمون.. فالمستحب للإمام أن يأذن لهم في الدخول، ويشترط عليهم عشر تجارتهم؛ لـ (أن عمر ﵁ أذن لهم في الدخول واشترط عليهم عشر تجارتهم) . فإن اشترط عليهم أقل من ذلك أو أكثر.. جاز؛ لأن ذلك إلى اجتهاد الإمام. وإن رأى أن يأذن لهم في الدخول من غير شرط عوض.. جاز، وإن أذن لهم في الدخول مطلقا من غير أن يشترط دفع العوض ولا عدمه.. ففيه وجهان: [أحدهما] : من أصحابنا من قال: لا يجوز للإمام أن يطالبهم بعوض؛ لأنه إنما يستحق العوض عليهم بالشرط ولم يشترط، فهو كما لو أذن لهم بغير عوض. و [الثاني] : منهم من قال: يستحق عليهم العشر؛ لأن مطلق الإذن يحمل على المعهود في الشَّرع، وقد تقرر ذلك بفعل عمر ﵁ فحمل الإطلاق عليه. هذا مذهبنا: وقال أبُو حَنِيفَة: (إن كان أهل الحرب لا يأخذون من المسلمين العشر إذا دخلوا بلادهم.. لم يأخذ الإمام منهم شيئا. وإن كانوا يأخذون من المسلمين العشر.. أخذ منهم الإمام العشر) . دليلنا: (أن عمر ﵁ أخذ منهم العشر) ، ولم ينقل أنه سأل: هل يأخذون من المسلمين العشر أو لا يأخذون؟ ولا مخالف له في الصحابة. وأمَّا أهل الذمة: فيجوز لهم أن يتجروا في بلاد المسلمين بغير عوض يؤخذ منهم إلا أن يشترط عليهم مع الجزية: إن اتجروا في بلاد الإسلام أخذ منهم نصف العشر.. فيجب عليهم ذلك؛ لما رُوِيَ: (أن عمر ﵁ شرط على أهل الذمة مع الجزية إذا اتجروا في بلاد الإسلام نصف العشر من تجارتهم) .

стр. 6366

وأمَّا دخولهم أرض الحجاز للتجارة: فهم كأهل الحرب إذا دخلوا دار الإسلام للتجارة، وقد مَضَى. وإن دخل أهل الذمة إلى أرض الحجاز لتجارة لا يحتاج المسلمون إليها، ولم يشرط عليهم الإمام عوضا، ولا شرط أنهم يدخلونها بغير عوض.. فهل يجب عليهم نصف العشر لتجارتهم؟ فيه وجهان، كما قلنا في أهل الحرب إذا دخلوا بلاد الإسلام من غير شرط. وما يؤخذ من أهل الذمة بالشرط لدخولهم أرض الحجاز أو لتجارتهم في بلاد الإسلام إن اشترط عليهم.. فإنه يؤخذ منهم في السنة مرة، كما قلنا في الجزية. وأما ما يؤخذ من أهل الحرب لدخولهم دار الإسلام.. ففيه وجهان: أحدهما: يؤخذ منهم في السنة مرة، كما قلنا في أهل الذمة. والثاني: يؤخذ منهم في كل مرة يدخلون؛ لأن أهل الذمة في قبضته، فلا يضيع الحق بتأخيره، وأهل الحرب ليسوا في قبضته، فلا يؤمن أن يتجروا أكثر السنة، فإذا قاربوا آخر السنة.. رجعوا إلى دار الحرب، ثم لا يعودون، فيضيع المال المشروط عليهم. وأمَّا الذي يؤخذ منهم: ينظر في الإمام: فإن شرط عليهم أن يأخذ من تجارتهم.. أخذ من متاعهم الذي معهم، سواء باعوه أو لم يبيعوه. وإن شرط عليهم أن يأخذ من ثمن تجارتهم، فإن باعوه.. أخذ منهم، وإن كسد ولم يبيعوه.. لم يأخذ منهم شيئا. [فرع: كتابة ما يأخذه الإمام من تجار أهل الذمة] وإذا أخذ الإمام من أهل الحرب العشر، أو من أهل الذمة نصف العشر.. كتب لهم كتابا بما أخذه؛ لأنه ربما مات الإمام وخلفه غيره فيطالبهم، فإذا كان معهم كتاب.. لم يطالبهم بشيء. قال الشافعيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وأحب للإمام أن يحدد في كل وقت وثائق أهل

стр. 6367

الذمة وأهل الحرب بما كان بينهم من ذمة، وجزية، وأمان، وفي أي وقت استوفى ذلك؛ ليكون ظاهرا يرجع إليه، ويشهد على ذلك؛ لأنه ربما مات الشهود الأولون، كما يستحب للقضاة تجديد السجلات والوقوف، والإشهاد عليها كلما مَضَى وقت يخاف فيه موت الشهود؛ لئلا تنسى شروطها) . وبالله التوفيق

стр. 6368

[باب الهدنة] الهدنة والمهادنة والمعاهدة والموادعة شيء واحد؛ وهو: العقد مع أهل الحرب على الكف عن القتال مدة، بعوض وبغير عوض. والأصل فيه: قَوْله تَعَالَى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] إلى قوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤] [التوبة: ١-٤] . ورُوِي: «أن النَّبيَّ ﷺ صالح سهيل بن عمرو على ترك القتال عشر سنين» . إذا ثبت هذا: فلا يصح عقد الهدنة لجميع المشركين، أو لصقع إلا للإمام أو للوالي من قبله على إقليم يهادن أهل إقليمه.

стр. 6369

فأما آحاد الرعية: فلا يجوز لهم ذلك؛ لأن ذلك من الأمور العظام التي تتعلق بمصلحة المسلمين، فلو جوزنا ذلك لآحاد الرعية.. لتعطل الجهاد. فإذا أراد الإمام أن يعقد الهدنة مع جميع المشركين، أو مع أهل إقليم أو صقع عظيم.. نظرت: فإن كان مستظهرا عليهم، ولم ير مصلحة في عقد الهدنة.. لم يجز له عقدها، بل يقاتلهم إلى أن يسلموا، أو يبذلوا الجزية إن كانوا من أهل الكتاب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] [التوبة: ٤١] ولقوله تَعالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية [التوبة: ٢٩] . فأمر بالجهاد والقتال، والأمر يحمل على الوجوب. ولقوله تَعالَى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥] [محمد: ٢٥] . وإن رأى الإمام مع استظهاره المصلحة في الهدنة؛ بأن يرجو أن يسلموا، أو يبذلوا الجزية، أو يعينوه على قتال غيرهم.. جاز له أن يعقد لهم الهدنة أربعة أشهر فما دونها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] [التوبة: ١-٢] . قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وكان ذلك في أقوى ما كان رسول الله، ﷺ ) . ورُوِي: «أن النَّبيَّ ﷺ لما فتح مكة.. هرب منه صفوان بن أمية، فقال له النَّبيّ، ﷺ : سح في الأرض أربعة أشهر» وكان مستظهرا عليه وعلى جميع الكفار، وإنما كان يرجو إسلامه، فأسلم بعد ذلك. ولا يجوز للإمام أن يعقد الهدنة مع استظهاره سنة فما زاد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] [التوبة: ٥] . وهذا عام في جميع الأوقات، إلا ما خصه الدليل. ولأن السنة مدة تجب فيها الجزية، فلم يجز إقرارهم فيها بغير جزية. وهل يجوز عقد الهدنة فيما زاد على أربعة أشهر ودون السنة؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجوز؛ لعموم الأمر بالقتال إلا ما خصه الدليل، ولم يرد الدليل إلا في أربعة أشهر.

стр. 6370

والثاني: يجوز؛ لأنها مدة تقصر عن مدة الجزية، فجاز فيها عقد الهدنة، كأربعة أشهر. وإن كان الإمام غير مستظهر على المشركين؛ أما لقلة عدد المسلمين، أو كثرة عدد المشركين، أو لضعف ثبات المسلمين في القتال، أو لقلة ما في يده من المال بالنسبة لما يحتاج إليه من المال في قتالهم.. فللإمام أن يهادنهم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] [الأنفال: ٦١] و (السلم) : الصلح. وله أن يهادنهم مع استظهارهم ما يرى فيه المصلحة من السنة وما زاد عليها إلى عشر سنين لما رُوِيَ: «أن النَّبيَّ ﷺ صالح سهيل بن عمرو في الحديبية على ترك القتال عشر سنين، وكتب في الكتاب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو: على وضع القتال عشر سنين» وإنما هادنهم هذه المدة؛ لأنه جاء إلى المدينة ليقيم لا ليقاتل، وكان بمكة مسلمون مستضعفون، فهادنهم حتى أظهر من بمكة إسلامه، فكثر المسلمون فيهم. قال الشعبي: لم يكن في الإسلام فتح مثل صلح الحديبية. هذا ترتيب الشيخ أبي إسحاق وابن الصبَّاغ. وذكر الشيخ أبُو حامد في " التعليق ": أن القرآن ورد بجواز الهدنة أربعة أشهر، و «عقد النَّبيّ ﷺ الهدنة مع سهيل بن عمرو عشر سنين، ثم نقض الهدنة قبل انقضاء العشر» . واختلف أصحابنا في ذلك: فمنهم من قال: نقض النَّبيّ ﷺ الهدنة.. نسخ للهدنة فيما زاد على أربعة أشهر. ومنهم من قال: ليست بنسخ. وهو الأصح؛ لأن النَّبيَّ ﷺ عقد الهدنة سنة ست

стр. 6371

من الهجرة عشر سنين على أن يعود معتمرا سنة سبع ويقيم بمكة ثلاثا، فعاد في سنة سبع واعتمر، وأخلت له قريش مكة وخرجوا منها، فقال لهم: " إنِّي أريد أن أتزوج فيكم وأطعم "، فقالوا: لا حاجة لنا في طعامك فاخرج، فخرج فسار إلى سرف على عشرة أميال من مكة، فتزوج ميمونة وبنى بها في ذلك الموضع، وأقام على الهدنة بعد ذلك قدر سنة، ثم وقع بعد ذلك بين بني بكر وبين خزاعة شر، وكانت خزاعة حلفا للنبي ﷺ وبنو بكر حلفا لقريش، فأعانت قريش حلفاءها على حلفاء رسول الله ﷺ فانتقضت هدنتهم، فسار إليهم النَّبيّ ﷺ وفتح مكة. فثبت أن الهدنة فيما زاد على

стр. 6372

أربعة أشهر غير منسوخة، لأن النَّبيَّ ﷺ أقام على الهدنة قدر سنتين. فإذا قلنا: إن الهدنة منسوخة فيما زاد على أربعة أشهر.. لم يجز عقدها فيما زاد على أربعة أشهر لا لحاجة ولا لضرورة. وإن قلنا: إنه ليس بمنسوخ، فإن زاد الإمام عقد الهدنة كحاجة الضرورة؛ بأن كان المدد بعيدا عنه ويخاف سير المشركين.. فكم المدة التي يجوز عقد الهدنة إليها؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز عقدها لأقل من السنة، ولا يجوز إلى سنة؛ لأن السنة مدة الجزية، فلا يجوز إقرارهم فيها من غير عوض. والثاني: يجوز عقدها لسنة؛ لأنهم إنما لا يجوز إقرارهم في دار الإسلام سنة بغير عوض، وأمَّا الهدنة.. فهي كف عن القتال، فجاز إلى سنة من غير عوض. وإن كان ذلك لضرورة؛ بأن كان العدو قد نزل على المسلمين وخافهم الإمام.. ففي المدة قولان: أحدهما: لا تجوز إلا إلى سنة. والثاني: تجوز إلى عشر سنين. ولا يجوز عقد الهدنة إلى أكثر من عشر سنين بحال، بلا خلاف على المذهب. وقال أبُو حَنِيفَة وأحمد بن حنبل: (يجوز ذلك على ما يراه الإمام، كما يجوز الصلح على أداء الخراج من غير تقدير مدة) . دليلنا: أن الله تَعالَى أمر بالقتال عاما في جميع الأوقات، وإنما خصصناه بما قام عليه الدليل، ولم يقم الدليل إلا في عشر سنين؛ بفعل النَّبيّ ﷺ في صلح الحديبية، فبقي ما زاد على مقتضى عموم الأمر. فإن عقد الهدنة إلى أكثر من عشر سنين.. لم

стр. 6373

يصح العقد فيما زاد على العشر. وهل يصح العقد في العشر؟ على القولين، بناء على تفريق الصفقة. ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: يصح في العشر، وتبطل فيما زاد قولا واحدا؛ لأنه يجوز فيما بين المسلمين والكفار ما لا يجوز بين المسلمين وحدهم. والأول هو المشهور. إذا ثبت هذا: فإن المسعودي قال: [في " الإبانة "] : إذا طلب المشركون عقد الهدنة.. فالظاهر: أنه لا يجب على الإمام عقدها؛ إذ لا منفعة للمسلمين في ذلك. ومن أصحابنا من قال: إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك؛ بأن يرجو إسلامهم.. وجب عليه ذلك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] الآية [التوبة: ٦] . [مسألة: عقد الهدنة مطلقا] وإذا عقد الإمام الهدنة مطلقا.. لم يصح العقد؛ لأن الإطلاق يقتضي التأبيد، والهدنة لا يصح عقدها على التأبيد. هذا نقل أصحابنا العراقيين. وقال الخراسانيون: يصح العقد، فإن كان الإمام مستظهرا.. انصرف إلى أربعة أشهر في أحد القولين، وإلى سنة في الثاني. وإن كان غير مستظهر.. انصرف العقد إلى عشر سنين. [فرع: الهدنة من غير مدة ولكنها علقت بالمشيئة] ] : وإن هادنهم الإمام إلى غير مدة على أن له أن ينقض متى شاء.. جاز؛ لأن النَّبيَّ ﷺ صالح أهل خيبر مطلقا، ولكن قال: «أقركم ما أقركم الله تَعالَى» . وفي بعض الأخبار: " أقركم ما شئنا ". فإن قال غير النَّبيّ، ﷺ : أقركم ما أقركم الله أو إلى أن يشاء الله.. لم تصح الهدنة؛ لأن ذلك لا يعلم إلا بالوحي، وقد انقطع الوحي بموت النَّبيّ، ﷺ .

стр. 6374

وإن قال: هادنتكم إلى أن يشاء فلان - وهو رجل، مسلم، أمين، عاقل، له رأي - جاز، فإذا شاء فلان أن ينقض.. نقض. وإن قال: هادنتكم إلى أن تشاءوا أو إلى أن يشاء رجل منكم.. لم يصح؛ لأنه جعل الكفار محكمين على الإسلام، وقد قال النَّبيّ، ﷺ : «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» . [فرع: المدة التي يقر الحربي بها في دار الإسلام] وإن دخل رجل من دار الحرب إلى دار الإسلام برسالة، أو بأمان، أو لحمل ميرة يحتاجها المسلمون، أو تاجرا.. قال الشيخُ أبُو حامد: فإنه يجوز للإمام أن يقره في دار الإسلام ما دون السنة بغير عوض؛ لأنه في حكم العقود، ولا يجوز له أن يقره سنة؛ لأن الجزية تجب فيها. فإذا قارب السنة.. قال له الإمام: إقرارك في دار الإسلام سنة بلا عوض لا يجوز، فإن كان وثنيا.. أمره أن يلحق بدار الحرب. وإن كان كتابيا.. قال له: إما أن تلحق بدار الحرب، أو تعقد لك الذمة وتبذل الجزية. وقال ابن الصبَّاغ: يجوز له أن يقره أربعة أشهر بلا عوض، ولا يجوز له أن يقره سنة بغير عوض. وهل له أن يقره ما زاد على أربعة أشهر ودون السنة بغير عوض؟ على القولين في الهدنة مع استظهار الإمام. [فرع: عقد الهدنة إلى مدة بشرط عوض] ويجوز عقد الهدنة إلى مدة على أن يؤخذ من الكفار مال؛ لأن في ذلك مصلحة للمسلمين. وأمَّا عقد الهدنة على مال يؤخذ من المسلمين، فإن لم يكن هناك ضرورة، لكن كان الإمام محتاجا إلى ذلك؛ بأن بلغه سير العدو وخافهم، أو كانوا قد ساروا ولم يلتقوا، أو التقوا ولم يظهروا على المسلمين ولا خيف ظهورهم.. فلا يجوز بذل العوض لهم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة: ١١١] [التوبة: ١١١] .

стр. 6375

قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فأخبر الله تَعالَى: أن المؤمنين إذا قتلوا أو قُتلوا.. استحقوا الجنة، فاستوى الحالتان في الثواب، فلم يجز دفع العوض لدفع الثواب، ولأن في ذلك إلحاق صغار بالمسلمين، فلم يجز من غير ضرورة) . وإن كان هناك ضرورة بأن أسروا رجلا من المسلمين.. فيجوز للإمام ولغيره أن يبذل مالا لتخليصه؛ لـ: «أن النَّبيَّ ﷺ فادى العقيلي برجلين من أصحابه بعدما أسلم العقيلي واسترق وحصل من جملة الأموال» فدلَّ على جواز بذل الأموال لاستنقاذ الأسارى من المسلمين. وإن كان المسلمون في حصن، وأحاط المشركون بهم ولم يمكنهم الخروج منه ولا المقام فيه، أو التقى المسلمون والمشركون في مكان، وأحاط المشركون بهم من جميع الجهات، وكان المسلمون قليلا والمشركون كثيرا، وخاف الإمام هلاك المسلمين، أو التقوا وخاف الإمام هزيمة المسلمين.. فيجوز له في هذه المواضع أن يبذل للمشركين مالا ليتركوا قتالهم؛ لما رُوِيَ: «أن الحارث بن عمرو الغطفاني - رأس غطفان - قال للنبي، ﷺ : إن جعلت لي يا محمد شطر ثمار المدينة، وإلا.. ملأتها عليك خيلا ورجلا؟ فقال له النَّبيّ، ﷺ : " حتى أشاور السعود " - يعني: سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وسعد بن زرارة - فشاورهم النَّبيّ ﷺ على ذلك، فقالوا: يا رسول الله، إن كان هذا بأمر من السماء.. فتسليما لأمر الله، وإن كان هذا برأيك.. فرأينا لرأيك تبع، وإن لم يكن بأمر من السماء ولا برأيك.. فوالله ما كنا نعطيهم في الجاهلية بسرة ولا تمرة إلا قراء أو شراء، فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام وبك يا رسول الله؟! وفي رواية: أن الحارث أنفذ إليه رسولا بذلك، فقال النَّبيّ ﷺ لرسوله: " أوتسمع؟ " ولم يعطه شيئا.» .
следующие страницы →