← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

من الهجرة عشر سنين على أن يعود معتمرا سنة سبع ويقيم بمكة ثلاثا، فعاد في سنة سبع واعتمر، وأخلت له قريش مكة وخرجوا منها، فقال لهم: " إنِّي أريد أن أتزوج فيكم وأطعم "، فقالوا: لا حاجة لنا في طعامك فاخرج، فخرج فسار إلى سرف على عشرة أميال من مكة، فتزوج ميمونة وبنى بها في ذلك الموضع، وأقام على الهدنة بعد ذلك قدر سنة، ثم وقع بعد ذلك بين بني بكر وبين خزاعة شر، وكانت خزاعة حلفا للنبي ﷺ وبنو بكر حلفا لقريش، فأعانت قريش حلفاءها على حلفاء رسول الله ﷺ فانتقضت هدنتهم، فسار إليهم النَّبيّ ﷺ وفتح مكة. فثبت أن الهدنة فيما زاد على

стр. 6372

أربعة أشهر غير منسوخة، لأن النَّبيَّ ﷺ أقام على الهدنة قدر سنتين. فإذا قلنا: إن الهدنة منسوخة فيما زاد على أربعة أشهر.. لم يجز عقدها فيما زاد على أربعة أشهر لا لحاجة ولا لضرورة. وإن قلنا: إنه ليس بمنسوخ، فإن زاد الإمام عقد الهدنة كحاجة الضرورة؛ بأن كان المدد بعيدا عنه ويخاف سير المشركين.. فكم المدة التي يجوز عقد الهدنة إليها؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز عقدها لأقل من السنة، ولا يجوز إلى سنة؛ لأن السنة مدة الجزية، فلا يجوز إقرارهم فيها من غير عوض. والثاني: يجوز عقدها لسنة؛ لأنهم إنما لا يجوز إقرارهم في دار الإسلام سنة بغير عوض، وأمَّا الهدنة.. فهي كف عن القتال، فجاز إلى سنة من غير عوض. وإن كان ذلك لضرورة؛ بأن كان العدو قد نزل على المسلمين وخافهم الإمام.. ففي المدة قولان: أحدهما: لا تجوز إلا إلى سنة. والثاني: تجوز إلى عشر سنين. ولا يجوز عقد الهدنة إلى أكثر من عشر سنين بحال، بلا خلاف على المذهب. وقال أبُو حَنِيفَة وأحمد بن حنبل: (يجوز ذلك على ما يراه الإمام، كما يجوز الصلح على أداء الخراج من غير تقدير مدة) . دليلنا: أن الله تَعالَى أمر بالقتال عاما في جميع الأوقات، وإنما خصصناه بما قام عليه الدليل، ولم يقم الدليل إلا في عشر سنين؛ بفعل النَّبيّ ﷺ في صلح الحديبية، فبقي ما زاد على مقتضى عموم الأمر. فإن عقد الهدنة إلى أكثر من عشر سنين.. لم

стр. 6373

يصح العقد فيما زاد على العشر. وهل يصح العقد في العشر؟ على القولين، بناء على تفريق الصفقة. ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: يصح في العشر، وتبطل فيما زاد قولا واحدا؛ لأنه يجوز فيما بين المسلمين والكفار ما لا يجوز بين المسلمين وحدهم. والأول هو المشهور. إذا ثبت هذا: فإن المسعودي قال: [في " الإبانة "] : إذا طلب المشركون عقد الهدنة.. فالظاهر: أنه لا يجب على الإمام عقدها؛ إذ لا منفعة للمسلمين في ذلك. ومن أصحابنا من قال: إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك؛ بأن يرجو إسلامهم.. وجب عليه ذلك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] الآية [التوبة: ٦] . [مسألة: عقد الهدنة مطلقا] وإذا عقد الإمام الهدنة مطلقا.. لم يصح العقد؛ لأن الإطلاق يقتضي التأبيد، والهدنة لا يصح عقدها على التأبيد. هذا نقل أصحابنا العراقيين. وقال الخراسانيون: يصح العقد، فإن كان الإمام مستظهرا.. انصرف إلى أربعة أشهر في أحد القولين، وإلى سنة في الثاني. وإن كان غير مستظهر.. انصرف العقد إلى عشر سنين. [فرع: الهدنة من غير مدة ولكنها علقت بالمشيئة] ] : وإن هادنهم الإمام إلى غير مدة على أن له أن ينقض متى شاء.. جاز؛ لأن النَّبيَّ ﷺ صالح أهل خيبر مطلقا، ولكن قال: «أقركم ما أقركم الله تَعالَى» . وفي بعض الأخبار: " أقركم ما شئنا ". فإن قال غير النَّبيّ، ﷺ : أقركم ما أقركم الله أو إلى أن يشاء الله.. لم تصح الهدنة؛ لأن ذلك لا يعلم إلا بالوحي، وقد انقطع الوحي بموت النَّبيّ، ﷺ .

стр. 6374

وإن قال: هادنتكم إلى أن يشاء فلان - وهو رجل، مسلم، أمين، عاقل، له رأي - جاز، فإذا شاء فلان أن ينقض.. نقض. وإن قال: هادنتكم إلى أن تشاءوا أو إلى أن يشاء رجل منكم.. لم يصح؛ لأنه جعل الكفار محكمين على الإسلام، وقد قال النَّبيّ، ﷺ : «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» . [فرع: المدة التي يقر الحربي بها في دار الإسلام] وإن دخل رجل من دار الحرب إلى دار الإسلام برسالة، أو بأمان، أو لحمل ميرة يحتاجها المسلمون، أو تاجرا.. قال الشيخُ أبُو حامد: فإنه يجوز للإمام أن يقره في دار الإسلام ما دون السنة بغير عوض؛ لأنه في حكم العقود، ولا يجوز له أن يقره سنة؛ لأن الجزية تجب فيها. فإذا قارب السنة.. قال له الإمام: إقرارك في دار الإسلام سنة بلا عوض لا يجوز، فإن كان وثنيا.. أمره أن يلحق بدار الحرب. وإن كان كتابيا.. قال له: إما أن تلحق بدار الحرب، أو تعقد لك الذمة وتبذل الجزية. وقال ابن الصبَّاغ: يجوز له أن يقره أربعة أشهر بلا عوض، ولا يجوز له أن يقره سنة بغير عوض. وهل له أن يقره ما زاد على أربعة أشهر ودون السنة بغير عوض؟ على القولين في الهدنة مع استظهار الإمام. [فرع: عقد الهدنة إلى مدة بشرط عوض] ويجوز عقد الهدنة إلى مدة على أن يؤخذ من الكفار مال؛ لأن في ذلك مصلحة للمسلمين. وأمَّا عقد الهدنة على مال يؤخذ من المسلمين، فإن لم يكن هناك ضرورة، لكن كان الإمام محتاجا إلى ذلك؛ بأن بلغه سير العدو وخافهم، أو كانوا قد ساروا ولم يلتقوا، أو التقوا ولم يظهروا على المسلمين ولا خيف ظهورهم.. فلا يجوز بذل العوض لهم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة: ١١١] [التوبة: ١١١] .

стр. 6375

قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فأخبر الله تَعالَى: أن المؤمنين إذا قتلوا أو قُتلوا.. استحقوا الجنة، فاستوى الحالتان في الثواب، فلم يجز دفع العوض لدفع الثواب، ولأن في ذلك إلحاق صغار بالمسلمين، فلم يجز من غير ضرورة) . وإن كان هناك ضرورة بأن أسروا رجلا من المسلمين.. فيجوز للإمام ولغيره أن يبذل مالا لتخليصه؛ لـ: «أن النَّبيَّ ﷺ فادى العقيلي برجلين من أصحابه بعدما أسلم العقيلي واسترق وحصل من جملة الأموال» فدلَّ على جواز بذل الأموال لاستنقاذ الأسارى من المسلمين. وإن كان المسلمون في حصن، وأحاط المشركون بهم ولم يمكنهم الخروج منه ولا المقام فيه، أو التقى المسلمون والمشركون في مكان، وأحاط المشركون بهم من جميع الجهات، وكان المسلمون قليلا والمشركون كثيرا، وخاف الإمام هلاك المسلمين، أو التقوا وخاف الإمام هزيمة المسلمين.. فيجوز له في هذه المواضع أن يبذل للمشركين مالا ليتركوا قتالهم؛ لما رُوِيَ: «أن الحارث بن عمرو الغطفاني - رأس غطفان - قال للنبي، ﷺ : إن جعلت لي يا محمد شطر ثمار المدينة، وإلا.. ملأتها عليك خيلا ورجلا؟ فقال له النَّبيّ، ﷺ : " حتى أشاور السعود " - يعني: سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وسعد بن زرارة - فشاورهم النَّبيّ ﷺ على ذلك، فقالوا: يا رسول الله، إن كان هذا بأمر من السماء.. فتسليما لأمر الله، وإن كان هذا برأيك.. فرأينا لرأيك تبع، وإن لم يكن بأمر من السماء ولا برأيك.. فوالله ما كنا نعطيهم في الجاهلية بسرة ولا تمرة إلا قراء أو شراء، فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام وبك يا رسول الله؟! وفي رواية: أن الحارث أنفذ إليه رسولا بذلك، فقال النَّبيّ ﷺ لرسوله: " أوتسمع؟ " ولم يعطه شيئا.» .

стр. 6376

وذكر الشيخ أبُو حامد: أن القبائل لما أحاطت بالمدينة عام الخندق.. وافق النَّبيّ ﷺ المشركين على أن يجعل لهم ثلث ثمار المدينة وعلى أن ينصرفوا. ثم استشار سعد بن معاذ رئيس الأوس وسعد بن عبادة رئيس الخزرج، فأجاباه بنحو ما ذكرناه، فلم يعطهم النَّبيّ ﷺ شيئا. فإن قيل: فإن كان النَّبيّ ﷺ والمسلمون مضطرين إلى ذلك وقد فعله.. فكيف جاز له نقضه؟ وإن لم يكونوا مضطرين.. فكيف فعله؟ فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن النَّبيَّ ﷺ ظن أن الحال حال ضرورة، وأن الأنصار قد ملوا القتال، فلما بان له قوة نياتهم في القتال.. علم أن الحال ليس بحال ضرورة، فنقض ما كان فعله، كما رُوِيَ: «أنه أقطع الأبيض بن حمال ملح مأرب، فقيل له: إنه كالماء العد من ورده.. أخذه، قال: فلا إذن» ؛ لأنه كان ظن في الابتداء أنه من المعادن التي يحتاج فيها إلى الحفر، فلما تبين له الحال.. نقض ما كان فعله. والثاني: أن النَّبيَّ ﷺ لم يكن عقد الهدنة، ولم يكن بذل المال لهم، وإنما كان هَايَأَ المشركين على ذلك وهم بالعقد، فلما علم قوة نية الأنصار.. لم يعقد. فلو لم يجز بذل المال عند الضرورة.. لما شاورهم النَّبيّ ﷺ على ذلك. إذا ثبت هذا: فهل يجب بذل المال عند الضرورة؟ فيه وجهان، بناء على الوجهين في وجوب الدفع عن نفسه بالقتال، أو بأكل الميتة إذا اضطر إليها. قال الشيخُ أبُو إسحاق: وإن قبض الكفار منهم المال على ذلك.. لم يملكوه؛

стр. 6377

لأنه مال مأخوذ بغير حق، فلم يملكوه، كالمأخوذ بالقهر. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : لا يجوز أن يشترط الإمام للكفار مالا على المسلمين بحال، وكذلك: إذا كان في أيدي الكفار مال للمسلمين.. فلا يجوز للإمام أن يعاقدهم على أن يترك ذلك المال لهم. ولو كان في أيديهم أسير.. فلا يجوز أن يعاقدهم على أن يردوا ذلك الأسير إليهم. وإن انفلت منهم.. لم يجز معاقدتهم على أن يرد ذلك الأسير إليهم. [مسألة: لا ترد المسلمات لأجل الهدنة] ولا يجوز عقد الهدنة على رد من جاء من المسلمات منهم إلينا؛ لما رُوِيَ: «أن النَّبيَّ ﷺ عقد الصلح في الحديبية، ثم جاءته بعد ذلك أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مسلمة، فجاء أخواها يطلبانها، فأراد النَّبيّ ﷺ أن يردها عليهما، فمنعه الله من ردها بقوله تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] الآية [الممتحنة: ١٠] فقال النَّبيّ، ﷺ : إن الله تَعالَى قد منع من الصلح في النساء» ولم يردها عليهم، ولأنه لا يؤمن أن تزوج بمشرك، أو تفتن عن دينها لنقصان عقلها. واختلف أصحابنا على أي وجه عقد النَّبيّ ﷺ الهدنة: فقال أبُو إسحاق: يحتمل معاني: أحدها: أنه كان عقدها بشرط أن يرد عليهم من جاءه من المسلمات، وكان ذلك الشرط صحيحا حال العقد، إلا أن الله تَعالَى نسخه ومنع من ردهن بالآية. والثاني: أنه كان شرط ردهن في العقد، ولكن كان ذلك الشرط فاسدا، وهل كان النَّبيّ ﷺ علم فساده؟ فيه وجهان:

стр. 6378

أحدهما: أنه لم يكن علم فساده، بل ظنه صحيحا، ثم بين الله تعالى فساده. والنَّبيّ ﷺ يجوز عليه الخطأ لكن لا يقر عليه، وغير النَّبيّ ﷺ يجوز عليه الخطأ ويقر عليه. والوجه الثاني: أنه كان علم فساده، ولكن اضطر إلى ذلك العقد فعقده، واعتقد أنه لا يفي به ولكن اعتقد أنه يفي بموجبه وهو: رد المهر. والاحتمال الثالث: أنه كان عقد الهدنة مطلقا من غير شرط رد المسلمات، ولكن العقد اقتضى الكف والأمان وأن نكف عن أموالهم ليكفوا عن أموالنا، والبضع يجري مجرى الأموال. هذا ترتيب الشيخ أبي حامد. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : هل كان شرط النَّبيّ ﷺ رد المسلمات؟ فيه قولان، وفائدة ذلك نذكرها فيما بعد إن شاء الله تَعالَى. [فرع: عقد الهدنة لرد المسلمين المهاجرين] ] : ولا يجوز عقد الهدنة على رد من جاء من المسلمين منهم إلينا، ممن لا عشيرة له تمنع عنه. ويجوز عقدها على رد من جاء من المسلمين منهم إلينا، ممن له عشيرة تمنع عنه. ولا يجوز عقدها على رد من جاء من المسلمين منهم إلينا مطلقا؛ لأنه يدخل فيه من له عشيرة ومن لا عشيرة له؛ لأن من لا عشيرة له يخاف عليه أن يفتن عن دينه؛ ولهذا تجب عليه الهجرة. ومن له عشيرة تمنع عنه لا يخاف عليه أن يفتن عن دينه؛ ولهذا يستحب له أن يهاجر ولا يجب عليه؛ ولهذا المعنى: «فادى النَّبيّ ﷺ العقيلي بعد أن أسلم برجلين من أصحابه» ؛ لأن العقيلي كان له عشيرة تمنع منه. ورُوِي: «أن النَّبيَّ ﷺ أراد أن ينفذ أبا بكر ﵁ إلى مكة عام الحديبية، فامتنع وقال: ليس لي بها رهط ولا عشيرة، وأراد أن ينفذ عمر ﵁، فقال

стр. 6379

مثل ذلك، فأنفذ عُثمانَ ﵁؛ لأنه كان له بها رهط وعشيرة، وهم: بَنُو أمية، فلما دخل مكة.. أكرموه، واستمعوا رسالته، وقالوا له: إن اخترت أن تطوف بالبيت.. فطف، فقال: لا أطوف حتى يطوف رسول الله ﷺ فثاروا عليه وهموا بقتله» هذا ترتيب أصحابنا البغداديين. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : يجوز عقدها على رد من جاء منهم مسلما من غير تفصيل. إذا ثبت هذا: فإن عقدت الهدنة على ما لا يجوز، مثل: أن عقدت على بذل مال لهم في غير حال الضرورة، أو على أن لا يردوا ما حصل في أيديهم من أموال المسلمين، أو على أن نرد إليهم من جاءنا من المسلمين والمسلمات، وما أشبه ذلك، أو عقدت الذمة على ما لا يجوز عقدها عليه.. كان العقد فاسدا؛ لقوله، ﷺ : «كل عمل ليس عليه أمرنا.. فهو رد» ورُوِي عن عمر ﵁: أنه قال: (ردوا الجهالات إلى السنة) . وإن عقدت الهدنة عقدا صحيحا.. وجب الوفاء بها إلى انقضاء مدتها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] [المائدة: ١] ، ولقوله تَعالَى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤] [التوبة: ٤] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] [التوبة: ٧] . «ورَوَى سليمان بن عامر: أنه كان بين معاوية وبين الروم هدنة، فأراد أن يغير عليهم، فقال له عمرو بن عبسة: سمعت النَّبيّ ﷺ يقول: " من كان بينه وبين قوم عهد.. فلا يحل عقدة ولا يشدها حتى يمضي أمدها، أو ينبذ إليهم عهدهم على سواء» . فانصرف معاوية ذلك العام.

стр. 6380

وإذا عقد الإمام الهدنة، ثم مات أو عزل، ثم ولي إمام بعده.. وجب عليه الوفاء بما عقده الإمام قبله؛ لما رُوِيَ: أن نصارى نجران قالوا لعلي كرم الله وجهه: إن الكتاب بيديك، والشفاعة إليك، وإن عمر قد أجلانا من أرضنا، فردنا إليها، فقال علي: (إن عمر كان رشيدا في أمره، وإني لا أغير أمرا فعله عمر) . ولأن الأول فعله باجتهاده، فلم يجز لمن بعده نقضه باجتهاده. [فرع: عقد الهدنة مع المشركين ومنعهم] إلا من بعضهم على بعض وأهل الحرب] : إذا عقد الإمام الهدنة لقوم من المشركين.. فعليه أن يمنع عنهم كل من قصدهم من المسلمين وأهل الذمة؛ لأن عقد الهدنة اقتضى ذلك. ويجب على المسلمين وأهل الذمة ضمان ما أتلفوه عليهم من نفس ومال، والتَّعزِير بقذفهم، ولا يجب على الإمام أن يمنع بعضهم من بعض، ولا يمنع عنهم أهل الحرب؛ لأن الهدنة لم تعقد على حفظهم، وإنما عقدت على ترك قتالهم، بخلاف أهل الذمة؛ فإنهم قد التزموا أحكام المسلمين، فلذلك وجب على الإمام منع كل من قصدهم، وهؤلاء لم يلتزموا أحكام المسلمين. [مسألة: جاءت حرة مسلمة إلى بلد له إمام وتفسير آية الممتحنة] إذا جاءت منهم حرة مسلمة إلى بلد فيه الإمام أو نائب عنه.. فقد ذكرنا: أنه لا يجوز ردها إليهم. فإن جاء بعض قرابتها، مثل أبيها أو أخيها يطلبها.. فإنها لا ترد إليه، ولا يجب أن يرد إليه مهرها. فإن كان لها زوج وجاء يطلبها.. فإنها لا ترد إليه، وهل يجب على الإمام أن يرد إليه مهرها؟ فيه قولان: أحدهما: يجب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] الآية إلى قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] [الممتحنة: ١٠] .

стр. 6381

والثاني: لا يجب - وهو اختيار الشافعيُّ، والمزني، وبه قال أبُو حَنِيفَة وأحمد ـ وهو الأصح، لأن البضع ليس بمال، والأمان لا يدخل فيه إلا المال، ولهذا: لو أمن مشركا.. لم تدخل امرأته في الأمان. ولأنه لو ضمن البضع بالحيلولة.. لضمنه بمهر المثل، ولا خلاف أنه لا يضمنه بمهر المثل. وهذان القولان مأخوذان من كيفية هدنة النَّبيّ ﷺ بالحديبية: فإن قلنا: إنه كان شرط في العقد رد من جاءه من المسلمات، ثم نسخه الله تَعالَى ونهاه عن ردهن، وأمره برد مهرهن.. فعلى هذا: لا يجب على غير النَّبيّ ﷺ من الأئمة رد المهر؛ لأن ذلك إنما لزم النَّبيّ ﷺ بالشرط. وإن قلنا: إن النَّبيّ ﷺ كان عقد الهدنة مطلقا، واقتضى الإطلاق الكف عن المال، والبضع يجري مجرى المال.. وجب على غيره من الأئمة رد المهر، لأن هذا يوجد في منع غير النَّبيّ ﷺ من ردها إليهم. قال ابن الصبَّاغ: ورأيت بعض أصحابنا ذكر: أنه إن كان قبل الدخول.. وجب رد المهر قولا واحدا؛ لأن المرأة إذا أسلمت قبل الدخول تحت الكافر.. سقط مهرها. قال: وهذا سهو من هذا القائل؛ لأن كلامنا في رد الإمام المهر: من سهم المصالح، فأما المرأة: فلا يجب عليها رد ما غلبت عليه الكفار. ولو كانت أمة فجاءت مسلمة.. فإنه يحكم بحريتها. إذا ثبت هذا: فتكلم الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في تفسير هذه الآية وهي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] [الممتحنة: ١٠] فمعنى قوله: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] أي: اختبروهن، فإن علمتموهن مؤمنات، يعني: إن ظننتم ذلك بقولهن، والعلم يعبر به عن الظن؛ لأنه جار مجراه في وجوب العمل به. ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] [الممتحنة: ١٠] لأن بالإسلام وقع التحريم بينهن وبين الكفار. فإن كان قبل الدخول. فقد انفسخ النكاح، وإن كان بعد الدخول.. وقف الفسخ على انقضاء العدة. ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] وهو: رد المهر

стр. 6382

﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] أباح الله تَعالَى للمسلمين التزوج بهن، وأراد: إذا كان قبل الدخول أو بعد الدخول وبعد انقضاء العدة وقبل إسلام زوجها الأول ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] يعني: مهورهن. ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] وهن المسلمات إذا ارتددن عن الإسلام، وأراد: قبل الدخول أو بعد الدخول إذا لم ترجع إلى الإسلام قبل انقضاء عدتها ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] وأراد بذلك: أن المسلمة إذا ارتدت وهربت إلى دار الحرب، أو الذمية إذا نقضت العهد ولحقت بدار الحرب، والزوج مقيم في دار الإسلام.. فلزوجها أن يطالبهم بمهرها. وإذا جاءت منهم امرأة مسلمة إلى دار الإسلام.. فلزوجها أن يطالبهم بمهرها. وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠] . قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (يحتمل هذا تأويلين: أحدهما: أنه أراد بذلك المسلمة إذا ارتدت وهربت إلى دار الحرب وزوجها في دار الإسلام، وجاءت امرأة منهم مسلمة، وجاء زوجها يطلبها.. فإن الإمام يكتب إلى ملك الكفار فيقول: ادفعوا مهر المرأة التي هربت من عندنا إليكم إلى زوج المرأة التي هربت من عندكم إلينا، ونحن ندفع إليكم مهر المرأة التي هربت من عندكم إلينا إلى زوج المرأة التي هربت من عندنا إليكم. فإن تساوى المهران.. فلا كلام، وإن اختلفا.. رجع صاحب الفضل بما بقي له، فالمعاقبة المقاصة. والتأويل الثاني: أنه أراد بذلك: أن المرأة إذا هربت إلى دار الحرب مرتدة.. فلم يرد على زوجها مهرها، فإن المسلمين إذا غنموا منهم غنيمة.. وجب دفع مهرها إلى زوجها من تلك الغنيمة) . قال المسعودي [في " الإبانة "] : إذا ارتدت امرأة منا وهربت إليهم، فإن كان الإمام

стр. 6383

قد اشترط أن من جاءهم منا كافرا لم يردوه علينا.. لم تسترد تلك المرأة، وغرم الإمام مهرها لزوجها؛ لأنه هو الذي حال بينه وبينها بعقد الهدنة. [فرع: جاءت مسلمة ولحقها زوجها يطلبها] إذا جاءت منهم امرأة مسلمة، وجاء زوجها في طلبها، فإن قلنا: لا يجب رد مهرها.. فلا تفريع، وإن قلنا: يجب رد مهرها عليه.. فإنما يجب ذلك إذا كان الزوج قد سمى لها مهرا صحيحا ودفعه إليها، فأما إذا لم يسم لها مهرا صحيحا، أو سمى لها مهرا صحيحا ولم يدفعه إليها، أو سمى لها مهرا فاسدا كالخمر والخنزير سواء دفعه أو لم يدفعه.. فلا يجب رده إليه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] [الممتحنة: ١٠] وهذا لم ينفق. قال الشافعيُّ، ﵀: (وإنما يرد الإمام عليه ما دفعه إليها مهرا، فأما ما أنفقه على العرس أو ما دفعه إليها بالنفقة والكسوة.. فلا يجب رده إليه؛ لأن ذلك ليس ببدل عن البضع، وإنما هو بدَّل عن التمكين من الاستمتاع بها؛ ولا يجب ذلك إلا إذا جاءت إلى بلد فيه الإمام أو النائب عنه ومنع منها، فيجب دفعه من سهم المصالح؛ لأنه من المصالح. فأما إذا جاءت إلى بلد ليس فيه الإمام ولا النائب عنه وإنما فيه المسلمون، ثم جاء زوجها يطلبها.. وجب عليهم منعه منها؛ لأن ذلك أمر بالمعروف، ولا يجب رد مهرها إلى زوجها؛ لأنه لا نظر لهم في سهم المصالح) . هذا نقل أصحابنا العراقيين. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إن كان الإمام شرط أن من جاءني منكم مسلما رددته.. لم يجب غرامة مهرها؛ لأنها لم تجئ إليه. وإن كان قد شرط أن من جاء المسلمين منكم مسلما رددناه.. غرم مهرها. [فرع: قبضت مهرها ثم وهبته له ثم أسلمت وهاجرت] وإن قبضت صداقها من زوجها، ثم وهبته له، ثم أسلمت وجاءت إلى بلد فيه

стр. 6384

الإمام، وجاء زوجها يطلبها.. فهل يجب رده عليه؟ فيه قولان بناء على القولين في غير المدخول بها إذا وهبت لزوجها صداقها وطلقها قبل الدخول.. فهل يجب عليها أن تغرم نصفه له؟ فيه قولان. [فرع: جاءت امرأة من الكفار وجنت] إذا جاءت امرأة منهم وجنت.. نظر فيها: فإن أسلمت عندهم ثم جاءت عاقلة ثم جنت، أو جاءت إلى دار الإسلام عاقلة ثم أسلمت ثم جنت.. فإنه لا يجوز ردها إليهم؛ لأن إسلامها قد صح، ويجب رد مهرها؛ لأن الحيلولة حصلت بالإسلام. وإن جاءت مجنونة ولم يعلم إسلامها قبل الجنون إلا أنها وصفت الإسلام في حال جنونها.. فإنه لا يجوز ردها إليهم؛ لجواز أن تكون قد أسلمت قبل جنونها، ولا يجب رد مهرها إليهم قبل إفاقتها؛ لجواز أنها وصفت الإسلام في حال جنونها. فإن أفاقت ووصفت الإسلام.. وجب رد مهرها، وإن وصفت الكفر.. ردت إلى زوجها، ولم يجب رد مهرها. وإن جاءت وهي مجنونة ولم يعلم إسلامها قبل جنونها ولا وصفت الإسلام حال جنونها.. قال الشيخُ أبُو حامد: فإنه لا يجوز ردها؛ لأن الظاهر منها لما جاءت إلى دار الإسلام أنها قد أسلمت. ولا يجب رد مهرها قبل الإفاقة؛ لجواز أنها غير مسلمة. فإن أفاقت ووصفت الإسلام.. وجب رد مهرها، وإن وصفت الكفر.. ردت، ولم يجب رد مهرها. [فرع: جاءت صغيرة إلى دار الإسلام] وإن جاءت منهم صغيرة ووصفت الإسلام.. فإنه لا يجوز ردها إليهم وإن لم يحكم بإسلامها؛ لأن الظاهر أنها تصف الإسلام بعد البلوغ، فإذا ردت إليهم فتنوها وزهدوها عن الإسلام. فإذا بلغت ووصفت الإسلام.. رد مهرها إلى زوجها، وإن

стр. 6385

وصفت الكفر.. قرعت وأنبت، فإن أقامت على ذلك.. ردت إلى زوجها. وإن جاء زوجها يطلبها قبل بلوغها.. فهل يجب رد مهرها؟ قال الشيخُ أبُو حامد وابن الصبَّاغ: فيه قولان، وحكاهما الشيخ أبُو إسحاق وجهين: أحدهما: لا يجب رده إليه، لأنا لم نتحقق إسلامها، فلم يجب رد مهرها، كالمجنونة. والثاني: يجب رده إليه، لأن وصفها الإسلام منع ردها إليه، فوجب دفع مهرها إليه كالبالغة. فعلى هذا: إذا بلغت ووصفت الكفر.. ردت إليه واسترجع منه ما دفع إليه من المهر. [فرع: قدمت لدار الإسلام ثم ارتدت] وإن قدمت امرأة مسلمة منهم ثم ارتدت.. لم ترد إليهم؛ لأنه يجب قتلها. فإن جاء زوجها يطلبها، فإن جاء بعد قتلها.. لم يجب رد مهرها إليه؛ لأن الحيلولة بينهما حصلت بالقتل، وإن طلبها قبل قتلها.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبُو إسحاق: أحدهما: لا يجب دفعه إليه؛ لأن منعه منها لإقامة الحد عليها لا بالإسلام. والثاني - ولم يذكر ابن الصبَّاغ غيره -: أنه يجب دفعه إليه؛ لأن الحيلولة بينهما حصلت بحكم الإسلام. [فرع: جاءت لدار الإسلام مسلمة ولها زوج فمات أحدهما] وإن جاءت امرأة منهم مسلمة ولها زوج، فمات أو ماتت.. نظرت: فإن مات، أو ماتت قبل وصول الزوج إلى دار الإسلام أو بعد وصوله له وقبل مطالبته بها.. لم يجب رد المهر؛ لأن الحيلولة بينهما حصلت بالموت. وإن وصل إلى البلد وطالب

стр. 6386

بها، ثم مات أو ماتت.. وجب رد المهر؛ لأن الحيلولة وجدت حال الحياة. فإن كانت هي الميتة.. وجب دفع المهر إليه، وإن كان الزوج هو الميت.. دفع المهر إلى ورثته. [فرع: جاءت منهم مسلمة أو كافرة أسلمت ثم طلقت] إذا جاءت منهم امرأة مسلمة، أو كافرة ثم أسلمت، ثم طلقها الزوج.. نظرت: فإن كان الطلاق بائنا، فإن طلقها قبل المطالبة.. لم يجب دفع المهر إليه؛ لأن الحيلولة حصلت بإبانته لها لا بالمنع. وإن طالب بها فمنع، ثم أبانها.. وجب دفع المهر إليه؛ لأنه لما طالب بها فمنع.. استحق المهر، فلم يسقط ذلك بالبينونة. وإن طلقها طلاقا رجعيا.. قال الشيخُ أبُو حامد: فإن طلقها بعد المطالبة والمنع.. وجب دفع المهر إليه؛ لأنه استحقه بالمنع، فلم يسقط بالطلاق الرجعي. فإن طلقها قبل المطالبة.. لم يجب دفع المهر إليه؛ لأنه غير ممسك لها زوجة، فإن راجعها في عدتها ثم طالب بها.. وجب دفع المهر إليه. وذكر الشيخ أبُو إسحاق: إذا طلقها طلاقا رجعيا.. لم يجب المهر؛ لأنه تركها برضاه. ولعله أراد: إذا طلقها قبل المطالبة. [فرع: جاءت مسلمة ثم أسلم زوجها] إذا جاءت منهم امرأة مسلمة ثم أسلم زوجها، فإن كان بعد الدخول.. نظرت: فإن أسلم قبل انقضاء عدتها.. فهما على النكاح، ولا يجب له المهر. فإن كان قد طالب بمهرها قبل إسلامه وأخذه.. رده؛ لأن البضع قد عاد إليه. وإن أسلم بعد انقضاء عدتها.. فقد وقعت الفرقة بينهما، وأمَّا المهر: فإن كان قد طالب بها قبل إسلامه وأخذه.. لم يرده، وإن طالب بها قبل إسلامه فمنع منها، ثم أسلم قبل أن يأخذ مهرها.. وجب دفع المهر إليه؛ لأنه قد وجب له بمنعها منه قبل إسلامه، فلم يسقط بإسلامه.

стр. 6387

وحكى القاضي أبُو الطيب في " المجرد " عن أبي إسحاق وجها آخر: أنه لا مهر له؛ لأنه لم يستقر له بالقبض، فهو كما لو أسلم قبل قبض العوض في البيع الفاسد.. فإنه لا يستحق قبضه. والأول أصح. وإن أسلم قبل أن يطالب بها.. لم يجب دفع المهر إليه؛ لأنه لما أسلم.. التزم أحكام الإسلام، وليس من أحكام الإسلام المطالبة بالمهر لأجل الحيلولة بالإسلام. وهكذا ذكر الشيخ أبُو حامد وابن الصبَّاغ. وذكر الشيخ أبُو إسحاق: إذا أسلم بعد انقضاء العدة، فإن كان قد طالب بها قبل انقضاء العدة.. وجب المهر؛ لأنه قد وجب قبل البينونة. وإن لم يطالب إلا بعد انقضاء العدة.. لم يجب؛ لأن الحيلولة حصلت بالبينونة باختلاف الدين. فيأتي على تعليل الشيخ أبي إسحاق هذا: أن المرأة إذا دخل بها وأسلمت وجاءت إلى بلاد الإسلام، ولم يطالب بها زوجها إلا بعد انقضاء عدتها.. أنه لا يجب دفع المهر. وإن أسلم الزوج قبل الدخول.. فذكر الشيخ أبُو حامد في " التعليق ": أن حكمه حكم ما لو أسلم بعد انقضاء عدتها وكانت مدخولا بها.. فتقع الفرقة بينهما، وأمَّا المهر: فإن طالب بها ثم أسلم.. وجب له المهر، فإن أسلم ثم طالب بها.. لم يجب له المهر. وذكر ابن الصبَّاغ: أنه لا يجب له المهر؛ لأنها بانت بإسلامها. فإذا أسلم بعد ذلك.. لم يكن له المطالبة بالمهر. [فرع: يدفع المهر إذا صادقته المرأة على الزوجية] كل موضع قلنا: يجب فيه دفع المهر إليه.. فإنما يجب دفعه إليه إذا صادقته المرأة على الزوجية، وأنها قبضت منه المهر الذي ادعاه. وإن أنكرت عين النكاح.. لم يقبل قوله حتى يقيم شاهدين، ذكرين، مسلمين، عدلين. فإن أقام شاهدا وأراد أن يحلف معه، أو أقام شاهدا وامرأتين.. لم يثبت النكاح؛ لأن النكاح لا يثبت بذلك. وإن صادقته على الزوجية، أو أقام البينة عليها واختلفا فيما قبضته منه من الصداق، وأقام على ذلك شاهدا وحلف معه، أو شاهدا وامرأتين.. حكم له به؛ لأنه

стр. 6388

مال. وإن لم يكن معه بينة.. قال ابن الصبَّاغ: فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الأصل عدم القبض. وذكر الشيخ أبُو حامد في " التعليق ": أنهما إذا اختلفا.. قال الشافعي: (نظر الإمام قدر مهر مثل المرأة - ويمكن معرفة ذلك من التجار المسلمين الذين يدخلون دار الحرب، أو من أسارى المسلمين الذي يتخلصون منهم- واستحلف الرجل أنه أصدقها ذلك القدر، وسَلَّمه إليها) ؛ لأنه لا يجوز أن يكون أصدقها أقل من مهر مثلها. فإن أقامت بينة بعد ذلك أنه كان أصدقها أقل من ذلك.. استرجع منه الفضل، وإن أقام بينة أنه أصدقها أكثر منه.. سلم إليه الفضل. [فرع: جاءت أمة لهم مسلمة] وإن جاءت أمة لهم مسلمة إلى بلد فيه الإمام.. فقد صارت حرة؛ لأنها ملكت نفسها بالقهر، فإن جاء مولاها يطلبها.. فإنها لا ترد إليه؛ لأنها قد صارت حرة، وهل يجب رد قيمتها؟ قال الشيخُ أبُو حامد: فيه قولان، كما قلنا في المهر. وقال القاضي أبُو الطيب: لا يجب دفع القيمة إليه قولا واحدا؛ لأنها صارت حرة، وليس المانع الإسلام، كما لو أسلمت قبل الدخول ثم جاء زوجها يطلب مهرها. قال ابن الصبَّاغ: والأول أصح؛ لأن الإسلام هو المانع من ردها إليه، ولو كانت حرة غير مسلمة.. لم يمنع منها. وقول القاضي: (أنها إذا أسلمت قبل الدخول.. لم يجب دفع المهر إليه) ليس بصحيح، بل في وجوب دفع المهر إليه بإسلامها قبل الدخول قولان، وإنما لا يجب إذا أسلم الزوج؛ لأنه التزم أحكام الإسلام. هكذا ذكر الشيخ أبُو حامد وابن الصبَّاغ. وأمَّا الشيخ أبُو إسحاق فقال: إن فارقتهم وهي مشركة ثم أسلمت.. صارت حرة؛ لأن الهدنة لا توجب أمان بعضهم من بعض، ولا يجوز ردها إلى سيدها، وهل يجب رد قيمتها؟ فيه طريقان: أحدهما: أنه على قولين.

стр. 6389

والثاني: لا يجب قولا واحدا، وهو الصحيح. وإن أسلمت وهي عندهم ثم هاجرت.. لم تصر حرة؛ لأنهم في أمان منا، وأموالهم محظورة علينا، فلم يزل الملك فيها بالهجرة. فإن جاء سيدها يطلبها.. لم ترد إليه؛ لأنها مسلمة، فلم يجز ردها إلى مشرك، فإن طالب بقيمتها.. وجب دفعها إليه، كما لو غصب منهم مال وتلف. قلت: والذي يقتضي المذهب في هذا: أنه لا يجب دفع قيمتها إليه من بيت المال، بل يؤمر بإزالة ملكه عنها ببيع أو غيره؛ لأنه لا يحكم لها بحرية، فتكون كأمة الكافر إذا أسلمت وهي تحت يده. فإن كانت هذه الأمة مزوجة فجاء زوجها يطلبها.. فإنها لا ترد إليه، فإن كان قد دفع مهرها إلى سيدها، فإن كان زوجها حرا.. فهل يجب دفع المهر إليه؟ على القولين. وإن كان زوجها عبدا.. فلها أن تختار الفسخ إذا أعتقت، فإن فسخت النكاح.. لم يجب رد مهرها؛ لأنا لم نحل بينه وبينها، وإنما حال بينهما الفسخ، وإن لم تختر الفسخ.. وجب رد مهر مثلها، ولكن لا يجب رده إلا إن حضر العبد وطالب بها وحضر سيده وطالب بالمهر؛ لأن المهر له. هذا ترتيب أصحابنا البغداديين، وقال الخراسانيون: إذا جاءت منهم الأمة مسلمة، فجاء زوجها في طلبها.. لم نغرم له مهرها؛ لأنه غير مالك لبضعها على الحقيقة. ولو جاء سيدها.. لم نغرم له شيئا؛ لأنا نقول له: قد عقدت عليها عقدا جعلت غيرك أحق بها منك. وإن جاء الزوج والسيد.. غرمنا قيمتها لسيدها، ومهرها لزوجها. [مسألة: أسلم وهاجر إلى دار الإسلام وجواز رده إن كان له عشيرة تمنعه] وإن أسلم حر منهم وهاجر إلى دار الإسلام، فإن كانت له عشيرة تمنع عنه.. جاز له العودة إليهم. فإن لم تكن له عشيرة تمنع عنه.. لم يجز له الرجوع إليهم.

стр. 6390

وإن عقد الإمام الهدنة على رد من جاء من الرجال مسلما ممن له عشيرة، فأسلم رجل منهم له عشيرة وهاجر إلى الإمام وجاء من يطلبه.. فإنه يرده إليهم؛ لما رُوِيَ: «أن النَّبيَّ ﷺ رد أبا بصير وأبا جندل على من جاء يطلبهما» ، ولسنا نريد بالرد أنه يكرهه على الرجوع؛ لأنه لا يجوز إجبار المسلم على الإقامة في دار الحرب، ولكن الإمام يقول لطالبه: لا نمنعك من رده إن قدرت، ولا نعينك عليه، ويقول للمسلم في الظاهر: إن اخترت الرجوع.. لم نمنعك منه. ويشار عليه في الباطن: أن يهرب من البلد إذا علم أنه قد جاء من يطلبه، فإن جاء من يطلبه وأخذه.. أشير عليه في الباطن: أن يهرب منه في الطريق. وعلى هذا يحمل ما روي: «أن النَّبيَّ ﷺ رد أبا بصير وأبا جندل» . أي: خلى بينهم وبين الرجوع؛ لا أنه أكرههما. وقيل: إن أبا بصير قتل اثنين في الطريق ورجع وقال: قد وفيت لهم يا رسول الله، ونجاني الله منهم. هذا نقل أصحابنا العراقيين. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إذا جاء من يطلبه، فإن كان له أب شفيق أو قرابة يعلم أنه لا يستذل بينهم.. رد إليهم. وإن لم يكن له قرابة، وخفنا أن يستذل بينهم.. لم يرد إليهم. وأمَّا كيفية الرد: فإن كان الإمام قد شرط لهم أن كل من أتى مسلما حمله إليهم.. وجب حمله إليهم، وإن شرط أن يخلي بينه وبينه.. لم يجب حمله، وخلي سبيله، ثم يحملونه إن شاؤوا. ولا بأس أن يشار على المطلوب بقتل طالبه أو الهرب منه تعريضا لا تصريحا؛ لأجل العهد؛ لما رُوِيَ: أن عمر ﵁ قال لأبي جندل حين رد إلى أبيه: (إن دم الكافر مثل دم الكلب) يعرض له بقتل طالبه الكافر.

стр. 6391

[فرع: جاء صبي أو مجنون وجاء من يطلبه] وإن جاء صبي منهم ووصف الإسلام وجاء من يطلبه.. لم يجز رده إليهم؛ لأنه إن لم يكن له عشيرة.. ربما قتل، وإن كانت له عشيرة.. ربما فتن عن دينه إذا بلغ. وهكذا: إن جاء منهم مجنون فوصف الإسلام في حال جنونه.. لم يجز رده إليهم؛ لئلا يفتنوه عن دينه. وكذلك لو لم يصف الإسلام؛ لأن الظاهر أنه مسلم. فإذا بلغ الصبي، وأفاق المجنون، ووصفا الإسلام، فإن لم يكن لهما عشيرة تمنع عنهما.. لم يجز له ردهما. وإن كان لهما عشيرة تمنع منهما.. جاز له ردهما. وإن كانا وصفا الكفر.. رددناهما إلى مأمنهما. [فرع: جاء عبد مسلم فطلبه مولاه] قال الشيخُ أبُو حامد وابن الصبَّاغ: وإن جاءنا عبد لهم مسلم، ثم جاء سيده يطلبه.. لم يجز رده إليه؛ لأنه قد صار حرا بقهره لسيده، وهل يجب رد قيمته إليه؟ فيه قولان، كما قلنا في مهر المرأة. وعلى ما ذكره الشيخ أبُو إسحاق في الأمة: إن فارقهم مشركا ثم أسلم.. صار حرا، وهل يجب رد قيمته؟ على الطريقين، الصحيح: لا يجب قولا واحدا. وإن أسلم عندهم.. لم يصر حرا، ولم يجز رده إليهم، بل يجب رد قيمته. [مسألة: أمور تنقض الهدنة] إذا عقد الإمام الهدنة لقوم من المشركين فقاتلوا المسلمين، أو آووا عينا عليهم، أو كاتبوا أهل الحرب بأخبارهم، أو قتلوا مسلما أو ذميا، أو أخذوا لهم مالا..

стр. 6392

انتقضت هدنتهم، فيجوز للإمام غزوهم وقتالهم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] [التوبة: ٧] فدلَّ على: أنهم إذا لم يستقيموا لنا.. لم نستقم لهم. ولقوله تَعالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٤] [التوبة: ٤] فدلَّ على: أنهم إذا ظاهروا علينا.. لم نتم لهم عهدهم إلى مدتهم. ولا يفتقر نقض الهدنة هاهنا إلى حكم الإمام بنقضها؛ لأن ما تظاهروا به لا يحتمل غير نقض الهدنة. وإن نقض الهدنة بعض المعاهدين دون بعض.. نظرت في الذين لم ينقضوا: فإن لم ينكروا على الناقضين بقول ولا فعل.. انتقضت هدنتهم جميعا؛ لما رُوِيَ: «أن النَّبيَّ ﷺ وادع بني قريظة، فأعان منهم حيي بن أخطب وأخوه وآخر أبا سفيان بن حرب على النَّبيّ ﷺ يوم الخندق، وسكت الباقون، فجعل النَّبيّ ﷺ ذلك نقضا للهدنة في حق جميعهم وسار إليهم، فقتل رجالهم وسبى ذراريهم» وأيضا: فـ: (إن

стр. 6393

النَّبيّ ﷺ لما صالح مشركي قريش عام الحديبية.. دخل بَنُو بكر في جملة قريش وكانوا حلفاءهم، ودخلت خزاعة في جملة رسول الله ﷺ وحالفوه، فحارب بَنُو بكر خزاعة، وأعان نفر من قريش بني بكر على خزاعة، وأمسك سائر قريش، فجعل النَّبيّ ﷺ ذلك نقضا لعهدهم، وسار إلى مكة وفتحها) . وقيل: لم يعن أحد من قريش بني بكر، وإنما قتل رجل من بني بكر رجلا من خزاعة، فسكتت قريش ولم تنكر على بني بكر، فجعل النَّبيّ ﷺ ذلك نقضا لعهدهم. ولأنه لما كان عقد الواحد للهدنة عقدا لجميعهم؛ بدليل: أن سهيل بن عمرو لما عقد الهدنة له ولمشركي قريش، وعقد أبُو سفيان الأمان له ولقريش.. كان نقض الواحد نقضا له وللراضي بنقضه. وإن نقض بعضهم العهد، وأنكر الباقون على الناقضين نقضهم بقول أو فعل ظاهر، أو اعتزلوهم، أو أرسلوا إلى الإمام بأنا منكرون ما فعلوه مقيمون على العهد.. انتقض العهد في حق الناقضين دون الآخرين؛ لأن المنكرين لم ينقضوا العهد ولا رضوا بنقضه. فإن كان الذين لم ينقضوا غير مختلطين بالناقضين.. غزا الإمام الناقضين دون الذين لم ينقضوا. وإن كانوا مختلطين بهم.. لم يجز أن يبيتهم ويقتلهم؛ لأنه يقتل من نقض ومن لم ينقض، بل يرسل إلى الذين لم ينقضوا بأن يتميزوا عن الناقضين أو بتسليم الناقضين إن قدروا، فإن لم يفعلوا أحد هذين الأمرين

стр. 6394

مع القدرة عليه.. انتقضت الهدنة في حق الجميع؛ لأنهم صاروا مظاهرين لأهل الحرب. فإن لم يقدروا على أحدهما.. كان حكمهم حكم الأسارى من المسلمين مع المشركين، وقد مَضَى بيانه. ومن اعترف منهم أنه نقض العهد، أو قامت عليه البينة.. فلا كلام. ومن لم تقم عليه البينة أنه نقض وادعى أنه لم ينقض.. قبل قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم نقضه. إذا ثبت هذا: وفعلوا ما يوجب النقض.. نظرت: فإن كان ذلك الفعل لا يجب به حق؛ مثل: أن آووا عينا للمشركين على المسلمين، أو كاتبوا المشركين بأخبار المسلمين.. فقد صاروا حربا لنا، ويجب ردهم إلى مأمنهم، ولا شيء عليهم فيما فعلوه. وإن فعلوا ما يجب به حق، فإن كان الحق محضا للآدمي، كالقصاص، وضمان المال، وحد القذف.. استوفي منهم؛ لأن عقد الهدنة اقتضى الكف عن أموالنا وأعراضنا وأموالهم وأعراضهم، فإذا لم يكفوا.. لزمهم الضمان. وإن كان الحق محضا لله تَعالَى؛ بأن زنوا بمسلمة، أو شربوا الخمر.. لم يجب عليهم الحد؛ لأنهم لم يلتزموا بالهدنة حقوق الله تَعالَى. وإن كان الحق لله إلا أنه يتعلق بحق الآدمي؛ بأن سرق سارق منهم نصابا من مال مسلم أو ذمي أو معاهد من حرز مثله.. فهل يجب عليه القطع؟ فيه قولان، مَضَى ذكرهما. [فرع: ظهور أمارة نقض أو غدر] وإن ظهر من المعاهدين أمارة تدل على نقضهم وغدرهم.. قال الشيخُ أبُو حامد: انتقضت هدنتهم. وقال الشيخُ أبُو إسحاق وابن الصبَّاغ: جاز للإمام أن ينبذ إليهم عهدهم، وهو المنصوص؛ لأن الشافعيَّ، ﵀ قال: (ينبذ إليهم عهدهم) ؛

стр. 6395

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] [الأنفال: ٥٨] . قال ابن الصبَّاغ: ولا يكفي أن يقع في نفس الإمام خوف منهم حتى يكون ذلك عن دلالة. قال الشيخُ أبُو إسحاق: ولا تنتقض الهدنة هاهنا إلا بحكم الإمام بنقضها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٨] . فإن خاف الإمام من أهل الذمة الخيانة.. لم ينبذ إليهم عهدهم؛ لأن عقد الذمة معاوضة يقتضي التأبيد، فلم ينتقض بخوف الخيانة، وعقد الهدنة مؤقت ويقتضي الكف عن القتال، فإذا خيف منهم الخيانة.. جاز نقضه. [مسألة: دخول الحربي دار الإسلام بأمان يشمل النفس والمال والولد] إذا دخل الحربي دار الإسلام بأمان.. فإن الأمان ينعقد له ولماله وأولاده الصغار؛ لأن الأمان يقتضي الكف عن ذلك. فإن عقد الأمان لنفسه وماله وأولاده الصغار.. كان ذلك تأكيدا. فإن رجع إلى دار الحرب وترك ماله في دار الإسلام، فإن رجع إليها بإذن الإمام لشغل له ثم يعود له أو برسالة من الإمام.. فإن الأمان يكون باقيا لنفسه وماله، كالذمي إذا رجع إلى دار الحرب تاجرا. وإن رجع إلى دار الحرب ليستوطنها.. انتقض أمانه في حق نفسه، ولم ينتقض في ماله وأولاده الصغار الذين في دار الإسلام؛ لأن الأمان قد ثبت في حق الجميع، فإذا انتقض في حق نفسه.. لم ينتقض في ماله وأولاده الصغار، كأم الولد إذا بطل حقها بموتها.. لم يبطل حق ولدها. وأمَّا ولده الصغير: فإنه ما لم يبلغ.. فهو في أمان، فإن بلغ.. قيل له: قد كنت في أمان تبعا لغيرك، والآن فقد زال تبعك لغيرك، فإما أن تسلم وإمَّا أن تعقد

стр. 6396

الذمة ببذل الجزية- إن كان من أهل الجزية- وإمَّا أن تلحق بدار الحرب. وأمَّا ماله: فيحفظ له، فإن مات أو قتل في دار الحرب.. انتقل إلى ورثته الحربيين، ولا ينتقل إلى ورثته من أهل الذمة. وهل يبطل حكم الأمان في ماله؟ فيه قولان: أحدهما: لا يبطل الأمان - وبه قال أحمد، وهو اختيار المزني - لأن من ورث مالا.. ورثه بحقوقه، والأمان من حقوقه، فورث. وإن لم يكن له وارث.. كان فيئا. والثاني: يبطل الأمان في ماله - وبه قال أبُو حَنِيفَة، وهو اختيار أبي إسحاق المَروَزِيّ - لأنه لما مات.. انتقل إلى وارثه وهو كافر لم يكن بيننا وبينه أمان، فلم يكن له أمان، كسائر أمواله. فإذا قلنا بهذا: فنقل المزني أنه يكون مغنوما. قال أصحابنا: وليس هذا على ظاهره؛ لأن الغنيمة ما أخذ بالقهر والغلبة، وهذا أخذ بغير قهر ولا غلبة، فيكون فيئا. وقال أبُو علي ابن خيران: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين: فحيث قال: (يغنم) أراد: إذا عقد الأمان لنفسه ولم يشترطه لوارثه بعده. وحيث قال: (لا يغنم) أراد: إذا شرط الأمان لنفسه ولوارثه بعده. والطريق الأول أصح. وإن مات أو قتل في دار الحرب، وله أولاد صغار في دار الإسلام.. فهل يبطل الأمان فيهم؟ على الطريقين في ماله. وكذلك الحكم في الذمي إذا نقض الذمة ولحق بدار الحرب وترك ماله وأولاده الصغار في دار الإسلام.. فهو كالحربي على ما مَضَى.

стр. 6397

[فرع: أعطي أمانا فاكتسب أو خلف مالا ومات] وإن دخل الحربي علينا بأمان ومعه مال أو اكتسب مالا في دار الإسلام، ومات في دار الإسلام وهو على أمانه.. قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في (السير) : (فإن ماله يرد إلى وارثه) . واختلف أصحابنا فيها: فمنهم من قال: فيه قولان، كما لو رجع إلى دار الحرب للاستيطان. ومنهم من قال: يرد إلى وارثه قولا واحدا؛ لأنه مات على أمان، فكان الأمان باقيا في المال. فإذا رجع إلى دار الحرب للاستيطان فمات فيها.. فقد مات بعد بطلان الأمان في حق نفسه، فبطل في ماله في أحد القولين.. وإن رجع إلى دار الحرب للاستيطان، ولكن رجع بإذن الإمام لتجارة أو رسالة، فمات في دار الحرب.. ففي ماله الذي في دار الإسلام الطريقان فيه إذا مات في دار الإسلام وهو على الأمان. [فرع: جاء بأمان وعاد للاستيطان وماله عندنا ثم أسر] وإن دخل الحربي إلينا بأمان، فرجع إلى دار الحرب للاستيطان، وترك ماله في دار الإسلام وأسر.. فإن ملكه لا يزول بالأسر، فإن فادى به الإمام أو من عليه.. فماله باق على ملكه، وإن قتله.. فهو كما لو مات أو قتل في دار الحرب على ما مَضَى، وإن استرقه.. زال ملكه عن ماله؛ لأن الاسترقاق يزيل التملك وهل يبطل الأمان في ماله؟ يبنى على القولين فيه إذا مات في دار الحرب: فإذا قلنا: يبطل.. نقل إلى بيت المال. وإن قلنا: لا يبطل.. كان ماله موقوفا ولا ينتقل إلى وارثه؛ لأنه حي. فإن عتق.. كان المال له. وإن مات على الرق.. قال أكثر أصحابنا: ينتقل إلى

стр. 6398

بيت المال فيئا؛ لأن العبد لا يورث. وحكى الشيخُ أبُو إسحاق: أن أبا علي بن أبي هُرَيرَة حكى قولا آخر: أنه لوارثه؛ لأنه ملكه في حريته. [فرع: دخل بأمان فنقضه ورجع لدار الحرب ثم رجع إلى دارنا] فرع: [دخل بأمان فنقضه ورجع لدار الحرب للاستيطان ثم رجع إلى دارنا] : وإن دخل الحربي بأمان، فنقض العهد ورجع إلى دار الحرب للاستيطان وترك ماله، ثم رجع إلى دار الإسلام بغير أمان ليأخذ ماله.. فهل يجوز سبيه؟ قال ابن الحداد: لا يجوز سبيه؛ لأنا لو سبيناه.. أبطلنا ملكه وأسقطنا حكم الأمان في ماله. فمن أصحابنا من وافقه، ومنهم من خالفه، وقال: يجوز سبيه؛ لأن أمانه في نفسه قد بطل، وبثبوت الأمان في ماله لا يثبت الأمان لنفسه، كما لو أدخل ماله إلى دار الإسلام بأمان.. فإن الأمان لا يثبت لنفسه. ولهذا: لو أرسل ماله بضاعة مع رجل له أمان في نفسه ولما معه من المال.. فإن الأمان لا يثبت لصاحب المال. [فرع: دخل دار الحرب بأمان وأعطاه حربي مالا يتجر به عندنا] فرع: [دخل مسلم أو ذمي دار الحرب بأمان وأعطاه حربي مالا يتجر به عندنا] : إذا دخل المسلم دار الحرب بأمان، فدفع إليه حربي مالا ليشتري به شيئا من دار الإسلام.. فإن مال الحربي يكون في أمان؛ لأن المسلم يصح أمانه وقد أخذه على ذلك. وإن دخل الذمي دار الحرب بأمان، فدفع إليه الحربي مالا ليشتري به شيئا من دار الإسلام، فرجع الذمي به إلى دار الإسلام.. فقد حكى الربيع فيه قولين: أحدهما: يكون الأمان لذلك المال، كما لو كان دفعه إلى مسلم. والثاني: لا يكون له أمان؛ لأن أمان الذمي لا يصح. قال أصحابنا: هذا القول من كيس الربيع، بل يجب رده إلى الحربي قولا واحدا؛ لأن الذمي وإن لم يصح أمانه إلا أن الحربي قد اعتقد صحة الأمان لماله، فوجب رده إليه، كما لو دخل الحربي بأمان صبي.

стр. 6399

[مسألة: دخل مسلم دار حرب بأمان فاقترض أو سرق مالا] وإن دخل المسلم دار الحرب بأمان، فاقترض من حربي مالا أو سرقه، أو كان أسيرا فخلوه وأمنوه، فسرق لهم مالا وخرج.. وجب عليه رده. وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يلزمه) . دليلنا: أنه منهم في أمان فكانوا منه في أمان فلزمه رده، كما لو اقترض أو سرق من ذمي مالا. [فرع: اقترض حربي مالا فأسلم المستقرض أو دخل إلينا بأمان] وإن اقترض حربي من حربي مالا، فأسلم المستقرض أو دخل إلينا بأمان، وجاء المقرض يطالبه بما أقرضه.. قال أبُو العباس: لزمه أن يرد عليه ما أقرضه، كما قال الشافعيُّ، ﵀: (إذا تزوج حربي بحربية فأصدقها، ثم أسلما وجاءا إلى دار الإسلام.. لزمه المهر) ، فإذا لزمه المهر في حال الشرك.. وجب أن يلزمه رد القرض في حال الشرك. قال أبُو العباس: ويحتمل قولا آخر: أنه لا يلزمه رد القرض؛ لأن الشافعيَّ، قال: (إذا تزوج حربي بحربية ودخل بها، ثم أسلم وخرج إلى دار الإسلام فماتت، فجاء ورثتها يطالبونه بمهرها.. لم يلزمه مهرها؛ لأنه فات في حال الشرك) . قال أبُو العباس: وهذا ضعيف في القياس، ويشبه أن يكون تأويل هذا: أنه تزوجها بغير مهر.. فلا يلزمه شيء؛ لأنه فات في حال الشرك. [فرع: الهدية حال الحرب غنيمة] قال الشافعيُّ، ﵀ في " حرملة ": (إذا أهدى المشرك إلى الأمير أو إلى رجل من المسلمين هدية والحرب قائمة.. كانت غنيمة؛ لأنه أهدى ذلك خوفا من الجيش. وإن أهدى إليه قبل أن يرتحلوا من دار الإسلام.. لم تكن غنيمة، وينفرد بها المهدى

стр. 6400

إليه) . وبه قال محمد بن الحَسَن. وقال أبُو حَنِيفَة: (تكون للمهدى إليه بكل حال) . دليلنا: أنه مال حصل بظهور الجيش، فأشبه ما أخذوه قهرا. [فرع: أخذ مشرك جارية مسلم فوطئها فأتت بولد ثم ظهر المسلمون عليه] ] : قال الشافعيُّ، ﵀ في الأسارى: (لو أخذ مشرك جارية مسلم، فوطئها وأتت منه بولد، ثم ظهر المسلمون عليه.. كانت الجارية والولد للمسلم. فإن أسلم واطئها. دفع ثمن الجارية إلى مالكها. ويأخذ من واطئها عقرها وقيمة أولادها يوم سقطوا) . قال أبُو العباس: أما قوله: (إن الجارية والولد ملك للمسلم) فلأن المشرك لم يملكها بالحيازة، فهو كالغاصب، إلا أنه لم يلزمه المهر؛ لأنه ليس من أهل الضمان للمسلم؛ ولهذا: لو أتلفها.. لم يلزمه ضمانها. وأمَّا قوله: (إذا أسلم واطئها دفع ثمن الجارية إلى مالكها، ولزمه عقرها وقيمة أولادها) فتأويلها: أن يكون وطئها بعدما أسلم، فيكون عليه المهر، والولد حر للشبهة؛ وهو قوله، ﷺ : «من أسلم على شيء.. فهو له» ولزمه قيمة الولد؛ لأنه أتلفه بالشبهة. [فرع: ابتاع حربي عبدا مسلما ورجع به لدار الحرب ثم ظهر المسلمون] وماذا لو حصل وصية؟] : وإن دخل حربي دار الإسلام، وابتاع عبدا مسلما ورجع به إلى دار الحرب، ثم ظهر المسلمون عليه، فإن قلنا: لا يصح ابتياع الكافر للعبد المسلم.. رد إلى من

стр. 6401

باعه، وإن قلنا: يصح ابتياعه له.. كان غنيمة. وإن أوصي بعبد مسلم لكافر، فإن قلنا: يصح شراؤه له.. صحت الوصية له به، وإن قلنا، لا يصح شراؤه له.. ففي الوصية له به وجهان: أحدهما: لا يصح، كالشراء. فعلى هذا: إن أسلم الموصى له قبل موت الموصي.. لم يكن له أن يقبل الوصية؛ لأنها قد وقعت باطلة. والثاني: إن قلنا: إن الوصية موقوفة، فإن أسلم الموصى له قبل موت الموصي.. فله أن يقبل الوصية. وإن مات الموصي قبل إسلام الموصى له.. لم يكن له أن يقبل الوصية؛ لأن لزوم الوصية حال موت الموصي، فاعتبر حال الموصى له بتلك الحال. وإن أوصي بعبد كافر لكافر.. صحت الوصية، فإن أسلم العبد قبل موت الموصي.. فهو كما لو أوصى له بعبد مسلم على ما مَضَى، وإن أسلم بعد موت الموصي، وقبل قبول الموصى له به.. بني على القولين: متى يملك الموصى له الوصية؟ فإن قلنا: إنه يملك بالموت، أو نتبين بالقبول أنه ملكه بالموت.. صحت الوصية. وإن قلنا: تملك بالقبول.. كانت مبنية على القولين في الشراء. وبالله التوفيق

стр. 6402

[باب خراج السواد] سواد العراق من الموصل إلى عبادان في الطول، ومن القادسية إلى حلوان في العرض. ولا تدخل البصرة في حكم أرض السواد وإن دخلت في هذا الحد؛ لأنها كانت أرضا سبخة وأحياها عُثمانَ بن أبي العاص وعتبة بن غزوان بعد الفتح، إلا موضعا من شرقي دجلتها يسمى الفرات، ومن غربي دجلتها يسمى نهر المرأة.. فإنه داخل في حكم أرض السواد.

стр. 6403

وإنما سميت هذه الأرض أرض السواد؛ لأن الجيش لما خرجوا من البادية.. رأوا هذه الأرض والتفاف شجرها فسموها السواد. ولا خلاف: أن عمر ﵁ فتحها عنوة وردها إلى أهلها، واختلف الناس في كيفية ردها إلى أهلها: فمذهب الشافعي: (أنه قسمها بين الغانمين، ثم استنزل الغانمين عنها برضاهم، فنزلوا عنها وردوها إلى أهلها) . وقال الأَوزَاعِي ومالك: (لم يقسمها، وإنما صارت وقفا بنفس الغنيمة) . وقال أبُو حَنِيفَة: (لم يقسمها بين الغانمين، وإنما أقرها في أيدي أهلها وهم المجوس، وضرب عليهم الجزية) . دليلنا: ما رُوِيَ: عن جرير بن عبد الله البجلي أنه قال: كانت بجيلة ربع الناس يوم القادسية، فقسم لهم عمر ربع السواد، فاستغلوها ثلاث سنين أو أربعا، ثم قدمت على عمر، فقال عمر: (لولا أنِّي قاسم مسؤول.. لتركتكم على ما قسم لكم، ولكني أرى أن تردوها عليّ، قال: فعاوضني عن حقي نيفا وثمانين دينارا) . فثبت أنها لم تصر وقفا، وإنما قسمها وعاوضه عن حقه. فإن قيل: فقد ملكوها بالقسمة، فكيف استردها منهم؟ فالجواب: أنه لم يكرههم على الرد، وإنما سألهم أن يردوها برضاهم، فمنهم من طابت نفسه برد حقه بغير عوض، ومنهم من لم يرد نصيبه إلا بعوض؛ بدليل

стр. 6404

ما رُوِيَ: (أن أم كرز قدمت على علي ﵁ فقالت: إن أبي قتل يوم القادسية، وإن سهمه ثابت ولا أترك حقي، فقال عمر: قد علمت ما فعل قومك، فقالت: لا أترك حقي حتى تركبني ناقة ذلولا عليها قطيفة حمراء، وتملأ كفي ذهبا. قال: ففعل عمر لها ذلك، فعدت الدنانير التي في كفها، فإذا هي ثمانون دينارا) . وهذا «كما رُوِيَ: أن وفد هوازن لما سبيت ذراريهم.. وفدوا إلى النَّبيّ ﷺ وسألوه أن يرد عليهم، فخيرهم بين الأحساب والأموال، فاختاروا الأحساب، فقال: " أما نصيبي ونصيب أهلي.. فهو لكم، وأسأل سائر الناس " فسأل الناس أن يردوا عليهم عن طيب أنفسهم، فردوه عليه» . وأمَّا قول عمر: (لولا أنِّي قاسم مسؤول.. لتركتكم على ما قسم لكم) فله تأويلان: أحدهما: أنه رأى إن تركهم على ما قسم لهم من تلك الأرض.. انشغلوا بعمارتها عن الجهاد، وتعطل الجهاد؛ لأن أكثر الصحابة قد كان غنم منها. والثاني: أنه نظر في العاقبة وخشي أن من جاء بعد ذلك من المسلمين لا شيء لهم؛ لأن أرض السواد قد صارت لأولئك الذين غنموا، فأحب عمر أن يكون لمن يأتي من المسلمين فيها نفع؛ بدليل: ما رَوَى زيد بن أسلم، عن أبيه: أن عمر ﵁ قال: (لولا أنِّي أخشى أن يبقى الناس ببانا لا شيء لهم.. لتركتكم على ما قسم لكم، ولكني أحب أن يلحق آخر الناس أولهم) ، وتلا قَوْله تَعَالَى:

стр. 6405

﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] [الحشر: ١٠] قال: يعني ما تركوا لنا وخلفوا علينا. و (الببان) : أن يتساوى الناس في الشيء، إما في الغنى أو في الفقر. إذا ثبت هذا: فاختلف أصحابنا فيما فعله عمر ﵁ في أرض السواد: فقال أبُو العباس وأبو إسحاق: باعها إلى أهلها المجوس بثمن مجهول القدر، يؤخذ منهم في كل سنة جزء معلوم؛ لأن الناس يتبايعون في أرض السواد من عهد عمر ﵁ إلى وقتنا هذا ولا ينكره أحد من العلماء، فثبت أنه باعها منهم. فعلى هذا: يجوز بيعها وهبتها ورهنها. وقال أبُو سعيد الإصطخري وأكثر أصحابنا: وقفها على المسلمين، ثم أجرها من المجوس على أجرة مجهولة القدر، يؤخذ منهم كل سنة شيء معلوم. وهذا هو المنصوص في " سير الواقدي "؛ لما رُوِي عن سفيان الثوري أنه قال: (جعل عمر ﵁ أرض السواد وقفا على المسلمين ما تناسلوا) . ورَوَى بكير بن عامر: (أن عتبة بن فرقد اشترى أرضا من أرض السواد، فأتى عمر ﵁ فأخبره، فقال: ممن اشتريتها؟ فقال: من أهلها، فقال: فهؤلاء أهلها المسلمون، أبعتموه شيئا؟ قالوا: لا، قال: فاذهب واطلب مالك) . وأمَّا قوله: (إنها تباع من غير إنكار) فغير صحيح؛ لما رَوَيْنَاهُ من حديث عمر. وقال شبرمة: لا أجيز بيع أرض السواد، ولا هبتها، ولا وقفها.

стр. 6406

فعلى هذا: لا يجوز بيعها ولا وقفها ولا هبتها. فإن قيل: فالبيع عندكم لا يصح إلا بثمن معلوم، وكذلك الإجارة لا تصح إلا إلى مدة معلومة وأجرة معلومة، فكيف صح بيعها أو إجارتها على ما ذكرتم؟ فالجواب: أن البيع لا يصح إلا بثمن معلوم، والإجارة لا تصح إلا إلى مدة معلومة وبأجرة معلومة إذا كانت المعاملة في أموال المسلمين، فأما إذا كانت في أموال الكفار.. فلا يفتقر إلى ذكر ذلك؛ لما رُوِيَ: «أن النَّبيَّ ﷺ نفل في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث» وهذا عوض مجهول؛ لأنه معاملة في أموال الكفار. فإذا قلنا: إنها مبيعة إليهم.. فالمنازل في أرض السواد دخلت في البيع. وإن قلنا: إنها وقف.. فهل دخلت المنازل في الوقف؟ فيه وجهان: أحدهما: أنها وقف.. كالمزارع. والثاني: أنها لم تدخل في الوقف؛ لأنا لو قلنا: إنها دخلت في الوقف.. أدى إلى خرابها. قال الشيخُ أبُو إسحاق: وأمَّا الثمار: فهل يجوز لمن هي في يده الانتفاع بها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، وعلى الإمام أن يأخذها ويبيعها، ويصرف ثمنها في مصالح المسلمين؛ لما رُوِيَ: عن أبي الوليد الطيالسي أنه قال: أدركت الناس بالبصرة يحمل إليهم التمر من الفرات.. فلا يقدمون على شرائه. والثاني: يجوز لمن في يده الأرض الانتفاع بثمرتها؛ لأن الحاجة تدعو إليه، فجاز كما تجوز المساقاة والمضاربة على جزء مجهول. وعندي: أن هذين الوجهين إنما يكونان في ثمرة الأشجار التي كانت موجودة في أرض السواد يوم ردها عمر ﵁ إلى أهلها. فإذا قلنا: إن الأرض وقف، وأجرها ممن هي في يده؛ لأن الأرض إذا

стр. 6407

استأجرها إنسان وفيها أشجار.. لم تدخل الأشجار في الإجارة، ولم يملك المستأجر ثمرتها، فتكون على الوجه الأول غير داخلة في الإجارة، بل هي وقف على المسلمين، فتصرف في مصالح المسلمين. وعلى الوجه الثاني: دخلت في الإجارة؛ لموضع الحاجة إلى ذلك. فأما إذا قلنا: إن عمر باعها.. فإن الأشجار الموجودة يوم البيع وما غرس فيها بعد ذلك ملك لمن ملك الأرض، وثمرتها ملك له وجها واحدا. [مسألة: في مساحة أرض السواد ومبلغ ما جبي منه ومصرفه] ] : وأمَّا مساحة أرض أهل السواد: فقد مسحها عُثمانَ بن حنيف وارتفعت اثنين وثلاثين ألف جريب. وقال أبُو عبيد: ارتفعت ستة وثلاثين ألف ألف جريب. وأمَّا قدر ما يؤخذ منها من الخراج في كل سنة: فإنه يؤخذ من جريب الشعير درهمان، ومن جريب الحنطة أربعة دراهم، ومن جريب الشجر والقضب ستة دراهم، ومن جريب النخل ثمانية دراهم، ومن جريب الكرم عشرة دراهم. ومن أصحابنا من قال: يؤخذ من جريب الكرم ثمانية دراهم، ومن جريب النخل عشرة دراهم. والأول هو المشهور: لما رُوِيَ: (أن عمر ﵁ بعث إلى الكوفة ثلاثة: عمار بن ياسر أميرا على الجيش والصلاة، وعبد الله بن مَسعُودٍ قاضيا وحافظا لبيت المال، وعثمان بن حنيف ماسحا. وفرض لهم كل يوم شاة، نصفها مع السواقط

стр. 6408

لعمار بن ياسر، والنصف الآخر بين عبد الله بن مَسعُودٍ وعثمان بن حنيف، ثم قال: وإن قرية يؤخذ منها كل يوم شاة لسريع خرابها. فمسح عُثمانَ بن حنيف أرض السواد وضرب عليها الخراج، فجعل على جريب الشعير درهمين، وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم، وعلى جريب الرطبة والشجر ستة دراهم، وعلى جريب النخل ثمانية دراهم، وعلى جريب الكرم عشرة دراهم، وأنفذه إلى عمر ﵁، فرضي به وأجازه) . ووافقنا أبُو حَنِيفَة في هذا كله إلا في الشعير والحنطة؛ فإنه قال: (يؤخذ من جريب الشعير قفيز ودرهم، ومن جريب الحنطة قفيز ودرهمان) . وقال أحمد: (يؤخذ من كل واحد منهما قفيز ودرهم) . دليلنا: ما ذكرناه من الخبر؛ فإنه لم يجعل عليهم قفيزا. وما يؤخذ من الخراج يصرف في مصالح المسلمين، الأهم فالأهم؛ لأنه للمسلمين، فصرف في مصالحهم. وأمَّا مبلغ ما جبي من أرض العراق: فقد ذكر الشيخ أبُو إسحاق: أن عمر بن الخطاب ﵁ بلغ جباؤها معه ألف ألف وسبعة وثلاثين ألف ألف درهم. وذكر الشيخ أبُو حامد وابن الصبَّاغ: أن عمر بن الخطاب جباها في كل سنة مائة ألف ألف وستين ألف ألف درهم، ولم يزل يتناقص حتى بلغ زمن الحجاج ثمانية عشر ألف ألف درهم، فلما ولي عمر بن عبد العزيز.. عاد في السنة الأولى إلى ثلاثين ألف ألف درهم، وفي السنة الثانية إلى ستين ألف ألف درهم، وقال: لئن عشت.. لأبلغن

стр. 6409

به إلى ما كان في أيام عمر بن الخطاب ﵁، فمات في تلك السنة. هكذا ذكر الشيخ أبُو حامد وابن الصبَّاغ. وأمَّا الشيخ أبُو إسحاق: فذكر: أن عمر بن عبد العزيز جباها مائة [ألف] وأربعة وعشرين ألف ألف درهم. والله أعلم، وبالله التوفيق

стр. 6410

[كتاب الحدود] [ باب حد الزِّنَى]
следующие страницы →