Полный текст (7 092 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.
стр. 6441
يحد. وبه قال أبُو حَنِيفَة، وهو إحدَى الروايتين عن مالك.
وقال أبُو ثور: (لا يقبل رجوعه) . وهي الرواية الأخرى عن مالك.
دليلنا: ما رُوِي عن نعيم بن هزال أنه قال: «كان ماعز بن مالك يتيما في حجر أبي، فوقع على جارية من الحي، فأخبر بذلك أبي، فقال له: بادر إلى رسول الله ﷺ قبل أن ينزل فيك قرآن، فأتى النَّبيّ ﷺ فاعترف عنده بالزِّنَى فأعرض عنه، ثم اعترف فأعرض عنه، فقال له النَّبيّ، ﷺ : " الآن أقررت أربعا، فبمن؟ " قال: بفلانة. فقال النَّبيّ، ﷺ : " لعلك لمست؟ " قال: لا، قال: " لعلك قبلت؟ " قال: لا، قال: " لعلك نظرت؟ " قال: لا، قال: " جامعتها؟ " قال: نعم، فأمر برجمه فرجم، فلما أصابه حر الحجارة.. قال: ردوني إلى رسول الله ﷺ فإن قومي غروني - يعني: هزالا حين قال له: بادر إلى رسول الله ﷺ فأخبروا رسول الله ﷺ بذلك فقال: هلا رددتموه» .
ورُوِي: أن النَّبيَّ ﷺ قال: لهزال: «هلا سترته بثوبك يا هزال»
فموضع الدليل: أن النَّبيَّ ﷺ أعرض عنه ليرجع، فلما لم يرجع.. عرض له بالرجوع، ثم قال: «هلا رددتموه؟» وإنما قال ذلك لعله أن يرجع، فلو لم يقبل رجوعه.. لم يكن لذلك فائدة. والمستحب للإمام: أن يعرض للمقر بالزِّنَى بالرجوع؛ للخبر.
والله أعلم وبالله التوفيق
стр. 6442
[باب إقامة الحد]
إذا وجب حد الزِّنَى أو السرقة أو الشرب على حر.. لم يجز استيفاؤه إلا للإمام أو لمن فوض إليه الإمام ذلك؛ لأن الحدود في زمن رسول الله ﷺ وفي زمن الخلفاء الراشدين ﵃، لم تستوف إلا بإذنهم، ولأن استيفاءها يفتقر إلى نظر واجتهاد، فلا يصح استيفاؤها إلا من الإمام أو النائب عنه.
وأمَّا حد القذف: فيصح استيفاؤه للإمام، فإن تحاكم المتقاذفان إلى رجل من الرعية يصلح أن يكون حاكما.. فهل يصح حكمه فيه واستيفاؤه له؟ فيه وجهان، نذكرهما في موضعهما إن شاء الله.
[مسألة: حكم حضور الإمام والشهود موضع الرجم وابتداؤهم به]
ويجوز للإمام أن يحضر موضع الرجم، ولا يلزمه الحضور.
وحكي: أن أبا حَنِيفَة قال: (يلزمه الحضور) .
دليلنا: أنه رجم في زمن النَّبيّ ﷺ ماعز، والغامدية، والجهنية، واليهوديان، ولم يرو: (أن النَّبيَّ ﷺ حضر رجم أحدهم) .
وإن ثبت الزِّنَى بالبينة.. لم يلزم البينة حضور الرجم، فإن حضروا.. لم يلزمهم البداية بالرجم. وكذلك إذا حضر الإمام.. لم يلزمه البداية بالرجم، وبه قال مالك.
وقال أبُو حَنِيفَة: (يلزم البينة الحضور ويلزمهم البداية بالرجم، ثم الإمام، ثم الناس) . وإن ثبت الزِّنَى باعتراف الزاني.. لزم الإمام البداية بالرجم، ثم الناس.
دليلنا: أنه قد رجم جماعة في زمن النَّبيّ ﷺ ولم يرو: (أن النَّبيَّ ﷺ بدأ برجم
стр. 6443
أحدهم) . ولأنه قتل بحق الله تَعالَى، فلم يكن من شرطه أن يبتدئ به الإمام أو الشهود، كالقتل بالردة.
[فرع: استحباب حضور طائفة ليروا الحد ومقدار عددهم]
والمستحب للإمام إذا أراد أن يقيم الحد: أن يحضره طائفة من المسلمين يشهدون إقامته؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] [النور: ٢] . واختلف الناس في عددهم:
فمذهبنا: أن الطائفة هاهنا أربعة.
وذهب ابن عبَّاس إلى: (أن الطائفة هاهنا واحد فما فوقه) . وذهب عطاء وأحمد إلى: (أن الطائفة هاهنا اثنان فما فوقهما) . وذهب الزهري إلى: أنها ثلاثة. وذهب ربيعة إلى: أنها خمسة. وذهب الحَسَن البَصرِي إلى: أنها هاهنا عشرة.
دليلنا: أن الأربعة هو العدد الذي يثبت به الزِّنَى، فوجب أن يكونوا هم العدد الذين يحضرون إقامة الحد.
قال الشيخُ أبُو حامد: قال الشافعي: (جعل الطائفة هاهنا أربعة فأكثر، وفي صلاة الخوف ثلاثة فأكثر، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] [التوبة: ١٢٢] واحدا فأكثر) .
[مسألة: تخيير السيد في إقامة الحد على العبد]
] : وإن وجب الحد على مملوك.. فللمولى أن يجعل إقامة الحد على ذلك إلى الإمام أو إلى النائب عنه.
وإن أراد أن يقيم ذلك بنفسه، فإن كان حد الزِّنَى أو القذف أو الشرب وجب على المملوك بإقراره.. جاز للمولى إقامته. وبه قال جماعة من الصحابة، ومن التابعين: الحَسَن والنخعي وعلقمة والأسود. ومن الفقهاء: مالك وسفيان والأَوزَاعِي.
стр. 6444
وقال أبُو حَنِيفَة وأصحابه: (لا يجوز للمولى إقامة الحد على مملوكه، وإنما يجوز له تعزيره) .
دليلنا: ما روى علي بن أبي طالب: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «أقيموا الحدود على من ملكت أيمانكم» . ورَوَى أبُو هُرَيرَة: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها.. فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إذا زنت.. فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إذا زنت الثالثة فتبين زناها.. فليبعها ولو بحبل من شعر» . ومعنى قوله: (لا يثرب عليها) أي: لا يوبخها ولا يعيرها. وقيل: معناه لا يبالغ في جلدها حتى تدمى. ورُوِي: أن رجلا جاء إلى ابن مَسعُودٍ، فقال له: إن أمة لي زنت؟ فقال: (اجلدها) ، فقال: الرجل: إنها لم تحصن؟ فقال عبد الله بن مَسعُودٍ: (إحصانها إسلامها) . ورُوِي: (أن أمة لأنس زنت، فأمر بعض أولاده أن يقيم عليها الحد) . ورُوِي: (أن غلاما لابن عمر سرق، فقطع يده) . و: (زنت أمة له، فجلدها ونفاها إلى فدك) . و: (سرقت أمة لعائشة أم المؤمنين ﵂ -
стр. 6445
فقطعتها) . ورَوَى الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ كانت لها أمة فزنت فجلدتها) . ولا مخالف لهم في الصحابة ﵃، فدل على: أنه إجماع لا خلاف فيه.
[فرع: تغريب المملوك وسماع المولى للبينة]
وهل للمولى أن يغرب مملوكه بالزِّنَى؟ إذا قلنا: يجب عليه التغريب.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي العباس -: أنه ليس له أن يغربه، وإنما يغربه الإمام؛ لقوله، ﷺ : «إذا زنت أمة أحدكم.. فليجلدها الحد» ولم يذكر التغريب.
والثاني - وهو المذهب -: أن للمولى أن يغربه؛ لقوله ﷺ : «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» والتغريب من الحد. ولما رَوَيْنَاهُ عن ابن عمر.
وحكى الشيخ أبُو حامد: أن من أصحابنا من قال: يغربه من جلده، فإن جلده الإمام.. غربه. وإن جلده المولى.. غربه. وإن شهدت البينة على المملوك بما يوجب الحد.. فهل يملك المولى سماعها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يملك ذلك؛ لأن البينة تحتاج إلى البحث عن العدالة، وذلك أمر يفتقر إلى الاجتهاد، فكان إلى الحاكم. فعلى هذا: يسمع الحاكم البينة، فإذا ثبت عدالتها وحكم بها الحاكم.. أقام المولى الحد.
والثاني: أن للمولى أن يسمع البينة بذلك، ويقيم بها الحد، وهو المذهب؛ لأن من جاز له إقامة الحد.. جاز له سماع البينة فيه، كالحاكم. وأمَّا البحث عن
стр. 6446
العدالة: فيمكن المولى ذلك كما يمكن الحاكم.
وهل للمولى أن يقيم الحد بعلمه؟ هو كالحاكم: هل له أن يقضي في الحدود بعلمه؟ على ما يأتي في القضاء، إن شاء الله تَعالَى.
[فرع: قطع السيد يد عبده في السرقة]
وهل للمولى أن يقطع مملوكه في السرقة؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : قال أبُو العباس: ليس له ذلك؛ لأن ما يقطع به السارق مختلف فيه، فافتقر إلى الحاكم، بخلاف الحد في الزِّنَى؛ فإنه مجمع على سببه، ولأن السيد يملك على عبده من جنس الجلد في الحد؛ وهو التَّعزِير، ولا يملك عليه من جنس القطع.
والثاني: يجوز له القطع، وهو المنصوص؛ لقوله، ﷺ : «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» ولم يفرق. ولـ " أن ابن عمر ﵄ وأرضاهما، قطع عبدا له سرق ". و: (قطعت عائشة أم المؤمنين ﵂ أمة لها سرقت) . ولا مخالف لهما في الصحابة. ولأن من ملك إقامة حد الزِّنَى.. ملك إقامة حد السرقة، كالحاكم. وإن ارتد المملوك.. فليس للسيد أن يقتله على قول أبي العباس، وله أن يقتله على المنصوص؛ لـ: (أن حفصة ﵂ قتلت أمة لها سحرتها) . والقتل بالسحر لا يكون إلا بالردة.
[فرع: شروط إقامة السيد الحد على مملوكه]
وأمَّا المولى الذي يملك إقامة الحد على مملوكه. فلا خلاف على المذهب: أن المولى إذا كان رجلا، بالغا، عاقلا، عالما، مسلما، حرا، عدلا.. فله إقامة الحد على مملوكه؛ لما ذكرناه. وهل للوصي أن يقيم الحد على رقيق الصغير؟ فيه وجهان حكاهما المسعودي [في " الإبانة "] بناء على أن له تزويج أمته أو عبده؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي إسحاق: إن كان المولى يقيم الحد بنفسه.. فيحتاج أن يكون عدلا، عالما، قويا، له بطش. فإن وكل من يقيم له الحد.. فيحتاج أن يكون
стр. 6447
عدلا، عاقلا، عالما. وإن كان فاسقا أو جاهلا.. لم يكن له إقامة الحد؛ لأنها ولاية في إقامة الحد، فمنع الفسق والجهل منه، كولاية الحاكم.
والثاني: يجوز أن يكون فاسقا جاهلا، وهو المنصوص في القديم؛ لقوله، ﷺ : «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» . وهذا خطاب يعم الجميع، ولأنها ولاية بحق الملك، فلم يمنع الفسق والجهل منها، كولاية النكاح.
وهل للكافر أن يقيم الحد على مملوكه؟ فيه وجهان حكاهما الخراسانيون، وتعليلهما ما ذكرناه في الفاسق. وهل للمرأة أن تقيم الحد على مملوكها؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو المذهب: أن لها أن تقيم الحد؛ لما رُوِيَ: (أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ جلدت أمة لها زنت) ، و: (قطعت عائشة أمة لها سرقت) . ولا مخالف لهما في الصحابة.
والثاني - وهو قول أبي علي بن أبي هُرَيرَة: أنه ليس لها ذلك؛ لأنه ولاية على الغير، فلم تملكه المرأة، كولاية النكاح.
فعلى هذا: فيمن يقيم الحد على مملوكها وجهان:
أحدهما: ولي المرأة، كما يزوج أمتها.
والثاني: لا يملكه إلا الحاكم؛ لأن ذلك يستفاد بالولاية العامة وبولاية الملك، فإذا بطلت ولاية الملك في ذلك.. بقيت الولاية العامة في ذلك؛ وهي ولاية الحاكم.
وإن كان المولى مكاتبا.. فهل له أن يقيم الحد على مملوكه؟ فيه وجهان:
أحدهما: ليس له ذلك؛ لأنه ليس من أهل الولاية.
والثاني: له ذلك؛ لأنه يستفاد بالملك، فملكه المولى، كسائر التصرفات.
стр. 6448
وإن كان عبد بين اثنين شريكين.. لم يجز لأحدهما أن يقيم عليه الحد بغير إذن شريكه؛ لأنه ليس له أن يحكم في ملك شريكه.
[مسألة: هيئة الجلد وصفته]
إذا كان المحدود بكرا.. نظرت فيه: فإن كان صحيحا قويا، والزمان معتدل الحر والبرد.. فإنه يجلد ولا يجرد ولا يقيد. وقال أبُو حَنِيفَة: (يجرد عن الثياب) .
دليلنا: ما رُوِي عن ابن مَسعُودٍ: أنه قال: (ليس في هذه الأمة مد، ولا تجريد، ولا غل، ولا صفد) . ولا مخالف له في الصحابة.
ويفرق الضرب على أعضائه ويتوقى الوجه والمذاكير؛ لما رَوَى أبُو هُرَيرَة: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا ضرب أحدكم.. فليتوق الوجه» . ورُوِي: أن عليا كرم الله وجهه حد رجلا، فقال للجلاد: (اضربه وأعط كل عضو منه حقه، واتق وجهه ومذاكيره) . ورُوِي ذلك عن ابن عمر. ولأن الوجه يتبين فيه
стр. 6449
الشين، والمذاكير مقتل. وهل يتوقى الرأس؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو قول الماسرجسي واختيار ابن الصبَّاغ: أنه يتوقاه؛ لأنه مقتل، ويخاف منه العمى وزوال العقل. وكذلك الخاصرة مثله.
والثاني - وهو قول أكثر أصحابنا: أنه لا يتوقى الرأس؛ لما رُوِي عن أبي بكر الصدِّيق ﵁: أنه قال للجلاد: (اضرب الرأس؛ فإن الشيطان فيه) ، ولأنه يكون مغطى في العادة فلا يخاف تشويهه، ولأن ضربه بالسوط لا يخاف منه الموت.
ويضرب بسوط بين سوطين، لا جديد فيجرح، ولا خلق فلا يؤلم؛ لما رُوِيَ: «أن النَّبيَّ ﷺ أراد أن يجلد رجلا، فأتي بسوط خلق، فقال: " فوق هذا " فأتي بسوط جديد، فقال: " بين هذين " فأتي بسوط قد لان فضرب به» وكذلك رُوِي عن علي وعمر ﵄.
стр. 6450
ويضرب ضربا بين ضربين، فلا يرفع الجلاد يده حتى يرى بياض إبطه، ولا يضعها وضعا يسيرا، ولكن يرفع ذراعه ويضرب؛ لما رُوِي عن علي ﵁: أنه قال: (سوط بين سوطين، وضرب بين ضربين) . وعن عمر وعلي وابن مَسعُودٍ، ﵃، أنهم قالوا للجلاد: (لا ترفع يدك حتى يرى بياض إبطك) . ولأنه إذا رفع يده.. وقع الضرب شديدا، وربما جرحه، وإذا وضع يده وضعا يسيرا.. لم يحصل به الألم.
ويضرب الرجل قائما، وتترك له يده يتقي بها، ولا يقيد ولا يمد ولا يجرد عن ثيابه، بل يترك عليه قميص أو قميصان، ولا تترك عليه جبة محشوة ولا فرو؛ لأنه يمنع من وصول الألم إليه. وتجلد المرأة جالسة.
وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: تجلد قائمة، كالرجل.
دليلنا: ما رُوِي عن علي ﵁: أنه قال: (تضرب المرأة جالسة) ، ولأن ذلك أستر لها.
وتشد عليها امرأة ثيابها في حال الضرب؛ لئلا ينكشف بدنها، وتضرب ضربا بين ضربين، لما رَوَيْنَاهُ عن علي ﵁. ورُوِي: أن جارية أقرت عند عمر ﵁ بالزِّنَى، فقال: (أذهبت الجارية حسنها وجمالها) . ثم قال لرجلين: (اضرباها ولا تخرقا لها جلدا) .
стр. 6451
وإن كان البكر مريضا أو مقطوعا أو محدودا.. أخر جلده حتى يبرأ من مرضه أو قطعه ويسكن ألم حده الأول، وكذلك: إن كان الزمان شديد الحر أو البرد.. أخر جلده إلى أن يعتدل الزمان؛ لأن المقصود من جلده النَكَال والردع لا القتل، فلو جلدناه في هذه الأحوال.. لم يؤمن أن يموت من ذلك.
وإن كان نضو الخلق لا من علة لكنه نحيف الخلقة، أو كان به مرض لا يرجى زواله كالمسلول والزمن.. فإنه لا يحد حد الأقوياء، ولكن يضرب بإثكال النخل؛ وهو قضبانه. فيجمع مائة شمراخ، فيضرب بها دفعة واحدة، أو يضرب بأطراف الثياب والنعال. وقال مالك: (لا يضرب إلا بالسوط مائة مفرقة، فإن لم يمكن.. أخر جلده) . وقال أبُو حَنِيفَة: (يجمع مائة سوط، ويضرب بها دفعة واحدة) .
دليلنا: ما رَوَى أبُو داود بإسناده، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، «أنه أخبره بعض أصحاب النَّبيّ ﷺ من الأنصار: أنه اشتكى رجل منهم حتى ضني، فعاد جلده على عظمه، فدخلت عليه جارية لبعضهم فهش إليها، فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه.. أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لي رسول الله ﷺ فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ وقالوا: ما رأينا أحدا من الناس نزل به من الضر مثل الذي هو به، فلو حملناه إليك.. لتفسخت عظامه، ولم يبق عليه إلا جلد على عظم، فقال النَّبيّ ﷺ : خذوا مائة شمراخ واضربوه بها ضربة واحدة» وهذا نص في موضع
стр. 6452
الخلاف. ولأنه لا يمكن ضربه بالسوط؛ لأنه يؤدي إلى تلفه، ولا يمكن تركه؛ لأنه يؤدي إلى تعطيل الحد. فإن سرق نضو الخلق أو المريض الذي لا يرجى زوال مرضه.. فهل يقطع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يقطع؛ لأنه ليس المقصود من الحد القتل، كما أنه ليس المقصود من الجلد القتل، فلما لم يجز جلده بالسوط.. لم يجز قطعه.
والثاني: يقطع، وهو المذهب؛ لأنه لا يمكننا أن نقطعه قطعا لا يخاف منه؛ إذ كل القطع يخاف منه السراية، فتركه يؤدي إلى إسقاط الحد، بخلاف الجلد.
[فرع: وقت الحد على الحامل وماذا لو مات المحدود ؟]
وإن وجب الجلد على امرأة وهي حبلى.. لم تجلد حتى تضع؛ لأن جلدها ربما كان سببا لتلف ولدها، وربما كان سببا لتلفها؛ لأنها تضعف بالحمل. وكذلك: إذا ولدت.. لم يجز حدها ما دامت نفساء؛ لأن خروج الدم منها يضعفها، فهي كالمريضة.
стр. 6453
إذا ثبت هذا: فكل موضع قلنا: (يجوز فيه إقامة الحد) فأقامه الإمام فمات المحدود.. لم يجب ضمانه؛ لأن الحق قتله.
وكل موضع قلنا: (لا يجوز إقامة الحد فيه) فأقامه الإمام فيه، فإن كانت المرأة حاملا ثم تلف حملها.. وجب على الإمام ضمانه؛ لأنه متعد بذلك. فإن لم يعلم الإمام بكونها حاملا.. فهل يجب ضمانه في ماله أو في بيت المال؟ فيه قولان مَضَى توجيههما. وإن علم الإمام بكونها حاملا.. ففيه طريقان:
[أحدهما] : من أصحابنا من قال: يجب ضمانه في ماله قولا واحدا؛ لأن بيت المال إنما يحمل خطأ الإمام، وهذا عمد إليه.
و [الثاني] : منهم من قال: فيه قولان، وهو الأصح؛ لأن إتلاف الجنين لا يتأتى فيه العمد المحض، وإنما يتلف بعمد الخطأ.
وإن تلف المحدود.. فقد نص الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على: (أن الإمام إذا أقام الحد على رجل في شدة حر أو برد، فمات المحدود.. أنه لا يجب ضمانه) .
ونص الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على: (أنه إذا أمر الخاتن، فختنه في شدة حر أو برد، فمات المختون.. وجب ضمانه) .
فمن أصحابنا من نقل جواب كل واحدة منهما إلى الأخرى وخرجهما على قولين:
أحدهما: لا يجب عليه ضمانه؛ لأنه تلف بما هو مستحق عليه.
والثاني: يجب عليه ضمانه؛ لأنه تعدى بذلك.
ومنهم من قال لا يجب عليه ضمان المحدود؛ لأن الحد منصوص عليه، ويجب عليه ضمان المختون؛ لأن الختان مجتهد فيه. فإذا قلنا: يجب الضمان.. فكم يجب؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب جميع الدية؛ لأنه مفرط.
والثاني: لا يجب عليه نصف الدية؛ لأنه مات من واجب ومحظور.
وفي محل الوجوب قولان:
стр. 6454
أحدهما: في ماله.
والثاني: في بيت المال.
[مسألة: تغريب البكر]
ويغرب البكر الحر سنة مع الجلد، وفي العبد قولان، وقد مَضَى الدليل عليهم.
ولا تجوز الزيادة على السنة للخبر. وأقل مسافة التغريب ما تقصر إليه الصلاة.
وقال أبُو عليّ بن أبي هُرَيرَة: يكفي التغريب إلى دون مسافة القصر؛ لقوله ﷺ : «وتغريب عام» . ولم يفرق. والمذهب الأول؛ لأن ما دون مسافة القصر في حكم بلد الإقامة.
وإن رأى الإمام أن يغرب إلى أكثر من مسافة القصر.. جاز؛ لـ: (أن عمر ﵁، غرب من المدينة إلى الشام) ، و: (غرب عُثمانَ ﵁، منها إلى مصر) .
وإن كان الزاني غريبا في البلد الذي زنَى فيه.. لم يقنع منه بالإقامة في تلك البلد، بل يخرج منها إلى بلد تقصر إليه الصلاة من البلد الذي زنَى فيه. فإن أراد أن يرجع إلى وطنه وبينهما مسافة القصر أو أكثر.. منع من ذلك؛ لأن المقصود بالتغريب تعذيبه، وذلك لا يحصل برجوعه إلى وطنه. وهل يجزئ التغريب سنة متفرقة؟
يحتمل أن يكون على وجهين، كتعريف اللقطة سنة متفرقة.
стр. 6455
فإذا انقضت السنة.. كان بالخيار: بين أن يرجع إلى وطنه، وبين أن لا يرجع؛ لأن الواجب قد حصل.
[فرع: تغريب المرأة]
وهل تغرب المرأة وحدها؟ فيه وجهان، حكاهما المسعوديُّ [في " الإبانة "] :
أحدهما: تغرب وحدها؛ لأنه سفر واجب، فهو كالهجرة.
والثاني: لا تغرب وحدها؛ لقوله ﷺ : «لا تسافر المرأة إلا ومعها زوجها، أو ذو رحم محرم لها» .
فإذا قلنا بهذا: فهل يجب على ذي رحمها أن يسافر معها؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : قال أكثر أصحابنا: لا يلزمه السفر معها؛ لأن السفر وجب عليها، فلم يجب على ذي رحمها، كما قلنا في سفرها للحج.
و [الثاني] : قال أبُو العباس: يلزمه الخروج معها، ولا يمتنع أن يجب على الإنسان قطع مسافة لأجل الغير، كما لو أمر الإمام قوما في الغزو وكان على طريقهم عدو يخافونه.. فإن على الإمام أن يبعث معهم جيشا ليجوزوا بهم على ذلك العدو.
والأول أصح. فعلى هذا: أن تطوع ذو رحمها بالخروج معها، أو لم يتطوع ولكن وجدت امرأة ثقة فتطوعت بالخروج معها وكان الطريق آمنا.. لزمها السفر بذلك.
وإن لم يتطوع ذو رحمها بالخروج، ولا وجدت امرأة ثقة تطوع بالخروج معها في طريق مأمون.. فإنه يستأجر ذو رحمها أو امرأة ثقة لتخرج معها. ومن أين يستأجر؟ فيه وجهان:
أحدهما: من مالها؛ لأن ذلك واجب عليها، فإن لم يكن لها مال.. فمن بيت المال؛ لأن في ذلك مصلحة.
والثاني: يستأجر من بيت المال؛ لأنه حق الله تَعالَى فكانت مؤنته من بيت المال،
стр. 6456
فإن لم يكن فيه شيء، أو كان ولكنه يحتاج إليه لما هو أهم من ذلك.. كان من مالها؛ لأن ذلك واجب عليها.
[مسألة: يعتبر حال الزاني لإقامة الحد]
وإن كان الزاني ثيبا.. نظر فيه: فإن كان صحيحا قويا، والزمان معتدل الحر والبرد.. رجم. وإن كان مريضا، أو كان في شدة حر أو برد.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال ابن الصبَّاغ: إن ثبت زناه بالبينة.. رجم. وإن ثبت بإقراره.. ففيه وجهان: أحدهما: يؤخر رجمه إلى أن يبرأ من مرضه ويعتدل الزمان؛ لأنه لا يؤمن أن يرجع عن إقراره بعد أن رجم بعض الرجم، فيؤدي ذلك مع المرض الشديد أو مع شدة الحر أو البرد إلى إتلاف نفسه.
والثاني: يرجم ولا يؤخر؛ لأن الزِّنَى قد ثبت عليه ووجب رجمه، فلم يؤخر كما لو ثبت زناه بالبينة. وما ذكره الأول: يبطل بالزِّنَى إذا ثبت بالبينة؛ فإنه يجوز أن يرجع الشهود بهد أن رجم بعض الرجم، فيسقط عنه الرجم، ومع هذا لا يؤخر الرجم.
وقال الشيخُ أبُو إسحاق: هل يؤخر الرجم مع شدة المرض أو شدة الحر أو البرد؟
فيه وجهان، ولم يفرق بين أن يثبت الزنى بالبينة أو بالإقرار، إلا أن تعليله يدل على أنه أراد إذا ثبت الزِّنَى بالإقرار؛ لأنه قال: يؤخر؛ لأنه ربما يرجع عن إقراره في حال الرجم.
وقال الشيخُ أبُو حامد: إن كان مريضا.. فإن الرجم يؤخر بكل حال، سواء كان مما يرجى زواله أو مما لا يرجى زواله. وإن كان في شدة الحر أو البرد.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يرجم في الحال.
стр. 6457
الثاني: إن ثبت بالإقرار.. لم يرجم، وإن ثبت بالبينة.. رجم، ودليلهما ما مَضَى.
الثالث: إن ثبت زناه بالبينة.. أخر رجمه، وإن ثبت بالإقرار.. رجم، لأنه هتك نفسه بإقراره. والأول أصح.
[فرع: حفر للمرجومة دون المرجوم]
فرع: [يحفر للمرجومة دون المرجوم] :
وإذا أريد رجم الزاني.. نظرت: فإن كان رجلا.. لم يحفر له، سواء ثبت زناه بالبينة أو بالإقرار؛ لـ: «أن النَّبيَّ ﷺ لم يحفر لماعز بن مالك» . فيدور الناس حوله ويرجمونه. وإن كان المرجوم امرأة.. فهل يحفر لها؟ اختلف أصحابنا فيه:
فقال الشيخُ أبُو حامد: إن ثبت زناها بالبينة.. حفر لها؛ لأنها عورة. وإن ثبت زناها بإقرارها.. لم يحفر لها؛ لأنها ربما هربت فيكون رجوعا، ولا يمكنها ذلك.
وقال القاضي أبُو حامد: إن ثبت زناها بالبينة.. فهو بالخيار: بين أن يحفر لها وبين أن لا يحفر لها. وإن ثبت زناها بإقرارها.. لم يحفر لها.
وقال القاضي أبُو الطيب: هو بالخيار: بين أن يحفر لها أو لا يحفر لها، وسواء ثبت زناها بالبينة أو بالإقرار؛ لـ: «أن النَّبيَّ ﷺ حفر للغامدية إلى ثدييها» ، و: (لم يحفر للجهنية) . وكان ثبت زناهما بالإقرار.
وقال الشيخُ أبُو إسحاق: يحفر للمرأة، ولم يفرق بين أن يثبت زناها بالبينة أو بالإقرار؛ لأن ذلك أستر لها.
[فرع: إقامة الرجم على الحبلى]
وإن وجب الرجم على امرأة حبلى.. لم ترجم حتى تضع؛ لما ذكرناه في الغامدية والجهنية.
стр. 6458
ورُوِي: (أن عمر ﵁ وأرضاه، أراد أن يرجم امرأة حاملا، فقال له معاذ ﵁: إن كان لك سبيل عليها.. فليس لك سبيل على ما في بطنها فتركها) .
فإن وجد للولد من ترضعه.. رجمت بعد ما تسقيه الأم اللِّبَأ، لأنه لا يعيش إلا بذلك. وإن لم توجد له من ترضعه.. لم ترجم حتى تفطمه؛ لما ذكرناه في الخبر في الغامدية.
[فرع: هرب الزاني من الرجم]
وإن هرب المرجوم في حال الرجم.. نظرت: فإن ثبت زناه بالبينة.. اتبع ورجم إلى أن يموت؛ لأنه لا سبيل إلى تركه.
وإن ثبت زناه بإقراره.. لم يتبع؛ لما رُوِيَ: «أن ماعز بن مالك لما وجد ألم الحجارة.. فر من بين أيديهم، فتبعوه ورجموه حتى مات، ثم ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال النَّبيّ ﷺ : "هلا خليتموه حين سعى من بين أيديكم» . ولأنه لو رجع عن إقراره.. لقبل رجوعه، فكان الظاهر من حاله: أنه لما هرب منهم.. أنه رجع عن إقراره.
فإن هرب ولم يصرح بالرجوع، فتبعوه ورجموه حتى قتلوه.. لم يجب عليهم ضمانه؛ لـ: (أن النَّبيَّ ﷺ لم يوجب عليهم ضمان ماعز بن مالك) . ولأن هربه يحتمل الرجوع وغيره، فلم يجب عليهم الضمان بالشك.
стр. 6459
[فرع: يغسل المرجوم ويصَلَّى عليه إن كان مسلماً]
ويغسل المرجوم ويصَلَّى عليه إن كان مسلما.
وقال مالك: (لا يصَلَّى عليه) .
دليلنا: «أن النَّبيَّ ﷺ أمر بالغامدية فرجمت، وصَلَّى عليها، ودفنت» . و: «أمرهم أن يصلوا على الجهنية) ، فقال عمر ﵁ وأرضاه: نصلي عليها وقد زنت؟ فقال رسول الله ﷺ : "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة.. لوسعتهم، وهل وجدت شيئا أفضل من أن جادت بنفسها لله تَعالَى!» .
[فرع: لا يقام الحد في المسجد]
] : ويكره إقامة الحد في المسجد. وبه قال مالك وأبو حَنِيفَة.
وقال ابن أبي ليلى: لا يكره.
دليلنا: ما رُوِيَ «أن النَّبيَّ ﷺ نهى أن يستقاد في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود» . فإن أقيم الحد في المسجد.. سقط به الفرض؛ لأن النهي يعود إلى المسجد لا إلى الحد، فسقط به الفرض، كالصلاة في الدار المغصوبة.
وبالله التوفيق
стр. 6460
[باب حد القذف]
القذف محرم، وهو من الكبائر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] الآية (النور: ٤)
فأوجب فيه الحد، وجعله مانعاً من قبول الشهادة لا للتهمة، وسمى القاذف فاسقاً، وأثبت منه التوبة، وكل واحد من هذه الأشياء يدل على تحريمه.
ولقوله تَعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ﴾ [النور: ٢٣] الآية (النور: ٢٣)
ورَوَى حذيفة بن اليمان: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «قذف محصنة يبطل عمل مائة سنة» .
«ورَوَى ابن عمر: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "من أقام الصلوات الخمس، واجتنب الكبائر السبع.. نودي يوم القيامة ليدخل من أي أبواب الجنة شاء" فقال رجل لابن عمر: أحفظتهن عن رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم: "الشرك بالله تَعالَى، وعقوق
стр. 6461
الوالدين، والقتل، وقذف المحصنات، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والزنا» وقيل: أكل الربا، والزنا أشهر.
ورَوَى أبُو هُرَيرَة: أن النَّبيَّ ﷺ قال «اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: يا رسول الله. وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله تَعالَى، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات» .
وأجمعت الأمة: على تحريم قذف المحصنة والمحصن.
[مسألة: يعتبر وجوب الحد بالمقذوف ومقداره بالقاذف]
قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإذا قذف البالغ حراً بالغاً مسلماً، أو حرة بالغة مسلمة.. حد ثمانين) . وجملة ذلك: أن القاذف يجب عليه الحد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الآية (النور: ٤)
وروت عمرة «عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: (لما أنزل الله سبحانه عذري.. صعد النَّبيّ ﷺ على المنبر فذكر الله تَعالَى، ثم تلا - تعني: آيات من كتاب الله تَعالَى - ثم نزل فأمر بأن يجلد الرجلان والمرأة حدودهم» تعني: حسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش.
стр. 6462
إذا ثبت هذا: فلا يجب حد القذف إلا على مكلف. فإن كان القاذف صغيراً أو مجنوناً.. لم يجب عليه الحد؛ لقوله ﷺ «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» ، ولأن الصغير والمجنون لا حكم لقولهما، فلا يجب به الحد.
ويجب الحد بقذف المحصنة والمحصن، فإن قذف من ليس بمحصن.. لم يجب على القاذف الحد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] الآية (النور: ٤) فاشترط الإحصان في المقذوفة، فدلَّ على: أنه لا يجب الحد بقذف من ليس بمحصن.
وللإحصان في حق المقذوف خمس شرائط: البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، والعفة عن الزِّنَى.
стр. 6463
فإن قذف صغيراً أو مجنوناً.. لم يجب عليه حد القذف، لأن ما رماهما به من الزِّنَى لو تحقق.. لم يجب عليهما به حد، فلم يجب على قاذفهما به حد.
وإن قذف مملوكاً.. لم يجب عليه به حد، لأن الرق يمنع من كمال حد الزِّنَى، فمنع من وجوب الحد على قاذفه. وإن قذف كافراً.. لم يجب عليه الحد، لما رَوَى ابن عمر: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «من أشرك بالله.. فليس بمحصن»
وإن قذف من عرف زناه ببينة أو بإقراره.. لم يجب عليه الحد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الآية (النور: ٤) فلما وجب الحد على القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء على زنَى المقذوف.. فدلَّ على: أنه إذا أتى بأربعة شهداء على زناه أنه لا حد عليه. وقسنا إقرار المقذوف بالزِّنَى على ثبوت زناه بالبينة.
إذا تقرر هذا: فإن وجوب الحد يعتبر بالمقذوف. وأمَّا كمال الحد ونقصانه.. فيعتبر بالقاذف، فإن كان القاذف حراً.. وجب عليه ثمانون جلدة للآية، وإن كان مملوكاً.. لم يجب عليه إلا أربعون جلدة. وبه قال أبُو بكر الصدِّيق وعمر وعثمان ﵃، وأرضاهم، وأكثر أهل العلم.
وقال عمر بن عبد العزيز: يجب على المملوك ثمانون جلدة. وبه قال الزهريُّ وداود، وحكى ذلك عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
دليلنا: ما رُوِيَ عن عبد الله بن عامر بن ربيعة: أنه قال: أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ﵃، ومن بعدهم من الخلفاء فلم أرهم يضربون المملوك إذا قذف إلا
стр. 6464
أربعين سوطاً، وما رأيت أحداً ضرب المملوك المفتري على الحر ثمانين جلدة قبل أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فدلَّ على: أنه إجماع. ولأنه حد يتبعض، فكان المملوك فيه على النصف من الحر، كالجلد في الزِّنَى. وفيه احتراز من القطع في السرقة.
[فرع: المقذوف أو القاذف إذا كان مبعضاً]
فإن كان المقذوف بعضه حر وبعضه مملوك.. لم يجد الحد على قاذفه. وكذلك: إذا كان القاذف بعضه حر وبعضه مملوك.. لم يجب عليه حد الحر، وإنما يجب عليه حد المملوك، لأنه ناقص بالرق، ولهذا لا تثبت له الولاية ولا تقبل شهادته ولا يقتل الحر به، فكان كالمملوك في ذلك.
[فرع: قذف امرأة أو رجل وطئ وطئاً حراماً]
ً) : وإن قذف رجل رجلاً وطئ وطئاً حراماً، أو امرأة وطئت وطئاً حراماً، والوطء الحرام على أربعة أضرب:
ضرب: حرام محض، وهو: الزِّنَى. وكذلك: إذا وطئ أمه أو أخته بعقد النكاح وهو عالم بتحريمه، أو وطئ المرتهن الجارية المرهونة وهو عالم بتحريمه، أو وطئ جارية والده مع العلم بتحريمه.. أو وطئ الجارية التي أصدقها لزوجته مع العلم بتحريمه.. فهذا الوطء يجب به الحد على الواطئ ويسقط به إحصانه، فلا يجب الحد على قاذفه.
والضرب الثاني: وهو وطء حرام لعارض، وهو: إذا وطئ زوجته الحائض أو
стр. 6465
النفساء أو الصائمة أو المحرمة.. فهذا لا يجب عليه الحد بهذا الوطء، ولا يسقط به إحصانه، فيجب الحد على قاذفه.
والضرب الثالث: وطء حرام بكل حال إلا أنه في ملك، كمن وطئ أمه أو أخته في ملكه، فإن قلنا: يجب عليه الحد بوطئها.. سقط إحصانه بذلك، فلا يجب الحد على قاذفه. وإن قلنا: لا يجب عليه الحد.. لم يسقط إحصانه بذلك، فيجب الحد على قاذفه.
والضرب الرابع: وطء حرام في غير ملك إلا أنه مختلف فيه، كمن وطئ امرأة في نكاح بلا ولي ولا شهود، أو في نكاح الشغار، أو نكاح المتعة، أو وطئ جارية مشتركة بينه وبين غيره.. فهذا الوطء لا يجب به الحد على الواطئ، ولكن هل يسقط به إحصانه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسقط به إحصانه، فلا يجب الحد على قاذفه، لأنه وطء محرم في غير ملك، فهو كالزنا.
والثاني: لا يسقط به إحصانه ويجب الحد على قاذفه، لأنه وطء لا يجب به الحد على الواطئ، فهو كما لو وطئ امرأته الحائض. وكذلك: إذا وطئ امرأة أجنبية ظنها زوجته.. فهو كما لو وطئ في النكاح بلا ولي.
[فرع: قذف الوالد ولده]
وإن قذف الوالد ولده وإن سفل.. لم يجب عليه الحد. وبه قال أبُو حَنِيفَة وأحمد وإسحاق ﵏.
وقال مالك ﵀: (يكره له أن يحده، فإن حده.. جاز)
وقال أبُو ثور وابن المنذر: (يجب له الحد عليه) .
стр. 6466
دليلنا: أن الحد يسقط بالشبهة، وما يسقط بالشبهة.. لا يثبت للولد على الوالد، كالقصاص.
وإن قذف أم ابنه وكانت محصنة أجنبية منه.. وجب لها عليه حد القذف. فإن ماتت قبل أن تستوفيه، ولا وارث لها غير ابنه منها.. سقط الحد عن أبيه، لأنه إذا لم يثبت له الحد على أبيه ابتداء.. لم يثبت له عليه إرثا، كالقصاص. وإن كان لها وارث مع ابن القاذف.. كان له أن يستوفي جميع الحد، لأن حد القذف يثبت لبعض الورثة.
[فرع: ما يصنعه الحاكم إذا رفع إليه القاذف]
وإذا رفع القاذف إلى الحاكم، فإن علم أن المقذوف غير محصن.. لم يكن له أن يحد القاذف. وإن أقر القاذف بإحصان المقذوف، أو قامت به بينة.. حد القاذف.
وإن جهل الحاكم حال المقذوف.. فهل يجب عليه السؤال عن حاله؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه السؤال عن إحصانه، لأنه شرط في الحكم بالحد على القاذف، فوجب على الحاكم السؤال عنه، كعدالة الشاهد.
والثاني: لا يجب عليه، لأن البلوغ والعقل يعلمان بالنظر إليه، والظاهر من حاله الإسلام والحرية والعفة عن الزِّنَى.
وإن أقام القاذف بينة على زنَى المقذوف.. لم يجب الحد على القاذف. فإن طولب القاذف بالحد، فسأل أن ينظر إلى أن يقيم البينة على زنَى المقذوف.. أنظر ثلاثة أيام، لأن ذلك قريب.
وإن قال: القاذف للمقذوف: احلف أنك ما زنيت.. لم يحد القاذف حتى يحلف المقذوف أنه ما زنَى، لأن اليمين تعرض عليه ليخاف فيقر. ولو خاف المقذوف من
стр. 6467
اليمين فأقر أنه زنَى.. لم يجب الحد على القاذف. فإن حلف المقذوف أنه ما زنَى.. وجب الحد على القاذف. وإن نكل عن اليمين.. ردت اليمين على القاذف، فإن حلف أن المقذوف زنَى.. سقط الحد عن القاذف، لأن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه كإقرار المدعى عليه في أحد القوانين، أو كبينة يقيمها المدعي، ولو ثبت زنَى المقذوف بإقراره أو بالبينة.. لم يجب الحد على القاذف، وكذلك هذا مثله. ولا يجب حد الزِّنَى على المقذوف بيمين المدعي، لأن يمينه لإسقاط حد القذف، وحد الزِّنَى حق لله تَعالَى، فلا يثبت بيمين القاذف.
[فرع: سقوط حق المحصن من حد القاذف بزنا ونحوه]
وإن قذف رجل رجلاً محصناً أو امرأة محصنة، فلم يحد القاذف حتى زنَى المقذوف أو وطئ وطئاً حراماً سقط به إحصانه.. سقط حد القذف عن القاذف. وبه قال مالك وأبو حَنِيفَة.
وقال المزني وأبو ثور) لا يسقط عنه حد القذف، لأن الاعتبار بالحدود في حال الوجوب لا فيما يؤول إليه الحال، كما لو قذف مسلماً وقبل أن يقام عليه الحد ارتد المقذوف، وكما لو زنَى عبد فقبل أن يقام عليه الحد عتق، أو زنَى بكر فقبل أن يقام عليه الحد صار ثيباً) .
وهذا خطأ، لأن العفة عن الزِّنَى لا يعلمها الحاكم من المقذوف إلا بغلبة الظن.
فإذا زنَى المقذوف قبل إقامة الحد على القاذف.. احتمل أن يكون الزِّنَى حادثاً بعد القذف، فلم يسقط إحصانه حال القذف، واحتمل أن يكون هذا الزِّنَى كاشفاً لزنا كان يستتر به، لأن العادة أن الإنسان يظهر الطاعات ويستر المعاصي، فإذا أكثر من المعاصي.. أظهرها الله عليه، ولهذا رُوِيَ: أن عمر ﵁، كان يجلد رجلاً في الزِّنَى فقال: والله يا أمير المؤمنين ما زنيت قبل هذا. فقال عمر (كذبت، إن الله تَعالَى أكرم من أن يهتك عبده في أول دفعة) . وإذا كان الأمر كذلك.. صار إحصانه
стр. 6468
مشكوكاً فيه حال القذف، وذلك شبهة، فيسقط به الحد عن القاذف.
وأمَّا استدلالهما بردة المقذوف قبل إقامة الحد.. فإن فيها وجهين:
أحدهما: يسقط إحصانه، كالزنا
والثاني: لا يسقط إحصانه.
والفرق بينها وبين الزِّنَى: أن الردة طريقها الديانات، ولم تجر العادة أن الإنسان يخفي دينه بل يظهره، ولهذا يبذل أهل الكتاب الجزية لإظهار دينهم، فلم تكن ردته قادحة في إسلامه المتقدم قبل القذف، وليس كذلك الزِّنَى، فإن العادة كتمانه، فإذا ظهر.. دل على تقدم مثله.
وأمَّا استدلالهما بحرية الزاني وثيوبته قبل إقامة الحد عليه: فلا يشبه مسألتنا، لأن هذا تغير حال من يقام عليه الحد، وفي مسألتنا: لو تغير حال من يقام عليه الحد.. لم يتغير الحد، وإنما كلامنا فيه إذا تغير حال من يقام عليه الحد لأجله.
[مسألة: القذف بلفظ صريح يوجب الحد وماذا لو كان غير صريح ؟]
إذا قذف غيره بلفظ صريح، كقوله: زنيت، أو أنت زان، أو يا زاني، أو ما أشبه ذلك.. وجب عليه حد القذف، سواء نوى به القذف أو لم ينو، لأنه لا يتحمل غير القذف.
وإن قذفه بلفظ ليس بصريح في القذف ولكنه كناية يحتمل الزِّنَى وغيره، بأن يقول لغيره: يا فاجر، يا خبيث، يا حلال يا ابن الحلال. أو يقول: أما أنا فلست بزان، أو لم تحمل بي أمي من زنَى، أو لم تزن بي أمي، وما أشبه ذلك، فإن أقر أنه نوى به القذف.. وجب عليه الحد، لأن ما لا يعتبر فيه الشهادة.. كانت الكناية فيه مع النية بمنزله الصريح، كالطلاق والعتاق. وفيه احتراز من النكاح، فإنه تعتبر فيه الشهادة
стр. 6469
ويصح بلفظ الإنكاح والتزويج، ولا يصح بالكناية عنهما وهو ما يؤدي معناهما.
وإن لم ينوِ به القذف.. فإنه لا يكون قذفاً، سواء قال: ذلك في حال الرضا أو في حال الغضب والخصومة. وبه قال الثوريُّ وأبو حَنِيفَة وأصحابه.
وقال مالك وأحمد وإسحاق: (إن قال: ذلك في حال الرضا.. لم يكن قذفاً من غير نية، وإن قال: ذلك في حال الغضب والخصومة.. كان قذفاً من غير نية) .
دليلنا: ما رُوِيَ: «أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن امرأتي لا ترد يد لامس؟ فقال له النَّبيّ ﷺ "طلقها" قال: أنِّي أحبها. فقال: "أمسكها» . فعرض الرجل بقذف امرأته بالزِّنَى، ولم يجعله النَّبيّ ﷺ قاذفاً بالتعريض.
ورُوِي: «أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن امرأتي أتت بولد أسود ونحن أبيضان؟ فقال النَّبيّ ﷺ : "هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال: "وما ألوانها؟ " قال: حمر، قال"هل فيها من أورق؟ " قال: نعم، إن فيها لورقاً، قال: "فأنى ترى ذلك؟ " فقال لعل عرقاً نزعها. فقال النَّبيّ ﷺ : "وهذا لعل عرقاً نزعه» فعرض الرجل بقذف امرأته بالزِّنَى، ولم يجعله النَّبيّ ﷺ قاذفاً لها بظاهر التعريض".
ولأن التعريض بالقذف لا يكون قذفاً، كما أن التعريض بالسب لا يكون سباً، بدليل ما رُوِيَ: أن المشركين كانوا يعرضون بسب النَّبيّ ﷺ فيقولون:
مذمما عصينا ... وأمره أبينا
فكنوا عن محمد ﷺ بـ: (مذمم) فقال النَّبيّ ﷺ «أما ترون كيف عصمني الله منهم؟ وإنهم ليسبون مذمماً وإنما أنا محمد»
стр. 6470
ولأنه يحتمل القذف وغيره، فلم يجعل قذفاً بظاهره، كما لو قاله حال الرضا.
[فرع: ألفاظ لا تعتبر قذفاً]
وإن قال لرجل: يا قواد، يا مؤاجر.. فهو كناية في القذف.
وإن قال له: بارك الله عليك، وما أحسن وجهك، وما أشبه ذلك.. لم يكن قذفاً وإن نوى به القذف بالزِّنَى، لأنه لا يحتمل القذف، فلو أوقعنا فيه القذف.. لوقع القذف بالنية من غير لفظ، وهذا لا يصح.
[فرع: الرمي باللواطة]
وإن قال رجل أو امرأة: لطت، أو لاط بك فلان باختيارك.. فهو قذف، لأنه قذفه بزنا يوجب الحد، فهو كما لو قذفه بالزِّنَى في الفرج.
وإن قال لرجل: يا لوطي.. فقال: القاضي أبُو الطيب والشيخ أبُو إسحاق: يرجع إليه: فإن قال: أردت أنه على دين قوم لوط.. لم يجب عليه الحد، لأنه يحتمل ذلك. وإن قال: أردت أنه يعمل عمل قوم لوط.. وجب عليه الحد.
قال ابن الصبَّاغ: وهذا فيه نظر؛ لأن هذا مستعمل في الرمي بالفاحشة، فينبغي أن لا يقبل قوله: (إنِّي أردت أنه عليّ دينهم) ، بل يكون قذفا، وبه قال مالك.
وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يكون قذفا بحال) وبناه على أصله: أن اللواط لا يوجب الحد، فكذلك القذف به، وقد مَضَى الدليل على: أنه يوجب الحد.
[مسألة: قوله لأنثى يا زانية فقالت له يا زان أو بك زنيت]
وإن قال رجل لامرأته أو غيرها: يا زانية، فقالت له: يا زان.. كان كل واحد منهما قاذفاً لصاحبه.
стр. 6471
وقال أبُو حَنِيفَة: (يصير قصاصاً، فلا يجب على واحد منهما حد)
دليلنا: أن القصاص لا يجب في القذف، فلم تقع به المقاصة.
فإن قال رجل لامرأته: يا زانية فأجابته فقالت: زنيت بك، أو: بك زنيت.. فإنه يكون قاذفاً لها بظاهر القول، فيجب عليه الحد. فإن أقام البينة أو لاعنها، وإلا.. حد لها.
وأمَّا جوابها له بقولها: بك زنيت أو زنيت بك.. فلا يكون قذفاً له بظاهره من غير نية، لأنه يحتمل القذف له، ويحتمل الإقرار على نفسها بالزِّنَى دونه، ويحتمل الجحود والإنكار عن الزِّنَى. فاحتمال القذف له أنها أرادت أنك زنيت بي قبل النكاح، فيكون ذلك قذفاً له واعترافا على نفسها بالزِّنَى. واحتمال الاعتراف على نفسها بالزِّنَى دونه: أنها أرادت أنك وطئتني قبل النكاح وأنت مجنون، أو استدخلت ذكرك وأنت نائم قبل النكاح، أو وطئتني قبل النكاح وأنت تظن أنِّي زوجتك وقد علمت أنك أجنبي. واحتمال جحودها عن الزِّنَى من وجهين:
أحدهما: أنها أرادت لم يصبني غيرك بالنكاح، فإن كان ذلك زنَى.. فبك زنيت.
والثاني: أنها أرادت إن كنت زنيت.. فمعك زنيت، أي: فكما لم تزن أنت.. لم أزن أنا، كما لو قال رجل لغيره: سرقت، فيقول: معك سرقت، أي أنِّي لم أسرق كما لم تسرق.
فإذا احتمل قولها هذه الاحتمالات.. لم يجعل قذفاً له من غير نية منها لقذفه، فيرجع إليها:
فإن قالت: إنِّي أردت به الاحتمال الأول وأنه زنَى بي قبل النكاح.. فقد قذفته بالزِّنَى واعترفت على نفسها بالزِّنَى، فيجب عليها حد الزِّنَى وحد القذف للزوج، ويسقط عن زوجها حد قذفها.
وإن قالت: أردت الاحتمال الثاني.. فقد اعترفت على نفسها بالزِّنَى، فلا يجب على الزوج حد القذف لها، ولا تكون قاذفة له.
стр. 6472
وإن قالت: أردت به الجحود عن الزِّنَى على أي الوجهين كان، فإن صدقها الزوج على ذلك.. سقط عنها عهدة هذا الكلام. وإن كذبها وادعى أنها أرادت قذفه.. فالقول قولها مع يمينها، لأنها أعلم بما أرادت. فإن حلفت.. برئت، وكان على الزوج حد القذف لها، وله إسقاطه بالبينة أو باللعان. وإن نكلت عن اليمين.. ردت اليمين على الزوج فيحلف: أنها أرادت قذفه بالزِّنَى أو الاعتراف على نفسها بالزِّنَى، فإذا حلف.. سقط عنه حد القذف، ووجب عليها حد القذف له، ولا يجب عليها حد الزِّنَى، لأن ذلك من حقوق الله تَعالَى، فلا يثبت بيمينه عليها.
وإن قال رجل لامرأة أجنبية: يا زانية، فقالت: بك زنيت أو زنيت بك.. فإنه يكون قاذفاً لها بظاهر هذا القول.
قال المسعوديُّ (في الإبانة) : ولا يرجع إليها بهذا، بل يكون قولها قذفاً له.
[فرع: قال لامرأة: يا زانية فأجابته أنت أزنى مني]
وإن قال رجل لامرأته: يا زانية، فقالت له: أنت أزنى مني.. فإنه يكون قاذفاً لها بظاهر هذا القول، ولا تكون قاذفة له بظاهر هذا القول من غير نية، لأنه يحتمل القذف وغيره. فاحتمال القذف: أنها أرادت أنِّي زانية وأنت زان، وأنت أكثر زنَى مني.
واحتمال غير القذف: أنه ما وطئني غيرك في النكاح، فإن كان ذلك زنَى.. فأنت أزنى مني، لأنك أحرص على ذلك، والعمل لك. فيرجع إليها، فإن أرادت الاحتمال الأول.. فقد اعترفت على نفسها بالزِّنَى وبالقذف له، فيجب عليها حد الزِّنَى وحد القذف، ويسقط عنه حد القذف لها. وإن قالت: أردت به الاحتمال الثاني، فإن صدقها على ذلك سقط عنها عهدة هذا الكلام، ووجب لها عليه حد القذف، وله إسقاطه بالبينة أو باللعان. وإن كذبها، وادعى أنها أرادت قذفه.. فالقول قولها مع يمينها على ما مَضَى.
وإن قال رجل لامرأة أجنبية: يا زانية، فقالت: أنت أزنى مني.. فإنه يكون قاذفاً لها بظاهر هذا القول. والذي يقتضي المذهب: أنها لا تكون قاذفة له بظاهر هذا
стр. 6473
القول، بل يرجع إليها، فإن قالت: أردت أنِّي زانية وهو أزنى مني.. فقد اعترفت على نفسها بالزِّنَى واعترف بقذفه، فيجب عليها حد الزِّنَى وحد القذف، ويسقط عنه حد القذف. وإن قالت: لست بزانية ولا هو بزان، فإن صدقها على ذلك.. سقط عنها عهدة هذا الكلام، فيجب لها عليه حد القذف. وإن كذبها وادعى: أنها أرادت أنها زانية وأنه أزنى منها.. فالقول قولها مع يمينها. فإن حلفت.. وجب لها عليه حد القذف، وإن نكلت وحلف.. وجب عليها حد القذف، وسقط عنه حد القذف، ولا يجب عليها حد الزِّنَى بيمينه، لأنه حق لله تَعالَى، فلا يثبت بيمينه.
[فرع: قوله: هي أزنى من فلان أو هو أزنى الناس]
وإن قال رجل لامرأته أو لغيرها: أنت أزنى من فلان أو من فلانة.. فإنه يكون قاذفاً بظاهر هذا القول، لأن قوله: (أزنى) على وزن أفعل، ولفظة: (أفعل) لا تستعمل إلا فيما يشتركان فيه ثم ينفرد أحدهما بزيادة - كما لو أن رجلاً قال: زيد أفقه من عمرو.. اقتضى قوله هذا: أنهما مشتركان في الفقه إلا أن زيدا أكثر فقهاً منه - فيرجع إليه، فإن قال: أردت أن فلاناً زان، وأنت أزنى منه.. فقد اعترف لهما بالقذف. وإن قال لا أعرف فلاناً، أو أعرفه وليس هو بزان، فإن صدقته على ذلك.. سقط عنه عهدة هذا الكلام. وإن كذبته.. حلف لها: أنه ما قذفها.
وإن قال لغيره: أنت أزنى الناس.. لم يكن هذا قذفاً بظاهره، فيرجع إليه، فإن قال: أردت أنه أزنى من جميع الناس.. لم يكن ذلك قذفاً، لأنا نعلم أن جميع الناس ليسوا بزناة، فيكون هذا أزنى منهم. وإن قال: أردت به أنه أزنى من زناة الناس، أو قال له ابتداء: أنت أزنى من زناة الناس.. كان قاذفاً له، فيجب عليه حد القذف لهذا المخاطب، ولا يجب عليه الحد لزناة الناس، لأنه قد قذف جماعة غير معينين.
стр. 6474
[مسألة: قوله لامرأة: يا زان]
قال الشافعيُّ، ﵀: (ولو قال لها: يا زان.. كان قذفاً، وهذا ترخيم منه) وجملة ذلك: أنه إذا قال لامرأته أو غيرها: يا زان.. فإنه يكون قاذفاً لها بظاهر هذا القول، لأن المفهوم من قوله: أنه أراد رميها بالفاحشة، فكان قذفاً، كما لو قذفها بالعجمية.
إذا ثبت هذا: فاعترض ابن داود على الشافعيُّ، في هذا بشيئين:
أحدهما: بقوله (وهذا ترخيم) فقال: الترخيم إنما يصح بأسماء الألقاب، فأما بالأسماء المشتقة من الفعل: فلا يصح فيها الترخيم.
والثاني: أنه قال: الترخيم إنما يصح بإسقاط حرف من الكلام، فأما بإسقاط حرفين.. فلا يصح.
فأجاب أصحابنا عن اعتراضه الأول بأن قالوا: هذا باطل، لترخيمهم لمالك وحارث، فإنهما اسمان مشتقان من الفعل. وأجابوا عن الثاني بأجوبة منها:
أن الشافعيَّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال في بعض كتبه: (إذا قال لها: يا زاني.. كان قاذفاً) وإنما غلط المزني فنقل: (إذا قال لها: يا زان) . ومنهم من قال: إذا كان الحرف الذي قبل الحرف الأخير حرف اعتلال.. سقط في الترخيم، كقولهم في عُثمانَ: يا عثم. ومنهم من قال: إذا كان المراد منه مفهوماً.. صح الترخيم وإن سقط حرفان أو أكثر، لما رُوِيَ: «أن النَّبيَّ ﷺ قال: لأبي هُرَيرَة: "يا أبا هر» .
[فرع: قوله لرجل: يا زانية]
) : إذا قال لرجل: يا زانية.. كان صريحاً في القذف عندنا في ظاهر هذا القول. وبه
стр. 6475
قال محمد. وقال أبُو حَنِيفَة وأبو يوسف: (لا يكون قذفاً) .
دليلنا: أن كل كلمة فهم معناها.. لزم المتكلم حكمها وإن كان لحنا، كما لو قال لامرأة: زنيت يا هذا، أو لرجل: زنيت يا هذه.
وقوله لرجل: يا زانية مفهوم المعنى، وهو: أنه رماه بالفاحشة وألحق به المعرة، فلزمه حكم هذه الكلمة، لأن لها مخرجاً في اللغة، وذلك أنه قد يشير إلى نفسه وذاته، فيكون معناه: يا نفسا زانية ويا ذاتاً زانية، فيصح التأنيث في هذا فوجب الحكم فيها بالقذف.
[فرع: قوله زنأت في الجبل كناية]
وإن قال لغيره: زنأت في الجبل.. فإنه لا يكون قاذفاً بظاهر هذا القول، إلا أن يقر أنه أراد به الزِّنَى.. فيكون قذفاً. وقال أبُو حَنِيفَة وأصحابه: (يكون قاذفاً بظاهره) .
دليلنا: أن قوله: زنأت في الجبل حقيقة في الصعود والارتقاء، يقال: زنأت تزنأ زنئاً وزنوئاً. ويقال: في الزِّنَى الذي هو الوطء: زنيت تزني زنَى، فإذا كان ذلك حقيقة في الصعود.. حمل على الإطلاق، ولم يحمل على المجاز إلا بدليل.
فأما إذا قال لغيره: زنأت ولم يقل: في الجبل.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يكون قذفاً بظاهره، لأنه لم يقترن به ما يدل على الصعود.
والثاني: - وهو قول أبي الطيب ابن سلمة -: إن كان هذا القائل عامياً.. كان هذا القول قذفاً بظاهره، لأن العامي لا يفرق بين زنيت وزنأت. وإن كان لغوياً.. لم يكن
стр. 6476
قذفاً بظاهره، لأن حقيقة هذا القول عنده: الصعود، كما قلنا فيمن قال لامرأته: أنت طالق أن دخلت الدار - بفتح الهمزة-.
وإن قال: زنأت في الجبل.. ففيه ثلاثة أوجه حكاها المسعوديُّ [في " الإبانة "] :
أحدها: أنه قذف، وقوله: (في الجبل) بيان المحل.
والثاني: لا يكون قذفاً بظاهره.
والثالث: إن كان لا يعرف العربية.. لا يكون قذفاً، وإن كان يعرف العربية.. كان قذفاً.
[مسألة: قوله زنَى فرجك أو يدك أو بدنك أو نحو ذلك]
إذا قال رجل لامرأة: زنَى فرجك، أو قال لرجل: زنَى ذكرك أو أيرك.. كان صريحاً في القذف، لأن ذلك صريح في الفاحشة.
وإن قال لرجل أو لامرأة: زنَى دبرك.. كان صريحاً في القذف.
وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يكون ذلك قذفاً) بناء على أصله: أن الحد لا يجب بالوطء في الدبر، وقد دللنا عليه، ونقول هاهنا: لأنه أضاف الزِّنَى إلى سبيل يجب بالزِّنَى فيه الحد، فكان قذفاً صريحاً، كما لو قال لامرأة زنَى فرجك.
وإن قال: زنت عينك، أو يدك، أو رجلك.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه صريح في القذف- وهو ظاهر ما نقله المزني - لأنه أضاف الزِّنَى إلى بعض منه، فهو كما لو أضافه إلى الفرج أو إلى الذكر.
والثاني: أنه ليس بصريح في القذف، وإنما هو كناية فيه. قال الشيخُ أبُو حامد:
ولعله أصح، لأن لهذه الأعضاء زنايين:
زنا ليس بفاحشة، وهو النظر من العينين، والبطش من اليدين، والمشي من الرجلين. وزنا هو فاحشة، وهو مشاركة هذه الأعضاء للفرج، ولهذا قال ﷺ : «العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، ويصدق ذلك ويكذبه الفرج»
стр. 6477
فبين: أن الزِّنَى لا يتحقق من هذه الأعضاء إلا بمعاونة الفرج.
فإذا احتمل الزِّنَى بهذه الأعضاء هذين الاحتمالين.. لم يكن إضافة الزِّنَى إليها صريحاًَ في القذف، كقوله: يا حلال يا ابن الحلال، ولأنه لو قال: زنت عيني، أو يدي، أو رجلي.. لم يكن ذلك إقراراً منه بالزِّنَى، فإذا أضاف ذلك إلى غيره.. لم يكن صريحاً في القذف.
فإن قلنا: أنه صريح وادعى أنه لم يرد به الزِّنَى الحقيقي.. لم يقبل منه.
وإن قلنا: إنه كناية.. رجع إليه، فإن قال: أردت به الزِّنَى الحقيقي.. لزمه حد القذف، وإن قال لم أرد به الزنى الحقيقي.. فالقول قوله مع يمينه، لأنه أعلم بما أراده، وإن قال لرجل: زنَى بدنك.. قال الشيخُ أبُو إسحاق: فهل هو صريح أو كناية؟ فيه وجهان، والذي يقتضي المذهب في هذا: أن يقال: يبنى على الوجهين الأولين:
فإذا قلنا: إنه إذا أضاف الزِّنَى إلى عضو من أعضاء البدن غير القبل والدبر يكون صريحاً في القذف.. فيكون هاهنا صريحاً وجهاً واحداً.
وإن قلنا هناك: يكون كناية.. فهاهنا وجهان:
أحدهما: أنه صريح في القذف، لأنه أضاف الزِّنَى إلي جميع البدن، والقبل والدبر داخل فيه.
والثاني: أنه كناية في القذف، لأنه أضاف الزِّنَى إلى جميع البدن، والزنا بجميع البدن إنما يكون بالمباشرة، فلم يكن صريحاً في القذف.
стр. 6478
[فرع: قذف الخنثى]
) : وإن قال للخنثى المشكل: زنيت أو يا زاني.. كان صريحاً في القذف، لأنه رماه بالفاحشة. وإن قال له: زنَى فرجك، أو زنَى ذكرك.. فالذي يقتضيه المذهب: أن يكون فيه وجهان:
أحدهما: أنه صريح.
والثاني: أنه يكون كناية، كما لو أضاف الزِّنَى إلى اليد أو الرجل من المرأة أو الرجل، لأن كل واحد منهما يحتمل أن يكون عضواً زائداً، فهو كسائر أعضاء البدن.
وإن قال له: زنَى فرجك وذكرك.. كان صريحاً في القذف، لأنه لا بد أن يكون أحدهما أصلياً، وقد أضاف الزِّنَى إليه.
وإن قال له: زنَى دبرك.. كان صريحاً في القذف، لأن إضافة الزِّنَى إلى الدبر من الرجل أو المرأة صريح في القذف، ولا بد أن يكون الخنثى أحدهما.
[فرع: قوله: لا ترد يد لامس]
وإن قال: فلانة لا ترد يد لامس.. لم يكن صريحاً في القذف، لـ «أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن امرأتي لا ترد يد لامس» ، فلم يجعله النَّبيّ ﷺ قاذفاً لها بذلك.
[فرع: قوله زُنَي بك وأنت مكرهة]
إذا قال لامرأة: زنَى بك رجل وأنت مكرهة.. كان قاذفاً لرجل غير معين، ولا يجب عليه الحد، لأنه غير معين، ولا يكون قاذفاً للمرأة، لأنه رماها بوطء ليست بزانية فيه وهل يعزر لها؟ فيه وجهان
стр. 6479
أحدهما: لا يعزر لها، لأنه رماها بوطء لا حد عليها فيه ولا عار.
والثاني: يعزر، لأنه قد آذاها بحصول ماء حرام في رحمها، وذلك طعن عليها فلزمه التَّعزِير لها.
[فرع: قوله: زنيت بصبي أو ركبت رجلاً أو ساحقت امرأة]
وإن قال: زنيت بفلان وهو صبي يجامع مثله.. كان قاذفاً لها، لأنه يوجد منه الوطء الذي يجب به الحد عليها. وإن كان صبياً لا يجامع مثله.. لم يكن قاذفاً لها، لأن القذف ما احتمل الصدق والكذب، وفي هذا الموضع يعلم كذبه لا غير، فلم يكن به قاذفاً.
وإن قال لامرأة: ركبت رجلاً حتى دخل ذكره في فرجك.. كان قاذفاً لها، لأنه رماها بالفاحشة. وإن قال لامرأة: ساحقت فلانة أو زنيت بفلانة.. لم يكن قاذفاً لها، لأنه لو تحقق ذلك منهما.. لم يجب عليهما الحد، فلم يكن قاذفاً بذلك، ويعزر، لأنه آذاها بذلك.
[مسألة: إنكار نسبة الولد له]
قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو ولدت امرأته ولداً، فقال: زوجها: ليس بابني.. فإنه لا يكون عليه حد ولا لعان حتى ينفيه) . وجملة ذلك: أن الرجل إذا أتت امرأته بولد، فقال: هذا الولد ليس مني أو ليس بابني.. فإنه لا يكون قاذفاً لها بظاهر هذا القول، لأنه يحتمل: أنه أراد به ليس مني أو ليس بابني وأنه من الزِّنَى. ويحتمل: أنه ليس مني أو ليس بابني لا لأنه من الزِّنَى ولكنه ليس يشبهني خلقاً ولا خلقاً، ويحتمل: أنه ليس مني أو ليس بابني، بل من زوج قبلي. ويحتمل: أنه ليس بابني وليس مني وأنها استعارته أو التقطته. وإذا احتمل هذا القول القذف وغيره.. لم يكن قذفاً بظاهره، كما لو قال له: يا حلال يا بن الحلال، ويرجع في تفسير ذلك إليه، فإن قال: أردت أنه من الزِّنَى.. كان قاذفاً لها. وإن قال: أردت أنه
стр. 6480
ليس بابني، لأنه لا يشبهني خلقاً ولا خلقا، فإن صدقته على ذلك.. فلا كلام وإلا.. كان القول فيه قوله مع يمينه، لأنه أعلم بما أراد. وإن قال: أردت أنه من زوج قبلي، فإن لم يعرف لها زوج قبله.. قيل له: لا يقبل منك هذا التفسير، لأنك فسرته بما لا يحتمله، فعليك أن تفسره بما يحتمله. وإن كان قد عرف لها زوج قبله وصدقته على أنه أراد به ذلك.. لم يكن قاذفاً لها - والكلام في نفي نسب الولد عنه في ذلك قد مَضَى في اللعان - وإن كذبته في ذلك، فقالت: ما أردت بذلك إلا القذف؟ كان القول قوله مع يمينه، لأنه أعلم بما أراد.
وإن قال: أردت أنه ليس بابني، بل استعارته أو التقطته، وصدقته على أنه أراد ذلك، أو كذبته وحلف أنه أراد ذلك.. لم يكن قاذفاً لها، والكلام في نفي نسبه عنه قد مَضَى في اللعان.
[فرع: قذف زوجته ونفى ولدها باللعان ثم قال: أجنبي للولد: لست بابنه]
وإن قذف رجل زوجته ونفى نسب ولدها باللعان، ثم قال رجل أجنبي لذلك الولد: لست بابن فلان.. لم يكن ذلك صريحاً في القذف، لأنه يحتمل: أنه أراد لست بابن فلان، لأنه لا بنوة بينكما، ويحتمل: أنه أراد لست بابن فلان، بل إنك من الزِّنَى، فيرجع إليه، فإن قال: أردت أنه ليس بابنه، لأنه لا بنوة بينهما في الشَّرع، فصدقته المرأة على ذلك، أو كذبته وحلف على ذلك.. لم يكن قاذفاً لها. وإن قال: أرد أنك لست بابنه، بل من الزِّنَى.. كان قاذفاً للمرأة، فيجب لها عليه حد القذف.
وإن قذف امرأة ونفى نسب ولدها باللعان، ثم أكذب نفسه.. لحقه نسب الولد. فإن قال رجل أجنبي لهذا الولد بعد أن أكذب الزوج نفسه: لست بابن فلان.. قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (حد) ، وقال: في الزوج - إذا قال لهذا الولد: لست بابني -: (لا يكون صريحاً في القذف، وإنما يرجع إليه في التفسير) ، واختلف أصحابنا فيهما على أربعة طرق:
следующие страницы →